Tafsir Ibn Al-Jawzi — البلد 90:1 – الضحى 93:11
المحتويات
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
البلد 90:1
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:2
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:3
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:4
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:5
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:6
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:7
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:8
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:9
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:10
(p-١٢٦)سُورَةُ البَلَدِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أُقْسِمُ. و " لا " دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٩] وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو العالِيَةِ: " لِأُقْسِمُ " قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ " القِيامَةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-١٢٧)وَ " البَلَد " هاهُنا: مَكَّةُ.
أحَدُها: حِلٌّ لَكَ ما صَنَعْتَ في هَذا البَلَدِ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ حِلٌّ، وحَلالٌ، ومُحِلٌّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يَفْتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْهِ بِأنْ يُحِلَّها لَهُ، فَيَكُونَ فِيها حِلًّا.
والثّانِي: فَأنْتَ مُحِلٌّ بِهَذا البَلَدِ غَيْرُ مُحْرِمٍ في دُخُولِهِ، يَعْنِي: عامَ الفَتْحَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ بِهَذا البَلَدِ يَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، ويُحَرِّمُونَ قَتْلَ الصَّيْدِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ وما ولَدَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
(p-١٢٨)والثّانِي: أوْلادُ إبْراهِيمَ، وما ولَدَ: ذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ والِدٍ وما ولَدَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
وَفِيمَن عَنى بِالإنْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو الأشَدَّيْنِ الجُمَحِيُّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، [المُدَّثِّرِ: ٢٩، والِانْفِطارِ: ٥] قالَهُ الحَسَنُ.
(p-١٢٩)والثّالِثُ: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ لَقَدْ ذَهَبَ مالِي في الكَفّاراتِ، والنَّفَقاتِ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في نَصَبٍ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، فَإنَّهم قالُوا: في شِدَّةٍ. قالَ الحَسَنُ: يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ والصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما ويُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في شِدَّةِ غَلَبَةٍ ومُكابَدَةٍ لِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن مُكابَدَةِ الأمْرِ، وهي مُعاناتُهُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: خُلِقَ مُنْتَصِبًا يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وسائِرُ الحَيَوانِ (p-١٣٠)غَيْرُ مُنْتَصِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطِيَّةُ، والفَرّاءُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَبَدِ: الِاسْتِواءَ والِاسْتِقامَةَ.
والثّالِثُ: في وسَطِ السَّماءِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ: في وسَطِ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أيْ: [أيَحْسَبُ أنْ] لَنْ نَقْدِرَ عَلى بَعْثِهِ، ومُعاقَبَتِهِ؟! ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، هو فُعَلٌ مِنَ التَّلَبُّدِ، وهو المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو المالُ المُتَلَبِّدُ، (p-١٣١)كَأنَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو فُعَلٌ لِلْكَثْرَةِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الحُطَمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لُبَّدًا " بِضَمِّ اللّامِ، وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَبْدًا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَسْكِينِ الباءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: " لُبُدًا " بِرَفْعِ اللّامِ والباءِ وتَخْفِيفِهِما. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ أبِي الجَوْزاءِ: " لِبَدًا " بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مُخَفَّفَةً.
وَفِيما قالَ لِأجْلِهِ ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: أهْلَكْتُ مالًا كَثِيرًا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَكَأنَّهُ اسْتَطالَ بِما أنْفَقَ.
والثّانِي: أنْفَقْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي الكَفّاراتِ مالًا كَثِيرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَكَأنَّهُ نَدِمَ عَلى ما أنْفَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. والمَعْنى: أيُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَ نَفَقَتَهُ، ولَمْ يُحْصِها؟! وكانَ قَدِ ادَّعى ما لَمْ يُنْفِقْ.
(p-١٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ والمَعْنى: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبِيلُ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْدانِ: الطَّرِيقانِ الواضِحانِ. والنَّجْدُ: المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَتَبَيُّنِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ.
والثّانِي: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو سَبِيلُ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
والثّالِثُ: الثَّدْيانِ لِيَتَغَذّى بِلَبَنِهِما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
البلد 90:11
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:12
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:13
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:14
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:15
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:16
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:17
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:18
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:19
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
البلد 90:20
(p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ [فِي الدُّنْيا] . وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلا هو اقْتَحَمَ العَقَبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَضُمَّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ كَلامًا آخَرَ فِيهِ " لا "، والعَرَبُ لا تَكادُ تُفْرِدُ " لا " في الكَلامِ حَتّى يُعِيدُوها عَلَيْهِ في كَلامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القِيامَةِ: ٣١]، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] . ومَعْنى " لا " مَأْخُوذٌ مِن آخَرِ هَذا الكَلامِ، فاكْتَفى بِواحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ، فَقالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ.﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفَسَّرَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ. فَكَأنَّهُ كانَ في أوَّلِ الكَلامِ: فَلا فَعَلَ ذا، ولا ذا، وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ؟ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: فَهَلّا أنْفَقَ مالَهُ في فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ لِيُجاوِزَ بِذَلِكَ العَقَبَةَ؟! .
