Tafsir Ibn Al-Jawzi — الكهف 18:63 – الكهف 18:110
المحتويات
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
الكهف 18:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ. . .﴾ الآَيَةُ، سَبَبُ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ، ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ؛ قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ. فانْطَلَقَ (p-١٦٢)مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُؤُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ، فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ. فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ، قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آَتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا، قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصْبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ فَتاهَ: "أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ. . . " إلى قَوْلِهِ: "عَجَبًا،" قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سِرْبًا، ولِمُوسى ولِفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِي، "فارْتَدّا عَلى آَثارِهِما قَصَصًا" . قالَ: رَجَعا يَقُصّانِ آَثارَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا هو مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ! مَن أنْتَ ؟ قالَ: أنا مُوسى. قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عِلْمِ اللَّهِ لا تَعْلَمُهُ عَلَّمَنِيهِ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، فَقالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا؛ فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنَ ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقُدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ (p-١٦٣)إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها. . . إلى قَوْلِهِ: عُسْرًا ؟ ! قالَ: وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ؛ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ فاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً إلى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ [ هَكَذا ]، فَأقامَهُ. فَقالَ مُوسى: قَوْمٌ أتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولَمْ يُضَيِّفُونا، لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا. قالَ: هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. . . الآَيَةُ "» . هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ "، وقَدْ ذَكَرْنا إسْنادَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَآَثَرْنا الِاخْتِصارَ هاهُنا.
فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ المَعْنى: واذْكُرْ ذَلِكَ. وفي مُوسى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البَكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ لَيْسَ هو مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ، قالَ: (p-١٦٤)كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. . . . فَذَكَرَ الحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْناهُ آَنِفًا.
والثّانِي: أنَّهُ مُوسى بْنُ مَيْشًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. فَأمّا فَتاهُ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونَ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وإنَّما سُمِّيَ فَتاهَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُلازِمُهُ ويَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدُمُهُ.
وَمَعْنى ﴿لا أبْرَحُ﴾: لا أزالُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ: لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَزَلْ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، فَهو مِثْلُ قَوْلِكَ: ما بَرِحْتُ أُناظِرُ عَبْدَ اللَّهِ؛ أيْ: ما زِلْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أثْقَلَتْكَ، والمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ؛ أيْ: مُلْتَقاهُما، وهو المَوْضِعُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِلِقاءِ الخَضِرِ فِيهِ. قالَ قَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ، وبَحْرُ الرُّومِ، فَبَحْرُ الرُّومِ نَحْوُ المَغْرِبِ، وبَحْرُ فارِسٍ نَحْوُ المَشْرِقِ.
وَفِي اسْمِ البَلَدِ الَّذِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إفْرِيقِيَّةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّانِي: طَنْجَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( حُقْبًا ) بِإسْكانِ القافِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحُقْبُ: الدَّهْرُ، والحِقْبُ: السُّنُونَ، واحِدَتُها حِقْبَةٌ، ويُقالُ: حُقْبٌ وحُقُبٌ، كَما يُقالُ: قُفْلٌ وقُفُلٌ، وهُزْؤٌ وهُزُؤٌ، وكُفْؤٌ وكُفُؤٌ، وأكْلٌ (p-١٦٥)وَأُكُلٌ، وسُحْتٌ وسُحُتٌ، ورُعْبٌ ورُعُبٌ، ونُكْرٌ ونُكُرٌ، وأُذْنٌ وأُذُنٌ، وسُحْقٌ وسُحُقٌ، وبُعْدٌ وبُعُدٌ، وشُغْلٌ وشُغُلٌ، وثُلْثٌ وثُلُثٌ، وعُذْرٌ وعُذُرٌ، ونَذْرٌ ونُذُرٌ، وعُمْرٌ وعُمُرٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُقُبِ هاهُنا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وأبُو هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والسّادِسُ: أنَّهُ ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدَدِ الدُّنْيا. والسّابِعُ: أنَّهُ سَنَةٌ بِلُغَةِ قَيْسٍ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ. والثّامِنُ: الحُقُبُ عِنْدَ العَرَبِ وقْتٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. ومَعْنى الكَلامِ: لا أزالُ أسِيرُ، ولَوِ احْتَجْتُ أنْ أسِيرَ حُقُبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا﴾ يَعْنِي: مُوسى وفَتاهُ، ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ يَعْنِي: البَحْرَيْنِ، ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وكانا قَدْ تَزَوَّدا حُوتًا مالِحًا في زَبِيلٍ، فَكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وضْعَ فَتاهُ المِكْتَلَ، فَأصابَ الحُوتَ بَلَلُ البَحْرِ. وقِيلَ: تَوَضَّأ يُوشِعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَخَ عَلى الحُوتِ الماءُ فَعاشَ، فَتَحَرَّكَ في المِكْتَلِ، فانْسَرَبَ في البَحْرِ، وقَدْ كانَ قِيلَ لِمُوسى: تَزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا، فَإذا فَقَدْتَهُ وجَدْتَ الرَّجُلَ. وكانَ مُوسى حِينَ ذَهَبَ الحُوتُ في البَحْرِ قَدْ مَضى لِحاجَةٍ، فَعَزَمَ فَتاهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِما جَرى فَنَسِيَ. وإنَّما قِيلَ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ تَوَسُّعًا في الكَلامِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا تُزَوِّداهُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ القَوْمُ زادَهُمْ، وإنَّما نَسِيَهُ أحَدُهم. قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٢٢ ]، وإنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ المِلْحِ لا مِنَ العَذْبِ. وقِيلَ: نَسِيَ يُوشَعُ (p-١٦٦)أنْ يَحْمِلَ الحُوتَ، ونَسِيَ مُوسى أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ النِّسْيانُ إلَيْهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾؛ أيْ: مَسْلَكًا ومَذْهَبًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ الحُوتَ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ البَحْرِ إلّا يَبِسَ حَتّى يَكُونَ صَخْرَةً. وقالَ قَتادَةُ: جَعَلَ لا يَسْلُكَ طَرِيقًا إلّا صارَ الماءُ جامِدًا. وقَدْ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الماءَ صارَ مِثْلَ الطّاقِ عَلى الحُوتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ الحُوتُ، أصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرُ مِنَ النَّصَبِ، فَدَعا مُوسى بِالطَّعامِ، فَقالَ: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾، وهو الطَّعامُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالغَداةِ. والنَّصَبُ: الإعْياءُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ إظْهارِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ عِنْدَما يَلْحَقُ الإنْسانُ مِنَ الأذى والتَّعَبِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ شَكْوى. ﴿قالَ﴾ يُوشَعُ لِمُوسى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾؛ أيْ: حِينَ نَزَلْنا هُناكَ، ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: نَسِيتُ أنْ أُخْبِرَكَ خَبَرَ الحُوتِ. والثّانِي: نَسِيتُ حَمْلَ الحُوتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْسانِيهُ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ( أنْسانِيهِ ) بِإمالَةِ السِّينِ [ مَعَ كَسْرِ الهاءِ ] . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( أنْسانِيهِي ) بِإثْباتِ ياءٍ في الوَصْلِ بَعْدَ الهاءِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْسانِيهُ إلّا ) بِضَمِّ الهاءِ [ في الوَصْلِ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الهاءُ في السَّبِيلِ تَرْجِعُ إلى الحُوتِ. وفي المُتَّخَذِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الحُوتُ، ثُمَّ في المُخْبِرِ عَنْهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ يُرى عَجَبًا ويُحْدِثُ عَجَبًا. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-١٦٧)﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾، قالَ: اعْجَبُوا لِذَلِكَ عَجَبًا، وتَنَبَّهُوا لِهَذِهِ الآَيَةِ. والثّالِثُ: أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي البَحْرِ﴾، فَقالَ مُوسى: عَجَبًا، لِما شُوهِدَ مِنَ الحُوتِ. ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّانِي: [ أنَّ ] المُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ يُوشَعُ، وصَفَ لِمُوسى ما فَعَلَ الحُوتُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُتَّخِذَ مُوسى، اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ في البَحْرِ عَجَبًا، فَدَخَلَ في المَكانِ الَّذِي مَرَّ فِيهِ الحُوتُ فَرَأى الخَضِرَ. ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَجَعَ مُوسى إلى الصَّخْرَةِ فَوَجَدَ الحُوتَ، فَجَعَلَ الحُوتُ يَضْرِبُ في البَحْرِ ويَتْبَعُهُ مُوسى، حَتّى انْتَهى بِهِ إلى جَزِيرَةٍ مِن جَزائِرِ البَحْرِ، فَلَقِيَ الخَضِرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: مُوسى، ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَطْلُبُ مِنَ العَلامَةِ الدّالَّةِ عَلى مَطْلُوبِنا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( نَبْغِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكاهُ يَقُصّانِ الأثَرَ. والقَصَصُ: اتِّباعُ الأثَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ.
وَفِي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: اليَسَعُ، قالَهُ وهَبٌ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الخَضِرُ بْنُ عامِيا. والثّالِثُ: أرَمَيا بْنُ حَلْفِيا، ذَكَرَهُما ابْنُ المُنادِي. والرّابِعُ: بَلِيا بْنُ مَلِكانَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِالخَضِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: (p-١٦٨)
أحَدُهُما: أنَّهُ جَلَسَ في فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فاخْضَرَّتْ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . والفَرْوَةُ: الأرْضُ اليابِسَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ. وهَلْ كانَ الخَضِرُ نَبِيًّا أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما أبُو بَكْرٍ بْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وبَعْضُهم يَقُولُ: كانَ عَبْدًا صالِحًا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هو باقٍ إلى يَوْمِنا هَذا عَلى قَوْلَيْنِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ، وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ ماتَ، وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا يَقُولُ، ويَقْبُحُ قَوْلُ مَن يَرى بَقاءَهُ ويَقُولُ: لا يَثْبُتُ حَدِيثٌ في بَقائِهِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ سُئِلَ عَنِ الخَضِرِ وإلْياسَ: هَلْ هُما في الأحْياءِ ؟ فَقالَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «لا يَبْقى عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ في هَذِهِ الرَّحْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-١٦٩)
أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الرِّقَّةُ والحُنُوُّ عَلى مَن يَسْتَحِقُّهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّالِثُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِنا، " عِلْمًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْطاهُ عِلْمًا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
الكهف 18:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ. . .﴾ الآَيَةُ، سَبَبُ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ، ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ؛ قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ. فانْطَلَقَ (p-١٦٢)مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُؤُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ، فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ. فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ، قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آَتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا، قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصْبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ فَتاهَ: "أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ. . . " إلى قَوْلِهِ: "عَجَبًا،" قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سِرْبًا، ولِمُوسى ولِفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِي، "فارْتَدّا عَلى آَثارِهِما قَصَصًا" . قالَ: رَجَعا يَقُصّانِ آَثارَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا هو مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ! مَن أنْتَ ؟ قالَ: أنا مُوسى. قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عِلْمِ اللَّهِ لا تَعْلَمُهُ عَلَّمَنِيهِ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، فَقالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا؛ فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنَ ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقُدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ (p-١٦٣)إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها. . . إلى قَوْلِهِ: عُسْرًا ؟ ! قالَ: وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ؛ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ فاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً إلى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ [ هَكَذا ]، فَأقامَهُ. فَقالَ مُوسى: قَوْمٌ أتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولَمْ يُضَيِّفُونا، لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا. قالَ: هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. . . الآَيَةُ "» . هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ "، وقَدْ ذَكَرْنا إسْنادَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَآَثَرْنا الِاخْتِصارَ هاهُنا.
فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ المَعْنى: واذْكُرْ ذَلِكَ. وفي مُوسى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البَكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ لَيْسَ هو مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ، قالَ: (p-١٦٤)كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. . . . فَذَكَرَ الحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْناهُ آَنِفًا.
والثّانِي: أنَّهُ مُوسى بْنُ مَيْشًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. فَأمّا فَتاهُ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونَ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وإنَّما سُمِّيَ فَتاهَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُلازِمُهُ ويَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدُمُهُ.
وَمَعْنى ﴿لا أبْرَحُ﴾: لا أزالُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ: لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَزَلْ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، فَهو مِثْلُ قَوْلِكَ: ما بَرِحْتُ أُناظِرُ عَبْدَ اللَّهِ؛ أيْ: ما زِلْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أثْقَلَتْكَ، والمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ؛ أيْ: مُلْتَقاهُما، وهو المَوْضِعُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِلِقاءِ الخَضِرِ فِيهِ. قالَ قَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ، وبَحْرُ الرُّومِ، فَبَحْرُ الرُّومِ نَحْوُ المَغْرِبِ، وبَحْرُ فارِسٍ نَحْوُ المَشْرِقِ.
وَفِي اسْمِ البَلَدِ الَّذِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إفْرِيقِيَّةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّانِي: طَنْجَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( حُقْبًا ) بِإسْكانِ القافِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحُقْبُ: الدَّهْرُ، والحِقْبُ: السُّنُونَ، واحِدَتُها حِقْبَةٌ، ويُقالُ: حُقْبٌ وحُقُبٌ، كَما يُقالُ: قُفْلٌ وقُفُلٌ، وهُزْؤٌ وهُزُؤٌ، وكُفْؤٌ وكُفُؤٌ، وأكْلٌ (p-١٦٥)وَأُكُلٌ، وسُحْتٌ وسُحُتٌ، ورُعْبٌ ورُعُبٌ، ونُكْرٌ ونُكُرٌ، وأُذْنٌ وأُذُنٌ، وسُحْقٌ وسُحُقٌ، وبُعْدٌ وبُعُدٌ، وشُغْلٌ وشُغُلٌ، وثُلْثٌ وثُلُثٌ، وعُذْرٌ وعُذُرٌ، ونَذْرٌ ونُذُرٌ، وعُمْرٌ وعُمُرٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُقُبِ هاهُنا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وأبُو هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والسّادِسُ: أنَّهُ ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدَدِ الدُّنْيا. والسّابِعُ: أنَّهُ سَنَةٌ بِلُغَةِ قَيْسٍ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ. والثّامِنُ: الحُقُبُ عِنْدَ العَرَبِ وقْتٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. ومَعْنى الكَلامِ: لا أزالُ أسِيرُ، ولَوِ احْتَجْتُ أنْ أسِيرَ حُقُبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا﴾ يَعْنِي: مُوسى وفَتاهُ، ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ يَعْنِي: البَحْرَيْنِ، ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وكانا قَدْ تَزَوَّدا حُوتًا مالِحًا في زَبِيلٍ، فَكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وضْعَ فَتاهُ المِكْتَلَ، فَأصابَ الحُوتَ بَلَلُ البَحْرِ. وقِيلَ: تَوَضَّأ يُوشِعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَخَ عَلى الحُوتِ الماءُ فَعاشَ، فَتَحَرَّكَ في المِكْتَلِ، فانْسَرَبَ في البَحْرِ، وقَدْ كانَ قِيلَ لِمُوسى: تَزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا، فَإذا فَقَدْتَهُ وجَدْتَ الرَّجُلَ. وكانَ مُوسى حِينَ ذَهَبَ الحُوتُ في البَحْرِ قَدْ مَضى لِحاجَةٍ، فَعَزَمَ فَتاهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِما جَرى فَنَسِيَ. وإنَّما قِيلَ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ تَوَسُّعًا في الكَلامِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا تُزَوِّداهُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ القَوْمُ زادَهُمْ، وإنَّما نَسِيَهُ أحَدُهم. قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٢٢ ]، وإنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ المِلْحِ لا مِنَ العَذْبِ. وقِيلَ: نَسِيَ يُوشَعُ (p-١٦٦)أنْ يَحْمِلَ الحُوتَ، ونَسِيَ مُوسى أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ النِّسْيانُ إلَيْهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾؛ أيْ: مَسْلَكًا ومَذْهَبًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ الحُوتَ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ البَحْرِ إلّا يَبِسَ حَتّى يَكُونَ صَخْرَةً. وقالَ قَتادَةُ: جَعَلَ لا يَسْلُكَ طَرِيقًا إلّا صارَ الماءُ جامِدًا. وقَدْ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الماءَ صارَ مِثْلَ الطّاقِ عَلى الحُوتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ الحُوتُ، أصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرُ مِنَ النَّصَبِ، فَدَعا مُوسى بِالطَّعامِ، فَقالَ: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾، وهو الطَّعامُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالغَداةِ. والنَّصَبُ: الإعْياءُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ إظْهارِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ عِنْدَما يَلْحَقُ الإنْسانُ مِنَ الأذى والتَّعَبِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ شَكْوى. ﴿قالَ﴾ يُوشَعُ لِمُوسى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾؛ أيْ: حِينَ نَزَلْنا هُناكَ، ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: نَسِيتُ أنْ أُخْبِرَكَ خَبَرَ الحُوتِ. والثّانِي: نَسِيتُ حَمْلَ الحُوتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْسانِيهُ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ( أنْسانِيهِ ) بِإمالَةِ السِّينِ [ مَعَ كَسْرِ الهاءِ ] . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( أنْسانِيهِي ) بِإثْباتِ ياءٍ في الوَصْلِ بَعْدَ الهاءِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْسانِيهُ إلّا ) بِضَمِّ الهاءِ [ في الوَصْلِ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الهاءُ في السَّبِيلِ تَرْجِعُ إلى الحُوتِ. وفي المُتَّخَذِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الحُوتُ، ثُمَّ في المُخْبِرِ عَنْهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ يُرى عَجَبًا ويُحْدِثُ عَجَبًا. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-١٦٧)﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾، قالَ: اعْجَبُوا لِذَلِكَ عَجَبًا، وتَنَبَّهُوا لِهَذِهِ الآَيَةِ. والثّالِثُ: أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي البَحْرِ﴾، فَقالَ مُوسى: عَجَبًا، لِما شُوهِدَ مِنَ الحُوتِ. ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّانِي: [ أنَّ ] المُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ يُوشَعُ، وصَفَ لِمُوسى ما فَعَلَ الحُوتُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُتَّخِذَ مُوسى، اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ في البَحْرِ عَجَبًا، فَدَخَلَ في المَكانِ الَّذِي مَرَّ فِيهِ الحُوتُ فَرَأى الخَضِرَ. ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَجَعَ مُوسى إلى الصَّخْرَةِ فَوَجَدَ الحُوتَ، فَجَعَلَ الحُوتُ يَضْرِبُ في البَحْرِ ويَتْبَعُهُ مُوسى، حَتّى انْتَهى بِهِ إلى جَزِيرَةٍ مِن جَزائِرِ البَحْرِ، فَلَقِيَ الخَضِرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: مُوسى، ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَطْلُبُ مِنَ العَلامَةِ الدّالَّةِ عَلى مَطْلُوبِنا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( نَبْغِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكاهُ يَقُصّانِ الأثَرَ. والقَصَصُ: اتِّباعُ الأثَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ.
وَفِي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: اليَسَعُ، قالَهُ وهَبٌ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الخَضِرُ بْنُ عامِيا. والثّالِثُ: أرَمَيا بْنُ حَلْفِيا، ذَكَرَهُما ابْنُ المُنادِي. والرّابِعُ: بَلِيا بْنُ مَلِكانَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِالخَضِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: (p-١٦٨)
أحَدُهُما: أنَّهُ جَلَسَ في فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فاخْضَرَّتْ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . والفَرْوَةُ: الأرْضُ اليابِسَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ. وهَلْ كانَ الخَضِرُ نَبِيًّا أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما أبُو بَكْرٍ بْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وبَعْضُهم يَقُولُ: كانَ عَبْدًا صالِحًا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هو باقٍ إلى يَوْمِنا هَذا عَلى قَوْلَيْنِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ، وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ ماتَ، وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا يَقُولُ، ويَقْبُحُ قَوْلُ مَن يَرى بَقاءَهُ ويَقُولُ: لا يَثْبُتُ حَدِيثٌ في بَقائِهِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ سُئِلَ عَنِ الخَضِرِ وإلْياسَ: هَلْ هُما في الأحْياءِ ؟ فَقالَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «لا يَبْقى عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ في هَذِهِ الرَّحْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-١٦٩)
أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الرِّقَّةُ والحُنُوُّ عَلى مَن يَسْتَحِقُّهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّالِثُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِنا، " عِلْمًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْطاهُ عِلْمًا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
الكهف 18:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ. . .﴾ الآَيَةُ، سَبَبُ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ، ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ؛ قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ. فانْطَلَقَ (p-١٦٢)مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُؤُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ، فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ. فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ، قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آَتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا، قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصْبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ فَتاهَ: "أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ. . . " إلى قَوْلِهِ: "عَجَبًا،" قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سِرْبًا، ولِمُوسى ولِفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِي، "فارْتَدّا عَلى آَثارِهِما قَصَصًا" . قالَ: رَجَعا يَقُصّانِ آَثارَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا هو مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ! مَن أنْتَ ؟ قالَ: أنا مُوسى. قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عِلْمِ اللَّهِ لا تَعْلَمُهُ عَلَّمَنِيهِ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، فَقالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا؛ فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنَ ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقُدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ (p-١٦٣)إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها. . . إلى قَوْلِهِ: عُسْرًا ؟ ! قالَ: وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ؛ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ فاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً إلى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ [ هَكَذا ]، فَأقامَهُ. فَقالَ مُوسى: قَوْمٌ أتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولَمْ يُضَيِّفُونا، لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا. قالَ: هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. . . الآَيَةُ "» . هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ "، وقَدْ ذَكَرْنا إسْنادَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَآَثَرْنا الِاخْتِصارَ هاهُنا.
فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ المَعْنى: واذْكُرْ ذَلِكَ. وفي مُوسى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البَكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ لَيْسَ هو مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ، قالَ: (p-١٦٤)كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. . . . فَذَكَرَ الحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْناهُ آَنِفًا.
والثّانِي: أنَّهُ مُوسى بْنُ مَيْشًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. فَأمّا فَتاهُ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونَ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وإنَّما سُمِّيَ فَتاهَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُلازِمُهُ ويَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدُمُهُ.
وَمَعْنى ﴿لا أبْرَحُ﴾: لا أزالُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ: لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَزَلْ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، فَهو مِثْلُ قَوْلِكَ: ما بَرِحْتُ أُناظِرُ عَبْدَ اللَّهِ؛ أيْ: ما زِلْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أثْقَلَتْكَ، والمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ؛ أيْ: مُلْتَقاهُما، وهو المَوْضِعُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِلِقاءِ الخَضِرِ فِيهِ. قالَ قَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ، وبَحْرُ الرُّومِ، فَبَحْرُ الرُّومِ نَحْوُ المَغْرِبِ، وبَحْرُ فارِسٍ نَحْوُ المَشْرِقِ.
