Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النمل 27:12 – النمل 27:19

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النمل 27:12
  2. النمل 27:13
  3. النمل 27:14
  4. النمل 27:15
  5. النمل 27:16
  6. النمل 27:17
  7. النمل 27:18
  8. النمل 27:19

النمل 27:12

﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ إلى آخر القصة. وهذا من جملة ما يلقاه النبي ﷺ من القرآن وهي قصص الأنبياء. وفائدة ذكر هذه القصص ما ذكره الله تبارك وتعالى في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة نعتبر بها في أحكامها وفي عواقبها. ولهذا الصحيح أن ما ذكر من هذه القصص من الأحكام فإنه يجوز لنا أن نتبعه وأن نقتدي به؛ لقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام ٩٠]. كذلك نعتبر بما جرى من العواقب لمن؟ للرسل وأتباعهم، وما جرى من العواقب لمخالفيهم، ومعلوم أن عاقبة الأولين عاقبة محمودة وعاقبة الآخرين عاقبة سيئة. فمن جملة القصص التي كثر ذكرها في القرآن قصة موسى، ولا غرو أن تكثر في السور المدنية؛ لأن المدينة كان بها طائفة من اليهود؛ حتى يتبين أمرهم، ولهذا فصلت أحوالهم كثيرًا في سورة البقرة، وأما ذكر قصة موسى في السور المكية كهذه فإن فائدتها التوطئة والتمهيد للنبي ﷺ حتى يكون على بصيرة من أمرهم. وهذا التوجيه، وهو الاستعداد للمستقبل، سلكه النبي ﷺ أخذًا بتوجيه القرآن حينما قال لمعاذ بن جبل: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٣١) من حديث ابن عباس.]]. ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ وأظننا تكلمنا على موسى عليه الصلاة والسلام وأنه موسى بن عمران، وأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل. (﴿لِأَهْلِهِ﴾ زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر). يقول: (زوجته): ألا يحتمل أن يكون زوجته وأمه وأباه وما أشبه ذلك؟ * طالب: بعيد. * الشيخ: لماذا؟ لأنه خرج من مصر وحيدًا، خرج وحيدا ثم التقى بالمرأتين، ثم اتصل بأبيهما، ثم زوجه على أن يأجره ثمان حجج وانتهت الحجج، ثم سار بأهله (زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر). وبهذه المناسبة بعض الناس يظنون أن صاحب مدين هو شعيب النبي، وليس كذلك فإن بينه وبين موسى برهة من الزمن، وإنما صاحب مدين رجل من أهل مدين، هذا هو الصحيح بلا شك. قال: (﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد ﴿نَارًا﴾ ). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ليس بنبي، إي نعم. ﴿إِذْ قَالَ﴾: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ جملة (إني آنست) هذه مقول القول، ولهذا كسرت (إن). وقال: (﴿آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد). (آنس) بمعنى أبصر، وكونها من بعيد ما يدل عليه اللفظ في الحقيقة، اللهم إلا أن يقال: إن الإيناس إنه لا يدل على القرب بسبب أنه يدل على الخفاء، والخفاء في النار ما يكون إلا إذا كانت بعيدة. وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ السين للتنفيس، وقد ذكرنا فيما سبق أنها إذا دخلت على الجملة -وهي طبعًا لا تدخل إلا على المضارع- تفيد أمرين، هما؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طلبة: القرب. * الشيخ: القرب، والثاني؟ * طالب: التحقق. * الشيخ: والتحقق، القرب والتحقق، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ آتيكم ولا أتيكم؟ * طالب: آتيكم. * الشيخ: ويش الفرق بين آتيكم وأتيكم؟ آتيكم أي: أعطيكم، وأتيكم بمعنى أجيئكم، هكذا يصير ولّا خطأ؟ أو آتيكم بمعنى أجيئكم؟ * طالب: آتى بمعنى أعطى وأتى بمعنى الاثنين: أجيئكم وأعطيكم. * الشيخ: طيب زين، وأوتيكم بمعنى أعطيكم، نصرفها الآن نحن في غير الآية، أتيت مضارعه. * طالب: يأتي. * الشيخ: يأتي لا أتيت. * الطالب: آتي. * الشيخ: آتي، كذا آتيت. * الطالب: أوتي. * الشيخ: إي نعم أوتي، إذن فآتيكم بمعنى أجيئكم على كل حال، والإنسان أول ما يتبادر إلى ذهنه (...) بمعنى أجيئكم وهنا قال: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي آية أخرى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه ١٠] فهل بينهما فرق أم هما بمعنى واحد، وإن قلنا بالفرق فما الجمع؟ إذن بينهم فرق. * طالب: بينهم فرق. * الشيخ: ما الجمع؟ القصة واحدة. * طالب: إي نعم، لكن هناك (...). * الشيخ: طيب. * طالب: قوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ عندما كان في البعد. * الشيخ: في أيش؟ * الطالب: عندما كان في البعد، أما قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ عندما قرب إليها. * الشيخ: لا، هو يخاطبهم، يخاطب أهله. * الطالب: عندما اقترب من النار؟ * الشيخ: لا. * طالب: أن القصص تروى بالمعنى. * الشيخ: ما يخالف، المعنى مختلف الآن، إذا قلنا: هذه للترجي وهذه للتحقيق. * طالب: من قوي رجاؤه يقينًا قال: سآتيكم، يوم يئس قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه ١٠]. * الشيخ: أو بالعكس، كان بالأول يترجى ثم قوي، هكذا قال بعضهم، لكن يمكن أن تكون بمعنى واحد بدون اختلاف؛ لأن (لعل) تأتي للتوقع، ولّا لا؟ ذكرنا فيما سبق في النحو أن (لعل) تكون للترجي والإشفاق والتعليل والتوقع، ولو صار للتوقع صار معناها التوكيد، أما إذا قلنا: إن (لعل) للرجاء، فهو رجا أولًا ثم قوي وجزم به وقال: سآتيكم. وقوله: (﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن حال الطريق وكان قد ضلها). هذا واضح أن الخبر اللي يريد خبر من يدله على الطريق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد ضله. (﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافة للبيان وتركها) ترك الإضافة؛ يعني قراءتين: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابِ قَبَسٍ﴾ ، أو ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، أما (بشهابِ قبسٍ) فهي للبيان كما قال المؤلف، والإضافة إذا كانت للبيان فهي على تقدير (مِن)، مثلما يقال: خاتمُ حديدٍ أي: خاتم مِن حديد. فهنا (شهابِ قبسٍ) أي: شهاب من قبس كذا؛ لأنها بيانية، وإذا جعلناها (شهابٍ قبسٍ) صارت (قبس) صفة لـ(شهاب)، صفة مبينة أيضًا، فيكون الإضافة والقطع بمعنًى واحد. وفي قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ هل (أو) هذه مانعة جمع أو مانعة خلو؟ * طالب: مانعة خلو. * الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ * الطالب: مانعة الجمع معناها أنه لا بد أن يحدث أحد هذين الأمرين. * الشيخ: أنه ما يكون إلا أحد الأمرين إما هذا أو هذا، ومانعة الخلو؟ * الطالب: مانعة الخلو: أن لا يخلو الأمر من واحد منهما، وقد.. * الشيخ: أو منهما جميعًا. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: مانعة الخلو معناه أنه ما يخلو الأمر من واحد منهما، أو منهما جميعًا كذا؟ وهي تشبه قول النحويين: إن (أو) تأتي للإباحة وللتخيير، وهناك قالوا: الإباحة والتخيير إذا كانت في سياق الطلب، تقول مثلًا: تزوج هندًا أو أختها، هذه (أو) ويش هي له؟ للتخيير ما تأتي للإباحة. جالس فلانًا أو فلانًا، هذه للإباحة، كُلْ خبزًا أو رزًّا، للإباحة، اللي للإباحة ما تمنع الجمع، واللي للتخيير تمنع الجمع، وإذا كانت (أو) في خبر فإنهم يسمونها مانعة خلو أو مانعة جمع. إذن هي مانعة خلو، بمعنى أنه يمكن يأتيهم بالأمرين جميعًا، الدلالة أيش بعد؟ والشهاب القبس. وفهم من هذا الكلام ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أن الليلة كانت باردة، وما أحوج الضال للطريق في ليلة باردة، ما أحوجه إلى نار يصطلي بها وإلى أهل نار يخبرونه عن الطريق؛ لأن النار معلوم أنها ما تكون وحدها ولَّا لا؟ لا بد أن عندها أحدًا يخبر. قال: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ (أي: شعلة نار في رأس فتيلة أو عود). هذا الشهاب القبس، القبس الذي يقتبس منه، وهذه تكون كما قال المؤلف: (شعلة نار في رأس فتيلة أو عود). ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧] (لعل) هنا أيش معناها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، للتعليل، (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تصطلوا بها. (والطاء بدل من تاء الافتعال) اصطلى أصله اصتلى بالتاء على وزن افتعل، لكن أبدلت التاء أيش؟ طاء، لسبب صرفي. (﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها -صلى- تستدفئون من البرد) وما أحلى النار التي يصطلي بها الإنسان في حال البرد، ولهذا يقول المثل: (النار فاكهة الشتاء والمكذب يصطلي)، صحيح وهذا مشاهد. ذهب موسى عليه الصلاة والسلام وبقي أهله في هذا المكان، وذهب هو وحده إلى النار لعله يأتيهم بالخبر أو بالشهاب، ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ (...) فيها حذف، والتقدير: فذهب فلما جاءها، ويسمى هذا الإيجاز إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم في البلاغة إما إيجاز قصر وإما إيجاز حذف، فإذا كانت الجملة القصيرة تشتمل على معانٍ كثيرة بدون حذف يسمى إيجاز قصر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] هذه جملة مختصرة، لكنها تتضمن معاني كثيرة، يسمي علماء البيان يسمون هذا إيجاز قصر، وهو أن تكون الجملة قصيرة لكنها متضمنة لمعانٍ كثيرة. إيجاز الحذف معناه: قصر الجملة، لكن الجملة نفسها ما تتضمن معاني كثيرة إلا بتقدير أشياء محذوفة، هذا من إيجاز الحذف. وأمثلته في القرآن كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] فيها إيجاز حذف، ويش التقدير؟ فأفطر فعدة من أيام أخر. * * * قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ أي: بأن ﴿بُورِكَ﴾ أي: بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس). ﴿نُودِيَ﴾ المنادي هو الله عز وجل، الدليل أنه في آية أخرى صرح بذلك ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم ٥٢] فالمنادي هو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (﴿أَنْ﴾ أي: بأن) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مخففة من الثقيلة، حينما قدر الباء؛ لأن تقدير الباء يدل على أن ما بعدها مؤول بمصدر. وهناك قول آخر: يجعلون (أن) هنا تفسيرية مثل: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. ويقولون: إن (نودي) متضمن لمعنى القول دون حروفه، و(أن) إذا سبقت بما يتضمن معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية، ولكن من حيث المعنى واحد، إنما الاختلاف في الإعراب. ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الشارح أو المفسر: (أي: بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ )، قدّر هذا ليبين أن فاعل البركة من؟ الله، وأن (بارك) يتعدى بنفسه: بارك الله فلانًا كما يقال: بارك الله في فلان، فهو يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف الجر. * طالب: في غير اللغة العربية. * الشيخ: لا، الآن لما سيقت باللغة العربية أخذت حكم اللغة العربية. * الطالب: أن تفسيرية على أن.. * الشيخ: أنا فهمت كلامك، هذا ما يصلح؛ لأن التفسير في الحقيقة لكل الكلام، ترجمة الكلام الذي وقع من الله سبحانه وتعالى لموسى في كل الجمل هذه ما هو بس في قوله: ﴿بُورِكَ﴾ في كل جملة. يقول المؤلف رحمه الله: (بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ ). (من) إعرابها بدون تقدير المفسر اسم موصول في محل رفع نائب فاعل. وقوله: (﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس) ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ الملائكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ موسى. واحتمال ثالث: أن يكون ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ البلاد التي حول هذه النار؛ لأنها بلاد الشام مباركة، أو ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أهله، كل ذلك فيه احتمال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، حول النار. قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ فيه إشكال في الحقيقة؛ لأن (في) للظرفية والنار ظرف، فهل موسى في النار؟ المؤلف قدر لهذا، قال رحمه الله: (وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف، ويقدر بعد في مكان). يعني: من في مكان النار؛ لأنه لو كان في النار حقيقة لاحترق، ولكن يقدر مكان. فإذا قيل: ما الفائدة من قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وحذف المكان؟ قلنا: الفائدة من ذلك -والله أعلم- شيئان: الشيء الأول: القرب التام منها. والشيء الثاني: أن شعاع النار قد وصل هذا القريب منها، يعني النار كما هو واضح لها شعاع، الإنسان القريب منها يكون في نفس الشعاع، فكأنه لقرب ووصول شعاع النار إليه صار كأنه فيها نفسها، ولّا ما هو في نفس الشعلة، هذا ما يمكن، هذا -والله أعلم- الحكمة من كون الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾. * طالب: (...) في النار؟ * الشيخ: إي. * طالب: حقيقية؟ * الشيخ: حقيقة هذا هو الأصل. * طالب: (...) نار باعتقاد موسى يا شيخ. * الشيخ: لا، لكن ما لنا أن نقول إلا ما قال الله، والله تعالى على كل شيء قدير، هذه النار عاد ما وقودها؟ ما ندري، ما لنا أن نتكلم. * طالب: كثير من المفسرين يكثرون حول هذا الموضوع ويقولون: أراد أن يأخذ منها شيئًا فاتجهت إليه ثم انقلبت إلى نور وهكذا. * الشيخ: شوفوا بارك الله فيكم يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فكل علم يأتينا عن هؤلاء الأمم من غير القرآن أو صحيح السنة فليس بشيء، غاية ما هنالك أن يكون من أقوال بني إسرائيل التي لا تصدق ولا تكذب. ولهذا القصص ما يجوز أن نتعدى فيها القرآن إلا ما جاءت به السنة؛ لأن قوله: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويش معناه؟ قطع أي خبر يأتي من غير طريق الله؛ لأنه لو كان هناك أخبار صحيحة تأتي من غير الله لكان الله يعلمها، وهؤلاء المخبرون أيضًا يعلمونها، والله تعالى حصر ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، وهذا من أقوى طرق الحصر الذي هو النفي والإثبات ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. فهذه الآية تبين لنا أن كل ما يقال في هذه القصة، وكذلك في قصة سليمان وداود وغيرهم: إنها مسائل إن كان الشرع ينافيها أو مقام النبوة ينافيها فهي باطلة وكذب كما في قصة داود اللي مر علينا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخره [ص: ٢٣]. وإن كان إنه ما يكذبه موقفنا فيها أن نقول: لا نصدق ولا نكذب، أما أن نفسر بها كلام الله فهذا لا يجوز أن يفسر بها كلام الله. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معلوم للجميع أن (سبحان) اسم مصدر، وأن عامله محذوف دائمًا، وأنه ملازم للإضافة، كل هذا شيء معلوم، وأن معنى (سبحان الله) أي: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب، لكن هل هي الجملة هنا خبرية بمعنى الطلب أو خبرية على ظاهرها؟ يقول بعض المفسرين: إنها تعجيب لموسى يعني بمعنى: اعجب وسبح الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، وأن هذا الأمر الذي رأيت والكلام الذي سمعت ما هو إلا كلام رب العالمين: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨]. فعلى هذا تكون الجملة الخبرية هنا من حيث المعنى طلبية، أي: سبح الله رب العالمين عما لا يليق به، وإذا قلنا: إنها على ظاهرها صار معناه ثناء من الله عز وجل المكلم المنادي ثناء من الله على نفسه، أي المعنيين أشمل؟ * طالب: الخبري. * طلبة: الأول. * الشيخ: الأول، الطلبية؛ لأنها تتضمن إذا أمر بها موسى تتضمن أن الله أهل لها، فهذا هو الخبر، وتتضمن زيادة ثانية وهي تعجيب موسى عليه الصلاة والسلام واعتقاده بأن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل عيب. وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيش معنى الرب؟ * طلبة: المالك المتصرف. * الشيخ: المالك المتصرف، لكنها أيضًا متضمنة لمعنى أدق وهو التربية، فهو سبحانه وتعالى يربي مع كونه مدبرًا خالقًا متصرفًا. والعالمين كل من سوى الله فهو من العالمين، وسموا عالمين، قيل: لأنهم علم على خالقهم، علم ودليل عليه، فإن كل ما في الكون شاهد بوحدانية الله تبارك وتعالى وبما تقتضيه هذه الأكوان من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. * طالب: (...) معناها. * الشيخ: معناها أنه يربي عباده تربية حسية ومعنوية، فالتربية الحسية مثلا لنضرب مثلًا بالإنسان كونه في الخلقة يتطور من شيء إلى شيء عقلًا وجسمًا وفكرًا، هذه تربية، هذا الطفل الصغير لو فرضنا أن هذا الطفل الصغير أن عقله كالكبير، يمكن أن يعيش؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما يمكن يعيش؛ لأنه ما يتحمل الأشياء التي تقابله، فهذا الطفل لو فرضنا أنه في عقل الكبير، كان لو مثلًا تستحيي أمه تروح عنه ما يستقر أبداً، وكان يبدأ يدبر ويزين ويسوي كذا ويزين كذا، ما هو بلائق، كذلك بالعكس لو كان الكبير بعقل الصغير ما استطاع أن يعمل شيئًا، وهكذا أيضًا الطعام يأتي إلى الإنسان شيئًا فشيئًا، هذه من التربية الحسية، والتربية المعنوية ظاهر أن الله سبحانه وتعالى يربي عباده بالعلم النافع شيئًا فشيئًا. * * * (﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى﴾ من جملة ما نودي، ومعناه تنزيه الله من السوء) يقصد معنى التسبيح (﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) هذا تفسير الضمير. ضمير الشأن هو ضمير يتصل ويفسر بالجملة التي بعده، فعلى هذا يكون أنه هذا الشأن، و﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه تفسير لهذا الضمير. أما من حيث الإعراب فإننا نقول: (إن) حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر. والهاء ﴿إِنَّهُ﴾ اسمها، و﴿أَنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع خبر (إن). وقال بعض المفسرين: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ فرأوا أن الهاء ضمير لا ضمير شأن، ضمير حقيقي للمتكلم. ثم قال: ﴿أَنَا﴾ يعني: إن الذي يكلمك أنا. ثم بين هذا الضمير بقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لكن ما سلكه المؤلف أقرب وإن كان الثاني محتملًا، وفهمتم الفرق بين المعنيين، الثاني يقول: إن (إن) حرف توكيد (...) ويرفع الخبر، والهاء اسمها وليس ضمير شأن، و(أنا) خبره، يرون (أنا) هي الخبر، والأول يرون ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ هو الخبر، يعني أن الله قال لموسى: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ يعني: إن الذي يكلمك أنا. وكلمة: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ هل يتبين من هو؟ ما يتبين، ولهذا نهي أن يقول الإنسان إذا استأذن عند الباب وقيل له: من؟ فقال: أنا، إذن (أنا) هنا مبهمة بينت بقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * طالب: يستقيم هذا المعنى. * الشيخ: يعني يستقيم، لكن الأول أقوم ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فهذا الذي قدر المؤلف أحسن من الذي قدره بعض المفسرين مثل الزمخشري. * طالب: قلت: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (...). * الشيخ: تصير بيانًا للضمير ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ، وهي بيان لـ(أنا). ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال: الله، ابتدأ بالألوهية، والله تبارك وتعالى هو الاسم العلم على الله الذي لا يسمى به غيره، وجميع ما يأتي من أسماء الله دائمًا تجدونها تبعًا لهذا الاسم، دائمًا يصدر أسماء الله بكلمة الله؛ لأنه العَلم الذي لا يسمى به غيره، ثم تأتي الأسماء بعد ذلك تابعة له. والعزيز أيش معناه؟ * طالب: القوي الذي لا يغلب. * الشيخ: القوي الذي لا يغلب، بل هو الغالب، وقيل: إن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ * طالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة المكانة.. * الشيخ: لا. * طالب: عزة قهر وعلو (...). * الشيخ: لا، عزة الامتناع، وقالوا: إنها مشتقة من الأرض العزاز، الأرض العزاز يعني الصلبة القوية، ونحن نسميها باللغة العامية عزى، نحذف الزاي الثانية. فالعزيز معناه: هو القوي الغالب الذي لا يغلب، إذا قلنا بهذه الثلاثة أتينا بالمعاني الثلاثة.. * طالب: عزة قهر.. * الشيخ: والقدر والامتناع. وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم لنا الكلام عليه، وإنما ذكر الله له ذلك ليشعره بأن مآله للعز، وأن ما سيوحى إليه فهو حكمة؛ لأن الصادر من العزيز يكون عزيزًا، ومن الحكيم يكون حكمة. * * * ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل ١٠] عصاه، ما هي العصا التي معه؟ عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، عصا عادية، فإضافتها إلى موسى عليه الصلاة والسلام إضافة مملوك إلى مالكه، وليس مخصوصًا إلى من اختص به، أي أن هذا العصا ليس له اختصاص وأنه عصا من جوهر معين أو ما أشبه ذلك، هو عصا عادي. (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ ) هذا أيضًا من إيجاز الحذف كما مر، ودائمًا القصص يكون فيها إيجاز حذف؛ لأن المحذوف دائمًا يكون معلومًا من السياق، فيكون حذفه سهلًا وميسرًا. وقد قال ابن مالك -رحمه الله- في الألفية قاعدة من أفيد ما يكون، هو ذكرها في باب المبتدأ، وهي صالحة لكل شيء، قال: وَحَــذْفُ مَــا يُـعْـلَـمُ جَــائِــزٌ كَـــمَــا ∗∗∗ تَقُولُ: زَيْدٌ بَعْدَ: مَـنْعِـنْـدَكُـمَـا (وحذف ما يعلم جائز) هذه قاعدة. قال: (فألقاها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك). ولكن تفسير الاهتزاز بمطلق التحرك فيه نظرٌ؛ لأن الاهتزاز أبلغ من التحرك، كأن الاهتزاز فيه نوع من القوة والاضطراب. (﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حيّة خفيفة) وقيل: حية عظيمة، وقيل: الذكر من الحيات الجان، وأيًّا كان فإنها صارت هذه العصا اللي كانت بيده عصا ألقاها فصارت حية تهتز وتتحرك وتضطرب مثل الجان، يعني الحية العظيمة. * طالب: خفية. * الشيخ: لا عندك خفيفة. * طالب: (...) الجان. * الشيخ: يطلق على هذا وهذا، من الأسماء المشتركة. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه ٢٠]. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نفس الشيء القصة واحدة. * طالب: يا شيخ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل ١٠] الأقوال التي في الإيجاز؟ * الشيخ: لا، ما فيه إيجاز، الإيجاز في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ تقدير فألقاها إيجاز. * الطالب: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾. * الشيخ: إلا ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها. * الطالب: طيب تفسير فألقاها؟ * الشيخ: لا، هذه جملة محذوفة. * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: نعم، ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تفسيرها: ضع عصاك. * الطالب: فـ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ الآية.. * الشيخ: ما هي تفسير هذه، فـ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ لو أخذنا الآية بظاهرها لكانت تهتز وهي بيده قبل أن يلقيها، لكن الآية لا بد فيها من شيء محذوف، فألقاها فإذا هي تهتز. * طالب: يعني ما يكون الإيجاز عند قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾. * الشيخ: قبله، عنده يعني قبله، مثلما قدرها المؤلف. * الطالب: الإيجاز يكون هناك كلام محذوف فيكون بينه إيجاز. * الشيخ: هذا (فألقاها) محذوف. * الطالب: هو الذي محذوف. * الشيخ: إي هو المحذوف، ولا بد من تقديره؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، لو أخذنا بظاهر القرآن كان لما أمر أن يلقي عصاه اهتزت، فلا بد من تقدير شيء. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (ولى) هذه جواب (لما)، و(مدبرًا) حال. ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يعني هاربًا، ولهذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (يرجع) لماذا ولى؟ * طلبة: خوفًا. * الشيخ: خوفًا من هذا؛ لأن هذا بطبيعة البشر أن إنسانًا ألقى عصاه وصار حية تسعى لا بد أن يخاف، لا سيما وأنه عليه الصلاة والسلام ما علم أنه سيرسل وأنه رسول، إنما كلمه الله سبحانه وتعالى وإلى الآن ما صار شيء. فالحاصل أن هذه طبيعة البشر، لا بد أن يولي، وليس في هذا نقص للنبي ﷺ؛ لأن الأمور البشرية تعتري الرسل وغيرهم، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام ينسى في أعظم العبادات؛ في الصلاة، ويقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث ابن مسعود. ]] وليس في هذا أي قدح للرسل. (﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فقال الله تعالى له: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ منها). فقال الله تعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾ هذه فيها أيضًا إيجاز بالحذف، ونحن نقول باختصار: جميع القصص ولا سيما القصص الطويلة غالبًا يكون فيها إيجاز حذف، وأحيانًا تكون جملة، وأحيانًا تكون جملًا، وسيأتينا إن شاء الله في القصص التي في السورة التي تلي هذه شيء كثير من هذا. * طالب: (...) قول المؤلف (...). * الشيخ: هذا معنى الجان. قال: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ وناداه باسمه ليطمئنه؛ لأن الإنسان اللي يناديك وهو يعرفك تطمئن إليه أكثر، لم يقل: يا هذا لا تخف، أو يا مولي لا تخف، بل قال: ﴿يَا مُوسَى﴾؛ لأنه معلوم أن اللي يعرفك تطمئن إليه أكثر ولَّا لا؟ الآن لو مثلًا رأيت عدوًّا ظننته عدوًّا ثم هربت منه فقال: يا فلان، يا فلان، تطمئن ولَّا لا؟ تطمئن أكثر؛ لأنك تقول: هذا أعرفه ما ينالني بسوء. (﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ منها) والتقييد بـ(منها) الذي أوجب للمؤلف أن يأتي به هو ظاهر السياق؛ لأن الظاهر أن موسى ﷺ إنما هرب منها فقال: ﴿لا تَخَفْ﴾. (﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ من حية وغيرها) معلوم، الذي بحضرة الله عز وجل ما يمكن يخاف من شيء؛ لأنه في كنف الله تعالى وفي جواره، فلا يمكن أن يخاف وهو عند الله. وقوله: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ هذا أيضًا فيه بشارة لموسى ﷺ بأنه عند الله وأنه من المرسلين، ومعلوم أنه إذا بشر بمثل هذه البشارة سوف يزول عنه الخوف نهائيًّا، وسوف يحل مكان الخوف أمن ومكان الذعر سرور ﴿لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. * طالب: هذه العصا هي التي ضرب بها البحر؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما تغيرت؟ * الشيخ: ما تغيرت، وهي التي ألقاها أيضًا للسحرة وأكلت سحرهم. * * * (﴿لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ من حية وغيرها ﴿إِلَّا﴾ لكن ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسه ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أتاه ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: تاب ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقبل التوبة وأغفر له). سبحان الله العظيم! قد يقول قائل: ما لهذه الجملة وللكلام الذي قيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، لكن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال الله له: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ لعله تذكر أنه قد وقع منه خطيئة، ويش الخطيئة؟ * طالب: أنه قتل.. * الشيخ: أنه قتل نفسًا، وكأنه عندما يتذكر هذا قد يستبعد في نفسه أن يكون من الرسل، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ ليذكره بما من به عليه من التوبة. ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. (بدل) المؤلف فسرها بقوله: أتى حسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؟ (...) بدل حسنًا بسوء؛ لأن (بدل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدل حسنًا ويش هو به؟ بسوء، يصير الحسن مدفوعًا، والسوء مأخوذًا، أو لا؟ (بدلت ثوبي بثوبه) أين المأخوذ؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، كذا ولًّا لا؟ فهنا بدل حسنًا لو أخذنا بظاهرها معناه أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا. ولهذا فسر المؤلف قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ(أتى). والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه، أو ظاهر معناه ما صح أن يعبر بقوله: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كان كذلك لقال: بدل حسنًا بسوء، ما قال: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قال: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ علم أن ﴿بَدَّلَ﴾ هنا بمعنى استبدل، واستبدل بمعنى أخذ، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٦١] وأخذ مثلما قال بمعنى أتى. والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حسنًا بعد سوء (...) جزمًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع. ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ (ظلم) فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * الطالب: جواب الشرط. * الشيخ: جواب الشرط، أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟ * طالب: نقول (...) بالحسنى (...) لكن بالعقل (...) أو قال: الرحمة أو يستحق الغفران والرحمة. * الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا أن يرحمه. ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] يعني معناه يسقط عنهم الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة أن من بدل حسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه، يشمل الرسل وغير الرسل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يشمل الرسل وغير الرسل، نعم يشمل الرسل وغيرهم، ومن ثم حسن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء؟ * طلبة: منقطع. * الشيخ: منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل. * * * * طالب: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل ١٢ - ١٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧]. * أولًا: يستفاد من هذه الآية: حسن خلق موسى عليه الصلاة والسلام، وذلك لمسالمته لأهله ولمراجعته إياهم لما يهم الجميع، يعني أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول؛ مما يدل على أنه يتراجع معهم لما يهمهم. * وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آل النبي ﷺ يدخل فيهم أزواجه؛ لأنها من الأهل. وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان بأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟ والذين يقولون بعدم الدخول يردون ذلك إلى العرف، ويقولون: إن العرف عند الناس أن الزوجات ليسوا من الأهل وإنما الأهل القرابة. وإذا كان هكذا فإنه يقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة، ثم إن وجد عرف مضطرد لما في ذلك رجعنا فيه إلى العرف؛ لأن الصحيح من الأقوال يرد إلى أعراف الناس وعاداتهم، ترد معانيها إلى أعراف وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك، وفي هذا دليل.. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا أهل البيت (...). * وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتد إليه، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا في أي شيء؟ * طلبة: في الرسالة. * الشيخ: في الرسالة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠] فالأول: المماثلة في البشرية، والثاني: الاختصاص ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ بالوحي. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ هذه الوقاية دافعة ولّا رافعة؟ * طالب: دافعة. * طالب آخر: رافعة. * طالب آخر: دافعة رافعة. * الشيخ: دافعة رافعة، رافعة للبرد السابق ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها. وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، منين تؤخذ؟ * طالب: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. * الشيخ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ والعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات ٦]. (...) في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به وقسم لا يوثق به وقسم محتمل. الذي لا يوثق به لا يقبل، والموثوق به يقبل، والمجهول أو المحتمل يتبين عنه يتوقف حتى يتبين. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم ﴿سَآتِيكُمْ﴾ هذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذا فائدة لغوية. * طالب: خبر الثقة (...) فيكون بين أهله ثقة. * الشيخ: الكلام على من يوثق به. * الطالب: عامة يا شيخ. * الشيخ: لا، عامة وخاصة، يعني قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول، يتوقفون بأمره، الكلام على الثقة الذي تثق به، لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف وأخبر أنه رأى الهلال، والناس اللي معه ما رأوه؟ * طلبة: لا يقبل قوله يا شيخ. * الشيخ: ما يقبل قوله، ولو ذكره. * الطلبة: ما يقبل. * الشيخ: لأنه ما هو عدل، إي نعم، ما يقبل، ولهذا وقع عند بعض القضاة أنه قد رأى الناس الهلال، فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، الناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا (...) دينه وسوء أمانته موثوق به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادن مني. فدنا منه، فمسح حاجبه، فقال له: انظر. قال: الآن ما رأيته، إي نعم فإذا هي شعرة بيضاء، وهذه من ذكاء القاضي لأنه تأكيد الناس اللي معه ما رأوه وهو رأى، فما يمكن وهو ثقة، ما هو برجل سوء في خبره، لكن قد يخطئ. ثم يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨]. * يستفاد من هذه الآية أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾ فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يبين من المنادي فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: أولًا: تحقيقها فيه، والثاني أيضًا: قوله لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل ٩]. * وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين، مر علينا قولهما بالأمس من؟ * الطلبة: الأشاعرة.. * الشيخ: الأشاعرة والكُلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، وهذا القول باطل وقد مر بنا كثيرًا. * وفيه دليل على أنه ينبغي لما في المستوقف، الإنسان المستوقف نقول له: أوقف على معنى، لكي يطمئن ويكون قابلًا لما يلقى إليه؛ لأن المستوقف ما يقبل ما يلقى إليه، بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: غيره قبله، ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ لأن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها ليزداد به طمأنينة لأهله، ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. * وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهل معه رب آخر؟ لو كان معه ما صار ربًّا للعالمين، لو صار معه ربٌّ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمين، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى رب العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إله آخر عقلًا، وقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع الآلهة، امتناع فسادهما، دل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١] وهذا أمر لم (...). باب وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلوم، حتى المشركون في عهد الرسول ﷺ كانوا يقرون بوحدانيته في الربوبية. * وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه، وأن ذلك من كماله؛ فإنه أثنى على نفسه بقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أثنى على نفسه بنفي وإثبات أو لا؟ النفي؟ * طالب: سبحان. * الشيخ: سبحان الله، والإثبات؟ * الطالب: رب العالمين. * الشيخ: رب العالمين، ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين، وهما النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الثناء المطلق، ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية. * وفيه دليل -في الآية- دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى، يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه. * طالب: (...). * الشيخ: الآن (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾.. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم فيها أن (...) مباركة لقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وفي قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة، وذكرناها بالأمس، وهي؟ * طلبة: الطمأنينة. * الشيخ: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان اطمأننت بلا شك، تقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى﴾. * وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبين اسمه؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ما قال: أنا مثلًا أنا مكلمك، أنا أنا أو ما أشبه ذلك، بل بين سبحانه وتعالى من الذي يكلمه. هل فيها إثبات الألوهية لله، قصدي حصر الألوهية في الله؟ * طالب: بلى. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده. * الطالب: (...). * الشيخ: ومن تعرف (...) المبتدأ والخبر؟ هذا حصر له؟ * وفيها أيضًا إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من ﴿الْحَكِيمُ﴾ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحكم والحكمة. * الطلبة: (...). * الشيخ: نعم إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١٠، ١١]. * أولًا: تفيد هذه الآية العظيمة الدلالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وهي من قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها بمجرد وصولها إلى الأرض صارت حية، ولهذا في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ [طه ٢٠]، (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووصوله على وجه الفورية. ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن فإنه يكون. * وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تعالى في آيات الرسل وأنها تناسب العصر؛ لقوله: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأن هذا أشبه ما يكون، لما تطور تطورًا بالغًا عندهم في ذلك الوقت وهو السحر، فإن أحدًا لو أنه أخذ عصا أمامه ووضعها في الأرض ثم رأيتها حية ماذا تقول؟ تقول: هذا سحر، ولذلك أوتي موسى علية الصلاة والسلام من الآيات ما يقضي على سحرهم. * وفيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف، ولا يؤدي هذا قصورا ولا تقتيرًا. * طالب: (...). * الشيخ: منين (...) على الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا فيه ثلاثة وجوه: (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ )؛ لأنه لو أُخذ الكلام على ظاهره لقال: وألق عصاك لما أمر بهذا اهتزت وهي في يده وليس الأمر كذلك. * وفيه أيضًا دليل على أن هذه العصا لم تكن مجرد حيوان يتحرك، ولكنها أبلغ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، ومعلوم أن الجان بنفسه مروع، الحية بنفسها مروعة، فإذا كانت من عظيم الحيَّات صارت أشر وأبلغ. * وفيه دليل على جواز الخوف، أو على جواز أن يعتري الأنبياء الخوف ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾، وأن ذلك لا يعد نقصًا فيهم؛ لأنه من مقتضى الطبيعة البشرية. وهذا الذي يكون من مقتضى الطبيعة البشرية ما أحد يلام عليه الأنبياء (...) ويعطسون ويبردون ويمرضون ويموتون أيضًا ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠]. * وفيه دليل على رحمة الله تبارك وتعالى بنبيه موسى؛ لقوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ﴾ فإن هذا من رحمة الله به؛ لأنه إذا قال له وقد علم أنه رب العالمين إذا قال: لا تخف لا يمكن يخاف. * وفيه دليل على جواز توجيه الأحكام الشرعية إلى الأمور الفقهية، يعني مثل لا تخف، إذا قال قائل: كنت (...) الخوف طبيعي كيف يبتعد عنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي هل يتوجه الحكم إلى مثل هذه الأمور الطبيعية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) يمكن؛ لأن الإنسان (...) الخوف أمر طبيعي (...) يأتي الإنسان غصبًا عليه، لكنه يمكنه معالجته (...). ولهذا جاء رجل للرسول عليه الصلاة والسلام قال: أوصني، قال: «لا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة.]] الغضب من طبيعة الإنسان، لكن معنى «لا تَغْضَبْ» معناه أنك تحاول أن تقلل من غضبك وأن تكون دائمًا هادئًا، ثم إن غضبتَ فلا تنفذ مقتضى هذا الغضب، فهمتم الآن؟ فإذن الأمور الطبيعية البشرية التي هي مقتضى الطبيعة البشرية يجوز أن يوجه الحكم إليها أمرًا أو نهيًا، ويكون ذلك من باب المدافعة أو من باب تقليل الآثار من باب مدافعتها قبل وجودها أو من باب تقليل آثارها، فلا يكون للإنسان أمرًا بما لا يستطيع إلا بعدم الغضب، وهو لا بد أن يغضب، أمر بعدم الخوف وهو لا بد أن يخاف من مظنة الخوف. * طالب: (...). * الشيخ: هو لما توجه تلقاء مدين أيش قال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) النبوة فوق معرفة (...). * وفيه أيضًا دليل على أن من كان مع الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينبغي أن يخاف ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، (﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ). ولذلك كلما ذكر الإنسان ربه زال عنه الخوف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥] ففي ذكر الله سبحانه وتعالى زوال الخوف والقوة والرغبة في تنفيذ ما أمر الله تعالى به، ولهذا أمر الله به في الجهاد. * وفيه دليل على أن من ظلم ثم أفاء بعمل صالح، فإن الله تعالى يمحو العمل السيئ بالعمل الصالح؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيم﴾. وقد مر علينا بالأمس مناسبة هذه الجملة ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مناسبة ذكرها في هذا المقام ما هو؟ * طالب: لما موسى عليه السلام لما قال له سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ذكر خطيئته (...) فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ حتى يطمئن موسى عليه السلام ليرى أن الله قد غفر له. * الشيخ: وفيه أيضًا إثبات المغفرة والرحمة لله؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * وفيه أيضًا أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته، أخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات منين نأخذه؟ فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أغفر له، وهذا حكم، وأخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات هذا من أحسن ما يكون من الاستدلال، ذكر أن رجلًا قرأ عند أعرابي: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم) عند أعرابي، فقال الأعرابي وهو ما يقرأ القرآن، قال: أعد الآية، أخطأت فيها. فأعادها مرة ثانية وقال: (فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم). قال له: أعد الآية. فأعادها في الثالثة على الصواب، قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] قال: الآن؛ فإنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، قال: صحيح[[ينظر البحر المحيط (٤ / ٢٥٥)، والكشكول (٢ / ١١٢).]]. ويدل على هذا الفهم قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] إذن معناه إذا علم أن الله غفور رحيم يغفر لهم ويتركون. ولهذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة سقط عنه الحد، وهل عاد يلحق به غيره من ذوي الحدود أو لا؟ قلت: لا. إذن يستفاد من هذا أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...) وهو لا شك أن الأنبياء ما يعصمون مما لا يخل بالرسالة (...) المنافي للرسالة والشرف والمروءة ما يعصمون منه، لكنهم يعصمون من الإقرار عليه، لا بد أن يوفقوا للتوبة، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظن أنا ذكرنا (...). يقول: من يفرق بينهم وبين غيرهم من وجهين: من ناحية الذنوب والمعاصي. أولًا: أنه لا يمكن أن يصدر منهم ما يخل بالرسالة، مثل الكذب والخيانة، ولا بالشرف والمروءة، كالزنا وما أشبهه. ثانيًا: أنه إذا وقع منهم ما يمكن الوقوع بالمعاصي فإنهم لا يقرون عليه، لا بد أن يحصل لهم ما يوجب تركهم لهذا الشيء؛ لأنهم رسل قدوة (...) على المعاصي، لكانت المعاصي من شرائعهم، وأما القول بالعصمة مطلقًا فلا وجه له، ما فيه عصمة مطلقًا، بل الصواب أنه يحصل منهم ما يحصل ولكنهم لا يُقَرون عليه. