Tafsir Ibn Uthaymeen — الفرقان 25:23 – الفرقان 25:33
المحتويات
الفرقان 25:23
قال الله تبارك وتعالى: (﴿تَبَارَكَ﴾ تكاثَرَ خير، ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان ١٠]).
نشوف المؤلف في أول السورة فسَّر ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ١] بأي شيء؟
* طالب: (تعالى).
* الشيخ: بـ(تعالى)، وهنا: (تكاثَرَ خيرُه)، فهل معنى ذلك أن هذه الكلمة خاضعة للسياق وأنها تفسر في سياق بمعنى (تعالى) وفي سياق بمعنى (تكاثر خيره)؟
ظاهر صنيع المؤلف أنها كذلك؛ أن هذه الكلمة (تَبَارَكَ) إن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه، وإن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه. ولكننا أشرنا فيما سبق إلى أنها وإن دلت على التعالي فهي دالة أيضًا على كثرة الخير؛ لأنها من البركة، والبركة هي كثرة الخير مع دوامه، مأخوذة من البِركة التي هي مجمع الماء، ففيها ماءٌ ثابتٌ وكثيرٌ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ أي: تعالى مع كثرة الخيرات، ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
جملة صلة الموصول هنا شرطية، أو لا؟ الجملة التي وصل بها الموصول شرطية، وهي ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾، فنستفيد من ذلك أن صلة الموصول تأتي شرطية، وإذا أتت شرطية فلا بُدَّ من وجود فعل الشرط وجواب الشرط، ثم نقول: الجملة من فعل الشرط وجوابه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ والمراد به الله سبحانه وتعالى، (﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي قالوه من الكنز والبستان). ما هو الخير؟ أبدل منه قوله: (﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة، ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالجزم، ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ أيضًا، وفي قراءة بالرفع استئنافًا) (...) كذلك.
وقول المؤلف: (أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة) ما له داعٍ؛ لأن السياق يغني عن هذا القيد؛ إذ إن هؤلاء يقترحون أن تكون الأمور السابقة لهم في الآخرة ولَّا في الدنيا؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: في الدنيا، فيقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾، فالقيد الذي ذكر المؤلف كأنه يقول: جوابًا على الإيراد الذي يرد علينا -وهو أن الله تعالى قد شاء أن يعطي رسوله جنة الآخرة- نقيد الآية بالدنيا، نقول: ما حاجة إلى هذا القيد؛ لأنهم هم لا يريدون أن الله يجعل له كنزًا وجنة في الآخرة، يريدون أن تكون له في الدنيا، فيقول الله: لو شاء الله أن يجعل لك ذلك لجعل لك خيرًا منه، وهي هذه البساتين، وهم يقولون: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، واللي بيجعل الله بدلًا عنها لو شاء: ﴿جَنَّاتٍ﴾، ما هي جنة واحدة.
أيضًا ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، الجنة ربما يُؤْكَل منها وهي ليس فيها أنهار، يمكن تشرب النخيل والأشجار بعروقها. لكن هنا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أبلغ وأتم؛ لأن لجريان الماء في أنهاره شهوةً بصريةً يتلذذ بها الإنسان عند رؤيته إياه، زيادة على كثرة الماء على البستان الذي يكون سببًا لكثرة نمائه وقوته.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فيها قراءتان: ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالسكون، ﴿وَيَجْعَلُ﴾ بالرفع.
على قراءة السكون ويش تكون معطوفة عليه؟ على جواب الشرط: ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾ ﴿وَيَجْعَلْ﴾، وعلى قراءة الرفع يقول المؤلف: (استئنافًا). ولكنه ليس متعينًا حتى على قراءة الرفع، يعني كأنه يقول: وهو يجعل لك قصورًا، وليس كذلك، يعني لا تفهموا منه هذا الأمر، (استئنافًا) من حيث الإعراب لا من حيث المعنى؛ لأن المعنى مضافًا إلى ما سبق، لكنه من حيث الإعراب يجوز فيه الجزم اتباعًا للفظ، ويجوز الرفع (استئنافًا)، ويكون عطف جملة على جملة.
يقول ابن مالك في ألفيته:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ∗∗∗ ...........................
يعني: إذا كان فعل الشرط ماضيًا، فرفع (الجزاء) إذا كان مضارعًا.
......رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ∗∗∗ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ
يعني: ضعف، وهو جائز لكنه ضعيف.
يستفاد من هذه الآيات: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول ﷺ بالدفاع عنه، وعناية الله بالرسول بالدفاع عنه ليست عناية به وحده، بل حتى في الأمة؛ لأن ذلك يزيل الشبه التي يحتج بها المبطلون، وإزالة الشبه عن الأمة هذه من رحمة الله تعالى بهم، والله الموفق. (...)
* * *
﴿كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان ١١] لمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما جنى به هؤلاء عليه وعلى وحيه وعلى رسوله والجوابَ على ذلك ذكَرَ أمرًا آخر وهو تكذيبهم بالساعة، وأتى بـ(بَل) الدالة على الانتقال، وهذا الانتقال ليس إبطالًا لما سبق، بل إضافة شيء آخر إليه، وهو قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾.
والمراد ﴿بِالسَّاعَةِ﴾ يوم القيامة، وكلمة (الساعة) تُطْلَق في اللغة على كل أمر هامٍّ، كأنه لا يوجد إلا هذه الساعة التي يشار إليها بهذا الزمن، وإلا فهي في الأصل لكل مدة من الزمان قليلة كانت أم كثيرة، لكنها تُطْلَق كثيرًا على ما يحدث فيه أمر هامٍّ، وذلك كما هنا.
﴿كَذَّبُوا﴾ بها، التكذيب بالساعة يشمل التكذيب بوقوعها رأسًا؛ بأن يقول: لا بعث، أو التكذيب بما يقع فيها من الأمور؛ كالحساب والكتب والصراط والحوض والشفاعة، وما أشبه ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بوقوعه وبما يقع فيه، فإذا كذَّب به الإنسان رأسًا فقد كذَّب به، وإذا صدَّق به ولكن كذَّب بما يقع فيه فهو أيضًا مكذِّب به.
قال الله عز وجل: (﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارا مُسَعَّرَة؛ أي: مُشْتَدَّة).
﴿أَعْتَدْنَا﴾ بمعنى هيَّأنا، و﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ منهم ومن غيرهم؛ ولهذا أتى بـ(مَن) الدَّالة على العموم، ولم يقل: وأعتدنا لهم، وهذا إظهار في موضع الإضمار، وقد سبق أمس أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار العمومَ، والتصريح بالعلة؛ علة الحكم.
فقوله: ﴿لِمَنْ كَذَّبَ﴾ ﴿سَعِيرًا﴾، كأن هذا تعليل للحكم الذي هو قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ ﴿سَعِيرًا﴾ لأنهم كذبوا بالساعة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ﴾ * يستفاد منه: أن النار مخلوقة الآن، وهو كذلك، وقد دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسُّنة، قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦]، وهذا نص صريح بأنها مخلوقة. وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك مثل: «اشْتَكَتِ النَّارَ إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسًا فِي الشِّتَاءَ، وَنَفَسًا فِي الصِّيْفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وقوله: ﴿سَعِيرًا﴾ قال المؤلف: (نارًا مُسَّعرة)، فجعل (فعيلًا) بمعنى مفعولٍ؛ أي: مُسَّعرة. ويحتمل أن تكون بمعنى فاعلٍ؛ أي: حارقة تُحْرِق مَن دخل فيها. والمعنى لا يتنافى؛ لأنها إذا كانت مُسَّعرةً -يعني: مُشتدَّة الحرارة- أو كانت هي بنفسها تسْعَرُ بالناس وتأكلهم، فهذا وهذا متلازمان.
(﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان ١٢] غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صَدْره من الغضب، ﴿وَزَفِيرًا﴾ صوتًا شديدًا، أو سماعُ التَّغَيُّظِ رؤيتُه وعلْمُه).
يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، الفاعل هي السعير، وفيه دليل على أنها ترى، وهذه الرؤية يجب أن نحملها على المعنى الحقيقي. ولا يمكن أن نقول: إن هذا من باب الاستعارة، وإنه معنى مجازي؛ لأنه من الجائز أن يخلق الله تعالى فيها إدراك الرؤية، وإن كانت هي ليست من ذوات الرؤية في العادة، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، كما أن الأرض تسمع وتُحَدِّث ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، والمؤذِّنُ لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ إلا شهِدَ له يوم القيامة[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر، ولا جن، ولا إنس إلا شهد له».]].
فنحن نقول: ليس في هذه الآية استعارة، بل هي على المعنى الحقيقي، وأن النار تَرَى؛ لأن الله أخبر أنها ترى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾. وما المانع من أن الله يخلق بها هذه الحاسة؟
بدليل أيضًا ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾، التغيَّظ من المعروف أنه لا يكون إلا من ذوات الشعور، ولكن مع هذا يجب أن نقول: إنه في هذه الآية على ظاهره، وإنها تتغيَّظ ويُسْمَع لتغيُّظها صوتٌ مثل تغيظ الإنسان الغضبان، إذا امتلأ صدره غضبًا فإنك تسمع له صوتًا من الغضب.
وهذا دليل على شدة حَنَقِها -والعياذ بالله- على أهلها، وأنها كما قال الله تعالى في سورة تبارك: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٧، ٨]، فما ظنُّك بشيءٍ يُلْقَى فيه الإنسان في جوفه وهو ممتلئ عليه غيظًا وحَنَقًا، ماذا يصنع به؟ هذا دليل على شدة عذابها -والعياذ بالله- وأنها لا ترحمهم، ولا تألوا فيهم أي شيء؛ إلًّا ولا ذمَّة.
(﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صدْرُه من الغضب ﴿وَزَفِيرًا﴾ ) هذا وهو مِن مكانٍ بعيدٍ، مما يدل على أن هذا التغيُّظ والزفير شديد أو هيِّنٌ؟ شديد، ما دام يُسْمَع من محَلٍّ بعيد فإنه شديد.
المؤلف يقول: (أو سَمَاعُ التَّغَيُّظ رؤيتُه وعلْمُه) هذا ليس بصحيح وإن كان محتملًا، لكن المعنى الأول أن تُحْمَلَ الرؤية على الحقيقة، هذا هو الواجب. وقد مرَّ علينا من قواعد التفسير، بل من قواعد كل كلام: أنه يجب أن يُحْمَل على ظاهره وعلى حقيقته ما لم يوجد دليل يصرف عن الحقيقة أو الظاهر، وليس دليلًا أيَّ دليل، يوجد دليل صحيح، وأما ما يظنه الإنسان دليلًا وليس بدليل فهذا غير مقبول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعني إذا رأوها.
* الطالب: يعني اللفظ ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، إذا رآهم زبائنها يعني؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا من التحريف في الواقع؛ لأنا قلنا: جائز أن الله تعالى يخلق فيها حاسة الرؤية.
* طالب: فيه أحاديث ضعيفة مقيِّدة للآية (...)؟
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: أحاديث ضعيفة، يعني قيل: لها عينان[[أخرج الطبراني في الكبير (٧٥٩٩) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من بين عيني جهنم». فشق ذلك على أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، نحدث عنك بالحديث نزيد وننقص؟ قال: «ليس ذا أعنيكم إنما أعني الذي يكذب علي متحدثًا، يطلب به شين الإسلام». قالوا: يا رسول الله، إنك قلت: بين عيني جهنم وهل لجهنم عين؟ قال: «نعم»، أما سمعته يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] فهل تراهم إلا بعينين؟]] (...).
* الشيخ: نحن ما، هذه الأحاديث ضعيفة..
* الطالب: تؤيدنا يعني (...)؟
* الشيخ: لا، ما نحتاج إلى تأييدها، التأييد ما دام عندنا اللفظ صريح ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]. الذي خلق العين في الإنسان يمتنع عليه أن يخلقها في النار؟
* طالب: لا يمتنع.
* الشيخ: لا يمتنع، لكن بعض الناس إذا لم يدرك عقلُه الشيءَ ذهب يحرفه إلى ما يدركه.
ثم إنه يجب أيضًا أن نعرف أن أحوال الآخرة لا يمكن أن تُقاس بأحوال الدنيا، نحن نعلم أن الناس يُحْشَرون؛ منهم من يسعى نوره بين يديه، ومنهم من هو في ظلمة، وهم في مكان واحد مُسْتَوٍ يُسْمِعُهم الداعي وينفذهم البصر. ونعلم أن من الناس من يعرق، فيَصِلُ العَرَق إلى كعبيه، ورُكبتيه، وحِقْويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا، ومع ذلك فهم في مكان واحد، ولا يمكن أن تُقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
قال: (﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ [الفرقان ١٣] بالتشديد والتخفيف) يعني: قراءتان سبعيتان، (بأن يُضَيَّق عليهم، و﴿مِنْهَا﴾ حالٌ مِنْ ﴿مَكَانًا﴾؛ لأنه في الأصل صفةٌ له ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ) إلى آخره.
﴿إِذَا أُلْقُوا﴾، في هذا دليل على أنهم -والعياذ بالله- لا يُعَاملون معاملةَ رحمةٍ، بل يُلْقَون إلقاءً ويُطْرَحون طرحًا.
وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ ظرف، عامله قوله: ﴿أُلْقُوا﴾. وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ في الأصل صفة، ولكن القاعدة عند أهل النحو أن الجار والمجرور إذا تقدم على موصوفة صار حالًا منه؛ لأن الصفة لا تتقدَّم على الموصوف، تقول مثلًا: جاء رجلٌ على بعيرٍ راكبًا، فتُعْرِب (راكبًا) حالًا، لكن لو قدمتها على (رجل): جاء راكبٌ، لوجب أن تكون صفة بالمعنى.
كذلك الجار والمجرور؛ إذا قلت: جاء رجل على بعير، (على بعير) صفةٌ لـ(رجُل)، فإذا قدمت (على بعير): جاء على بعيرٍ رجلٌ، وجب أن تكون الصفة هذه حالًا. لماذا؟ نقول: لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، ولهذا قال: (و﴿مِنْهَا﴾ حَالٌ مِنْ ﴿مَكَانًا﴾ )؛ لأنه في الأصل صفة له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، ضيقًا.
* وفي هذا أيضًا ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾: دليل على أن هذا المكان الذي يُلْقَون منه لا يكون واسعًا، بل يُضَيَّق عليهم، وهذا قبل دخولها فكيف إذا دخلوها؟!
ويحتمل أن نفس الأمكنة التي هم فيها في نفس النار تكون ضيقة؛ إذا ألقوا مكانًا منها ضيقًا، فتكون (مِن) هذه قريبة من معنى (فيها).
(﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدِينَ قد قُرِنَتْ -أي: جُمِعَتْ- أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والتشديد للتكثير) التشديد في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾؛ لأن أصل (مُقرَّن) أصله: قَرَنَ، يعني مأخوذة مِن: قُرِّن فهو مُقرَّن، وأصله مِن: قرَنَ بالتخفيف؛ قرَنْتُ هذا الرجل أَقْرِنُه فهو مقرونٌ، لكنها أتت بالتشديد للتكثير، أو للمبالغة في هذا القَرْن؛ أنهم يقرنون بشدة، فهم إذا ﴿أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (هلاكًا، فيقال لهم) ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان ١٤].
هذا في الحقيقة تصوير بيِّنٌ لحال النار وأهلها يوم القيامة؛ أنهم قبل أن يدخلوها يسمعون لها تغيُّظًا وزفيرًا، وهذا بلا شكٍّ يخلع قلوبهم ويرعبهم.
ثم إذا أُلْقُوا فيها ليسوا يُلْقَون على سبيل الكرامة، بل يُلْقَون إلقاء. ثم إنهم لا يُلْقَون هكذا مُطْلَقين، ولكن مُقرَّنين؛ يعني مجموعة أيديهم إلى أعناقهم.
ثم إذا أُلْقُوا على هذا الوصف يدعون بالثبور والعياذ بالله؛ ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، يعني يقولون: واهلاكنا، واثُبورنا، وما أشبه ذلك، فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، هذا على سبيل التوبيخ؛ لأن العادة أن الرجل إذا دعا بالثُّبور في الدنيا رُحِمَ، ولكنهم هناك لا يُرْحَمون، يقال لهم: إن دعواكم بالثُّبور لا تفيدكم شيئًا، فادعوا ثبورًا كثيرًا، فالعذاب سيستمر ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
كل هذا يُوجِبُ لأهل النار -نسأل الله السلامة منها- أنهم يُعذَّبون عذابًا قلبيًّا وعذابًا جسميًّا، والعذاب القلبي قد يكون في بعض الأحيان أشدَّ مِن العذاب الجسمي -والعياذ بالله- فهم لا يُكرَّمون؛ لا بالفعل، ولا بالاستقبال، ولا بالقول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، صحيح أن ما ذُكِرَ عنهم مما سبق يدل على أنهم لا يؤمنون بالبعث؛ لأن من آمن بالبعث لزم أن يعمل له. ولكن هذه في الحقيقة مِن جُملة ما قالوه، مِن جُملة ما قالوه أنهم كذبوا بالبعث، فهو إضافة إلى ما سبق. لكن نعم ينبغي أن نقول: لماذا ذُكِرَ بـ(بَلْ) دون الواو، مع أن المعائب والمساوئ التي سبَقَت كلها ذُكِرَت بالواو، وهذه ذُكِرَت بـ(بَلْ)؟
قد يُوحِي هذا بأن من أسباب أقوالهم السابقة أنهم كذبوا بالساعة؛ يعني أنهم ليس عندهم إيمان بالساعة، ولو آمنوا بها ما قالوا ما سبق.
* طالب: قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾، هل المعنى يدخلون (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيها احتمالان؛ إما أن المعنى يلقون من مكان ضيق عند دخولهم، وإما أن المعنى أن المكان نفسه في النار يكون ضيقًا؛ يعني تُضَيَّق عليهم؛ لأن كل واحد منهم -والعياذ بالله- يكون في تابوتٍ كما جاء به الحديث؛ في تابوتٍ مُغْلَقٍ عليه[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٤١٤) عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل لكل إنسان منهم تابوت من نار على قدره، ثم أقفل عليه بأقفال من نار فلا يضرب منه عرق إلا وفيه مسمار من نار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم أقفل عليه بأقفال من نار، ثم يضرم بينهما نار، فلا يرى أحد منهم أن في النار أحدًا غيره، فذلك قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١].]].
* طالب: ما ورد عن (...) تفخم بعض أجزاء جسمه؟
* الشيخ: إلا هو نفسه يُفَخَّم، ولكن ما يمنع أنه يُفَخَّم وفي مكان ضيقٍ، يمكن أن تفخيمه هذا من أسباب التضييق.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه ممكن هذا، يمكن بعضهم يقِرُّ بهذا لكنه يشرك بالله.
ولكنه يذكُرُ الله سبحانه وتعالى الأفعال منسوبة إلى الأمة جميعًا، حتى إنه أحيانًا يُخاطِبُ آخر الأمة بما فعل أولُها؛ لأنها ترضى به وتقِرُّه، انظروا مثلًا يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بما فعل أولُهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة ٧٢]، و﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤]، مع أن هذا الخطاب لا يتأتَّى لهؤلاء؛ لأنهم ليسوا هم الذين فعلوا، لكن الأمة الواحدة يكون فعل بعضها فعلًا للجميع؛ لأنها ترضى به.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفةِ النار، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في عِلْمه تعالى، ﴿جَزَاءً﴾ ثوابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا).
الخطاب في ﴿قُلْ﴾ لمن؟ للرسول ﷺ، وكذلك لغيره، ولهذا يمكن أن نقول: إن الخطاب لكل من يتأتَّى خطابُه؛ يعني الرسول ﷺ وغيره، ولكن الأقرب أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالخطاب للرسول ﷺ له ولأُمَّته ما لم يدل الدليل على تخصيصه، فنحن يمكن كل واحد أن يقول مثل هذا، فيقول للمكذبين الذين وُعِدُوا بالنار: أذلك المذكور من الوعيد الذي لا بد أن يقع خيرٌ أمْ جنَّة الخلد، ويش الجواب؟ بل جنة الخلد، بلا شك.
