Tafsir Ibn Al-Jawzi — الطارق 86:1 – الغاشية 88:26
المحتويات
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
الطارق 86:1
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:2
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:3
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:4
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:5
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:6
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:7
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:8
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:9
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:10
(p-٨٠)سُورَةُ الطّارِقِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّارِقُ: النَّجْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يَطْرُقُ، أيْ: يَطْلَعُ لَيْلًا، وكُلُّ مَن أتاكَ لَيْلًا، فَقَدَ طَرَقَكَ. ومِنهُ قَوْلُ هِنْدِ ابْنَةِ عُتْبَةَ:
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ
تُرِيدُ: إنَّ أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وعُلُوِّهِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ (p-٨١)يَقَعُ عَلى كُلِّ ما طَرَقَ لَيْلًا، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْرِي ما المُرادُ بِهِ حَتّى تَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ يَعْنِي: المُضِيءَ، كَما بَيَّنّا في [الصّافّاتِ: ١٠] .
وَفِي المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هو زُحَلُ، ومَسْكَنُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ، هَبَطَ، فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ [إنَّ] بِالتَّشْدِيدِ " كَلَّ " بِالنَّصْبِ ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ جَوابُ القَسَمِ، ومَن خَفَّفَ فالمَعْنى: لَعَلَيْها حافِظٌ و " ما " لَغْوٌ. ومَن شَدَّدَ، فالمَعْنى: إلّا، قالَ: فاسْتُعْمِلَتْ " لَمّا " في مَوْضِعِ (p-٨٢)" إلّا " في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ. تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما مِن نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلى الإنْسانِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
والثّانِي: حافِظٌ يَحْفَظُ الإنْسانَ حَتّى حِينِ يُسَلِّمُهُ إلى المَقادِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أيْ: مَن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ والمَعْنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ مِن نُطْفَةٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: مَدْفُوقٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ. سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ. وأهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، والمَعْنى: مِن ماءٍ ذِي انْدِفاقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " الصُّلُبِ " بِضَمِّ الصّادِ، واللّامِ جَمِيعًا. يَعْنِي: يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ يَخْرُجُ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. يُقالُ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. بِمَعْنى: يَخْرُجُ مِنهُما.
(p-٨٣)وَفِي " التَّرائِبِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: التَّرائِبُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎ مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: السَّجَنْجَلُ: المِرْآةُ بِالرُّومِيَّةِ. وقِيلَ: هي سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وقِيلَ: السَّجَنْجَلُ: الزَّعْفَرانُ، وقِيلَ: ماءُ الذَّهَبِ. ويُرْوى: البَيْتُ " بِالسَّجَنْجَلِ " .
والثّانِي: أنَّ التَّرائِبَ: اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَسْرَةِ الصَّدْرِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ الرَّجْعُ: رَدُّ الشَّيْءِ إلى أوَّلِ حالِهِ. وفي هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الإنْسانِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إعادَةِ الإنْسانِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ قادِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ عَلى رَجْعِهِ مِن حالِ الكِبَرِ (p-٨٤)إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ قادِرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الماءِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحُدُها: رَدُّ الماءِ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَلى رَدِّهِ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: عَلى حَبْسِ الماءِ فَلا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى يَظْهَرَ خَيْرُها مِن شَرِّها، ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَسْتُورٌ في الدُّنْيا، لا يَدْرِي أصَلّى، أمْ لا؟ أتَوَضَّأ، أمْ لا؟ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أبْدى اللَّهُ كُلَّ سِرٍّ، فَكانَ زَيْنًا في الوَجْهِ، أوْ شَيْنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُخْتَبَرُ سَرائِرُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: فَما لِهَذا الإنْسانِ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ.