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: هو اعترف بأنه ظالم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص ١٦]، اعترف بأنه ظالم واعتذر عن ذلك أيضًا بمطلق الشجاعة. * الطالب: (...) أن موسى قتل نفسًا، يعني ما ظلم نفسه، بل يدافع عن قومه، ليس بظالم، إذا كان يرى إنسان مثلًا فاضل (...) قوم يسلطوا عليه (...). * الشيخ: ما هو بصحيح، كلامه ما هو بصحيح؛ لأنه (...) في الأرض، وهذا الرجل بالذات بينه وبين الثاني عهد (...) خاصة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه مسألة (...) ولكنه خلاف الأولى، ولهذا لامه الله عليها، لكن ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]، هذا مما يدل على أن الأمر وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه غفر له ما عوقب عليه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم صحيح هو قولنا، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ الإشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إشارته بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، أصبح النداء ما هو يلزم منه القرب والبعد النداء بصوت مسمع. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) وقد يرفع صوته ولا يفهم منه شيء، (...) يقولون: إن الله ناداه من بعيد ثم قربه نجيًّا، مثلما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني الحكم بأنه (...) هذه النار، الله أعلم، ما أدري، لكن لعل هناك حكمة أن المكان هذاك بالذات بالوادي المقدس، أن الوادي هذا مبارك مقدس، فصار ابتداء الوحي من ذاك المكان؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام بعيدًا منه (...). * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ بوضوح (...). * الطالب: (...). * الشيخ: وأيش الحكم في البعاد عن (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، يمكن الإنسان يتحمل، ولهذا لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا وكلم الله تعالى موسى وهم يسمعون، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، الآن ما يتبين لي إلا أنه والله أعلم أن هذا في مكان خاص هو المقدس المبارك، وربما بعد البحث نحصل عليه. * طالب: (...). * الشيخ: إلا، من قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مبتدأ الكلام: (﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ طوق القميص) هذا التفسير للجيب أنه طوق القميص. وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد كلها تطلق على الكف فقط، ولا تشمل الذراع إلا مقيدة. والدليل على هذا أن الله تعالى لما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء ٤٣] صار خاصًّا بالكفين، ولما أراد الله تبارك وتعالى الذراع قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦] إذن اللي يعطل هذا النص باللغة العربية أن الذي أُمر أن يدخله موسى ليس اليد الذراع، بل الكف (...) في جيبه هكذا. ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ (تخرج) مجزومة مع أنها فعل مضارع، ولا دخل عليها حرف جازم، لكنها مجزومة بأي شيء؟ * الطلبة: جواب الطلب. * الشيخ: بجواب الطلب، جواب الطلب اللي هو (أدخل)، ومعروف أنه إذا سقطت الفاء وقصد الجزاء جزم، هذه القاعدة، فاء السببية إذا جاءت بعد الطلب جزم الفعل بها، أو بـ(أن) المضمرة، فإذا سقطت الفاء بعد الطلب وقصد الجزاء جزم. * الطلبة: جزم. * الشيخ: جزم، هذه قاعدة معروفة في النحو. (﴿تَخْرُجْ﴾ -يعني اليد- خلاف لونها من الأدمة ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ) منين أخذ المؤلف أن لونها الأدمة؟ * الطلبة: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لأنها لو كانت بيضاء من قبل ما قال تخرج بيضاء، فلا بد أنها تغيرت من اللون الأول إلى اللون الثاني. وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل (تخرج) يعني حال كونها بيضاء. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذا تقييد؛ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لأن البيضاء قد يكون بياضها سوءًا، مثل البرص فإنه سوء؛ لأنه عَيب يسوء صاحبه، لكنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إذن بياض ليس كبياض البرص. ولهذا يقول المؤلف: (﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص لها شعاع يغشى البصر آية). أما قوله: (لها شعاع) فهذا يحتاج إلى دليل، فالله تبارك وتعالى ما ذكر إلا أنها لون، وكفى بذلك آية أن تدخل اليد على لون ثم تخرج بلون آخر، وأما زيادة الشعاع فإن الله تعالى لم يذكره، وليس لنا أن نتجاوز في هذه الأمور ما دل عليه القرآن؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرية لا مجال للرأي فيها، المسائل الخبرية ما للرأي فيها مجال، يقتصر فيها على أي شيء؟ على ما جاء به الخبر، فنقول: هي بيضاء وكفى بها آية. قال المؤلف: (آية ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ ) (في) للظرفية، فتكون الآية هذه وكذلك آية العصا تكون من جملة التسع وليست زائدة على التسع. (﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ) عرف موسى آيتين منها، من هذه التسع، وهي؟ * الطلبة: العصا.. * الشيخ: العصا واليد لكن بقي؟ * طلبة: سبع. * الشيخ: سبع آيات، فما هي الآيات (...). * طلبة: (...). * الشيخ: نقول: في تسع آيات آيتان معروفتان الآن، بقية التسع ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] هذا كم مع اثنتين؟ سبع ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] فكم الجميع؟ * طالب: تسع. * الشيخ: تسع آيات، هذه الآيات التسع. ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ ويش هو الطوفان؟ * طالب: الفيضان. * الشيخ: الفيضان، فيضان الماء، (الجراد) معروف، (القمل). * طالب: النمل. * الشيخ: الدودة لا الدودة هي التي تكون في الحبوب، هذه القمل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (الضفادع) معروفة، و(الدم)؟ * طلبة: (...). * الشيخ: معروف، عاد نشوف الآن، الدم بعض العلماء يقول: إن الدم هذا الماء إذا شربوه فإذا هو دم، وإذا سلمه القبطي إلى الإسرائيلي هذا ماء. ولكن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ذهب أيضًا هذا المذهب، و(الطوفان) الفيضان، وهذا يفسد الزروع قبل خروجها، و(الجراد) يأكل الزروع بعد خروجها، يعني ما تجد شيئًا مزروعًا، هذا يفسده الماء، والخارج يأكله الجراد، وفي المدخر يفسده؟ * طلبة: القمل. * الشيخ: القمل، أو تفسده الضفادع كذا (...) المأكول والمشروب فقط، واضح؟ (...) إذا أكله الإنسان أو شرب يتحول إلى دم أرسل عليهم الدم أيضًا، وهو النزيف، النزيف: الرعاف، فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الأخير هو معناه السليم؛ لأن كونه من الماء ويصير دم يحصل (...) بالضفادع، الضفادع (...) يدخل جسد الواحد يكون رائحته خبيثة.. أرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف. فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو معنى الدم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار (...) ما يمكن يوجد ضفادع (...) رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...). الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير، هذه تسع آيات: ﴿بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط وهو عدم (...). وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١١] ليذكّره بما من به عليه من التوبة، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ ﴿بَدَّلَ﴾ المؤلف فسّرها بقوله: أتى حُسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدّل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؛ لأن (بدّل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدّل حسنًا، وأيش يقول؟ * طالب: بسوء. * الشيخ: بسوء، يصير الحُسن مدفوع، والسوء مأخوذ، أو لا؟ بدّلت ثوبي بثوبك، أين المأخوذ؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير،كذا ولَّا لا؟ فهنا ﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ لو أخذنا بظاهرها معناه: أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا؛ ولهذا فسّر المؤلف قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ(أتى). والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه ما صحّ أن يُعبَّر بقوله: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كان كذلك لقال: بدّل حسنًا بسوء، ما قال: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قال: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عُلم أن (بدّل) هنا بمعنى (استبدل)، و(استبدل) بمعنى (أخذ)؛ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٦١]، و(أخذ) -مثلما قال- بمعنى (أتى). والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حُسنًا بعد سوءٍ (...). إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولًا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع. ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ ﴿ظَلَمَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جواب الشرط. أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟ * طالب: أن الظلم وتبديل الظلم بالحسنى يناسب العفو من الله، أو يستحق الغفران والرحمة. * الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا أن نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين؛ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة: أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حُسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا: أن يرحمه. ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] معناه: يسقط عنه الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة: أن من بدّل حُسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه. يشمل الرسل وغير الرسل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يشمل الرسل وغير الرسل. ومن ثمَّ حَسُن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل. * * * * طالب: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل 12 - 16]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧]. * أولًا: يستفاد من هذه الآية: حُسْن خلق موسى عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لمكالمته لأهله ومراجعته إياهم فيما يَهِمّ الجميع؛ يعني: أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول، مما يدل على أنه يتراجع معهم فيما يهمهم. * وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آلُ النبي ﷺ يدخل فيه أزواجه؛ لأنهن من الأهل. وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان لأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟ والذين يقولون بعدم الدخول يردّون ذلك إلى العُرف، ويقولون: إن العُرف عند الناس أن الزوجات لسن من الأهل، وإنما الأهل القرابة. وإذا كان هكذا فإنه يُقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة. ثم إن وُجد عُرفٌ مضطرد ينافي ذلك رجعنا فيه إلى العُرف؛ لأن الصحيح أن الأقوال تُردُّ معانيها إلى أعراف الناس وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يعني هنا أهل البيت (...). * وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتدِ إليها، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا بأي شيء؟ * طالب: بالرسالة. * الشيخ: بالرسالة، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠]، فالأول مماثلة في البشرية، والثاني الاختصاص يوحى إليه بالوحي. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يُلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، هذه الوقاية دافعة ولَّا رافعة؟ * طالب: دافعة، رافعة. * الشيخ: دافعة رافعة؛ رافعة للبرد السابق، ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يُلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يُؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب، حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها. * وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿سَآتِيكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، فالعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات ٦]. والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به، وقسم لا يوثق به، وقسم محتمل. الذي لا يُوثق به لا يُقبل، والموثوق به يُقبل، والمجهول أو المحتمل يُتبين أمره، يُتوقف حتى يتبين. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿سَآتِيكُمْ﴾ هذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذه فائدة لغوية. * طالب: شيخ، خبر الثقة يذكر إذا كان أهله، يعني فلا يشغلون الناس فيكون بين أهل الثقة؟ * الشيخ: الكلام على من يوثق به. * الطالب: العامة أو الخاصة؟ * الشيخ: لا، عامة وخاصة؛ يعني: قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول يتوقفون في أمره، الكلام على الثقة الذي تثق به. لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف، والناس الذين معه ما رأوه؟ * طالب: ما يُقبل قوله. * الشيخ: ما يُقبل قوله، ولو هو ثقة؟ * الطالب: ولو هو ثقة. * الشيخ: لأن له عدلًا، إي نعم، ما يُقبل؛ ولهذا وقعت عند بعض القضاة فيما سبق؛ تراءى الناس الهلال فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، والناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا في حدِّ دينه وفي أمانته موثوقٌ به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادنُ مني، فدنا منه فمسح حاجبه، فقال له: انظر، قال: الآن ما رأيته، فإذا هي شعرة بيضاء، وهذا من ذكاء القاضي؛ لأنه قال: كيف الناس ما رأوه وهو رأى؟ هذا ما يمكن، وهو ثقة، ما هو رجل مشكوك في خبره، لكن قد يهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨]. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾. فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يُبَيَّن من المنادي، فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟ * طالب: مذكور في آية أخرى. * الشيخ: أولًا ذكره في آية أخرى، والثاني أيضًا قوله في استفتاح الكلام: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل ٩]. * وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين مر علينا قولهما بالأمس من؟ الأشاعرة والكلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنًى قائم بنفسه، وهذا القول باطل بأوجه كثيرة. * وفيه دليل على أنه ينبغي إيناس المستوحش، الإنسان المستوحش أنك قد تقول له أو تفعل معه ما يؤنسه ليطمئن، ويكون قابلًا لما يُلقى إليه؛ لأن المستوحش ما يقبل ما يلقى عليه؛ بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟ * طلبة: (...). * الشيخ: وغيره قبله ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾، فإن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها يزداد به طمأنينة بلا شك؛ ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عمّا لا يليق به؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. * وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل معه ربٌ آخر؟ لو صار معه ربٌ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمينظ، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى ربُّ العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إلهًا آخر عقلًا، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء: ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١]، وهذا أمر لم يحدث. فإثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلومة، حتى المشركون في عهد الرسول ﷺ كانوا يقرون بوحدانية الربوبية. * وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه وأن ذلك من كماله، فإنه أثنى على نفسه بقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أثنى على نفسه بنفيٍ وإثبات أو لا؟ النفي ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، والإثبات ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين وهما: النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الكمال المطلق؛ ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية. * وفيه دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، ما يخالف، بس الآن ويش وجهه؟ * الطالب: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب مالك يتصرف في ملكه كما يشاء. * طالب آخر: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، فيها أن (...) مباركة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وفي قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة وذكرناها بالأمس وهي: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان، طمأنته بلا شك؛ لأنه يقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء؛ ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى﴾. * وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبيّن اسمه؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ما قال مثلًا: أنا مكلمك، أنا أنا، أو ما أشبه ذلك، بل بيّن سبحانه وتعالى من الذي يكلمه. هل فيها حصر الألوهية في الله؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: كيف تعرفها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناها وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده؟ * الطالب: أن يكون هو المألوه. * طالب آخر: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾. * الشيخ: ومن تعريف المبتدأ والخبر أن هذا حصر لفظي. * وفيه أيضًا: إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحُكم والحكمة. ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١٠، ١١]. أولًا: في هذه الآية العظيمة الدالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وهي من قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها، وبمجرد وصولها إلى الأرض صارت حيّة؛ ولهذا في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ [طه ٢٠] (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووقوعه على وجه الفورية. * ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن، فإنه يكون. * وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تعالى في آيات الرسل وأنها تناسب العصر، في قوله: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأن هذا أشبه ما يكون بما تطور تطورًا بالغًا عندهم في ذلك الوقت وهو السحر، فإن أحدًا لو أنه أتى بعصا أمامك ووضعها في الأرض، ثم رأيتها حيّة، ماذا تقول؟ تقول: هذا سحر؛ فلذلك أوتي موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات ما يقضي على فعلهم. * وفيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف، ولا يؤثر هذا قصورًا ولا تقصيرًا. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، من أين ينوّه على الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا بلا شك فيه محذوف، ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه لو أُخذ الكلام على ظاهره، لو كان: وألق عصاك، لما أُمر بهذا اهتزت وهي في يده، وليس الأمر كذلك. * وفيه أيضًا دليل على أن هذا العصا لم تكن مجرد حيوانٍ يتحرك، ولكنها أبلغ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، ومعلومٌ أن الجان بنفسه مروّع، فالحيّة بنفسها مروّعة، فإذا كانت من عظيم الحيّات صارت أشد وأبلغ. * وفيه دليل على جواز أن يعتري الأنبياء الخوف؛ ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾، وأن ذلك لا يُعد نقصًا فيهم؛ لأنه من مقتضى الطبيعة البشرية، وهذا الذي يكون من مقتضى الطبيعة البشرية ما أحد يلام عليه، فالأنبياء يجوعون، ويعطشون، ويبردون، ويمرضون، ويموتون أيضًا؛ ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠]. * وفيه دليل على رحمة الله تبارك وتعالى بنبيه موسى؛ لقوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ﴾، فإن هذا من رحمة الله به؛ لأنه إذا قال له -وقد علم أنه رب العالمين-: ﴿لَا تَخَفْ﴾، ما يمكن أن يخاف. * وفيه دليل على جواز توجيه الأحكام الشرعية إلى الأمور الفطرية؛ يعني مثلًا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ إذا قال قائل: أنت إذا قلت للإنسان: لا تخف، الخوف طبيعي كيف يدفعه عنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي: هل يتوجه الحكم إلى مثل هذه الأمور الطبيعية؟ نقول: نعم، يمكن؛ لأن الإنسان وإن كان الخوف أمر طبيعي غير شعوري، كأن يأتي الإنسان غصبًا عليه، لكنه يمكنه معالجته بالمدافعة. ولهذا «جاء رجل للرسول عليه الصلاة والسلام قال: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة.]]، والغضب من طبيعة الإنسان، لكن معنى: «لَا تَغْضَبْ» يعني: حاول أن تقلل من غضبك، وأن تكون دائمًا هادئًا، ثم إن غضبت فلا تنفذ مقتضى هذا الغضب. فإذن الأمور الطبيعية البشرية التي هي مقتضى الطبيعة البشرية يجوز أن يوجّه الحكم إليها أمرًا أو نهيًا، ويكون ذلك من باب باب مدافعتها قبل وجودها، أو من باب تقليل آثارها. فلا يقول: إن الإنسان أُمر بما لا يستطيع؛ أُمر بعدم الغضب وهو لا بد أن يغضب، أُمر بعدم الخوف وهو لا بد أن يخاف مما هو مخوف. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هو لما توجه تلقاء مدين وأيش قال؟ * الطالب: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ [القصص ٢٢]. * الشيخ: (...) النبوة فوق معرفة الله والتعبد. * وفيه أيضًا دليل على أن من كان مع الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينبغي أن يخاف، ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾؛ ولذلك كلما ذكر الإنسان ربه زال عنه الخوف؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، ففي ذكر الله سبحانه وتعالى زوال الخوف والقوة والرغبة في تنفيذ ما أمر الله تعالى به؛ ولهذا أمر الله به في الجهاد. * وفيه دليل على أن من ظلم ثم أتى بعملٍ صالح فإن الله تعالى يمحو العمل السيئ بالعمل الصالح؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل ١١]. وقد مر علينا بالأمس مناسبة هذه الجملة: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مناسبة ذكرها في هذا المقام، ما هو؟ * طالب: أن موسى عليه السلام لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ذكر خطيئته بقتل القبطي فظن أنه ليس أهلًا للمغفرة فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ حتى (...) موسى عليه السلام يرى أنه قد غفر له. * الشيخ: * وفيه أيضًا: إثبات المغفرة والرحمة لله؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * وفيه أيضًا: أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته، من أين نأخذه؟ فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أغفر له، وهذا حكم، وأخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات هذا من أحسن ما يكون من الاستدلال. ذُكر أن رجلًا قرأ عند أعرابي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] والله غفورٌ رحيم عند عربي، فقال الأعرابي -وهو ما يقرأ القرآن- قال: أعد الآية، أخطأت فيها، فأعادها مرة ثانية وقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفورٌ رحيم، قال له: أعد الآية، فأعادها في الثالثة على الصواب قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال: الآن؛ فإنه عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وهذا صحيح. ويدل على هذا الفهم قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. إذن معناه: إذا علم أن الله غفور رحيم يُغفر لهم ويُتركون؛ ولهذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة سقط عنه الحد، وهل عاد يُلحق به غيره من ذوي الحدود أو لا؟ فيه خلاف. * إذن يستفاد من هذا: أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو لا شك أن الأنبياء ما يأثمون مما لا يخل بالرسالة من الذنوب، اللي ما يخل بالرسالة والشرف والمروءة ما يأثمون منه، لكنهم يأثمون من الإصرار عليه، لا بد أن يوفقوا للتوبة، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظن أنا ذكرناه بالتفصيل من أنه يُفرّق بينهم وبين غيرهم من وجهين في مسألة الذنوب والمعاصي: أولًا: أنه لا يمكن أن يصدر منهم ما يخل بالرسالة، مثل الكذب والخيانة، ولا بالشرف والمروءة، كالزنا وما أشبهه. ثانيًا: أنه إذا وقع منهم ما يمكن وقوعه من المعاصي فإنهم لا يُقرون عليه، لا بد أن يحصل لهم ما يوجب تركهم لهذا الشيء؛ لأنهم رسل قدوة، ولو أُقِرّوا على المعاصي لكانت المعاصي من شرائعهم. وأما القول بالعصمة مطلقًا فلا وجه له، ما في عصمة مطلقًا، بل الصواب أنه يحصل منهم ما يحصل ولكنهم لا يُقرّون عليه. * طالب: (...) من الكبائر؟ * الشيخ: إي، قتل النفس من الكبائر. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص ١٦]، اعترف بأنه ظالم واعتذر عن ذلك أيضًا في مسألة الشفاعة؛ لأنه يعتبر بأنه ظلم نفسًا. * الطالب: (...) يدافع عن قومه هو ليس بظالم، إذا يرى إنسانًا (...)؟ * الشيخ: الأمر ما هو صحيح؛ (...) وهذا الرجل بالذات (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه مسألة (...) ما هي معصية، ولكنها خلاف الأولى؛ ولهذا لامه الله عليها؛ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]، هذا مما يدل على أن الأمر وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنه غُفر له، ما أُقر عليه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح، يؤخذ منها؛ ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾: الإشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام بشارته بالرسالة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وأصبح النداء ما هو يلزم منه القرب أو البُعد، النداء بالصوت المطلق، قد يكون من بُعد، وقد يرفع صوته لموسى ولو كان من قرب، فهذا قد يكون أن الله ناداه من بعيد، ثم قرّبه نجيًّا مثلما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]؛ لأن الحكمة بأن ظهور هذه النار -الله أعلم، ما أدري- لكن لعله من الحكمة أن المكان هذا بالذات في الوادي المقدّس: أن الوادي هذا مبارك ومقدّس، فصار ابتداء الوحي من ذاك المكان، وأنه كان عليه الصلاة والسلام بعيدًا في سيره. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما هي (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، يمكن الإنسان يتحمل؛ ولهذا لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا، وكلّم الله تعالى موسى وهم يسمعون، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، فالآن ما يتبين لي إلا أنه -والله أعلم- أن هذا المكان الخاص هو المقدّس المبارك، وربما بالتأمل يحصل (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] طوق القميص، هذا تفسير للجيب أنه طوق القميص. وقوله: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد كلها تُطلق على الكف فقط، ولا تشمل الذراع إلا مقيّدة، والدليل على هذا أن الله تعالى لما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة ٦] صار خاصًّا بالكفين، ولما أراد الله تبارك وتعالى الذراع قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. إذن -حسب مقتضى اللغة العربية- أن الذي أُمر أن يدخله موسى ليس الذي هو الذراع، بل الكف يغيبها في جيبه هكذا. ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ ﴿تَخْرُجْ﴾ مجزومة، مع أنها فعل مضارع ولا دخل عليها حرف جازم، لكنها مجزومة بأي شيء؟ * طلبة: بجواب الطلب. * الشيخ: بجواب الطلب الذي هو ﴿أَدْخِلْ﴾. ومعروفٌ أنه إذا سقطت الفاء وقُصد الجزاء جُزم، هذه القاعدة، فاء السببية إذا جاءت بعد الطلب نصب الفعل بها أو بـ(أن) مضمرة، فإذا سقطت الفاء بعد الطلب وقُصد الجزاء جُزم الفعل، هذه قاعدة معروفة في النحو. ﴿تَخْرُجْ﴾ يعني: اليد (خلاف لونها من الأدمة)، ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من أين أخذ المؤلَّف أن لونها الأدمة؟ * طالب: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ لأنها لو كانت بيضاء من قبل ما قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾، فلا بد أنها تغيّرت من اللون الأول إلى اللون الثاني. وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾؛ يعني: حال كونها بيضاء. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذا تقييدٌ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لأن البيضاء قد يكون بياضها سوءًا، مثل البرص فإنه سوء؛ لأنه عيبٌ يسوء صاحبه، لكنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إذن بياض ليس كبياض البرص؛ ولهذا يقول المؤلَّف: (﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص لها شعاع يغشى البصر آية). أما قوله: (لها شعاع) فهذا يحتاج إلى دليل، فالله تبارك وتعالى ما ذكر إلا أنها بيضاء، وكفى بذلك آية؛ أن تدخل اليد على لونٍ، ثم تخرج بلون آخر، وأما زيادة الشعاع فإن الله تعالى لم يذكره، وليس لنا أن نتجاوز في هذه الأمور ما دل عليه القرآن؛ لأننا ذكرنا -فيما سبق- أن المسائل الخبرية لا مجال للرأي فيها، يُقتصر فيها على أي شيء؟ يُقتصر فيها على ما جاء به الخبر، فنقول: هي بيضاء، وكفى بها آية. قال المؤلَّف: (آية ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ ) (في) للظرفية، فتكون الآية هذه وكذلك آية العصا تكون من جملة التسع، وليست زائدة على التسع. (﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ) عرف موسى آيتين من هذه التسع وهي: العصا واليد، لكن بقي سبع آيات، فما هي الآيات؟ نقول: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ آيتان معروفتان، بقية التسع: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] هذه خمس، مع اثنتين سبع، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] فكان الجميع تسع آيات، هذه الآيات التسع. ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف ١٣٣] وأيش هو الطوفان؟ الفيضان؛ فيضان الماء. الجراد معروف، القُمَّل: الدودة التي تكون في الحبوب، هذا القُمَّل، الضفادع معروفة. والدم معروف، الدم بعض العلماء يقول: إن الدم هذا الماء إذا شربوه فإذا هو دم، وإذا سلّمه القبطي إلى الإسرائيلي عاد ماءً، ولكن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ذهب غير هذا المذهب قال: الطوفان: الفيضان، وهذا يفسد الزروع قبل خروجه، والجراد يأكل الزروع بعد خروجه؛ لأن الزروع منها شيء فهو مزروع، هذا يفسده الماء، وشيء خارج يأكله الجراد، وشيء مدّخر يفسده القُمَّل، الماء يفسده الضفادع، كذا؟ إذن الآن: المأكول والمشروب فسد، هذا المأكول والمشروب إذا أكله الإنسان أو شرب يتحول إلى دم، أُرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف. فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو المعنى السليم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار الماء ممكن (...) بده يكون رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...). الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير. هذه تسع آيات: السنين ونقص من الثمرات، السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط، وهو عدم (...)، لكل من ملك مصر كافرًا، مثل كسرى علم جنس لكل من ملك الفرس كافرًا، وكذلك قيصر لكل من ملك الروم كافرًا، إي نعم. وقوله: القوم الأصحاب، وسُمِّي الأصحاب قومًا؛ لأن بهم قوام الإنسان، فالإنسان يعتز ويقوم بقومه. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ هذا تعليل للرسالة إليه؛ يعني: إنما أرسلناك في تسع آيات إلى هؤلاء؛ لأنهم كانوا قومًا فاسقين؛ يعني: خارجين عن الطاعة، وقد مر علينا في درس التوحيد أن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسقٌ أكبر وهو الخروج عن مطلق الطاعة، وفسقٌ أصغر وهو الخروج عن الطاعة المطلقة، كذا يا جماعة؟ ونشوف يبين لنا الفرق بين التعبيرين؟ * طالب: (...). * الشيخ: عن الطاعة المطلقة، وأيش الفرق بين الطاعة المطلقة ومطلق الطاعة؟ * الطالب: الطاعة المطلقة (...). * الشيخ: يعني: شاملة لكل أفراد الطاعة؛ الطاعة المطلقة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أنه يطيع في كل أمر، إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: والواقع إذا قال: هذا الرجل قد أطاع الله؛ أي: طاعة مطلقة، فمعناه: في كل ما أُمر به؛ أي إذا فسق يصير خرج عن الطاعة المطلقة؛ لأن الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق مطلق الشيء معناه: وجود أي جزء منه، والشيء المطلق: الكامل؛ ولهذا الفاسق عند أهل السنة والجماعة هل معه الإيمان المطلق أو مطلق الإيمان؟ * طلبة: معه مطلق الإيمان. * الشيخ: معه مطلق الإيمان، مطلق الطاعة إذا قيل: هذا الرجل فاسقٌ؛ أي: خارجٌ عن مطلق الطاعة، ففسقه؟ * طالب: أصغر. * الشيخ: لا، أكبر، يعني معناه: ما يصدق في حقه ولا أقل طاعة، ما أطاع أبدًا، هذا كافر. وإذا قيل: هذا الفاسق خارجٌ عن الطاعة المطلقة، معناه أنه معه طاعة، لكن الطاعة الكاملة ما هي معه. ولذلك عندهم أيضًا حتى في الفقه يقولون: هذا ماءٌ مطلق، وهذا مطلق ماء، قالوا: ما تغيّر بالأشياء الطاهرة ليس بطهور؛ لأنه ليس بماء مطلق، وإنما هو مطلق ماء. فالفرق بين التعبيرين معروف عند الفقهاء وعند الأصوليين، وعند أهل الكلام أن الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق: الشيء المطلق معناه الكمال، ومطلق الشيء معناه الأصل. هنا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أيّ الفسقين؟ * طالب: الفسق الأكبر. * الشيخ: الفسق الأكبر؛ لأنهم خارجون عن مطلق الطاعة، ما عندهم طاعة. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل ١٣] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾ الضمير يعود إلى فرعون وقومه. وقوله: ﴿آيَاتُنَا﴾ أي: العلامات الدالة على صدق موسى ﷺ برسالته وعلى أحقية ما دعا إليه؛ لأن الآيات التي بعث الله بها موسى تدل على أمرين: على صدق موسى، وهذا تأييدٌ له، وعلى صحّة ما جاء به، فالآيات هذه تشمل الأمرين. وقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ فسّرها المؤلِّف: (أي: مضيئة واضحة)، وهنا كلمة (مبصرة) اسم فاعل، والفعل منها (أبصر)، فهل الآيات هي التي بها البصر، أو مبصرة جاعلة غيرها يُبصِر بها؟ * طالب: جاعلة غيرها يبصر بها، المعنيان يجوز. * الشيخ: أيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ أنها جاعلة غيرها يُبصر بها؛ يعني: أنها تُبصر غيرها. الآيات هذه بنفسها ظاهرة وواضحة، والذي يراها يُبصر بها؛ ولهذا نقول: ﴿مُبْصِرَةً﴾ هي تعني أنها باصرة بنفسها، وموجبة للإبصار في غيرها. لما جاءتهم هذه الآيات المبصرة كان الجواب: ﴿قَالُوا هَذَا﴾ أي: ما جاءنا، ولم يقولوا: هذه؛ أي: الآيات؛ لأجل أن يشمل كل شيء، هذا الذي جاءنا من الآيات وغير الآيات. (﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بينٌ ظاهر) فـ﴿مُبِينٌ﴾ هنا على تفسير المؤلِّف وهو واقع من (أبان) اللازم أو المتعدي؟ اللازم. ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ السحر معناه في اللغة العربية: كل شيء صار خفي السبب، ما خفي سببه ولَطُفَ يسمى سحرًا؛ ولهذا ذكر ابن كثير أقسام السحر في تفسيره، وذكر من جملة السحر: الساعات اللي تطورت إلى ما ترون الآن؛ لماذا؟ لأنها في الحقيقة خفية السبب، عندك الآن الساعات (...) بنفسها العقرب هذه، وأيش يكون؟! أو أبلغ من هذا جاءت الأخيرة هذه الإلكترونية، وأيش اللي يجعل هذا المسمار إذا غمزته تحول التاريخ إلى توقيتٍ آخر، أو أظهر لك تاريخ الشهر أو اليوم؟! لو جاءت في غير هذا الوقت كان الناس تعجبوا منها. * طالب: يعني: يكون سحرًا مستحبًّا؟ * الشيخ: لا، هذا يسمى سحر لغة، لكن شرعًا لا ليس بسحر؛ لأن السحر شرعًا هو عبارة عن عقد وعزائم ورقى تؤثر في بدن المسحور أو عقله، ربما تمرضه، ربما تهلكه، ربما تخبّله، فهذا هو السحر. هنا الآن قولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ قول فرعون وقومه، وأيش يقصدون بهذا؛ السحر الحقيقي الشرعي ولَّا السحر اللغوي؟ * طالب: الحقيقي. * الشيخ: الحقيقي الشرعي؛ لأنهم قالوا له: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف ١٣٢]، والعياذ بالله. فهم قالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا الجواب ليس صادرًا من فرعون فقط، بل جميع المكذّبين للرسل قالوا هذا؛ قال الله تعالى في سورة الذاريات: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ كل الرسل السابقين يقول أقوامهم هكذا، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات ٥٣]؟ لا، ما تواصوا به، لكن الجامع المشترك الطغيان، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه مانعة (...)؛ يعني: ربما أن بعضهم يقول: ساحر، وممكن الجميع. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، مجرد الضرر ما يدخل الكفر في الحقيقة؛ ولهذا لو أضررت الإنسان بدواء -كَسُمٍّ وشبهه- ما صار كفرًا، لكن الظاهر أنه يقترن به من الأحوال الشيطانية واعتقاد أن هذا مؤثر من دون الله سبحانه وتعالى، هذا هو الظاهر. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: إذا قال هكذا نقول: ظاهر القرآن الكفر، وما ندري شو العلة، إذا قال هكذا وأبطل هذه العِلَّة فنقول: القرآن يدل على الكفر، إن جاز. * الطالب: أليس (...) في قوله تعالى؟ * الشيخ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢] ما يخالف، تكفر بتعلم السحر. * الطالب: المراد يعني إيه؟ * الشيخ: لا، ما هو معناه: فلا تكفر بشيءٍ ثم تتعلم السحر؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يعني: بهذا التعلم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن تعلم السحر. * الطالب: لأنه ما يتعلم إلا إذا كفر. * الشيخ: لا، معناه: أن تعلم السحر نفسه كفر. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لأن هذا خلاف ظاهر اللفظ؛ معناه أنه يكون يكفر بشيء لم يذكر في القرآن، والآية ظاهرها أن الكفر يكون بالتعلم نفسه. * الطالب: صلاة الأوابين، (...)؟ * الشيخ: إي صحيح، هو الذي نتكلم به الآن مسألة قلنا: نبحث عن حديثي عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يصلي أربعًا ويزيد ما شاء الله[[أخرحه مسلم (٧١٩ / ٧٨).]]. وما رأيته صَلَّى سبحة الضحى»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨ / ٧٧).]]. * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٣ - ١٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فوائد الدرس الماضي: أولًا: في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. * فيه: آية من آيات الله سبحانه وتعالى؛ وذلك أن يده دخلت على طبيعتها، ثم خرجت بيضاء من غير سوء بلحظة؛ لأن قوله: ﴿أَدْخِلْ﴾ ﴿تَخْرُجْ﴾، فهذه ﴿تَخْرُجْ﴾ جواب لـ﴿أَدْخِلْ﴾، فالمعنى أن في مجرد الإدخال تخرج هكذا، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تخرج إلى آخره، إذا أخرجها هو، ما هي معنى بمجرد ما هي دخلت تخرج اليد بنفسها، لكن تخرج إذا أخرجها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، لا تخرج منه، إذا أخرجها وإذا هي بيضاء. * وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تبارك وتعالى في آيات الأنبياء؛ حيث تكون مناسبةً للعصر الذي بُعثوا فيه، ويؤخذ هذا من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: وهذه الآية تشبه السحر أو لا؟ لكنها حقيقة، والسحر خيال، السحر ما يمكن يقلب اليد إلى بيضاء، أو المتحرك إلى ساكن، أو الساكن إلى متحرك، ما يمكن يقلبه حقيقة، لكن هذه الآية حقيقة. * وفيه أيضًا دليل على مبدأ الاحتراز في الكلام؛ أنه ينبغي الاحتراز في الكلام عندما يوهم الشيء بأمرٍ يُحترز منه؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، فإن البيضاء قد تكون من سوء، ولكنه احترز بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، هذه ثلاث فوائد. * وفي الآية دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى تسع آيات، منها آيتان سابقتان، والباقي لاحق، فما هذه التسع؟ * طالب: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وهذه الاثنان باقي الآيات. * الشيخ: نعم. * الطالب: السنين ونقصٍ من الثمرات. * الشيخ: السنين ونقصٍ من الثمرات. * ومن فوائد الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل نبيًّا إلا بآية؛ لتقوم الحجة، من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: من أين؟ أعطنا الكلمة أو الجملة اللي في الآية تدل عليها. * الطالب: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، ما هي الحكمة بأن الله لم يرسل رسولًا إلا بآية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن ما تقوم الحجة إلا بهذا؛ إذ لو جاء رجل وقال: أنا رسول من عند الله بدون آيات، ما صدق، وإذا لم يُصدق فلا حجة على الخلق به. * الطالب: يقول: (...) يحتمل في قوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ بمعنى مع تسع آيات (...)؟ * الشيخ: ما هو صحيح هذا، الصواب أن (في) للظرفية، وأن ما ذكره وغيره ناهيك من الآيات العظيمة، الآيات العظيمة هي هذه. * وفيه دليل على طغيان فرعون وقومه، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه ما بعد. * الطالب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (...). * وفيه دليل على أنه من الفصاحة والبلاغة قرن الحكم بتعليله. * الطالب: قوله لما ذكر لموسى يذهب إلى فرعون وقومه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أنهم لم يستجيبوا. * الشيخ: لم يستجيبوا ما بعد جاء. * الطالب: (...) سيتبين بالآيات التي بعدها. * الشيخ: لا. * الطالب: كل آية خاصة؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: تعليل الإرسال بأنهم فاسقين. * الشيخ: إي نعم، تعليل الإرسال ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾، لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وقد ذكرنا أن من فوائد قرن الحكم بتعليله له فوائد، هذا خارج عن نطاق الدرس؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يمكن تامة (...). * الطالب: (...) أيضًا العموم. * الشيخ: التعميم بعموم العِلَّة، كذا؟ إذا ذُكرت العِلَّة فلها ثلاث فوائد: أولًا: بيان حكمة الله سبحانه وتعالى في تشريعه وقضائه. الثاني: التعميم بعموم العِلَّة. والثالث: أن المخاطب يطمئن إذا علم حكمة الحكم، يزداد طمأنينة. واضح؟ * الطالب: الفائدة؟ * الشيخ: الفائدة أنه من البلاغة: قرن الحكم بتعليله. * وفيه دليل على أن الفسق يُطلق على الكفر، من أين؟ * الطالب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، وقد ذكرنا أن الفسق نوعان: فسقٌ مطلقٌ، ومطلقُ فسقٍ. فالفسق المطلق هو الكفر، ومطلق الفسق هو العصيان من المؤمنين؛ يعني معهم مطلق فسق؛ إذ إن أصل الفسق هو الخروج عن الطاعة، فإن كان خروجًا كاملًا شاملًا فهو فسقٌ مطلق، وإن كان بعض خروج فهو مطلق فسق. ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن الحجة قامت على فرعون وقومه؛ حيث جاءتهم الآية مبصرة. * وفيه؛ من الفوائد في هذه الآية: أن آيات الله سبحانه وتعالى فيها الإبصار، فهل هي مبصرة بنفسها -يعني: باصرة- أو مبصرة لغيرها؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، هي مبصرة بمعنى أنها هي باصرة، وكذلك تُبصر غيرها وتدل عليه. * في هذا دليل على أن آيات الله سبحانه وتعالى بيّنة واضحة توضح الحق، ولولا ذلك ما كانت آيات. * وفيها دليلٌ على عظم طغيان فرعون وقومه؛ لقولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * وفيه أيضًا: مبالغة صاحب الباطل بدعواه؛ حيث قالوا: ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: بيّن ظاهر ما فيه إشكال، وهكذا المدّعي يأتي بالكلمات التي تشبّه على الخلق حتى يصل إلى ما يريد من الباطل. وهنا لماذا قال: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ ولم يقل: هذه، مع أنه قال: ﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾؟ * الطالب: لأجل أن يشمل كل ما جاء. * الشيخ: لأجل أن يشمل كل ما جاء حتى يشمل نوح بنفسه يكون ساحرًا، عندك سؤال؟ * الطالب: قوله (...) أنه أرسل بتسع آيات، ألا نقول: إن القرائن تقوي الشيء؛ يعني تزيد من قوة الشيء، فهذه.. * الشيخ: الدلائل يعني قصدك؟ * الطالب: نعم، أو الدلائل في هذه الآيات. * الشيخ: لا، هو هذه قلنا: في الحقيقة أن الأشياء ما تثبت إلا بدلائلها، وأنه لا بد من بيّنات على الأمر. * الطالب: قوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، قلنا قبل قليل: إن الآيات هذه منها شيءٌ حاضر وهما الثنتان، وشيءٌ لاحق. * الطالب: يعني: (...). * الشيخ: وهو ما جاءت يعني: ستجيء.

