Tafsir Ibn Al-Jawzi — محمد 47:1 – الفتح 48:29
المحتويات
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
محمد 47:1
(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
محمد 47:2
(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
محمد 47:3
(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
محمد 47:4
(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
محمد 47:5
(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
محمد 47:6
(p-٣٩٥)سُورَةُ مُحَمَّدٍ
ﷺ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَصَدُّوا﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ (p-٣٩٧)القَتْلَ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ. و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ. وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى:
؎ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا
(p-٣٩٨)وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
محمد 47:7
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:8
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:9
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:10
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:11
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:12
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:13
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:14
(p-٣٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ عِنْدَ القِتالِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، (p-٤٠٠)أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ. و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] . والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِعِبادَتِها.
محمد 47:15
(p-٤٠١)﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ: صِفَتُها، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الرَّعْدِ: ٣٥] . و "المُتَّقُونَ" عِنْدَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ. و "الآسِنُ" المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ والطَّعْمِ، و "الآجِنُ" نَحْوُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "غَيْرِ أسِنٍ" بِغَيْرِ مَدٍّ. وقَدْ شَرَحْنا قَوْلَهُ ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ في [الصّافّاتِ: ٤٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أيْ: مِن عَسَلٍ لَيْسَ فِيهِ عَكَرٌ ولا كَدَرٌ كَعَسَلِ أهْلِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: مَن كانَ في هَذا النَّعِيمِ، كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ؟! .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ماءً حَمِيمًا﴾ أيْ: حارًّا شَدِيدَ الحَرارَةِ. و "الأمْعاءُ" جَمِيعُ ما في (p-٤٠٢)البَطْنِ مِنَ الحَوايا.
محمد 47:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ. وفِيما يَسْتَمِعُونَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ سَماعُ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ. والثّانِي: سَماعُ قَوْلِهِ عَلى عُمُومِ الأوْقاتِ. فَأمّا " الَّذِينَ أُوتُوا العَلَمَ "، فالمُرادُ: بِهِمْ عُلَماءُ الصَّحابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ماذا قالَ السّاعَةَ، وهو مِن قَوْلِكَ: اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، ورَوْضَةٌ أنُفٌ: لِمَن تُرْعَ، أيْ: لَها أوَّلُ يُرْعى؛ فالمَعْنى: ماذا قالَ في أوَّلِ وقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا. وحُدِّثْنا عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبَ أنَّهُ قالَ: مَعْنى "آنِفًا" مُذْ ساعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: "أنِفًا" بِالقَصْرِ، وهَذِهِ قِراءَةُ عِكْرِمَةَ، وحُمَيْدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ تَوَهَّمَ، مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ، وفاكِهٍ وفَكِهٍ.
وَفِي اسْتِفْهامِهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا ما يَقُولُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الآيَةِ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، (p-٤٠٣)قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الإيمانِ بِأنْبِيائِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي الَّذِي زادَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: قَوْلُ الرَّسُولِ. والثّالِثُ: اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، ذَكَرَهُنَّ الزَّجّاجُ. وفي مَعْنى الهُدى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ. والثّانِي: البَصِيرَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: اتِّقاءُ المَنسُوخِ والعَمَلُ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ. والثّالِثُ: أعْطاهُمُ التَّقْوى مَعَ الهُدى، فاتَّقَوا مَعْصِيَتَهُ خَوْفًا مِن عُقُوبَتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الأشْهَبِ، وحُمَيْدٌ: "إنْ تَأْتِهِمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَ التّاءِ. والأشْراطُ: العَلاماتُ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأشْراطُ: الأعْلامُ، وإنَّما سُمِّيَ الشَّرَطَ -فِيما تَرى- لِأنَّهم أعْلَمُوا أنْفُسَهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: ظُهُورُ النَّبِيِّ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وانْشِقاقُ القَمَرِ والدُّخانُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
(p-٤٠٤)﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ لَهم ﴿إذا جاءَتْهُمْ﴾ السّاعَةُ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ ؟! قالَ قَتادَةُ: أنّى لَهم أنْ يَذْكُرُوا ويَتُوبُوا إذا جاءَتْ؟!
محمد 47:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ. وفِيما يَسْتَمِعُونَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ سَماعُ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ. والثّانِي: سَماعُ قَوْلِهِ عَلى عُمُومِ الأوْقاتِ. فَأمّا " الَّذِينَ أُوتُوا العَلَمَ "، فالمُرادُ: بِهِمْ عُلَماءُ الصَّحابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ماذا قالَ السّاعَةَ، وهو مِن قَوْلِكَ: اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، ورَوْضَةٌ أنُفٌ: لِمَن تُرْعَ، أيْ: لَها أوَّلُ يُرْعى؛ فالمَعْنى: ماذا قالَ في أوَّلِ وقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا. وحُدِّثْنا عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبَ أنَّهُ قالَ: مَعْنى "آنِفًا" مُذْ ساعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: "أنِفًا" بِالقَصْرِ، وهَذِهِ قِراءَةُ عِكْرِمَةَ، وحُمَيْدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ تَوَهَّمَ، مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ، وفاكِهٍ وفَكِهٍ.
وَفِي اسْتِفْهامِهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا ما يَقُولُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الآيَةِ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، (p-٤٠٣)قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الإيمانِ بِأنْبِيائِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي الَّذِي زادَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: قَوْلُ الرَّسُولِ. والثّالِثُ: اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، ذَكَرَهُنَّ الزَّجّاجُ. وفي مَعْنى الهُدى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ. والثّانِي: البَصِيرَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: اتِّقاءُ المَنسُوخِ والعَمَلُ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ. والثّالِثُ: أعْطاهُمُ التَّقْوى مَعَ الهُدى، فاتَّقَوا مَعْصِيَتَهُ خَوْفًا مِن عُقُوبَتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الأشْهَبِ، وحُمَيْدٌ: "إنْ تَأْتِهِمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَ التّاءِ. والأشْراطُ: العَلاماتُ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأشْراطُ: الأعْلامُ، وإنَّما سُمِّيَ الشَّرَطَ -فِيما تَرى- لِأنَّهم أعْلَمُوا أنْفُسَهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: ظُهُورُ النَّبِيِّ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وانْشِقاقُ القَمَرِ والدُّخانُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
(p-٤٠٤)﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ لَهم ﴿إذا جاءَتْهُمْ﴾ السّاعَةُ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ ؟! قالَ قَتادَةُ: أنّى لَهم أنْ يَذْكُرُوا ويَتُوبُوا إذا جاءَتْ؟!
محمد 47:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ. وفِيما يَسْتَمِعُونَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ سَماعُ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ. والثّانِي: سَماعُ قَوْلِهِ عَلى عُمُومِ الأوْقاتِ. فَأمّا " الَّذِينَ أُوتُوا العَلَمَ "، فالمُرادُ: بِهِمْ عُلَماءُ الصَّحابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ماذا قالَ السّاعَةَ، وهو مِن قَوْلِكَ: اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، ورَوْضَةٌ أنُفٌ: لِمَن تُرْعَ، أيْ: لَها أوَّلُ يُرْعى؛ فالمَعْنى: ماذا قالَ في أوَّلِ وقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا. وحُدِّثْنا عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبَ أنَّهُ قالَ: مَعْنى "آنِفًا" مُذْ ساعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: "أنِفًا" بِالقَصْرِ، وهَذِهِ قِراءَةُ عِكْرِمَةَ، وحُمَيْدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ تَوَهَّمَ، مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ، وفاكِهٍ وفَكِهٍ.