الطارق 86:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الطارق 86:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الطارق 86:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الطارق 86:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الطارق 86:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الطارق 86:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الطارق 86:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيْ: ذاتُ المَطَرِ، وسُمِّي المَطَرُ رَجْعًا لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيْ: ذاتُ الشَّقِّ، وقِيلَ لَها هَذا، لِأنَّها تَتَصَدَّعُ وتَتَشَقَّقُ بِالنَّباتِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ. (p-٨٥)والفَصْلُ: الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالبَيانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِاللَّعِبِ. والمَعْنى: أنَّهُ جِدٌّ، ولَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: الهاءُ في " إنَّهُ " كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [أيْ: يَحْتالُونَ] وهَذا الِاحْتِيالُ المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُجازِيهِمْ [عَلى كَيْدِهِمْ] بِأنْ أسْتَدْرِجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَأنْتَقِمَ مِنهم في الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم. ومَهِّلْ وأمْهِلْ لُغَتانِ جُمِعَتا هاهُنا. ومَعْنى الآيَةِ: مَهِّلْهم قَلِيلًا حَتّى أُهْلِكَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، ونُسِخَ الإمْهالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " رُوَيْدًا " مَهْلًا، ورُوَيْدَكَ بِمَعْنى أمْهِلْ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا، فَإذا لَمْ يَتَقَدَّمْها " أمْهِلْهم " كانَتْ بِمَعْنى " مَهْلًا " . ولا يُتَكَلَّمُ بِها إلّا مُصَغَّرَةً ومَأْمُورًا بِها، وجاءَتْ في الشِّعْرِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ في غَيْرِ مَعْنى الأمْرِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّها مِثْلُ مَن يَمْشِي عَلى رُودِ
أيْ: عَلى مَهْلٍ.
الأعلى 87:1
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:2
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:3
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:4
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:5
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:6
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:7
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:8
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:9
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:10
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:11
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:12
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:13
(p-٨٦)سُورَةُ الأعْلى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
(p-٨٧)وَفِي مَعْنى ﴿سَبِّحِ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(p-٨٨)والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ. وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَهَدى﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٨٩)والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿غُثاءً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْوى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٠)أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧]، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿وَما يَخْفى﴾ مِنهُما ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾ (p-٩١)وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
الأعلى 87:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿مَن تَزَكّى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ. ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلّى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٢)والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ. والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " . فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿وَأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٣)أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأبْقى﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .
الأعلى 87:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿مَن تَزَكّى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ. ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلّى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٢)والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ. والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " . فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿وَأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٣)أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأبْقى﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .
الأعلى 87:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿مَن تَزَكّى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ. ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلّى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٢)والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ. والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " . فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿وَأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٣)أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأبْقى﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .
الأعلى 87:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿مَن تَزَكّى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ. ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلّى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٢)والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ. والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " . فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿وَأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٣)أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأبْقى﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .
الأعلى 87:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿مَن تَزَكّى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ. ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلّى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٢)والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ. والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " . فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿وَأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٣)أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأبْقى﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .
الأعلى 87:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿مَن تَزَكّى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ. ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلّى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٢)والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ. والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " . فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿وَأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٩٣)أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأبْقى﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .
الغاشية 88:1
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:2
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:3
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:4
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:5
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:6
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:7
(p-٩٤)سُورَةُ الغاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ: قَدْ أتاكَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: هَذا لَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ.
وَفِي " الغاشِيَةِ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القِيامَةُ تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّها النّارُ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.
(p-٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها وُجُوهُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ونَصَبُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ، كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، وكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ الرُّهْبانِ وغَيْرِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وأصْحابُ الصَّوامِعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في النّارِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، لِأنَّها [لِمَ] تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ، ورَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ قَتادَةُ: تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في النّارِ بِالِانْتِقالِ مِن عَذابٍ إلى عَذابٍ. قالَ الضَّحّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ في النّارِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يَخِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عامِلَةٌ في النّارِ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، ناصِبَةٌ لِلْعَذابِ.
والرّابِعُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي ناصِبَةٌ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والكَلامُ هاهُنا عَلى الوُجُوهِ، والمُرادُ أصْحابُها. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " النَّصَبِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٨] .
(p-٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا " تُصْلى " بِضَمِّ التّاءِ. والباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٌ في الحَرارَةِ. قالَ الحَسَنُ: وقَدْ [أُوقِدَتْ] عَلَيْها جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إلَيْها [وِرْدًا] عِطاشًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، وتُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ " الشِّبْرِقَ " فَإذا هاجَ سَمَّوْهُ: ضَرِيعًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ مِن نارٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الحِجارَةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ السَّلَمُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
والخامِسُ: أنَّهُ في الدُّنْيا: الشَّوْكُ اليابِسُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ورَقٌ، وهو في الآخِرَةِ شَوْكٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
(p-٩٧)والسّادِسُ: أنَّهُ طَعامٌ يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا لَتَسْمَنُ عَلى الضَّرِيعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا، فَإنَّ الإبِلَ إنَّما تَرْعاهُ ما دامَ رَطِبًا، وحِينَئِذٍ يُسَمّى شِبْرِقًا، لا ضَرِيعًا، فَإذا يَبِسَ يُسَمّى: ضَرِيعًا لَمْ يَأْكُلْهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ وفي مَكانٍ آخَرَ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقَّةُ: ٣٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
فالجَوابُ: أنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، وعَلى قَدْرِ الذُّنُوبِ تَقَعُ العُقُوباتُ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الزَّقُّومُ، [وَمِنهُمْ] مَن طَعامُهُ غِسْلِينٌ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الحَمِيمُ، ومِنهم مَن شَرابُهُ الصَّدِيدُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الغاشية 88:8
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:9
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:10
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:11
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:12
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:13
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:14
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:15
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:16
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:17
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:18
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:19
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:20
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:21
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:22
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:23
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:24
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:25
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.