النمل 27:13

﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ إلى آخر القصة. وهذا من جملة ما يلقاه النبي ﷺ من القرآن وهي قصص الأنبياء. وفائدة ذكر هذه القصص ما ذكره الله تبارك وتعالى في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة نعتبر بها في أحكامها وفي عواقبها. ولهذا الصحيح أن ما ذكر من هذه القصص من الأحكام فإنه يجوز لنا أن نتبعه وأن نقتدي به؛ لقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام ٩٠]. كذلك نعتبر بما جرى من العواقب لمن؟ للرسل وأتباعهم، وما جرى من العواقب لمخالفيهم، ومعلوم أن عاقبة الأولين عاقبة محمودة وعاقبة الآخرين عاقبة سيئة. فمن جملة القصص التي كثر ذكرها في القرآن قصة موسى، ولا غرو أن تكثر في السور المدنية؛ لأن المدينة كان بها طائفة من اليهود؛ حتى يتبين أمرهم، ولهذا فصلت أحوالهم كثيرًا في سورة البقرة، وأما ذكر قصة موسى في السور المكية كهذه فإن فائدتها التوطئة والتمهيد للنبي ﷺ حتى يكون على بصيرة من أمرهم. وهذا التوجيه، وهو الاستعداد للمستقبل، سلكه النبي ﷺ أخذًا بتوجيه القرآن حينما قال لمعاذ بن جبل: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٣١) من حديث ابن عباس.]]. ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ وأظننا تكلمنا على موسى عليه الصلاة والسلام وأنه موسى بن عمران، وأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل. (﴿لِأَهْلِهِ﴾ زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر). يقول: (زوجته): ألا يحتمل أن يكون زوجته وأمه وأباه وما أشبه ذلك؟ * طالب: بعيد. * الشيخ: لماذا؟ لأنه خرج من مصر وحيدًا، خرج وحيدا ثم التقى بالمرأتين، ثم اتصل بأبيهما، ثم زوجه على أن يأجره ثمان حجج وانتهت الحجج، ثم سار بأهله (زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر). وبهذه المناسبة بعض الناس يظنون أن صاحب مدين هو شعيب النبي، وليس كذلك فإن بينه وبين موسى برهة من الزمن، وإنما صاحب مدين رجل من أهل مدين، هذا هو الصحيح بلا شك. قال: (﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد ﴿نَارًا﴾ ). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ليس بنبي، إي نعم. ﴿إِذْ قَالَ﴾: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ جملة (إني آنست) هذه مقول القول، ولهذا كسرت (إن). وقال: (﴿آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد). (آنس) بمعنى أبصر، وكونها من بعيد ما يدل عليه اللفظ في الحقيقة، اللهم إلا أن يقال: إن الإيناس إنه لا يدل على القرب بسبب أنه يدل على الخفاء، والخفاء في النار ما يكون إلا إذا كانت بعيدة. وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ السين للتنفيس، وقد ذكرنا فيما سبق أنها إذا دخلت على الجملة -وهي طبعًا لا تدخل إلا على المضارع- تفيد أمرين، هما؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طلبة: القرب. * الشيخ: القرب، والثاني؟ * طالب: التحقق. * الشيخ: والتحقق، القرب والتحقق، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ آتيكم ولا أتيكم؟ * طالب: آتيكم. * الشيخ: ويش الفرق بين آتيكم وأتيكم؟ آتيكم أي: أعطيكم، وأتيكم بمعنى أجيئكم، هكذا يصير ولّا خطأ؟ أو آتيكم بمعنى أجيئكم؟ * طالب: آتى بمعنى أعطى وأتى بمعنى الاثنين: أجيئكم وأعطيكم. * الشيخ: طيب زين، وأوتيكم بمعنى أعطيكم، نصرفها الآن نحن في غير الآية، أتيت مضارعه. * طالب: يأتي. * الشيخ: يأتي لا أتيت. * الطالب: آتي. * الشيخ: آتي، كذا آتيت. * الطالب: أوتي. * الشيخ: إي نعم أوتي، إذن فآتيكم بمعنى أجيئكم على كل حال، والإنسان أول ما يتبادر إلى ذهنه (...) بمعنى أجيئكم وهنا قال: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي آية أخرى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه ١٠] فهل بينهما فرق أم هما بمعنى واحد، وإن قلنا بالفرق فما الجمع؟ إذن بينهم فرق. * طالب: بينهم فرق. * الشيخ: ما الجمع؟ القصة واحدة. * طالب: إي نعم، لكن هناك (...). * الشيخ: طيب. * طالب: قوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ عندما كان في البعد. * الشيخ: في أيش؟ * الطالب: عندما كان في البعد، أما قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ عندما قرب إليها. * الشيخ: لا، هو يخاطبهم، يخاطب أهله. * الطالب: عندما اقترب من النار؟ * الشيخ: لا. * طالب: أن القصص تروى بالمعنى. * الشيخ: ما يخالف، المعنى مختلف الآن، إذا قلنا: هذه للترجي وهذه للتحقيق. * طالب: من قوي رجاؤه يقينًا قال: سآتيكم، يوم يئس قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه ١٠]. * الشيخ: أو بالعكس، كان بالأول يترجى ثم قوي، هكذا قال بعضهم، لكن يمكن أن تكون بمعنى واحد بدون اختلاف؛ لأن (لعل) تأتي للتوقع، ولّا لا؟ ذكرنا فيما سبق في النحو أن (لعل) تكون للترجي والإشفاق والتعليل والتوقع، ولو صار للتوقع صار معناها التوكيد، أما إذا قلنا: إن (لعل) للرجاء، فهو رجا أولًا ثم قوي وجزم به وقال: سآتيكم. وقوله: (﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن حال الطريق وكان قد ضلها). هذا واضح أن الخبر اللي يريد خبر من يدله على الطريق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد ضله. (﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافة للبيان وتركها) ترك الإضافة؛ يعني قراءتين: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابِ قَبَسٍ﴾ ، أو ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، أما (بشهابِ قبسٍ) فهي للبيان كما قال المؤلف، والإضافة إذا كانت للبيان فهي على تقدير (مِن)، مثلما يقال: خاتمُ حديدٍ أي: خاتم مِن حديد. فهنا (شهابِ قبسٍ) أي: شهاب من قبس كذا؛ لأنها بيانية، وإذا جعلناها (شهابٍ قبسٍ) صارت (قبس) صفة لـ(شهاب)، صفة مبينة أيضًا، فيكون الإضافة والقطع بمعنًى واحد. وفي قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ هل (أو) هذه مانعة جمع أو مانعة خلو؟ * طالب: مانعة خلو. * الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ * الطالب: مانعة الجمع معناها أنه لا بد أن يحدث أحد هذين الأمرين. * الشيخ: أنه ما يكون إلا أحد الأمرين إما هذا أو هذا، ومانعة الخلو؟ * الطالب: مانعة الخلو: أن لا يخلو الأمر من واحد منهما، وقد.. * الشيخ: أو منهما جميعًا. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: مانعة الخلو معناه أنه ما يخلو الأمر من واحد منهما، أو منهما جميعًا كذا؟ وهي تشبه قول النحويين: إن (أو) تأتي للإباحة وللتخيير، وهناك قالوا: الإباحة والتخيير إذا كانت في سياق الطلب، تقول مثلًا: تزوج هندًا أو أختها، هذه (أو) ويش هي له؟ للتخيير ما تأتي للإباحة. جالس فلانًا أو فلانًا، هذه للإباحة، كُلْ خبزًا أو رزًّا، للإباحة، اللي للإباحة ما تمنع الجمع، واللي للتخيير تمنع الجمع، وإذا كانت (أو) في خبر فإنهم يسمونها مانعة خلو أو مانعة جمع. إذن هي مانعة خلو، بمعنى أنه يمكن يأتيهم بالأمرين جميعًا، الدلالة أيش بعد؟ والشهاب القبس. وفهم من هذا الكلام ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أن الليلة كانت باردة، وما أحوج الضال للطريق في ليلة باردة، ما أحوجه إلى نار يصطلي بها وإلى أهل نار يخبرونه عن الطريق؛ لأن النار معلوم أنها ما تكون وحدها ولَّا لا؟ لا بد أن عندها أحدًا يخبر. قال: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ (أي: شعلة نار في رأس فتيلة أو عود). هذا الشهاب القبس، القبس الذي يقتبس منه، وهذه تكون كما قال المؤلف: (شعلة نار في رأس فتيلة أو عود). ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧] (لعل) هنا أيش معناها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، للتعليل، (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تصطلوا بها. (والطاء بدل من تاء الافتعال) اصطلى أصله اصتلى بالتاء على وزن افتعل، لكن أبدلت التاء أيش؟ طاء، لسبب صرفي. (﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها -صلى- تستدفئون من البرد) وما أحلى النار التي يصطلي بها الإنسان في حال البرد، ولهذا يقول المثل: (النار فاكهة الشتاء والمكذب يصطلي)، صحيح وهذا مشاهد. ذهب موسى عليه الصلاة والسلام وبقي أهله في هذا المكان، وذهب هو وحده إلى النار لعله يأتيهم بالخبر أو بالشهاب، ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ (...) فيها حذف، والتقدير: فذهب فلما جاءها، ويسمى هذا الإيجاز إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم في البلاغة إما إيجاز قصر وإما إيجاز حذف، فإذا كانت الجملة القصيرة تشتمل على معانٍ كثيرة بدون حذف يسمى إيجاز قصر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] هذه جملة مختصرة، لكنها تتضمن معاني كثيرة، يسمي علماء البيان يسمون هذا إيجاز قصر، وهو أن تكون الجملة قصيرة لكنها متضمنة لمعانٍ كثيرة. إيجاز الحذف معناه: قصر الجملة، لكن الجملة نفسها ما تتضمن معاني كثيرة إلا بتقدير أشياء محذوفة، هذا من إيجاز الحذف. وأمثلته في القرآن كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] فيها إيجاز حذف، ويش التقدير؟ فأفطر فعدة من أيام أخر. * * * قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ أي: بأن ﴿بُورِكَ﴾ أي: بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس). ﴿نُودِيَ﴾ المنادي هو الله عز وجل، الدليل أنه في آية أخرى صرح بذلك ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم ٥٢] فالمنادي هو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (﴿أَنْ﴾ أي: بأن) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مخففة من الثقيلة، حينما قدر الباء؛ لأن تقدير الباء يدل على أن ما بعدها مؤول بمصدر. وهناك قول آخر: يجعلون (أن) هنا تفسيرية مثل: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. ويقولون: إن (نودي) متضمن لمعنى القول دون حروفه، و(أن) إذا سبقت بما يتضمن معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية، ولكن من حيث المعنى واحد، إنما الاختلاف في الإعراب. ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الشارح أو المفسر: (أي: بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ )، قدّر هذا ليبين أن فاعل البركة من؟ الله، وأن (بارك) يتعدى بنفسه: بارك الله فلانًا كما يقال: بارك الله في فلان، فهو يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف الجر. * طالب: في غير اللغة العربية. * الشيخ: لا، الآن لما سيقت باللغة العربية أخذت حكم اللغة العربية. * الطالب: أن تفسيرية على أن.. * الشيخ: أنا فهمت كلامك، هذا ما يصلح؛ لأن التفسير في الحقيقة لكل الكلام، ترجمة الكلام الذي وقع من الله سبحانه وتعالى لموسى في كل الجمل هذه ما هو بس في قوله: ﴿بُورِكَ﴾ في كل جملة. يقول المؤلف رحمه الله: (بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ ). (من) إعرابها بدون تقدير المفسر اسم موصول في محل رفع نائب فاعل. وقوله: (﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس) ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ الملائكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ موسى. واحتمال ثالث: أن يكون ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ البلاد التي حول هذه النار؛ لأنها بلاد الشام مباركة، أو ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أهله، كل ذلك فيه احتمال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، حول النار. قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ فيه إشكال في الحقيقة؛ لأن (في) للظرفية والنار ظرف، فهل موسى في النار؟ المؤلف قدر لهذا، قال رحمه الله: (وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف، ويقدر بعد في مكان). يعني: من في مكان النار؛ لأنه لو كان في النار حقيقة لاحترق، ولكن يقدر مكان. فإذا قيل: ما الفائدة من قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وحذف المكان؟ قلنا: الفائدة من ذلك -والله أعلم- شيئان: الشيء الأول: القرب التام منها. والشيء الثاني: أن شعاع النار قد وصل هذا القريب منها، يعني النار كما هو واضح لها شعاع، الإنسان القريب منها يكون في نفس الشعاع، فكأنه لقرب ووصول شعاع النار إليه صار كأنه فيها نفسها، ولّا ما هو في نفس الشعلة، هذا ما يمكن، هذا -والله أعلم- الحكمة من كون الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾. * طالب: (...) في النار؟ * الشيخ: إي. * طالب: حقيقية؟ * الشيخ: حقيقة هذا هو الأصل. * طالب: (...) نار باعتقاد موسى يا شيخ. * الشيخ: لا، لكن ما لنا أن نقول إلا ما قال الله، والله تعالى على كل شيء قدير، هذه النار عاد ما وقودها؟ ما ندري، ما لنا أن نتكلم. * طالب: كثير من المفسرين يكثرون حول هذا الموضوع ويقولون: أراد أن يأخذ منها شيئًا فاتجهت إليه ثم انقلبت إلى نور وهكذا. * الشيخ: شوفوا بارك الله فيكم يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فكل علم يأتينا عن هؤلاء الأمم من غير القرآن أو صحيح السنة فليس بشيء، غاية ما هنالك أن يكون من أقوال بني إسرائيل التي لا تصدق ولا تكذب. ولهذا القصص ما يجوز أن نتعدى فيها القرآن إلا ما جاءت به السنة؛ لأن قوله: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويش معناه؟ قطع أي خبر يأتي من غير طريق الله؛ لأنه لو كان هناك أخبار صحيحة تأتي من غير الله لكان الله يعلمها، وهؤلاء المخبرون أيضًا يعلمونها، والله تعالى حصر ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، وهذا من أقوى طرق الحصر الذي هو النفي والإثبات ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. فهذه الآية تبين لنا أن كل ما يقال في هذه القصة، وكذلك في قصة سليمان وداود وغيرهم: إنها مسائل إن كان الشرع ينافيها أو مقام النبوة ينافيها فهي باطلة وكذب كما في قصة داود اللي مر علينا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخره [ص: ٢٣]. وإن كان إنه ما يكذبه موقفنا فيها أن نقول: لا نصدق ولا نكذب، أما أن نفسر بها كلام الله فهذا لا يجوز أن يفسر بها كلام الله. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معلوم للجميع أن (سبحان) اسم مصدر، وأن عامله محذوف دائمًا، وأنه ملازم للإضافة، كل هذا شيء معلوم، وأن معنى (سبحان الله) أي: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب، لكن هل هي الجملة هنا خبرية بمعنى الطلب أو خبرية على ظاهرها؟ يقول بعض المفسرين: إنها تعجيب لموسى يعني بمعنى: اعجب وسبح الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، وأن هذا الأمر الذي رأيت والكلام الذي سمعت ما هو إلا كلام رب العالمين: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨]. فعلى هذا تكون الجملة الخبرية هنا من حيث المعنى طلبية، أي: سبح الله رب العالمين عما لا يليق به، وإذا قلنا: إنها على ظاهرها صار معناه ثناء من الله عز وجل المكلم المنادي ثناء من الله على نفسه، أي المعنيين أشمل؟ * طالب: الخبري. * طلبة: الأول. * الشيخ: الأول، الطلبية؛ لأنها تتضمن إذا أمر بها موسى تتضمن أن الله أهل لها، فهذا هو الخبر، وتتضمن زيادة ثانية وهي تعجيب موسى عليه الصلاة والسلام واعتقاده بأن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل عيب. وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيش معنى الرب؟ * طلبة: المالك المتصرف. * الشيخ: المالك المتصرف، لكنها أيضًا متضمنة لمعنى أدق وهو التربية، فهو سبحانه وتعالى يربي مع كونه مدبرًا خالقًا متصرفًا. والعالمين كل من سوى الله فهو من العالمين، وسموا عالمين، قيل: لأنهم علم على خالقهم، علم ودليل عليه، فإن كل ما في الكون شاهد بوحدانية الله تبارك وتعالى وبما تقتضيه هذه الأكوان من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. * طالب: (...) معناها. * الشيخ: معناها أنه يربي عباده تربية حسية ومعنوية، فالتربية الحسية مثلا لنضرب مثلًا بالإنسان كونه في الخلقة يتطور من شيء إلى شيء عقلًا وجسمًا وفكرًا، هذه تربية، هذا الطفل الصغير لو فرضنا أن هذا الطفل الصغير أن عقله كالكبير، يمكن أن يعيش؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما يمكن يعيش؛ لأنه ما يتحمل الأشياء التي تقابله، فهذا الطفل لو فرضنا أنه في عقل الكبير، كان لو مثلًا تستحيي أمه تروح عنه ما يستقر أبداً، وكان يبدأ يدبر ويزين ويسوي كذا ويزين كذا، ما هو بلائق، كذلك بالعكس لو كان الكبير بعقل الصغير ما استطاع أن يعمل شيئًا، وهكذا أيضًا الطعام يأتي إلى الإنسان شيئًا فشيئًا، هذه من التربية الحسية، والتربية المعنوية ظاهر أن الله سبحانه وتعالى يربي عباده بالعلم النافع شيئًا فشيئًا. * * * (﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى﴾ من جملة ما نودي، ومعناه تنزيه الله من السوء) يقصد معنى التسبيح (﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) هذا تفسير الضمير. ضمير الشأن هو ضمير يتصل ويفسر بالجملة التي بعده، فعلى هذا يكون أنه هذا الشأن، و﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه تفسير لهذا الضمير. أما من حيث الإعراب فإننا نقول: (إن) حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر. والهاء ﴿إِنَّهُ﴾ اسمها، و﴿أَنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع خبر (إن). وقال بعض المفسرين: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ فرأوا أن الهاء ضمير لا ضمير شأن، ضمير حقيقي للمتكلم. ثم قال: ﴿أَنَا﴾ يعني: إن الذي يكلمك أنا. ثم بين هذا الضمير بقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لكن ما سلكه المؤلف أقرب وإن كان الثاني محتملًا، وفهمتم الفرق بين المعنيين، الثاني يقول: إن (إن) حرف توكيد (...) ويرفع الخبر، والهاء اسمها وليس ضمير شأن، و(أنا) خبره، يرون (أنا) هي الخبر، والأول يرون ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ هو الخبر، يعني أن الله قال لموسى: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ يعني: إن الذي يكلمك أنا. وكلمة: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ هل يتبين من هو؟ ما يتبين، ولهذا نهي أن يقول الإنسان إذا استأذن عند الباب وقيل له: من؟ فقال: أنا، إذن (أنا) هنا مبهمة بينت بقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * طالب: يستقيم هذا المعنى. * الشيخ: يعني يستقيم، لكن الأول أقوم ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فهذا الذي قدر المؤلف أحسن من الذي قدره بعض المفسرين مثل الزمخشري. * طالب: قلت: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (...). * الشيخ: تصير بيانًا للضمير ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ، وهي بيان لـ(أنا). ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال: الله، ابتدأ بالألوهية، والله تبارك وتعالى هو الاسم العلم على الله الذي لا يسمى به غيره، وجميع ما يأتي من أسماء الله دائمًا تجدونها تبعًا لهذا الاسم، دائمًا يصدر أسماء الله بكلمة الله؛ لأنه العَلم الذي لا يسمى به غيره، ثم تأتي الأسماء بعد ذلك تابعة له. والعزيز أيش معناه؟ * طالب: القوي الذي لا يغلب. * الشيخ: القوي الذي لا يغلب، بل هو الغالب، وقيل: إن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ * طالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة المكانة.. * الشيخ: لا. * طالب: عزة قهر وعلو (...). * الشيخ: لا، عزة الامتناع، وقالوا: إنها مشتقة من الأرض العزاز، الأرض العزاز يعني الصلبة القوية، ونحن نسميها باللغة العامية عزى، نحذف الزاي الثانية. فالعزيز معناه: هو القوي الغالب الذي لا يغلب، إذا قلنا بهذه الثلاثة أتينا بالمعاني الثلاثة.. * طالب: عزة قهر.. * الشيخ: والقدر والامتناع. وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم لنا الكلام عليه، وإنما ذكر الله له ذلك ليشعره بأن مآله للعز، وأن ما سيوحى إليه فهو حكمة؛ لأن الصادر من العزيز يكون عزيزًا، ومن الحكيم يكون حكمة. * * * ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل ١٠] عصاه، ما هي العصا التي معه؟ عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، عصا عادية، فإضافتها إلى موسى عليه الصلاة والسلام إضافة مملوك إلى مالكه، وليس مخصوصًا إلى من اختص به، أي أن هذا العصا ليس له اختصاص وأنه عصا من جوهر معين أو ما أشبه ذلك، هو عصا عادي. (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ ) هذا أيضًا من إيجاز الحذف كما مر، ودائمًا القصص يكون فيها إيجاز حذف؛ لأن المحذوف دائمًا يكون معلومًا من السياق، فيكون حذفه سهلًا وميسرًا. وقد قال ابن مالك -رحمه الله- في الألفية قاعدة من أفيد ما يكون، هو ذكرها في باب المبتدأ، وهي صالحة لكل شيء، قال: وَحَــذْفُ مَــا يُـعْـلَـمُ جَــائِــزٌ كَـــمَــا ∗∗∗ تَقُولُ: زَيْدٌ بَعْدَ: مَـنْعِـنْـدَكُـمَـا (وحذف ما يعلم جائز) هذه قاعدة. قال: (فألقاها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك). ولكن تفسير الاهتزاز بمطلق التحرك فيه نظرٌ؛ لأن الاهتزاز أبلغ من التحرك، كأن الاهتزاز فيه نوع من القوة والاضطراب. (﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حيّة خفيفة) وقيل: حية عظيمة، وقيل: الذكر من الحيات الجان، وأيًّا كان فإنها صارت هذه العصا اللي كانت بيده عصا ألقاها فصارت حية تهتز وتتحرك وتضطرب مثل الجان، يعني الحية العظيمة. * طالب: خفية. * الشيخ: لا عندك خفيفة. * طالب: (...) الجان. * الشيخ: يطلق على هذا وهذا، من الأسماء المشتركة. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه ٢٠]. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نفس الشيء القصة واحدة. * طالب: يا شيخ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل ١٠] الأقوال التي في الإيجاز؟ * الشيخ: لا، ما فيه إيجاز، الإيجاز في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ تقدير فألقاها إيجاز. * الطالب: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾. * الشيخ: إلا ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها. * الطالب: طيب تفسير فألقاها؟ * الشيخ: لا، هذه جملة محذوفة. * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: نعم، ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تفسيرها: ضع عصاك. * الطالب: فـ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ الآية.. * الشيخ: ما هي تفسير هذه، فـ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ لو أخذنا الآية بظاهرها لكانت تهتز وهي بيده قبل أن يلقيها، لكن الآية لا بد فيها من شيء محذوف، فألقاها فإذا هي تهتز. * طالب: يعني ما يكون الإيجاز عند قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾. * الشيخ: قبله، عنده يعني قبله، مثلما قدرها المؤلف. * الطالب: الإيجاز يكون هناك كلام محذوف فيكون بينه إيجاز. * الشيخ: هذا (فألقاها) محذوف. * الطالب: هو الذي محذوف. * الشيخ: إي هو المحذوف، ولا بد من تقديره؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، لو أخذنا بظاهر القرآن كان لما أمر أن يلقي عصاه اهتزت، فلا بد من تقدير شيء. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (ولى) هذه جواب (لما)، و(مدبرًا) حال. ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يعني هاربًا، ولهذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (يرجع) لماذا ولى؟ * طلبة: خوفًا. * الشيخ: خوفًا من هذا؛ لأن هذا بطبيعة البشر أن إنسانًا ألقى عصاه وصار حية تسعى لا بد أن يخاف، لا سيما وأنه عليه الصلاة والسلام ما علم أنه سيرسل وأنه رسول، إنما كلمه الله سبحانه وتعالى وإلى الآن ما صار شيء. فالحاصل أن هذه طبيعة البشر، لا بد أن يولي، وليس في هذا نقص للنبي ﷺ؛ لأن الأمور البشرية تعتري الرسل وغيرهم، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام ينسى في أعظم العبادات؛ في الصلاة، ويقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث ابن مسعود. ]] وليس في هذا أي قدح للرسل. (﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فقال الله تعالى له: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ منها). فقال الله تعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾ هذه فيها أيضًا إيجاز بالحذف، ونحن نقول باختصار: جميع القصص ولا سيما القصص الطويلة غالبًا يكون فيها إيجاز حذف، وأحيانًا تكون جملة، وأحيانًا تكون جملًا، وسيأتينا إن شاء الله في القصص التي في السورة التي تلي هذه شيء كثير من هذا. * طالب: (...) قول المؤلف (...). * الشيخ: هذا معنى الجان. قال: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ وناداه باسمه ليطمئنه؛ لأن الإنسان اللي يناديك وهو يعرفك تطمئن إليه أكثر، لم يقل: يا هذا لا تخف، أو يا مولي لا تخف، بل قال: ﴿يَا مُوسَى﴾؛ لأنه معلوم أن اللي يعرفك تطمئن إليه أكثر ولَّا لا؟ الآن لو مثلًا رأيت عدوًّا ظننته عدوًّا ثم هربت منه فقال: يا فلان، يا فلان، تطمئن ولَّا لا؟ تطمئن أكثر؛ لأنك تقول: هذا أعرفه ما ينالني بسوء. (﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ منها) والتقييد بـ(منها) الذي أوجب للمؤلف أن يأتي به هو ظاهر السياق؛ لأن الظاهر أن موسى ﷺ إنما هرب منها فقال: ﴿لا تَخَفْ﴾. (﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ من حية وغيرها) معلوم، الذي بحضرة الله عز وجل ما يمكن يخاف من شيء؛ لأنه في كنف الله تعالى وفي جواره، فلا يمكن أن يخاف وهو عند الله. وقوله: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ هذا أيضًا فيه بشارة لموسى ﷺ بأنه عند الله وأنه من المرسلين، ومعلوم أنه إذا بشر بمثل هذه البشارة سوف يزول عنه الخوف نهائيًّا، وسوف يحل مكان الخوف أمن ومكان الذعر سرور ﴿لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. * طالب: هذه العصا هي التي ضرب بها البحر؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما تغيرت؟ * الشيخ: ما تغيرت، وهي التي ألقاها أيضًا للسحرة وأكلت سحرهم. * * * (﴿لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ من حية وغيرها ﴿إِلَّا﴾ لكن ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسه ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أتاه ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: تاب ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقبل التوبة وأغفر له). سبحان الله العظيم! قد يقول قائل: ما لهذه الجملة وللكلام الذي قيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، لكن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال الله له: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ لعله تذكر أنه قد وقع منه خطيئة، ويش الخطيئة؟ * طالب: أنه قتل.. * الشيخ: أنه قتل نفسًا، وكأنه عندما يتذكر هذا قد يستبعد في نفسه أن يكون من الرسل، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ ليذكره بما من به عليه من التوبة. ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. (بدل) المؤلف فسرها بقوله: أتى حسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؟ (...) بدل حسنًا بسوء؛ لأن (بدل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدل حسنًا ويش هو به؟ بسوء، يصير الحسن مدفوعًا، والسوء مأخوذًا، أو لا؟ (بدلت ثوبي بثوبه) أين المأخوذ؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، كذا ولًّا لا؟ فهنا بدل حسنًا لو أخذنا بظاهرها معناه أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا. ولهذا فسر المؤلف قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ(أتى). والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه، أو ظاهر معناه ما صح أن يعبر بقوله: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كان كذلك لقال: بدل حسنًا بسوء، ما قال: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قال: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ علم أن ﴿بَدَّلَ﴾ هنا بمعنى استبدل، واستبدل بمعنى أخذ، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٦١] وأخذ مثلما قال بمعنى أتى. والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حسنًا بعد سوء (...) جزمًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع. ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ (ظلم) فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * الطالب: جواب الشرط. * الشيخ: جواب الشرط، أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟ * طالب: نقول (...) بالحسنى (...) لكن بالعقل (...) أو قال: الرحمة أو يستحق الغفران والرحمة. * الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا أن يرحمه. ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] يعني معناه يسقط عنهم الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة أن من بدل حسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه، يشمل الرسل وغير الرسل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يشمل الرسل وغير الرسل، نعم يشمل الرسل وغيرهم، ومن ثم حسن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء؟ * طلبة: منقطع. * الشيخ: منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل. * * * * طالب: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل ١٢ - ١٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧]. * أولًا: يستفاد من هذه الآية: حسن خلق موسى عليه الصلاة والسلام، وذلك لمسالمته لأهله ولمراجعته إياهم لما يهم الجميع، يعني أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول؛ مما يدل على أنه يتراجع معهم لما يهمهم. * وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آل النبي ﷺ يدخل فيهم أزواجه؛ لأنها من الأهل. وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان بأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟ والذين يقولون بعدم الدخول يردون ذلك إلى العرف، ويقولون: إن العرف عند الناس أن الزوجات ليسوا من الأهل وإنما الأهل القرابة. وإذا كان هكذا فإنه يقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة، ثم إن وجد عرف مضطرد لما في ذلك رجعنا فيه إلى العرف؛ لأن الصحيح من الأقوال يرد إلى أعراف الناس وعاداتهم، ترد معانيها إلى أعراف وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك، وفي هذا دليل.. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا أهل البيت (...). * وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتد إليه، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا في أي شيء؟ * طلبة: في الرسالة. * الشيخ: في الرسالة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠] فالأول: المماثلة في البشرية، والثاني: الاختصاص ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ بالوحي. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ هذه الوقاية دافعة ولّا رافعة؟ * طالب: دافعة. * طالب آخر: رافعة. * طالب آخر: دافعة رافعة. * الشيخ: دافعة رافعة، رافعة للبرد السابق ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها. وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، منين تؤخذ؟ * طالب: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. * الشيخ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ والعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات ٦]. (...) في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به وقسم لا يوثق به وقسم محتمل. الذي لا يوثق به لا يقبل، والموثوق به يقبل، والمجهول أو المحتمل يتبين عنه يتوقف حتى يتبين. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم ﴿سَآتِيكُمْ﴾ هذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذا فائدة لغوية. * طالب: خبر الثقة (...) فيكون بين أهله ثقة. * الشيخ: الكلام على من يوثق به. * الطالب: عامة يا شيخ. * الشيخ: لا، عامة وخاصة، يعني قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول، يتوقفون بأمره، الكلام على الثقة الذي تثق به، لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف وأخبر أنه رأى الهلال، والناس اللي معه ما رأوه؟ * طلبة: لا يقبل قوله يا شيخ. * الشيخ: ما يقبل قوله، ولو ذكره. * الطلبة: ما يقبل. * الشيخ: لأنه ما هو عدل، إي نعم، ما يقبل، ولهذا وقع عند بعض القضاة أنه قد رأى الناس الهلال، فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، الناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا (...) دينه وسوء أمانته موثوق به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادن مني. فدنا منه، فمسح حاجبه، فقال له: انظر. قال: الآن ما رأيته، إي نعم فإذا هي شعرة بيضاء، وهذه من ذكاء القاضي لأنه تأكيد الناس اللي معه ما رأوه وهو رأى، فما يمكن وهو ثقة، ما هو برجل سوء في خبره، لكن قد يخطئ. ثم يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨]. * يستفاد من هذه الآية أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾ فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يبين من المنادي فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: أولًا: تحقيقها فيه، والثاني أيضًا: قوله لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل ٩]. * وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين، مر علينا قولهما بالأمس من؟ * الطلبة: الأشاعرة.. * الشيخ: الأشاعرة والكُلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، وهذا القول باطل وقد مر بنا كثيرًا. * وفيه دليل على أنه ينبغي لما في المستوقف، الإنسان المستوقف نقول له: أوقف على معنى، لكي يطمئن ويكون قابلًا لما يلقى إليه؛ لأن المستوقف ما يقبل ما يلقى إليه، بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: غيره قبله، ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ لأن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها ليزداد به طمأنينة لأهله، ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. * وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهل معه رب آخر؟ لو كان معه ما صار ربًّا للعالمين، لو صار معه ربٌّ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمين، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى رب العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إله آخر عقلًا، وقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع الآلهة، امتناع فسادهما، دل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١] وهذا أمر لم (...). باب وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلوم، حتى المشركون في عهد الرسول ﷺ كانوا يقرون بوحدانيته في الربوبية. * وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه، وأن ذلك من كماله؛ فإنه أثنى على نفسه بقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أثنى على نفسه بنفي وإثبات أو لا؟ النفي؟ * طالب: سبحان. * الشيخ: سبحان الله، والإثبات؟ * الطالب: رب العالمين. * الشيخ: رب العالمين، ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين، وهما النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الثناء المطلق، ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية. * وفيه دليل -في الآية- دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى، يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه. * طالب: (...). * الشيخ: الآن (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾.. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم فيها أن (...) مباركة لقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وفي قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة، وذكرناها بالأمس، وهي؟ * طلبة: الطمأنينة. * الشيخ: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان اطمأننت بلا شك، تقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى﴾. * وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبين اسمه؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ما قال: أنا مثلًا أنا مكلمك، أنا أنا أو ما أشبه ذلك، بل بين سبحانه وتعالى من الذي يكلمه. هل فيها إثبات الألوهية لله، قصدي حصر الألوهية في الله؟ * طالب: بلى. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده. * الطالب: (...). * الشيخ: ومن تعرف (...) المبتدأ والخبر؟ هذا حصر له؟ * وفيها أيضًا إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من ﴿الْحَكِيمُ﴾ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحكم والحكمة. * الطلبة: (...). * الشيخ: نعم إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١٠، ١١]. * أولًا: تفيد هذه الآية العظيمة الدلالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وهي من قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها بمجرد وصولها إلى الأرض صارت حية، ولهذا في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ [طه ٢٠]، (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووصوله على وجه الفورية. ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن فإنه يكون. * وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تعالى في آيات الرسل وأنها تناسب العصر؛ لقوله: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأن هذا أشبه ما يكون، لما تطور تطورًا بالغًا عندهم في ذلك الوقت وهو السحر، فإن أحدًا لو أنه أخذ عصا أمامه ووضعها في الأرض ثم رأيتها حية ماذا تقول؟ تقول: هذا سحر، ولذلك أوتي موسى علية الصلاة والسلام من الآيات ما يقضي على سحرهم. * وفيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف، ولا يؤدي هذا قصورا ولا تقتيرًا. * طالب: (...). * الشيخ: منين (...) على الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا فيه ثلاثة وجوه: (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ )؛ لأنه لو أُخذ الكلام على ظاهره لقال: وألق عصاك لما أمر بهذا اهتزت وهي في يده وليس الأمر كذلك. * وفيه أيضًا دليل على أن هذه العصا لم تكن مجرد حيوان يتحرك، ولكنها أبلغ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، ومعلوم أن الجان بنفسه مروع، الحية بنفسها مروعة، فإذا كانت من عظيم الحيَّات صارت أشر وأبلغ. * وفيه دليل على جواز الخوف، أو على جواز أن يعتري الأنبياء الخوف ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾، وأن ذلك لا يعد نقصًا فيهم؛ لأنه من مقتضى الطبيعة البشرية. وهذا الذي يكون من مقتضى الطبيعة البشرية ما أحد يلام عليه الأنبياء (...) ويعطسون ويبردون ويمرضون ويموتون أيضًا ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠]. * وفيه دليل على رحمة الله تبارك وتعالى بنبيه موسى؛ لقوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ﴾ فإن هذا من رحمة الله به؛ لأنه إذا قال له وقد علم أنه رب العالمين إذا قال: لا تخف لا يمكن يخاف. * وفيه دليل على جواز توجيه الأحكام الشرعية إلى الأمور الفقهية، يعني مثل لا تخف، إذا قال قائل: كنت (...) الخوف طبيعي كيف يبتعد عنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي هل يتوجه الحكم إلى مثل هذه الأمور الطبيعية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) يمكن؛ لأن الإنسان (...) الخوف أمر طبيعي (...) يأتي الإنسان غصبًا عليه، لكنه يمكنه معالجته (...). ولهذا جاء رجل للرسول عليه الصلاة والسلام قال: أوصني، قال: «لا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة.]] الغضب من طبيعة الإنسان، لكن معنى «لا تَغْضَبْ» معناه أنك تحاول أن تقلل من غضبك وأن تكون دائمًا هادئًا، ثم إن غضبتَ فلا تنفذ مقتضى هذا الغضب، فهمتم الآن؟ فإذن الأمور الطبيعية البشرية التي هي مقتضى الطبيعة البشرية يجوز أن يوجه الحكم إليها أمرًا أو نهيًا، ويكون ذلك من باب المدافعة أو من باب تقليل الآثار من باب مدافعتها قبل وجودها أو من باب تقليل آثارها، فلا يكون للإنسان أمرًا بما لا يستطيع إلا بعدم الغضب، وهو لا بد أن يغضب، أمر بعدم الخوف وهو لا بد أن يخاف من مظنة الخوف. * طالب: (...). * الشيخ: هو لما توجه تلقاء مدين أيش قال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) النبوة فوق معرفة (...). * وفيه أيضًا دليل على أن من كان مع الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينبغي أن يخاف ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، (﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ). ولذلك كلما ذكر الإنسان ربه زال عنه الخوف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥] ففي ذكر الله سبحانه وتعالى زوال الخوف والقوة والرغبة في تنفيذ ما أمر الله تعالى به، ولهذا أمر الله به في الجهاد. * وفيه دليل على أن من ظلم ثم أفاء بعمل صالح، فإن الله تعالى يمحو العمل السيئ بالعمل الصالح؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيم﴾. وقد مر علينا بالأمس مناسبة هذه الجملة ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مناسبة ذكرها في هذا المقام ما هو؟ * طالب: لما موسى عليه السلام لما قال له سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ذكر خطيئته (...) فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ حتى يطمئن موسى عليه السلام ليرى أن الله قد غفر له. * الشيخ: وفيه أيضًا إثبات المغفرة والرحمة لله؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * وفيه أيضًا أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته، أخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات منين نأخذه؟ فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أغفر له، وهذا حكم، وأخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات هذا من أحسن ما يكون من الاستدلال، ذكر أن رجلًا قرأ عند أعرابي: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم) عند أعرابي، فقال الأعرابي وهو ما يقرأ القرآن، قال: أعد الآية، أخطأت فيها. فأعادها مرة ثانية وقال: (فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم). قال له: أعد الآية. فأعادها في الثالثة على الصواب، قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] قال: الآن؛ فإنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، قال: صحيح[[ينظر البحر المحيط (٤ / ٢٥٥)، والكشكول (٢ / ١١٢).]]. ويدل على هذا الفهم قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] إذن معناه إذا علم أن الله غفور رحيم يغفر لهم ويتركون. ولهذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة سقط عنه الحد، وهل عاد يلحق به غيره من ذوي الحدود أو لا؟ قلت: لا. إذن يستفاد من هذا أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...) وهو لا شك أن الأنبياء ما يعصمون مما لا يخل بالرسالة (...) المنافي للرسالة والشرف والمروءة ما يعصمون منه، لكنهم يعصمون من الإقرار عليه، لا بد أن يوفقوا للتوبة، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظن أنا ذكرنا (...). يقول: من يفرق بينهم وبين غيرهم من وجهين: من ناحية الذنوب والمعاصي. أولًا: أنه لا يمكن أن يصدر منهم ما يخل بالرسالة، مثل الكذب والخيانة، ولا بالشرف والمروءة، كالزنا وما أشبهه. ثانيًا: أنه إذا وقع منهم ما يمكن الوقوع بالمعاصي فإنهم لا يقرون عليه، لا بد أن يحصل لهم ما يوجب تركهم لهذا الشيء؛ لأنهم رسل قدوة (...) على المعاصي، لكانت المعاصي من شرائعهم، وأما القول بالعصمة مطلقًا فلا وجه له، ما فيه عصمة مطلقًا، بل الصواب أنه يحصل منهم ما يحصل ولكنهم لا يُقَرون عليه. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: هو اعترف بأنه ظالم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص ١٦]، اعترف بأنه ظالم واعتذر عن ذلك أيضًا بمطلق الشجاعة. * الطالب: (...) أن موسى قتل نفسًا، يعني ما ظلم نفسه، بل يدافع عن قومه، ليس بظالم، إذا كان يرى إنسان مثلًا فاضل (...) قوم يسلطوا عليه (...). * الشيخ: ما هو بصحيح، كلامه ما هو بصحيح؛ لأنه (...) في الأرض، وهذا الرجل بالذات بينه وبين الثاني عهد (...) خاصة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه مسألة (...) ولكنه خلاف الأولى، ولهذا لامه الله عليها، لكن ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]، هذا مما يدل على أن الأمر وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه غفر له ما عوقب عليه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم صحيح هو قولنا، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ الإشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إشارته بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، أصبح النداء ما هو يلزم منه القرب والبعد النداء بصوت مسمع. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) وقد يرفع صوته ولا يفهم منه شيء، (...) يقولون: إن الله ناداه من بعيد ثم قربه نجيًّا، مثلما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني الحكم بأنه (...) هذه النار، الله أعلم، ما أدري، لكن لعل هناك حكمة أن المكان هذاك بالذات بالوادي المقدس، أن الوادي هذا مبارك مقدس، فصار ابتداء الوحي من ذاك المكان؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام بعيدًا منه (...). * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ بوضوح (...). * الطالب: (...). * الشيخ: وأيش الحكم في البعاد عن (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، يمكن الإنسان يتحمل، ولهذا لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا وكلم الله تعالى موسى وهم يسمعون، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، الآن ما يتبين لي إلا أنه والله أعلم أن هذا في مكان خاص هو المقدس المبارك، وربما بعد البحث نحصل عليه. * طالب: (...). * الشيخ: إلا، من قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مبتدأ الكلام: (﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ طوق القميص) هذا التفسير للجيب أنه طوق القميص. وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد كلها تطلق على الكف فقط، ولا تشمل الذراع إلا مقيدة. والدليل على هذا أن الله تعالى لما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء ٤٣] صار خاصًّا بالكفين، ولما أراد الله تبارك وتعالى الذراع قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦] إذن اللي يعطل هذا النص باللغة العربية أن الذي أُمر أن يدخله موسى ليس اليد الذراع، بل الكف (...) في جيبه هكذا. ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ (تخرج) مجزومة مع أنها فعل مضارع، ولا دخل عليها حرف جازم، لكنها مجزومة بأي شيء؟ * الطلبة: جواب الطلب. * الشيخ: بجواب الطلب، جواب الطلب اللي هو (أدخل)، ومعروف أنه إذا سقطت الفاء وقصد الجزاء جزم، هذه القاعدة، فاء السببية إذا جاءت بعد الطلب جزم الفعل بها، أو بـ(أن) المضمرة، فإذا سقطت الفاء بعد الطلب وقصد الجزاء جزم. * الطلبة: جزم. * الشيخ: جزم، هذه قاعدة معروفة في النحو. (﴿تَخْرُجْ﴾ -يعني اليد- خلاف لونها من الأدمة ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ) منين أخذ المؤلف أن لونها الأدمة؟ * الطلبة: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لأنها لو كانت بيضاء من قبل ما قال تخرج بيضاء، فلا بد أنها تغيرت من اللون الأول إلى اللون الثاني. وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل (تخرج) يعني حال كونها بيضاء. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذا تقييد؛ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لأن البيضاء قد يكون بياضها سوءًا، مثل البرص فإنه سوء؛ لأنه عَيب يسوء صاحبه، لكنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إذن بياض ليس كبياض البرص. ولهذا يقول المؤلف: (﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص لها شعاع يغشى البصر آية). أما قوله: (لها شعاع) فهذا يحتاج إلى دليل، فالله تبارك وتعالى ما ذكر إلا أنها لون، وكفى بذلك آية أن تدخل اليد على لون ثم تخرج بلون آخر، وأما زيادة الشعاع فإن الله تعالى لم يذكره، وليس لنا أن نتجاوز في هذه الأمور ما دل عليه القرآن؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرية لا مجال للرأي فيها، المسائل الخبرية ما للرأي فيها مجال، يقتصر فيها على أي شيء؟ على ما جاء به الخبر، فنقول: هي بيضاء وكفى بها آية. قال المؤلف: (آية ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ ) (في) للظرفية، فتكون الآية هذه وكذلك آية العصا تكون من جملة التسع وليست زائدة على التسع. (﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ) عرف موسى آيتين منها، من هذه التسع، وهي؟ * الطلبة: العصا.. * الشيخ: العصا واليد لكن بقي؟ * طلبة: سبع. * الشيخ: سبع آيات، فما هي الآيات (...). * طلبة: (...). * الشيخ: نقول: في تسع آيات آيتان معروفتان الآن، بقية التسع ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] هذا كم مع اثنتين؟ سبع ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] فكم الجميع؟ * طالب: تسع. * الشيخ: تسع آيات، هذه الآيات التسع. ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ ويش هو الطوفان؟ * طالب: الفيضان. * الشيخ: الفيضان، فيضان الماء، (الجراد) معروف، (القمل). * طالب: النمل. * الشيخ: الدودة لا الدودة هي التي تكون في الحبوب، هذه القمل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (الضفادع) معروفة، و(الدم)؟ * طلبة: (...). * الشيخ: معروف، عاد نشوف الآن، الدم بعض العلماء يقول: إن الدم هذا الماء إذا شربوه فإذا هو دم، وإذا سلمه القبطي إلى الإسرائيلي هذا ماء. ولكن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ذهب أيضًا هذا المذهب، و(الطوفان) الفيضان، وهذا يفسد الزروع قبل خروجها، و(الجراد) يأكل الزروع بعد خروجها، يعني ما تجد شيئًا مزروعًا، هذا يفسده الماء، والخارج يأكله الجراد، وفي المدخر يفسده؟ * طلبة: القمل. * الشيخ: القمل، أو تفسده الضفادع كذا (...) المأكول والمشروب فقط، واضح؟ (...) إذا أكله الإنسان أو شرب يتحول إلى دم أرسل عليهم الدم أيضًا، وهو النزيف، النزيف: الرعاف، فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الأخير هو معناه السليم؛ لأن كونه من الماء ويصير دم يحصل (...) بالضفادع، الضفادع (...) يدخل جسد الواحد يكون رائحته خبيثة.. أرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف. فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو معنى الدم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار (...) ما يمكن يوجد ضفادع (...) رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...). الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير، هذه تسع آيات: ﴿بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط وهو عدم (...). وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١١] ليذكّره بما من به عليه من التوبة، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ ﴿بَدَّلَ﴾ المؤلف فسّرها بقوله: أتى حُسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدّل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؛ لأن (بدّل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدّل حسنًا، وأيش يقول؟ * طالب: بسوء. * الشيخ: بسوء، يصير الحُسن مدفوع، والسوء مأخوذ، أو لا؟ بدّلت ثوبي بثوبك، أين المأخوذ؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير،كذا ولَّا لا؟ فهنا ﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ لو أخذنا بظاهرها معناه: أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا؛ ولهذا فسّر المؤلف قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ(أتى). والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه ما صحّ أن يُعبَّر بقوله: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كان كذلك لقال: بدّل حسنًا بسوء، ما قال: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قال: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عُلم أن (بدّل) هنا بمعنى (استبدل)، و(استبدل) بمعنى (أخذ)؛ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٦١]، و(أخذ) -مثلما قال- بمعنى (أتى). والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حُسنًا بعد سوءٍ (...). إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولًا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع. ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ ﴿ظَلَمَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جواب الشرط. أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟ * طالب: أن الظلم وتبديل الظلم بالحسنى يناسب العفو من الله، أو يستحق الغفران والرحمة. * الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا أن نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين؛ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة: أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حُسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا: أن يرحمه. ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] معناه: يسقط عنه الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة: أن من بدّل حُسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه. يشمل الرسل وغير الرسل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يشمل الرسل وغير الرسل. ومن ثمَّ حَسُن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل. * * * * طالب: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل 12 - 16]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧]. * أولًا: يستفاد من هذه الآية: حُسْن خلق موسى عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لمكالمته لأهله ومراجعته إياهم فيما يَهِمّ الجميع؛ يعني: أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول، مما يدل على أنه يتراجع معهم فيما يهمهم. * وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آلُ النبي ﷺ يدخل فيه أزواجه؛ لأنهن من الأهل. وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان لأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟ والذين يقولون بعدم الدخول يردّون ذلك إلى العُرف، ويقولون: إن العُرف عند الناس أن الزوجات لسن من الأهل، وإنما الأهل القرابة. وإذا كان هكذا فإنه يُقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة. ثم إن وُجد عُرفٌ مضطرد ينافي ذلك رجعنا فيه إلى العُرف؛ لأن الصحيح أن الأقوال تُردُّ معانيها إلى أعراف الناس وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يعني هنا أهل البيت (...). * وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتدِ إليها، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا بأي شيء؟ * طالب: بالرسالة. * الشيخ: بالرسالة، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠]، فالأول مماثلة في البشرية، والثاني الاختصاص يوحى إليه بالوحي. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يُلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، هذه الوقاية دافعة ولَّا رافعة؟ * طالب: دافعة، رافعة. * الشيخ: دافعة رافعة؛ رافعة للبرد السابق، ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يُلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يُؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب، حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها. * وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿سَآتِيكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، فالعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات ٦]. والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به، وقسم لا يوثق به، وقسم محتمل. الذي لا يُوثق به لا يُقبل، والموثوق به يُقبل، والمجهول أو المحتمل يُتبين أمره، يُتوقف حتى يتبين. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿سَآتِيكُمْ﴾ هذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذه فائدة لغوية. * طالب: شيخ، خبر الثقة يذكر إذا كان أهله، يعني فلا يشغلون الناس فيكون بين أهل الثقة؟ * الشيخ: الكلام على من يوثق به. * الطالب: العامة أو الخاصة؟ * الشيخ: لا، عامة وخاصة؛ يعني: قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول يتوقفون في أمره، الكلام على الثقة الذي تثق به. لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف، والناس الذين معه ما رأوه؟ * طالب: ما يُقبل قوله. * الشيخ: ما يُقبل قوله، ولو هو ثقة؟ * الطالب: ولو هو ثقة. * الشيخ: لأن له عدلًا، إي نعم، ما يُقبل؛ ولهذا وقعت عند بعض القضاة فيما سبق؛ تراءى الناس الهلال فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، والناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا في حدِّ دينه وفي أمانته موثوقٌ به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادنُ مني، فدنا منه فمسح حاجبه، فقال له: انظر، قال: الآن ما رأيته، فإذا هي شعرة بيضاء، وهذا من ذكاء القاضي؛ لأنه قال: كيف الناس ما رأوه وهو رأى؟ هذا ما يمكن، وهو ثقة، ما هو رجل مشكوك في خبره، لكن قد يهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨]. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾. فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يُبَيَّن من المنادي، فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟ * طالب: مذكور في آية أخرى. * الشيخ: أولًا ذكره في آية أخرى، والثاني أيضًا قوله في استفتاح الكلام: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل ٩]. * وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين مر علينا قولهما بالأمس من؟ الأشاعرة والكلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنًى قائم بنفسه، وهذا القول باطل بأوجه كثيرة. * وفيه دليل على أنه ينبغي إيناس المستوحش، الإنسان المستوحش أنك قد تقول له أو تفعل معه ما يؤنسه ليطمئن، ويكون قابلًا لما يُلقى إليه؛ لأن المستوحش ما يقبل ما يلقى عليه؛ بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟ * طلبة: (...). * الشيخ: وغيره قبله ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾، فإن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها يزداد به طمأنينة بلا شك؛ ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عمّا لا يليق به؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. * وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل معه ربٌ آخر؟ لو صار معه ربٌ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمينظ، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى ربُّ العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إلهًا آخر عقلًا، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء: ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١]، وهذا أمر لم يحدث. فإثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلومة، حتى المشركون في عهد الرسول ﷺ كانوا يقرون بوحدانية الربوبية. * وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه وأن ذلك من كماله، فإنه أثنى على نفسه بقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أثنى على نفسه بنفيٍ وإثبات أو لا؟ النفي ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، والإثبات ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين وهما: النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الكمال المطلق؛ ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية. * وفيه دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، ما يخالف، بس الآن ويش وجهه؟ * الطالب: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب مالك يتصرف في ملكه كما يشاء. * طالب آخر: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، فيها أن (...) مباركة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وفي قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة وذكرناها بالأمس وهي: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان، طمأنته بلا شك؛ لأنه يقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء؛ ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى﴾. * وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبيّن اسمه؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ما قال مثلًا: أنا مكلمك، أنا أنا، أو ما أشبه ذلك، بل بيّن سبحانه وتعالى من الذي يكلمه. هل فيها حصر الألوهية في الله؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: كيف تعرفها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناها وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده؟ * الطالب: أن يكون هو المألوه. * طالب آخر: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾. * الشيخ: ومن تعريف المبتدأ والخبر أن هذا حصر لفظي. * وفيه أيضًا: إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحُكم والحكمة. ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١٠، ١١]. أولًا: في هذه الآية العظيمة الدالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وهي من قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها، وبمجرد وصولها إلى الأرض صارت حيّة؛ ولهذا في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ [طه ٢٠] (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووقوعه على وجه الفورية. * ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن، فإنه يكون. * وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تعالى في آيات الرسل وأنها تناسب العصر، في قوله: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأن هذا أشبه ما يكون بما تطور تطورًا بالغًا عندهم في ذلك الوقت وهو السحر، فإن أحدًا لو أنه أتى بعصا أمامك ووضعها في الأرض، ثم رأيتها حيّة، ماذا تقول؟ تقول: هذا سحر؛ فلذلك أوتي موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات ما يقضي على فعلهم. * وفيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف، ولا يؤثر هذا قصورًا ولا تقصيرًا. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، من أين ينوّه على الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا بلا شك فيه محذوف، ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه لو أُخذ الكلام على ظاهره، لو كان: وألق عصاك، لما أُمر بهذا اهتزت وهي في يده، وليس الأمر كذلك. * وفيه أيضًا دليل على أن هذا العصا لم تكن مجرد حيوانٍ يتحرك، ولكنها أبلغ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، ومعلومٌ أن الجان بنفسه مروّع، فالحيّة بنفسها مروّعة، فإذا كانت من عظيم الحيّات صارت أشد وأبلغ. * وفيه دليل على جواز أن يعتري الأنبياء الخوف؛ ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾، وأن ذلك لا يُعد نقصًا فيهم؛ لأنه من مقتضى الطبيعة البشرية، وهذا الذي يكون من مقتضى الطبيعة البشرية ما أحد يلام عليه، فالأنبياء يجوعون، ويعطشون، ويبردون، ويمرضون، ويموتون أيضًا؛ ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠]. * وفيه دليل على رحمة الله تبارك وتعالى بنبيه موسى؛ لقوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ﴾، فإن هذا من رحمة الله به؛ لأنه إذا قال له -وقد علم أنه رب العالمين-: ﴿لَا تَخَفْ﴾، ما يمكن أن يخاف. * وفيه دليل على جواز توجيه الأحكام الشرعية إلى الأمور الفطرية؛ يعني مثلًا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ إذا قال قائل: أنت إذا قلت للإنسان: لا تخف، الخوف طبيعي كيف يدفعه عنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي: هل يتوجه الحكم إلى مثل هذه الأمور الطبيعية؟ نقول: نعم، يمكن؛ لأن الإنسان وإن كان الخوف أمر طبيعي غير شعوري، كأن يأتي الإنسان غصبًا عليه، لكنه يمكنه معالجته بالمدافعة. ولهذا «جاء رجل للرسول عليه الصلاة والسلام قال: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة.]]، والغضب من طبيعة الإنسان، لكن معنى: «لَا تَغْضَبْ» يعني: حاول أن تقلل من غضبك، وأن تكون دائمًا هادئًا، ثم إن غضبت فلا تنفذ مقتضى هذا الغضب. فإذن الأمور الطبيعية البشرية التي هي مقتضى الطبيعة البشرية يجوز أن يوجّه الحكم إليها أمرًا أو نهيًا، ويكون ذلك من باب باب مدافعتها قبل وجودها، أو من باب تقليل آثارها. فلا يقول: إن الإنسان أُمر بما لا يستطيع؛ أُمر بعدم الغضب وهو لا بد أن يغضب، أُمر بعدم الخوف وهو لا بد أن يخاف مما هو مخوف. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هو لما توجه تلقاء مدين وأيش قال؟ * الطالب: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ [القصص ٢٢]. * الشيخ: (...) النبوة فوق معرفة الله والتعبد. * وفيه أيضًا دليل على أن من كان مع الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينبغي أن يخاف، ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾؛ ولذلك كلما ذكر الإنسان ربه زال عنه الخوف؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، ففي ذكر الله سبحانه وتعالى زوال الخوف والقوة والرغبة في تنفيذ ما أمر الله تعالى به؛ ولهذا أمر الله به في الجهاد. * وفيه دليل على أن من ظلم ثم أتى بعملٍ صالح فإن الله تعالى يمحو العمل السيئ بالعمل الصالح؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل ١١]. وقد مر علينا بالأمس مناسبة هذه الجملة: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مناسبة ذكرها في هذا المقام، ما هو؟ * طالب: أن موسى عليه السلام لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ذكر خطيئته بقتل القبطي فظن أنه ليس أهلًا للمغفرة فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ حتى (...) موسى عليه السلام يرى أنه قد غفر له. * الشيخ: * وفيه أيضًا: إثبات المغفرة والرحمة لله؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * وفيه أيضًا: أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته، من أين نأخذه؟ فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أغفر له، وهذا حكم، وأخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات هذا من أحسن ما يكون من الاستدلال. ذُكر أن رجلًا قرأ عند أعرابي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] والله غفورٌ رحيم عند عربي، فقال الأعرابي -وهو ما يقرأ القرآن- قال: أعد الآية، أخطأت فيها، فأعادها مرة ثانية وقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفورٌ رحيم، قال له: أعد الآية، فأعادها في الثالثة على الصواب قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال: الآن؛ فإنه عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وهذا صحيح. ويدل على هذا الفهم قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. إذن معناه: إذا علم أن الله غفور رحيم يُغفر لهم ويُتركون؛ ولهذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة سقط عنه الحد، وهل عاد يُلحق به غيره من ذوي الحدود أو لا؟ فيه خلاف. * إذن يستفاد من هذا: أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو لا شك أن الأنبياء ما يأثمون مما لا يخل بالرسالة من الذنوب، اللي ما يخل بالرسالة والشرف والمروءة ما يأثمون منه، لكنهم يأثمون من الإصرار عليه، لا بد أن يوفقوا للتوبة، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظن أنا ذكرناه بالتفصيل من أنه يُفرّق بينهم وبين غيرهم من وجهين في مسألة الذنوب والمعاصي: أولًا: أنه لا يمكن أن يصدر منهم ما يخل بالرسالة، مثل الكذب والخيانة، ولا بالشرف والمروءة، كالزنا وما أشبهه. ثانيًا: أنه إذا وقع منهم ما يمكن وقوعه من المعاصي فإنهم لا يُقرون عليه، لا بد أن يحصل لهم ما يوجب تركهم لهذا الشيء؛ لأنهم رسل قدوة، ولو أُقِرّوا على المعاصي لكانت المعاصي من شرائعهم. وأما القول بالعصمة مطلقًا فلا وجه له، ما في عصمة مطلقًا، بل الصواب أنه يحصل منهم ما يحصل ولكنهم لا يُقرّون عليه. * طالب: (...) من الكبائر؟ * الشيخ: إي، قتل النفس من الكبائر. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص ١٦]، اعترف بأنه ظالم واعتذر عن ذلك أيضًا في مسألة الشفاعة؛ لأنه يعتبر بأنه ظلم نفسًا. * الطالب: (...) يدافع عن قومه هو ليس بظالم، إذا يرى إنسانًا (...)؟ * الشيخ: الأمر ما هو صحيح؛ (...) وهذا الرجل بالذات (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه مسألة (...) ما هي معصية، ولكنها خلاف الأولى؛ ولهذا لامه الله عليها؛ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]، هذا مما يدل على أن الأمر وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنه غُفر له، ما أُقر عليه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح، يؤخذ منها؛ ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾: الإشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام بشارته بالرسالة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وأصبح النداء ما هو يلزم منه القرب أو البُعد، النداء بالصوت المطلق، قد يكون من بُعد، وقد يرفع صوته لموسى ولو كان من قرب، فهذا قد يكون أن الله ناداه من بعيد، ثم قرّبه نجيًّا مثلما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]؛ لأن الحكمة بأن ظهور هذه النار -الله أعلم، ما أدري- لكن لعله من الحكمة أن المكان هذا بالذات في الوادي المقدّس: أن الوادي هذا مبارك ومقدّس، فصار ابتداء الوحي من ذاك المكان، وأنه كان عليه الصلاة والسلام بعيدًا في سيره. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما هي (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، يمكن الإنسان يتحمل؛ ولهذا لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا، وكلّم الله تعالى موسى وهم يسمعون، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، فالآن ما يتبين لي إلا أنه -والله أعلم- أن هذا المكان الخاص هو المقدّس المبارك، وربما بالتأمل يحصل (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] طوق القميص، هذا تفسير للجيب أنه طوق القميص. وقوله: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد كلها تُطلق على الكف فقط، ولا تشمل الذراع إلا مقيّدة، والدليل على هذا أن الله تعالى لما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة ٦] صار خاصًّا بالكفين، ولما أراد الله تبارك وتعالى الذراع قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. إذن -حسب مقتضى اللغة العربية- أن الذي أُمر أن يدخله موسى ليس الذي هو الذراع، بل الكف يغيبها في جيبه هكذا. ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ ﴿تَخْرُجْ﴾ مجزومة، مع أنها فعل مضارع ولا دخل عليها حرف جازم، لكنها مجزومة بأي شيء؟ * طلبة: بجواب الطلب. * الشيخ: بجواب الطلب الذي هو ﴿أَدْخِلْ﴾. ومعروفٌ أنه إذا سقطت الفاء وقُصد الجزاء جُزم، هذه القاعدة، فاء السببية إذا جاءت بعد الطلب نصب الفعل بها أو بـ(أن) مضمرة، فإذا سقطت الفاء بعد الطلب وقُصد الجزاء جُزم الفعل، هذه قاعدة معروفة في النحو. ﴿تَخْرُجْ﴾ يعني: اليد (خلاف لونها من الأدمة)، ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من أين أخذ المؤلَّف أن لونها الأدمة؟ * طالب: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ لأنها لو كانت بيضاء من قبل ما قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾، فلا بد أنها تغيّرت من اللون الأول إلى اللون الثاني. وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾؛ يعني: حال كونها بيضاء. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذا تقييدٌ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لأن البيضاء قد يكون بياضها سوءًا، مثل البرص فإنه سوء؛ لأنه عيبٌ يسوء صاحبه، لكنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إذن بياض ليس كبياض البرص؛ ولهذا يقول المؤلَّف: (﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص لها شعاع يغشى البصر آية). أما قوله: (لها شعاع) فهذا يحتاج إلى دليل، فالله تبارك وتعالى ما ذكر إلا أنها بيضاء، وكفى بذلك آية؛ أن تدخل اليد على لونٍ، ثم تخرج بلون آخر، وأما زيادة الشعاع فإن الله تعالى لم يذكره، وليس لنا أن نتجاوز في هذه الأمور ما دل عليه القرآن؛ لأننا ذكرنا -فيما سبق- أن المسائل الخبرية لا مجال للرأي فيها، يُقتصر فيها على أي شيء؟ يُقتصر فيها على ما جاء به الخبر، فنقول: هي بيضاء، وكفى بها آية. قال المؤلَّف: (آية ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ ) (في) للظرفية، فتكون الآية هذه وكذلك آية العصا تكون من جملة التسع، وليست زائدة على التسع. (﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ) عرف موسى آيتين من هذه التسع وهي: العصا واليد، لكن بقي سبع آيات، فما هي الآيات؟ نقول: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ آيتان معروفتان، بقية التسع: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] هذه خمس، مع اثنتين سبع، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] فكان الجميع تسع آيات، هذه الآيات التسع. ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف ١٣٣] وأيش هو الطوفان؟ الفيضان؛ فيضان الماء. الجراد معروف، القُمَّل: الدودة التي تكون في الحبوب، هذا القُمَّل، الضفادع معروفة. والدم معروف، الدم بعض العلماء يقول: إن الدم هذا الماء إذا شربوه فإذا هو دم، وإذا سلّمه القبطي إلى الإسرائيلي عاد ماءً، ولكن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ذهب غير هذا المذهب قال: الطوفان: الفيضان، وهذا يفسد الزروع قبل خروجه، والجراد يأكل الزروع بعد خروجه؛ لأن الزروع منها شيء فهو مزروع، هذا يفسده الماء، وشيء خارج يأكله الجراد، وشيء مدّخر يفسده القُمَّل، الماء يفسده الضفادع، كذا؟ إذن الآن: المأكول والمشروب فسد، هذا المأكول والمشروب إذا أكله الإنسان أو شرب يتحول إلى دم، أُرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف. فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو المعنى السليم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار الماء ممكن (...) بده يكون رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...). الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير. هذه تسع آيات: السنين ونقص من الثمرات، السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط، وهو عدم (...)، لكل من ملك مصر كافرًا، مثل كسرى علم جنس لكل من ملك الفرس كافرًا، وكذلك قيصر لكل من ملك الروم كافرًا، إي نعم. وقوله: القوم الأصحاب، وسُمِّي الأصحاب قومًا؛ لأن بهم قوام الإنسان، فالإنسان يعتز ويقوم بقومه. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ هذا تعليل للرسالة إليه؛ يعني: إنما أرسلناك في تسع آيات إلى هؤلاء؛ لأنهم كانوا قومًا فاسقين؛ يعني: خارجين عن الطاعة، وقد مر علينا في درس التوحيد أن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسقٌ أكبر وهو الخروج عن مطلق الطاعة، وفسقٌ أصغر وهو الخروج عن الطاعة المطلقة، كذا يا جماعة؟ ونشوف يبين لنا الفرق بين التعبيرين؟ * طالب: (...). * الشيخ: عن الطاعة المطلقة، وأيش الفرق بين الطاعة المطلقة ومطلق الطاعة؟ * الطالب: الطاعة المطلقة (...). * الشيخ: يعني: شاملة لكل أفراد الطاعة؛ الطاعة المطلقة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أنه يطيع في كل أمر، إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: والواقع إذا قال: هذا الرجل قد أطاع الله؛ أي: طاعة مطلقة، فمعناه: في كل ما أُمر به؛ أي إذا فسق يصير خرج عن الطاعة المطلقة؛ لأن الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق مطلق الشيء معناه: وجود أي جزء منه، والشيء المطلق: الكامل؛ ولهذا الفاسق عند أهل السنة والجماعة هل معه الإيمان المطلق أو مطلق الإيمان؟ * طلبة: معه مطلق الإيمان. * الشيخ: معه مطلق الإيمان، مطلق الطاعة إذا قيل: هذا الرجل فاسقٌ؛ أي: خارجٌ عن مطلق الطاعة، ففسقه؟ * طالب: أصغر. * الشيخ: لا، أكبر، يعني معناه: ما يصدق في حقه ولا أقل طاعة، ما أطاع أبدًا، هذا كافر. وإذا قيل: هذا الفاسق خارجٌ عن الطاعة المطلقة، معناه أنه معه طاعة، لكن الطاعة الكاملة ما هي معه. ولذلك عندهم أيضًا حتى في الفقه يقولون: هذا ماءٌ مطلق، وهذا مطلق ماء، قالوا: ما تغيّر بالأشياء الطاهرة ليس بطهور؛ لأنه ليس بماء مطلق، وإنما هو مطلق ماء. فالفرق بين التعبيرين معروف عند الفقهاء وعند الأصوليين، وعند أهل الكلام أن الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق: الشيء المطلق معناه الكمال، ومطلق الشيء معناه الأصل. هنا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أيّ الفسقين؟ * طالب: الفسق الأكبر. * الشيخ: الفسق الأكبر؛ لأنهم خارجون عن مطلق الطاعة، ما عندهم طاعة. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل ١٣] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾ الضمير يعود إلى فرعون وقومه. وقوله: ﴿آيَاتُنَا﴾ أي: العلامات الدالة على صدق موسى ﷺ برسالته وعلى أحقية ما دعا إليه؛ لأن الآيات التي بعث الله بها موسى تدل على أمرين: على صدق موسى، وهذا تأييدٌ له، وعلى صحّة ما جاء به، فالآيات هذه تشمل الأمرين. وقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ فسّرها المؤلِّف: (أي: مضيئة واضحة)، وهنا كلمة (مبصرة) اسم فاعل، والفعل منها (أبصر)، فهل الآيات هي التي بها البصر، أو مبصرة جاعلة غيرها يُبصِر بها؟ * طالب: جاعلة غيرها يبصر بها، المعنيان يجوز. * الشيخ: أيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ أنها جاعلة غيرها يُبصر بها؛ يعني: أنها تُبصر غيرها. الآيات هذه بنفسها ظاهرة وواضحة، والذي يراها يُبصر بها؛ ولهذا نقول: ﴿مُبْصِرَةً﴾ هي تعني أنها باصرة بنفسها، وموجبة للإبصار في غيرها. لما جاءتهم هذه الآيات المبصرة كان الجواب: ﴿قَالُوا هَذَا﴾ أي: ما جاءنا، ولم يقولوا: هذه؛ أي: الآيات؛ لأجل أن يشمل كل شيء، هذا الذي جاءنا من الآيات وغير الآيات. (﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بينٌ ظاهر) فـ﴿مُبِينٌ﴾ هنا على تفسير المؤلِّف وهو واقع من (أبان) اللازم أو المتعدي؟ اللازم. ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ السحر معناه في اللغة العربية: كل شيء صار خفي السبب، ما خفي سببه ولَطُفَ يسمى سحرًا؛ ولهذا ذكر ابن كثير أقسام السحر في تفسيره، وذكر من جملة السحر: الساعات اللي تطورت إلى ما ترون الآن؛ لماذا؟ لأنها في الحقيقة خفية السبب، عندك الآن الساعات (...) بنفسها العقرب هذه، وأيش يكون؟! أو أبلغ من هذا جاءت الأخيرة هذه الإلكترونية، وأيش اللي يجعل هذا المسمار إذا غمزته تحول التاريخ إلى توقيتٍ آخر، أو أظهر لك تاريخ الشهر أو اليوم؟! لو جاءت في غير هذا الوقت كان الناس تعجبوا منها. * طالب: يعني: يكون سحرًا مستحبًّا؟ * الشيخ: لا، هذا يسمى سحر لغة، لكن شرعًا لا ليس بسحر؛ لأن السحر شرعًا هو عبارة عن عقد وعزائم ورقى تؤثر في بدن المسحور أو عقله، ربما تمرضه، ربما تهلكه، ربما تخبّله، فهذا هو السحر. هنا الآن قولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ قول فرعون وقومه، وأيش يقصدون بهذا؛ السحر الحقيقي الشرعي ولَّا السحر اللغوي؟ * طالب: الحقيقي. * الشيخ: الحقيقي الشرعي؛ لأنهم قالوا له: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف ١٣٢]، والعياذ بالله. فهم قالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا الجواب ليس صادرًا من فرعون فقط، بل جميع المكذّبين للرسل قالوا هذا؛ قال الله تعالى في سورة الذاريات: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ كل الرسل السابقين يقول أقوامهم هكذا، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات ٥٣]؟ لا، ما تواصوا به، لكن الجامع المشترك الطغيان، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه مانعة (...)؛ يعني: ربما أن بعضهم يقول: ساحر، وممكن الجميع. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، مجرد الضرر ما يدخل الكفر في الحقيقة؛ ولهذا لو أضررت الإنسان بدواء -كَسُمٍّ وشبهه- ما صار كفرًا، لكن الظاهر أنه يقترن به من الأحوال الشيطانية واعتقاد أن هذا مؤثر من دون الله سبحانه وتعالى، هذا هو الظاهر. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: إذا قال هكذا نقول: ظاهر القرآن الكفر، وما ندري شو العلة، إذا قال هكذا وأبطل هذه العِلَّة فنقول: القرآن يدل على الكفر، إن جاز. * الطالب: أليس (...) في قوله تعالى؟ * الشيخ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢] ما يخالف، تكفر بتعلم السحر. * الطالب: المراد يعني إيه؟ * الشيخ: لا، ما هو معناه: فلا تكفر بشيءٍ ثم تتعلم السحر؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يعني: بهذا التعلم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن تعلم السحر. * الطالب: لأنه ما يتعلم إلا إذا كفر. * الشيخ: لا، معناه: أن تعلم السحر نفسه كفر. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لأن هذا خلاف ظاهر اللفظ؛ معناه أنه يكون يكفر بشيء لم يذكر في القرآن، والآية ظاهرها أن الكفر يكون بالتعلم نفسه. * الطالب: صلاة الأوابين، (...)؟ * الشيخ: إي صحيح، هو الذي نتكلم به الآن مسألة قلنا: نبحث عن حديثي عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يصلي أربعًا ويزيد ما شاء الله[[أخرحه مسلم (٧١٩ / ٧٨).]]. وما رأيته صَلَّى سبحة الضحى»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨ / ٧٧).]]. * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٣ - ١٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فوائد الدرس الماضي: أولًا: في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. * فيه: آية من آيات الله سبحانه وتعالى؛ وذلك أن يده دخلت على طبيعتها، ثم خرجت بيضاء من غير سوء بلحظة؛ لأن قوله: ﴿أَدْخِلْ﴾ ﴿تَخْرُجْ﴾، فهذه ﴿تَخْرُجْ﴾ جواب لـ﴿أَدْخِلْ﴾، فالمعنى أن في مجرد الإدخال تخرج هكذا، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تخرج إلى آخره، إذا أخرجها هو، ما هي معنى بمجرد ما هي دخلت تخرج اليد بنفسها، لكن تخرج إذا أخرجها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، لا تخرج منه، إذا أخرجها وإذا هي بيضاء. * وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تبارك وتعالى في آيات الأنبياء؛ حيث تكون مناسبةً للعصر الذي بُعثوا فيه، ويؤخذ هذا من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: وهذه الآية تشبه السحر أو لا؟ لكنها حقيقة، والسحر خيال، السحر ما يمكن يقلب اليد إلى بيضاء، أو المتحرك إلى ساكن، أو الساكن إلى متحرك، ما يمكن يقلبه حقيقة، لكن هذه الآية حقيقة. * وفيه أيضًا دليل على مبدأ الاحتراز في الكلام؛ أنه ينبغي الاحتراز في الكلام عندما يوهم الشيء بأمرٍ يُحترز منه؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، فإن البيضاء قد تكون من سوء، ولكنه احترز بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، هذه ثلاث فوائد. * وفي الآية دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى تسع آيات، منها آيتان سابقتان، والباقي لاحق، فما هذه التسع؟ * طالب: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وهذه الاثنان باقي الآيات. * الشيخ: نعم. * الطالب: السنين ونقصٍ من الثمرات. * الشيخ: السنين ونقصٍ من الثمرات. * ومن فوائد الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل نبيًّا إلا بآية؛ لتقوم الحجة، من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: من أين؟ أعطنا الكلمة أو الجملة اللي في الآية تدل عليها. * الطالب: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، ما هي الحكمة بأن الله لم يرسل رسولًا إلا بآية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن ما تقوم الحجة إلا بهذا؛ إذ لو جاء رجل وقال: أنا رسول من عند الله بدون آيات، ما صدق، وإذا لم يُصدق فلا حجة على الخلق به. * الطالب: يقول: (...) يحتمل في قوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ بمعنى مع تسع آيات (...)؟ * الشيخ: ما هو صحيح هذا، الصواب أن (في) للظرفية، وأن ما ذكره وغيره ناهيك من الآيات العظيمة، الآيات العظيمة هي هذه. * وفيه دليل على طغيان فرعون وقومه، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه ما بعد. * الطالب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (...). * وفيه دليل على أنه من الفصاحة والبلاغة قرن الحكم بتعليله. * الطالب: قوله لما ذكر لموسى يذهب إلى فرعون وقومه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أنهم لم يستجيبوا. * الشيخ: لم يستجيبوا ما بعد جاء. * الطالب: (...) سيتبين بالآيات التي بعدها. * الشيخ: لا. * الطالب: كل آية خاصة؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: تعليل الإرسال بأنهم فاسقين. * الشيخ: إي نعم، تعليل الإرسال ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾، لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وقد ذكرنا أن من فوائد قرن الحكم بتعليله له فوائد، هذا خارج عن نطاق الدرس؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يمكن تامة (...). * الطالب: (...) أيضًا العموم. * الشيخ: التعميم بعموم العِلَّة، كذا؟ إذا ذُكرت العِلَّة فلها ثلاث فوائد: أولًا: بيان حكمة الله سبحانه وتعالى في تشريعه وقضائه. الثاني: التعميم بعموم العِلَّة. والثالث: أن المخاطب يطمئن إذا علم حكمة الحكم، يزداد طمأنينة. واضح؟ * الطالب: الفائدة؟ * الشيخ: الفائدة أنه من البلاغة: قرن الحكم بتعليله. * وفيه دليل على أن الفسق يُطلق على الكفر، من أين؟ * الطالب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، وقد ذكرنا أن الفسق نوعان: فسقٌ مطلقٌ، ومطلقُ فسقٍ. فالفسق المطلق هو الكفر، ومطلق الفسق هو العصيان من المؤمنين؛ يعني معهم مطلق فسق؛ إذ إن أصل الفسق هو الخروج عن الطاعة، فإن كان خروجًا كاملًا شاملًا فهو فسقٌ مطلق، وإن كان بعض خروج فهو مطلق فسق. ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن الحجة قامت على فرعون وقومه؛ حيث جاءتهم الآية مبصرة. * وفيه؛ من الفوائد في هذه الآية: أن آيات الله سبحانه وتعالى فيها الإبصار، فهل هي مبصرة بنفسها -يعني: باصرة- أو مبصرة لغيرها؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، هي مبصرة بمعنى أنها هي باصرة، وكذلك تُبصر غيرها وتدل عليه. * في هذا دليل على أن آيات الله سبحانه وتعالى بيّنة واضحة توضح الحق، ولولا ذلك ما كانت آيات. * وفيها دليلٌ على عظم طغيان فرعون وقومه؛ لقولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * وفيه أيضًا: مبالغة صاحب الباطل بدعواه؛ حيث قالوا: ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: بيّن ظاهر ما فيه إشكال، وهكذا المدّعي يأتي بالكلمات التي تشبّه على الخلق حتى يصل إلى ما يريد من الباطل. وهنا لماذا قال: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ ولم يقل: هذه، مع أنه قال: ﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾؟ * الطالب: لأجل أن يشمل كل ما جاء. * الشيخ: لأجل أن يشمل كل ما جاء حتى يشمل نوح بنفسه يكون ساحرًا، عندك سؤال؟ * الطالب: قوله (...) أنه أرسل بتسع آيات، ألا نقول: إن القرائن تقوي الشيء؛ يعني تزيد من قوة الشيء، فهذه.. * الشيخ: الدلائل يعني قصدك؟ * الطالب: نعم، أو الدلائل في هذه الآيات. * الشيخ: لا، هو هذه قلنا: في الحقيقة أن الأشياء ما تثبت إلا بدلائلها، وأنه لا بد من بيّنات على الأمر. * الطالب: قوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، قلنا قبل قليل: إن الآيات هذه منها شيءٌ حاضر وهما الثنتان، وشيءٌ لاحق. * الطالب: يعني: (...). * الشيخ: وهو ما جاءت يعني: ستجيء.