وَفِي اسْتِفْهامِهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا ما يَقُولُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الآيَةِ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، (p-٤٠٣)قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الإيمانِ بِأنْبِيائِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي الَّذِي زادَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: قَوْلُ الرَّسُولِ. والثّالِثُ: اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، ذَكَرَهُنَّ الزَّجّاجُ. وفي مَعْنى الهُدى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ. والثّانِي: البَصِيرَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: اتِّقاءُ المَنسُوخِ والعَمَلُ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ. والثّالِثُ: أعْطاهُمُ التَّقْوى مَعَ الهُدى، فاتَّقَوا مَعْصِيَتَهُ خَوْفًا مِن عُقُوبَتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الأشْهَبِ، وحُمَيْدٌ: "إنْ تَأْتِهِمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَ التّاءِ. والأشْراطُ: العَلاماتُ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأشْراطُ: الأعْلامُ، وإنَّما سُمِّيَ الشَّرَطَ -فِيما تَرى- لِأنَّهم أعْلَمُوا أنْفُسَهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: ظُهُورُ النَّبِيِّ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وانْشِقاقُ القَمَرِ والدُّخانُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
(p-٤٠٤)﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ لَهم ﴿إذا جاءَتْهُمْ﴾ السّاعَةُ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ ؟! قالَ قَتادَةُ: أنّى لَهم أنْ يَذْكُرُوا ويَتُوبُوا إذا جاءَتْ؟!
محمد 47:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: اثْبُتْ عَلى عِلْمِكَ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهَذا الخِطابِ غَيْرَهُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في فاتِحَةِ " الأحْزاب " . وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُونَ، فَقِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا كاشِفَ لِما بِكَ إلّا اللَّهُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ إكْرامًا لَهم لِأنَّهُ شَفِيعٌ مُجابٌ.
(p-٤٠٥)﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُتَقَلَّبُكم في الدُّنْيا ومَثْواكم في الآخِرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُتَقَلَّبُكم في أصْلابِ الرِّجالِ إلى أرْحامِ النِّساءِ، ومَقامُكم في القُبُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: "مُتَقَلَّبُكُمْ" بِالنَّهارِ و "مَثْواكُمْ" أيْ: مَأْواكم بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُنَزِّلَ سُورَةً فِيها ثَوابُ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتِياقًا مِنهم إلى الوَحْيِ وحِرْصًا عَلى الجِهادِ، فَقالُوا: "لَوْلا" أيْ: هَلّا؛ وكانَ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ يَقُولُ: "لا" هاهُنا صِلَةٌ، فالمَعْنى: لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، شَوْقًا مِنهم إلى الزِّيادَةِ في العِلْمِ، ورَغْبَةً في الثَّوابِ والأجْرِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الفَرائِضِ.
وَفِي مَعْنى "مُحْكَمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ. والثّالِثُ: الَّتِي لا مَنسُوخَ فِيها، حَكاهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ: فُرِضَ فِيها الجِهادُ.
وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النِّفاقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهم يَكْرَهُونَ القِتالَ، ويَخافُونَ إنْ قَعَدُوا أنْ يَتَبَيَّنَ نِفاقُهم.
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ: "أوْلى لَكَ" أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ -إذا أرَدْتَ بِهِ سُوءًا، فَفاتَكَ- أوْلى لَكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ. . .﴾ وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: المَعْنى: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الطّاعَةُ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذا قِيلَ لَهُمُ: افْعَلُوا كَذَلِكَ، قالُوا: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَوَصَفَ [اللَّهُ] قَوْلَهم قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ أنَّهم يَقُولُونَ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَإذا نَزَلَ الأمْرُ كَرِهُوا. وأخْبَرَنِي حِبّانُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأوْلى﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿طاعَةٌ﴾، فَصارَتْ "أوْلى" وعِيدًا لِمَن كَرِهَها، واسْتَأْنَفَ الطّاعَةَ بِـ "لَهُمْ"؛ والأوَّلُ عِنْدَنا كَلامُ العَرَبِ، وهَذا غَيْرُ مَرْدُودٍ، يَعْنِي حَدِيثَ أبِي صالِحٍ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والمَعْنى: فَأوْلى لَهم أنْ يُطِيعُوا وأنْ يَقُولُوا مَعْرُوفًا بِالإجابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ قالَ الحَسَنُ: جَدَّ الأمْرُ. وقالَ غَيْرُهُ: جَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في الجِهادِ، ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، وصارَ الأمْرُ مَعْرُوفًا عَلَيْهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ والكَراهَةِ.
محمد 47:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: اثْبُتْ عَلى عِلْمِكَ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهَذا الخِطابِ غَيْرَهُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في فاتِحَةِ " الأحْزاب " . وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُونَ، فَقِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا كاشِفَ لِما بِكَ إلّا اللَّهُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ إكْرامًا لَهم لِأنَّهُ شَفِيعٌ مُجابٌ.
(p-٤٠٥)﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُتَقَلَّبُكم في الدُّنْيا ومَثْواكم في الآخِرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُتَقَلَّبُكم في أصْلابِ الرِّجالِ إلى أرْحامِ النِّساءِ، ومَقامُكم في القُبُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: "مُتَقَلَّبُكُمْ" بِالنَّهارِ و "مَثْواكُمْ" أيْ: مَأْواكم بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُنَزِّلَ سُورَةً فِيها ثَوابُ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتِياقًا مِنهم إلى الوَحْيِ وحِرْصًا عَلى الجِهادِ، فَقالُوا: "لَوْلا" أيْ: هَلّا؛ وكانَ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ يَقُولُ: "لا" هاهُنا صِلَةٌ، فالمَعْنى: لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، شَوْقًا مِنهم إلى الزِّيادَةِ في العِلْمِ، ورَغْبَةً في الثَّوابِ والأجْرِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الفَرائِضِ.
وَفِي مَعْنى "مُحْكَمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ. والثّالِثُ: الَّتِي لا مَنسُوخَ فِيها، حَكاهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ: فُرِضَ فِيها الجِهادُ.
وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النِّفاقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهم يَكْرَهُونَ القِتالَ، ويَخافُونَ إنْ قَعَدُوا أنْ يَتَبَيَّنَ نِفاقُهم.