وهنا فيه إشكال؛ وهو أنه قال: ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ مع أن ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يمكن أن يُقارَن بما فيه الخير المطلَقُ؟
الجواب: أن هذا من باب التنزُّل مع الخصم، وباب التنزُّل مع الخصم لا بأس أن تأتي مثْلُ هذه المقارنة، وقد قارن الله تعالى بين شيئين بينهما من التباين أعظم من التباين في وعيد أهل النار ووعد أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خيرٌ، وأنه لا يمكن لأي عاقل أن يُقارِن بين هذا وهذا، لكنه لما كان المخاطبون يساوون غير الله بالله صار من باب التنزل معهم أن نخاطبهم بهذا ونقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾، أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفته؛ يعني الجنة التي هي مكان الخلد، و﴿الْخُلْدِ﴾ معناه: المُكْث، وقد صرَّح الله تعالى كثيرًا بالتأبيد في خُلودهم.
وأما أهل النار فالتأبيد ورد في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
وفي هذا ردٌّ واضحٌ على من قال: إن عذاب النار غير مؤبَّدٍ، وممن مال إلى هذا القول -وهو من أغرب ما يكون- ابن القيم رحمه الله، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّدُ وأنه لا بد أن ينتهي، ولكن ليس يقول: إنه ينتهي، ثم ينتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكن ينتهي بمعنى أنها تفنى ومَن فيها.
والصواب الذي لا شك فيه ما عليه جمهور أهل السنة وحُكِيَ إجماعًا؛ أن النار مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قد أعذر إلى هؤلاء وأقام عليهم الحجة، فهم الذين جَنَوا على أنفسهم.
* طالب: الاستثناء -أحسن الله إليكم- في هود؟
* الشيخ: الاستثناء في هود؛ لأنه استثنى من قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود ١٠٧]، فإنه لو قُيِّدَت بدوام السماوات والأرض لكان لها أمدٌ، فلما قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هذا ما خرج عن دوام السماوات والأرض. هذا معنى الاستثناء.
* طالب: في آية أخرى (...)؟
* الشيخ: نعم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٢٨]، نقول: هذا الاستثناء ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ دلَّت النصوص على أنه لا يشاء أن لا يخلدوا، فكأن هذا الاستثناء يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمنَعَ العذاب عنهم، وأنه ليس أمرًا مُحتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته. فالاستثناء إذن مُفسَّر بالآيات الصريحة الواضحة؛ أنه تعالى لا يشاء أن يرفع العذاب عنهم؛ لأنه أخبر، والخبر لا يخلِفُ الله خبرَه بأن عذابهم مؤبَّدٌ.
* طالب: ابن القيم (...)؟
* الشيخ: مَن؟
* الطالب: ابن القيم.
* الشيخ: لا، هو في أول كلامه جزم بهذا.
* الطالب: في حادي الأرواح (...).
* الشيخ: لا، هو ذكره في شفاء الغليل، ذكره في ذلك وجزم به في أول الكلام، ثم ساق الآثار في هذا.
* طالب: تعليل أنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] (...)؟
* الشيخ: لا، كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل الله سبحانه وتعالى هذا مع أنه عذاب دائم ورحمته وسعت كل شيء؟ فقال: إنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، مثلما قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨].
وفي الحقيقة هذه الأشياء وإن كان قد يكون لها وجه هذه الاحتمالات، لكن ما دام عندنا نصوص صريحة مُحكمَةٌ، فالواجب على المؤمن أن يحمل المتشابه على المحكَمِ، ما دام أن المسائل في الآيات الثلاث هذه احتمال، فإن عندنا شيئًا لا يحتمل، وهو التصريح بالتأبيد، وتعرفون أن هذا خبر، والخبر لا يدخله النفي ولا (...).
* طالب: طيب يا شيخ، (...) إخلاف الوعيد دون إخلاف الوعد.
* الشيخ: نعم، ولو قالوا، الله يتمدح بأنه لا يخلف وأن خبره صدق، والوعيد الذي يتمدح الله به هو ما يدخل تحت المشيئة ما سوى الشرك، فنحن مثلًا فيه وعيد على المعاصي اللي دون الشرك، فإذا عفا الله عنها فهذا طيبٌ ويمدح عليه سبحانه وتعالى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من هو عنه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن عمر وغير عمر يخاطب بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما علينا منه، حتى لو كان صريحًا، لو قال: سيخرجون، نقول: لا يخرجون، ما دام أن فيه آيات صريحة ما هو المانع؟ و﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٣، ٢٤] أيضًا هذه ما تدل على التقييد؛ لأن ﴿أَحْقَابًا﴾ يعني: طويلة لا منتهى لها، هذا المعنى، والإنسان إذا تصور أنه بيبقى في النار ما هو بأحقاب، يعني ثانية من الزمن وهو عاقل، فسوف يتجنب عمل أهل النار، فكيف بمن يلبثون فيه أحقابًا؟! وهي لا تدل على التقييد، ومن زعم أنها تدل على التقييد وقال: إن الأحقاب هذه مقيدة بما بعدها، يعني: ﴿أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ و﴿أَحْقَابًا﴾ أخرى يذوقون، فهذا ليس بصحيح، بل إن المعنى المبالغة في ذلك وأنهم لابثين فيها دهورًا عظيمة طويلة لا منتهى لها.
(﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ ) أتى المؤلف بـ(ها)، ويش هي (ها)؟ مفعولٌ ثانٍ لـ﴿وُعِدَ﴾؛ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فالمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني نائب الفاعل ﴿الْمُتَّقُونَ﴾. وقد سبق لنا كثيرًا أن المتَّقي هو من اتخذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى وأنسب ما يكون للفظها؛ لأنها من (اتَّقى) من الوقاية.
وقوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، مَن الذي وعدهم؟ وعدهم الله سبحانه وتعالى، وحُذِفَ الفاعل هنا للعلم به؛ كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، والخالق هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ فِي عِلْمه)، تقييد المؤلف رحمه الله الكينونة في علمه؛ لأن (كان) فعل ماض، والجنة قد كانت مصيرًا ولَّا ستكون مصيرًا؟ ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكينونة التي عبَّر عنها بالفعل الماضي، قيدها في علم الله، يعني لا بحسب الواقع؛ لأن الواقع لم تكن وإنما ستكون، ولكن هذا بناء على أن (كان) يُراد بها الزمن، مع أن (كان) إذا تأمل الإنسان مواضعها في القرآن وفي السنة وجدها أنها أحيانًا تدل على مجرد الحدث، لا على الزمن؛ لأن الفعل كما تعرفون يدل على زمنٍ ومعنى، فـ(كان) دائمًا تأتي للدلالة على مجرد المعنى فقط، يعني: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وهي لهم جزاء ومصير. وعلى هذا فلا حاجة إلى التقدير الذي ذكره المؤلف، وهذا هو الأوضح، ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ يعني: وهي لهم جزاء ومصير، ولا حاجة إلى أن نقدر أنها كانت في علم الله، بل هي ﴿كَانَتْ﴾ أي: هي جزاء، فنجرِّد (كان) من الدلالة على الزمن، وإذا جرَّدناها كما ترد كثيرًا في اللغة العربية سلِمْنا من هذا التقدير الذي جاء به المؤلف.
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]؟
* الشيخ: مثلها، مجردة عن الزمن، هذه مجردة عن الزمن؛ لأن الله ما زال ولا يزال غفورًا رحيمًا.
* الطالب: نحن قلنا: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]، عندما نأتي بـ(كان) ونقول: المراد بها الزمن والحدث، مثل مغفرة الله ورحمته فيما سبق، أما الآن فليس غفورًا رحيمًا، لكن هذه يراد بها مجرد الحدث؛ يعني أنه متَّصفٌ بالمغفرة والرحمة. ومثلها هذه الآية، و(كان) هذه دائمًا تدل على مجرد الحدث لا على الزمن.
* طالب: (...) رؤوس الآي؟
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: فيقال: إن الله غفور رحيم (...)؟
* الشيخ: لا، يمكن، ما هو بلازم، يعني أحيانًا تأتي مُتناسِبة وأحيانًا غير مُتناسِبة.
الكلام على إن (كان) يا جماعة، المهم هذا، (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربية لا يُراد بها الزمن وإنما يراد بها مُطلَقُ الحدَثِ؛ يعني أن هذا الأمر هو الواقع، فهنا ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، من المعلوم أن المتَّقين الآن ما دخلوا الجنة ولا صاروا إليها، ولكنهم سيصيرون، لذلك احتاج المؤلف أن يقدر: (في علمه)، يعني: كانت في علم الله. ولكننا نقول: لا حاجة لهذا التقدير؛ لأن (كان) مسلوبةُ الدلالة عن الزمن.
وقوله: ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، يقول: (ثوابًا)، والذي جعل هذا الثواب لهم هو الله سبحانه وتعالى، (﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا). من متى تكون مصيرًا؟ من يوم القيامة أو من موته؟
* طالب: من موته.
* الشيخ: من حين ما يموتون، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل ٣٢]، لكنها طبعًا ما هي دخول الجنة التي في السماء، ولهذا يُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْرَش له فراشٌ من الجنة، ويلبس بلباس من الجنة. فالمتَّقون من حين ما يموتون يدخلون الجنة، كما أن أهل الجحيم من حين ما يموتون يذوقون عذاب الجحيم.
ولهذا في كُتُبِ المواعظ، أنا البارحة سمعت واحدًا يقرأ في كتب المواعظ يأتون بالموت والدود والأشياء هذه وأكله الدود والصديد، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة إنما يكون على الجسم فقط، والناس إذا شعروا بهذا الشيء ما يفرحون بالموت، ينفرون منه كثيرًا، الذي ينبغي أن يوعظ الإنسان بما يكون على روحه، فيقال مثلًا: إنه إذا مات وليس من أهل التقوى يكون له من العذاب كذا وكذا.. إلى آخره، وإذا كان من أهل التقوى يكون في نعيم ومن أهل الجنة؛ لأجل أن المؤمن يفرح. أما أننا نذهب ونوجه الناس إلى التخويف من الأمر الحسي المادي فقط فهذا في الحقيقة مما يسيء إلى الناس، عندما يسمع الإنسان هذا الشيء، هل يكون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، ينفر منه، لكن عندما يسمع أنه إذا كان مؤمنًا دخل الجنة من حين ما يموت، نعم، تجده يمكن لا أقول: يفرح بالموت، لكنه يستبشر بهذا الوعد الذي يكون له.
فهذا هو الذي ينبغي أن ينشأ الناس عليه، ما ينبغي أنهم يذكر لهم الأمور المادية فقط، ولذلك لو تأملت القرآن كله لوجدت أن هذه الأمور المادية ما لها ذكر في القرآن، إنما يذكر في القرآن ما يكون على الروح من النعيم والعذاب، حتى إن الإنسان يستبشر ويفرح ويعمل لهذا النعيم، نعم، ويخاف ويرهب ويهرب من هذا الجحيم.
هذه المسألة أنا أحببنا أننا ننبه عليها؛ لأنها توجد كثيرًا في كتب الوعظ، مثل ما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة ترغب فيما نهى عنه الشرع، مثل ما يذكرون عن بعض العباد الذين يعذرون بجهلهم أنهم كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقي أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء. ويش قصدهم بهذا؟ الترغيب. هذا ضد ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا من المحادة لله ورسوله، فهم يأتون بأمور منكرة لا يعرفونها، وأنا أبين لكم ذلك؛ لأنكم تسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل مثلًا قارئ من الأئمة يقرأ بمثل هذه الكتب فإنه يجب علينا أن نتكلم معه، ما هو بأمام الناس هكذا، لا؛ لأن العوام -كما تعرفون- عوام، ويكونون مع إمامهم، يمكن تكون بحق وهم يقومون عليك، لكن من الممكن إذا خلص تقول له: يا أخي، تجيبه بالطمأنينة تقول: أنت إمام يُقْتَدى بك، والعوام يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب، فأنت يجب أن تعرف أن هذا خلاف الشرع، وتبين له ما استطعتم من البيان، حتى يكون الأئمة اللي يقتضى بهم الآن على صواب.
* طالب: أحاديث ضغطة القبر صحيحة[[منها ما أخرجه ابن حبان (٢٤٦٦٤) عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ».]] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن ضغطة القبر ما أعرف عن صحته، وردت في قصة سعد بن معاذ، ولكن ما يحضرني الآن هل هو صحيح، هو قطعًا ليس في الصحيحين، لكن ما أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكنه مهما كان ضغطة القبر ليست بشيء بالنسبة لما يقولون وما يصفون من حال الميت، وهم يركزون على مسألة الجسم، حتى إن الناس مهما كانت أعمالهم الصالحة يقعون في القنوط.
* طالب: يا شيخ، فناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح أو كذا؟
* الشيخ: واللهِ هو الظاهر أن بقاءه يدل على الصلاح؛ لأنه ما يقع إلا كرامة؛ لأن الأصل أن الأجسام تأكلها الأرض، إلا الأنبياء فإنهم لا تأكلهم الأرض[[أخرج أبو داود (١٠٤٧) عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يقولون: بليت-؟ فقال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء».]].
* طالب: والشهداء؟
* الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، المسألة في الأنبياء.
* طالب: طيب وذهابهم؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما يدل على أن الإنسان ليس من أهل الخير، ما يدل، لكنه قد يقع كرامة لبعض أهل الخير.
* طالب: لكن الحديث ما هو بصحيح؟
* الشيخ: الشهداء، لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أن تأكل أجساد الأنبياء فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، إي نعم. لكن في شهداء أحد من وجدت الأرض قد أكلته.
* طالب: سبحان الله!
* الشيخ: أكلت بعض جسمه، ما هو كل جسمه. (...)
(﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ مرجِعًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ [الفرقان ١٦] حالٌ لازِمَةٌ) أيها الحال اللازمة؟
* طالب: ﴿خَالِدِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾، هذه الآية تدل على أن كل ما يشاءون فهو لهم، وفي سورة (ق) أن الله قال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]؛ يعني: عند الله مزيد على ما يشاؤه الإنسان؛ لأن الإنسان مهما بلغ فإن تصوره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياء ويخفى عليه من النعيم أشياء، فيكملها الله سبحانه وتعالى له، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ويش معنى (حال لازمة)؟ يعني هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟
الجواب: نعم، إذا كانت الحال ليست لازمة لصاحبها فهي حال عارضة (...) أقبل الرجل راكبًا، هذه حال عارضة؛ لأنه قد يقبل غير راكب؛ ماشيًا. وإذا كانت لازمة..
كانت الملائكة أكثر، وكلُّ سماء فإنَّها أكثر ملائكةً من السماء التي تحتها.
كذلك أيضًا هؤلاء الملائكة الذين يحيطون بالعالم، كل دائرة أكثر عددًا من الدائرة التي قبلها، وإنما يُنَزَّلون بيانًا لعظمة الله عز وجل وإحاطةً بالخلق، وحينئذ يصدُق قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ لأنهم ما يستطيعون مع إحاطة الملائكة بهم أن يهربوا من أهوال هذا اليوم.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر (نُزِّل)، وهو كما أسلفنا يدلُّ على أنهم يَنْزِلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملة، فتنزل ملائكة السماء الدنيا أولًا، ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة.
وأشرنا إلى الآية التي في سورة الرحمن دفعًا لقول بعض الناس الذين يفسِّرونها بهذه الأقمار الصناعية أو المراكبِ الفضائية التي صعد الناس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قول الله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ إلا بعلمٍ، وأنَّ هذا العلم أوصلهم إلى النفوذ، وهذا لا شك تحريف للقرآن، ولا حاجة إلى أن نتكلَّف فنقول: كل ما يحدث فإن في القرآن له شاهدًا. ما حاجة لهذا التكلف؛ لأن هذه الحوادث شواهدها حصولُها، متى حصلت فإننا نؤمن بهذا، سواء دلَّ عليها القرآن أو سكت عنها القرآن، إلا إذا دلَّ القرآن على نفيها فإنه لا يجوز لنا أن نصدقها.
وكل ما يحدث من هذه الاختراعات وهذه الصناعات فإنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، بعد أن قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨] قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذه الآية يدخل فيها كل ما حدث وكلُّ ما يحدث من مثل هذه الأمور. وأما أن نحرِّف القرآن إلى ما يوافق هذا الواقع، فهذا حرام علينا ولا يجوز.
وأما قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] فليس المراد به العلم، المراد به السلطة التي تتمكنون بها من النفوذ؛ لأن السلطان في كل موضعٍ بحسبه، وأصلُه: السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى ما يريد؛ فمثلًا إذا كانت في دعوى مدعٍ، نقول: لا سلطان لك في هذا يعني: لا حُجَّة لك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]؛ يعني: ما عندكم من حجة؛ لأن الحجة سلطة يتمكن بها المدَّعِي من إثبات دعواه.
ثم إن الآية: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن ٣٣]، وهؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات، حتى لو قلنا: إنهم نفذوا من أقطار الأرض أو خرجوا عن محيط الأرض، فإنهم لا يستطيعون أن ينفُذوا من أقطار السماوات.
ثم إن الآية ظاهرة في التحدي: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، والتحدي بما يمكن صحيح ولّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التحدي بما يمكن غير صحيح؛ لأنه يبطل التحدي.
ثم إن قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن ٣٥] يكذِّبه الواقع، يكذب دعوى هؤلاء الواقع؛ لأنهم طاروا إلى الفضاء ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولم يرسل عليهم شواظ من نار ولا نحاس.
فالمهم أنا قصدي بذلك أن بعض الناس أهل العلم بالطبيعة يحاولون أن يوجدوا لكل حادث دليلًا خاصًّا من القرآن، وهذا لا يجوز؛ لأنه يصرِفُ القرآن عما أراد الله به، ويقتضي أن يتلاعب الناس في القرآن.
ثم إنهم مثلًا قد يستدلون بالآيات الكريمة على ما رأوا من النظريات، وتأتي بعد ذلك نظريات أخرى تُبْطِلها، فيكون القرآن حينئذ باطلًا حسب ما استدلَّ به الأولون، ونحن ولله الحمد في غنى عن هذا الأمر؛ هذه الأمور الحوادث التي تحدث من صنائع الإنسان أمر لا حاجة إلى إقامة الدليل عليه من القرآن؛ لأن واقعَها يُثْبِتُها.
* طالب: هم يريدون إثبات إعجاز القرآن، (...)؟
* الشيخ: إعجاز القرآن يكفي أن نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]؟
* طالب: طيب، والحقائق (...)؟
* الشيخ: إذا دلَّ عليها القرآن لا بأس، لكن كوننا نُحرِّف القرآن من أجل أن نخضِعه للدلالة على هذا الأمر، لا.
أما مثلًا لو استُدِلَّ بتطور الجنين في خِلْقَتِه، فاستدل أحد بالآية الكريمة وبالحديث الصحيح هذا لا بأس، الشيء اللِّي يدلُّ عليه القرآن يدل عليه القرآن، لكن شيء يُحرَّف القرآن من أجله، لا.
* طالب: قال مثلًا: (...)؟
* الشيخ: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ أحوال الآخرة ما تقاس بأحوال الدنيا، والإنسان مثلًا لو احترق الآن جلده وانكشط، وأحرقنا اللحم ما يخالف، أحرقْنا اللَّحم، يتعذَّب الإنسان بلا شك، يتعذَّب الإنسانُ به يقينًا، ولا (...) نجربه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: صحيح، هذا معقول، وكل الداخل في الغالب ما فيه إحساس؛ ولهذا ما يحس الإنسان بنزول الطعام في بطنه.
* طالب: بعض (...)؟
* الشيخ: إي، ما يخالف، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨]، ما المراد بـ﴿الْكِتَابِ﴾؟
* طالب: اللوح المحفوظ.
* الشيخ: اللوح المحفوظ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، لكن ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] هذه أوضح إن أرادوا يستدلون، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، لكننا نعلم أن التبيان إما مجمل وإما مفصَّل، والقضية المشهورة عن الشيخ محمد عبده مع الرجل النصراني حينما سأله عن كيفية صنع الطعام الذي قُدِّم له في المطعم، قال: القرآن تبيان لكل شيء، فكيف يُصْنَع هذا الطعام؟ أين يوجد في القرآن كيف يصنع؟ فقال: هذا موجود في القرآن، فدعا الطباخ وقال له: كيف تصنع هذا الطعام؟ قال: أصنعه بكذا وكذا، فقال: هكذا الطريق في القرآن، فإن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، وكل قوم ذكرهم خاص بهم، فأنا سألت هذا الرجل؛ لأني ما أعلم. فالقرآن قد يدلنا على الشيء مباشرة أو بالوسيلة والطريقة.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨] ما المقصود بها؟ (...)؟
* الشيخ: كل ما لا نعلمه، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق كل شيء لا نعلمه، في وقتنا نحن..
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل هذه الحوادث، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا ما يعلم الإنسان، قبل أن تقع ما يعلم الإنسان.
* الطالب: بعد وقوعها يعلمها.