النمل 27:14

ثم قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿جَحَدُوا﴾ الضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾، والجحد: الإنكار، و(جحد) يتعدى بنفسه، ولكنه قد يُضمَّن معنى التكذيب فيتعدى بالباء، ﴿وَجَحَدُوا﴾ مكذّبين بها. وهنا الجحد ضُمِّن معنى التكذيب؛ ولهذا تعدى بالباء؛ ذلك لأن الجحد قد يكون تكذيبًا، وقد يكون مراعاة لمصلحة من المصالح، وأسبابه متعددة؛ لأنه قد يقول لك قائل: ماذا فعلت؟ فتجحد لمصلحة تريدها، لا تكذيبًا. ولكنه هنا تكذيب، جحدهم هذا تكذيب، وأيش الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الدليل أنه عُدِّي بالباء، والذي يُعدى بالباء هو التكذيب. ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: كذّبوا بها جحدًا، هم كذّبوا ومع ذلك ما أظهروه؛ ولهذا يقول المؤلِّف: (أي: لم يقروا بها)، معناه هو التكذيب، والمؤلِّف أتى بـ(لم يقروا) لأمرين: الأمر الأول: لأجل أن يسلم التعليق بالباء؛ لأن (أقر) تتعدى شو هو؟ بالباء. والثاني: لأجل -على رأيه- ألَّا يتضمن ذلك إخفاءها لمن طلبها؛ يعني فكأن المؤلِّف جعل الجحد نفي الإقرار، ولكننا لا نوافقه على هذا التفصيل؛ أولًا: أنه فسَّر المثبت بالمنفي ولَّا لا؟ جحد مُثبت، لم يقر منفي. الثاني: أنه بتفسيره هذا يفوّت معنى دلّت عليه الآية وهو كتمانهم لهذه الآيات لو سُئلوا عنها؛ لأن كون الإنسان ما يُقر ما هو مثلما إذا جحد وكتم عن غيره، فإبقاء الآية على ما هي عليه، ويقال: إنه عُدّي الجحد بالباء، لماذا؟ لتضمينه معنى التكذيب، ويكون دالًّا على أمرين: على إخفائها عند طلبها، وعلى التكذيب بها عند عرضها، فالآية بلا شك.. ولا حاجة أن نقول: إن الآية أبلغ مما ذكر المؤلِّف، لكننا نقول: إن تفسير المؤلِّف لها فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: تفسير الإثبات بالنفي، وهذا قصور. والثاني: أنه فوّت معنًى وهو: الجحود عند السؤال، فهو تكذيبٌ عند العرض، وجحودٌ عند الطلب. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم يكذّبون ويخفون ولكنهم متيقنون. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هم ما اعترفوا ظاهرًا، إنما الكلام بس تفسيره بهذا خطأ. قال: (﴿وَ﴾ قد ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: تيقنوا). خدوا بالكم يا جماعة، المؤِّلف قال: (﴿وَ﴾ قد ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا﴾ )، فما الذي أوجب له أن يقدّر (قد)؟ نقول: لأن الجملة حالية، والجملة الحالية إذا كانت فعلًا ماضيًا يقدّر فيها (قد) للتحقيق. والثاني قال: ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ قال: (أي: تيقنوا أنها من عند الله)، ففسّر (استيقن) بـ(تيقن)، إشارة إلى أن السين والتاء زائدتان، ولكن الأولى أن تبقى السين والتاء على بابها، ولا يُحكم بزيادتها؛ لأن الاستيقان أبلغ من التيقن، ومن المعروف عندهم أنهم يقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالاستيقان أبلغ، فهم قد استيقنوها استيقانًا كاملًا ليس عندهم فيها شك، ومع ذلك جحدوا بها، يكون هذا الجحد مع الاستيقان أبلغ؛ ولهذا قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ولم يقل: واستيقنوها، فإضافة الاستيقان إلى النفس أبلغ؛ أي: أنه يقينٌ بلغ نفوسهم حتى تمكن منها، ومع ذلك -والعياذ بالله- جحدوا بها وأنكروها. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يقول المؤلِّف: (تكبرًا عن الإيمان بما جاء به موسى)، ففسّر الكلمتين بكلمة واحدة وهي: التكبر، ولكنه أيضًا لو نظرنا إلى الآية الكريمة وجدنا أنها أبلغ مما فسّرها به. قوله: ﴿ظُلْمًا﴾ الظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أيش معنى: ﴿لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ أي: لم تنقص. فالأصل فيه أنه بمعنى النقص، وكل من نقص حق غيره فهو ظالمٌ، إذا نقص الإنسان حق نفسه فهو ظالمٌ لها، إذا نقص حق غيره فهو ظالمٌ له. هنا هؤلاء نقصوا حق موسى عليه الصلاة والسلام، فهم ظالمون، ونقصوا حق أنفسهم؛ حيث لم يقودوها إلى ما فيه صلاحها فهم أيضًا ظالمون. ثم هذا الظلم والنقص ما الحامل عليه؟ قال: ﴿عُلُوًّا﴾، وهذا معنًى غير الظلم؛ يعني: ترفّعًا عما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام، يرون أن موسى: من موسى الذي يأتي إلى فرعون، الذي يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ثم يقول: أنا رسولٌ إليك، لا بد أن تتبعني! بطبيعة البشر الفاسق أن يترفع يقول: أبدًا؛ فلهذا جحدوا ﴿ظُلْمًا﴾ لمن؟ لموسى وأنفسهم، ﴿عُلُوًّا﴾: ترفّعًا عن موسى وعما جاء به أيضًا، فهم -والعياذ بالله- اتصفوا بالوصفين. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يقول المؤلِّف: (راجع إلى الجحد). صحيح لا للاستيقان؛ لأن الاستيقان هو ظلم، إذا استيقنوا أن موسى صادق، ما هو ظلم، هذا حق، استيقانهم عدلٌ وتواضع، لكن ما استيقنوا هم؛ يعني: ما انقادوا لهذا الاستيقان. إذن فهو راجعٌ إلى الجحد؛ يعني: جحدوا بها ظلمًا وعلوًّا. لكن فائدة الإتيان بالجملة الحالية: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ فائدة الإتيان بها بين المتعلَّق والمتعلِّقين: المبادرة بالتشنيع عليهم؛ لأن كونهم يجحدون مع الاستيقان أشد وأعظم، الجاحد مع الشك قد يُعذر، لكن مع الاستيقان لا وجه له. ففائدة الاعتراض بالجملة الحالية: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ بين المتعلِّق ومتعلَّقه ويش فائدتها؟ المبادرة بالتشنيع عليهم، وبيان أنهم بلغوا في هذا الوصف غايته اللي هو الظلم والعلو. ما إعراب ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ هل هي مفعول لأجله؛ يعني: من أجل الظلم والعلو، أو هي مصدرٌ بمعنى الحال؛ أي: ظالمين عالين؟ * طلبة: الأخير أولى. * الشيخ: الأخير أولى؛ لأن الظلم والعلو إذا جعلناه مفعولًا من أجله فهو سابق على الجحد؛ إذ إنهم ظلموا وعلوا ثم جحدوا. فعلى هذا نقول: إن ظلمًا وعلوًّا إنها مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل؛ أي: جحدوا بها حال كونهم؟ * طالب: ظالمين وعالين. * الشيخ: ظالمين عالين. قال الله تبارك وتعالى: (﴿فَانظُرْ﴾ يا محمد) إلى آخره، ﴿فَانظُرْ﴾ نظر اعتبار أو نظر إبصار؟ * الطلبة: نظر اعتبار. * الشيخ: نظر اعتبار؛ لأن نظر الإبصار هنا متعذِّر، لأيش؟ لسبق زمنه لكنه نظر اعتبار. والخطاب على كلام المؤلِّف يعود إلى رسول الله ﷺ: (﴿فَانظُرْ﴾ يا محمد). وقد مرّ علينا عدة مرات: أن الخطاب بالمفرد في القرآن لا يختص بالرسول عليه الصلاة والسلام إلا ما دل عليه الدليل، ما دل عليه الدليل يكون على ما دل عليه، وإلا فهو عامٌ، ويصير التقدير: فانظر أيها المخاطَب، ما هو: بيا محمد، فانظر أيها المخاطَب؛ لأن القرآن بين أيدي كل أحد. أما ما دل عليه الدليل على أنه خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاصٌ به، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]. ويدلنا على أن الخطاب المفرد عام؛ أولًا ما ذكرناه من التعليل: أن القرآن بين أيدي الناس جميعًا. ثانيًا: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١] خاطب بالإفراد والجمع؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجهٌ للأمة ما لم يدل الدليل على اختصاصه به، مثل ما مثّلنا بمثالين، وكذلك منه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]، فإن هذا خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي حرّم، لكن مع ذلك الحكم عام. إذن ﴿فَانظُرْ﴾ وأيش نقول؟ نقول: أيها المخاطَب. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ في هذه الآية الجملة هذه أولًا: (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر ولَّا لا؟ هذا المعروف عندكم أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء ٩٦]. ثانيًا: أنه إذا كان الفاعل مؤنثًا كان الفعل مؤنثًا، فهنا ما نرى خبرًا لكان ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: هيا زين، والثاني؟ * الطالب: الثاني: أن (عاقبة) مؤنث مجازي (...). * الشيخ: زين، الجواب الثاني صحيح؛ يعني: (عاقبة) مؤنث مجازي لا حقيقي، والفرق بين المؤنث المجازي والحقيقي: ما كان له فرج فهو مؤنث حقيقي، وما لم يكن له فرج وإنما تأنيثه لفظي فهو مؤنثٌ مجازي. أما الأول وهو قوله: إنها ناقصة أو إنها تامة فليس بتام. * الطالب: كان تامة، والخبر مقدم وهو (كيف). * الشيخ: نعم، هذا الصحيح: الخبر مقدم وهو (كيف)، مقدّم وجوبًا ولَّا جوازًا؟ * الطالب: وجوبًا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، ما يمكن يأتي استفهام في وسط الكلام، لا بد أن يكون متقدمًا. فهمنا الإعراب. إذن ﴿عَاقِبَةُ﴾ أيش معنى العاقبة؟ العاقبة في الأصل: التأخر، ومنه: العقب في القدم، عقب القدم ما هو؟ العرقوب المؤخَّر، أيش معنى العاقبة؟ الأمر المتأخر؛ يعني: انظر ماذا كان من أمرهم في النهاية. وقوله: ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين صار شأنهم الإفساد، والمراد بالإفساد هنا ليس إفساد العمران، فقد يكون العمران في زمن فرعون قد بلغ غايته، لكن المراد بالإفساد الإفساد المعنوي؛ إفساد الأخلاق والعقائد. وربما يتبعه إفساد العمران كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل ١١٢]، وبهذا التقدير وهو أن الأصل في الإفساد الموجود في القرآن ما هو؟ إفساد الأخلاق والعقائد، ويتبعه فساد الأعمال، بهذا نعرف أن ما يطنطن به الناس الآن في الرفاهية والطمأنينة والأمن وما أشبه ذلك، وإذا أتوا إلى ذكر الدين يقول: العقيدة السمحة، ولا يذكر العمل، ثم كلمة (السمحة) أيضًا تدل على ضعفٍ في هذه العقيدة، (سمحة) كل شيء تسمح به، صحيح أنها هي الحنفية السمحة لا شك، لكنها لها أعمال ولها حزم؛ ولهذا التركيز على الترفيه البدني والنعيم البدني مع ذكر العقيدة وحدها في نظري أنه خطير؛ لأنه يبدأ كل واحد ينشد وأيش ينشد؟ هذين الأمرين؛ يقول: أنا عندي عقيدة سليمة، عقيدة سمحة، ليّنة، هيّنة، كل شيء تقبله، ويقول: أنا أنشد أيضًا رفاهية البدن والأمن وما أشبه ذلك، لكن استقامة الدين والسعي في إقامته بين الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، هذا أمرٌ لا يكاد يُذكر. وفي الحقيقة: أن الرفاهية إذا كانت بالبدن وحده فهي فساد، ما يدوم هذا أبدًا، على أن الرفاهية المطلقة للبدن لا بد أن تكون مصحوبة بقلقٍ في القلب؛ لأن الله تعالى إنما ضمن الحياة الطيبة لمن؟ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل ٩٧] شوف عقيدة وعمل، وبدأ بالعمل أيضًا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ حياة طيبة في الدنيا، وأجرٌ حسنٌ في الآخرة. هذا الذي يجب أن يُركّز عليه، أما الرفاهية المطلقة فإنها ضرر عظيم على الإنسان، توجب الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، وانشغال الإنسان بطلب الرفاهية الجسدية الزائلة. يقول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (...)، اللي أنتم فيه من النعيم والسرور وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل ١٧] وقبل أن نتكلم.. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، خذناه (...)، وقلنا لكم: تأكيد ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، ما هو مؤكد بكلام. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ١٤]. * يستفاد منها فوائد؛ أولًا: أنه على قوة الآيات التي جاء بها موسى لم يستفد منها هؤلاء، يؤخذ من قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾، والآيات إذا قويت ما يبقى مجال للجحد، ولكن -والعياذ بالله- أعمى الله بصائرهم فجحدوا بها. * ويستفاد من ذلك: أن جحد هؤلاء المرسل إليهم كان عن عناد لا عن شبهة؛ لقوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وهل هذا وقع لكفار قريش مع النبي عليه الصلاة والسلام؟ * طلبة: وقع (...). * الشيخ: نعم، وقع؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، ولا شك أن هذا واقع من الرؤساء والزعماء، لكن عامة الناس قد لا يكون لديهم هذا الأمر، وإنما هم إما مقلدون أما الزعماء والكبراء، فلا شك في هذا، وفي هذا دليل على سوء أحوال آل فرعون؛ لقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ﴿ظُلْمًا﴾ لمن؟ لأنفسهم ولموسى، ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعًا عن الحق. * وفيها دليل على أن الاتصاف بهذين الوصفين يجعل الإنسان من الأمة الفرعونية، وهما الظلم والعلو، وما من صفة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس سيركبون سنن من كان قبلهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦)، والحاكم في المستدرك (٨٦١٠) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]. والجحد بالحق للفاعل إمام مثل فرعون وقارون، الحسد للإنسان فيه إمام مثل اليهود، الرياء للإنسان فيه إمام كالمنافقين، وهكذا، بل إنه من المنافقين أيضًا، فما من خصلة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر. * وفي هذا دليل على ذم الترفع عن الحق؛ لقوله: ﴿وَعُلُوًّا﴾، ولا فرق بين أن يكون ذلك عن حسن نية أو لا؟ فالطريقة هذه مذمومة ولو عن حسن نية، وقولنا: عن حسن نية؛ ليدخل في ذلك بعض المقلدين الذين إذا عُرض عليهم الدليل من الكتاب والسنة قالوا: نحن نتبع فلانًا؛ لأنه أعلم منا، هذا عن حسن نية فيما يبدو، وأيش وجه حسن النية؟ لأنهم يرون أن هذا الإمام الذي اتبعوه أعلم منك، ويقول: نحن جهال ولا نعرف وليس لنا إلا أن نقلد، والرجل هذا أعلم منا، وأيش تقول؟ * طالب: (...) هذا قول الله ورسوله قال: ولكن هذا القول قول فلان هو الذي (...) عن حسن نية لا عن تعصب للرأي، فهذا الكلام فيه ذم؛ لأنه اتبعه عندما عرض عليه قول الرسول لم يقبل. * الشيخ: نعم. * ويُستفاد من هذه الآية: أنه إذا كان هذا الوصف مذمومًا وفرعونيًّا، فإن عكسه محمود، ما هو العكس؟ * طلبة: التواضع. * الشيخ: التواضع للحق وقبوله، هذا لا شك أنه ممدوح؛ لأن الله تعالى إذا أثنى بالسوء على وصف، فإن ضده يثني عليه بالحسن. * وفي الآية أيضًا دليل على أنه ينبغي للإنسان أو يجب أن يتفكر ويتأمل في عواقب من سبق؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، وهل الإنسان ينظر في عواقب المفسدين أو في عواقب المفسدين والمصلحين؟ * طالب: الاثنين. * الشيخ: طيب، إذن ما فائدة (...) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾؛ لأن المقام مقام تهديد، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المصلحين. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾؛ لأن المقام مقام تحذير، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المتقين. نعم واضح ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود ١١٦]. فالمسألة تختلف، في مقام الترهيب نحيل الإنسان على عواقب المفسدين، في مقام الترهيب. وفي مقام الترغيب نحيله على عواقب المصلحين؛ لأجل أن يحذر من أولئك ويرغب في هؤلاء. وفيها دليل على فضيلة التأمل والتفكُّر في أخبار من مضى، وأن دراسة علم التاريخ من الأشياء التي جاء بها الشرع، فإننا لا يمكن أن ننظر كيف كان عاقبتهم إلا بدراسة أخبارهم وتتبعها. نعم فعلم التاريخ إذن من الأمور المقصودة، لكن هل هو من الأمور المقصودة ذاتيًّا أو عرضيًّا؟ عرضيًّا، إلا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين فإنها من الدين؛ لأنها كلها أحكام، بخلاف النظر في التاريخ لأجل الاعتبار فقط، فلكل مقام مقال؛ لأن النظر في التاريخ للاعتبار فقط قد يعتبر الإنسان بغيره فيستغني عنه، لكن النظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فإنها أحكام فقه، هذا مقصودٌ لذاته ما يستغني الإنسان بغيرها عنها، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا كان الإنسان يتفكر في عمرانهم وقوتهم، ومع ذلك أهلكهم الله، هذا لا بأس به، وأما إذا كان يريد أن يتفكر بقوتهم من أجل مدحهم والثناء عليهم، فهذا ما يجوز، ولهذا ما أمرنا الله سبحانه أن ننظر إلى قوتهم إلا بعد أن أمرنا أن ننظر إلى عاقبتهم. وعلى هذا فالذين يذهبون إلى ديار ثمود للتفرج والتنزه هؤلاء عصاة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ». فلا يجوز أن الإنسان يذهب في رحلة مثلًا إلى ذلك المكان إلا إذا كان يدخل وهو باكٍ «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٨٩٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر.]]. الحمد لله، الإنسان في غنى عن هذا، ما هو بلازم يروح، لكن مع الأسف الآن أنها صارت آثارًا، يعني يقصد منها بيان قوة هؤلاء وإبداعهم وإحكامهم لأمورهم، ولا يلتفتون إلى ما أحل الله بهم من العقوبة والعياذ بالله. * طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالإسراع، كيف مثلًا.. * الشيخ: إي، هذه هي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ١٥]. * يستفاد من هذه الآية: بيان ما منَّ الله سبحانه وتعالى به على داود وسليمان؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. * وفيها دليل أيضًا على ثناء الله تعالى على نفسه؛ لأن كونه يتمدح سبحانه وتعالى بإيتاء داود وسليمان علمًا هذا من الثناء، وهل هذا محمودٌ بالنسبة للخلق أن يتمدح الإنسان بفضله ولّا لا؟ ليس هذا محمودًا إلا إذا كان في ذلك مصلحةٌ للغير، ما هو لك أنت، أما الله تعالى فيتمدّح بنفسه للثناء على نفسه، لكن أنت ما تفعل هذا، أما إذا كان فيه مصلحة للغير، كإنسان مثلًا يأثر عن نفسه شيئًا لأجل أن يُقتدَى به في الخير، فهذا لا بأس به، أو لأجل أن ينتفع الناس بما عنده، فهذا أيضًا لا بأس به. ابن مسعود رضي الله عنه قال:« لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلم مني بكتاب الله لطلبت إليه» أو كما قال[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود، بلفظ: ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه.]]. والعلماء ما زالوا يمدحون كتبهم، ابن مالك يقول: تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ ∗∗∗ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ؎وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُــخْـــطِ ∗∗∗ فَائِقَـــــــةً أَلْفِيَّــــــةَ ابْــــنِمُــــعْـــطِ * طالب: لو ما قال: فائقة (...). * الشيخ: المهم على كل حال أن مثل هذا ما هو لمصلحة الإنسان، هذا لمصلحة غيره؛ لأجل أن ينتفعوا من هذا المؤلَّف مثلًا. * طالب: أحيانًا يزيد يا شيخ أو يبالغ. * الشيخ: على كل حال.. ما فيه إسراف؛ شيء (...) مع أنه في الحقيقة الإنسان قد يُتهم، مهما كانت نيته قد يُتَّهم، لكن ما على الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربه ما يهمه الناس. المهم في هذه الآية دليل على تمدّح الله سبحانه وتعالى بما تفضّل به على عباده؛ بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. الثالث: فضيلة داود وسليمان وأنهما أهلٌ لهذه النعمة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فما من فضلٍ يعطيه الله العبد إلا وهو في مكانه؛ لأن الله حكيم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. وفيه دليل على فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. وهذا لا شك فيه، فضل العلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] لكن يبقى النظر ما هو العلم الممدوح؟ هذا هو الذي الآن الناس فيه في جدل، ما هو العلم الممدوح؟ * طالب: (...). * الشيخ: المراد بذلك علم الشريعة، المراد به علم الشريعة، هذا هو العلم الممدوح، أما ما سوى علم الشريعة فإنه لا يُمدح إلا حيث يوصل إلى محمود، اللي غير علم الشريعة ما يُمدح إلا حيث يوصل إلى أمرٍ محمود. عكس ما كان عليه الناس اليوم، كثير من الناس الجُهّال يمدحون العلم بغير الشريعة، بعض الناس والعياذ بالله يرى أن علم الشريعة تأخُّر، وأن علم الطبيعة تقدّم، ولهذا يمتدح هؤلاء العلماء (...) وطبقات الأرض وغير ذلك، وتجده مثلًا يتمدح: هذا أصل العلم، أو هذا هو العلم وما أشبه ذلك. أو إذا رأى من الصنائع الغريبة (...) العلم العلم، يعني: ما فيه شك أن الآن هذا يفضِّل هذا العصر على عصر الصحابة. هذا ليس هو المقصود، كل ما أثنى الله على العلم فليس هذا هو المقصود، بل المقصود به علم الشريعة؛ لأن علم الشريعة هو اللي ينفع الخلق، حتى علم الشريعة هو اللي يدلهم على هذه العلوم التي يتمدحون بها؛ لأن الله يأمر بأن نسعى في الأرض ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥] وما أشبه ذلك. فالحاصل يا جماعة الآن: أن العلم الذي منّ الله به على داود وسليمان وأثنى عليهما به هو علم الشريعة، وهكذا جميع ما في النصوص من مدح العلم فهو علم الشريعة؛ لأنه هو الذي يُحمد لذاته، وما عداه فمتى يُحمد؟ * طلبة: إذا كان موصلًا. * الشيخ: إذا كان موصلًا إلى أمر محمود، وإلا فإنه إن أوصل إلى أمرٍ مذموم كان مذمومًا، وإن أوصل إلى أمرٍ لا يُحمد ولا يُذم فهو لا يُحمد ولا يُذم. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...) يأتون بشبهة (...)، الشبهة هذه تنطلى على بعض الجهال (...) يقول: يزيد في العمر (...) لو ربما يعني ما وافق (...) الرسول ﷺ ولا علم الصحابة، ومع هذا (...) وصلنا إلى أعماق البحار (...) قرأت عنهم كثيرًا هؤلاء الناس. * الشيخ: هذا من الجهل، ولهذا علمهم هذا الآن ما هو محمود إلا إذا أوصل إلى أمرٍ محمود، وإلا ما هو محمود، هلا وصلوا إلى أعماق البحار وإلى آفاق الفضاء، هؤلاء هم الذين صنعوا ما يدمر الخلق نعم من القنابل والأسلحة. هل هذا محمود؟ * طالب: لا. * الشيخ: ثم نقول: هذه العلوم هل تنافي العلم الشرعي؟ نحن نتمنى أن المسلمين أيضًا يصلون إلى هذه الأمور لينفعوا أنفسهم وينفعوا الخلق. * طالب: يا شيخ النصوص التي في الكتاب والسنة من مدح للعلم تقصد العلم الشرعي؟ * الشيخ: أبدًا العلم الشرعي. * طالب: قول تعالى (...) مع قوله تعالى (...) كيف هذا؟ * الشيخ: ما فيها شيء، ما بينها تعارض. * طالب: (...) رحمة مجرد رحمة. * الشيخ: لكن هذه الرحمة في محلها. هذه الرحمة في محلها. * وفيه دليلٌ على فضيلة داود وسليمان أيضًا من جهة اعترافهما بنعمة الله وشكرهما لها؛ لقوله: ﴿وَقَالَا﴾.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ذكرناها من وجه، وهذا من وجهٍ آخر وهو قيامهما بشكر نعمة الله ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ لم يقولا: إننا أوتينا هذا على علمٍ منا، أو لأننا أذكياء. أو ما أشبه ذلك. قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * وفي هذا دليل أيضًا على أن الشكر يكون بالقول كما هو أيضًا بالفعل، يكون بالقول وبالفعل ويكون أيضًا بالعقيدة -بالاعتقاد- فالشكر له ثلاثة محلات: القلب، واللسان، والجوارح. قال الشاعر: أَفَادَتْكُـــــمُ النَّعْمَـــــــاءُ مِنِّيثَلَاثَـــــةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا الدليل على هذا أن الشكر يكون في ثلاثة مواضع، هنا في اللسان، وقال النبي عليه الصلاة والسلام وقد قيل له: «كيف تفعل هذا -وكان يقوم حتى تتورم قدماه- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك؟ فقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٣٠) ومسلم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة.]] فجعل الفعل شكرًا لله سبحانه وتعالى، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ ١٣]. وأما الاعتراف بالنعم بالقلب فهو من الشكر؛ أيش الدليل؟ قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ [النحل ٥٣]. هذا الخبر يريد الله منا أن نعتقده، ولهذا ذم الله تبارك وتعالى الذين نسبوا نعمته إلى أنفسهم ولّا لا؟ وأيش قال عن قارون؟ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص ٧٨]. وهذه المسألة كل المواضع الثلاثة في الشكر قلّ من يقوم بها، فبعض الناس مثلًا يعتمد على السبب في جلب النعمة إليه وينسى المسبب، فهمتم؟ عندما يعطيه الإنسان شيئًا حاجةً من الحاجات تجد أنه يقوم في قلبه من شكر هذا المعطي أكثر مما يقوم بشكر الله، تجده يثني أيضًا على هذا أكثر مما يثني على الله، تجده يقوم بخدمة هذا أكثر مما يقوم بخدمة الله. مع أن هذا الذي وصلت النعمة على يده ما هو إلا طريق ليوصلها إليك فقط، وإلا فالذي جعل في قلبه أن يوصل هذه النعمة إليك مَن هو؟ الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يسَّر هذا. فالحاصل أن الناس الآن أكثرهم أو غالبهم يخلون في مقام الشكر إما بالقلب أو باللسان أو بالجوارح. * وفي هذا دليل على أن الإنسان يُشرع له إذا منّ الله عليه بنعمة أن يحمده عليها، وقد ورد في النصوص في مثل ذلك، فعندما تنتهي من الأكل والشرب تقول: الحمد لله، عندما تستيقظ تحمد الله، عندما تلبس ثوبًا تحمد الله. وهكذا. وهذا من الأمور المشروعة؛ حمد الله سبحانه وتعالى على النعم. * وفي الآية دليل على تواضع داود وسليمان ومعرفتهما للحقيقة في قوله: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما ذكر التفضيل المطلق على جميع المؤمنين ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهل يستفاد من ذلك وصف الأنبياء بالإيمان؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يعني: هل يشعر قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما من المؤمنين؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: الظاهر أنه يُشعر بهذا، يعني أننا شاركناهم في وصف الإيمان وفضّلنا الله على كثيرٍ منهم. * وفي الآية دليل على أن الإنسان إذا رأى أنه أفضل من غيره بنعمة الله عليه فإن هذا لا ينافي التواضع، يعني: عندما تشعر أن الله أنعم عليك بالمال، فضّلك على هذا، هل معنى ذلك أنك ترفّعت وتكبّرت؟ لا، بل إنك لا يمكن أن تدرك نعمة الله عليك حتى تعرف ضدها في غيرك، ولّا لا؟ ما يمكن تعرف هذا إلا إذا عرفت ضده. إذا رأيت مثلًا إنسانًا مبتلى في بدنه والله تعالى قد عافاك؛ عرفت فضل نعمة الله، فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضّلني عليه. عندما ترى جاهلًا وأنت منّ الله عليك بالعلم، كذلك أيضًا ترى فضل نعمة الله عليك بهذا، ولا يُعد هذا من باب الترفُّع والاستهانة بالغير، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه قد يتراءى للإنسان أنه إذا رأى فضله على غيره بما أنعم الله عليه قد يتراءى له أن ذلك أمر مذموم، وأنه يتضمن الترفُّع (...) والاستهانة بالغير، وليس الأمر كذلك. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وفيها أيضًا هذه الفائدة وأن التحدث بها من الشكر. يستفاد منها هذه الفائدة: مشروعية التحدث بنعمة الله، لكن لا على سبيل الافتخار والعلو على الغير، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي ( ٣١٤٨ ) من حديث أبي سعيد.]]. فالإنسان إذا تحدث بنعمة الله غير مفتخرٍ بها فإنه لا بأس به، لا بأس بذلك، بل قد يكون هذا مشروعًا لأنه ثناء على الله سبحانه وتعالى بما أنعم به عليه. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...) قال الله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما قد عملا (...). * الشيخ: (...) فيه يعني فيه إشكال؛ لأننا الآن ما عندنا علم أن الأنبياء علموا بأن محمدًا سيُبعث، في القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]. كلمة (رسول) نكرة ولا معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: نكرة، ما تدل على أن الله عين محمدًا ﷺ لهؤلاء، وإن كان ابن عباس رضي الله عنه قال: «إن الله أخذ على النبيين الميثاق لئن بُعث محمد»[[تفسير ابن كثير (٨ / ١١٠).]]. فهذا تفسيرٌ منه، أما الآية لا ما تدل على هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي ما يخالف (...) صحيح يدل عليه. * الطالب: (...). * الشيخ: يقين أن داود اطّلع على التوراة لأنه بعد موسى، إي نعم هذه (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) إثبات علم الله (...). * الشيخ: وأيش رأيكم في الفائدة هذه؛ إثبات علم الله لأنه أعطى علمًا وفاقد الشيء لا يُعطيه. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) هذه شهادة بأنها قويةٌ جدًّا. نعم إذن (...) إثبات علم الله، وجهه: أن الله سبحانه وتعالى أعطى هؤلاء علمًا ولا يعطي العلم إلا من كان عالمًا؛ لأنه يُعلِّمَهُمْ. يعلمهم بماذا؟ بما يعلم هو. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا هذه ولا هذه، حسب نية الإنسان، حتى الأولى شعوره بعلوه بما فضّله الله به على غيره قد يكون علوًّا، وهذه مثلها أيضًا، قد يكون ازدراءً، وقد يكون الإنسان ينظر إلى نعمة الله تعالى على غيره على وجه الحكمة، يقول: إن الله حكيم، ولولا أن هذا أهل ما أعطاه، ثم يسعى في تكميل الفضائل (...) المهم هذه المسألة ترجع إلى النية في هذا وهذا. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: ما عندي علم، ما أعرف. * طالب: شيخ (...) الفائدة (...) لا يعارض أن تقول (...) لأني أعلم (...) داود وسليمان، مع ذلك قُدِّم (...). * الشيخ: بأي شيء تزن؟ * الطالب: أزنه بهذا * الشيخ: بالعلم. * الطالب: (...) منطق الطير (...). * الشيخ: وعلى كل حال الفائدة حاصلة، صحيح يعني أنه ما يلزم من فضل الإنسان في صفة أن يفضل غيره فضلًا مطلقًا، نعم لكن بس يعني أخذًا من هذا، هل يمكن تؤخذ من هذه الآية، أن من فضل غيره في صفة لا يلزم أن يكون أفضل منه فضلًا مطلقًا، يؤخذ من..؟ * طلبة: يؤخذ من اللي بعده. * الشيخ: اللي بعده (...). * طالب: بيان حكمة داود وسليمان حيث قرن الحمد بعلته (...). * الشيخ: هنا إذا لم يذكرا ذلك على أي شيء يحمدان الله؟ هما يريدان أن يحمداه على هذا الأمر. * * * اللي بعده ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل ١٦]. * في هذا دليل على أن سليمان متأخر عن داود؛ لقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ والإرث كما قلنا: أن يخلف الإنسان غيره في شيءٍ ما؛ علمًا كان أو مالًا. * وفيه دليل على مشروعية تحدث الإنسان بنعمة الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. * وفيه أيضًا على أن هذا التحدث لا بأس أن يكون علنًا، يعني قصدي يعني شاملًا؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداءٌ للبعيد، فكأنه -أي: سليمان- أعلن ذلك في جميع الناس. * وفي هذا دليلٌ على أن الطير تنطق؛ لقوله: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. * وفيه أن نطقها مفهومٌ ومعلوم، ولكن فيما بينها معلوم ولغيرها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: أي مجهول إلا لمن علمه الله، فلهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]. * وفيه أيضًا في هذه الآية دليل على أن الله سبحانه وتعالى أعطى سليمان من كل شيءٍ يتم به الملك؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وهو نظير قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٢٣] أي: مما يتم به الملك. هذا إذا قيّدنا أن كل شيء يتم به الملك، فمن لبيان الجنس، وإذا قلنا: إن ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عام لكل شيء فإن (مِن) تكون للتبعيض؛ لأنهم ما أُعطوا كل شيء، بل بعض كل شيء. * وفيه دليل على أن ما يعطيه الله تعالى العبد من العلوم والفهم فهو من فضله؛ لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. طيب هل يستفاد من ذلك: أن من علِم لغة غيره فله ميزة على غيره؟ إي ميزة على غيره؛ لأنه تمدح بقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. إذن تعلُّم اللغة غير العربية هي في الحقيقة من نعمة الله على العبد، لكن يستعملها في أي شيء؟ إن استعملها مكان اللغة العربية فإنه مخطئ، وكان عمر يضرب على ذلك، وإن استعملها لمصلحة دينية فهذا له أجر في ذلك، فإذا استعملها في الدعوة إلى الله وتفهيم الخلق الذين لا يفهمون اللغة العربية بهذه الوسيلة فهي وسيلة. المهم أنه لا شك أن الإنسان اللي يتعلم لغة غيره فله ميزة على غيره في هذا، لكن كونه محمودًا أو غير محمود يرجع إلى ما يتوصل به إلى هذه اللغة. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ هذا صحيح لكن كونه يتمدّح بأنه عُلِّم هذا المنطق، هل هو لأجل كونه آية أو لأنه أمر يخفى على غيره؟ الصحيح أنه آية ويخفى على غيره. على كل حال المسألة هذه (...) إلى داخل مسألة أقسام هذه الآية، أن الإنسان يُمدح إذا علم لغة غيره، لكن لا شك أنه علم، وأنه إذا تُوصل به إلى أمرٍ مقصود فهو محمود، وإن تُوصل به إلى أمرٍ مذموم فهو مذموم. فمثلًا إذا كان الإنسان متعلمًا لغة غير العربية، اللي بيحلها محل العربية ويبدأ يخاطب غيره بهذه اللغة فلا شك أنه مذموم، ويُنهى عنه؛ لأنه يخالف الشرع من جهة، ويخالف العقل من جهة أخرى. الأمم الآن تسعى بكل وسيلة للحفاظ على لغاتها، بل إنها تسعى لإحياء لغاتها البائدة، مثلما يصنع اليهود الآن، يحاولون بشتى الوسائل أن قومهم يرجعون إلى اللغة العبرية، فكيف أننا نضيع اللغة العربية التي هي لغة العالَم. لغة العالَم شرعًا ولا قدرًا؟ * طلبة: شرعًا. * الشيخ: ولهذا يجب على جميع العالم أن يتعلم اللغة العربية؛ لأن القرآن باللغة العربية، ولا يمكن فهمه إلا باللغة العربية، ولكن نحن الآن مع الأسف أننا نرى أن غير اللغة العربية هي العالمية، نعم مثلما أننا نرى الآن الشهور غير العربية هي العالمية؛ لأننا في الحقيقة ما عرفنا قدر أنفسنا، وإلا فالمسلمون هم العالم في دينهم وفي كتابهم وفي تاريخهم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة ١٨٩] لمن؟ * طالب: للناس. * الشيخ: ولا للعرب؟ والعرب يضيعون (...) لا مواقيت للناس. ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ متى؟ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة ٣٦] وقد فسّرها الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الأشهر العربية، نعم ولكن لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي * طالب: (...). * الشيخ: (...) يبين (...) فالحاصل أني أقول: إنه مع الأسف الشديد أن بعض الناس الآن يتعلم لغة هؤلاء ويجعلها هي لغة التخاطب فيما بينهم، وهذا لا شك أنه نقص في الشرع والعقل. * طالب: معجبين بلا عقل، معجبين بغيرهم بلا عقل. * الشيخ: إي نعم صحيح بدون تمييز. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لو حصل هذا كان طيبًا. يعني لو أن الناس نُقلوا من اللغة العامية إلى اللغة العربية هذا طيب، من أحسن ما يكون؛ لأنه دليل على فهم القرآن والسنة. لكن إذا لم يمكن فهذا تغيير لهجة فقط، ولو تأمّلت ما عليه الناس الآن من اللغة العامية لوجدت أن كل كلماتهم لها أصول في اللغة العربية في الأصل، لكن اختلاف لهجات، فبودنا الحقيقة أن نرجع إلى اللغة العربية الفصحى، ولكن يجب أن نتخلى عن لغتنا هذه العاميّة (...) نرجع للفصحى. لكن يعجبني واحد مسلم سيرلانكي في إحدى المؤسسات عندنا جاء مرة يتكلم معي يتكلم باللغة الفصحى ولا يلحن، هذا العجيب، العجيب أنه ما يلحن، هو سيرلانكي أصلًا، لكن تعلم اللغة العربية على اللغة الفصحى؛ لأن القواميس باللغة الفصحى، لكن يكلمني تمامًا باللغة الفصحى ولا لحن. هذا طيب.