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ: "أوْلى لَكَ" أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ -إذا أرَدْتَ بِهِ سُوءًا، فَفاتَكَ- أوْلى لَكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ. . .﴾ وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: المَعْنى: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الطّاعَةُ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذا قِيلَ لَهُمُ: افْعَلُوا كَذَلِكَ، قالُوا: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَوَصَفَ [اللَّهُ] قَوْلَهم قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ أنَّهم يَقُولُونَ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَإذا نَزَلَ الأمْرُ كَرِهُوا. وأخْبَرَنِي حِبّانُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأوْلى﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿طاعَةٌ﴾، فَصارَتْ "أوْلى" وعِيدًا لِمَن كَرِهَها، واسْتَأْنَفَ الطّاعَةَ بِـ "لَهُمْ"؛ والأوَّلُ عِنْدَنا كَلامُ العَرَبِ، وهَذا غَيْرُ مَرْدُودٍ، يَعْنِي حَدِيثَ أبِي صالِحٍ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والمَعْنى: فَأوْلى لَهم أنْ يُطِيعُوا وأنْ يَقُولُوا مَعْرُوفًا بِالإجابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ قالَ الحَسَنُ: جَدَّ الأمْرُ. وقالَ غَيْرُهُ: جَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في الجِهادِ، ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، وصارَ الأمْرُ مَعْرُوفًا عَلَيْهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ والكَراهَةِ.
محمد 47:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: اثْبُتْ عَلى عِلْمِكَ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهَذا الخِطابِ غَيْرَهُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في فاتِحَةِ " الأحْزاب " . وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُونَ، فَقِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا كاشِفَ لِما بِكَ إلّا اللَّهُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ إكْرامًا لَهم لِأنَّهُ شَفِيعٌ مُجابٌ.
(p-٤٠٥)﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُتَقَلَّبُكم في الدُّنْيا ومَثْواكم في الآخِرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُتَقَلَّبُكم في أصْلابِ الرِّجالِ إلى أرْحامِ النِّساءِ، ومَقامُكم في القُبُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: "مُتَقَلَّبُكُمْ" بِالنَّهارِ و "مَثْواكُمْ" أيْ: مَأْواكم بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُنَزِّلَ سُورَةً فِيها ثَوابُ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتِياقًا مِنهم إلى الوَحْيِ وحِرْصًا عَلى الجِهادِ، فَقالُوا: "لَوْلا" أيْ: هَلّا؛ وكانَ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ يَقُولُ: "لا" هاهُنا صِلَةٌ، فالمَعْنى: لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، شَوْقًا مِنهم إلى الزِّيادَةِ في العِلْمِ، ورَغْبَةً في الثَّوابِ والأجْرِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الفَرائِضِ.
وَفِي مَعْنى "مُحْكَمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ. والثّالِثُ: الَّتِي لا مَنسُوخَ فِيها، حَكاهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ: فُرِضَ فِيها الجِهادُ.
وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النِّفاقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهم يَكْرَهُونَ القِتالَ، ويَخافُونَ إنْ قَعَدُوا أنْ يَتَبَيَّنَ نِفاقُهم.
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ: "أوْلى لَكَ" أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ -إذا أرَدْتَ بِهِ سُوءًا، فَفاتَكَ- أوْلى لَكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ. . .﴾ وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: المَعْنى: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الطّاعَةُ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذا قِيلَ لَهُمُ: افْعَلُوا كَذَلِكَ، قالُوا: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَوَصَفَ [اللَّهُ] قَوْلَهم قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ أنَّهم يَقُولُونَ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَإذا نَزَلَ الأمْرُ كَرِهُوا. وأخْبَرَنِي حِبّانُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأوْلى﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿طاعَةٌ﴾، فَصارَتْ "أوْلى" وعِيدًا لِمَن كَرِهَها، واسْتَأْنَفَ الطّاعَةَ بِـ "لَهُمْ"؛ والأوَّلُ عِنْدَنا كَلامُ العَرَبِ، وهَذا غَيْرُ مَرْدُودٍ، يَعْنِي حَدِيثَ أبِي صالِحٍ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والمَعْنى: فَأوْلى لَهم أنْ يُطِيعُوا وأنْ يَقُولُوا مَعْرُوفًا بِالإجابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ قالَ الحَسَنُ: جَدَّ الأمْرُ. وقالَ غَيْرُهُ: جَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في الجِهادِ، ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، وصارَ الأمْرُ مَعْرُوفًا عَلَيْهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ والكَراهَةِ.
محمد 47:22
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:23
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:24
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:25
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:26
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:27
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:28
(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
محمد 47:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ ﷺ ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.
(p-٤١١)﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ. وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا
تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، (p-٤١٢)وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الآيَةُ] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ (p-٤١٣)«أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٧]،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.
محمد 47:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ ﷺ ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.
(p-٤١١)﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ. وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا
تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، (p-٤١٢)وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الآيَةُ] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ (p-٤١٣)«أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٧]،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.
محمد 47:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ ﷺ ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.
(p-٤١١)﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ. وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا
تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، (p-٤١٢)وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الآيَةُ] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ (p-٤١٣)«أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٧]،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.
محمد 47:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ ﷺ ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.
(p-٤١١)﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ. وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا
تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، (p-٤١٢)وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الآيَةُ] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ (p-٤١٣)«أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٧]،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.
محمد 47:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ ﷺ ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.
(p-٤١١)﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ. وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا
تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، (p-٤١٢)وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الآيَةُ] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ (p-٤١٣)«أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٧]،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.
محمد 47:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ ﷺ ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.
(p-٤١١)﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ. وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا
تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، (p-٤١٢)وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الآيَةُ] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ (p-٤١٣)«أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٧]،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.
محمد 47:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "إلى السَّلْمِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، والمَعْنى: لا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتَداءً. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ.
(p-٤١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ: أنْتُمْ أعَزُّ مِنهُمْ، والحُجَّةُ لَكُمْ، وآخِرُ الأمْرِ لَكم وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، يُقالُ: وتَرْتَنِي حَقِّي، أيْ: بَخَسْتَنِيهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَسْألَكُمُوها كُلَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُجْهِدْكم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلِحَّ عَلَيْكم بِما يُوجِبُهُ في أمْوالِكم ﴿تَبْخَلُوا﴾، [يُقالُ: أحْفانِي بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ: إذا ألَحَّ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكم تَبْخَلُوا] .
﴿وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: "وَيُخْرَجُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "وَتَخْرُجُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والوَلِيدُ عَنْ (p-٤١٥)يَعْقُوبَ: "وَنَخْرِجُ" بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ "أضْغانَكُمْ" بِنَصْبِ النُّونِ، أيْ: يُظْهِرُ بُغْضَكم وعَداوَتَكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ ولَكِنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكم يَسِيرًا.