وَفِي اسْمِ البَلَدِ الَّذِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إفْرِيقِيَّةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّانِي: طَنْجَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( حُقْبًا ) بِإسْكانِ القافِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحُقْبُ: الدَّهْرُ، والحِقْبُ: السُّنُونَ، واحِدَتُها حِقْبَةٌ، ويُقالُ: حُقْبٌ وحُقُبٌ، كَما يُقالُ: قُفْلٌ وقُفُلٌ، وهُزْؤٌ وهُزُؤٌ، وكُفْؤٌ وكُفُؤٌ، وأكْلٌ (p-١٦٥)وَأُكُلٌ، وسُحْتٌ وسُحُتٌ، ورُعْبٌ ورُعُبٌ، ونُكْرٌ ونُكُرٌ، وأُذْنٌ وأُذُنٌ، وسُحْقٌ وسُحُقٌ، وبُعْدٌ وبُعُدٌ، وشُغْلٌ وشُغُلٌ، وثُلْثٌ وثُلُثٌ، وعُذْرٌ وعُذُرٌ، ونَذْرٌ ونُذُرٌ، وعُمْرٌ وعُمُرٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُقُبِ هاهُنا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وأبُو هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والسّادِسُ: أنَّهُ ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدَدِ الدُّنْيا. والسّابِعُ: أنَّهُ سَنَةٌ بِلُغَةِ قَيْسٍ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ. والثّامِنُ: الحُقُبُ عِنْدَ العَرَبِ وقْتٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. ومَعْنى الكَلامِ: لا أزالُ أسِيرُ، ولَوِ احْتَجْتُ أنْ أسِيرَ حُقُبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا﴾ يَعْنِي: مُوسى وفَتاهُ، ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ يَعْنِي: البَحْرَيْنِ، ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وكانا قَدْ تَزَوَّدا حُوتًا مالِحًا في زَبِيلٍ، فَكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وضْعَ فَتاهُ المِكْتَلَ، فَأصابَ الحُوتَ بَلَلُ البَحْرِ. وقِيلَ: تَوَضَّأ يُوشِعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَخَ عَلى الحُوتِ الماءُ فَعاشَ، فَتَحَرَّكَ في المِكْتَلِ، فانْسَرَبَ في البَحْرِ، وقَدْ كانَ قِيلَ لِمُوسى: تَزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا، فَإذا فَقَدْتَهُ وجَدْتَ الرَّجُلَ. وكانَ مُوسى حِينَ ذَهَبَ الحُوتُ في البَحْرِ قَدْ مَضى لِحاجَةٍ، فَعَزَمَ فَتاهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِما جَرى فَنَسِيَ. وإنَّما قِيلَ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ تَوَسُّعًا في الكَلامِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا تُزَوِّداهُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ القَوْمُ زادَهُمْ، وإنَّما نَسِيَهُ أحَدُهم. قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٢٢ ]، وإنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ المِلْحِ لا مِنَ العَذْبِ. وقِيلَ: نَسِيَ يُوشَعُ (p-١٦٦)أنْ يَحْمِلَ الحُوتَ، ونَسِيَ مُوسى أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ النِّسْيانُ إلَيْهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾؛ أيْ: مَسْلَكًا ومَذْهَبًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ الحُوتَ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ البَحْرِ إلّا يَبِسَ حَتّى يَكُونَ صَخْرَةً. وقالَ قَتادَةُ: جَعَلَ لا يَسْلُكَ طَرِيقًا إلّا صارَ الماءُ جامِدًا. وقَدْ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الماءَ صارَ مِثْلَ الطّاقِ عَلى الحُوتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ الحُوتُ، أصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرُ مِنَ النَّصَبِ، فَدَعا مُوسى بِالطَّعامِ، فَقالَ: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾، وهو الطَّعامُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالغَداةِ. والنَّصَبُ: الإعْياءُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ إظْهارِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ عِنْدَما يَلْحَقُ الإنْسانُ مِنَ الأذى والتَّعَبِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ شَكْوى. ﴿قالَ﴾ يُوشَعُ لِمُوسى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾؛ أيْ: حِينَ نَزَلْنا هُناكَ، ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: نَسِيتُ أنْ أُخْبِرَكَ خَبَرَ الحُوتِ. والثّانِي: نَسِيتُ حَمْلَ الحُوتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْسانِيهُ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ( أنْسانِيهِ ) بِإمالَةِ السِّينِ [ مَعَ كَسْرِ الهاءِ ] . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( أنْسانِيهِي ) بِإثْباتِ ياءٍ في الوَصْلِ بَعْدَ الهاءِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْسانِيهُ إلّا ) بِضَمِّ الهاءِ [ في الوَصْلِ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الهاءُ في السَّبِيلِ تَرْجِعُ إلى الحُوتِ. وفي المُتَّخَذِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الحُوتُ، ثُمَّ في المُخْبِرِ عَنْهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ يُرى عَجَبًا ويُحْدِثُ عَجَبًا. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-١٦٧)﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾، قالَ: اعْجَبُوا لِذَلِكَ عَجَبًا، وتَنَبَّهُوا لِهَذِهِ الآَيَةِ. والثّالِثُ: أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي البَحْرِ﴾، فَقالَ مُوسى: عَجَبًا، لِما شُوهِدَ مِنَ الحُوتِ. ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّانِي: [ أنَّ ] المُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ يُوشَعُ، وصَفَ لِمُوسى ما فَعَلَ الحُوتُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُتَّخِذَ مُوسى، اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ في البَحْرِ عَجَبًا، فَدَخَلَ في المَكانِ الَّذِي مَرَّ فِيهِ الحُوتُ فَرَأى الخَضِرَ. ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَجَعَ مُوسى إلى الصَّخْرَةِ فَوَجَدَ الحُوتَ، فَجَعَلَ الحُوتُ يَضْرِبُ في البَحْرِ ويَتْبَعُهُ مُوسى، حَتّى انْتَهى بِهِ إلى جَزِيرَةٍ مِن جَزائِرِ البَحْرِ، فَلَقِيَ الخَضِرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: مُوسى، ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَطْلُبُ مِنَ العَلامَةِ الدّالَّةِ عَلى مَطْلُوبِنا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( نَبْغِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكاهُ يَقُصّانِ الأثَرَ. والقَصَصُ: اتِّباعُ الأثَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ.
وَفِي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: اليَسَعُ، قالَهُ وهَبٌ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الخَضِرُ بْنُ عامِيا. والثّالِثُ: أرَمَيا بْنُ حَلْفِيا، ذَكَرَهُما ابْنُ المُنادِي. والرّابِعُ: بَلِيا بْنُ مَلِكانَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِالخَضِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: (p-١٦٨)
أحَدُهُما: أنَّهُ جَلَسَ في فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فاخْضَرَّتْ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . والفَرْوَةُ: الأرْضُ اليابِسَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ. وهَلْ كانَ الخَضِرُ نَبِيًّا أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما أبُو بَكْرٍ بْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وبَعْضُهم يَقُولُ: كانَ عَبْدًا صالِحًا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هو باقٍ إلى يَوْمِنا هَذا عَلى قَوْلَيْنِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ، وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ ماتَ، وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا يَقُولُ، ويَقْبُحُ قَوْلُ مَن يَرى بَقاءَهُ ويَقُولُ: لا يَثْبُتُ حَدِيثٌ في بَقائِهِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ سُئِلَ عَنِ الخَضِرِ وإلْياسَ: هَلْ هُما في الأحْياءِ ؟ فَقالَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «لا يَبْقى عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ في هَذِهِ الرَّحْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-١٦٩)
أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الرِّقَّةُ والحُنُوُّ عَلى مَن يَسْتَحِقُّهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّالِثُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِنا، " عِلْمًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْطاهُ عِلْمًا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
الكهف 18:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( تُعَلِّمَنِي مِمّا ) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُشْدًا ) بِضَمِّ الرّاءِ [ وإسْكانُ الشِّينِ ] خَفِيفَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( رُشْدًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما. والرُّشْدُ والرَّشَدُ لُغَتانِ، كالنُّخْلِ والنَّخَلِ، والعُجْمِ والعَجَمِ، والعُرْبِ والعَرَبِ، والمَعْنى: أنْ تُعَلِّمَنِي عِلْمًا ذا رُشْدٍ. وهَذِهِ القِصَّةُ قَدْ حَرَّضَتْ عَلى الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ، واتِّباعِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وحَثَّتْ عَلى الأدَبِ والتَّواضُعِ لِلْمَصْحُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَنْ تَصْبِرَ عَلى صُنْعِي؛ لِأنِّي عَلِمْتُ مِن غَيْبِ عِلْمِ رَبِّي.
وَفِي هَذا الصَّبْرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى الإنْكارِ. والثّانِي: عَنِ السُّؤالِ. (p-١٧٠)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ الخُبْرُ: عِلْمُكَ بِالشَّيْءِ، والمَعْنى: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى أمْرٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ باطِنَهُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَفْيُ العِصْيانِ مَنسُوقٌ عَلى الصَّبْرِ، والمَعْنى: سَتَجِدُنِي صابِرًا ولا أعْصِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
الكهف 18:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( تُعَلِّمَنِي مِمّا ) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُشْدًا ) بِضَمِّ الرّاءِ [ وإسْكانُ الشِّينِ ] خَفِيفَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( رُشْدًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما. والرُّشْدُ والرَّشَدُ لُغَتانِ، كالنُّخْلِ والنَّخَلِ، والعُجْمِ والعَجَمِ، والعُرْبِ والعَرَبِ، والمَعْنى: أنْ تُعَلِّمَنِي عِلْمًا ذا رُشْدٍ. وهَذِهِ القِصَّةُ قَدْ حَرَّضَتْ عَلى الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ، واتِّباعِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وحَثَّتْ عَلى الأدَبِ والتَّواضُعِ لِلْمَصْحُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَنْ تَصْبِرَ عَلى صُنْعِي؛ لِأنِّي عَلِمْتُ مِن غَيْبِ عِلْمِ رَبِّي.
وَفِي هَذا الصَّبْرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى الإنْكارِ. والثّانِي: عَنِ السُّؤالِ. (p-١٧٠)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ الخُبْرُ: عِلْمُكَ بِالشَّيْءِ، والمَعْنى: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى أمْرٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ باطِنَهُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَفْيُ العِصْيانِ مَنسُوقٌ عَلى الصَّبْرِ، والمَعْنى: سَتَجِدُنِي صابِرًا ولا أعْصِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
الكهف 18:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( تُعَلِّمَنِي مِمّا ) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُشْدًا ) بِضَمِّ الرّاءِ [ وإسْكانُ الشِّينِ ] خَفِيفَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( رُشْدًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما. والرُّشْدُ والرَّشَدُ لُغَتانِ، كالنُّخْلِ والنَّخَلِ، والعُجْمِ والعَجَمِ، والعُرْبِ والعَرَبِ، والمَعْنى: أنْ تُعَلِّمَنِي عِلْمًا ذا رُشْدٍ. وهَذِهِ القِصَّةُ قَدْ حَرَّضَتْ عَلى الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ، واتِّباعِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وحَثَّتْ عَلى الأدَبِ والتَّواضُعِ لِلْمَصْحُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَنْ تَصْبِرَ عَلى صُنْعِي؛ لِأنِّي عَلِمْتُ مِن غَيْبِ عِلْمِ رَبِّي.
وَفِي هَذا الصَّبْرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى الإنْكارِ. والثّانِي: عَنِ السُّؤالِ. (p-١٧٠)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ الخُبْرُ: عِلْمُكَ بِالشَّيْءِ، والمَعْنى: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى أمْرٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ باطِنَهُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَفْيُ العِصْيانِ مَنسُوقٌ عَلى الصَّبْرِ، والمَعْنى: سَتَجِدُنِي صابِرًا ولا أعْصِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
الكهف 18:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( تُعَلِّمَنِي مِمّا ) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِياءٍ في الوَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُشْدًا ) بِضَمِّ الرّاءِ [ وإسْكانُ الشِّينِ ] خَفِيفَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( رُشْدًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما. والرُّشْدُ والرَّشَدُ لُغَتانِ، كالنُّخْلِ والنَّخَلِ، والعُجْمِ والعَجَمِ، والعُرْبِ والعَرَبِ، والمَعْنى: أنْ تُعَلِّمَنِي عِلْمًا ذا رُشْدٍ. وهَذِهِ القِصَّةُ قَدْ حَرَّضَتْ عَلى الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ، واتِّباعِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وحَثَّتْ عَلى الأدَبِ والتَّواضُعِ لِلْمَصْحُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَنْ تَصْبِرَ عَلى صُنْعِي؛ لِأنِّي عَلِمْتُ مِن غَيْبِ عِلْمِ رَبِّي.