الغاشية 88:26
(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ: في نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ ﴿لِسَعْيِها﴾ في الدُّنْيا ﴿راضِيَةٌ﴾ والمَعْنى: رَضِيَتْ بِثَوابِ عَمَلِها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في " الحاقَّةِ " [آيَةُ: ٢٢] ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٌ " لا يُسْمَعُ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ. " لاغِيَةٌ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، والباقُونَ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، ونَصْبِ " لاغِيَةً " والمَعْنى: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ [لَغْوٍ] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ، والدُّرِّ، والياقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها صاحِبُها، تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَوْضِعِها ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ عِنْدَهم وقَدْ ذَكَرْنا " الأكْوابَ " في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿وَنَمارِقُ﴾ وهي الوَسائِدُ، واحِدُها: نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وسَمِعْتُ بَعْضَ كَلْبٍ تَقُولُ: نِمْرِقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ والرّاءِ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ، والزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ [الَّتِي] لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ [مَبْثُوثَةٌ] كَثِيرَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما في الجَنَّةِ، عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الكَفَرَةِ، فَذَكَّرَهم صُنْعَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ (p-٩٩)إلى الإبِلِ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفاعَ [سُرُرِ] الجَنَّةِ، وفُرُشِها، فَقالُوا: كَيْفَ نَصْعَدُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ العُلَماءُ: وإنَّما خَصَّ الإبِلَ مِن غَيْرِها لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها، ولَمْ يُشاهِدُوا الفِيلَ إلّا الشّاذُّ مِنهُمْ، ولِأنَّها كانَتْ أنْفَسَ أمْوالِهِمْ وأكْثَرَها، لا تُفارِقُهم ولا يُفارِقُونَها، فَيُلاحِظُونَ فِيها العِبَرَ الدّالَّةَ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، مِن إخْراجِ لَبَنِها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ [وَ] مِن عَجِيبِ خَلْقِها، وهي عَلى عِظَمِها مُذَلَّلَةٌ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وتَنْقادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ولَيْسَ في ذَواتِ الأرْبَعِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ وقْرُهُ وهو بارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِواها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبْلِ " بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: " الإبِلِّ " بِكَسْرِ الباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. قالَ هارُونُ: قالَ أبُو عَمْرٍو: " الإبِلُّ " بِتَشْدِيدِ اللّامِ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ الماءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " خَلَقْتُ " بِفَتْحِ الخاءِ، وضَمِّ التّاءِ.
وَكَذَلِكَ قَرَؤُوا: " رَفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " .
(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ مِنَ الأرْضِ حَتّى لا يَنالَها شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ لا تَزُولُ ولا تَتَغَيَّرُ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: بُسِطَتْ. والسَّطْحُ: بَسْطُ الشَّيْءِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى [قُدْرَةِ] خالِقِهِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: عِظْ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: واعِظٌ، ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أمْرٌ بِغَيْرِ التَّذْكِيرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ، فَتَقْتُلُهم وتُكْرِهُهم عَلى الإيمانِ. ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَلْوانِيُّ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " بِمُسَيْطِرٍ " بِالسِّينِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ " المُسَيْطِرِ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ: لَكِنْ مَن تَوَلّى ﴿وَكَفَرَ﴾ بَعْدَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " ألا مَن تَوَلّى " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو أنْ يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ عَذَّبُوا في الدُّنْيا (p-١٠١)بِالجُوعِ، والقَتْلِ، والأسْرِ، فَكانَ عَذابُ جَهَنَّمَ هو الأكْبَرَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " إيّابَهم " بِتَشْدِيدِ الياءِ، أيْ: رُجُوعُهم ومَصِيرُهم بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: جَزاءَهم.