Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — سبأ 34:1 – يس 36:83

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. سبأ 34:1
  2. سبأ 34:2
  3. سبأ 34:13
  4. سبأ 34:21
  5. سبأ 34:22
  6. سبأ 34:23
  7. سبأ 34:24
  8. سبأ 34:37
  9. سبأ 34:46
  10. سبأ 34:51
  11. سبأ 34:52
  12. سبأ 34:53
  13. سبأ 34:54
  14. فاطر 35:6
  15. فاطر 35:8
  16. فاطر 35:10
  17. فاطر 35:12
  18. فاطر 35:15
  19. فاطر 35:22
  20. فاطر 35:28
  21. فاطر 35:32
  22. فاطر 35:33
  23. فاطر 35:34
  24. فاطر 35:35
  25. فاطر 35:41
  26. يس 36:1
  27. يس 36:2
  28. يس 36:3
  29. يس 36:4
  30. يس 36:8
  31. يس 36:9
  32. يس 36:12
  33. يس 36:20
  34. يس 36:21
  35. يس 36:22
  36. يس 36:41
  37. يس 36:42
  38. يس 36:55
  39. يس 36:56
  40. يس 36:57
  41. يس 36:58
  42. يس 36:60
  43. يس 36:61
  44. يس 36:69
  45. يس 36:70
  46. يس 36:78
  47. يس 36:79
  48. يس 36:80
  49. يس 36:81
  50. يس 36:82
  51. يس 36:83

سبأ 34:1

(فائدة) وأما تقديم الغفور على الرحيم فهو أولى بالطبع لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة وفي الحديث أن النبي قال: لعمرو بن العاص " أبعثك وجها يسلمك الله فيه ويغنمك وأرغب لك رغبة من المال " (صحيح) فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة وبالغنيمة قبل الكسب. وأما قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال وإما بالطبع لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص. (فصل) وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو أول سبأ، ففيه معنى غير ما ذكره [السهيلي] يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلى وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله ﴿وهو الرحيم الغفور﴾ فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد فقال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا، وقرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه وكمال من حمده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال، ونظير هذا العزة والرحمة والعفو والقدرة والغنى والكرم فوسط الملك بين الجملتين فجعله محفوفا بحمد قبله وحمد بعده، ثم عقب هذا الحمد والملك باسم (الحكيم الخبير) الدالين على كمال الإرادة، وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة، وعلى كمال العلم وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبره، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم، فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها. فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه وحكمته وعلمه على أكمل الوجوه. ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي فقال: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه وهما الرحمة والمغفرة فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته فقال: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته وحكمه ومغفرته، وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم فمن الأول قوله: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ ومن الثاني: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن رحمة إلى علم وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم، وقدم (الرحيم) في هذا الموضع لتقدم صفة العلم، فحسن ذكر (الرحيم) بعده ليقترن به فيطابق قوله ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾. ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر، وتضمن ما قبلها جلب الخير. ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع، ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور. (فائدة: في إفراد السماء وجمعها) قوله تعالى: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [يونس: ٦١] بخلاف قوله في سبأ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله وهو السماوات كلها والأرض، ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس.

سبأ 34:2

(فائدة) وأما تقديم الغفور على الرحيم فهو أولى بالطبع لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة وفي الحديث أن النبي قال: لعمرو بن العاص " أبعثك وجها يسلمك الله فيه ويغنمك وأرغب لك رغبة من المال " (صحيح) فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة وبالغنيمة قبل الكسب. وأما قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال وإما بالطبع لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص. (فصل) وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو أول سبأ، ففيه معنى غير ما ذكره [السهيلي] يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلى وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله ﴿وهو الرحيم الغفور﴾ فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد فقال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا، وقرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه وكمال من حمده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال، ونظير هذا العزة والرحمة والعفو والقدرة والغنى والكرم فوسط الملك بين الجملتين فجعله محفوفا بحمد قبله وحمد بعده، ثم عقب هذا الحمد والملك باسم (الحكيم الخبير) الدالين على كمال الإرادة، وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة، وعلى كمال العلم وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبره، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم، فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها. فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه وحكمته وعلمه على أكمل الوجوه. ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي فقال: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه وهما الرحمة والمغفرة فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته فقال: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته وحكمه ومغفرته، وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم فمن الأول قوله: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ ومن الثاني: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن رحمة إلى علم وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم، وقدم (الرحيم) في هذا الموضع لتقدم صفة العلم، فحسن ذكر (الرحيم) بعده ليقترن به فيطابق قوله ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾. ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر، وتضمن ما قبلها جلب الخير. ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع، ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور. (فائدة: في إفراد السماء وجمعها) قوله تعالى: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [يونس: ٦١] بخلاف قوله في سبأ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله وهو السماوات كلها والأرض، ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس.

سبأ 34:13

وصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول اللهم اجعلني من الأقلين فقال ما هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين إن الله قال ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ وقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ فقال عمر صدقت وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾. (لطيفة) وقال مشعر لما قيل لآل داود ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُودَ شُكْرًا﴾ لم يأت على القوم ساعة إلا وفيهم مصل. وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء إني رأيت في أمري لم أر خيرا إلا شر معه إلا المعافاة والشكر، فرب شاكر في بلائه، ورب معافى غير شاكر، فإذا سألتم الله فاسألوهما جميعا. وقال أحمد حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلى فيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال أحمد وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة قال داود يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك مني فأوحى الله إليه نعم الضفدع وأنزل الله عليه ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم على ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيدني نعمة بعد نعمة فالنعم منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتني يا داود قال أحمد وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبي الله داود: " إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق نعمة واحدة". وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال قال موسى يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله قال فأتاه الوحي يا موسى الآن شكرتني قال بكر بن عبد الله ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله. (فائدة) مَقامُ الشُّكْرِ جامِعٌ لِجَمِيعِ مَقاماتِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ كانَ أرْفَعَها وأعْلاها، وهو فَوْقَ الرِّضا وهو يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ مِن غَيْرِ عَكْسٍ، ويَتَضَمَّنُ التَّوَكُّلَ والإنابَةَ والحُبَّ والإخْباتَ والخُشُوعَ والرَّجاءَ فَجَمِيعُ المَقاماتِ مُنْدَرِجَةٌ فِيهِ، لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ اسْمَهُ عَلى الإطْلاقِ إلّا بِاسْتِجْماعِ المَقاماتِ لَهُ، ولِهَذا كانَ الإيمانُ نِصْفَيْنِ: نِصْفُ صَبْرٍ، ونِصْفُ شُكْرٍ، والصَّبْرُ داخِلٌ في الشُّكْرِ، فَرَجِعَ الإيمانُ كُلُّهُ شُكْرًا، والشّاكِرُونَ هم أقَلُّ العِبادِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. (لطيفة) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر أو العكس؟ فأجاب بما يشفي الصدور فقال: "أفضلهما أتقاهما لله تعالى، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة".

سبأ 34:21

قوله تعالى: ﴿وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك﴾ فلم يجعل لعدوه سلطانًا على عباده المؤمنين، فإنهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احتزر العبد ما احتزر، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب. وقد كان آدم أبو البشر ﷺ من أحلم الخلق وأرجحهم عقلًا وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحلم ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر؟ ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله. فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له من أبواب التوبة والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه. وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار. قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقًا وجلًا باكيًا نادمًا مستحيًا من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة. ويفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه. فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمر يكسره به ويذل به عنقه ويصغر به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلاه وعجبه وكبره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه. فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك. فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده. فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه. قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل. (فصل) ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢-٨٣]. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم. فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع. فكيف ينفيه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠-٢١]. قيل: إن كان الضمير في قوله: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ [سبأ: ٢١]. عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعا: أي لكن امتحنّاهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. وإن كان عائدا على ما عاد عليه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. وهو الظاهر، ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي ويكون المعنى: وما سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة. قال ابن قُتيبة: "إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة قال لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضا وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم، وإنما قال ظانا، فلما اتَّبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء". وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها، وهم الذين تولوه وأشركوا به فيكون السلطان ثابتا لا منفيا، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات. فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم. حيث يقول لأهل النار: ﴿وَما كانَ لِيَ عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررًا له، لا منكرا، فدل على أنه كذلك. قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم" أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة. فأما السلطان الذي أثبته في قوله: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]. فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزا﴾ [مريم: ٨٣]. قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفي رواية: "تشليهم إشلاء" وفي لفظ: "تحرضهم تحريضا" وفي آخر: "تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا" وفي آخر: "توقدهم" أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته، قال الأخفش: "توهجهم".

سبأ 34:22

فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدت بها عليهم الباب أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أبدا. وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكا لمالكها، أو ظهيرا أو وزيرا أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر، يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده. فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض. فقد يقول المشرك: هي شريكة للمالك الحق. فنفى شركها له. فيقول المشرك: قد تكون ظهيرا أو وزيرا، أو معاونا. فقال: ﴿وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾. ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين. فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع وإلى معاونته له فيقبل شفاعته، وإن لم يأذن له منها. وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته فهو الغني بذاته عن كل ما سواه. فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه؟ (فصل) وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأسْبابِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها المُشْرِكُونَ جَمِيعًا، قَطْعًا يَعْلَمُ مَن تَأمَّلَهُ وعَرَفَهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، أوْ شَفِيعًا، فَهو كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ فَقالَ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ - ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣]. فالمُشْرِكُ إنَّما يَتَّخِذُ مَعْبُودَهُ لِما يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، والنَّفْعُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ إمّا مالِكٌ لِما يُرِيدُهُ عِبادُهُ مِنهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا كانَ شَرِيكًا لِلْمالِكِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُ كانَ مُعِينًا لَهُ وظَهِيرًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعِينًا ولا ظَهِيرًا كانَ شَفِيعًا عِنْدَهُ. فَنَفى سُبْحانَهُ المَراتِبَ الأرْبَعَ نَفْيًا مُتَرَتِّبًا، مُتَنَقِّلًا مِنَ الأعْلى إلى ما دُونَهُ، فَنَفى المِلْكَ، والشِّرْكَةَ، والمُظاهَرَةَ، والشَّفاعَةَ، الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُ، وأثْبَتَ شَفاعَةً لا نَصِيبَ فِيها لِمُشْرِكٍ، وهي الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ. فَكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ نُورًا، وبُرْهانًا ونَجاةً، وتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ ومُوَدّاهُ لِمَن عَقَلَها، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِها ونَظائِرِها، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الواقِعِ تَحْتَهُ، وتَضَمُّنِهِ لَهُ، ويَظُنُّونَهُ في نَوْعٍ وفي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَمْ يُعْقِبُوا وارِثًا، وهَذا هو الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ فَهْمِ القُرْآنِ.

سبأ 34:23

فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدت بها عليهم الباب أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أبدا. وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكا لمالكها، أو ظهيرا أو وزيرا أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر، يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده. فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض. فقد يقول المشرك: هي شريكة للمالك الحق. فنفى شركها له. فيقول المشرك: قد تكون ظهيرا أو وزيرا، أو معاونا. فقال: ﴿وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾. ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين. فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع وإلى معاونته له فيقبل شفاعته، وإن لم يأذن له منها. وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته فهو الغني بذاته عن كل ما سواه. فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه؟ (فصل) وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأسْبابِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها المُشْرِكُونَ جَمِيعًا، قَطْعًا يَعْلَمُ مَن تَأمَّلَهُ وعَرَفَهُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا، أوْ شَفِيعًا، فَهو كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ فَقالَ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ - ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣]. فالمُشْرِكُ إنَّما يَتَّخِذُ مَعْبُودَهُ لِما يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، والنَّفْعُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ إمّا مالِكٌ لِما يُرِيدُهُ عِبادُهُ مِنهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا كانَ شَرِيكًا لِلْمالِكِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُ كانَ مُعِينًا لَهُ وظَهِيرًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعِينًا ولا ظَهِيرًا كانَ شَفِيعًا عِنْدَهُ. فَنَفى سُبْحانَهُ المَراتِبَ الأرْبَعَ نَفْيًا مُتَرَتِّبًا، مُتَنَقِّلًا مِنَ الأعْلى إلى ما دُونَهُ، فَنَفى المِلْكَ، والشِّرْكَةَ، والمُظاهَرَةَ، والشَّفاعَةَ، الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُ، وأثْبَتَ شَفاعَةً لا نَصِيبَ فِيها لِمُشْرِكٍ، وهي الشَّفاعَةُ بِإذْنِهِ. فَكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ نُورًا، وبُرْهانًا ونَجاةً، وتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ ومُوَدّاهُ لِمَن عَقَلَها، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِها ونَظائِرِها، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الواقِعِ تَحْتَهُ، وتَضَمُّنِهِ لَهُ، ويَظُنُّونَهُ في نَوْعٍ وفي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَمْ يُعْقِبُوا وارِثًا، وهَذا هو الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ فَهْمِ القُرْآنِ.

سبأ 34:24

(لطيفة) وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَإنَّ طَرِيقَ الحَقِّ تَأْخُذُ عُلُوًّا صاعِدَةً بِصاحِبِها إلى العَلِيِّ الكَبِيرِ، وطَرِيقَ الضَّلالِ تَأْخُذُ سُفْلًا، هاوِيَةً بِسالِكِها في أسْفَلِ سافِلِينَ.

سبأ 34:37

قوله تعالى: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلاّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فمن آمن ليس داخلا في الأموال والأولاد ولكنه من الكلام المحمول على المعنى لأنه تعالى أخبر أن أموال العباد وأولادهم لا تقربهم إليه وذلك يتضمن أن أربابها ليسوا هم من المقربين إليه فاستثنى منهم (من آمن وعمل صالحا) أي لا قريب عنده إلا من آمن وعمل صالحا سواء كان له مال وولد أو لم يكن له والانقطاع فيه أظهر فإنه تعالى نفى قرب الناس إليه بأموالهم وأولادهم، وأثبت قربهم عنده بإيمانهم وعملهم الصالح، فتقدير (لكن) هاهنا أظهر من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء. وإذا تأملت الكلام العربي رأيت كثيرا منه واردا على المعنى لوضوحه، فلو ورد على قياس اللفظ مع وضوح المعنى لكان عيا. وبهذه القاعدة تزول عنك إشكالات كثيرة ولا تحتاج إلى تكلف التقديرات التي إنما عدل عنها المتكلم لما في ذكرها من التكلف فقدر المتكلفون لنطقه ما فر منه، وألزموه بما رغب عنه. وهذا كثير في تقديرات النحاة التي لا تخطر ببال المتكلم أصلا، ولا تقع في تراكيب الفصحاء ولو سمعوها لاستهجنوها.

سبأ 34:46

ولما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق والصواب حالتان: أحدهما: أن يكون ناظرا مع نفسه. والثانية: أن يكون مناظرا لغيره. أمرهم بخصلة واحدة وهي أن يقوموا لله اثنين اثنين فيتناظران ويتساءلان بينهما، وواحدا واحدا يقوم كل واحد مع نفسه فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعو إليه، ويستدعي أدلة الصدق والكذب، ويعرض ما جاء به عليها ليتبين له حقيقة الحال. فهذا هو الحجاج الجليل، والإنصاف البين، والنصح التام. (فصل) والناظر له حالتان: أحدهما يحمد فيها، والثانية يذم فيها. والمناظر له حالتان أيضا قال تعالى ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ فأشار بقيامهم إثنين إثنين إلى المناظرة وفرادى إلى النظر والتفكر. وكل منهما ينقسم إلى محمود ومذموم فالنظر المحمود النظر في الطريق الصحيح ليتوصل به إلى معرفة الحق والنظر المذموم نوعان: أحدهما: النظر في الطريق الباطل وإن قصد به التوصل إلى الحق فإن الطريق الباطل لا يفضي إلى الحق. والثاني: النظر والفكر الذي يقصد به رد قول خصمه مطلقا حقا كان أو باطلا فهو ينظر نظرا يرد به قول من يبغضه ويعاديه بأي وجه كان. فأما المناظرة فتقسم إلى محمودة ومذمومة والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان. وبيان ذلك أن المناظر إما أن يكون عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له. وإما أن لا يكون عالما به ولا طالبا له. وهذا الثالث هو المذموم. وأما الأولان فمن كان عالما بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق أو تقطعه أو تكسره إن كان معاندا غير طالب للحق ولا متبع له أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه على الحق وقصده الحق. قال تعالى ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو. فإنه إما أن يكون طالبا للحق راغبا فيه محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال. وإما أن يكون معرضا مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه، فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. وإما أن يكون معاندا معارضا فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق، وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن. فلمناظرة المبطل فائدتان أحدهما: أن يرد عن باطله ويرجع إلى الحق. الثانية: أن ينكف شره وعداوته ويتبين للناس أن الذي معه باطل وهذه الوجوه كلها لا يمكن أن تنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف فإنه كفيل بذلك على أتم الوجوه لمن تأمله وتدبره ورزق فهما فيه وحججه مع أنها في أعلى مراتب الحجج وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات فهي أقرب شيء تناولا وأوضح دلالة وأقوى برهانا وأبعد من كل شبهة وتشكيك.

سبأ 34:51

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غَيْرَةُ المُرِيدِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: غَيْرَةُ المُرِيدِ. وهي غَيْرَةٌ عَلى وقْتٍ فاتَ. وَهِيَ غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ. فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي. أبِيُّ الجانِبِ، بَطِيُّ الرُّجُوعِ. و" المُرِيدُونَ " هم أرْبابُ الأحْوالِ، و" العُبّادُ " أرْبابُ الأوْرادِ والعِباداتِ. وكُلُّ مُرِيدٍ عابِدٌ. وكُلُّ عابِدٍ مُرِيدٌ. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا أهْلَ المَحَبَّةِ وأذْواقِ حَقائِقِ الإيمانِ باسْمِ " المُرِيدِ " وخَصُّوا أصْحابَ العَمَلِ المُجَرَّدِ بِاسْمِ " العابِدِ " وكُلُّ مُرِيدٍ لا يَكُونُ عابِدًا فَزِنْدِيقٌ، وكُلُّ عابِدٍ لا يَكُونُ مُرِيدًا فَمُراءٍ. و" الوَقْتُ " عِنْدَ العابِدِ: هو وقْتُ العِبادَةِ والأوْرادِ. وعِنْدَ المُرِيدِ: هو وقْتُ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ، والعُكُوفِ عَلَيْهِ بِالقَلْبِ كُلِّهِ. و" الوَقْتُ " أعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، يَغارُ عَلَيْهِ أنْ يَنْقَضِيَ بِدُونِ ذَلِكَ. فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِدْراكُهُ ألْبَتَّةَ. لِأنَّ الوَقْتَ الثّانِيَ قَدِ اسْتَحَقَّ واجِبَهُ الخاصَّ، فَإذا فاتَهُ وقْتٌ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَدارُكِهِ. كَما في المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، مُتَعَمِّدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ: لَمْ يَقْضِهِ عَنْهُ صِيامُ الدَّهْرِ، وإنْ صامَهُ». وَقَوْلُهُ " وهي غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ " يَعْنِي: مُضِرَّةً ضَرَرًا شَدِيدًا بَيِّنًا يُشْبِهُ القَتْلَ، لِأنَّ حَسْرَةَ الفَوْتِ قاتِلَةٌ. ولا سِيَّما إذا عَلِمَ المُتَحَسِّرُ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاسْتِدْراكِ. وَأيْضًا. فالغَيْرَةُ عَلى التَّفْوِيتِ تَفْوِيتٌ آخَرُ، كَما يُقالُ: الِاشْتِغالُ بِالنَّدَمِ عَلى الوَقْتِ الفائِتِ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ الحاضِرِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: الوَقْتُ سَيْفٌ. إنْ لَمْ تَقْطَعْهُ، وإلّا قَطَعَكَ. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ في كَوْنِ هَذِهِ الغَيْرَةِ قاتِلَةً. فَقالَ: " فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي " أيْ سَرِيعُ الِانْقِضاءِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ الوَحا الوَحا، العَجَلَ العَجَلَ، والوَحْيُ الإعْلامُ في خَفاءٍ وسُرْعَةٍ. ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ وحْيًا أيْ مَجِيئًا سَرِيعًا. فالوَقْتُ مُنْقَضٍ بِذاتِهِ، مُنْصَرِمٌ بِنَفْسِهِ. فَمَن غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ تَصَرَّمَتْ أوْقاتُهُ، وعَظُمَ فَواتُهُ. واشْتَدَّتْ حَسَراتُهُ. فَكَيْفَ حالُهُ إذا عَلِمَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الفَوْتِ مِقْدارَ ما أضاعَ. وطَلَبَ الرُّجْعى فَحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِرْجاعِ وطَلَبِ تَناوُلِ الفائِتِ. وَكَيْفَ يُرَدُّ الأمْسُ في اليَوْمِ الجَدِيدِ؟ ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] ومُنِعَ مِمّا يُحِبُّهُ ويَرْتَضِيهِ، وعَلِمَ أنَّ ما اقْتَناهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَقْتَنِيَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ. ؎فَيا حَسَراتِ ما إلى رَدِّ مِثْلِهِ ∗∗∗ سَبِيلٌ ولَوْ رُدَّتْ لَهانَ التَّحَسُّرُ ؎هِيَ الشَّهَواتُ اللّاءِ كانَتْ تَحَوَّلَتْ ∗∗∗ إلى حَسَراتٍ حِينَ عَزَّ التَّصَبُّرُ ؎فَلَوْ أنَّها رُدَّتْ بِصَبْرٍ وقُوَّةٍ ∗∗∗ تَحَوَّلْنَ لَذّاتٍ وذُو اللُّبِّ يُبْصِرُ وَيُقالُ: إنَّ أصْعَبَ الأحْوالِ المُنْقَطِعَةِ: انْقِطاعُ الأنْفاسِ. فَإنَّ أرْبابَها إذا صَعِدَ النَّفَسُ الواحِدُ صَعَّدُوهُ إلى نَحْوِ مَحْبُوبِهِمْ، صاعِدًا إلَيْهِ، مُتَلَبِّسًا بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ. فَإذا أرادُوا دَفْعَهُ لَمْ يَدْفَعُوهُ حَتّى يُتْبِعُوهُ نَفَسًا آخَرَ مِثْلَهُ. فَكُلُّ أنْفاسِهِمْ بِاللَّهِ. وإلى اللَّهِ، مُتَلَبِّسَةً بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ والأُنْسِ بِهِ. فَلا يَفُوتُهم نَفَسٌ مِن أنْفاسِهِمْ مَعَ اللَّهِ إلّا إذا غَلَبَهُمُ النَّوْمُ. وكَثِيرٌ مِنهم يَرى في نَوْمِهِ: أنَّهُ كَذَلِكَ لِالتِباسِ رُوحِهِ وقَلْبِهِ. فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ أوْقاتَ نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. ولا تُسْتَنْكَرُ هَذِهِ الحالُ. فَإنَّ المَحَبَّةَ إذا غَلَبَتْ عَلى القَلْبِ ومَلَكَتْهُ: أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ الوارِداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ. تَمُرُّ أسْرَعَ مِنَ السَّحابِ، ويَنْقَضِي الوَقْتُ بِما فِيهِ. فَلا يَعُودُ عَلَيْكَ مِنهُ إلّا أثَرُهُ وحُكْمُهُ. فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَعُودُ عَلَيْكَ مِن وقْتِكَ. فَإنَّهُ عائِدٌ عَلَيْكَ لا مَحالَةَ. لِهَذا يُقالُ لِلسُّعَداءِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ويُقالُ لِلْأشْقِياءِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥].