وَفِي هَذا الصَّبْرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى الإنْكارِ. والثّانِي: عَنِ السُّؤالِ. (p-١٧٠)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ الخُبْرُ: عِلْمُكَ بِالشَّيْءِ، والمَعْنى: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى أمْرٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ باطِنَهُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَفْيُ العِصْيانِ مَنسُوقٌ عَلى الصَّبْرِ، والمَعْنى: سَتَجِدُنِي صابِرًا ولا أعْصِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
الكهف 18:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:
؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)
والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.
والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .
إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:
؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ
فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.
والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.
قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:
؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)
؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ
وَقالَ آَخَرُ:
؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]
وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.
وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.
الكهف 18:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ في المُرادِ بِمَسْكَنَتِهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ في أكْسابِهِمْ. والثّانِي: في أبْدانِهِمْ. وقالَ كَعْبُ: كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنى، وخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾؛ أيْ: أجْعَلُها ذاتَ عَيْبٍ، يَعْنِي: بِخَرْقِها، ﴿وَكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أمامَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ ) .
والثّانِي: خَلْفَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ كانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى الخَضِرَ خَبَرَهُ. (p-١٧٩)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾؛ أيْ: كُلُّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ [ بْنِ كَعْبٍ ]: ( كُلُّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ ) . قالَ الخَضِرُ: إنَّما خَرَقْتُها؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا رَآَها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَّعَها أهْلُها فانْتَفَعُوا بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الغُلامُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا ) . ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» " . قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ الغُلامُ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ أوْ غَصَبَهُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى أبَوَيْهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ الغُلامُ لِصًّا، فَإذا جاءَ مَن يَطْلُبُهُ حَلَفَ أبَواهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَشِينا﴾ في القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ في مَعْنى الخَشْيَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا. وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: المَعْنى: فِعْلُنا فِعْلَ الخاشِي. والثّانِي: الكَراهَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الخَضِرُ، فَتَكُونُ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ لِلْأمْرِ المُتَوَهِّمِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأرادَ اللَّهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى هَكَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. ومَعْنى ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يُغْشِيَهُما. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَشِينا (p-١٨٠)أنْ يَحْمِلَهُما حُبَّهُ عَلى أنْ يَدْخُلا في دِينِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: فَرِحا بِهِ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما، فَرَضِيَ امْرُؤٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيما يَكْرَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِن قَضائِهِ فِيما يُحِبُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْ يُبْدِلَهُما ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَمِلا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: صَلاحًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رَحِمًا ) ساكِنَةَ الحاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( رَحِمًا ) مُثَقَّلَةً. وعَنْ أبِي عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( رَحِمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أُوصِلُ لِلرَّحِمِ وأبِرُّ لِلْوالِدَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْرَبُ عَطْفًا وأمَسُّ بِالقَرابَةِ. ومَعْنى الرُّحْمِ والرُّحُمِ في اللُّغَةِ: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ
والثّانِي: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وفِيما بَدَلًا بِهِ قَوْلانِ: (p-١٨١)
أحَدُهُما: جارِيَةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أبْدَلَهُما بِهِ جارِيَةً ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.
والثّانِي: غُلامٌ مُسْلِمٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُهُما: أصْرَمُ وصَرِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَهَبًا وفِضَّةً، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: كانَ مالًا.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالقَدْرِ ثُمَّ هو يَنْصِبُ، عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبًا لِمَن يُوقِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، عَجَبًا لِمَن رَأى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، أنا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنا، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي؛ وفي الشِّقِّ الآَخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلّا إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسُمِّيَ كَنْزًا مِن جِهَةِ الذَّهَبِ، وجَعَلَ اسْمَهُ هو المُغَلَّبُ.
والثّالِثُ: كَنَزُ عِلْمٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: كانَ تَحْتَهُ مِثْلُ الكَنْزِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِن نَفْعِهِ أفْضَلُ مِمّا (p-١٨٢)يَنالُ مِنَ الأمْوالِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ: المالُ المَدْفُونُ المُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالُ، قِيلَ: عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ، والكَنْزُ هاهُنا بِالمالِ أشْبَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا، مَكْتُوبٌ فِيهِ عِلْمٌ، عَلى ما رُوِيَ، فَهو مالٌ وعِلْمٌ عَظِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِفْظًا بِصَلاحِ أبِيهِما، ولَمْ يُذْكَرْ مِنهُما صَلاحًا. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آَباءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُوهُما ذا أمانَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ( فَأرَدْتُ ) ( وأرَدْنا ) كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنِ الخَضِرِ، أتْبَعْهُما بِما يَحْصُرُ الإرادَةَ عَلَيْهِ ويُزِيلُها عَنْ غَيْرِهِ، ويَكْشِفُ البُغْيَةَ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. وإنَّما قالَ: " فَأرَدْتُ، فَأرَدْنا، فَأرادَ رَبُّكَ "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُؤْثِرُ اخْتِلافَ الكَلامِ عَلى اتِّفاقِهِ مَعَ تَساوِي المَعانِي؛ لِأنَّهُ أعْذَبُ عَلى الألْسُنِ، وأحْسَنُ مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قالَ لِي فَلانٌ كَذا، وأنْبَأنِي بِما كانَ، وخَبَّرَنِي بِما نالَ. فَأمّا " الأشَدُّ " فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في مَواضِعَ [ الأنْعامِ: ١٥٢، ويُوسُفَ: ٢٢، والإسْراءِ: ٣٤ ]، ولَوْ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يُقِمِ الحائِطَ لَنُقِضَ، وأخَذَ ذَلِكَ الكَنْزَ قَبْلَ بُلُوغِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ. ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ عَبْدًا مَأْمُورًا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَسْطِعْ﴾ فَإنَّ اسْتَطاعَ واسْطاعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.(p-١٨٣)
الكهف 18:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ في المُرادِ بِمَسْكَنَتِهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ في أكْسابِهِمْ. والثّانِي: في أبْدانِهِمْ. وقالَ كَعْبُ: كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنى، وخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾؛ أيْ: أجْعَلُها ذاتَ عَيْبٍ، يَعْنِي: بِخَرْقِها، ﴿وَكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أمامَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ ) .
والثّانِي: خَلْفَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ كانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى الخَضِرَ خَبَرَهُ. (p-١٧٩)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾؛ أيْ: كُلُّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ [ بْنِ كَعْبٍ ]: ( كُلُّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ ) . قالَ الخَضِرُ: إنَّما خَرَقْتُها؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا رَآَها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَّعَها أهْلُها فانْتَفَعُوا بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الغُلامُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا ) . ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» " . قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ الغُلامُ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ أوْ غَصَبَهُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى أبَوَيْهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ الغُلامُ لِصًّا، فَإذا جاءَ مَن يَطْلُبُهُ حَلَفَ أبَواهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَشِينا﴾ في القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ في مَعْنى الخَشْيَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا. وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: المَعْنى: فِعْلُنا فِعْلَ الخاشِي. والثّانِي: الكَراهَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الخَضِرُ، فَتَكُونُ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ لِلْأمْرِ المُتَوَهِّمِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأرادَ اللَّهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى هَكَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. ومَعْنى ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يُغْشِيَهُما. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَشِينا (p-١٨٠)أنْ يَحْمِلَهُما حُبَّهُ عَلى أنْ يَدْخُلا في دِينِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: فَرِحا بِهِ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما، فَرَضِيَ امْرُؤٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيما يَكْرَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِن قَضائِهِ فِيما يُحِبُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْ يُبْدِلَهُما ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَمِلا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: صَلاحًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رَحِمًا ) ساكِنَةَ الحاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( رَحِمًا ) مُثَقَّلَةً. وعَنْ أبِي عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( رَحِمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أُوصِلُ لِلرَّحِمِ وأبِرُّ لِلْوالِدَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْرَبُ عَطْفًا وأمَسُّ بِالقَرابَةِ. ومَعْنى الرُّحْمِ والرُّحُمِ في اللُّغَةِ: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ
والثّانِي: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وفِيما بَدَلًا بِهِ قَوْلانِ: (p-١٨١)
أحَدُهُما: جارِيَةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أبْدَلَهُما بِهِ جارِيَةً ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.
والثّانِي: غُلامٌ مُسْلِمٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُهُما: أصْرَمُ وصَرِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَهَبًا وفِضَّةً، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: كانَ مالًا.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالقَدْرِ ثُمَّ هو يَنْصِبُ، عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبًا لِمَن يُوقِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، عَجَبًا لِمَن رَأى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، أنا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنا، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي؛ وفي الشِّقِّ الآَخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلّا إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسُمِّيَ كَنْزًا مِن جِهَةِ الذَّهَبِ، وجَعَلَ اسْمَهُ هو المُغَلَّبُ.
والثّالِثُ: كَنَزُ عِلْمٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: كانَ تَحْتَهُ مِثْلُ الكَنْزِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِن نَفْعِهِ أفْضَلُ مِمّا (p-١٨٢)يَنالُ مِنَ الأمْوالِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ: المالُ المَدْفُونُ المُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالُ، قِيلَ: عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ، والكَنْزُ هاهُنا بِالمالِ أشْبَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا، مَكْتُوبٌ فِيهِ عِلْمٌ، عَلى ما رُوِيَ، فَهو مالٌ وعِلْمٌ عَظِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِفْظًا بِصَلاحِ أبِيهِما، ولَمْ يُذْكَرْ مِنهُما صَلاحًا. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آَباءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُوهُما ذا أمانَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ( فَأرَدْتُ ) ( وأرَدْنا ) كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنِ الخَضِرِ، أتْبَعْهُما بِما يَحْصُرُ الإرادَةَ عَلَيْهِ ويُزِيلُها عَنْ غَيْرِهِ، ويَكْشِفُ البُغْيَةَ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. وإنَّما قالَ: " فَأرَدْتُ، فَأرَدْنا، فَأرادَ رَبُّكَ "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُؤْثِرُ اخْتِلافَ الكَلامِ عَلى اتِّفاقِهِ مَعَ تَساوِي المَعانِي؛ لِأنَّهُ أعْذَبُ عَلى الألْسُنِ، وأحْسَنُ مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قالَ لِي فَلانٌ كَذا، وأنْبَأنِي بِما كانَ، وخَبَّرَنِي بِما نالَ. فَأمّا " الأشَدُّ " فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في مَواضِعَ [ الأنْعامِ: ١٥٢، ويُوسُفَ: ٢٢، والإسْراءِ: ٣٤ ]، ولَوْ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يُقِمِ الحائِطَ لَنُقِضَ، وأخَذَ ذَلِكَ الكَنْزَ قَبْلَ بُلُوغِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ. ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ عَبْدًا مَأْمُورًا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَسْطِعْ﴾ فَإنَّ اسْتَطاعَ واسْطاعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.(p-١٨٣)
الكهف 18:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ في المُرادِ بِمَسْكَنَتِهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ في أكْسابِهِمْ. والثّانِي: في أبْدانِهِمْ. وقالَ كَعْبُ: كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنى، وخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾؛ أيْ: أجْعَلُها ذاتَ عَيْبٍ، يَعْنِي: بِخَرْقِها، ﴿وَكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أمامَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ ) .