فَأمّا: الِاقْتِحامُ فَقَدْ بَيَّناهُ في [ص: ٥٩] .
وَفِي العَقَبَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
(p-١٣٤)والثّانِي: عَقَبَةٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ دَرَكَةً في جَهَنَّمَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الصِّراطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: نارٌ دُونَ الجِسْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: طَرِيقُ النَّجاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ العَقَبَةِ هاهُنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ في أعْمالِ البِرِّ، فَجَعَلَهُ كالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبَةِ. يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ ما فِيهِ ﴿وَما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ . ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ تَعالى: (p-١٣٥)﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، إلّا عَبْدَ الوارِثِ، والكِسائِيُّ، والدّاجُونِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: " فَكَّ " بِفَتْحِ الكافِ " رَقَبَةً " بِالنَّصْبِ " أوْأطْعَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ: " فَكُّ " بِالرَّفْعِ " رَقَبَةٍ " بِالخَفْضِ " أوْ إطْعامٌ " بِالألِفِ. ومَعْنى فَكِّ الرَّقَبَةِ: تَخْلِيصُها مِن أسْرِ الرِّقِّ، وكُلُّ شَيْءٍ أطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ. ومَن قَرَأ " فَكَّ رَقَبَةً " عَلى الفِعْلِ، فَهو تَفْسِيرُ اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِالفِعْلِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَسْغَبَةُ: المَجاعَةُ. يُقالُ: سَغَبَ يَسْغَبُ سُغُوبًا: إذا جاعَ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا قَرابَةٍ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ: ذا فَقْرٍ كَأنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَطْرُوحُ في التُّرابِ لا يَقِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ القُرَبَ إنَّما تَنْفَعُ مَعَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] .
(p-١٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ وأمْرِهِ ﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالتَّراحُمِ بَيْنَهم. وقَدْ ذَكَرْنا أصْحابَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في [الواقِعَةِ: ٧، ٨] قالَ الفَرّاءُ: و " المُؤْصَدَةُ " المُطْبَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أبْوابُها عَلَيْهِمْ مُطْبَقَةٌ فَلا يُفْتَحُ لَها بابٌ، ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ، ولا يَدْخُلُ فِيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْصَدْتُ البابَ وآصَدْتُهُ: إذا أطْبَقْتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ العَذابَ مُطْبِقٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُوصَدَةٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ هاهُنا وفي [الهُمَزَةِ: ٨] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالهَمْزِ في المَوْضِعَيْنِ.
الشمس 91:1
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:2
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:3
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:4
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:5
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:6
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:7
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:8
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:9
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:10
(p-١٣٧)سُورَةُ الشَّمْسِ
وَهِيَ مَكِيهٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ في المُرادِ " بِضُحاها " ثَلاثَةُ أقْوالٍ
أحَدُها: ضَوْؤُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والضُّحى: حِينَ يَصْفُو ضَوْءُ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.
والثّانِي: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: حَرُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
(p-١٣٨)أحَدُهُما: إذا تَبِعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ. ثُمَّ في وقْتِ اتِّباعِهِ لَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ يُرى القَمَرُ إذا سَقَطَتِ الشَّمْسُ، قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ في الخامِسَ عَشَرَ يَطْلُعُ القَمَرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتْ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ، وخَلَفَها في النُّورِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إذا ساواها، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: إذا اسْتَدارَ، فَتَلا الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البَيْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشَّمْسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: والنَّهارُ إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تَتَبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّلْمَةُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، وهَبَّتْ شَمالًا، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، واللُّغَوِيِّينَ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الآفاقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ في " ما " قَوْلانِ.
(p-١٣٩)أحَدُهُما: بِمَعْنى " مَن " تَقْدِيرُهُ " ومَن بَناها "، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وبَعْضُهم يَجْعَلُها بِمَعْنى الَّذِي.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: وبِنائِها، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، والزَّجّاجِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿وَما طَحاها﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وقَدْ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ في آخَرِينَ " ومَن بَناها " " ومَن طَحاها " " ومَن سَوّاها " كُلُّهُ بِالنُّونِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " طَحاها ": بَسَطَها يَمِينًا وشِمالًا، ومِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَيْرٌ طاحٍ، أيْ: كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ.