سبأ 34:52

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غَيْرَةُ المُرِيدِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: غَيْرَةُ المُرِيدِ. وهي غَيْرَةٌ عَلى وقْتٍ فاتَ. وَهِيَ غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ. فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي. أبِيُّ الجانِبِ، بَطِيُّ الرُّجُوعِ. و" المُرِيدُونَ " هم أرْبابُ الأحْوالِ، و" العُبّادُ " أرْبابُ الأوْرادِ والعِباداتِ. وكُلُّ مُرِيدٍ عابِدٌ. وكُلُّ عابِدٍ مُرِيدٌ. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا أهْلَ المَحَبَّةِ وأذْواقِ حَقائِقِ الإيمانِ باسْمِ " المُرِيدِ " وخَصُّوا أصْحابَ العَمَلِ المُجَرَّدِ بِاسْمِ " العابِدِ " وكُلُّ مُرِيدٍ لا يَكُونُ عابِدًا فَزِنْدِيقٌ، وكُلُّ عابِدٍ لا يَكُونُ مُرِيدًا فَمُراءٍ. و" الوَقْتُ " عِنْدَ العابِدِ: هو وقْتُ العِبادَةِ والأوْرادِ. وعِنْدَ المُرِيدِ: هو وقْتُ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ، والعُكُوفِ عَلَيْهِ بِالقَلْبِ كُلِّهِ. و" الوَقْتُ " أعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، يَغارُ عَلَيْهِ أنْ يَنْقَضِيَ بِدُونِ ذَلِكَ. فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِدْراكُهُ ألْبَتَّةَ. لِأنَّ الوَقْتَ الثّانِيَ قَدِ اسْتَحَقَّ واجِبَهُ الخاصَّ، فَإذا فاتَهُ وقْتٌ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَدارُكِهِ. كَما في المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، مُتَعَمِّدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ: لَمْ يَقْضِهِ عَنْهُ صِيامُ الدَّهْرِ، وإنْ صامَهُ». وَقَوْلُهُ " وهي غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ " يَعْنِي: مُضِرَّةً ضَرَرًا شَدِيدًا بَيِّنًا يُشْبِهُ القَتْلَ، لِأنَّ حَسْرَةَ الفَوْتِ قاتِلَةٌ. ولا سِيَّما إذا عَلِمَ المُتَحَسِّرُ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاسْتِدْراكِ. وَأيْضًا. فالغَيْرَةُ عَلى التَّفْوِيتِ تَفْوِيتٌ آخَرُ، كَما يُقالُ: الِاشْتِغالُ بِالنَّدَمِ عَلى الوَقْتِ الفائِتِ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ الحاضِرِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: الوَقْتُ سَيْفٌ. إنْ لَمْ تَقْطَعْهُ، وإلّا قَطَعَكَ. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ في كَوْنِ هَذِهِ الغَيْرَةِ قاتِلَةً. فَقالَ: " فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي " أيْ سَرِيعُ الِانْقِضاءِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ الوَحا الوَحا، العَجَلَ العَجَلَ، والوَحْيُ الإعْلامُ في خَفاءٍ وسُرْعَةٍ. ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ وحْيًا أيْ مَجِيئًا سَرِيعًا. فالوَقْتُ مُنْقَضٍ بِذاتِهِ، مُنْصَرِمٌ بِنَفْسِهِ. فَمَن غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ تَصَرَّمَتْ أوْقاتُهُ، وعَظُمَ فَواتُهُ. واشْتَدَّتْ حَسَراتُهُ. فَكَيْفَ حالُهُ إذا عَلِمَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الفَوْتِ مِقْدارَ ما أضاعَ. وطَلَبَ الرُّجْعى فَحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِرْجاعِ وطَلَبِ تَناوُلِ الفائِتِ. وَكَيْفَ يُرَدُّ الأمْسُ في اليَوْمِ الجَدِيدِ؟ ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] ومُنِعَ مِمّا يُحِبُّهُ ويَرْتَضِيهِ، وعَلِمَ أنَّ ما اقْتَناهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَقْتَنِيَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ. ؎فَيا حَسَراتِ ما إلى رَدِّ مِثْلِهِ ∗∗∗ سَبِيلٌ ولَوْ رُدَّتْ لَهانَ التَّحَسُّرُ ؎هِيَ الشَّهَواتُ اللّاءِ كانَتْ تَحَوَّلَتْ ∗∗∗ إلى حَسَراتٍ حِينَ عَزَّ التَّصَبُّرُ ؎فَلَوْ أنَّها رُدَّتْ بِصَبْرٍ وقُوَّةٍ ∗∗∗ تَحَوَّلْنَ لَذّاتٍ وذُو اللُّبِّ يُبْصِرُ وَيُقالُ: إنَّ أصْعَبَ الأحْوالِ المُنْقَطِعَةِ: انْقِطاعُ الأنْفاسِ. فَإنَّ أرْبابَها إذا صَعِدَ النَّفَسُ الواحِدُ صَعَّدُوهُ إلى نَحْوِ مَحْبُوبِهِمْ، صاعِدًا إلَيْهِ، مُتَلَبِّسًا بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ. فَإذا أرادُوا دَفْعَهُ لَمْ يَدْفَعُوهُ حَتّى يُتْبِعُوهُ نَفَسًا آخَرَ مِثْلَهُ. فَكُلُّ أنْفاسِهِمْ بِاللَّهِ. وإلى اللَّهِ، مُتَلَبِّسَةً بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ والأُنْسِ بِهِ. فَلا يَفُوتُهم نَفَسٌ مِن أنْفاسِهِمْ مَعَ اللَّهِ إلّا إذا غَلَبَهُمُ النَّوْمُ. وكَثِيرٌ مِنهم يَرى في نَوْمِهِ: أنَّهُ كَذَلِكَ لِالتِباسِ رُوحِهِ وقَلْبِهِ. فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ أوْقاتَ نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. ولا تُسْتَنْكَرُ هَذِهِ الحالُ. فَإنَّ المَحَبَّةَ إذا غَلَبَتْ عَلى القَلْبِ ومَلَكَتْهُ: أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ الوارِداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ. تَمُرُّ أسْرَعَ مِنَ السَّحابِ، ويَنْقَضِي الوَقْتُ بِما فِيهِ. فَلا يَعُودُ عَلَيْكَ مِنهُ إلّا أثَرُهُ وحُكْمُهُ. فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَعُودُ عَلَيْكَ مِن وقْتِكَ. فَإنَّهُ عائِدٌ عَلَيْكَ لا مَحالَةَ. لِهَذا يُقالُ لِلسُّعَداءِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ويُقالُ لِلْأشْقِياءِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥].

سبأ 34:53

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غَيْرَةُ المُرِيدِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: غَيْرَةُ المُرِيدِ. وهي غَيْرَةٌ عَلى وقْتٍ فاتَ. وَهِيَ غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ. فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي. أبِيُّ الجانِبِ، بَطِيُّ الرُّجُوعِ. و" المُرِيدُونَ " هم أرْبابُ الأحْوالِ، و" العُبّادُ " أرْبابُ الأوْرادِ والعِباداتِ. وكُلُّ مُرِيدٍ عابِدٌ. وكُلُّ عابِدٍ مُرِيدٌ. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا أهْلَ المَحَبَّةِ وأذْواقِ حَقائِقِ الإيمانِ باسْمِ " المُرِيدِ " وخَصُّوا أصْحابَ العَمَلِ المُجَرَّدِ بِاسْمِ " العابِدِ " وكُلُّ مُرِيدٍ لا يَكُونُ عابِدًا فَزِنْدِيقٌ، وكُلُّ عابِدٍ لا يَكُونُ مُرِيدًا فَمُراءٍ. و" الوَقْتُ " عِنْدَ العابِدِ: هو وقْتُ العِبادَةِ والأوْرادِ. وعِنْدَ المُرِيدِ: هو وقْتُ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ، والعُكُوفِ عَلَيْهِ بِالقَلْبِ كُلِّهِ. و" الوَقْتُ " أعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، يَغارُ عَلَيْهِ أنْ يَنْقَضِيَ بِدُونِ ذَلِكَ. فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِدْراكُهُ ألْبَتَّةَ. لِأنَّ الوَقْتَ الثّانِيَ قَدِ اسْتَحَقَّ واجِبَهُ الخاصَّ، فَإذا فاتَهُ وقْتٌ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَدارُكِهِ. كَما في المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، مُتَعَمِّدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ: لَمْ يَقْضِهِ عَنْهُ صِيامُ الدَّهْرِ، وإنْ صامَهُ». وَقَوْلُهُ " وهي غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ " يَعْنِي: مُضِرَّةً ضَرَرًا شَدِيدًا بَيِّنًا يُشْبِهُ القَتْلَ، لِأنَّ حَسْرَةَ الفَوْتِ قاتِلَةٌ. ولا سِيَّما إذا عَلِمَ المُتَحَسِّرُ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاسْتِدْراكِ. وَأيْضًا. فالغَيْرَةُ عَلى التَّفْوِيتِ تَفْوِيتٌ آخَرُ، كَما يُقالُ: الِاشْتِغالُ بِالنَّدَمِ عَلى الوَقْتِ الفائِتِ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ الحاضِرِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: الوَقْتُ سَيْفٌ. إنْ لَمْ تَقْطَعْهُ، وإلّا قَطَعَكَ. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ في كَوْنِ هَذِهِ الغَيْرَةِ قاتِلَةً. فَقالَ: " فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي " أيْ سَرِيعُ الِانْقِضاءِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ الوَحا الوَحا، العَجَلَ العَجَلَ، والوَحْيُ الإعْلامُ في خَفاءٍ وسُرْعَةٍ. ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ وحْيًا أيْ مَجِيئًا سَرِيعًا. فالوَقْتُ مُنْقَضٍ بِذاتِهِ، مُنْصَرِمٌ بِنَفْسِهِ. فَمَن غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ تَصَرَّمَتْ أوْقاتُهُ، وعَظُمَ فَواتُهُ. واشْتَدَّتْ حَسَراتُهُ. فَكَيْفَ حالُهُ إذا عَلِمَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الفَوْتِ مِقْدارَ ما أضاعَ. وطَلَبَ الرُّجْعى فَحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِرْجاعِ وطَلَبِ تَناوُلِ الفائِتِ. وَكَيْفَ يُرَدُّ الأمْسُ في اليَوْمِ الجَدِيدِ؟ ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] ومُنِعَ مِمّا يُحِبُّهُ ويَرْتَضِيهِ، وعَلِمَ أنَّ ما اقْتَناهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَقْتَنِيَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ. ؎فَيا حَسَراتِ ما إلى رَدِّ مِثْلِهِ ∗∗∗ سَبِيلٌ ولَوْ رُدَّتْ لَهانَ التَّحَسُّرُ ؎هِيَ الشَّهَواتُ اللّاءِ كانَتْ تَحَوَّلَتْ ∗∗∗ إلى حَسَراتٍ حِينَ عَزَّ التَّصَبُّرُ ؎فَلَوْ أنَّها رُدَّتْ بِصَبْرٍ وقُوَّةٍ ∗∗∗ تَحَوَّلْنَ لَذّاتٍ وذُو اللُّبِّ يُبْصِرُ وَيُقالُ: إنَّ أصْعَبَ الأحْوالِ المُنْقَطِعَةِ: انْقِطاعُ الأنْفاسِ. فَإنَّ أرْبابَها إذا صَعِدَ النَّفَسُ الواحِدُ صَعَّدُوهُ إلى نَحْوِ مَحْبُوبِهِمْ، صاعِدًا إلَيْهِ، مُتَلَبِّسًا بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ. فَإذا أرادُوا دَفْعَهُ لَمْ يَدْفَعُوهُ حَتّى يُتْبِعُوهُ نَفَسًا آخَرَ مِثْلَهُ. فَكُلُّ أنْفاسِهِمْ بِاللَّهِ. وإلى اللَّهِ، مُتَلَبِّسَةً بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ والأُنْسِ بِهِ. فَلا يَفُوتُهم نَفَسٌ مِن أنْفاسِهِمْ مَعَ اللَّهِ إلّا إذا غَلَبَهُمُ النَّوْمُ. وكَثِيرٌ مِنهم يَرى في نَوْمِهِ: أنَّهُ كَذَلِكَ لِالتِباسِ رُوحِهِ وقَلْبِهِ. فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ أوْقاتَ نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. ولا تُسْتَنْكَرُ هَذِهِ الحالُ. فَإنَّ المَحَبَّةَ إذا غَلَبَتْ عَلى القَلْبِ ومَلَكَتْهُ: أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ الوارِداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ. تَمُرُّ أسْرَعَ مِنَ السَّحابِ، ويَنْقَضِي الوَقْتُ بِما فِيهِ. فَلا يَعُودُ عَلَيْكَ مِنهُ إلّا أثَرُهُ وحُكْمُهُ. فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَعُودُ عَلَيْكَ مِن وقْتِكَ. فَإنَّهُ عائِدٌ عَلَيْكَ لا مَحالَةَ. لِهَذا يُقالُ لِلسُّعَداءِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ويُقالُ لِلْأشْقِياءِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥].

سبأ 34:54

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غَيْرَةُ المُرِيدِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: غَيْرَةُ المُرِيدِ. وهي غَيْرَةٌ عَلى وقْتٍ فاتَ. وَهِيَ غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ. فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي. أبِيُّ الجانِبِ، بَطِيُّ الرُّجُوعِ. و" المُرِيدُونَ " هم أرْبابُ الأحْوالِ، و" العُبّادُ " أرْبابُ الأوْرادِ والعِباداتِ. وكُلُّ مُرِيدٍ عابِدٌ. وكُلُّ عابِدٍ مُرِيدٌ. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا أهْلَ المَحَبَّةِ وأذْواقِ حَقائِقِ الإيمانِ باسْمِ " المُرِيدِ " وخَصُّوا أصْحابَ العَمَلِ المُجَرَّدِ بِاسْمِ " العابِدِ " وكُلُّ مُرِيدٍ لا يَكُونُ عابِدًا فَزِنْدِيقٌ، وكُلُّ عابِدٍ لا يَكُونُ مُرِيدًا فَمُراءٍ. و" الوَقْتُ " عِنْدَ العابِدِ: هو وقْتُ العِبادَةِ والأوْرادِ. وعِنْدَ المُرِيدِ: هو وقْتُ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ، والعُكُوفِ عَلَيْهِ بِالقَلْبِ كُلِّهِ. و" الوَقْتُ " أعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، يَغارُ عَلَيْهِ أنْ يَنْقَضِيَ بِدُونِ ذَلِكَ. فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِدْراكُهُ ألْبَتَّةَ. لِأنَّ الوَقْتَ الثّانِيَ قَدِ اسْتَحَقَّ واجِبَهُ الخاصَّ، فَإذا فاتَهُ وقْتٌ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَدارُكِهِ. كَما في المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، مُتَعَمِّدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ: لَمْ يَقْضِهِ عَنْهُ صِيامُ الدَّهْرِ، وإنْ صامَهُ». وَقَوْلُهُ " وهي غَيْرَةٌ قاتِلَةٌ " يَعْنِي: مُضِرَّةً ضَرَرًا شَدِيدًا بَيِّنًا يُشْبِهُ القَتْلَ، لِأنَّ حَسْرَةَ الفَوْتِ قاتِلَةٌ. ولا سِيَّما إذا عَلِمَ المُتَحَسِّرُ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاسْتِدْراكِ. وَأيْضًا. فالغَيْرَةُ عَلى التَّفْوِيتِ تَفْوِيتٌ آخَرُ، كَما يُقالُ: الِاشْتِغالُ بِالنَّدَمِ عَلى الوَقْتِ الفائِتِ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ الحاضِرِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: الوَقْتُ سَيْفٌ. إنْ لَمْ تَقْطَعْهُ، وإلّا قَطَعَكَ. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ في كَوْنِ هَذِهِ الغَيْرَةِ قاتِلَةً. فَقالَ: " فَإنَّ الوَقْتَ وحِيُّ التَّقَضِّي " أيْ سَرِيعُ الِانْقِضاءِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ الوَحا الوَحا، العَجَلَ العَجَلَ، والوَحْيُ الإعْلامُ في خَفاءٍ وسُرْعَةٍ. ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ وحْيًا أيْ مَجِيئًا سَرِيعًا. فالوَقْتُ مُنْقَضٍ بِذاتِهِ، مُنْصَرِمٌ بِنَفْسِهِ. فَمَن غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ تَصَرَّمَتْ أوْقاتُهُ، وعَظُمَ فَواتُهُ. واشْتَدَّتْ حَسَراتُهُ. فَكَيْفَ حالُهُ إذا عَلِمَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الفَوْتِ مِقْدارَ ما أضاعَ. وطَلَبَ الرُّجْعى فَحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِرْجاعِ وطَلَبِ تَناوُلِ الفائِتِ. وَكَيْفَ يُرَدُّ الأمْسُ في اليَوْمِ الجَدِيدِ؟ ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] ومُنِعَ مِمّا يُحِبُّهُ ويَرْتَضِيهِ، وعَلِمَ أنَّ ما اقْتَناهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَقْتَنِيَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ. ؎فَيا حَسَراتِ ما إلى رَدِّ مِثْلِهِ ∗∗∗ سَبِيلٌ ولَوْ رُدَّتْ لَهانَ التَّحَسُّرُ ؎هِيَ الشَّهَواتُ اللّاءِ كانَتْ تَحَوَّلَتْ ∗∗∗ إلى حَسَراتٍ حِينَ عَزَّ التَّصَبُّرُ ؎فَلَوْ أنَّها رُدَّتْ بِصَبْرٍ وقُوَّةٍ ∗∗∗ تَحَوَّلْنَ لَذّاتٍ وذُو اللُّبِّ يُبْصِرُ وَيُقالُ: إنَّ أصْعَبَ الأحْوالِ المُنْقَطِعَةِ: انْقِطاعُ الأنْفاسِ. فَإنَّ أرْبابَها إذا صَعِدَ النَّفَسُ الواحِدُ صَعَّدُوهُ إلى نَحْوِ مَحْبُوبِهِمْ، صاعِدًا إلَيْهِ، مُتَلَبِّسًا بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ. فَإذا أرادُوا دَفْعَهُ لَمْ يَدْفَعُوهُ حَتّى يُتْبِعُوهُ نَفَسًا آخَرَ مِثْلَهُ. فَكُلُّ أنْفاسِهِمْ بِاللَّهِ. وإلى اللَّهِ، مُتَلَبِّسَةً بِمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ والأُنْسِ بِهِ. فَلا يَفُوتُهم نَفَسٌ مِن أنْفاسِهِمْ مَعَ اللَّهِ إلّا إذا غَلَبَهُمُ النَّوْمُ. وكَثِيرٌ مِنهم يَرى في نَوْمِهِ: أنَّهُ كَذَلِكَ لِالتِباسِ رُوحِهِ وقَلْبِهِ. فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ أوْقاتَ نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. ولا تُسْتَنْكَرُ هَذِهِ الحالُ. فَإنَّ المَحَبَّةَ إذا غَلَبَتْ عَلى القَلْبِ ومَلَكَتْهُ: أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ الوارِداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ. تَمُرُّ أسْرَعَ مِنَ السَّحابِ، ويَنْقَضِي الوَقْتُ بِما فِيهِ. فَلا يَعُودُ عَلَيْكَ مِنهُ إلّا أثَرُهُ وحُكْمُهُ. فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَعُودُ عَلَيْكَ مِن وقْتِكَ. فَإنَّهُ عائِدٌ عَلَيْكَ لا مَحالَةَ. لِهَذا يُقالُ لِلسُّعَداءِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ويُقالُ لِلْأشْقِياءِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥].

فاطر 35:6

والأمْرُ بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِفْراغِ الوُسْعِ في مُحارَبَتِهِ، ومُجاهَدَتِهِ، كَأنَّهُ عَدُوٌّ لا يَفْتُرُ ولا يُقَصِّرُ عَنْ مُحارَبَةِ العَبْدِ عَلى عَدَدِ الأنْفاسِ.

فاطر 35:8

وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل، حبك الشيء يعمى ويصم. والإنسان مجبول على حب نفسه، فهو لا يرى إلا محاسنها، ومبغض لخصمه، فهو لا يرى إلا مساوئه، بل قد يشتد به حبه لنفسه، حتى يرى مساويها محاسن، كما قال تعالى: ﴿أفَمَن زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهٍ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. ويشتد به بغض خصمه، حتى يرى محاسنه مساوئ، كما قيل: ؎نظَرُوا بِعَيْنِ عَداوَةٍ ولَوَ أنّها ∗∗∗ عَيْنُ الرِّضا لاسْتَحْسَنُوا ما اسْتَقْبَحُوا وهذا الجهل مقرون بالهوى والظلم غالبا، فإن الإنسان ظلوم جهول. وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم، وقلدوهم فيها: في الإثبات والنفي، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة.

فاطر 35:10

أيْ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها بِطاعَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وَفِي دُعاءِ القُنُوتِ: " إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ، ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ " وَمَن أطاعَ اللَّهَ فَقَدْ والاهُ فِيما أطاعَهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ العِزِّ بِحَسَبِ طاعَتِهِ، ومَن عَصاهُ فَقَدْ عاداهُ فِيما عَصاهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مَعْصِيَتِهِ. (فصل) اعْلَمْ أنّ أنَّ المَعْصِيَةَ تُورِثُ الذُّلَّ ولا بُدَّ؛ فَإنَّ العِزَّ كُلَّ العِزِّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْها بِطاعَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَجِدُها إلّا في طاعَةِ اللَّهِ. وَكانَ مِن دُعاءِ بَعْضِ السَّلَفِ: اللَّهُمَّ أعِزَّنِي بِطاعَتِكَ ولا تُذِلَّنِي بِمَعْصِيَتِكَ. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم وإنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ البِغالُ، وهَمْلَجَتْ بِهِمُ البَراذِينُ، إنَّ ذُلَّ المَعْصِيَةِ لا يُفارِقُ قُلُوبَهُمْ، أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُذِلَّ مَن عَصاهُ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها ؎وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُوكُ ∗∗∗ وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها (لطيفة) قال بعض السلف: "الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله" وقال الحسن: "وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه، وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما في دعاء القنوت: "إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ".

فاطر 35:12

(فصل) تَأمل العبْرَة في السّمك وكَيْفِيَّة خلقته وأنه خلق غير ذِي قَوائِم، لأنه لا يحْتاج إلى المَشْي إذْ كانَ مَسْكَنه الماء ولم يخلق لَهُ رئة لأن مَنفَعَة الرئة التنفس والسمك لم يحْتَج إليه لأنه ينغمس في الماء وخلقت لَهُ عوض القوائم اجنحة شدادي يقذف بها من جانبيه كَما يقذف صاحب المركب بالمقاذيف من جانِبي السَّفِينَة وكسى لجده قسورا متداخلة كتداخل الجوشن ليقيه من الآفات وأعين بِقُوَّة الشم لأن بَصَره ضَعِيف والماء يَحْجُبهُ فَصارَ يشم الطَّعام من بعد فيقصده وقد ذكر في بعض كتب الحَيَوان أن من فِيهِ إلى صماخه منافذ فَهو يصب الماء فِيها بِفِيهِ ويرسله من صماخيه فيتروح بذلك كَما يَأْخُذ الحَيَوان النسيم البارِد بِأنْفِهِ ثمَّ يُرْسِلهُ ليتروح بِهِ فَإن الماء للحيوان البحري كالهواء للحيوان البري فهما بحران أحدهما الطف من الآخر بَحر هَواء يسبح فِيهِ حَيَوان البر وبحر ماء يسبح فِيهِ حَيَوان البَحْر فَلَو فارق كل من الصِّنْفَيْنِ بحره إلى البَحْر الآخر ماتَ فَكَما يختنق الحَيَوان البري في الماء يختق الحَيَوان البحري في الهَواء فسبحان من لايحصى العادون آياته ولا يحيطون بتفصيل آيَة مِنها على الِانْفِراد بل أن علمُوا فِيها وجها جهلوا مِنها اوجها فَتَأمل الحِكْمَة البالِغَة في كَون السّمك أكثر الحَيَوان نَسْلًا ولِهَذا ترى في وف السَّمَكَة الواحِد من البيض ما لا يُحْصى كَثْرَة وحِكْمَة ذَلِك أن يَتَّسِع لما يغتذى بِهِ من أصناف الحَيَوان فَإن أكثرها يَأْكُل السّمك حَتّى السباع لأنها في حافات الآجام جاثمة تعكف على الماء الصافي فَإذا تعذر عَلَيْها صيد البر رصدت السّمك فاختطفته، فَلَمّا كانَت السباع تَأْكُل السّمك، والطير تَأْكُله، والنّاس تَأْكُله، والسماك الكِبار تَأْكُله، ودواب البر تَأْكُله، وقد جعله الله سُبْحانَهُ غذاء لهَذِهِ الأصناف اقْتَضَت حكمته أن يكون بِهَذِهِ الكَثْرَة ولَو رأى العَبْد ما في البَحْر من ضروب الحَيَوانات والجواهر والأصناف الَّتِي لا يحصيها إلا الله، ولا يعرف النّاس مِنها إلّا الشَّيْء القَلِيل الَّذِي لا نسبة لَهُ أصلا إلى ما غابَ عَنْهُم لرأى العجب، ولعلم سَعَة ملك الله وكَثْرَة جُنُوده الَّتِي لا يعلمها إلّا هو.