والثّانِي: خَلْفَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ كانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى الخَضِرَ خَبَرَهُ. (p-١٧٩)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾؛ أيْ: كُلُّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ [ بْنِ كَعْبٍ ]: ( كُلُّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ ) . قالَ الخَضِرُ: إنَّما خَرَقْتُها؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا رَآَها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَّعَها أهْلُها فانْتَفَعُوا بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الغُلامُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا ) . ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» " . قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ الغُلامُ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ أوْ غَصَبَهُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى أبَوَيْهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ الغُلامُ لِصًّا، فَإذا جاءَ مَن يَطْلُبُهُ حَلَفَ أبَواهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَشِينا﴾ في القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ في مَعْنى الخَشْيَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا. وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: المَعْنى: فِعْلُنا فِعْلَ الخاشِي. والثّانِي: الكَراهَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الخَضِرُ، فَتَكُونُ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ لِلْأمْرِ المُتَوَهِّمِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأرادَ اللَّهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى هَكَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. ومَعْنى ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يُغْشِيَهُما. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَشِينا (p-١٨٠)أنْ يَحْمِلَهُما حُبَّهُ عَلى أنْ يَدْخُلا في دِينِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: فَرِحا بِهِ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما، فَرَضِيَ امْرُؤٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيما يَكْرَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِن قَضائِهِ فِيما يُحِبُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْ يُبْدِلَهُما ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَمِلا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: صَلاحًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رَحِمًا ) ساكِنَةَ الحاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( رَحِمًا ) مُثَقَّلَةً. وعَنْ أبِي عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( رَحِمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أُوصِلُ لِلرَّحِمِ وأبِرُّ لِلْوالِدَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْرَبُ عَطْفًا وأمَسُّ بِالقَرابَةِ. ومَعْنى الرُّحْمِ والرُّحُمِ في اللُّغَةِ: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ
والثّانِي: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وفِيما بَدَلًا بِهِ قَوْلانِ: (p-١٨١)
أحَدُهُما: جارِيَةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أبْدَلَهُما بِهِ جارِيَةً ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.
والثّانِي: غُلامٌ مُسْلِمٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُهُما: أصْرَمُ وصَرِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَهَبًا وفِضَّةً، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: كانَ مالًا.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالقَدْرِ ثُمَّ هو يَنْصِبُ، عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبًا لِمَن يُوقِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، عَجَبًا لِمَن رَأى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، أنا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنا، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي؛ وفي الشِّقِّ الآَخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلّا إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسُمِّيَ كَنْزًا مِن جِهَةِ الذَّهَبِ، وجَعَلَ اسْمَهُ هو المُغَلَّبُ.
والثّالِثُ: كَنَزُ عِلْمٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: كانَ تَحْتَهُ مِثْلُ الكَنْزِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِن نَفْعِهِ أفْضَلُ مِمّا (p-١٨٢)يَنالُ مِنَ الأمْوالِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ: المالُ المَدْفُونُ المُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالُ، قِيلَ: عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ، والكَنْزُ هاهُنا بِالمالِ أشْبَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا، مَكْتُوبٌ فِيهِ عِلْمٌ، عَلى ما رُوِيَ، فَهو مالٌ وعِلْمٌ عَظِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِفْظًا بِصَلاحِ أبِيهِما، ولَمْ يُذْكَرْ مِنهُما صَلاحًا. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آَباءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُوهُما ذا أمانَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ( فَأرَدْتُ ) ( وأرَدْنا ) كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنِ الخَضِرِ، أتْبَعْهُما بِما يَحْصُرُ الإرادَةَ عَلَيْهِ ويُزِيلُها عَنْ غَيْرِهِ، ويَكْشِفُ البُغْيَةَ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. وإنَّما قالَ: " فَأرَدْتُ، فَأرَدْنا، فَأرادَ رَبُّكَ "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُؤْثِرُ اخْتِلافَ الكَلامِ عَلى اتِّفاقِهِ مَعَ تَساوِي المَعانِي؛ لِأنَّهُ أعْذَبُ عَلى الألْسُنِ، وأحْسَنُ مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قالَ لِي فَلانٌ كَذا، وأنْبَأنِي بِما كانَ، وخَبَّرَنِي بِما نالَ. فَأمّا " الأشَدُّ " فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في مَواضِعَ [ الأنْعامِ: ١٥٢، ويُوسُفَ: ٢٢، والإسْراءِ: ٣٤ ]، ولَوْ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يُقِمِ الحائِطَ لَنُقِضَ، وأخَذَ ذَلِكَ الكَنْزَ قَبْلَ بُلُوغِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ. ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ عَبْدًا مَأْمُورًا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَسْطِعْ﴾ فَإنَّ اسْتَطاعَ واسْطاعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.(p-١٨٣)
الكهف 18:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ في المُرادِ بِمَسْكَنَتِهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ في أكْسابِهِمْ. والثّانِي: في أبْدانِهِمْ. وقالَ كَعْبُ: كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنى، وخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾؛ أيْ: أجْعَلُها ذاتَ عَيْبٍ، يَعْنِي: بِخَرْقِها، ﴿وَكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أمامَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ ) .
والثّانِي: خَلْفَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ كانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى الخَضِرَ خَبَرَهُ. (p-١٧٩)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾؛ أيْ: كُلُّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ [ بْنِ كَعْبٍ ]: ( كُلُّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ ) . قالَ الخَضِرُ: إنَّما خَرَقْتُها؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا رَآَها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَّعَها أهْلُها فانْتَفَعُوا بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الغُلامُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا ) . ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» " . قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ الغُلامُ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ أوْ غَصَبَهُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى أبَوَيْهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ الغُلامُ لِصًّا، فَإذا جاءَ مَن يَطْلُبُهُ حَلَفَ أبَواهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَشِينا﴾ في القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ في مَعْنى الخَشْيَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا. وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: المَعْنى: فِعْلُنا فِعْلَ الخاشِي. والثّانِي: الكَراهَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الخَضِرُ، فَتَكُونُ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ لِلْأمْرِ المُتَوَهِّمِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأرادَ اللَّهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى هَكَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. ومَعْنى ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يُغْشِيَهُما. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَشِينا (p-١٨٠)أنْ يَحْمِلَهُما حُبَّهُ عَلى أنْ يَدْخُلا في دِينِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: فَرِحا بِهِ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما، فَرَضِيَ امْرُؤٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيما يَكْرَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِن قَضائِهِ فِيما يُحِبُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْ يُبْدِلَهُما ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَمِلا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: صَلاحًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رَحِمًا ) ساكِنَةَ الحاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( رَحِمًا ) مُثَقَّلَةً. وعَنْ أبِي عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( رَحِمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أُوصِلُ لِلرَّحِمِ وأبِرُّ لِلْوالِدَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْرَبُ عَطْفًا وأمَسُّ بِالقَرابَةِ. ومَعْنى الرُّحْمِ والرُّحُمِ في اللُّغَةِ: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ
والثّانِي: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وفِيما بَدَلًا بِهِ قَوْلانِ: (p-١٨١)
أحَدُهُما: جارِيَةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أبْدَلَهُما بِهِ جارِيَةً ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.
والثّانِي: غُلامٌ مُسْلِمٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُهُما: أصْرَمُ وصَرِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَهَبًا وفِضَّةً، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: كانَ مالًا.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالقَدْرِ ثُمَّ هو يَنْصِبُ، عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبًا لِمَن يُوقِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، عَجَبًا لِمَن رَأى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، أنا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنا، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي؛ وفي الشِّقِّ الآَخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلّا إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسُمِّيَ كَنْزًا مِن جِهَةِ الذَّهَبِ، وجَعَلَ اسْمَهُ هو المُغَلَّبُ.
والثّالِثُ: كَنَزُ عِلْمٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: كانَ تَحْتَهُ مِثْلُ الكَنْزِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِن نَفْعِهِ أفْضَلُ مِمّا (p-١٨٢)يَنالُ مِنَ الأمْوالِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ: المالُ المَدْفُونُ المُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالُ، قِيلَ: عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ، والكَنْزُ هاهُنا بِالمالِ أشْبَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا، مَكْتُوبٌ فِيهِ عِلْمٌ، عَلى ما رُوِيَ، فَهو مالٌ وعِلْمٌ عَظِيمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِفْظًا بِصَلاحِ أبِيهِما، ولَمْ يُذْكَرْ مِنهُما صَلاحًا. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آَباءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُوهُما ذا أمانَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ( فَأرَدْتُ ) ( وأرَدْنا ) كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنِ الخَضِرِ، أتْبَعْهُما بِما يَحْصُرُ الإرادَةَ عَلَيْهِ ويُزِيلُها عَنْ غَيْرِهِ، ويَكْشِفُ البُغْيَةَ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. وإنَّما قالَ: " فَأرَدْتُ، فَأرَدْنا، فَأرادَ رَبُّكَ "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُؤْثِرُ اخْتِلافَ الكَلامِ عَلى اتِّفاقِهِ مَعَ تَساوِي المَعانِي؛ لِأنَّهُ أعْذَبُ عَلى الألْسُنِ، وأحْسَنُ مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قالَ لِي فَلانٌ كَذا، وأنْبَأنِي بِما كانَ، وخَبَّرَنِي بِما نالَ. فَأمّا " الأشَدُّ " فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في مَواضِعَ [ الأنْعامِ: ١٥٢، ويُوسُفَ: ٢٢، والإسْراءِ: ٣٤ ]، ولَوْ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يُقِمِ الحائِطَ لَنُقِضَ، وأخَذَ ذَلِكَ الكَنْزَ قَبْلَ بُلُوغِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ. ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ عَبْدًا مَأْمُورًا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَسْطِعْ﴾ فَإنَّ اسْتَطاعَ واسْطاعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.(p-١٨٣)
الكهف 18:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ] .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ. والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ. والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ. والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: لِأنَّهُ (p-١٨٤)مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ. والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ. والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ. والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ. والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ. ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ. ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها. قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ (p-١٨٥)اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ. وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ. ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ. [ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ. ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً. وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: (p-١٨٦)وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ. ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] . وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ. ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿الحُسْنى﴾: الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ الحاقَّةِ: ٥١ ]، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [ البَيِّنَةِ: ٥ ]، ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ النَّحْلِ: ٣٠ ] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) (p-١٨٧)بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