وَفِيمَن يُضافُ إلَيْهِ هَذا الإخْراجُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: البُخْلُ، حَكاهُما الفَرّاءُ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ؛ والزَّكاةُ لا تُنافِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ عَلَيْكم في أمْوَلِكم ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ بِما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ بِما يَنْفَعُها في الآخِرَةِ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ عَنْكم وعَنْ أمْوالِكم ﴿وَأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ إلَيْهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أطْوَعُ لَهُ مِنكم ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ بَلْ خَيْرًا مِنكم. وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ الحَسَنُ. وفِيهِ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [يَدَهُ] عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ، فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ" .» والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ (p-٤١٦)عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: مَن يَشاءُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ. والخامِسُ: كِنْدَةُ والنَّخَعُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أهْلُ اليَمَنِ، قالَهُ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ. والسّابِعُ: الأنْصارُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّامِنُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقالَ: فِيهِ بُعْدٌ [لِأنَّهُ] لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ "قَوْمٌ"، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ (p-٤١٧)لِلْآدَمِيِّينَ؛ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وهَذا [مَعْنى] ما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ.
محمد 47:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "إلى السَّلْمِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، والمَعْنى: لا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتَداءً. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ.
(p-٤١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ: أنْتُمْ أعَزُّ مِنهُمْ، والحُجَّةُ لَكُمْ، وآخِرُ الأمْرِ لَكم وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، يُقالُ: وتَرْتَنِي حَقِّي، أيْ: بَخَسْتَنِيهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَسْألَكُمُوها كُلَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُجْهِدْكم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلِحَّ عَلَيْكم بِما يُوجِبُهُ في أمْوالِكم ﴿تَبْخَلُوا﴾، [يُقالُ: أحْفانِي بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ: إذا ألَحَّ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكم تَبْخَلُوا] .
﴿وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: "وَيُخْرَجُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "وَتَخْرُجُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والوَلِيدُ عَنْ (p-٤١٥)يَعْقُوبَ: "وَنَخْرِجُ" بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ "أضْغانَكُمْ" بِنَصْبِ النُّونِ، أيْ: يُظْهِرُ بُغْضَكم وعَداوَتَكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ ولَكِنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكم يَسِيرًا.
وَفِيمَن يُضافُ إلَيْهِ هَذا الإخْراجُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: البُخْلُ، حَكاهُما الفَرّاءُ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ؛ والزَّكاةُ لا تُنافِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ عَلَيْكم في أمْوَلِكم ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ بِما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ بِما يَنْفَعُها في الآخِرَةِ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ عَنْكم وعَنْ أمْوالِكم ﴿وَأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ إلَيْهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أطْوَعُ لَهُ مِنكم ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ بَلْ خَيْرًا مِنكم. وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ الحَسَنُ. وفِيهِ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [يَدَهُ] عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ، فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ" .» والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ (p-٤١٦)عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: مَن يَشاءُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ. والخامِسُ: كِنْدَةُ والنَّخَعُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أهْلُ اليَمَنِ، قالَهُ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ. والسّابِعُ: الأنْصارُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّامِنُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقالَ: فِيهِ بُعْدٌ [لِأنَّهُ] لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ "قَوْمٌ"، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ (p-٤١٧)لِلْآدَمِيِّينَ؛ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وهَذا [مَعْنى] ما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ.
محمد 47:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "إلى السَّلْمِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، والمَعْنى: لا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتَداءً. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ.
(p-٤١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ: أنْتُمْ أعَزُّ مِنهُمْ، والحُجَّةُ لَكُمْ، وآخِرُ الأمْرِ لَكم وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، يُقالُ: وتَرْتَنِي حَقِّي، أيْ: بَخَسْتَنِيهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَسْألَكُمُوها كُلَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُجْهِدْكم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلِحَّ عَلَيْكم بِما يُوجِبُهُ في أمْوالِكم ﴿تَبْخَلُوا﴾، [يُقالُ: أحْفانِي بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ: إذا ألَحَّ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكم تَبْخَلُوا] .
﴿وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: "وَيُخْرَجُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "وَتَخْرُجُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والوَلِيدُ عَنْ (p-٤١٥)يَعْقُوبَ: "وَنَخْرِجُ" بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ "أضْغانَكُمْ" بِنَصْبِ النُّونِ، أيْ: يُظْهِرُ بُغْضَكم وعَداوَتَكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ ولَكِنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكم يَسِيرًا.
وَفِيمَن يُضافُ إلَيْهِ هَذا الإخْراجُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: البُخْلُ، حَكاهُما الفَرّاءُ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ؛ والزَّكاةُ لا تُنافِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ عَلَيْكم في أمْوَلِكم ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ بِما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ بِما يَنْفَعُها في الآخِرَةِ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ عَنْكم وعَنْ أمْوالِكم ﴿وَأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ إلَيْهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أطْوَعُ لَهُ مِنكم ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ بَلْ خَيْرًا مِنكم. وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ الحَسَنُ. وفِيهِ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [يَدَهُ] عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ، فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ" .» والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ (p-٤١٦)عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: مَن يَشاءُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ. والخامِسُ: كِنْدَةُ والنَّخَعُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أهْلُ اليَمَنِ، قالَهُ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ. والسّابِعُ: الأنْصارُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّامِنُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقالَ: فِيهِ بُعْدٌ [لِأنَّهُ] لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ "قَوْمٌ"، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ (p-٤١٧)لِلْآدَمِيِّينَ؛ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وهَذا [مَعْنى] ما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ.
محمد 47:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "إلى السَّلْمِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، والمَعْنى: لا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتَداءً. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ.
(p-٤١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ: أنْتُمْ أعَزُّ مِنهُمْ، والحُجَّةُ لَكُمْ، وآخِرُ الأمْرِ لَكم وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، يُقالُ: وتَرْتَنِي حَقِّي، أيْ: بَخَسْتَنِيهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَسْألَكُمُوها كُلَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُجْهِدْكم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلِحَّ عَلَيْكم بِما يُوجِبُهُ في أمْوالِكم ﴿تَبْخَلُوا﴾، [يُقالُ: أحْفانِي بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ: إذا ألَحَّ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكم تَبْخَلُوا] .
﴿وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: "وَيُخْرَجُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "وَتَخْرُجُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والوَلِيدُ عَنْ (p-٤١٥)يَعْقُوبَ: "وَنَخْرِجُ" بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ "أضْغانَكُمْ" بِنَصْبِ النُّونِ، أيْ: يُظْهِرُ بُغْضَكم وعَداوَتَكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ ولَكِنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكم يَسِيرًا.
وَفِيمَن يُضافُ إلَيْهِ هَذا الإخْراجُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: البُخْلُ، حَكاهُما الفَرّاءُ. وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ؛ والزَّكاةُ لا تُنافِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ عَلَيْكم في أمْوَلِكم ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ بِما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ بِما يَنْفَعُها في الآخِرَةِ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ عَنْكم وعَنْ أمْوالِكم ﴿وَأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ إلَيْهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أطْوَعُ لَهُ مِنكم ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ بَلْ خَيْرًا مِنكم. وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ الحَسَنُ. وفِيهِ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [يَدَهُ] عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ، فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ" .» والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ (p-٤١٦)عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: مَن يَشاءُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ. والخامِسُ: كِنْدَةُ والنَّخَعُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أهْلُ اليَمَنِ، قالَهُ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ. والسّابِعُ: الأنْصارُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّامِنُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقالَ: فِيهِ بُعْدٌ [لِأنَّهُ] لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ "قَوْمٌ"، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ (p-٤١٧)لِلْآدَمِيِّينَ؛ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وهَذا [مَعْنى] ما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ.