فاطر 35:15

(ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ (١٥)} بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم، لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيا حميدا ذاتي فغناه وحمده ثابت له لذاته: لا لأمر أوجبه. وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان بل هو ذاتي للفقير. فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة. كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ؎والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ∗∗∗ كما أن الغنى أبدا وصف له ذاتي فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة. وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة، لا علل لذلك. إذ ما بالذات لا يعلّل لفقير بذاته محتاج إلى الغنى بذاته. فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسباب له. ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين تذكرهما الفلاسفة والمتكلمون. فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان. والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث. والصواب: أن الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل الحاجة والافتقار وفقر العالم إلى الله سبحانه أمر ذاتي لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته. ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من ادلة على هذا الفقر. والمقصود: أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه كما أخبر عن ذاته المقدسة، وحقيقته أنه غني حميد. فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي. والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا. ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلّا غنيّا. كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا ويستحيل أن يكون الرب إلا ربّا. (موعظة) من أعجب الأشْياء أن تعرفه ثمَّ لا تحبه وأن تسمع داعيه ثمَّ تتأخر عَن الإجابَة، وأن تعرف قدر الرِّبْح في مُعامَلَته ثمَّ تعْمل غَيره. وَأن تعرف قدر غَضَبه ثمَّ تتعرّض لَهُ، وأن تذوق ألم الوحشة في مَعْصِيَته ثمَّ لا تطلب الأنس بِطاعَتِهِ. وَأن تذوق عصرة القلب عند الخَوْض في غير حَدِيثه، والحَدِيث عَنهُ ثمَّ لا تشتاق إلى انْشِراح الصَّدْر بِذكرِهِ ومناجاته. وَأن تذوق العَذاب عند تعلق القلب بِغَيْرِهِ ولا تهرب مِنهُ إلى نعيم الإقبال عَلَيْهِ والإنابة إلَيْهِ. وأعجب من هَذا علمك أنَّك لا بد لَك مِنهُ، وأنَّك أحْوج شَيْء إلَيْهِ، وأنت عَنهُ معرض، وفِيما يبعدك عَنهُ راغِب. (فصل: في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه) قال الله سبحانه: ﴿ياأيّها النّاسُ أنتُمُ الفُقَرَآءُ إلى اللهِ واللهُ هو الغَنِيّ الحَمِيدُ﴾ بيَّن سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيًا حميدًا أمر ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير: فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ؎والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازم أبدًا ∗∗∗ كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتي فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة، وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك، إذ ما بالذات لا يعلل، فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته، فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهي أدلة على الفقر لا أسباب له، ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلمون، فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان، والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث، والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل الحاجة والافتقار، وفقر العالم إلى الله - عز وجل - أمر ذاتي لا يعلل، فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته، ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر. والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه - عز وجل -، كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غنى حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي، والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي، فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرًا، ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيًا، كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدًا والرب إلا ربًا. إذا عرف هذا فالفقر فقران: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبرّ ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضي مدحًا ولا ذمًا ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا. والفقر الثاني فقر اختياري هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما معرفة العبد بربه، والثاني معرفته بنفسه. فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا له فقرًا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التامّ والحكمة عرف نفسه بالجهل، فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئًا ولا يقدر على عطاءٍ ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء ألبتة، فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كما له أمرًا مشهودًا محسوسًا لكل أحد، ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها. وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبدًا فقيرًا بذاته إلى بارئه وفاطره. فلما أسبغ عليه نعمته، وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرًا وباطنًا، وخلع عليه ملابس إنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلمه وأقدره وصرفه وحركه، ومكنه من استخدام بني جنسه، وسخر له الخيل والإبل، وسلطه على دواب الماءِ، واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية، حفر الأنهار، وغرس الأشجار، وشق الأرض، وتعلية البناءِ، والتحيل على مصالحه، والتحرز والتحفظ لما يؤذيه، ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، وادعى لنفسه ملكًا مع الله سبحانه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأُولى، ونسى ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة، حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخصًا آخر غيره. كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يومًا في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: "قال اللهُ تعالى: يا ابن آدمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنَ وللأرْضِ مِنكَ وئِيد، فَجَمَعْتَ ومَنعْتَ حَتّى إذا بَلَغْتَ التَّراقي، قُلْتَ: أتَصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصَّدَقَةِ"، ومن هاهنا خذل من خذل ووفق من وفق، فحجب المخذول عن حقيقته ونسى نفسه فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وبغى وعتا فحقت عليه الشقوة، قال تعالى: ﴿كَلاّ إنّ الإنسانَ لَيَطْغىَ أن رّآهُ اسْتَغْنىَ﴾ [العلق: ٦-٧] وقال: ﴿فَأمّا مَن أعْطىَ واتّقىَ وصَدّقَ بِالحُسْنىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرىَ وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنىَ وكَذّبَ بِالحُسْنىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرىَ﴾ [الليل: ٥-١٠] فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ولهذا كان من دعائه ﷺ: "أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك"، وكان يدعو: "يا مقلِّب القُلُوبِ ثَبِّتْ قلبِي عَلى دينك". يعلم ﷺ أن قلبه بيد الرحمن عَزَّ وجَلَّ لا يملك منه شيئًا، وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاءُ كيف وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أن ثَبّتْناكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فضرورته ﷺ إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده. وهذا أمر إنما بدا منه لمن بعده ما يرشح من ظاهر الوعاءِ، ولهذا كان أقرَبَ الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم عنده جاهًا وأرفعهم عنده منزلة، لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه عز وجل، وكان يقول لهم: "أيها النّاسُ، ما أُحبُّ أنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنزِلَتِي إنَّما أنا عَبْدُ"، وكان يقول: "لا تُطْرونِي كَما أطْرَتِ النصارى المسيح ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". (فصل: في تفسير الفقر ودرجاته) وقوله: "الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات"، فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى، والأُولى كالوسيلة إليها، لأن في الدرجة الأولى يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غير محابه، وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال. فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله وخلوص الوداد والمحبة، فيصبح ويمسى ولا هم له غير ربه، قد قطع همه بربه عنه جميع الهموم وعطلت إرادته جميع الإرادات ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه، كما قيل: ؎لقد كان يسبى القلب في كل ليلة ∗∗∗ ثمانون بل تسعون نفسًا وأرجح ؎يهيم بهذا ثم يأْلف غيره ∗∗∗ ويسلوهم من فوره حين يصبح ؎وقد كان قلبي ضائعًا قبل حبكم ∗∗∗ فكان بحب الخلق يلهو ويمرح ؎فلما دعا قلبي هواك أجابه ∗∗∗ فلست أراه عن خبائك يبرح ؎حرمت الأمانى منك إن كنت كاذبًا ∗∗∗ وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح ؎وإن كان شيء في الوجود سواكم ∗∗∗ يقرَّ به القلب الجريح ويفرح ؎إذا لعبت أيدي الهوى بمحبكم ∗∗∗ فليس له عن بابكم متزحزح ؎فإن أدركته غربة عن دياركم ∗∗∗ فحبكم بين الحشا ليس يبرح ؎وكم مشتر في الخلق قد سام قلبه ∗∗∗ فلم يره إلا لحبك يصلح ؎هوى غيركم نار تلظى ومحبس ∗∗∗ وحبكم الفردوس أو هو أفسح ؎فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم ∗∗∗ ويا رحمة مما يجول ويكدح والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله، فهو إناءٌ واحد والأشربة متعددة، فأى شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره، وإنما يمتليء الإناءُ بأعلى الأشربة إذا صادفه خاليًا، فأما إذا صادفه ممتلئًا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه، كما قال بعضهم: ؎أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ∗∗∗ فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة، لأن كل شراب فمسكر ولا بد، و"ما أسكر كثيره فقليله حرام"، وأين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر، وكيف يوضع شراب التسليم -الذي هو أعلى أشربة المحبين -فى إناءٍ ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق، ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة، ولكن رضى المسكين بالدون، وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة خاسر مغبون، فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون، وخسر المبطلون. (فصل: في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله) وإذا كان التلوث بالأعراض قيدًا يقيد القلوب عن سفرها إلى بلد حياتها ونعيمها الذي لا سكن لها غيره، ولا راحة لها إلا فيه، ولا سرور لها إلا في منازله، ولا أمن لها إلا بين أهله، فكذلك الذي باشر قلبه روح التألة، وذاق طعم المحبة، وآنس نار المعرفة، له أعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة صريح الحق، وصحة الاضطرار إليه والفناءِ التام به، والبقاءِ الدائم بنوره الذي هو المطلوب من السير والسلوك، وهو الغاية التي شمر إليها السالكون، والعلم الذي أمَّه العابدون ودندن حوله العارفون، فجميع ما يحجب عنه أو يقيد القلب نظره وهمه يكون حجابًا يحجب الواصل ويوقف السالك وينكس الطالب، فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعين تعين الواجب الذي لا بد منه، وهو كزهد السالك إلى الحج في الظلال والمياه التي يمر بها في المنازل، فالأول مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض، والثاني مقيد عن النهايات برؤية الأحوال، فتقيد كل منهما عن الغاية المطلوبة، وترتب على هذا القيد عدم النفوذ، وذلك مؤخر مخلف. وإذا عرف العبد هذا وانكشف له علمه تعين عليه الزهد في الأحوال والفقر منها، كما تعين عليه الزهد في المال والشرف وخلو قلبه منهما. (فصل: في تقسيم الغنى إلى عال وسافل) ولما كان الفقر إلى الله عز وجل هو عين الغنى به - فأفقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم له أعزهم، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله - كأن ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين، فنذكر فصلًا نافعًا في الغنى العالي. واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا لله الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع، وكما أن كونه مخلوقًا أمر ذاتي له، فكونه فقيرًا أمر ذاتي له كما تقدم بيانه، وغناه أمر نسبى إضافى عارض له، فإنه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غنى به فقير إليه، ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته، فهو الغني بذاته عما سواه، وهو الأحد الصمد الغني الحميد. والغنى قسمان: غنى سافل، وغنى عال. فالغنى السافل الغنى بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهذا أضعف الغنى، فإنه غنى بظل زائل، وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها، فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها، وكَأن الغنى بها كان حلمًا فانقضى، ولا همة أضعف من همة من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل. وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون، وإياه يطلبون، وحوله يحومون، ولا أحب إلى الشيطان وأبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده. قال بعض السَلَف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياءَ: مؤمن قتل مؤمنًا، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر. وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله، وفقر بعده، وهو كالغفوة بينهما. فحقيق بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه، بل إذا حصل له جعله سببًا لغناه الأكبر وسيلة إليه، ويجعله خادمًا من خدمه لا مخدومًا له، وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبِّدها لغير مولاه الحق، أو يجعلها خادمة لغيره. (فصل: في الغنى العالي) أما الغنى العالي فقال شيخ الإسلام: "هو على ثلاث درجات: الدرجة الأُولى: غنى القلب، وهو سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة، والدرجة الثانية غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ، وبراءَتها من المراءاة. والدرجة الثالثة: الغنى الحق وهو ثلاث مراتب: الأُولى شهود ذكره إياك، والثانية: دوام مطالعة أوليته، والثالثة: الفوز بوجوده". قلت: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"، ومتى استغنت النفس استغنى القلب، ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقة فقال: "غنى القلب سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة ومعلوم أن هذا شرط في الغنى، لا أنه نفس الغنى، بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى، فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب، لا أن غناه بها نفسها، وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سيأتي بيانه إن شاءَ الله، فالغنى إنما يصير غنيًا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته. وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غنى سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح، والله المستعان. وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغها إلى درجة الطمأْنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب، وصلاح النفس متقدم على صلاح القلب هكذا قيل، وفيه ما فيه، لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر. ولكن لما كان القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم، وقد قال النبي ﷺ: "إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ لَها سائِرُ الجَسَدِ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ لَها سِائِرُ الجَسَدِ، ألا وهِى القلب"، والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأُمراءِ والرعية خلعًا تناسبها، فخلع على النفس خلع الطمأْنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدت الحقوق سماحة لا كظمًا بانشراح ورضا ومبادرة، وذلك لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته في أكثر أُموره، واتحد مرادهما غالبًا فصارت له وزير صدق، بعد أن كانت عدوًا مبارزًا بالعداوة، فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأْنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل الجنة. هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن متوار، لولا قوة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح، فالمرابطة على ثغري الظاهر والباطن فرض متعين مدة أنفاس الحياة. ؎وتنقضي الحرب محمودًا عواقبها ∗∗∗ للصابرين، وحظ الهارب الندم وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهاءِ، وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة، وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغض عن المحارم، وعلى الأُذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعُه للعبد في معاشه ومعاده، وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة وأيد، وعلى الفرج خلعة العفة والحفظ. فغدا العبد وراح يرفل في هذه الخلع ويجر لها في الناس أذيالًا وأردانا. فغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه، فإذا استغنى سرى الغنى منه إلى النفس. وغنى القلب ما يناسبه من تحقيقه بالعبودية المحضة التي هي أعظم خلعة تخلع عليه، فيستغنى حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة والمحبة الناصحة الخالصة، وبما يحصل له من آثار الصفات المقدسة وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة على الانفراد ومجموعها قائمة بالذات، وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار بل حظ العبد منه علمًا وإرادة كما يدخل إصبعه في اليم، بل الأمر أعظم من ذلك. والله عز وجل: ﴿أنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧]، فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره استغنت النفس غنى يناسبها، وذهبت عنها البرودة التي ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض وصارت لها حرارة توجب حركتها وخفتها في الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى، وصارت برودتها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها وذهبت أيضًا عنها اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها، فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد تنقاد، فإذا صارت برودتها حرارة، وبوبستها رطوبة وسقيت بماءِ الحياة الذي أنزله الله عَزَّ وجَلَّ من السماء على قلوب أنبيائه وجعلها قرارًا ومعينًا له ففاض منها على قلوب أتباعهم فأنبتت من كل زوج كريم، فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له بكمال طمأْنينتها: ﴿يَأيّتُها النّفْسُ المُطْمَئِنّةُ ارْجِعِي إلىَ رَبّكِ راضِيَةً مّرْضِيّةً﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]. (فصل: فيما يغني القلب ويسدُ الفاقة) إذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة، ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا، ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]، وقال سبحانه: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [الأحقاف: ١٣]. وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى، وهو الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه، وهي أعلى درجات الغنى. فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عَزَّ وجَلَّ إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداءً قبل وجودك وطاعتك وذكرك، فقدر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئًا ألبتة، وذكرك سبحانه بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قط، وإنما هو الذي أهلك بسابق ذكره، فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكه لم يكن لك إليه سبيل، ومن الذي ذكرك سواه باليقظة حتى استيقظت وغيرك في رقدة الغفلة مع النوام؟ ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها، وأوقعها في قلبك، وبعث دواعيك عليها، وأحيى عزماتك الصادقة عليها، حتى تُبْتَ إليه وأقبلت عليه، فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها؟ ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعجها وتوجهت نحوه سبحانه ركائبها، وعمر قلبك بمحبته بعد طول الخراب، وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب ومن تقرب إليك أولًا حتى تقربت إليه، ثم أثابك على هذا التقرب تقربًا آخر فصار التقرب منك محفوفًا بتقربين منه تعالى: تقرب بعده وتقرب قبله، والحب منك محفوفًا بحبين منه: حب قبله وحب بعده، والذكر منك محفوفًا بذكرين: ذكر قبله وذكر بعده، فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه، فهذه كلها آثار ذكره لك، ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس، فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة ذكرك بها قبل وجودك، وتعرف بها إليك وتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء، وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده، إذ هو الجواد المفضل المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاءٍ منك ولا لحاجة دعته إلى ذلك كيف وهو الغني الحميد، فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها، فلتعظم عندك لذكره لك بها، فإنه ما حقرك من ذكرك بإحسانه وابتدأك بمعروفه وتحبب إليك بنعمته، هذا كله مع غناه عنك. فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له، ووصل شاهده إلى قلبه شغله ذلك عما سواه، وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبهه شيء، وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أُستاذه وسيده يذكره ولا ينساه، فهو يحصل له - بشعوره بذكر أُستاذه له - غنى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له، فهذا هو غنى ذكر الله للعبد. وقد قال ﷺ، فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى: "مَن ذَكرَنِي في نفسه ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلأٍ ذَكرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنهُ" فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول الذي ذكره به حتى جعله ذاكرًا، وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى زائدًا على إنعام ربه عليه وعطاياه له، وقد ذكرنا في كتاب - الكلم الطيب والعمل الصالح - من فوائد الذكر استجلاب ذكر الله سبحانه لعبده، وذكرنا قريبًا من مائة فائدة تتعلق بالذكر كل فائدة منها لا نظير لها، وهو كتاب عظيم النفع جدًا. والمقصود أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغنى قلبه ويسد فاقته، وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم، فإن الفقر من كل خير حاصل لهم، وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم. (فصل: في بيان الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عَزَّ وجَلَّ) الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عَزَّ وجَلَّ دوام شهود أوَّليته تعالى، وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى مما قبله، والغنى به أتم من الغنى المذكور، لأنه من مبادئ الغنى بالحقيقة، لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه حيث كان ولا شيء غيره، وهو الإلَه الحق الكامل في أسمائه وصفاته، الغني عما سواه، الحميد المجيدُ بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده، فهو معبود محمود حي قيوم له الملك وله الحمد في الأزل والأبد، لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، وكل شيء سواه فإنما كان به، وهو تعالى بنفسه ليس بغيره فهو القيوم الذي قيام كل شيء به، ولا حاجة به في قيوميته إلى غيره بوجه من الوجوه. فإذا شهد العبد سبقه تعالى بالأولية ودوام وجوده الحق وغاب بهذا عما سواه من المحدثات فنى في وجوده من لم يكن كأنه لم يكن وبقي من لم يزل، واضمحلت الممكنات في وجوده الأزلى الدائم بحيث صارت كالظلال التي يبسطها ويمدها ويقبضها، فيستغنى العبد بهذا المشهد العظيم ويتغذى بها عن فاقاته وحاجاته. وإنما كان هذا عندهم أفضل مما قبله لأن الشهود الذي قبله فيه شائبة مشيرة إلى وجود العبد، وهذا الشهود الثاني سائر الموجودات كلها سوى الأول تعالى قد اضمحلت وفنيت فيه، وصارت كأوليتها وهو العدم، فأفنتها أولية الحق تبارك وتعالى، فبقى العبد محوًا صرفًا وعدمًا محضًا، وإن كانت انيته مشخصة مشارًا إليها لكنها لما نسبت إلى أولية الحق عَزَّ وجَلَّ اضمحلت وفنيت وبقى الواحد الحق الذي لم يزل باقيًا، فاضمحل ما دون الحق تعالى في شهود العبد كما هو مضمحل في نفسه، وشهد العبد حينئذ أن كل شيء ما سواى الله باطل، وأن الحق المبين هو الله وحده، ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود دائم من الغنى بالذي قبله، وليس هذا مختصًا بشهود أوليته تعالى فقط بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب جل جلاله يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها. فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز. فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والمصرف - من الإماتة والإحياءِ والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاءِ والمنع وكشف البلاءِ وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس - إلى غير ذلك من التصرف في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه، فمراسمه نافذة كما يشاءُ ﴿يُدَبّرُ الأمْرَ مِنَ السّمَآءِ إلى الأرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ﴾ [السجدة: ٥] فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به. وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال بل أحاط بذلك علمه علمًا تفصيليًا ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية لا يخفى عليه منها شيء. وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه تبارك وتعالى لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها وسواء عنده من أسرّ القول ومن جهر به لا يشغله جهرُ من جهرَ عن سمعه لصوت من أسرّ ولا يشغله .. سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها بل هي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة وكذلك .. إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها وعروقها ولحمها وحركتها ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاتها وسكناتها وتيقن أنها بمرأى منه تبارك وتعالى ومشاهدة لا يغيب عنه منها شئ وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال وأنه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن إليه وجزاء المسيء إليه وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يضل ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين، وهو مشهد الربوبية. وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء، وهو شهادة أن لا إله إلا هو وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه كذلك فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد، ويصلي له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده، وله الحكم وحده، فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى لغيره فقر وفاقة، وكل عز بغيره ذل وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وذلة، فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات وتوجهت نحوه الطلبات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإن الإله على الحقيقة هو الغني الصمد الكامل في أسمائه وصفاته الذي حاجة كل أحدٍ إليه] ولا حاجة به إلى أحد، وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره، ومن المحال أن يحصل في الوجود اثنان كذلك، ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظم فساد واختل أعظم اختلال، كما أنه يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل، فإن استقلالهما ينافي استقلالهما واستقلال أحدهما يمنع ربوبية الآخر فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، وذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره، لصحة دلالته وظهورها وقبول العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية ويقولون: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥]، مع اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم وللسموات والأرض وما بينهما، وأنه المنفرد بملك ذلك كله، فأرسل الله تعالى الرسل يذكر بما في فطرهم الإقرار به من توحيده وحده لا شريك له وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه واستحالته وبطلانه، فمشهد الأُلوهية هو مشهد الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله جل جلاله، فإن هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماءُ الحسنى كلها إليه فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماءِ الرحمن، قال الله تعالى: ﴿وَللهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد سواه، فإنما هو مشهد لصفة من صفاته، فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله الحق، وصار من أغنى العباد، ولسان حال مثل هذا يقول: ؎غنيت بلا مال عن الناس كلهم ∗∗∗ وإن الغنى العالي عن الشيء لا به فياله من غنى ما أعظم خطره وأجل قدره، تضاءَلت دونه الممالك فما دونها، وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له، والطيف الموافى في المنام الذي يأتى به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم. (فصل: في بيان الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب) الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب جل جلاله الفوز بوجوده، هذا الغنى بالغ أعلى درجات الغنى، لأن الغنى الأول والثاني كانا من آثار ذكر الله والتوجه إليه، ففاض على القلب من صدق التوجه أنوار الصفات المقدسة، واستغنى القلب بذلك وحصل أيضًا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده وحسن وكالته وقيوميته بتدبيره وحسن تدبيره فاستغنت النفس بذلك أيضًا. وأما هذا الغنى الثالث - الذي هو الغنى بالحق - فهو من آثار وجود الحقيقة، وهو إنما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات، وإنما يكون هذا الوجود بعد مكاشفة عين اليقين عندما يطلع فجر التوحيد، فهذا أوله وكماله عند طلوع شمسه فينقطع ضباب الوجود الفاني وتشرق شمس الوجود الباقى فينقطع لها كل ضباب، وهذا عبارة عن نور يقذف في القلب يكشف له بذلك النور عن عظمة الذات كما كشف له بالنور الذي قبله عن عظمة الصفات، فإذا كان أثر من آثار صفات الذات أو صفات الأفعال يغنى القلب والنفس فما ظنك بما تكاشف به الأرواح من أنوار قدس الذات المتصفة بالجلال والإكرام فهذا غنى لا يناله الوصف ولا يدخل تحت الشرح فيستغنى العبد الفقير بوجود سيده العزيز الرحيم، فيا لك من فقر ينقضى ومن غنى يدوم ومن عيش ألذ من المنى، فلا تستعجز نفسك عن البلوغ إلى هذا المقام فبينك وبينه صدق الطلب، وإنما هي عزمة صادقة ونهضة حر ممن لنفسه عنده قدر وقيمة يغار عليها أن يبيعها بالدون، وقد جاءَ في أثر إلهي يقول الله عَزَّ وجَلَّ: "ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ لِنَفْسِي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبنى تجدني فَإن وجدتَنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيءٍ، وإنْ فُتَّكَ فاتَكَ كُل شَيءٍ، وأنا أحَبُّ إلَيْكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ"، فمن طلب الله بصدق وجده، ومن وجده أغناه وجوده عن كل شيء، فأصبح حرًا في غنى ومهابة على وجهه أنواره وضياؤه، وإن فاته مولاه جل جلاله تباعد ما يرجو وطال عناؤه، ومن وصل إلى هذا الغنى قرت به كل عين لأنه قد قرت عينه بالله والفوز بوجوده، ومن لم يصل إليه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وقد قال ﷺ: "مَن أصْبَحَ والدُّنْيا أكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وشَتَّتَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلا ما قُدِّرَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ والآخِرَةُ أكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ غِناهُ في قَلْبِهِ، وجَمَعَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهِى راغِمَةٌ، وكانَ اللهُ بِكُلِّ خَيْرٍ إليهِ أسْرَعُ"، فهذا هو الفقر الحقيقى والغنى الحقيقي، وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرة أكبر همه فكيف من كان الله - عز وجل - أكبر همه، فهذا من باب التنبيه والأولى. (فصل: في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى) قال يحيى بن معاذ: الفقر أن لا تستغني بشيء غير الله ورسمه عدم الأسباب كلها. قلت: يريد عدمها في الاعتماد عليها والطمأْنينة بها، بل تصير عدمًا بالنسبة إلى سبق مسببها بالأوَلية، وتفرده بالأزلية. وسئل محمد بن عبد الله الفرغانى عن الافتقار إلى الله تعالى والاستغناء به فقال: إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناءُ به، وإذا صح الاستغناءُ به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر. قلت: الاستغناءُ بالله هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد، لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به، فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه، فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى "غنى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرًا" بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على الله - عز وجل -، فهي همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير غنى، وسفرها إلى الله فقر، فإذا وصلت إليه استغنت به بكمال فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول فقر آخر غير فقرها الأول، وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول. وسئل رويم عن الفقر فقال: إرسال النفس في أحكام الله تعالى. قلت: إن أراد الحكم الديني فصحيح، أو إن أراد الحكم الكونى القدرى فلا يصح هذا الإطلاق بل لا بد فيه من التفصيل كما تقدم بيانه. وإرسال النفس في أحكامه التي يسخطها ويبغضها، وإرسالها في أحكامه التي يجب منازعتها ومدافعتها بأحكامه خروج عن العبودية. وقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياءَ: حفظ سره، وأداءُ فرضه وصيانة فقره .. قلت: حفظ السر كتمانه صيانة له من الأغيار، وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمن عليه. وأداءُ الفرض قيام بحق العبودية وصيانة الفقر حفظه عن لوث مساكنة الأغيار، وحفظه عن كل سبب يفسده وكتمانه ما استطاع. وقال إبراهيم بن أدهم: طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى، وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر. وسئل يحيى بن معاذ عن الغنى فقال: هو الأمن بالله عَزَّ وجَلَّ. وسئل أبو حفص: بماذا ينبغي أن يقدم الفقير على ربه؟ فقال: ما ينبغي للفقير أن يقدم على ربه بشيء سوى فقره. وقال بعضهم: إن الفقير الصادق ليخشى من الغنى حذرًا أن يدخله فيفسد عليه فقره، كما يخشى الغني الحريص من الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه. وقال بشر بن الحارث: أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر. قلت: ومن هاهنا قال القائل: ؎قالوا: غدا العيد ماذا أنت لابسه؟ ∗∗∗ فقلت: خلعة ساق رحبه جرعا ؎فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ∗∗∗ قلب يرى أُلفة الأعياد والجمعا ؎الدهر لي مأْتم إن غبت يا أملي ∗∗∗ والعيد ما دمت لي مرَأى ومستمعا وسئل ابن الجلاءِ: متى يستحق الفقير اسم الفقر؟ فقال: إذا لم يبق عليه بقية منه. فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له. قلت: معنى هذا أنه لا يبقى عليه بقية من نفسه، فإذا كان لنفسه فليس لها بل قد أضاع حقها وضيع سعادتها وكمالها. وإذا لم يكن لنفسه بل كان كله لربه فقد أحرز كل حظ له وحصل لنفسه سعادتها فإنه إذا كان لله كان الله له، وإذا لم يكن لله لم يكن الله له فكيف تكون نفسه له؟ فهذا من الذين خسروا أنفسهم. وقيل: حقيقة الفقر أن لا يستغنى الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره. وقال أبو حفص: "أحسن ما توسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال، وملازمة السنة في جميع الأفعال، وطلب القوت من وجه حلال". وقال بعضهم: "ينبغي للفقير أن لا تسبق همته خطوته". قلت: يشير إلى تعلق همته بواجب وقته، وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل إكماله. وأيضًا يشير إلى قصر أمله، وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحدّث نفسه ببلوغه وأيضًا يشير إلى جمع الهمة على حفظ الوقت، وأن لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات. وقيل: أقل ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياءَ: علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه. وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربى: إنما هو فقر وذل. فقال منصور: بل فقر وعز. فقال أبو سهل: فقر وثرى، فقال منصور: بل فقر وعرش. قلت: أشار أبو سهل إلى البداية ومنصور إلى الغاية. وقال الجنيد: إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم، فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه. فقلت: يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: نعم، الفقير إذا كان صادقًا في فقره، فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص في النار. وقال أبو المظفر القرميسينى: الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة. قال أبو القاسم القشيرى: وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم، وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاءِ الاختيار، والرضى بما يجريه الحق سبحانه بتارك وتعالى. قلت: وبعد فهو كلام مستدرك خطأٌ فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس إذ حاجته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاءِ في حاجة هذا العبد كتفلة في بحر، فإن حاجته إلى الله في كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه في مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على تركها ويجتنبها، فأي حاجات أكثر وأعظم من هذه؟ فالصواب أن يقال: الفقير هو الذي حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبد له في كل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها، فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها، وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة على أن منها كل بد فيقال: هو الذي لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء، وأما أن يقال لا حاجة له إلى الله فشطح قبيح. وأما حمل أبِي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاءِ الاختيار والرضى بمجارى الأقدار فإنما يحسن في بعض الحالات، وهو في القدر الذي يجرى عليه، بغير اختياره ولا يكون مأْمورًا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم. وأما إذا كان مأْمورًا بدفعه ومنازعته بقدر هو أحب إلى الله منه - وهو مأْمور به أمر إيجاب أو استحباب - فإسقاط المطالبات وانتفاءُ الاختيار فيه والسعي عين العجز، والله تعالى يلوم على العجز. وقال ابن خفيف: الفقر عدم الأملاك، والخروج عن أحكام الصفات، قلت: يريد عدم إضافة شيء إليه إضافة ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي توجب له دعوى الملك والتصرف والإضافات ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجب له العجز والفقر والفاقة، كما في دعاءِ الاستخارة: "اللَّهم إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب"، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس. وقال أبو حفص: لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاءُ أحب إليه من الأخذ وليس السخاءُ أن يعطي الواجدُ المعدمَ، وإنما السخاءُ أن يعطي المعدمُ الواجدَ. وقال بعضهم: الفقير الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه تبارك وتعالى. وسئل سهل بن عبد الله: متى يستريح الفقير؟ فقال: إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه. وقال أبو بكر ابن طاهر: من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة، وإن كان لا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وسئل بعضهم عن الفقير الصادق فقال: الذي لا يَملك ولا يُملك وقال ذو النون: دوام الفقر إلى الله مع التخليط أحب إلى من دوام الصفاء مع العجب والله أعلم.