الكهف 18:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ] .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ. والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ. والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ. والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: لِأنَّهُ (p-١٨٤)مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ. والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ. والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ. والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ. والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ. ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ. ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها. قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ (p-١٨٥)اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ. وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ. ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ. [ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ. ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً. وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: (p-١٨٦)وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ. ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] . وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ. ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿الحُسْنى﴾: الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ الحاقَّةِ: ٥١ ]، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [ البَيِّنَةِ: ٥ ]، ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ النَّحْلِ: ٣٠ ] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) (p-١٨٧)بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
الكهف 18:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ] .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ. والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ. والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ. والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: لِأنَّهُ (p-١٨٤)مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ. والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ. والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ. والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ. والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ. ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ. ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها. قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ (p-١٨٥)اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ. وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ. ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ. [ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ. ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً. وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: (p-١٨٦)وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ. ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] . وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ. ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿الحُسْنى﴾: الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ الحاقَّةِ: ٥١ ]، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [ البَيِّنَةِ: ٥ ]، ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ النَّحْلِ: ٣٠ ] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) (p-١٨٧)بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
الكهف 18:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ] .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ. والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ. والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ. والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: لِأنَّهُ (p-١٨٤)مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ. والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ. والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ. والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ. والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ. ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ. ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها. قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ (p-١٨٥)اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ. وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ. ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ. [ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ. ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً. وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: (p-١٨٦)وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ. ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] . وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ. ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿الحُسْنى﴾: الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ الحاقَّةِ: ٥١ ]، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [ البَيِّنَةِ: ٥ ]، ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ النَّحْلِ: ٣٠ ] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) (p-١٨٧)بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
الكهف 18:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ] .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ. والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ. والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ. والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: لِأنَّهُ (p-١٨٤)مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ. والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ. والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ. والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ. والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ. ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ. ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها. قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ (p-١٨٥)اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ. وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ. ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ. [ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ. ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً. وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: (p-١٨٦)وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ. ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] . وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ. ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿الحُسْنى﴾: الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ الحاقَّةِ: ٥١ ]، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [ البَيِّنَةِ: ٥ ]، ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ النَّحْلِ: ٣٠ ] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) (p-١٨٧)بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
الكهف 18:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ] .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ. والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ. والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ. والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: لِأنَّهُ (p-١٨٤)مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ. والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ. والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ. والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ. والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ. ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ. ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها. قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ (p-١٨٥)اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ. وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ. ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ. [ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ. ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً. وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: (p-١٨٦)وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ. ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] . وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ. ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿الحُسْنى﴾: الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ الحاقَّةِ: ٥١ ]، و ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [ البَيِّنَةِ: ٥ ]، ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [ النَّحْلِ: ٣٠ ] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) (p-١٨٧)بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
الكهف 18:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا آَخَرَ يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ. قالَ قَتادَةُ: مَضى يَفْتَحُ المَدائِنَ، ويَجْمَعُ الكُنُوزَ، ويَقْتُلُ الرِّجالَ، إلّا مَن آَمَنَ، حَتّى أتى مَطْلِعَ الشَّمْسِ، فَأصابَ قَوْمًا في أسْرابٍ عُراةٍ، لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، فَإذا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ خَرَجُوا مِن أسْرابِهِمْ في طَلَبِ مَعايِشِهِمْ مِمّا أحْرَقَتْهُ الشَّمْسُ. وبَلَغَنا أنَّهم كانُوا في مَكانٍ لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بُنْيانٌ، فَيُقالُ: إنَّهُمُ الزِّنْجُ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا يَتَراعَوْنَ كَما يَتَراعى الوَحْشُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( مَطْلَعِ الشَّمْسِ ) بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في أنَّ المَطْلِعَ والمَطْلَعَ كِلاهُما يُعْنى بِهِما المَكانُ الَّذِي تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ. ويَقُولُونُ: ما كانَ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، فالمَصْدَرُ واسْمُ المَوْضِعِ يَأْتِيانِ عَلى المَفْعَلِ، كَقَوْلِهِمُ: المُدْخَلُ لِلدُّخُولِ، والمَوْضِعُ الَّذِي يُدْخَلُ مِنهُ، إلّا أحَدَ عَشَرَ حَرْفًا جاءَتْ مَكْسُورَةً، إذا أُرِيدَ بِها المَواضِعُ، وهِيَ: المَطْلِعُ، والمَسْكِنُ، والمَنسِكُ، والمَشْرِقُ، والمَغْرِبُ، والمَسْجِدُ، والمَنبِتُ، والمَجْزِرُ، والمَفْرِقُ، والمَسْقِطُ، (p-١٨٨)والمَهْبِلُ المَوْضِعُ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ النّاقَةُ؛ وخَمْسَةٌ مِن هَؤُلاءِ الأحَدَ عَشَرَ حَرْفًا سُمِعَ فِيهِنَّ الكَسْرُ والفَتْحُ: المَطْلَعُ والمَطْلِعُ، والمَنسَكُ والمَنسِكُ، والمَجْزَرُ والمَجْزِرُ، والمَسْكَنُ والمَسْكِنُ، والمَنبَتُ والمَنبِتُ؛ فَقَرَأ الحَسَنُ عَلى الأصْلِ مِنَ احْتِمالِ المَفْعَلِ الوَجْهَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ [ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها ]، وقِراءَةُ العامَّةِ عَلى اخْتِيارِ العَرَبِ وما كَثُرَ عَلى ألْسِنَتِها، وخَصَّتِ المَوْضِعَ بِالكَسْرِ وآَثَرَتِ المَصْدَرَ بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ( المَطْلِعُ ) بِالكَسْرِ: المَوْضِعُ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ، و( المَطْلَعُ ) بِالفَتْحِ: الطُّلُوعُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تَتَّسِعُ فَتَجْعَلُ الِاسْمَ نائِبًا عَنِ المَصْدَرِ، فَيَقْرَؤُونَ: ( حَتّى مَطْلِعِ الفَجْرِ ) [ القَدْرِ: ٥ ] بِالكَسْرِ، وهم يَعْنُونُ: الطُّلُوعَ؛ ويَقْرَأُ مَن قَرَأ: ( مَطْلَعَ الشَّمْسِ ) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعٌ بِمَنزِلَةِ المَدْخَلِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: كَما بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ بَلَغَ مَطْلَعَها.
والثّانِي: أتْبَعَ سَبَبًا كَما أتْبَعَ سَبَبًا.
والثّالِثُ: كَما وجَدَ أُولَئِكَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ وحَكَمَ فِيهِمْ، كَذَلِكَ وجَدَ هَؤُلاءِ عِنْدَ مَطْلِعِها وحَكَمَ فِيهِمْ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: كَذَلِكَ أمَرَهم كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾؛ أيْ: بِما عِنْدَهُ ومَعَهُ مِنَ الجُيُوشِ والعُدَدِ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿بِما لَدَيْهِ﴾؛ أيْ: بِما عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الخَبَرِ [ الكَهْفِ: ٦٨ ] .
الكهف 18:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا آَخَرَ يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ. قالَ قَتادَةُ: مَضى يَفْتَحُ المَدائِنَ، ويَجْمَعُ الكُنُوزَ، ويَقْتُلُ الرِّجالَ، إلّا مَن آَمَنَ، حَتّى أتى مَطْلِعَ الشَّمْسِ، فَأصابَ قَوْمًا في أسْرابٍ عُراةٍ، لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، فَإذا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ خَرَجُوا مِن أسْرابِهِمْ في طَلَبِ مَعايِشِهِمْ مِمّا أحْرَقَتْهُ الشَّمْسُ. وبَلَغَنا أنَّهم كانُوا في مَكانٍ لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بُنْيانٌ، فَيُقالُ: إنَّهُمُ الزِّنْجُ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا يَتَراعَوْنَ كَما يَتَراعى الوَحْشُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( مَطْلَعِ الشَّمْسِ ) بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في أنَّ المَطْلِعَ والمَطْلَعَ كِلاهُما يُعْنى بِهِما المَكانُ الَّذِي تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ. ويَقُولُونُ: ما كانَ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، فالمَصْدَرُ واسْمُ المَوْضِعِ يَأْتِيانِ عَلى المَفْعَلِ، كَقَوْلِهِمُ: المُدْخَلُ لِلدُّخُولِ، والمَوْضِعُ الَّذِي يُدْخَلُ مِنهُ، إلّا أحَدَ عَشَرَ حَرْفًا جاءَتْ مَكْسُورَةً، إذا أُرِيدَ بِها المَواضِعُ، وهِيَ: المَطْلِعُ، والمَسْكِنُ، والمَنسِكُ، والمَشْرِقُ، والمَغْرِبُ، والمَسْجِدُ، والمَنبِتُ، والمَجْزِرُ، والمَفْرِقُ، والمَسْقِطُ، (p-١٨٨)والمَهْبِلُ المَوْضِعُ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ النّاقَةُ؛ وخَمْسَةٌ مِن هَؤُلاءِ الأحَدَ عَشَرَ حَرْفًا سُمِعَ فِيهِنَّ الكَسْرُ والفَتْحُ: المَطْلَعُ والمَطْلِعُ، والمَنسَكُ والمَنسِكُ، والمَجْزَرُ والمَجْزِرُ، والمَسْكَنُ والمَسْكِنُ، والمَنبَتُ والمَنبِتُ؛ فَقَرَأ الحَسَنُ عَلى الأصْلِ مِنَ احْتِمالِ المَفْعَلِ الوَجْهَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ [ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها ]، وقِراءَةُ العامَّةِ عَلى اخْتِيارِ العَرَبِ وما كَثُرَ عَلى ألْسِنَتِها، وخَصَّتِ المَوْضِعَ بِالكَسْرِ وآَثَرَتِ المَصْدَرَ بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ( المَطْلِعُ ) بِالكَسْرِ: المَوْضِعُ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ، و( المَطْلَعُ ) بِالفَتْحِ: الطُّلُوعُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تَتَّسِعُ فَتَجْعَلُ الِاسْمَ نائِبًا عَنِ المَصْدَرِ، فَيَقْرَؤُونَ: ( حَتّى مَطْلِعِ الفَجْرِ ) [ القَدْرِ: ٥ ] بِالكَسْرِ، وهم يَعْنُونُ: الطُّلُوعَ؛ ويَقْرَأُ مَن قَرَأ: ( مَطْلَعَ الشَّمْسِ ) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعٌ بِمَنزِلَةِ المَدْخَلِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: كَما بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ بَلَغَ مَطْلَعَها.
والثّانِي: أتْبَعَ سَبَبًا كَما أتْبَعَ سَبَبًا.
والثّالِثُ: كَما وجَدَ أُولَئِكَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ وحَكَمَ فِيهِمْ، كَذَلِكَ وجَدَ هَؤُلاءِ عِنْدَ مَطْلِعِها وحَكَمَ فِيهِمْ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: كَذَلِكَ أمَرَهم كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾؛ أيْ: بِما عِنْدَهُ ومَعَهُ مِنَ الجُيُوشِ والعُدَدِ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿بِما لَدَيْهِ﴾؛ أيْ: بِما عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الخَبَرِ [ الكَهْفِ: ٦٨ ] .