النمل 27:15

ثم قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿جَحَدُوا﴾ الضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾، والجحد: الإنكار، و(جحد) يتعدى بنفسه، ولكنه قد يُضمَّن معنى التكذيب فيتعدى بالباء، ﴿وَجَحَدُوا﴾ مكذّبين بها. وهنا الجحد ضُمِّن معنى التكذيب؛ ولهذا تعدى بالباء؛ ذلك لأن الجحد قد يكون تكذيبًا، وقد يكون مراعاة لمصلحة من المصالح، وأسبابه متعددة؛ لأنه قد يقول لك قائل: ماذا فعلت؟ فتجحد لمصلحة تريدها، لا تكذيبًا. ولكنه هنا تكذيب، جحدهم هذا تكذيب، وأيش الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الدليل أنه عُدِّي بالباء، والذي يُعدى بالباء هو التكذيب. ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: كذّبوا بها جحدًا، هم كذّبوا ومع ذلك ما أظهروه؛ ولهذا يقول المؤلِّف: (أي: لم يقروا بها)، معناه هو التكذيب، والمؤلِّف أتى بـ(لم يقروا) لأمرين: الأمر الأول: لأجل أن يسلم التعليق بالباء؛ لأن (أقر) تتعدى شو هو؟ بالباء. والثاني: لأجل -على رأيه- ألَّا يتضمن ذلك إخفاءها لمن طلبها؛ يعني فكأن المؤلِّف جعل الجحد نفي الإقرار، ولكننا لا نوافقه على هذا التفصيل؛ أولًا: أنه فسَّر المثبت بالمنفي ولَّا لا؟ جحد مُثبت، لم يقر منفي. الثاني: أنه بتفسيره هذا يفوّت معنى دلّت عليه الآية وهو كتمانهم لهذه الآيات لو سُئلوا عنها؛ لأن كون الإنسان ما يُقر ما هو مثلما إذا جحد وكتم عن غيره، فإبقاء الآية على ما هي عليه، ويقال: إنه عُدّي الجحد بالباء، لماذا؟ لتضمينه معنى التكذيب، ويكون دالًّا على أمرين: على إخفائها عند طلبها، وعلى التكذيب بها عند عرضها، فالآية بلا شك.. ولا حاجة أن نقول: إن الآية أبلغ مما ذكر المؤلِّف، لكننا نقول: إن تفسير المؤلِّف لها فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: تفسير الإثبات بالنفي، وهذا قصور. والثاني: أنه فوّت معنًى وهو: الجحود عند السؤال، فهو تكذيبٌ عند العرض، وجحودٌ عند الطلب. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم يكذّبون ويخفون ولكنهم متيقنون. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هم ما اعترفوا ظاهرًا، إنما الكلام بس تفسيره بهذا خطأ. قال: (﴿وَ﴾ قد ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: تيقنوا). خدوا بالكم يا جماعة، المؤِّلف قال: (﴿وَ﴾ قد ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا﴾ )، فما الذي أوجب له أن يقدّر (قد)؟ نقول: لأن الجملة حالية، والجملة الحالية إذا كانت فعلًا ماضيًا يقدّر فيها (قد) للتحقيق. والثاني قال: ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ قال: (أي: تيقنوا أنها من عند الله)، ففسّر (استيقن) بـ(تيقن)، إشارة إلى أن السين والتاء زائدتان، ولكن الأولى أن تبقى السين والتاء على بابها، ولا يُحكم بزيادتها؛ لأن الاستيقان أبلغ من التيقن، ومن المعروف عندهم أنهم يقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالاستيقان أبلغ، فهم قد استيقنوها استيقانًا كاملًا ليس عندهم فيها شك، ومع ذلك جحدوا بها، يكون هذا الجحد مع الاستيقان أبلغ؛ ولهذا قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ولم يقل: واستيقنوها، فإضافة الاستيقان إلى النفس أبلغ؛ أي: أنه يقينٌ بلغ نفوسهم حتى تمكن منها، ومع ذلك -والعياذ بالله- جحدوا بها وأنكروها. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يقول المؤلِّف: (تكبرًا عن الإيمان بما جاء به موسى)، ففسّر الكلمتين بكلمة واحدة وهي: التكبر، ولكنه أيضًا لو نظرنا إلى الآية الكريمة وجدنا أنها أبلغ مما فسّرها به. قوله: ﴿ظُلْمًا﴾ الظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أيش معنى: ﴿لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ أي: لم تنقص. فالأصل فيه أنه بمعنى النقص، وكل من نقص حق غيره فهو ظالمٌ، إذا نقص الإنسان حق نفسه فهو ظالمٌ لها، إذا نقص حق غيره فهو ظالمٌ له. هنا هؤلاء نقصوا حق موسى عليه الصلاة والسلام، فهم ظالمون، ونقصوا حق أنفسهم؛ حيث لم يقودوها إلى ما فيه صلاحها فهم أيضًا ظالمون. ثم هذا الظلم والنقص ما الحامل عليه؟ قال: ﴿عُلُوًّا﴾، وهذا معنًى غير الظلم؛ يعني: ترفّعًا عما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام، يرون أن موسى: من موسى الذي يأتي إلى فرعون، الذي يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ثم يقول: أنا رسولٌ إليك، لا بد أن تتبعني! بطبيعة البشر الفاسق أن يترفع يقول: أبدًا؛ فلهذا جحدوا ﴿ظُلْمًا﴾ لمن؟ لموسى وأنفسهم، ﴿عُلُوًّا﴾: ترفّعًا عن موسى وعما جاء به أيضًا، فهم -والعياذ بالله- اتصفوا بالوصفين. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يقول المؤلِّف: (راجع إلى الجحد). صحيح لا للاستيقان؛ لأن الاستيقان هو ظلم، إذا استيقنوا أن موسى صادق، ما هو ظلم، هذا حق، استيقانهم عدلٌ وتواضع، لكن ما استيقنوا هم؛ يعني: ما انقادوا لهذا الاستيقان. إذن فهو راجعٌ إلى الجحد؛ يعني: جحدوا بها ظلمًا وعلوًّا. لكن فائدة الإتيان بالجملة الحالية: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ فائدة الإتيان بها بين المتعلَّق والمتعلِّقين: المبادرة بالتشنيع عليهم؛ لأن كونهم يجحدون مع الاستيقان أشد وأعظم، الجاحد مع الشك قد يُعذر، لكن مع الاستيقان لا وجه له. ففائدة الاعتراض بالجملة الحالية: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ بين المتعلِّق ومتعلَّقه ويش فائدتها؟ المبادرة بالتشنيع عليهم، وبيان أنهم بلغوا في هذا الوصف غايته اللي هو الظلم والعلو. ما إعراب ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ هل هي مفعول لأجله؛ يعني: من أجل الظلم والعلو، أو هي مصدرٌ بمعنى الحال؛ أي: ظالمين عالين؟ * طلبة: الأخير أولى. * الشيخ: الأخير أولى؛ لأن الظلم والعلو إذا جعلناه مفعولًا من أجله فهو سابق على الجحد؛ إذ إنهم ظلموا وعلوا ثم جحدوا. فعلى هذا نقول: إن ظلمًا وعلوًّا إنها مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل؛ أي: جحدوا بها حال كونهم؟ * طالب: ظالمين وعالين. * الشيخ: ظالمين عالين. قال الله تبارك وتعالى: (﴿فَانظُرْ﴾ يا محمد) إلى آخره، ﴿فَانظُرْ﴾ نظر اعتبار أو نظر إبصار؟ * الطلبة: نظر اعتبار. * الشيخ: نظر اعتبار؛ لأن نظر الإبصار هنا متعذِّر، لأيش؟ لسبق زمنه لكنه نظر اعتبار. والخطاب على كلام المؤلِّف يعود إلى رسول الله ﷺ: (﴿فَانظُرْ﴾ يا محمد). وقد مرّ علينا عدة مرات: أن الخطاب بالمفرد في القرآن لا يختص بالرسول عليه الصلاة والسلام إلا ما دل عليه الدليل، ما دل عليه الدليل يكون على ما دل عليه، وإلا فهو عامٌ، ويصير التقدير: فانظر أيها المخاطَب، ما هو: بيا محمد، فانظر أيها المخاطَب؛ لأن القرآن بين أيدي كل أحد. أما ما دل عليه الدليل على أنه خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاصٌ به، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]. ويدلنا على أن الخطاب المفرد عام؛ أولًا ما ذكرناه من التعليل: أن القرآن بين أيدي الناس جميعًا. ثانيًا: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١] خاطب بالإفراد والجمع؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجهٌ للأمة ما لم يدل الدليل على اختصاصه به، مثل ما مثّلنا بمثالين، وكذلك منه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]، فإن هذا خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي حرّم، لكن مع ذلك الحكم عام. إذن ﴿فَانظُرْ﴾ وأيش نقول؟ نقول: أيها المخاطَب. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ في هذه الآية الجملة هذه أولًا: (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر ولَّا لا؟ هذا المعروف عندكم أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء ٩٦]. ثانيًا: أنه إذا كان الفاعل مؤنثًا كان الفعل مؤنثًا، فهنا ما نرى خبرًا لكان ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: هيا زين، والثاني؟ * الطالب: الثاني: أن (عاقبة) مؤنث مجازي (...). * الشيخ: زين، الجواب الثاني صحيح؛ يعني: (عاقبة) مؤنث مجازي لا حقيقي، والفرق بين المؤنث المجازي والحقيقي: ما كان له فرج فهو مؤنث حقيقي، وما لم يكن له فرج وإنما تأنيثه لفظي فهو مؤنثٌ مجازي. أما الأول وهو قوله: إنها ناقصة أو إنها تامة فليس بتام. * الطالب: كان تامة، والخبر مقدم وهو (كيف). * الشيخ: نعم، هذا الصحيح: الخبر مقدم وهو (كيف)، مقدّم وجوبًا ولَّا جوازًا؟ * الطالب: وجوبًا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، ما يمكن يأتي استفهام في وسط الكلام، لا بد أن يكون متقدمًا. فهمنا الإعراب. إذن ﴿عَاقِبَةُ﴾ أيش معنى العاقبة؟ العاقبة في الأصل: التأخر، ومنه: العقب في القدم، عقب القدم ما هو؟ العرقوب المؤخَّر، أيش معنى العاقبة؟ الأمر المتأخر؛ يعني: انظر ماذا كان من أمرهم في النهاية. وقوله: ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين صار شأنهم الإفساد، والمراد بالإفساد هنا ليس إفساد العمران، فقد يكون العمران في زمن فرعون قد بلغ غايته، لكن المراد بالإفساد الإفساد المعنوي؛ إفساد الأخلاق والعقائد. وربما يتبعه إفساد العمران كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل ١١٢]، وبهذا التقدير وهو أن الأصل في الإفساد الموجود في القرآن ما هو؟ إفساد الأخلاق والعقائد، ويتبعه فساد الأعمال، بهذا نعرف أن ما يطنطن به الناس الآن في الرفاهية والطمأنينة والأمن وما أشبه ذلك، وإذا أتوا إلى ذكر الدين يقول: العقيدة السمحة، ولا يذكر العمل، ثم كلمة (السمحة) أيضًا تدل على ضعفٍ في هذه العقيدة، (سمحة) كل شيء تسمح به، صحيح أنها هي الحنفية السمحة لا شك، لكنها لها أعمال ولها حزم؛ ولهذا التركيز على الترفيه البدني والنعيم البدني مع ذكر العقيدة وحدها في نظري أنه خطير؛ لأنه يبدأ كل واحد ينشد وأيش ينشد؟ هذين الأمرين؛ يقول: أنا عندي عقيدة سليمة، عقيدة سمحة، ليّنة، هيّنة، كل شيء تقبله، ويقول: أنا أنشد أيضًا رفاهية البدن والأمن وما أشبه ذلك، لكن استقامة الدين والسعي في إقامته بين الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، هذا أمرٌ لا يكاد يُذكر. وفي الحقيقة: أن الرفاهية إذا كانت بالبدن وحده فهي فساد، ما يدوم هذا أبدًا، على أن الرفاهية المطلقة للبدن لا بد أن تكون مصحوبة بقلقٍ في القلب؛ لأن الله تعالى إنما ضمن الحياة الطيبة لمن؟ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل ٩٧] شوف عقيدة وعمل، وبدأ بالعمل أيضًا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ حياة طيبة في الدنيا، وأجرٌ حسنٌ في الآخرة. هذا الذي يجب أن يُركّز عليه، أما الرفاهية المطلقة فإنها ضرر عظيم على الإنسان، توجب الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، وانشغال الإنسان بطلب الرفاهية الجسدية الزائلة. يقول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (...)، اللي أنتم فيه من النعيم والسرور وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل ١٧] وقبل أن نتكلم.. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، خذناه (...)، وقلنا لكم: تأكيد ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، ما هو مؤكد بكلام. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ١٤]. * يستفاد منها فوائد؛ أولًا: أنه على قوة الآيات التي جاء بها موسى لم يستفد منها هؤلاء، يؤخذ من قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾، والآيات إذا قويت ما يبقى مجال للجحد، ولكن -والعياذ بالله- أعمى الله بصائرهم فجحدوا بها. * ويستفاد من ذلك: أن جحد هؤلاء المرسل إليهم كان عن عناد لا عن شبهة؛ لقوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وهل هذا وقع لكفار قريش مع النبي عليه الصلاة والسلام؟ * طلبة: وقع (...). * الشيخ: نعم، وقع؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، ولا شك أن هذا واقع من الرؤساء والزعماء، لكن عامة الناس قد لا يكون لديهم هذا الأمر، وإنما هم إما مقلدون أما الزعماء والكبراء، فلا شك في هذا، وفي هذا دليل على سوء أحوال آل فرعون؛ لقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ﴿ظُلْمًا﴾ لمن؟ لأنفسهم ولموسى، ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعًا عن الحق. * وفيها دليل على أن الاتصاف بهذين الوصفين يجعل الإنسان من الأمة الفرعونية، وهما الظلم والعلو، وما من صفة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس سيركبون سنن من كان قبلهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦)، والحاكم في المستدرك (٨٦١٠) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]. والجحد بالحق للفاعل إمام مثل فرعون وقارون، الحسد للإنسان فيه إمام مثل اليهود، الرياء للإنسان فيه إمام كالمنافقين، وهكذا، بل إنه من المنافقين أيضًا، فما من خصلة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر. * وفي هذا دليل على ذم الترفع عن الحق؛ لقوله: ﴿وَعُلُوًّا﴾، ولا فرق بين أن يكون ذلك عن حسن نية أو لا؟ فالطريقة هذه مذمومة ولو عن حسن نية، وقولنا: عن حسن نية؛ ليدخل في ذلك بعض المقلدين الذين إذا عُرض عليهم الدليل من الكتاب والسنة قالوا: نحن نتبع فلانًا؛ لأنه أعلم منا، هذا عن حسن نية فيما يبدو، وأيش وجه حسن النية؟ لأنهم يرون أن هذا الإمام الذي اتبعوه أعلم منك، ويقول: نحن جهال ولا نعرف وليس لنا إلا أن نقلد، والرجل هذا أعلم منا، وأيش تقول؟ * طالب: (...) هذا قول الله ورسوله قال: ولكن هذا القول قول فلان هو الذي (...) عن حسن نية لا عن تعصب للرأي، فهذا الكلام فيه ذم؛ لأنه اتبعه عندما عرض عليه قول الرسول لم يقبل. * الشيخ: نعم. * ويُستفاد من هذه الآية: أنه إذا كان هذا الوصف مذمومًا وفرعونيًّا، فإن عكسه محمود، ما هو العكس؟ * طلبة: التواضع. * الشيخ: التواضع للحق وقبوله، هذا لا شك أنه ممدوح؛ لأن الله تعالى إذا أثنى بالسوء على وصف، فإن ضده يثني عليه بالحسن. * وفي الآية أيضًا دليل على أنه ينبغي للإنسان أو يجب أن يتفكر ويتأمل في عواقب من سبق؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، وهل الإنسان ينظر في عواقب المفسدين أو في عواقب المفسدين والمصلحين؟ * طالب: الاثنين. * الشيخ: طيب، إذن ما فائدة (...) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾؛ لأن المقام مقام تهديد، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المصلحين. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾؛ لأن المقام مقام تحذير، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المتقين. نعم واضح ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود ١١٦]. فالمسألة تختلف، في مقام الترهيب نحيل الإنسان على عواقب المفسدين، في مقام الترهيب. وفي مقام الترغيب نحيله على عواقب المصلحين؛ لأجل أن يحذر من أولئك ويرغب في هؤلاء. وفيها دليل على فضيلة التأمل والتفكُّر في أخبار من مضى، وأن دراسة علم التاريخ من الأشياء التي جاء بها الشرع، فإننا لا يمكن أن ننظر كيف كان عاقبتهم إلا بدراسة أخبارهم وتتبعها. نعم فعلم التاريخ إذن من الأمور المقصودة، لكن هل هو من الأمور المقصودة ذاتيًّا أو عرضيًّا؟ عرضيًّا، إلا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين فإنها من الدين؛ لأنها كلها أحكام، بخلاف النظر في التاريخ لأجل الاعتبار فقط، فلكل مقام مقال؛ لأن النظر في التاريخ للاعتبار فقط قد يعتبر الإنسان بغيره فيستغني عنه، لكن النظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فإنها أحكام فقه، هذا مقصودٌ لذاته ما يستغني الإنسان بغيرها عنها، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا كان الإنسان يتفكر في عمرانهم وقوتهم، ومع ذلك أهلكهم الله، هذا لا بأس به، وأما إذا كان يريد أن يتفكر بقوتهم من أجل مدحهم والثناء عليهم، فهذا ما يجوز، ولهذا ما أمرنا الله سبحانه أن ننظر إلى قوتهم إلا بعد أن أمرنا أن ننظر إلى عاقبتهم. وعلى هذا فالذين يذهبون إلى ديار ثمود للتفرج والتنزه هؤلاء عصاة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ». فلا يجوز أن الإنسان يذهب في رحلة مثلًا إلى ذلك المكان إلا إذا كان يدخل وهو باكٍ «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٨٩٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر.]]. الحمد لله، الإنسان في غنى عن هذا، ما هو بلازم يروح، لكن مع الأسف الآن أنها صارت آثارًا، يعني يقصد منها بيان قوة هؤلاء وإبداعهم وإحكامهم لأمورهم، ولا يلتفتون إلى ما أحل الله بهم من العقوبة والعياذ بالله. * طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالإسراع، كيف مثلًا.. * الشيخ: إي، هذه هي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ١٥]. * يستفاد من هذه الآية: بيان ما منَّ الله سبحانه وتعالى به على داود وسليمان؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. * وفيها دليل أيضًا على ثناء الله تعالى على نفسه؛ لأن كونه يتمدح سبحانه وتعالى بإيتاء داود وسليمان علمًا هذا من الثناء، وهل هذا محمودٌ بالنسبة للخلق أن يتمدح الإنسان بفضله ولّا لا؟ ليس هذا محمودًا إلا إذا كان في ذلك مصلحةٌ للغير، ما هو لك أنت، أما الله تعالى فيتمدّح بنفسه للثناء على نفسه، لكن أنت ما تفعل هذا، أما إذا كان فيه مصلحة للغير، كإنسان مثلًا يأثر عن نفسه شيئًا لأجل أن يُقتدَى به في الخير، فهذا لا بأس به، أو لأجل أن ينتفع الناس بما عنده، فهذا أيضًا لا بأس به. ابن مسعود رضي الله عنه قال:« لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلم مني بكتاب الله لطلبت إليه» أو كما قال[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود، بلفظ: ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه.]]. والعلماء ما زالوا يمدحون كتبهم، ابن مالك يقول: تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ ∗∗∗ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ؎وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُــخْـــطِ ∗∗∗ فَائِقَـــــــةً أَلْفِيَّــــــةَ ابْــــنِمُــــعْـــطِ * طالب: لو ما قال: فائقة (...). * الشيخ: المهم على كل حال أن مثل هذا ما هو لمصلحة الإنسان، هذا لمصلحة غيره؛ لأجل أن ينتفعوا من هذا المؤلَّف مثلًا. * طالب: أحيانًا يزيد يا شيخ أو يبالغ. * الشيخ: على كل حال.. ما فيه إسراف؛ شيء (...) مع أنه في الحقيقة الإنسان قد يُتهم، مهما كانت نيته قد يُتَّهم، لكن ما على الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربه ما يهمه الناس. المهم في هذه الآية دليل على تمدّح الله سبحانه وتعالى بما تفضّل به على عباده؛ بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. الثالث: فضيلة داود وسليمان وأنهما أهلٌ لهذه النعمة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فما من فضلٍ يعطيه الله العبد إلا وهو في مكانه؛ لأن الله حكيم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. وفيه دليل على فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. وهذا لا شك فيه، فضل العلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] لكن يبقى النظر ما هو العلم الممدوح؟ هذا هو الذي الآن الناس فيه في جدل، ما هو العلم الممدوح؟ * طالب: (...). * الشيخ: المراد بذلك علم الشريعة، المراد به علم الشريعة، هذا هو العلم الممدوح، أما ما سوى علم الشريعة فإنه لا يُمدح إلا حيث يوصل إلى محمود، اللي غير علم الشريعة ما يُمدح إلا حيث يوصل إلى أمرٍ محمود. عكس ما كان عليه الناس اليوم، كثير من الناس الجُهّال يمدحون العلم بغير الشريعة، بعض الناس والعياذ بالله يرى أن علم الشريعة تأخُّر، وأن علم الطبيعة تقدّم، ولهذا يمتدح هؤلاء العلماء (...) وطبقات الأرض وغير ذلك، وتجده مثلًا يتمدح: هذا أصل العلم، أو هذا هو العلم وما أشبه ذلك. أو إذا رأى من الصنائع الغريبة (...) العلم العلم، يعني: ما فيه شك أن الآن هذا يفضِّل هذا العصر على عصر الصحابة. هذا ليس هو المقصود، كل ما أثنى الله على العلم فليس هذا هو المقصود، بل المقصود به علم الشريعة؛ لأن علم الشريعة هو اللي ينفع الخلق، حتى علم الشريعة هو اللي يدلهم على هذه العلوم التي يتمدحون بها؛ لأن الله يأمر بأن نسعى في الأرض ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥] وما أشبه ذلك. فالحاصل يا جماعة الآن: أن العلم الذي منّ الله به على داود وسليمان وأثنى عليهما به هو علم الشريعة، وهكذا جميع ما في النصوص من مدح العلم فهو علم الشريعة؛ لأنه هو الذي يُحمد لذاته، وما عداه فمتى يُحمد؟ * طلبة: إذا كان موصلًا. * الشيخ: إذا كان موصلًا إلى أمر محمود، وإلا فإنه إن أوصل إلى أمرٍ مذموم كان مذمومًا، وإن أوصل إلى أمرٍ لا يُحمد ولا يُذم فهو لا يُحمد ولا يُذم. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...) يأتون بشبهة (...)، الشبهة هذه تنطلى على بعض الجهال (...) يقول: يزيد في العمر (...) لو ربما يعني ما وافق (...) الرسول ﷺ ولا علم الصحابة، ومع هذا (...) وصلنا إلى أعماق البحار (...) قرأت عنهم كثيرًا هؤلاء الناس. * الشيخ: هذا من الجهل، ولهذا علمهم هذا الآن ما هو محمود إلا إذا أوصل إلى أمرٍ محمود، وإلا ما هو محمود، هلا وصلوا إلى أعماق البحار وإلى آفاق الفضاء، هؤلاء هم الذين صنعوا ما يدمر الخلق نعم من القنابل والأسلحة. هل هذا محمود؟ * طالب: لا. * الشيخ: ثم نقول: هذه العلوم هل تنافي العلم الشرعي؟ نحن نتمنى أن المسلمين أيضًا يصلون إلى هذه الأمور لينفعوا أنفسهم وينفعوا الخلق. * طالب: يا شيخ النصوص التي في الكتاب والسنة من مدح للعلم تقصد العلم الشرعي؟ * الشيخ: أبدًا العلم الشرعي. * طالب: قول تعالى (...) مع قوله تعالى (...) كيف هذا؟ * الشيخ: ما فيها شيء، ما بينها تعارض. * طالب: (...) رحمة مجرد رحمة. * الشيخ: لكن هذه الرحمة في محلها. هذه الرحمة في محلها. * وفيه دليلٌ على فضيلة داود وسليمان أيضًا من جهة اعترافهما بنعمة الله وشكرهما لها؛ لقوله: ﴿وَقَالَا﴾.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ذكرناها من وجه، وهذا من وجهٍ آخر وهو قيامهما بشكر نعمة الله ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ لم يقولا: إننا أوتينا هذا على علمٍ منا، أو لأننا أذكياء. أو ما أشبه ذلك. قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * وفي هذا دليل أيضًا على أن الشكر يكون بالقول كما هو أيضًا بالفعل، يكون بالقول وبالفعل ويكون أيضًا بالعقيدة -بالاعتقاد- فالشكر له ثلاثة محلات: القلب، واللسان، والجوارح. قال الشاعر: أَفَادَتْكُـــــمُ النَّعْمَـــــــاءُ مِنِّيثَلَاثَـــــةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا الدليل على هذا أن الشكر يكون في ثلاثة مواضع، هنا في اللسان، وقال النبي عليه الصلاة والسلام وقد قيل له: «كيف تفعل هذا -وكان يقوم حتى تتورم قدماه- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك؟ فقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٣٠) ومسلم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة.]] فجعل الفعل شكرًا لله سبحانه وتعالى، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ ١٣]. وأما الاعتراف بالنعم بالقلب فهو من الشكر؛ أيش الدليل؟ قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ [النحل ٥٣]. هذا الخبر يريد الله منا أن نعتقده، ولهذا ذم الله تبارك وتعالى الذين نسبوا نعمته إلى أنفسهم ولّا لا؟ وأيش قال عن قارون؟ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص ٧٨]. وهذه المسألة كل المواضع الثلاثة في الشكر قلّ من يقوم بها، فبعض الناس مثلًا يعتمد على السبب في جلب النعمة إليه وينسى المسبب، فهمتم؟ عندما يعطيه الإنسان شيئًا حاجةً من الحاجات تجد أنه يقوم في قلبه من شكر هذا المعطي أكثر مما يقوم بشكر الله، تجده يثني أيضًا على هذا أكثر مما يثني على الله، تجده يقوم بخدمة هذا أكثر مما يقوم بخدمة الله. مع أن هذا الذي وصلت النعمة على يده ما هو إلا طريق ليوصلها إليك فقط، وإلا فالذي جعل في قلبه أن يوصل هذه النعمة إليك مَن هو؟ الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يسَّر هذا. فالحاصل أن الناس الآن أكثرهم أو غالبهم يخلون في مقام الشكر إما بالقلب أو باللسان أو بالجوارح. * وفي هذا دليل على أن الإنسان يُشرع له إذا منّ الله عليه بنعمة أن يحمده عليها، وقد ورد في النصوص في مثل ذلك، فعندما تنتهي من الأكل والشرب تقول: الحمد لله، عندما تستيقظ تحمد الله، عندما تلبس ثوبًا تحمد الله. وهكذا. وهذا من الأمور المشروعة؛ حمد الله سبحانه وتعالى على النعم. * وفي الآية دليل على تواضع داود وسليمان ومعرفتهما للحقيقة في قوله: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما ذكر التفضيل المطلق على جميع المؤمنين ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهل يستفاد من ذلك وصف الأنبياء بالإيمان؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يعني: هل يشعر قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما من المؤمنين؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: الظاهر أنه يُشعر بهذا، يعني أننا شاركناهم في وصف الإيمان وفضّلنا الله على كثيرٍ منهم. * وفي الآية دليل على أن الإنسان إذا رأى أنه أفضل من غيره بنعمة الله عليه فإن هذا لا ينافي التواضع، يعني: عندما تشعر أن الله أنعم عليك بالمال، فضّلك على هذا، هل معنى ذلك أنك ترفّعت وتكبّرت؟ لا، بل إنك لا يمكن أن تدرك نعمة الله عليك حتى تعرف ضدها في غيرك، ولّا لا؟ ما يمكن تعرف هذا إلا إذا عرفت ضده. إذا رأيت مثلًا إنسانًا مبتلى في بدنه والله تعالى قد عافاك؛ عرفت فضل نعمة الله، فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضّلني عليه. عندما ترى جاهلًا وأنت منّ الله عليك بالعلم، كذلك أيضًا ترى فضل نعمة الله عليك بهذا، ولا يُعد هذا من باب الترفُّع والاستهانة بالغير، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه قد يتراءى للإنسان أنه إذا رأى فضله على غيره بما أنعم الله عليه قد يتراءى له أن ذلك أمر مذموم، وأنه يتضمن الترفُّع (...) والاستهانة بالغير، وليس الأمر كذلك. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وفيها أيضًا هذه الفائدة وأن التحدث بها من الشكر. يستفاد منها هذه الفائدة: مشروعية التحدث بنعمة الله، لكن لا على سبيل الافتخار والعلو على الغير، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي ( ٣١٤٨ ) من حديث أبي سعيد.]]. فالإنسان إذا تحدث بنعمة الله غير مفتخرٍ بها فإنه لا بأس به، لا بأس بذلك، بل قد يكون هذا مشروعًا لأنه ثناء على الله سبحانه وتعالى بما أنعم به عليه. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...) قال الله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما قد عملا (...). * الشيخ: (...) فيه يعني فيه إشكال؛ لأننا الآن ما عندنا علم أن الأنبياء علموا بأن محمدًا سيُبعث، في القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]. كلمة (رسول) نكرة ولا معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: نكرة، ما تدل على أن الله عين محمدًا ﷺ لهؤلاء، وإن كان ابن عباس رضي الله عنه قال: «إن الله أخذ على النبيين الميثاق لئن بُعث محمد»[[تفسير ابن كثير (٨ / ١١٠).]]. فهذا تفسيرٌ منه، أما الآية لا ما تدل على هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي ما يخالف (...) صحيح يدل عليه. * الطالب: (...). * الشيخ: يقين أن داود اطّلع على التوراة لأنه بعد موسى، إي نعم هذه (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) إثبات علم الله (...). * الشيخ: وأيش رأيكم في الفائدة هذه؛ إثبات علم الله لأنه أعطى علمًا وفاقد الشيء لا يُعطيه. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) هذه شهادة بأنها قويةٌ جدًّا. نعم إذن (...) إثبات علم الله، وجهه: أن الله سبحانه وتعالى أعطى هؤلاء علمًا ولا يعطي العلم إلا من كان عالمًا؛ لأنه يُعلِّمَهُمْ. يعلمهم بماذا؟ بما يعلم هو. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا هذه ولا هذه، حسب نية الإنسان، حتى الأولى شعوره بعلوه بما فضّله الله به على غيره قد يكون علوًّا، وهذه مثلها أيضًا، قد يكون ازدراءً، وقد يكون الإنسان ينظر إلى نعمة الله تعالى على غيره على وجه الحكمة، يقول: إن الله حكيم، ولولا أن هذا أهل ما أعطاه، ثم يسعى في تكميل الفضائل (...) المهم هذه المسألة ترجع إلى النية في هذا وهذا. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: ما عندي علم، ما أعرف. * طالب: شيخ (...) الفائدة (...) لا يعارض أن تقول (...) لأني أعلم (...) داود وسليمان، مع ذلك قُدِّم (...). * الشيخ: بأي شيء تزن؟ * الطالب: أزنه بهذا * الشيخ: بالعلم. * الطالب: (...) منطق الطير (...). * الشيخ: وعلى كل حال الفائدة حاصلة، صحيح يعني أنه ما يلزم من فضل الإنسان في صفة أن يفضل غيره فضلًا مطلقًا، نعم لكن بس يعني أخذًا من هذا، هل يمكن تؤخذ من هذه الآية، أن من فضل غيره في صفة لا يلزم أن يكون أفضل منه فضلًا مطلقًا، يؤخذ من..؟ * طلبة: يؤخذ من اللي بعده. * الشيخ: اللي بعده (...). * طالب: بيان حكمة داود وسليمان حيث قرن الحمد بعلته (...). * الشيخ: هنا إذا لم يذكرا ذلك على أي شيء يحمدان الله؟ هما يريدان أن يحمداه على هذا الأمر. * * * اللي بعده ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل ١٦]. * في هذا دليل على أن سليمان متأخر عن داود؛ لقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ والإرث كما قلنا: أن يخلف الإنسان غيره في شيءٍ ما؛ علمًا كان أو مالًا. * وفيه دليل على مشروعية تحدث الإنسان بنعمة الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. * وفيه أيضًا على أن هذا التحدث لا بأس أن يكون علنًا، يعني قصدي يعني شاملًا؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداءٌ للبعيد، فكأنه -أي: سليمان- أعلن ذلك في جميع الناس. * وفي هذا دليلٌ على أن الطير تنطق؛ لقوله: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. * وفيه أن نطقها مفهومٌ ومعلوم، ولكن فيما بينها معلوم ولغيرها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: أي مجهول إلا لمن علمه الله، فلهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]. * وفيه أيضًا في هذه الآية دليل على أن الله سبحانه وتعالى أعطى سليمان من كل شيءٍ يتم به الملك؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وهو نظير قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٢٣] أي: مما يتم به الملك. هذا إذا قيّدنا أن كل شيء يتم به الملك، فمن لبيان الجنس، وإذا قلنا: إن ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عام لكل شيء فإن (مِن) تكون للتبعيض؛ لأنهم ما أُعطوا كل شيء، بل بعض كل شيء. * وفيه دليل على أن ما يعطيه الله تعالى العبد من العلوم والفهم فهو من فضله؛ لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. طيب هل يستفاد من ذلك: أن من علِم لغة غيره فله ميزة على غيره؟ إي ميزة على غيره؛ لأنه تمدح بقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. إذن تعلُّم اللغة غير العربية هي في الحقيقة من نعمة الله على العبد، لكن يستعملها في أي شيء؟ إن استعملها مكان اللغة العربية فإنه مخطئ، وكان عمر يضرب على ذلك، وإن استعملها لمصلحة دينية فهذا له أجر في ذلك، فإذا استعملها في الدعوة إلى الله وتفهيم الخلق الذين لا يفهمون اللغة العربية بهذه الوسيلة فهي وسيلة. المهم أنه لا شك أن الإنسان اللي يتعلم لغة غيره فله ميزة على غيره في هذا، لكن كونه محمودًا أو غير محمود يرجع إلى ما يتوصل به إلى هذه اللغة. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ هذا صحيح لكن كونه يتمدّح بأنه عُلِّم هذا المنطق، هل هو لأجل كونه آية أو لأنه أمر يخفى على غيره؟ الصحيح أنه آية ويخفى على غيره. على كل حال المسألة هذه (...) إلى داخل مسألة أقسام هذه الآية، أن الإنسان يُمدح إذا علم لغة غيره، لكن لا شك أنه علم، وأنه إذا تُوصل به إلى أمرٍ مقصود فهو محمود، وإن تُوصل به إلى أمرٍ مذموم فهو مذموم. فمثلًا إذا كان الإنسان متعلمًا لغة غير العربية، اللي بيحلها محل العربية ويبدأ يخاطب غيره بهذه اللغة فلا شك أنه مذموم، ويُنهى عنه؛ لأنه يخالف الشرع من جهة، ويخالف العقل من جهة أخرى. الأمم الآن تسعى بكل وسيلة للحفاظ على لغاتها، بل إنها تسعى لإحياء لغاتها البائدة، مثلما يصنع اليهود الآن، يحاولون بشتى الوسائل أن قومهم يرجعون إلى اللغة العبرية، فكيف أننا نضيع اللغة العربية التي هي لغة العالَم. لغة العالَم شرعًا ولا قدرًا؟ * طلبة: شرعًا. * الشيخ: ولهذا يجب على جميع العالم أن يتعلم اللغة العربية؛ لأن القرآن باللغة العربية، ولا يمكن فهمه إلا باللغة العربية، ولكن نحن الآن مع الأسف أننا نرى أن غير اللغة العربية هي العالمية، نعم مثلما أننا نرى الآن الشهور غير العربية هي العالمية؛ لأننا في الحقيقة ما عرفنا قدر أنفسنا، وإلا فالمسلمون هم العالم في دينهم وفي كتابهم وفي تاريخهم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة ١٨٩] لمن؟ * طالب: للناس. * الشيخ: ولا للعرب؟ والعرب يضيعون (...) لا مواقيت للناس. ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ متى؟ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة ٣٦] وقد فسّرها الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الأشهر العربية، نعم ولكن لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي * طالب: (...). * الشيخ: (...) يبين (...) فالحاصل أني أقول: إنه مع الأسف الشديد أن بعض الناس الآن يتعلم لغة هؤلاء ويجعلها هي لغة التخاطب فيما بينهم، وهذا لا شك أنه نقص في الشرع والعقل. * طالب: معجبين بلا عقل، معجبين بغيرهم بلا عقل. * الشيخ: إي نعم صحيح بدون تمييز. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لو حصل هذا كان طيبًا. يعني لو أن الناس نُقلوا من اللغة العامية إلى اللغة العربية هذا طيب، من أحسن ما يكون؛ لأنه دليل على فهم القرآن والسنة. لكن إذا لم يمكن فهذا تغيير لهجة فقط، ولو تأمّلت ما عليه الناس الآن من اللغة العامية لوجدت أن كل كلماتهم لها أصول في اللغة العربية في الأصل، لكن اختلاف لهجات، فبودنا الحقيقة أن نرجع إلى اللغة العربية الفصحى، ولكن يجب أن نتخلى عن لغتنا هذه العاميّة (...) نرجع للفصحى. لكن يعجبني واحد مسلم سيرلانكي في إحدى المؤسسات عندنا جاء مرة يتكلم معي يتكلم باللغة الفصحى ولا يلحن، هذا العجيب، العجيب أنه ما يلحن، هو سيرلانكي أصلًا، لكن تعلم اللغة العربية على اللغة الفصحى؛ لأن القواميس باللغة الفصحى، لكن يكلمني تمامًا باللغة الفصحى ولا لحن. هذا طيب.

النمل 27:16

ثم قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿جَحَدُوا﴾ الضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾، والجحد: الإنكار، و(جحد) يتعدى بنفسه، ولكنه قد يُضمَّن معنى التكذيب فيتعدى بالباء، ﴿وَجَحَدُوا﴾ مكذّبين بها. وهنا الجحد ضُمِّن معنى التكذيب؛ ولهذا تعدى بالباء؛ ذلك لأن الجحد قد يكون تكذيبًا، وقد يكون مراعاة لمصلحة من المصالح، وأسبابه متعددة؛ لأنه قد يقول لك قائل: ماذا فعلت؟ فتجحد لمصلحة تريدها، لا تكذيبًا. ولكنه هنا تكذيب، جحدهم هذا تكذيب، وأيش الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الدليل أنه عُدِّي بالباء، والذي يُعدى بالباء هو التكذيب. ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: كذّبوا بها جحدًا، هم كذّبوا ومع ذلك ما أظهروه؛ ولهذا يقول المؤلِّف: (أي: لم يقروا بها)، معناه هو التكذيب، والمؤلِّف أتى بـ(لم يقروا) لأمرين: الأمر الأول: لأجل أن يسلم التعليق بالباء؛ لأن (أقر) تتعدى شو هو؟ بالباء. والثاني: لأجل -على رأيه- ألَّا يتضمن ذلك إخفاءها لمن طلبها؛ يعني فكأن المؤلِّف جعل الجحد نفي الإقرار، ولكننا لا نوافقه على هذا التفصيل؛ أولًا: أنه فسَّر المثبت بالمنفي ولَّا لا؟ جحد مُثبت، لم يقر منفي. الثاني: أنه بتفسيره هذا يفوّت معنى دلّت عليه الآية وهو كتمانهم لهذه الآيات لو سُئلوا عنها؛ لأن كون الإنسان ما يُقر ما هو مثلما إذا جحد وكتم عن غيره، فإبقاء الآية على ما هي عليه، ويقال: إنه عُدّي الجحد بالباء، لماذا؟ لتضمينه معنى التكذيب، ويكون دالًّا على أمرين: على إخفائها عند طلبها، وعلى التكذيب بها عند عرضها، فالآية بلا شك.. ولا حاجة أن نقول: إن الآية أبلغ مما ذكر المؤلِّف، لكننا نقول: إن تفسير المؤلِّف لها فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: تفسير الإثبات بالنفي، وهذا قصور. والثاني: أنه فوّت معنًى وهو: الجحود عند السؤال، فهو تكذيبٌ عند العرض، وجحودٌ عند الطلب. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم يكذّبون ويخفون ولكنهم متيقنون. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هم ما اعترفوا ظاهرًا، إنما الكلام بس تفسيره بهذا خطأ. قال: (﴿وَ﴾ قد ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: تيقنوا). خدوا بالكم يا جماعة، المؤِّلف قال: (﴿وَ﴾ قد ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا﴾ )، فما الذي أوجب له أن يقدّر (قد)؟ نقول: لأن الجملة حالية، والجملة الحالية إذا كانت فعلًا ماضيًا يقدّر فيها (قد) للتحقيق. والثاني قال: ﴿اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ قال: (أي: تيقنوا أنها من عند الله)، ففسّر (استيقن) بـ(تيقن)، إشارة إلى أن السين والتاء زائدتان، ولكن الأولى أن تبقى السين والتاء على بابها، ولا يُحكم بزيادتها؛ لأن الاستيقان أبلغ من التيقن، ومن المعروف عندهم أنهم يقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالاستيقان أبلغ، فهم قد استيقنوها استيقانًا كاملًا ليس عندهم فيها شك، ومع ذلك جحدوا بها، يكون هذا الجحد مع الاستيقان أبلغ؛ ولهذا قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ولم يقل: واستيقنوها، فإضافة الاستيقان إلى النفس أبلغ؛ أي: أنه يقينٌ بلغ نفوسهم حتى تمكن منها، ومع ذلك -والعياذ بالله- جحدوا بها وأنكروها. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يقول المؤلِّف: (تكبرًا عن الإيمان بما جاء به موسى)، ففسّر الكلمتين بكلمة واحدة وهي: التكبر، ولكنه أيضًا لو نظرنا إلى الآية الكريمة وجدنا أنها أبلغ مما فسّرها به. قوله: ﴿ظُلْمًا﴾ الظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أيش معنى: ﴿لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ أي: لم تنقص. فالأصل فيه أنه بمعنى النقص، وكل من نقص حق غيره فهو ظالمٌ، إذا نقص الإنسان حق نفسه فهو ظالمٌ لها، إذا نقص حق غيره فهو ظالمٌ له. هنا هؤلاء نقصوا حق موسى عليه الصلاة والسلام، فهم ظالمون، ونقصوا حق أنفسهم؛ حيث لم يقودوها إلى ما فيه صلاحها فهم أيضًا ظالمون. ثم هذا الظلم والنقص ما الحامل عليه؟ قال: ﴿عُلُوًّا﴾، وهذا معنًى غير الظلم؛ يعني: ترفّعًا عما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام، يرون أن موسى: من موسى الذي يأتي إلى فرعون، الذي يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ثم يقول: أنا رسولٌ إليك، لا بد أن تتبعني! بطبيعة البشر الفاسق أن يترفع يقول: أبدًا؛ فلهذا جحدوا ﴿ظُلْمًا﴾ لمن؟ لموسى وأنفسهم، ﴿عُلُوًّا﴾: ترفّعًا عن موسى وعما جاء به أيضًا، فهم -والعياذ بالله- اتصفوا بالوصفين. وقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يقول المؤلِّف: (راجع إلى الجحد). صحيح لا للاستيقان؛ لأن الاستيقان هو ظلم، إذا استيقنوا أن موسى صادق، ما هو ظلم، هذا حق، استيقانهم عدلٌ وتواضع، لكن ما استيقنوا هم؛ يعني: ما انقادوا لهذا الاستيقان. إذن فهو راجعٌ إلى الجحد؛ يعني: جحدوا بها ظلمًا وعلوًّا. لكن فائدة الإتيان بالجملة الحالية: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ فائدة الإتيان بها بين المتعلَّق والمتعلِّقين: المبادرة بالتشنيع عليهم؛ لأن كونهم يجحدون مع الاستيقان أشد وأعظم، الجاحد مع الشك قد يُعذر، لكن مع الاستيقان لا وجه له. ففائدة الاعتراض بالجملة الحالية: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ بين المتعلِّق ومتعلَّقه ويش فائدتها؟ المبادرة بالتشنيع عليهم، وبيان أنهم بلغوا في هذا الوصف غايته اللي هو الظلم والعلو. ما إعراب ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ هل هي مفعول لأجله؛ يعني: من أجل الظلم والعلو، أو هي مصدرٌ بمعنى الحال؛ أي: ظالمين عالين؟ * طلبة: الأخير أولى. * الشيخ: الأخير أولى؛ لأن الظلم والعلو إذا جعلناه مفعولًا من أجله فهو سابق على الجحد؛ إذ إنهم ظلموا وعلوا ثم جحدوا. فعلى هذا نقول: إن ظلمًا وعلوًّا إنها مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل؛ أي: جحدوا بها حال كونهم؟ * طالب: ظالمين وعالين. * الشيخ: ظالمين عالين. قال الله تبارك وتعالى: (﴿فَانظُرْ﴾ يا محمد) إلى آخره، ﴿فَانظُرْ﴾ نظر اعتبار أو نظر إبصار؟ * الطلبة: نظر اعتبار. * الشيخ: نظر اعتبار؛ لأن نظر الإبصار هنا متعذِّر، لأيش؟ لسبق زمنه لكنه نظر اعتبار. والخطاب على كلام المؤلِّف يعود إلى رسول الله ﷺ: (﴿فَانظُرْ﴾ يا محمد). وقد مرّ علينا عدة مرات: أن الخطاب بالمفرد في القرآن لا يختص بالرسول عليه الصلاة والسلام إلا ما دل عليه الدليل، ما دل عليه الدليل يكون على ما دل عليه، وإلا فهو عامٌ، ويصير التقدير: فانظر أيها المخاطَب، ما هو: بيا محمد، فانظر أيها المخاطَب؛ لأن القرآن بين أيدي كل أحد. أما ما دل عليه الدليل على أنه خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاصٌ به، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]. ويدلنا على أن الخطاب المفرد عام؛ أولًا ما ذكرناه من التعليل: أن القرآن بين أيدي الناس جميعًا. ثانيًا: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١] خاطب بالإفراد والجمع؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجهٌ للأمة ما لم يدل الدليل على اختصاصه به، مثل ما مثّلنا بمثالين، وكذلك منه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]، فإن هذا خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي حرّم، لكن مع ذلك الحكم عام. إذن ﴿فَانظُرْ﴾ وأيش نقول؟ نقول: أيها المخاطَب. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ في هذه الآية الجملة هذه أولًا: (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر ولَّا لا؟ هذا المعروف عندكم أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء ٩٦]. ثانيًا: أنه إذا كان الفاعل مؤنثًا كان الفعل مؤنثًا، فهنا ما نرى خبرًا لكان ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: هيا زين، والثاني؟ * الطالب: الثاني: أن (عاقبة) مؤنث مجازي (...). * الشيخ: زين، الجواب الثاني صحيح؛ يعني: (عاقبة) مؤنث مجازي لا حقيقي، والفرق بين المؤنث المجازي والحقيقي: ما كان له فرج فهو مؤنث حقيقي، وما لم يكن له فرج وإنما تأنيثه لفظي فهو مؤنثٌ مجازي. أما الأول وهو قوله: إنها ناقصة أو إنها تامة فليس بتام. * الطالب: كان تامة، والخبر مقدم وهو (كيف). * الشيخ: نعم، هذا الصحيح: الخبر مقدم وهو (كيف)، مقدّم وجوبًا ولَّا جوازًا؟ * الطالب: وجوبًا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، ما يمكن يأتي استفهام في وسط الكلام، لا بد أن يكون متقدمًا. فهمنا الإعراب. إذن ﴿عَاقِبَةُ﴾ أيش معنى العاقبة؟ العاقبة في الأصل: التأخر، ومنه: العقب في القدم، عقب القدم ما هو؟ العرقوب المؤخَّر، أيش معنى العاقبة؟ الأمر المتأخر؛ يعني: انظر ماذا كان من أمرهم في النهاية. وقوله: ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين صار شأنهم الإفساد، والمراد بالإفساد هنا ليس إفساد العمران، فقد يكون العمران في زمن فرعون قد بلغ غايته، لكن المراد بالإفساد الإفساد المعنوي؛ إفساد الأخلاق والعقائد. وربما يتبعه إفساد العمران كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل ١١٢]، وبهذا التقدير وهو أن الأصل في الإفساد الموجود في القرآن ما هو؟ إفساد الأخلاق والعقائد، ويتبعه فساد الأعمال، بهذا نعرف أن ما يطنطن به الناس الآن في الرفاهية والطمأنينة والأمن وما أشبه ذلك، وإذا أتوا إلى ذكر الدين يقول: العقيدة السمحة، ولا يذكر العمل، ثم كلمة (السمحة) أيضًا تدل على ضعفٍ في هذه العقيدة، (سمحة) كل شيء تسمح به، صحيح أنها هي الحنفية السمحة لا شك، لكنها لها أعمال ولها حزم؛ ولهذا التركيز على الترفيه البدني والنعيم البدني مع ذكر العقيدة وحدها في نظري أنه خطير؛ لأنه يبدأ كل واحد ينشد وأيش ينشد؟ هذين الأمرين؛ يقول: أنا عندي عقيدة سليمة، عقيدة سمحة، ليّنة، هيّنة، كل شيء تقبله، ويقول: أنا أنشد أيضًا رفاهية البدن والأمن وما أشبه ذلك، لكن استقامة الدين والسعي في إقامته بين الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، هذا أمرٌ لا يكاد يُذكر. وفي الحقيقة: أن الرفاهية إذا كانت بالبدن وحده فهي فساد، ما يدوم هذا أبدًا، على أن الرفاهية المطلقة للبدن لا بد أن تكون مصحوبة بقلقٍ في القلب؛ لأن الله تعالى إنما ضمن الحياة الطيبة لمن؟ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل ٩٧] شوف عقيدة وعمل، وبدأ بالعمل أيضًا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ حياة طيبة في الدنيا، وأجرٌ حسنٌ في الآخرة. هذا الذي يجب أن يُركّز عليه، أما الرفاهية المطلقة فإنها ضرر عظيم على الإنسان، توجب الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، وانشغال الإنسان بطلب الرفاهية الجسدية الزائلة. يقول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (...)، اللي أنتم فيه من النعيم والسرور وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل ١٧] وقبل أن نتكلم.. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، خذناه (...)، وقلنا لكم: تأكيد ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، ما هو مؤكد بكلام. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ١٤]. * يستفاد منها فوائد؛ أولًا: أنه على قوة الآيات التي جاء بها موسى لم يستفد منها هؤلاء، يؤخذ من قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾، والآيات إذا قويت ما يبقى مجال للجحد، ولكن -والعياذ بالله- أعمى الله بصائرهم فجحدوا بها. * ويستفاد من ذلك: أن جحد هؤلاء المرسل إليهم كان عن عناد لا عن شبهة؛ لقوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وهل هذا وقع لكفار قريش مع النبي عليه الصلاة والسلام؟ * طلبة: وقع (...). * الشيخ: نعم، وقع؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، ولا شك أن هذا واقع من الرؤساء والزعماء، لكن عامة الناس قد لا يكون لديهم هذا الأمر، وإنما هم إما مقلدون أما الزعماء والكبراء، فلا شك في هذا، وفي هذا دليل على سوء أحوال آل فرعون؛ لقوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ﴿ظُلْمًا﴾ لمن؟ لأنفسهم ولموسى، ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعًا عن الحق. * وفيها دليل على أن الاتصاف بهذين الوصفين يجعل الإنسان من الأمة الفرعونية، وهما الظلم والعلو، وما من صفة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس سيركبون سنن من كان قبلهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦)، والحاكم في المستدرك (٨٦١٠) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]. والجحد بالحق للفاعل إمام مثل فرعون وقارون، الحسد للإنسان فيه إمام مثل اليهود، الرياء للإنسان فيه إمام كالمنافقين، وهكذا، بل إنه من المنافقين أيضًا، فما من خصلة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر. * وفي هذا دليل على ذم الترفع عن الحق؛ لقوله: ﴿وَعُلُوًّا﴾، ولا فرق بين أن يكون ذلك عن حسن نية أو لا؟ فالطريقة هذه مذمومة ولو عن حسن نية، وقولنا: عن حسن نية؛ ليدخل في ذلك بعض المقلدين الذين إذا عُرض عليهم الدليل من الكتاب والسنة قالوا: نحن نتبع فلانًا؛ لأنه أعلم منا، هذا عن حسن نية فيما يبدو، وأيش وجه حسن النية؟ لأنهم يرون أن هذا الإمام الذي اتبعوه أعلم منك، ويقول: نحن جهال ولا نعرف وليس لنا إلا أن نقلد، والرجل هذا أعلم منا، وأيش تقول؟ * طالب: (...) هذا قول الله ورسوله قال: ولكن هذا القول قول فلان هو الذي (...) عن حسن نية لا عن تعصب للرأي، فهذا الكلام فيه ذم؛ لأنه اتبعه عندما عرض عليه قول الرسول لم يقبل. * الشيخ: نعم. * ويُستفاد من هذه الآية: أنه إذا كان هذا الوصف مذمومًا وفرعونيًّا، فإن عكسه محمود، ما هو العكس؟ * طلبة: التواضع. * الشيخ: التواضع للحق وقبوله، هذا لا شك أنه ممدوح؛ لأن الله تعالى إذا أثنى بالسوء على وصف، فإن ضده يثني عليه بالحسن. * وفي الآية أيضًا دليل على أنه ينبغي للإنسان أو يجب أن يتفكر ويتأمل في عواقب من سبق؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، وهل الإنسان ينظر في عواقب المفسدين أو في عواقب المفسدين والمصلحين؟ * طالب: الاثنين. * الشيخ: طيب، إذن ما فائدة (...) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾؛ لأن المقام مقام تهديد، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المصلحين. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾؛ لأن المقام مقام تحذير، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المتقين. نعم واضح ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود ١١٦]. فالمسألة تختلف، في مقام الترهيب نحيل الإنسان على عواقب المفسدين، في مقام الترهيب. وفي مقام الترغيب نحيله على عواقب المصلحين؛ لأجل أن يحذر من أولئك ويرغب في هؤلاء. وفيها دليل على فضيلة التأمل والتفكُّر في أخبار من مضى، وأن دراسة علم التاريخ من الأشياء التي جاء بها الشرع، فإننا لا يمكن أن ننظر كيف كان عاقبتهم إلا بدراسة أخبارهم وتتبعها. نعم فعلم التاريخ إذن من الأمور المقصودة، لكن هل هو من الأمور المقصودة ذاتيًّا أو عرضيًّا؟ عرضيًّا، إلا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين فإنها من الدين؛ لأنها كلها أحكام، بخلاف النظر في التاريخ لأجل الاعتبار فقط، فلكل مقام مقال؛ لأن النظر في التاريخ للاعتبار فقط قد يعتبر الإنسان بغيره فيستغني عنه، لكن النظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فإنها أحكام فقه، هذا مقصودٌ لذاته ما يستغني الإنسان بغيرها عنها، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا كان الإنسان يتفكر في عمرانهم وقوتهم، ومع ذلك أهلكهم الله، هذا لا بأس به، وأما إذا كان يريد أن يتفكر بقوتهم من أجل مدحهم والثناء عليهم، فهذا ما يجوز، ولهذا ما أمرنا الله سبحانه أن ننظر إلى قوتهم إلا بعد أن أمرنا أن ننظر إلى عاقبتهم. وعلى هذا فالذين يذهبون إلى ديار ثمود للتفرج والتنزه هؤلاء عصاة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ». فلا يجوز أن الإنسان يذهب في رحلة مثلًا إلى ذلك المكان إلا إذا كان يدخل وهو باكٍ «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٨٩٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر.]]. الحمد لله، الإنسان في غنى عن هذا، ما هو بلازم يروح، لكن مع الأسف الآن أنها صارت آثارًا، يعني يقصد منها بيان قوة هؤلاء وإبداعهم وإحكامهم لأمورهم، ولا يلتفتون إلى ما أحل الله بهم من العقوبة والعياذ بالله. * طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالإسراع، كيف مثلًا.. * الشيخ: إي، هذه هي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ١٥]. * يستفاد من هذه الآية: بيان ما منَّ الله سبحانه وتعالى به على داود وسليمان؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. * وفيها دليل أيضًا على ثناء الله تعالى على نفسه؛ لأن كونه يتمدح سبحانه وتعالى بإيتاء داود وسليمان علمًا هذا من الثناء، وهل هذا محمودٌ بالنسبة للخلق أن يتمدح الإنسان بفضله ولّا لا؟ ليس هذا محمودًا إلا إذا كان في ذلك مصلحةٌ للغير، ما هو لك أنت، أما الله تعالى فيتمدّح بنفسه للثناء على نفسه، لكن أنت ما تفعل هذا، أما إذا كان فيه مصلحة للغير، كإنسان مثلًا يأثر عن نفسه شيئًا لأجل أن يُقتدَى به في الخير، فهذا لا بأس به، أو لأجل أن ينتفع الناس بما عنده، فهذا أيضًا لا بأس به. ابن مسعود رضي الله عنه قال:« لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلم مني بكتاب الله لطلبت إليه» أو كما قال[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود، بلفظ: ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه.]]. والعلماء ما زالوا يمدحون كتبهم، ابن مالك يقول: تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ ∗∗∗ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ؎وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُــخْـــطِ ∗∗∗ فَائِقَـــــــةً أَلْفِيَّــــــةَ ابْــــنِمُــــعْـــطِ * طالب: لو ما قال: فائقة (...). * الشيخ: المهم على كل حال أن مثل هذا ما هو لمصلحة الإنسان، هذا لمصلحة غيره؛ لأجل أن ينتفعوا من هذا المؤلَّف مثلًا. * طالب: أحيانًا يزيد يا شيخ أو يبالغ. * الشيخ: على كل حال.. ما فيه إسراف؛ شيء (...) مع أنه في الحقيقة الإنسان قد يُتهم، مهما كانت نيته قد يُتَّهم، لكن ما على الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربه ما يهمه الناس. المهم في هذه الآية دليل على تمدّح الله سبحانه وتعالى بما تفضّل به على عباده؛ بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. الثالث: فضيلة داود وسليمان وأنهما أهلٌ لهذه النعمة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فما من فضلٍ يعطيه الله العبد إلا وهو في مكانه؛ لأن الله حكيم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. وفيه دليل على فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. وهذا لا شك فيه، فضل العلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] لكن يبقى النظر ما هو العلم الممدوح؟ هذا هو الذي الآن الناس فيه في جدل، ما هو العلم الممدوح؟ * طالب: (...). * الشيخ: المراد بذلك علم الشريعة، المراد به علم الشريعة، هذا هو العلم الممدوح، أما ما سوى علم الشريعة فإنه لا يُمدح إلا حيث يوصل إلى محمود، اللي غير علم الشريعة ما يُمدح إلا حيث يوصل إلى أمرٍ محمود. عكس ما كان عليه الناس اليوم، كثير من الناس الجُهّال يمدحون العلم بغير الشريعة، بعض الناس والعياذ بالله يرى أن علم الشريعة تأخُّر، وأن علم الطبيعة تقدّم، ولهذا يمتدح هؤلاء العلماء (...) وطبقات الأرض وغير ذلك، وتجده مثلًا يتمدح: هذا أصل العلم، أو هذا هو العلم وما أشبه ذلك. أو إذا رأى من الصنائع الغريبة (...) العلم العلم، يعني: ما فيه شك أن الآن هذا يفضِّل هذا العصر على عصر الصحابة. هذا ليس هو المقصود، كل ما أثنى الله على العلم فليس هذا هو المقصود، بل المقصود به علم الشريعة؛ لأن علم الشريعة هو اللي ينفع الخلق، حتى علم الشريعة هو اللي يدلهم على هذه العلوم التي يتمدحون بها؛ لأن الله يأمر بأن نسعى في الأرض ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥] وما أشبه ذلك. فالحاصل يا جماعة الآن: أن العلم الذي منّ الله به على داود وسليمان وأثنى عليهما به هو علم الشريعة، وهكذا جميع ما في النصوص من مدح العلم فهو علم الشريعة؛ لأنه هو الذي يُحمد لذاته، وما عداه فمتى يُحمد؟ * طلبة: إذا كان موصلًا. * الشيخ: إذا كان موصلًا إلى أمر محمود، وإلا فإنه إن أوصل إلى أمرٍ مذموم كان مذمومًا، وإن أوصل إلى أمرٍ لا يُحمد ولا يُذم فهو لا يُحمد ولا يُذم. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...) يأتون بشبهة (...)، الشبهة هذه تنطلى على بعض الجهال (...) يقول: يزيد في العمر (...) لو ربما يعني ما وافق (...) الرسول ﷺ ولا علم الصحابة، ومع هذا (...) وصلنا إلى أعماق البحار (...) قرأت عنهم كثيرًا هؤلاء الناس. * الشيخ: هذا من الجهل، ولهذا علمهم هذا الآن ما هو محمود إلا إذا أوصل إلى أمرٍ محمود، وإلا ما هو محمود، هلا وصلوا إلى أعماق البحار وإلى آفاق الفضاء، هؤلاء هم الذين صنعوا ما يدمر الخلق نعم من القنابل والأسلحة. هل هذا محمود؟ * طالب: لا. * الشيخ: ثم نقول: هذه العلوم هل تنافي العلم الشرعي؟ نحن نتمنى أن المسلمين أيضًا يصلون إلى هذه الأمور لينفعوا أنفسهم وينفعوا الخلق. * طالب: يا شيخ النصوص التي في الكتاب والسنة من مدح للعلم تقصد العلم الشرعي؟ * الشيخ: أبدًا العلم الشرعي. * طالب: قول تعالى (...) مع قوله تعالى (...) كيف هذا؟ * الشيخ: ما فيها شيء، ما بينها تعارض. * طالب: (...) رحمة مجرد رحمة. * الشيخ: لكن هذه الرحمة في محلها. هذه الرحمة في محلها. * وفيه دليلٌ على فضيلة داود وسليمان أيضًا من جهة اعترافهما بنعمة الله وشكرهما لها؛ لقوله: ﴿وَقَالَا﴾.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ذكرناها من وجه، وهذا من وجهٍ آخر وهو قيامهما بشكر نعمة الله ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ لم يقولا: إننا أوتينا هذا على علمٍ منا، أو لأننا أذكياء. أو ما أشبه ذلك. قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * وفي هذا دليل أيضًا على أن الشكر يكون بالقول كما هو أيضًا بالفعل، يكون بالقول وبالفعل ويكون أيضًا بالعقيدة -بالاعتقاد- فالشكر له ثلاثة محلات: القلب، واللسان، والجوارح. قال الشاعر: أَفَادَتْكُـــــمُ النَّعْمَـــــــاءُ مِنِّيثَلَاثَـــــةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا الدليل على هذا أن الشكر يكون في ثلاثة مواضع، هنا في اللسان، وقال النبي عليه الصلاة والسلام وقد قيل له: «كيف تفعل هذا -وكان يقوم حتى تتورم قدماه- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك؟ فقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٣٠) ومسلم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة.]] فجعل الفعل شكرًا لله سبحانه وتعالى، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ ١٣]. وأما الاعتراف بالنعم بالقلب فهو من الشكر؛ أيش الدليل؟ قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ [النحل ٥٣]. هذا الخبر يريد الله منا أن نعتقده، ولهذا ذم الله تبارك وتعالى الذين نسبوا نعمته إلى أنفسهم ولّا لا؟ وأيش قال عن قارون؟ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص ٧٨]. وهذه المسألة كل المواضع الثلاثة في الشكر قلّ من يقوم بها، فبعض الناس مثلًا يعتمد على السبب في جلب النعمة إليه وينسى المسبب، فهمتم؟ عندما يعطيه الإنسان شيئًا حاجةً من الحاجات تجد أنه يقوم في قلبه من شكر هذا المعطي أكثر مما يقوم بشكر الله، تجده يثني أيضًا على هذا أكثر مما يثني على الله، تجده يقوم بخدمة هذا أكثر مما يقوم بخدمة الله. مع أن هذا الذي وصلت النعمة على يده ما هو إلا طريق ليوصلها إليك فقط، وإلا فالذي جعل في قلبه أن يوصل هذه النعمة إليك مَن هو؟ الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يسَّر هذا. فالحاصل أن الناس الآن أكثرهم أو غالبهم يخلون في مقام الشكر إما بالقلب أو باللسان أو بالجوارح. * وفي هذا دليل على أن الإنسان يُشرع له إذا منّ الله عليه بنعمة أن يحمده عليها، وقد ورد في النصوص في مثل ذلك، فعندما تنتهي من الأكل والشرب تقول: الحمد لله، عندما تستيقظ تحمد الله، عندما تلبس ثوبًا تحمد الله. وهكذا. وهذا من الأمور المشروعة؛ حمد الله سبحانه وتعالى على النعم. * وفي الآية دليل على تواضع داود وسليمان ومعرفتهما للحقيقة في قوله: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما ذكر التفضيل المطلق على جميع المؤمنين ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهل يستفاد من ذلك وصف الأنبياء بالإيمان؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يعني: هل يشعر قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما من المؤمنين؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: الظاهر أنه يُشعر بهذا، يعني أننا شاركناهم في وصف الإيمان وفضّلنا الله على كثيرٍ منهم. * وفي الآية دليل على أن الإنسان إذا رأى أنه أفضل من غيره بنعمة الله عليه فإن هذا لا ينافي التواضع، يعني: عندما تشعر أن الله أنعم عليك بالمال، فضّلك على هذا، هل معنى ذلك أنك ترفّعت وتكبّرت؟ لا، بل إنك لا يمكن أن تدرك نعمة الله عليك حتى تعرف ضدها في غيرك، ولّا لا؟ ما يمكن تعرف هذا إلا إذا عرفت ضده. إذا رأيت مثلًا إنسانًا مبتلى في بدنه والله تعالى قد عافاك؛ عرفت فضل نعمة الله، فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضّلني عليه. عندما ترى جاهلًا وأنت منّ الله عليك بالعلم، كذلك أيضًا ترى فضل نعمة الله عليك بهذا، ولا يُعد هذا من باب الترفُّع والاستهانة بالغير، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه قد يتراءى للإنسان أنه إذا رأى فضله على غيره بما أنعم الله عليه قد يتراءى له أن ذلك أمر مذموم، وأنه يتضمن الترفُّع (...) والاستهانة بالغير، وليس الأمر كذلك. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وفيها أيضًا هذه الفائدة وأن التحدث بها من الشكر. يستفاد منها هذه الفائدة: مشروعية التحدث بنعمة الله، لكن لا على سبيل الافتخار والعلو على الغير، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي ( ٣١٤٨ ) من حديث أبي سعيد.]]. فالإنسان إذا تحدث بنعمة الله غير مفتخرٍ بها فإنه لا بأس به، لا بأس بذلك، بل قد يكون هذا مشروعًا لأنه ثناء على الله سبحانه وتعالى بما أنعم به عليه. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...) قال الله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهما قد عملا (...). * الشيخ: (...) فيه يعني فيه إشكال؛ لأننا الآن ما عندنا علم أن الأنبياء علموا بأن محمدًا سيُبعث، في القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]. كلمة (رسول) نكرة ولا معرفة؟ * طالب: نكرة. * الشيخ: نكرة، ما تدل على أن الله عين محمدًا ﷺ لهؤلاء، وإن كان ابن عباس رضي الله عنه قال: «إن الله أخذ على النبيين الميثاق لئن بُعث محمد»[[تفسير ابن كثير (٨ / ١١٠).]]. فهذا تفسيرٌ منه، أما الآية لا ما تدل على هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي ما يخالف (...) صحيح يدل عليه. * الطالب: (...). * الشيخ: يقين أن داود اطّلع على التوراة لأنه بعد موسى، إي نعم هذه (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) إثبات علم الله (...). * الشيخ: وأيش رأيكم في الفائدة هذه؛ إثبات علم الله لأنه أعطى علمًا وفاقد الشيء لا يُعطيه. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) هذه شهادة بأنها قويةٌ جدًّا. نعم إذن (...) إثبات علم الله، وجهه: أن الله سبحانه وتعالى أعطى هؤلاء علمًا ولا يعطي العلم إلا من كان عالمًا؛ لأنه يُعلِّمَهُمْ. يعلمهم بماذا؟ بما يعلم هو. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا هذه ولا هذه، حسب نية الإنسان، حتى الأولى شعوره بعلوه بما فضّله الله به على غيره قد يكون علوًّا، وهذه مثلها أيضًا، قد يكون ازدراءً، وقد يكون الإنسان ينظر إلى نعمة الله تعالى على غيره على وجه الحكمة، يقول: إن الله حكيم، ولولا أن هذا أهل ما أعطاه، ثم يسعى في تكميل الفضائل (...) المهم هذه المسألة ترجع إلى النية في هذا وهذا. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: ما عندي علم، ما أعرف. * طالب: شيخ (...) الفائدة (...) لا يعارض أن تقول (...) لأني أعلم (...) داود وسليمان، مع ذلك قُدِّم (...). * الشيخ: بأي شيء تزن؟ * الطالب: أزنه بهذا * الشيخ: بالعلم. * الطالب: (...) منطق الطير (...). * الشيخ: وعلى كل حال الفائدة حاصلة، صحيح يعني أنه ما يلزم من فضل الإنسان في صفة أن يفضل غيره فضلًا مطلقًا، نعم لكن بس يعني أخذًا من هذا، هل يمكن تؤخذ من هذه الآية، أن من فضل غيره في صفة لا يلزم أن يكون أفضل منه فضلًا مطلقًا، يؤخذ من..؟ * طلبة: يؤخذ من اللي بعده. * الشيخ: اللي بعده (...). * طالب: بيان حكمة داود وسليمان حيث قرن الحمد بعلته (...). * الشيخ: هنا إذا لم يذكرا ذلك على أي شيء يحمدان الله؟ هما يريدان أن يحمداه على هذا الأمر. * * * اللي بعده ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل ١٦]. * في هذا دليل على أن سليمان متأخر عن داود؛ لقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ والإرث كما قلنا: أن يخلف الإنسان غيره في شيءٍ ما؛ علمًا كان أو مالًا. * وفيه دليل على مشروعية تحدث الإنسان بنعمة الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. * وفيه أيضًا على أن هذا التحدث لا بأس أن يكون علنًا، يعني قصدي يعني شاملًا؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداءٌ للبعيد، فكأنه -أي: سليمان- أعلن ذلك في جميع الناس. * وفي هذا دليلٌ على أن الطير تنطق؛ لقوله: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. * وفيه أن نطقها مفهومٌ ومعلوم، ولكن فيما بينها معلوم ولغيرها؟ * طلبة: (...). * الشيخ: أي مجهول إلا لمن علمه الله، فلهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]. * وفيه أيضًا في هذه الآية دليل على أن الله سبحانه وتعالى أعطى سليمان من كل شيءٍ يتم به الملك؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وهو نظير قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٢٣] أي: مما يتم به الملك. هذا إذا قيّدنا أن كل شيء يتم به الملك، فمن لبيان الجنس، وإذا قلنا: إن ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عام لكل شيء فإن (مِن) تكون للتبعيض؛ لأنهم ما أُعطوا كل شيء، بل بعض كل شيء. * وفيه دليل على أن ما يعطيه الله تعالى العبد من العلوم والفهم فهو من فضله؛ لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]. طيب هل يستفاد من ذلك: أن من علِم لغة غيره فله ميزة على غيره؟ إي ميزة على غيره؛ لأنه تمدح بقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. إذن تعلُّم اللغة غير العربية هي في الحقيقة من نعمة الله على العبد، لكن يستعملها في أي شيء؟ إن استعملها مكان اللغة العربية فإنه مخطئ، وكان عمر يضرب على ذلك، وإن استعملها لمصلحة دينية فهذا له أجر في ذلك، فإذا استعملها في الدعوة إلى الله وتفهيم الخلق الذين لا يفهمون اللغة العربية بهذه الوسيلة فهي وسيلة. المهم أنه لا شك أن الإنسان اللي يتعلم لغة غيره فله ميزة على غيره في هذا، لكن كونه محمودًا أو غير محمود يرجع إلى ما يتوصل به إلى هذه اللغة. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ هذا صحيح لكن كونه يتمدّح بأنه عُلِّم هذا المنطق، هل هو لأجل كونه آية أو لأنه أمر يخفى على غيره؟ الصحيح أنه آية ويخفى على غيره. على كل حال المسألة هذه (...) إلى داخل مسألة أقسام هذه الآية، أن الإنسان يُمدح إذا علم لغة غيره، لكن لا شك أنه علم، وأنه إذا تُوصل به إلى أمرٍ مقصود فهو محمود، وإن تُوصل به إلى أمرٍ مذموم فهو مذموم. فمثلًا إذا كان الإنسان متعلمًا لغة غير العربية، اللي بيحلها محل العربية ويبدأ يخاطب غيره بهذه اللغة فلا شك أنه مذموم، ويُنهى عنه؛ لأنه يخالف الشرع من جهة، ويخالف العقل من جهة أخرى. الأمم الآن تسعى بكل وسيلة للحفاظ على لغاتها، بل إنها تسعى لإحياء لغاتها البائدة، مثلما يصنع اليهود الآن، يحاولون بشتى الوسائل أن قومهم يرجعون إلى اللغة العبرية، فكيف أننا نضيع اللغة العربية التي هي لغة العالَم. لغة العالَم شرعًا ولا قدرًا؟ * طلبة: شرعًا. * الشيخ: ولهذا يجب على جميع العالم أن يتعلم اللغة العربية؛ لأن القرآن باللغة العربية، ولا يمكن فهمه إلا باللغة العربية، ولكن نحن الآن مع الأسف أننا نرى أن غير اللغة العربية هي العالمية، نعم مثلما أننا نرى الآن الشهور غير العربية هي العالمية؛ لأننا في الحقيقة ما عرفنا قدر أنفسنا، وإلا فالمسلمون هم العالم في دينهم وفي كتابهم وفي تاريخهم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة ١٨٩] لمن؟ * طالب: للناس. * الشيخ: ولا للعرب؟ والعرب يضيعون (...) لا مواقيت للناس. ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ متى؟ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة ٣٦] وقد فسّرها الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الأشهر العربية، نعم ولكن لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي * طالب: (...). * الشيخ: (...) يبين (...) فالحاصل أني أقول: إنه مع الأسف الشديد أن بعض الناس الآن يتعلم لغة هؤلاء ويجعلها هي لغة التخاطب فيما بينهم، وهذا لا شك أنه نقص في الشرع والعقل. * طالب: معجبين بلا عقل، معجبين بغيرهم بلا عقل. * الشيخ: إي نعم صحيح بدون تمييز. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لو حصل هذا كان طيبًا. يعني لو أن الناس نُقلوا من اللغة العامية إلى اللغة العربية هذا طيب، من أحسن ما يكون؛ لأنه دليل على فهم القرآن والسنة. لكن إذا لم يمكن فهذا تغيير لهجة فقط، ولو تأمّلت ما عليه الناس الآن من اللغة العامية لوجدت أن كل كلماتهم لها أصول في اللغة العربية في الأصل، لكن اختلاف لهجات، فبودنا الحقيقة أن نرجع إلى اللغة العربية الفصحى، ولكن يجب أن نتخلى عن لغتنا هذه العاميّة (...) نرجع للفصحى. لكن يعجبني واحد مسلم سيرلانكي في إحدى المؤسسات عندنا جاء مرة يتكلم معي يتكلم باللغة الفصحى ولا يلحن، هذا العجيب، العجيب أنه ما يلحن، هو سيرلانكي أصلًا، لكن تعلم اللغة العربية على اللغة الفصحى؛ لأن القواميس باللغة الفصحى، لكن يكلمني تمامًا باللغة الفصحى ولا لحن. هذا طيب.