* الشيخ: بعد وقوعها يعلمها؛ لأنه قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، وهذا شيء معلوم، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]؛ يعني أشياء لا تعلمونها، وفعلًا خلَق الله تعالى أشياء ما كانوا يعلمونها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وسيخلُق أشياء ما نعلمها نحن في وقتها.
* الطالب: يعني مثلًا (...)؟
* الشيخ: إلى آخر الدهر، يخلق الله سبحانه وتعالى إلى آخر الدهر شيئًا لا يعلمه مَنْ سبق، لكن يعلمه مَن أدركه؛ لأن كونه يخلق معناه يوجد، نعم، الموجود لا بد أن يُعْلَم؛ لأن الله يتحدث عن أمر سيكون لنا: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، فإذا كان يتحدث عن أمر سيكون لنا فمعناه سنعلمه إذا خلقه الله.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، كل شيء ما تعلمه فالطريق إلى الوصول إليه أن تسأل أهل ذكره.
* الطالب: لكن أهل الذكر ما المقصود بهم؟
* الشيخ: أهل العلم، لكن هل المراد أهل العلم الشرعي أو كل علم بحسبِه؟ افرض أنك خصصته بالعلم الشرعي، لنفرض أننا خصصناه بالعلم الشرعي، أفلا يقاس غيرُه عليه؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: (...)، فهي إما أن تدل على العموم، وتكون شاملة لمثل هذه القضية بدلالة التضمُّن، وإما بدلالة الشمول المعنوي لا اللفظي، وهو القياس.
* طالب: بس السياق ما يدل على أنه (...)؟
* الشيخ: هي الآية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، هذه آية، هذه تدلُّ على أن المراد العلم الشرعي؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣] لا.
وفي الآية الثانية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] وهو عام، ما قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. ومثل ما قلت لك: إن كان أنها شاملة لكل شيء وأن أهل كل ذكر بحسبه فهي شاملة، وإلا فهي شاملة شمولًا معنويًّا وهو القياس. فنقول: إذا كان الله أحالَنا على أهل الذكر الشرعيِّ لمعرفة الحكم الشرعي، فكذلك نحن نتحول إلى أهل العلم غير الشرعي لمعرفة هذا العلم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن مثل ما ذكرنا لك الآن: إن العموم قد يكون شمولًا لفظيًّا، وقد يكون شمولًا معنويًّا، فهم لا يستوون، لكن من الذي يُثْنَى عليه؟ أهل العلم الشرعي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الشمول اللفظي معناه أن هذا اللفظ يدل على هذا بخصوصه؛ يعني من جملة الأفراد الدالة، والعموم المعنوي معناه أن هذا اللفظ لا يدخل فيه ما ذُكِرَ، لكنه يقاس على ما ذُكِرَ فيه، فيكون هذا عمومًا معنويًّا؛ لأن العلة في الجميع واحدة.
الفرقان 25:24
قال الله تبارك وتعالى: (﴿تَبَارَكَ﴾ تكاثَرَ خير، ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان ١٠]).
نشوف المؤلف في أول السورة فسَّر ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ١] بأي شيء؟
* طالب: (تعالى).
* الشيخ: بـ(تعالى)، وهنا: (تكاثَرَ خيرُه)، فهل معنى ذلك أن هذه الكلمة خاضعة للسياق وأنها تفسر في سياق بمعنى (تعالى) وفي سياق بمعنى (تكاثر خيره)؟
ظاهر صنيع المؤلف أنها كذلك؛ أن هذه الكلمة (تَبَارَكَ) إن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه، وإن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه. ولكننا أشرنا فيما سبق إلى أنها وإن دلت على التعالي فهي دالة أيضًا على كثرة الخير؛ لأنها من البركة، والبركة هي كثرة الخير مع دوامه، مأخوذة من البِركة التي هي مجمع الماء، ففيها ماءٌ ثابتٌ وكثيرٌ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ أي: تعالى مع كثرة الخيرات، ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
جملة صلة الموصول هنا شرطية، أو لا؟ الجملة التي وصل بها الموصول شرطية، وهي ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾، فنستفيد من ذلك أن صلة الموصول تأتي شرطية، وإذا أتت شرطية فلا بُدَّ من وجود فعل الشرط وجواب الشرط، ثم نقول: الجملة من فعل الشرط وجوابه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ والمراد به الله سبحانه وتعالى، (﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي قالوه من الكنز والبستان). ما هو الخير؟ أبدل منه قوله: (﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة، ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالجزم، ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ أيضًا، وفي قراءة بالرفع استئنافًا) (...) كذلك.
وقول المؤلف: (أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة) ما له داعٍ؛ لأن السياق يغني عن هذا القيد؛ إذ إن هؤلاء يقترحون أن تكون الأمور السابقة لهم في الآخرة ولَّا في الدنيا؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: في الدنيا، فيقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾، فالقيد الذي ذكر المؤلف كأنه يقول: جوابًا على الإيراد الذي يرد علينا -وهو أن الله تعالى قد شاء أن يعطي رسوله جنة الآخرة- نقيد الآية بالدنيا، نقول: ما حاجة إلى هذا القيد؛ لأنهم هم لا يريدون أن الله يجعل له كنزًا وجنة في الآخرة، يريدون أن تكون له في الدنيا، فيقول الله: لو شاء الله أن يجعل لك ذلك لجعل لك خيرًا منه، وهي هذه البساتين، وهم يقولون: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، واللي بيجعل الله بدلًا عنها لو شاء: ﴿جَنَّاتٍ﴾، ما هي جنة واحدة.
أيضًا ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، الجنة ربما يُؤْكَل منها وهي ليس فيها أنهار، يمكن تشرب النخيل والأشجار بعروقها. لكن هنا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أبلغ وأتم؛ لأن لجريان الماء في أنهاره شهوةً بصريةً يتلذذ بها الإنسان عند رؤيته إياه، زيادة على كثرة الماء على البستان الذي يكون سببًا لكثرة نمائه وقوته.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فيها قراءتان: ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالسكون، ﴿وَيَجْعَلُ﴾ بالرفع.
على قراءة السكون ويش تكون معطوفة عليه؟ على جواب الشرط: ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾ ﴿وَيَجْعَلْ﴾، وعلى قراءة الرفع يقول المؤلف: (استئنافًا). ولكنه ليس متعينًا حتى على قراءة الرفع، يعني كأنه يقول: وهو يجعل لك قصورًا، وليس كذلك، يعني لا تفهموا منه هذا الأمر، (استئنافًا) من حيث الإعراب لا من حيث المعنى؛ لأن المعنى مضافًا إلى ما سبق، لكنه من حيث الإعراب يجوز فيه الجزم اتباعًا للفظ، ويجوز الرفع (استئنافًا)، ويكون عطف جملة على جملة.
يقول ابن مالك في ألفيته:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ∗∗∗ ...........................
يعني: إذا كان فعل الشرط ماضيًا، فرفع (الجزاء) إذا كان مضارعًا.
......رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ∗∗∗ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ
يعني: ضعف، وهو جائز لكنه ضعيف.
يستفاد من هذه الآيات: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول ﷺ بالدفاع عنه، وعناية الله بالرسول بالدفاع عنه ليست عناية به وحده، بل حتى في الأمة؛ لأن ذلك يزيل الشبه التي يحتج بها المبطلون، وإزالة الشبه عن الأمة هذه من رحمة الله تعالى بهم، والله الموفق. (...)
* * *
﴿كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان ١١] لمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما جنى به هؤلاء عليه وعلى وحيه وعلى رسوله والجوابَ على ذلك ذكَرَ أمرًا آخر وهو تكذيبهم بالساعة، وأتى بـ(بَل) الدالة على الانتقال، وهذا الانتقال ليس إبطالًا لما سبق، بل إضافة شيء آخر إليه، وهو قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾.
والمراد ﴿بِالسَّاعَةِ﴾ يوم القيامة، وكلمة (الساعة) تُطْلَق في اللغة على كل أمر هامٍّ، كأنه لا يوجد إلا هذه الساعة التي يشار إليها بهذا الزمن، وإلا فهي في الأصل لكل مدة من الزمان قليلة كانت أم كثيرة، لكنها تُطْلَق كثيرًا على ما يحدث فيه أمر هامٍّ، وذلك كما هنا.
﴿كَذَّبُوا﴾ بها، التكذيب بالساعة يشمل التكذيب بوقوعها رأسًا؛ بأن يقول: لا بعث، أو التكذيب بما يقع فيها من الأمور؛ كالحساب والكتب والصراط والحوض والشفاعة، وما أشبه ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بوقوعه وبما يقع فيه، فإذا كذَّب به الإنسان رأسًا فقد كذَّب به، وإذا صدَّق به ولكن كذَّب بما يقع فيه فهو أيضًا مكذِّب به.
قال الله عز وجل: (﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارا مُسَعَّرَة؛ أي: مُشْتَدَّة).
﴿أَعْتَدْنَا﴾ بمعنى هيَّأنا، و﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ منهم ومن غيرهم؛ ولهذا أتى بـ(مَن) الدَّالة على العموم، ولم يقل: وأعتدنا لهم، وهذا إظهار في موضع الإضمار، وقد سبق أمس أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار العمومَ، والتصريح بالعلة؛ علة الحكم.
فقوله: ﴿لِمَنْ كَذَّبَ﴾ ﴿سَعِيرًا﴾، كأن هذا تعليل للحكم الذي هو قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ ﴿سَعِيرًا﴾ لأنهم كذبوا بالساعة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ﴾ * يستفاد منه: أن النار مخلوقة الآن، وهو كذلك، وقد دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسُّنة، قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦]، وهذا نص صريح بأنها مخلوقة. وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك مثل: «اشْتَكَتِ النَّارَ إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسًا فِي الشِّتَاءَ، وَنَفَسًا فِي الصِّيْفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وقوله: ﴿سَعِيرًا﴾ قال المؤلف: (نارًا مُسَّعرة)، فجعل (فعيلًا) بمعنى مفعولٍ؛ أي: مُسَّعرة. ويحتمل أن تكون بمعنى فاعلٍ؛ أي: حارقة تُحْرِق مَن دخل فيها. والمعنى لا يتنافى؛ لأنها إذا كانت مُسَّعرةً -يعني: مُشتدَّة الحرارة- أو كانت هي بنفسها تسْعَرُ بالناس وتأكلهم، فهذا وهذا متلازمان.
(﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان ١٢] غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صَدْره من الغضب، ﴿وَزَفِيرًا﴾ صوتًا شديدًا، أو سماعُ التَّغَيُّظِ رؤيتُه وعلْمُه).
يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، الفاعل هي السعير، وفيه دليل على أنها ترى، وهذه الرؤية يجب أن نحملها على المعنى الحقيقي. ولا يمكن أن نقول: إن هذا من باب الاستعارة، وإنه معنى مجازي؛ لأنه من الجائز أن يخلق الله تعالى فيها إدراك الرؤية، وإن كانت هي ليست من ذوات الرؤية في العادة، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، كما أن الأرض تسمع وتُحَدِّث ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، والمؤذِّنُ لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ إلا شهِدَ له يوم القيامة[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر، ولا جن، ولا إنس إلا شهد له».]].
فنحن نقول: ليس في هذه الآية استعارة، بل هي على المعنى الحقيقي، وأن النار تَرَى؛ لأن الله أخبر أنها ترى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾. وما المانع من أن الله يخلق بها هذه الحاسة؟
بدليل أيضًا ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾، التغيَّظ من المعروف أنه لا يكون إلا من ذوات الشعور، ولكن مع هذا يجب أن نقول: إنه في هذه الآية على ظاهره، وإنها تتغيَّظ ويُسْمَع لتغيُّظها صوتٌ مثل تغيظ الإنسان الغضبان، إذا امتلأ صدره غضبًا فإنك تسمع له صوتًا من الغضب.
وهذا دليل على شدة حَنَقِها -والعياذ بالله- على أهلها، وأنها كما قال الله تعالى في سورة تبارك: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٧، ٨]، فما ظنُّك بشيءٍ يُلْقَى فيه الإنسان في جوفه وهو ممتلئ عليه غيظًا وحَنَقًا، ماذا يصنع به؟ هذا دليل على شدة عذابها -والعياذ بالله- وأنها لا ترحمهم، ولا تألوا فيهم أي شيء؛ إلًّا ولا ذمَّة.
(﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صدْرُه من الغضب ﴿وَزَفِيرًا﴾ ) هذا وهو مِن مكانٍ بعيدٍ، مما يدل على أن هذا التغيُّظ والزفير شديد أو هيِّنٌ؟ شديد، ما دام يُسْمَع من محَلٍّ بعيد فإنه شديد.
المؤلف يقول: (أو سَمَاعُ التَّغَيُّظ رؤيتُه وعلْمُه) هذا ليس بصحيح وإن كان محتملًا، لكن المعنى الأول أن تُحْمَلَ الرؤية على الحقيقة، هذا هو الواجب. وقد مرَّ علينا من قواعد التفسير، بل من قواعد كل كلام: أنه يجب أن يُحْمَل على ظاهره وعلى حقيقته ما لم يوجد دليل يصرف عن الحقيقة أو الظاهر، وليس دليلًا أيَّ دليل، يوجد دليل صحيح، وأما ما يظنه الإنسان دليلًا وليس بدليل فهذا غير مقبول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعني إذا رأوها.
* الطالب: يعني اللفظ ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، إذا رآهم زبائنها يعني؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا من التحريف في الواقع؛ لأنا قلنا: جائز أن الله تعالى يخلق فيها حاسة الرؤية.
* طالب: فيه أحاديث ضعيفة مقيِّدة للآية (...)؟
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: أحاديث ضعيفة، يعني قيل: لها عينان[[أخرج الطبراني في الكبير (٧٥٩٩) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من بين عيني جهنم». فشق ذلك على أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، نحدث عنك بالحديث نزيد وننقص؟ قال: «ليس ذا أعنيكم إنما أعني الذي يكذب علي متحدثًا، يطلب به شين الإسلام». قالوا: يا رسول الله، إنك قلت: بين عيني جهنم وهل لجهنم عين؟ قال: «نعم»، أما سمعته يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] فهل تراهم إلا بعينين؟]] (...).
* الشيخ: نحن ما، هذه الأحاديث ضعيفة..
* الطالب: تؤيدنا يعني (...)؟
* الشيخ: لا، ما نحتاج إلى تأييدها، التأييد ما دام عندنا اللفظ صريح ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]. الذي خلق العين في الإنسان يمتنع عليه أن يخلقها في النار؟
* طالب: لا يمتنع.
* الشيخ: لا يمتنع، لكن بعض الناس إذا لم يدرك عقلُه الشيءَ ذهب يحرفه إلى ما يدركه.
ثم إنه يجب أيضًا أن نعرف أن أحوال الآخرة لا يمكن أن تُقاس بأحوال الدنيا، نحن نعلم أن الناس يُحْشَرون؛ منهم من يسعى نوره بين يديه، ومنهم من هو في ظلمة، وهم في مكان واحد مُسْتَوٍ يُسْمِعُهم الداعي وينفذهم البصر. ونعلم أن من الناس من يعرق، فيَصِلُ العَرَق إلى كعبيه، ورُكبتيه، وحِقْويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا، ومع ذلك فهم في مكان واحد، ولا يمكن أن تُقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
قال: (﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ [الفرقان ١٣] بالتشديد والتخفيف) يعني: قراءتان سبعيتان، (بأن يُضَيَّق عليهم، و﴿مِنْهَا﴾ حالٌ مِنْ ﴿مَكَانًا﴾؛ لأنه في الأصل صفةٌ له ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ) إلى آخره.
﴿إِذَا أُلْقُوا﴾، في هذا دليل على أنهم -والعياذ بالله- لا يُعَاملون معاملةَ رحمةٍ، بل يُلْقَون إلقاءً ويُطْرَحون طرحًا.
وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ ظرف، عامله قوله: ﴿أُلْقُوا﴾. وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ في الأصل صفة، ولكن القاعدة عند أهل النحو أن الجار والمجرور إذا تقدم على موصوفة صار حالًا منه؛ لأن الصفة لا تتقدَّم على الموصوف، تقول مثلًا: جاء رجلٌ على بعيرٍ راكبًا، فتُعْرِب (راكبًا) حالًا، لكن لو قدمتها على (رجل): جاء راكبٌ، لوجب أن تكون صفة بالمعنى.
كذلك الجار والمجرور؛ إذا قلت: جاء رجل على بعير، (على بعير) صفةٌ لـ(رجُل)، فإذا قدمت (على بعير): جاء على بعيرٍ رجلٌ، وجب أن تكون الصفة هذه حالًا. لماذا؟ نقول: لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، ولهذا قال: (و﴿مِنْهَا﴾ حَالٌ مِنْ ﴿مَكَانًا﴾ )؛ لأنه في الأصل صفة له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، ضيقًا.
* وفي هذا أيضًا ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾: دليل على أن هذا المكان الذي يُلْقَون منه لا يكون واسعًا، بل يُضَيَّق عليهم، وهذا قبل دخولها فكيف إذا دخلوها؟!
ويحتمل أن نفس الأمكنة التي هم فيها في نفس النار تكون ضيقة؛ إذا ألقوا مكانًا منها ضيقًا، فتكون (مِن) هذه قريبة من معنى (فيها).
(﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدِينَ قد قُرِنَتْ -أي: جُمِعَتْ- أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والتشديد للتكثير) التشديد في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾؛ لأن أصل (مُقرَّن) أصله: قَرَنَ، يعني مأخوذة مِن: قُرِّن فهو مُقرَّن، وأصله مِن: قرَنَ بالتخفيف؛ قرَنْتُ هذا الرجل أَقْرِنُه فهو مقرونٌ، لكنها أتت بالتشديد للتكثير، أو للمبالغة في هذا القَرْن؛ أنهم يقرنون بشدة، فهم إذا ﴿أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (هلاكًا، فيقال لهم) ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان ١٤].
هذا في الحقيقة تصوير بيِّنٌ لحال النار وأهلها يوم القيامة؛ أنهم قبل أن يدخلوها يسمعون لها تغيُّظًا وزفيرًا، وهذا بلا شكٍّ يخلع قلوبهم ويرعبهم.
ثم إذا أُلْقُوا فيها ليسوا يُلْقَون على سبيل الكرامة، بل يُلْقَون إلقاء. ثم إنهم لا يُلْقَون هكذا مُطْلَقين، ولكن مُقرَّنين؛ يعني مجموعة أيديهم إلى أعناقهم.
ثم إذا أُلْقُوا على هذا الوصف يدعون بالثبور والعياذ بالله؛ ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، يعني يقولون: واهلاكنا، واثُبورنا، وما أشبه ذلك، فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، هذا على سبيل التوبيخ؛ لأن العادة أن الرجل إذا دعا بالثُّبور في الدنيا رُحِمَ، ولكنهم هناك لا يُرْحَمون، يقال لهم: إن دعواكم بالثُّبور لا تفيدكم شيئًا، فادعوا ثبورًا كثيرًا، فالعذاب سيستمر ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
كل هذا يُوجِبُ لأهل النار -نسأل الله السلامة منها- أنهم يُعذَّبون عذابًا قلبيًّا وعذابًا جسميًّا، والعذاب القلبي قد يكون في بعض الأحيان أشدَّ مِن العذاب الجسمي -والعياذ بالله- فهم لا يُكرَّمون؛ لا بالفعل، ولا بالاستقبال، ولا بالقول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، صحيح أن ما ذُكِرَ عنهم مما سبق يدل على أنهم لا يؤمنون بالبعث؛ لأن من آمن بالبعث لزم أن يعمل له. ولكن هذه في الحقيقة مِن جُملة ما قالوه، مِن جُملة ما قالوه أنهم كذبوا بالبعث، فهو إضافة إلى ما سبق. لكن نعم ينبغي أن نقول: لماذا ذُكِرَ بـ(بَلْ) دون الواو، مع أن المعائب والمساوئ التي سبَقَت كلها ذُكِرَت بالواو، وهذه ذُكِرَت بـ(بَلْ)؟
قد يُوحِي هذا بأن من أسباب أقوالهم السابقة أنهم كذبوا بالساعة؛ يعني أنهم ليس عندهم إيمان بالساعة، ولو آمنوا بها ما قالوا ما سبق.