فاطر 35:22

وأما قوله تعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ فسياق الآية يدل على أن المراد منها أن الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به، كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا ألبتة، كيف وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنهم يسمعون خفق نعال المشيعين. وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع، وأخبر أن من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام.

فاطر 35:28

فالعُلَماءُ بِهِ وبِأمْرِهِ هم أهْلُ خَشْيَتِهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ «أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً». (فصل) (الوَجَلُ) و(الخَوْفُ) و(الخَشْيَةُ) و(الرَّهْبَةُ) ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ غَيْرُ مُتَرادِفَةٍ، قالَ أبُو القاسِمِ الجُنَيْدُ: الخَوْفُ تَوَقُّعُ العُقُوبَةِ عَلى مَجارِي الأنْفاسِ. وَقِيلَ: الخَوْفُ اضْطِرابُ القَلْبِ وحَرَكَتُهُ مِن تَذَكُّرِ المَخُوفِ. وَقِيلَ: الخَوْفُ قُوَّةُ العِلْمِ بِمَجارِي الأحْكامِ، وهَذا سَبَبُ الخَوْفِ، لا أنَّهُ نَفْسُهُ وَقِيلَ: الخَوْفُ هَرَبُ القَلْبِ مِن حُلُولِ المَكْرُوهِ عِنْدَ اسْتِشْعارِهِ. و(الخَشْيَةُ) أخَصُّ مِنَ الخَوْفِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ لِلْعُلَماءِ بِاللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَهي خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي أتْقاكم لِلَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً». فالخَوْفُ حَرَكَةٌ، والخَشْيَةُ انْجِماعٌ، وانْقِباضٌ وسُكُونٌ، فَإنَّ الَّذِي يَرى العَدُوَّ والسَّيْلَ ونَحْوَ ذَلِكَ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: حَرَكَةٌ لِلْهَرَبِ مِنهُ، وهي حالَةُ الخَوْفِ. والثّانِيَةُ: سُكُونُهُ وقَرارُهُ في مَكانٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ فِيهِ، وهي الخَشْيَةُ، ومِنهُ: انْخَشى الشَّيْءُ، والمُضاعَفُ والمُعْتَلُّ أخَوانِ، كَتَقَضِّي البازِيِّ وتَقَضَّضَ. وَأمّا الرَّهْبَةُ فَهي الإمْعانُ في الهَرَبِ مِنَ المَكْرُوهِ، وهي ضِدُّ الرَّغْبَةِ الَّتِي هي سَفَرُ القَلْبِ في طَلَبِ المَرْغُوبِ فِيهِ. وَبَيْنَ الرَّهَبِ والهَرَبِ تَناسُبٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، يَجْمَعُهُما الِاشْتِقاقُ الأوْسَطُ الَّذِي هو عَقْدُ تَقالِيبِ الكَلِمَةِ عَلى مَعْنًى جامِعٍ. وَأمّا الوَجَلُ فَرَجَفانُ القَلْبِ، وانْصِداعُهُ لِذِكْرِ مَن يُخافُ سُلْطانُهُ وعُقُوبَتُهُ، أوْ لِرُؤْيَتِهِ. وَأمّا الهَيْبَةُ فَخَوْفٌ مُقارِنٌ لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ مَعَ المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ. والإجْلالُ: تَعْظِيمٌ مَقْرُونٌ بِالحُبِّ. فالخَوْفُ لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ، والخَشْيَةُ لِلْعُلَماءِ العارِفِينَ، والهَيْبَةُ لِلْمُحِبِّينَ، والإجْلالُ لِلْمُقَرَّبِينَ، وعَلى قَدْرِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ يَكُونُ الخَوْفُ والخَشْيَةُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي لَأعْلَمُكم بِاللَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً» وَفِي رِوايَةٍ " خَوْفًا " وقالَ «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى». فَصاحِبُ الخَوْفِ يَلْتَجِئُ إلى الهَرَبِ، والإمْساكِ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ يَلْتَجِئُ إلى الِاعْتِصامِ بِالعِلْمِ، ومَثَلُهُما مَثَلُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالطِّبِّ، ومَثَلُ الطَّبِيبِ الحاذِقِ، فالأوَّلُ يَلْتَجِئُ إلى الحِمْيَةِ والهَرَبِ، والطَّبِيبُ يَلْتَجِئُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالأدْوِيَةِ والأدْواءِ. قالَ أبُو حَفْصٍ: الخَوْفُ سَوْطُ اللَّهِ، يُقَوِّمُ بِهِ الشّارِدِينَ عَنْ بابِهِ، وقالَ: الخَوْفُ سِراجٌ في القَلْبِ، بِهِ يُبْصَرُ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكُلُّ أحَدٍ إذا خِفْتَهُ هَرَبْتَ مِنهُ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّكَ إذْ خِفْتَهُ هَرَبْتَ إلَيْهِ. فالخائِفُ هارِبٌ مِن رَبِّهِ إلى رَبِّهِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ما فارَقَ الخَوْفُ قَلْبًا إلّا خَرِبَ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ سُفْيانَ: إذا سَكَنَ الخَوْفُ القُلُوبَ أحْرَقَ مَواضِعَ الشَّهَواتِ مِنها، وطَرَدَ الدُّنْيا عَنْها، وقالَ ذُو النُّونِ: النّاسُ عَلى الطَّرِيقِ ما لَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ الخَوْفُ، فَإذا زالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، وقالَ حاتِمٌ الأصَمُّ: لا تَغْتَرَّ بِمَكانٍ صالِحٍ، فَلا مَكانَ أصْلَحُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَقِيَ فِيها آدَمُ ما لَقِيَ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِبادَةِ، فَإنَّ إبْلِيسَ بَعْدَ طُولِ العِبادَةِ لَقِيَ ما لَقِيَ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِلْمِ، فَإنَّ بَلْعامَ بْنَ باعُورا لَقِيَ ما لَقِيَ وكانَ يَعْرِفُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، ولا تَغْتَرَّ بِلِقاءِ الصّالِحِينَ ورُؤْيَتِهِمْ، فَلا شَخْصَ أصْلَحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِلِقائِهِ أعْداؤُهُ والمُنافِقُونَ. والخَوْفُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، بَلْ هو مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ قَصْدَ الوَسائِلِ، ولِهَذا يَزُولُ بِزَوالِ المَخُوفِ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والخَوْفُ يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ، والمَحَبَّةُ تَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ والصِّفاتِ، ولِهَذا تَتَضاعَفُ مَحَبَّةُ المُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ إذا دَخَلُوا دارَ النَّعِيمِ، ولا يَلْحَقُهم فِيها خَوْفٌ، ولِهَذا كانَتْ مَنزِلَةُ المَحَبَّةِ ومَقامُها أعْلى وأرْفَعَ مِن مَنزِلَةِ الخَوْفِ ومَقامِهِ. والخَوْفُ المَحْمُودُ الصّادِقُ: ما حالَ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ مَحارِمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَإذا تَجاوَزَ ذَلِكَ خِيفَ مِنهُ اليَأْسُ والقُنُوطُ. قالَ أبُو عُثْمانَ: صِدْقُ الخَوْفِ هو الوَرَعُ عَنِ الآثامِ ظاهِرًا وباطِنًا. [فصل: مَن هو العالِمُ صاحِبُ الحَقِّ؟] واعْلَمْ أنَّ الإجْماعَ والحُجَّةَ والسَّوادَ الأعْظَمَ هو العالِمُ صاحِبُ الحَقِّ، وإنْ كانَ وحْدَهُ، وإنْ خالَفَهُ أهْلُ الأرْضِ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ: صَحِبْت مُعاذًا بِاليَمَنِ، فَما فارَقْته حَتّى وارَيْته في التُّرابِ بِالشّامِ، ثُمَّ صَحِبْت مِن بَعْدِهِ أفْقَهَ النّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَسَمِعْته يَقُولُ: عَلَيْكم بِالجَماعَةِ، فَإنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الجَماعَةِ، ثُمَّ سَمِعْته يَوْمًا مِن الأيّامِ وهو يَقُولُ: سَيُوَلّى عَلَيْكم وُلاةٌ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها، فَصَلُّوا الصَّلاةَ لِمِيقاتِها؛ فَهي الفَرِيضَةُ، وصَلُّوا مَعَهم فَإنَّها لَكم نافِلَةٌ، قالَ: قُلْت يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ما أدْرِي ما تُحَدِّثُونَ، قالَ: وما ذاكَ؟ قُلْت: تَأْمُرُنِي بِالجَماعَةِ وتَحُضُّنِي عَلَيْها ثُمَّ تَقُولُ لِي: صَلِّ الصَّلاةَ وحْدَك وهي الفَرِيضَةُ، وصَلِّ مَعَ الجَماعَةِ وهي نافِلَةٌ قالَ: يا عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ قَدْ كُنْت أظُنُّك مِن أفْقَهِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، أتَدْرِي ما الجَماعَةُ؟ قُلْت: لا، قالَ: إنّ جُمْهُورَ الجَماعَةِ هم الَّذِينَ فارَقُوا الجَماعَةَ، الجَماعَةُ ما وافَقَ الحَقَّ وإنْ كُنْت وحْدَك، وفي لَفْظٍ آخَرَ: فَضَرَبَ عَلى فَخِذِي وقالَ: ويْحَك، إنّ جُمْهُورَ النّاسِ فارَقُوا الجَماعَةَ، وإنَّ الجَماعَةَ ما وافَقَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى. وَقالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ: إذا فَسَدَتْ الجَماعَةُ فَعَلَيْك بِما كانَتْ عَلَيْهِ الجَماعَةُ قَبْلَ أنْ تَفْسُدَ، وإنْ كُنْت وحْدَك، فَإنَّك أنْتَ الجَماعَةُ حِينَئِذٍ، ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ. وَقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ السَّوادُ الأعْظَمُ، فَقالَ: أتَدْرِي ما السَّوادُ الأعْظَمُ؟ هو مُحَمَّدُ بْنُ أسْلَمَ الطُّوسِيُّ وأصْحابُهُ. فَمُسِخَ المُخْتَلِفُونَ الَّذِينَ جُعِلُوا السَّوادَ الأعْظَمَ والحُجَّةَ والجَماعَةُ هم الجُمْهُورُ وجَعَلُوهم عِيارًا عَلى السُّنَّةِ، وجَعَلُوا السُّنَّةَ بِدْعَةً، والمَعْرُوفَ مُنْكَرًا لِقِلَّةِ أهْلِهِ وتَفَرُّدِهِمْ في الأعْصارِ والأمْصارِ، وقالُوا: مَن شَذَّ شَذَّ اللَّهُ بِهِ في النّارِ، وما عَرَفَ المُخْتَلِفُونَ أنَّ الشّاذَّ ما خالَفَ الحَقَّ وإنْ كانَ النّاسُ كُلُّهم عَلَيْهِ إلّا واحِدًا مِنهم فَهم الشّاذُّونَ. وَقَدْ شَذَّ النّاسُ كُلُّهم زَمَنَ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إلّا نَفَرًا يَسِيرًا؛ فَكانُوا هم الجَماعَةُ، وكانَتْ القُضاةُ حِينَئِذٍ والمُفْتُونَ والخَلِيفَةُ وأتْباعُهُ كُلُّهم هم الشّاذُّونَ، وكانَ الإمامُ أحْمَدُ وحْدَهُ هو الجَماعَةُ، ولَمّا لَمْ يَتَحَمَّلْ هَذا عُقُولُ النّاسِ قالُوا لِلْخَلِيفَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أتَكُونُ أنْتَ وقُضاتُك ووُلاتُك والفُقَهاءُ والمُفْتُونَ كُلُّهم عَلى الباطِلِ وأحْمَدُ وحْدَهُ هو عَلى الحَقِّ؟ فَلَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُهُ لِذَلِكَ؛ فَأخَذَهُ بِالسِّياطِ والعُقُوبَةِ بَعْدَ الحَبْسِ الطَّوِيلِ؛ فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ، وهي السَّبِيلُ المَهْيَعُ لِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ حَتّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ، مَضى عَلَيْها سَلَفُهُمْ، ويَنْتَظِرُها خَلَفُهُمْ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. (فصل) قال عكرمة: "الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وكل مَن خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ " وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: "لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله" وقال ابن مسعود: "وكفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا" وقوله ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ يقتضي الحصر من الطرفين: أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها، وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك، فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني. فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقال: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ وقال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وقال: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ وقال موسى لفرعون: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاّ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ وقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ يعني القرآن أو محمدا ﷺ وقال: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والجحود إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن؟ قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته، وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين؟! وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار. وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل. وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل، وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه، فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه، ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضائه وقدره، ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها، ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار، بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتّباع الهوى، وإيثار الشهوات. وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده. فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل، فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد. (فصل: في مدح العلماء العاملين) ابن عيينة عن محمد بن المنكدر قال: "إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم". وقال سهل بن عبد الله: "من أراد أن ينظر إلى محاسن الأنبياء فلينظر إلى محاسن العلماء يجيء الرجل فيقول: يا فلان إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول: طلقت امرأته وهذا مقام للأنبياء فاعرفوا لهم ذلك". قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا". وقال ابن مسعود: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون"، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال حصين الأسدي: "إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر"، وعن الحسن والشعبي مثله. وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصفار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد يقول: سمعت أبي: يقول سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك ابن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله" وروى ذلك بنحوه عن ابن عباس. وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: "لا أحسنه فجعل الرجل يقول إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله لا أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا أعلم". وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما". وكان مالك بن أنس يقول: "من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرة". سئل عن مسألة فقال: "لا أدري" فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال: "ليس في العلم شيء خفيف ألم تسمع قوله جل ثناؤه: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. (فصل) اعلمْ أن من نالَ شَيْئا من شرف الدُّنْيا والآخِرَة فَإنَّما ناله بِالعلمِ. وتأمل ما حصل لآدم من تميزه على المَلائِكَة واعترافهم لَهُ بتعليم الله لَهُ الأسماء كلها، ثمَّ ما حصل لَهُ من تدارك المُصِيبَة والتعويض عَن سُكْنى الجنَّة بِما هو خير لَهُ مِنها بِعلم الكَلِمات الَّتِي تلقاها من ربه. وَما حصل ليوسف من التَّمْكِين في الأرض والعزة والعَظَمَة بِعِلْمِهِ بتعبير تِلْكَ الرُّؤْيا، ثمَّ علمه بِوُجُوه اسْتِخْراج أخيه من إخْوَته بِما يقرونَ بِهِ ويحكمون هم بِهِ حَتّى آل الأمر إلى ما آل إليه من العِزّ والعاقبَة الحميدة، وكَمال الحال الَّتِي توصل إليها بِالعلمِ، كَما أشار إليها سُبْحانَهُ في قَوْله ﴿كَذَلِك كدنا ليوسف ما كانَ ليَأْخُذ أخاه في دين الملك إلّا أن يَشاء الله نرفع دَرَجات من نشاء وفَوق كل ذِي علم عليم﴾ جاءَ في تَفْسِيرها نرفع دَرَجات من نشاء بِالعلمِ كَما رفعنا دَرَجَة يُوسُف على إخوته بِالعلمِ. وَقالَ في إبْراهِيم ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إبْراهِيم على قومه نرفع دَرَجات من نشاء﴾ فَهَذِهِ رفْعَة بِعلم الحجَّة، والأول رفْعَة بِعلم السياسة. وَكَذَلِكَ ما حصل للخضر بِسَبَب علمه من تلمذة كليم الرَّحْمَن لَهُ وتلطفه مَعَه في السُّؤال حَتّى قالَ ﴿هَل أتبعك على أن تعلمن مِمّا علمت رشدا﴾ وَكَذَلِكَ ما حصل لِسُلَيْمان من علم منطق الطير حَتّى وصل إلى ملك سبأ وقهر ملكتهم واحتوى على سَرِير ملكها، ودخولها تَحت طاعَته، ولذَلِك ﴿قالَ ياأيها النّاس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شَيْء إن هَذا لَهو الفضل المُبين﴾ وَكَذَلِكَ ما حصل لداود من علمه نسج الدروع من الوِقايَة من سلاح الأعداء، وعدد سُبْحانَهُ هَذِه النِّعْمَة بِهَذا العلم على عباده فَقالَ ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فَهَل أنتم شاكرون﴾ وَكَذَلِكَ ما حصل للمسيح من علم الكتاب والحكمَة والتوراة والإنجيل ما رَفعه الله بِهِ إليه وفضله وكَرمه، وكَذَلِكَ ما حصل لسَيِّد ولد آدم من العلم الَّذِي ذكره الله بِهِ نعْمَة عَلَيْهِ فَقالَ ﴿وَأنْزلْ الله عَلَيْك الكتاب والحكمَة وعلمك ما لم تكن تعلم وكانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾.