النمل 27:17

قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]. سليمان عليه الصلاة والسلام آتاه الله تبارك وتعالى ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، «حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لما همّ أن يقبض على الشيطان قال: «ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١ / ٣٩) من حديث أبي هريرة.]]. من جملة ملكه هذا التنظيم العظيم. حُشر: جُمع، ومن الجامع؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. الله على كل شيءٍ قدير، لكن الجامع النقباء والعرفاء الذين جعلهم يجمعون هؤلاء الجنود، فهو قد نظّم ملكه غاية التنظيم، وجعل لكل أناسٍ قادة وعرفاء يجمعونهم. ﴿حُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وغيرهم؟ الجن واضح، والإنس مكلَّفون، والطير غير مكلفين لكنها تطير. بقينا بالحيوانات الأخرى الماشية والزاحفة، هل تدخل في هذا من باب أولى ونقول: إنه إذا حُشرت الطيور التي لا يمكن السيطرة عليها فغيرها؟ * طالب: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى. أو نقول: إن سليمان عليه الصلاة والسلام ما كان يستعمل إلا الطيور فقط؛ لأنه يستخدمها لمصالحه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، من كل شيء ممكن على عموم هذا. يعني: إن جعلنا (مِن) للتبعيض وليست للعموم، وإن جعلنا من كل شيء يثبت به الملك ويقوى به، ما هو بلازم مثل هذا الشيء، فهو محل إشكال عندنا، فالآن نقول: سكت عن بقية الحيوانات، فهل هي داخلة في جنوده أو لا؟ قد تقول: إنها داخلة من باب الأولى، وقد تقول: ليست بداخلة. ما وجه قولنا: من باب الأولى؟ أن نقول: إذا كان الطير، وهو لا يمكن السيطرة عليه في طيرانه يُحشر ويُجمع، فغيره من باب أولى. ولّا لا؟ وقد تقول: إنه ليس بلازم؛ لأنه يمكن أن سليمان ﷺ ما يستخدم من الحيوانات سوى الطير، وإذا لم يستخدم سواها فلا حاجة له في أن يجمع الباقي. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ شوف هذا أيضًا ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُجمَعون ثم يساقون) وهذا أيضًا من التنظيم. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يعني: يساقون. يعني: منظّمين في جمعهم وسيرهم، يُجمعون أولًا وبعد أن يُجمعوا يوزعون، فيساقون على وجهٍ منظَّم. وهذا لا شك أنه من التنظيم الذي يحفظ على الناس الوقت والعمل؛ لأن أكثر ما يضيّع الإنسان يضيّع وقته وعمله هو عدم التنظيم. ولهذا أقول: إنه ينبغي لنا أن يكون عندنا تنظيم لأعمالنا اليومية بقدر المستطاع، ولكن ليس معنى ذلك أن نصر على هذه الأعمال، وإن وُجد ما هو أفضل، لا، إنما بس يكون الإنسان مرتّبًا منظّمًا، ما يخلي وقته فوضى، حين يقرأ في كتاب (...) بالثاني (...) لا، أو يعمل ها العمل الضابط ثم يتركه. لكن ينبغي أن يكون عندك تنظيم، ومن المستحسن أنه كلما كان الشيء أهم يبدأ به أولًا، يبدأ به أولًا، كان بعض الناس يقولون: إنه من جملة تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدى مثلًا، ما يجعل قراءة الكتب الهامة التي تحتاج إلى تعب بعد الغداء؛ لأن قراءة الصحف قراءة سطحية مثل التحدث العادي، ما فيه تعب ولا. لكن الكتب والتعمُّق يحتاج إلى عمل، وهذا لا يناسب مع وجود الشبع. * * * * طالب: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٣ - ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أولًا من قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد نظم جنوده ورتبهم، بحيث يُجمعون عند الجمع ويفرقون عند التفريق؛ لقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾. * وفي الآية دليل على أن الجنود الذي يستصحبهم سليمان ثلاثة أصناف، وهم: الجن والإنس والطير. أما الإنس فاستصحابه لهم ظاهر؛ لأنه منهم. وأما الجن فلاستخدامهم فيما لا يقدر عليه الإنس. وأما الطيور فقال بعض العلماء: إنها تصحبه لتظله، تكون فوق رأسه ظلة من الشمس، وهذا قد يكون مقصودًا، وقد يكون أيضًا من مقصود استصحاب الطير أنها تأتيه بالأخبار البعيدة كما في قصة الهدهد. * وفيها أيضًا في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ دليل على كمال التنظيم أيضًا؛ لأن الوزع إيش معناه؟ الجمع والسوق ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت ١٩] يُجمعون إليها ويساقون إليها، وهذا دليل أيضًا على كمال التنظيم. * وفيه دليل على استعمال الساقة، الساقة في الجند والجيش أن يكون لهم سائق كما أن لهم قائدًا دليلًا فلهم أيضًا سائق. وقد كان من هدي الرسول ﷺ أنه يكون في الساقة في أخريات القوم، مع أنه ﷺ رئيسهم وزعيمهم، لكنه يتأخر لأجل أن يرفد مَن قصّر، ويعين من يحتاج، وللفوائد العظيمة التي تحصل بهذا. ثم ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. * فيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ قبل الشيء المحذوف، ويش التقدير؟ فساروا حتى إذا أتوا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ يعني (حتى) للغاية، فلا بد أن يكون هناك شيء مُغَيّا قبله. * وفيه دليل على إضافة المكان إلى ساكنه؛ لقوله: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كما يقال الآن في الأحياء، في أحياء البلد: هذا حي بني فلان، كما هو معروف من قديم الزمان؛ أن الأحياء تضاف إلى ساكنيها. هل نقول: في هذا دليل على أن النمل إذا سكن أرضًا ملكها، بحيث ما يجوز إحياؤها ولا الاستمتاع بها ولّا لا؟ * طالب: الظاهر فيه دليل. * الشيخ: فيه دليل. * الطالب: الظاهر. * الشيخ: خلونا ما نعلم، طيب، الآن اثنان اختلفا، أحدهما يقول: لا، والثاني يقول: نعم. فما هو الذي ترجحون؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. طيب ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ بيت فلان، هل لك حق في أن تأتي إلى بيت فلان وتسكنه؟ (...). * طلبة: (...). * الشيخ: إي، نعم. نقول: صحيح، فهو لو نظرنا إلى مطلق اللفظ لكان وادي النمل لهم؛ للنمل، ولكن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، إذا كان النمل لو هو يؤكل أكلناه، فكيف لا نأكل مساكنه، فبنو آدم هم أحق بالأرض من غيرهم، فهم إذا مثلًا احتاج الإنسان إلى عمارة هذه الأرض لو فيها نمل ما فيه بأس أنه يعمرها، ولو لزم من ذلك أن يموت النمل، لو لزم أن يموت النمل؛ لأن هذا الموت غير مقصود، وما كان غير مقصود وإنما جاء ضرورة لتناول المباح فإنه لا يضر. وهذه القاعدة معروفة في الشرع: أن الشيء الذي يأتي ضرورة لفعل مباح وهو غير مقصود فإنه لا بأس به، فانظر مثلًا إلى قتل النساء والذرية في الحرب، يجوز ولّا لا؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لكن إذا لم نتوصل إلى قتل المقاتلين إلا بالرمي بالمنجنيق والمدافع العامة يجوز ولّا لا؟ * طالب: يجوز. * الشيخ: ولو لزم من ذلك قتل النساء والذرية، ولو لزم؛ لأن هذا غير مقصود.كذلك أيضًا قطع النخيل؛ نخيل العدو، يجوز ولّا ما يجوز؟ * طلبة: ما يجوز. * الشيخ: ولكن إذا لم نتوصل إليهم إلا بقطع نخيلهم جاز؛ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بني النضير. والحاصل أن نقول: إن قتل النمل إذا لزم من إحياء الأرض فإنه ليس به بأس؛ لأنه لم يكن مقصودًا، وإنما جاء ضرورة لتناول أمر مباح لنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، جاز قتله، كل مؤذ، حتى بني آدم لو آذاك وصال عليك ولم يندفع إلا بالقتل تقتله، وهو أعظم الحيوانات حرمة. * وفي هذه الآية دليل على أن للحشرات نطقًا؛ لقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾. * وفيه دليل على أن قولها أيضًا مسموع، يسمعه بنو جنسها؛ لأنه لو لم يكونوا يسمعونه لم يكن فيه فائدة، فهم يسمعون قولها، وقد يُسمعه الله تبارك وتعالى من يشاء. * وفيه دليل استدل العامة بذلك على أن كل شيء ينطق من قَبل. وهذا ليس بصحيح، ولكن الله تعالى قد يُسمِع الخلقَ نطقَ بعض الحيوانات إما آية، أو كرامة، أو ما أشبه ذلك. * طالب: ينطق من قبل (...). * الشيخ: إي، كل شيء يتكلم، بعضهم قال: الجص يتكلم. والظاهر أنه فيه رسالة ممكن للجصة وهو يتكلم والجصة هي مخزن التمر. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هذه غاية لما سبق وهو قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا﴾ وعلى هذا فيكون في الكلام حذف تقديره: وساروا حتى إذا أتوا. فبعد أن جمع الجنود ووزعوا فرُد أولهم إلى آخرهم ونظّموا ساروا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أتوا، أي: سليمان وجنوده، أي: مروا. قوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكلام أن هذا الوادي معروفٌ بهذا اللقب، أنه يسمى وادي النمل. ويحتمل، -لكنه خلاف الظاهر- أن يكون هذا الوادي واديًا فيه نملٌ، يعني: حتى إذا أتوا على وادٍ فيه نمل، وليس معروفًا بهذا اللقب بأنه وادي النمل، ولكن الأولى الأخذ بظاهر اللفظ، وهو أن يكون هذا الوادي معروفًا بكثرة نمله، وأنه يُلقَّب بهذا اللقب لكثرته. والنمل معروف، وهو من الحيوانات التي نُهي عن قتلها كما في السنن: «أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربعٍ من الدوابِّ؛ وذكر منها النملة»[[أخرجه أبو داود ( ٥٢٦٧) وابن ماجه (٣٢٢٤) من حديث ابن عباس.]]. وفي الصحيح أيضًا «في أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه قرصته نملة، فأمر بقرية النمل كلها فأُحرقت، فعاتبه الله على ذلك وقال: هلّا نملة واحدة»[[أخرجه البخاري (٣٣١٩) ومسلم (٢٢٤١ / ١٤٨) من حديث أبي هريرة.]]. هذا النمل من جملة المخلوقات التي تعرف ربها وتعرف ما ينفعها وما يضرّها، على حسب ما رُكِّب فيها من هداية، وقد قال موسى ﷺ لفرعون لما قال: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: الخلق اللائق به، كل شيء من الحيوان وغيره له خلقٌ يليق به أعطاه الله، ثم هداه، هدى هذا الخلق أيضًا لما تقوم به مصالحه. فهذه النمل من جملة المخلوقات التي أعطاها الله تبارك وتعالى خلقها وهداها. (﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وهو بالطائف أو بالشام)، خلاف، ولا دليل لا على الطائف ولا على الشام، والأقرب أنه في الشام ومع ذلك لا نجزم به؛ لأن مقر سليمان عليه الصلاة والسلام كان في الشام، ومع هذا ما نجزم به. وتعيين المكان هل هو من الأمور التي لا بد منها في القصة؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن المقصود الاعتبار بما جرى في أي مكان كان من الأرض. وقال: (نمله صغار أو كبار) أيضًا، ما لنا ولهذا، بعضهم يقول: نمله كبار، النملة كبر الذئب. يعني صارت النمل الحمير، هذا ما هو بصحيح، بل النمل هو المعروف في لغة العرب، وكل من فسّر شيئًا من القرآن بخلاف ما تقتضيه اللغة العربية فإنه لا بد له من دليل، وإلا فيرد عليه؛ لأن معنا أصلًا أصيلًا في تفسير القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] فمن زعم أن شيئًا من القرآن على خلاف هذا اللسان العربي المبين فعليه الدليل. على هذا نقول: النمل هو النمل المعروف، وأما القول بأنه كبار وأنه كبر الذئاب، فهذا لا دليل عليه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، النمل المعروف هذا. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾، حتى إذا أتوا قالت نملة (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ) إلى آخره. قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ يقول: (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان). أما قوله: (وقد رأت جند سليمان) فهذا واضح، الله أعلم أنها رأته أو أحسّته، قد يكون إحساسًا بدون نظر، وقد يكون نظرًا، إنما على كل حال هي أدركت قربه ووصول سليمان بجنوده إليهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ نملة منكّر، وظاهر كلام المفسّر أنها معرّفة؛ لأنه قال: ملكة النمل. وهذا يقتضي أن يكون التعبير: قالت النملة. يعني: النملة المعهودة وهي الملكة، ولما لم يكن التعبير بقوله: قالت النملة؛ دل على أن القائل لا يتعين أن يكون ملكة النمل، وإنما هي نملة من النمل، وهذا ليس بغريب، فإنه كما لو أقبل جندٌ على طائفة من الناس ورآه واحدٌ منهم يصيح بهم ولّا لا؟ يصيح بهم، ولا يلزم أن يكون هذا الصائح هو الأمير أو الملك. ولهذا الصحيح إبقاء القرآن على ظاهره، وأنها نملة من هذا النمل، ولا يلزم أن تكون الملكة؛ لأن مثل هذه الأحوال أي واحد يشعر من الطائفة الموجودة يشعر بالخوف يصيح بهم وينذر: أنا النذير العريان. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ إذن الصواب أن نقول: قالت نملة من النمل، ولا نعيّنها بأنها الملكة. طيب (وقد رأت جند سليمان) هل يتعين أيضًا أن يكون رؤيةً أو يجوز أن يكون إحساسًا (...)؟ * طالب: (...) إن رأت (...). * الشيخ: إي لكن الرؤية هل يتعين الإدراك بالرؤية؟ أو يجوز أيضًا بالإحساس والسمع؟ يمكن هذا، وحينئذ نسأل: هل للنمل أعين؟ * طلبة: إي نعم، لها قرون استشعار. * الشيخ: هذا يحتاج إلى دراسة علم الأحياء، نعم إنما هي أنا قد رأيت كلامًا يقول: إن النمل إنه بإذن الله إذا مشى فإنه يفرز أشياء تمشي النملات الأخرى على رائحتها، وهذا شيءٌ أنا شاهدته بعيني، كان فيه بساط مثل هذا البساط بس كبير، المهم أنه من هذا النوع، وكان النمل هذا يمشي ويأتي على زاوية ثم يرجع، يعني يمشي مستطيلًا ويأتي على الزاوية ثم يرجع، كل النمل على هذا، يعني: ما يروح عدال يختصر، فأنا تعجبت (...) يعرف الطريق، لكن لو كان على تراب فاللي على التراب يبين أثر النمل ويمشي بعضه مع بعض، لكن هذا ما هو على تراب. ولكن بعد أن قرأت هذا عنه عرفت أنه إذا مشى يكون له رائحة، وتمشي بقية النمل عليها، نعم وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]. على كل حال نحن الذي يلزمنا من هذه الآية الكريمة أن النملة أدركت ذلك برؤية أو بغيرها. يقول: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. شوف هذه الجملة تضمنت نداء وأمرًا وإرشادًا وتحذيرًا وتعزيرًا، وغير ذلك مما يمكن أن ندركه إن شاء الله بعد الكلام بالتفصيل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ هذا نداء، وقد مر علينا مرات أن تصدير الجملة بالنداء الغرض منه التنبيه. يعني: إذا قلت: افعل أو يا فلان افعل الأخيرة أعظم وأبلغ، فهذا لتنبيهه. ثم قولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ نداء بعيد، مصدَّر بتنبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾؛ لأنه لو قالت: يا نملُ فقد يخفى؛ لأنكم كما ترون الإنسان أول ما يكلمك قد يخفى أول الجملة، إذا جاء بشيء ينبِّه قبل الدخول في الموضوع المقصود، صار ما يفوت الإنسان من المقصود شيء، لا يفوت السامع من المقصود شيءٌ، هي قالت: يا أيها النمل ولم تقل: يا نمل. ثم إن نداء البعيد أيضًا يدل على أنها صوتت بصوتٍ سمعه الكل ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾. وفي قولها: ﴿ادْخُلُوا﴾ هذا أمر والمراد به الإرشاد، وفي تعيين المساكن وهي الملاجئ، هذه مثل صفارات الإنذار عند الناس، إذا صفّرت صفارة الإنذار أين يذهبون؟ للسطوح؟ لا، للملاجئ، هي أيضًا أرشدتهم إلى ملاجئهم ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ثم فيه أيضًا إشارة إلى أن هذه المساكن كما أنها أكنان يكتن بها الإنسان، فهي أيضًا حصون يحترز بها الإنسان، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦]. وفي قولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ الإضافة هنا على تقدير اللام ولّا لا؟ ولّا على تقدير (مِن)؟ * طالب: لا، اللام مساكن لكم. * الشيخ: إي، على تقدير اللام؛ لا (من) ولا (في)؛ لأن الإضافة تكون على تقدير (من( إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه؛ كخاتم حديد، وباب خشب، وتكون على تقدير (في) إذا كان المضاف إليه ظرفًا للمضاف، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي: مكرٌ في الليل. وتكون على تقدير اللام، وهي الغالب والأكثر، وهنا على تقدير اللام. واللام المقدَّرة في الإضافة هنا هي للاختصاص ولّا للملك؟ بالنسبة لنا للاختصاص، لكن بالنسبة لهن النمل فيما بينهن الظاهر أنه للملك، أن كل واحدة منهن تعرف بيتها وأنه ما أحد يدخل عليها. * طالب: (...). * الشيخ: تملكه، إن كان يعرف أنه عقد بيع ولا يمكن (...) أيضًا تسجله. ﴿مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا التحذير، الشاهد هو التحذير. (﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يكسرنكم). والجملة هذه كالتعليل للأمر في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، يعني كأن قائلًا يقول: لماذا؟ لا يحطمنكم سليمان، فالجملة تعليل، وهي تحذير، تعليلٌ وتحذير. هذا من بلاغتها أيضًا، ما قالت: ادخلوا مساكنكم بس، عيّنت المحذَّر منه وهو: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾. ثم أتت بهذه الجملة الشديدة الوقع، ما قالت: لا يطأنكم، قالت: لا يحطمنكم. أيها أشد وقعًا؟ * طلبة: الأخيرة أشد. * الشيخ: الأخيرة أشد؛ لأن الوطء قد يلزم منه الكسر والإتلاف وقد لا يلزم، ثم هو الوطء هادئ بالنسبة لكلمة التحطيم. واضح؟ وهل المقام يقتضي هكذا أن يأتي بالعبارة الغليظة؟ نعم؛ لأن المقام مقام تحذير وبسرعة، إذا لم يفعلن هذا بسرعة فإنهم يحطّمون، قال: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهنا قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وقالت: ﴿ادْخُلُوا﴾. والتعبير بـ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالميم هذا لا يكون إلا للعاقل؛ لأن غير العاقل يؤنّث: ادخلن مساكنكن، ولا يحطمنكن. ولكنها هي قالت: ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ تنزيلًا لهن منزلة العاقل. أو يقال: هُن بالنسبة لبعضهن عقلاء، مثلما قلنا: إن المساكن بالنسبة لبعضهن ملك وبالنسبة لنا اختصاص. ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وكأن هذا التعبير يدل على أن عظمة سليمان متقررة عندهن، وهو كذلك. وقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ما قالت: وجنده؛ لأن الذي فهمنا من القرآن أن معه ثلاثة أصناف من الجنود، مَنْ؟ الإنس والجن والطير. كما سبق. وقوله: ﴿وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا اعتذار لمن؟ لسليمان وجنوده، أنهم لم يتقصدوا أن يحطموكم، ولكن بغير شعورٍ منهم؛ لأنكم كما تعرفون الجنود والجيش العظيم الواسع وهذه نمل صغار، نعم يمكن يحطمه وهو ما شعر، ثم إن الغالب أن مثل هذا الجند الكثير ما يستطيع أن ينكف بعضه عن بعض فيما إذا وجدوا جحر نملٍ مثلًا، فهذا معنى قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يعني لو قال قائل: كيف وهم لا يشعرون؟ هل هم يمشون بغير هدًى؟ نقول: لا، يمشون بهدى، لكن من المعروف أننا إذا قارنا بين هذا الجند العظيم الواسع وبين صغر هذه النمل فإن الغالب أنهم لا يشعرون بها. فهذه الجمل البليغة العظيمة من هذا المخلوق الذي ليس في أعين الناس شيئًا وهو من أصغر المخلوقات، ماذا يدلنا عليه هذا؟ يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وأن ما هو أعظم من هذه المخلوقات النمل هو أعظم منها أيضًا في مثل هذه الأمور؛ لأن من أعطى الصغير هذا الإعطاء وهداه هذه الهداية فالكبير أحوج إلى الهداية من ذلك، وعنده من العلم ما عنده، يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل ١٩]. نُزِّل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهن. وين الخطاب بخطابهن؟ * طالب: في قولها: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا﴾. * الشيخ: ﴿ادْخُلُوا﴾، و﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾، و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ لأن الميم هذه لجماعة العقلاء، والواو أيضًا لجماعة العقلاء، فلذلك خوطبوا بخطاب العقلاء، مثلما قلنا: إما لأن بعضهم مع بعضٍ عاقل، أو أنه لما كان هذا الخطاب يُفهم ويُعمل به صارت كأنها تخاطب عقلاء. * طالب: هي عبرت ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يعني: انكسر، والنمل حيوانات طرية أو حشرات طرية. * الشيخ: لا، ما المراد بالكسر أنه يكسر عضوًا فقط، المراد بالكسر الإهلاك على سبيل التحطيم. يعني مثلًا النملة إذا وطئتها تقطعت تمزقت، هذه تكسرت، ما معناه أنه تنكسر رجلها وتبقى معلقة مثلًا بها، لا. * طالب: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يهلكنكم؟ * الشيخ: لا، الحطام أبلغ، أشد في الحذر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة ٥] هذا التحطيم أبلغ. قال: (﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سليمان ابتداءً ﴿ضَاحِكًا﴾ انتهاءً ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ ). يقولون: إن الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي، ووسط، وانتهائي. الابتدائي: التبسم. والوسط: الضحك. والمنتهى: القهقهة. والقهقهة ما تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحيانًا، يكون منهم أحيانًا، فهنا تبسم ضاحكًا. المؤلف رحمه الله يرى أن سليمان ﷺ كان له مرحلتان في هذا الضحك: الأولى التبسّم، والثانية الضحك. فابتدأ بالتبسم وانتهى بالضحك، ويحتمل أن يكون تبسّم ضاحكًا أنه ضحك متبسمًا. ضحك متبسمًا يعني معناه أنه ما ظهر له صوت ولكنه تبسم تبسمًا، والله أعلم. وعلى هذا التقدير يكون ضاحكًا هذه حال مؤكدة مبينة للنوع، يعني معناه أن ضحكه كان تبسمًا. على كل حال هذه المسألة لا يضر لو كان ضحك ابتدأ بالتبسم وأنهى بالضحك. هذا الفرق التبسم أنه ينفتح الفم بدون صوت، الضحك يكون صوت لكن بدون قهقهة. والضحك القهقهة يتكرر الصوت، كركر كما يقول العامة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم يقول: ﴿ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: (من) بيانية، والبيانية للتعليل، يعني: بسبب قولها تبسّم، هذا التبسّم ويش مصدره؟ تبسّم من قولها، من تحذيرها، من اعتذارها، من إرشادها، منين؟ من فصاحتها. * طالب: من جميع هذه. * الشيخ: من كل ما يتضمنه هذا القول؛ لأنه في الحقيقة محل عجب أنها تتكلم بهذا الكلام البليغ، وبهذه السرعة نعم ما راحت (...) وتجيب العناصر وتبين، نعم هذا لا شك أنه محل ضحك، ثم أيضًا محل ضحك ما هو من القول فقط، من مغزى هذا القول، ولهذا جعله من نعمة الله وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ مغزى هذا القول -ربما- سليمان عليه الصلاة والسلام تعترف حتى الحشرات بعظمته وعظمة جنوده، نعم هذا لا شك أنه من نعمة الله عليه، فهذا التبسّم من القول من مضمونه ودلالته، وكذلك من مغزاه وما يتضمنه من نعمة الله تبارك وتعالى على سليمان. ﴿تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (وقد سمعه من ثلاثة أميال، حملته إليه الريح، فحبس جنده حين أشرف على واديهم حتى دخلوا) أي النمل (بيوتهم، وكان جنده ركبانًا ومشاة في هذا السير). يقول: (وقد سمعه من ثلاثة أميال). منين جاء بهذا؟ * طالب: أخبار إسرائيلية. * الشيخ: أخبار إسرائيلية، بل إن القرآن ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنهم وصلوا إليه، غاية ما هنالك أنهم على طول لما حُذّر النمل بهذا التحذير دخلن في المساكن. يعني: ما بينهم وبين أن يطئوا هذا النمل إلا دخول النمل مساكنهم، وهذا لا يقتضي أن يكون بينه وبينهم ثلاثة أميال، ولا دليل على ذلك، وإنما يقال: إنه سمعه من قرب، وهل سمعه غيره من جنوده؟ * طالب: ما يعرفه. * الشيخ: الظاهر أنه ما عرفوه ولا سمعوه؛ لأن قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ يدل على أن هذا التعليم -نطق الحيوانات- خاص بسليمان عليه الصلاة والسلام، وليس كما يزعم بعض العامة، بعض العامة يقولون: إن هو كل شيء يتكلم، يقولون الناس: إن هو كل شيء يتكلم، ويجيبون قصصًا على هذا. إن هذا ما هو بصحيح، ما هناك كلام معلوم إلا في الأمم فيما بينها، وأما أن الإنس مثلًا يعلمون كلام الجن، أو مثلًا يعلمون كلام الحشرات، فهذا لا إلا بدليل. إذا وُجد دليل عن المعصوم فهذا صحيح، مثلما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الذئب الذي يتكلم، وأخبر أيضًا عن البقرة التي ركبها صاحبها، وقالت له: إنا لم نُخلق لهذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]. المهم ما دل عليه الدليل وجب علينا أن نقبله، وإلا فالأصل أن الشيء يتكلم بلغته، وأن كل جنسٍ لا يفهم لغة الآخر.. * طالب: يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ١٧ - ١٩]. إذا كان الطير الأوّاب له خاضعة. * الشيخ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ لمن؟ * طالب: لداود. * الشيخ: أو لله. * طالب: أو بالأقرب لداود؟ * الشيخ: لا، المسألة تحتاج إلى قراءته، حتى قراءته ما هي مضبوطة على كلامك على ما قرأت أنت. * الطالب: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. * الشيخ: ما أدري، ما ضبطتُ الآية.. * * * يقول: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ (ألهمني) ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ﴿وَقَالَ رَبِّ﴾ هذه منادى، حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي. وحُذفت الياء المضاف إليها للتخفيف، وإلا أصلها (ربي) بالياء. ودائمًا يأتي الدعاء بحذف ياء النداء، لماذا؟ * طالب: الياء. * الشيخ: لماذا يأتي الدعاء دائمًا بحذف حرف النداء؟ * طالب: ابتداء بذكر الله للتبرك. * الشيخ: ابتداء باسم الله وعناية بالمقصود، وهو الله سبحانه وتعالى، (ربّ) يبتدئ به قبل كل شيء، وكأن الإنسان لشدة شوقه لربه أثناء دعائه ما يبدر منه إلا اسم الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أوزعني من حيث الإعراب يقال: فعل أمر، لكن النحويون رحمهم الله تأدبًا مع الله ما يقولون: فعل أمر؛ لأنك ما تأمر الله، يسمونه أيش؟ فعل دعاء، عندما نعرب هذه ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نقول: أوزع: فعل دعائي، ما نقول: فعل أمر يقصد به الدعاء، هو حقيقة فعل أمر والمقصود به الدعاء، لكن تأدبًا مع الله نقول: فعل دعاء. (﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ ). ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ الحامل لسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقول هذا: الاعتراف بنعمة الله سبحانه وتعالى وخوف الغرور بالنفس؛ لأنه إذا كانت النملة تقول هكذا وهذا خوفًا منه وجنوده وتعتذر لهم ويفهم كلامها، هذا قد يؤدي بالإنسان أيش؟ إلى الغرور، وأن هذا الشيء لذاته أو من ذاته؛ مثلما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] فلهذا سأل الله في هذا المقام الذي ربما يحصل به الغرور للمرء، والإنسان بشر، سأل الله أن يلهمه شكر نعمته التي أنعم عليه وعلى والديه، وأن يعمل صالحًا يرضاه. وهكذا ينبغي للإنسان إذا حصل له نعمة أن يسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمه شكرها، حتى لا يلحقه الغرور بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، سواءٌ كانت النعمة مالية أو جسدية، معنوية أم حسيّة. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾: (أن) هذه مصدرية، أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ لـ(أوزعني)؛ لأن المفعول الأول الياء والمفعول الثاني: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾. يعني: ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديّ. قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ النعمة ويش معنى النعمة؟ الإحسان الذي يَنْعَم به المُحسَن إليه، والنعمة -كما تعرفون- تنقسم إلى قسمين: إما حصول مطلوب، وإما نجاة من مرهوب. والله -تبارك وتعالى- دائمًا نعمه على عبده، والعبد دائرٌ بين هذين الصنفين من النعمة، دائمًا يحصل له مطلوبه وينجو من مرهوبه. وقول المفسّر: (﴿أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾ ). لماذا قدّر (بها)؟ * طالب: يعتقد أن (أنعمت) (...). * الشيخ: لا؛ لأنه من المعروف أن الجملة التي تكون صلة للموصول لا بد فيها من رابط يعود على الموصول، لا بد فيها من عائد يعود على الموصول. هنا ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ تحتاج الجملة (أنعمت) أن يكون فيها ضمير يعود على (التي)، قدّرها المؤلف بقوله: (بها). وهل منكم أحد يناقشه في هذا التقدير؟ يعني: تقدير الضمير: لأجل أن يكون عائدًا على الموصول، هذا واضح مسلّم، هذا القاعدة النحوية ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه. هذا واضح. وهذا كثير في الكلام العربي؛ في القرآن والسنة وكلام الناس، أنه لا بد من عائد يعود على الموصول ليربط الجملة صلة بموصولها. ولكن هل لكم مناقشة مع المؤلف في تقدير العائد على هذا الوجه؟ * طالب: (...) بعد الضمير المنفصل (...). * الشيخ: لأن الضمير المنفصل: إياه وإياي وإياك، هذا ضمير منفصل، فالضمير هنا متصل بلا شك. * طالب: (...) لكن (...) الباء بها. * الشيخ: إي ولو هو متصل ولو (...) هو متصل، ولو مع وجود الباء، وكان يقول: أنعمتها عليّ، هذا صحيح، لكن ما هو بالعلة، التقدير اللي قدّرت صحيح لكن العلة ما هي العِلَّة. يقولون: إن العائد ما يُحذف إذا كان مجرورًا إلا إذا جُرّ الموصول بحرف مشابه للمحذوف لفظًا ومعنًى وتقديرًا. عرفتم؟ هذا مر علينا، كنا نقرأ في النحو في القطر، وأنه إذا كان مجرورًا يشترط أن يكون مجرورًا بالحرف الذي جر الموصول، وأنه يكون موافقًا له في اللفظ ومتعلقه واحدًا موافقًا في اللفظ والتقدير والمعنى. المؤلف الآن قدّر (بها) مع أنها ما هي موجودة في القرآن: (﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها). وعلى هذا فالتقدير السليم أن يقول: أنعمتها عليَّ وعلى والديَّ؛ لأنه ما يمكن يحذف العائد المجرور إلا إذا كان الموصول مجرورًا بحرف الجر الذي جُر به ذلك العائد. وقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أما ﴿عَلَيَّ﴾ فظاهر أن نعمة الله عليك تحتاج إلى شكرٍ منك، لكن نعمة الله على والديك ما وجه كونها تحتاج إلى شكرٍ منك؟ لأن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد، لا سيما نعمته هذه اللي حصلت وهو أنه ورث من داود النبوة وخلفه فيها، فهذه النعمة نعمة الله على والديه هي في الحقيقة نعمة عليه، ولهذا قال: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. وقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ هذه جمع ولا مثنى؟ * طلبة: مثنى. * الشيخ: ﴿وَالِدَيَّ﴾ مثنى مضاف، ولذلك حُذفت النون منه، وأصله: والدين لي، لكن حُذفت النون من أجل الإضافة. طيب ﴿وَالِدَيَّ﴾ من المراد بالوالد؟ * طالب: الوالد الأب بصيغة الجمع. * الشيخ: أي هل هو الوالد الذي أنت ولده لصلبه، أو حتى الجد ومن علا. نقول: الحقيقة أن كلمة والد أحيانًا يدخل فيها الجد وإن علا، وأحيانًا تتعين بالوالد الأب. والذي يعيِّن ذلك هو القرائن؛ القرائن اللفظية أو القرائن الحالية. فمثلًا: لا يجوز لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد فيما يعطي ولده. من المراد بالوالد؟ * طالب: الأب. الشيخ المباشر. الوالد الأدنى، والجد لا يُلحق به. الوالد في تحريم النكاح؟ يشمل الأدنى والأعلى. الوالد في الميراث؟ * طالب: على الصحيح يشمل. * الشيخ: يشمل الأدنى والأعلى إن فُقد الأب، المراد الذكور والإناث. يعني: لا تحسبون على القول الصحيح أنا نريد الجد الوالد اللي هو الذكر، حتى الأنثى مثلًا الأم الوالدة في الميراث يشمل الأب الأعلى إن فُقد الأدنى. ولّا لا؟ فصار في الحقيقة أن كلمة (والد) تارة يراد بها الأدنى، وتارة يراد بها الأدنى والأعلى مجتمعين أو منفردين، وتارة يراد بها الأدنى والأعلى، لا، ويش لا؟ * طالب: لا مجتمعين. * الشيخ: لا مجتمعين. والذي يعيّن ذلك هو القرائن. القرائن اللفظية أو الحالية. * طالب: (...) تشمل (...)؟ * الشيخ: لا، كلمة والد. * الطالب: ما فيه فرق بين والدَيّ ووالدِيّ. * الشيخ: إي، ما بينهما فرق، إذا قلنا: والدَيَّ يعني: الوالد والوالدة، إذا قيل: والِدِيَّ ولا هو بيعبر بوالدِيَّ. * الطالب: (...) والدي. * الشيخ: ما فيه تعبير بوالِدِيَّ، يعني لو عبّر الإنسان نقول: هذا التعبير غير سليم، لكن والدِينا إذا صرنا جماعة واضح؛ لأن إذا قلت: والدينا وكنا اثنين كم يصيرون الوالدين؟ أربعة، إذا صرنا ثلاثة يكون ستة.. وهكذا. ولذلك بعض الإخوان اللي يقرءون في رمضان: اللهم اغفر لنا ولوالدَينا. هذا ما هو بصحيح، إلا على سبيل التجوّز؛ لأن والدينا، نحن لسنا عيال رجلٍ واحد، نعم لو كنا عيال رجلٍ واحد ستة نقول: والدَينا؛ لأن نحن أبونا واحد وأمنا واحدة، لكن لو صار في المسجد ألف نفر، هو والد كل واحد منا والد للثاني؟ ما إحنا إخوة. * طالب: اختصار اللفظ. * الشيخ: ولهذا ما تيجي والدَينا إلا على سبيل التجوّز، أي: والديّ كل واحدٍ منا. ولهذا التعبير السليم في مثل هذا أن تقول: اغفر لنا ولوالدِينا. * طالب: (...) خطأ. * الشيخ: لا. هذا هو الصواب. * الطالب: (...). * طالب: لكن كل اللي يحكون إلا نادرًا. * الشيخ: المهم على كل حال ما نقدر نقول: كلهم كذا ولا كلهم كذا، لكن نحن الآن نحللها من جهة اللغة العربية. الصواب في هذا إذا كنا جماعة والدِينا؛ لأن والدَينا ما تكون إلا على سبيل التجوّز. طيب ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. * طالب: أباه وأمه؟ * الشيخ: إي نعم أباه وأمه. قال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ يعني: وألهمني أن أعمل صالحًا ترضاه. وهنا قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ أي: أعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما يكون إلا إذا تضمن شرطين أساسيين هما؟ أحيانًا نسأل، ما فيه مانع أن نسأل. * طالب: الإخلاص والمتابعة. * الشيخ: الإخلاص والمتابعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة ٥] كل العام. الإخلاص واضح في الأنبياء وغيرهم، والمتابعة في غير الأنبياء واضح عندكم أيضًا، وفي الأنبياء غير واضح عندكم ولكنه واضح؛ لأن النبي يتبع شريعة توحى إليه، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: هو قد لا يتبع هذه الشريعة، قد لا يتبع، لكن كما مر علينا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون منين؟ من الإقرار على المعاصي مطلقًا، فإذن المتابعة موجودة في الأنبياء أيضًا؛ لأن المتابعة من الشرع الذي أوحي إليهم. فإذن هذا العمل الصالح: ما جمع بين أمرين الإخلاص والمتابعة، ففي فقد الإخلاص يكون الشرك، وفي فقد المتابعة يكون الابتداع. فالعمل الذي فيه شرك مردود؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم ( ٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. حتى الرياء، الرياء نوع من الشرك، إذا عمل الإنسان العبادة وهو مراءٍ فيها فهو مع الإثم مردودٌ عليه عمله. كذلك أيضًا في الابتداع، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم ( ١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]، وهذا أعم من اللفظ الثاني: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]. إلا إذا قلنا: من أحدث في ذاته وصفاته، فإذا قلنا: من أحدث في أمرنا ما ليس منه، سواء في نفس العمل أو في وصف العمل، صار موافقًا للفظ الآخر. على كل حال العمل إذا لم يكن خالصًا فليس مقبولًا، وإذا لم يكن صوابًا يعني: على السنة فليس مقبولًا، وليس بصالح أيضًا، وليس بصالح بل هو فاسد. قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الرضا بمعنى القبول، وكلمة ﴿تَرْضَاهُ﴾ بعد قوله: ﴿صَالِحًا﴾ هل لها معنى؟ لأن كل صالح فهو مرضي، فهل تكون الجملة حينئذ صفة كاشفة مبيِّنة، أو صفة مقيِّدة، يعني: مبينة ولا مقيدة؟ * طالب: مبينة. * الشيخ: الظاهر أنها مبينة، يعني أن العمل الصالح مرضي. قد يقول قائل: إن العمل قد يكون صالحًا بظاهره ولكنه غير مرضي في مآله أو فيما صحبه. قد يعمل الإنسان مخلصًا لله متّبعًا لرسول الله ﷺ، لكن يحصل منه إعجابٌ في عمله، هذا الإعجاب يمنع من رضا الله به ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]، قد يكون عملًا صالحًا في أوله وفي نهايته لا يرضاه الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]، فالرجل يتصدق بالصدقة مخلصًا لله تعالى متّبعًا لرسول الله ﷺ فيها، لكنه يتبعها بمنّ وأذى، وحينئذ تبطل الصدقة، إي على هذا التقدير يكون قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ صفة مقيدة، يكون صفةً مقيدةً. أيُّ الأمرين يحسن بنا أن نسلكه في هذا وغيره، فيما إذا جاءت صفة، هل الأولى أن نجعل الصفة مبيِّنة يعني مفسِّرة فقط أو أن نجعلها مقيِّدة؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: الأولى أن تكون مقيدة؛ لأن بالتقييد زيادة معنى. والتفسير ما يعدو شيئًا خارجًا عما سبق، فكل صفة تأتي في كلام في هذا وغيره فالأصل أن تكون أيش؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: أن تكون مقيدة، ولا يمكن أن نلجأ إلى كونها مفسّرة لمجرد بيان الأمر إلا متى؟ إلا عند الضرورة، إذا تعذّر أن تكون مقيّدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذه؟ * طالب: مبينة. * الشيخ: مبينة ومفسّرة وليست مقيّدة؛ لأننا لو جعلناها مقيِّدة ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾.. الشيخ: أيش؟ * طالب: أن تقيد. * الشيخ: أن تكون مقيدة، ولا يمكن أن نلجأ إلى كونها مفسرة بمجرد بيان الأمر إلا متى؟ إلا عند الضرورة إذا تعذّر أن تكون مقيدة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ﴾ هذه مُبيّنة ومفسّرة وليست مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة؟ * طالب: ما هي؟ * الشيخ: ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (...). إي، كل شيء يتكلم؛ لأن بعضهم يقول: الجسد يتكلم، والظاهر أنه في السارق ممكن بالجصة ويتكلم، والجصة هي مخزن التمر. وفيه رد لكلام المؤلف في قوله: إن النملة (ملكة النمل)؛ لقوله: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنكَّر. وليس بغريب أن تكون نملة من النملات هي التي قالت هذا. * وفي الآية هذه دليل على فصاحة هذه النملة ونصحها وذكائها؛ لأن الكلام اللي قالته يتضمن هذا كله، فهي من بلاغتها استعملت في كل مكان ما يناسبه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ [النمل ١٨] أتت بياء المناداة للبعيد؛ لأن النمل ليس قريبًا منها كله، بعضه بعيد وبعضه قريب. ومن كمال أيضًا نصحها: إرشادها إلى المخابئ والملاجئ في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ومن كمال ذكائها: أنها استعملت العبارات المثيرة المزعجة في قولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. وفيها أيضًا من عدلها؛ أنها قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، فتضمن هذا الكلام أنواعًا كثيرة من البلاغة والفصاحة والنصح والتحذير والتعذير وغير ذلك من ما مر في الشرح. الآن انتهت الفوائد التي عندي، عندكم فوائد أنتم؟ * طالب: عظمة ملك سليمان إذا (...). * الشيخ: إي نعم، في هذا أيضًا: عظمة ملك سليمان وجنوده؛ لأن النملة عرفت ذلك وحذّرت منه. * طالب: هل فيها أن الإنسان يتقي وقع الأقدام (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم يتقيه، والنملة -في الحقيقة- بيوتها الآن تكون عميقة في الأرض، ثم هي أيضًا من عادتها النملة أنها ما تبني البيوت إلا في مكان مرتفع، وغالبًا أن الجند يعني (...) أنهم ما دام يجدون السهل ما يروحون لها. * طالب: تكون صلبة يا شيخ، أحيانًا تكون صلبة يعني تحفر من البلاط و(...). * الشيخ: لا، ما تحفر البلاط. * طالب: هذا. * الشيخ: إي، فوق لا بأس، أما الحفر ما تقدر. قال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٩]. في هذا جواز التبسم عند وجود سببه، وجواز الضحك أيضًا؛ لقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، وهذا من فعل نبي، وفعل الأنبياء حُجّة، حتى وإن كانوا غير نبينا ﷺ إلا ما ورد شرعنا بنصه فهذا لا يعتبر. الدليل على أن فعل الأنبياء حُجّة قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام ٩٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. * وفيه دليل على ما كان عليه سليمان عليه الصلاة والسلام من التواضع لله سبحانه وتعالى، حيث لم يأخذه الغرور بهذا الملك العظيم حتى قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. * وفيه دليل على الاعتراف بالنعمة؛ بنعمة الله، وأنه ليس من الافتخار؛ لأن سليمان ذكر نعمة الله عليه، لكنه لا يقصد بذلك الافتخار والعلو على غيره، وقد قال الله تعالى للرسول ﷺ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، لكن لا على سبيل الافتخار والعلو؛ لأنه حينئذٍ تنقلب إلى نقمة. * وفيه دليل على أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، ولا سيما نعمة الإسلام، فإنها من أكبر النعم على الولد، لو مات طفل وأبواه كافران لكان هذا الطفل في الدنيا في حكم الكافرين، وفي الآخرة الله أعلم بحاله، ولو مات طفل بين أبوين مسلمين لكان هذا الطفل؟ * طالب: في الجنة. * الشيخ: مسلمًا في الدنيا والآخرة، وعلى هذا فنعمة الله على الوالدين ولا سيما في الدين نعمة على الولد، وهذا هو وجه قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. * وفي هذا دليل على أن من العقل والعدل والشرع إضافة المنة إلى المانّ بها؛ لقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وهذا اعتراف، وأبلغ من أن يقول الإنسان: أوزعني أن أشكر النعمة وبس؛ لأن قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ واضح جدًّا في خضوع هذا الإنسان لهذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها عليه، فهذه فيها دليل أنه من العقل والعدل والشرع إضافة المنة إلى المان بها ولو كان آبيًا. إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهْ ∗∗∗ ............................. ومن الأشعار المعروفة عندهم: ويش معنى ذووه؟ أصحاب الفضل، ما يعرف الفضل إلا أصحاب الفضل، أما من ليس بأهل فضل فإنهم ينكرون الفضل، بل إنك لو تفضلت عليهم لرأوا أن هذا حق واجبٌ عليك (...)، وأعظم شيء في هذا من يمن على الله سبحانه وتعالى بما أنعم الله به عليه، كما في قصة الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]. * وفيه دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كغيرهم مفتقرون إلى توفيق الله، وأنهم بدون توفيق الله سبحانه وتعالى ما يسيرون سيرًا يرضي الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. * وفيه دليل على أن العمل غير الصالح ليس فيه فائدة، بل وبين أمرين، العمل غير الصالح هو دائر بين أمرين: إما الإثم، وإما السلامة فقط، فإن صدر عن علم فهو إثم، وإن صدر عن جهل فالإنسان سالم، ولكن لا فائدة له فيه، كما لو صلّى الإنسان مثلًا صلاة باطلة في حدث، صلاة بحدث؛ فإنه إن تعمّد ذلك كان آثمًا، وإن كان جاهلًا لم تُفده في إبراء الذمة، ويطالب بإعادتها، أما الأجر فقد يُؤجر عليها من أجل النية والعمل الذي حصل المشقة، ولكن الكلام على الفائدة ما يستفيد منها في إبراء ذمته، ولا تسقط عنه. * وفيه دليل على أن الغاية التي يسير إليها الأنبياء ومن تبعهم هو رضا الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ لأن المقصود من عمل الإنسان الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى، بل إن رضا الله غاية فوق كل شيء، قال الله تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٧١] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢]؛ يعني: أكبر من كل شيء، وإذا حل على الإنسان رضا الله فهذا غاية ما يريد. * وفي الآية دليل أيضًا على أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يتوسّلون إلى الله؛ يعني يسألون الله تعالى بالوسيلة؛ لقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء ٥٧]؛ يعني أولئك الذي يدعوهم هؤلاء المشركون، أولئك ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾، فكل الناس، كل الخلق يسألون الله تعالى ويتوسلون إليه بما هو جائز. * وفيه دليل على جواز التوسل بصفات الله. * طالب: (...). * الشيخ: نفس الآية؟ برحمته. * وفيه دليل أيضًا، بل فيه إشكال: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، إذا قال قائل: مقام النبوة أعلى من مقام الصلاح، ﴿أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فكيف دعا الله أن يُدخله في عباده الصالحين مع أنه نبي أعلى مرتبة من مرتبة الصلاح؟ * طالب: (...) دخل فيه (...) الأنبياء والشهداء إذا كان (...). * الشيخ: وعند التفصيل تأتي المراتب. * طالب: نعم. * الشيخ: كذا؟ هذا هو الأقرب، الأقرب أن المراد بالصلاح هنا الصلاح المطلق، والصلاح المطلق هذا أعلى مرتبة، وقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٢٧]، فالمراد هنا الصلاح المطلق لا الصلاح الذي يُذكر مع المراتب، فإن مقام الصلاح مع المراتب دون مقام النبوة، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. * وفي هذا دليل أيضًا على أن العبادة مرتبة شريفة عظيمة، يسألها حتى الأنبياء؛ لقوله: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾، ولهذا يذكر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بوصف العبودية في أعلى مقاماته عند إنزال القرآن وعند الدفاع عنه، وما أشبه ذلك، وقد قال الشاعر يخاطب: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَـــــــــاعَبْدَهَــــــــــــا ∗∗∗ فَـــــإِنَّـــــهُ أَشْــــرَفُأَسْمَــــائِـــــــــــــــــي هذا -أعوذ بالله- عاشق! لنفرض أن اسمه مثلًا بكر، يقول: لا تقول لي يا بكر، قل: يا عبد ليلى؛ فإنه أشرف أسمائي، فالعبودية لله سبحانه وتعالى، لا شك أنها أشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله، والإنسان لا بد أن يكون عبدًا، ولا بد أن يتخذ إلهًا حتى الشيوعيين والملحدين لا بد أن يكونوا عبيدًا ولهم آلهة، ولَّا لا؟ صحيح، هل توافقون على هذا؟ * طالب: لا بد.. * الشيخ: إي نعم، لا بد، لو لم يكن لهم آلهة إلا أهواؤهم، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية ٢٣]، وقال رسول الله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٦٤٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢٥٩٥) من حديث أبي هريرة واللفظ للطبراني.]]، وهؤلاء بلا شك يعبدون الدينار والدرهم، بل إنهم لا يسعون إلا لذلك، هؤلاء الملحدون ما يسعون إلا لذلك. إذن لا بد لكل إنسان أن يكون عبدًا، فإن كان عبدًا لله فقد تحرر من العبودية حقيقة؛ لأن عبد الله حر، ما يرى شيئًا في الدنيا أو في المخلوقات أنه عبد له، لكن يرى خالقه هو سيده وإلهه وأنه عبد لهذا الخالق. ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ انتهى اللي عندي، فيه شيء عندكم أو كفاية؟ * طالب: (...). * الشيخ: يمكن يُؤخذ منه، ولا شك أن شكر النعم من النعم، وقد قال الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَـــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ وهذا صحيح، إذا وفقك الله للشكر فهو نعمة، يجب عليك أنك تشكر الله على هذه النعمة، فإذا شكرته صارت نعمة ثانية توجب الشكر؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]، فإذا رأيت (...). * طالب: الرد على القدرية. * الشيخ: في؟ * طالب: قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: طيب، أحسنت. صحيح. فيه رد على القدرية؛ لأن القدرية يرون أن الإنسان مستقل بعمله، ما يحتاج إلى معونة من الله ولا شيء، ولا شك أن هذا قول باطل، لكن هذه الآية ترد عليهم. وفيه أيضًا رد على الجبرية؛ لأنه أضاف العمل إليه، فقال: ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وقوله: ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ معناه: يمكن أعمل غير صالح، فهو مختار، ففيه رد على الطائفتين جميعًا؛ القدرية والجبرية. ويش الفرق بينهما؟ * طالب: القدرية أن الإنسان (...)، والجبرية أن الإنسان مجبور على الأعمال. * الشيخ: ما له اختيار ولا شيء. * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: قلنا هذه قلنا: الاستدلال به على هذا، الاستدلال ما هو بقوي؛ لأن لله على الكافر نعمة، ولَّا لا؟ الله له نعمة على الكافر، لكن النعمة المطلقة ما تكون إلا بالإسلام، من هذه الناحية نقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال هي قريبة من أنها مسلمة، ولكن لو حصل أصح من هذا يكون طيبًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠].. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يمكن نقول، (...) نقول اللي يقوله (...)؛ لأن الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري.]]. * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: إن الإنسان ما يصل إلى غايته إلا برحمة الله؟ * طالب: (...) الغاية (...). * الشيخ: إي، لا، هنا قال: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾؛ يعني ما يصل إلى مقصوده إلا إذا رحمه الله، كل شيء الجنة وغير الجنة؛ يعني إذا لم يرحمك الله ما (...) أبدًا. * طالب: شيخ، بيت الشعر (...). * الشيخ: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * طالب: البيت الثاني. * الشيخ: فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * طالب: (...). * الشيخ: (...) فأحسنتم. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، هو عند الله مولود على الفطرة، لكن الظاهر غير مسألة الباطن؛ ولذلك أولاد الكفار ما يدفنون في مقابر المسلمين. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ظاهرًا، فالكفر في أحكام الدنيا.