* طالب: قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾، هل المعنى يدخلون (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيها احتمالان؛ إما أن المعنى يلقون من مكان ضيق عند دخولهم، وإما أن المعنى أن المكان نفسه في النار يكون ضيقًا؛ يعني تُضَيَّق عليهم؛ لأن كل واحد منهم -والعياذ بالله- يكون في تابوتٍ كما جاء به الحديث؛ في تابوتٍ مُغْلَقٍ عليه[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٤١٤) عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل لكل إنسان منهم تابوت من نار على قدره، ثم أقفل عليه بأقفال من نار فلا يضرب منه عرق إلا وفيه مسمار من نار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم أقفل عليه بأقفال من نار، ثم يضرم بينهما نار، فلا يرى أحد منهم أن في النار أحدًا غيره، فذلك قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١].]].
* طالب: ما ورد عن (...) تفخم بعض أجزاء جسمه؟
* الشيخ: إلا هو نفسه يُفَخَّم، ولكن ما يمنع أنه يُفَخَّم وفي مكان ضيقٍ، يمكن أن تفخيمه هذا من أسباب التضييق.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه ممكن هذا، يمكن بعضهم يقِرُّ بهذا لكنه يشرك بالله.
ولكنه يذكُرُ الله سبحانه وتعالى الأفعال منسوبة إلى الأمة جميعًا، حتى إنه أحيانًا يُخاطِبُ آخر الأمة بما فعل أولُها؛ لأنها ترضى به وتقِرُّه، انظروا مثلًا يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بما فعل أولُهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة ٧٢]، و﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤]، مع أن هذا الخطاب لا يتأتَّى لهؤلاء؛ لأنهم ليسوا هم الذين فعلوا، لكن الأمة الواحدة يكون فعل بعضها فعلًا للجميع؛ لأنها ترضى به.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفةِ النار، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في عِلْمه تعالى، ﴿جَزَاءً﴾ ثوابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا).
الخطاب في ﴿قُلْ﴾ لمن؟ للرسول ﷺ، وكذلك لغيره، ولهذا يمكن أن نقول: إن الخطاب لكل من يتأتَّى خطابُه؛ يعني الرسول ﷺ وغيره، ولكن الأقرب أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالخطاب للرسول ﷺ له ولأُمَّته ما لم يدل الدليل على تخصيصه، فنحن يمكن كل واحد أن يقول مثل هذا، فيقول للمكذبين الذين وُعِدُوا بالنار: أذلك المذكور من الوعيد الذي لا بد أن يقع خيرٌ أمْ جنَّة الخلد، ويش الجواب؟ بل جنة الخلد، بلا شك.
وهنا فيه إشكال؛ وهو أنه قال: ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ مع أن ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يمكن أن يُقارَن بما فيه الخير المطلَقُ؟
الجواب: أن هذا من باب التنزُّل مع الخصم، وباب التنزُّل مع الخصم لا بأس أن تأتي مثْلُ هذه المقارنة، وقد قارن الله تعالى بين شيئين بينهما من التباين أعظم من التباين في وعيد أهل النار ووعد أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خيرٌ، وأنه لا يمكن لأي عاقل أن يُقارِن بين هذا وهذا، لكنه لما كان المخاطبون يساوون غير الله بالله صار من باب التنزل معهم أن نخاطبهم بهذا ونقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾، أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفته؛ يعني الجنة التي هي مكان الخلد، و﴿الْخُلْدِ﴾ معناه: المُكْث، وقد صرَّح الله تعالى كثيرًا بالتأبيد في خُلودهم.
وأما أهل النار فالتأبيد ورد في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
وفي هذا ردٌّ واضحٌ على من قال: إن عذاب النار غير مؤبَّدٍ، وممن مال إلى هذا القول -وهو من أغرب ما يكون- ابن القيم رحمه الله، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّدُ وأنه لا بد أن ينتهي، ولكن ليس يقول: إنه ينتهي، ثم ينتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكن ينتهي بمعنى أنها تفنى ومَن فيها.
والصواب الذي لا شك فيه ما عليه جمهور أهل السنة وحُكِيَ إجماعًا؛ أن النار مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قد أعذر إلى هؤلاء وأقام عليهم الحجة، فهم الذين جَنَوا على أنفسهم.
* طالب: الاستثناء -أحسن الله إليكم- في هود؟
* الشيخ: الاستثناء في هود؛ لأنه استثنى من قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود ١٠٧]، فإنه لو قُيِّدَت بدوام السماوات والأرض لكان لها أمدٌ، فلما قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هذا ما خرج عن دوام السماوات والأرض. هذا معنى الاستثناء.
* طالب: في آية أخرى (...)؟
* الشيخ: نعم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٢٨]، نقول: هذا الاستثناء ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ دلَّت النصوص على أنه لا يشاء أن لا يخلدوا، فكأن هذا الاستثناء يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمنَعَ العذاب عنهم، وأنه ليس أمرًا مُحتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته. فالاستثناء إذن مُفسَّر بالآيات الصريحة الواضحة؛ أنه تعالى لا يشاء أن يرفع العذاب عنهم؛ لأنه أخبر، والخبر لا يخلِفُ الله خبرَه بأن عذابهم مؤبَّدٌ.
* طالب: ابن القيم (...)؟
* الشيخ: مَن؟
* الطالب: ابن القيم.
* الشيخ: لا، هو في أول كلامه جزم بهذا.
* الطالب: في حادي الأرواح (...).
* الشيخ: لا، هو ذكره في شفاء الغليل، ذكره في ذلك وجزم به في أول الكلام، ثم ساق الآثار في هذا.
* طالب: تعليل أنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] (...)؟
* الشيخ: لا، كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل الله سبحانه وتعالى هذا مع أنه عذاب دائم ورحمته وسعت كل شيء؟ فقال: إنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، مثلما قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨].
وفي الحقيقة هذه الأشياء وإن كان قد يكون لها وجه هذه الاحتمالات، لكن ما دام عندنا نصوص صريحة مُحكمَةٌ، فالواجب على المؤمن أن يحمل المتشابه على المحكَمِ، ما دام أن المسائل في الآيات الثلاث هذه احتمال، فإن عندنا شيئًا لا يحتمل، وهو التصريح بالتأبيد، وتعرفون أن هذا خبر، والخبر لا يدخله النفي ولا (...).
* طالب: طيب يا شيخ، (...) إخلاف الوعيد دون إخلاف الوعد.
* الشيخ: نعم، ولو قالوا، الله يتمدح بأنه لا يخلف وأن خبره صدق، والوعيد الذي يتمدح الله به هو ما يدخل تحت المشيئة ما سوى الشرك، فنحن مثلًا فيه وعيد على المعاصي اللي دون الشرك، فإذا عفا الله عنها فهذا طيبٌ ويمدح عليه سبحانه وتعالى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من هو عنه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن عمر وغير عمر يخاطب بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما علينا منه، حتى لو كان صريحًا، لو قال: سيخرجون، نقول: لا يخرجون، ما دام أن فيه آيات صريحة ما هو المانع؟ و﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٣، ٢٤] أيضًا هذه ما تدل على التقييد؛ لأن ﴿أَحْقَابًا﴾ يعني: طويلة لا منتهى لها، هذا المعنى، والإنسان إذا تصور أنه بيبقى في النار ما هو بأحقاب، يعني ثانية من الزمن وهو عاقل، فسوف يتجنب عمل أهل النار، فكيف بمن يلبثون فيه أحقابًا؟! وهي لا تدل على التقييد، ومن زعم أنها تدل على التقييد وقال: إن الأحقاب هذه مقيدة بما بعدها، يعني: ﴿أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ و﴿أَحْقَابًا﴾ أخرى يذوقون، فهذا ليس بصحيح، بل إن المعنى المبالغة في ذلك وأنهم لابثين فيها دهورًا عظيمة طويلة لا منتهى لها.
(﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ ) أتى المؤلف بـ(ها)، ويش هي (ها)؟ مفعولٌ ثانٍ لـ﴿وُعِدَ﴾؛ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فالمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني نائب الفاعل ﴿الْمُتَّقُونَ﴾. وقد سبق لنا كثيرًا أن المتَّقي هو من اتخذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى وأنسب ما يكون للفظها؛ لأنها من (اتَّقى) من الوقاية.
وقوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، مَن الذي وعدهم؟ وعدهم الله سبحانه وتعالى، وحُذِفَ الفاعل هنا للعلم به؛ كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، والخالق هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ فِي عِلْمه)، تقييد المؤلف رحمه الله الكينونة في علمه؛ لأن (كان) فعل ماض، والجنة قد كانت مصيرًا ولَّا ستكون مصيرًا؟ ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكينونة التي عبَّر عنها بالفعل الماضي، قيدها في علم الله، يعني لا بحسب الواقع؛ لأن الواقع لم تكن وإنما ستكون، ولكن هذا بناء على أن (كان) يُراد بها الزمن، مع أن (كان) إذا تأمل الإنسان مواضعها في القرآن وفي السنة وجدها أنها أحيانًا تدل على مجرد الحدث، لا على الزمن؛ لأن الفعل كما تعرفون يدل على زمنٍ ومعنى، فـ(كان) دائمًا تأتي للدلالة على مجرد المعنى فقط، يعني: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وهي لهم جزاء ومصير. وعلى هذا فلا حاجة إلى التقدير الذي ذكره المؤلف، وهذا هو الأوضح، ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ يعني: وهي لهم جزاء ومصير، ولا حاجة إلى أن نقدر أنها كانت في علم الله، بل هي ﴿كَانَتْ﴾ أي: هي جزاء، فنجرِّد (كان) من الدلالة على الزمن، وإذا جرَّدناها كما ترد كثيرًا في اللغة العربية سلِمْنا من هذا التقدير الذي جاء به المؤلف.
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]؟
* الشيخ: مثلها، مجردة عن الزمن، هذه مجردة عن الزمن؛ لأن الله ما زال ولا يزال غفورًا رحيمًا.
* الطالب: نحن قلنا: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]، عندما نأتي بـ(كان) ونقول: المراد بها الزمن والحدث، مثل مغفرة الله ورحمته فيما سبق، أما الآن فليس غفورًا رحيمًا، لكن هذه يراد بها مجرد الحدث؛ يعني أنه متَّصفٌ بالمغفرة والرحمة. ومثلها هذه الآية، و(كان) هذه دائمًا تدل على مجرد الحدث لا على الزمن.
* طالب: (...) رؤوس الآي؟
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: فيقال: إن الله غفور رحيم (...)؟
* الشيخ: لا، يمكن، ما هو بلازم، يعني أحيانًا تأتي مُتناسِبة وأحيانًا غير مُتناسِبة.
الكلام على إن (كان) يا جماعة، المهم هذا، (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربية لا يُراد بها الزمن وإنما يراد بها مُطلَقُ الحدَثِ؛ يعني أن هذا الأمر هو الواقع، فهنا ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، من المعلوم أن المتَّقين الآن ما دخلوا الجنة ولا صاروا إليها، ولكنهم سيصيرون، لذلك احتاج المؤلف أن يقدر: (في علمه)، يعني: كانت في علم الله. ولكننا نقول: لا حاجة لهذا التقدير؛ لأن (كان) مسلوبةُ الدلالة عن الزمن.
وقوله: ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، يقول: (ثوابًا)، والذي جعل هذا الثواب لهم هو الله سبحانه وتعالى، (﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا). من متى تكون مصيرًا؟ من يوم القيامة أو من موته؟
* طالب: من موته.
* الشيخ: من حين ما يموتون، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل ٣٢]، لكنها طبعًا ما هي دخول الجنة التي في السماء، ولهذا يُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْرَش له فراشٌ من الجنة، ويلبس بلباس من الجنة. فالمتَّقون من حين ما يموتون يدخلون الجنة، كما أن أهل الجحيم من حين ما يموتون يذوقون عذاب الجحيم.
ولهذا في كُتُبِ المواعظ، أنا البارحة سمعت واحدًا يقرأ في كتب المواعظ يأتون بالموت والدود والأشياء هذه وأكله الدود والصديد، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة إنما يكون على الجسم فقط، والناس إذا شعروا بهذا الشيء ما يفرحون بالموت، ينفرون منه كثيرًا، الذي ينبغي أن يوعظ الإنسان بما يكون على روحه، فيقال مثلًا: إنه إذا مات وليس من أهل التقوى يكون له من العذاب كذا وكذا.. إلى آخره، وإذا كان من أهل التقوى يكون في نعيم ومن أهل الجنة؛ لأجل أن المؤمن يفرح. أما أننا نذهب ونوجه الناس إلى التخويف من الأمر الحسي المادي فقط فهذا في الحقيقة مما يسيء إلى الناس، عندما يسمع الإنسان هذا الشيء، هل يكون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، ينفر منه، لكن عندما يسمع أنه إذا كان مؤمنًا دخل الجنة من حين ما يموت، نعم، تجده يمكن لا أقول: يفرح بالموت، لكنه يستبشر بهذا الوعد الذي يكون له.
فهذا هو الذي ينبغي أن ينشأ الناس عليه، ما ينبغي أنهم يذكر لهم الأمور المادية فقط، ولذلك لو تأملت القرآن كله لوجدت أن هذه الأمور المادية ما لها ذكر في القرآن، إنما يذكر في القرآن ما يكون على الروح من النعيم والعذاب، حتى إن الإنسان يستبشر ويفرح ويعمل لهذا النعيم، نعم، ويخاف ويرهب ويهرب من هذا الجحيم.
هذه المسألة أنا أحببنا أننا ننبه عليها؛ لأنها توجد كثيرًا في كتب الوعظ، مثل ما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة ترغب فيما نهى عنه الشرع، مثل ما يذكرون عن بعض العباد الذين يعذرون بجهلهم أنهم كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقي أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء. ويش قصدهم بهذا؟ الترغيب. هذا ضد ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا من المحادة لله ورسوله، فهم يأتون بأمور منكرة لا يعرفونها، وأنا أبين لكم ذلك؛ لأنكم تسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل مثلًا قارئ من الأئمة يقرأ بمثل هذه الكتب فإنه يجب علينا أن نتكلم معه، ما هو بأمام الناس هكذا، لا؛ لأن العوام -كما تعرفون- عوام، ويكونون مع إمامهم، يمكن تكون بحق وهم يقومون عليك، لكن من الممكن إذا خلص تقول له: يا أخي، تجيبه بالطمأنينة تقول: أنت إمام يُقْتَدى بك، والعوام يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب، فأنت يجب أن تعرف أن هذا خلاف الشرع، وتبين له ما استطعتم من البيان، حتى يكون الأئمة اللي يقتضى بهم الآن على صواب.
* طالب: أحاديث ضغطة القبر صحيحة[[منها ما أخرجه ابن حبان (٢٤٦٦٤) عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ».]] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن ضغطة القبر ما أعرف عن صحته، وردت في قصة سعد بن معاذ، ولكن ما يحضرني الآن هل هو صحيح، هو قطعًا ليس في الصحيحين، لكن ما أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكنه مهما كان ضغطة القبر ليست بشيء بالنسبة لما يقولون وما يصفون من حال الميت، وهم يركزون على مسألة الجسم، حتى إن الناس مهما كانت أعمالهم الصالحة يقعون في القنوط.
* طالب: يا شيخ، فناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح أو كذا؟
* الشيخ: واللهِ هو الظاهر أن بقاءه يدل على الصلاح؛ لأنه ما يقع إلا كرامة؛ لأن الأصل أن الأجسام تأكلها الأرض، إلا الأنبياء فإنهم لا تأكلهم الأرض[[أخرج أبو داود (١٠٤٧) عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يقولون: بليت-؟ فقال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء».]].
* طالب: والشهداء؟
* الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، المسألة في الأنبياء.
* طالب: طيب وذهابهم؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما يدل على أن الإنسان ليس من أهل الخير، ما يدل، لكنه قد يقع كرامة لبعض أهل الخير.
* طالب: لكن الحديث ما هو بصحيح؟
* الشيخ: الشهداء، لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أن تأكل أجساد الأنبياء فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، إي نعم. لكن في شهداء أحد من وجدت الأرض قد أكلته.
* طالب: سبحان الله!
* الشيخ: أكلت بعض جسمه، ما هو كل جسمه. (...)
(﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ مرجِعًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ [الفرقان ١٦] حالٌ لازِمَةٌ) أيها الحال اللازمة؟
* طالب: ﴿خَالِدِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾، هذه الآية تدل على أن كل ما يشاءون فهو لهم، وفي سورة (ق) أن الله قال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]؛ يعني: عند الله مزيد على ما يشاؤه الإنسان؛ لأن الإنسان مهما بلغ فإن تصوره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياء ويخفى عليه من النعيم أشياء، فيكملها الله سبحانه وتعالى له، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ويش معنى (حال لازمة)؟ يعني هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟
الجواب: نعم، إذا كانت الحال ليست لازمة لصاحبها فهي حال عارضة (...) أقبل الرجل راكبًا، هذه حال عارضة؛ لأنه قد يقبل غير راكب؛ ماشيًا. وإذا كانت لازمة..
كانت الملائكة أكثر، وكلُّ سماء فإنَّها أكثر ملائكةً من السماء التي تحتها.
كذلك أيضًا هؤلاء الملائكة الذين يحيطون بالعالم، كل دائرة أكثر عددًا من الدائرة التي قبلها، وإنما يُنَزَّلون بيانًا لعظمة الله عز وجل وإحاطةً بالخلق، وحينئذ يصدُق قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ لأنهم ما يستطيعون مع إحاطة الملائكة بهم أن يهربوا من أهوال هذا اليوم.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر (نُزِّل)، وهو كما أسلفنا يدلُّ على أنهم يَنْزِلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملة، فتنزل ملائكة السماء الدنيا أولًا، ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة.
وأشرنا إلى الآية التي في سورة الرحمن دفعًا لقول بعض الناس الذين يفسِّرونها بهذه الأقمار الصناعية أو المراكبِ الفضائية التي صعد الناس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قول الله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ إلا بعلمٍ، وأنَّ هذا العلم أوصلهم إلى النفوذ، وهذا لا شك تحريف للقرآن، ولا حاجة إلى أن نتكلَّف فنقول: كل ما يحدث فإن في القرآن له شاهدًا. ما حاجة لهذا التكلف؛ لأن هذه الحوادث شواهدها حصولُها، متى حصلت فإننا نؤمن بهذا، سواء دلَّ عليها القرآن أو سكت عنها القرآن، إلا إذا دلَّ القرآن على نفيها فإنه لا يجوز لنا أن نصدقها.
وكل ما يحدث من هذه الاختراعات وهذه الصناعات فإنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، بعد أن قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨] قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذه الآية يدخل فيها كل ما حدث وكلُّ ما يحدث من مثل هذه الأمور. وأما أن نحرِّف القرآن إلى ما يوافق هذا الواقع، فهذا حرام علينا ولا يجوز.
وأما قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] فليس المراد به العلم، المراد به السلطة التي تتمكنون بها من النفوذ؛ لأن السلطان في كل موضعٍ بحسبه، وأصلُه: السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى ما يريد؛ فمثلًا إذا كانت في دعوى مدعٍ، نقول: لا سلطان لك في هذا يعني: لا حُجَّة لك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]؛ يعني: ما عندكم من حجة؛ لأن الحجة سلطة يتمكن بها المدَّعِي من إثبات دعواه.
ثم إن الآية: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن ٣٣]، وهؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات، حتى لو قلنا: إنهم نفذوا من أقطار الأرض أو خرجوا عن محيط الأرض، فإنهم لا يستطيعون أن ينفُذوا من أقطار السماوات.
ثم إن الآية ظاهرة في التحدي: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، والتحدي بما يمكن صحيح ولّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التحدي بما يمكن غير صحيح؛ لأنه يبطل التحدي.
ثم إن قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن ٣٥] يكذِّبه الواقع، يكذب دعوى هؤلاء الواقع؛ لأنهم طاروا إلى الفضاء ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولم يرسل عليهم شواظ من نار ولا نحاس.
فالمهم أنا قصدي بذلك أن بعض الناس أهل العلم بالطبيعة يحاولون أن يوجدوا لكل حادث دليلًا خاصًّا من القرآن، وهذا لا يجوز؛ لأنه يصرِفُ القرآن عما أراد الله به، ويقتضي أن يتلاعب الناس في القرآن.
ثم إنهم مثلًا قد يستدلون بالآيات الكريمة على ما رأوا من النظريات، وتأتي بعد ذلك نظريات أخرى تُبْطِلها، فيكون القرآن حينئذ باطلًا حسب ما استدلَّ به الأولون، ونحن ولله الحمد في غنى عن هذا الأمر؛ هذه الأمور الحوادث التي تحدث من صنائع الإنسان أمر لا حاجة إلى إقامة الدليل عليه من القرآن؛ لأن واقعَها يُثْبِتُها.