فاطر 35:32

قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة. أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق. وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا". (فائدة) وقال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ تلا قوله عز وجل: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ فقال: "إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" (فصل) وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ الآية. هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، أو يختص بالقسمين الأخيرين، وهما المقتصد والسابق دون الظالم، على قولين: فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أُم المؤمنين، قال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستون سنة فكلهم ناج، قال أبو داود الطيالسى: أنبأنا الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صبهان الهنائى قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومَنهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فقالت لي: يا بني، كل هؤلاء في الجنة، فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله يشهد له رسول الله بالخيرة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك. قال: فجعلت نفسها معنا. وقال ابن مسعود: هذه الأُمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يوم القيامة يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول الله: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا. فيقول الله: أدخلوهم في سعة رحمتى، وقال كعب: تحاذت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم وقال الحسن: السابقون من رجحت حسناتهم، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفت موازينه واحتجت هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل "مصطفين" وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد، ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين، لأن الاصطفاء هو الاختيار، وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره، فعلم أن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض: فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك. واحتجت أيضًا بآثار روتها تؤيد ما ذهب إليه: فمنها ما رواه سليمان الشاذكونى حدثنا حصين بن بهز عن أبى ليلى عن أخيه عن أبيه عن أُسامة بن زيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: كلهم في الجنة. ومنها ما رواه الطبراني: حدثنا أحمد بن حماد بن رعية، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة عن أحمد بن حازم المعافري عن صالح مولى التوأمة عن أبي الدرداءِ قال: قرأ النبي هذه الآية: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بإذنِ الله﴾ [فاطر: ٣٢]، فقال: أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم فيجلس في طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه. ومنها ما رواه زكريا الساجي عن الحسن بن على الواسطى عن أبي سعيد الخزاعي عن الحسن بن سالم عن سعد بن ظريف عن أبى هاشم الطائي قال: قدمت المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية، فجاءَ حذيفة فقال: ألا أُحدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ يقول: "يبعث الله تبارك وتعالى هذه الأُمة - أو كما قال - ثلاثة أصناف، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب والمقتصد يحاسب حسابًا يسيرًا، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله. ومنها ما رواه الطبراني عن محمد بن إسحاق بن راهوية: حدثنا أبي، حدثنا جرير عن الأعمش عن رجل سماه عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: {فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الآية ... قال: "السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة". ومنها ما رواه ابن لهيعة عن أبي جعفر عن يونس بن عبد الرحمن عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتاب الَّذِينَ اصطفيْنا مِن عِبادِنا - إلى قوله -سابقٌ بِالخَيْرات﴾ [فاطر: ٣٢]، قال: فأما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب. وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناءُ وكرب ثم يدخلون الجنة ثم يقولون: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذى أذْهَبَ عَنّا الحَرَنْ إنَّ رَبَّنا لَغَفُور شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] منها ما رواه الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا طعمة بن عمرو الجعفرى عن رجل قال: قال أبو الدرداءِ لرجل: ألا أُحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدًا؟ قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمِنهم ظالم لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومنهم سابِقٌ بالخيَرات﴾ بإذن الله جَنّاتُ عَدْنٍ قال: "دخلوا الجنة جميعًا". واحتجت أيضًا بالآيات والأحاديث التي تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة. واحتجت أيضًا بأن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي، فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم في حق النفس باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها وظلم في حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم، وظلم في حق الرب بالشرك به، فظلم النفس إنما هو بالمعاصي وقد تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة. وقالت طائفة: بل الوعد بالجنات إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه، فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق والظالم لنفسه هنا هو الكافر، والمقتصد المؤمن العاصي والسابق المؤمن التقي. وهذا يروى عن عكرمة والحسن وقتادة، وهو اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر ابن سعيد في تفسيره والرماني وغيرهم، قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم وسعيدهم، وهي نظير آية قوله تعالي: ﴿وَكُنتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً فأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشأمَة والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧-١٠] قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، والسابقون السابقون هم السابقون بالخيرات. قالوا: ولم يصطفي الله من خلقه ظالمًا لنفسه، بل المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يوقع عليهم اسم المصطفين وتناولهم فعل الأصطفاء؟ قالوا: فأيضًا صفوة الله هم أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين قالوا: ولأن الظالم لنفسه وإن كان ممن أورث الكتاب، فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه والله تعالي إنما اصطفى من عباده من أورثة كتابه ليعمل بما فيه فأما من نبذه وراء ظهوره فليس من المصطفين من عباده قالوا: ولأن الاصطفاء افتعال من صفوة الشيء وهو خلاصته ولبه، وأصله اصتفى فأُبدلت التاءُ طاءً لوقوعها بعد الصاد كالاصطباح والاصطلام ونحوه، والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبهم فلا يكون مصطفى، قالوا: ولأن الله سلَّم على المصطفين من عباده فقال: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]، وهذا يقتضي سلامتهم من كل شر وكل عذاب، والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا فكيف يكون من المصطفين؟ قالوا: وأيضًا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إنما يكون للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فأين الظالم لنفسه هنا؟ وقوله تعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقون﴾ [الفرقان: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ أُعدَّت لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقوله: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا حَدائِقَ وأعْنابًا وكَواعِبَ أتْرابًا وكَأْسًا دِهاقًا لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبأ: ٣١-٣٦]. والقرآن مملوءٌ من هذا، ولم يجئ فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب للظالم لنفسه أصلًا قالوا: وأيضًا فلم يجئ في القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا في معرض الوعيد لا الوعد، كقوله تعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِين﴾ [الزخرف: ٧٤-٧٦]، وقوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا بِاعِدْ بَيْنَ أسْفارنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعْلْناهم أحادِيثَ ومزقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٩٩]، وقوله: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِن كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] وقوله لا ينال عهدى الظالمين وقوله: أن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] قالوا: وأيضًا فالظالم لنفسه هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفّتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الّذِينَ خَسِرُواْ أنْفُسَهُم بِما كانُواْ بِآياتِنا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩] وقوله: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨-٩]، فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ قالوا: وأيضًا فقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [يدخلونها] مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ وهو بدل نكرة من معرفة كقوله: {لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥-١٦]، وحسن وقوعه [مجيء النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل منه هو] "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها. قالوا: وأيضًا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين، فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياءِ على وجهه في جنة عدن". ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنتين الفضتين؟ فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا: وأيضًا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين هم السابقون بالخيرات فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات المذكورات. قالوا: وفي اختصاصهم - بعد ذكر الأقسام - بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين [والمحسنين ومن رجحت حسناتهم ويذكر عقاب الكفار] والفجار والظالمين لأنفسهم ومن خفت موازينهم، ويسكت عن القسم الذي فيه شائبتان وله مادتان هذه طريقة القرآن كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤]، وقوله: ﴿فأمّا مَن طَغى وآثر الحَياةَ الدُّنْيا فَإنَّ الجَحِيمِ هِى المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هِى المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. وهذا كثير في القرآن قالوا: وفي السكوت عن شأْن صاحب الشائبتين تحذير عظيم وتخويف له بأن أمره مرجأٌ إلى الله وليس عليه ضمان ولا له عنده وعد، وليحذر كل الحذر وليبادر بالتوبة، النصوح التي تلحقه فالمضمون لهم النجاة والفلاح. قالوا: وأيضًا فمن المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقًا، على الكافر، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْل أن يَأْتِي يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِي ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨] مع قوله: ﴿اللهُ ولِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] والظالم لا ولي له ولا يكون من المؤمنين. قالوا: وأيضًا فمن تدبر الآيات وتأمل سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام الخلق، ودلت على مراتبهم في الجزاءِ، فذكر سبحانه أن الناس نوعان: ظالم، ومحسن. ثم قسم المحسن إلى قسمين: مقتصد، وسابق، ثم ذكر جزاء المحسن، فلما فرغ منه ذكر جزاءَ الظالم فقال: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] فذكر أنواع العباد وجزاءَهم قالوا: وأيضًا فهذه طريقة القرآن في ذكر أصناف الخلق الثلاثة كما ذكرهم الله تعالى في سورة الواقعة والمطففين وسورة الإنسان، فأما سورة الواقعة فذكرهم في أولها وفي آخرها فقال في أولها: ﴿وَكُنتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً فأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيم﴾ [الواقعة: ٧-١٢]، فأصحاب المشأمة هم الظالمون. وأما أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أصحاب الميمنة، وسابقون وهم المقربون، وفي آخرها: ﴿فَأمّا إن كانَ مِن المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ وأمّا إن كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ وأمّا إن كانَ مِن المُكَذَّبِينَ الضّالِّينَ فنُزُلٌ مِن حَمِيمِ وتَصْلِيةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨-٩٤]، فذكر حالهم في القيامة الكبرى في أول السورة، ثم ذكر حالهم في القيامة الصغرى في البرزخ في آخر السورة، ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُوم وأنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِن لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونها إن كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣-٨٧] ثُمَ قال: ﴿فأمّا إن كانَ مِن المُقَرَّبِين﴾ [الواقعة: ٨٨] إلى آخرها. وأما في أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ خافِضَةٌ رافِعَةٌ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنبَثًا وكُنتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ١-٧]، وأما سورة الإنسان فقال تعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤] فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة قال: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبَون مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين، ثم قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفْجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفًا محضًا وأنها تمزج للأبرار مزجًا كما قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٧-٢٨] وقال: يشرب "بها" المقربون، ولم يقل: "منها" إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن "يشرب" معنى يروى، فعدّى بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى من، [ولكن] يضمن يشرب الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه، وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الرى بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر. وقال تعالى في سورة المطففين: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ إلى قوله: ﴿كَلا إنَّهم عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ٧-١٧]، [فهؤلاء الظالمون أصحاب الشمال] ثم قال: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِيِّينَ َما أدراك ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨-١٩]، فهؤلاء الأبرارِ المقتصدون، وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم - أي يكتب بحضرتهم ومشهدهم - لا يغيبون عنه، اعتناءً به وإظهارًا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه. ثم ذكر سبحانه نعيم الأبرار ومجالستهم ونظرهم إلى ربهم وظهور نضرة النعيم في وجوههم، ثم ذكر شرابهم فقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥-٢٦]، ثم قال: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسنيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧-٢٨]، [التسنيم] أعلى أشربه الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبون﴾ [المطففين: ٢٨]، كما قال تعالى في سورة الإنسان سواءً، قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين مزجًا. وهذا لأن الجزاءَ وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه. ؎يا لاهيًا في غمرة الجهل والهوي ∗∗∗ صريعًا على فرش الردى يتقلب ؎تأمل - هداك الله - ما [ثم] وانتبه ∗∗∗ فهذا شراب القوم حقًا يركَّب ؎وتركيبه في هذه الدار إن تفت ∗∗∗ فليس له بعد المنية مطلب ؎فيا عجبًا من معرض عن حياته ∗∗∗ وعن حظه العالي ويلهو ويلعب ؎ولو علم المحروم أي بضاعة ∗∗∗ أضاع لأمسى قلبه يتلهب ؎فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ∗∗∗ وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب ؎بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ∗∗∗ ويصبح مسلوبًا ينوح ويندب ؎ويعجب ممن باع شيئًا بدون ما ∗∗∗ يساوى بلا علم وأمرك أعجب ؎لأنك قد بعت الحياة وطيبها ∗∗∗ بلذة حلم عن قليل سيذهب ؎فهلا عكست الأمر إن كنت حازمًا ∗∗∗ ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب ؎تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا ∗∗∗ فأين عن الأحباب ويحك تذهب ؎ستعلم يوم الحشر أي تجارة ∗∗∗ أضعت إذا تلك الموازين تنصب قالوا: فهكذا هذه الآيات التي في سورة الملائكة ذكر فيها الأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال، وذكر المقتصد وهو من أصحاب اليمين، وذكر السابقين وهم المقربون. قالوا: وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب بالقرآن والمصطفين بهذه الأمة، بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على رسله، فإنه أورثها المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من أممهم بعدهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائيلَ الكِتاب هُدىً وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ فأخبر أنه إنما يكون هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه، والعامل بما فيه هو الذي أورثه الله علمه. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤]، كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ونفي العلم عنهم، ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم قال: ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائيلَ الكِتابَ﴾، ونظير هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الاعراف: ١٩٦]، وأنه لما كان الكلام في سياق ذمهم على إتباعهم شهواتهم وإيثارهم العرض الفاني على حظهم من الآخرة وتماديهم في ذلك لم ينسب التوريث إليه، بل نسبه إلى المحل فقال: أورثوا الكتاب ولم يقل: أورثناهم الكتاب وقد ذكرت نظير هذا قوله: ﴿أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أنه للمدح، وأورثوا الكتاب إما في سياق الذم، وإما منقسم في كتاب " التحفة المكية " الكلية. والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أولا وآخرا قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ لا يرجع إلى المصطفين، بل إما أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿مِن عِبادِنا﴾ ثم استأنف جملة أخرى وذكر فيها أقسام العباد وأن منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق. ويكون الكلام جملتين مستقلتين: بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه من عباده، وبين في الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا، وإما أن يكون المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه، ومنهم من قبله مقتصدا فيه، ومنهم من قبله سابقا بالخيرات بإذن الله، قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في كل أمة نذيرا ممن تقدم هذه الأمة فقال: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، ثم ذكر أن رسلهم جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المبين، الآيات الدالة على صدقهم وصحة رسالاتهم، والزبر: الكتاب، واحدها زبور بمعنى مزبور أي مكتوب، الكتاب المنير: من باب عطف الخاص على العام لتميزه عن المسمى العام بفضله وشرفه امتاز بها واختص بها عن غيره، وهو كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وكعطف أولى العزم على النبيين من قوله: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحراب: ٧] والكتاب المنير هاهنا: التوراة والإنجيل. ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]، ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له العالمون بشرائعه: فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩-٣٠]. ثم ذكر الكتاب الذي خص به خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ فقال: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]. ثم ذكر سبحانه من أورثهم الكتاب بعد أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ رده المكذبون لو يقبلوا توريثه. قالوا: وأما قولكم: إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما تكون في السعداء، فهذا بعينه حجة لنا في أن الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه الله من عباده وقد تقدم تقريره. قالوا: وأما الآثار التي رويتموها عن النبي ﷺ في ذلك فكلها ضعيفة الأسانيد ومنقطعة لا تثبت، كيف وهي معارضة بآثار مثلها أو أقوى منها، قال ابن مردويه في " تفسيره ": حدثنا الحسن بن عبد الله، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا أحمد بن محمد بن المعلي الآدمي، حدثنا حفص بن عمار، حدثنا مبارك ابن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، قال: الكافر، قالوا: وأما النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يدخلون الجنة فصحيحة لا ننازعكم فيها، غير أنها مطلقة، ولكن لها شروط وموانع، كما أن النصوص الدالة على عذاب أهل الكبائر صحيحة متواترة، ولها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها، فكذلك نصوص الوعد يتوقف مقتضاها على شروطها وانتفاء موانعها. قالوا: وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح، فقد ذكر في القرآن ما يدل على أن ظلم النفس يكون بالكفر والشرك، ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه: ﴿يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقوله عز وجل: ﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّق﴾ [سبأ: ١٩] ونظائره كثيرة. قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حق تدبره وأعطيتم الآيات حقها من الفهم وراعيتم وجوه الدلالة وسياق الكلام، لعلمتم أن الصواب معنا وأن هذه الأقسام الثلاثة من الأقسام التي خلقت للجنة وهم درجات عند الله وأن هذا التقسيم الذي دلت عليه أخص من التقسيم المذكور في سورة الواقعة والإنسان والمطففين، فإن ذلك تقسيم للناس إلى شقي وسعيد، وتقسيم السعداء إلى أبرار ومقربين، وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه، وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأمة إلى محسن ومسيئ، فالمسيئ هو الظالم لنفسه، والمحسن نوعنان مقتصد وسابق بالخيرات، فإن الوجود شامل لهذا القسم، بل هو أغلب أقسام الأمة فكيف يخلو القرآن عن ذكره وبيان حكمه، ثم لما استوفى أقسام الأمة ذكر الخارجين عنهم وهم الذين كفروا فعمت الآية أقسام الخلق كلهم، وعلى ما ذهبتم إليه تكون الآية قد أهملت ذكر القسم الأغلب الأكثر وكررت ذكر حكم الكافر أولا وآخرا. ولا ريب أن ما ذكرناه أولى لبيان هذا القسم وعموم الفائدة، وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] صريح في أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده، وقوله عز وجل: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] إما أن يرجع إلى الذين اصطفاهم، وإما أن يرجع إلى العباد، ورجوعه إلى الذين اصطفاهم لوجهين: أحدهما أن قوله تعالى: ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، إنما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد لأن سياق الآية والإتيان بالفاء والتقسيم المذكور كله يدل على أن المراد بيان أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العبد، إذ لو أراد ذلك لأتى بلفظ يزيل الوهم ولا يلتبس به المراد بغيره، وكأن وجه الكلام الذي يدل عليه ظاهره. الثاني: أنك إذا قلت: أعطيت مالي البالغين من أولادي فمنهم تاجر ومنهم خازن ومنهم مبذر ومسرف، هل يفهم من هذا أحد قط أن هذا التقسيم لجملة أولاده، بل لا يفهم منه إلا أن أولاده كانوا في أخذهم المال أقساما ثلاثة، ولهذا أتي فيها بالفاء الدالة على تفصيل ما أجمله أولا كما إذا قلت: خذ هذا المال فأعط فلانا كذا وأعط فلانا كذا، ونظائره متعددة، ولا وجه للإتيان بالفاء هاهنا إلا تفصيل المذكور أولا، لا تفصيل المسكوت عنه والآية قد سكتت عن تفصيل العباد الذين اصطفى منهم من أورثه الكتاب، فالتفصيل للمذكور ليس إلا، فتأمله فإنه واضح. قالوا: وأما قولكم إن الله لا يصطفي من عباده ظالما لنفسه لأن الاصطفاء هو الاختيار من الشيء صفوته وخياره إلى آخر ما ذكرتم فجوابه أن كون العبد المصطفى لله ووليا لله ومحبوبا لله ونحو ذلك من الأسماء الدالة على شرف منزلة العبد وتقريب الله له لا ينافي ظلم العبد نفسه أحيانا بالذنوب والمعاصي بل أبلغ من ذلك أن صديقيته لا تنافي ظلمه لنفسه، ولهذا قال صديق الأمة وخيارها للنبي ﷺ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم". وقد قال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٥]. فأخبر سبحانه عن صفات المتقين وأنهم يقع منهم ظلم النفس والفاحشة لكن لا يصرون على ذلك، وقال تعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣-٣٥] فهؤلاء الصديقون المتقون قد أخبر سبحانه أن لهم أعمالا سيئة يكفرها، ولا ريب أنها ظلم للنفس وقال موسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وقال آدم عليه السلام: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال يونس عليه السلام: ﴿لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]. وإذا كان ظلم النفس لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يخرج العبد عن كونه من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليا لله صديقا متقيا وهو مسيئ ظالم لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفى من جهة كونه من ورثة الكتاب علما وعملا، ظالم لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أمر به وتعديه بعض ما نهي عنه، كما يكون الرجل وليا لله محبوبا له من جهة ومبغوضا له من جهة أخرى، وهذا عبد الله حمار كان يكثر شرب الخمر والله يبغضه من هذه الجهة، ويحب الله ورسوله ويحبه الله ويواليه من هذه الجهة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن لعنه وقال: إنه يحب الله ورسوله ونكتة المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفى من وجه ظالما لنفسه من وجه آخر. وظلم النفس نوعان: نوع لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية والصديقية والاصطفاء وهو ظلمها بالشرك والكفر، ونوع يبقى معه حظه من الإيمان والاصطفاء والولاية وهو ظلمها بالمعاصي، وهو درجات متفاوتة في القدر والوصف. فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة ويزيل أشكالها بحمد الله. قالوا: وأما قولكم: إن قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] وهو مختص بالسابقين، وذكر حليتهم فيها من أساور من ذهب يدل على ذلك إلخ. فجوابه من وجهين: أحدهما أن هذا بعينه وارد عليكم، فإن المقتصد من أهل الجنات، ومعلوم أن جنات السابقين بالخيرات أعلى وأفضل من جناته، فما كان جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه عن الظالم لنفسه، فإن التفاوت حاصل بين جنات الأصناف الثلاثة، ويختص كل صنف بما يليق بهم ويقتضيه مقامهم وعملهم. الجواب الثاني: أنه سبحانه ذكر جزاء السابقين بالخيرات هنا مشوقا لعباده إليه منبها لهم على مقداره وشرفه، وسكت عن جزاء الظالمين لأنفسهم والمقتصدين ليحذر الظالمون ويجد المقتصدون، وذكر في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين السابقين فقال تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٥-٢١]، فذكر هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار، وذكر في سورة الملائكة الأساور من الذهب في جزاء السابقين بالخيرات، فعلم جزاء المقتصدين من سورة الإنسان، وعلم جزاء السابقين من سورة الملائكة، فانتظمت السورتان جزاء المقربين على أتم الوجوه، والله أعلم بأسرار كلامه وحكمه. قالوا: وهذا هو الجواب عن قولكم: إن الضمير يختص به أقرب مذكور إليه. قالوا: وأما قولكم إن الظالم لنفسه إنما هو الكافر فقد تقدم جوابه وذكر ما يبطله. قالوا: وأما قولكم: إن هذا الآيات نظير آيات الواقعة وسورة الإنسان وسورة المطففين في تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: أصحاب الشمال، وأصحاب اليمين، والمقربون. فلا ريب أن هذه الآية وافية بالأقسام الثلاثة مع مزيد تقسيم آخر وهو تقسيم أصحاب اليمين إلى ظالم لنفسه ومقتصد فهي مشتملة على تلك الأقسام وزيادة. قالوا: وأما قولكم: إن الآثار الدالة على أن الأصناف الثلاثة هم السعداء أهل الجنة ضعيفة لا تقوم بها حجة فجوابه: إنها قد بلغت في الكثرة إلى حد يشد بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض، ونحن نسوق م نها آثارا غير ما ذكرناه يعلم به كثرتها وتعدد طرقها، فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان عن الأعمش عن رجل عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي وسق لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: إن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، مقال: أما السابق بالخيرات فيدخله الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم والحزن ثم يدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٤]. وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أسامة بن زيد في قوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ قال: قال: رسول الله ﷺ "كلهم من هذه الأمة". وروى ابن مردويه أيضا من حديث الفضل بن عميرة القيسي عن ميمون بن سياه عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، وقرأ عمر: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾. وروى أيضا من حديث أبي داود عن شعبة عن الوليد بن العيراز قال: سمعت رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾، قال "كلهم في الجنة"، أو قال: "كلهم بمنزلة واحدة". قال شعبة: أحدهما، ورواه دواد بن إبراهيم عن شعبة به وقالوا: دخلوا الجنة كلهم بمنزلة واحدة. فهذا حديث صحيح إلى شعبة وإذا كان شعبة في حديث لم يطرح، بل شد يديك به. ورواه يحيى بن سعيد عن الوليد بن العيزار فذكره بمثله، وروى محمد بن سعد عن أبيه عن عمه: حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ الآية، قال: جعل الله أهل الإيمان على ثلاث منازل كقوله: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ فهم على هذا المثال. قلت: يريد ابن عباس أن الله قسم أصحاب اليمين إلى ثلاث منازل كما قسم الخلق في الواقعة إلى ثلاث منازل، فإن أصحاب الشمال المذكورين في الواقعة هم الكفار المنكرون للبعث، فكيف تكون هذه منزلة من منازل أهل الإيمان؟ ويجوز أن يريد أن الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب هم من أهل الشمال، ولكن إيمانهم يجعلهم آخرا من أهل اليمين. وروي من حديث معاوية بن صالح عن علي بن أبي (طلحة) عن ابن عباس في هذه الآية فقال: هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله (سبحانه) كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وروي من حديث عثمان بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب - أو عن رجل عن البراء بن عازب - قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قال: "كلهم ناج وهي هذه الأمة". ورواه الفريابي حدثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن رجل حدثه عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ الآية، قال "كل ناج". وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو فضالة عن الأزهري عبد الله الخزاز، حدثنا من سمع عثمان بن عفان يقول: ألا إن سابقنا أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا ألا وإن ظالمنا أهل بدونا، وقد تقدم حديث عائشة وأبي الدرداء وحذيفة. قالوا: فهذه الآثار يشد بعضها بعضا، وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا يعدل عنها.