النمل 27:18

قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]. سليمان عليه الصلاة والسلام آتاه الله تبارك وتعالى ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، «حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لما همّ أن يقبض على الشيطان قال: «ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١ / ٣٩) من حديث أبي هريرة.]]. من جملة ملكه هذا التنظيم العظيم. حُشر: جُمع، ومن الجامع؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. الله على كل شيءٍ قدير، لكن الجامع النقباء والعرفاء الذين جعلهم يجمعون هؤلاء الجنود، فهو قد نظّم ملكه غاية التنظيم، وجعل لكل أناسٍ قادة وعرفاء يجمعونهم. ﴿حُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وغيرهم؟ الجن واضح، والإنس مكلَّفون، والطير غير مكلفين لكنها تطير. بقينا بالحيوانات الأخرى الماشية والزاحفة، هل تدخل في هذا من باب أولى ونقول: إنه إذا حُشرت الطيور التي لا يمكن السيطرة عليها فغيرها؟ * طالب: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى. أو نقول: إن سليمان عليه الصلاة والسلام ما كان يستعمل إلا الطيور فقط؛ لأنه يستخدمها لمصالحه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، من كل شيء ممكن على عموم هذا. يعني: إن جعلنا (مِن) للتبعيض وليست للعموم، وإن جعلنا من كل شيء يثبت به الملك ويقوى به، ما هو بلازم مثل هذا الشيء، فهو محل إشكال عندنا، فالآن نقول: سكت عن بقية الحيوانات، فهل هي داخلة في جنوده أو لا؟ قد تقول: إنها داخلة من باب الأولى، وقد تقول: ليست بداخلة. ما وجه قولنا: من باب الأولى؟ أن نقول: إذا كان الطير، وهو لا يمكن السيطرة عليه في طيرانه يُحشر ويُجمع، فغيره من باب أولى. ولّا لا؟ وقد تقول: إنه ليس بلازم؛ لأنه يمكن أن سليمان ﷺ ما يستخدم من الحيوانات سوى الطير، وإذا لم يستخدم سواها فلا حاجة له في أن يجمع الباقي. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ شوف هذا أيضًا ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُجمَعون ثم يساقون) وهذا أيضًا من التنظيم. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يعني: يساقون. يعني: منظّمين في جمعهم وسيرهم، يُجمعون أولًا وبعد أن يُجمعوا يوزعون، فيساقون على وجهٍ منظَّم. وهذا لا شك أنه من التنظيم الذي يحفظ على الناس الوقت والعمل؛ لأن أكثر ما يضيّع الإنسان يضيّع وقته وعمله هو عدم التنظيم. ولهذا أقول: إنه ينبغي لنا أن يكون عندنا تنظيم لأعمالنا اليومية بقدر المستطاع، ولكن ليس معنى ذلك أن نصر على هذه الأعمال، وإن وُجد ما هو أفضل، لا، إنما بس يكون الإنسان مرتّبًا منظّمًا، ما يخلي وقته فوضى، حين يقرأ في كتاب (...) بالثاني (...) لا، أو يعمل ها العمل الضابط ثم يتركه. لكن ينبغي أن يكون عندك تنظيم، ومن المستحسن أنه كلما كان الشيء أهم يبدأ به أولًا، يبدأ به أولًا، كان بعض الناس يقولون: إنه من جملة تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدى مثلًا، ما يجعل قراءة الكتب الهامة التي تحتاج إلى تعب بعد الغداء؛ لأن قراءة الصحف قراءة سطحية مثل التحدث العادي، ما فيه تعب ولا. لكن الكتب والتعمُّق يحتاج إلى عمل، وهذا لا يناسب مع وجود الشبع. * * * * طالب: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٣ - ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أولًا من قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد نظم جنوده ورتبهم، بحيث يُجمعون عند الجمع ويفرقون عند التفريق؛ لقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾. * وفي الآية دليل على أن الجنود الذي يستصحبهم سليمان ثلاثة أصناف، وهم: الجن والإنس والطير. أما الإنس فاستصحابه لهم ظاهر؛ لأنه منهم. وأما الجن فلاستخدامهم فيما لا يقدر عليه الإنس. وأما الطيور فقال بعض العلماء: إنها تصحبه لتظله، تكون فوق رأسه ظلة من الشمس، وهذا قد يكون مقصودًا، وقد يكون أيضًا من مقصود استصحاب الطير أنها تأتيه بالأخبار البعيدة كما في قصة الهدهد. * وفيها أيضًا في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ دليل على كمال التنظيم أيضًا؛ لأن الوزع إيش معناه؟ الجمع والسوق ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت ١٩] يُجمعون إليها ويساقون إليها، وهذا دليل أيضًا على كمال التنظيم. * وفيه دليل على استعمال الساقة، الساقة في الجند والجيش أن يكون لهم سائق كما أن لهم قائدًا دليلًا فلهم أيضًا سائق. وقد كان من هدي الرسول ﷺ أنه يكون في الساقة في أخريات القوم، مع أنه ﷺ رئيسهم وزعيمهم، لكنه يتأخر لأجل أن يرفد مَن قصّر، ويعين من يحتاج، وللفوائد العظيمة التي تحصل بهذا. ثم ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. * فيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ قبل الشيء المحذوف، ويش التقدير؟ فساروا حتى إذا أتوا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ يعني (حتى) للغاية، فلا بد أن يكون هناك شيء مُغَيّا قبله. * وفيه دليل على إضافة المكان إلى ساكنه؛ لقوله: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كما يقال الآن في الأحياء، في أحياء البلد: هذا حي بني فلان، كما هو معروف من قديم الزمان؛ أن الأحياء تضاف إلى ساكنيها. هل نقول: في هذا دليل على أن النمل إذا سكن أرضًا ملكها، بحيث ما يجوز إحياؤها ولا الاستمتاع بها ولّا لا؟ * طالب: الظاهر فيه دليل. * الشيخ: فيه دليل. * الطالب: الظاهر. * الشيخ: خلونا ما نعلم، طيب، الآن اثنان اختلفا، أحدهما يقول: لا، والثاني يقول: نعم. فما هو الذي ترجحون؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. طيب ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ بيت فلان، هل لك حق في أن تأتي إلى بيت فلان وتسكنه؟ (...). * طلبة: (...). * الشيخ: إي، نعم. نقول: صحيح، فهو لو نظرنا إلى مطلق اللفظ لكان وادي النمل لهم؛ للنمل، ولكن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، إذا كان النمل لو هو يؤكل أكلناه، فكيف لا نأكل مساكنه، فبنو آدم هم أحق بالأرض من غيرهم، فهم إذا مثلًا احتاج الإنسان إلى عمارة هذه الأرض لو فيها نمل ما فيه بأس أنه يعمرها، ولو لزم من ذلك أن يموت النمل، لو لزم أن يموت النمل؛ لأن هذا الموت غير مقصود، وما كان غير مقصود وإنما جاء ضرورة لتناول المباح فإنه لا يضر. وهذه القاعدة معروفة في الشرع: أن الشيء الذي يأتي ضرورة لفعل مباح وهو غير مقصود فإنه لا بأس به، فانظر مثلًا إلى قتل النساء والذرية في الحرب، يجوز ولّا لا؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لكن إذا لم نتوصل إلى قتل المقاتلين إلا بالرمي بالمنجنيق والمدافع العامة يجوز ولّا لا؟ * طالب: يجوز. * الشيخ: ولو لزم من ذلك قتل النساء والذرية، ولو لزم؛ لأن هذا غير مقصود.كذلك أيضًا قطع النخيل؛ نخيل العدو، يجوز ولّا ما يجوز؟ * طلبة: ما يجوز. * الشيخ: ولكن إذا لم نتوصل إليهم إلا بقطع نخيلهم جاز؛ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بني النضير. والحاصل أن نقول: إن قتل النمل إذا لزم من إحياء الأرض فإنه ليس به بأس؛ لأنه لم يكن مقصودًا، وإنما جاء ضرورة لتناول أمر مباح لنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، جاز قتله، كل مؤذ، حتى بني آدم لو آذاك وصال عليك ولم يندفع إلا بالقتل تقتله، وهو أعظم الحيوانات حرمة. * وفي هذه الآية دليل على أن للحشرات نطقًا؛ لقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾. * وفيه دليل على أن قولها أيضًا مسموع، يسمعه بنو جنسها؛ لأنه لو لم يكونوا يسمعونه لم يكن فيه فائدة، فهم يسمعون قولها، وقد يُسمعه الله تبارك وتعالى من يشاء. * وفيه دليل استدل العامة بذلك على أن كل شيء ينطق من قَبل. وهذا ليس بصحيح، ولكن الله تعالى قد يُسمِع الخلقَ نطقَ بعض الحيوانات إما آية، أو كرامة، أو ما أشبه ذلك. * طالب: ينطق من قبل (...). * الشيخ: إي، كل شيء يتكلم، بعضهم قال: الجص يتكلم. والظاهر أنه فيه رسالة ممكن للجصة وهو يتكلم والجصة هي مخزن التمر. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هذه غاية لما سبق وهو قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا﴾ وعلى هذا فيكون في الكلام حذف تقديره: وساروا حتى إذا أتوا. فبعد أن جمع الجنود ووزعوا فرُد أولهم إلى آخرهم ونظّموا ساروا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أتوا، أي: سليمان وجنوده، أي: مروا. قوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكلام أن هذا الوادي معروفٌ بهذا اللقب، أنه يسمى وادي النمل. ويحتمل، -لكنه خلاف الظاهر- أن يكون هذا الوادي واديًا فيه نملٌ، يعني: حتى إذا أتوا على وادٍ فيه نمل، وليس معروفًا بهذا اللقب بأنه وادي النمل، ولكن الأولى الأخذ بظاهر اللفظ، وهو أن يكون هذا الوادي معروفًا بكثرة نمله، وأنه يُلقَّب بهذا اللقب لكثرته. والنمل معروف، وهو من الحيوانات التي نُهي عن قتلها كما في السنن: «أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربعٍ من الدوابِّ؛ وذكر منها النملة»[[أخرجه أبو داود ( ٥٢٦٧) وابن ماجه (٣٢٢٤) من حديث ابن عباس.]]. وفي الصحيح أيضًا «في أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه قرصته نملة، فأمر بقرية النمل كلها فأُحرقت، فعاتبه الله على ذلك وقال: هلّا نملة واحدة»[[أخرجه البخاري (٣٣١٩) ومسلم (٢٢٤١ / ١٤٨) من حديث أبي هريرة.]]. هذا النمل من جملة المخلوقات التي تعرف ربها وتعرف ما ينفعها وما يضرّها، على حسب ما رُكِّب فيها من هداية، وقد قال موسى ﷺ لفرعون لما قال: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: الخلق اللائق به، كل شيء من الحيوان وغيره له خلقٌ يليق به أعطاه الله، ثم هداه، هدى هذا الخلق أيضًا لما تقوم به مصالحه. فهذه النمل من جملة المخلوقات التي أعطاها الله تبارك وتعالى خلقها وهداها. (﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وهو بالطائف أو بالشام)، خلاف، ولا دليل لا على الطائف ولا على الشام، والأقرب أنه في الشام ومع ذلك لا نجزم به؛ لأن مقر سليمان عليه الصلاة والسلام كان في الشام، ومع هذا ما نجزم به. وتعيين المكان هل هو من الأمور التي لا بد منها في القصة؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن المقصود الاعتبار بما جرى في أي مكان كان من الأرض. وقال: (نمله صغار أو كبار) أيضًا، ما لنا ولهذا، بعضهم يقول: نمله كبار، النملة كبر الذئب. يعني صارت النمل الحمير، هذا ما هو بصحيح، بل النمل هو المعروف في لغة العرب، وكل من فسّر شيئًا من القرآن بخلاف ما تقتضيه اللغة العربية فإنه لا بد له من دليل، وإلا فيرد عليه؛ لأن معنا أصلًا أصيلًا في تفسير القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] فمن زعم أن شيئًا من القرآن على خلاف هذا اللسان العربي المبين فعليه الدليل. على هذا نقول: النمل هو النمل المعروف، وأما القول بأنه كبار وأنه كبر الذئاب، فهذا لا دليل عليه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، النمل المعروف هذا. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾، حتى إذا أتوا قالت نملة (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ) إلى آخره. قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ يقول: (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان). أما قوله: (وقد رأت جند سليمان) فهذا واضح، الله أعلم أنها رأته أو أحسّته، قد يكون إحساسًا بدون نظر، وقد يكون نظرًا، إنما على كل حال هي أدركت قربه ووصول سليمان بجنوده إليهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ نملة منكّر، وظاهر كلام المفسّر أنها معرّفة؛ لأنه قال: ملكة النمل. وهذا يقتضي أن يكون التعبير: قالت النملة. يعني: النملة المعهودة وهي الملكة، ولما لم يكن التعبير بقوله: قالت النملة؛ دل على أن القائل لا يتعين أن يكون ملكة النمل، وإنما هي نملة من النمل، وهذا ليس بغريب، فإنه كما لو أقبل جندٌ على طائفة من الناس ورآه واحدٌ منهم يصيح بهم ولّا لا؟ يصيح بهم، ولا يلزم أن يكون هذا الصائح هو الأمير أو الملك. ولهذا الصحيح إبقاء القرآن على ظاهره، وأنها نملة من هذا النمل، ولا يلزم أن تكون الملكة؛ لأن مثل هذه الأحوال أي واحد يشعر من الطائفة الموجودة يشعر بالخوف يصيح بهم وينذر: أنا النذير العريان. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ إذن الصواب أن نقول: قالت نملة من النمل، ولا نعيّنها بأنها الملكة. طيب (وقد رأت جند سليمان) هل يتعين أيضًا أن يكون رؤيةً أو يجوز أن يكون إحساسًا (...)؟ * طالب: (...) إن رأت (...). * الشيخ: إي لكن الرؤية هل يتعين الإدراك بالرؤية؟ أو يجوز أيضًا بالإحساس والسمع؟ يمكن هذا، وحينئذ نسأل: هل للنمل أعين؟ * طلبة: إي نعم، لها قرون استشعار. * الشيخ: هذا يحتاج إلى دراسة علم الأحياء، نعم إنما هي أنا قد رأيت كلامًا يقول: إن النمل إنه بإذن الله إذا مشى فإنه يفرز أشياء تمشي النملات الأخرى على رائحتها، وهذا شيءٌ أنا شاهدته بعيني، كان فيه بساط مثل هذا البساط بس كبير، المهم أنه من هذا النوع، وكان النمل هذا يمشي ويأتي على زاوية ثم يرجع، يعني يمشي مستطيلًا ويأتي على الزاوية ثم يرجع، كل النمل على هذا، يعني: ما يروح عدال يختصر، فأنا تعجبت (...) يعرف الطريق، لكن لو كان على تراب فاللي على التراب يبين أثر النمل ويمشي بعضه مع بعض، لكن هذا ما هو على تراب. ولكن بعد أن قرأت هذا عنه عرفت أنه إذا مشى يكون له رائحة، وتمشي بقية النمل عليها، نعم وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]. على كل حال نحن الذي يلزمنا من هذه الآية الكريمة أن النملة أدركت ذلك برؤية أو بغيرها. يقول: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. شوف هذه الجملة تضمنت نداء وأمرًا وإرشادًا وتحذيرًا وتعزيرًا، وغير ذلك مما يمكن أن ندركه إن شاء الله بعد الكلام بالتفصيل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ هذا نداء، وقد مر علينا مرات أن تصدير الجملة بالنداء الغرض منه التنبيه. يعني: إذا قلت: افعل أو يا فلان افعل الأخيرة أعظم وأبلغ، فهذا لتنبيهه. ثم قولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ نداء بعيد، مصدَّر بتنبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾؛ لأنه لو قالت: يا نملُ فقد يخفى؛ لأنكم كما ترون الإنسان أول ما يكلمك قد يخفى أول الجملة، إذا جاء بشيء ينبِّه قبل الدخول في الموضوع المقصود، صار ما يفوت الإنسان من المقصود شيء، لا يفوت السامع من المقصود شيءٌ، هي قالت: يا أيها النمل ولم تقل: يا نمل. ثم إن نداء البعيد أيضًا يدل على أنها صوتت بصوتٍ سمعه الكل ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾. وفي قولها: ﴿ادْخُلُوا﴾ هذا أمر والمراد به الإرشاد، وفي تعيين المساكن وهي الملاجئ، هذه مثل صفارات الإنذار عند الناس، إذا صفّرت صفارة الإنذار أين يذهبون؟ للسطوح؟ لا، للملاجئ، هي أيضًا أرشدتهم إلى ملاجئهم ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ثم فيه أيضًا إشارة إلى أن هذه المساكن كما أنها أكنان يكتن بها الإنسان، فهي أيضًا حصون يحترز بها الإنسان، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦]. وفي قولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ الإضافة هنا على تقدير اللام ولّا لا؟ ولّا على تقدير (مِن)؟ * طالب: لا، اللام مساكن لكم. * الشيخ: إي، على تقدير اللام؛ لا (من) ولا (في)؛ لأن الإضافة تكون على تقدير (من( إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه؛ كخاتم حديد، وباب خشب، وتكون على تقدير (في) إذا كان المضاف إليه ظرفًا للمضاف، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي: مكرٌ في الليل. وتكون على تقدير اللام، وهي الغالب والأكثر، وهنا على تقدير اللام. واللام المقدَّرة في الإضافة هنا هي للاختصاص ولّا للملك؟ بالنسبة لنا للاختصاص، لكن بالنسبة لهن النمل فيما بينهن الظاهر أنه للملك، أن كل واحدة منهن تعرف بيتها وأنه ما أحد يدخل عليها. * طالب: (...). * الشيخ: تملكه، إن كان يعرف أنه عقد بيع ولا يمكن (...) أيضًا تسجله. ﴿مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا التحذير، الشاهد هو التحذير. (﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يكسرنكم). والجملة هذه كالتعليل للأمر في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، يعني كأن قائلًا يقول: لماذا؟ لا يحطمنكم سليمان، فالجملة تعليل، وهي تحذير، تعليلٌ وتحذير. هذا من بلاغتها أيضًا، ما قالت: ادخلوا مساكنكم بس، عيّنت المحذَّر منه وهو: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾. ثم أتت بهذه الجملة الشديدة الوقع، ما قالت: لا يطأنكم، قالت: لا يحطمنكم. أيها أشد وقعًا؟ * طلبة: الأخيرة أشد. * الشيخ: الأخيرة أشد؛ لأن الوطء قد يلزم منه الكسر والإتلاف وقد لا يلزم، ثم هو الوطء هادئ بالنسبة لكلمة التحطيم. واضح؟ وهل المقام يقتضي هكذا أن يأتي بالعبارة الغليظة؟ نعم؛ لأن المقام مقام تحذير وبسرعة، إذا لم يفعلن هذا بسرعة فإنهم يحطّمون، قال: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهنا قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وقالت: ﴿ادْخُلُوا﴾. والتعبير بـ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالميم هذا لا يكون إلا للعاقل؛ لأن غير العاقل يؤنّث: ادخلن مساكنكن، ولا يحطمنكن. ولكنها هي قالت: ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ تنزيلًا لهن منزلة العاقل. أو يقال: هُن بالنسبة لبعضهن عقلاء، مثلما قلنا: إن المساكن بالنسبة لبعضهن ملك وبالنسبة لنا اختصاص. ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وكأن هذا التعبير يدل على أن عظمة سليمان متقررة عندهن، وهو كذلك. وقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ما قالت: وجنده؛ لأن الذي فهمنا من القرآن أن معه ثلاثة أصناف من الجنود، مَنْ؟ الإنس والجن والطير. كما سبق. وقوله: ﴿وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا اعتذار لمن؟ لسليمان وجنوده، أنهم لم يتقصدوا أن يحطموكم، ولكن بغير شعورٍ منهم؛ لأنكم كما تعرفون الجنود والجيش العظيم الواسع وهذه نمل صغار، نعم يمكن يحطمه وهو ما شعر، ثم إن الغالب أن مثل هذا الجند الكثير ما يستطيع أن ينكف بعضه عن بعض فيما إذا وجدوا جحر نملٍ مثلًا، فهذا معنى قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يعني لو قال قائل: كيف وهم لا يشعرون؟ هل هم يمشون بغير هدًى؟ نقول: لا، يمشون بهدى، لكن من المعروف أننا إذا قارنا بين هذا الجند العظيم الواسع وبين صغر هذه النمل فإن الغالب أنهم لا يشعرون بها. فهذه الجمل البليغة العظيمة من هذا المخلوق الذي ليس في أعين الناس شيئًا وهو من أصغر المخلوقات، ماذا يدلنا عليه هذا؟ يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وأن ما هو أعظم من هذه المخلوقات النمل هو أعظم منها أيضًا في مثل هذه الأمور؛ لأن من أعطى الصغير هذا الإعطاء وهداه هذه الهداية فالكبير أحوج إلى الهداية من ذلك، وعنده من العلم ما عنده، يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل ١٩]. نُزِّل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهن. وين الخطاب بخطابهن؟ * طالب: في قولها: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا﴾. * الشيخ: ﴿ادْخُلُوا﴾، و﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾، و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ لأن الميم هذه لجماعة العقلاء، والواو أيضًا لجماعة العقلاء، فلذلك خوطبوا بخطاب العقلاء، مثلما قلنا: إما لأن بعضهم مع بعضٍ عاقل، أو أنه لما كان هذا الخطاب يُفهم ويُعمل به صارت كأنها تخاطب عقلاء. * طالب: هي عبرت ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يعني: انكسر، والنمل حيوانات طرية أو حشرات طرية. * الشيخ: لا، ما المراد بالكسر أنه يكسر عضوًا فقط، المراد بالكسر الإهلاك على سبيل التحطيم. يعني مثلًا النملة إذا وطئتها تقطعت تمزقت، هذه تكسرت، ما معناه أنه تنكسر رجلها وتبقى معلقة مثلًا بها، لا. * طالب: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يهلكنكم؟ * الشيخ: لا، الحطام أبلغ، أشد في الحذر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة ٥] هذا التحطيم أبلغ. قال: (﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سليمان ابتداءً ﴿ضَاحِكًا﴾ انتهاءً ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ ). يقولون: إن الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي، ووسط، وانتهائي. الابتدائي: التبسم. والوسط: الضحك. والمنتهى: القهقهة. والقهقهة ما تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحيانًا، يكون منهم أحيانًا، فهنا تبسم ضاحكًا. المؤلف رحمه الله يرى أن سليمان ﷺ كان له مرحلتان في هذا الضحك: الأولى التبسّم، والثانية الضحك. فابتدأ بالتبسم وانتهى بالضحك، ويحتمل أن يكون تبسّم ضاحكًا أنه ضحك متبسمًا. ضحك متبسمًا يعني معناه أنه ما ظهر له صوت ولكنه تبسم تبسمًا، والله أعلم. وعلى هذا التقدير يكون ضاحكًا هذه حال مؤكدة مبينة للنوع، يعني معناه أن ضحكه كان تبسمًا. على كل حال هذه المسألة لا يضر لو كان ضحك ابتدأ بالتبسم وأنهى بالضحك. هذا الفرق التبسم أنه ينفتح الفم بدون صوت، الضحك يكون صوت لكن بدون قهقهة. والضحك القهقهة يتكرر الصوت، كركر كما يقول العامة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم يقول: ﴿ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: (من) بيانية، والبيانية للتعليل، يعني: بسبب قولها تبسّم، هذا التبسّم ويش مصدره؟ تبسّم من قولها، من تحذيرها، من اعتذارها، من إرشادها، منين؟ من فصاحتها. * طالب: من جميع هذه. * الشيخ: من كل ما يتضمنه هذا القول؛ لأنه في الحقيقة محل عجب أنها تتكلم بهذا الكلام البليغ، وبهذه السرعة نعم ما راحت (...) وتجيب العناصر وتبين، نعم هذا لا شك أنه محل ضحك، ثم أيضًا محل ضحك ما هو من القول فقط، من مغزى هذا القول، ولهذا جعله من نعمة الله وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ مغزى هذا القول -ربما- سليمان عليه الصلاة والسلام تعترف حتى الحشرات بعظمته وعظمة جنوده، نعم هذا لا شك أنه من نعمة الله عليه، فهذا التبسّم من القول من مضمونه ودلالته، وكذلك من مغزاه وما يتضمنه من نعمة الله تبارك وتعالى على سليمان. ﴿تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (وقد سمعه من ثلاثة أميال، حملته إليه الريح، فحبس جنده حين أشرف على واديهم حتى دخلوا) أي النمل (بيوتهم، وكان جنده ركبانًا ومشاة في هذا السير). يقول: (وقد سمعه من ثلاثة أميال). منين جاء بهذا؟ * طالب: أخبار إسرائيلية. * الشيخ: أخبار إسرائيلية، بل إن القرآن ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنهم وصلوا إليه، غاية ما هنالك أنهم على طول لما حُذّر النمل بهذا التحذير دخلن في المساكن. يعني: ما بينهم وبين أن يطئوا هذا النمل إلا دخول النمل مساكنهم، وهذا لا يقتضي أن يكون بينه وبينهم ثلاثة أميال، ولا دليل على ذلك، وإنما يقال: إنه سمعه من قرب، وهل سمعه غيره من جنوده؟ * طالب: ما يعرفه. * الشيخ: الظاهر أنه ما عرفوه ولا سمعوه؛ لأن قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ يدل على أن هذا التعليم -نطق الحيوانات- خاص بسليمان عليه الصلاة والسلام، وليس كما يزعم بعض العامة، بعض العامة يقولون: إن هو كل شيء يتكلم، يقولون الناس: إن هو كل شيء يتكلم، ويجيبون قصصًا على هذا. إن هذا ما هو بصحيح، ما هناك كلام معلوم إلا في الأمم فيما بينها، وأما أن الإنس مثلًا يعلمون كلام الجن، أو مثلًا يعلمون كلام الحشرات، فهذا لا إلا بدليل. إذا وُجد دليل عن المعصوم فهذا صحيح، مثلما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الذئب الذي يتكلم، وأخبر أيضًا عن البقرة التي ركبها صاحبها، وقالت له: إنا لم نُخلق لهذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]. المهم ما دل عليه الدليل وجب علينا أن نقبله، وإلا فالأصل أن الشيء يتكلم بلغته، وأن كل جنسٍ لا يفهم لغة الآخر.. * طالب: يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ١٧ - ١٩]. إذا كان الطير الأوّاب له خاضعة. * الشيخ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ لمن؟ * طالب: لداود. * الشيخ: أو لله. * طالب: أو بالأقرب لداود؟ * الشيخ: لا، المسألة تحتاج إلى قراءته، حتى قراءته ما هي مضبوطة على كلامك على ما قرأت أنت. * الطالب: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. * الشيخ: ما أدري، ما ضبطتُ الآية.. * * * يقول: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ (ألهمني) ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ﴿وَقَالَ رَبِّ﴾ هذه منادى، حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي. وحُذفت الياء المضاف إليها للتخفيف، وإلا أصلها (ربي) بالياء. ودائمًا يأتي الدعاء بحذف ياء النداء، لماذا؟ * طالب: الياء. * الشيخ: لماذا يأتي الدعاء دائمًا بحذف حرف النداء؟ * طالب: ابتداء بذكر الله للتبرك. * الشيخ: ابتداء باسم الله وعناية بالمقصود، وهو الله سبحانه وتعالى، (ربّ) يبتدئ به قبل كل شيء، وكأن الإنسان لشدة شوقه لربه أثناء دعائه ما يبدر منه إلا اسم الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أوزعني من حيث الإعراب يقال: فعل أمر، لكن النحويون رحمهم الله تأدبًا مع الله ما يقولون: فعل أمر؛ لأنك ما تأمر الله، يسمونه أيش؟ فعل دعاء، عندما نعرب هذه ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نقول: أوزع: فعل دعائي، ما نقول: فعل أمر يقصد به الدعاء، هو حقيقة فعل أمر والمقصود به الدعاء، لكن تأدبًا مع الله نقول: فعل دعاء. (﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ ). ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ الحامل لسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقول هذا: الاعتراف بنعمة الله سبحانه وتعالى وخوف الغرور بالنفس؛ لأنه إذا كانت النملة تقول هكذا وهذا خوفًا منه وجنوده وتعتذر لهم ويفهم كلامها، هذا قد يؤدي بالإنسان أيش؟ إلى الغرور، وأن هذا الشيء لذاته أو من ذاته؛ مثلما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] فلهذا سأل الله في هذا المقام الذي ربما يحصل به الغرور للمرء، والإنسان بشر، سأل الله أن يلهمه شكر نعمته التي أنعم عليه وعلى والديه، وأن يعمل صالحًا يرضاه. وهكذا ينبغي للإنسان إذا حصل له نعمة أن يسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمه شكرها، حتى لا يلحقه الغرور بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، سواءٌ كانت النعمة مالية أو جسدية، معنوية أم حسيّة. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾: (أن) هذه مصدرية، أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ لـ(أوزعني)؛ لأن المفعول الأول الياء والمفعول الثاني: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾. يعني: ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديّ. قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ النعمة ويش معنى النعمة؟ الإحسان الذي يَنْعَم به المُحسَن إليه، والنعمة -كما تعرفون- تنقسم إلى قسمين: إما حصول مطلوب، وإما نجاة من مرهوب. والله -تبارك وتعالى- دائمًا نعمه على عبده، والعبد دائرٌ بين هذين الصنفين من النعمة، دائمًا يحصل له مطلوبه وينجو من مرهوبه. وقول المفسّر: (﴿أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾ ). لماذا قدّر (بها)؟ * طالب: يعتقد أن (أنعمت) (...). * الشيخ: لا؛ لأنه من المعروف أن الجملة التي تكون صلة للموصول لا بد فيها من رابط يعود على الموصول، لا بد فيها من عائد يعود على الموصول. هنا ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ تحتاج الجملة (أنعمت) أن يكون فيها ضمير يعود على (التي)، قدّرها المؤلف بقوله: (بها). وهل منكم أحد يناقشه في هذا التقدير؟ يعني: تقدير الضمير: لأجل أن يكون عائدًا على الموصول، هذا واضح مسلّم، هذا القاعدة النحوية ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه. هذا واضح. وهذا كثير في الكلام العربي؛ في القرآن والسنة وكلام الناس، أنه لا بد من عائد يعود على الموصول ليربط الجملة صلة بموصولها. ولكن هل لكم مناقشة مع المؤلف في تقدير العائد على هذا الوجه؟ * طالب: (...) بعد الضمير المنفصل (...). * الشيخ: لأن الضمير المنفصل: إياه وإياي وإياك، هذا ضمير منفصل، فالضمير هنا متصل بلا شك. * طالب: (...) لكن (...) الباء بها. * الشيخ: إي ولو هو متصل ولو (...) هو متصل، ولو مع وجود الباء، وكان يقول: أنعمتها عليّ، هذا صحيح، لكن ما هو بالعلة، التقدير اللي قدّرت صحيح لكن العلة ما هي العِلَّة. يقولون: إن العائد ما يُحذف إذا كان مجرورًا إلا إذا جُرّ الموصول بحرف مشابه للمحذوف لفظًا ومعنًى وتقديرًا. عرفتم؟ هذا مر علينا، كنا نقرأ في النحو في القطر، وأنه إذا كان مجرورًا يشترط أن يكون مجرورًا بالحرف الذي جر الموصول، وأنه يكون موافقًا له في اللفظ ومتعلقه واحدًا موافقًا في اللفظ والتقدير والمعنى. المؤلف الآن قدّر (بها) مع أنها ما هي موجودة في القرآن: (﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها). وعلى هذا فالتقدير السليم أن يقول: أنعمتها عليَّ وعلى والديَّ؛ لأنه ما يمكن يحذف العائد المجرور إلا إذا كان الموصول مجرورًا بحرف الجر الذي جُر به ذلك العائد. وقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أما ﴿عَلَيَّ﴾ فظاهر أن نعمة الله عليك تحتاج إلى شكرٍ منك، لكن نعمة الله على والديك ما وجه كونها تحتاج إلى شكرٍ منك؟ لأن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد، لا سيما نعمته هذه اللي حصلت وهو أنه ورث من داود النبوة وخلفه فيها، فهذه النعمة نعمة الله على والديه هي في الحقيقة نعمة عليه، ولهذا قال: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. وقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ هذه جمع ولا مثنى؟ * طلبة: مثنى. * الشيخ: ﴿وَالِدَيَّ﴾ مثنى مضاف، ولذلك حُذفت النون منه، وأصله: والدين لي، لكن حُذفت النون من أجل الإضافة. طيب ﴿وَالِدَيَّ﴾ من المراد بالوالد؟ * طالب: الوالد الأب بصيغة الجمع. * الشيخ: أي هل هو الوالد الذي أنت ولده لصلبه، أو حتى الجد ومن علا. نقول: الحقيقة أن كلمة والد أحيانًا يدخل فيها الجد وإن علا، وأحيانًا تتعين بالوالد الأب. والذي يعيِّن ذلك هو القرائن؛ القرائن اللفظية أو القرائن الحالية. فمثلًا: لا يجوز لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد فيما يعطي ولده. من المراد بالوالد؟ * طالب: الأب. الشيخ المباشر. الوالد الأدنى، والجد لا يُلحق به. الوالد في تحريم النكاح؟ يشمل الأدنى والأعلى. الوالد في الميراث؟ * طالب: على الصحيح يشمل. * الشيخ: يشمل الأدنى والأعلى إن فُقد الأب، المراد الذكور والإناث. يعني: لا تحسبون على القول الصحيح أنا نريد الجد الوالد اللي هو الذكر، حتى الأنثى مثلًا الأم الوالدة في الميراث يشمل الأب الأعلى إن فُقد الأدنى. ولّا لا؟ فصار في الحقيقة أن كلمة (والد) تارة يراد بها الأدنى، وتارة يراد بها الأدنى والأعلى مجتمعين أو منفردين، وتارة يراد بها الأدنى والأعلى، لا، ويش لا؟ * طالب: لا مجتمعين. * الشيخ: لا مجتمعين. والذي يعيّن ذلك هو القرائن. القرائن اللفظية أو الحالية. * طالب: (...) تشمل (...)؟ * الشيخ: لا، كلمة والد. * الطالب: ما فيه فرق بين والدَيّ ووالدِيّ. * الشيخ: إي، ما بينهما فرق، إذا قلنا: والدَيَّ يعني: الوالد والوالدة، إذا قيل: والِدِيَّ ولا هو بيعبر بوالدِيَّ. * الطالب: (...) والدي. * الشيخ: ما فيه تعبير بوالِدِيَّ، يعني لو عبّر الإنسان نقول: هذا التعبير غير سليم، لكن والدِينا إذا صرنا جماعة واضح؛ لأن إذا قلت: والدينا وكنا اثنين كم يصيرون الوالدين؟ أربعة، إذا صرنا ثلاثة يكون ستة.. وهكذا. ولذلك بعض الإخوان اللي يقرءون في رمضان: اللهم اغفر لنا ولوالدَينا. هذا ما هو بصحيح، إلا على سبيل التجوّز؛ لأن والدينا، نحن لسنا عيال رجلٍ واحد، نعم لو كنا عيال رجلٍ واحد ستة نقول: والدَينا؛ لأن نحن أبونا واحد وأمنا واحدة، لكن لو صار في المسجد ألف نفر، هو والد كل واحد منا والد للثاني؟ ما إحنا إخوة. * طالب: اختصار اللفظ. * الشيخ: ولهذا ما تيجي والدَينا إلا على سبيل التجوّز، أي: والديّ كل واحدٍ منا. ولهذا التعبير السليم في مثل هذا أن تقول: اغفر لنا ولوالدِينا. * طالب: (...) خطأ. * الشيخ: لا. هذا هو الصواب. * الطالب: (...). * طالب: لكن كل اللي يحكون إلا نادرًا. * الشيخ: المهم على كل حال ما نقدر نقول: كلهم كذا ولا كلهم كذا، لكن نحن الآن نحللها من جهة اللغة العربية. الصواب في هذا إذا كنا جماعة والدِينا؛ لأن والدَينا ما تكون إلا على سبيل التجوّز. طيب ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. * طالب: أباه وأمه؟ * الشيخ: إي نعم أباه وأمه. قال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ يعني: وألهمني أن أعمل صالحًا ترضاه. وهنا قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ أي: أعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما يكون إلا إذا تضمن شرطين أساسيين هما؟ أحيانًا نسأل، ما فيه مانع أن نسأل. * طالب: الإخلاص والمتابعة. * الشيخ: الإخلاص والمتابعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة ٥] كل العام. الإخلاص واضح في الأنبياء وغيرهم، والمتابعة في غير الأنبياء واضح عندكم أيضًا، وفي الأنبياء غير واضح عندكم ولكنه واضح؛ لأن النبي يتبع شريعة توحى إليه، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: هو قد لا يتبع هذه الشريعة، قد لا يتبع، لكن كما مر علينا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون منين؟ من الإقرار على المعاصي مطلقًا، فإذن المتابعة موجودة في الأنبياء أيضًا؛ لأن المتابعة من الشرع الذي أوحي إليهم. فإذن هذا العمل الصالح: ما جمع بين أمرين الإخلاص والمتابعة، ففي فقد الإخلاص يكون الشرك، وفي فقد المتابعة يكون الابتداع. فالعمل الذي فيه شرك مردود؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم ( ٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. حتى الرياء، الرياء نوع من الشرك، إذا عمل الإنسان العبادة وهو مراءٍ فيها فهو مع الإثم مردودٌ عليه عمله. كذلك أيضًا في الابتداع، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم ( ١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]، وهذا أعم من اللفظ الثاني: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]. إلا إذا قلنا: من أحدث في ذاته وصفاته، فإذا قلنا: من أحدث في أمرنا ما ليس منه، سواء في نفس العمل أو في وصف العمل، صار موافقًا للفظ الآخر. على كل حال العمل إذا لم يكن خالصًا فليس مقبولًا، وإذا لم يكن صوابًا يعني: على السنة فليس مقبولًا، وليس بصالح أيضًا، وليس بصالح بل هو فاسد. قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الرضا بمعنى القبول، وكلمة ﴿تَرْضَاهُ﴾ بعد قوله: ﴿صَالِحًا﴾ هل لها معنى؟ لأن كل صالح فهو مرضي، فهل تكون الجملة حينئذ صفة كاشفة مبيِّنة، أو صفة مقيِّدة، يعني: مبينة ولا مقيدة؟ * طالب: مبينة. * الشيخ: الظاهر أنها مبينة، يعني أن العمل الصالح مرضي. قد يقول قائل: إن العمل قد يكون صالحًا بظاهره ولكنه غير مرضي في مآله أو فيما صحبه. قد يعمل الإنسان مخلصًا لله متّبعًا لرسول الله ﷺ، لكن يحصل منه إعجابٌ في عمله، هذا الإعجاب يمنع من رضا الله به ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]، قد يكون عملًا صالحًا في أوله وفي نهايته لا يرضاه الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]، فالرجل يتصدق بالصدقة مخلصًا لله تعالى متّبعًا لرسول الله ﷺ فيها، لكنه يتبعها بمنّ وأذى، وحينئذ تبطل الصدقة، إي على هذا التقدير يكون قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ صفة مقيدة، يكون صفةً مقيدةً. أيُّ الأمرين يحسن بنا أن نسلكه في هذا وغيره، فيما إذا جاءت صفة، هل الأولى أن نجعل الصفة مبيِّنة يعني مفسِّرة فقط أو أن نجعلها مقيِّدة؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: الأولى أن تكون مقيدة؛ لأن بالتقييد زيادة معنى. والتفسير ما يعدو شيئًا خارجًا عما سبق، فكل صفة تأتي في كلام في هذا وغيره فالأصل أن تكون أيش؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: أن تكون مقيدة، ولا يمكن أن نلجأ إلى كونها مفسّرة لمجرد بيان الأمر إلا متى؟ إلا عند الضرورة، إذا تعذّر أن تكون مقيّدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذه؟ * طالب: مبينة. * الشيخ: مبينة ومفسّرة وليست مقيّدة؛ لأننا لو جعلناها مقيِّدة ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾.. الشيخ: أيش؟ * طالب: أن تقيد. * الشيخ: أن تكون مقيدة، ولا يمكن أن نلجأ إلى كونها مفسرة بمجرد بيان الأمر إلا متى؟ إلا عند الضرورة إذا تعذّر أن تكون مقيدة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ﴾ هذه مُبيّنة ومفسّرة وليست مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة؟ * طالب: ما هي؟ * الشيخ: ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (...). إي، كل شيء يتكلم؛ لأن بعضهم يقول: الجسد يتكلم، والظاهر أنه في السارق ممكن بالجصة ويتكلم، والجصة هي مخزن التمر. وفيه رد لكلام المؤلف في قوله: إن النملة (ملكة النمل)؛ لقوله: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنكَّر. وليس بغريب أن تكون نملة من النملات هي التي قالت هذا. * وفي الآية هذه دليل على فصاحة هذه النملة ونصحها وذكائها؛ لأن الكلام اللي قالته يتضمن هذا كله، فهي من بلاغتها استعملت في كل مكان ما يناسبه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ [النمل ١٨] أتت بياء المناداة للبعيد؛ لأن النمل ليس قريبًا منها كله، بعضه بعيد وبعضه قريب. ومن كمال أيضًا نصحها: إرشادها إلى المخابئ والملاجئ في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ومن كمال ذكائها: أنها استعملت العبارات المثيرة المزعجة في قولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. وفيها أيضًا من عدلها؛ أنها قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، فتضمن هذا الكلام أنواعًا كثيرة من البلاغة والفصاحة والنصح والتحذير والتعذير وغير ذلك من ما مر في الشرح. الآن انتهت الفوائد التي عندي، عندكم فوائد أنتم؟ * طالب: عظمة ملك سليمان إذا (...). * الشيخ: إي نعم، في هذا أيضًا: عظمة ملك سليمان وجنوده؛ لأن النملة عرفت ذلك وحذّرت منه. * طالب: هل فيها أن الإنسان يتقي وقع الأقدام (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم يتقيه، والنملة -في الحقيقة- بيوتها الآن تكون عميقة في الأرض، ثم هي أيضًا من عادتها النملة أنها ما تبني البيوت إلا في مكان مرتفع، وغالبًا أن الجند يعني (...) أنهم ما دام يجدون السهل ما يروحون لها. * طالب: تكون صلبة يا شيخ، أحيانًا تكون صلبة يعني تحفر من البلاط و(...). * الشيخ: لا، ما تحفر البلاط. * طالب: هذا. * الشيخ: إي، فوق لا بأس، أما الحفر ما تقدر. قال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٩]. في هذا جواز التبسم عند وجود سببه، وجواز الضحك أيضًا؛ لقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، وهذا من فعل نبي، وفعل الأنبياء حُجّة، حتى وإن كانوا غير نبينا ﷺ إلا ما ورد شرعنا بنصه فهذا لا يعتبر. الدليل على أن فعل الأنبياء حُجّة قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام ٩٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. * وفيه دليل على ما كان عليه سليمان عليه الصلاة والسلام من التواضع لله سبحانه وتعالى، حيث لم يأخذه الغرور بهذا الملك العظيم حتى قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. * وفيه دليل على الاعتراف بالنعمة؛ بنعمة الله، وأنه ليس من الافتخار؛ لأن سليمان ذكر نعمة الله عليه، لكنه لا يقصد بذلك الافتخار والعلو على غيره، وقد قال الله تعالى للرسول ﷺ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، لكن لا على سبيل الافتخار والعلو؛ لأنه حينئذٍ تنقلب إلى نقمة. * وفيه دليل على أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، ولا سيما نعمة الإسلام، فإنها من أكبر النعم على الولد، لو مات طفل وأبواه كافران لكان هذا الطفل في الدنيا في حكم الكافرين، وفي الآخرة الله أعلم بحاله، ولو مات طفل بين أبوين مسلمين لكان هذا الطفل؟ * طالب: في الجنة. * الشيخ: مسلمًا في الدنيا والآخرة، وعلى هذا فنعمة الله على الوالدين ولا سيما في الدين نعمة على الولد، وهذا هو وجه قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. * وفي هذا دليل على أن من العقل والعدل والشرع إضافة المنة إلى المانّ بها؛ لقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وهذا اعتراف، وأبلغ من أن يقول الإنسان: أوزعني أن أشكر النعمة وبس؛ لأن قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ واضح جدًّا في خضوع هذا الإنسان لهذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها عليه، فهذه فيها دليل أنه من العقل والعدل والشرع إضافة المنة إلى المان بها ولو كان آبيًا. إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهْ ∗∗∗ ............................. ومن الأشعار المعروفة عندهم: ويش معنى ذووه؟ أصحاب الفضل، ما يعرف الفضل إلا أصحاب الفضل، أما من ليس بأهل فضل فإنهم ينكرون الفضل، بل إنك لو تفضلت عليهم لرأوا أن هذا حق واجبٌ عليك (...)، وأعظم شيء في هذا من يمن على الله سبحانه وتعالى بما أنعم الله به عليه، كما في قصة الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]. * وفيه دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كغيرهم مفتقرون إلى توفيق الله، وأنهم بدون توفيق الله سبحانه وتعالى ما يسيرون سيرًا يرضي الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. * وفيه دليل على أن العمل غير الصالح ليس فيه فائدة، بل وبين أمرين، العمل غير الصالح هو دائر بين أمرين: إما الإثم، وإما السلامة فقط، فإن صدر عن علم فهو إثم، وإن صدر عن جهل فالإنسان سالم، ولكن لا فائدة له فيه، كما لو صلّى الإنسان مثلًا صلاة باطلة في حدث، صلاة بحدث؛ فإنه إن تعمّد ذلك كان آثمًا، وإن كان جاهلًا لم تُفده في إبراء الذمة، ويطالب بإعادتها، أما الأجر فقد يُؤجر عليها من أجل النية والعمل الذي حصل المشقة، ولكن الكلام على الفائدة ما يستفيد منها في إبراء ذمته، ولا تسقط عنه. * وفيه دليل على أن الغاية التي يسير إليها الأنبياء ومن تبعهم هو رضا الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ لأن المقصود من عمل الإنسان الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى، بل إن رضا الله غاية فوق كل شيء، قال الله تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٧١] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢]؛ يعني: أكبر من كل شيء، وإذا حل على الإنسان رضا الله فهذا غاية ما يريد. * وفي الآية دليل أيضًا على أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يتوسّلون إلى الله؛ يعني يسألون الله تعالى بالوسيلة؛ لقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء ٥٧]؛ يعني أولئك الذي يدعوهم هؤلاء المشركون، أولئك ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾، فكل الناس، كل الخلق يسألون الله تعالى ويتوسلون إليه بما هو جائز. * وفيه دليل على جواز التوسل بصفات الله. * طالب: (...). * الشيخ: نفس الآية؟ برحمته. * وفيه دليل أيضًا، بل فيه إشكال: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، إذا قال قائل: مقام النبوة أعلى من مقام الصلاح، ﴿أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فكيف دعا الله أن يُدخله في عباده الصالحين مع أنه نبي أعلى مرتبة من مرتبة الصلاح؟ * طالب: (...) دخل فيه (...) الأنبياء والشهداء إذا كان (...). * الشيخ: وعند التفصيل تأتي المراتب. * طالب: نعم. * الشيخ: كذا؟ هذا هو الأقرب، الأقرب أن المراد بالصلاح هنا الصلاح المطلق، والصلاح المطلق هذا أعلى مرتبة، وقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٢٧]، فالمراد هنا الصلاح المطلق لا الصلاح الذي يُذكر مع المراتب، فإن مقام الصلاح مع المراتب دون مقام النبوة، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. * وفي هذا دليل أيضًا على أن العبادة مرتبة شريفة عظيمة، يسألها حتى الأنبياء؛ لقوله: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾، ولهذا يذكر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بوصف العبودية في أعلى مقاماته عند إنزال القرآن وعند الدفاع عنه، وما أشبه ذلك، وقد قال الشاعر يخاطب: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَـــــــــاعَبْدَهَــــــــــــا ∗∗∗ فَـــــإِنَّـــــهُ أَشْــــرَفُأَسْمَــــائِـــــــــــــــــي هذا -أعوذ بالله- عاشق! لنفرض أن اسمه مثلًا بكر، يقول: لا تقول لي يا بكر، قل: يا عبد ليلى؛ فإنه أشرف أسمائي، فالعبودية لله سبحانه وتعالى، لا شك أنها أشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله، والإنسان لا بد أن يكون عبدًا، ولا بد أن يتخذ إلهًا حتى الشيوعيين والملحدين لا بد أن يكونوا عبيدًا ولهم آلهة، ولَّا لا؟ صحيح، هل توافقون على هذا؟ * طالب: لا بد.. * الشيخ: إي نعم، لا بد، لو لم يكن لهم آلهة إلا أهواؤهم، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية ٢٣]، وقال رسول الله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٦٤٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢٥٩٥) من حديث أبي هريرة واللفظ للطبراني.]]، وهؤلاء بلا شك يعبدون الدينار والدرهم، بل إنهم لا يسعون إلا لذلك، هؤلاء الملحدون ما يسعون إلا لذلك. إذن لا بد لكل إنسان أن يكون عبدًا، فإن كان عبدًا لله فقد تحرر من العبودية حقيقة؛ لأن عبد الله حر، ما يرى شيئًا في الدنيا أو في المخلوقات أنه عبد له، لكن يرى خالقه هو سيده وإلهه وأنه عبد لهذا الخالق. ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ انتهى اللي عندي، فيه شيء عندكم أو كفاية؟ * طالب: (...). * الشيخ: يمكن يُؤخذ منه، ولا شك أن شكر النعم من النعم، وقد قال الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَـــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ وهذا صحيح، إذا وفقك الله للشكر فهو نعمة، يجب عليك أنك تشكر الله على هذه النعمة، فإذا شكرته صارت نعمة ثانية توجب الشكر؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]، فإذا رأيت (...). * طالب: الرد على القدرية. * الشيخ: في؟ * طالب: قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: طيب، أحسنت. صحيح. فيه رد على القدرية؛ لأن القدرية يرون أن الإنسان مستقل بعمله، ما يحتاج إلى معونة من الله ولا شيء، ولا شك أن هذا قول باطل، لكن هذه الآية ترد عليهم. وفيه أيضًا رد على الجبرية؛ لأنه أضاف العمل إليه، فقال: ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وقوله: ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ معناه: يمكن أعمل غير صالح، فهو مختار، ففيه رد على الطائفتين جميعًا؛ القدرية والجبرية. ويش الفرق بينهما؟ * طالب: القدرية أن الإنسان (...)، والجبرية أن الإنسان مجبور على الأعمال. * الشيخ: ما له اختيار ولا شيء. * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: قلنا هذه قلنا: الاستدلال به على هذا، الاستدلال ما هو بقوي؛ لأن لله على الكافر نعمة، ولَّا لا؟ الله له نعمة على الكافر، لكن النعمة المطلقة ما تكون إلا بالإسلام، من هذه الناحية نقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال هي قريبة من أنها مسلمة، ولكن لو حصل أصح من هذا يكون طيبًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠].. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يمكن نقول، (...) نقول اللي يقوله (...)؛ لأن الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري.]]. * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: إن الإنسان ما يصل إلى غايته إلا برحمة الله؟ * طالب: (...) الغاية (...). * الشيخ: إي، لا، هنا قال: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾؛ يعني ما يصل إلى مقصوده إلا إذا رحمه الله، كل شيء الجنة وغير الجنة؛ يعني إذا لم يرحمك الله ما (...) أبدًا. * طالب: شيخ، بيت الشعر (...). * الشيخ: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * طالب: البيت الثاني. * الشيخ: فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * طالب: (...). * الشيخ: (...) فأحسنتم. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، هو عند الله مولود على الفطرة، لكن الظاهر غير مسألة الباطن؛ ولذلك أولاد الكفار ما يدفنون في مقابر المسلمين. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ظاهرًا، فالكفر في أحكام الدنيا.

النمل 27:19

قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]. سليمان عليه الصلاة والسلام آتاه الله تبارك وتعالى ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، «حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لما همّ أن يقبض على الشيطان قال: «ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١ / ٣٩) من حديث أبي هريرة.]]. من جملة ملكه هذا التنظيم العظيم. حُشر: جُمع، ومن الجامع؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا. الله على كل شيءٍ قدير، لكن الجامع النقباء والعرفاء الذين جعلهم يجمعون هؤلاء الجنود، فهو قد نظّم ملكه غاية التنظيم، وجعل لكل أناسٍ قادة وعرفاء يجمعونهم. ﴿حُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وغيرهم؟ الجن واضح، والإنس مكلَّفون، والطير غير مكلفين لكنها تطير. بقينا بالحيوانات الأخرى الماشية والزاحفة، هل تدخل في هذا من باب أولى ونقول: إنه إذا حُشرت الطيور التي لا يمكن السيطرة عليها فغيرها؟ * طالب: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى. أو نقول: إن سليمان عليه الصلاة والسلام ما كان يستعمل إلا الطيور فقط؛ لأنه يستخدمها لمصالحه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، من كل شيء ممكن على عموم هذا. يعني: إن جعلنا (مِن) للتبعيض وليست للعموم، وإن جعلنا من كل شيء يثبت به الملك ويقوى به، ما هو بلازم مثل هذا الشيء، فهو محل إشكال عندنا، فالآن نقول: سكت عن بقية الحيوانات، فهل هي داخلة في جنوده أو لا؟ قد تقول: إنها داخلة من باب الأولى، وقد تقول: ليست بداخلة. ما وجه قولنا: من باب الأولى؟ أن نقول: إذا كان الطير، وهو لا يمكن السيطرة عليه في طيرانه يُحشر ويُجمع، فغيره من باب أولى. ولّا لا؟ وقد تقول: إنه ليس بلازم؛ لأنه يمكن أن سليمان ﷺ ما يستخدم من الحيوانات سوى الطير، وإذا لم يستخدم سواها فلا حاجة له في أن يجمع الباقي. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ شوف هذا أيضًا ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُجمَعون ثم يساقون) وهذا أيضًا من التنظيم. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يعني: يساقون. يعني: منظّمين في جمعهم وسيرهم، يُجمعون أولًا وبعد أن يُجمعوا يوزعون، فيساقون على وجهٍ منظَّم. وهذا لا شك أنه من التنظيم الذي يحفظ على الناس الوقت والعمل؛ لأن أكثر ما يضيّع الإنسان يضيّع وقته وعمله هو عدم التنظيم. ولهذا أقول: إنه ينبغي لنا أن يكون عندنا تنظيم لأعمالنا اليومية بقدر المستطاع، ولكن ليس معنى ذلك أن نصر على هذه الأعمال، وإن وُجد ما هو أفضل، لا، إنما بس يكون الإنسان مرتّبًا منظّمًا، ما يخلي وقته فوضى، حين يقرأ في كتاب (...) بالثاني (...) لا، أو يعمل ها العمل الضابط ثم يتركه. لكن ينبغي أن يكون عندك تنظيم، ومن المستحسن أنه كلما كان الشيء أهم يبدأ به أولًا، يبدأ به أولًا، كان بعض الناس يقولون: إنه من جملة تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدى مثلًا، ما يجعل قراءة الكتب الهامة التي تحتاج إلى تعب بعد الغداء؛ لأن قراءة الصحف قراءة سطحية مثل التحدث العادي، ما فيه تعب ولا. لكن الكتب والتعمُّق يحتاج إلى عمل، وهذا لا يناسب مع وجود الشبع. * * * * طالب: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٣ - ٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أولًا من قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد نظم جنوده ورتبهم، بحيث يُجمعون عند الجمع ويفرقون عند التفريق؛ لقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾. * وفي الآية دليل على أن الجنود الذي يستصحبهم سليمان ثلاثة أصناف، وهم: الجن والإنس والطير. أما الإنس فاستصحابه لهم ظاهر؛ لأنه منهم. وأما الجن فلاستخدامهم فيما لا يقدر عليه الإنس. وأما الطيور فقال بعض العلماء: إنها تصحبه لتظله، تكون فوق رأسه ظلة من الشمس، وهذا قد يكون مقصودًا، وقد يكون أيضًا من مقصود استصحاب الطير أنها تأتيه بالأخبار البعيدة كما في قصة الهدهد. * وفيها أيضًا في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ دليل على كمال التنظيم أيضًا؛ لأن الوزع إيش معناه؟ الجمع والسوق ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت ١٩] يُجمعون إليها ويساقون إليها، وهذا دليل أيضًا على كمال التنظيم. * وفيه دليل على استعمال الساقة، الساقة في الجند والجيش أن يكون لهم سائق كما أن لهم قائدًا دليلًا فلهم أيضًا سائق. وقد كان من هدي الرسول ﷺ أنه يكون في الساقة في أخريات القوم، مع أنه ﷺ رئيسهم وزعيمهم، لكنه يتأخر لأجل أن يرفد مَن قصّر، ويعين من يحتاج، وللفوائد العظيمة التي تحصل بهذا. ثم ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. * فيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ قبل الشيء المحذوف، ويش التقدير؟ فساروا حتى إذا أتوا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ يعني (حتى) للغاية، فلا بد أن يكون هناك شيء مُغَيّا قبله. * وفيه دليل على إضافة المكان إلى ساكنه؛ لقوله: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كما يقال الآن في الأحياء، في أحياء البلد: هذا حي بني فلان، كما هو معروف من قديم الزمان؛ أن الأحياء تضاف إلى ساكنيها. هل نقول: في هذا دليل على أن النمل إذا سكن أرضًا ملكها، بحيث ما يجوز إحياؤها ولا الاستمتاع بها ولّا لا؟ * طالب: الظاهر فيه دليل. * الشيخ: فيه دليل. * الطالب: الظاهر. * الشيخ: خلونا ما نعلم، طيب، الآن اثنان اختلفا، أحدهما يقول: لا، والثاني يقول: نعم. فما هو الذي ترجحون؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. طيب ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ بيت فلان، هل لك حق في أن تأتي إلى بيت فلان وتسكنه؟ (...). * طلبة: (...). * الشيخ: إي، نعم. نقول: صحيح، فهو لو نظرنا إلى مطلق اللفظ لكان وادي النمل لهم؛ للنمل، ولكن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، إذا كان النمل لو هو يؤكل أكلناه، فكيف لا نأكل مساكنه، فبنو آدم هم أحق بالأرض من غيرهم، فهم إذا مثلًا احتاج الإنسان إلى عمارة هذه الأرض لو فيها نمل ما فيه بأس أنه يعمرها، ولو لزم من ذلك أن يموت النمل، لو لزم أن يموت النمل؛ لأن هذا الموت غير مقصود، وما كان غير مقصود وإنما جاء ضرورة لتناول المباح فإنه لا يضر. وهذه القاعدة معروفة في الشرع: أن الشيء الذي يأتي ضرورة لفعل مباح وهو غير مقصود فإنه لا بأس به، فانظر مثلًا إلى قتل النساء والذرية في الحرب، يجوز ولّا لا؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لكن إذا لم نتوصل إلى قتل المقاتلين إلا بالرمي بالمنجنيق والمدافع العامة يجوز ولّا لا؟ * طالب: يجوز. * الشيخ: ولو لزم من ذلك قتل النساء والذرية، ولو لزم؛ لأن هذا غير مقصود.كذلك أيضًا قطع النخيل؛ نخيل العدو، يجوز ولّا ما يجوز؟ * طلبة: ما يجوز. * الشيخ: ولكن إذا لم نتوصل إليهم إلا بقطع نخيلهم جاز؛ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بني النضير. والحاصل أن نقول: إن قتل النمل إذا لزم من إحياء الأرض فإنه ليس به بأس؛ لأنه لم يكن مقصودًا، وإنما جاء ضرورة لتناول أمر مباح لنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، جاز قتله، كل مؤذ، حتى بني آدم لو آذاك وصال عليك ولم يندفع إلا بالقتل تقتله، وهو أعظم الحيوانات حرمة. * وفي هذه الآية دليل على أن للحشرات نطقًا؛ لقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾. * وفيه دليل على أن قولها أيضًا مسموع، يسمعه بنو جنسها؛ لأنه لو لم يكونوا يسمعونه لم يكن فيه فائدة، فهم يسمعون قولها، وقد يُسمعه الله تبارك وتعالى من يشاء. * وفيه دليل استدل العامة بذلك على أن كل شيء ينطق من قَبل. وهذا ليس بصحيح، ولكن الله تعالى قد يُسمِع الخلقَ نطقَ بعض الحيوانات إما آية، أو كرامة، أو ما أشبه ذلك. * طالب: ينطق من قبل (...). * الشيخ: إي، كل شيء يتكلم، بعضهم قال: الجص يتكلم. والظاهر أنه فيه رسالة ممكن للجصة وهو يتكلم والجصة هي مخزن التمر. * * * قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هذه غاية لما سبق وهو قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا﴾ وعلى هذا فيكون في الكلام حذف تقديره: وساروا حتى إذا أتوا. فبعد أن جمع الجنود ووزعوا فرُد أولهم إلى آخرهم ونظّموا ساروا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أتوا، أي: سليمان وجنوده، أي: مروا. قوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكلام أن هذا الوادي معروفٌ بهذا اللقب، أنه يسمى وادي النمل. ويحتمل، -لكنه خلاف الظاهر- أن يكون هذا الوادي واديًا فيه نملٌ، يعني: حتى إذا أتوا على وادٍ فيه نمل، وليس معروفًا بهذا اللقب بأنه وادي النمل، ولكن الأولى الأخذ بظاهر اللفظ، وهو أن يكون هذا الوادي معروفًا بكثرة نمله، وأنه يُلقَّب بهذا اللقب لكثرته. والنمل معروف، وهو من الحيوانات التي نُهي عن قتلها كما في السنن: «أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربعٍ من الدوابِّ؛ وذكر منها النملة»[[أخرجه أبو داود ( ٥٢٦٧) وابن ماجه (٣٢٢٤) من حديث ابن عباس.]]. وفي الصحيح أيضًا «في أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه قرصته نملة، فأمر بقرية النمل كلها فأُحرقت، فعاتبه الله على ذلك وقال: هلّا نملة واحدة»[[أخرجه البخاري (٣٣١٩) ومسلم (٢٢٤١ / ١٤٨) من حديث أبي هريرة.]]. هذا النمل من جملة المخلوقات التي تعرف ربها وتعرف ما ينفعها وما يضرّها، على حسب ما رُكِّب فيها من هداية، وقد قال موسى ﷺ لفرعون لما قال: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: الخلق اللائق به، كل شيء من الحيوان وغيره له خلقٌ يليق به أعطاه الله، ثم هداه، هدى هذا الخلق أيضًا لما تقوم به مصالحه. فهذه النمل من جملة المخلوقات التي أعطاها الله تبارك وتعالى خلقها وهداها. (﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وهو بالطائف أو بالشام)، خلاف، ولا دليل لا على الطائف ولا على الشام، والأقرب أنه في الشام ومع ذلك لا نجزم به؛ لأن مقر سليمان عليه الصلاة والسلام كان في الشام، ومع هذا ما نجزم به. وتعيين المكان هل هو من الأمور التي لا بد منها في القصة؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن المقصود الاعتبار بما جرى في أي مكان كان من الأرض. وقال: (نمله صغار أو كبار) أيضًا، ما لنا ولهذا، بعضهم يقول: نمله كبار، النملة كبر الذئب. يعني صارت النمل الحمير، هذا ما هو بصحيح، بل النمل هو المعروف في لغة العرب، وكل من فسّر شيئًا من القرآن بخلاف ما تقتضيه اللغة العربية فإنه لا بد له من دليل، وإلا فيرد عليه؛ لأن معنا أصلًا أصيلًا في تفسير القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] فمن زعم أن شيئًا من القرآن على خلاف هذا اللسان العربي المبين فعليه الدليل. على هذا نقول: النمل هو النمل المعروف، وأما القول بأنه كبار وأنه كبر الذئاب، فهذا لا دليل عليه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، النمل المعروف هذا. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾، حتى إذا أتوا قالت نملة (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ) إلى آخره. قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ يقول: (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان). أما قوله: (وقد رأت جند سليمان) فهذا واضح، الله أعلم أنها رأته أو أحسّته، قد يكون إحساسًا بدون نظر، وقد يكون نظرًا، إنما على كل حال هي أدركت قربه ووصول سليمان بجنوده إليهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ نملة منكّر، وظاهر كلام المفسّر أنها معرّفة؛ لأنه قال: ملكة النمل. وهذا يقتضي أن يكون التعبير: قالت النملة. يعني: النملة المعهودة وهي الملكة، ولما لم يكن التعبير بقوله: قالت النملة؛ دل على أن القائل لا يتعين أن يكون ملكة النمل، وإنما هي نملة من النمل، وهذا ليس بغريب، فإنه كما لو أقبل جندٌ على طائفة من الناس ورآه واحدٌ منهم يصيح بهم ولّا لا؟ يصيح بهم، ولا يلزم أن يكون هذا الصائح هو الأمير أو الملك. ولهذا الصحيح إبقاء القرآن على ظاهره، وأنها نملة من هذا النمل، ولا يلزم أن تكون الملكة؛ لأن مثل هذه الأحوال أي واحد يشعر من الطائفة الموجودة يشعر بالخوف يصيح بهم وينذر: أنا النذير العريان. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ إذن الصواب أن نقول: قالت نملة من النمل، ولا نعيّنها بأنها الملكة. طيب (وقد رأت جند سليمان) هل يتعين أيضًا أن يكون رؤيةً أو يجوز أن يكون إحساسًا (...)؟ * طالب: (...) إن رأت (...). * الشيخ: إي لكن الرؤية هل يتعين الإدراك بالرؤية؟ أو يجوز أيضًا بالإحساس والسمع؟ يمكن هذا، وحينئذ نسأل: هل للنمل أعين؟ * طلبة: إي نعم، لها قرون استشعار. * الشيخ: هذا يحتاج إلى دراسة علم الأحياء، نعم إنما هي أنا قد رأيت كلامًا يقول: إن النمل إنه بإذن الله إذا مشى فإنه يفرز أشياء تمشي النملات الأخرى على رائحتها، وهذا شيءٌ أنا شاهدته بعيني، كان فيه بساط مثل هذا البساط بس كبير، المهم أنه من هذا النوع، وكان النمل هذا يمشي ويأتي على زاوية ثم يرجع، يعني يمشي مستطيلًا ويأتي على الزاوية ثم يرجع، كل النمل على هذا، يعني: ما يروح عدال يختصر، فأنا تعجبت (...) يعرف الطريق، لكن لو كان على تراب فاللي على التراب يبين أثر النمل ويمشي بعضه مع بعض، لكن هذا ما هو على تراب. ولكن بعد أن قرأت هذا عنه عرفت أنه إذا مشى يكون له رائحة، وتمشي بقية النمل عليها، نعم وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]. على كل حال نحن الذي يلزمنا من هذه الآية الكريمة أن النملة أدركت ذلك برؤية أو بغيرها. يقول: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. شوف هذه الجملة تضمنت نداء وأمرًا وإرشادًا وتحذيرًا وتعزيرًا، وغير ذلك مما يمكن أن ندركه إن شاء الله بعد الكلام بالتفصيل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ هذا نداء، وقد مر علينا مرات أن تصدير الجملة بالنداء الغرض منه التنبيه. يعني: إذا قلت: افعل أو يا فلان افعل الأخيرة أعظم وأبلغ، فهذا لتنبيهه. ثم قولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ نداء بعيد، مصدَّر بتنبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾؛ لأنه لو قالت: يا نملُ فقد يخفى؛ لأنكم كما ترون الإنسان أول ما يكلمك قد يخفى أول الجملة، إذا جاء بشيء ينبِّه قبل الدخول في الموضوع المقصود، صار ما يفوت الإنسان من المقصود شيء، لا يفوت السامع من المقصود شيءٌ، هي قالت: يا أيها النمل ولم تقل: يا نمل. ثم إن نداء البعيد أيضًا يدل على أنها صوتت بصوتٍ سمعه الكل ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾. وفي قولها: ﴿ادْخُلُوا﴾ هذا أمر والمراد به الإرشاد، وفي تعيين المساكن وهي الملاجئ، هذه مثل صفارات الإنذار عند الناس، إذا صفّرت صفارة الإنذار أين يذهبون؟ للسطوح؟ لا، للملاجئ، هي أيضًا أرشدتهم إلى ملاجئهم ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ثم فيه أيضًا إشارة إلى أن هذه المساكن كما أنها أكنان يكتن بها الإنسان، فهي أيضًا حصون يحترز بها الإنسان، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦]. وفي قولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ الإضافة هنا على تقدير اللام ولّا لا؟ ولّا على تقدير (مِن)؟ * طالب: لا، اللام مساكن لكم. * الشيخ: إي، على تقدير اللام؛ لا (من) ولا (في)؛ لأن الإضافة تكون على تقدير (من( إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه؛ كخاتم حديد، وباب خشب، وتكون على تقدير (في) إذا كان المضاف إليه ظرفًا للمضاف، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي: مكرٌ في الليل. وتكون على تقدير اللام، وهي الغالب والأكثر، وهنا على تقدير اللام. واللام المقدَّرة في الإضافة هنا هي للاختصاص ولّا للملك؟ بالنسبة لنا للاختصاص، لكن بالنسبة لهن النمل فيما بينهن الظاهر أنه للملك، أن كل واحدة منهن تعرف بيتها وأنه ما أحد يدخل عليها. * طالب: (...). * الشيخ: تملكه، إن كان يعرف أنه عقد بيع ولا يمكن (...) أيضًا تسجله. ﴿مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا التحذير، الشاهد هو التحذير. (﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يكسرنكم). والجملة هذه كالتعليل للأمر في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، يعني كأن قائلًا يقول: لماذا؟ لا يحطمنكم سليمان، فالجملة تعليل، وهي تحذير، تعليلٌ وتحذير. هذا من بلاغتها أيضًا، ما قالت: ادخلوا مساكنكم بس، عيّنت المحذَّر منه وهو: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾. ثم أتت بهذه الجملة الشديدة الوقع، ما قالت: لا يطأنكم، قالت: لا يحطمنكم. أيها أشد وقعًا؟ * طلبة: الأخيرة أشد. * الشيخ: الأخيرة أشد؛ لأن الوطء قد يلزم منه الكسر والإتلاف وقد لا يلزم، ثم هو الوطء هادئ بالنسبة لكلمة التحطيم. واضح؟ وهل المقام يقتضي هكذا أن يأتي بالعبارة الغليظة؟ نعم؛ لأن المقام مقام تحذير وبسرعة، إذا لم يفعلن هذا بسرعة فإنهم يحطّمون، قال: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهنا قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وقالت: ﴿ادْخُلُوا﴾. والتعبير بـ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالميم هذا لا يكون إلا للعاقل؛ لأن غير العاقل يؤنّث: ادخلن مساكنكن، ولا يحطمنكن. ولكنها هي قالت: ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ تنزيلًا لهن منزلة العاقل. أو يقال: هُن بالنسبة لبعضهن عقلاء، مثلما قلنا: إن المساكن بالنسبة لبعضهن ملك وبالنسبة لنا اختصاص. ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وكأن هذا التعبير يدل على أن عظمة سليمان متقررة عندهن، وهو كذلك. وقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ما قالت: وجنده؛ لأن الذي فهمنا من القرآن أن معه ثلاثة أصناف من الجنود، مَنْ؟ الإنس والجن والطير. كما سبق. وقوله: ﴿وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا اعتذار لمن؟ لسليمان وجنوده، أنهم لم يتقصدوا أن يحطموكم، ولكن بغير شعورٍ منهم؛ لأنكم كما تعرفون الجنود والجيش العظيم الواسع وهذه نمل صغار، نعم يمكن يحطمه وهو ما شعر، ثم إن الغالب أن مثل هذا الجند الكثير ما يستطيع أن ينكف بعضه عن بعض فيما إذا وجدوا جحر نملٍ مثلًا، فهذا معنى قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يعني لو قال قائل: كيف وهم لا يشعرون؟ هل هم يمشون بغير هدًى؟ نقول: لا، يمشون بهدى، لكن من المعروف أننا إذا قارنا بين هذا الجند العظيم الواسع وبين صغر هذه النمل فإن الغالب أنهم لا يشعرون بها. فهذه الجمل البليغة العظيمة من هذا المخلوق الذي ليس في أعين الناس شيئًا وهو من أصغر المخلوقات، ماذا يدلنا عليه هذا؟ يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وأن ما هو أعظم من هذه المخلوقات النمل هو أعظم منها أيضًا في مثل هذه الأمور؛ لأن من أعطى الصغير هذا الإعطاء وهداه هذه الهداية فالكبير أحوج إلى الهداية من ذلك، وعنده من العلم ما عنده، يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل ١٩]. نُزِّل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهن. وين الخطاب بخطابهن؟ * طالب: في قولها: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا﴾. * الشيخ: ﴿ادْخُلُوا﴾، و﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾، و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ لأن الميم هذه لجماعة العقلاء، والواو أيضًا لجماعة العقلاء، فلذلك خوطبوا بخطاب العقلاء، مثلما قلنا: إما لأن بعضهم مع بعضٍ عاقل، أو أنه لما كان هذا الخطاب يُفهم ويُعمل به صارت كأنها تخاطب عقلاء. * طالب: هي عبرت ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يعني: انكسر، والنمل حيوانات طرية أو حشرات طرية. * الشيخ: لا، ما المراد بالكسر أنه يكسر عضوًا فقط، المراد بالكسر الإهلاك على سبيل التحطيم. يعني مثلًا النملة إذا وطئتها تقطعت تمزقت، هذه تكسرت، ما معناه أنه تنكسر رجلها وتبقى معلقة مثلًا بها، لا. * طالب: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يهلكنكم؟ * الشيخ: لا، الحطام أبلغ، أشد في الحذر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة ٥] هذا التحطيم أبلغ. قال: (﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سليمان ابتداءً ﴿ضَاحِكًا﴾ انتهاءً ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ ). يقولون: إن الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي، ووسط، وانتهائي. الابتدائي: التبسم. والوسط: الضحك. والمنتهى: القهقهة. والقهقهة ما تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحيانًا، يكون منهم أحيانًا، فهنا تبسم ضاحكًا. المؤلف رحمه الله يرى أن سليمان ﷺ كان له مرحلتان في هذا الضحك: الأولى التبسّم، والثانية الضحك. فابتدأ بالتبسم وانتهى بالضحك، ويحتمل أن يكون تبسّم ضاحكًا أنه ضحك متبسمًا. ضحك متبسمًا يعني معناه أنه ما ظهر له صوت ولكنه تبسم تبسمًا، والله أعلم. وعلى هذا التقدير يكون ضاحكًا هذه حال مؤكدة مبينة للنوع، يعني معناه أن ضحكه كان تبسمًا. على كل حال هذه المسألة لا يضر لو كان ضحك ابتدأ بالتبسم وأنهى بالضحك. هذا الفرق التبسم أنه ينفتح الفم بدون صوت، الضحك يكون صوت لكن بدون قهقهة. والضحك القهقهة يتكرر الصوت، كركر كما يقول العامة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم يقول: ﴿ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: (من) بيانية، والبيانية للتعليل، يعني: بسبب قولها تبسّم، هذا التبسّم ويش مصدره؟ تبسّم من قولها، من تحذيرها، من اعتذارها، من إرشادها، منين؟ من فصاحتها. * طالب: من جميع هذه. * الشيخ: من كل ما يتضمنه هذا القول؛ لأنه في الحقيقة محل عجب أنها تتكلم بهذا الكلام البليغ، وبهذه السرعة نعم ما راحت (...) وتجيب العناصر وتبين، نعم هذا لا شك أنه محل ضحك، ثم أيضًا محل ضحك ما هو من القول فقط، من مغزى هذا القول، ولهذا جعله من نعمة الله وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ مغزى هذا القول -ربما- سليمان عليه الصلاة والسلام تعترف حتى الحشرات بعظمته وعظمة جنوده، نعم هذا لا شك أنه من نعمة الله عليه، فهذا التبسّم من القول من مضمونه ودلالته، وكذلك من مغزاه وما يتضمنه من نعمة الله تبارك وتعالى على سليمان. ﴿تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (وقد سمعه من ثلاثة أميال، حملته إليه الريح، فحبس جنده حين أشرف على واديهم حتى دخلوا) أي النمل (بيوتهم، وكان جنده ركبانًا ومشاة في هذا السير). يقول: (وقد سمعه من ثلاثة أميال). منين جاء بهذا؟ * طالب: أخبار إسرائيلية. * الشيخ: أخبار إسرائيلية، بل إن القرآن ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنهم وصلوا إليه، غاية ما هنالك أنهم على طول لما حُذّر النمل بهذا التحذير دخلن في المساكن. يعني: ما بينهم وبين أن يطئوا هذا النمل إلا دخول النمل مساكنهم، وهذا لا يقتضي أن يكون بينه وبينهم ثلاثة أميال، ولا دليل على ذلك، وإنما يقال: إنه سمعه من قرب، وهل سمعه غيره من جنوده؟ * طالب: ما يعرفه. * الشيخ: الظاهر أنه ما عرفوه ولا سمعوه؛ لأن قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ يدل على أن هذا التعليم -نطق الحيوانات- خاص بسليمان عليه الصلاة والسلام، وليس كما يزعم بعض العامة، بعض العامة يقولون: إن هو كل شيء يتكلم، يقولون الناس: إن هو كل شيء يتكلم، ويجيبون قصصًا على هذا. إن هذا ما هو بصحيح، ما هناك كلام معلوم إلا في الأمم فيما بينها، وأما أن الإنس مثلًا يعلمون كلام الجن، أو مثلًا يعلمون كلام الحشرات، فهذا لا إلا بدليل. إذا وُجد دليل عن المعصوم فهذا صحيح، مثلما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الذئب الذي يتكلم، وأخبر أيضًا عن البقرة التي ركبها صاحبها، وقالت له: إنا لم نُخلق لهذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]. المهم ما دل عليه الدليل وجب علينا أن نقبله، وإلا فالأصل أن الشيء يتكلم بلغته، وأن كل جنسٍ لا يفهم لغة الآخر.. * طالب: يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ١٧ - ١٩]. إذا كان الطير الأوّاب له خاضعة. * الشيخ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ لمن؟ * طالب: لداود. * الشيخ: أو لله. * طالب: أو بالأقرب لداود؟ * الشيخ: لا، المسألة تحتاج إلى قراءته، حتى قراءته ما هي مضبوطة على كلامك على ما قرأت أنت. * الطالب: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. * الشيخ: ما أدري، ما ضبطتُ الآية.. * * * يقول: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ (ألهمني) ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ﴿وَقَالَ رَبِّ﴾ هذه منادى، حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي. وحُذفت الياء المضاف إليها للتخفيف، وإلا أصلها (ربي) بالياء. ودائمًا يأتي الدعاء بحذف ياء النداء، لماذا؟ * طالب: الياء. * الشيخ: لماذا يأتي الدعاء دائمًا بحذف حرف النداء؟ * طالب: ابتداء بذكر الله للتبرك. * الشيخ: ابتداء باسم الله وعناية بالمقصود، وهو الله سبحانه وتعالى، (ربّ) يبتدئ به قبل كل شيء، وكأن الإنسان لشدة شوقه لربه أثناء دعائه ما يبدر منه إلا اسم الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أوزعني من حيث الإعراب يقال: فعل أمر، لكن النحويون رحمهم الله تأدبًا مع الله ما يقولون: فعل أمر؛ لأنك ما تأمر الله، يسمونه أيش؟ فعل دعاء، عندما نعرب هذه ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نقول: أوزع: فعل دعائي، ما نقول: فعل أمر يقصد به الدعاء، هو حقيقة فعل أمر والمقصود به الدعاء، لكن تأدبًا مع الله نقول: فعل دعاء. (﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ ). ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ الحامل لسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقول هذا: الاعتراف بنعمة الله سبحانه وتعالى وخوف الغرور بالنفس؛ لأنه إذا كانت النملة تقول هكذا وهذا خوفًا منه وجنوده وتعتذر لهم ويفهم كلامها، هذا قد يؤدي بالإنسان أيش؟ إلى الغرور، وأن هذا الشيء لذاته أو من ذاته؛ مثلما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] فلهذا سأل الله في هذا المقام الذي ربما يحصل به الغرور للمرء، والإنسان بشر، سأل الله أن يلهمه شكر نعمته التي أنعم عليه وعلى والديه، وأن يعمل صالحًا يرضاه. وهكذا ينبغي للإنسان إذا حصل له نعمة أن يسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمه شكرها، حتى لا يلحقه الغرور بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، سواءٌ كانت النعمة مالية أو جسدية، معنوية أم حسيّة. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾: (أن) هذه مصدرية، أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ لـ(أوزعني)؛ لأن المفعول الأول الياء والمفعول الثاني: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾. يعني: ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديّ. قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ النعمة ويش معنى النعمة؟ الإحسان الذي يَنْعَم به المُحسَن إليه، والنعمة -كما تعرفون- تنقسم إلى قسمين: إما حصول مطلوب، وإما نجاة من مرهوب. والله -تبارك وتعالى- دائمًا نعمه على عبده، والعبد دائرٌ بين هذين الصنفين من النعمة، دائمًا يحصل له مطلوبه وينجو من مرهوبه. وقول المفسّر: (﴿أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾ ). لماذا قدّر (بها)؟ * طالب: يعتقد أن (أنعمت) (...). * الشيخ: لا؛ لأنه من المعروف أن الجملة التي تكون صلة للموصول لا بد فيها من رابط يعود على الموصول، لا بد فيها من عائد يعود على الموصول. هنا ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ تحتاج الجملة (أنعمت) أن يكون فيها ضمير يعود على (التي)، قدّرها المؤلف بقوله: (بها). وهل منكم أحد يناقشه في هذا التقدير؟ يعني: تقدير الضمير: لأجل أن يكون عائدًا على الموصول، هذا واضح مسلّم، هذا القاعدة النحوية ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه. هذا واضح. وهذا كثير في الكلام العربي؛ في القرآن والسنة وكلام الناس، أنه لا بد من عائد يعود على الموصول ليربط الجملة صلة بموصولها. ولكن هل لكم مناقشة مع المؤلف في تقدير العائد على هذا الوجه؟ * طالب: (...) بعد الضمير المنفصل (...). * الشيخ: لأن الضمير المنفصل: إياه وإياي وإياك، هذا ضمير منفصل، فالضمير هنا متصل بلا شك. * طالب: (...) لكن (...) الباء بها. * الشيخ: إي ولو هو متصل ولو (...) هو متصل، ولو مع وجود الباء، وكان يقول: أنعمتها عليّ، هذا صحيح، لكن ما هو بالعلة، التقدير اللي قدّرت صحيح لكن العلة ما هي العِلَّة. يقولون: إن العائد ما يُحذف إذا كان مجرورًا إلا إذا جُرّ الموصول بحرف مشابه للمحذوف لفظًا ومعنًى وتقديرًا. عرفتم؟ هذا مر علينا، كنا نقرأ في النحو في القطر، وأنه إذا كان مجرورًا يشترط أن يكون مجرورًا بالحرف الذي جر الموصول، وأنه يكون موافقًا له في اللفظ ومتعلقه واحدًا موافقًا في اللفظ والتقدير والمعنى. المؤلف الآن قدّر (بها) مع أنها ما هي موجودة في القرآن: (﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها). وعلى هذا فالتقدير السليم أن يقول: أنعمتها عليَّ وعلى والديَّ؛ لأنه ما يمكن يحذف العائد المجرور إلا إذا كان الموصول مجرورًا بحرف الجر الذي جُر به ذلك العائد. وقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أما ﴿عَلَيَّ﴾ فظاهر أن نعمة الله عليك تحتاج إلى شكرٍ منك، لكن نعمة الله على والديك ما وجه كونها تحتاج إلى شكرٍ منك؟ لأن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد، لا سيما نعمته هذه اللي حصلت وهو أنه ورث من داود النبوة وخلفه فيها، فهذه النعمة نعمة الله على والديه هي في الحقيقة نعمة عليه، ولهذا قال: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. وقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ هذه جمع ولا مثنى؟ * طلبة: مثنى. * الشيخ: ﴿وَالِدَيَّ﴾ مثنى مضاف، ولذلك حُذفت النون منه، وأصله: والدين لي، لكن حُذفت النون من أجل الإضافة. طيب ﴿وَالِدَيَّ﴾ من المراد بالوالد؟ * طالب: الوالد الأب بصيغة الجمع. * الشيخ: أي هل هو الوالد الذي أنت ولده لصلبه، أو حتى الجد ومن علا. نقول: الحقيقة أن كلمة والد أحيانًا يدخل فيها الجد وإن علا، وأحيانًا تتعين بالوالد الأب. والذي يعيِّن ذلك هو القرائن؛ القرائن اللفظية أو القرائن الحالية. فمثلًا: لا يجوز لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد فيما يعطي ولده. من المراد بالوالد؟ * طالب: الأب. الشيخ المباشر. الوالد الأدنى، والجد لا يُلحق به. الوالد في تحريم النكاح؟ يشمل الأدنى والأعلى. الوالد في الميراث؟ * طالب: على الصحيح يشمل. * الشيخ: يشمل الأدنى والأعلى إن فُقد الأب، المراد الذكور والإناث. يعني: لا تحسبون على القول الصحيح أنا نريد الجد الوالد اللي هو الذكر، حتى الأنثى مثلًا الأم الوالدة في الميراث يشمل الأب الأعلى إن فُقد الأدنى. ولّا لا؟ فصار في الحقيقة أن كلمة (والد) تارة يراد بها الأدنى، وتارة يراد بها الأدنى والأعلى مجتمعين أو منفردين، وتارة يراد بها الأدنى والأعلى، لا، ويش لا؟ * طالب: لا مجتمعين. * الشيخ: لا مجتمعين. والذي يعيّن ذلك هو القرائن. القرائن اللفظية أو الحالية. * طالب: (...) تشمل (...)؟ * الشيخ: لا، كلمة والد. * الطالب: ما فيه فرق بين والدَيّ ووالدِيّ. * الشيخ: إي، ما بينهما فرق، إذا قلنا: والدَيَّ يعني: الوالد والوالدة، إذا قيل: والِدِيَّ ولا هو بيعبر بوالدِيَّ. * الطالب: (...) والدي. * الشيخ: ما فيه تعبير بوالِدِيَّ، يعني لو عبّر الإنسان نقول: هذا التعبير غير سليم، لكن والدِينا إذا صرنا جماعة واضح؛ لأن إذا قلت: والدينا وكنا اثنين كم يصيرون الوالدين؟ أربعة، إذا صرنا ثلاثة يكون ستة.. وهكذا. ولذلك بعض الإخوان اللي يقرءون في رمضان: اللهم اغفر لنا ولوالدَينا. هذا ما هو بصحيح، إلا على سبيل التجوّز؛ لأن والدينا، نحن لسنا عيال رجلٍ واحد، نعم لو كنا عيال رجلٍ واحد ستة نقول: والدَينا؛ لأن نحن أبونا واحد وأمنا واحدة، لكن لو صار في المسجد ألف نفر، هو والد كل واحد منا والد للثاني؟ ما إحنا إخوة. * طالب: اختصار اللفظ. * الشيخ: ولهذا ما تيجي والدَينا إلا على سبيل التجوّز، أي: والديّ كل واحدٍ منا. ولهذا التعبير السليم في مثل هذا أن تقول: اغفر لنا ولوالدِينا. * طالب: (...) خطأ. * الشيخ: لا. هذا هو الصواب. * الطالب: (...). * طالب: لكن كل اللي يحكون إلا نادرًا. * الشيخ: المهم على كل حال ما نقدر نقول: كلهم كذا ولا كلهم كذا، لكن نحن الآن نحللها من جهة اللغة العربية. الصواب في هذا إذا كنا جماعة والدِينا؛ لأن والدَينا ما تكون إلا على سبيل التجوّز. طيب ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. * طالب: أباه وأمه؟ * الشيخ: إي نعم أباه وأمه. قال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ يعني: وألهمني أن أعمل صالحًا ترضاه. وهنا قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ أي: أعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما يكون إلا إذا تضمن شرطين أساسيين هما؟ أحيانًا نسأل، ما فيه مانع أن نسأل. * طالب: الإخلاص والمتابعة. * الشيخ: الإخلاص والمتابعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة ٥] كل العام. الإخلاص واضح في الأنبياء وغيرهم، والمتابعة في غير الأنبياء واضح عندكم أيضًا، وفي الأنبياء غير واضح عندكم ولكنه واضح؛ لأن النبي يتبع شريعة توحى إليه، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: هو قد لا يتبع هذه الشريعة، قد لا يتبع، لكن كما مر علينا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون منين؟ من الإقرار على المعاصي مطلقًا، فإذن المتابعة موجودة في الأنبياء أيضًا؛ لأن المتابعة من الشرع الذي أوحي إليهم. فإذن هذا العمل الصالح: ما جمع بين أمرين الإخلاص والمتابعة، ففي فقد الإخلاص يكون الشرك، وفي فقد المتابعة يكون الابتداع. فالعمل الذي فيه شرك مردود؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم ( ٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. حتى الرياء، الرياء نوع من الشرك، إذا عمل الإنسان العبادة وهو مراءٍ فيها فهو مع الإثم مردودٌ عليه عمله. كذلك أيضًا في الابتداع، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم ( ١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]، وهذا أعم من اللفظ الثاني: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة. ]]. إلا إذا قلنا: من أحدث في ذاته وصفاته، فإذا قلنا: من أحدث في أمرنا ما ليس منه، سواء في نفس العمل أو في وصف العمل، صار موافقًا للفظ الآخر. على كل حال العمل إذا لم يكن خالصًا فليس مقبولًا، وإذا لم يكن صوابًا يعني: على السنة فليس مقبولًا، وليس بصالح أيضًا، وليس بصالح بل هو فاسد. قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الرضا بمعنى القبول، وكلمة ﴿تَرْضَاهُ﴾ بعد قوله: ﴿صَالِحًا﴾ هل لها معنى؟ لأن كل صالح فهو مرضي، فهل تكون الجملة حينئذ صفة كاشفة مبيِّنة، أو صفة مقيِّدة، يعني: مبينة ولا مقيدة؟ * طالب: مبينة. * الشيخ: الظاهر أنها مبينة، يعني أن العمل الصالح مرضي. قد يقول قائل: إن العمل قد يكون صالحًا بظاهره ولكنه غير مرضي في مآله أو فيما صحبه. قد يعمل الإنسان مخلصًا لله متّبعًا لرسول الله ﷺ، لكن يحصل منه إعجابٌ في عمله، هذا الإعجاب يمنع من رضا الله به ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]، قد يكون عملًا صالحًا في أوله وفي نهايته لا يرضاه الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]، فالرجل يتصدق بالصدقة مخلصًا لله تعالى متّبعًا لرسول الله ﷺ فيها، لكنه يتبعها بمنّ وأذى، وحينئذ تبطل الصدقة، إي على هذا التقدير يكون قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ صفة مقيدة، يكون صفةً مقيدةً. أيُّ الأمرين يحسن بنا أن نسلكه في هذا وغيره، فيما إذا جاءت صفة، هل الأولى أن نجعل الصفة مبيِّنة يعني مفسِّرة فقط أو أن نجعلها مقيِّدة؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: الأولى أن تكون مقيدة؛ لأن بالتقييد زيادة معنى. والتفسير ما يعدو شيئًا خارجًا عما سبق، فكل صفة تأتي في كلام في هذا وغيره فالأصل أن تكون أيش؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: أن تكون مقيدة، ولا يمكن أن نلجأ إلى كونها مفسّرة لمجرد بيان الأمر إلا متى؟ إلا عند الضرورة، إذا تعذّر أن تكون مقيّدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذه؟ * طالب: مبينة. * الشيخ: مبينة ومفسّرة وليست مقيّدة؛ لأننا لو جعلناها مقيِّدة ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾.. الشيخ: أيش؟ * طالب: أن تقيد. * الشيخ: أن تكون مقيدة، ولا يمكن أن نلجأ إلى كونها مفسرة بمجرد بيان الأمر إلا متى؟ إلا عند الضرورة إذا تعذّر أن تكون مقيدة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ﴾ هذه مُبيّنة ومفسّرة وليست مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة؟ * طالب: ما هي؟ * الشيخ: ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (...). إي، كل شيء يتكلم؛ لأن بعضهم يقول: الجسد يتكلم، والظاهر أنه في السارق ممكن بالجصة ويتكلم، والجصة هي مخزن التمر. وفيه رد لكلام المؤلف في قوله: إن النملة (ملكة النمل)؛ لقوله: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنكَّر. وليس بغريب أن تكون نملة من النملات هي التي قالت هذا. * وفي الآية هذه دليل على فصاحة هذه النملة ونصحها وذكائها؛ لأن الكلام اللي قالته يتضمن هذا كله، فهي من بلاغتها استعملت في كل مكان ما يناسبه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ [النمل ١٨] أتت بياء المناداة للبعيد؛ لأن النمل ليس قريبًا منها كله، بعضه بعيد وبعضه قريب. ومن كمال أيضًا نصحها: إرشادها إلى المخابئ والملاجئ في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ومن كمال ذكائها: أنها استعملت العبارات المثيرة المزعجة في قولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. وفيها أيضًا من عدلها؛ أنها قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، فتضمن هذا الكلام أنواعًا كثيرة من البلاغة والفصاحة والنصح والتحذير والتعذير وغير ذلك من ما مر في الشرح. الآن انتهت الفوائد التي عندي، عندكم فوائد أنتم؟ * طالب: عظمة ملك سليمان إذا (...). * الشيخ: إي نعم، في هذا أيضًا: عظمة ملك سليمان وجنوده؛ لأن النملة عرفت ذلك وحذّرت منه. * طالب: هل فيها أن الإنسان يتقي وقع الأقدام (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم يتقيه، والنملة -في الحقيقة- بيوتها الآن تكون عميقة في الأرض، ثم هي أيضًا من عادتها النملة أنها ما تبني البيوت إلا في مكان مرتفع، وغالبًا أن الجند يعني (...) أنهم ما دام يجدون السهل ما يروحون لها. * طالب: تكون صلبة يا شيخ، أحيانًا تكون صلبة يعني تحفر من البلاط و(...). * الشيخ: لا، ما تحفر البلاط. * طالب: هذا. * الشيخ: إي، فوق لا بأس، أما الحفر ما تقدر. قال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٩]. في هذا جواز التبسم عند وجود سببه، وجواز الضحك أيضًا؛ لقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، وهذا من فعل نبي، وفعل الأنبياء حُجّة، حتى وإن كانوا غير نبينا ﷺ إلا ما ورد شرعنا بنصه فهذا لا يعتبر. الدليل على أن فعل الأنبياء حُجّة قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام ٩٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. * وفيه دليل على ما كان عليه سليمان عليه الصلاة والسلام من التواضع لله سبحانه وتعالى، حيث لم يأخذه الغرور بهذا الملك العظيم حتى قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. * وفيه دليل على الاعتراف بالنعمة؛ بنعمة الله، وأنه ليس من الافتخار؛ لأن سليمان ذكر نعمة الله عليه، لكنه لا يقصد بذلك الافتخار والعلو على غيره، وقد قال الله تعالى للرسول ﷺ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، لكن لا على سبيل الافتخار والعلو؛ لأنه حينئذٍ تنقلب إلى نقمة. * وفيه دليل على أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، ولا سيما نعمة الإسلام، فإنها من أكبر النعم على الولد، لو مات طفل وأبواه كافران لكان هذا الطفل في الدنيا في حكم الكافرين، وفي الآخرة الله أعلم بحاله، ولو مات طفل بين أبوين مسلمين لكان هذا الطفل؟ * طالب: في الجنة. * الشيخ: مسلمًا في الدنيا والآخرة، وعلى هذا فنعمة الله على الوالدين ولا سيما في الدين نعمة على الولد، وهذا هو وجه قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. * وفي هذا دليل على أن من العقل والعدل والشرع إضافة المنة إلى المانّ بها؛ لقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وهذا اعتراف، وأبلغ من أن يقول الإنسان: أوزعني أن أشكر النعمة وبس؛ لأن قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ واضح جدًّا في خضوع هذا الإنسان لهذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها عليه، فهذه فيها دليل أنه من العقل والعدل والشرع إضافة المنة إلى المان بها ولو كان آبيًا. إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهْ ∗∗∗ ............................. ومن الأشعار المعروفة عندهم: ويش معنى ذووه؟ أصحاب الفضل، ما يعرف الفضل إلا أصحاب الفضل، أما من ليس بأهل فضل فإنهم ينكرون الفضل، بل إنك لو تفضلت عليهم لرأوا أن هذا حق واجبٌ عليك (...)، وأعظم شيء في هذا من يمن على الله سبحانه وتعالى بما أنعم الله به عليه، كما في قصة الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]. * وفيه دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كغيرهم مفتقرون إلى توفيق الله، وأنهم بدون توفيق الله سبحانه وتعالى ما يسيرون سيرًا يرضي الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. * وفيه دليل على أن العمل غير الصالح ليس فيه فائدة، بل وبين أمرين، العمل غير الصالح هو دائر بين أمرين: إما الإثم، وإما السلامة فقط، فإن صدر عن علم فهو إثم، وإن صدر عن جهل فالإنسان سالم، ولكن لا فائدة له فيه، كما لو صلّى الإنسان مثلًا صلاة باطلة في حدث، صلاة بحدث؛ فإنه إن تعمّد ذلك كان آثمًا، وإن كان جاهلًا لم تُفده في إبراء الذمة، ويطالب بإعادتها، أما الأجر فقد يُؤجر عليها من أجل النية والعمل الذي حصل المشقة، ولكن الكلام على الفائدة ما يستفيد منها في إبراء ذمته، ولا تسقط عنه. * وفيه دليل على أن الغاية التي يسير إليها الأنبياء ومن تبعهم هو رضا الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ لأن المقصود من عمل الإنسان الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى، بل إن رضا الله غاية فوق كل شيء، قال الله تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٧١] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢]؛ يعني: أكبر من كل شيء، وإذا حل على الإنسان رضا الله فهذا غاية ما يريد. * وفي الآية دليل أيضًا على أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يتوسّلون إلى الله؛ يعني يسألون الله تعالى بالوسيلة؛ لقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء ٥٧]؛ يعني أولئك الذي يدعوهم هؤلاء المشركون، أولئك ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾، فكل الناس، كل الخلق يسألون الله تعالى ويتوسلون إليه بما هو جائز. * وفيه دليل على جواز التوسل بصفات الله. * طالب: (...). * الشيخ: نفس الآية؟ برحمته. * وفيه دليل أيضًا، بل فيه إشكال: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، إذا قال قائل: مقام النبوة أعلى من مقام الصلاح، ﴿أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فكيف دعا الله أن يُدخله في عباده الصالحين مع أنه نبي أعلى مرتبة من مرتبة الصلاح؟ * طالب: (...) دخل فيه (...) الأنبياء والشهداء إذا كان (...). * الشيخ: وعند التفصيل تأتي المراتب. * طالب: نعم. * الشيخ: كذا؟ هذا هو الأقرب، الأقرب أن المراد بالصلاح هنا الصلاح المطلق، والصلاح المطلق هذا أعلى مرتبة، وقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٢٧]، فالمراد هنا الصلاح المطلق لا الصلاح الذي يُذكر مع المراتب، فإن مقام الصلاح مع المراتب دون مقام النبوة، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. * وفي هذا دليل أيضًا على أن العبادة مرتبة شريفة عظيمة، يسألها حتى الأنبياء؛ لقوله: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾، ولهذا يذكر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بوصف العبودية في أعلى مقاماته عند إنزال القرآن وعند الدفاع عنه، وما أشبه ذلك، وقد قال الشاعر يخاطب: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَـــــــــاعَبْدَهَــــــــــــا ∗∗∗ فَـــــإِنَّـــــهُ أَشْــــرَفُأَسْمَــــائِـــــــــــــــــي هذا -أعوذ بالله- عاشق! لنفرض أن اسمه مثلًا بكر، يقول: لا تقول لي يا بكر، قل: يا عبد ليلى؛ فإنه أشرف أسمائي، فالعبودية لله سبحانه وتعالى، لا شك أنها أشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله، والإنسان لا بد أن يكون عبدًا، ولا بد أن يتخذ إلهًا حتى الشيوعيين والملحدين لا بد أن يكونوا عبيدًا ولهم آلهة، ولَّا لا؟ صحيح، هل توافقون على هذا؟ * طالب: لا بد.. * الشيخ: إي نعم، لا بد، لو لم يكن لهم آلهة إلا أهواؤهم، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية ٢٣]، وقال رسول الله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٦٤٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢٥٩٥) من حديث أبي هريرة واللفظ للطبراني.]]، وهؤلاء بلا شك يعبدون الدينار والدرهم، بل إنهم لا يسعون إلا لذلك، هؤلاء الملحدون ما يسعون إلا لذلك. إذن لا بد لكل إنسان أن يكون عبدًا، فإن كان عبدًا لله فقد تحرر من العبودية حقيقة؛ لأن عبد الله حر، ما يرى شيئًا في الدنيا أو في المخلوقات أنه عبد له، لكن يرى خالقه هو سيده وإلهه وأنه عبد لهذا الخالق. ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ انتهى اللي عندي، فيه شيء عندكم أو كفاية؟ * طالب: (...). * الشيخ: يمكن يُؤخذ منه، ولا شك أن شكر النعم من النعم، وقد قال الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَـــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ وهذا صحيح، إذا وفقك الله للشكر فهو نعمة، يجب عليك أنك تشكر الله على هذه النعمة، فإذا شكرته صارت نعمة ثانية توجب الشكر؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]، فإذا رأيت (...). * طالب: الرد على القدرية. * الشيخ: في؟ * طالب: قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: طيب، أحسنت. صحيح. فيه رد على القدرية؛ لأن القدرية يرون أن الإنسان مستقل بعمله، ما يحتاج إلى معونة من الله ولا شيء، ولا شك أن هذا قول باطل، لكن هذه الآية ترد عليهم. وفيه أيضًا رد على الجبرية؛ لأنه أضاف العمل إليه، فقال: ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وقوله: ﴿أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ معناه: يمكن أعمل غير صالح، فهو مختار، ففيه رد على الطائفتين جميعًا؛ القدرية والجبرية. ويش الفرق بينهما؟ * طالب: القدرية أن الإنسان (...)، والجبرية أن الإنسان مجبور على الأعمال. * الشيخ: ما له اختيار ولا شيء. * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: قلنا هذه قلنا: الاستدلال به على هذا، الاستدلال ما هو بقوي؛ لأن لله على الكافر نعمة، ولَّا لا؟ الله له نعمة على الكافر، لكن النعمة المطلقة ما تكون إلا بالإسلام، من هذه الناحية نقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال هي قريبة من أنها مسلمة، ولكن لو حصل أصح من هذا يكون طيبًا. ثم قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠].. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يمكن نقول، (...) نقول اللي يقوله (...)؛ لأن الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري.]]. * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: إن الإنسان ما يصل إلى غايته إلا برحمة الله؟ * طالب: (...) الغاية (...). * الشيخ: إي، لا، هنا قال: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾؛ يعني ما يصل إلى مقصوده إلا إذا رحمه الله، كل شيء الجنة وغير الجنة؛ يعني إذا لم يرحمك الله ما (...) أبدًا. * طالب: شيخ، بيت الشعر (...). * الشيخ: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * طالب: البيت الثاني. * الشيخ: فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * طالب: (...). * الشيخ: (...) فأحسنتم. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، هو عند الله مولود على الفطرة، لكن الظاهر غير مسألة الباطن؛ ولذلك أولاد الكفار ما يدفنون في مقابر المسلمين. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ظاهرًا، فالكفر في أحكام الدنيا.