* طالب: هم يريدون إثبات إعجاز القرآن، (...)؟
* الشيخ: إعجاز القرآن يكفي أن نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]؟
* طالب: طيب، والحقائق (...)؟
* الشيخ: إذا دلَّ عليها القرآن لا بأس، لكن كوننا نُحرِّف القرآن من أجل أن نخضِعه للدلالة على هذا الأمر، لا.
أما مثلًا لو استُدِلَّ بتطور الجنين في خِلْقَتِه، فاستدل أحد بالآية الكريمة وبالحديث الصحيح هذا لا بأس، الشيء اللِّي يدلُّ عليه القرآن يدل عليه القرآن، لكن شيء يُحرَّف القرآن من أجله، لا.
* طالب: قال مثلًا: (...)؟
* الشيخ: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ أحوال الآخرة ما تقاس بأحوال الدنيا، والإنسان مثلًا لو احترق الآن جلده وانكشط، وأحرقنا اللحم ما يخالف، أحرقْنا اللَّحم، يتعذَّب الإنسان بلا شك، يتعذَّب الإنسانُ به يقينًا، ولا (...) نجربه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: صحيح، هذا معقول، وكل الداخل في الغالب ما فيه إحساس؛ ولهذا ما يحس الإنسان بنزول الطعام في بطنه.
* طالب: بعض (...)؟
* الشيخ: إي، ما يخالف، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨]، ما المراد بـ﴿الْكِتَابِ﴾؟
* طالب: اللوح المحفوظ.
* الشيخ: اللوح المحفوظ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، لكن ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] هذه أوضح إن أرادوا يستدلون، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، لكننا نعلم أن التبيان إما مجمل وإما مفصَّل، والقضية المشهورة عن الشيخ محمد عبده مع الرجل النصراني حينما سأله عن كيفية صنع الطعام الذي قُدِّم له في المطعم، قال: القرآن تبيان لكل شيء، فكيف يُصْنَع هذا الطعام؟ أين يوجد في القرآن كيف يصنع؟ فقال: هذا موجود في القرآن، فدعا الطباخ وقال له: كيف تصنع هذا الطعام؟ قال: أصنعه بكذا وكذا، فقال: هكذا الطريق في القرآن، فإن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، وكل قوم ذكرهم خاص بهم، فأنا سألت هذا الرجل؛ لأني ما أعلم. فالقرآن قد يدلنا على الشيء مباشرة أو بالوسيلة والطريقة.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨] ما المقصود بها؟ (...)؟
* الشيخ: كل ما لا نعلمه، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق كل شيء لا نعلمه، في وقتنا نحن..
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل هذه الحوادث، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا ما يعلم الإنسان، قبل أن تقع ما يعلم الإنسان.
* الطالب: بعد وقوعها يعلمها.
* الشيخ: بعد وقوعها يعلمها؛ لأنه قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، وهذا شيء معلوم، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]؛ يعني أشياء لا تعلمونها، وفعلًا خلَق الله تعالى أشياء ما كانوا يعلمونها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وسيخلُق أشياء ما نعلمها نحن في وقتها.
* الطالب: يعني مثلًا (...)؟
* الشيخ: إلى آخر الدهر، يخلق الله سبحانه وتعالى إلى آخر الدهر شيئًا لا يعلمه مَنْ سبق، لكن يعلمه مَن أدركه؛ لأن كونه يخلق معناه يوجد، نعم، الموجود لا بد أن يُعْلَم؛ لأن الله يتحدث عن أمر سيكون لنا: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، فإذا كان يتحدث عن أمر سيكون لنا فمعناه سنعلمه إذا خلقه الله.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، كل شيء ما تعلمه فالطريق إلى الوصول إليه أن تسأل أهل ذكره.
* الطالب: لكن أهل الذكر ما المقصود بهم؟
* الشيخ: أهل العلم، لكن هل المراد أهل العلم الشرعي أو كل علم بحسبِه؟ افرض أنك خصصته بالعلم الشرعي، لنفرض أننا خصصناه بالعلم الشرعي، أفلا يقاس غيرُه عليه؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: (...)، فهي إما أن تدل على العموم، وتكون شاملة لمثل هذه القضية بدلالة التضمُّن، وإما بدلالة الشمول المعنوي لا اللفظي، وهو القياس.
* طالب: بس السياق ما يدل على أنه (...)؟
* الشيخ: هي الآية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، هذه آية، هذه تدلُّ على أن المراد العلم الشرعي؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣] لا.
وفي الآية الثانية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] وهو عام، ما قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. ومثل ما قلت لك: إن كان أنها شاملة لكل شيء وأن أهل كل ذكر بحسبه فهي شاملة، وإلا فهي شاملة شمولًا معنويًّا وهو القياس. فنقول: إذا كان الله أحالَنا على أهل الذكر الشرعيِّ لمعرفة الحكم الشرعي، فكذلك نحن نتحول إلى أهل العلم غير الشرعي لمعرفة هذا العلم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن مثل ما ذكرنا لك الآن: إن العموم قد يكون شمولًا لفظيًّا، وقد يكون شمولًا معنويًّا، فهم لا يستوون، لكن من الذي يُثْنَى عليه؟ أهل العلم الشرعي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الشمول اللفظي معناه أن هذا اللفظ يدل على هذا بخصوصه؛ يعني من جملة الأفراد الدالة، والعموم المعنوي معناه أن هذا اللفظ لا يدخل فيه ما ذُكِرَ، لكنه يقاس على ما ذُكِرَ فيه، فيكون هذا عمومًا معنويًّا؛ لأن العلة في الجميع واحدة.
الفرقان 25:25
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:26
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:27
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:28
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:29
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:30
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:31
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
أما مسألة ﴿الْقُرْآنَ﴾، فإن القرآن يُطْلَق على المصدر، فيشمل كل ما يقرأ من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، لكن الذي يجعله خاصًّا بهذا الذي نزل على محمد ﷺ ما بعده.
* طالب: قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (...)؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* طالب: عند قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الفرقان ٣٠]؟
* الشيخ: إي نعم، لأن الرسول يقوله، والقرآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قاله والتوراة بين يديه صحَّ أن يشير إليه.
(﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا)، وأضافهم إلى نفسه؛ لأنه أبلغ في توبيخهم. كيف ذلك؟ لأن الأمر الواقع يقتضي أن قومه أسبق الناس إلى تصديقه وإلى قبول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكس، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: ينبغي أن تكونوا أنتم أول من يُصَدِّق به لأنه صاحبكم، كذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢].
فالمهم أن الإضافة هنا الغرض منها زيادة التوبيخ، يعني بدل ما يقول: إن قريشًا، قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ للمبالغة في توبيخهم، حيث إن مقتضى كونهم قومه أن يصدقوا به ويقبلوا ما جاء به.
(﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا)، مأخوذ من الهجر، والهجر ترك الشيء رغبة عنه، فهم اتخذوه ﴿مَهْجُورًا﴾.
(...) مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قوله: إن قومي هجروا القرآن، ووجه ذلك: أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدل على الثبوت والاستمرار، ولكن (اتخذوه مهجورًا) جملة اسمية؛ لأن الهاء و﴿مَهْجُورًا﴾ أصلهما المبتدأ والخبر. فكأنهم جعلوا هذا القرآن الذي تجب العناية به والإقبال إليه، جعلوه أمرًا ﴿مَهْجُورًا﴾ مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيروه من الأمور المهجورة المتروكة التي ليس من شأنها أن يقبل إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأنهم قد يهجرونه وهو مستحق لأن يُقْبَل، أما إذا اتخذوه مهجورًا فإن اتخاذهم إياه مهجورًا يكون معناه أنهم هجروه مع استحقاق أن يهجر. كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش الفرق بين (هجروه) و(اتخذوه مهجورًا)؟
* الطالب: (هجروه) يعني (...).
* الشيخ: يعني: قد تكون أنهم هجروه وهو لا يستحق أن يُهْجَر.
* الطالب: لكن اتخذوه مهجورًا؛ لأنهم هجروه مع كونه (...).
* الشيخ: إي نعم، ولأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
هجْر القرآن ينقسم إلى قسمين: هجر لفظي؛ وذلك بترك تلاوته رغبة عنه، وهذا ما حذَّر منه النبي ﷺ في قوله: «بِئْسَ مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: نُسِّيتُ»[[أخرج البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم -واللفظ له- (٧٩٠ / ٢٣٠) عن عبد الله بن مسعود، يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي».]]؛ لأن (نَسِيَ) تدل على الرغبة والهجر، و«نُسِّيتُ» » تدل على أنه ليس باختيارك لكنه أمر قُدِّر عليك. هذا الهجر.
الهجر الثاني: هجر العمل به؛ بأن يكون الإنسان يتلوه، ما قصر في تلاوته، لكنه لا يعمل به.
وممكن يتولد قسم ثالث؛ القسم الثالث: هجر لفظي وعملي، يعني معناه أنه لا يقرأه ولا يعمل به.
فإذن الأقسام ثلاثة: هجر لفظي وهو هجر تلاوته، وهجر عملي وهو هجر العمل به، وهجر لفظي عملي. وأيهما أشد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: اللفظي العملي، يليه: الهجر العملي، والثالث: اللفظي. وكل منها محرم، حتى الهجر اللفظي إذا تركه الإنسان ترك تلاوته رغبة عنه فإنه لا يجوز، نعم، لو ترك تلاوته تشاغلًا بأمور لا بد منها فهذا لا بأس به، مع أنه لا يمكن للإنسان أن يترك تلاوته تركًا مطلقًا؛ لأن عنده الصلاة وقد فرض عليه أن يقرأ فيها سورة الفاتحة. فالهجر المطلق لا يمكن أبدًا؛ لأنه من أهم شيء قراءة الفاتحة في الصلاة.
* طالب: هجر المصحف مسًّا فقط، ما هو بحرام؟
* الشيخ: لا، ما هو بحرام.
* الطالب: لو كان معه عدد من المصاحف في البيت (...).
* الشيخ: ما فيه مانع، لكنه مع الحاجة لا يجوز أن الإنسان مثلًا يحتكرها والناس محتاجون إليها، أما الآن ما فيه حاجة، فالتحذير الذي كان يوجد في كلام بعض أهل العلم، هذا لما كانت المصاحف قليلة، يكون الإنسان ما عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسه ولا ينتفع بها ولا ينتفع بها غيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن هجر التدبر يمكن، قد يكون هجرًا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذا لا شك أنها تلاوة ناقصة؛ لأن الله تعالى أمر بتدبره وأخبر أنه ما أنزل إلا للتدبر والتذكر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
* الطالب: هل يتدبر المعنى ولَّا مجرد (...)؟
* الشيخ: لا، التدبر معناه أن الإنسان يتأمل معناه ويفكر فيه ويسعى في الأصول إليه، هذا التدبر.
* الطالب: إذا كان الإنسان قاصرًا (...)؟
* الشيخ: يسأل، وإذا كان يمكن أن يراجع هو بنفسه كتب التفاسير فليراجع.
﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وهذه من الرسول عليه الصلاة والسلام شكاية لقومه؛ لأنه تضايق بهم فأنزل الله عليه تسلية له وجوابًا لشكايته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف اسم بمعنى مِثْل، وهي تأتي في القرآن كثيرًا، كلما جاءت فإننا نعربها هذا الإعراب؛ على أنها اسم بمعنى مثل، وأما إعرابها فهي مفعول مطلق وعاملها الفعل الذي بعدها؛ أي: ومثل ذلك الذي جعلناه جعلناه لكل نبي.
فهؤلاء المشركون الذين جعلوا القرآن مهجورًا ونبذوه وراء ظهورهم ودعَوْا إلى هجره وسخروا به ليسوا بدعًا من غيرهم، فقد سبق لكل نبي كذلك.
(﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا لك عدوًّا من مشركي قومك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبر كما صبروا) وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما هو ظاهر؛ لأن الإنسان يتسلَّى إذا كان غيرُه قد أُصيبَ بمثل مصيبَتِه، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــــاكِينَ حَـــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّـــــــــأَسِّي
فإذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا دأب قوم الأنبياء من قبله، فإنه يتسلى ويهون عليه الأمر.
قال الله تعالى: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الباء يقولون: إنها زائدة إعرابًا، و(ربك) فاعل (كفى)؛ يعني: وكفى ربك. و﴿هَادِيًا﴾ تمييز، يعني: كفت هدايته ونصره، تمييز مُحَوَّل عن الفاعل؛ لأنَّ التمييز قد يُحَوَّل عن الفاعل، وقد يُحَوَّل عن المفعول؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] مُحَوَّل عن المفعول؛ لأن الأصل: و﴿وَفَجَّرْنَا﴾ عيون ﴿الْأَرْضَ﴾.
هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ الأصل: وكفت هداية ربك ونصره، فهو تمييز مُحَوَّل عن الفاعل.
(﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ناصرًا لك على أعدائك).
مناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أن أعداء الرسل يعادونهم لإضلال الناس، وللحيلولة دون وصول الهداية إليهم، كذلك أيضًا يعادون الرسل بالحرب والقتال وغير ذلك، فبيَّن الله تبارك وتعالى أنهم لا يستطيعون أن يحولوا بين هداية الله ونصره ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
للمرة الثانية أقول: المشركون الذين ينابذون الرسل يقصدون بذلك أمرين: إضلال الناس، والعدوان على الرسل، حتى بالحرب والقتال؛ فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذه المحاولة ليست بشيء؛ لأن الله تبارك وتعالى كفى به هاديًا، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يضلوا أحدًا، وكفى به نصيرًا فلا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يقضوا على دعوة الرسل. فهذا وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
شوف السورة هذه فيها طابع التحدث عن القرآن والرد على المكذبين له؛ لأن أول ما ابتدأت هذه السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، فهذا الفرقان الذي تمدح الله بنفسه بإنزاله إلى رسوله لا بد أن يُعْنى به ويجاب عن المعارضين له بالأساليب المختلفة التي مرت علينا الآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، زائدة من حيث الإعراب فقط.
* طالب: أنه له معنى.
* الشيخ: إي، معلوم له معنى، لكن من حيث الإعراب فقط.
* في هذه الآيات التي قرأنا:
* أولًا: بيان حال الظالم يوم القيامة، وأنه يندم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. أين الدلالة على أنه بالقول؟
* طالب: الدلالة على أنه بالقول قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧، ٢٨].
* الشيخ: نعم. وبالفعل؟
* الطالب: بالفعل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
* الشيخ: * الفائدة الثانية: التحذير من الظلم الذي يصد به الإنسان عن دين الله. من أين يؤخذ؟ التحذير من الظلم الذي يوجب أو يوقع الإنسان في مخالفة الرسل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني أن الغرض من ذلك التحذير، ليس مجرد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الذي يكون مآل صاحبه إلى هذه الحال.
* وفيه أيضًا: التحذير من قرناء السوء..
* طالب: (...) ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ (...).
* الشيخ: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾..
* الطالب: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* وفيه أيضًا: أن الكافر، بل عموم الظالمين في يوم القيامة يؤمنون بالحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ﴾..
* الطالب: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، فأقرَّ الآن بأن الذِّكْرَ قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذكر يتذكر به المرء.
* وفي الآية: دليل على ما وصلت إليه حال قريش من العناد والمكابرة، أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هم اتخذوه مهجورًا ولَّا هجروه؟
* الطالب: اتخذوه مهجورًا.
* الشيخ: وهو أبلغ مِنْ؟
* الطالب: مِنْ (هجروه).
* الشيخ: من (هجروه).
* وفيه: دليل على عِظَمِ هذا القرآن.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾؛ لأن الإشارة تفيد التعظيم؛ يعني ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الذي لا ينبغي أن يُهْجَر هؤلاء اتخذوه مهجورًا.
ذكرنا أن (اتخذوه مهجورًا) أبلغ من (هجروه). كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (اتخذوه مهجورًا) أي أن هذا القرآن أعرضوا عنه إعراضًا كاملًا، وليس المعنى (...) مع أنه أيضًا لم يهجروه لكونه.. لو قال: هجروه، لهجروه مع العلم بأن فيه فائدة ولكن تركوه، ولكن ﴿مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه بالكلية.
* الشيخ: لا، ما هي أعرضوا عنه بالكلية، معناه فعلهم..
* الطالب: مع أنه ليس فيه، يعني جعلوه متروكًا، يعني: ليس في شيء.
* الشيخ: يعني: جعلوه من الأمور التي..
* الطالب: لا فائدة لها.
* الشيخ: تستحق أن تهجر، اتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا، هو في حد ذاته على زعمهم.
* طالب: هذا وجه يا شيخ.
* الشيخ: هذا وجه، والوجه الثاني؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾.
* الشيخ: لا. أيش تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهم صيروه مهجورًا، والهاء المفعول الأول محل المبتدأ، و﴿مَهْجُورًا﴾ محل الخبر.
وفي هذا دليل على بشاعة هذا العمل من قريش، في الآية دليل على بشاعة هذا الأمر من قريش..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، غير؟ لأن هذا يشملهم وغيرهم. أيش تقول؟
* طالب: قوله: ﴿قَوْمِي﴾.
* الشيخ: تعدت لكن ما (...)، الإضافة في..
* طالب: شكاية الرسول ﷺ لله.
* الشيخ: إي، لكن بلفظ: ﴿قَوْمِي﴾، الإضافة؛ ﴿قَوْمِي﴾، فإن هذا يدل على بشاعة هذا العمل منهم؛ لأن المفروض أن قومه يكونون أولى الناس بالعناية به وقَبول ما جاء به، أليس كذلك؟ ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكس.
وفي هذا عناية الله تعالى بالرسول ﷺ، ويبين لنا وجه الدلالة الثاني..
* طالب: (...) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: وجه ذلك أن الإنسان إذا كان (...).
* الشيخ: نعم، كون الله يعتني بالرسول ويسلِّيه بما وقع لغيره هذا دليل على العناية به.
وفي قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: والعدوان على الرسول، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أنهم لا يستطيعون أن يضلوا الناس إذا أراد الله هدايتهم، ولا أن يقووا عليه إذا أراد الله نصره.
طيب، هذه العداوة حسب ما يقول الله عز وجل (...) القرآن، هل تكون لأتباع الرسل أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟
* الطالب: لأن أتباع الرسل يكونون (...).
* الشيخ: إي نعم، وأيضًا؟
* طالب: ثم إذا كانوا عادَوُا الرسل وهم أشرف الخلق، كيف لا يعادون من سواهم لا سيما أتباعهم؟
* الشيخ: لا، هذا قد يقال: إنهم عادوا الرسل، وأيش (...) الآن؟ لأن تأثيرهم أشد، (...) أشد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم عادوا الرسل لدعائهم للحق، ولّا لا؟ يعني: ما عادَوا الرسل لأشخاصهم؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قبل البعثة عند قريش عدوًّا ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمين. فما دامت العداوة من أجل الدعوة إلى الدين فسوف تكون لكل من دعا إلى الدين؛ لأن الذي يدعو مثلًا إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام هو يدعو إلى ما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يكون له أعداء كما كان للأنبياء أعداء؛ وعليه فالواجب على من دعا إلى الهدى وأوذي، الواجب عليه أن يصبر وأن يتأسَّى بما جرى للرسل من قبل، والرسل أعظم منزلة عند الله منه، ومع ذلك مكَّن أعداءهم مما فعلوه.
فيه أيضًا: دليل على أن الحق يتبيَّن بضده؛ لأن من الحكمة أن الله جعل ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينابذ الدعوة، من الحكمة في ذلك أن تتبين الدعوة؛ لأنه إذا لم يكن لها معارض ما تبيَّنت، لكن إذا كان لها معارض وكلما أتى بشبهة رُدَّ عليها صار ذلك أبين وأوضح.
* وفيه أيضًا من الفوائد: ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن، فإنَّه إذا كان الإيمان قويًّا فإنه يصمد أمام هذه الشبهات وأمام هذه العداوة، وإذا كان ضعيفًا فإنه يتأثر.
فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى أن الله يُقَيِّد للإنسان ما يحول أو ما يكون سببًا للحيلولَة بينه وبين دعوته ليبلوه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١].
* طالب: يعني يا شيخ (...) ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
* الطالب: يعني اطمأن بعبادة الله (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اطمأنَّ بحاله اللي هو عليه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ وأمر يشغله ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١].
* طالب: (...) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (...).
* الشيخ: إي، معلوم، الإعراب واقع، حتى مثلًا؛ لأنه قسَّم الهجر إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام: من المؤمنين مَنْ هجر، الهجر اللفظي موجود في المؤمنين، ولكنه كما قلنا: إنه لا يوجد الهجر المطلق بالنسبة للمؤمن؛ لأنه لا بد له من إقامة الصلاة، ولا بد في كل صلاة من قراءة.