فاطر 35:33

قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة. أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق. وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا". (فائدة) وقال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ تلا قوله عز وجل: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ فقال: "إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" (فصل) وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ الآية. هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، أو يختص بالقسمين الأخيرين، وهما المقتصد والسابق دون الظالم، على قولين: فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أُم المؤمنين، قال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستون سنة فكلهم ناج، قال أبو داود الطيالسى: أنبأنا الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صبهان الهنائى قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومَنهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فقالت لي: يا بني، كل هؤلاء في الجنة، فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله يشهد له رسول الله بالخيرة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك. قال: فجعلت نفسها معنا. وقال ابن مسعود: هذه الأُمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يوم القيامة يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول الله: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا. فيقول الله: أدخلوهم في سعة رحمتى، وقال كعب: تحاذت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم وقال الحسن: السابقون من رجحت حسناتهم، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفت موازينه واحتجت هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل "مصطفين" وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد، ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين، لأن الاصطفاء هو الاختيار، وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره، فعلم أن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض: فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك. واحتجت أيضًا بآثار روتها تؤيد ما ذهب إليه: فمنها ما رواه سليمان الشاذكونى حدثنا حصين بن بهز عن أبى ليلى عن أخيه عن أبيه عن أُسامة بن زيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: كلهم في الجنة. ومنها ما رواه الطبراني: حدثنا أحمد بن حماد بن رعية، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة عن أحمد بن حازم المعافري عن صالح مولى التوأمة عن أبي الدرداءِ قال: قرأ النبي هذه الآية: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بإذنِ الله﴾ [فاطر: ٣٢]، فقال: أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم فيجلس في طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه. ومنها ما رواه زكريا الساجي عن الحسن بن على الواسطى عن أبي سعيد الخزاعي عن الحسن بن سالم عن سعد بن ظريف عن أبى هاشم الطائي قال: قدمت المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية، فجاءَ حذيفة فقال: ألا أُحدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ يقول: "يبعث الله تبارك وتعالى هذه الأُمة - أو كما قال - ثلاثة أصناف، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب والمقتصد يحاسب حسابًا يسيرًا، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله. ومنها ما رواه الطبراني عن محمد بن إسحاق بن راهوية: حدثنا أبي، حدثنا جرير عن الأعمش عن رجل سماه عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: {فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الآية ... قال: "السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة". ومنها ما رواه ابن لهيعة عن أبي جعفر عن يونس بن عبد الرحمن عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتاب الَّذِينَ اصطفيْنا مِن عِبادِنا - إلى قوله -سابقٌ بِالخَيْرات﴾ [فاطر: ٣٢]، قال: فأما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب. وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناءُ وكرب ثم يدخلون الجنة ثم يقولون: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذى أذْهَبَ عَنّا الحَرَنْ إنَّ رَبَّنا لَغَفُور شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] منها ما رواه الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا طعمة بن عمرو الجعفرى عن رجل قال: قال أبو الدرداءِ لرجل: ألا أُحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدًا؟ قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمِنهم ظالم لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومنهم سابِقٌ بالخيَرات﴾ بإذن الله جَنّاتُ عَدْنٍ قال: "دخلوا الجنة جميعًا". واحتجت أيضًا بالآيات والأحاديث التي تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة. واحتجت أيضًا بأن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي، فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم في حق النفس باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها وظلم في حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم، وظلم في حق الرب بالشرك به، فظلم النفس إنما هو بالمعاصي وقد تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة. وقالت طائفة: بل الوعد بالجنات إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه، فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق والظالم لنفسه هنا هو الكافر، والمقتصد المؤمن العاصي والسابق المؤمن التقي. وهذا يروى عن عكرمة والحسن وقتادة، وهو اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر ابن سعيد في تفسيره والرماني وغيرهم، قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم وسعيدهم، وهي نظير آية قوله تعالي: ﴿وَكُنتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً فأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشأمَة والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧-١٠] قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، والسابقون السابقون هم السابقون بالخيرات. قالوا: ولم يصطفي الله من خلقه ظالمًا لنفسه، بل المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يوقع عليهم اسم المصطفين وتناولهم فعل الأصطفاء؟ قالوا: فأيضًا صفوة الله هم أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين قالوا: ولأن الظالم لنفسه وإن كان ممن أورث الكتاب، فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه والله تعالي إنما اصطفى من عباده من أورثة كتابه ليعمل بما فيه فأما من نبذه وراء ظهوره فليس من المصطفين من عباده قالوا: ولأن الاصطفاء افتعال من صفوة الشيء وهو خلاصته ولبه، وأصله اصتفى فأُبدلت التاءُ طاءً لوقوعها بعد الصاد كالاصطباح والاصطلام ونحوه، والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبهم فلا يكون مصطفى، قالوا: ولأن الله سلَّم على المصطفين من عباده فقال: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]، وهذا يقتضي سلامتهم من كل شر وكل عذاب، والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا فكيف يكون من المصطفين؟ قالوا: وأيضًا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إنما يكون للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فأين الظالم لنفسه هنا؟ وقوله تعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقون﴾ [الفرقان: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ أُعدَّت لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقوله: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا حَدائِقَ وأعْنابًا وكَواعِبَ أتْرابًا وكَأْسًا دِهاقًا لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبأ: ٣١-٣٦]. والقرآن مملوءٌ من هذا، ولم يجئ فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب للظالم لنفسه أصلًا قالوا: وأيضًا فلم يجئ في القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا في معرض الوعيد لا الوعد، كقوله تعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِين﴾ [الزخرف: ٧٤-٧٦]، وقوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا بِاعِدْ بَيْنَ أسْفارنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعْلْناهم أحادِيثَ ومزقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٩٩]، وقوله: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِن كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] وقوله لا ينال عهدى الظالمين وقوله: أن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] قالوا: وأيضًا فالظالم لنفسه هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفّتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الّذِينَ خَسِرُواْ أنْفُسَهُم بِما كانُواْ بِآياتِنا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩] وقوله: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨-٩]، فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ قالوا: وأيضًا فقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [يدخلونها] مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ وهو بدل نكرة من معرفة كقوله: {لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥-١٦]، وحسن وقوعه [مجيء النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل منه هو] "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها. قالوا: وأيضًا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين، فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياءِ على وجهه في جنة عدن". ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنتين الفضتين؟ فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا: وأيضًا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين هم السابقون بالخيرات فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات المذكورات. قالوا: وفي اختصاصهم - بعد ذكر الأقسام - بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين [والمحسنين ومن رجحت حسناتهم ويذكر عقاب الكفار] والفجار والظالمين لأنفسهم ومن خفت موازينهم، ويسكت عن القسم الذي فيه شائبتان وله مادتان هذه طريقة القرآن كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤]، وقوله: ﴿فأمّا مَن طَغى وآثر الحَياةَ الدُّنْيا فَإنَّ الجَحِيمِ هِى المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هِى المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. وهذا كثير في القرآن قالوا: وفي السكوت عن شأْن صاحب الشائبتين تحذير عظيم وتخويف له بأن أمره مرجأٌ إلى الله وليس عليه ضمان ولا له عنده وعد، وليحذر كل الحذر وليبادر بالتوبة، النصوح التي تلحقه فالمضمون لهم النجاة والفلاح. قالوا: وأيضًا فمن المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقًا، على الكافر، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْل أن يَأْتِي يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِي ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨] مع قوله: ﴿اللهُ ولِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] والظالم لا ولي له ولا يكون من المؤمنين. قالوا: وأيضًا فمن تدبر الآيات وتأمل سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام الخلق، ودلت على مراتبهم في الجزاءِ، فذكر سبحانه أن الناس نوعان: ظالم، ومحسن. ثم قسم المحسن إلى قسمين: مقتصد، وسابق، ثم ذكر جزاء المحسن، فلما فرغ منه ذكر جزاءَ الظالم فقال: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] فذكر أنواع العباد وجزاءَهم قالوا: وأيضًا فهذه طريقة القرآن في ذكر أصناف الخلق الثلاثة كما ذكرهم الله تعالى في سورة الواقعة والمطففين وسورة الإنسان، فأما سورة الواقعة فذكرهم في أولها وفي آخرها فقال في أولها: ﴿وَكُنتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً فأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيم﴾ [الواقعة: ٧-١٢]، فأصحاب المشأمة هم الظالمون. وأما أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أصحاب الميمنة، وسابقون وهم المقربون، وفي آخرها: ﴿فَأمّا إن كانَ مِن المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ وأمّا إن كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ وأمّا إن كانَ مِن المُكَذَّبِينَ الضّالِّينَ فنُزُلٌ مِن حَمِيمِ وتَصْلِيةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨-٩٤]، فذكر حالهم في القيامة الكبرى في أول السورة، ثم ذكر حالهم في القيامة الصغرى في البرزخ في آخر السورة، ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُوم وأنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِن لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونها إن كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣-٨٧] ثُمَ قال: ﴿فأمّا إن كانَ مِن المُقَرَّبِين﴾ [الواقعة: ٨٨] إلى آخرها. وأما في أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ خافِضَةٌ رافِعَةٌ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنبَثًا وكُنتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ١-٧]، وأما سورة الإنسان فقال تعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤] فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة قال: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبَون مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين، ثم قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفْجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفًا محضًا وأنها تمزج للأبرار مزجًا كما قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٧-٢٨] وقال: يشرب "بها" المقربون، ولم يقل: "منها" إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن "يشرب" معنى يروى، فعدّى بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى من، [ولكن] يضمن يشرب الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه، وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الرى بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر. وقال تعالى في سورة المطففين: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ إلى قوله: ﴿كَلا إنَّهم عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ٧-١٧]، [فهؤلاء الظالمون أصحاب الشمال] ثم قال: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِيِّينَ َما أدراك ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨-١٩]، فهؤلاء الأبرارِ المقتصدون، وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم - أي يكتب بحضرتهم ومشهدهم - لا يغيبون عنه، اعتناءً به وإظهارًا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه. ثم ذكر سبحانه نعيم الأبرار ومجالستهم ونظرهم إلى ربهم وظهور نضرة النعيم في وجوههم، ثم ذكر شرابهم فقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥-٢٦]، ثم قال: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسنيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧-٢٨]، [التسنيم] أعلى أشربه الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبون﴾ [المطففين: ٢٨]، كما قال تعالى في سورة الإنسان سواءً، قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين مزجًا. وهذا لأن الجزاءَ وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه. ؎يا لاهيًا في غمرة الجهل والهوي ∗∗∗ صريعًا على فرش الردى يتقلب ؎تأمل - هداك الله - ما [ثم] وانتبه ∗∗∗ فهذا شراب القوم حقًا يركَّب ؎وتركيبه في هذه الدار إن تفت ∗∗∗ فليس له بعد المنية مطلب ؎فيا عجبًا من معرض عن حياته ∗∗∗ وعن حظه العالي ويلهو ويلعب ؎ولو علم المحروم أي بضاعة ∗∗∗ أضاع لأمسى قلبه يتلهب ؎فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ∗∗∗ وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب ؎بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ∗∗∗ ويصبح مسلوبًا ينوح ويندب ؎ويعجب ممن باع شيئًا بدون ما ∗∗∗ يساوى بلا علم وأمرك أعجب ؎لأنك قد بعت الحياة وطيبها ∗∗∗ بلذة حلم عن قليل سيذهب ؎فهلا عكست الأمر إن كنت حازمًا ∗∗∗ ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب ؎تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا ∗∗∗ فأين عن الأحباب ويحك تذهب ؎ستعلم يوم الحشر أي تجارة ∗∗∗ أضعت إذا تلك الموازين تنصب قالوا: فهكذا هذه الآيات التي في سورة الملائكة ذكر فيها الأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال، وذكر المقتصد وهو من أصحاب اليمين، وذكر السابقين وهم المقربون. قالوا: وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب بالقرآن والمصطفين بهذه الأمة، بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على رسله، فإنه أورثها المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من أممهم بعدهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائيلَ الكِتاب هُدىً وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ فأخبر أنه إنما يكون هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه، والعامل بما فيه هو الذي أورثه الله علمه. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤]، كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ونفي العلم عنهم، ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم قال: ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائيلَ الكِتابَ﴾، ونظير هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الاعراف: ١٩٦]، وأنه لما كان الكلام في سياق ذمهم على إتباعهم شهواتهم وإيثارهم العرض الفاني على حظهم من الآخرة وتماديهم في ذلك لم ينسب التوريث إليه، بل نسبه إلى المحل فقال: أورثوا الكتاب ولم يقل: أورثناهم الكتاب وقد ذكرت نظير هذا قوله: ﴿أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أنه للمدح، وأورثوا الكتاب إما في سياق الذم، وإما منقسم في كتاب " التحفة المكية " الكلية. والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أولا وآخرا قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ لا يرجع إلى المصطفين، بل إما أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿مِن عِبادِنا﴾ ثم استأنف جملة أخرى وذكر فيها أقسام العباد وأن منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق. ويكون الكلام جملتين مستقلتين: بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه من عباده، وبين في الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا، وإما أن يكون المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه، ومنهم من قبله مقتصدا فيه، ومنهم من قبله سابقا بالخيرات بإذن الله، قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في كل أمة نذيرا ممن تقدم هذه الأمة فقال: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، ثم ذكر أن رسلهم جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المبين، الآيات الدالة على صدقهم وصحة رسالاتهم، والزبر: الكتاب، واحدها زبور بمعنى مزبور أي مكتوب، الكتاب المنير: من باب عطف الخاص على العام لتميزه عن المسمى العام بفضله وشرفه امتاز بها واختص بها عن غيره، وهو كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وكعطف أولى العزم على النبيين من قوله: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحراب: ٧] والكتاب المنير هاهنا: التوراة والإنجيل. ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]، ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له العالمون بشرائعه: فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩-٣٠]. ثم ذكر الكتاب الذي خص به خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ فقال: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]. ثم ذكر سبحانه من أورثهم الكتاب بعد أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ رده المكذبون لو يقبلوا توريثه. قالوا: وأما قولكم: إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما تكون في السعداء، فهذا بعينه حجة لنا في أن الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه الله من عباده وقد تقدم تقريره. قالوا: وأما الآثار التي رويتموها عن النبي ﷺ في ذلك فكلها ضعيفة الأسانيد ومنقطعة لا تثبت، كيف وهي معارضة بآثار مثلها أو أقوى منها، قال ابن مردويه في " تفسيره ": حدثنا الحسن بن عبد الله، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا أحمد بن محمد بن المعلي الآدمي، حدثنا حفص بن عمار، حدثنا مبارك ابن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، قال: الكافر، قالوا: وأما النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يدخلون الجنة فصحيحة لا ننازعكم فيها، غير أنها مطلقة، ولكن لها شروط وموانع، كما أن النصوص الدالة على عذاب أهل الكبائر صحيحة متواترة، ولها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها، فكذلك نصوص الوعد يتوقف مقتضاها على شروطها وانتفاء موانعها. قالوا: وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح، فقد ذكر في القرآن ما يدل على أن ظلم النفس يكون بالكفر والشرك، ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه: ﴿يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقوله عز وجل: ﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّق﴾ [سبأ: ١٩] ونظائره كثيرة. قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حق تدبره وأعطيتم الآيات حقها من الفهم وراعيتم وجوه الدلالة وسياق الكلام، لعلمتم أن الصواب معنا وأن هذه الأقسام الثلاثة من الأقسام التي خلقت للجنة وهم درجات عند الله وأن هذا التقسيم الذي دلت عليه أخص من التقسيم المذكور في سورة الواقعة والإنسان والمطففين، فإن ذلك تقسيم للناس إلى شقي وسعيد، وتقسيم السعداء إلى أبرار ومقربين، وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه، وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأمة إلى محسن ومسيئ، فالمسيئ هو الظالم لنفسه، والمحسن نوعنان مقتصد وسابق بالخيرات، فإن الوجود شامل لهذا القسم، بل هو أغلب أقسام الأمة فكيف يخلو القرآن عن ذكره وبيان حكمه، ثم لما استوفى أقسام الأمة ذكر الخارجين عنهم وهم الذين كفروا فعمت الآية أقسام الخلق كلهم، وعلى ما ذهبتم إليه تكون الآية قد أهملت ذكر القسم الأغلب الأكثر وكررت ذكر حكم الكافر أولا وآخرا. ولا ريب أن ما ذكرناه أولى لبيان هذا القسم وعموم الفائدة، وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] صريح في أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده، وقوله عز وجل: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] إما أن يرجع إلى الذين اصطفاهم، وإما أن يرجع إلى العباد، ورجوعه إلى الذين اصطفاهم لوجهين: أحدهما أن قوله تعالى: ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، إنما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد لأن سياق الآية والإتيان بالفاء والتقسيم المذكور كله يدل على أن المراد بيان أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العبد، إذ لو أراد ذلك لأتى بلفظ يزيل الوهم ولا يلتبس به المراد بغيره، وكأن وجه الكلام الذي يدل عليه ظاهره. الثاني: أنك إذا قلت: أعطيت مالي البالغين من أولادي فمنهم تاجر ومنهم خازن ومنهم مبذر ومسرف، هل يفهم من هذا أحد قط أن هذا التقسيم لجملة أولاده، بل لا يفهم منه إلا أن أولاده كانوا في أخذهم المال أقساما ثلاثة، ولهذا أتي فيها بالفاء الدالة على تفصيل ما أجمله أولا كما إذا قلت: خذ هذا المال فأعط فلانا كذا وأعط فلانا كذا، ونظائره متعددة، ولا وجه للإتيان بالفاء هاهنا إلا تفصيل المذكور أولا، لا تفصيل المسكوت عنه والآية قد سكتت عن تفصيل العباد الذين اصطفى منهم من أورثه الكتاب، فالتفصيل للمذكور ليس إلا، فتأمله فإنه واضح. قالوا: وأما قولكم إن الله لا يصطفي من عباده ظالما لنفسه لأن الاصطفاء هو الاختيار من الشيء صفوته وخياره إلى آخر ما ذكرتم فجوابه أن كون العبد المصطفى لله ووليا لله ومحبوبا لله ونحو ذلك من الأسماء الدالة على شرف منزلة العبد وتقريب الله له لا ينافي ظلم العبد نفسه أحيانا بالذنوب والمعاصي بل أبلغ من ذلك أن صديقيته لا تنافي ظلمه لنفسه، ولهذا قال صديق الأمة وخيارها للنبي ﷺ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم". وقد قال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٥]. فأخبر سبحانه عن صفات المتقين وأنهم يقع منهم ظلم النفس والفاحشة لكن لا يصرون على ذلك، وقال تعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣-٣٥] فهؤلاء الصديقون المتقون قد أخبر سبحانه أن لهم أعمالا سيئة يكفرها، ولا ريب أنها ظلم للنفس وقال موسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وقال آدم عليه السلام: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال يونس عليه السلام: ﴿لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]. وإذا كان ظلم النفس لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يخرج العبد عن كونه من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليا لله صديقا متقيا وهو مسيئ ظالم لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفى من جهة كونه من ورثة الكتاب علما وعملا، ظالم لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أمر به وتعديه بعض ما نهي عنه، كما يكون الرجل وليا لله محبوبا له من جهة ومبغوضا له من جهة أخرى، وهذا عبد الله حمار كان يكثر شرب الخمر والله يبغضه من هذه الجهة، ويحب الله ورسوله ويحبه الله ويواليه من هذه الجهة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن لعنه وقال: إنه يحب الله ورسوله ونكتة المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفى من وجه ظالما لنفسه من وجه آخر. وظلم النفس نوعان: نوع لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية والصديقية والاصطفاء وهو ظلمها بالشرك والكفر، ونوع يبقى معه حظه من الإيمان والاصطفاء والولاية وهو ظلمها بالمعاصي، وهو درجات متفاوتة في القدر والوصف. فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة ويزيل أشكالها بحمد الله. قالوا: وأما قولكم: إن قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] وهو مختص بالسابقين، وذكر حليتهم فيها من أساور من ذهب يدل على ذلك إلخ. فجوابه من وجهين: أحدهما أن هذا بعينه وارد عليكم، فإن المقتصد من أهل الجنات، ومعلوم أن جنات السابقين بالخيرات أعلى وأفضل من جناته، فما كان جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه عن الظالم لنفسه، فإن التفاوت حاصل بين جنات الأصناف الثلاثة، ويختص كل صنف بما يليق بهم ويقتضيه مقامهم وعملهم. الجواب الثاني: أنه سبحانه ذكر جزاء السابقين بالخيرات هنا مشوقا لعباده إليه منبها لهم على مقداره وشرفه، وسكت عن جزاء الظالمين لأنفسهم والمقتصدين ليحذر الظالمون ويجد المقتصدون، وذكر في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين السابقين فقال تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٥-٢١]، فذكر هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار، وذكر في سورة الملائكة الأساور من الذهب في جزاء السابقين بالخيرات، فعلم جزاء المقتصدين من سورة الإنسان، وعلم جزاء السابقين من سورة الملائكة، فانتظمت السورتان جزاء المقربين على أتم الوجوه، والله أعلم بأسرار كلامه وحكمه. قالوا: وهذا هو الجواب عن قولكم: إن الضمير يختص به أقرب مذكور إليه. قالوا: وأما قولكم إن الظالم لنفسه إنما هو الكافر فقد تقدم جوابه وذكر ما يبطله. قالوا: وأما قولكم: إن هذا الآيات نظير آيات الواقعة وسورة الإنسان وسورة المطففين في تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: أصحاب الشمال، وأصحاب اليمين، والمقربون. فلا ريب أن هذه الآية وافية بالأقسام الثلاثة مع مزيد تقسيم آخر وهو تقسيم أصحاب اليمين إلى ظالم لنفسه ومقتصد فهي مشتملة على تلك الأقسام وزيادة. قالوا: وأما قولكم: إن الآثار الدالة على أن الأصناف الثلاثة هم السعداء أهل الجنة ضعيفة لا تقوم بها حجة فجوابه: إنها قد بلغت في الكثرة إلى حد يشد بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض، ونحن نسوق م نها آثارا غير ما ذكرناه يعلم به كثرتها وتعدد طرقها، فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان عن الأعمش عن رجل عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي وسق لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: إن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، مقال: أما السابق بالخيرات فيدخله الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم والحزن ثم يدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٤]. وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أسامة بن زيد في قوله تعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ قال: قال: رسول الله ﷺ "كلهم من هذه الأمة". وروى ابن مردويه أيضا من حديث الفضل بن عميرة القيسي عن ميمون بن سياه عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، وقرأ عمر: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾. وروى أيضا من حديث أبي داود عن شعبة عن الوليد بن العيراز قال: سمعت رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾، قال "كلهم في الجنة"، أو قال: "كلهم بمنزلة واحدة". قال شعبة: أحدهما، ورواه دواد بن إبراهيم عن شعبة به وقالوا: دخلوا الجنة كلهم بمنزلة واحدة. فهذا حديث صحيح إلى شعبة وإذا كان شعبة في حديث لم يطرح، بل شد يديك به. ورواه يحيى بن سعيد عن الوليد بن العيزار فذكره بمثله، وروى محمد بن سعد عن أبيه عن عمه: حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ الآية، قال: جعل الله أهل الإيمان على ثلاث منازل كقوله: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ فهم على هذا المثال. قلت: يريد ابن عباس أن الله قسم أصحاب اليمين إلى ثلاث منازل كما قسم الخلق في الواقعة إلى ثلاث منازل، فإن أصحاب الشمال المذكورين في الواقعة هم الكفار المنكرون للبعث، فكيف تكون هذه منزلة من منازل أهل الإيمان؟ ويجوز أن يريد أن الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب هم من أهل الشمال، ولكن إيمانهم يجعلهم آخرا من أهل اليمين. وروي من حديث معاوية بن صالح عن علي بن أبي (طلحة) عن ابن عباس في هذه الآية فقال: هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله (سبحانه) كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وروي من حديث عثمان بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب - أو عن رجل عن البراء بن عازب - قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قال: "كلهم ناج وهي هذه الأمة". ورواه الفريابي حدثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن رجل حدثه عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ الآية، قال "كل ناج". وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو فضالة عن الأزهري عبد الله الخزاز، حدثنا من سمع عثمان بن عفان يقول: ألا إن سابقنا أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا ألا وإن ظالمنا أهل بدونا، وقد تقدم حديث عائشة وأبي الدرداء وحذيفة. قالوا: فهذه الآثار يشد بعضها بعضا، وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا يعدل عنها.

فاطر 35:34

وَقالَ أهل الجنَّة ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ لما صارُوا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالُوا ﴿إن رَبنا لغَفُور شكور﴾ وَفِي هَذا معنى التَّعْلِيل. أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته فَإنَّهُ غفر لنا السَّيِّئات وشكر لنا الحَسَنات. وقال في (المدارج) يَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانَ يُصِيبُهم في الدُّنْيا الحَزَنُ، كَما يُصِيبُهم سائِرُ المَصائِبِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِمْ. (فصل) اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين. ولهذا لم يأْمر الله به في موضع قط ولا أثنى عليه، ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابًا، بل نهى عنه في غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنتُمُ الأعْلَوْنَ إن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِى ضِيقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَلا تأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، وقال: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعنا﴾ [التوبة: ٤٠]، فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى أذْهَبَ عَنّا الحزَن﴾ فحمده على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها. وفى الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال". فاستعاذ ﷺ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضى أثر الحزن، وإن كان مصدره خوف الآتى أثر الهم. والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل والجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه، فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال، وضلع الدين وغلبة الرجال قرينان، فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه، وإما من غيره، وإن شئت قلت: إما بحق وإما بباطل من غيره. والمقصود أن النبي ﷺ جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما، وأما أن يكون عبادة مأْمورًا بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه من البليات. ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن .. على تفريطه وتقصيره خدمة ربه وعبوديته، وأما أن يحزن على تورّطه في مخالفته ومعصيه وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه، ولو كان قلبه ميتًا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام، وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكن الحزن لا يجدى عليه، فإنه يضعفه كما تقدم. بل الذي ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر، ويبذل جهده، وهذا نظير من انقطع عن رفقته في السفر، فجلس في الطريق حزينًا كئيبًا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم. فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته، ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم، ويزول عنها وحشة الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقربين وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده في سلوكه، فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك، ولا سيما في ابتداء أمره، فالأول حزن على التفريط في الأعمال، وهذا حزن على نقص حاله مع الله وتفرقة قلبه وكيف صار ظرفًا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده. وأخص من هذا الحزن حزنه على جزءٍ من أجزاءِ قلبه كيف هو خال من محبة الله؟ وعلى جزءٍ من أجزاءِ بدنه كيف هو منصرف في غير محاب الله؟ فهذا حزن الخاصة، ويدخل في هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج. فهذه المراتب من الحزن لا بد منها في الطريق ولكن الكيس من لا يدعها تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به، فإن المكروه إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي يدفعها به فأورثها الحزن، وإن كانت نفسًا كبيرة شريفة لم تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجًا فكرت في طريق ذلك المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه، فكرت في عبودية الله فيه. وكان ذلك عوضًا لها من الحزن، فعلى كل حال لا فائدة لها في الحزن أصلًا والله أعلم. (موعظة) يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة قد رفع لك علم فشمر إليه فقد أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير فما أبقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول هذه منجيتي من عذاب السعير ما المعول إلا على عفوه ومغفرته فكل أحد إليهما فقير أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور. ما تساوي أعمالك لو سلمت مما يبطلها أدنى نعمة من نعمه عليك وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك، فهل رعيتها بالله حق رعايتها؟ وهي في تصريفك وطوع يديك فتعلق بحبل الرجاء، وادخل من باب التوبة، والعمل الصالح ﴿إنه غفور شكور﴾. نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها وعرفه طرق تحصيل السعادة، وأعطاه أسبابها، وحذره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها، وقال إن أطعت فبفضلي، وأنا أشكر، وإن عصيت فبقضائي، وأنا أغفر ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. أزاح عن العبد العلل وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل، ووعده أن يشكر له القليل من العمل، ويغفر له الكثير من الزلل ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أعطاه ما يشكر عليه ثم يشكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه إليه، ووعده على إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقربه لديه، وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها، ولا يفضحه بين يديه ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طمعها وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين والسائلين فسمعها ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يجود على عبيده بالنوافل قبل السؤال ويعطي سائله ومؤمله فوق ما تعلقت به منهم الآمال ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبه عدد الآمواج والحصى والتراب والرمال ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها وأشكر للقليل من جميع خلقه فمن تقرب إليه بمثقال ذرة من الخير شكرها وحمدها ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تعرف إلى عباده بأسمائه وأوصافه وتحبب إليهم بحلمه وآلائه ولم تمنعه معاصيهم بأن جاد عليهم بآلائه ووعد من تاب إليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. السعادة كلها في طاعته والأرباح كلها في معاملته والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله ويعصى فيحلم، ومعصية العبد من ظلمه وجهله ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له حتى كأنه لم يكن قط من أهله ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. الحسنة عنده بعشر أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السماوات والأرض إلى آخر الزمان ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار وسماء عطاه لا تقلع عن الغيث بل هي مدرار ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. لا يلقى وصاياه إلا الصابرون ولا يفوز بعطإياه إلا الشاكرون ولا يهلك عليه إلا الهالكون ولا يشقى بعذابه إلا المتمردون ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فإياك أيها المتمرد أن يأخذك على غرة فإنه غيور وإذا أقمت على معصيته وهو يمدك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور وبشراك أيها التائب بمغفرته ورحمته ﴿إنه غفور شكور﴾. من علم أن الرب شكور تفوع في معاملته ومن عرف أنه واسع المغفرة تعلق بأذيال مغفرته ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من رحمته ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. من تعلق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى تدخله عليه ومن سار إليه بأسمائه الحسنى وصل إليه ومن أحبه أحب أسمائه وصفاته وكانت آثر شيء لديه حياة القلوب في معرفته ومحبته وكمال الجوارح في التقرب إليه بطاعته والقيام بخدمته والألسنة بذكره والثناء عليه بأوصاف مدحته فأهل شكره أهل زيادته وأهل ذكره أهل مجالسته وأهل طاعته أهل كرامته وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته إن تابوا فهو حبيبهم وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم يبتليهم بأنواع المصائب ليكفر عنهم الخطايا ويطهرهم من المعائب ﴿إنه غفور شكور﴾.