وَفِي المُرادِ " بِالنَّفْسِ " ها هُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَمِيعُ النُّفُوسِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " سَوّاها " في (p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ ذَلِكَ فِيها بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ القَسَمِ. والمَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ وصالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَعْنى ﴿زَكّاها﴾: أصْلَحَها وطَهَّرَها مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ فِيهِ قَوْلانِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ، فَمَعْنى ﴿دَسّاها﴾: خَذَلَها، وأخْمَلَها، وأخْفى مَحَلَّها، [بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ] ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَإنْ قُلْنا: الفِعْلُ لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى " دَسّاها ": أخْفاها بِالفُجُورِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى أنَّ " دَسّاها " دَسَّسَها لِأنَّ البَخِيلَ يُخْفِي مَنزِلَهُ ومالَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: دَسّى نَفْسَهُ، أيْ: أخْفاها بِالفُجُورِ والمَعْصِيَةِ. والأصْلُ مَن دَسَّسْتُ، (p-١٤٢)فَقُلِبَتِ السِّينُ ياءً، كَما قالُوا: قَصَّيْتُ أظْفارِي، أيْ: قَصَصْتُها. فَكَأنَّ النَّطِفَ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ دَسَّ نَفْسَهُ، وقَمَعَها، ومُصْطَنِعُ المَعْرُوفِ شَهَرَ نَفْسَهُ ورَفَعَها، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الرُّبا لِلشُّهْرَةِ. واللِّئامُ تَنْزِلُ الأطْرافَ لِتُخْفِيَ أماكِنَها. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " دَسّاها ": جَعَلَها قَلِيلَةً خَسِيسَةً.
الشمس 91:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها بِطُغْيانِها.
والمَعْنى: أنَّ الطُّغْيانَ حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِطَغْواها: طُغْيانَها، وهُما مَصْدَرانِ، إلّا أنَّ الطَّغْوى أشْكَلُ بِرُؤُوسِ الآياتِ، فاخْتِيرَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: كَذَّبُوا العَذابَ ﴿إذِ انْبَعَثَ﴾ أيِ: انْتَدَبَ ﴿أشْقاها﴾ وهُوَ: عاقِرُ النّاقَةِ لِعَقْرِها ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو صالِحٌ ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ (p-١٤٣)النّاقَةَ عَلى التَّحْذِيرِ، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ وشِرْبَها. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ " و " ذَرُوا " سَقَياها " . قالَ المُفَسِّرُونَ: سُقْياها: شُرْبُها مِنَ الماءِ. والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِيَوْمِ شُرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في تَحْذِيرِهِ إيّاهُمُ العَذابَ بِعَقْرِها ﴿فَعَقَرُوها﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَقْرِ " في [الأعْرافِ: ٧٧] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: إذا أطْبَقْتَ فَكَرَّرْتَ الإطْباقَ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الإهْلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقِيلَ: سَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ صَغِيرَهُمْ، وكَبِيرَهم.
والثّانِي: سَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: سَوّى بُيُوتَهم عَلى قُبُورِهِمْ. وكانُوا قَدْ حَفَرُوا قُبُورًا فاضْطَجَعُوا فِيها، فَلَمّا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا زُلْزِلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، " فَلا يَخافُ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفَ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. وقَرَأ الباقُونَ (p-١٤٤)بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ، والكُوفَةِ، والبَصْرَةِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى: لا يَخافُ اللَّهُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً في إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْشى عُقْبى ما صَنَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي عَقَرَها، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخِفْ عُقْبى ما صَنَعَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ. فَعَلى هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ لَمْ يَخَفْ عُقْباها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
الشمس 91:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها بِطُغْيانِها.