* الطالب: لعلَّ يجوز له أن يهجره بادعاء مشاغل الدنيا مثلًا، (...)؟
* الشيخ: والله إذا كان ما هو برغبة عنه، إذا كان لمشاغله، ما هو برغبة عنه و(...) به فهذا لا بأس به. لكن إذا كان نعم رغبة عنه و(...) به وعدم التفات له، فهذا شديد يعني.
* الطالب: يعني ما يغني عن (...)؟
* الشيخ: ما أظنه يغني عن القراءة الاستماع، لكن على كل حال الاستماع فيه خير، ولكن القراءة أفضل.
* الطالب: ضرورة.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كمشغول بالطريق.
* الشيخ: لا، إذا كان مشغولًا لا ينبغي أن يستخدمه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه إذا قرئ القرآن فـ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟
* طالب: لقوله..
* الشيخ: إي، لقوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
* الطالب: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٨].
* الشيخ: نعم. طيب، أحسنت.
وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟
* طالب: (...) يوم القيامة.
* الشيخ: من الآيات.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩].
* الشيخ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؟
* الطالب: ﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
* الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟
* طالب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٤٨].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وكل هذا يوم (...).
* الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟
* طالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: لا، نريد الشيطان.
* طالب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦].
* الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة.
* طالب: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنَا﴾؟
* الطالب: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
* الشيخ: أحسنت، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢].
طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟
* طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يأمره بالشر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة ٢٦٨]، والذي قلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ المنكر.
قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: تسلية الرسول ﷺ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و..
* الشيخ: تسلية الرسول ﷺ.
* الطالب: ليعتبر فيما مضى (...).
* الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟
* طالب: يدل على (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: يدل على أن (...).
* الشيخ: يعني الرسول ﷺ يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل.
* طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر.
* الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، مناسبة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي.
* طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين.
* الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، و﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم.
هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي.
* الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول ﷺ قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ما يخالف.
* الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧]، وقول أصحاب صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود ٦٢].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
الفرقان 25:32
قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢] كالتوراة والإنجيل والزَّبور).
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هذا من جملة الشبه التي أوردها المكذبون للرسول ﷺ، قالوا: الكتب السابقة تنزل على الأنبياء جملة واحدة، مثل: التوراة والإنجيل والزبور، وكذلك غيرهم، تنزل جملة واحدة لا مفرقة، فقال هؤلاء: لو كان محمد – ﷺ – صادقًا وأنه نبي من الأنبياء، لكان شأنه شأن الأنبياء السابقين ينزل عليه القرآن جملة واحدة، وأتوا بـ(لولا) الدالة على التحضيض، يعني معناه: أنه كان ينبغي أو يجب أن ينزل عليه القرآن جملة واحدة -على زعمهم- كما نزل على الأنبياء السابقين.
وهنا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لا شك أنهم قريش؛ لأنه يتحدث عن أمر وقع، ولا يمكن أن تكون عامة لجميع الكفار، يعني ما يمكن تكون عامة لكفار الأمم السابقين، لكن ربما يكون هذا القول موروثًا عن قريش ويقوله من يقوله بعدهم تمويهًا وتضليلًا للناس.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
كلمة ﴿نُزِّلَ﴾ وكلمة ﴿جُمْلَةً﴾، قد يفهم منهما التعارض؛ لأن المعروف أنه إذا كانت بالتشديد ﴿نُزِّلَ﴾ فهي لما ينزل شيئًا فشيئًا، وإذا كانت (أنزل) فهي لما نزل جملة واحدة. وهنا قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾، وكان مقتضى ما أشرنا إليه أن يقولوا: لولا أنزل عليه القرآن؟
فقيل: إن (أنزل) و(نزل) يتناوبان، كما تقول: خبَّرني وأخبرني، خبرني وأخبرني معناهما واحد، وإن كون (نزل) لما ينزل شيئًا فشيئًا و(أنزل) لما ينزل جملة واحدة، هذا ليس من مدلول اللفظ بذاته، ولكنه مما يعينه السياق والقرائن والحال. وعلى هذا فلا فرق بينهما، ويكون المراد بـ﴿نُزِّلَ﴾ هنا ويش المراد بها؟ (أنزل) ولكن نابت عنها.
ويحتمل أن يكون: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أنهم قالوه على حكاية ما ينزل، ثم اقترحوا أن يكون ﴿جُمْلَةً﴾ ﴿نُزِّلَ﴾ حسب الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن ينزل على الرسول ﷺ متفرقًا، ينزل متفرقًا، فكأنهم قالوا: هلا كان تنزيله الذي الآن ينزل شيئًا فشيئًا جملة واحدة، فيكون التنزيل هنا باقيًا على القاعدة، وهو لما ينزل شيئًا فشيئًا، ويريدون بذلك أن يقولوا، كأنهم يقولون: هذا التنزيل الذي كان صفة للوحي الذي ينزل على محمد ﷺ لولا كان هذا التنزيل جملة واحدة.
فأمامنا الآن جوابان:
الجواب الأول: أن (نزّل) و(أنزل) يتناوبان، ويعين المعنى السياقُ والقرائن.
ثانيًا: أنهما لا يتناوبان، ولكل واحدة منهما معنى، لكنهم قالوا: ﴿نُزِّلَ﴾ باعتبار واقع الأمر، فإن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ شيئًا فشيئًا، فكأنهم قالوا: لولا كان هذا التنزيل جملة واحدة.
هذه الشبهة قد تكون شبهة في بادئ الأمر، يعني: لماذا لم يكن الوحي النازل عليه كالوحي النازل على من قبله؟ هذا قد يكون شبهة في بادئ الأمر، ولكنه في الواقع ليس بشبهة، بل هو حجة؛ ولهذا أجاب الله عنه بقوله: (قال تعالى: نزَّلناه ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: متفرِّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نُقَوِّي قلبك ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢] أي: أتينا به شيئًا بعد شيء بتمهُّلٍ وَتُؤَدَة لِتيسير فهمه وحفظه).
﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: ينبغي أن تقف عند التلاوة على قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢]، تقف لأنه إلى هنا انتهى كلام الكفار، ثم تبتدئ فتقول: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾؛ لأن هذا الأخير من كلام الله، فيجب الفصل بينه وبين كلام الكفار؛ لأنه جواب عن الشبهة.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول لفعل محذوف، مفعول مطلق، يعني: أنزلناه مثل ذلك التنزيل.
واللام في قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ للتعليل، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، يعني: أنزلناه لأجل التثبيت.
والتثبيت معناه: التقوية والإقرار، يعني ليست مجرد تقوية؛ لأنك تقول: ثبت الشيء بمعنى: أقررته، لا يتزعزع ولا يتحرك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ تميل ﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤]، فالتثبيت بمعنى التقوية، ويش بعد؟ والإقرار، يعني أنه يقرره ويجعله مستقرًّا. فقلب الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التنزيل يتقوى ويثبت ويستقر ما يتزعزع.
وقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ كيفية التثبيت هنا من وجهين:
أولًا: أنه إذا نزل عليه فترة بعد فترة، استقر فؤاده وعرف استمرار رسالته. وانظروا إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام عند فترة الوحي ماذا كان يصنع؟ كان يخرج إلى الجبال حتى يوشك أن يتردى من الجبال؛ لأنه فقد ما كان أحس به أولًا، فهذا تثبيت، يثبت قلب الرسول بأنه رسول وأن رسالته لم تنقطع. هذا وجه.
وجه آخر: أنه يثبت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، كلما أورد عليه شبهة نزل القرآن مجيبًا عليها، وهذا بلا شك تثبيت ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن يكون التثبيت هنا من ناحيتين: تثبيته على أنه رسول، وتثبيت آخر لدفع الشبهات التي تورد عليه. وهذا الأمر الأول ضربنا له مثلًا، أيش هو؟ بفترة الوحي.
والأمر الثاني نضرب له مثلًا بهذه الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، جاء الجواب: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ إلى آخره [الإسراء: ٩٠، ٩١]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]. فهذا وغيره كثير يكون من جملة تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا كان الإنسان يُمَدُّ بما يدافع عنه خصمه، فإن ذلك من أقوى ما يكون من التثبيت.
وهنا بين الله الحكمة بأنه تثبيت فؤاد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي آية قال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فبين حكمة أخرى وهي أن يقرأه النبي ﷺ على الناس على مكث ليكون أسهل لحفظه وأوعى لفهمه. أفهمتم؟ فما هي الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى اختار في هذا الموضع أن يقول: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢]، وهناك قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾؟
الحكمة في هذا ظاهرة؛ لأنه هنا جوابًا لشبهة أوردت عليه، فناسب أن يبين الحكمة فيما يختص بالنبي ﷺ؛ لأنكم تعرفون أن البشر بشر يمكن يتأثر بما يورَد عليه من الشبهات؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤]، مفهوم؟
وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢]، يقول المؤلف: (أَتَيْنَا بِهِ شَيْئًا بَعْد شَيْء)، وعلى هذا يكون هو معنى التنزيل، الترتيل بمعنى التنزيل. وعندي أن الترتيل أخص، يعني أن المعنى: جعلناه مرتلًا، يعني معناه: بعضه يعقب بعضًا، وكل آية منه منفصلة عن الأخرى. فكأن هذه الآيات كأنها مراحل للمسافر، والمسافر إذا كان له مراحل في سفره يهون عليه سفره، وتنقض هذه المراحل تعب سفره، لكن إذا كان دائمًا في مسير واحد يشق عليه. وكون النفس ترتاح للقرآن بسبب هذه الآيات والترتيل أمر معلوم، وتجزئة القرآن أيضًا لهذا السبب، كونه أجزاء لهذا السبب؛ لأجل أن يقطع الإنسان القرآن مرحلة مرحلة، فيهون عليه ويقوى في قراءته. وكذلك أيضًا جعله سورًا، كل سورة مستقلة عن الأخرى، هذا أيضًا من أسباب تنشيط القارئ واستمراره في قراءته.
إذن ترتيل القرآن بالآيات والسور، هذا مما يفيد القارئ ويكسبه نشاطًا وقوة على القرآن حفظًا وفهمًا.
وكذلك أيضًا من فوائد الترتيل أيضًا عملًا، من فوائد الترتيل أن العمل يأتي للناس شيئًا فشيئًا، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة هكذا على الناس بجميع أحكامه؟ هل يستوعب الناس هذه الأحكام ويقومون بها ولَّا لا؟ ما يمكن، هذا صعب جدًّا، وليس من طريق التربية أو التنشئة، ولكن بحكمة الله سبحانه وتعالى كما هو شأن الله في كل شيء من الأمور القدرية والأمور الشرعية أنه ينشئها تنشئة، حتى الأمور الكونية تنشأ تنشئة، الجنين في بطن أمه كم يبقى؟ يبقى مدة، في بني آدم تسعة شهور، وغيرها من الدواب بحسبه. المهم أنه لا بد من تنشئة.
الليل والنهار يأتي دفعة واحدة؟
* طالب: لا.
* الشيخ: شيئًا فشيئًا، وهكذا الشرائع أيضًا تأتي إلى الناس شيئًا فشيئًا، لا سيما هذه الأمة، وإن كانت الأمم السابقة نزلت جملة واحدة، وهذا من الآصار والأغلال التي كانت عليهم؛ أن شرعهم ينزل جملة واحدة ويُلزمون به دفعة واحدة، لكن هذه الأمة من رحمة الله بها أنه رتل القرآن ترتيلًا حتى ينشئهم على الإسلام وعلى شريعة الله تنشئة شيئًا فشيئًا.
* طالب: طيب، ما وجه يعني الاستدلال، ماذا يريدون أن (...) النبي ﷺ إذا قال محمد أن القرآن لم ينزل جملة، فما هو العيب؟
* الشيخ: لا، العيب أنه ليس برسول؛ لأنه لو كان رسولًا لكان مثل غيره، ينزل عليه القرآن جملة، مثلما نزل على من سبقه جملة.
* الطالب: هذا هو؟
* الشيخ: نعم إي، هذا هو، هي شبهة في الحقيقة، ما هي بحجة، هي شبهة يريدون التمويه بها، وإلا فليس هذا إطلاقًا بشيء يمنع من صدق رسول الله ﷺ أنه يأتي بالوحي شيئًا فشيئًا، لكن هم يقولون هذا، بالإضافة إلى ما سبق في سورة النحل، حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، فهو عندهم إذا أضفت هذا إلى ما سبق كأنهم يقولون: هو يلقن القرآن تلقينًا، وإلا لنزل عليه جملة واحدة كغيره من الأنبياء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: اعتراف بأن القرآن يعني: منزل من الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: لا، ما اعترفوا.
* الطالب: يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢]؟
* الشيخ: إي، على حسب دعواهم.
* الطالب: على حسب دعواهم.
* الشيخ: إي، حيث يقولون: إنه نازل من عند الله، طيب (...) نزل عليك من الله جملة واحدة إن كنت صادقًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: كونه مثلًا مرة يدعون أنه يعلمه بشر، ومرة يدعون أنه ينزل عليه من السماء (...)؟
* الشيخ: لا أصل (...)، هذا سؤال عبد الله.
* الطالب: إي.
* الشيخ: ليس إقرارًا منهم بالإنزال، لكن يقولون: هذا الذي يقول: إنه نزل عليه القرآن من الله (...) نزل عليه جملة واحدة. إي نعم، ما يقرون بهذا.
* الطالب: يقرون مثلًا (...).
* الشيخ: لا، ما فيه تناقض، أن هذا كلام ساحر يسحر الناس.
قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ في إبطال أمرك ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافع له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣] بيانًا).
هذا من تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ [الفرقان ٣٣]، المراد بالمثل هنا الصفة؛ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]. والمثل كما تعرفون يطلق على الشبه، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧]، ويطلق على الصفة أو الوصف العظيم العجيب: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، ويطلق على المثل المعروف بين الأدباء: وهو القول السائر الذي يراد به تشبيه الحال الواقع بما سبق أو ما أشبه ذلك.
المراد بالمثل هنا الصفة، يعني: ولا يأتونك بصفة من القول، يريدون بها إبطال دعوتك إلا جئناك بالحق، إذن فهم يأتون بباطل ولَّا بحق؟ بباطل؛ لأنه قابل قولهم بالحق، فهذا دليل أيضًا على أن كل شبهة يحتج بها المكذبون للرسول ﷺ فهي باطل، ولكن هذا الباطل باطل في ذاته، قد يظهر لبعض الناس بطلانه، وقد يخفى على بعض الناس بطلانه، وهذا من الفتن؛ فتنة الشبهة، يعني ليس كل ما كان باطلًا معلومًا لكل أحد، أليس كذلك؟ ولهذا أنت أحيانًا وأنت شخص واحد ينجلي لك الأمر واضحًا في بعض الحالات ويلتبس عليك في بعض الحالات حسب ما يكون قلبك صافيًا مطمئنًّا أو غير ذلك، ومن ثم نهي عن القضاء في حال الغضب، وعن (...) في حال الغضب، وفي حال الحر المزعج والبرد المؤلم وما أشبه ذلك؛ لأن الإنسان تحول هذه الأمور بينه وبين العلم بالحق أو إرادة الحق؛ لأنه عند الغضب يشتبه عليك الحق، أو ربما لا تريد الحق، تريد أن تنفذ غضبك فيمن غضبت عليه مثلًا.
فالحاصل يا جماعة الآن نقول: كل شبهة يوردها الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وفيما بعده فهي باطل، وما جاء أحد بباطل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلا جاء الله بالحق.
وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، يقول المؤلف في ﴿تَفْسِيرًا﴾: (بيانًا)، ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: بيانًا.
كيف ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾؟! يعني كلامهم الآن ما دام باطلًا فهل فيه بيان؟
الجواب: نعم؛ لأنهم يأتون بكلام جيد في فصاحته، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧)من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]. لكن بيانهم هذا وفصاحتهم وسحرهم اللفظي يأتي الله تعالى بما هو أحسن منه.
وهنا (أحسن) على بابها ولَّا من باب مقابلة الخصم؟
* طالب: من باب مقابلة الخصم.
* طالب: على بابها.
* الشيخ: على بابها؛ لأنهم عندهم بيان وإيضاح للأمور وإيراد للشبه، وهم في غاية ما يكون من الفصاحة، ولهذا ما تحدى الله أحدًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل ما تحداهم بالقرآن.
إذن فـ(أحسن) هنا على بابها، يعني أنهم يأتون بكلام حسن جدًّا وبين وواضح، ولكننا نأتيك بما هو أحسن وأبين وأوضح، وفي هذا من مدافعة الله تعالى عن رسوله ﷺ ما فيه.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤]، يقول الشارح أو المفسر: (هُمُ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ [الفرقان ٣٤])، فجعل ﴿الَّذِينَ﴾ خبر مبتدأ محذوف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣] بَيَانًا)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، (هُمُ ﴿الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٣٤]).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم؟
* طالب: (...) (بيان هم ﴿الَّذِينَ﴾ ).
* الشيخ: إي، لا، عندي أنا: (هم ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ ).
* طالب: أمسح اللام؟
* الشيخ: إي، امسح اللام.
طيب، (هُمُ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان ٣٤])، يعني هؤلاء الذين كذبوك وعارضوا ما جئت به (هُمُ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أَيْ يُسَاقُونَ ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤]). ولو قال المؤلف: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ بمعنى: يجمعون؛ لأن الحشر بمعنى الجمع، يعني يبعثون – والعياذ بالله – يوم القيامة ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان ٣٤].
لكن كأنه لما عدي بقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤] صار مضمنًّا لمعنى السوق، بمعنى يساقون، ولكنه لا مانع أن نقول: يحشرون ويساقون؛ لأن الفعل إذا ضُمن معنى فعل آخر ليس معناه أنه يسلب دلالته التي يدل عليها لفظه، بل يضاف إليه معنى آخر، فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، قلنا: إن ﴿يَشْرَبُ﴾ مضمن معنى يروى، يروى بها، وليس معنى ذلك أنه سلب معنى الشرب؛ لأنه لا ري إلا بعد الشرب. واضح؟ كذلك أيضًا لا سوق إلى جهنم إلا بعد الحشر اللي هو الجمع.
وقوله: (هُمُ ﴿الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٣٤]) على رأي المؤلف، تكون (الذين) خبرًا لمبتدأ محذوف، ويكون ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ حالًا، جملة حالية، أو أنها مبتدأ وخبر مستأنف. ويحتمل أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ الجملة خبر المبتدأ، فتكون من باب المبتدأ المخبر عنه بجملة.
وقوله: ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان ٣٤] كيف يمشون على وجوههم؟
نقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الَّذِي أَمْشَاهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٧٦٠) ومسلم (٢٨٠٦/٥٤) وأحمد –واللفظ له- (١٣٣٩٢) من حديث أنس رضي الله عنه]]، أليس كذلك؟ ليس ببعيد. وإذا كان المتكبرون يحشَرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم[[عن جابر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «يبعث الله يوم القيامة ناسا في صور الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا». ذكره الهيثمي في المجمع ١٠/٣٣٤ وقال: رواه البزار.]]، فالله على كل شيء قدير، إنسان بشر يمكن هو من أكبر الناس جثة في الدنيا وهو متكبر، إذا كان يوم القيامة يحشر أمثال الذر، والله تعالى على كل شيء قدير. وهذا مثال مما سبقت الإشارة إليه، بأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
طيب، إذا قيل: ما وجه العقوبة بحشرهم على وجوههم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف؟
* الطالب: لأن شبههم عادة (...)، فناسب أن يحشروا على وجوههم.
* الشيخ: طيب، ثانيًا.
* طالب: إهانة لهم (...).
* الشيخ: إهانة لهم؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء، فإذا جعل هو محل الوطء فهذا إهانة. طيب، لكن ما هي الحكمة من ذلك؟ هو لا شك أن فيه إهانة وعذابًا؟
* طالب: لأنهم تكبروا على الحق (...) الإنسان وجهه (...).
* الشيخ: إي، مثل كلام سليمان. طيب، وغير؟
* طالب: لأنهم قلبوا الحقائق.
* الشيخ: إي، فقلبوا.
* الطالب: فقلبوا.
* الشيخ: طيب، كل هذه يعني وجوه محتملة. عندي بعدُ زيادة احتمال.
* طالب: لأن (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا ما قاله عبد الله، ولما كانوا ينطقون بألسنتهم وهي في وجوههم صار العذاب عليها.