فاطر 35:35

وَقالَ أهل الجنَّة ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ لما صارُوا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالُوا ﴿إن رَبنا لغَفُور شكور﴾ وَفِي هَذا معنى التَّعْلِيل. أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته فَإنَّهُ غفر لنا السَّيِّئات وشكر لنا الحَسَنات. وقال في (المدارج) يَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانَ يُصِيبُهم في الدُّنْيا الحَزَنُ، كَما يُصِيبُهم سائِرُ المَصائِبِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِمْ. (فصل) اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين. ولهذا لم يأْمر الله به في موضع قط ولا أثنى عليه، ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابًا، بل نهى عنه في غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنتُمُ الأعْلَوْنَ إن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِى ضِيقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَلا تأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، وقال: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعنا﴾ [التوبة: ٤٠]، فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى أذْهَبَ عَنّا الحزَن﴾ فحمده على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها. وفى الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال". فاستعاذ ﷺ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضى أثر الحزن، وإن كان مصدره خوف الآتى أثر الهم. والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل والجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه، فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال، وضلع الدين وغلبة الرجال قرينان، فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه، وإما من غيره، وإن شئت قلت: إما بحق وإما بباطل من غيره. والمقصود أن النبي ﷺ جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما، وأما أن يكون عبادة مأْمورًا بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه من البليات. ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن .. على تفريطه وتقصيره خدمة ربه وعبوديته، وأما أن يحزن على تورّطه في مخالفته ومعصيه وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه، ولو كان قلبه ميتًا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام، وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكن الحزن لا يجدى عليه، فإنه يضعفه كما تقدم. بل الذي ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر، ويبذل جهده، وهذا نظير من انقطع عن رفقته في السفر، فجلس في الطريق حزينًا كئيبًا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم. فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته، ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم، ويزول عنها وحشة الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقربين وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده في سلوكه، فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك، ولا سيما في ابتداء أمره، فالأول حزن على التفريط في الأعمال، وهذا حزن على نقص حاله مع الله وتفرقة قلبه وكيف صار ظرفًا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده. وأخص من هذا الحزن حزنه على جزءٍ من أجزاءِ قلبه كيف هو خال من محبة الله؟ وعلى جزءٍ من أجزاءِ بدنه كيف هو منصرف في غير محاب الله؟ فهذا حزن الخاصة، ويدخل في هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج. فهذه المراتب من الحزن لا بد منها في الطريق ولكن الكيس من لا يدعها تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به، فإن المكروه إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي يدفعها به فأورثها الحزن، وإن كانت نفسًا كبيرة شريفة لم تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجًا فكرت في طريق ذلك المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه، فكرت في عبودية الله فيه. وكان ذلك عوضًا لها من الحزن، فعلى كل حال لا فائدة لها في الحزن أصلًا والله أعلم. (موعظة) يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة قد رفع لك علم فشمر إليه فقد أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير فما أبقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول هذه منجيتي من عذاب السعير ما المعول إلا على عفوه ومغفرته فكل أحد إليهما فقير أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور. ما تساوي أعمالك لو سلمت مما يبطلها أدنى نعمة من نعمه عليك وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك، فهل رعيتها بالله حق رعايتها؟ وهي في تصريفك وطوع يديك فتعلق بحبل الرجاء، وادخل من باب التوبة، والعمل الصالح ﴿إنه غفور شكور﴾. نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها وعرفه طرق تحصيل السعادة، وأعطاه أسبابها، وحذره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها، وقال إن أطعت فبفضلي، وأنا أشكر، وإن عصيت فبقضائي، وأنا أغفر ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. أزاح عن العبد العلل وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل، ووعده أن يشكر له القليل من العمل، ويغفر له الكثير من الزلل ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أعطاه ما يشكر عليه ثم يشكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه إليه، ووعده على إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقربه لديه، وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها، ولا يفضحه بين يديه ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طمعها وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين والسائلين فسمعها ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يجود على عبيده بالنوافل قبل السؤال ويعطي سائله ومؤمله فوق ما تعلقت به منهم الآمال ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبه عدد الآمواج والحصى والتراب والرمال ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها وأشكر للقليل من جميع خلقه فمن تقرب إليه بمثقال ذرة من الخير شكرها وحمدها ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تعرف إلى عباده بأسمائه وأوصافه وتحبب إليهم بحلمه وآلائه ولم تمنعه معاصيهم بأن جاد عليهم بآلائه ووعد من تاب إليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. السعادة كلها في طاعته والأرباح كلها في معاملته والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله ويعصى فيحلم، ومعصية العبد من ظلمه وجهله ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له حتى كأنه لم يكن قط من أهله ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. الحسنة عنده بعشر أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السماوات والأرض إلى آخر الزمان ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار وسماء عطاه لا تقلع عن الغيث بل هي مدرار ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. لا يلقى وصاياه إلا الصابرون ولا يفوز بعطإياه إلا الشاكرون ولا يهلك عليه إلا الهالكون ولا يشقى بعذابه إلا المتمردون ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فإياك أيها المتمرد أن يأخذك على غرة فإنه غيور وإذا أقمت على معصيته وهو يمدك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور وبشراك أيها التائب بمغفرته ورحمته ﴿إنه غفور شكور﴾. من علم أن الرب شكور تفوع في معاملته ومن عرف أنه واسع المغفرة تعلق بأذيال مغفرته ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من رحمته ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. من تعلق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى تدخله عليه ومن سار إليه بأسمائه الحسنى وصل إليه ومن أحبه أحب أسمائه وصفاته وكانت آثر شيء لديه حياة القلوب في معرفته ومحبته وكمال الجوارح في التقرب إليه بطاعته والقيام بخدمته والألسنة بذكره والثناء عليه بأوصاف مدحته فأهل شكره أهل زيادته وأهل ذكره أهل مجالسته وأهل طاعته أهل كرامته وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته إن تابوا فهو حبيبهم وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم يبتليهم بأنواع المصائب ليكفر عنهم الخطايا ويطهرهم من المعائب ﴿إنه غفور شكور﴾.

فاطر 35:41

وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا أن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ وقوله ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾ وقوله ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهم لَتَزُولُ مِنهُ الجِبالُ﴾ على قراءة من فتح اللام. فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السماوات والأرض فالحلم وإمساكهما أن تزولا هو الصبر فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه. وفى الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى فالذي عنه الإمساك هو صفة الحلم والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله. وفى مسند الإمام أحمد مرفوعا: "ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن الله يمسكه بقدرته وحلمه وصبره وكذلك خرور الجبال وتفطير السماوات الرب تعالى يحبسها عن ذلك بصبره وحلمه فإن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار في مقابلة العظمة والجلال والإكرام يقتضى ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه الأسباب أسبابا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه تقابل تلك الأسباب التي هي سبب زوال العالم وخرابه فدفعت تلك الأسباب وقاومتها. وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها إياه فغلب أثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب، ولهذا استعاذ النبي بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، ثم جمع الأمرين في الذات إذ هما قائمان بها فقال "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك" فإن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه فهو الذي أذن في وقوع الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكونا فمنه السبب والمسبب وهو الذي حرك الأنفس والأبدان وأعطاها قوى التأثير وهو الذي أوجدها وأعدها ومدها وسلطها على ما شاء وهو الذي يمسكها إذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها. ((الجزء الرابع عشر))

يس 36:1

(فصل) والصحيح أن (يس) بمنزلة (حم)، و (الم) ليست أسماء من أسماء النبي. وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم به والمقسم عليه وقوله تعالى ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون متعلقًا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره. (فصل) (وفي النسائي) وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه. ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه: (أحدها) أنه نظير قوله: «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه». (الثاني) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ} فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) وقضى. (الثالث) أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرءون «يس» عند المحتضر. (الرابع) أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» قراءتها عند القبر: لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم. (الخامس) أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود. وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت.

يس 36:2

(فصل) والصحيح أن (يس) بمنزلة (حم)، و (الم) ليست أسماء من أسماء النبي. وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم به والمقسم عليه وقوله تعالى ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون متعلقًا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره. (فصل) (وفي النسائي) وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه. ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه: (أحدها) أنه نظير قوله: «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه». (الثاني) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ} فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) وقضى. (الثالث) أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرءون «يس» عند المحتضر. (الرابع) أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» قراءتها عند القبر: لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم. (الخامس) أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود. وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت.

يس 36:3

(فصل) والصحيح أن (يس) بمنزلة (حم)، و (الم) ليست أسماء من أسماء النبي. وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم به والمقسم عليه وقوله تعالى ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون متعلقًا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره. (فصل) (وفي النسائي) وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه. ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه: (أحدها) أنه نظير قوله: «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه». (الثاني) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ} فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) وقضى. (الثالث) أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرءون «يس» عند المحتضر. (الرابع) أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» قراءتها عند القبر: لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم. (الخامس) أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود. وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت.

يس 36:4

(فصل) والصحيح أن (يس) بمنزلة (حم)، و (الم) ليست أسماء من أسماء النبي. وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم به والمقسم عليه وقوله تعالى ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون متعلقًا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره. (فصل) (وفي النسائي) وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه. ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه: (أحدها) أنه نظير قوله: «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه». (الثاني) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ} فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) وقضى. (الثالث) أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرءون «يس» عند المحتضر. (الرابع) أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اقرءوا «يس» عند موتاكم» قراءتها عند القبر: لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم. (الخامس) أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود. وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت.

يس 36:8

قال الفراء: حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله. وقال أبو عبيدة: منعناهم عن الإيمان بموانع. ولما كان الغل مانعا للمغلول من التصرف والتقلب كان الغل الذي على القلب مانعا من الإيمان. فإن قيل: فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب، فكيف ذكر الغل الذي في العنق. قيل: لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكر محله والمراد به القلب. كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إنسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ ومن هذا قولهم: اثمي في عنقك. وهذا في عنقك. ومن هذا قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ شبه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا غلت إلى العنق. ومن هذا قال الفراء: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا: حبسناهم عن الإنفاق. قال أبو إسحاق: إنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان، أي لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق. فقال أبو علي: هذا مثل قولهم: طوقتك كذا وقلدتك. ومنه: قلده السلطان كذا، أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، ومكان الطوق. قلت: ومن هذا قولهم: قلدت فلانا حكم كذا وكذا. كأنك جعلته طوقا في عنقه. وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها. قال الحسن: هي الشدائد التي كانت في العبادة. كقطع أثر البول والنجاسة، وقتل النفس في التوبة. وقطع الأعضاء الخاطئة. وتتبع العروق من اللحم. وقال ابن قتيبة: هي تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد ﷺ وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع، كما يفيض الغل اليد. وقوله: ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ قالت طائفة: الضمير يعود إلى الأيدي، وإن لم تذكر لدلالة السياق عليها. قالوا: لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد. ولذلك سمي جامعة. وعلى هذا فالمعنى: فأيديهم، أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهم. وهذا قول الفراء والزجاج. وقالت طائفة: الضمير يرجع إلى الأغلال. وهذا هو الظاهر. وقوله: ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ أي واصلة وملزوزة إليها، فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن. وقوله: ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ قال الفراء والزجاج: المقمح: هو الغاض بصره بعد رفع رأسه. ومعنى الإقماح في اللغة رفع الرأس وغض البصر. يقال: أقمح البعير رأسه، وقمح. وقال الأصمعي: بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. قال الأزهري: لما غلت أيديهم إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسها. انتهى. فإن قيل: فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان؟ قيل: أحسن وجه وأبينه. فإن الغل إذا كان في العنق واليد. مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش. فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن منع الرأس من تصويبه. وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه، لا تستطيع له حركة، ثم أكد هذا المعنى والحبس قوله: ﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾.

يس 36:9

قال ابن عباس: منعهم عن الهدى لما سبق في علمه والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى. فأخبر سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الإيمان، عقوبة لهم، ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه وذلك حال يوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم، وضمت أيديهم إليها وجعلوا بين السدين، لا يستطيعون النفوذ من بينها، وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا. وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له ثم جحده وكفر به وعاداه أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقة له أتم مطابقة، وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما بين هذا وبين التصرف. والله المستعان.

يس 36:12

فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم والكتاب المقارن لأعمالهم فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ويجازيهم بأعمالهم ونبه بكتابته لها على ذلك قال ﴿نكتب ما قدموا﴾ من خير أو شر فعلوه في حياتهم وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها بعد موتهم. وقال ابن عباس في رواية عطاء: "آثارهم ما أثروا من خير أو شر" كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فإن قلت قد استفيد هذا من قوله ﴿قدموا﴾ فما أفاد قوله: ﴿آثارَهُمْ﴾ على قوله؟ قلت أفاد فائدة جليلة وهو أنه سبحانه يكتب ما عملوه وما تولد من أعمالهم، فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر وهو أثر أعمالهم، فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها. وهذا القول أعم من قول مقاتل وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة. وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: "نزلت هذه الآية في بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد وكانت منازلهم بعيدة فلما نزلت قالوا: بل نمكث مكاننا. واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" وقد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس وفي هذا القول نظر فإن سورة يس مكية وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يقال هذه الآية وحدها مدنية. وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها إما من النبي ﷺ، وإما من جبريل، فأطلق على ذلك النزول. ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك نزلت مرتين. والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم. قال عمر بن الخطاب: "لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثر" وقال مسروق: "ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة" والمقصود أن قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها. والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظها لها والإحاطة بعددها وإثباتها فيه.

يس 36:20

نبه على موجب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن لا ينبغي أن يخالف ولا يعصى وأنه على هداية ونبه على انتفاء المانع وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رياسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر. ثم قال: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول مستهجن تركها قبيح الإخلال بها فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه ونعمة كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ثم أقبل عليهم مخوفا لهم تخويف الناصح فقال: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دونه أنها باطلة وأن عبادتها باطلة فقال: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣]. فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فبأي وجه يستحق العبادة؟ و ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه. (فائدة) هَذا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ صاحِبِ ياسِينَ، عَلى سَبِيلِ الرِّضاءِ بِهَذِهِ المَقالَةِ، والثَّناءِ عَلى قائِلِها، والإقْرارِ لَهُ عَلَيْها، وكُلُّ واحِدٍ مِن الصَّحابَةِ لَمْ يَسْألْنا أجْرًا، وهم مُهْتَدُونَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعالى خِطابًا لَهُمْ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و" لَعَلَّ " مِن اللَّهِ واجِبٌ وقَوْله تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم - سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤-٥] وقَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَكُلٌّ مِنهم قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وجاهَدَ إمّا بِيَدِهِ أوْ بِلِسانِهِ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ هَداهُمْ، وكُلُّ مَن هَداهُ فَهو مُهْتَدٍ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ بِالآيَةِ.

يس 36:21

نبه على موجب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن لا ينبغي أن يخالف ولا يعصى وأنه على هداية ونبه على انتفاء المانع وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رياسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر. ثم قال: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول مستهجن تركها قبيح الإخلال بها فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه ونعمة كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ثم أقبل عليهم مخوفا لهم تخويف الناصح فقال: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دونه أنها باطلة وأن عبادتها باطلة فقال: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣]. فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فبأي وجه يستحق العبادة؟ و ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه. (فائدة) هَذا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ صاحِبِ ياسِينَ، عَلى سَبِيلِ الرِّضاءِ بِهَذِهِ المَقالَةِ، والثَّناءِ عَلى قائِلِها، والإقْرارِ لَهُ عَلَيْها، وكُلُّ واحِدٍ مِن الصَّحابَةِ لَمْ يَسْألْنا أجْرًا، وهم مُهْتَدُونَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعالى خِطابًا لَهُمْ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و" لَعَلَّ " مِن اللَّهِ واجِبٌ وقَوْله تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم - سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤-٥] وقَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَكُلٌّ مِنهم قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وجاهَدَ إمّا بِيَدِهِ أوْ بِلِسانِهِ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ هَداهُمْ، وكُلُّ مَن هَداهُ فَهو مُهْتَدٍ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ بِالآيَةِ.

يس 36:22

نبه على موجب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن لا ينبغي أن يخالف ولا يعصى وأنه على هداية ونبه على انتفاء المانع وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رياسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر. ثم قال: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول مستهجن تركها قبيح الإخلال بها فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه ونعمة كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ثم أقبل عليهم مخوفا لهم تخويف الناصح فقال: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دونه أنها باطلة وأن عبادتها باطلة فقال: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣]. فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فبأي وجه يستحق العبادة؟ و ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه. (فائدة) هَذا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ صاحِبِ ياسِينَ، عَلى سَبِيلِ الرِّضاءِ بِهَذِهِ المَقالَةِ، والثَّناءِ عَلى قائِلِها، والإقْرارِ لَهُ عَلَيْها، وكُلُّ واحِدٍ مِن الصَّحابَةِ لَمْ يَسْألْنا أجْرًا، وهم مُهْتَدُونَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعالى خِطابًا لَهُمْ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و" لَعَلَّ " مِن اللَّهِ واجِبٌ وقَوْله تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم - سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤-٥] وقَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَكُلٌّ مِنهم قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وجاهَدَ إمّا بِيَدِهِ أوْ بِلِسانِهِ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ هَداهُمْ، وكُلُّ مَن هَداهُ فَهو مُهْتَدٍ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ بِالآيَةِ.

يس 36:41

والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن وقد أخبر أنها مخلوقة وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد. وأبعد من قال إن المثل هاهنا هو سفن البر وهي الإبل لوجهين: أحدهما: أنها لا تسمى مثلا للسفن لا لغة ولا حقيقة فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر: وحقيقة المماثلة أن يكون بين فلك وفلك لا بين جمل وفلك. الثاني أن قوله: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ عقب ذلك دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم فذكرهم بنعمه عليهم من وجهين: أحدهما: ركوبهم إياها. والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق. (مسألة) وَهل تقال الذُّرِّيَّة على الآباء؟ فِيهِ قَولانِ أحدهما أنهم يسمون ذُرِّيَّة أيْضا احْتَجُّوا على ذَلِك بقوله تَعالى ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وَأنكر ذَلِك جماعَة من أهل اللُّغَة وقالُوا لا يجوز هَذا في اللُّغَة والذرية كالنسل والعقب لا تكون إلّا للعمود الأسْفَل، ولِهَذا قالَ تَعالى ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخوانهم﴾ فَذكر جِهات النّسَب الثَّلاث من فَوق ومن أسْفَل ومن الأطْراف. قالُوا: وأما الآيَة الَّتِي استشهدتم بها فَلا دَلِيل لكم فِيها لِأن الذُّرِّيَّة فِيها لم تضف إلَيْهِم إضافَة نسل وإيلاد وإنَّما أضيفت إلَيْهِم بِوَجْه ما والإضافَة تكون بِأدْنى مُلابسَة واختصاص وإذا كانَ الشّاعِر قد أضاف الكَوْكَب في قَوْله ؎(إذا كَوْكَب الخرقاء لاحَ بسحرة ∗∗∗ سُهَيْل أذاعت غزلها في القرائب) فأضاف إليها الكَوْكَب لِأنَّها كانَت تغزل إذا لاحَ وظهر والِاسْم قد يُضاف بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين إلى شَيْئَيْنِ وجهة إضافَته إلى أحدهما غير جِهَة إضافَته إلى الأُخَر قالَ أبُو طالب في النَّبِي ﷺ ؎(لقد علمُوا أن ابننا لا مكذب ∗∗∗ لدينا ولا يعزى لقَوْل الأباطل) فأضاف نبوته إليه بِجِهَة غير جِهَة إضافَته إلى أبِيه عبد الله وهَكَذا لَفْظَة رَسُول الله فَإن الله سُبْحانَهُ يضيفه إلَيْهِ تارَة كَقَوْلِه ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولنا﴾ [المائدة: ١٥] وَتارَة إلى المُرْسل إلَيْهِم كَقَوْلِه ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩] فأضافه سُبْحانَهُ إلَيْهِ إضافَة رَسُول إلى مرسله وأضافه إلَيْهِم إضافَة رَسُول إلى مُرْسل إلَيْهِم. وَكَذا لفظ كِتابه فَإنَّهُ يُضاف إلَيْهِ تارَة فَيُقال كتاب الله ويضاف إلى العباد تارَة فَيُقال كتابنا القُرْآن وكِتابنا خير الكتب وهَذا كثير فَهَكَذا لفظ الذُّرِّيَّة أضيف إلَيْهِم بِجِهَة غير الجِهَة الَّتِي أضيف بها إلى آبائِهِم وَقالَت طائِفَة بل المُراد جنس بني آدم ولم يقْصد الإضافَة إلى المَوْجُودين في زمن النَّبِي ﷺ وإنَّما أُرِيد ذُرِّيَّة الجِنْس وَقالَت طائِفَة بل المُراد بالذرية نَفسها وهَذا أبلغ في قدرته وتعديد نعمه عَلَيْهِم أن حمل ذُرِّيتهمْ في الفلك في أصلاب آبائِهِم والمعْنى أنا حملنا الَّذين هم ذُرِّيَّة هَؤُلاءِ وهم نطف في أصلاب الآباء وقد أشبعنا الكَلام على ذَلِك في = كتاب الرّوح والنَّفس = إذا ثَبت هَذا فالذرية الأوْلاد وأولادهم. وَهل يدْخل فِيها أوْلاد البَنات؟ فِيهِ قَولانِ للْعُلَماء هما رِوايَتانِ عَن أحْمد إحْداهما يدْخلُونَ وهو مَذْهَب الشّافِعِي والثّانيِة لا يدْخلُونَ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة واحْتج من قالَ بدخولهم بِأن المُسلمين مجمعون على دُخُول أوْلاد فاطِمَة رَضِي الله عَنْها في ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ المَطْلُوب لَهُم من الله الصَّلاة لِأن أحدا من بَناته لم يعقب غَيرها فَمن انتسب إلَيْهِ ﷺ من أوْلاد ابْنَته فَإنَّما هو من جِهَة فاطِمَة خاصَّة، ولِهَذا قالَ النَّبِي ﷺ في الحسن ابْن ابْنَته إن ابْني هَذا سيد فَسَماهُ ابْنه ولما أنزل الله سُبْحانَهُ آيَة المباهلة ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبناءنا وأبناءكم﴾ دَعا النَّبِي ﷺ فاطِمَة وحسنًا وحسَيْنا وخرج للمباهلة قالُوا وأيْضًا فقد قالَ تَعالى في حق إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَمن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلياس﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٥] وَمَعْلُوم أن عِيسى لم ينْسب إلى إبْراهِيم إلّا من جِهَة أمه مَرْيَم عَلَيْها السَّلام وَأما من قالَ بِعَدَمِ دُخُولهمْ فحجته أن ولد البَنات إنَّما ينتسبون إلى آبائِهِم حَقِيقَة، ولِهَذا إذا ولد الهُذلِيّ أو التَّيْمِيّ أو العَدوي هاشمية لم يكن ولَدها هاشميًا، فَإن الوَلَد في النّسَب يتبع أباهُ وفي الحُرِّيَّة والرّق أمه وفي الدّين خيرهما دينا ولِهَذا قالَ الشّاعِر ؎(بنونا بَنو أبْنائِنا وبناتنا ∗∗∗ بنوهن أبناء الرِّجال الأباعد) وَلَو وصّى أو وقف على قَبيلَة لم يدْخل فِيها أوْلاد بناتها من غَيرها قالُوا وأما دُخُول أوْلاد فاطِمَة رَضِي الله عَنْها في ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ فلشرف هَذا الأصْل العَظِيم والوالِد الكَرِيم الَّذِي لا يدانيه أحد من العالمين سرى ونفذ إلى أوْلاد البَنات لقُوته وجلالته وعظم قدره، ونحن نرى من لا نِسْبَة لَهُ إلى هَذا الجناب العَظِيم من العظماء والملوك وغَيرهم تسري حُرْمَة إيلادهم وأبوتهم إلى أوْلاد بناتهم فتلحظهم العُيُون بلحظ أبنائهم ويكادون يضربون عَن ذكر آبائِهِم صفحًا فَما الظَّن بِهَذا الإيلاد العَظِيم قدره الجَلِيل خطره قالُوا وأما تمسككم بِدُخُول المَسِيح في ذُرِّيَّة إبْراهِيم فَلا حجَّة لكم فِيهِ فَإن المَسِيح لم يكن لَهُ أب فنسبه من جِهَة الأب مُسْتَحِيل فَقامَتْ أمه مقام أبِيه. وَلِهَذا ينْسبهُ الله سُبْحانَهُ إلى أمهِ كَما ينْسب غَيره من ذَوي الآباء إلى أبِيه، وهَكَذا كل من انْقَطع نسبه من جِهَة الأب إمّا بِلعان أو غَيره فأمه في النّسَب تقوم مقام أبِيه وأمه، ولِهَذا تكون في هَذِه الحال عصبته في أصح الأقْوال، وهو إحْدى الرِّوايات عَن الإمام أحْمد وهو مُقْتَضى النُّصُوص. وَقَول ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ وغَيره والقِياس يشْهد لَهُ بِالصِّحَّةِ لِأن النّسَب في الأصْل للْأب فَإذا انْقَطع من جِهَته عاد إلى الأُم فَلَو قدر عوده من جِهَة الأب رَجَعَ من الأُم إلَيْهِ. وَهَكَذا كَما اتّفق النّاس عَلَيْهِ في الوَلاء أنه لموالِي الأب، فَإذا تعذر رُجُوعه إلَيْهِم صار لموالِي الأُم فَإذا أمكن عوده إلَيْهِم رَجَعَ من موالِي الأُم إلى معدنه وقراره. وَمَعْلُوم أن الوَلاء فرع على النّسَب يحتذى فِيهِ حذوه، فَإذا كانَ عصبات الأُم من الوَلاء عصبات لهَذا المولى الَّذِي انْقَطع تعصيبه من جِهَة موالِي أبِيه فَلِأن تكون عصبات الأُم من النّسَب عصبات لهَذا الوَلَد الَّذِي انْقَطع تعصيبه من جِهَة أبِيه بطرِيق الأولى، وإلّا فَكيف يثبت هَذا الحكم في الوَلاء، ولا يثبت في النّسَب الَّذِي غايَته أن يكون مشبهًا بِهِ مفرعا عَلَيْهِ. وَهَذا مِمّا يدل على أن القياس الصَّحِيح لا يُفارق النَّص أصلا، ويدلك على عمق علم الصَّحابَة رَضِي الله عَنْهُم، وبلوغهم في العلم إلى غايَة يقصر عَن نيلها السباق، وذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشاء والله ذُو الفضل العَظِيم.