والمَعْنى: أنَّ الطُّغْيانَ حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِطَغْواها: طُغْيانَها، وهُما مَصْدَرانِ، إلّا أنَّ الطَّغْوى أشْكَلُ بِرُؤُوسِ الآياتِ، فاخْتِيرَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: كَذَّبُوا العَذابَ ﴿إذِ انْبَعَثَ﴾ أيِ: انْتَدَبَ ﴿أشْقاها﴾ وهُوَ: عاقِرُ النّاقَةِ لِعَقْرِها ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو صالِحٌ ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ (p-١٤٣)النّاقَةَ عَلى التَّحْذِيرِ، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ وشِرْبَها. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ " و " ذَرُوا " سَقَياها " . قالَ المُفَسِّرُونَ: سُقْياها: شُرْبُها مِنَ الماءِ. والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِيَوْمِ شُرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في تَحْذِيرِهِ إيّاهُمُ العَذابَ بِعَقْرِها ﴿فَعَقَرُوها﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَقْرِ " في [الأعْرافِ: ٧٧] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: إذا أطْبَقْتَ فَكَرَّرْتَ الإطْباقَ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الإهْلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقِيلَ: سَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ صَغِيرَهُمْ، وكَبِيرَهم.
والثّانِي: سَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: سَوّى بُيُوتَهم عَلى قُبُورِهِمْ. وكانُوا قَدْ حَفَرُوا قُبُورًا فاضْطَجَعُوا فِيها، فَلَمّا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا زُلْزِلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، " فَلا يَخافُ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفَ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. وقَرَأ الباقُونَ (p-١٤٤)بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ، والكُوفَةِ، والبَصْرَةِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى: لا يَخافُ اللَّهُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً في إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْشى عُقْبى ما صَنَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي عَقَرَها، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخِفْ عُقْبى ما صَنَعَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ. فَعَلى هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ لَمْ يَخَفْ عُقْباها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
الشمس 91:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها بِطُغْيانِها.
والمَعْنى: أنَّ الطُّغْيانَ حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِطَغْواها: طُغْيانَها، وهُما مَصْدَرانِ، إلّا أنَّ الطَّغْوى أشْكَلُ بِرُؤُوسِ الآياتِ، فاخْتِيرَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: كَذَّبُوا العَذابَ ﴿إذِ انْبَعَثَ﴾ أيِ: انْتَدَبَ ﴿أشْقاها﴾ وهُوَ: عاقِرُ النّاقَةِ لِعَقْرِها ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو صالِحٌ ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ (p-١٤٣)النّاقَةَ عَلى التَّحْذِيرِ، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ وشِرْبَها. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ " و " ذَرُوا " سَقَياها " . قالَ المُفَسِّرُونَ: سُقْياها: شُرْبُها مِنَ الماءِ. والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِيَوْمِ شُرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في تَحْذِيرِهِ إيّاهُمُ العَذابَ بِعَقْرِها ﴿فَعَقَرُوها﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَقْرِ " في [الأعْرافِ: ٧٧] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: إذا أطْبَقْتَ فَكَرَّرْتَ الإطْباقَ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الإهْلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقِيلَ: سَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ صَغِيرَهُمْ، وكَبِيرَهم.
والثّانِي: سَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: سَوّى بُيُوتَهم عَلى قُبُورِهِمْ. وكانُوا قَدْ حَفَرُوا قُبُورًا فاضْطَجَعُوا فِيها، فَلَمّا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا زُلْزِلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، " فَلا يَخافُ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفَ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. وقَرَأ الباقُونَ (p-١٤٤)بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ، والكُوفَةِ، والبَصْرَةِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى: لا يَخافُ اللَّهُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً في إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْشى عُقْبى ما صَنَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي عَقَرَها، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخِفْ عُقْبى ما صَنَعَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ. فَعَلى هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ لَمْ يَخَفْ عُقْباها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
الشمس 91:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها بِطُغْيانِها.
والمَعْنى: أنَّ الطُّغْيانَ حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِطَغْواها: طُغْيانَها، وهُما مَصْدَرانِ، إلّا أنَّ الطَّغْوى أشْكَلُ بِرُؤُوسِ الآياتِ، فاخْتِيرَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: كَذَّبُوا العَذابَ ﴿إذِ انْبَعَثَ﴾ أيِ: انْتَدَبَ ﴿أشْقاها﴾ وهُوَ: عاقِرُ النّاقَةِ لِعَقْرِها ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو صالِحٌ ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ (p-١٤٣)النّاقَةَ عَلى التَّحْذِيرِ، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ وشِرْبَها. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ " و " ذَرُوا " سَقَياها " . قالَ المُفَسِّرُونَ: سُقْياها: شُرْبُها مِنَ الماءِ. والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِيَوْمِ شُرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في تَحْذِيرِهِ إيّاهُمُ العَذابَ بِعَقْرِها ﴿فَعَقَرُوها﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَقْرِ " في [الأعْرافِ: ٧٧] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: إذا أطْبَقْتَ فَكَرَّرْتَ الإطْباقَ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الإهْلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقِيلَ: سَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ صَغِيرَهُمْ، وكَبِيرَهم.