الفتح 48:1
(p-٤١٨)سُورَةُ الفَتْحِ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحْقافِ: ٩] قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟! فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ (p-٤١٩)ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ. قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ (p-٤٢٠)بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ. قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ
رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ. وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ. فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، (p-٤٢١)وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن (p-٤٢٢)عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.»
وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.
والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» (p-٤٢٣)وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: (p-٤٢٤)وَيَهْدِي بِكَ، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.
الفتح 48:2
(p-٤١٨)سُورَةُ الفَتْحِ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحْقافِ: ٩] قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟! فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ (p-٤١٩)ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ. قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ (p-٤٢٠)بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ. قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ
رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ. وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ. فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، (p-٤٢١)وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن (p-٤٢٢)عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.»
وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.
والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» (p-٤٢٣)وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: (p-٤٢٤)وَيَهْدِي بِكَ، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.
الفتح 48:3
(p-٤١٨)سُورَةُ الفَتْحِ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحْقافِ: ٩] قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟! فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ (p-٤١٩)ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ. قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ (p-٤٢٠)بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ. قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ
رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ. وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ. فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، (p-٤٢١)وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن (p-٤٢٢)عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.»
وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.
والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» (p-٤٢٣)وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: (p-٤٢٤)وَيَهْدِي بِكَ، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.
الفتح 48:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ. . .﴾ [الآيَةُ] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. قالَ مُقاتِلٌ: (p-٤٢٦)فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ. . .﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا. والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا (p-٤٢٧)بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ. وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ (p-٤٢٨)الأقْوالَ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
الفتح 48:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا أرادَ العُمْرَةَ اسْتَنْفَرَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ البَوادِي والأعْرابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، خَوْفًا مِن قَوْمِهِ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ بِصَدٍّ، فَتَثاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنهُمْ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: "سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ"، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ [ابْنِ عَبّاسٍ]: وهم غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأشْجَعُ والدَّيْلُ وأسْلَمُ. قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الدَّيْلُ في عَبْدِ القَيْسِ ساكِنُ الياءِ. والدُّولُ مِن حَنِيفَةَ ساكِنُ الواوِ، والدُّئَلُ في كِنانَةَ رَهْطُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. فَأمّا المُخَلَّفُونَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا مَخافَةَ القَتْلِ. ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ أيْ: خِفْنا عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أيِ: ادْعُ [اللَّهَ] أنْ يَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: ما يُبالُونَ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "ضُرًّا" بِضَمِّ الضّادِ؛ والباقُونَ: بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الضَّرُّ" بِالفَتْحِ: خِلافُ النَّفْعِ، وبِالضَّمِّ: سُوءُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لُغَتَيْنِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، وذَلِكَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ تَخَلُّفَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ، ويُعَجِّلُ لَهُمُ النَّفْعَ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ أرادَ بِهِمْ شَيْئًا، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى دَفْعِهِ [عَنْهُمْ]، ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ مِن تَخَلُّفِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَهْلَكُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ: تَوَهَّمْتُمْ ﴿أنْ (p-٤٣٠)لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُونَ إلى المَدِينَةِ، لِاسْتِئْصالِ العَدُوِّ إيّاهُمْ، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ وذَلِكَ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [الفَرْقانِ: ١٨] .
الفتح 48:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا أرادَ العُمْرَةَ اسْتَنْفَرَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ البَوادِي والأعْرابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، خَوْفًا مِن قَوْمِهِ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ بِصَدٍّ، فَتَثاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنهُمْ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: "سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ"، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ [ابْنِ عَبّاسٍ]: وهم غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأشْجَعُ والدَّيْلُ وأسْلَمُ. قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الدَّيْلُ في عَبْدِ القَيْسِ ساكِنُ الياءِ. والدُّولُ مِن حَنِيفَةَ ساكِنُ الواوِ، والدُّئَلُ في كِنانَةَ رَهْطُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. فَأمّا المُخَلَّفُونَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا مَخافَةَ القَتْلِ. ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ أيْ: خِفْنا عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أيِ: ادْعُ [اللَّهَ] أنْ يَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: ما يُبالُونَ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "ضُرًّا" بِضَمِّ الضّادِ؛ والباقُونَ: بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الضَّرُّ" بِالفَتْحِ: خِلافُ النَّفْعِ، وبِالضَّمِّ: سُوءُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لُغَتَيْنِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، وذَلِكَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ تَخَلُّفَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ، ويُعَجِّلُ لَهُمُ النَّفْعَ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ أرادَ بِهِمْ شَيْئًا، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى دَفْعِهِ [عَنْهُمْ]، ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ مِن تَخَلُّفِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَهْلَكُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ: تَوَهَّمْتُمْ ﴿أنْ (p-٤٣٠)لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُونَ إلى المَدِينَةِ، لِاسْتِئْصالِ العَدُوِّ إيّاهُمْ، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ وذَلِكَ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [الفَرْقانِ: ١٨] .
الفتح 48:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا أرادَ العُمْرَةَ اسْتَنْفَرَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ البَوادِي والأعْرابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، خَوْفًا مِن قَوْمِهِ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ بِصَدٍّ، فَتَثاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنهُمْ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: "سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ"، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ [ابْنِ عَبّاسٍ]: وهم غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأشْجَعُ والدَّيْلُ وأسْلَمُ. قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الدَّيْلُ في عَبْدِ القَيْسِ ساكِنُ الياءِ. والدُّولُ مِن حَنِيفَةَ ساكِنُ الواوِ، والدُّئَلُ في كِنانَةَ رَهْطُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. فَأمّا المُخَلَّفُونَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا مَخافَةَ القَتْلِ. ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ أيْ: خِفْنا عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أيِ: ادْعُ [اللَّهَ] أنْ يَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: ما يُبالُونَ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "ضُرًّا" بِضَمِّ الضّادِ؛ والباقُونَ: بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الضَّرُّ" بِالفَتْحِ: خِلافُ النَّفْعِ، وبِالضَّمِّ: سُوءُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لُغَتَيْنِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، وذَلِكَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ تَخَلُّفَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ، ويُعَجِّلُ لَهُمُ النَّفْعَ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ أرادَ بِهِمْ شَيْئًا، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى دَفْعِهِ [عَنْهُمْ]، ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ مِن تَخَلُّفِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَهْلَكُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ: تَوَهَّمْتُمْ ﴿أنْ (p-٤٣٠)لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُونَ إلى المَدِينَةِ، لِاسْتِئْصالِ العَدُوِّ إيّاهُمْ، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ وذَلِكَ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [الفَرْقانِ: ١٨] .