طيب، فيه أيضًا الإنسان يقبل على الشيء بوجهه ويعرض عنه بوجهه، فلما كان الوجه محل الإعراض والإقبال وهم قد أعرضوا، صار العذاب عليهم، كل هذه المعاني مناسبة، والله أعلم عاد بما أراد، وقد تكون كل هذه المعاني مقصودة.
* طالب: مع أن الوجه هو (...).
* الشيخ: لا، ما هو بعلى كل حال، لا، فيه مواطن أشد إحساسًا من الوجه.
على كل حال، هذه المعاني التي ذكرتم، هذه يمكن أن تكون كلها من أسباب أنهم يحشرون على وجوههم.
(﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هو جهنم ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٣٤] أخطأ طريقا من غيرهم، وهو كفرهم).
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾، يعني منزلة، وهي جهنم. منين ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾؟ من كل أحد؛ لأنه ما ذكر المفضل عليه، وعدم ذكر المفضل عليه يفيد العموم، يعني ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ من جميع الأمكنة ومن كل أحد.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني: طريقًا عن الصواب، منين؟
* طالب: من كل أحد.
* الشيخ: من كل أحد.
فهؤلاء ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ والعياذ بالله، هم شر الناس منزلة، وهم أضل الناس طريقًا.
وقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾، جهنم هذه اسم من أسماء النار، وأصلها من الجهمة، والنون فيها زائدة، وعلى هذا فوزنها: فَعَنَّل؛ لأن النون زائدة.
وسميت بهذا الاسم لأنها بعيدة القعر سوداء اللون، سوداء اللون بعيدة القعر، وهذا هو الجهمة والظلمة، نعوذ بالله منها.
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٣٤].
طيب، يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: حرص الكفار على إبطال ما جاء به الرسول ﷺ وإيراد الشبه عليه، من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢]، فإن هذه ليست حجة وإنما هي شبهة.
* وفيه أيضًا دليل على عناية الله برسوله ﷺ.
* طالب: برده على هؤلاء.
* الشيخ: بماذا؟ برده على هؤلاء.
* وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؟
* الطالب: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ [الفرقان ٣٢].
* الشيخ: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾؛ لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة، ففيه رد على طائفة من طوائف البدع، فمن هي هذه الطائفة؟
* طالب: الأشعرية.
* الشيخ: لا، الأشعرية ما أدري عنهم، لكن اللي أدري عنهم.
* الطالب: نفوا (...).
* طالب: الجهمية.
* الشيخ: إي نعم، لكن أصل هذا القول عند الجهمية المجبرة، عند المجبرة، يرون أن أفعال الله سبحانه وتعالى غير معللة، وأنه سبحانه وتعالى يخلق ويشرع، يخلق الخلائق أو الخلق ويشرع الشرائع لمجرد المشيئة لا لحكمة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ولكن أنى لهم ذلك من هذه الآية؟!
إذن، هذه الآيات تفيد بيان الحكمة من إنزال القرآن مفرقة، وأن أفعال الله تعالى معللة ومقرونة بالحكمة.
طيب، هذه الحكمة التي تكون لأفعال الله سبحانه وتعالى سواء كانت شرعية أو غير شرعية، هي معلومة ولَّا غير معلومة؟
منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول لنا، ولكنها معلومة عند الله.
وفي هذا دليل على أن من الحكمة في إنزال القرآن تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان ذلك تثبيتًا في تقرير الرسالة. أيش بعد؟
* طالب: (...) في رد الشبه.
* الشيخ: إي، أو تثبيتًا في رد الشبه التي تعرض عليه.
* وفي الآية دليل على أن كل ذي باطل نجد جواب باطله من القرآن، أو إن شئتم فقولوا ما هو أعم: نجد بيان باطله من الوحي المنزل على محمد ﷺ. منين نأخذه؟
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣]، ما من شبهة إلى يومنا هذا ترد إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يدحضها، ولكن كما تعرفون ليس كل أحد يدرك ذلك، ولَّا لا؟ نعم، ليس كل أحد يدرك ذلك، فالسيف سيف في يد إنسان لا يغني شيئًا ولا ينفعه كالعصا أو أقل، وفي يد إنسان هو سيف بتار يضرب به ويقتل به. هكذا أيضًا الوحي المنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما كل أحد يعلمه، ولا كل أحد يستطيع إقامة الحجة منه، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولهذا «سئل علي رضي الله عنه: هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى أحدًا في القرآن وما في هذه الصحيفة؛ العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر»[[أخرج البخاري (٣٠٤٧) عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: «لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ما أعلمه، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة»، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر».]].
فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء بالنسبة لفهم القرآن، وكم من آية تمر بشخص يستنبط منها عدة مسائل، وآخر لا يستطيع أن (...)، نعم، أن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ذات ليلة، فقدم إليه العشاء، الإمام أحمد قدم له العشاء، فأكل العشاء كله، كل العشاء اللي جابه أكله، ثم نام، اضطجع على فراشه ولم يقم لصلاة الليل، ثم قام إلى الفجر ولم يطلب وَضوءًا! فقالت إحدى بنات الإمام أحمد لأبيها: هذا الشافعي الذي كنت تقول عنه كيت وكيت، ما رأيناه عمل، وما رأيناه أيضًا اقتصر على ثلث لطعامه! فقال: آتيكم بالخبر، فسأل الشافعيَّ رحمه الله أولًا: لماذا أكل كل الطعام؟ فأجاب قال: إني لا أرى أحدًا في هذا البلد أحل طعامًا من الإمام أحمد، فأحببت أن يمتلئ بطني من هذا الطعام الحلال. هذه واحدة؛ إذن له غرض، والشبع أحيانًا جائز ولَّا لا؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: جائز، «أبو هريرة شرب اللبن، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اشْرَبْ»، فقال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مساغًا»[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: لا أجد له مسلكا. ]]. ولكننا نحن نحدث أنفسنا بالحديث عند كل أكلة، كل أكلة نقول مثلما قال أبو هريرة! هذا عارض، والعوارض كثيرة.
وسأله: لماذا لم يقم الليل؟ فقال: إني كنت أتدبر قول النبي ﷺ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٢٩) ومسلم (٢١٥٠/٣٠) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، وإني استنبطت من الحديث ألف فائدة.
وأما كوني أصلي بدون وضوء الفجر، فأنا ما نمت، أتدبر هذا الحديث.
فالحاصل أن الناس يختلفون في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة؛ ولهذا تجد بعض الناس يجيب لك الآية ويسوق فوائدها، يمكن يحصل خمسًا، عشر فوائد، حسب ما في الآية، وآخر بدل خمس خمسين، وفضل الله يؤتيه من يشاء. (...)
إي نعم، لكن عاد ما أظنه أخذه من لفظ الحديث فقط، الله أعلم أنه كلما رأى فائدة جر حديثًا آخر يدل عليها ثم استنبط منها. (...)
﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
* طالب: (...) يقول: لماذا أنزل عليه القرآن جملة واحدة؟
* الشيخ: كيف إتيان الشبهة؟
* الطالب: لأن الأمم السابقة كانت.
* الشيخ: الرسل.
* الطالب: الرسل السابقون كانت تنزل عليهم الكتب دون (...).
* الشيخ: أحسنت، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾.
طيب، هذا التعبير ﴿نُزِّلَ﴾، مع أن المعروف أن ﴿نُزِّلَ﴾ لما ينزل شيئًا فشيئًا، وهنا قال: نُزِّل جملةً، فكيف يصح أو كيف يكون التوفيق بين ﴿نُزِّلَ﴾ و﴿جُمْلَةً﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تأتي بمعنى (أنزل).
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني (نزل) و(أنزل) معناهما واحد، مثل، نظيره من الأفعال أن المضعف يكون بمعنى المهموز، من عنده خبر؟
* الطالب: (احمرَّ) و(احتَمَر).
* الشيخ: لا، سبحان الله أنت جبت نصف الجواب، من عنده خبر؟
* طالب: (أخبره).
* الشيخ: (أخبر) و(خبَّر).
طيب، زين، هذا وجه، الوجه الثاني؟
* طالب: الوجه الثاني أن (...)، أي: هذا التنزيل لو نزل يكون جملة.
* الشيخ: يعني باعتبار؟
* الطالب: باعتبار (...).
* الشيخ: إي، الواقع يعني؟ باعتبار الواقع وجملة باعتبار المطلوب.
طيب، هل أجاب الله عن هذه الشبهة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، بماذا؟
* الطالب: بقوله تعالى: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ [الفرقان ٣٢].
* الشيخ: أجاب الله تعالى بأنه أنزله كذلك ليثبت فؤاد النبي ﷺ، تمام.
تثبيت الفؤاد بماذا؟
* طالب: بما ينزل عليه من (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن كيفيتها؟ أو وجهه؟
* طالب: بأحد أمرين.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: إما (...) ترد عليه.
* الشيخ: إي.
* الطالب: والأمر الثاني (...).
* الشيخ: إي، تثبيت الفؤاد من وجهين؛ أولًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الثاني (...).
* الشيخ: تطمين الرسول عليه الصلاة والسلام باستمرار الرسالة، مثلما كان عليه الصلاة والسلام لما فتر الوحي كان حزن شديدًا وصار يخرج إلى الجبال يترقب هذا الوحي.
في هذه الآية بين الله أن الحكمة من إنزاله مفرقًا التثبيت، وقد ذكر في آية أخرى فائدة ثانية، نقول: ذكر الله أن الفائدة من النزول مفرقًا التثبيت، في آية أخرى ذكر فائدة أخرى؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم (...).
* الطالب: لأن هذا في مقابل سؤالهم عن سبب نزوله.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أو معارضة القرآن بأنه نزل مفرقًا.
* الشيخ: في مقابلة إيراد شبهة عن النبي عليه الصلاة والسلام قد تؤثر عليه، نعم، فجاء بيان الحكمة هذه وللتثبيت.
* طالب: أن يكون المعنى ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء ١٠٦] (...)؛ هذه العلة.
* الشيخ: إي نعم.
في هذه الآيات الكريمة ذكرنا أن فيها ردًّا على طائفة من أهل البدع، ينكرون شيئًا من أعظم صفات الله، وهي، ما هي التي ينكرون من صفات الله؟
* طالب: الوجه.
* الشيخ: ينكرون أي شيء؟
* طالب: إثبات الحكمة من الله تعالى (...).
* الشيخ: ينكرون الحكمة، وفي الآية رد عليهم، بماذا؟
* الطالب: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢].
* الشيخ: لا، يعني أريد أن تبين لي الكلمة اللي فيها الرد، ما هو بكل الآية؟
* الطالب: ﴿كَذَلِكَ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: اللام من ﴿لِنُثَبِّتَ﴾.
* الشيخ: اللام للتعليل، ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، والتعليل معناه الحكمة.
طيب، بين الله سبحانه وتعالى أن المكذبين للرسول ﷺ، أن أي شبهة يوردونها ولو كانت بأعظم بيان فإن الله تعالى يقابلها بما هو أشد وأعظم.
* طالب: (...) ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣].
* الشيخ: أيش بمعنى: ﴿بِمَثَلٍ﴾؟
* الطالب: ﴿بِمَثَلٍ﴾ أي: بالصورة يعني من الشبه التي (...).
* الشيخ: إي، بصفة من القول يريدون بها إبطال ما جئت به ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، إي نعم.
فيما سبق ما يدل على إثبات البعث؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤].
الفرقان 25:33
قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢] كالتوراة والإنجيل والزَّبور).
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هذا من جملة الشبه التي أوردها المكذبون للرسول ﷺ، قالوا: الكتب السابقة تنزل على الأنبياء جملة واحدة، مثل: التوراة والإنجيل والزبور، وكذلك غيرهم، تنزل جملة واحدة لا مفرقة، فقال هؤلاء: لو كان محمد – ﷺ – صادقًا وأنه نبي من الأنبياء، لكان شأنه شأن الأنبياء السابقين ينزل عليه القرآن جملة واحدة، وأتوا بـ(لولا) الدالة على التحضيض، يعني معناه: أنه كان ينبغي أو يجب أن ينزل عليه القرآن جملة واحدة -على زعمهم- كما نزل على الأنبياء السابقين.
وهنا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لا شك أنهم قريش؛ لأنه يتحدث عن أمر وقع، ولا يمكن أن تكون عامة لجميع الكفار، يعني ما يمكن تكون عامة لكفار الأمم السابقين، لكن ربما يكون هذا القول موروثًا عن قريش ويقوله من يقوله بعدهم تمويهًا وتضليلًا للناس.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
كلمة ﴿نُزِّلَ﴾ وكلمة ﴿جُمْلَةً﴾، قد يفهم منهما التعارض؛ لأن المعروف أنه إذا كانت بالتشديد ﴿نُزِّلَ﴾ فهي لما ينزل شيئًا فشيئًا، وإذا كانت (أنزل) فهي لما نزل جملة واحدة. وهنا قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾، وكان مقتضى ما أشرنا إليه أن يقولوا: لولا أنزل عليه القرآن؟
فقيل: إن (أنزل) و(نزل) يتناوبان، كما تقول: خبَّرني وأخبرني، خبرني وأخبرني معناهما واحد، وإن كون (نزل) لما ينزل شيئًا فشيئًا و(أنزل) لما ينزل جملة واحدة، هذا ليس من مدلول اللفظ بذاته، ولكنه مما يعينه السياق والقرائن والحال. وعلى هذا فلا فرق بينهما، ويكون المراد بـ﴿نُزِّلَ﴾ هنا ويش المراد بها؟ (أنزل) ولكن نابت عنها.
ويحتمل أن يكون: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أنهم قالوه على حكاية ما ينزل، ثم اقترحوا أن يكون ﴿جُمْلَةً﴾ ﴿نُزِّلَ﴾ حسب الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن ينزل على الرسول ﷺ متفرقًا، ينزل متفرقًا، فكأنهم قالوا: هلا كان تنزيله الذي الآن ينزل شيئًا فشيئًا جملة واحدة، فيكون التنزيل هنا باقيًا على القاعدة، وهو لما ينزل شيئًا فشيئًا، ويريدون بذلك أن يقولوا، كأنهم يقولون: هذا التنزيل الذي كان صفة للوحي الذي ينزل على محمد ﷺ لولا كان هذا التنزيل جملة واحدة.
فأمامنا الآن جوابان:
الجواب الأول: أن (نزّل) و(أنزل) يتناوبان، ويعين المعنى السياقُ والقرائن.
ثانيًا: أنهما لا يتناوبان، ولكل واحدة منهما معنى، لكنهم قالوا: ﴿نُزِّلَ﴾ باعتبار واقع الأمر، فإن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ شيئًا فشيئًا، فكأنهم قالوا: لولا كان هذا التنزيل جملة واحدة.
هذه الشبهة قد تكون شبهة في بادئ الأمر، يعني: لماذا لم يكن الوحي النازل عليه كالوحي النازل على من قبله؟ هذا قد يكون شبهة في بادئ الأمر، ولكنه في الواقع ليس بشبهة، بل هو حجة؛ ولهذا أجاب الله عنه بقوله: (قال تعالى: نزَّلناه ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: متفرِّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نُقَوِّي قلبك ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢] أي: أتينا به شيئًا بعد شيء بتمهُّلٍ وَتُؤَدَة لِتيسير فهمه وحفظه).
﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: ينبغي أن تقف عند التلاوة على قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢]، تقف لأنه إلى هنا انتهى كلام الكفار، ثم تبتدئ فتقول: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾؛ لأن هذا الأخير من كلام الله، فيجب الفصل بينه وبين كلام الكفار؛ لأنه جواب عن الشبهة.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول لفعل محذوف، مفعول مطلق، يعني: أنزلناه مثل ذلك التنزيل.
واللام في قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ للتعليل، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، يعني: أنزلناه لأجل التثبيت.
والتثبيت معناه: التقوية والإقرار، يعني ليست مجرد تقوية؛ لأنك تقول: ثبت الشيء بمعنى: أقررته، لا يتزعزع ولا يتحرك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ تميل ﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤]، فالتثبيت بمعنى التقوية، ويش بعد؟ والإقرار، يعني أنه يقرره ويجعله مستقرًّا. فقلب الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التنزيل يتقوى ويثبت ويستقر ما يتزعزع.
وقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ كيفية التثبيت هنا من وجهين:
أولًا: أنه إذا نزل عليه فترة بعد فترة، استقر فؤاده وعرف استمرار رسالته. وانظروا إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام عند فترة الوحي ماذا كان يصنع؟ كان يخرج إلى الجبال حتى يوشك أن يتردى من الجبال؛ لأنه فقد ما كان أحس به أولًا، فهذا تثبيت، يثبت قلب الرسول بأنه رسول وأن رسالته لم تنقطع. هذا وجه.
وجه آخر: أنه يثبت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، كلما أورد عليه شبهة نزل القرآن مجيبًا عليها، وهذا بلا شك تثبيت ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن يكون التثبيت هنا من ناحيتين: تثبيته على أنه رسول، وتثبيت آخر لدفع الشبهات التي تورد عليه. وهذا الأمر الأول ضربنا له مثلًا، أيش هو؟ بفترة الوحي.
والأمر الثاني نضرب له مثلًا بهذه الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، جاء الجواب: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ إلى آخره [الإسراء: ٩٠، ٩١]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]. فهذا وغيره كثير يكون من جملة تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا كان الإنسان يُمَدُّ بما يدافع عنه خصمه، فإن ذلك من أقوى ما يكون من التثبيت.
وهنا بين الله الحكمة بأنه تثبيت فؤاد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي آية قال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فبين حكمة أخرى وهي أن يقرأه النبي ﷺ على الناس على مكث ليكون أسهل لحفظه وأوعى لفهمه. أفهمتم؟ فما هي الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى اختار في هذا الموضع أن يقول: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢]، وهناك قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾؟
الحكمة في هذا ظاهرة؛ لأنه هنا جوابًا لشبهة أوردت عليه، فناسب أن يبين الحكمة فيما يختص بالنبي ﷺ؛ لأنكم تعرفون أن البشر بشر يمكن يتأثر بما يورَد عليه من الشبهات؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤]، مفهوم؟
وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢]، يقول المؤلف: (أَتَيْنَا بِهِ شَيْئًا بَعْد شَيْء)، وعلى هذا يكون هو معنى التنزيل، الترتيل بمعنى التنزيل. وعندي أن الترتيل أخص، يعني أن المعنى: جعلناه مرتلًا، يعني معناه: بعضه يعقب بعضًا، وكل آية منه منفصلة عن الأخرى. فكأن هذه الآيات كأنها مراحل للمسافر، والمسافر إذا كان له مراحل في سفره يهون عليه سفره، وتنقض هذه المراحل تعب سفره، لكن إذا كان دائمًا في مسير واحد يشق عليه. وكون النفس ترتاح للقرآن بسبب هذه الآيات والترتيل أمر معلوم، وتجزئة القرآن أيضًا لهذا السبب، كونه أجزاء لهذا السبب؛ لأجل أن يقطع الإنسان القرآن مرحلة مرحلة، فيهون عليه ويقوى في قراءته. وكذلك أيضًا جعله سورًا، كل سورة مستقلة عن الأخرى، هذا أيضًا من أسباب تنشيط القارئ واستمراره في قراءته.
إذن ترتيل القرآن بالآيات والسور، هذا مما يفيد القارئ ويكسبه نشاطًا وقوة على القرآن حفظًا وفهمًا.
وكذلك أيضًا من فوائد الترتيل أيضًا عملًا، من فوائد الترتيل أن العمل يأتي للناس شيئًا فشيئًا، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة هكذا على الناس بجميع أحكامه؟ هل يستوعب الناس هذه الأحكام ويقومون بها ولَّا لا؟ ما يمكن، هذا صعب جدًّا، وليس من طريق التربية أو التنشئة، ولكن بحكمة الله سبحانه وتعالى كما هو شأن الله في كل شيء من الأمور القدرية والأمور الشرعية أنه ينشئها تنشئة، حتى الأمور الكونية تنشأ تنشئة، الجنين في بطن أمه كم يبقى؟ يبقى مدة، في بني آدم تسعة شهور، وغيرها من الدواب بحسبه. المهم أنه لا بد من تنشئة.
الليل والنهار يأتي دفعة واحدة؟
* طالب: لا.
