Tafsir Ibn Al-Jawzi — الزلزلة 99:1 – الفيل 105:5
المحتويات
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:5
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
- الفيل 105:1
- الفيل 105:2
- الفيل 105:3
- الفيل 105:4
- الفيل 105:5
الزلزلة 99:1
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:2
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:3
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:4
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:5
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:6
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:7
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
الزلزلة 99:8
(p-٢٠١)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
(p-٢٠٢)وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ؟ فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٨] فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً. والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ. وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ (p-٢٠٤)تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " . قالَ العَجّاجُ:
وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ: فِرَقًا. فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ. فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ (p-٢٠٥)عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ. وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
العاديات 100:1
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:2
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:3
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:4
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:5
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:6
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:7
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:8
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:9
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:10
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
العاديات 100:11
(p-٢٠٦)سُورَةُ العادِياتِ
وَفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ. قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.
(p-٢٠٧)والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ (p-٢٠٨)فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.
والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ. والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.
وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢١٠)والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، (p-٢١١)والزَّجّاجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ. قالَ طُرْفَةُ:
؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ. ومِثْلُهُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبْراهِيمَ:١٨] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ. والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ. ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.
(p-٢١٢)فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النِّساءِ:٦٣]، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ:١٦] .
القارعة 101:1
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:2
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:3
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:4
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:5
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:6
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:7
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:8
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:9
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:10
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
القارعة 101:11
(p-٢١٣)سُورَةُ القارِعَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
(p-٢١٤)والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ. وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿المَبْثُوثِ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ. قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ. فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ. وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ. فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟ فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.»
(p-٢١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ. قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ. والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ. والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
التكاثر 102:1
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:2
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:3
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:4
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:5
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:6
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:7
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
التكاثر 102:8
(p-٢١٧)سُورَةُ التَّكاثُرِ
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا. وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، (p-٢١٨)لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا. ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.
والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.
(p-٢٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ. والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ. وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ. وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا. ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٢٢١)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٢٢٢)والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٢٢٣)والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ. والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها. وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .
العصر 103:1
(p-٢٢٤)سُورَةُ العَصْرِ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والعَصْرِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وإنَّما أقْسَمَ بِالدَّهْرِ لِأنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِلنّاظِرِ مِن مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرٍ لا يَنْخَرِمُ.
والثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
(p-٢٢٥)والثّالِثُ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَوابُ القَسَمِ.
والإنْسانُ هاهُنا بِمَعْنى النّاسِ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، تُرِيدُ الدَّراهِمَ. والخُسْرُ والخُسْرانُ في مَعْنًى واحِدٍ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الخُسْرُ: هَلاكُ رَأْسِ المالِ أوْ نَقْصُهُ. فالإنْسانُ إذا لَمْ يَسْتَعْمِلْ نَفْسَهُ فِيما يُوجِبُ لَهُ الرِّبْحَ الدّائِمَ، فَهو في خُسْرانٍ، لِأنَّهُ عَمِلَ في إهْلاكِ نَفْسِهِ، وهُما أكْبَرُ رَأْسِ مالِهِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وعَمِلُوا بِالطّاعَةِ ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، والقُرْآنِ، واتِّباعِ الرَّسُولِ ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والقِيامِ بِشَرِيعَتِهِ. وقالَ إبْراهِيمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ الإنْسانَ إذا عُمِّرَ في الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَعْفٍ، إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُكْتَبُ لَهم أُجُورُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَ في شَبابِهِمْ وصِحَّتِهِمْ.
العصر 103:2
(p-٢٢٤)سُورَةُ العَصْرِ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والعَصْرِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وإنَّما أقْسَمَ بِالدَّهْرِ لِأنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِلنّاظِرِ مِن مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرٍ لا يَنْخَرِمُ.
والثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
(p-٢٢٥)والثّالِثُ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَوابُ القَسَمِ.
والإنْسانُ هاهُنا بِمَعْنى النّاسِ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، تُرِيدُ الدَّراهِمَ. والخُسْرُ والخُسْرانُ في مَعْنًى واحِدٍ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الخُسْرُ: هَلاكُ رَأْسِ المالِ أوْ نَقْصُهُ. فالإنْسانُ إذا لَمْ يَسْتَعْمِلْ نَفْسَهُ فِيما يُوجِبُ لَهُ الرِّبْحَ الدّائِمَ، فَهو في خُسْرانٍ، لِأنَّهُ عَمِلَ في إهْلاكِ نَفْسِهِ، وهُما أكْبَرُ رَأْسِ مالِهِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وعَمِلُوا بِالطّاعَةِ ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، والقُرْآنِ، واتِّباعِ الرَّسُولِ ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والقِيامِ بِشَرِيعَتِهِ. وقالَ إبْراهِيمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ الإنْسانَ إذا عُمِّرَ في الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَعْفٍ، إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُكْتَبُ لَهم أُجُورُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَ في شَبابِهِمْ وصِحَّتِهِمْ.