يس 36:42

والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن وقد أخبر أنها مخلوقة وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد. وأبعد من قال إن المثل هاهنا هو سفن البر وهي الإبل لوجهين: أحدهما: أنها لا تسمى مثلا للسفن لا لغة ولا حقيقة فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر: وحقيقة المماثلة أن يكون بين فلك وفلك لا بين جمل وفلك. الثاني أن قوله: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ عقب ذلك دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم فذكرهم بنعمه عليهم من وجهين: أحدهما: ركوبهم إياها. والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق. (مسألة) وَهل تقال الذُّرِّيَّة على الآباء؟ فِيهِ قَولانِ أحدهما أنهم يسمون ذُرِّيَّة أيْضا احْتَجُّوا على ذَلِك بقوله تَعالى ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وَأنكر ذَلِك جماعَة من أهل اللُّغَة وقالُوا لا يجوز هَذا في اللُّغَة والذرية كالنسل والعقب لا تكون إلّا للعمود الأسْفَل، ولِهَذا قالَ تَعالى ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخوانهم﴾ فَذكر جِهات النّسَب الثَّلاث من فَوق ومن أسْفَل ومن الأطْراف. قالُوا: وأما الآيَة الَّتِي استشهدتم بها فَلا دَلِيل لكم فِيها لِأن الذُّرِّيَّة فِيها لم تضف إلَيْهِم إضافَة نسل وإيلاد وإنَّما أضيفت إلَيْهِم بِوَجْه ما والإضافَة تكون بِأدْنى مُلابسَة واختصاص وإذا كانَ الشّاعِر قد أضاف الكَوْكَب في قَوْله ؎(إذا كَوْكَب الخرقاء لاحَ بسحرة ∗∗∗ سُهَيْل أذاعت غزلها في القرائب) فأضاف إليها الكَوْكَب لِأنَّها كانَت تغزل إذا لاحَ وظهر والِاسْم قد يُضاف بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين إلى شَيْئَيْنِ وجهة إضافَته إلى أحدهما غير جِهَة إضافَته إلى الأُخَر قالَ أبُو طالب في النَّبِي ﷺ ؎(لقد علمُوا أن ابننا لا مكذب ∗∗∗ لدينا ولا يعزى لقَوْل الأباطل) فأضاف نبوته إليه بِجِهَة غير جِهَة إضافَته إلى أبِيه عبد الله وهَكَذا لَفْظَة رَسُول الله فَإن الله سُبْحانَهُ يضيفه إلَيْهِ تارَة كَقَوْلِه ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولنا﴾ [المائدة: ١٥] وَتارَة إلى المُرْسل إلَيْهِم كَقَوْلِه ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩] فأضافه سُبْحانَهُ إلَيْهِ إضافَة رَسُول إلى مرسله وأضافه إلَيْهِم إضافَة رَسُول إلى مُرْسل إلَيْهِم. وَكَذا لفظ كِتابه فَإنَّهُ يُضاف إلَيْهِ تارَة فَيُقال كتاب الله ويضاف إلى العباد تارَة فَيُقال كتابنا القُرْآن وكِتابنا خير الكتب وهَذا كثير فَهَكَذا لفظ الذُّرِّيَّة أضيف إلَيْهِم بِجِهَة غير الجِهَة الَّتِي أضيف بها إلى آبائِهِم وَقالَت طائِفَة بل المُراد جنس بني آدم ولم يقْصد الإضافَة إلى المَوْجُودين في زمن النَّبِي ﷺ وإنَّما أُرِيد ذُرِّيَّة الجِنْس وَقالَت طائِفَة بل المُراد بالذرية نَفسها وهَذا أبلغ في قدرته وتعديد نعمه عَلَيْهِم أن حمل ذُرِّيتهمْ في الفلك في أصلاب آبائِهِم والمعْنى أنا حملنا الَّذين هم ذُرِّيَّة هَؤُلاءِ وهم نطف في أصلاب الآباء وقد أشبعنا الكَلام على ذَلِك في = كتاب الرّوح والنَّفس = إذا ثَبت هَذا فالذرية الأوْلاد وأولادهم. وَهل يدْخل فِيها أوْلاد البَنات؟ فِيهِ قَولانِ للْعُلَماء هما رِوايَتانِ عَن أحْمد إحْداهما يدْخلُونَ وهو مَذْهَب الشّافِعِي والثّانيِة لا يدْخلُونَ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة واحْتج من قالَ بدخولهم بِأن المُسلمين مجمعون على دُخُول أوْلاد فاطِمَة رَضِي الله عَنْها في ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ المَطْلُوب لَهُم من الله الصَّلاة لِأن أحدا من بَناته لم يعقب غَيرها فَمن انتسب إلَيْهِ ﷺ من أوْلاد ابْنَته فَإنَّما هو من جِهَة فاطِمَة خاصَّة، ولِهَذا قالَ النَّبِي ﷺ في الحسن ابْن ابْنَته إن ابْني هَذا سيد فَسَماهُ ابْنه ولما أنزل الله سُبْحانَهُ آيَة المباهلة ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبناءنا وأبناءكم﴾ دَعا النَّبِي ﷺ فاطِمَة وحسنًا وحسَيْنا وخرج للمباهلة قالُوا وأيْضًا فقد قالَ تَعالى في حق إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَمن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلياس﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٥] وَمَعْلُوم أن عِيسى لم ينْسب إلى إبْراهِيم إلّا من جِهَة أمه مَرْيَم عَلَيْها السَّلام وَأما من قالَ بِعَدَمِ دُخُولهمْ فحجته أن ولد البَنات إنَّما ينتسبون إلى آبائِهِم حَقِيقَة، ولِهَذا إذا ولد الهُذلِيّ أو التَّيْمِيّ أو العَدوي هاشمية لم يكن ولَدها هاشميًا، فَإن الوَلَد في النّسَب يتبع أباهُ وفي الحُرِّيَّة والرّق أمه وفي الدّين خيرهما دينا ولِهَذا قالَ الشّاعِر ؎(بنونا بَنو أبْنائِنا وبناتنا ∗∗∗ بنوهن أبناء الرِّجال الأباعد) وَلَو وصّى أو وقف على قَبيلَة لم يدْخل فِيها أوْلاد بناتها من غَيرها قالُوا وأما دُخُول أوْلاد فاطِمَة رَضِي الله عَنْها في ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ فلشرف هَذا الأصْل العَظِيم والوالِد الكَرِيم الَّذِي لا يدانيه أحد من العالمين سرى ونفذ إلى أوْلاد البَنات لقُوته وجلالته وعظم قدره، ونحن نرى من لا نِسْبَة لَهُ إلى هَذا الجناب العَظِيم من العظماء والملوك وغَيرهم تسري حُرْمَة إيلادهم وأبوتهم إلى أوْلاد بناتهم فتلحظهم العُيُون بلحظ أبنائهم ويكادون يضربون عَن ذكر آبائِهِم صفحًا فَما الظَّن بِهَذا الإيلاد العَظِيم قدره الجَلِيل خطره قالُوا وأما تمسككم بِدُخُول المَسِيح في ذُرِّيَّة إبْراهِيم فَلا حجَّة لكم فِيهِ فَإن المَسِيح لم يكن لَهُ أب فنسبه من جِهَة الأب مُسْتَحِيل فَقامَتْ أمه مقام أبِيه. وَلِهَذا ينْسبهُ الله سُبْحانَهُ إلى أمهِ كَما ينْسب غَيره من ذَوي الآباء إلى أبِيه، وهَكَذا كل من انْقَطع نسبه من جِهَة الأب إمّا بِلعان أو غَيره فأمه في النّسَب تقوم مقام أبِيه وأمه، ولِهَذا تكون في هَذِه الحال عصبته في أصح الأقْوال، وهو إحْدى الرِّوايات عَن الإمام أحْمد وهو مُقْتَضى النُّصُوص. وَقَول ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ وغَيره والقِياس يشْهد لَهُ بِالصِّحَّةِ لِأن النّسَب في الأصْل للْأب فَإذا انْقَطع من جِهَته عاد إلى الأُم فَلَو قدر عوده من جِهَة الأب رَجَعَ من الأُم إلَيْهِ. وَهَكَذا كَما اتّفق النّاس عَلَيْهِ في الوَلاء أنه لموالِي الأب، فَإذا تعذر رُجُوعه إلَيْهِم صار لموالِي الأُم فَإذا أمكن عوده إلَيْهِم رَجَعَ من موالِي الأُم إلى معدنه وقراره. وَمَعْلُوم أن الوَلاء فرع على النّسَب يحتذى فِيهِ حذوه، فَإذا كانَ عصبات الأُم من الوَلاء عصبات لهَذا المولى الَّذِي انْقَطع تعصيبه من جِهَة موالِي أبِيه فَلِأن تكون عصبات الأُم من النّسَب عصبات لهَذا الوَلَد الَّذِي انْقَطع تعصيبه من جِهَة أبِيه بطرِيق الأولى، وإلّا فَكيف يثبت هَذا الحكم في الوَلاء، ولا يثبت في النّسَب الَّذِي غايَته أن يكون مشبهًا بِهِ مفرعا عَلَيْهِ. وَهَذا مِمّا يدل على أن القياس الصَّحِيح لا يُفارق النَّص أصلا، ويدلك على عمق علم الصَّحابَة رَضِي الله عَنْهُم، وبلوغهم في العلم إلى غايَة يقصر عَن نيلها السباق، وذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشاء والله ذُو الفضل العَظِيم.

يس 36:55

(فصل: في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذة ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف وأنه لا يوجب غسلا) قد تقدم حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله ﷺ: أنفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" وأن إسناده صحيح. وتقدم حديث أبي موسى المتفق عليه صحته "إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا له فيها أهلون يطوف عليهم" وحديث أنس "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساء" وصححه الترمذي. وروى الطبراني وعبد الله بن أحمد وغيرهما من حديث لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله ﷺ على ما يطلع من الجنة قال: "على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله وأزواج مطهرة قلت: يا رسول الله ﷺ أو لنا فيها أزواج مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذذوا بهن لذاتكم في الدنيا وتلذذكم غير أن لا توالد" وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: يا رسول الله ﷺ أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا" وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي حدثنا يعلى بن عبد الرحمن الواسطي حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا" قال الطبراني لم يروه عن عاصم إلا شريك تفرد به عن يعلى. قال الطبراني وحدثنا عبدان بن أحمد حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا صدقة عن هاشم بن زيد عن سليم بن أبي يحيى أنه سمع أبا أمامة يحدث أنه سمع رسول الله وسئل هل يتناكح أهل الجنة؟ قال "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما" قال الطبراني وحدثنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا سويد بن سعيد حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ سئل: أيجامع أهل الجنة قال: "دحا دحا ولكن لا مني ولا منية" وهاشم وخالد وإن تكلم فيهما فليس الاعتماد عليهما. وقوله: لا منى ولا منية أي لا إنزال ولا موت وقال أبو نعيم حدثنا أبو على محمد بن أحمد حدثنا بشر بن موسى حدثنا أبو عبد الرحمن المقريء حدثنا عبد الحمن بن زياد حدثنا عمارة بن راشد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه سئل هل يمس أهل الجنة أزواجهم قال: "نعم والذي بعثني بالحق بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع" وقال الحسن بن سفيان في مسنده حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: سئل رسول الله هل ينكح أهل الجنة قال: "إي والذي بعثني بالحق دحما دحما وأشار بيده ولكن لا مني ولا منية" وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال: في افتضاض الأبكار. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو الربيع الزهراني ومحمد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب ابن عبد الله حدثنا حفص بن حميد عن بشر بن عطية عن شفيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال شغلهم افتضاض العذارى. وقال الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا العباس بن الوليد أخبرني شعيب عن الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال شغلهم افتضاض الأبكار قال مقاتل شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النار فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم وقال أبو الأحوص شغلوا بافتضاض الأبكار عن السرر في الحجال. وقال سليمان التيمي عن أبي مجلز قلت لابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ما شغلهم؟ قال: افتضاض الأبكار. وقال ابن أبي الدنيا حدثنا فضيل بن عبد الواحد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في شغل فاكهون قال في افتضاض العذارى. حدثنا إسحاق ابن إبراهيم حدثنا يحيى بن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير "إن شهوته لتجري في جسده سبعين عاما يجد اللذة، ولا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهير ولا ضعف ولا انحلال قوة، بل وطئهم وطء التذاذ ونعيم لا آفة فيه بوجه من الوجوه" وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي ﷺ: "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك اشد الخوف. وذكر الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال: "ما هذا" قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم فقال أوَكلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾.

يس 36:56

(فصل: في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذة ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف وأنه لا يوجب غسلا) قد تقدم حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله ﷺ: أنفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" وأن إسناده صحيح. وتقدم حديث أبي موسى المتفق عليه صحته "إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا له فيها أهلون يطوف عليهم" وحديث أنس "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساء" وصححه الترمذي. وروى الطبراني وعبد الله بن أحمد وغيرهما من حديث لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله ﷺ على ما يطلع من الجنة قال: "على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله وأزواج مطهرة قلت: يا رسول الله ﷺ أو لنا فيها أزواج مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذذوا بهن لذاتكم في الدنيا وتلذذكم غير أن لا توالد" وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: يا رسول الله ﷺ أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا" وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي حدثنا يعلى بن عبد الرحمن الواسطي حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا" قال الطبراني لم يروه عن عاصم إلا شريك تفرد به عن يعلى. قال الطبراني وحدثنا عبدان بن أحمد حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا صدقة عن هاشم بن زيد عن سليم بن أبي يحيى أنه سمع أبا أمامة يحدث أنه سمع رسول الله وسئل هل يتناكح أهل الجنة؟ قال "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما" قال الطبراني وحدثنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا سويد بن سعيد حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ سئل: أيجامع أهل الجنة قال: "دحا دحا ولكن لا مني ولا منية" وهاشم وخالد وإن تكلم فيهما فليس الاعتماد عليهما. وقوله: لا منى ولا منية أي لا إنزال ولا موت وقال أبو نعيم حدثنا أبو على محمد بن أحمد حدثنا بشر بن موسى حدثنا أبو عبد الرحمن المقريء حدثنا عبد الحمن بن زياد حدثنا عمارة بن راشد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه سئل هل يمس أهل الجنة أزواجهم قال: "نعم والذي بعثني بالحق بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع" وقال الحسن بن سفيان في مسنده حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: سئل رسول الله هل ينكح أهل الجنة قال: "إي والذي بعثني بالحق دحما دحما وأشار بيده ولكن لا مني ولا منية" وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال: في افتضاض الأبكار. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو الربيع الزهراني ومحمد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب ابن عبد الله حدثنا حفص بن حميد عن بشر بن عطية عن شفيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال شغلهم افتضاض العذارى. وقال الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا العباس بن الوليد أخبرني شعيب عن الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال شغلهم افتضاض الأبكار قال مقاتل شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النار فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم وقال أبو الأحوص شغلوا بافتضاض الأبكار عن السرر في الحجال. وقال سليمان التيمي عن أبي مجلز قلت لابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ما شغلهم؟ قال: افتضاض الأبكار. وقال ابن أبي الدنيا حدثنا فضيل بن عبد الواحد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في شغل فاكهون قال في افتضاض العذارى. حدثنا إسحاق ابن إبراهيم حدثنا يحيى بن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير "إن شهوته لتجري في جسده سبعين عاما يجد اللذة، ولا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهير ولا ضعف ولا انحلال قوة، بل وطئهم وطء التذاذ ونعيم لا آفة فيه بوجه من الوجوه" وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي ﷺ: "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك اشد الخوف. وذكر الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال: "ما هذا" قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم فقال أوَكلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾.

يس 36:57

فـ (قولا) منصوب على المصدر، وفعله ما تضمنه سلام من القول، لأن السلام قول. وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ثم يتوارى عنهم فتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم" (ضعيف). وفي سنن ابن ماجه مرفوعا "أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة عمر" (ضعيف جدا وفيه نكارة). (فصل) قالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرانَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ حُمَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ أقْبَلَ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ فَسَلَّمَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ في أوَّلِ دَرَجَةٍ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلامَ قالَ القُرَظِيُّ: فَهَذا في القُرْآنِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَيَقُولُ: سَلُونِي؟ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ في دَرَجِهِمْ حَتّى يَسْتَوِيَ عَلى عَرْشِهِ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إلَيْهِمْ. وقال في روضة المحبين: وفي سنن ابن ماجة وحرب السكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ فيرفعون رؤوسهم فينظرون إليه وينظر إليهم ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم" لفظ حديث حرب. فما ظن المحبين بلذة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم وقد كان من دعاء النبي ﷺ: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" ذكره الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه ثم اختر لنفسك ؎أنت القتيل بكل من أحببته ∗∗∗ فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي قال هشام بن حسان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة. وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال: "إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وشجره الذهب الرطب، وورقه الزمرد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء؟ فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي. قال فيرفع الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب، فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم، فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري، فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول: طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أُعددت له، وذلك قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"

يس 36:58

فـ (قولا) منصوب على المصدر، وفعله ما تضمنه سلام من القول، لأن السلام قول. وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ثم يتوارى عنهم فتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم" (ضعيف). وفي سنن ابن ماجه مرفوعا "أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة عمر" (ضعيف جدا وفيه نكارة). (فصل) قالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرانَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ حُمَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ أقْبَلَ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ فَسَلَّمَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ في أوَّلِ دَرَجَةٍ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلامَ قالَ القُرَظِيُّ: فَهَذا في القُرْآنِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَيَقُولُ: سَلُونِي؟ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ في دَرَجِهِمْ حَتّى يَسْتَوِيَ عَلى عَرْشِهِ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إلَيْهِمْ. وقال في روضة المحبين: وفي سنن ابن ماجة وحرب السكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ فيرفعون رؤوسهم فينظرون إليه وينظر إليهم ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم" لفظ حديث حرب. فما ظن المحبين بلذة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم وقد كان من دعاء النبي ﷺ: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" ذكره الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه ثم اختر لنفسك ؎أنت القتيل بكل من أحببته ∗∗∗ فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي قال هشام بن حسان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة. وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال: "إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وشجره الذهب الرطب، وورقه الزمرد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء؟ فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي. قال فيرفع الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب، فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم، فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري، فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول: طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أُعددت له، وذلك قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"

يس 36:60

وَهَلْ قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن شارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ في مَحْضِ حَقِّهِ مِنَ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والطّاعَةِ والذُّلِّ والخُضُوعِ والخَوْفِ والرَّجاءِ؟ فَلَوْ جَعَلَ لَهُ مِن أقْرَبِ الخَلْقِ إلَيْهِ شَرِيكًا في ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ جَراءَةً وتَوَثُّبًا عَلى مَحْضِ حَقِّهِ واسْتِهانَةً بِهِ وتَشْرِيكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ولا يَنْبَغِي ولا يَصْلُحُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَكَيْفَ وإنَّما شَرَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ أبْغَضَ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأهْوَنَهم عَلَيْهِ، وأمْقَتَهم عِنْدَهُ، وهو عَدُوُّهُ عَلى الحَقِيقَةِ؟ فَإنَّهُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا الشَّيْطانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾. وَلَمّا عَبَدَ المُشْرِكُونَ المَلائِكَةَ بِزَعْمِهِمْ وقَعَتْ عِبادَتُهم في نَفْسِ الأمْرِ لِلشَّياطِينِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ - قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١]. فالشَّيْطانُ يَدْعُو المُشْرِكَ إلى عِبادَتِهِ، ويُوهِمُهم أنَّهُ مَلَكٌ، وكَذَلِكَ عُبّادُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وهي الَّتِي تُخاطِبُهُمْ، وتَقْضِي لَهُمُ الحَوائِجَ، ولِهَذا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قارَنَها الشَّيْطانُ، فَيَسْجُدُ لَها الكُفّارُ، فَيَقَعُ سُجُودُهم لَهُ، وكَذَلِكَ عِنْدَ غُرُوبِها، وكَذَلِكَ مَن عَبَدَ المَسِيحَ وأُمَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُما وإنَّما عَبَدَ الشَّيْطانَ. فَإنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ يَعْبُدُ مَن أمَرَهُ بِعِبادَتِهِ وعِبادَةِ أُمِّهِ، ورَضِيَها لَهم وأمَرَهم بِها، وهَذا هو الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، لا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَنَزَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ - وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. فَما عَبَدَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرَ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ إلّا وقَعَتْ عِبادَتُهُ لِلشَّيْطانِ، فَيَسْتَمْتِعُ العابِدُ بِالمَعْبُودِ في حُصُولِ غَرَضِهِ، ويَسْتَمْتِعُ المَعْبُودُ بِالعابِدِ في تَعْظِيمِهِ لَهُ، وإشْراكِهِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ رِضا الشَّيْطانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. فَهَذِهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى السِّرِّ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ الشِّرْكُ أكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُهُ بِغَيْرِ التَّوْبَةِ مِنهُ، وأنَّهُ يُوجِبُ الخُلُودَ في العَذابِ، وأنَّهُ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ وقُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَشْرَعَ لِعِبادِهِ عِبادَةَ إلَهٍ غَيْرِهِ، كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ أوْصافَ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِالمُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ والعَظْمَةِ والإجْلالِ أنْ يَأْذَنَ في مُشارَكَتِهِ في ذَلِكَ، أوْ يَرْضى بِهِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

يس 36:61

وَهَلْ قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن شارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ في مَحْضِ حَقِّهِ مِنَ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والطّاعَةِ والذُّلِّ والخُضُوعِ والخَوْفِ والرَّجاءِ؟ فَلَوْ جَعَلَ لَهُ مِن أقْرَبِ الخَلْقِ إلَيْهِ شَرِيكًا في ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ جَراءَةً وتَوَثُّبًا عَلى مَحْضِ حَقِّهِ واسْتِهانَةً بِهِ وتَشْرِيكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ولا يَنْبَغِي ولا يَصْلُحُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَكَيْفَ وإنَّما شَرَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ أبْغَضَ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأهْوَنَهم عَلَيْهِ، وأمْقَتَهم عِنْدَهُ، وهو عَدُوُّهُ عَلى الحَقِيقَةِ؟ فَإنَّهُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا الشَّيْطانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾. وَلَمّا عَبَدَ المُشْرِكُونَ المَلائِكَةَ بِزَعْمِهِمْ وقَعَتْ عِبادَتُهم في نَفْسِ الأمْرِ لِلشَّياطِينِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ - قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١]. فالشَّيْطانُ يَدْعُو المُشْرِكَ إلى عِبادَتِهِ، ويُوهِمُهم أنَّهُ مَلَكٌ، وكَذَلِكَ عُبّادُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وهي الَّتِي تُخاطِبُهُمْ، وتَقْضِي لَهُمُ الحَوائِجَ، ولِهَذا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قارَنَها الشَّيْطانُ، فَيَسْجُدُ لَها الكُفّارُ، فَيَقَعُ سُجُودُهم لَهُ، وكَذَلِكَ عِنْدَ غُرُوبِها، وكَذَلِكَ مَن عَبَدَ المَسِيحَ وأُمَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُما وإنَّما عَبَدَ الشَّيْطانَ. فَإنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ يَعْبُدُ مَن أمَرَهُ بِعِبادَتِهِ وعِبادَةِ أُمِّهِ، ورَضِيَها لَهم وأمَرَهم بِها، وهَذا هو الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، لا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَنَزَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ - وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. فَما عَبَدَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرَ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ إلّا وقَعَتْ عِبادَتُهُ لِلشَّيْطانِ، فَيَسْتَمْتِعُ العابِدُ بِالمَعْبُودِ في حُصُولِ غَرَضِهِ، ويَسْتَمْتِعُ المَعْبُودُ بِالعابِدِ في تَعْظِيمِهِ لَهُ، وإشْراكِهِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ رِضا الشَّيْطانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. فَهَذِهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى السِّرِّ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ الشِّرْكُ أكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُهُ بِغَيْرِ التَّوْبَةِ مِنهُ، وأنَّهُ يُوجِبُ الخُلُودَ في العَذابِ، وأنَّهُ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ وقُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَشْرَعَ لِعِبادِهِ عِبادَةَ إلَهٍ غَيْرِهِ، كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ أوْصافَ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِالمُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ والعَظْمَةِ والإجْلالِ أنْ يَأْذَنَ في مُشارَكَتِهِ في ذَلِكَ، أوْ يَرْضى بِهِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

يس 36:69

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ قِسْمانِ: حَيٌّ قابِلٌ لِلِانْتِفاعِ، يَقْبَلُ الإنْذارَ ويَنْتَفِعُ بِهِ، ومَيِّتٌ لا يَقْبَلُ الإنْذارَ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، لِأنَّ أرْضَهُ غَيْرُ زاكِيَةٍ ولا قابِلَةٍ لِخَيْرٍ ألْبَتَّةَ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالعَذابِ، وتَكُونُ عُقُوبَتُهُ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلْهُدى والإيمانِ، بَلْ لِأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ ولا فاعِلٍ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ كَوْنُهُ غَيْرَ قابِلٍ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِالرَّسُولِ، إذْ لَوْ عَذَّبَهُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لَقالَ: لَوْ جاءَنِي رَسُولٌ مِنكَ لامْتَثَلْتُ أمْرَكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ، فَأمَرَهُ ونَهاهُ، فَعَصى الرَّسُولَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلْهُدى، فَعُوقِبَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فاعِلٍ، فَحَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ جاءَهُ الرَّسُولُ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] وَحَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦].

يس 36:70

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ قِسْمانِ: حَيٌّ قابِلٌ لِلِانْتِفاعِ، يَقْبَلُ الإنْذارَ ويَنْتَفِعُ بِهِ، ومَيِّتٌ لا يَقْبَلُ الإنْذارَ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، لِأنَّ أرْضَهُ غَيْرُ زاكِيَةٍ ولا قابِلَةٍ لِخَيْرٍ ألْبَتَّةَ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالعَذابِ، وتَكُونُ عُقُوبَتُهُ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلْهُدى والإيمانِ، بَلْ لِأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ ولا فاعِلٍ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ كَوْنُهُ غَيْرَ قابِلٍ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِالرَّسُولِ، إذْ لَوْ عَذَّبَهُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لَقالَ: لَوْ جاءَنِي رَسُولٌ مِنكَ لامْتَثَلْتُ أمْرَكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ، فَأمَرَهُ ونَهاهُ، فَعَصى الرَّسُولَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلْهُدى، فَعُوقِبَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فاعِلٍ، فَحَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ جاءَهُ الرَّسُولُ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] وَحَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦].

يس 36:78

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ. وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى. (فصل) وقال في: (الصواعق المرسلة) وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. [فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ] وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)». فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ. وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.

يس 36:79

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ. وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى. (فصل) وقال في: (الصواعق المرسلة) وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. [فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ] وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)». فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ. وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.

يس 36:80

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ. وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى. (فصل) وقال في: (الصواعق المرسلة) وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. [فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ] وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)». فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ. وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.

يس 36:81

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ. وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى. (فصل) وقال في: (الصواعق المرسلة) وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. [فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ] وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)». فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ. وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.

يس 36:82

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ. وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى. (فصل) وقال في: (الصواعق المرسلة) وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. [فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ] وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)». فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ. وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.

يس 36:83

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ. وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ. ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى. (فصل) وقال في: (الصواعق المرسلة) وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. [فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ] وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)». فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ. وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.