* الشيخ: شيئًا فشيئًا، وهكذا الشرائع أيضًا تأتي إلى الناس شيئًا فشيئًا، لا سيما هذه الأمة، وإن كانت الأمم السابقة نزلت جملة واحدة، وهذا من الآصار والأغلال التي كانت عليهم؛ أن شرعهم ينزل جملة واحدة ويُلزمون به دفعة واحدة، لكن هذه الأمة من رحمة الله بها أنه رتل القرآن ترتيلًا حتى ينشئهم على الإسلام وعلى شريعة الله تنشئة شيئًا فشيئًا.
* طالب: طيب، ما وجه يعني الاستدلال، ماذا يريدون أن (...) النبي ﷺ إذا قال محمد أن القرآن لم ينزل جملة، فما هو العيب؟
* الشيخ: لا، العيب أنه ليس برسول؛ لأنه لو كان رسولًا لكان مثل غيره، ينزل عليه القرآن جملة، مثلما نزل على من سبقه جملة.
* الطالب: هذا هو؟
* الشيخ: نعم إي، هذا هو، هي شبهة في الحقيقة، ما هي بحجة، هي شبهة يريدون التمويه بها، وإلا فليس هذا إطلاقًا بشيء يمنع من صدق رسول الله ﷺ أنه يأتي بالوحي شيئًا فشيئًا، لكن هم يقولون هذا، بالإضافة إلى ما سبق في سورة النحل، حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، فهو عندهم إذا أضفت هذا إلى ما سبق كأنهم يقولون: هو يلقن القرآن تلقينًا، وإلا لنزل عليه جملة واحدة كغيره من الأنبياء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: اعتراف بأن القرآن يعني: منزل من الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: لا، ما اعترفوا.
* الطالب: يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢]؟
* الشيخ: إي، على حسب دعواهم.
* الطالب: على حسب دعواهم.
* الشيخ: إي، حيث يقولون: إنه نازل من عند الله، طيب (...) نزل عليك من الله جملة واحدة إن كنت صادقًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: كونه مثلًا مرة يدعون أنه يعلمه بشر، ومرة يدعون أنه ينزل عليه من السماء (...)؟
* الشيخ: لا أصل (...)، هذا سؤال عبد الله.
* الطالب: إي.
* الشيخ: ليس إقرارًا منهم بالإنزال، لكن يقولون: هذا الذي يقول: إنه نزل عليه القرآن من الله (...) نزل عليه جملة واحدة. إي نعم، ما يقرون بهذا.
* الطالب: يقرون مثلًا (...).
* الشيخ: لا، ما فيه تناقض، أن هذا كلام ساحر يسحر الناس.
قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ في إبطال أمرك ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافع له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣] بيانًا).
هذا من تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ [الفرقان ٣٣]، المراد بالمثل هنا الصفة؛ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]. والمثل كما تعرفون يطلق على الشبه، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧]، ويطلق على الصفة أو الوصف العظيم العجيب: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، ويطلق على المثل المعروف بين الأدباء: وهو القول السائر الذي يراد به تشبيه الحال الواقع بما سبق أو ما أشبه ذلك.
المراد بالمثل هنا الصفة، يعني: ولا يأتونك بصفة من القول، يريدون بها إبطال دعوتك إلا جئناك بالحق، إذن فهم يأتون بباطل ولَّا بحق؟ بباطل؛ لأنه قابل قولهم بالحق، فهذا دليل أيضًا على أن كل شبهة يحتج بها المكذبون للرسول ﷺ فهي باطل، ولكن هذا الباطل باطل في ذاته، قد يظهر لبعض الناس بطلانه، وقد يخفى على بعض الناس بطلانه، وهذا من الفتن؛ فتنة الشبهة، يعني ليس كل ما كان باطلًا معلومًا لكل أحد، أليس كذلك؟ ولهذا أنت أحيانًا وأنت شخص واحد ينجلي لك الأمر واضحًا في بعض الحالات ويلتبس عليك في بعض الحالات حسب ما يكون قلبك صافيًا مطمئنًّا أو غير ذلك، ومن ثم نهي عن القضاء في حال الغضب، وعن (...) في حال الغضب، وفي حال الحر المزعج والبرد المؤلم وما أشبه ذلك؛ لأن الإنسان تحول هذه الأمور بينه وبين العلم بالحق أو إرادة الحق؛ لأنه عند الغضب يشتبه عليك الحق، أو ربما لا تريد الحق، تريد أن تنفذ غضبك فيمن غضبت عليه مثلًا.
فالحاصل يا جماعة الآن نقول: كل شبهة يوردها الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وفيما بعده فهي باطل، وما جاء أحد بباطل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلا جاء الله بالحق.
وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، يقول المؤلف في ﴿تَفْسِيرًا﴾: (بيانًا)، ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: بيانًا.
كيف ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾؟! يعني كلامهم الآن ما دام باطلًا فهل فيه بيان؟
الجواب: نعم؛ لأنهم يأتون بكلام جيد في فصاحته، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧)من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]. لكن بيانهم هذا وفصاحتهم وسحرهم اللفظي يأتي الله تعالى بما هو أحسن منه.
وهنا (أحسن) على بابها ولَّا من باب مقابلة الخصم؟
* طالب: من باب مقابلة الخصم.
* طالب: على بابها.
* الشيخ: على بابها؛ لأنهم عندهم بيان وإيضاح للأمور وإيراد للشبه، وهم في غاية ما يكون من الفصاحة، ولهذا ما تحدى الله أحدًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل ما تحداهم بالقرآن.
إذن فـ(أحسن) هنا على بابها، يعني أنهم يأتون بكلام حسن جدًّا وبين وواضح، ولكننا نأتيك بما هو أحسن وأبين وأوضح، وفي هذا من مدافعة الله تعالى عن رسوله ﷺ ما فيه.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤]، يقول الشارح أو المفسر: (هُمُ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ [الفرقان ٣٤])، فجعل ﴿الَّذِينَ﴾ خبر مبتدأ محذوف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣] بَيَانًا)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، (هُمُ ﴿الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٣٤]).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم؟
* طالب: (...) (بيان هم ﴿الَّذِينَ﴾ ).
* الشيخ: إي، لا، عندي أنا: (هم ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ ).
* طالب: أمسح اللام؟
* الشيخ: إي، امسح اللام.
طيب، (هُمُ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان ٣٤])، يعني هؤلاء الذين كذبوك وعارضوا ما جئت به (هُمُ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أَيْ يُسَاقُونَ ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤]). ولو قال المؤلف: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ بمعنى: يجمعون؛ لأن الحشر بمعنى الجمع، يعني يبعثون – والعياذ بالله – يوم القيامة ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان ٣٤].
لكن كأنه لما عدي بقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤] صار مضمنًّا لمعنى السوق، بمعنى يساقون، ولكنه لا مانع أن نقول: يحشرون ويساقون؛ لأن الفعل إذا ضُمن معنى فعل آخر ليس معناه أنه يسلب دلالته التي يدل عليها لفظه، بل يضاف إليه معنى آخر، فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، قلنا: إن ﴿يَشْرَبُ﴾ مضمن معنى يروى، يروى بها، وليس معنى ذلك أنه سلب معنى الشرب؛ لأنه لا ري إلا بعد الشرب. واضح؟ كذلك أيضًا لا سوق إلى جهنم إلا بعد الحشر اللي هو الجمع.
وقوله: (هُمُ ﴿الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٣٤]) على رأي المؤلف، تكون (الذين) خبرًا لمبتدأ محذوف، ويكون ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ حالًا، جملة حالية، أو أنها مبتدأ وخبر مستأنف. ويحتمل أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ الجملة خبر المبتدأ، فتكون من باب المبتدأ المخبر عنه بجملة.
وقوله: ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان ٣٤] كيف يمشون على وجوههم؟
نقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الَّذِي أَمْشَاهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٧٦٠) ومسلم (٢٨٠٦/٥٤) وأحمد –واللفظ له- (١٣٣٩٢) من حديث أنس رضي الله عنه]]، أليس كذلك؟ ليس ببعيد. وإذا كان المتكبرون يحشَرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم[[عن جابر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «يبعث الله يوم القيامة ناسا في صور الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا». ذكره الهيثمي في المجمع ١٠/٣٣٤ وقال: رواه البزار.]]، فالله على كل شيء قدير، إنسان بشر يمكن هو من أكبر الناس جثة في الدنيا وهو متكبر، إذا كان يوم القيامة يحشر أمثال الذر، والله تعالى على كل شيء قدير. وهذا مثال مما سبقت الإشارة إليه، بأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
طيب، إذا قيل: ما وجه العقوبة بحشرهم على وجوههم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، كيف؟
* الطالب: لأن شبههم عادة (...)، فناسب أن يحشروا على وجوههم.
* الشيخ: طيب، ثانيًا.
* طالب: إهانة لهم (...).
* الشيخ: إهانة لهم؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء، فإذا جعل هو محل الوطء فهذا إهانة. طيب، لكن ما هي الحكمة من ذلك؟ هو لا شك أن فيه إهانة وعذابًا؟
* طالب: لأنهم تكبروا على الحق (...) الإنسان وجهه (...).
* الشيخ: إي، مثل كلام سليمان. طيب، وغير؟
* طالب: لأنهم قلبوا الحقائق.
* الشيخ: إي، فقلبوا.
* الطالب: فقلبوا.
* الشيخ: طيب، كل هذه يعني وجوه محتملة. عندي بعدُ زيادة احتمال.
* طالب: لأن (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا ما قاله عبد الله، ولما كانوا ينطقون بألسنتهم وهي في وجوههم صار العذاب عليها.
طيب، فيه أيضًا الإنسان يقبل على الشيء بوجهه ويعرض عنه بوجهه، فلما كان الوجه محل الإعراض والإقبال وهم قد أعرضوا، صار العذاب عليهم، كل هذه المعاني مناسبة، والله أعلم عاد بما أراد، وقد تكون كل هذه المعاني مقصودة.
* طالب: مع أن الوجه هو (...).
* الشيخ: لا، ما هو بعلى كل حال، لا، فيه مواطن أشد إحساسًا من الوجه.
على كل حال، هذه المعاني التي ذكرتم، هذه يمكن أن تكون كلها من أسباب أنهم يحشرون على وجوههم.
(﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هو جهنم ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٣٤] أخطأ طريقا من غيرهم، وهو كفرهم).
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾، يعني منزلة، وهي جهنم. منين ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾؟ من كل أحد؛ لأنه ما ذكر المفضل عليه، وعدم ذكر المفضل عليه يفيد العموم، يعني ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ من جميع الأمكنة ومن كل أحد.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني: طريقًا عن الصواب، منين؟
* طالب: من كل أحد.
* الشيخ: من كل أحد.
فهؤلاء ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ والعياذ بالله، هم شر الناس منزلة، وهم أضل الناس طريقًا.
وقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾، جهنم هذه اسم من أسماء النار، وأصلها من الجهمة، والنون فيها زائدة، وعلى هذا فوزنها: فَعَنَّل؛ لأن النون زائدة.
وسميت بهذا الاسم لأنها بعيدة القعر سوداء اللون، سوداء اللون بعيدة القعر، وهذا هو الجهمة والظلمة، نعوذ بالله منها.
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٣٤].
طيب، يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: حرص الكفار على إبطال ما جاء به الرسول ﷺ وإيراد الشبه عليه، من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢]، فإن هذه ليست حجة وإنما هي شبهة.
* وفيه أيضًا دليل على عناية الله برسوله ﷺ.
* طالب: برده على هؤلاء.
* الشيخ: بماذا؟ برده على هؤلاء.
* وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؟
* الطالب: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ [الفرقان ٣٢].
* الشيخ: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾؛ لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة، ففيه رد على طائفة من طوائف البدع، فمن هي هذه الطائفة؟
* طالب: الأشعرية.
* الشيخ: لا، الأشعرية ما أدري عنهم، لكن اللي أدري عنهم.
* الطالب: نفوا (...).
* طالب: الجهمية.
* الشيخ: إي نعم، لكن أصل هذا القول عند الجهمية المجبرة، عند المجبرة، يرون أن أفعال الله سبحانه وتعالى غير معللة، وأنه سبحانه وتعالى يخلق ويشرع، يخلق الخلائق أو الخلق ويشرع الشرائع لمجرد المشيئة لا لحكمة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ولكن أنى لهم ذلك من هذه الآية؟!
إذن، هذه الآيات تفيد بيان الحكمة من إنزال القرآن مفرقة، وأن أفعال الله تعالى معللة ومقرونة بالحكمة.
طيب، هذه الحكمة التي تكون لأفعال الله سبحانه وتعالى سواء كانت شرعية أو غير شرعية، هي معلومة ولَّا غير معلومة؟
منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول لنا، ولكنها معلومة عند الله.
وفي هذا دليل على أن من الحكمة في إنزال القرآن تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان ذلك تثبيتًا في تقرير الرسالة. أيش بعد؟
* طالب: (...) في رد الشبه.
* الشيخ: إي، أو تثبيتًا في رد الشبه التي تعرض عليه.
* وفي الآية دليل على أن كل ذي باطل نجد جواب باطله من القرآن، أو إن شئتم فقولوا ما هو أعم: نجد بيان باطله من الوحي المنزل على محمد ﷺ. منين نأخذه؟
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣]، ما من شبهة إلى يومنا هذا ترد إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يدحضها، ولكن كما تعرفون ليس كل أحد يدرك ذلك، ولَّا لا؟ نعم، ليس كل أحد يدرك ذلك، فالسيف سيف في يد إنسان لا يغني شيئًا ولا ينفعه كالعصا أو أقل، وفي يد إنسان هو سيف بتار يضرب به ويقتل به. هكذا أيضًا الوحي المنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما كل أحد يعلمه، ولا كل أحد يستطيع إقامة الحجة منه، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولهذا «سئل علي رضي الله عنه: هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى أحدًا في القرآن وما في هذه الصحيفة؛ العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر»[[أخرج البخاري (٣٠٤٧) عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: «لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ما أعلمه، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة»، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر».]].
فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء بالنسبة لفهم القرآن، وكم من آية تمر بشخص يستنبط منها عدة مسائل، وآخر لا يستطيع أن (...)، نعم، أن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ذات ليلة، فقدم إليه العشاء، الإمام أحمد قدم له العشاء، فأكل العشاء كله، كل العشاء اللي جابه أكله، ثم نام، اضطجع على فراشه ولم يقم لصلاة الليل، ثم قام إلى الفجر ولم يطلب وَضوءًا! فقالت إحدى بنات الإمام أحمد لأبيها: هذا الشافعي الذي كنت تقول عنه كيت وكيت، ما رأيناه عمل، وما رأيناه أيضًا اقتصر على ثلث لطعامه! فقال: آتيكم بالخبر، فسأل الشافعيَّ رحمه الله أولًا: لماذا أكل كل الطعام؟ فأجاب قال: إني لا أرى أحدًا في هذا البلد أحل طعامًا من الإمام أحمد، فأحببت أن يمتلئ بطني من هذا الطعام الحلال. هذه واحدة؛ إذن له غرض، والشبع أحيانًا جائز ولَّا لا؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: جائز، «أبو هريرة شرب اللبن، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اشْرَبْ»، فقال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مساغًا»[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: لا أجد له مسلكا. ]]. ولكننا نحن نحدث أنفسنا بالحديث عند كل أكلة، كل أكلة نقول مثلما قال أبو هريرة! هذا عارض، والعوارض كثيرة.
وسأله: لماذا لم يقم الليل؟ فقال: إني كنت أتدبر قول النبي ﷺ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٢٩) ومسلم (٢١٥٠/٣٠) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، وإني استنبطت من الحديث ألف فائدة.
وأما كوني أصلي بدون وضوء الفجر، فأنا ما نمت، أتدبر هذا الحديث.
فالحاصل أن الناس يختلفون في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة؛ ولهذا تجد بعض الناس يجيب لك الآية ويسوق فوائدها، يمكن يحصل خمسًا، عشر فوائد، حسب ما في الآية، وآخر بدل خمس خمسين، وفضل الله يؤتيه من يشاء. (...)
إي نعم، لكن عاد ما أظنه أخذه من لفظ الحديث فقط، الله أعلم أنه كلما رأى فائدة جر حديثًا آخر يدل عليها ثم استنبط منها. (...)
﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان ٣٢].
* طالب: (...) يقول: لماذا أنزل عليه القرآن جملة واحدة؟
* الشيخ: كيف إتيان الشبهة؟
* الطالب: لأن الأمم السابقة كانت.
* الشيخ: الرسل.
* الطالب: الرسل السابقون كانت تنزل عليهم الكتب دون (...).
* الشيخ: أحسنت، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾.
طيب، هذا التعبير ﴿نُزِّلَ﴾، مع أن المعروف أن ﴿نُزِّلَ﴾ لما ينزل شيئًا فشيئًا، وهنا قال: نُزِّل جملةً، فكيف يصح أو كيف يكون التوفيق بين ﴿نُزِّلَ﴾ و﴿جُمْلَةً﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تأتي بمعنى (أنزل).
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني (نزل) و(أنزل) معناهما واحد، مثل، نظيره من الأفعال أن المضعف يكون بمعنى المهموز، من عنده خبر؟
* الطالب: (احمرَّ) و(احتَمَر).
* الشيخ: لا، سبحان الله أنت جبت نصف الجواب، من عنده خبر؟
* طالب: (أخبره).
* الشيخ: (أخبر) و(خبَّر).
طيب، زين، هذا وجه، الوجه الثاني؟
* طالب: الوجه الثاني أن (...)، أي: هذا التنزيل لو نزل يكون جملة.
* الشيخ: يعني باعتبار؟
* الطالب: باعتبار (...).
* الشيخ: إي، الواقع يعني؟ باعتبار الواقع وجملة باعتبار المطلوب.
طيب، هل أجاب الله عن هذه الشبهة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، بماذا؟
* الطالب: بقوله تعالى: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ [الفرقان ٣٢].
* الشيخ: أجاب الله تعالى بأنه أنزله كذلك ليثبت فؤاد النبي ﷺ، تمام.
تثبيت الفؤاد بماذا؟
* طالب: بما ينزل عليه من (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن كيفيتها؟ أو وجهه؟
* طالب: بأحد أمرين.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: إما (...) ترد عليه.
* الشيخ: إي.
* الطالب: والأمر الثاني (...).
* الشيخ: إي، تثبيت الفؤاد من وجهين؛ أولًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الثاني (...).
* الشيخ: تطمين الرسول عليه الصلاة والسلام باستمرار الرسالة، مثلما كان عليه الصلاة والسلام لما فتر الوحي كان حزن شديدًا وصار يخرج إلى الجبال يترقب هذا الوحي.
في هذه الآية بين الله أن الحكمة من إنزاله مفرقًا التثبيت، وقد ذكر في آية أخرى فائدة ثانية، نقول: ذكر الله أن الفائدة من النزول مفرقًا التثبيت، في آية أخرى ذكر فائدة أخرى؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم (...).
* الطالب: لأن هذا في مقابل سؤالهم عن سبب نزوله.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أو معارضة القرآن بأنه نزل مفرقًا.
* الشيخ: في مقابلة إيراد شبهة عن النبي عليه الصلاة والسلام قد تؤثر عليه، نعم، فجاء بيان الحكمة هذه وللتثبيت.
* طالب: أن يكون المعنى ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء ١٠٦] (...)؛ هذه العلة.
* الشيخ: إي نعم.
في هذه الآيات الكريمة ذكرنا أن فيها ردًّا على طائفة من أهل البدع، ينكرون شيئًا من أعظم صفات الله، وهي، ما هي التي ينكرون من صفات الله؟
* طالب: الوجه.
* الشيخ: ينكرون أي شيء؟
* طالب: إثبات الحكمة من الله تعالى (...).
* الشيخ: ينكرون الحكمة، وفي الآية رد عليهم، بماذا؟
* الطالب: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢].
* الشيخ: لا، يعني أريد أن تبين لي الكلمة اللي فيها الرد، ما هو بكل الآية؟
* الطالب: ﴿كَذَلِكَ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: اللام من ﴿لِنُثَبِّتَ﴾.
* الشيخ: اللام للتعليل، ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، والتعليل معناه الحكمة.
طيب، بين الله سبحانه وتعالى أن المكذبين للرسول ﷺ، أن أي شبهة يوردونها ولو كانت بأعظم بيان فإن الله تعالى يقابلها بما هو أشد وأعظم.
* طالب: (...) ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣].
* الشيخ: أيش بمعنى: ﴿بِمَثَلٍ﴾؟
* الطالب: ﴿بِمَثَلٍ﴾ أي: بالصورة يعني من الشبه التي (...).
* الشيخ: إي، بصفة من القول يريدون بها إبطال ما جئت به ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، إي نعم.
فيما سبق ما يدل على إثبات البعث؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٣٤].