والثّانِي: سَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: سَوّى بُيُوتَهم عَلى قُبُورِهِمْ. وكانُوا قَدْ حَفَرُوا قُبُورًا فاضْطَجَعُوا فِيها، فَلَمّا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا زُلْزِلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، " فَلا يَخافُ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفَ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. وقَرَأ الباقُونَ (p-١٤٤)بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ، والكُوفَةِ، والبَصْرَةِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى: لا يَخافُ اللَّهُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً في إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْشى عُقْبى ما صَنَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي عَقَرَها، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخِفْ عُقْبى ما صَنَعَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ. فَعَلى هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ لَمْ يَخَفْ عُقْباها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
الشمس 91:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها بِطُغْيانِها.
والمَعْنى: أنَّ الطُّغْيانَ حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِطَغْواها: طُغْيانَها، وهُما مَصْدَرانِ، إلّا أنَّ الطَّغْوى أشْكَلُ بِرُؤُوسِ الآياتِ، فاخْتِيرَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: كَذَّبُوا العَذابَ ﴿إذِ انْبَعَثَ﴾ أيِ: انْتَدَبَ ﴿أشْقاها﴾ وهُوَ: عاقِرُ النّاقَةِ لِعَقْرِها ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو صالِحٌ ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ (p-١٤٣)النّاقَةَ عَلى التَّحْذِيرِ، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ وشِرْبَها. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ " و " ذَرُوا " سَقَياها " . قالَ المُفَسِّرُونَ: سُقْياها: شُرْبُها مِنَ الماءِ. والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِيَوْمِ شُرْبِها ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في تَحْذِيرِهِ إيّاهُمُ العَذابَ بِعَقْرِها ﴿فَعَقَرُوها﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَقْرِ " في [الأعْرافِ: ٧٧] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ. يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: إذا أطْبَقْتَ فَكَرَّرْتَ الإطْباقَ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَوّى بَيْنَهم في الإهْلاكِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقِيلَ: سَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ صَغِيرَهُمْ، وكَبِيرَهم.
والثّانِي: سَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: سَوّى بُيُوتَهم عَلى قُبُورِهِمْ. وكانُوا قَدْ حَفَرُوا قُبُورًا فاضْطَجَعُوا فِيها، فَلَمّا صِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا زُلْزِلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، " فَلا يَخافُ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفَ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. وقَرَأ الباقُونَ (p-١٤٤)بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ، والكُوفَةِ، والبَصْرَةِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى: لا يَخافُ اللَّهُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً في إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْشى عُقْبى ما صَنَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي عَقَرَها، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخِفْ عُقْبى ما صَنَعَ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ. فَعَلى هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ لَمْ يَخَفْ عُقْباها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
الليل 92:1
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:2
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:3
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:4
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:5
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:6
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:7
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:8
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:9
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:10
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:11
(p-١٤٥)سُورَةُ اللَّيْلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في " ما " قَوْلانِ. وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] . وفي ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-١٤٦)والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ (p-١٤٧)أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟ قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟ قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً. فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، (p-١٤٨)أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-١٤٩)والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(p-١٥٠)والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ. وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ. وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿واسْتَغْنى﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.
وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿إذا تَرَدّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.
(p-١٥١)والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الليل 92:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الليل 92:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ الرَّسُولَ ﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الإيمانِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿الأشْقى﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ. والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " . قالَ طُرْفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١٥٢)النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا. هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ. فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿الأتْقى﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ. فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
الضحى 93:1
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:2
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:3
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:4
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:5
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:6
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:7
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:8
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:9
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:10
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
الضحى 93:11
(p-١٥٤)سُورَةُ الضُّحى
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.»
والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
(p-١٥٥)وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ. والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
(p-١٥٦)وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ. قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في (p-١٥٧)طُولِهِ. كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ. ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ. قالَ الحادِي:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وهَذا جَوابُ القَسَمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿وَما قَلى﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿فَتَرْضى﴾ بِما تُعْطى. قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-١٥٨)«عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٥٩)والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ. وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
أيْ: يَفْتَقِرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ. يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْنى﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
(p-١٦٠)والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿وَأمّا السّائِلَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. ومَعْنى ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا (p-١٦١)خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ. وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿والضُّحى﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»