الكهف 18:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا آَخَرَ يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ. قالَ قَتادَةُ: مَضى يَفْتَحُ المَدائِنَ، ويَجْمَعُ الكُنُوزَ، ويَقْتُلُ الرِّجالَ، إلّا مَن آَمَنَ، حَتّى أتى مَطْلِعَ الشَّمْسِ، فَأصابَ قَوْمًا في أسْرابٍ عُراةٍ، لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، فَإذا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ خَرَجُوا مِن أسْرابِهِمْ في طَلَبِ مَعايِشِهِمْ مِمّا أحْرَقَتْهُ الشَّمْسُ. وبَلَغَنا أنَّهم كانُوا في مَكانٍ لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بُنْيانٌ، فَيُقالُ: إنَّهُمُ الزِّنْجُ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا يَتَراعَوْنَ كَما يَتَراعى الوَحْشُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( مَطْلَعِ الشَّمْسِ ) بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في أنَّ المَطْلِعَ والمَطْلَعَ كِلاهُما يُعْنى بِهِما المَكانُ الَّذِي تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ. ويَقُولُونُ: ما كانَ عَلى فَعَلَ يَفْعُلُ، فالمَصْدَرُ واسْمُ المَوْضِعِ يَأْتِيانِ عَلى المَفْعَلِ، كَقَوْلِهِمُ: المُدْخَلُ لِلدُّخُولِ، والمَوْضِعُ الَّذِي يُدْخَلُ مِنهُ، إلّا أحَدَ عَشَرَ حَرْفًا جاءَتْ مَكْسُورَةً، إذا أُرِيدَ بِها المَواضِعُ، وهِيَ: المَطْلِعُ، والمَسْكِنُ، والمَنسِكُ، والمَشْرِقُ، والمَغْرِبُ، والمَسْجِدُ، والمَنبِتُ، والمَجْزِرُ، والمَفْرِقُ، والمَسْقِطُ، (p-١٨٨)والمَهْبِلُ المَوْضِعُ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ النّاقَةُ؛ وخَمْسَةٌ مِن هَؤُلاءِ الأحَدَ عَشَرَ حَرْفًا سُمِعَ فِيهِنَّ الكَسْرُ والفَتْحُ: المَطْلَعُ والمَطْلِعُ، والمَنسَكُ والمَنسِكُ، والمَجْزَرُ والمَجْزِرُ، والمَسْكَنُ والمَسْكِنُ، والمَنبَتُ والمَنبِتُ؛ فَقَرَأ الحَسَنُ عَلى الأصْلِ مِنَ احْتِمالِ المَفْعَلِ الوَجْهَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ [ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها ]، وقِراءَةُ العامَّةِ عَلى اخْتِيارِ العَرَبِ وما كَثُرَ عَلى ألْسِنَتِها، وخَصَّتِ المَوْضِعَ بِالكَسْرِ وآَثَرَتِ المَصْدَرَ بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ( المَطْلِعُ ) بِالكَسْرِ: المَوْضِعُ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ، و( المَطْلَعُ ) بِالفَتْحِ: الطُّلُوعُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تَتَّسِعُ فَتَجْعَلُ الِاسْمَ نائِبًا عَنِ المَصْدَرِ، فَيَقْرَؤُونَ: ( حَتّى مَطْلِعِ الفَجْرِ ) [ القَدْرِ: ٥ ] بِالكَسْرِ، وهم يَعْنُونُ: الطُّلُوعَ؛ ويَقْرَأُ مَن قَرَأ: ( مَطْلَعَ الشَّمْسِ ) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعٌ بِمَنزِلَةِ المَدْخَلِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: كَما بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ بَلَغَ مَطْلَعَها.
والثّانِي: أتْبَعَ سَبَبًا كَما أتْبَعَ سَبَبًا.
والثّالِثُ: كَما وجَدَ أُولَئِكَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ وحَكَمَ فِيهِمْ، كَذَلِكَ وجَدَ هَؤُلاءِ عِنْدَ مَطْلِعِها وحَكَمَ فِيهِمْ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: كَذَلِكَ أمَرَهم كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾؛ أيْ: بِما عِنْدَهُ ومَعَهُ مِنَ الجُيُوشِ والعُدَدِ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿بِما لَدَيْهِ﴾؛ أيْ: بِما عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الخَبَرِ [ الكَهْفِ: ٦٨ ] .
الكهف 18:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ. ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.
وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ. قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ (p-١٩٠)الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٧١ ] . قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم. وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ. قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ. وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ. ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ (p-١٩١)حَمَلَ السِّلاحَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟ قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.
والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.
والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟ (p-١٩٢)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ. ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.
وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.
والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا. والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ. فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿حَتّى إذا ساوى﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ. ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٩٣)وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما. قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ فَنَفَخُوا، ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ. ﴿قالَ آتُونِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.
وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ. قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ. (p-١٩٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا. وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: (p-١٩٥)
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: القِيامَةُ. والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الكهف 18:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ. ثُمَّ في المُرادِ بِـ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ انْقَضى أمْرُ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن ورائِهِ مُخْتَلِطِينَ لِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: ماجُوا مُتَعَجِّبِينَ مِنَ السَّدِّ. والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ يُخْرَجُونَ مِنَ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُونَ حَيارى. فَعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، المُرادُ بِاليَوْمِ المَذْكُورِ: يَوْمُ القِيامَةِ. (p-١٩٦)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿الصُّورِ﴾ في ( الأنْعامِ: ٧٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: أظْهَرْناها لَهم حَتّى شاهَدُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾، يَعْنِي: أعْيُنَ قُلُوبِهِمْ ﴿ " في غِطاءٍ﴾ "؛ أيْ: في غَفْلَةٍ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أيْ: عَنْ تَوْحِيدِي والإيمانِ بِي وبِكِتابِي، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ هَذا لِعَداوَتِهِمْ وعِنادِهِمْ، وكَراهَتِهِمْ ما يُنْذَرُونَ بِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يَكْرَهُ قَوْلَكَ: ما تَقْدِرُ أنْ تَسْمَعَ كَلامِي.
الكهف 18:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ. ثُمَّ في المُرادِ بِـ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ انْقَضى أمْرُ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن ورائِهِ مُخْتَلِطِينَ لِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: ماجُوا مُتَعَجِّبِينَ مِنَ السَّدِّ. والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ يُخْرَجُونَ مِنَ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُونَ حَيارى. فَعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، المُرادُ بِاليَوْمِ المَذْكُورِ: يَوْمُ القِيامَةِ. (p-١٩٦)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿الصُّورِ﴾ في ( الأنْعامِ: ٧٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: أظْهَرْناها لَهم حَتّى شاهَدُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾، يَعْنِي: أعْيُنَ قُلُوبِهِمْ ﴿ " في غِطاءٍ﴾ "؛ أيْ: في غَفْلَةٍ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أيْ: عَنْ تَوْحِيدِي والإيمانِ بِي وبِكِتابِي، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ هَذا لِعَداوَتِهِمْ وعِنادِهِمْ، وكَراهَتِهِمْ ما يُنْذَرُونَ بِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يَكْرَهُ قَوْلَكَ: ما تَقْدِرُ أنْ تَسْمَعَ كَلامِي.
الكهف 18:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ. ثُمَّ في المُرادِ بِـ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ انْقَضى أمْرُ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن ورائِهِ مُخْتَلِطِينَ لِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: ماجُوا مُتَعَجِّبِينَ مِنَ السَّدِّ. والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ يُخْرَجُونَ مِنَ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُونَ حَيارى. فَعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، المُرادُ بِاليَوْمِ المَذْكُورِ: يَوْمُ القِيامَةِ. (p-١٩٦)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿الصُّورِ﴾ في ( الأنْعامِ: ٧٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: أظْهَرْناها لَهم حَتّى شاهَدُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾، يَعْنِي: أعْيُنَ قُلُوبِهِمْ ﴿ " في غِطاءٍ﴾ "؛ أيْ: في غَفْلَةٍ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أيْ: عَنْ تَوْحِيدِي والإيمانِ بِي وبِكِتابِي، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ هَذا لِعَداوَتِهِمْ وعِنادِهِمْ، وكَراهَتِهِمْ ما يُنْذَرُونَ بِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يَكْرَهُ قَوْلَكَ: ما تَقْدِرُ أنْ تَسْمَعَ كَلامِي.
الكهف 18:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: أفَظَنَّ المُشْرِكُونَ ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ في هَؤُلاءِ العِبادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأصْنامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، وسائِرُ المَعْبُوداتِ مِن دُونِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِي﴾ فَتَحَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ في هَذِهِ الآَيَةِ مَحْذُوفٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أفَحَسِبُوا أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، كَلّا بَلْ هم أعْداءٌ لَهم يَتَبَرَّؤُونَ مِنهم.
والثّانِي: أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ ولا أغْضَبُ ولا أُعاقِبُهم. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: ( أفَحَسْبُ ) بِتَسْكِينِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ يَعْمُرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ومَعْناها: أفَيَكْفِيهِمْ أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ ؟ (p-١٩٧)
فَأمّا ( النُّزُلُ ) فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ والعَسْكَرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ المَنزِلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الكهف 18:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿بِالأخْسَرِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلى ما خَسِرُوهُ، فَبُيِّنَ ذَلِكَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم واجْتِهادُهم في الدُّنْيا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ بِأفْعالِهِمْ، فَرُؤَساؤُهم يَعْلَمُونَ الصَّحِيحَ ويُؤْثِرُونَ الباطِلَ لِبَقاءِ رِئاسَتِهِمْ، وأتْباعِهِمْ مُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ جَحَدُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وكَفَرُوا بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ والقُرْآَنِ، صارُوا كافِرِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ اجْتِهادُهم؛ لِأنَّهُ خَلا عَنِ الإيمانِ، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ: ( فَلا يُقِيمُ ) بِالياءِ. (p-١٩٨)
وَفِي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِالطّاعَةِ، وإنَّما تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، والكافِرُ لا طاعَةَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا نُقِيمُ لَهم قَدْرًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ: يُقالُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ؛ أيْ: قَدْرٌ؛ لِخِسَّتِهِ. فالمَعْنى: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةً، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» " .
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الوَزْنَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ وخِسَّةِ قَدْرِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾، وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ التَّصْغِيرُ لَهم وجَزاؤُهم جَهَنَّمُ، فَأُضْمِرَتْ واوُ الحالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِكُفْرِهِمْ واتِّخاذِهِمْ ﴿آياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.(p-١٩٩)
الكهف 18:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿بِالأخْسَرِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلى ما خَسِرُوهُ، فَبُيِّنَ ذَلِكَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم واجْتِهادُهم في الدُّنْيا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ بِأفْعالِهِمْ، فَرُؤَساؤُهم يَعْلَمُونَ الصَّحِيحَ ويُؤْثِرُونَ الباطِلَ لِبَقاءِ رِئاسَتِهِمْ، وأتْباعِهِمْ مُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ جَحَدُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وكَفَرُوا بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ والقُرْآَنِ، صارُوا كافِرِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ اجْتِهادُهم؛ لِأنَّهُ خَلا عَنِ الإيمانِ، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ: ( فَلا يُقِيمُ ) بِالياءِ. (p-١٩٨)
وَفِي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِالطّاعَةِ، وإنَّما تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، والكافِرُ لا طاعَةَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا نُقِيمُ لَهم قَدْرًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ: يُقالُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ؛ أيْ: قَدْرٌ؛ لِخِسَّتِهِ. فالمَعْنى: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةً، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» " .
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الوَزْنَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ وخِسَّةِ قَدْرِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾، وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ التَّصْغِيرُ لَهم وجَزاؤُهم جَهَنَّمُ، فَأُضْمِرَتْ واوُ الحالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِكُفْرِهِمْ واتِّخاذِهِمْ ﴿آياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.(p-١٩٩)
الكهف 18:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿بِالأخْسَرِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلى ما خَسِرُوهُ، فَبُيِّنَ ذَلِكَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم واجْتِهادُهم في الدُّنْيا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ بِأفْعالِهِمْ، فَرُؤَساؤُهم يَعْلَمُونَ الصَّحِيحَ ويُؤْثِرُونَ الباطِلَ لِبَقاءِ رِئاسَتِهِمْ، وأتْباعِهِمْ مُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ جَحَدُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وكَفَرُوا بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ والقُرْآَنِ، صارُوا كافِرِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ اجْتِهادُهم؛ لِأنَّهُ خَلا عَنِ الإيمانِ، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ: ( فَلا يُقِيمُ ) بِالياءِ. (p-١٩٨)
وَفِي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِالطّاعَةِ، وإنَّما تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، والكافِرُ لا طاعَةَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا نُقِيمُ لَهم قَدْرًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ: يُقالُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ؛ أيْ: قَدْرٌ؛ لِخِسَّتِهِ. فالمَعْنى: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةً، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» " .