العصر 103:3
(p-٢٢٤)سُورَةُ العَصْرِ
وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والعَصْرِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وإنَّما أقْسَمَ بِالدَّهْرِ لِأنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِلنّاظِرِ مِن مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرٍ لا يَنْخَرِمُ.
والثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
(p-٢٢٥)والثّالِثُ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَوابُ القَسَمِ.
والإنْسانُ هاهُنا بِمَعْنى النّاسِ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، تُرِيدُ الدَّراهِمَ. والخُسْرُ والخُسْرانُ في مَعْنًى واحِدٍ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الخُسْرُ: هَلاكُ رَأْسِ المالِ أوْ نَقْصُهُ. فالإنْسانُ إذا لَمْ يَسْتَعْمِلْ نَفْسَهُ فِيما يُوجِبُ لَهُ الرِّبْحَ الدّائِمَ، فَهو في خُسْرانٍ، لِأنَّهُ عَمِلَ في إهْلاكِ نَفْسِهِ، وهُما أكْبَرُ رَأْسِ مالِهِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وعَمِلُوا بِالطّاعَةِ ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، والقُرْآنِ، واتِّباعِ الرَّسُولِ ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والقِيامِ بِشَرِيعَتِهِ. وقالَ إبْراهِيمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ الإنْسانَ إذا عُمِّرَ في الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَعْفٍ، إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُكْتَبُ لَهم أُجُورُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَ في شَبابِهِمْ وصِحَّتِهِمْ.
الهمزة 104:1
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:2
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:3
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:4
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:5
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:6
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:7
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:8
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الهمزة 104:9
(p-٢٢٦)سُورَةُ الهُمَزَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٢٢٧)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ. ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ. واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
(p-٢٢٨)والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ. وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم. قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ. والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
(p-٢٢٩)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ. ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا. أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها. قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ. والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟ أيْ: بَلَغْتَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ. وخَصَّ الأفْئِدَةَ، (p-٢٣٠)لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ. و " في " بِمَعْنى الباءِ. والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ. قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها. و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.
الفيل 105:1
(p-٢٣١)سُورَةُ الفِيلِ
مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.
وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٢)والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ. وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.
ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ. قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟ فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها. فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: (p-٢٣٣)قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ. فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ:
؎ يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا
؎ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا
وَقالَ أيْضًا
؎ لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ
؎ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ
؎ (p-٢٣٤)جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ
؎ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ
؎ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ
ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.
واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ. وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، (p-٢٣٥)فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.
واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ (p-٢٣٦)والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ. والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ .
وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.
والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.
وَفِي مَعْنى ﴿مَأْكُولٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.
(p-٢٣٧)والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ. ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ. فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الفيل 105:2
(p-٢٣١)سُورَةُ الفِيلِ
مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.
وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٢)والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ. وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.
ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ. قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟ فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها. فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: (p-٢٣٣)قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ. فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ:
؎ يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا
؎ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا
وَقالَ أيْضًا
؎ لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ
؎ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ
؎ (p-٢٣٤)جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ
؎ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ
؎ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ
ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.
واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ. وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، (p-٢٣٥)فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.
واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ (p-٢٣٦)والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ. والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ .
وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.
والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.
وَفِي مَعْنى ﴿مَأْكُولٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.
(p-٢٣٧)والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ. ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ. فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الفيل 105:3
(p-٢٣١)سُورَةُ الفِيلِ
مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.
وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٢)والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ. وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.
ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ. قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟ فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها. فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: (p-٢٣٣)قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ. فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ:
؎ يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا
؎ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا
وَقالَ أيْضًا
؎ لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ
؎ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ
؎ (p-٢٣٤)جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ
؎ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ
؎ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ
ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.
واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ. وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، (p-٢٣٥)فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.
واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ (p-٢٣٦)والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ. والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ .
وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.
والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.
وَفِي مَعْنى ﴿مَأْكُولٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.
(p-٢٣٧)والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ. ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ. فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الفيل 105:4
(p-٢٣١)سُورَةُ الفِيلِ
مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.
وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٢)والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ. وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.
ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ. قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟ فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها. فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: (p-٢٣٣)قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ. فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ:
؎ يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا
؎ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا
وَقالَ أيْضًا
؎ لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ
؎ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ
؎ (p-٢٣٤)جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ
؎ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ
؎ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ
ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.
واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ. وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، (p-٢٣٥)فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.
واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ (p-٢٣٦)والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ. والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ .
وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.
والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.
وَفِي مَعْنى ﴿مَأْكُولٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.
(p-٢٣٧)والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ. ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ. فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الفيل 105:5
(p-٢٣١)سُورَةُ الفِيلِ
مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ. وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.
وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٢٣٢)والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ. وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.
ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ. قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟ فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها. فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: (p-٢٣٣)قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ. فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ:
؎ يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا
؎ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا
وَقالَ أيْضًا
؎ لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ
؎ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ
؎ (p-٢٣٤)جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ
؎ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ
؎ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ
ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.
واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ. وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، (p-٢٣٥)فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.
واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ (p-٢٣٦)والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ. والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ .
وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.
والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.
وَفِي مَعْنى ﴿مَأْكُولٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.
(p-٢٣٧)والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ. ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ. فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.