الفتح 48:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا أرادَ العُمْرَةَ اسْتَنْفَرَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ البَوادِي والأعْرابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، خَوْفًا مِن قَوْمِهِ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ بِصَدٍّ، فَتَثاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنهُمْ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: "سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ"، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ [ابْنِ عَبّاسٍ]: وهم غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأشْجَعُ والدَّيْلُ وأسْلَمُ. قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الدَّيْلُ في عَبْدِ القَيْسِ ساكِنُ الياءِ. والدُّولُ مِن حَنِيفَةَ ساكِنُ الواوِ، والدُّئَلُ في كِنانَةَ رَهْطُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. فَأمّا المُخَلَّفُونَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا مَخافَةَ القَتْلِ. ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ أيْ: خِفْنا عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أيِ: ادْعُ [اللَّهَ] أنْ يَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: ما يُبالُونَ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "ضُرًّا" بِضَمِّ الضّادِ؛ والباقُونَ: بِالفَتْحِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الضَّرُّ" بِالفَتْحِ: خِلافُ النَّفْعِ، وبِالضَّمِّ: سُوءُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لُغَتَيْنِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، وذَلِكَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ تَخَلُّفَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ، ويُعَجِّلُ لَهُمُ النَّفْعَ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ أرادَ بِهِمْ شَيْئًا، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى دَفْعِهِ [عَنْهُمْ]، ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ مِن تَخَلُّفِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَهْلَكُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ أيْ: تَوَهَّمْتُمْ ﴿أنْ (p-٤٣٠)لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُونَ إلى المَدِينَةِ، لِاسْتِئْصالِ العَدُوِّ إيّاهُمْ، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ وذَلِكَ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [الفَرْقانِ: ١٨] .
الفتح 48:15
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ بِالصُّلْحِ وعَدَهُمُ اللَّهُ فَتَحَ خَيْبَرَ، وخُصَّ بِها مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فانْطَلَقُوا إلَيْها، فَقالَ هَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "أنْ يُبَدِّلُوا كَلِمَ اللَّهِ" بِكَسْرِ اللّامِ.
وَفِي المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَواعِيدُ اللَّهِ بِغَنِيمَةِ خَيْبَرَ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أمْرُ اللَّهِ نَبِيَّهُ أنْ لا يَسِيرَ مَعَهُ مِنهم أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِالحُدَيْبِيَةِ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ خَيْبَرَ، ونَهاهُ أنْ يَسِيرَ مَعَهُ أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَعَلى القَوْلَيْنِ: قَصَدُوا أنْ يُجِيزَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ، فَيَكُونُ تَبْدِيلًا لِأمْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-٤٣١)أحَدُهُما: قالَ: إنَّ غَنائِمَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: قالَ: لَنْ تَتْبَّعُونا، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أيْ: يَمْنَعُكُمُ الحَسَدُ مِن أنْ نُصِيبَ مَعَكُمُ الغَنائِمَ.
الفتح 48:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الغَزْوَ والغَنِيمَةَ فَسَتُدْعَوْنَ إلى جِهادِ قَوْمٍ ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ .
وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم فارِسُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ. والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الأوْثانِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ كَعْبٌ. والخامِسُ: أنَّهم هَوازِنُ وغَطَفانُ، وذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ اليَمامَةِ، وهم أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. قالَ مُقاتِلٌ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ بَيِّنَةٌ مُؤَكَّدَةٌ. (p-٤٣٢)وَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دُعِيَ أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هم. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾، وفارِسُ والرُّومُ إنَّما يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِها بَنُو حَنِيفَةَ، فَأبُو بَكْرٍ دَعا إلى قِتالِهِمْ، وإنْ أُرِيدَ بِها فارِسُ والرُّومُ، فَعُمَرُ دَعا إلى قِتالِهِمْ، والآيَةُ تُلْزِمُهُمُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهُمْ، وتَتَوَعَّدُهم عَلى التَّخَلُّفِ بِالعِقابِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما إذا كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَإنْ تُطِيعُوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَتِهِما ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمْ نِفاقَكم وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.
(p-٤٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الزَّمانَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" و "نُعَذِّبُهُ" بِالنُّونِ فِيهِما؛ والباقُونَ: بِالياءِ.
الفتح 48:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الغَزْوَ والغَنِيمَةَ فَسَتُدْعَوْنَ إلى جِهادِ قَوْمٍ ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ .
وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم فارِسُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ. والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الأوْثانِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ كَعْبٌ. والخامِسُ: أنَّهم هَوازِنُ وغَطَفانُ، وذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ اليَمامَةِ، وهم أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. قالَ مُقاتِلٌ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ بَيِّنَةٌ مُؤَكَّدَةٌ. (p-٤٣٢)وَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دُعِيَ أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هم. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾، وفارِسُ والرُّومُ إنَّما يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِها بَنُو حَنِيفَةَ، فَأبُو بَكْرٍ دَعا إلى قِتالِهِمْ، وإنْ أُرِيدَ بِها فارِسُ والرُّومُ، فَعُمَرُ دَعا إلى قِتالِهِمْ، والآيَةُ تُلْزِمُهُمُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهُمْ، وتَتَوَعَّدُهم عَلى التَّخَلُّفِ بِالعِقابِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما إذا كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَإنْ تُطِيعُوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَتِهِما ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمْ نِفاقَكم وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.
(p-٤٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الزَّمانَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" و "نُعَذِّبُهُ" بِالنُّونِ فِيهِما؛ والباقُونَ: بِالياءِ.
الفتح 48:18
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:19
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:20
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:21
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:22
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:23
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:24
(p-٤٣٤)ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا. وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ. قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى (p-٤٣٥)بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿وَأثابَهُمْ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ. فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ. وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.
(p-٤٣٦)فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما وعَدَهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا (p-٤٣٧)أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم. والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ. و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة. ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٣٨)هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.
وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ. والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ (p-٤٣٩)بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .
وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا:
؎ يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا
والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.
والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.
وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟ قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
الفتح 48:25
(p-٤٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أنْ تَطُوفُوا بِهِ وتُحِلُّوا مِن عُمْرَتِكم ﴿والهَدْيَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿مَعْكُوفًا﴾ أيْ: مَحْبُوسًا ﴿أنْ يَبْلُغَ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحَلّه قالَ المُفَسِّرُونَ: "مَحِلُّهُ" مَنحَرُهُ، وهو حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ وهْمُ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَكَّةَ ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أيْ: لَمْ تَعَرِفُوهم ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بِالقَتْلِ. ومَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ بِالقَتْلِ، وتُوقِعُوا بِهِمْ ولا تَعْرِفُونَهُمْ، ﴿فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: إثْمٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: غُرْمُ الدِّيَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَإ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: عَيْبٌ بِقَتْلِ مَن هو عَلى دِينِكُمْ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَأدْخَلْتُكم مِن عامِكم هَذا؛ وإنَّما حُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَهم ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الصُّلْحِ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَفَرَّقُوا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لَوْ تَمَيَّزُوا. (p-٤٤١)قالَ المُفَسِّرُونَ: لَوِ انْمازَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ بِأيْدِيكم. وقالَ قَوْمٌ: لَوْ تَزَيَّلَ المُؤْمِنُونَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ لَعَذَّبْنا الكُفّارَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: "لَعَذَّبْنا" جَوابٌ لِكَلامَيْنِ، أحَدُهُما: "لَوْلا رِجالٌ"، والثّانِي: "لَوْ تَزَيَّلُوا" وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ . والحَمِيَّةُ: الأنَفَةُ والجَبْرِيَّةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أخَذَتْهُمُ الحَمِيَّةُ حِينَ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ مَكَّةَ، فَقالُوا: يَدْخُلُونَ عَلَيْنا [وَقَدْ قَتَلُوا] أبْناءَنا وإخْوانَنا فَتَتَحَدَّثُ العَرَبُ بِذَلِكَ! واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ أُولَئِكَ فَيُخالِفُوا اللَّهَ في قِتالِهِمْ. وقِيلَ: الحَمِيَّةُ ما تَداخَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الأنَفَةِ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ الصُّلْحِ ذِكْرَ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وذِكْرَ "رَسُولِ اللَّهِ" ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: "لا إلْهُ إلّا اللَّهُ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى: "ألْزَمَهُمْ": حَكَمَ لَهم بِها، وهي الَّتِي تَنْفِي الشِّرْكَ.
(p-٤٤٢)والثّانِي: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ"، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
والرّابِعُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، قالَهُ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ.
والخامِسُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أبى المُشْرِكُونَ أنَّ يَكْتُبُوا هَذا في كِتابِ الصُّلْحِ، ألْزَمَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ﴿وَكانُوا أحَقَّ بِها﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ "وَ" كانُوا أهْلها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
الفتح 48:26
(p-٤٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أنْ تَطُوفُوا بِهِ وتُحِلُّوا مِن عُمْرَتِكم ﴿والهَدْيَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿مَعْكُوفًا﴾ أيْ: مَحْبُوسًا ﴿أنْ يَبْلُغَ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحَلّه قالَ المُفَسِّرُونَ: "مَحِلُّهُ" مَنحَرُهُ، وهو حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ وهْمُ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَكَّةَ ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أيْ: لَمْ تَعَرِفُوهم ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بِالقَتْلِ. ومَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ بِالقَتْلِ، وتُوقِعُوا بِهِمْ ولا تَعْرِفُونَهُمْ، ﴿فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: إثْمٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: غُرْمُ الدِّيَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَإ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: عَيْبٌ بِقَتْلِ مَن هو عَلى دِينِكُمْ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَأدْخَلْتُكم مِن عامِكم هَذا؛ وإنَّما حُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَهم ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الصُّلْحِ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَفَرَّقُوا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لَوْ تَمَيَّزُوا. (p-٤٤١)قالَ المُفَسِّرُونَ: لَوِ انْمازَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ بِأيْدِيكم. وقالَ قَوْمٌ: لَوْ تَزَيَّلَ المُؤْمِنُونَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ لَعَذَّبْنا الكُفّارَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: "لَعَذَّبْنا" جَوابٌ لِكَلامَيْنِ، أحَدُهُما: "لَوْلا رِجالٌ"، والثّانِي: "لَوْ تَزَيَّلُوا" وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ . والحَمِيَّةُ: الأنَفَةُ والجَبْرِيَّةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أخَذَتْهُمُ الحَمِيَّةُ حِينَ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ مَكَّةَ، فَقالُوا: يَدْخُلُونَ عَلَيْنا [وَقَدْ قَتَلُوا] أبْناءَنا وإخْوانَنا فَتَتَحَدَّثُ العَرَبُ بِذَلِكَ! واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ أُولَئِكَ فَيُخالِفُوا اللَّهَ في قِتالِهِمْ. وقِيلَ: الحَمِيَّةُ ما تَداخَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الأنَفَةِ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ الصُّلْحِ ذِكْرَ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وذِكْرَ "رَسُولِ اللَّهِ" ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: "لا إلْهُ إلّا اللَّهُ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى: "ألْزَمَهُمْ": حَكَمَ لَهم بِها، وهي الَّتِي تَنْفِي الشِّرْكَ.
(p-٤٤٢)والثّانِي: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ"، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
والرّابِعُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، قالَهُ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ.
والخامِسُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أبى المُشْرِكُونَ أنَّ يَكْتُبُوا هَذا في كِتابِ الصُّلْحِ، ألْزَمَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ﴿وَكانُوا أحَقَّ بِها﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ "وَ" كانُوا أهْلها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
الفتح 48:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أُرِيَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةَ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافُونَ﴾ ورَأى كَأنَّهُ هو وأصْحابُهُ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَفَرِحُوا، فَلَمّا خَرَجُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ حَسِبُوا أنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ في عامِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعُوا (p-٤٤٣)وَلَمْ يَدْخُلُوا قالَ المُنافِقُونَ: أيْنَ رُؤْياهُ الَّتِي رَأى؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَخَلُوا في العامِ المُقْبِلِ.»
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ "إنَّ" بِمَعْنى "إذْ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَهُ، والخَلْقُ يَسْتَثْنُونَ فِيما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهم سَيَدْخُلُونَهُ، ولَكِنِ اسْتَثْنى عَلى ما أمَرَ الخَلْقَ بِهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى دُخُولِ بَعْضِهِمْ أوْ جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ لِما رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
(p-٤٤٤)والسّادِسُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى الأمْنِ والخَوْفِ، فَأمّا الدُّخُولُ، فَلا شَكَّ فِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ العَدُوِّ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾ مِنَ الشَّعْرِ ﴿لا تَخافُونَ﴾ عَدُوًّا.
﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في الصُّلْحِ. والثّانِي: أنَّ في تَأْخِيرِ الدُّخُولِ صَلاحًا. والثّالِثُ: فَعَلِمَ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكم خَيْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ. وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ كانَ فَتْحًا في أوَّلِ السُّورَةِ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
(p-٤٤٥)أحَدُهُما: أنَّهُ شَهِدَ لَهُ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: كَفى بِهِ شَهِيدًا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الفتح 48:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أُرِيَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةَ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافُونَ﴾ ورَأى كَأنَّهُ هو وأصْحابُهُ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَفَرِحُوا، فَلَمّا خَرَجُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ حَسِبُوا أنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ في عامِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعُوا (p-٤٤٣)وَلَمْ يَدْخُلُوا قالَ المُنافِقُونَ: أيْنَ رُؤْياهُ الَّتِي رَأى؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَخَلُوا في العامِ المُقْبِلِ.»
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ "إنَّ" بِمَعْنى "إذْ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَهُ، والخَلْقُ يَسْتَثْنُونَ فِيما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهم سَيَدْخُلُونَهُ، ولَكِنِ اسْتَثْنى عَلى ما أمَرَ الخَلْقَ بِهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى دُخُولِ بَعْضِهِمْ أوْ جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ لِما رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
(p-٤٤٤)والسّادِسُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى الأمْنِ والخَوْفِ، فَأمّا الدُّخُولُ، فَلا شَكَّ فِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ العَدُوِّ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾ مِنَ الشَّعْرِ ﴿لا تَخافُونَ﴾ عَدُوًّا.
﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في الصُّلْحِ. والثّانِي: أنَّ في تَأْخِيرِ الدُّخُولِ صَلاحًا. والثّالِثُ: فَعَلِمَ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكم خَيْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ. وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ كانَ فَتْحًا في أوَّلِ السُّورَةِ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
(p-٤٤٥)أحَدُهُما: أنَّهُ شَهِدَ لَهُ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: كَفى بِهِ شَهِيدًا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الفتح 48:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: "مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهِدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ يَعْنِي أصْحابَهُ. والأشِدّاءُ: جَمْعُ شَدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: والأصْلُ: أشْدِداءُ، نَحْوُ نَصِيبٍ وأنْصِباءَ، ولَكِنَّ الدّالَيْنِ تَحَرَّكَتا، فَأُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ، [وَمِثْلُهُ] ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ الرُّحَماءُ جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى أنَّهم يُغْلِظُونَ عَلى الكُفّارِ، ويَتَوادُّونَ بَيْنَهم ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ يَصِفُ كَثْرَةَ (p-٤٤٦)صَلاتِهِمْ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ وهو الجَنَّةُ ﴿وَرِضْوانًا﴾ وهو رِضى اللَّهِ عَنْهم. وهَذا الوَصْفُ لِجَمِيعِ الصَّحابَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ورَوى مُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: "والَّذِينَ مَعَهُ" أبُو بَكْرٍ "أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ" عُمَرُ "رُحَماءُ بَيْنَهُمْ" عُثْمانُ "تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا" عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا" طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَعْدٌ وسَعِيدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِيماهُمْ﴾ أيْ: عَلامَتُهم ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾، وهَلْ هَذِهِ العَلامَةُ في الدُّنْيا، أمْ في الآخِرَةِ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في الدُّنْيا. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها السَّمْتُ الحَسَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ وقالَ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: أما إنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي تَرَوْنَ، ولَكِنَّهُ سِيما الإسْلامِ وسَمْتُهُ وخُشُوعُهُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ بِنَدَبِ التُّرابِ في الوَجْهِ، ولَكِنَّهُ الخُشُوعُ والوَقارُ والتَّواضُعُ.
والثّانِي: أنَّهُ نَدى الطَّهُورِ وثَرى الأرْضِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لِأنَّهم يَسْجُدُونَ عَلى التُّرابِ لا عَلى الأثْوابِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ ما حَمَلَتْ جِباهُهم مِنَ الأرْضِ.
(p-٤٤٧)والثّالِثُ: أنَّهُ السُّهُومُ، فَإذا سَهَمَ وجْهُ الرَّجُلِ مِنَ اللَّيْلِ أصْبَحَ مُصْفارًّا. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "سِيماهم في وُجُوهِهِمْ": الصُّفْرَةُ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أثَرُ السَّهَرِ؛ وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو تَهَيُّجٌ في الوَجْهِ مِن سَهَرِ اللَّيْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها في الآخِرَةِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَواضِعَ السُّجُودِ مِن وُجُوهِهِمْ يَكُونُ أشَدَّ وُجُوهِهِمْ بَياضًا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلاتُهم تَبْدُو في وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّهم يُبْعَثُونَ غَرًّا مُحَجَّلِينَ مِن أثَرِ الطُّهُورِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾ أيْ: صِفَتُهُمْ؛ والمَعْنى أنَّ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ ﴿فِي التَّوْراةِ﴾ هَذا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٤٤٨)أحَدُها: أنَّ هَذا المَثَلَ المَذْكُورَ أنَّهُ في التَّوْراةِ هو مَثَلُهم في الإنْجِيلِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَثَلُهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ المُتَقَدِّمَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ. فَأمّا مَثَلُهم في الإنْجِيلِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿كَزَرْعٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ مَثَلَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَزَرْعٍ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: ["شَطَأهُ" بِفَتْحِ الطّاءِ والهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "شَطْأهُ" بِسُكُونِ الطّاءِ. وكُلُّهم يَقْرَأُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ]: "شَطاءَهُ" بِفَتْحِ الطّاءِ [وَبِالمَدِّ] والهَمْزَةِ وبِألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: فِراخُهُ يُقالُ: أشْطَأ الزَّرْعُ فَهو مُشْطِئٌ: إذا أفْرَخَ ﴿فَآزَرَهُ﴾ أيْ: ساواهُ، وصارَ مِثْلَ الأُمِّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَأزَرَهُ" مَقْصُورَةَ الهَمْزَةِ مِثْلُ فَعَلَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: آزَرَهُ: أعانَهُ وقَوّاهُ ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ أيْ: غَلُظَ ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ وهي جَمْعُ "ساقٍ"، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ إذْ خَرَجَ وحْدَهُ، فَأيَّدَهُ بِأصْحابِهِ، كَما قَوّى الطّاقَةَ مِنَ الزَّرْعِ بِما نَبَتَ مِنها حَتّى كَبُرَتْ وغَلُظَتْ واسْتَحْكَمَتْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "عَلى سُؤْقِهِ" مَهْمُوزَةً؛ والباقُونَ: بِلا هَمْزَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: في الإنْجِيلِ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعِ.
(p-٤٤٩)وَفِيمَن أُرِيدَ بِهَذا المَثَلِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أصْلَ الزَّرْعِ: عَبْدُ المَطَّلِبِ "أخْرَجَ شَطْأهُ": أخْرَجَ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فَآزَرَهُ﴾: بِأبِي بَكْرٍ، ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾: بِعُمَرَ، ﴿فاسْتَوى﴾: بِعُثْمانَ، ﴿عَلى سُوقِهِ﴾: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزَّرْعِ: مُحَمَّدٌ ﷺ "أخْرَجَ شَطْأهُ" أبُو بَكْرٍ "فَآزَرَهُ": بِعُمَرَ "فاسْتَغْلَظَ": بِعُثْمانَ "فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ": بِعَلِيٍّ. ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ "لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ" وهو قَوْلُ عُمَرَ لِأهْلِ مَكَّةَ: لا يُعْبَدُ اللَّهُ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُبارَكٌ عَنِ الحَسَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ أيْ: إنَّما كَثَّرَهم وقَوّاهم لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ. وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: مَن أصْبَحَ وفي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ أصابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ: لا آمَنُ أنْ يَكُونُوا قَدْ ضارَعُوا الكُفّارَ، يَعْنِي الرّافِضَةَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: "لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ" .
(p-٤٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في "مِن" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَخْلِيصًا لِلْجِنْسِ مِن غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠]، ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: أنْفِقْ مِنَ الدَّراهِمِ، أيِ: اجْعَلْ نَفَقَتَكَ مِن هَذا الجِنْسِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن هَذا الجِنْسِ، أيْ: مِن جِنْسِ الصَّحابَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ [هَذا] الوَعْدُ لِمَن أقامَ مِنهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.