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الوَزْنَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ وخِسَّةِ قَدْرِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾، وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ التَّصْغِيرُ لَهم وجَزاؤُهم جَهَنَّمُ، فَأُضْمِرَتْ واوُ الحالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِكُفْرِهِمْ واتِّخاذِهِمْ ﴿آياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.(p-١٩٩)
الكهف 18:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿بِالأخْسَرِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلى ما خَسِرُوهُ، فَبُيِّنَ ذَلِكَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم واجْتِهادُهم في الدُّنْيا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ بِأفْعالِهِمْ، فَرُؤَساؤُهم يَعْلَمُونَ الصَّحِيحَ ويُؤْثِرُونَ الباطِلَ لِبَقاءِ رِئاسَتِهِمْ، وأتْباعِهِمْ مُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ جَحَدُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وكَفَرُوا بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ والقُرْآَنِ، صارُوا كافِرِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ اجْتِهادُهم؛ لِأنَّهُ خَلا عَنِ الإيمانِ، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ: ( فَلا يُقِيمُ ) بِالياءِ. (p-١٩٨)
وَفِي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِالطّاعَةِ، وإنَّما تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، والكافِرُ لا طاعَةَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا نُقِيمُ لَهم قَدْرًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ: يُقالُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ؛ أيْ: قَدْرٌ؛ لِخِسَّتِهِ. فالمَعْنى: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةً، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» " .
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الوَزْنَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ وخِسَّةِ قَدْرِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾، وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ التَّصْغِيرُ لَهم وجَزاؤُهم جَهَنَّمُ، فَأُضْمِرَتْ واوُ الحالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِكُفْرِهِمْ واتِّخاذِهِمْ ﴿آياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.(p-١٩٩)
الكهف 18:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَتْ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُخْلَقُوا. ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعٌ، ثِنْتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وآَنِيَتُهُما وما فِيهِما، وثِنْتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وآَنِيَتُهُما وما فِيها، ولَيْسَ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمُ إلّا رِداءُ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» " . ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، الفِرْدَوْسُ أعْلاها، ومِنها تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ تَعالى فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» " . قالَ أبُو أُمامَةَ: الفِرْدَوْسُ: سُرَّةُ الجَنَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ. وقالَ كَعْبٌ والضَّحّاكُ: جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ: جَنّاتُ الأعْنابِ. قالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ الَّذِي فِيهِ الكَرْمُ. وقالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، (p-٢٠٠)والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ بُسْتانٍ يُحَوَّطُ عَلَيْهِ فَهو فِرْدَوْسٌ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
فِي جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ لَيْسَ يَخافُونَ خُرُوجًا عَنْها ولا تَحْوِيلًا
وَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورِ اللُّغَوِيِّ، قالَ: قالَ الزَّجّاجُ: الفِرْدَوْسُ أصْلُهُ رُومِيٌّ أُعْرِبَ، وهو البُسْتانُ، كَذَلِكَ جاءَ في التَّفْسِيرِ، وقَدْ قِيلَ: الفِرْدَوْسُ تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وتُسَمِّي المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ كَرْمٌ: فِرْدَوْسًا. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الفِرْدَوْسُ مُذَكَّرٌ، وإنَّما أنَّثَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١١ ]؛ لِأنَّهُ عَنى بِهِ الجَنَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ: الفِرْدَوْسُ: الأوْدِيَةُ الَّتِي تَنْبُتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ، وقِيلَ: هو بِالرُّومِيَّةِ مَنقُولٌ إلى لَفْظِ العَرَبِيَّةِ، قالَ: والفِرْدَوْسُ أيْضًا بِالسِّرْيانِيَّةِ كَذا لَفْظُهُ: فِرْدَوْسٌ، قالَ: ولَمْ نَجِدْهُ في أشْعارِ العَرَبِ إلّا في شِعْرِ حَسّانَ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ البُسْتانُ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ كُلِّ لُغَةٍ كَذَلِكَ، وبَيْتُ حَسّانَ:
؎ فَإنَّ ثَوابَ اللَّهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ جِنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ
وَقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِإسْنادِهِ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِلُغَةِ الرُّومِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهو عَرَبِيٌّ أيْضًا، والعَرَبُ تُسَمِّي البُسْتانَ الَّذِي فِيهِ الكَرْمُ فِرْدَوْسًا. وقالَ السُّدِّيُّ: الفِرْدَوْسُ أصْلُهُ بِالنَّبَطِيَّةِ ( فِرْداسًا ) . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ: الفِرْدَوْسُ: الأعْنابُ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نُزُلا﴾ آَنِفًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يُرِيدُونَ عَنْها تَحَوُّلًا، (p-٢٠١)يُقالُ: قَدْ حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا، كَما قالُوا في المَصادِرِ: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُمَ عِظَمًا، وعادَنِي حُبُّها عَوْدًا، قالَ: وقَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ الحِوَلُ: الحِيلَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَحْتالُونَ مَنزِلًا غَيْرَها.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ أنَّ الجَنَّةَ كَثِيرَةُ الخَيْرِ، فَما وجْهُ مَدْحِها بِأنَّهم يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ؟
فالجَوابُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَجِدُ في الدّارِ الأنِيقَةِ مَعْنًى لا يُوافِقُهُ، فَيُحِبُّ أنْ يَنْتَقِلَ إلى دارٍ أُخْرى، وقَدْ يَمَلُّ، والجَنَّةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
الكهف 18:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَتْ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُخْلَقُوا. ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعٌ، ثِنْتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وآَنِيَتُهُما وما فِيهِما، وثِنْتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وآَنِيَتُهُما وما فِيها، ولَيْسَ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمُ إلّا رِداءُ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» " . ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، الفِرْدَوْسُ أعْلاها، ومِنها تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ تَعالى فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» " . قالَ أبُو أُمامَةَ: الفِرْدَوْسُ: سُرَّةُ الجَنَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ. وقالَ كَعْبٌ والضَّحّاكُ: جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ: جَنّاتُ الأعْنابِ. قالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ الَّذِي فِيهِ الكَرْمُ. وقالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، (p-٢٠٠)والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ بُسْتانٍ يُحَوَّطُ عَلَيْهِ فَهو فِرْدَوْسٌ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
فِي جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ لَيْسَ يَخافُونَ خُرُوجًا عَنْها ولا تَحْوِيلًا
وَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورِ اللُّغَوِيِّ، قالَ: قالَ الزَّجّاجُ: الفِرْدَوْسُ أصْلُهُ رُومِيٌّ أُعْرِبَ، وهو البُسْتانُ، كَذَلِكَ جاءَ في التَّفْسِيرِ، وقَدْ قِيلَ: الفِرْدَوْسُ تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وتُسَمِّي المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ كَرْمٌ: فِرْدَوْسًا. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الفِرْدَوْسُ مُذَكَّرٌ، وإنَّما أنَّثَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١١ ]؛ لِأنَّهُ عَنى بِهِ الجَنَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ: الفِرْدَوْسُ: الأوْدِيَةُ الَّتِي تَنْبُتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ، وقِيلَ: هو بِالرُّومِيَّةِ مَنقُولٌ إلى لَفْظِ العَرَبِيَّةِ، قالَ: والفِرْدَوْسُ أيْضًا بِالسِّرْيانِيَّةِ كَذا لَفْظُهُ: فِرْدَوْسٌ، قالَ: ولَمْ نَجِدْهُ في أشْعارِ العَرَبِ إلّا في شِعْرِ حَسّانَ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ البُسْتانُ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ كُلِّ لُغَةٍ كَذَلِكَ، وبَيْتُ حَسّانَ:
؎ فَإنَّ ثَوابَ اللَّهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ جِنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ
وَقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِإسْنادِهِ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِلُغَةِ الرُّومِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهو عَرَبِيٌّ أيْضًا، والعَرَبُ تُسَمِّي البُسْتانَ الَّذِي فِيهِ الكَرْمُ فِرْدَوْسًا. وقالَ السُّدِّيُّ: الفِرْدَوْسُ أصْلُهُ بِالنَّبَطِيَّةِ ( فِرْداسًا ) . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ: الفِرْدَوْسُ: الأعْنابُ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نُزُلا﴾ آَنِفًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يُرِيدُونَ عَنْها تَحَوُّلًا، (p-٢٠١)يُقالُ: قَدْ حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا، كَما قالُوا في المَصادِرِ: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُمَ عِظَمًا، وعادَنِي حُبُّها عَوْدًا، قالَ: وقَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ الحِوَلُ: الحِيلَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَحْتالُونَ مَنزِلًا غَيْرَها.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ أنَّ الجَنَّةَ كَثِيرَةُ الخَيْرِ، فَما وجْهُ مَدْحِها بِأنَّهم يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ؟
فالجَوابُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَجِدُ في الدّارِ الأنِيقَةِ مَعْنًى لا يُوافِقُهُ، فَيُحِبُّ أنْ يَنْتَقِلَ إلى دارٍ أُخْرى، وقَدْ يَمَلُّ، والجَنَّةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
الكهف 18:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ]، قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومَعْنى الآَيَةِ: لَوْ كانَ ماءُ البَحْرِ مِدادًا يُكْتَبُ بِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: [ والمَعْنى ]: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِلْقَلَمِ، والقَلَمُ يَكْتُبُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ المِدادُ مِدادًا لِإمْدادِهِ الكاتِبَ، وأصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ ومَجِيءُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ( مَدَدًا لِكَلِماتِ رَبِّي ) بِغَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( تَنْفَدَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( يَنْفَدَ ) بِالياءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّأْنِيثُ أُحْسَنُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلُ مُؤَنَّثٌ، والتَّذْكِيرُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وإنَّما لَمْ تَنْفَدْ كَلِماتُ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِ (p-٢٠٢)ذاتِهِ، ولا يَتَطَرَّقُ عَلى صِفاتِهِ النَّفادُ. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾؛ أيْ: بِمِثْلِ البَحْرِ ﴿مَدَدًا﴾؛ أيْ: زِيادَةً، والمَدَدُ: كُلُّ شَيْءٍ زادَ في شَيْءٍ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ في أوَّلِ الآَيَةِ: " مِدادًا "، وفي آَخِرِها: " مَدَدًا "، وكِلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، واشْتِقاقُهُما غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ؟
فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: لَمّا كانَ الثّانِي آَخِرَ آَيَةٍ، وأواخِرُ الآَياتِ هاهُنا أتَتْ عَلى الفِعْلِ والفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿نُزُلا﴾، ﴿هُزُوًا﴾، ﴿حِوَلا﴾، كانَ قَوْلُهُ: " مَدَدًا " أشْبَهَ بِهَؤُلاءِ الألْفاظِ مِنَ المِدادِ، واتِّفاقُ المَقاطِعِ عِنْدَ أواخِرَ الآَيِ، وانْقِضاءُ الأبْياتِ، وتَمامُ السَّجْعِ والنَّثْرِ، أخَفُّ عَلى الألْسُنِ وأحْلى مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فاخْتَلَفَتِ اللَّفْظَتانِ لِهَذِهِ [ العِلَّةِ ] . وقَدْ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِدادًا )، فَحَمَلُوها عَلى الأُولى ولَمْ يَنْظُرُوا إلى المَقاطِعِ. وقِراءَةُ الأوَّلِينَ أبْيَنُ حُجَّةً وأوْضَحُ مِنهاجًا.
الكهف 18:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ التَّواضُعَ؛ لِئَلّا يُزْهى عَلى خَلْقِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يُقِرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ آَدَمِيٌّ كَغَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ أُكْرِمَ بِالوَحْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ الغامِدِيِّ قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ [ لِلَّهِ تَعالى ]، فَإذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ (p-٢٠٣)سَرَّنِي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ ما رُوئِيَ فِيهِ "، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ طاوُوسٌ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ الجِهادَ [ في سَبِيلِ اللَّهِ ]، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَكانِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي أتَصَدَّقُ، وأصِلُ الرَّحِمَ، ولا أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وأُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وأُعْجَبُ بِهِ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَخافُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: يَأْمُلُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ ثَوابِ رَبِّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ يَوْمُ البَعْثِ والجَزاءِ. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا﴾ لا يُرائِي بِهِ، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يُرائِي. قالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: هَذِهِ آَخِرُ آَيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآَنِ.