Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — العنكبوت 29:37 – العنكبوت 29:46

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. العنكبوت 29:37
  2. العنكبوت 29:38
  3. العنكبوت 29:39
  4. العنكبوت 29:40
  5. العنكبوت 29:41
  6. العنكبوت 29:42
  7. العنكبوت 29:43
  8. العنكبوت 29:44
  9. العنكبوت 29:45
  10. العنكبوت 29:46

العنكبوت 29:37

قال تعالى -نبدأ الدرس الجديد-: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. الجملة في قوله: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا﴾ مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: وهي القسم، و(اللام)، و(قد). ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: أبقَيْنا منها، الترك هنا بمعنى الإبقاء، وهو ظاهر في اللغة العربية، تقول: أخذت هذا، وتركت هذا، يعني: أبقَيْت، ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: أبقينا من هذه القضية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ بمعنى: علامة، و﴿بَيِّنَةً﴾ بمعنى: ظاهرة واضحة. قال المؤلف: (ظاهرة هي آثَارُ خرابها). (...) نعم، في الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] فكان العرب يمرون على هذه القرى ذاهبين وجائين إلى الشام، فَيرَوْن من آثار العذاب ما هو ظاهر، لكنهم لا يستبصرون؛ ولهذا قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال المؤلف: (يتدبرون). هذه ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعَلِّقَة بـ﴿تَرَكْنَا﴾، ولا بـ﴿بَيِّنَةً﴾؟ * طالب: بـ ﴿بَيِّنَةً﴾. * الشيخ: يجوز الوجهان، يجوز أن يكون المعنى: بينة للعاقلين، ويجوز المعنى: تركناها للعاقلين. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ العقل سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: عقل يُراد به الإدراك، وعقل يراد به: الرُّشد؛ العقل الذي يراد به الإدراك هو مناط التكليف، الذي يقول الفقهاء: من شروط هذه العبادة مثلًا: التمييز، والعقل. وعقل الرُّشد: هو مناط المدح والذم، يعني: الذي يُمدَح عليه الإنسان ويُذَمّ، والذي يُوجَد في القرآن غالبًا هذا ولَّا الأول؟ هذا، لكن في كلام أهل العلم يُراد بالعقل المعنى الأول الذي هو الإدراك. أقول: إن العقل الثاني: الرُّشد، وهو مناط المدح والذم، ومعنى ذلك: أن يكون الإنسان حسن التصرف، بحيث يعقِلُه ما معَه من الإدراك عمَّا يضُرُّه إلى ما ينفعه. هذا هو الذي يراد هنا في هذه الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ المراد به عقل الرشد الذي يحْجِزُك عما يضُرُّك إلى ما ينفعك. وقول المؤلف: (يتدبرون)، هذا في الحقيقة ليس تفسيرًا مطابقًا للَّفظ؛ لأنَّ التدبُّر هو سابق على العقل، فالإنسان يتدَبَّر أولًا، ويعرف النافع والضار، ثم يعقل، فيتبع ما ينفعه، ويدع ما يضُرُّه. ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني: وأمَّا من لا يعقلون فإنَّهم لا ينتفعون بالآيات ولا يتعظون بها. * طالب: هل هذا ما نقول بأنهم يعقلون؟ * الشيخ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ المراد بعَقْل الرُّشد ما هو معناها اللي..؛ لَأن العاقل إذا مَرّ بها وهو غير مجنون رآها، لكن ما ينتفع بها، ما تكون عنده آية بينة. * طالب: ما قال ابن مسعود: ولا (...). * الشيخ: لا لا، ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يعني: يُحسنون التصرف ويرشُدون بذلك؛ لأَنَّ الآية إذا لم تنفع فليست بآية. * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: هذا مبْنِيٌّ على ما سبَق في تفسير..؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. يقول: هل المراد من شاهدها، أو من بلغه علمها؟ إحنا سبق أن ذكرنا في تفسير كلمة في القرآن ما يدل على هذا؟ * طالب: في البقرة. * الشيخ: في البقرة ويش هي؟ * طالب: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ [الذاريات ٣٧]. * الشيخ: لا، السير في الأرض الذي أمَرَ الله به هل هو سير بالقدم، أو سير بالقلب، أو بهما؟ * طالب: بهما. * الشيخ: يعني: بهما على انفراد، وعلى اجتماع، واضح؟ فهنا نقول: ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يشمل مَن رآها وشاهدَها، ومَن سمع بها وبلغته. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت ٣6]. يقول المؤلف: (وأَرْسَلْنَا ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ ). فعلى هذا يكون ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول لِفعل محذوف تقديرُه: أرسلنا، وقال: ﴿أَخَاهُمْ﴾، ولم يقل: أخوهم، ليش؟ * طالب: اسم من الأسماء الخمسة. * الشيخ: لأنه اسم من الأسماء الخمسة؛ إن كنَّا من أهل الآجرومية، أو السِّتَّة لِأهل الألفية. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأُخُوة هنا ليست في الدين قطعًا؛ لأنَّ الكفار ليسوا إخوة للمؤمنين، إذن فهي أخوة قيل: عند بعض الناس أُخُوَّة إنسانية، وقالوا: إن الكافر والمؤمن أخَوَان في الإنسانية؛ لأنَّ هذا ليس حِمارًا وهذا بشر، كلُّهم بشَر، فالمراد بالأُخوة: الإنسانية. وقال: إنه يجوز أن تقول: إنَّ هذا أخِي –للكافر-؛ لأنَّك مشترك معه في الإنسانية، ما رأيكم في هذا؟ * طلبة: باطل، هم شر البرية. * الشيخ: إي نعم، المهم على كُل حَال، يعني: بدون عاطفة، نحن نُريد أن نبحَها بعقل بدون عاطفة، العاطفة لا شك أنَّنا نُنكر هذا من أول وهْلَة، لكن لو قال: أخي في الإنسانية؛ لأنَّنا سمعنا واحدًا يتكلم في مسجد من المساجد يعظ الناس، ويقول: هؤلاء إخوتنا في الإنسانية، ما ينبغي أن نُغَلِّظ عليهم ونفعل ونفعل. * طالب: يُرَدّ عليهم، أولًا من سورة البينة: المؤمنون خير البرية، والكافرون شَرُّ البرية، وهم إخوة للقردة والخنازير، فكيف يكونون إخوة لنا؟ قوله تعالى في سورة الممتحنة عن إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤] كيف تكون أُخُوَّة وهو قد كَفَر بهم، وبَدَا بيننا وبينهم العداوة. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال ٢٢] * الشيخ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال ٥٥]. * طالب: قد يقولون: ليس المراد الأخوة المعروفة التي تتعلق بالله عز وجل، وإنَّما المراد بها: الأخوة التي تتعلق بالناحية البشرية بمعنى المساواة. * الشيخ: يعني: مطلق الموافقة والمشابهة، على كل حال نرد عليهم فنقول: هذا شعيب عليه الصلاة والسلام قال الله هنا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وقال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ما قال: أخوهم، ﴿قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، قال أهل العلم: لأنَّ أصحاب مدين كان شعيب منهم، وهو أخوهم في النسب، وأصحاب الأيكة ليس منهم، فهي قرية حول مدين أرسله الله إليهم؛ ولهذا لم يقل: أخوهم، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، ولو كانت الأخوة هي الإنسانية في مثل: ﴿إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣]، وما أشبه ذلك، لو كان المراد بالأخوة الإنسانية لكان يُقال أيضًا في أصحاب الأيكة: إنَّه أخوهم. ثم إنَّ الأخوة في اللغة العربية ما هي بمطلق الموافقة في البشرية، إذا تتبعناها وجدنا أنها: إما في النسب، يكون الأصل الجامع بينهما نسبًا، وهذا واضح. وإما أن يكون الأصل الجامع بينهما هدفًا واحدًا يسعى إليه الجميع، ومعلوم أن الكافر والمسلم مختلفان في الهدف، ولا يمكن أن يكون أحدهما موافقًا للآخر في الهدف، لا نوافق على هذا القول مهما كان الأمر؛ لأنه في الحقيقة يؤدي إلى أن أي إنسان يقول: إن هذه الكافر أخوه، يحصل له رِقَّة، ولين، وموافقة، ويسهل ما في النفوس من بغض الكفار. كنا كما يعرف الكثير منكم إذا قيل: نصراني، ويهودي، يقف الشعر، ويتخوف الإنسان، ويتهَيَّب، لكن الآن صارت المسألة تمر على القلب مرور الماء البارد، ولا أحد يتأثر إلَّا من شاء الله، وهذا له خطره العظيم -نسأل الله السلامة-. * طالب: إذا قال: هذا قريني؟ * الشيخ: والله أنا أحب أنه يتحاشى من كل لفظ يدل على الموافقة. * طالب: قربه منه * الشيخ: لا ما قلنا: قربه. * طالب: يحدث مثلًا بالأخوة.. * الشيخ: هو على كل حال القرين هذا الشيطان، قرين للإنسان وهو عدوه، لكن في الوقت الحاضر تَدُلّ على المصاحبة، والموافقة، والمرافقة، فالأَوْلى البعد عن كل لفظ يدل على الاتفاق مع هؤلاء. * طالب: أخوة شعيب لمدين أخوة قريب لهم قومه، إذا قالوا: نحن نجتمع معكم في آدم، فالنسب قد جمع. * الشيخ: نعم، إذا ردونا إلى آدم قلنا: أنتم إخوتنا، وعلى كل حال نحن ذكرناها؛ لأن حقيقةً هذه وقعت، وأحد الإخوان تكلَّم، الإخوان اللي نعرف منهم الغَيْرَة يعني هو رجل طيب لكنه تكلم في هذه المسألة، وقال: إنهم إخوة، وزعم أنها الأخوة البشرية. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، طيب (مدين) هو اسم للقبيلة ولَّا اسم للبلد؟ * طالب: البلد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]. * الشيخ: هل شعيب أخ للبلد؟ * طالب: يقصد (...). * الشيخ: هنا يُقال: قرى مدين، أو يُقال: مدين؟ * طالب: هم أصحاب مدين الذين (...) المكان. * الشيخ: ويش يعني: أصحاب مدين؟ * الطالب: أصحابه من قرية ثانية. * الشيخ: ويش الآية؟ * الطالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج ٤٢ - ٤٤] * الشيخ: إي نعم، هذه قرينة ظاهرة أن المراد بها المكان. يبقَى ﴿أَخَاهُمْ﴾ نقول: هذا من باب إطلاق القرية وإرادة الأهل، وكذلك الآية التي ذكرها الأخ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]، مع أنها ما هي صريحة الآية ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ الإنسان يتوجه أيضًا تلقاء القوم. * طالب: شيخ، ما أحسب أن البلد سُمِّيَت باسمها قرينة.. * الشيخ: إي نعم، فيه احتمال، وإذا قلنا بهذا أيضًا هو يخف الإشكال. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ﴾، (يا) هذه نداء، و﴿قَوْمِ﴾ مُنادى مبني ولَّا مُعْرَب؟ * طالب: مُعْرَب. * الشيخ: منادى منصوب على النداء، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: فتحة مقدَّرة على الياء المحذوفة.. * طالب: لالتقاء ساكنين. * الشيخ: لالتقاء ساكنين، إذن فتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لالتقاء الساكنَين، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسَبة، أعد الإعراب، ﴿قَوْمِ﴾ مُنادى.. * طالب: منادى. * الشيخ: منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: فتحة. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: على ما قبل الياء. * الطالب: على ما قبل الياء. * الشيخ: المحذوفة. * الطالب: المحذوفة. * الشيخ: للتخفيف. * الطالب: للتخفيف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: تذلَّلُوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التَّذَلُّل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل للسالكين، فالعبادة إذن التذلل لله تعالى بطاعته، والطاعة: هي امتثال الأمر واجتناب النهي -عند الإِطلاق- أما إذا قُرنت فقيل: طاعة، ومعصية، صارت الطاعة في الأوامر، والمعاصي في النواهي. قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: أَخْلِصُوا له العبادة وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، فالمراد هنا بالعبادة أي: إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال: (اخشوه، وهو يوم القيامة). الرجاء يُطلَق على الطمع في المحبوب، أو لا؟ صحيح، هذا هو الأصل، الطمع في المحبوب؛ ولهذا يُقال: التمني والرجاء. ويطلق الرجاء بمعنى: الخوف، فهو إذن من باب الأضداد؛ لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تسمى الأضداد، وألَّف علماء اللغة في هذا كتبًا تجدها كلمة واحدة تصلح لهذا ولهذا للشيء ولضده. فهل هنا الرَّجَاء بمعنى الخوف، ولَّا الرجاء بمعنى الطمع في المحبوب؟ المؤلف حملها على أن المراد بها الخوف؛ وذلك لأنَّ المقام مقام إنذار، ويحتمل أن يكون المراد بها أيش؟ الرجاء الذي هو الطمع في المحبوب؛ لأنَّ اليوم الآخر فيه محبوب، وفيه مكروه، ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٥، ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]. لو قال لنا قائل: ألَا يجوز أن نحمله على المعنيين جميعًا؛ ارجُوه خوفًا من العقاب، وطمعًا في الثواب، ما يصلح؟ يصلح أن يكون شاملًا للأمرين، وقد تقدم لنا أن القول الراجح عندي -وهو قول لبعض العلماء- هو جواز استعمال المشترَك في معنيَيْه إذا لم يحصل تنافٍ، بحيث نقول: اللفظ المحتمل لهما على وجه لا يتناقض، فما المانع من أن يُستعمل في معنييه، والله أعلم. * طالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: تفسير أو بيان لما أُرْسِل به. وفي قوله: ﴿يا قَومِ﴾ من التلطف ما هو ظاهر؛ لأن قوم الرجل لا بد أن ينصروه، ويقبلوا ما جاء (...). .. واجتنابًا للنهي. وقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [العنكبوت ٣٦] قال: (اخشوه)، ويحتمل أنَّ المعنى: اطمعُوا بما فيه مِن الأجر والثواب، فهو صالحٌ لهذا وهذا، وهو من أسماء الأضداد الذي يدُل على الشيء وعلى ضدِّه. وقوله: ﴿الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ هو يوم القيامة، وسُمِّي بالآخِر؛ لأنَّه لا يومَ بعدَه؛ إذ إنَّ الناس لهم أرْبَع مراحِل: مرْحَلَة أُولَى في البطن، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في القبور، والمرحلة الأخيرة متى؟ يوم القيامة؛ ولهذا سُمِّي باليوم الآخر؛ إذ إنَّه آخِرُ شيء، آخر مرحلة تكُون لِلإنسان هو هذا اليوم؛ فلِذلك سمي باليوم الآخر. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ لا تُفْسِدوا، وعلى هذا فـ﴿مُفْسِدِينَ﴾ قال المؤلف فيها: (حال مؤكِّدَة لعاملِها)، ويش معنى مُؤكدة له؟ أي: بمعناه، وهذا التأْكيد لفْظِي أو معنوي؟ أجيبوا. * طالب: معنوي. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: مو من ليس منها.. * الشيخ: ليس مِن مادَّة الفعل، لو قال: ولا تعثَوْا في الأرض عاثِين لكان لفظيًّا، أمَّا هنا فإنه معنى؛ لأنَّه أكده بالمعنى؛ إذ إن العُثُوَّ يقول المؤلف: (مِن عَثِي بكسر المثَلَّثَة: أفسَد)، يقال: (عَثِي يعثَى) كـ(فرِح يفرَحُ) أنتم ما تعرفون الأبْواب، أبواب التصريف كم هي؟ * طالب: ثمانية. * الشيخ: ستة؛ منها: باب (فَعِلَ يَفْعَلُ؛ كفرِحَ يفْرَح، ورَضِي يرضَى)، وعَثِيَ على رأي المؤلف: يعثَى، ويجوز أن تكون مِن باب (فَعَلَ يَفْعُلُ؛ عَثَى يَعْثُو)، وكلاهُما بمعنى: أفسد؛ ولهذا قال المؤلف: (أفْسَد). وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ النهي هنا واضِح؛ ولهذا جُزِم الفعل بحذف النون ﴿لَا تَعْثَوْا﴾، بماذا يكُون الإفساد؟ هل المراد الإفسادُ الحسي؛ كهدم البناء وإفساد الأنهار وقطْعِ الأشجار، ونحو ذلك، أو أنَّ المراد الإفساد المعنوي، أو كلاهما؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، فلَا يجوز الإفساد حتى في الأمور المادية؛ ولهذا «نَهَى النبي ﷺ عن إضَاعَة المال». أقول: إنَّ الإفساد في الأرض يشمَلُ الإفساد بالمعاصي والإفساد الحِسِّي المادِّي، والدليل على هذا «أنَّ النبي ﷺ نهَى عن إضاعَة المالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣/١٢) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، وروى أبو داود[[لم نقف عليه.]] : «أنَّهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر فنزلوا أرضًا، فنَهَاهم عن قطْعِ أشجارِها»؛ لأنَّها للاسْتِظْلَال فهو إفسادٌ لها. ما هي مقابلة هؤلاء القوم لِهذه الدعوة التِي تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر؛ تدعو إلى الخير في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وتنهى عن الشر في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؟ الردّ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [العنكبوت ٣7]. هنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع أنَّ التكذِيب إنَّما يكون في الخبر، وهو قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَارْجُوا﴾ ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وكُلُّ هذه الجمل الثلاث إنشَائِية وليست خبرية، وكان مُقتَضَى الظاهر أن يقول: فعصَوْه، وهنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؟ الجواب: أن يُقال: إنَّه قال لَهم هذه الأوامر أو هذَيْن الأمرَين والنَّهْي باعتباره رسولًا مِن عند الله، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: بِدَعْوى الرِّسالَة، وهذا أبْلَغ مِن العصيان؛ لأنَّهم أنكَرُوا رسالتَه رأْسًا، ما أقَرُّوا بالرسالة، ثم قالوا: نعصيك في هذا الشيء، بل كذَّبوا بالرسالة رأسًا، فكان هذا أبلغ مِن قوله: فعصوه، فهمتُم هذا ولَّا لا؟ * طالب: واضح. * الشيخ: قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والفاءات؛ هذه الفاء في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ للتعقيب؛ تعقِيب هذه الجملة لِما سبقها. وفي قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ يحتمل أن تكون الفاء للتعقيب، وأن تكون للسببية، فإن قلنا: للتعقيب فهو دليل على أنَّه بمجرَّد تكذيبِهم عوقبوا، وإن قلنا: إنها للسببية فإنه لا يلزم مِن ذلك أن تكون عقوبتُهم قريبَةً مِن تكذيبِهم؛ لأنَّه يجوز أنَّ الله أمهلهم بعد التكذيب، ثم أخذَتهم، على أنَّنا إذا جعلناها للسَّبَبِيَّة لا تنافي أو لا تمنع أن تكون العقوبة مباشَرَةً، وعلى هذا فنقول: إِنَّ الأولى أن تكون للسببية، فتكون للسببية أولى من وُجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: دلالتها على حِكْمَةِ العقُوبة وهي التكذيب. وثانيًا: أنَّها أوسَعُ دلالةً مِن أن تكون (الفاء) للترتيب؛ لأنَّها تشمَل ما أعْقَب التكذيب وما تأخَّرَ عنه. وثالثًا: أننا نسْلَم مِن دعوى أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُمهِلْهُم، وليس عندنا علمٌ بذلك، فيكون اختيار أن تكون (الفاء) هنا للسببية أولَى. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ (أخذتهم) أبلَغ مِن قوله: أصابتْهُم؛ لأنَّ الأخْذ دليل على أنَّه لا هوادَة فيه وأنَّه مُدَمِّر، والرَّجْفَة يقول: (الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَة)، ما فيه آية ثانِيَة تدُلّ على أنَّها أخَذتهم الصيحة؟ * طالب: إي نعم، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٨٣]. * الشيخ: لا. * طالب: ثمود، ورد فيهم الصيحة والرجفة، أمَّا هنا شعيب ما ورد. * طالب آخر: في سورة هود يا شيخ. * الشيخ: في سورة هود، أخذتهم الصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود ٩٤، ٩٥]. إذن ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ و﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لا تنافِيَ بينهما؛ لِإمكانِ اجتماعهما؛ إذ يكُون العذاب صَيْحَة؛ صِيحَ بهم فسَمِعُوا، ورَجَفَتْ بهم الأرض، فيكُون عُوقبوا بالصَّوت، وعُوقِبُوا بالفعل، بالأمرين جميعًا. * طالب: إذا قلنا: إن (الفاء) للسببية يكون التكذيب بعد أخذنا يا شيخ، أو يكون السبب؛ يعني سبب الفعل محذوف؛ يعني: فكذبوا بسبب إيه؟ * الشيخ: لا، ما هو معنَاه أنَّ السَّبَب هو ما بعدها، إذا قِيل: للسببية، فقد يكون السبب ما بعدَها، وقد يكون ما بعدَها مسبَّبًا؛ يعني: فبسبَب تكذيبهم أخذَتْهم، فيكون السبب سابقًا، إذا قلنا: للسببية ما هو معناها أنَّها تدخُل على السبب فقط، قد تدخُل على السبب، وقد تدخُل على المسَبَّب. قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا﴾ والفَاء هنا نقول: إنَّها عاطفة أو سببية، تصلُح هذا وهذا، ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ﴿جَاثِمِينَ﴾ بالنصب خبرًا لـ(أَصْبَح)، وقوله: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود ٦٧] ولا منافاة؛ وذلك لأن (دار) مفرد مُضَاف، والمفرد المضاف، أقول: (ديار) و(دار) لا تنَافِي بينهما؛ لأن (دار) مفرد، والمفرد المضاف يعُمّ، ونطلب مِن الأخ مثالًا يدُل على أنَّ المفرد المضاف يعُم مِن القرآن، ما أحد منكم يسْتَحْضِر؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (نعمَة) مفرد، لكن يقينًا المراد به هنا الجمع، بدليل قوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾. * الشيخ: لا، ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾؛ لأن الواحد يُحْصَى، إذن (دار) و(ديار) لا فرق بينهما مِن حيث المعنى. وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾ قال المؤلف: (بارِكِين على الرُّكَب مَيِّتِين) أعوذ بالله، هذا الجاثِم لِشِدَّة ما نزل بهم بَرَكُوا على ركبِهم، ثم همَدُوا وصاروا جاثمين. قال تعالى: (﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿عَادًا﴾ ﴿وَثَمُودًا﴾ [العنكبوت: ٣8] بالصَّرْف وتركه). الصَّرْف، ما هُو الصرف؟ التَّنْوِين؛ قال ابن مالك: الصَّـــــــــــــــــرْفُتَنْوِيـــــــــــــــــــــنٌ أَتَـــــــــــى مُبَيِّنَــــــــــا ∗∗∗ مَعْنًى بِــــــــهِ يَكُــــــــــونُ الِاسْـــــــمُأَمْكَنَــــــــــــا فهنا يجوز الصرف ﴿ثَمُودًا﴾ ويجوز تركُ الصرف، وهما قراءتان: ﴿ثَمُودَ﴾، وهكذا كُلُّ أسماء القبائل يجُوز فيها مِن حيث الأصل الصَّرْف وعدمه، فالصرف باعتبار الحَيّ، وهو مُذَكَّر، وعدم الصرف باعتبار القبيلة، وهي مؤنَّثَة. فعليه، إذا قلنا: (ثَمُودَ) بدون صرف نقول: معطوف على (عَادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ولم يُنَوَّن؛ لأنَّه لا ينصرف، والمانِع لَه من الصَّرف العلَمية والتأنيث باعتبَارِه قبيلة، وعلى (ثمودًا) نقول: (ثمودًا) معطوف على (عادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ونُوِّنَ؛ لأنَّه مذكر باعتبار الحي. وقوله: ﴿عَادًا وَثَمُودَ﴾ مفعولان لفعل محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (أهلكنا عادًا وثمودًا). عاد أين محلُّهم؟ بالأحقاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١]، وثمود قومُ صالح بالحِجْر، ديار ثمود معروفة إلى الآن. قال تعالى: (﴿وَقَدْ تبيَّن لَكُمْ﴾ إهلاكهم، ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ﴿قَدْ تبيَّن﴾ ظهَر، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: لقريش. * الشيخ: نعم، لقريش؛ لأنَّهم تبين لهم هذا ويعرفونه. وقوله: ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ (من) على تقدِير المؤلف تكون سبَبِيَّة؛ أي: تَبَيَّن لكم إهلاكُنا إياهم بسبب رؤيتِكُم مساكِنَهم، تكون للسببية. أفلا يجوز أن نجعل (من) للتبعيض، ويكُون المعنى ﴿تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: بعض مساكنهم؟ يمكن، لكني ما رأيت أحدًا أعربها هذا الإعراب؛ أي: يمكن أن نجعل (من) تبعيضية؛ أي: تبيّن لكم البعض والبعض قد زال، فإنَّ المشاهد الآن بعض هذه المساكن والآثار. أمَّا على تقدير المؤلف فيقول: إن فاعل ﴿تبيَّن﴾ محذوف، التقدير: إهلاكُهُم. نسينا نقول: فاعل محذوف ولَّا نقول: فاعل مستَتِر؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: الفاعل هو يحذف ولَّا يستتر؟ * طالب: يحذف، ما يستتر؛ لأنه عمدة. * طالب آخر: يستتر. * طالب آخر: عمدة ما يستتر. * الشيخ: وما يُقَال: يحذف إلا في مكان لا يُمكن أن يُقَدَّر فيه كالمصدر مثلًا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد ١٤، ١٥] قالوا: إن الفاعل هنا محذوف؛ لأنه ما يمكن استتاره بمصدر، أمَّا إذا كان يمكن استتَارُه فإنَّه يقال: مستَتِر، والمحذوف قد يكون عُمدة، وقد يكون فَضْلة، لكن الحقيقة أنَّ المؤلف كلامه يوهِم بأنَّه محذُوف، لو قال المؤلف: وقد تبيَّن؛ أي: إهلاكُهم، وجعلَها مُفَسِّرَة للمحذوف لكان أولى. (﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ، هذا (الحجر واليمن) لفّ ونَشْر مرتب ولَّا مُشَوَّش؟ * طلبة: مشوش. * الشيخ: لأن (بالحجر) يعود على ثمود، وهو متَأَخِّر في القرآن، (واليمن) يعود على عَاد، ومثل هذا لا ينبغي؛ يعني: لا ينبغِي للمفَسِّر أو الشارح لِكلام أحد لا ينبغي أن يشرَحَهُ على هذا الترتيب؛ لأن الجاهل الذي لا يدري، لو نحن ما ندري عن مكانِهم لقلنا: إنّ الحجر مين هو له؟ * طلبة: لِعادٍ. * الشيخ: لعادٍ، وقلنا: إن اليمن لثمود، إي نعم. قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ هذه على تقدير (قد)؛ يعني: وقد زين لهم الشيطان أعمالهم مِن الكفر والمعاصي، زَيَّن بمعنى: حَسَّن وجمل، فحَسَّن لهم -والعياذ بالله- الأعمال مِن الشرك والمعاصي، وقال: إن الشرك حسَن؛ لأنَّكم تعبدون هذه الأصنام لِتُقَرِّبَكُم إلى الخالق، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]. ثم إنَّكم ترجُونَها وتدعُونَها فيحصُل لكم المقصود؛ لأنَّ الله تعالى قد يبتَلِي العابدين، فيحصُل لهم مقصُودُهم عند هذا الشيء، لا بِه، إحنا الآن نقول: عنده لا به؛ يعني: قد يدعُو الصنم، قد يدعو النبي ﷺ، قد يدعُو ملكًا مِن الملائكة، فيقدِّرُ الله ابتلاءً وامتحانًا أن يكونَ هذا السبب عند دعائه له، نحن المؤمنين نعلم بأنَّه ما حصَل به، لكنه حصَل عندَه امتحانًا، والله سبحانه وتعالى قد يبتلي الإنسان بالامتحَان بالمعصية، فتُسَهَّل له وتُزَيَّن له. وقد مرَّ علينا أنَّ الله امتحَنَ اليهود بأيش؟ بالحِيتَان؛ تأتِي يومَ السبت ولا تأتِي في غيره، وابتلى الله الصحابة رضي الله عنهم بالصَّيْد تنَالُه أيديهم ورماحُهم وهم محرِمُون، وهكذا أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) عن أبي هريرة.]]، ما عندهم أحد؛ لأنه لو كان عندهم قال: أخاف من الناس، لكن قال: أخاف الله، فالإنسان قد يُبتلى بالمعصية امتحانًا. كذلك أيضًا يقول الشيطان لهم: هؤلاء الأصنام إذا عبدتُّمُوها تُقَرِّبُكم إلى الله وتكُون وسيلة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣]، أمَّا المعاصي فكذلك أيضًا يُزَيِّنُها الشيطان للإنسان ويسَهِّلُها عليه، ويقول: أنت اعمل والرب غفور رحيم، اعمَل وتتوب، الدنيا أمامك، ما دُمت لم يتِمَّ لك أربعون سنة فإنَّها لا تجِب عليك الصلوات ولا الصيام، إذا تميت أربعين سنة وبلغْتَ أشدك حينئذٍ تجِب عليك الصلاة والصيام، هذا موجود الآن عند بعض المسلمين الجهال. وقوله هنا: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الشيطانُ ويش وزن (الشيطان)؟ * طالب: من فاعل (شطَن). * الشيخ: هو في الحقيقة ما له وزْن، ما له قيمة، لكن وزنُها اللفظي؟ * طالب: (فعلان). * طالب آخر: حسب الأصل أو اختلاف الأصل؛ يعني: بعضهم يقول: أصلها (شطن)، فيكون بهذا المعنى على وزن (فَعْلان) شيطان، وبعضهم يقول: أصلها (شاط) (...). * الشيخ: إذا جعلناها مِن (شطن) فهي على وزن؟ * طالب: على وزن (فيعال)، أما إذا كان وزنها (شَاط) فتكون على وزن (فعلان). * الشيخ: (فعلان) بالنون. * طالب: والراجح (شاط)، والله أعلم. * الشيخ: (شطن) بمعنى (بَعُدَ). * طالب: لا، (شاط) من.. * الشيخ: (شاط)، لو كانت (شاط) لكانت النون؟ * طالب: النون زائدة. * الشيخ: إذا كانت زائدة ينصَرِف ولَّا ما ينصرف؟ * طالب: إذا كانت زائدة ممنوعة من الصرف. * الشيخ: واللي بالقرآن ﴿حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧] مُنصَرِفٌ ولَّا لا؟ * طالب: منصرف. * الشيخ: هو منصرف، لكن قد تقولون: إن هذا مُنَكَّر، وما فيه الألف والنون، إذا كان مُنَكَّرًا فإنَّه ينصَرِف؛ لأن اللي فيه الألف والنون يُمنَع إذا كان وصفًا أو علمًا، و(شيطان) ما هو وصف، على كل حال الأقرب أنَّها مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد عن رحمة الله. * طالب: (الشيطان) ما هو بعَلَم؟ * الشيخ: لا، وقد يُراد به الجنس، الكلبُ الأسود شيطان، ما هو عَلَم هذا؛ يعني: شيْطَانٌ مِن الشياطين؛ ولذلك نقول في عبارةٍ للفقهاء قالوا: لا يجوز تأخيرُ القضاء إلى رمضانَ آخَر، أو: إلى رمضانٍ آخر؟ * طلبة: رمضانَ. * الشيخ: لا، إلى رمضانٍ آخر؛ لأنَّه نكرة، ما هو عَلَم. * طالب: مثل الآية ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ [الحجر ١٧]. * الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال أن الذي يظهر أنَّ الشيطان مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد. وقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] هنا أضَاف التزيين إلى الشيطان، وفي آية أخرى أضَاف التزيين سبحانه وتعالى إليه نفسه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، فكيف نجمَع بين الآيتين؛ أن يُضيفَ الله سبحانه وتعالى التزْيين مرةً إليه ومرةً إلى الشيطان؟ * طالب: باعتبار السبب، وباعتبار الفاعِل الحقيقي، فالفاعل الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، والسبب هو الشيطان. * الشيخ: المزَيِّن هو الله؟ * طالب: المزَيِّن الفاعل الحقيقي للتَّزْيين هو الله. * الشيخ: أيُّهم الذي باشَر التزيين؟ * الطالب: الشيطان. * الشيخ: إذن هو الحقيقي. * الطالب: هو سبب فقط؛ لأنه كله بقدر الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: معناه أنه أُضِيف التَّزيين إلى الله؛ لأنَّه بقضائه وقدره، وأضيف التزيين إلى الشيطان؛ لأنَّه مباشِرٌ له، كذا؟ وهو كذلك، فيُضاف إلى الله تعالى خَلْقًا وتقدِيرًا، ويضافُ إلى الشيطان مباشرةً. قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿صَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: صَرَفَهم، وهذا مِن استعمال (صدَّ) متَعَدِّيًا؛ لأن (صدَّ) تكون لازمًا ومتعديًا، إذا قلت: صدَّ الرجلُ عن سبيلِ الله فضَلَّ، لازم ولَّا متعدٍّ؟ * طالب: لازم. * الشيخ: صدَّ الرَّجل عن سَبِيلِ الله فضَلَّ، هذه لَازِمة، ومثل هذه الآية ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ صرفَهم، هذه متعَدِّيَة، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء ٦١] المصدَر الآن على وزْن (فُعُول) قال ابن مالك: وَ(فَعَـــــــــــــلَ) الـــــــــلَّازِمُمِثْـــــــلُ (قَعَــــــدَا) ∗∗∗ لَهُ فُعُولٌ.......................... لكن (صدَّ) المتعدي ويش مصدره؟ * طالب: (صدود). * الشيخ: لا، (صَدَّ) المتعدي مصدرُه (صَدًّا)؛ لقول ابن مالك: (فَعْـــــــــلٌ) قِيَــــــاسُ مَصْــــــدَرِالْمُعَـــــدَّى ∗∗∗ مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ...................... وأنا الحقيقة ليتني ما استشهدت بهذا؛ لأنَّكم ستقولون: إنه صار له فائدة، على كل حَال (صد) تأتي لازمة ومتعَدية. ما تقولون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ١] هل هي مِن اللَّازم ولَّا مِن المتعدي؟ * طالب: هذه لازِمَة ومتعدية، المتعدية أعم، إن قدَّرنا فهي متعدية، لكن.. * الشيخ: هي متعدية، الظاهر؛ لأن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا صدُّهم هم، اللازم يدُلُّ عليه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهي ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: غيرَهم، هذا هو الأقرب. يقول: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا﴾ عن السبيل (أل) في قولِه: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهد الذهني المعلُوم، وهو سبِيل الحق؛ ولهذا قال المؤلف: (سبيلِ الحق)، وهو سبيلُ الله عز وجل، وسُمِّيَ سبيل الله؛ لأنَّه يوصِل إليه؛ ولأنَّه هو الذي وضعَه لِعبادِه، كما في قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الشورى ٥٣]، وقد يُضاف إلى المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، فكيف نجمَع بينهما؟ السَّبِيل أحيانًا يضيفه الله إلى نفسِه، كما في قوله: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ١٦٧]، وأحيانًا يضيفه الله إلى المؤمنين، كما في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، كيف تجمع بينهم؟ * طالب: كله في سبيل الله، سبيل المؤمنين هو سبيل الله. * الشيخ: هو سبيل الله، لكن لماذا أُضِيف إلى المؤمنين مرَّة وإلى الله مرَّة؟ * طالب: لأنَّ المؤمنين هم المتبعون. * الشيخ: أحسنت، تمام، وأُضيف إلى الله -مثلما قلنا قبل قليل- لأنَّه يوصل إليه، وهو الذي شرعَه لعباده وبيَّنَه وجعلَه لهم. قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (ذَوي بصَائِر)؛ يعني أنَّه سبحانه وتعالى أعطَاهم مِن العقول والبصائر ما يمكِنُهم الاهتداءُ به، وقد ذكر الله ذلك في قوم صالِح صريحًا، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] فهم عندهم بصَائِر وعندَهم عِلْم، لكنَّهم كانُوا مستكْبِرِين، والعياذ بالله، فهم صدَّهم عن السبيل مع أنَّ الله أعطَاهم ما يتمكنون به مِن مُدَافَعَة الشيطان، ولكن غُلِبُوا على أمرِهم بما زَيَّن لهم الشيطان. * طالب: شيخ، الآيات في الكفار اللي قلنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقر ١٧١]؟ * الشيخ: ما قلنا: إن العقل عقلان؟ * طالب: هنا ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾. * الشيخ: إي، ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ معناها: أن عندهم بصيرة؛ يعني: عندهم عقول يدركون بها، لكن ليس عندهم عقول يهتدون بها؛ بمعنى أنهم اهتدوا بها، ما انتفعوا بها، فهم عندهم بصائر ومعرفة، لكنهم ما انتفعوا بها. * طالب: عندهم بصيرة وهم لم ينتفعوا بها؟ * الشيخ: إي نعم، يكون عنده بصيرة، لكن ما عنده اهتداء بهذه البصيرة. * طالب: شيخ، تكون بصيرة في ضعف الوسائل لها؟ * الشيخ: إي نعم، ما اهتدوا بها، يكون المعنى: أنهم عندهم علم وبصر يدركون به الأشياء، لكنهم ما انتفعوا به. وقال تعالى: ﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣9]، المؤلف قال: (أهلكنا)، وهذا التقدير باعتبار السِّيَاق؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على أنَّ هناك شيئًا مضمرًا هو (أهلكنا). قارون رجلٌ تاجر مِن بني إسرائيل، ولكنَّه كما قال الله عز وجل: ﴿بَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص ٧٦]، وقد أعطاه الله تعالى مالًا عظيمًا حتى إنَّ مفاتِحَه تثقُل بالعصبة؛ بالجماعة مِن الناس، هذه المفاتِح مفاتِحُ الخزائن؛ ولهذا ما آمَن بموسى اغتَرَّ بمالِه، والعياذ بالله، فلم يُؤْمِن بربّه. وفرعون معروف هو مَلِك مِصْر الذي ادَّعى أنه الرب وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وهامَان وزيرُه. وإنَّما قَدَّم قارون؛ لِعُلُوِّ نسبِه؛ لأنَّه مِن بني إسرائيل، وهم أشرَف مِن الأقباط، وقدَّم فرعون على هامَان؛ لعلُوِّ مرتبتِه عليه. وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ لو قال قائل: أليس هذا الترتيب مِن بابِ البداءَة بالأدنى؟ الجواب: لا، لو كان مِن باب الأدنى لقال: قارُون وهامَان وفرعون. * طالب: (...) آمن به، يرد على من قال: نافق، كان يقرأ التوراة. * الشيخ: من؟ * الطالب: بعضهم في قارون، قال: إن قارون كان مِن أحسن الناس صوتًا في التوراة، لكن اغتَرَّ بماله. * الشيخ: ما ندري عن هذا، إذا ما جاء به نَصّ ما نعلم عنه. ﴿وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى﴾ كل هذه: قارون وفرعون وهامان لا تنصَرِف، المانع منِ الصَّرْف؟ * طالب: العلمية والعجمة. * الشيخ: العلَمِيَّة والعجمة. (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالحُجَج الظاهرات، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ هذه الجملة -كما تمُرّ علينا كثيرًا- مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسَمُ المقَدَّر، واللام، و(قد). وقوله: (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى﴾ )، قبْل أيش؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: قبل الهلاك ولَّا قبل عاد وثمود؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: نعم، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: أتاهم إتيانًا مصحوبًا بالبَيِّنَات؛ لأنَّ الله تعالى لا يُرسل رسولًا إلَّا أعطاه مِن البينات ما يؤمِنُ على مثله البشَر؛ لأنَّها الحكمة والرحمة تقتضِي هكذا؛ إذْ ليس مِن المعلُوم وليس مِن الحكمة أن يُرسَل رجلٌ من الناس إلى الناس ويقول: إني رسول الله بدون بَيِّنَة، ولَّا لا؟ فلا بُدَّ مِن بينة آية واضِحَة تدُلُّ على أنَّه رسول؛ ولهذا قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات. قال المؤلف: (الحجج الظاهرات) منها مثلًا العصَا، ومنها اليَد، وكذلك السِّنِين التي أُخذُوا بها، ولكن مع هذا ما انتفعوا، نسأل الله العافية. قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ بمعنى تكَبَّرُوا وعلَوا وارتَفَعُوا على الحقّ ولم يقبلوا، وتعرفون ما جرى لموسى مع فرعون مِن المناظرة والتَّهديد، حتى وصَل به الحال إلى أن قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. (﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ فائتين عذابنَا) يعني: ما كانوا سابقين لنا، لم يسبِقُونا، والسَّبْق بمعنى الفَوات، فأنت إذا مثلًا سابقْتَ إنسانًا وسبقَك -أي: فاتَك- وعجَزْتَ عنه، هؤلاء مع استكبارهم وعظمتهم وعلوهم ما سبقوا الله عز وجل أبدًا. أمَّا قارون فخسَفَ الله به وبدارِه الأرض، وبقِيَ فيها إلى يوم القيامة، وما نفعَه لا بيتُه الذي احتَمَى به، ولا مالُه الذي كنَزَه. وأمَّا فرعون وهامان فأغرقَهم الله عز وجل بِما كان فرعون يفتخِرُ به، قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجَه الله مِن مصر وأهلكه بمثلما افتخَر به، افتخَر بالأنهار فأُهلِك بأيش؟ أهلك بالماء، فأهلكَه الله، فمَا فاتَه الله عز وجل، مع أنَّ فرعون حين إهلاكه كان يظُنُّ أنه منتصر؛ لأنَّه أرسل في المدائن حاشِرين، فجمعوا الناس واتَّبعُوا موسى وقومَه على أنَّهم أمْر يسير في قبضتهم؛ لأنهم قالوا: ما لهم إلَّا البحر؛ إمَّا يسقطوا في البحر، أو نأخذهم أخذًا لا هَوادَة فيه، فكان الأمر -والحمد لله- بالعكس؛ أهلَكَ الله فرعون وقومه، وأنجَى موسى وقومَه. قال سبحانه وتعالى: (﴿فَكُلًّا﴾ مِن المذكورِين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِه﴾ [العنكبوت: 40]). * طالب: كما كانوا سابقين لغيرِهم؛ يعني: غيرهم سبقهم إلى هذا العمل. * الشيخ: لا، يعني بيقصد في الزمن يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لا، هم سابقون أيضًا بالزمن متقدمون كثيرًا. * طالب: الواو هذه واو الحال ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾، لا، الظاهر أنها الاستئناف أحسن. * الطالب: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، أحسن. ﴿فَكُلًّا﴾ قال المؤلف: (مِن المذكورين)، والمعروف أن يقدر: فكلّ أحد، لكن المؤلف منعَه مِن تقدير (أحد) أنَّ (كُلًّا) منونة، وهو لا يُحب أن يغيِّر لفظ القرآن؛ ولهذا قال: (مِن المذكورين)، والتنوين في (كل) هنا يقول النحويون: إنَّه تنوين عوضٍ عن؟ * طالب: عن نون. * الشيخ: تنوين عوض عن كلمة؛ أي: فكلُّ واحد، والتنوين -كما هو معرُوف لكم- قد يكون عوضًا عن كلمة، كما هنا، وقد يكون عوضًا عن حرف، كما في: (جوارٍ) و(غواش)، وقد يكون عوضًا عن جملة، كما في (إذٍ) ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة ٨٤]، و(يومَئِذٍ)، وما أشبهَها. قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يعني: كُلًّا مِن هؤلاء أخذَه الله عز وجل بذنبِه، والباء في قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ تكون سبَبِيَّة ومعاوضة ومقابلة؛ يعني: أنَّهم بسبب ذنوبِهم أُخذُوا، وعلى قدرِ ذنوبهم أخذُوا أيضًا، فالباء هنا سببية وعِوَضِيَّة؛ أي: أنَّهم أُخذُوا بسبب الذنب، لكن ما تجَاوز الله بِهم أكثر مما يستَحِقُّون، بل بالسَّبب والقدْر. وقوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ في القرآن الكريم جاءت أيضًا: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام ٦]، والجمعُ بين الجمع والإفراد يسِير؛ أن يُقال: إنَّ الإفراد هنا مُضَاف فيَعُمّ؛ أي: بذُنُوبهم، والذنوب هي المعاصي، سواءٌ كانت كبيرة أو صغيرة، وهي هنا بلا شك مِن أكبَر الكبائر. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا التفصيل؛ لأن قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ مجمل فُصِّل بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: إليه؛ لأن هنا إرسال عذاب فهو عالٍ عليهم، وليس إرسال خطاب حتى نقول: إنَّ غايَة هذا الخطاب المرسَل إليه، فهو إرسالُ عذابٍ. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا عاصفة فيها حصباءُ كقوم لوط). * طالب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر ٣٤]. * الشيخ: إي، بس هذا فيه نظَر؛ لأنَّ المفهوم من قوم لوط أنَّ الذي أُرسِل عليهم مِن السماء أو لا؟ حاصبًا من السماء، وهي حجارة مِن سجيل، مثل الذي أُرسِل على أصحَاب الفِيل أو لا؟ وليست هي مِن الحصباء التي تثيرُها الرياح، ولا علِمْنَا أنَّ الله تعالى أرسل الرياح على قوم لوط، ولو كانت رياحًا تحمل الحصباء لبيَن الله عز وجل، فيقال: إننا أرسلنا عليه حاصبًا كقوم لوط، صح؟ فإنَّ الله تعالى أرسَل عليهم حاصبًا مِن السماء تحصبهم؛ حجارة من سجيل. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، مثل؟ * طلبة: ثمود. * الشيخ: يقول المؤلف: (كثمود) قوم صالح، وشُعيب أصحاب مدين ما أخذتهم الصيحة؟ * طلبة: إي نعم. * طالب: ما أخذَتْهم الرجفة يا شيخ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هنا لكن في آية أخرى ﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر ٧٣]. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض﴾ مثل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كقوم نوح وفرعون وقومِه) هؤلاء أهلكوا بالغرق؛ أمَّا فرعون وقومه فغَرِقُوا بالبحر الأحمر، وأمَّا الثاني من؟ * طالب: نوح فبالطوفان. * الشيخ: نوح فبالطُّوفَان؛ الطوفان العظيم الذي أمَرَ الله سبحانه وتعالى السماء ففَتَّح أبوابَها بماءٍ منهمر، وفجَّرَ الأرض عيونًا، شوف -سبحان الله- التعبِير؛ ما قال: فجَّرنَا عُيُون الأرض، لو كان التعبير: فجرنا عيون الأرض لكان فيه شيء كثير مِن اليابس ما تفَجَّر، وإنما تفجَّرَت العيون لو كان التعبير: فجَّرْنا عيون الأرض، لكن ﴿فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢]، كأن الأرض كلها صارت عيونًا، حتى إن التنور الذي هو محلّ إيقاد النار وأبعد ما يكون عن ظهور الماء فيه فار التنور صار يفُور عيونًا، سبحان الله العظيم! ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾ [القمر ١٢] حتى علَا قمَم الجبال، واستوت السفينة على الجُودي، والجودي هذا الجبل رفِيع جدًّا، على أنَّ الماء حملَها إلى أن رسَتْ على هذا الجبل، مما يدُلّ على كثرَة هذه المياه، الله أكبر! الإنسان لو تصور أنَّ المطر يرتفع أربعة أمتار لتَهَوَّل من ذلك، لكن هذا الذي بقدرة الله عز وجل علَا إلى مِئَات الأمتار، والله على كل شيء قدير. قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذِّبَهم بغير ذنب، والله ما كان هذا، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، اللام هنا يُسمونَها لام؟ * طالب: مزحلقة. * الشيخ: لا، ما فيه زحلقات. * طالب: لام التوكيد. * الشيخ: ولا لام التوكيد، هذه يا إخواني لام الجحود؛ لأن لام الجحود هي المسبُوقة بكَوْنٍ منْفِيّ، أو نقول لِأصحاب الآجرومية: ما سبقَها (ما كان) أيش؟ * طالب: أو (ما يكُن). * الشيخ: لا، أو(لَمْ يكُن)، (ما كان) أو (لم يكن)، هنا الذي سبقها أيش؟ (ما كان)، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ والظُّلْم له وجهان (...).هذا لَمَّا نفى أن يكون الله ظلمهم بيَّن مِن أين وقع هذا الظلم، فقال: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠] ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ خبر (كان)، والواو اسمها. * طالب: لا، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ جملة فعلية خبر (كان)، و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * طالب: كانوا يظلمون أنفسهم. * طالب آخر: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: لا، اسم (كان) الواو ﴿كَانُوا﴾، لو كانت تأكيدًا لكانت منصوبة. * طالب: منصوبة بـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ مِن باب الاشتغال. * الشيخ: مِن باب الاشتغال؟ ما تقولون الآن؟ توافقون؟ * طالب: الاسم مؤول، والخبر جملة. * الشيخ: الكلام على ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ ويش نقول فيها؟ * طالب: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، من باب الاشتغال؟ * طالب: لا، ما فيه ضمير (...) ما يجوز اشتغالها. * الشيخ: إذن مفعول مقَدَّم لـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أو لا؟ ولا فيه اشتغال؛ لأنّ الاشتغال يقول ابن مالك: إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلًا شَغَلْ ∗∗∗ عَنْهُ بِنَصْـــــــبِ لَفْظِــــــهِ أَوِالْمَحَـــــلْ الاشتغال لا بد يكون ضمير في الفعل المشغُول؛ ولهذا سميناه اشتغالًا، أمَّا هنا فـ(أنفسهم) مفعول مقدّم لـ(يظلمون)، وتقديمُها له فائدتان: فَائدة لفظِيَّة، وفائدة معنوية؛ الفائدة اللفظية مُرَاعَاة الفواِصل؛ يعني: أواخِر الآيات، هذه فائدة لفظِيَّة، لو قال: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، ما تناسَبَت مع ما قبلها وبعدَها، والثانية الفائدة المعنويّة: الحصْر والاختصَاص؛ يعني: ما ظلَمُوا إلا أنفسهم، فهم في الحقيقة هُم الذين ظلموا، ولكن كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين﴾ [الزخرف ٧٦]، أمَّا نحن ما ظلمناهم. * طالب: شيخ، تقديرًا في قوم نوح؛ يعني: جعل السياق هذا منهم، وإلى قصة نوح، ما ورد ذكر نوح إلا في أول السورة، نوح ما ورد؟ * الشيخ: إي، ويش فيه؟ * الطالب: (فمنهم) يعني مِن المذكُورين؛ يعني: عادًا ومَن قبلهم وقارون وفرعون وهامان، هؤلاء اللي ذُكروا؛ يعني: فكل من المذكورين أخذْنا بذنبه، (فمنهم) على الترتيب، ذكْر قوم نوح هنا له وجْه. * طالب آخر: قوم نوح على السبب في أول السورة.. * الشيخ: ما يهم، يعني على كل حال مِن الناس، يعني أنت تريد أن تكون الضمير على أقرب مذكور؟ * الطالب: نعم، ثم ترتيبه؛ التسلسل، أحيانًا الترتيب القرآني، ذكَر العذاب بالتسلسل على حسب الترتيب. * الشيخ: من أخذته الصيحة، نقول: كثمود، ما هو بهذا الترتيب؛ لأن شعيبًا قبْل هؤلاء. * طالب: بس قلنا: ثمود الصيحة، تصلح لشعيب لِقوم مدين وثمود. * الشيخ: إذا راعَيْنا الترتيب ما تصلُح هنا لثمود ولَّا لا؟ أو تصلح؛ لأنَّه قبل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ لا سيما أنَّ المؤلف يقول: ﴿فَكُلًّا﴾ (من المذكورين)، لو قال: فكلًّا من المذنبين، على كل حال المسألة بسيطة، ما دام أنه فيه مثال لهذا وهذا.. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. * مِن فوائد هذا الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بإبقاء آثار الآيات ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا﴾؛ لأن المراد إبقاؤها. * ومن فوائدها: أنَّه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها: فائدة العقل، فكلما أُوتِي الإنسان عقلًا فإنَّه مِن نعمة الله عليه، كلما كان أعقل فهو مِن نعمة الله، مِن أين نأخذ فائدة العقل؟ مِن كون صاحبِه ينتَفِعُ به في الآيات التي تركَها الله عز وجل. ثم قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣٦]. * من فوائد هذه الآية: إثبات رحمة الله وحكمته في إرسال الرسل؛ فإن إرسال الرسل يدل على الرحمة والحكمة، أمَّا الرحمة فظاهر؛ لأنه لا يمكن للعباد أن ينتفعوا بعقولهم في التعبُّد لله عز وجل؛ ولهذا يقول العلماء: إن العبادات توقيفية، وأما الحكمة؛ فلئلا يكون للناس على الله حُجَّةٌ بعد الرسل. * ومن فوائد الآية: أنَّ النبيَّ غالبًا يكون مِن قومِه؛ لأنَّ الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن كله يعبر فيها بقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾، و﴿أَخَاهُمْ﴾، وما أشبه ذلك. والحكمة من هذا؛ يعني: يتَوَلَّد منها * فائدة أخرى: وهي أنَّ الذي ينبغي أن يكونَ الرسول معروفًا بين قومه؛ لأجل أن يُسَاعِدُوه ويعينوه ولا يكَذِّبُوه. * من فوائد الآية: وجوب عبادة الله؛ لقولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. * ومنها: وجوب الاستعداد لليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. * ومنها: إثباتُ اليوم الآخر، واضِح؟ * ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومنها: أنَّ الشرائع تجمَع بين الأمرين الإيجابي والسلبي، الإيجابي بأي شيء؟ بالأوامِر، والسلبي بالنواهي؛ يعني: أنَّ الشرائع أفعال وتُرُوك، ما هو مجرد أفعال، ولا يُصْلِحُ العباد إلَّا هذا؛ لأنَّ الإنسان قد تناسِبُه الأوامر، ولا تناسبه النواهي، وقد تناسبه النواهي فتسْهُل عليه ولا تناسِبُه الأوامر، فجمَع الله سبحانه وتعالى في شرائعه بين الأمر والنهي. * ومنها: قلت: تحريم الإفساد في الأرض؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: وذكرْنا في التفسير: أنَّ هذا الإفساد يشمَل الإفساد المعنوي بالمعاصِي والإفساد الحسي بالتدمير والإتلاف. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ [العنكبوت ٣٧]. * مِن فوائد هذه الآية: بيان ما يعانيه الرسل عليهم الصلاة والسلام من أقوامِهم؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوه﴾، ولا ريبَ أنَّ تكذيب الإنسان الذي على حقٍّ أنَّه يبلُغُ في نفسه كل مبْلَغ، إنسان معه الحق والآيات وجاء لمصلَحَةِ الخلق، ثم يكذِّبُونه، هذا أمر ليس بالهين على النفس. * من فوائد الآية أيضًا: تسلِيَةُ الدعاة إلى الله عز وجل إذا عُورِضوا في دعوتِهم، كيف ذلك؟ كيف هذه التسلية؟ أنَّ الرسل كُذِّبوا، فهم مِن باب أولى؛ ولهذا يُسَلِّي الله النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هذا ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير﴾ [آل عمران ١٨٤]، ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، فالداعية إلى الله لا ينبغِي أن يأنَف مِن أن يُكَذَّب، فإنَّ هذا هو طريقُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعُهم سيكونون مثلَهم. * مِن فوائِد الآية: التعْجِيل بالعُقُوبة للمُكَذِّب، هذا متَى؟ إذا قلنا: إن الفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أيش؟ عاطفة، أمَّا إذا قلنا: إنها سببية فلا تدُلّ؛ لأن المسبَّب قد يتأخّر عن السبب. * ومِنها؛ من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في عقوبَة المكذبين لِرُسُلِهم. * ومنها: أنَّ العقوبة ليست جَوْرًا ولا ظُلْمًا؛ لأنّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، ولا يظلِمُ أحدًا، فلولا أنَّ هؤلاء يعاقَبُون بحقٍّ ما عاقبَهم الله. * ومنها: قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ وكم هم؛ عددهم؟ قوْم؛ قبيلة كبيرة أبادَهم الله تعالى في لحظَة، وهذا دليل على قدرتِه، وأنَّه إذا أراد شيئًا فإنَّما يقول له: كن، فيكون. * ومنها: أنَّ الملاجئ لا تنفَعُ مِن الله، تُؤْخذ مِن قوله: ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ الدار ملجَأ للإنسان، يلجأُ بها مِن عدوه، لكنَّها بالنسبة إلى الله لا تمنع ولا تنفع؛ فلهذا قال: ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٣٨]. * مِن فوائد هذه الآية؛ أوَّلًا: أنَّه ينبغِي الاعْتِبَار بأحوال مَن مضى، مِن أين تؤخذ؟ ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعتبِرُوا واتّعِظُوا. * ومنها: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ عادًا مِن أقوى عباد الله حتى إنَّهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ [فصلت ١٥]، ومع ذلك أهلكَهم الله بألطَف الأشياء، ما هي؟ * طالب: الريح. * الشيخ: بالريح، الريح اللي هي مِن ألطف الأشياء أهلكَهم الله بها، فدلَّ هذا على كَمَال قدرةِ الله سبحانه وتعالى، وأنَّه مهما بلغ الناسُ مِن القوة فليسَت قوتُهم بشيء بالنسبة إلى قوة الله. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الشيطان قد يُسَلطُ على بني آدم؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومِن فوائدها: التحذِير من تزْيِين الأعمال، وأظُن كلّنا نفهَم أنَّ قوله: ﴿زَيَّنَ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أنَّها تدل على أنَّ هذه الأعمال أصلُها قبيح، لكنَّها زُيِّنَت، فيَجِب الحذر مِن تزيين الشيطان. إذا قال قائلٌ: ما هو الضابط لتزيين الشيطان، قد أهوَى هذا العمل ويزين في نفسي فأفعله، فلا أدري هل هو مِن تزيين الشيطان أو مِن تزيين الله عز وجل، فما هو الضابِط؟ الضابط: إذا كان هذا العملُ خلاف شريعةِ الله فهو مِن تزيين الشيطان، وإن كان موافقًا لِشريعة الله فهو مِن هداية الله وليس مِن تزْيِين الشيطان. * ومنها: إثباتُ الشياطِين وتأثيرها على بني آدم؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومنها: الردّ على الجبرِيَّة في نسبَة الأعمال إليهم، فإذا نُسِبَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهم فاعلون حقيقة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الأعمال السيئة قد تكُونُ سببًا لِضَلَالِ العبد؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ﴾، ولا ريبَ أنَّ الأعمال السيئة سببٌ لضلال العبد، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]، والأعمال السيئة يجُرُّ بعضها بعضًا حتى يعمَى الإنسان -والعياذ بالله- عن الحق بسبب معصيته. * ومِن فوائد الآية: بشاعَةُ الصَّدِّ عن السبيل مع البصيرة، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين﴾، فإنَّ الجملة هنا حالية على تقدير (قد)؛ يعني: فصدَّهُم وقد كانوا مستبصرين، والمستبصر كان بصَدَدِ ألا يصُدّ، لكن -والعياذ بالله- قُوَّة السبب وضَعْف المانع هو الذي أوجَبَ لهم أن يصُدُّوا عن سبيل الله. * ومِن فوائد الآية: استعمال أو اعتبار دلالة الألفاظ بِمَا يفهَمُه المخاطب؛ أعني أنَّ (أل) في قوله: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهْد، أي العهود؟ العهد الذهني. * ففيه دليل على أن المخاطب قد يُحَال على ما يفهمُه في ذهنِه من دلالَة الخطاب، وهو كذلك. فلو قال قائل: هذه الآية فيها إبهام عن السبيل، ما ندري أي سبيل؟ قلنا: لا إبهام فيها، ما دام هناك شيءٌ معهود للمخاطَب فإنَّه ليس فيها إبهام. ثم قال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت ٣٩]. * فيه ذَمّ هؤلاء الثلاثة الأشخاص؛ قارون وفرعون وهامان. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ سبب الطغيان قد يكون المال، وقد يكُون الجاه والرِّئاسة، ففي قارُون سببُ طغيانِه المال، وفي فرعون وهامان الجاهُ والرِّئَاسة، وهذَان السببان هما سبَبُ استكْبَار الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدِها: إثباتُ رسالَة موسى ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَات﴾. * ومن فوائدها: أنَّ موسى رسُول إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، فرعون هُو مِن بني إسرائيل؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن أين؟ * طالب: من الأقباط. * الشيخ: من الأقباط، كيف نجمع بين هذا وبين قول رسول الله ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]]، وقومُ موسى هم بنو إسرائيل، وموسى أُرْسِل إلى فرعون وإِلى بني إسرائيل؟ * طالب: هم كانوا موجودين في مصر في مملكة فرعون اللي هم بني إسرائيل، ثم إنه كان يستعبدهم، وكان يمنعهم من الخروج، فكان من المقتضى هو يذهب إليه أولًا حتى يخرجوا معه ويعبدوا الله عز وجل كما أراد، وهو يمنعهم فرعون، فكان لا بد.. * الشيخ: يعني: أنَّ دخول بني إسرائيل في مملكة فرعون تقتَضِي الحكمة أنه يُرسَل إليهما جميعًا؟ * طالب: يعني ليس كذلك، هو كان يمنعهم فرعون، ويستعبدهم في الأرض. * الشيخ: إي نعم، ومنع أيضًا موسى مِن أن يأخذ بني إسرائيل معه. * طالب: نعم، فكان لا بد أن يوجه إليه؛ ليحررهم من هذا الاستعباد. * الشيخ: نعم. * طالب: أن النبي يبعث إلى قومه، فمن دخل فيه من غيرهم (...). * الشيخ: طيب، إذن يكون فرعون تابعًا لِبني إسرائيل، مع أنَّ أصْل الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون، فكيف مثلًا يكُون الذي له الأصل هو التابع؟ إذن نرجع إلى ما قال. * طالب: سواء عاد كانوا مثلًا قومه تابعين أو تبعًا عن غيرهم. * الشيخ: يعني إذن نرجع إلى هذا نقول: معناه: أنَّه ما يمكِن إصلاح بني إسرائيل حتى يصْلح مَن له السيطرة عليهم، هذا مرادُك؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. * الشيخ: المهم الآن أنّنا كلنا متفقون على أنَّ الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، بل هي إلى فرعون أصلًا. * طالب: (...) يقول: أرسل معنا بني إسرائيل، رسول الله إليهم. * الشيخ: دعاه إلى الله، بل إنَّ الآيات: أرسلنا موسى إلى فرعون، كلها تدل على أن أصل الرسالة إلى فرعون. * طالب: يجوز، يقال: إن الله سبحانه وتعالى حكمته تقتضي أن يرسل إلى أقوام الأنبياء؛ لأنَّ فيهم حمِيَّة إليه وركونًا إليه ونُصرة له، وهنا في فرعون له أيضًا حميَّة وميل إليه، باعتباره هو اللي رباه، وباعتباره نشأ في كنفه، فشارَك بني إسرائيل في هذه الصفة. * الشيخ: أنا عندي -والله أعلم- أنَّ الجواب مِن أحد وجهين: الوجه الأول: أنَّ قوله: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]] ليس أولَ عُمومٍ يُخَصَّص، يمكن أن نقول: هذا باعتبار الأكثر والأعمّ، ونقول: إن موسى دلَّ الدليل على أنَّه بُعِث إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، وهذا جواب ما فيه تكلف؛ هذا الجواب ليس فيه تكلف. ويمكن أن نقول: إنَّ الرسالة إلى فرعون؛ لأنَّه ما يمكن لبني إسرائيل أن يستَقِلُّوا، وأن يقوموا بواجِب الرسالة واتِّبَاع موسى إلا إذا اهْتَدى فرعون؛ ولذلك ما كان لهم دولَة وسُلْطة إلا بعد أن أهلكَ الله فرعَوْن، فيكون هذا: قُصِدَ فرعون أولًا؛ لأنَّه لا يمكن الوُصول إلى بني إسرائيل واستقْلَال الدعوة فيهم إلا بعد أن يُسْلِم هذا الرجل أو يتلف كما هو الواقع، فتكون رسالته هنا مِن باب الوسائل إلى المقصود يكون موسى عليه الصلاة والسلام أُرسِل إلى بني إسرائيل، لكن لا يمكن تحقيق الرسالة في بني إسرائيل حتى يهتَدِي هذا الرجل أو يقضِيَ الله عليه، والذي حصَل أنَّ الله قضَى عليه بعد ما حصل مِن الآيات والبينات، إلى آخره. * طالب: والأقباط الآخرون غير فرعون ما وجهت لهم الدعوة؟ * الشيخ: الظاهر أنَّ الأقبَاط اللي في مصر، بل كُل اللي تحت ولَاية فرعون داخِلُون في هذا؛ لأنَّه بالضرورة إذا آمن فرعون فسَيُؤْمِنُون؛ لأنَّ السيطرة له عليهم. * طالب: ما نقول بأنه القوم أعم من (...) أن قبيلة موسى من بني إسرائيل وقومه الناس (...)؟ * الشيخ: إذا قلنا: إنَّ المراد بالقوم مَن بُعِث فيهم صار معناه: لو بُعِث النبي إلى جميع الناس صارُوا قومه، فبَطَل دلالةُ آخر الحديث، ومَرَّ علينا في قصة شعيب أنَّه أيضًا أُرسِل إلى أصحاب الأيكة، وليسُوا مِن قومه، بدليل أنه ما قال: أخاهم. فالجواب: الأول وهو أن نقول: إنَّ هذا العموم قد خُصِّص، دلَّتْ الأدلة على أن بعض الرسل أُرسِل إلى قومِه وإلى غيرِهم ممن هو تبع، لا يوجد رسول أُرسل إلى الناس عامَّة إلَّا محمدًا ﷺ. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * مِن فوائد الآية: أنَّ الرُّسل يُؤَيَّدُون بالآيات البينة؛ لقولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وثبتَ عن الرسول ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) عن أبي هريرة.]]. * من فوائدِها أيضًا: إثباتُ الرحمة والحكمة في آياتِ الأنبياء، أليس كذلك؟ لأن الآيات التي مع الرسل رحمة بالخلق وحِكْمَة، رحمة؛ لأجْل أن تكون سببًا لاهتِدَائِهم، وحكمة؛ لإقامَة الحجة عليهم، حتى لا يقول قائل: إنَّ هذا الرسول ما أتانا بآية فهو كاذب، فإذن إثبات الآيات للأنبياء فيها متضَمِّنَةٌ للرحمة والحكمة، الرحمة كيف نقول: إعطاء الأنبياء الآيات يتضَمَّن الرحمة؟ * طالب: ما يمكن يتعبدوا إلَّا عن طريق الرسل. * الشيخ: كيف؟ * طالب: إذا أرسل الله الرسل. * الشيخ: إي نعم، قلنا: إن الآيات التي أوتيها الأنبياء تتضمن إثباتَ رحمة الله وحكمتِه. * طالب: (...) لئلا يضلوا (...). * الشيخ: لأن الآيات وسيلة إلى اهتدائهم، إذا رأَوا الآيات اهتدَوْا، حِكْمة، كيف ذلك؟ * طالب: (...) ما يقول: ما جاء نصره؟ * الشيخ: لا، ما هو هذا، ما نسأل عن حكمة إرسال الرسل، حكْمَة إيتَاء الرسل الآيات. * طالب: حيث تقام عليهم الحجة. * الشيخ: على مَن؟ * طالب: على الناس.. * الشيخ: فيقال لهم: أنتم كذَّبتم من قامَت الآيات على صدْقِهم. قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.. * ومِن فوائد الآية: أنَّ بشاعة كفْر هؤلاء الثلاثة؛ قارون وفرعون وهامان، وذلك بالاستِكْبَار عن الحق والإعْرَاض عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. * ومِن فوائدِها: كمالُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى حيث لا يفُوتُه أحد مِن خلقه؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، مع عظمتِهم وكبرِيَائِهم وأموالِهم ما يسبِقُون الله، وهذا تحقيقُ قولِه ﷺ في أذكار الصلاة: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) عن المغيرة بن شعبة. ]]، فإن الإنسان مهما عظُم وكثُر لا ينفَعُه عظمَتُه وكثْرَتُه. وقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. * مِن فوائد هذه الآية: تمامُ قدرة الله في إرسالِ هذه العقوبات، فإنَّها كلها عقوبات تدُلّ على القدرة. * ومنْها: إبطَال قول هؤلاء الملحدين، حينما تأتي مثل هذه الآيات في الوقت الحاضر يقولون: هذه مِن الكوارث الطبيعية، تأتي الزلازل اللي هي الرجفة ويقولون: هذه مسألة طبيعية، وتأتي الفيضانات العظيمة التي تُدَمِّر ويقولون: هذه كوارث طبيعية، ما يعتَبِرُون بها، ويرون أنَّها نوع من العقوبات التي جرَت على الأمم السابقة، وكذلك الرياح الشديدة، وهذا مِن موت القلوب -والعياذ بالله- أنَّ الإنسان يُعرَض عن التأمُّل والتدبر في هذه الآيات ويضِيفها إلى أمور طبيعية، وكأنها -على زعمهم- كأنَّ الطبيعة هي التي تخلُق وتفعَل بدون الله. * ومن فوائد الآية: إثباتُ حكمَةِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ سواءٌ قلنا: إنَّ الباء للسببية أو لِلمقابلة. * ومنها: إثباتُ الأسباب، وكل مَا جاءك في القرآن مِن لام للتعليل أو باء للسببية فإنها تدُلّ على إثبات الأسباب والحِكَم. * ومنها: الردُّ على الجبرية الذين يُنكِرُون الأسباب ومَن وافقهم مِن الأشعرية، فإنَّنا نحنُ أهل السنة والجماعة نُؤْمِن بالأسباب، لكننا لا نقول: إنَّ هذه الأسباب مؤثرة بنفسها، ولكن بخلْقِ الله سبحانه وتعالى فيها التأثير. * ومنها: أنَّ الجزاء مِن جنس العمل، هذا على أيِّ الاحتمالين في الباء؟ البَدَلِيَّة والمقَابَلَة، الجزاءُ مِن جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، واعلموا أنَّ الجزاء من جنس العمل في الجزاءات الشرعية، وفي الجزاءات الكونية؛ الجزاءات الشرعية مثل الحدود؛ الحدود: العقوبات المقَدَّرة مِن قبل الشرع، كلُّها في الواقع عقوبات، فقَطْع اليد بالسرقة لا شك أنَّه موافِق للحكمة؛ لأنَّ اليد بها يأخذ، وقطع الأيدي والأرجل مِن خلاف في قُطَّاع الطريق مُوافق للحكمة؛ لأن قُطاع الطريق يعتَدُون على الناس بأيْديهم وأرجلِهم، ورجم الزاني بالحجارة دون قتلِه بالسيف موافقٌ للحكمة أيضًا، وهكذا كُل العقوبات الشرعية والكونية فإنَّها موافِقَة للحكمة، ويدل على هذا قولُه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ وصيحة وخسْف وغرق، هذه الأنواع الأربعة مِن العقوبات ذكرُها له حكمة؛ لأن قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ جاءَ من فوق، ﴿مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ مِن تحت، ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاك بالقَوْل والصَّوْت. وقوله: ﴿مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إهْلاك بالماء؛ لأجل أن يتبين للناس أنَّ العقوبات لا تأتي من نوعٍ واحد، تأتي مِن أنواع متعددة بحسب حال المعاقَب. * ومنها: بيانُ كمالِ عدلِ الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصفة أظُنُّها مِن الصفات السلبية أو الثبوتية؟ * طالب: سلبية. * الشيخ: سلْبِيَّة، وقد مر علينا عدَّةَ مرات: أنَّ الصفات السلبية لا تكون مدحًا إلا إذا تَضَمَّنَت ثبوتًا، فمُجَرَّد النفي ما هو بمدْح حتى يتضمن ثبوتًا، إذا نفى الله الظلمَ عن نفسه ليس معناه أنَّه لا يظلم فقط، بل لِكَمَالِ عدلِه لا يظلِم، وليس المعنى أنَّه غير قادر على الظلم، بل هو قادِر سبحانه وتعالى على أن يظلِم، لكنَّه لكمالِ عدله لا يظلِم، ولو كان غيرَ قادر على الظلم لم يكن نفيُ الظلم عنه مدحًا، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ولهذا قالوا في قول الشاعر: قُبَيِّلَـــــــــــــــةٌ لَايَغْــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُــــــونَ النَّاسَ حَبَّــــــــةَخَـــــرْدَلِ نفْي الظلم عن هؤلاء الجماعة هو مدْح ولَّا ذم؟ * طلبة: ذم. * الشيخ: في هذا الباب ذمّ؛ يعني: لأنَّهم لعجزِهم لا يظلِمُون، وكذلك قول الشاعر: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا يعني: ما هُم مِن الشر في شيء، ولا يفعَلُون الشر، ولا فيهم شر أبدًا، بل أبلغ مِن هذا أنهم يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّـــــوءِإِحْسَــــانَا إذا ظلَمَهم أحد قابَلُوه بالمغْفِرة والسماح، وكذلك أيضًا إذا أساءَ إليهم أحسَنوا، هذا ظاهرُه أنَّه مدح، قال: جزاهم الله خيرًا، لكنه في الحقيقة ذمٌّ مِن أبلَغ الذم؛ لأنَّه يحتقِرُهم، ويقول: إنهم ما يستطيعون أن يثأَرُوا لأنفسهم أو ينتصِرُوا لأنفسِهم، بل إذا أُسِيءَ إليهم قابلوا بالإحسان خوفًا من إساءة أعظم، وإذا ظلموا غفَرُوا؛ ولهذا قال نفس الشاعر: فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَكِبُــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــانًاورُكْبَــــــــــانَا وتمنَّى أن الله يعطِيه بدلِهم. فالمهِم أنَّ مُجَرَّد إثبات النفي لا يَدُلّ على الكمال حتى يتضَمَّنَ مدحًا وثبوتًا. * ومن فوائد الآية: أنَّ الإنسان هو الظالِم لنفْسِه بفعل المعاصي؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، إذن فأنت حرامٌ عليك فعل المعاصي؛ لأنه ظلمٌ لنفسك، وأمَّا الله تعالى فلا يظلِم، عندنا نفي الصفات مِن حيث العموم؛ قد يتضَمَّن الكمال، وقد يتضَمَّن النقص، وقد يكون لِعدَم القَابِلِيَّة، فالذي لله مِن أَيّهم؛ أيُّ الثلاثة؟ * طالب: الكمال. * الشيخ: الكمال، قد يكون للكمال، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، وقد يكون نفي النقص لأيش؟ * طالب: لعدم القابلية. * الشيخ: لِعدم القابلية، مثل أن تقول: إنَّ هذا الجدار لا يتعب، وهذا الجدار ما يظلِم، لماذا؟ لِعدم القابلية، فهل هذا مدحٌ له؟ لا؛ لأنَّه أصلًا ما يقبَل هذا الوصف حتى ينفى عنه، وقد يكون النفي للعجز، مثلما ذكَرنْا في أمثلة البَيْتَيْن: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا ولا يكون لِلَّهِ مِن هذه الأقسام الثلاثة إلا القسْم الأول، وهو ما تضَمَّن كمالًا ومدحًا؛ ولهذا يقول أهل العلم: إنَّ الله تعالى إذا نفَى عن نفسِه صفَةً فإنَّ المراد بها أمران؛ نفيُ تلك الصفة، والثاني: إثباتُ كمَالِ ضِدِّهَا. * طالب: شيخ، القول بأن نفي الظلم عن الله؛ لأنه هو المتصرِّف في الملك؟ * الشيخ: لا، هذا غلط، هذا قول الجبرية، هذا ليس بصحِيح، هؤلاء يقولون: إن الظلم محَال على الله لذاتِه، لا لِعَدَم إرادَةِ الله له، وذلك أنهم يقولون: إنَّ الظلم أن يتصرّف الإنسان في مُلْك غيره، والله تعالى إذا تصرَّف في ملكِه فليس بظالِم، فيجُوز على زعمِهم، وليس بظُلْم أن يعاقِب المطِيع الذي أمضَى ليلَه ونهارَه في طاعة الله، فيعاقِبَه عقوبة الكافر، وعندهم أنَّ هذا ليس بظلم؛ لأنه يقال: الله ما تصرَّف إلَّا في ملكِه، وعلى هذا قال السفاريني رحِمه الله: وَجَـــــــــــازَ لِلْمَـــــــــوْلَىيُعَـــــــذِّبُ الْــــــــوَرَى ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُـــــرْمٍ جَـــرَى؎فَكُـــــــلُّ مَـــــا مِنْــــــهُ تَعَـــــــــالَىيَجْمُـــــــــــــــلُ ∗∗∗ لِأَنَّــــــــــــــهُ عَــــــــنْ فِعْلِـــــــــهِلَا يُسْــــــــــأَلُ (...) بالله سبحانه وتعالى، وأنَّ صفات الله سبحانه وتعالى تنقسِم إلى قسمَيْن: ثبوتية وسلْبِيَّة؛ فالثُّبُوتِيَّة ما أثْبَتَه الله لنفسِه، ولا تكون إلا صفة كمال، والسلبِيَّة ما نفَاه الله عن نفسِه، ولا تكون إلَّا صفَة نقْص، والصفات السلبية تدور على شيئين: أحدُهما النقص، والثاني مشابَهَة المخلوقين، ولو قلنا: إنَّ مشابهة المخلوقين نقص، وحصَرْنا هذين الشيئين في شيءٍ واحد لم يكن ذلك بعيدًا؛ فإنَّ مشابهة الناقص تعتبر نقصًا. * ويستفادُ مِن الآية؛ مِن آخرها في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنَّ العاصيَ ظالِمٌ لنفسِه، ووجهُ ذلك: أنَّ النفس عندك أمانَة، فكما أنَّك ممنوع من نقصِها نقصًا حسيًّا فأنت ممنُوعٌ مِن نقصِها نقصًا معنويًّا؛ بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقطع يدَه أو أُصْبُعَه أو يسيء إلى بدنِه كان ذلك محرَّمًا؛ ولهذا مَن قتل نفسه بشَيْءٍ عُذِّبَ به في جهنم خالدًا مخلدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فجَعَل النبي عليه الصلاة والسلام قاتِل النفس كقاتِل الغير في التَّخْلِيد في النار والتَّعذيب بما قتَلَ به. وعلى هذا نقول: كلُّ مَن عصَى الله فإنَّه ظالم لنفسِه، ومِن هنا نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وأنَّ العدول عن ملَّةِ إبراهيم سفَهٌ؛ لأنَّه ظُلْم للنفس مِن حيث لا يشْعَر الإنسَان.

العنكبوت 29:38

قال تعالى -نبدأ الدرس الجديد-: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. الجملة في قوله: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا﴾ مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: وهي القسم، و(اللام)، و(قد). ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: أبقَيْنا منها، الترك هنا بمعنى الإبقاء، وهو ظاهر في اللغة العربية، تقول: أخذت هذا، وتركت هذا، يعني: أبقَيْت، ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: أبقينا من هذه القضية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ بمعنى: علامة، و﴿بَيِّنَةً﴾ بمعنى: ظاهرة واضحة. قال المؤلف: (ظاهرة هي آثَارُ خرابها). (...) نعم، في الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] فكان العرب يمرون على هذه القرى ذاهبين وجائين إلى الشام، فَيرَوْن من آثار العذاب ما هو ظاهر، لكنهم لا يستبصرون؛ ولهذا قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال المؤلف: (يتدبرون). هذه ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعَلِّقَة بـ﴿تَرَكْنَا﴾، ولا بـ﴿بَيِّنَةً﴾؟ * طالب: بـ ﴿بَيِّنَةً﴾. * الشيخ: يجوز الوجهان، يجوز أن يكون المعنى: بينة للعاقلين، ويجوز المعنى: تركناها للعاقلين. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ العقل سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: عقل يُراد به الإدراك، وعقل يراد به: الرُّشد؛ العقل الذي يراد به الإدراك هو مناط التكليف، الذي يقول الفقهاء: من شروط هذه العبادة مثلًا: التمييز، والعقل. وعقل الرُّشد: هو مناط المدح والذم، يعني: الذي يُمدَح عليه الإنسان ويُذَمّ، والذي يُوجَد في القرآن غالبًا هذا ولَّا الأول؟ هذا، لكن في كلام أهل العلم يُراد بالعقل المعنى الأول الذي هو الإدراك. أقول: إن العقل الثاني: الرُّشد، وهو مناط المدح والذم، ومعنى ذلك: أن يكون الإنسان حسن التصرف، بحيث يعقِلُه ما معَه من الإدراك عمَّا يضُرُّه إلى ما ينفعه. هذا هو الذي يراد هنا في هذه الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ المراد به عقل الرشد الذي يحْجِزُك عما يضُرُّك إلى ما ينفعك. وقول المؤلف: (يتدبرون)، هذا في الحقيقة ليس تفسيرًا مطابقًا للَّفظ؛ لأنَّ التدبُّر هو سابق على العقل، فالإنسان يتدَبَّر أولًا، ويعرف النافع والضار، ثم يعقل، فيتبع ما ينفعه، ويدع ما يضُرُّه. ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني: وأمَّا من لا يعقلون فإنَّهم لا ينتفعون بالآيات ولا يتعظون بها. * طالب: هل هذا ما نقول بأنهم يعقلون؟ * الشيخ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ المراد بعَقْل الرُّشد ما هو معناها اللي..؛ لَأن العاقل إذا مَرّ بها وهو غير مجنون رآها، لكن ما ينتفع بها، ما تكون عنده آية بينة. * طالب: ما قال ابن مسعود: ولا (...). * الشيخ: لا لا، ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يعني: يُحسنون التصرف ويرشُدون بذلك؛ لأَنَّ الآية إذا لم تنفع فليست بآية. * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: هذا مبْنِيٌّ على ما سبَق في تفسير..؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. يقول: هل المراد من شاهدها، أو من بلغه علمها؟ إحنا سبق أن ذكرنا في تفسير كلمة في القرآن ما يدل على هذا؟ * طالب: في البقرة. * الشيخ: في البقرة ويش هي؟ * طالب: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ [الذاريات ٣٧]. * الشيخ: لا، السير في الأرض الذي أمَرَ الله به هل هو سير بالقدم، أو سير بالقلب، أو بهما؟ * طالب: بهما. * الشيخ: يعني: بهما على انفراد، وعلى اجتماع، واضح؟ فهنا نقول: ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يشمل مَن رآها وشاهدَها، ومَن سمع بها وبلغته. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت ٣6]. يقول المؤلف: (وأَرْسَلْنَا ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ ). فعلى هذا يكون ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول لِفعل محذوف تقديرُه: أرسلنا، وقال: ﴿أَخَاهُمْ﴾، ولم يقل: أخوهم، ليش؟ * طالب: اسم من الأسماء الخمسة. * الشيخ: لأنه اسم من الأسماء الخمسة؛ إن كنَّا من أهل الآجرومية، أو السِّتَّة لِأهل الألفية. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأُخُوة هنا ليست في الدين قطعًا؛ لأنَّ الكفار ليسوا إخوة للمؤمنين، إذن فهي أخوة قيل: عند بعض الناس أُخُوَّة إنسانية، وقالوا: إن الكافر والمؤمن أخَوَان في الإنسانية؛ لأنَّ هذا ليس حِمارًا وهذا بشر، كلُّهم بشَر، فالمراد بالأُخوة: الإنسانية. وقال: إنه يجوز أن تقول: إنَّ هذا أخِي –للكافر-؛ لأنَّك مشترك معه في الإنسانية، ما رأيكم في هذا؟ * طلبة: باطل، هم شر البرية. * الشيخ: إي نعم، المهم على كُل حَال، يعني: بدون عاطفة، نحن نُريد أن نبحَها بعقل بدون عاطفة، العاطفة لا شك أنَّنا نُنكر هذا من أول وهْلَة، لكن لو قال: أخي في الإنسانية؛ لأنَّنا سمعنا واحدًا يتكلم في مسجد من المساجد يعظ الناس، ويقول: هؤلاء إخوتنا في الإنسانية، ما ينبغي أن نُغَلِّظ عليهم ونفعل ونفعل. * طالب: يُرَدّ عليهم، أولًا من سورة البينة: المؤمنون خير البرية، والكافرون شَرُّ البرية، وهم إخوة للقردة والخنازير، فكيف يكونون إخوة لنا؟ قوله تعالى في سورة الممتحنة عن إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤] كيف تكون أُخُوَّة وهو قد كَفَر بهم، وبَدَا بيننا وبينهم العداوة. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال ٢٢] * الشيخ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال ٥٥]. * طالب: قد يقولون: ليس المراد الأخوة المعروفة التي تتعلق بالله عز وجل، وإنَّما المراد بها: الأخوة التي تتعلق بالناحية البشرية بمعنى المساواة. * الشيخ: يعني: مطلق الموافقة والمشابهة، على كل حال نرد عليهم فنقول: هذا شعيب عليه الصلاة والسلام قال الله هنا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وقال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ما قال: أخوهم، ﴿قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، قال أهل العلم: لأنَّ أصحاب مدين كان شعيب منهم، وهو أخوهم في النسب، وأصحاب الأيكة ليس منهم، فهي قرية حول مدين أرسله الله إليهم؛ ولهذا لم يقل: أخوهم، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، ولو كانت الأخوة هي الإنسانية في مثل: ﴿إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣]، وما أشبه ذلك، لو كان المراد بالأخوة الإنسانية لكان يُقال أيضًا في أصحاب الأيكة: إنَّه أخوهم. ثم إنَّ الأخوة في اللغة العربية ما هي بمطلق الموافقة في البشرية، إذا تتبعناها وجدنا أنها: إما في النسب، يكون الأصل الجامع بينهما نسبًا، وهذا واضح. وإما أن يكون الأصل الجامع بينهما هدفًا واحدًا يسعى إليه الجميع، ومعلوم أن الكافر والمسلم مختلفان في الهدف، ولا يمكن أن يكون أحدهما موافقًا للآخر في الهدف، لا نوافق على هذا القول مهما كان الأمر؛ لأنه في الحقيقة يؤدي إلى أن أي إنسان يقول: إن هذه الكافر أخوه، يحصل له رِقَّة، ولين، وموافقة، ويسهل ما في النفوس من بغض الكفار. كنا كما يعرف الكثير منكم إذا قيل: نصراني، ويهودي، يقف الشعر، ويتخوف الإنسان، ويتهَيَّب، لكن الآن صارت المسألة تمر على القلب مرور الماء البارد، ولا أحد يتأثر إلَّا من شاء الله، وهذا له خطره العظيم -نسأل الله السلامة-. * طالب: إذا قال: هذا قريني؟ * الشيخ: والله أنا أحب أنه يتحاشى من كل لفظ يدل على الموافقة. * طالب: قربه منه * الشيخ: لا ما قلنا: قربه. * طالب: يحدث مثلًا بالأخوة.. * الشيخ: هو على كل حال القرين هذا الشيطان، قرين للإنسان وهو عدوه، لكن في الوقت الحاضر تَدُلّ على المصاحبة، والموافقة، والمرافقة، فالأَوْلى البعد عن كل لفظ يدل على الاتفاق مع هؤلاء. * طالب: أخوة شعيب لمدين أخوة قريب لهم قومه، إذا قالوا: نحن نجتمع معكم في آدم، فالنسب قد جمع. * الشيخ: نعم، إذا ردونا إلى آدم قلنا: أنتم إخوتنا، وعلى كل حال نحن ذكرناها؛ لأن حقيقةً هذه وقعت، وأحد الإخوان تكلَّم، الإخوان اللي نعرف منهم الغَيْرَة يعني هو رجل طيب لكنه تكلم في هذه المسألة، وقال: إنهم إخوة، وزعم أنها الأخوة البشرية. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، طيب (مدين) هو اسم للقبيلة ولَّا اسم للبلد؟ * طالب: البلد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]. * الشيخ: هل شعيب أخ للبلد؟ * طالب: يقصد (...). * الشيخ: هنا يُقال: قرى مدين، أو يُقال: مدين؟ * طالب: هم أصحاب مدين الذين (...) المكان. * الشيخ: ويش يعني: أصحاب مدين؟ * الطالب: أصحابه من قرية ثانية. * الشيخ: ويش الآية؟ * الطالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج ٤٢ - ٤٤] * الشيخ: إي نعم، هذه قرينة ظاهرة أن المراد بها المكان. يبقَى ﴿أَخَاهُمْ﴾ نقول: هذا من باب إطلاق القرية وإرادة الأهل، وكذلك الآية التي ذكرها الأخ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]، مع أنها ما هي صريحة الآية ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ الإنسان يتوجه أيضًا تلقاء القوم. * طالب: شيخ، ما أحسب أن البلد سُمِّيَت باسمها قرينة.. * الشيخ: إي نعم، فيه احتمال، وإذا قلنا بهذا أيضًا هو يخف الإشكال. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ﴾، (يا) هذه نداء، و﴿قَوْمِ﴾ مُنادى مبني ولَّا مُعْرَب؟ * طالب: مُعْرَب. * الشيخ: منادى منصوب على النداء، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: فتحة مقدَّرة على الياء المحذوفة.. * طالب: لالتقاء ساكنين. * الشيخ: لالتقاء ساكنين، إذن فتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لالتقاء الساكنَين، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسَبة، أعد الإعراب، ﴿قَوْمِ﴾ مُنادى.. * طالب: منادى. * الشيخ: منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: فتحة. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: على ما قبل الياء. * الطالب: على ما قبل الياء. * الشيخ: المحذوفة. * الطالب: المحذوفة. * الشيخ: للتخفيف. * الطالب: للتخفيف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: تذلَّلُوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التَّذَلُّل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل للسالكين، فالعبادة إذن التذلل لله تعالى بطاعته، والطاعة: هي امتثال الأمر واجتناب النهي -عند الإِطلاق- أما إذا قُرنت فقيل: طاعة، ومعصية، صارت الطاعة في الأوامر، والمعاصي في النواهي. قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: أَخْلِصُوا له العبادة وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، فالمراد هنا بالعبادة أي: إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال: (اخشوه، وهو يوم القيامة). الرجاء يُطلَق على الطمع في المحبوب، أو لا؟ صحيح، هذا هو الأصل، الطمع في المحبوب؛ ولهذا يُقال: التمني والرجاء. ويطلق الرجاء بمعنى: الخوف، فهو إذن من باب الأضداد؛ لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تسمى الأضداد، وألَّف علماء اللغة في هذا كتبًا تجدها كلمة واحدة تصلح لهذا ولهذا للشيء ولضده. فهل هنا الرَّجَاء بمعنى الخوف، ولَّا الرجاء بمعنى الطمع في المحبوب؟ المؤلف حملها على أن المراد بها الخوف؛ وذلك لأنَّ المقام مقام إنذار، ويحتمل أن يكون المراد بها أيش؟ الرجاء الذي هو الطمع في المحبوب؛ لأنَّ اليوم الآخر فيه محبوب، وفيه مكروه، ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٥، ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]. لو قال لنا قائل: ألَا يجوز أن نحمله على المعنيين جميعًا؛ ارجُوه خوفًا من العقاب، وطمعًا في الثواب، ما يصلح؟ يصلح أن يكون شاملًا للأمرين، وقد تقدم لنا أن القول الراجح عندي -وهو قول لبعض العلماء- هو جواز استعمال المشترَك في معنيَيْه إذا لم يحصل تنافٍ، بحيث نقول: اللفظ المحتمل لهما على وجه لا يتناقض، فما المانع من أن يُستعمل في معنييه، والله أعلم. * طالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: تفسير أو بيان لما أُرْسِل به. وفي قوله: ﴿يا قَومِ﴾ من التلطف ما هو ظاهر؛ لأن قوم الرجل لا بد أن ينصروه، ويقبلوا ما جاء (...). .. واجتنابًا للنهي. وقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [العنكبوت ٣٦] قال: (اخشوه)، ويحتمل أنَّ المعنى: اطمعُوا بما فيه مِن الأجر والثواب، فهو صالحٌ لهذا وهذا، وهو من أسماء الأضداد الذي يدُل على الشيء وعلى ضدِّه. وقوله: ﴿الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ هو يوم القيامة، وسُمِّي بالآخِر؛ لأنَّه لا يومَ بعدَه؛ إذ إنَّ الناس لهم أرْبَع مراحِل: مرْحَلَة أُولَى في البطن، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في القبور، والمرحلة الأخيرة متى؟ يوم القيامة؛ ولهذا سُمِّي باليوم الآخر؛ إذ إنَّه آخِرُ شيء، آخر مرحلة تكُون لِلإنسان هو هذا اليوم؛ فلِذلك سمي باليوم الآخر. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ لا تُفْسِدوا، وعلى هذا فـ﴿مُفْسِدِينَ﴾ قال المؤلف فيها: (حال مؤكِّدَة لعاملِها)، ويش معنى مُؤكدة له؟ أي: بمعناه، وهذا التأْكيد لفْظِي أو معنوي؟ أجيبوا. * طالب: معنوي. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: مو من ليس منها.. * الشيخ: ليس مِن مادَّة الفعل، لو قال: ولا تعثَوْا في الأرض عاثِين لكان لفظيًّا، أمَّا هنا فإنه معنى؛ لأنَّه أكده بالمعنى؛ إذ إن العُثُوَّ يقول المؤلف: (مِن عَثِي بكسر المثَلَّثَة: أفسَد)، يقال: (عَثِي يعثَى) كـ(فرِح يفرَحُ) أنتم ما تعرفون الأبْواب، أبواب التصريف كم هي؟ * طالب: ثمانية. * الشيخ: ستة؛ منها: باب (فَعِلَ يَفْعَلُ؛ كفرِحَ يفْرَح، ورَضِي يرضَى)، وعَثِيَ على رأي المؤلف: يعثَى، ويجوز أن تكون مِن باب (فَعَلَ يَفْعُلُ؛ عَثَى يَعْثُو)، وكلاهُما بمعنى: أفسد؛ ولهذا قال المؤلف: (أفْسَد). وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ النهي هنا واضِح؛ ولهذا جُزِم الفعل بحذف النون ﴿لَا تَعْثَوْا﴾، بماذا يكُون الإفساد؟ هل المراد الإفسادُ الحسي؛ كهدم البناء وإفساد الأنهار وقطْعِ الأشجار، ونحو ذلك، أو أنَّ المراد الإفساد المعنوي، أو كلاهما؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، فلَا يجوز الإفساد حتى في الأمور المادية؛ ولهذا «نَهَى النبي ﷺ عن إضَاعَة المال». أقول: إنَّ الإفساد في الأرض يشمَلُ الإفساد بالمعاصي والإفساد الحِسِّي المادِّي، والدليل على هذا «أنَّ النبي ﷺ نهَى عن إضاعَة المالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣/١٢) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، وروى أبو داود[[لم نقف عليه.]] : «أنَّهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر فنزلوا أرضًا، فنَهَاهم عن قطْعِ أشجارِها»؛ لأنَّها للاسْتِظْلَال فهو إفسادٌ لها. ما هي مقابلة هؤلاء القوم لِهذه الدعوة التِي تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر؛ تدعو إلى الخير في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وتنهى عن الشر في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؟ الردّ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [العنكبوت ٣7]. هنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع أنَّ التكذِيب إنَّما يكون في الخبر، وهو قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَارْجُوا﴾ ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وكُلُّ هذه الجمل الثلاث إنشَائِية وليست خبرية، وكان مُقتَضَى الظاهر أن يقول: فعصَوْه، وهنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؟ الجواب: أن يُقال: إنَّه قال لَهم هذه الأوامر أو هذَيْن الأمرَين والنَّهْي باعتباره رسولًا مِن عند الله، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: بِدَعْوى الرِّسالَة، وهذا أبْلَغ مِن العصيان؛ لأنَّهم أنكَرُوا رسالتَه رأْسًا، ما أقَرُّوا بالرسالة، ثم قالوا: نعصيك في هذا الشيء، بل كذَّبوا بالرسالة رأسًا، فكان هذا أبلغ مِن قوله: فعصوه، فهمتُم هذا ولَّا لا؟ * طالب: واضح. * الشيخ: قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والفاءات؛ هذه الفاء في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ للتعقيب؛ تعقِيب هذه الجملة لِما سبقها. وفي قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ يحتمل أن تكون الفاء للتعقيب، وأن تكون للسببية، فإن قلنا: للتعقيب فهو دليل على أنَّه بمجرَّد تكذيبِهم عوقبوا، وإن قلنا: إنها للسببية فإنه لا يلزم مِن ذلك أن تكون عقوبتُهم قريبَةً مِن تكذيبِهم؛ لأنَّه يجوز أنَّ الله أمهلهم بعد التكذيب، ثم أخذَتهم، على أنَّنا إذا جعلناها للسَّبَبِيَّة لا تنافي أو لا تمنع أن تكون العقوبة مباشَرَةً، وعلى هذا فنقول: إِنَّ الأولى أن تكون للسببية، فتكون للسببية أولى من وُجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: دلالتها على حِكْمَةِ العقُوبة وهي التكذيب. وثانيًا: أنَّها أوسَعُ دلالةً مِن أن تكون (الفاء) للترتيب؛ لأنَّها تشمَل ما أعْقَب التكذيب وما تأخَّرَ عنه. وثالثًا: أننا نسْلَم مِن دعوى أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُمهِلْهُم، وليس عندنا علمٌ بذلك، فيكون اختيار أن تكون (الفاء) هنا للسببية أولَى. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ (أخذتهم) أبلَغ مِن قوله: أصابتْهُم؛ لأنَّ الأخْذ دليل على أنَّه لا هوادَة فيه وأنَّه مُدَمِّر، والرَّجْفَة يقول: (الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَة)، ما فيه آية ثانِيَة تدُلّ على أنَّها أخَذتهم الصيحة؟ * طالب: إي نعم، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٨٣]. * الشيخ: لا. * طالب: ثمود، ورد فيهم الصيحة والرجفة، أمَّا هنا شعيب ما ورد. * طالب آخر: في سورة هود يا شيخ. * الشيخ: في سورة هود، أخذتهم الصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود ٩٤، ٩٥]. إذن ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ و﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لا تنافِيَ بينهما؛ لِإمكانِ اجتماعهما؛ إذ يكُون العذاب صَيْحَة؛ صِيحَ بهم فسَمِعُوا، ورَجَفَتْ بهم الأرض، فيكُون عُوقبوا بالصَّوت، وعُوقِبُوا بالفعل، بالأمرين جميعًا. * طالب: إذا قلنا: إن (الفاء) للسببية يكون التكذيب بعد أخذنا يا شيخ، أو يكون السبب؛ يعني سبب الفعل محذوف؛ يعني: فكذبوا بسبب إيه؟ * الشيخ: لا، ما هو معنَاه أنَّ السَّبَب هو ما بعدها، إذا قِيل: للسببية، فقد يكون السبب ما بعدَها، وقد يكون ما بعدَها مسبَّبًا؛ يعني: فبسبَب تكذيبهم أخذَتْهم، فيكون السبب سابقًا، إذا قلنا: للسببية ما هو معناها أنَّها تدخُل على السبب فقط، قد تدخُل على السبب، وقد تدخُل على المسَبَّب. قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا﴾ والفَاء هنا نقول: إنَّها عاطفة أو سببية، تصلُح هذا وهذا، ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ﴿جَاثِمِينَ﴾ بالنصب خبرًا لـ(أَصْبَح)، وقوله: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود ٦٧] ولا منافاة؛ وذلك لأن (دار) مفرد مُضَاف، والمفرد المضاف، أقول: (ديار) و(دار) لا تنَافِي بينهما؛ لأن (دار) مفرد، والمفرد المضاف يعُمّ، ونطلب مِن الأخ مثالًا يدُل على أنَّ المفرد المضاف يعُم مِن القرآن، ما أحد منكم يسْتَحْضِر؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (نعمَة) مفرد، لكن يقينًا المراد به هنا الجمع، بدليل قوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾. * الشيخ: لا، ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾؛ لأن الواحد يُحْصَى، إذن (دار) و(ديار) لا فرق بينهما مِن حيث المعنى. وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾ قال المؤلف: (بارِكِين على الرُّكَب مَيِّتِين) أعوذ بالله، هذا الجاثِم لِشِدَّة ما نزل بهم بَرَكُوا على ركبِهم، ثم همَدُوا وصاروا جاثمين. قال تعالى: (﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿عَادًا﴾ ﴿وَثَمُودًا﴾ [العنكبوت: ٣8] بالصَّرْف وتركه). الصَّرْف، ما هُو الصرف؟ التَّنْوِين؛ قال ابن مالك: الصَّـــــــــــــــــرْفُتَنْوِيـــــــــــــــــــــنٌ أَتَـــــــــــى مُبَيِّنَــــــــــا ∗∗∗ مَعْنًى بِــــــــهِ يَكُــــــــــونُ الِاسْـــــــمُأَمْكَنَــــــــــــا فهنا يجوز الصرف ﴿ثَمُودًا﴾ ويجوز تركُ الصرف، وهما قراءتان: ﴿ثَمُودَ﴾، وهكذا كُلُّ أسماء القبائل يجُوز فيها مِن حيث الأصل الصَّرْف وعدمه، فالصرف باعتبار الحَيّ، وهو مُذَكَّر، وعدم الصرف باعتبار القبيلة، وهي مؤنَّثَة. فعليه، إذا قلنا: (ثَمُودَ) بدون صرف نقول: معطوف على (عَادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ولم يُنَوَّن؛ لأنَّه لا ينصرف، والمانِع لَه من الصَّرف العلَمية والتأنيث باعتبَارِه قبيلة، وعلى (ثمودًا) نقول: (ثمودًا) معطوف على (عادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ونُوِّنَ؛ لأنَّه مذكر باعتبار الحي. وقوله: ﴿عَادًا وَثَمُودَ﴾ مفعولان لفعل محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (أهلكنا عادًا وثمودًا). عاد أين محلُّهم؟ بالأحقاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١]، وثمود قومُ صالح بالحِجْر، ديار ثمود معروفة إلى الآن. قال تعالى: (﴿وَقَدْ تبيَّن لَكُمْ﴾ إهلاكهم، ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ﴿قَدْ تبيَّن﴾ ظهَر، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: لقريش. * الشيخ: نعم، لقريش؛ لأنَّهم تبين لهم هذا ويعرفونه. وقوله: ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ (من) على تقدِير المؤلف تكون سبَبِيَّة؛ أي: تَبَيَّن لكم إهلاكُنا إياهم بسبب رؤيتِكُم مساكِنَهم، تكون للسببية. أفلا يجوز أن نجعل (من) للتبعيض، ويكُون المعنى ﴿تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: بعض مساكنهم؟ يمكن، لكني ما رأيت أحدًا أعربها هذا الإعراب؛ أي: يمكن أن نجعل (من) تبعيضية؛ أي: تبيّن لكم البعض والبعض قد زال، فإنَّ المشاهد الآن بعض هذه المساكن والآثار. أمَّا على تقدير المؤلف فيقول: إن فاعل ﴿تبيَّن﴾ محذوف، التقدير: إهلاكُهُم. نسينا نقول: فاعل محذوف ولَّا نقول: فاعل مستَتِر؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: الفاعل هو يحذف ولَّا يستتر؟ * طالب: يحذف، ما يستتر؛ لأنه عمدة. * طالب آخر: يستتر. * طالب آخر: عمدة ما يستتر. * الشيخ: وما يُقَال: يحذف إلا في مكان لا يُمكن أن يُقَدَّر فيه كالمصدر مثلًا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد ١٤، ١٥] قالوا: إن الفاعل هنا محذوف؛ لأنه ما يمكن استتاره بمصدر، أمَّا إذا كان يمكن استتَارُه فإنَّه يقال: مستَتِر، والمحذوف قد يكون عُمدة، وقد يكون فَضْلة، لكن الحقيقة أنَّ المؤلف كلامه يوهِم بأنَّه محذُوف، لو قال المؤلف: وقد تبيَّن؛ أي: إهلاكُهم، وجعلَها مُفَسِّرَة للمحذوف لكان أولى. (﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ، هذا (الحجر واليمن) لفّ ونَشْر مرتب ولَّا مُشَوَّش؟ * طلبة: مشوش. * الشيخ: لأن (بالحجر) يعود على ثمود، وهو متَأَخِّر في القرآن، (واليمن) يعود على عَاد، ومثل هذا لا ينبغي؛ يعني: لا ينبغِي للمفَسِّر أو الشارح لِكلام أحد لا ينبغي أن يشرَحَهُ على هذا الترتيب؛ لأن الجاهل الذي لا يدري، لو نحن ما ندري عن مكانِهم لقلنا: إنّ الحجر مين هو له؟ * طلبة: لِعادٍ. * الشيخ: لعادٍ، وقلنا: إن اليمن لثمود، إي نعم. قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ هذه على تقدير (قد)؛ يعني: وقد زين لهم الشيطان أعمالهم مِن الكفر والمعاصي، زَيَّن بمعنى: حَسَّن وجمل، فحَسَّن لهم -والعياذ بالله- الأعمال مِن الشرك والمعاصي، وقال: إن الشرك حسَن؛ لأنَّكم تعبدون هذه الأصنام لِتُقَرِّبَكُم إلى الخالق، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]. ثم إنَّكم ترجُونَها وتدعُونَها فيحصُل لكم المقصود؛ لأنَّ الله تعالى قد يبتَلِي العابدين، فيحصُل لهم مقصُودُهم عند هذا الشيء، لا بِه، إحنا الآن نقول: عنده لا به؛ يعني: قد يدعُو الصنم، قد يدعو النبي ﷺ، قد يدعُو ملكًا مِن الملائكة، فيقدِّرُ الله ابتلاءً وامتحانًا أن يكونَ هذا السبب عند دعائه له، نحن المؤمنين نعلم بأنَّه ما حصَل به، لكنه حصَل عندَه امتحانًا، والله سبحانه وتعالى قد يبتلي الإنسان بالامتحَان بالمعصية، فتُسَهَّل له وتُزَيَّن له. وقد مرَّ علينا أنَّ الله امتحَنَ اليهود بأيش؟ بالحِيتَان؛ تأتِي يومَ السبت ولا تأتِي في غيره، وابتلى الله الصحابة رضي الله عنهم بالصَّيْد تنَالُه أيديهم ورماحُهم وهم محرِمُون، وهكذا أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) عن أبي هريرة.]]، ما عندهم أحد؛ لأنه لو كان عندهم قال: أخاف من الناس، لكن قال: أخاف الله، فالإنسان قد يُبتلى بالمعصية امتحانًا. كذلك أيضًا يقول الشيطان لهم: هؤلاء الأصنام إذا عبدتُّمُوها تُقَرِّبُكم إلى الله وتكُون وسيلة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣]، أمَّا المعاصي فكذلك أيضًا يُزَيِّنُها الشيطان للإنسان ويسَهِّلُها عليه، ويقول: أنت اعمل والرب غفور رحيم، اعمَل وتتوب، الدنيا أمامك، ما دُمت لم يتِمَّ لك أربعون سنة فإنَّها لا تجِب عليك الصلوات ولا الصيام، إذا تميت أربعين سنة وبلغْتَ أشدك حينئذٍ تجِب عليك الصلاة والصيام، هذا موجود الآن عند بعض المسلمين الجهال. وقوله هنا: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الشيطانُ ويش وزن (الشيطان)؟ * طالب: من فاعل (شطَن). * الشيخ: هو في الحقيقة ما له وزْن، ما له قيمة، لكن وزنُها اللفظي؟ * طالب: (فعلان). * طالب آخر: حسب الأصل أو اختلاف الأصل؛ يعني: بعضهم يقول: أصلها (شطن)، فيكون بهذا المعنى على وزن (فَعْلان) شيطان، وبعضهم يقول: أصلها (شاط) (...). * الشيخ: إذا جعلناها مِن (شطن) فهي على وزن؟ * طالب: على وزن (فيعال)، أما إذا كان وزنها (شَاط) فتكون على وزن (فعلان). * الشيخ: (فعلان) بالنون. * طالب: والراجح (شاط)، والله أعلم. * الشيخ: (شطن) بمعنى (بَعُدَ). * طالب: لا، (شاط) من.. * الشيخ: (شاط)، لو كانت (شاط) لكانت النون؟ * طالب: النون زائدة. * الشيخ: إذا كانت زائدة ينصَرِف ولَّا ما ينصرف؟ * طالب: إذا كانت زائدة ممنوعة من الصرف. * الشيخ: واللي بالقرآن ﴿حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧] مُنصَرِفٌ ولَّا لا؟ * طالب: منصرف. * الشيخ: هو منصرف، لكن قد تقولون: إن هذا مُنَكَّر، وما فيه الألف والنون، إذا كان مُنَكَّرًا فإنَّه ينصَرِف؛ لأن اللي فيه الألف والنون يُمنَع إذا كان وصفًا أو علمًا، و(شيطان) ما هو وصف، على كل حال الأقرب أنَّها مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد عن رحمة الله. * طالب: (الشيطان) ما هو بعَلَم؟ * الشيخ: لا، وقد يُراد به الجنس، الكلبُ الأسود شيطان، ما هو عَلَم هذا؛ يعني: شيْطَانٌ مِن الشياطين؛ ولذلك نقول في عبارةٍ للفقهاء قالوا: لا يجوز تأخيرُ القضاء إلى رمضانَ آخَر، أو: إلى رمضانٍ آخر؟ * طلبة: رمضانَ. * الشيخ: لا، إلى رمضانٍ آخر؛ لأنَّه نكرة، ما هو عَلَم. * طالب: مثل الآية ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ [الحجر ١٧]. * الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال أن الذي يظهر أنَّ الشيطان مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد. وقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] هنا أضَاف التزيين إلى الشيطان، وفي آية أخرى أضَاف التزيين سبحانه وتعالى إليه نفسه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، فكيف نجمَع بين الآيتين؛ أن يُضيفَ الله سبحانه وتعالى التزْيين مرةً إليه ومرةً إلى الشيطان؟ * طالب: باعتبار السبب، وباعتبار الفاعِل الحقيقي، فالفاعل الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، والسبب هو الشيطان. * الشيخ: المزَيِّن هو الله؟ * طالب: المزَيِّن الفاعل الحقيقي للتَّزْيين هو الله. * الشيخ: أيُّهم الذي باشَر التزيين؟ * الطالب: الشيطان. * الشيخ: إذن هو الحقيقي. * الطالب: هو سبب فقط؛ لأنه كله بقدر الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: معناه أنه أُضِيف التَّزيين إلى الله؛ لأنَّه بقضائه وقدره، وأضيف التزيين إلى الشيطان؛ لأنَّه مباشِرٌ له، كذا؟ وهو كذلك، فيُضاف إلى الله تعالى خَلْقًا وتقدِيرًا، ويضافُ إلى الشيطان مباشرةً. قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿صَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: صَرَفَهم، وهذا مِن استعمال (صدَّ) متَعَدِّيًا؛ لأن (صدَّ) تكون لازمًا ومتعديًا، إذا قلت: صدَّ الرجلُ عن سبيلِ الله فضَلَّ، لازم ولَّا متعدٍّ؟ * طالب: لازم. * الشيخ: صدَّ الرَّجل عن سَبِيلِ الله فضَلَّ، هذه لَازِمة، ومثل هذه الآية ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ صرفَهم، هذه متعَدِّيَة، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء ٦١] المصدَر الآن على وزْن (فُعُول) قال ابن مالك: وَ(فَعَـــــــــــــلَ) الـــــــــلَّازِمُمِثْـــــــلُ (قَعَــــــدَا) ∗∗∗ لَهُ فُعُولٌ.......................... لكن (صدَّ) المتعدي ويش مصدره؟ * طالب: (صدود). * الشيخ: لا، (صَدَّ) المتعدي مصدرُه (صَدًّا)؛ لقول ابن مالك: (فَعْـــــــــلٌ) قِيَــــــاسُ مَصْــــــدَرِالْمُعَـــــدَّى ∗∗∗ مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ...................... وأنا الحقيقة ليتني ما استشهدت بهذا؛ لأنَّكم ستقولون: إنه صار له فائدة، على كل حَال (صد) تأتي لازمة ومتعَدية. ما تقولون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ١] هل هي مِن اللَّازم ولَّا مِن المتعدي؟ * طالب: هذه لازِمَة ومتعدية، المتعدية أعم، إن قدَّرنا فهي متعدية، لكن.. * الشيخ: هي متعدية، الظاهر؛ لأن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا صدُّهم هم، اللازم يدُلُّ عليه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهي ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: غيرَهم، هذا هو الأقرب. يقول: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا﴾ عن السبيل (أل) في قولِه: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهد الذهني المعلُوم، وهو سبِيل الحق؛ ولهذا قال المؤلف: (سبيلِ الحق)، وهو سبيلُ الله عز وجل، وسُمِّيَ سبيل الله؛ لأنَّه يوصِل إليه؛ ولأنَّه هو الذي وضعَه لِعبادِه، كما في قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الشورى ٥٣]، وقد يُضاف إلى المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، فكيف نجمَع بينهما؟ السَّبِيل أحيانًا يضيفه الله إلى نفسِه، كما في قوله: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ١٦٧]، وأحيانًا يضيفه الله إلى المؤمنين، كما في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، كيف تجمع بينهم؟ * طالب: كله في سبيل الله، سبيل المؤمنين هو سبيل الله. * الشيخ: هو سبيل الله، لكن لماذا أُضِيف إلى المؤمنين مرَّة وإلى الله مرَّة؟ * طالب: لأنَّ المؤمنين هم المتبعون. * الشيخ: أحسنت، تمام، وأُضيف إلى الله -مثلما قلنا قبل قليل- لأنَّه يوصل إليه، وهو الذي شرعَه لعباده وبيَّنَه وجعلَه لهم. قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (ذَوي بصَائِر)؛ يعني أنَّه سبحانه وتعالى أعطَاهم مِن العقول والبصائر ما يمكِنُهم الاهتداءُ به، وقد ذكر الله ذلك في قوم صالِح صريحًا، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] فهم عندهم بصَائِر وعندَهم عِلْم، لكنَّهم كانُوا مستكْبِرِين، والعياذ بالله، فهم صدَّهم عن السبيل مع أنَّ الله أعطَاهم ما يتمكنون به مِن مُدَافَعَة الشيطان، ولكن غُلِبُوا على أمرِهم بما زَيَّن لهم الشيطان. * طالب: شيخ، الآيات في الكفار اللي قلنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقر ١٧١]؟ * الشيخ: ما قلنا: إن العقل عقلان؟ * طالب: هنا ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾. * الشيخ: إي، ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ معناها: أن عندهم بصيرة؛ يعني: عندهم عقول يدركون بها، لكن ليس عندهم عقول يهتدون بها؛ بمعنى أنهم اهتدوا بها، ما انتفعوا بها، فهم عندهم بصائر ومعرفة، لكنهم ما انتفعوا بها. * طالب: عندهم بصيرة وهم لم ينتفعوا بها؟ * الشيخ: إي نعم، يكون عنده بصيرة، لكن ما عنده اهتداء بهذه البصيرة. * طالب: شيخ، تكون بصيرة في ضعف الوسائل لها؟ * الشيخ: إي نعم، ما اهتدوا بها، يكون المعنى: أنهم عندهم علم وبصر يدركون به الأشياء، لكنهم ما انتفعوا به. وقال تعالى: ﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣9]، المؤلف قال: (أهلكنا)، وهذا التقدير باعتبار السِّيَاق؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على أنَّ هناك شيئًا مضمرًا هو (أهلكنا). قارون رجلٌ تاجر مِن بني إسرائيل، ولكنَّه كما قال الله عز وجل: ﴿بَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص ٧٦]، وقد أعطاه الله تعالى مالًا عظيمًا حتى إنَّ مفاتِحَه تثقُل بالعصبة؛ بالجماعة مِن الناس، هذه المفاتِح مفاتِحُ الخزائن؛ ولهذا ما آمَن بموسى اغتَرَّ بمالِه، والعياذ بالله، فلم يُؤْمِن بربّه. وفرعون معروف هو مَلِك مِصْر الذي ادَّعى أنه الرب وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وهامَان وزيرُه. وإنَّما قَدَّم قارون؛ لِعُلُوِّ نسبِه؛ لأنَّه مِن بني إسرائيل، وهم أشرَف مِن الأقباط، وقدَّم فرعون على هامَان؛ لعلُوِّ مرتبتِه عليه. وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ لو قال قائل: أليس هذا الترتيب مِن بابِ البداءَة بالأدنى؟ الجواب: لا، لو كان مِن باب الأدنى لقال: قارُون وهامَان وفرعون. * طالب: (...) آمن به، يرد على من قال: نافق، كان يقرأ التوراة. * الشيخ: من؟ * الطالب: بعضهم في قارون، قال: إن قارون كان مِن أحسن الناس صوتًا في التوراة، لكن اغتَرَّ بماله. * الشيخ: ما ندري عن هذا، إذا ما جاء به نَصّ ما نعلم عنه. ﴿وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى﴾ كل هذه: قارون وفرعون وهامان لا تنصَرِف، المانع منِ الصَّرْف؟ * طالب: العلمية والعجمة. * الشيخ: العلَمِيَّة والعجمة. (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالحُجَج الظاهرات، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ هذه الجملة -كما تمُرّ علينا كثيرًا- مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسَمُ المقَدَّر، واللام، و(قد). وقوله: (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى﴾ )، قبْل أيش؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: قبل الهلاك ولَّا قبل عاد وثمود؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: نعم، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: أتاهم إتيانًا مصحوبًا بالبَيِّنَات؛ لأنَّ الله تعالى لا يُرسل رسولًا إلَّا أعطاه مِن البينات ما يؤمِنُ على مثله البشَر؛ لأنَّها الحكمة والرحمة تقتضِي هكذا؛ إذْ ليس مِن المعلُوم وليس مِن الحكمة أن يُرسَل رجلٌ من الناس إلى الناس ويقول: إني رسول الله بدون بَيِّنَة، ولَّا لا؟ فلا بُدَّ مِن بينة آية واضِحَة تدُلُّ على أنَّه رسول؛ ولهذا قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات. قال المؤلف: (الحجج الظاهرات) منها مثلًا العصَا، ومنها اليَد، وكذلك السِّنِين التي أُخذُوا بها، ولكن مع هذا ما انتفعوا، نسأل الله العافية. قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ بمعنى تكَبَّرُوا وعلَوا وارتَفَعُوا على الحقّ ولم يقبلوا، وتعرفون ما جرى لموسى مع فرعون مِن المناظرة والتَّهديد، حتى وصَل به الحال إلى أن قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. (﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ فائتين عذابنَا) يعني: ما كانوا سابقين لنا، لم يسبِقُونا، والسَّبْق بمعنى الفَوات، فأنت إذا مثلًا سابقْتَ إنسانًا وسبقَك -أي: فاتَك- وعجَزْتَ عنه، هؤلاء مع استكبارهم وعظمتهم وعلوهم ما سبقوا الله عز وجل أبدًا. أمَّا قارون فخسَفَ الله به وبدارِه الأرض، وبقِيَ فيها إلى يوم القيامة، وما نفعَه لا بيتُه الذي احتَمَى به، ولا مالُه الذي كنَزَه. وأمَّا فرعون وهامان فأغرقَهم الله عز وجل بِما كان فرعون يفتخِرُ به، قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجَه الله مِن مصر وأهلكه بمثلما افتخَر به، افتخَر بالأنهار فأُهلِك بأيش؟ أهلك بالماء، فأهلكَه الله، فمَا فاتَه الله عز وجل، مع أنَّ فرعون حين إهلاكه كان يظُنُّ أنه منتصر؛ لأنَّه أرسل في المدائن حاشِرين، فجمعوا الناس واتَّبعُوا موسى وقومَه على أنَّهم أمْر يسير في قبضتهم؛ لأنهم قالوا: ما لهم إلَّا البحر؛ إمَّا يسقطوا في البحر، أو نأخذهم أخذًا لا هَوادَة فيه، فكان الأمر -والحمد لله- بالعكس؛ أهلَكَ الله فرعون وقومه، وأنجَى موسى وقومَه. قال سبحانه وتعالى: (﴿فَكُلًّا﴾ مِن المذكورِين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِه﴾ [العنكبوت: 40]). * طالب: كما كانوا سابقين لغيرِهم؛ يعني: غيرهم سبقهم إلى هذا العمل. * الشيخ: لا، يعني بيقصد في الزمن يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لا، هم سابقون أيضًا بالزمن متقدمون كثيرًا. * طالب: الواو هذه واو الحال ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾، لا، الظاهر أنها الاستئناف أحسن. * الطالب: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، أحسن. ﴿فَكُلًّا﴾ قال المؤلف: (مِن المذكورين)، والمعروف أن يقدر: فكلّ أحد، لكن المؤلف منعَه مِن تقدير (أحد) أنَّ (كُلًّا) منونة، وهو لا يُحب أن يغيِّر لفظ القرآن؛ ولهذا قال: (مِن المذكورين)، والتنوين في (كل) هنا يقول النحويون: إنَّه تنوين عوضٍ عن؟ * طالب: عن نون. * الشيخ: تنوين عوض عن كلمة؛ أي: فكلُّ واحد، والتنوين -كما هو معرُوف لكم- قد يكون عوضًا عن كلمة، كما هنا، وقد يكون عوضًا عن حرف، كما في: (جوارٍ) و(غواش)، وقد يكون عوضًا عن جملة، كما في (إذٍ) ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة ٨٤]، و(يومَئِذٍ)، وما أشبهَها. قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يعني: كُلًّا مِن هؤلاء أخذَه الله عز وجل بذنبِه، والباء في قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ تكون سبَبِيَّة ومعاوضة ومقابلة؛ يعني: أنَّهم بسبب ذنوبِهم أُخذُوا، وعلى قدرِ ذنوبهم أخذُوا أيضًا، فالباء هنا سببية وعِوَضِيَّة؛ أي: أنَّهم أُخذُوا بسبب الذنب، لكن ما تجَاوز الله بِهم أكثر مما يستَحِقُّون، بل بالسَّبب والقدْر. وقوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ في القرآن الكريم جاءت أيضًا: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام ٦]، والجمعُ بين الجمع والإفراد يسِير؛ أن يُقال: إنَّ الإفراد هنا مُضَاف فيَعُمّ؛ أي: بذُنُوبهم، والذنوب هي المعاصي، سواءٌ كانت كبيرة أو صغيرة، وهي هنا بلا شك مِن أكبَر الكبائر. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا التفصيل؛ لأن قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ مجمل فُصِّل بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: إليه؛ لأن هنا إرسال عذاب فهو عالٍ عليهم، وليس إرسال خطاب حتى نقول: إنَّ غايَة هذا الخطاب المرسَل إليه، فهو إرسالُ عذابٍ. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا عاصفة فيها حصباءُ كقوم لوط). * طالب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر ٣٤]. * الشيخ: إي، بس هذا فيه نظَر؛ لأنَّ المفهوم من قوم لوط أنَّ الذي أُرسِل عليهم مِن السماء أو لا؟ حاصبًا من السماء، وهي حجارة مِن سجيل، مثل الذي أُرسِل على أصحَاب الفِيل أو لا؟ وليست هي مِن الحصباء التي تثيرُها الرياح، ولا علِمْنَا أنَّ الله تعالى أرسل الرياح على قوم لوط، ولو كانت رياحًا تحمل الحصباء لبيَن الله عز وجل، فيقال: إننا أرسلنا عليه حاصبًا كقوم لوط، صح؟ فإنَّ الله تعالى أرسَل عليهم حاصبًا مِن السماء تحصبهم؛ حجارة من سجيل. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، مثل؟ * طلبة: ثمود. * الشيخ: يقول المؤلف: (كثمود) قوم صالح، وشُعيب أصحاب مدين ما أخذتهم الصيحة؟ * طلبة: إي نعم. * طالب: ما أخذَتْهم الرجفة يا شيخ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هنا لكن في آية أخرى ﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر ٧٣]. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض﴾ مثل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كقوم نوح وفرعون وقومِه) هؤلاء أهلكوا بالغرق؛ أمَّا فرعون وقومه فغَرِقُوا بالبحر الأحمر، وأمَّا الثاني من؟ * طالب: نوح فبالطوفان. * الشيخ: نوح فبالطُّوفَان؛ الطوفان العظيم الذي أمَرَ الله سبحانه وتعالى السماء ففَتَّح أبوابَها بماءٍ منهمر، وفجَّرَ الأرض عيونًا، شوف -سبحان الله- التعبِير؛ ما قال: فجَّرنَا عُيُون الأرض، لو كان التعبير: فجرنا عيون الأرض لكان فيه شيء كثير مِن اليابس ما تفَجَّر، وإنما تفجَّرَت العيون لو كان التعبير: فجَّرْنا عيون الأرض، لكن ﴿فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢]، كأن الأرض كلها صارت عيونًا، حتى إن التنور الذي هو محلّ إيقاد النار وأبعد ما يكون عن ظهور الماء فيه فار التنور صار يفُور عيونًا، سبحان الله العظيم! ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾ [القمر ١٢] حتى علَا قمَم الجبال، واستوت السفينة على الجُودي، والجودي هذا الجبل رفِيع جدًّا، على أنَّ الماء حملَها إلى أن رسَتْ على هذا الجبل، مما يدُلّ على كثرَة هذه المياه، الله أكبر! الإنسان لو تصور أنَّ المطر يرتفع أربعة أمتار لتَهَوَّل من ذلك، لكن هذا الذي بقدرة الله عز وجل علَا إلى مِئَات الأمتار، والله على كل شيء قدير. قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذِّبَهم بغير ذنب، والله ما كان هذا، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، اللام هنا يُسمونَها لام؟ * طالب: مزحلقة. * الشيخ: لا، ما فيه زحلقات. * طالب: لام التوكيد. * الشيخ: ولا لام التوكيد، هذه يا إخواني لام الجحود؛ لأن لام الجحود هي المسبُوقة بكَوْنٍ منْفِيّ، أو نقول لِأصحاب الآجرومية: ما سبقَها (ما كان) أيش؟ * طالب: أو (ما يكُن). * الشيخ: لا، أو(لَمْ يكُن)، (ما كان) أو (لم يكن)، هنا الذي سبقها أيش؟ (ما كان)، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ والظُّلْم له وجهان (...).هذا لَمَّا نفى أن يكون الله ظلمهم بيَّن مِن أين وقع هذا الظلم، فقال: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠] ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ خبر (كان)، والواو اسمها. * طالب: لا، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ جملة فعلية خبر (كان)، و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * طالب: كانوا يظلمون أنفسهم. * طالب آخر: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: لا، اسم (كان) الواو ﴿كَانُوا﴾، لو كانت تأكيدًا لكانت منصوبة. * طالب: منصوبة بـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ مِن باب الاشتغال. * الشيخ: مِن باب الاشتغال؟ ما تقولون الآن؟ توافقون؟ * طالب: الاسم مؤول، والخبر جملة. * الشيخ: الكلام على ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ ويش نقول فيها؟ * طالب: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، من باب الاشتغال؟ * طالب: لا، ما فيه ضمير (...) ما يجوز اشتغالها. * الشيخ: إذن مفعول مقَدَّم لـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أو لا؟ ولا فيه اشتغال؛ لأنّ الاشتغال يقول ابن مالك: إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلًا شَغَلْ ∗∗∗ عَنْهُ بِنَصْـــــــبِ لَفْظِــــــهِ أَوِالْمَحَـــــلْ الاشتغال لا بد يكون ضمير في الفعل المشغُول؛ ولهذا سميناه اشتغالًا، أمَّا هنا فـ(أنفسهم) مفعول مقدّم لـ(يظلمون)، وتقديمُها له فائدتان: فَائدة لفظِيَّة، وفائدة معنوية؛ الفائدة اللفظية مُرَاعَاة الفواِصل؛ يعني: أواخِر الآيات، هذه فائدة لفظِيَّة، لو قال: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، ما تناسَبَت مع ما قبلها وبعدَها، والثانية الفائدة المعنويّة: الحصْر والاختصَاص؛ يعني: ما ظلَمُوا إلا أنفسهم، فهم في الحقيقة هُم الذين ظلموا، ولكن كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين﴾ [الزخرف ٧٦]، أمَّا نحن ما ظلمناهم. * طالب: شيخ، تقديرًا في قوم نوح؛ يعني: جعل السياق هذا منهم، وإلى قصة نوح، ما ورد ذكر نوح إلا في أول السورة، نوح ما ورد؟ * الشيخ: إي، ويش فيه؟ * الطالب: (فمنهم) يعني مِن المذكُورين؛ يعني: عادًا ومَن قبلهم وقارون وفرعون وهامان، هؤلاء اللي ذُكروا؛ يعني: فكل من المذكورين أخذْنا بذنبه، (فمنهم) على الترتيب، ذكْر قوم نوح هنا له وجْه. * طالب آخر: قوم نوح على السبب في أول السورة.. * الشيخ: ما يهم، يعني على كل حال مِن الناس، يعني أنت تريد أن تكون الضمير على أقرب مذكور؟ * الطالب: نعم، ثم ترتيبه؛ التسلسل، أحيانًا الترتيب القرآني، ذكَر العذاب بالتسلسل على حسب الترتيب. * الشيخ: من أخذته الصيحة، نقول: كثمود، ما هو بهذا الترتيب؛ لأن شعيبًا قبْل هؤلاء. * طالب: بس قلنا: ثمود الصيحة، تصلح لشعيب لِقوم مدين وثمود. * الشيخ: إذا راعَيْنا الترتيب ما تصلُح هنا لثمود ولَّا لا؟ أو تصلح؛ لأنَّه قبل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ لا سيما أنَّ المؤلف يقول: ﴿فَكُلًّا﴾ (من المذكورين)، لو قال: فكلًّا من المذنبين، على كل حال المسألة بسيطة، ما دام أنه فيه مثال لهذا وهذا.. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. * مِن فوائد هذا الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بإبقاء آثار الآيات ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا﴾؛ لأن المراد إبقاؤها. * ومن فوائدها: أنَّه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها: فائدة العقل، فكلما أُوتِي الإنسان عقلًا فإنَّه مِن نعمة الله عليه، كلما كان أعقل فهو مِن نعمة الله، مِن أين نأخذ فائدة العقل؟ مِن كون صاحبِه ينتَفِعُ به في الآيات التي تركَها الله عز وجل. ثم قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣٦]. * من فوائد هذه الآية: إثبات رحمة الله وحكمته في إرسال الرسل؛ فإن إرسال الرسل يدل على الرحمة والحكمة، أمَّا الرحمة فظاهر؛ لأنه لا يمكن للعباد أن ينتفعوا بعقولهم في التعبُّد لله عز وجل؛ ولهذا يقول العلماء: إن العبادات توقيفية، وأما الحكمة؛ فلئلا يكون للناس على الله حُجَّةٌ بعد الرسل. * ومن فوائد الآية: أنَّ النبيَّ غالبًا يكون مِن قومِه؛ لأنَّ الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن كله يعبر فيها بقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾، و﴿أَخَاهُمْ﴾، وما أشبه ذلك. والحكمة من هذا؛ يعني: يتَوَلَّد منها * فائدة أخرى: وهي أنَّ الذي ينبغي أن يكونَ الرسول معروفًا بين قومه؛ لأجل أن يُسَاعِدُوه ويعينوه ولا يكَذِّبُوه. * من فوائد الآية: وجوب عبادة الله؛ لقولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. * ومنها: وجوب الاستعداد لليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. * ومنها: إثباتُ اليوم الآخر، واضِح؟ * ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومنها: أنَّ الشرائع تجمَع بين الأمرين الإيجابي والسلبي، الإيجابي بأي شيء؟ بالأوامِر، والسلبي بالنواهي؛ يعني: أنَّ الشرائع أفعال وتُرُوك، ما هو مجرد أفعال، ولا يُصْلِحُ العباد إلَّا هذا؛ لأنَّ الإنسان قد تناسِبُه الأوامر، ولا تناسبه النواهي، وقد تناسبه النواهي فتسْهُل عليه ولا تناسِبُه الأوامر، فجمَع الله سبحانه وتعالى في شرائعه بين الأمر والنهي. * ومنها: قلت: تحريم الإفساد في الأرض؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: وذكرْنا في التفسير: أنَّ هذا الإفساد يشمَل الإفساد المعنوي بالمعاصِي والإفساد الحسي بالتدمير والإتلاف. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ [العنكبوت ٣٧]. * مِن فوائد هذه الآية: بيان ما يعانيه الرسل عليهم الصلاة والسلام من أقوامِهم؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوه﴾، ولا ريبَ أنَّ تكذيب الإنسان الذي على حقٍّ أنَّه يبلُغُ في نفسه كل مبْلَغ، إنسان معه الحق والآيات وجاء لمصلَحَةِ الخلق، ثم يكذِّبُونه، هذا أمر ليس بالهين على النفس. * من فوائد الآية أيضًا: تسلِيَةُ الدعاة إلى الله عز وجل إذا عُورِضوا في دعوتِهم، كيف ذلك؟ كيف هذه التسلية؟ أنَّ الرسل كُذِّبوا، فهم مِن باب أولى؛ ولهذا يُسَلِّي الله النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هذا ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير﴾ [آل عمران ١٨٤]، ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، فالداعية إلى الله لا ينبغِي أن يأنَف مِن أن يُكَذَّب، فإنَّ هذا هو طريقُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعُهم سيكونون مثلَهم. * مِن فوائِد الآية: التعْجِيل بالعُقُوبة للمُكَذِّب، هذا متَى؟ إذا قلنا: إن الفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أيش؟ عاطفة، أمَّا إذا قلنا: إنها سببية فلا تدُلّ؛ لأن المسبَّب قد يتأخّر عن السبب. * ومِنها؛ من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في عقوبَة المكذبين لِرُسُلِهم. * ومنها: أنَّ العقوبة ليست جَوْرًا ولا ظُلْمًا؛ لأنّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، ولا يظلِمُ أحدًا، فلولا أنَّ هؤلاء يعاقَبُون بحقٍّ ما عاقبَهم الله. * ومنها: قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ وكم هم؛ عددهم؟ قوْم؛ قبيلة كبيرة أبادَهم الله تعالى في لحظَة، وهذا دليل على قدرتِه، وأنَّه إذا أراد شيئًا فإنَّما يقول له: كن، فيكون. * ومنها: أنَّ الملاجئ لا تنفَعُ مِن الله، تُؤْخذ مِن قوله: ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ الدار ملجَأ للإنسان، يلجأُ بها مِن عدوه، لكنَّها بالنسبة إلى الله لا تمنع ولا تنفع؛ فلهذا قال: ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٣٨]. * مِن فوائد هذه الآية؛ أوَّلًا: أنَّه ينبغِي الاعْتِبَار بأحوال مَن مضى، مِن أين تؤخذ؟ ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعتبِرُوا واتّعِظُوا. * ومنها: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ عادًا مِن أقوى عباد الله حتى إنَّهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ [فصلت ١٥]، ومع ذلك أهلكَهم الله بألطَف الأشياء، ما هي؟ * طالب: الريح. * الشيخ: بالريح، الريح اللي هي مِن ألطف الأشياء أهلكَهم الله بها، فدلَّ هذا على كَمَال قدرةِ الله سبحانه وتعالى، وأنَّه مهما بلغ الناسُ مِن القوة فليسَت قوتُهم بشيء بالنسبة إلى قوة الله. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الشيطان قد يُسَلطُ على بني آدم؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومِن فوائدها: التحذِير من تزْيِين الأعمال، وأظُن كلّنا نفهَم أنَّ قوله: ﴿زَيَّنَ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أنَّها تدل على أنَّ هذه الأعمال أصلُها قبيح، لكنَّها زُيِّنَت، فيَجِب الحذر مِن تزيين الشيطان. إذا قال قائلٌ: ما هو الضابط لتزيين الشيطان، قد أهوَى هذا العمل ويزين في نفسي فأفعله، فلا أدري هل هو مِن تزيين الشيطان أو مِن تزيين الله عز وجل، فما هو الضابِط؟ الضابط: إذا كان هذا العملُ خلاف شريعةِ الله فهو مِن تزيين الشيطان، وإن كان موافقًا لِشريعة الله فهو مِن هداية الله وليس مِن تزْيِين الشيطان. * ومنها: إثباتُ الشياطِين وتأثيرها على بني آدم؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومنها: الردّ على الجبرِيَّة في نسبَة الأعمال إليهم، فإذا نُسِبَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهم فاعلون حقيقة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الأعمال السيئة قد تكُونُ سببًا لِضَلَالِ العبد؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ﴾، ولا ريبَ أنَّ الأعمال السيئة سببٌ لضلال العبد، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]، والأعمال السيئة يجُرُّ بعضها بعضًا حتى يعمَى الإنسان -والعياذ بالله- عن الحق بسبب معصيته. * ومِن فوائد الآية: بشاعَةُ الصَّدِّ عن السبيل مع البصيرة، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين﴾، فإنَّ الجملة هنا حالية على تقدير (قد)؛ يعني: فصدَّهُم وقد كانوا مستبصرين، والمستبصر كان بصَدَدِ ألا يصُدّ، لكن -والعياذ بالله- قُوَّة السبب وضَعْف المانع هو الذي أوجَبَ لهم أن يصُدُّوا عن سبيل الله. * ومِن فوائد الآية: استعمال أو اعتبار دلالة الألفاظ بِمَا يفهَمُه المخاطب؛ أعني أنَّ (أل) في قوله: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهْد، أي العهود؟ العهد الذهني. * ففيه دليل على أن المخاطب قد يُحَال على ما يفهمُه في ذهنِه من دلالَة الخطاب، وهو كذلك. فلو قال قائل: هذه الآية فيها إبهام عن السبيل، ما ندري أي سبيل؟ قلنا: لا إبهام فيها، ما دام هناك شيءٌ معهود للمخاطَب فإنَّه ليس فيها إبهام. ثم قال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت ٣٩]. * فيه ذَمّ هؤلاء الثلاثة الأشخاص؛ قارون وفرعون وهامان. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ سبب الطغيان قد يكون المال، وقد يكُون الجاه والرِّئاسة، ففي قارُون سببُ طغيانِه المال، وفي فرعون وهامان الجاهُ والرِّئَاسة، وهذَان السببان هما سبَبُ استكْبَار الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدِها: إثباتُ رسالَة موسى ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَات﴾. * ومن فوائدها: أنَّ موسى رسُول إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، فرعون هُو مِن بني إسرائيل؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن أين؟ * طالب: من الأقباط. * الشيخ: من الأقباط، كيف نجمع بين هذا وبين قول رسول الله ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]]، وقومُ موسى هم بنو إسرائيل، وموسى أُرْسِل إلى فرعون وإِلى بني إسرائيل؟ * طالب: هم كانوا موجودين في مصر في مملكة فرعون اللي هم بني إسرائيل، ثم إنه كان يستعبدهم، وكان يمنعهم من الخروج، فكان من المقتضى هو يذهب إليه أولًا حتى يخرجوا معه ويعبدوا الله عز وجل كما أراد، وهو يمنعهم فرعون، فكان لا بد.. * الشيخ: يعني: أنَّ دخول بني إسرائيل في مملكة فرعون تقتَضِي الحكمة أنه يُرسَل إليهما جميعًا؟ * طالب: يعني ليس كذلك، هو كان يمنعهم فرعون، ويستعبدهم في الأرض. * الشيخ: إي نعم، ومنع أيضًا موسى مِن أن يأخذ بني إسرائيل معه. * طالب: نعم، فكان لا بد أن يوجه إليه؛ ليحررهم من هذا الاستعباد. * الشيخ: نعم. * طالب: أن النبي يبعث إلى قومه، فمن دخل فيه من غيرهم (...). * الشيخ: طيب، إذن يكون فرعون تابعًا لِبني إسرائيل، مع أنَّ أصْل الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون، فكيف مثلًا يكُون الذي له الأصل هو التابع؟ إذن نرجع إلى ما قال. * طالب: سواء عاد كانوا مثلًا قومه تابعين أو تبعًا عن غيرهم. * الشيخ: يعني إذن نرجع إلى هذا نقول: معناه: أنَّه ما يمكِن إصلاح بني إسرائيل حتى يصْلح مَن له السيطرة عليهم، هذا مرادُك؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. * الشيخ: المهم الآن أنّنا كلنا متفقون على أنَّ الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، بل هي إلى فرعون أصلًا. * طالب: (...) يقول: أرسل معنا بني إسرائيل، رسول الله إليهم. * الشيخ: دعاه إلى الله، بل إنَّ الآيات: أرسلنا موسى إلى فرعون، كلها تدل على أن أصل الرسالة إلى فرعون. * طالب: يجوز، يقال: إن الله سبحانه وتعالى حكمته تقتضي أن يرسل إلى أقوام الأنبياء؛ لأنَّ فيهم حمِيَّة إليه وركونًا إليه ونُصرة له، وهنا في فرعون له أيضًا حميَّة وميل إليه، باعتباره هو اللي رباه، وباعتباره نشأ في كنفه، فشارَك بني إسرائيل في هذه الصفة. * الشيخ: أنا عندي -والله أعلم- أنَّ الجواب مِن أحد وجهين: الوجه الأول: أنَّ قوله: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]] ليس أولَ عُمومٍ يُخَصَّص، يمكن أن نقول: هذا باعتبار الأكثر والأعمّ، ونقول: إن موسى دلَّ الدليل على أنَّه بُعِث إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، وهذا جواب ما فيه تكلف؛ هذا الجواب ليس فيه تكلف. ويمكن أن نقول: إنَّ الرسالة إلى فرعون؛ لأنَّه ما يمكن لبني إسرائيل أن يستَقِلُّوا، وأن يقوموا بواجِب الرسالة واتِّبَاع موسى إلا إذا اهْتَدى فرعون؛ ولذلك ما كان لهم دولَة وسُلْطة إلا بعد أن أهلكَ الله فرعَوْن، فيكون هذا: قُصِدَ فرعون أولًا؛ لأنَّه لا يمكن الوُصول إلى بني إسرائيل واستقْلَال الدعوة فيهم إلا بعد أن يُسْلِم هذا الرجل أو يتلف كما هو الواقع، فتكون رسالته هنا مِن باب الوسائل إلى المقصود يكون موسى عليه الصلاة والسلام أُرسِل إلى بني إسرائيل، لكن لا يمكن تحقيق الرسالة في بني إسرائيل حتى يهتَدِي هذا الرجل أو يقضِيَ الله عليه، والذي حصَل أنَّ الله قضَى عليه بعد ما حصل مِن الآيات والبينات، إلى آخره. * طالب: والأقباط الآخرون غير فرعون ما وجهت لهم الدعوة؟ * الشيخ: الظاهر أنَّ الأقبَاط اللي في مصر، بل كُل اللي تحت ولَاية فرعون داخِلُون في هذا؛ لأنَّه بالضرورة إذا آمن فرعون فسَيُؤْمِنُون؛ لأنَّ السيطرة له عليهم. * طالب: ما نقول بأنه القوم أعم من (...) أن قبيلة موسى من بني إسرائيل وقومه الناس (...)؟ * الشيخ: إذا قلنا: إنَّ المراد بالقوم مَن بُعِث فيهم صار معناه: لو بُعِث النبي إلى جميع الناس صارُوا قومه، فبَطَل دلالةُ آخر الحديث، ومَرَّ علينا في قصة شعيب أنَّه أيضًا أُرسِل إلى أصحاب الأيكة، وليسُوا مِن قومه، بدليل أنه ما قال: أخاهم. فالجواب: الأول وهو أن نقول: إنَّ هذا العموم قد خُصِّص، دلَّتْ الأدلة على أن بعض الرسل أُرسِل إلى قومِه وإلى غيرِهم ممن هو تبع، لا يوجد رسول أُرسل إلى الناس عامَّة إلَّا محمدًا ﷺ. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * مِن فوائد الآية: أنَّ الرُّسل يُؤَيَّدُون بالآيات البينة؛ لقولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وثبتَ عن الرسول ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) عن أبي هريرة.]]. * من فوائدِها أيضًا: إثباتُ الرحمة والحكمة في آياتِ الأنبياء، أليس كذلك؟ لأن الآيات التي مع الرسل رحمة بالخلق وحِكْمَة، رحمة؛ لأجْل أن تكون سببًا لاهتِدَائِهم، وحكمة؛ لإقامَة الحجة عليهم، حتى لا يقول قائل: إنَّ هذا الرسول ما أتانا بآية فهو كاذب، فإذن إثبات الآيات للأنبياء فيها متضَمِّنَةٌ للرحمة والحكمة، الرحمة كيف نقول: إعطاء الأنبياء الآيات يتضَمَّن الرحمة؟ * طالب: ما يمكن يتعبدوا إلَّا عن طريق الرسل. * الشيخ: كيف؟ * طالب: إذا أرسل الله الرسل. * الشيخ: إي نعم، قلنا: إن الآيات التي أوتيها الأنبياء تتضمن إثباتَ رحمة الله وحكمتِه. * طالب: (...) لئلا يضلوا (...). * الشيخ: لأن الآيات وسيلة إلى اهتدائهم، إذا رأَوا الآيات اهتدَوْا، حِكْمة، كيف ذلك؟ * طالب: (...) ما يقول: ما جاء نصره؟ * الشيخ: لا، ما هو هذا، ما نسأل عن حكمة إرسال الرسل، حكْمَة إيتَاء الرسل الآيات. * طالب: حيث تقام عليهم الحجة. * الشيخ: على مَن؟ * طالب: على الناس.. * الشيخ: فيقال لهم: أنتم كذَّبتم من قامَت الآيات على صدْقِهم. قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.. * ومِن فوائد الآية: أنَّ بشاعة كفْر هؤلاء الثلاثة؛ قارون وفرعون وهامان، وذلك بالاستِكْبَار عن الحق والإعْرَاض عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. * ومِن فوائدِها: كمالُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى حيث لا يفُوتُه أحد مِن خلقه؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، مع عظمتِهم وكبرِيَائِهم وأموالِهم ما يسبِقُون الله، وهذا تحقيقُ قولِه ﷺ في أذكار الصلاة: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) عن المغيرة بن شعبة. ]]، فإن الإنسان مهما عظُم وكثُر لا ينفَعُه عظمَتُه وكثْرَتُه. وقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. * مِن فوائد هذه الآية: تمامُ قدرة الله في إرسالِ هذه العقوبات، فإنَّها كلها عقوبات تدُلّ على القدرة. * ومنْها: إبطَال قول هؤلاء الملحدين، حينما تأتي مثل هذه الآيات في الوقت الحاضر يقولون: هذه مِن الكوارث الطبيعية، تأتي الزلازل اللي هي الرجفة ويقولون: هذه مسألة طبيعية، وتأتي الفيضانات العظيمة التي تُدَمِّر ويقولون: هذه كوارث طبيعية، ما يعتَبِرُون بها، ويرون أنَّها نوع من العقوبات التي جرَت على الأمم السابقة، وكذلك الرياح الشديدة، وهذا مِن موت القلوب -والعياذ بالله- أنَّ الإنسان يُعرَض عن التأمُّل والتدبر في هذه الآيات ويضِيفها إلى أمور طبيعية، وكأنها -على زعمهم- كأنَّ الطبيعة هي التي تخلُق وتفعَل بدون الله. * ومن فوائد الآية: إثباتُ حكمَةِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ سواءٌ قلنا: إنَّ الباء للسببية أو لِلمقابلة. * ومنها: إثباتُ الأسباب، وكل مَا جاءك في القرآن مِن لام للتعليل أو باء للسببية فإنها تدُلّ على إثبات الأسباب والحِكَم. * ومنها: الردُّ على الجبرية الذين يُنكِرُون الأسباب ومَن وافقهم مِن الأشعرية، فإنَّنا نحنُ أهل السنة والجماعة نُؤْمِن بالأسباب، لكننا لا نقول: إنَّ هذه الأسباب مؤثرة بنفسها، ولكن بخلْقِ الله سبحانه وتعالى فيها التأثير. * ومنها: أنَّ الجزاء مِن جنس العمل، هذا على أيِّ الاحتمالين في الباء؟ البَدَلِيَّة والمقَابَلَة، الجزاءُ مِن جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، واعلموا أنَّ الجزاء من جنس العمل في الجزاءات الشرعية، وفي الجزاءات الكونية؛ الجزاءات الشرعية مثل الحدود؛ الحدود: العقوبات المقَدَّرة مِن قبل الشرع، كلُّها في الواقع عقوبات، فقَطْع اليد بالسرقة لا شك أنَّه موافِق للحكمة؛ لأنَّ اليد بها يأخذ، وقطع الأيدي والأرجل مِن خلاف في قُطَّاع الطريق مُوافق للحكمة؛ لأن قُطاع الطريق يعتَدُون على الناس بأيْديهم وأرجلِهم، ورجم الزاني بالحجارة دون قتلِه بالسيف موافقٌ للحكمة أيضًا، وهكذا كُل العقوبات الشرعية والكونية فإنَّها موافِقَة للحكمة، ويدل على هذا قولُه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ وصيحة وخسْف وغرق، هذه الأنواع الأربعة مِن العقوبات ذكرُها له حكمة؛ لأن قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ جاءَ من فوق، ﴿مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ مِن تحت، ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاك بالقَوْل والصَّوْت. وقوله: ﴿مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إهْلاك بالماء؛ لأجل أن يتبين للناس أنَّ العقوبات لا تأتي من نوعٍ واحد، تأتي مِن أنواع متعددة بحسب حال المعاقَب. * ومنها: بيانُ كمالِ عدلِ الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصفة أظُنُّها مِن الصفات السلبية أو الثبوتية؟ * طالب: سلبية. * الشيخ: سلْبِيَّة، وقد مر علينا عدَّةَ مرات: أنَّ الصفات السلبية لا تكون مدحًا إلا إذا تَضَمَّنَت ثبوتًا، فمُجَرَّد النفي ما هو بمدْح حتى يتضمن ثبوتًا، إذا نفى الله الظلمَ عن نفسه ليس معناه أنَّه لا يظلم فقط، بل لِكَمَالِ عدلِه لا يظلِم، وليس المعنى أنَّه غير قادر على الظلم، بل هو قادِر سبحانه وتعالى على أن يظلِم، لكنَّه لكمالِ عدله لا يظلِم، ولو كان غيرَ قادر على الظلم لم يكن نفيُ الظلم عنه مدحًا، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ولهذا قالوا في قول الشاعر: قُبَيِّلَـــــــــــــــةٌ لَايَغْــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُــــــونَ النَّاسَ حَبَّــــــــةَخَـــــرْدَلِ نفْي الظلم عن هؤلاء الجماعة هو مدْح ولَّا ذم؟ * طلبة: ذم. * الشيخ: في هذا الباب ذمّ؛ يعني: لأنَّهم لعجزِهم لا يظلِمُون، وكذلك قول الشاعر: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا يعني: ما هُم مِن الشر في شيء، ولا يفعَلُون الشر، ولا فيهم شر أبدًا، بل أبلغ مِن هذا أنهم يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّـــــوءِإِحْسَــــانَا إذا ظلَمَهم أحد قابَلُوه بالمغْفِرة والسماح، وكذلك أيضًا إذا أساءَ إليهم أحسَنوا، هذا ظاهرُه أنَّه مدح، قال: جزاهم الله خيرًا، لكنه في الحقيقة ذمٌّ مِن أبلَغ الذم؛ لأنَّه يحتقِرُهم، ويقول: إنهم ما يستطيعون أن يثأَرُوا لأنفسهم أو ينتصِرُوا لأنفسِهم، بل إذا أُسِيءَ إليهم قابلوا بالإحسان خوفًا من إساءة أعظم، وإذا ظلموا غفَرُوا؛ ولهذا قال نفس الشاعر: فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَكِبُــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــانًاورُكْبَــــــــــانَا وتمنَّى أن الله يعطِيه بدلِهم. فالمهِم أنَّ مُجَرَّد إثبات النفي لا يَدُلّ على الكمال حتى يتضَمَّنَ مدحًا وثبوتًا. * ومن فوائد الآية: أنَّ الإنسان هو الظالِم لنفْسِه بفعل المعاصي؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، إذن فأنت حرامٌ عليك فعل المعاصي؛ لأنه ظلمٌ لنفسك، وأمَّا الله تعالى فلا يظلِم، عندنا نفي الصفات مِن حيث العموم؛ قد يتضَمَّن الكمال، وقد يتضَمَّن النقص، وقد يكون لِعدَم القَابِلِيَّة، فالذي لله مِن أَيّهم؛ أيُّ الثلاثة؟ * طالب: الكمال. * الشيخ: الكمال، قد يكون للكمال، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، وقد يكون نفي النقص لأيش؟ * طالب: لعدم القابلية. * الشيخ: لِعدم القابلية، مثل أن تقول: إنَّ هذا الجدار لا يتعب، وهذا الجدار ما يظلِم، لماذا؟ لِعدم القابلية، فهل هذا مدحٌ له؟ لا؛ لأنَّه أصلًا ما يقبَل هذا الوصف حتى ينفى عنه، وقد يكون النفي للعجز، مثلما ذكَرنْا في أمثلة البَيْتَيْن: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا ولا يكون لِلَّهِ مِن هذه الأقسام الثلاثة إلا القسْم الأول، وهو ما تضَمَّن كمالًا ومدحًا؛ ولهذا يقول أهل العلم: إنَّ الله تعالى إذا نفَى عن نفسِه صفَةً فإنَّ المراد بها أمران؛ نفيُ تلك الصفة، والثاني: إثباتُ كمَالِ ضِدِّهَا. * طالب: شيخ، القول بأن نفي الظلم عن الله؛ لأنه هو المتصرِّف في الملك؟ * الشيخ: لا، هذا غلط، هذا قول الجبرية، هذا ليس بصحِيح، هؤلاء يقولون: إن الظلم محَال على الله لذاتِه، لا لِعَدَم إرادَةِ الله له، وذلك أنهم يقولون: إنَّ الظلم أن يتصرّف الإنسان في مُلْك غيره، والله تعالى إذا تصرَّف في ملكِه فليس بظالِم، فيجُوز على زعمِهم، وليس بظُلْم أن يعاقِب المطِيع الذي أمضَى ليلَه ونهارَه في طاعة الله، فيعاقِبَه عقوبة الكافر، وعندهم أنَّ هذا ليس بظلم؛ لأنه يقال: الله ما تصرَّف إلَّا في ملكِه، وعلى هذا قال السفاريني رحِمه الله: وَجَـــــــــــازَ لِلْمَـــــــــوْلَىيُعَـــــــذِّبُ الْــــــــوَرَى ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُـــــرْمٍ جَـــرَى؎فَكُـــــــلُّ مَـــــا مِنْــــــهُ تَعَـــــــــالَىيَجْمُـــــــــــــــلُ ∗∗∗ لِأَنَّــــــــــــــهُ عَــــــــنْ فِعْلِـــــــــهِلَا يُسْــــــــــأَلُ (...) بالله سبحانه وتعالى، وأنَّ صفات الله سبحانه وتعالى تنقسِم إلى قسمَيْن: ثبوتية وسلْبِيَّة؛ فالثُّبُوتِيَّة ما أثْبَتَه الله لنفسِه، ولا تكون إلا صفة كمال، والسلبِيَّة ما نفَاه الله عن نفسِه، ولا تكون إلَّا صفَة نقْص، والصفات السلبية تدور على شيئين: أحدُهما النقص، والثاني مشابَهَة المخلوقين، ولو قلنا: إنَّ مشابهة المخلوقين نقص، وحصَرْنا هذين الشيئين في شيءٍ واحد لم يكن ذلك بعيدًا؛ فإنَّ مشابهة الناقص تعتبر نقصًا. * ويستفادُ مِن الآية؛ مِن آخرها في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنَّ العاصيَ ظالِمٌ لنفسِه، ووجهُ ذلك: أنَّ النفس عندك أمانَة، فكما أنَّك ممنوع من نقصِها نقصًا حسيًّا فأنت ممنُوعٌ مِن نقصِها نقصًا معنويًّا؛ بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقطع يدَه أو أُصْبُعَه أو يسيء إلى بدنِه كان ذلك محرَّمًا؛ ولهذا مَن قتل نفسه بشَيْءٍ عُذِّبَ به في جهنم خالدًا مخلدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فجَعَل النبي عليه الصلاة والسلام قاتِل النفس كقاتِل الغير في التَّخْلِيد في النار والتَّعذيب بما قتَلَ به. وعلى هذا نقول: كلُّ مَن عصَى الله فإنَّه ظالم لنفسِه، ومِن هنا نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وأنَّ العدول عن ملَّةِ إبراهيم سفَهٌ؛ لأنَّه ظُلْم للنفس مِن حيث لا يشْعَر الإنسَان.

العنكبوت 29:39

قال تعالى -نبدأ الدرس الجديد-: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. الجملة في قوله: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا﴾ مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: وهي القسم، و(اللام)، و(قد). ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: أبقَيْنا منها، الترك هنا بمعنى الإبقاء، وهو ظاهر في اللغة العربية، تقول: أخذت هذا، وتركت هذا، يعني: أبقَيْت، ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: أبقينا من هذه القضية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ بمعنى: علامة، و﴿بَيِّنَةً﴾ بمعنى: ظاهرة واضحة. قال المؤلف: (ظاهرة هي آثَارُ خرابها). (...) نعم، في الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] فكان العرب يمرون على هذه القرى ذاهبين وجائين إلى الشام، فَيرَوْن من آثار العذاب ما هو ظاهر، لكنهم لا يستبصرون؛ ولهذا قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال المؤلف: (يتدبرون). هذه ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعَلِّقَة بـ﴿تَرَكْنَا﴾، ولا بـ﴿بَيِّنَةً﴾؟ * طالب: بـ ﴿بَيِّنَةً﴾. * الشيخ: يجوز الوجهان، يجوز أن يكون المعنى: بينة للعاقلين، ويجوز المعنى: تركناها للعاقلين. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ العقل سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: عقل يُراد به الإدراك، وعقل يراد به: الرُّشد؛ العقل الذي يراد به الإدراك هو مناط التكليف، الذي يقول الفقهاء: من شروط هذه العبادة مثلًا: التمييز، والعقل. وعقل الرُّشد: هو مناط المدح والذم، يعني: الذي يُمدَح عليه الإنسان ويُذَمّ، والذي يُوجَد في القرآن غالبًا هذا ولَّا الأول؟ هذا، لكن في كلام أهل العلم يُراد بالعقل المعنى الأول الذي هو الإدراك. أقول: إن العقل الثاني: الرُّشد، وهو مناط المدح والذم، ومعنى ذلك: أن يكون الإنسان حسن التصرف، بحيث يعقِلُه ما معَه من الإدراك عمَّا يضُرُّه إلى ما ينفعه. هذا هو الذي يراد هنا في هذه الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ المراد به عقل الرشد الذي يحْجِزُك عما يضُرُّك إلى ما ينفعك. وقول المؤلف: (يتدبرون)، هذا في الحقيقة ليس تفسيرًا مطابقًا للَّفظ؛ لأنَّ التدبُّر هو سابق على العقل، فالإنسان يتدَبَّر أولًا، ويعرف النافع والضار، ثم يعقل، فيتبع ما ينفعه، ويدع ما يضُرُّه. ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني: وأمَّا من لا يعقلون فإنَّهم لا ينتفعون بالآيات ولا يتعظون بها. * طالب: هل هذا ما نقول بأنهم يعقلون؟ * الشيخ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ المراد بعَقْل الرُّشد ما هو معناها اللي..؛ لَأن العاقل إذا مَرّ بها وهو غير مجنون رآها، لكن ما ينتفع بها، ما تكون عنده آية بينة. * طالب: ما قال ابن مسعود: ولا (...). * الشيخ: لا لا، ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يعني: يُحسنون التصرف ويرشُدون بذلك؛ لأَنَّ الآية إذا لم تنفع فليست بآية. * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: هذا مبْنِيٌّ على ما سبَق في تفسير..؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. يقول: هل المراد من شاهدها، أو من بلغه علمها؟ إحنا سبق أن ذكرنا في تفسير كلمة في القرآن ما يدل على هذا؟ * طالب: في البقرة. * الشيخ: في البقرة ويش هي؟ * طالب: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ [الذاريات ٣٧]. * الشيخ: لا، السير في الأرض الذي أمَرَ الله به هل هو سير بالقدم، أو سير بالقلب، أو بهما؟ * طالب: بهما. * الشيخ: يعني: بهما على انفراد، وعلى اجتماع، واضح؟ فهنا نقول: ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يشمل مَن رآها وشاهدَها، ومَن سمع بها وبلغته. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت ٣6]. يقول المؤلف: (وأَرْسَلْنَا ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ ). فعلى هذا يكون ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول لِفعل محذوف تقديرُه: أرسلنا، وقال: ﴿أَخَاهُمْ﴾، ولم يقل: أخوهم، ليش؟ * طالب: اسم من الأسماء الخمسة. * الشيخ: لأنه اسم من الأسماء الخمسة؛ إن كنَّا من أهل الآجرومية، أو السِّتَّة لِأهل الألفية. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأُخُوة هنا ليست في الدين قطعًا؛ لأنَّ الكفار ليسوا إخوة للمؤمنين، إذن فهي أخوة قيل: عند بعض الناس أُخُوَّة إنسانية، وقالوا: إن الكافر والمؤمن أخَوَان في الإنسانية؛ لأنَّ هذا ليس حِمارًا وهذا بشر، كلُّهم بشَر، فالمراد بالأُخوة: الإنسانية. وقال: إنه يجوز أن تقول: إنَّ هذا أخِي –للكافر-؛ لأنَّك مشترك معه في الإنسانية، ما رأيكم في هذا؟ * طلبة: باطل، هم شر البرية. * الشيخ: إي نعم، المهم على كُل حَال، يعني: بدون عاطفة، نحن نُريد أن نبحَها بعقل بدون عاطفة، العاطفة لا شك أنَّنا نُنكر هذا من أول وهْلَة، لكن لو قال: أخي في الإنسانية؛ لأنَّنا سمعنا واحدًا يتكلم في مسجد من المساجد يعظ الناس، ويقول: هؤلاء إخوتنا في الإنسانية، ما ينبغي أن نُغَلِّظ عليهم ونفعل ونفعل. * طالب: يُرَدّ عليهم، أولًا من سورة البينة: المؤمنون خير البرية، والكافرون شَرُّ البرية، وهم إخوة للقردة والخنازير، فكيف يكونون إخوة لنا؟ قوله تعالى في سورة الممتحنة عن إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤] كيف تكون أُخُوَّة وهو قد كَفَر بهم، وبَدَا بيننا وبينهم العداوة. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال ٢٢] * الشيخ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال ٥٥]. * طالب: قد يقولون: ليس المراد الأخوة المعروفة التي تتعلق بالله عز وجل، وإنَّما المراد بها: الأخوة التي تتعلق بالناحية البشرية بمعنى المساواة. * الشيخ: يعني: مطلق الموافقة والمشابهة، على كل حال نرد عليهم فنقول: هذا شعيب عليه الصلاة والسلام قال الله هنا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وقال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ما قال: أخوهم، ﴿قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، قال أهل العلم: لأنَّ أصحاب مدين كان شعيب منهم، وهو أخوهم في النسب، وأصحاب الأيكة ليس منهم، فهي قرية حول مدين أرسله الله إليهم؛ ولهذا لم يقل: أخوهم، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، ولو كانت الأخوة هي الإنسانية في مثل: ﴿إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣]، وما أشبه ذلك، لو كان المراد بالأخوة الإنسانية لكان يُقال أيضًا في أصحاب الأيكة: إنَّه أخوهم. ثم إنَّ الأخوة في اللغة العربية ما هي بمطلق الموافقة في البشرية، إذا تتبعناها وجدنا أنها: إما في النسب، يكون الأصل الجامع بينهما نسبًا، وهذا واضح. وإما أن يكون الأصل الجامع بينهما هدفًا واحدًا يسعى إليه الجميع، ومعلوم أن الكافر والمسلم مختلفان في الهدف، ولا يمكن أن يكون أحدهما موافقًا للآخر في الهدف، لا نوافق على هذا القول مهما كان الأمر؛ لأنه في الحقيقة يؤدي إلى أن أي إنسان يقول: إن هذه الكافر أخوه، يحصل له رِقَّة، ولين، وموافقة، ويسهل ما في النفوس من بغض الكفار. كنا كما يعرف الكثير منكم إذا قيل: نصراني، ويهودي، يقف الشعر، ويتخوف الإنسان، ويتهَيَّب، لكن الآن صارت المسألة تمر على القلب مرور الماء البارد، ولا أحد يتأثر إلَّا من شاء الله، وهذا له خطره العظيم -نسأل الله السلامة-. * طالب: إذا قال: هذا قريني؟ * الشيخ: والله أنا أحب أنه يتحاشى من كل لفظ يدل على الموافقة. * طالب: قربه منه * الشيخ: لا ما قلنا: قربه. * طالب: يحدث مثلًا بالأخوة.. * الشيخ: هو على كل حال القرين هذا الشيطان، قرين للإنسان وهو عدوه، لكن في الوقت الحاضر تَدُلّ على المصاحبة، والموافقة، والمرافقة، فالأَوْلى البعد عن كل لفظ يدل على الاتفاق مع هؤلاء. * طالب: أخوة شعيب لمدين أخوة قريب لهم قومه، إذا قالوا: نحن نجتمع معكم في آدم، فالنسب قد جمع. * الشيخ: نعم، إذا ردونا إلى آدم قلنا: أنتم إخوتنا، وعلى كل حال نحن ذكرناها؛ لأن حقيقةً هذه وقعت، وأحد الإخوان تكلَّم، الإخوان اللي نعرف منهم الغَيْرَة يعني هو رجل طيب لكنه تكلم في هذه المسألة، وقال: إنهم إخوة، وزعم أنها الأخوة البشرية. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، طيب (مدين) هو اسم للقبيلة ولَّا اسم للبلد؟ * طالب: البلد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]. * الشيخ: هل شعيب أخ للبلد؟ * طالب: يقصد (...). * الشيخ: هنا يُقال: قرى مدين، أو يُقال: مدين؟ * طالب: هم أصحاب مدين الذين (...) المكان. * الشيخ: ويش يعني: أصحاب مدين؟ * الطالب: أصحابه من قرية ثانية. * الشيخ: ويش الآية؟ * الطالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج ٤٢ - ٤٤] * الشيخ: إي نعم، هذه قرينة ظاهرة أن المراد بها المكان. يبقَى ﴿أَخَاهُمْ﴾ نقول: هذا من باب إطلاق القرية وإرادة الأهل، وكذلك الآية التي ذكرها الأخ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]، مع أنها ما هي صريحة الآية ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ الإنسان يتوجه أيضًا تلقاء القوم. * طالب: شيخ، ما أحسب أن البلد سُمِّيَت باسمها قرينة.. * الشيخ: إي نعم، فيه احتمال، وإذا قلنا بهذا أيضًا هو يخف الإشكال. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ﴾، (يا) هذه نداء، و﴿قَوْمِ﴾ مُنادى مبني ولَّا مُعْرَب؟ * طالب: مُعْرَب. * الشيخ: منادى منصوب على النداء، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: فتحة مقدَّرة على الياء المحذوفة.. * طالب: لالتقاء ساكنين. * الشيخ: لالتقاء ساكنين، إذن فتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لالتقاء الساكنَين، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسَبة، أعد الإعراب، ﴿قَوْمِ﴾ مُنادى.. * طالب: منادى. * الشيخ: منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: فتحة. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: على ما قبل الياء. * الطالب: على ما قبل الياء. * الشيخ: المحذوفة. * الطالب: المحذوفة. * الشيخ: للتخفيف. * الطالب: للتخفيف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: تذلَّلُوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التَّذَلُّل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل للسالكين، فالعبادة إذن التذلل لله تعالى بطاعته، والطاعة: هي امتثال الأمر واجتناب النهي -عند الإِطلاق- أما إذا قُرنت فقيل: طاعة، ومعصية، صارت الطاعة في الأوامر، والمعاصي في النواهي. قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: أَخْلِصُوا له العبادة وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، فالمراد هنا بالعبادة أي: إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال: (اخشوه، وهو يوم القيامة). الرجاء يُطلَق على الطمع في المحبوب، أو لا؟ صحيح، هذا هو الأصل، الطمع في المحبوب؛ ولهذا يُقال: التمني والرجاء. ويطلق الرجاء بمعنى: الخوف، فهو إذن من باب الأضداد؛ لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تسمى الأضداد، وألَّف علماء اللغة في هذا كتبًا تجدها كلمة واحدة تصلح لهذا ولهذا للشيء ولضده. فهل هنا الرَّجَاء بمعنى الخوف، ولَّا الرجاء بمعنى الطمع في المحبوب؟ المؤلف حملها على أن المراد بها الخوف؛ وذلك لأنَّ المقام مقام إنذار، ويحتمل أن يكون المراد بها أيش؟ الرجاء الذي هو الطمع في المحبوب؛ لأنَّ اليوم الآخر فيه محبوب، وفيه مكروه، ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٥، ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]. لو قال لنا قائل: ألَا يجوز أن نحمله على المعنيين جميعًا؛ ارجُوه خوفًا من العقاب، وطمعًا في الثواب، ما يصلح؟ يصلح أن يكون شاملًا للأمرين، وقد تقدم لنا أن القول الراجح عندي -وهو قول لبعض العلماء- هو جواز استعمال المشترَك في معنيَيْه إذا لم يحصل تنافٍ، بحيث نقول: اللفظ المحتمل لهما على وجه لا يتناقض، فما المانع من أن يُستعمل في معنييه، والله أعلم. * طالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: تفسير أو بيان لما أُرْسِل به. وفي قوله: ﴿يا قَومِ﴾ من التلطف ما هو ظاهر؛ لأن قوم الرجل لا بد أن ينصروه، ويقبلوا ما جاء (...). .. واجتنابًا للنهي. وقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [العنكبوت ٣٦] قال: (اخشوه)، ويحتمل أنَّ المعنى: اطمعُوا بما فيه مِن الأجر والثواب، فهو صالحٌ لهذا وهذا، وهو من أسماء الأضداد الذي يدُل على الشيء وعلى ضدِّه. وقوله: ﴿الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ هو يوم القيامة، وسُمِّي بالآخِر؛ لأنَّه لا يومَ بعدَه؛ إذ إنَّ الناس لهم أرْبَع مراحِل: مرْحَلَة أُولَى في البطن، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في القبور، والمرحلة الأخيرة متى؟ يوم القيامة؛ ولهذا سُمِّي باليوم الآخر؛ إذ إنَّه آخِرُ شيء، آخر مرحلة تكُون لِلإنسان هو هذا اليوم؛ فلِذلك سمي باليوم الآخر. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ لا تُفْسِدوا، وعلى هذا فـ﴿مُفْسِدِينَ﴾ قال المؤلف فيها: (حال مؤكِّدَة لعاملِها)، ويش معنى مُؤكدة له؟ أي: بمعناه، وهذا التأْكيد لفْظِي أو معنوي؟ أجيبوا. * طالب: معنوي. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: مو من ليس منها.. * الشيخ: ليس مِن مادَّة الفعل، لو قال: ولا تعثَوْا في الأرض عاثِين لكان لفظيًّا، أمَّا هنا فإنه معنى؛ لأنَّه أكده بالمعنى؛ إذ إن العُثُوَّ يقول المؤلف: (مِن عَثِي بكسر المثَلَّثَة: أفسَد)، يقال: (عَثِي يعثَى) كـ(فرِح يفرَحُ) أنتم ما تعرفون الأبْواب، أبواب التصريف كم هي؟ * طالب: ثمانية. * الشيخ: ستة؛ منها: باب (فَعِلَ يَفْعَلُ؛ كفرِحَ يفْرَح، ورَضِي يرضَى)، وعَثِيَ على رأي المؤلف: يعثَى، ويجوز أن تكون مِن باب (فَعَلَ يَفْعُلُ؛ عَثَى يَعْثُو)، وكلاهُما بمعنى: أفسد؛ ولهذا قال المؤلف: (أفْسَد). وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ النهي هنا واضِح؛ ولهذا جُزِم الفعل بحذف النون ﴿لَا تَعْثَوْا﴾، بماذا يكُون الإفساد؟ هل المراد الإفسادُ الحسي؛ كهدم البناء وإفساد الأنهار وقطْعِ الأشجار، ونحو ذلك، أو أنَّ المراد الإفساد المعنوي، أو كلاهما؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، فلَا يجوز الإفساد حتى في الأمور المادية؛ ولهذا «نَهَى النبي ﷺ عن إضَاعَة المال». أقول: إنَّ الإفساد في الأرض يشمَلُ الإفساد بالمعاصي والإفساد الحِسِّي المادِّي، والدليل على هذا «أنَّ النبي ﷺ نهَى عن إضاعَة المالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣/١٢) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، وروى أبو داود[[لم نقف عليه.]] : «أنَّهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر فنزلوا أرضًا، فنَهَاهم عن قطْعِ أشجارِها»؛ لأنَّها للاسْتِظْلَال فهو إفسادٌ لها. ما هي مقابلة هؤلاء القوم لِهذه الدعوة التِي تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر؛ تدعو إلى الخير في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وتنهى عن الشر في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؟ الردّ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [العنكبوت ٣7]. هنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع أنَّ التكذِيب إنَّما يكون في الخبر، وهو قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَارْجُوا﴾ ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وكُلُّ هذه الجمل الثلاث إنشَائِية وليست خبرية، وكان مُقتَضَى الظاهر أن يقول: فعصَوْه، وهنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؟ الجواب: أن يُقال: إنَّه قال لَهم هذه الأوامر أو هذَيْن الأمرَين والنَّهْي باعتباره رسولًا مِن عند الله، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: بِدَعْوى الرِّسالَة، وهذا أبْلَغ مِن العصيان؛ لأنَّهم أنكَرُوا رسالتَه رأْسًا، ما أقَرُّوا بالرسالة، ثم قالوا: نعصيك في هذا الشيء، بل كذَّبوا بالرسالة رأسًا، فكان هذا أبلغ مِن قوله: فعصوه، فهمتُم هذا ولَّا لا؟ * طالب: واضح. * الشيخ: قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والفاءات؛ هذه الفاء في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ للتعقيب؛ تعقِيب هذه الجملة لِما سبقها. وفي قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ يحتمل أن تكون الفاء للتعقيب، وأن تكون للسببية، فإن قلنا: للتعقيب فهو دليل على أنَّه بمجرَّد تكذيبِهم عوقبوا، وإن قلنا: إنها للسببية فإنه لا يلزم مِن ذلك أن تكون عقوبتُهم قريبَةً مِن تكذيبِهم؛ لأنَّه يجوز أنَّ الله أمهلهم بعد التكذيب، ثم أخذَتهم، على أنَّنا إذا جعلناها للسَّبَبِيَّة لا تنافي أو لا تمنع أن تكون العقوبة مباشَرَةً، وعلى هذا فنقول: إِنَّ الأولى أن تكون للسببية، فتكون للسببية أولى من وُجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: دلالتها على حِكْمَةِ العقُوبة وهي التكذيب. وثانيًا: أنَّها أوسَعُ دلالةً مِن أن تكون (الفاء) للترتيب؛ لأنَّها تشمَل ما أعْقَب التكذيب وما تأخَّرَ عنه. وثالثًا: أننا نسْلَم مِن دعوى أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُمهِلْهُم، وليس عندنا علمٌ بذلك، فيكون اختيار أن تكون (الفاء) هنا للسببية أولَى. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ (أخذتهم) أبلَغ مِن قوله: أصابتْهُم؛ لأنَّ الأخْذ دليل على أنَّه لا هوادَة فيه وأنَّه مُدَمِّر، والرَّجْفَة يقول: (الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَة)، ما فيه آية ثانِيَة تدُلّ على أنَّها أخَذتهم الصيحة؟ * طالب: إي نعم، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٨٣]. * الشيخ: لا. * طالب: ثمود، ورد فيهم الصيحة والرجفة، أمَّا هنا شعيب ما ورد. * طالب آخر: في سورة هود يا شيخ. * الشيخ: في سورة هود، أخذتهم الصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود ٩٤، ٩٥]. إذن ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ و﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لا تنافِيَ بينهما؛ لِإمكانِ اجتماعهما؛ إذ يكُون العذاب صَيْحَة؛ صِيحَ بهم فسَمِعُوا، ورَجَفَتْ بهم الأرض، فيكُون عُوقبوا بالصَّوت، وعُوقِبُوا بالفعل، بالأمرين جميعًا. * طالب: إذا قلنا: إن (الفاء) للسببية يكون التكذيب بعد أخذنا يا شيخ، أو يكون السبب؛ يعني سبب الفعل محذوف؛ يعني: فكذبوا بسبب إيه؟ * الشيخ: لا، ما هو معنَاه أنَّ السَّبَب هو ما بعدها، إذا قِيل: للسببية، فقد يكون السبب ما بعدَها، وقد يكون ما بعدَها مسبَّبًا؛ يعني: فبسبَب تكذيبهم أخذَتْهم، فيكون السبب سابقًا، إذا قلنا: للسببية ما هو معناها أنَّها تدخُل على السبب فقط، قد تدخُل على السبب، وقد تدخُل على المسَبَّب. قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا﴾ والفَاء هنا نقول: إنَّها عاطفة أو سببية، تصلُح هذا وهذا، ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ﴿جَاثِمِينَ﴾ بالنصب خبرًا لـ(أَصْبَح)، وقوله: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود ٦٧] ولا منافاة؛ وذلك لأن (دار) مفرد مُضَاف، والمفرد المضاف، أقول: (ديار) و(دار) لا تنَافِي بينهما؛ لأن (دار) مفرد، والمفرد المضاف يعُمّ، ونطلب مِن الأخ مثالًا يدُل على أنَّ المفرد المضاف يعُم مِن القرآن، ما أحد منكم يسْتَحْضِر؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (نعمَة) مفرد، لكن يقينًا المراد به هنا الجمع، بدليل قوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾. * الشيخ: لا، ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾؛ لأن الواحد يُحْصَى، إذن (دار) و(ديار) لا فرق بينهما مِن حيث المعنى. وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾ قال المؤلف: (بارِكِين على الرُّكَب مَيِّتِين) أعوذ بالله، هذا الجاثِم لِشِدَّة ما نزل بهم بَرَكُوا على ركبِهم، ثم همَدُوا وصاروا جاثمين. قال تعالى: (﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿عَادًا﴾ ﴿وَثَمُودًا﴾ [العنكبوت: ٣8] بالصَّرْف وتركه). الصَّرْف، ما هُو الصرف؟ التَّنْوِين؛ قال ابن مالك: الصَّـــــــــــــــــرْفُتَنْوِيـــــــــــــــــــــنٌ أَتَـــــــــــى مُبَيِّنَــــــــــا ∗∗∗ مَعْنًى بِــــــــهِ يَكُــــــــــونُ الِاسْـــــــمُأَمْكَنَــــــــــــا فهنا يجوز الصرف ﴿ثَمُودًا﴾ ويجوز تركُ الصرف، وهما قراءتان: ﴿ثَمُودَ﴾، وهكذا كُلُّ أسماء القبائل يجُوز فيها مِن حيث الأصل الصَّرْف وعدمه، فالصرف باعتبار الحَيّ، وهو مُذَكَّر، وعدم الصرف باعتبار القبيلة، وهي مؤنَّثَة. فعليه، إذا قلنا: (ثَمُودَ) بدون صرف نقول: معطوف على (عَادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ولم يُنَوَّن؛ لأنَّه لا ينصرف، والمانِع لَه من الصَّرف العلَمية والتأنيث باعتبَارِه قبيلة، وعلى (ثمودًا) نقول: (ثمودًا) معطوف على (عادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ونُوِّنَ؛ لأنَّه مذكر باعتبار الحي. وقوله: ﴿عَادًا وَثَمُودَ﴾ مفعولان لفعل محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (أهلكنا عادًا وثمودًا). عاد أين محلُّهم؟ بالأحقاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١]، وثمود قومُ صالح بالحِجْر، ديار ثمود معروفة إلى الآن. قال تعالى: (﴿وَقَدْ تبيَّن لَكُمْ﴾ إهلاكهم، ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ﴿قَدْ تبيَّن﴾ ظهَر، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: لقريش. * الشيخ: نعم، لقريش؛ لأنَّهم تبين لهم هذا ويعرفونه. وقوله: ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ (من) على تقدِير المؤلف تكون سبَبِيَّة؛ أي: تَبَيَّن لكم إهلاكُنا إياهم بسبب رؤيتِكُم مساكِنَهم، تكون للسببية. أفلا يجوز أن نجعل (من) للتبعيض، ويكُون المعنى ﴿تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: بعض مساكنهم؟ يمكن، لكني ما رأيت أحدًا أعربها هذا الإعراب؛ أي: يمكن أن نجعل (من) تبعيضية؛ أي: تبيّن لكم البعض والبعض قد زال، فإنَّ المشاهد الآن بعض هذه المساكن والآثار. أمَّا على تقدير المؤلف فيقول: إن فاعل ﴿تبيَّن﴾ محذوف، التقدير: إهلاكُهُم. نسينا نقول: فاعل محذوف ولَّا نقول: فاعل مستَتِر؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: الفاعل هو يحذف ولَّا يستتر؟ * طالب: يحذف، ما يستتر؛ لأنه عمدة. * طالب آخر: يستتر. * طالب آخر: عمدة ما يستتر. * الشيخ: وما يُقَال: يحذف إلا في مكان لا يُمكن أن يُقَدَّر فيه كالمصدر مثلًا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد ١٤، ١٥] قالوا: إن الفاعل هنا محذوف؛ لأنه ما يمكن استتاره بمصدر، أمَّا إذا كان يمكن استتَارُه فإنَّه يقال: مستَتِر، والمحذوف قد يكون عُمدة، وقد يكون فَضْلة، لكن الحقيقة أنَّ المؤلف كلامه يوهِم بأنَّه محذُوف، لو قال المؤلف: وقد تبيَّن؛ أي: إهلاكُهم، وجعلَها مُفَسِّرَة للمحذوف لكان أولى. (﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ، هذا (الحجر واليمن) لفّ ونَشْر مرتب ولَّا مُشَوَّش؟ * طلبة: مشوش. * الشيخ: لأن (بالحجر) يعود على ثمود، وهو متَأَخِّر في القرآن، (واليمن) يعود على عَاد، ومثل هذا لا ينبغي؛ يعني: لا ينبغِي للمفَسِّر أو الشارح لِكلام أحد لا ينبغي أن يشرَحَهُ على هذا الترتيب؛ لأن الجاهل الذي لا يدري، لو نحن ما ندري عن مكانِهم لقلنا: إنّ الحجر مين هو له؟ * طلبة: لِعادٍ. * الشيخ: لعادٍ، وقلنا: إن اليمن لثمود، إي نعم. قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ هذه على تقدير (قد)؛ يعني: وقد زين لهم الشيطان أعمالهم مِن الكفر والمعاصي، زَيَّن بمعنى: حَسَّن وجمل، فحَسَّن لهم -والعياذ بالله- الأعمال مِن الشرك والمعاصي، وقال: إن الشرك حسَن؛ لأنَّكم تعبدون هذه الأصنام لِتُقَرِّبَكُم إلى الخالق، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]. ثم إنَّكم ترجُونَها وتدعُونَها فيحصُل لكم المقصود؛ لأنَّ الله تعالى قد يبتَلِي العابدين، فيحصُل لهم مقصُودُهم عند هذا الشيء، لا بِه، إحنا الآن نقول: عنده لا به؛ يعني: قد يدعُو الصنم، قد يدعو النبي ﷺ، قد يدعُو ملكًا مِن الملائكة، فيقدِّرُ الله ابتلاءً وامتحانًا أن يكونَ هذا السبب عند دعائه له، نحن المؤمنين نعلم بأنَّه ما حصَل به، لكنه حصَل عندَه امتحانًا، والله سبحانه وتعالى قد يبتلي الإنسان بالامتحَان بالمعصية، فتُسَهَّل له وتُزَيَّن له. وقد مرَّ علينا أنَّ الله امتحَنَ اليهود بأيش؟ بالحِيتَان؛ تأتِي يومَ السبت ولا تأتِي في غيره، وابتلى الله الصحابة رضي الله عنهم بالصَّيْد تنَالُه أيديهم ورماحُهم وهم محرِمُون، وهكذا أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) عن أبي هريرة.]]، ما عندهم أحد؛ لأنه لو كان عندهم قال: أخاف من الناس، لكن قال: أخاف الله، فالإنسان قد يُبتلى بالمعصية امتحانًا. كذلك أيضًا يقول الشيطان لهم: هؤلاء الأصنام إذا عبدتُّمُوها تُقَرِّبُكم إلى الله وتكُون وسيلة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣]، أمَّا المعاصي فكذلك أيضًا يُزَيِّنُها الشيطان للإنسان ويسَهِّلُها عليه، ويقول: أنت اعمل والرب غفور رحيم، اعمَل وتتوب، الدنيا أمامك، ما دُمت لم يتِمَّ لك أربعون سنة فإنَّها لا تجِب عليك الصلوات ولا الصيام، إذا تميت أربعين سنة وبلغْتَ أشدك حينئذٍ تجِب عليك الصلاة والصيام، هذا موجود الآن عند بعض المسلمين الجهال. وقوله هنا: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الشيطانُ ويش وزن (الشيطان)؟ * طالب: من فاعل (شطَن). * الشيخ: هو في الحقيقة ما له وزْن، ما له قيمة، لكن وزنُها اللفظي؟ * طالب: (فعلان). * طالب آخر: حسب الأصل أو اختلاف الأصل؛ يعني: بعضهم يقول: أصلها (شطن)، فيكون بهذا المعنى على وزن (فَعْلان) شيطان، وبعضهم يقول: أصلها (شاط) (...). * الشيخ: إذا جعلناها مِن (شطن) فهي على وزن؟ * طالب: على وزن (فيعال)، أما إذا كان وزنها (شَاط) فتكون على وزن (فعلان). * الشيخ: (فعلان) بالنون. * طالب: والراجح (شاط)، والله أعلم. * الشيخ: (شطن) بمعنى (بَعُدَ). * طالب: لا، (شاط) من.. * الشيخ: (شاط)، لو كانت (شاط) لكانت النون؟ * طالب: النون زائدة. * الشيخ: إذا كانت زائدة ينصَرِف ولَّا ما ينصرف؟ * طالب: إذا كانت زائدة ممنوعة من الصرف. * الشيخ: واللي بالقرآن ﴿حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧] مُنصَرِفٌ ولَّا لا؟ * طالب: منصرف. * الشيخ: هو منصرف، لكن قد تقولون: إن هذا مُنَكَّر، وما فيه الألف والنون، إذا كان مُنَكَّرًا فإنَّه ينصَرِف؛ لأن اللي فيه الألف والنون يُمنَع إذا كان وصفًا أو علمًا، و(شيطان) ما هو وصف، على كل حال الأقرب أنَّها مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد عن رحمة الله. * طالب: (الشيطان) ما هو بعَلَم؟ * الشيخ: لا، وقد يُراد به الجنس، الكلبُ الأسود شيطان، ما هو عَلَم هذا؛ يعني: شيْطَانٌ مِن الشياطين؛ ولذلك نقول في عبارةٍ للفقهاء قالوا: لا يجوز تأخيرُ القضاء إلى رمضانَ آخَر، أو: إلى رمضانٍ آخر؟ * طلبة: رمضانَ. * الشيخ: لا، إلى رمضانٍ آخر؛ لأنَّه نكرة، ما هو عَلَم. * طالب: مثل الآية ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ [الحجر ١٧]. * الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال أن الذي يظهر أنَّ الشيطان مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد. وقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] هنا أضَاف التزيين إلى الشيطان، وفي آية أخرى أضَاف التزيين سبحانه وتعالى إليه نفسه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، فكيف نجمَع بين الآيتين؛ أن يُضيفَ الله سبحانه وتعالى التزْيين مرةً إليه ومرةً إلى الشيطان؟ * طالب: باعتبار السبب، وباعتبار الفاعِل الحقيقي، فالفاعل الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، والسبب هو الشيطان. * الشيخ: المزَيِّن هو الله؟ * طالب: المزَيِّن الفاعل الحقيقي للتَّزْيين هو الله. * الشيخ: أيُّهم الذي باشَر التزيين؟ * الطالب: الشيطان. * الشيخ: إذن هو الحقيقي. * الطالب: هو سبب فقط؛ لأنه كله بقدر الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: معناه أنه أُضِيف التَّزيين إلى الله؛ لأنَّه بقضائه وقدره، وأضيف التزيين إلى الشيطان؛ لأنَّه مباشِرٌ له، كذا؟ وهو كذلك، فيُضاف إلى الله تعالى خَلْقًا وتقدِيرًا، ويضافُ إلى الشيطان مباشرةً. قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿صَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: صَرَفَهم، وهذا مِن استعمال (صدَّ) متَعَدِّيًا؛ لأن (صدَّ) تكون لازمًا ومتعديًا، إذا قلت: صدَّ الرجلُ عن سبيلِ الله فضَلَّ، لازم ولَّا متعدٍّ؟ * طالب: لازم. * الشيخ: صدَّ الرَّجل عن سَبِيلِ الله فضَلَّ، هذه لَازِمة، ومثل هذه الآية ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ صرفَهم، هذه متعَدِّيَة، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء ٦١] المصدَر الآن على وزْن (فُعُول) قال ابن مالك: وَ(فَعَـــــــــــــلَ) الـــــــــلَّازِمُمِثْـــــــلُ (قَعَــــــدَا) ∗∗∗ لَهُ فُعُولٌ.......................... لكن (صدَّ) المتعدي ويش مصدره؟ * طالب: (صدود). * الشيخ: لا، (صَدَّ) المتعدي مصدرُه (صَدًّا)؛ لقول ابن مالك: (فَعْـــــــــلٌ) قِيَــــــاسُ مَصْــــــدَرِالْمُعَـــــدَّى ∗∗∗ مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ...................... وأنا الحقيقة ليتني ما استشهدت بهذا؛ لأنَّكم ستقولون: إنه صار له فائدة، على كل حَال (صد) تأتي لازمة ومتعَدية. ما تقولون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ١] هل هي مِن اللَّازم ولَّا مِن المتعدي؟ * طالب: هذه لازِمَة ومتعدية، المتعدية أعم، إن قدَّرنا فهي متعدية، لكن.. * الشيخ: هي متعدية، الظاهر؛ لأن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا صدُّهم هم، اللازم يدُلُّ عليه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهي ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: غيرَهم، هذا هو الأقرب. يقول: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا﴾ عن السبيل (أل) في قولِه: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهد الذهني المعلُوم، وهو سبِيل الحق؛ ولهذا قال المؤلف: (سبيلِ الحق)، وهو سبيلُ الله عز وجل، وسُمِّيَ سبيل الله؛ لأنَّه يوصِل إليه؛ ولأنَّه هو الذي وضعَه لِعبادِه، كما في قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الشورى ٥٣]، وقد يُضاف إلى المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، فكيف نجمَع بينهما؟ السَّبِيل أحيانًا يضيفه الله إلى نفسِه، كما في قوله: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ١٦٧]، وأحيانًا يضيفه الله إلى المؤمنين، كما في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، كيف تجمع بينهم؟ * طالب: كله في سبيل الله، سبيل المؤمنين هو سبيل الله. * الشيخ: هو سبيل الله، لكن لماذا أُضِيف إلى المؤمنين مرَّة وإلى الله مرَّة؟ * طالب: لأنَّ المؤمنين هم المتبعون. * الشيخ: أحسنت، تمام، وأُضيف إلى الله -مثلما قلنا قبل قليل- لأنَّه يوصل إليه، وهو الذي شرعَه لعباده وبيَّنَه وجعلَه لهم. قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (ذَوي بصَائِر)؛ يعني أنَّه سبحانه وتعالى أعطَاهم مِن العقول والبصائر ما يمكِنُهم الاهتداءُ به، وقد ذكر الله ذلك في قوم صالِح صريحًا، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] فهم عندهم بصَائِر وعندَهم عِلْم، لكنَّهم كانُوا مستكْبِرِين، والعياذ بالله، فهم صدَّهم عن السبيل مع أنَّ الله أعطَاهم ما يتمكنون به مِن مُدَافَعَة الشيطان، ولكن غُلِبُوا على أمرِهم بما زَيَّن لهم الشيطان. * طالب: شيخ، الآيات في الكفار اللي قلنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقر ١٧١]؟ * الشيخ: ما قلنا: إن العقل عقلان؟ * طالب: هنا ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾. * الشيخ: إي، ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ معناها: أن عندهم بصيرة؛ يعني: عندهم عقول يدركون بها، لكن ليس عندهم عقول يهتدون بها؛ بمعنى أنهم اهتدوا بها، ما انتفعوا بها، فهم عندهم بصائر ومعرفة، لكنهم ما انتفعوا بها. * طالب: عندهم بصيرة وهم لم ينتفعوا بها؟ * الشيخ: إي نعم، يكون عنده بصيرة، لكن ما عنده اهتداء بهذه البصيرة. * طالب: شيخ، تكون بصيرة في ضعف الوسائل لها؟ * الشيخ: إي نعم، ما اهتدوا بها، يكون المعنى: أنهم عندهم علم وبصر يدركون به الأشياء، لكنهم ما انتفعوا به. وقال تعالى: ﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣9]، المؤلف قال: (أهلكنا)، وهذا التقدير باعتبار السِّيَاق؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على أنَّ هناك شيئًا مضمرًا هو (أهلكنا). قارون رجلٌ تاجر مِن بني إسرائيل، ولكنَّه كما قال الله عز وجل: ﴿بَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص ٧٦]، وقد أعطاه الله تعالى مالًا عظيمًا حتى إنَّ مفاتِحَه تثقُل بالعصبة؛ بالجماعة مِن الناس، هذه المفاتِح مفاتِحُ الخزائن؛ ولهذا ما آمَن بموسى اغتَرَّ بمالِه، والعياذ بالله، فلم يُؤْمِن بربّه. وفرعون معروف هو مَلِك مِصْر الذي ادَّعى أنه الرب وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وهامَان وزيرُه. وإنَّما قَدَّم قارون؛ لِعُلُوِّ نسبِه؛ لأنَّه مِن بني إسرائيل، وهم أشرَف مِن الأقباط، وقدَّم فرعون على هامَان؛ لعلُوِّ مرتبتِه عليه. وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ لو قال قائل: أليس هذا الترتيب مِن بابِ البداءَة بالأدنى؟ الجواب: لا، لو كان مِن باب الأدنى لقال: قارُون وهامَان وفرعون. * طالب: (...) آمن به، يرد على من قال: نافق، كان يقرأ التوراة. * الشيخ: من؟ * الطالب: بعضهم في قارون، قال: إن قارون كان مِن أحسن الناس صوتًا في التوراة، لكن اغتَرَّ بماله. * الشيخ: ما ندري عن هذا، إذا ما جاء به نَصّ ما نعلم عنه. ﴿وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى﴾ كل هذه: قارون وفرعون وهامان لا تنصَرِف، المانع منِ الصَّرْف؟ * طالب: العلمية والعجمة. * الشيخ: العلَمِيَّة والعجمة. (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالحُجَج الظاهرات، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ هذه الجملة -كما تمُرّ علينا كثيرًا- مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسَمُ المقَدَّر، واللام، و(قد). وقوله: (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى﴾ )، قبْل أيش؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: قبل الهلاك ولَّا قبل عاد وثمود؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: نعم، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: أتاهم إتيانًا مصحوبًا بالبَيِّنَات؛ لأنَّ الله تعالى لا يُرسل رسولًا إلَّا أعطاه مِن البينات ما يؤمِنُ على مثله البشَر؛ لأنَّها الحكمة والرحمة تقتضِي هكذا؛ إذْ ليس مِن المعلُوم وليس مِن الحكمة أن يُرسَل رجلٌ من الناس إلى الناس ويقول: إني رسول الله بدون بَيِّنَة، ولَّا لا؟ فلا بُدَّ مِن بينة آية واضِحَة تدُلُّ على أنَّه رسول؛ ولهذا قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات. قال المؤلف: (الحجج الظاهرات) منها مثلًا العصَا، ومنها اليَد، وكذلك السِّنِين التي أُخذُوا بها، ولكن مع هذا ما انتفعوا، نسأل الله العافية. قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ بمعنى تكَبَّرُوا وعلَوا وارتَفَعُوا على الحقّ ولم يقبلوا، وتعرفون ما جرى لموسى مع فرعون مِن المناظرة والتَّهديد، حتى وصَل به الحال إلى أن قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. (﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ فائتين عذابنَا) يعني: ما كانوا سابقين لنا، لم يسبِقُونا، والسَّبْق بمعنى الفَوات، فأنت إذا مثلًا سابقْتَ إنسانًا وسبقَك -أي: فاتَك- وعجَزْتَ عنه، هؤلاء مع استكبارهم وعظمتهم وعلوهم ما سبقوا الله عز وجل أبدًا. أمَّا قارون فخسَفَ الله به وبدارِه الأرض، وبقِيَ فيها إلى يوم القيامة، وما نفعَه لا بيتُه الذي احتَمَى به، ولا مالُه الذي كنَزَه. وأمَّا فرعون وهامان فأغرقَهم الله عز وجل بِما كان فرعون يفتخِرُ به، قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجَه الله مِن مصر وأهلكه بمثلما افتخَر به، افتخَر بالأنهار فأُهلِك بأيش؟ أهلك بالماء، فأهلكَه الله، فمَا فاتَه الله عز وجل، مع أنَّ فرعون حين إهلاكه كان يظُنُّ أنه منتصر؛ لأنَّه أرسل في المدائن حاشِرين، فجمعوا الناس واتَّبعُوا موسى وقومَه على أنَّهم أمْر يسير في قبضتهم؛ لأنهم قالوا: ما لهم إلَّا البحر؛ إمَّا يسقطوا في البحر، أو نأخذهم أخذًا لا هَوادَة فيه، فكان الأمر -والحمد لله- بالعكس؛ أهلَكَ الله فرعون وقومه، وأنجَى موسى وقومَه. قال سبحانه وتعالى: (﴿فَكُلًّا﴾ مِن المذكورِين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِه﴾ [العنكبوت: 40]). * طالب: كما كانوا سابقين لغيرِهم؛ يعني: غيرهم سبقهم إلى هذا العمل. * الشيخ: لا، يعني بيقصد في الزمن يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لا، هم سابقون أيضًا بالزمن متقدمون كثيرًا. * طالب: الواو هذه واو الحال ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾، لا، الظاهر أنها الاستئناف أحسن. * الطالب: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، أحسن. ﴿فَكُلًّا﴾ قال المؤلف: (مِن المذكورين)، والمعروف أن يقدر: فكلّ أحد، لكن المؤلف منعَه مِن تقدير (أحد) أنَّ (كُلًّا) منونة، وهو لا يُحب أن يغيِّر لفظ القرآن؛ ولهذا قال: (مِن المذكورين)، والتنوين في (كل) هنا يقول النحويون: إنَّه تنوين عوضٍ عن؟ * طالب: عن نون. * الشيخ: تنوين عوض عن كلمة؛ أي: فكلُّ واحد، والتنوين -كما هو معرُوف لكم- قد يكون عوضًا عن كلمة، كما هنا، وقد يكون عوضًا عن حرف، كما في: (جوارٍ) و(غواش)، وقد يكون عوضًا عن جملة، كما في (إذٍ) ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة ٨٤]، و(يومَئِذٍ)، وما أشبهَها. قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يعني: كُلًّا مِن هؤلاء أخذَه الله عز وجل بذنبِه، والباء في قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ تكون سبَبِيَّة ومعاوضة ومقابلة؛ يعني: أنَّهم بسبب ذنوبِهم أُخذُوا، وعلى قدرِ ذنوبهم أخذُوا أيضًا، فالباء هنا سببية وعِوَضِيَّة؛ أي: أنَّهم أُخذُوا بسبب الذنب، لكن ما تجَاوز الله بِهم أكثر مما يستَحِقُّون، بل بالسَّبب والقدْر. وقوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ في القرآن الكريم جاءت أيضًا: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام ٦]، والجمعُ بين الجمع والإفراد يسِير؛ أن يُقال: إنَّ الإفراد هنا مُضَاف فيَعُمّ؛ أي: بذُنُوبهم، والذنوب هي المعاصي، سواءٌ كانت كبيرة أو صغيرة، وهي هنا بلا شك مِن أكبَر الكبائر. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا التفصيل؛ لأن قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ مجمل فُصِّل بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: إليه؛ لأن هنا إرسال عذاب فهو عالٍ عليهم، وليس إرسال خطاب حتى نقول: إنَّ غايَة هذا الخطاب المرسَل إليه، فهو إرسالُ عذابٍ. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا عاصفة فيها حصباءُ كقوم لوط). * طالب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر ٣٤]. * الشيخ: إي، بس هذا فيه نظَر؛ لأنَّ المفهوم من قوم لوط أنَّ الذي أُرسِل عليهم مِن السماء أو لا؟ حاصبًا من السماء، وهي حجارة مِن سجيل، مثل الذي أُرسِل على أصحَاب الفِيل أو لا؟ وليست هي مِن الحصباء التي تثيرُها الرياح، ولا علِمْنَا أنَّ الله تعالى أرسل الرياح على قوم لوط، ولو كانت رياحًا تحمل الحصباء لبيَن الله عز وجل، فيقال: إننا أرسلنا عليه حاصبًا كقوم لوط، صح؟ فإنَّ الله تعالى أرسَل عليهم حاصبًا مِن السماء تحصبهم؛ حجارة من سجيل. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، مثل؟ * طلبة: ثمود. * الشيخ: يقول المؤلف: (كثمود) قوم صالح، وشُعيب أصحاب مدين ما أخذتهم الصيحة؟ * طلبة: إي نعم. * طالب: ما أخذَتْهم الرجفة يا شيخ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هنا لكن في آية أخرى ﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر ٧٣]. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض﴾ مثل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كقوم نوح وفرعون وقومِه) هؤلاء أهلكوا بالغرق؛ أمَّا فرعون وقومه فغَرِقُوا بالبحر الأحمر، وأمَّا الثاني من؟ * طالب: نوح فبالطوفان. * الشيخ: نوح فبالطُّوفَان؛ الطوفان العظيم الذي أمَرَ الله سبحانه وتعالى السماء ففَتَّح أبوابَها بماءٍ منهمر، وفجَّرَ الأرض عيونًا، شوف -سبحان الله- التعبِير؛ ما قال: فجَّرنَا عُيُون الأرض، لو كان التعبير: فجرنا عيون الأرض لكان فيه شيء كثير مِن اليابس ما تفَجَّر، وإنما تفجَّرَت العيون لو كان التعبير: فجَّرْنا عيون الأرض، لكن ﴿فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢]، كأن الأرض كلها صارت عيونًا، حتى إن التنور الذي هو محلّ إيقاد النار وأبعد ما يكون عن ظهور الماء فيه فار التنور صار يفُور عيونًا، سبحان الله العظيم! ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾ [القمر ١٢] حتى علَا قمَم الجبال، واستوت السفينة على الجُودي، والجودي هذا الجبل رفِيع جدًّا، على أنَّ الماء حملَها إلى أن رسَتْ على هذا الجبل، مما يدُلّ على كثرَة هذه المياه، الله أكبر! الإنسان لو تصور أنَّ المطر يرتفع أربعة أمتار لتَهَوَّل من ذلك، لكن هذا الذي بقدرة الله عز وجل علَا إلى مِئَات الأمتار، والله على كل شيء قدير. قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذِّبَهم بغير ذنب، والله ما كان هذا، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، اللام هنا يُسمونَها لام؟ * طالب: مزحلقة. * الشيخ: لا، ما فيه زحلقات. * طالب: لام التوكيد. * الشيخ: ولا لام التوكيد، هذه يا إخواني لام الجحود؛ لأن لام الجحود هي المسبُوقة بكَوْنٍ منْفِيّ، أو نقول لِأصحاب الآجرومية: ما سبقَها (ما كان) أيش؟ * طالب: أو (ما يكُن). * الشيخ: لا، أو(لَمْ يكُن)، (ما كان) أو (لم يكن)، هنا الذي سبقها أيش؟ (ما كان)، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ والظُّلْم له وجهان (...).هذا لَمَّا نفى أن يكون الله ظلمهم بيَّن مِن أين وقع هذا الظلم، فقال: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠] ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ خبر (كان)، والواو اسمها. * طالب: لا، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ جملة فعلية خبر (كان)، و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * طالب: كانوا يظلمون أنفسهم. * طالب آخر: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: لا، اسم (كان) الواو ﴿كَانُوا﴾، لو كانت تأكيدًا لكانت منصوبة. * طالب: منصوبة بـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ مِن باب الاشتغال. * الشيخ: مِن باب الاشتغال؟ ما تقولون الآن؟ توافقون؟ * طالب: الاسم مؤول، والخبر جملة. * الشيخ: الكلام على ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ ويش نقول فيها؟ * طالب: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، من باب الاشتغال؟ * طالب: لا، ما فيه ضمير (...) ما يجوز اشتغالها. * الشيخ: إذن مفعول مقَدَّم لـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أو لا؟ ولا فيه اشتغال؛ لأنّ الاشتغال يقول ابن مالك: إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلًا شَغَلْ ∗∗∗ عَنْهُ بِنَصْـــــــبِ لَفْظِــــــهِ أَوِالْمَحَـــــلْ الاشتغال لا بد يكون ضمير في الفعل المشغُول؛ ولهذا سميناه اشتغالًا، أمَّا هنا فـ(أنفسهم) مفعول مقدّم لـ(يظلمون)، وتقديمُها له فائدتان: فَائدة لفظِيَّة، وفائدة معنوية؛ الفائدة اللفظية مُرَاعَاة الفواِصل؛ يعني: أواخِر الآيات، هذه فائدة لفظِيَّة، لو قال: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، ما تناسَبَت مع ما قبلها وبعدَها، والثانية الفائدة المعنويّة: الحصْر والاختصَاص؛ يعني: ما ظلَمُوا إلا أنفسهم، فهم في الحقيقة هُم الذين ظلموا، ولكن كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين﴾ [الزخرف ٧٦]، أمَّا نحن ما ظلمناهم. * طالب: شيخ، تقديرًا في قوم نوح؛ يعني: جعل السياق هذا منهم، وإلى قصة نوح، ما ورد ذكر نوح إلا في أول السورة، نوح ما ورد؟ * الشيخ: إي، ويش فيه؟ * الطالب: (فمنهم) يعني مِن المذكُورين؛ يعني: عادًا ومَن قبلهم وقارون وفرعون وهامان، هؤلاء اللي ذُكروا؛ يعني: فكل من المذكورين أخذْنا بذنبه، (فمنهم) على الترتيب، ذكْر قوم نوح هنا له وجْه. * طالب آخر: قوم نوح على السبب في أول السورة.. * الشيخ: ما يهم، يعني على كل حال مِن الناس، يعني أنت تريد أن تكون الضمير على أقرب مذكور؟ * الطالب: نعم، ثم ترتيبه؛ التسلسل، أحيانًا الترتيب القرآني، ذكَر العذاب بالتسلسل على حسب الترتيب. * الشيخ: من أخذته الصيحة، نقول: كثمود، ما هو بهذا الترتيب؛ لأن شعيبًا قبْل هؤلاء. * طالب: بس قلنا: ثمود الصيحة، تصلح لشعيب لِقوم مدين وثمود. * الشيخ: إذا راعَيْنا الترتيب ما تصلُح هنا لثمود ولَّا لا؟ أو تصلح؛ لأنَّه قبل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ لا سيما أنَّ المؤلف يقول: ﴿فَكُلًّا﴾ (من المذكورين)، لو قال: فكلًّا من المذنبين، على كل حال المسألة بسيطة، ما دام أنه فيه مثال لهذا وهذا.. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. * مِن فوائد هذا الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بإبقاء آثار الآيات ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا﴾؛ لأن المراد إبقاؤها. * ومن فوائدها: أنَّه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها: فائدة العقل، فكلما أُوتِي الإنسان عقلًا فإنَّه مِن نعمة الله عليه، كلما كان أعقل فهو مِن نعمة الله، مِن أين نأخذ فائدة العقل؟ مِن كون صاحبِه ينتَفِعُ به في الآيات التي تركَها الله عز وجل. ثم قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣٦]. * من فوائد هذه الآية: إثبات رحمة الله وحكمته في إرسال الرسل؛ فإن إرسال الرسل يدل على الرحمة والحكمة، أمَّا الرحمة فظاهر؛ لأنه لا يمكن للعباد أن ينتفعوا بعقولهم في التعبُّد لله عز وجل؛ ولهذا يقول العلماء: إن العبادات توقيفية، وأما الحكمة؛ فلئلا يكون للناس على الله حُجَّةٌ بعد الرسل. * ومن فوائد الآية: أنَّ النبيَّ غالبًا يكون مِن قومِه؛ لأنَّ الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن كله يعبر فيها بقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾، و﴿أَخَاهُمْ﴾، وما أشبه ذلك. والحكمة من هذا؛ يعني: يتَوَلَّد منها * فائدة أخرى: وهي أنَّ الذي ينبغي أن يكونَ الرسول معروفًا بين قومه؛ لأجل أن يُسَاعِدُوه ويعينوه ولا يكَذِّبُوه. * من فوائد الآية: وجوب عبادة الله؛ لقولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. * ومنها: وجوب الاستعداد لليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. * ومنها: إثباتُ اليوم الآخر، واضِح؟ * ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومنها: أنَّ الشرائع تجمَع بين الأمرين الإيجابي والسلبي، الإيجابي بأي شيء؟ بالأوامِر، والسلبي بالنواهي؛ يعني: أنَّ الشرائع أفعال وتُرُوك، ما هو مجرد أفعال، ولا يُصْلِحُ العباد إلَّا هذا؛ لأنَّ الإنسان قد تناسِبُه الأوامر، ولا تناسبه النواهي، وقد تناسبه النواهي فتسْهُل عليه ولا تناسِبُه الأوامر، فجمَع الله سبحانه وتعالى في شرائعه بين الأمر والنهي. * ومنها: قلت: تحريم الإفساد في الأرض؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: وذكرْنا في التفسير: أنَّ هذا الإفساد يشمَل الإفساد المعنوي بالمعاصِي والإفساد الحسي بالتدمير والإتلاف. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ [العنكبوت ٣٧]. * مِن فوائد هذه الآية: بيان ما يعانيه الرسل عليهم الصلاة والسلام من أقوامِهم؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوه﴾، ولا ريبَ أنَّ تكذيب الإنسان الذي على حقٍّ أنَّه يبلُغُ في نفسه كل مبْلَغ، إنسان معه الحق والآيات وجاء لمصلَحَةِ الخلق، ثم يكذِّبُونه، هذا أمر ليس بالهين على النفس. * من فوائد الآية أيضًا: تسلِيَةُ الدعاة إلى الله عز وجل إذا عُورِضوا في دعوتِهم، كيف ذلك؟ كيف هذه التسلية؟ أنَّ الرسل كُذِّبوا، فهم مِن باب أولى؛ ولهذا يُسَلِّي الله النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هذا ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير﴾ [آل عمران ١٨٤]، ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، فالداعية إلى الله لا ينبغِي أن يأنَف مِن أن يُكَذَّب، فإنَّ هذا هو طريقُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعُهم سيكونون مثلَهم. * مِن فوائِد الآية: التعْجِيل بالعُقُوبة للمُكَذِّب، هذا متَى؟ إذا قلنا: إن الفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أيش؟ عاطفة، أمَّا إذا قلنا: إنها سببية فلا تدُلّ؛ لأن المسبَّب قد يتأخّر عن السبب. * ومِنها؛ من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في عقوبَة المكذبين لِرُسُلِهم. * ومنها: أنَّ العقوبة ليست جَوْرًا ولا ظُلْمًا؛ لأنّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، ولا يظلِمُ أحدًا، فلولا أنَّ هؤلاء يعاقَبُون بحقٍّ ما عاقبَهم الله. * ومنها: قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ وكم هم؛ عددهم؟ قوْم؛ قبيلة كبيرة أبادَهم الله تعالى في لحظَة، وهذا دليل على قدرتِه، وأنَّه إذا أراد شيئًا فإنَّما يقول له: كن، فيكون. * ومنها: أنَّ الملاجئ لا تنفَعُ مِن الله، تُؤْخذ مِن قوله: ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ الدار ملجَأ للإنسان، يلجأُ بها مِن عدوه، لكنَّها بالنسبة إلى الله لا تمنع ولا تنفع؛ فلهذا قال: ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٣٨]. * مِن فوائد هذه الآية؛ أوَّلًا: أنَّه ينبغِي الاعْتِبَار بأحوال مَن مضى، مِن أين تؤخذ؟ ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعتبِرُوا واتّعِظُوا. * ومنها: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ عادًا مِن أقوى عباد الله حتى إنَّهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ [فصلت ١٥]، ومع ذلك أهلكَهم الله بألطَف الأشياء، ما هي؟ * طالب: الريح. * الشيخ: بالريح، الريح اللي هي مِن ألطف الأشياء أهلكَهم الله بها، فدلَّ هذا على كَمَال قدرةِ الله سبحانه وتعالى، وأنَّه مهما بلغ الناسُ مِن القوة فليسَت قوتُهم بشيء بالنسبة إلى قوة الله. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الشيطان قد يُسَلطُ على بني آدم؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومِن فوائدها: التحذِير من تزْيِين الأعمال، وأظُن كلّنا نفهَم أنَّ قوله: ﴿زَيَّنَ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أنَّها تدل على أنَّ هذه الأعمال أصلُها قبيح، لكنَّها زُيِّنَت، فيَجِب الحذر مِن تزيين الشيطان. إذا قال قائلٌ: ما هو الضابط لتزيين الشيطان، قد أهوَى هذا العمل ويزين في نفسي فأفعله، فلا أدري هل هو مِن تزيين الشيطان أو مِن تزيين الله عز وجل، فما هو الضابِط؟ الضابط: إذا كان هذا العملُ خلاف شريعةِ الله فهو مِن تزيين الشيطان، وإن كان موافقًا لِشريعة الله فهو مِن هداية الله وليس مِن تزْيِين الشيطان. * ومنها: إثباتُ الشياطِين وتأثيرها على بني آدم؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومنها: الردّ على الجبرِيَّة في نسبَة الأعمال إليهم، فإذا نُسِبَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهم فاعلون حقيقة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الأعمال السيئة قد تكُونُ سببًا لِضَلَالِ العبد؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ﴾، ولا ريبَ أنَّ الأعمال السيئة سببٌ لضلال العبد، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]، والأعمال السيئة يجُرُّ بعضها بعضًا حتى يعمَى الإنسان -والعياذ بالله- عن الحق بسبب معصيته. * ومِن فوائد الآية: بشاعَةُ الصَّدِّ عن السبيل مع البصيرة، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين﴾، فإنَّ الجملة هنا حالية على تقدير (قد)؛ يعني: فصدَّهُم وقد كانوا مستبصرين، والمستبصر كان بصَدَدِ ألا يصُدّ، لكن -والعياذ بالله- قُوَّة السبب وضَعْف المانع هو الذي أوجَبَ لهم أن يصُدُّوا عن سبيل الله. * ومِن فوائد الآية: استعمال أو اعتبار دلالة الألفاظ بِمَا يفهَمُه المخاطب؛ أعني أنَّ (أل) في قوله: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهْد، أي العهود؟ العهد الذهني. * ففيه دليل على أن المخاطب قد يُحَال على ما يفهمُه في ذهنِه من دلالَة الخطاب، وهو كذلك. فلو قال قائل: هذه الآية فيها إبهام عن السبيل، ما ندري أي سبيل؟ قلنا: لا إبهام فيها، ما دام هناك شيءٌ معهود للمخاطَب فإنَّه ليس فيها إبهام. ثم قال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت ٣٩]. * فيه ذَمّ هؤلاء الثلاثة الأشخاص؛ قارون وفرعون وهامان. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ سبب الطغيان قد يكون المال، وقد يكُون الجاه والرِّئاسة، ففي قارُون سببُ طغيانِه المال، وفي فرعون وهامان الجاهُ والرِّئَاسة، وهذَان السببان هما سبَبُ استكْبَار الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدِها: إثباتُ رسالَة موسى ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَات﴾. * ومن فوائدها: أنَّ موسى رسُول إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، فرعون هُو مِن بني إسرائيل؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن أين؟ * طالب: من الأقباط. * الشيخ: من الأقباط، كيف نجمع بين هذا وبين قول رسول الله ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]]، وقومُ موسى هم بنو إسرائيل، وموسى أُرْسِل إلى فرعون وإِلى بني إسرائيل؟ * طالب: هم كانوا موجودين في مصر في مملكة فرعون اللي هم بني إسرائيل، ثم إنه كان يستعبدهم، وكان يمنعهم من الخروج، فكان من المقتضى هو يذهب إليه أولًا حتى يخرجوا معه ويعبدوا الله عز وجل كما أراد، وهو يمنعهم فرعون، فكان لا بد.. * الشيخ: يعني: أنَّ دخول بني إسرائيل في مملكة فرعون تقتَضِي الحكمة أنه يُرسَل إليهما جميعًا؟ * طالب: يعني ليس كذلك، هو كان يمنعهم فرعون، ويستعبدهم في الأرض. * الشيخ: إي نعم، ومنع أيضًا موسى مِن أن يأخذ بني إسرائيل معه. * طالب: نعم، فكان لا بد أن يوجه إليه؛ ليحررهم من هذا الاستعباد. * الشيخ: نعم. * طالب: أن النبي يبعث إلى قومه، فمن دخل فيه من غيرهم (...). * الشيخ: طيب، إذن يكون فرعون تابعًا لِبني إسرائيل، مع أنَّ أصْل الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون، فكيف مثلًا يكُون الذي له الأصل هو التابع؟ إذن نرجع إلى ما قال. * طالب: سواء عاد كانوا مثلًا قومه تابعين أو تبعًا عن غيرهم. * الشيخ: يعني إذن نرجع إلى هذا نقول: معناه: أنَّه ما يمكِن إصلاح بني إسرائيل حتى يصْلح مَن له السيطرة عليهم، هذا مرادُك؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. * الشيخ: المهم الآن أنّنا كلنا متفقون على أنَّ الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، بل هي إلى فرعون أصلًا. * طالب: (...) يقول: أرسل معنا بني إسرائيل، رسول الله إليهم. * الشيخ: دعاه إلى الله، بل إنَّ الآيات: أرسلنا موسى إلى فرعون، كلها تدل على أن أصل الرسالة إلى فرعون. * طالب: يجوز، يقال: إن الله سبحانه وتعالى حكمته تقتضي أن يرسل إلى أقوام الأنبياء؛ لأنَّ فيهم حمِيَّة إليه وركونًا إليه ونُصرة له، وهنا في فرعون له أيضًا حميَّة وميل إليه، باعتباره هو اللي رباه، وباعتباره نشأ في كنفه، فشارَك بني إسرائيل في هذه الصفة. * الشيخ: أنا عندي -والله أعلم- أنَّ الجواب مِن أحد وجهين: الوجه الأول: أنَّ قوله: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]] ليس أولَ عُمومٍ يُخَصَّص، يمكن أن نقول: هذا باعتبار الأكثر والأعمّ، ونقول: إن موسى دلَّ الدليل على أنَّه بُعِث إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، وهذا جواب ما فيه تكلف؛ هذا الجواب ليس فيه تكلف. ويمكن أن نقول: إنَّ الرسالة إلى فرعون؛ لأنَّه ما يمكن لبني إسرائيل أن يستَقِلُّوا، وأن يقوموا بواجِب الرسالة واتِّبَاع موسى إلا إذا اهْتَدى فرعون؛ ولذلك ما كان لهم دولَة وسُلْطة إلا بعد أن أهلكَ الله فرعَوْن، فيكون هذا: قُصِدَ فرعون أولًا؛ لأنَّه لا يمكن الوُصول إلى بني إسرائيل واستقْلَال الدعوة فيهم إلا بعد أن يُسْلِم هذا الرجل أو يتلف كما هو الواقع، فتكون رسالته هنا مِن باب الوسائل إلى المقصود يكون موسى عليه الصلاة والسلام أُرسِل إلى بني إسرائيل، لكن لا يمكن تحقيق الرسالة في بني إسرائيل حتى يهتَدِي هذا الرجل أو يقضِيَ الله عليه، والذي حصَل أنَّ الله قضَى عليه بعد ما حصل مِن الآيات والبينات، إلى آخره. * طالب: والأقباط الآخرون غير فرعون ما وجهت لهم الدعوة؟ * الشيخ: الظاهر أنَّ الأقبَاط اللي في مصر، بل كُل اللي تحت ولَاية فرعون داخِلُون في هذا؛ لأنَّه بالضرورة إذا آمن فرعون فسَيُؤْمِنُون؛ لأنَّ السيطرة له عليهم. * طالب: ما نقول بأنه القوم أعم من (...) أن قبيلة موسى من بني إسرائيل وقومه الناس (...)؟ * الشيخ: إذا قلنا: إنَّ المراد بالقوم مَن بُعِث فيهم صار معناه: لو بُعِث النبي إلى جميع الناس صارُوا قومه، فبَطَل دلالةُ آخر الحديث، ومَرَّ علينا في قصة شعيب أنَّه أيضًا أُرسِل إلى أصحاب الأيكة، وليسُوا مِن قومه، بدليل أنه ما قال: أخاهم. فالجواب: الأول وهو أن نقول: إنَّ هذا العموم قد خُصِّص، دلَّتْ الأدلة على أن بعض الرسل أُرسِل إلى قومِه وإلى غيرِهم ممن هو تبع، لا يوجد رسول أُرسل إلى الناس عامَّة إلَّا محمدًا ﷺ. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * مِن فوائد الآية: أنَّ الرُّسل يُؤَيَّدُون بالآيات البينة؛ لقولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وثبتَ عن الرسول ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) عن أبي هريرة.]]. * من فوائدِها أيضًا: إثباتُ الرحمة والحكمة في آياتِ الأنبياء، أليس كذلك؟ لأن الآيات التي مع الرسل رحمة بالخلق وحِكْمَة، رحمة؛ لأجْل أن تكون سببًا لاهتِدَائِهم، وحكمة؛ لإقامَة الحجة عليهم، حتى لا يقول قائل: إنَّ هذا الرسول ما أتانا بآية فهو كاذب، فإذن إثبات الآيات للأنبياء فيها متضَمِّنَةٌ للرحمة والحكمة، الرحمة كيف نقول: إعطاء الأنبياء الآيات يتضَمَّن الرحمة؟ * طالب: ما يمكن يتعبدوا إلَّا عن طريق الرسل. * الشيخ: كيف؟ * طالب: إذا أرسل الله الرسل. * الشيخ: إي نعم، قلنا: إن الآيات التي أوتيها الأنبياء تتضمن إثباتَ رحمة الله وحكمتِه. * طالب: (...) لئلا يضلوا (...). * الشيخ: لأن الآيات وسيلة إلى اهتدائهم، إذا رأَوا الآيات اهتدَوْا، حِكْمة، كيف ذلك؟ * طالب: (...) ما يقول: ما جاء نصره؟ * الشيخ: لا، ما هو هذا، ما نسأل عن حكمة إرسال الرسل، حكْمَة إيتَاء الرسل الآيات. * طالب: حيث تقام عليهم الحجة. * الشيخ: على مَن؟ * طالب: على الناس.. * الشيخ: فيقال لهم: أنتم كذَّبتم من قامَت الآيات على صدْقِهم. قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.. * ومِن فوائد الآية: أنَّ بشاعة كفْر هؤلاء الثلاثة؛ قارون وفرعون وهامان، وذلك بالاستِكْبَار عن الحق والإعْرَاض عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. * ومِن فوائدِها: كمالُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى حيث لا يفُوتُه أحد مِن خلقه؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، مع عظمتِهم وكبرِيَائِهم وأموالِهم ما يسبِقُون الله، وهذا تحقيقُ قولِه ﷺ في أذكار الصلاة: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) عن المغيرة بن شعبة. ]]، فإن الإنسان مهما عظُم وكثُر لا ينفَعُه عظمَتُه وكثْرَتُه. وقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. * مِن فوائد هذه الآية: تمامُ قدرة الله في إرسالِ هذه العقوبات، فإنَّها كلها عقوبات تدُلّ على القدرة. * ومنْها: إبطَال قول هؤلاء الملحدين، حينما تأتي مثل هذه الآيات في الوقت الحاضر يقولون: هذه مِن الكوارث الطبيعية، تأتي الزلازل اللي هي الرجفة ويقولون: هذه مسألة طبيعية، وتأتي الفيضانات العظيمة التي تُدَمِّر ويقولون: هذه كوارث طبيعية، ما يعتَبِرُون بها، ويرون أنَّها نوع من العقوبات التي جرَت على الأمم السابقة، وكذلك الرياح الشديدة، وهذا مِن موت القلوب -والعياذ بالله- أنَّ الإنسان يُعرَض عن التأمُّل والتدبر في هذه الآيات ويضِيفها إلى أمور طبيعية، وكأنها -على زعمهم- كأنَّ الطبيعة هي التي تخلُق وتفعَل بدون الله. * ومن فوائد الآية: إثباتُ حكمَةِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ سواءٌ قلنا: إنَّ الباء للسببية أو لِلمقابلة. * ومنها: إثباتُ الأسباب، وكل مَا جاءك في القرآن مِن لام للتعليل أو باء للسببية فإنها تدُلّ على إثبات الأسباب والحِكَم. * ومنها: الردُّ على الجبرية الذين يُنكِرُون الأسباب ومَن وافقهم مِن الأشعرية، فإنَّنا نحنُ أهل السنة والجماعة نُؤْمِن بالأسباب، لكننا لا نقول: إنَّ هذه الأسباب مؤثرة بنفسها، ولكن بخلْقِ الله سبحانه وتعالى فيها التأثير. * ومنها: أنَّ الجزاء مِن جنس العمل، هذا على أيِّ الاحتمالين في الباء؟ البَدَلِيَّة والمقَابَلَة، الجزاءُ مِن جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، واعلموا أنَّ الجزاء من جنس العمل في الجزاءات الشرعية، وفي الجزاءات الكونية؛ الجزاءات الشرعية مثل الحدود؛ الحدود: العقوبات المقَدَّرة مِن قبل الشرع، كلُّها في الواقع عقوبات، فقَطْع اليد بالسرقة لا شك أنَّه موافِق للحكمة؛ لأنَّ اليد بها يأخذ، وقطع الأيدي والأرجل مِن خلاف في قُطَّاع الطريق مُوافق للحكمة؛ لأن قُطاع الطريق يعتَدُون على الناس بأيْديهم وأرجلِهم، ورجم الزاني بالحجارة دون قتلِه بالسيف موافقٌ للحكمة أيضًا، وهكذا كُل العقوبات الشرعية والكونية فإنَّها موافِقَة للحكمة، ويدل على هذا قولُه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ وصيحة وخسْف وغرق، هذه الأنواع الأربعة مِن العقوبات ذكرُها له حكمة؛ لأن قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ جاءَ من فوق، ﴿مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ مِن تحت، ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاك بالقَوْل والصَّوْت. وقوله: ﴿مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إهْلاك بالماء؛ لأجل أن يتبين للناس أنَّ العقوبات لا تأتي من نوعٍ واحد، تأتي مِن أنواع متعددة بحسب حال المعاقَب. * ومنها: بيانُ كمالِ عدلِ الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصفة أظُنُّها مِن الصفات السلبية أو الثبوتية؟ * طالب: سلبية. * الشيخ: سلْبِيَّة، وقد مر علينا عدَّةَ مرات: أنَّ الصفات السلبية لا تكون مدحًا إلا إذا تَضَمَّنَت ثبوتًا، فمُجَرَّد النفي ما هو بمدْح حتى يتضمن ثبوتًا، إذا نفى الله الظلمَ عن نفسه ليس معناه أنَّه لا يظلم فقط، بل لِكَمَالِ عدلِه لا يظلِم، وليس المعنى أنَّه غير قادر على الظلم، بل هو قادِر سبحانه وتعالى على أن يظلِم، لكنَّه لكمالِ عدله لا يظلِم، ولو كان غيرَ قادر على الظلم لم يكن نفيُ الظلم عنه مدحًا، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ولهذا قالوا في قول الشاعر: قُبَيِّلَـــــــــــــــةٌ لَايَغْــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُــــــونَ النَّاسَ حَبَّــــــــةَخَـــــرْدَلِ نفْي الظلم عن هؤلاء الجماعة هو مدْح ولَّا ذم؟ * طلبة: ذم. * الشيخ: في هذا الباب ذمّ؛ يعني: لأنَّهم لعجزِهم لا يظلِمُون، وكذلك قول الشاعر: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا يعني: ما هُم مِن الشر في شيء، ولا يفعَلُون الشر، ولا فيهم شر أبدًا، بل أبلغ مِن هذا أنهم يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّـــــوءِإِحْسَــــانَا إذا ظلَمَهم أحد قابَلُوه بالمغْفِرة والسماح، وكذلك أيضًا إذا أساءَ إليهم أحسَنوا، هذا ظاهرُه أنَّه مدح، قال: جزاهم الله خيرًا، لكنه في الحقيقة ذمٌّ مِن أبلَغ الذم؛ لأنَّه يحتقِرُهم، ويقول: إنهم ما يستطيعون أن يثأَرُوا لأنفسهم أو ينتصِرُوا لأنفسِهم، بل إذا أُسِيءَ إليهم قابلوا بالإحسان خوفًا من إساءة أعظم، وإذا ظلموا غفَرُوا؛ ولهذا قال نفس الشاعر: فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَكِبُــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــانًاورُكْبَــــــــــانَا وتمنَّى أن الله يعطِيه بدلِهم. فالمهِم أنَّ مُجَرَّد إثبات النفي لا يَدُلّ على الكمال حتى يتضَمَّنَ مدحًا وثبوتًا. * ومن فوائد الآية: أنَّ الإنسان هو الظالِم لنفْسِه بفعل المعاصي؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، إذن فأنت حرامٌ عليك فعل المعاصي؛ لأنه ظلمٌ لنفسك، وأمَّا الله تعالى فلا يظلِم، عندنا نفي الصفات مِن حيث العموم؛ قد يتضَمَّن الكمال، وقد يتضَمَّن النقص، وقد يكون لِعدَم القَابِلِيَّة، فالذي لله مِن أَيّهم؛ أيُّ الثلاثة؟ * طالب: الكمال. * الشيخ: الكمال، قد يكون للكمال، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، وقد يكون نفي النقص لأيش؟ * طالب: لعدم القابلية. * الشيخ: لِعدم القابلية، مثل أن تقول: إنَّ هذا الجدار لا يتعب، وهذا الجدار ما يظلِم، لماذا؟ لِعدم القابلية، فهل هذا مدحٌ له؟ لا؛ لأنَّه أصلًا ما يقبَل هذا الوصف حتى ينفى عنه، وقد يكون النفي للعجز، مثلما ذكَرنْا في أمثلة البَيْتَيْن: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا ولا يكون لِلَّهِ مِن هذه الأقسام الثلاثة إلا القسْم الأول، وهو ما تضَمَّن كمالًا ومدحًا؛ ولهذا يقول أهل العلم: إنَّ الله تعالى إذا نفَى عن نفسِه صفَةً فإنَّ المراد بها أمران؛ نفيُ تلك الصفة، والثاني: إثباتُ كمَالِ ضِدِّهَا. * طالب: شيخ، القول بأن نفي الظلم عن الله؛ لأنه هو المتصرِّف في الملك؟ * الشيخ: لا، هذا غلط، هذا قول الجبرية، هذا ليس بصحِيح، هؤلاء يقولون: إن الظلم محَال على الله لذاتِه، لا لِعَدَم إرادَةِ الله له، وذلك أنهم يقولون: إنَّ الظلم أن يتصرّف الإنسان في مُلْك غيره، والله تعالى إذا تصرَّف في ملكِه فليس بظالِم، فيجُوز على زعمِهم، وليس بظُلْم أن يعاقِب المطِيع الذي أمضَى ليلَه ونهارَه في طاعة الله، فيعاقِبَه عقوبة الكافر، وعندهم أنَّ هذا ليس بظلم؛ لأنه يقال: الله ما تصرَّف إلَّا في ملكِه، وعلى هذا قال السفاريني رحِمه الله: وَجَـــــــــــازَ لِلْمَـــــــــوْلَىيُعَـــــــذِّبُ الْــــــــوَرَى ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُـــــرْمٍ جَـــرَى؎فَكُـــــــلُّ مَـــــا مِنْــــــهُ تَعَـــــــــالَىيَجْمُـــــــــــــــلُ ∗∗∗ لِأَنَّــــــــــــــهُ عَــــــــنْ فِعْلِـــــــــهِلَا يُسْــــــــــأَلُ (...) بالله سبحانه وتعالى، وأنَّ صفات الله سبحانه وتعالى تنقسِم إلى قسمَيْن: ثبوتية وسلْبِيَّة؛ فالثُّبُوتِيَّة ما أثْبَتَه الله لنفسِه، ولا تكون إلا صفة كمال، والسلبِيَّة ما نفَاه الله عن نفسِه، ولا تكون إلَّا صفَة نقْص، والصفات السلبية تدور على شيئين: أحدُهما النقص، والثاني مشابَهَة المخلوقين، ولو قلنا: إنَّ مشابهة المخلوقين نقص، وحصَرْنا هذين الشيئين في شيءٍ واحد لم يكن ذلك بعيدًا؛ فإنَّ مشابهة الناقص تعتبر نقصًا. * ويستفادُ مِن الآية؛ مِن آخرها في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنَّ العاصيَ ظالِمٌ لنفسِه، ووجهُ ذلك: أنَّ النفس عندك أمانَة، فكما أنَّك ممنوع من نقصِها نقصًا حسيًّا فأنت ممنُوعٌ مِن نقصِها نقصًا معنويًّا؛ بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقطع يدَه أو أُصْبُعَه أو يسيء إلى بدنِه كان ذلك محرَّمًا؛ ولهذا مَن قتل نفسه بشَيْءٍ عُذِّبَ به في جهنم خالدًا مخلدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فجَعَل النبي عليه الصلاة والسلام قاتِل النفس كقاتِل الغير في التَّخْلِيد في النار والتَّعذيب بما قتَلَ به. وعلى هذا نقول: كلُّ مَن عصَى الله فإنَّه ظالم لنفسِه، ومِن هنا نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وأنَّ العدول عن ملَّةِ إبراهيم سفَهٌ؛ لأنَّه ظُلْم للنفس مِن حيث لا يشْعَر الإنسَان.

العنكبوت 29:40

قال تعالى -نبدأ الدرس الجديد-: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. الجملة في قوله: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا﴾ مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: وهي القسم، و(اللام)، و(قد). ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: أبقَيْنا منها، الترك هنا بمعنى الإبقاء، وهو ظاهر في اللغة العربية، تقول: أخذت هذا، وتركت هذا، يعني: أبقَيْت، ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: أبقينا من هذه القضية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ بمعنى: علامة، و﴿بَيِّنَةً﴾ بمعنى: ظاهرة واضحة. قال المؤلف: (ظاهرة هي آثَارُ خرابها). (...) نعم، في الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] فكان العرب يمرون على هذه القرى ذاهبين وجائين إلى الشام، فَيرَوْن من آثار العذاب ما هو ظاهر، لكنهم لا يستبصرون؛ ولهذا قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال المؤلف: (يتدبرون). هذه ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعَلِّقَة بـ﴿تَرَكْنَا﴾، ولا بـ﴿بَيِّنَةً﴾؟ * طالب: بـ ﴿بَيِّنَةً﴾. * الشيخ: يجوز الوجهان، يجوز أن يكون المعنى: بينة للعاقلين، ويجوز المعنى: تركناها للعاقلين. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ العقل سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: عقل يُراد به الإدراك، وعقل يراد به: الرُّشد؛ العقل الذي يراد به الإدراك هو مناط التكليف، الذي يقول الفقهاء: من شروط هذه العبادة مثلًا: التمييز، والعقل. وعقل الرُّشد: هو مناط المدح والذم، يعني: الذي يُمدَح عليه الإنسان ويُذَمّ، والذي يُوجَد في القرآن غالبًا هذا ولَّا الأول؟ هذا، لكن في كلام أهل العلم يُراد بالعقل المعنى الأول الذي هو الإدراك. أقول: إن العقل الثاني: الرُّشد، وهو مناط المدح والذم، ومعنى ذلك: أن يكون الإنسان حسن التصرف، بحيث يعقِلُه ما معَه من الإدراك عمَّا يضُرُّه إلى ما ينفعه. هذا هو الذي يراد هنا في هذه الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ المراد به عقل الرشد الذي يحْجِزُك عما يضُرُّك إلى ما ينفعك. وقول المؤلف: (يتدبرون)، هذا في الحقيقة ليس تفسيرًا مطابقًا للَّفظ؛ لأنَّ التدبُّر هو سابق على العقل، فالإنسان يتدَبَّر أولًا، ويعرف النافع والضار، ثم يعقل، فيتبع ما ينفعه، ويدع ما يضُرُّه. ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني: وأمَّا من لا يعقلون فإنَّهم لا ينتفعون بالآيات ولا يتعظون بها. * طالب: هل هذا ما نقول بأنهم يعقلون؟ * الشيخ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ المراد بعَقْل الرُّشد ما هو معناها اللي..؛ لَأن العاقل إذا مَرّ بها وهو غير مجنون رآها، لكن ما ينتفع بها، ما تكون عنده آية بينة. * طالب: ما قال ابن مسعود: ولا (...). * الشيخ: لا لا، ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يعني: يُحسنون التصرف ويرشُدون بذلك؛ لأَنَّ الآية إذا لم تنفع فليست بآية. * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: هذا مبْنِيٌّ على ما سبَق في تفسير..؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. يقول: هل المراد من شاهدها، أو من بلغه علمها؟ إحنا سبق أن ذكرنا في تفسير كلمة في القرآن ما يدل على هذا؟ * طالب: في البقرة. * الشيخ: في البقرة ويش هي؟ * طالب: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ [الذاريات ٣٧]. * الشيخ: لا، السير في الأرض الذي أمَرَ الله به هل هو سير بالقدم، أو سير بالقلب، أو بهما؟ * طالب: بهما. * الشيخ: يعني: بهما على انفراد، وعلى اجتماع، واضح؟ فهنا نقول: ﴿تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يشمل مَن رآها وشاهدَها، ومَن سمع بها وبلغته. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت ٣6]. يقول المؤلف: (وأَرْسَلْنَا ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ ). فعلى هذا يكون ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول لِفعل محذوف تقديرُه: أرسلنا، وقال: ﴿أَخَاهُمْ﴾، ولم يقل: أخوهم، ليش؟ * طالب: اسم من الأسماء الخمسة. * الشيخ: لأنه اسم من الأسماء الخمسة؛ إن كنَّا من أهل الآجرومية، أو السِّتَّة لِأهل الألفية. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأُخُوة هنا ليست في الدين قطعًا؛ لأنَّ الكفار ليسوا إخوة للمؤمنين، إذن فهي أخوة قيل: عند بعض الناس أُخُوَّة إنسانية، وقالوا: إن الكافر والمؤمن أخَوَان في الإنسانية؛ لأنَّ هذا ليس حِمارًا وهذا بشر، كلُّهم بشَر، فالمراد بالأُخوة: الإنسانية. وقال: إنه يجوز أن تقول: إنَّ هذا أخِي –للكافر-؛ لأنَّك مشترك معه في الإنسانية، ما رأيكم في هذا؟ * طلبة: باطل، هم شر البرية. * الشيخ: إي نعم، المهم على كُل حَال، يعني: بدون عاطفة، نحن نُريد أن نبحَها بعقل بدون عاطفة، العاطفة لا شك أنَّنا نُنكر هذا من أول وهْلَة، لكن لو قال: أخي في الإنسانية؛ لأنَّنا سمعنا واحدًا يتكلم في مسجد من المساجد يعظ الناس، ويقول: هؤلاء إخوتنا في الإنسانية، ما ينبغي أن نُغَلِّظ عليهم ونفعل ونفعل. * طالب: يُرَدّ عليهم، أولًا من سورة البينة: المؤمنون خير البرية، والكافرون شَرُّ البرية، وهم إخوة للقردة والخنازير، فكيف يكونون إخوة لنا؟ قوله تعالى في سورة الممتحنة عن إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة ٤] كيف تكون أُخُوَّة وهو قد كَفَر بهم، وبَدَا بيننا وبينهم العداوة. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال ٢٢] * الشيخ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال ٥٥]. * طالب: قد يقولون: ليس المراد الأخوة المعروفة التي تتعلق بالله عز وجل، وإنَّما المراد بها: الأخوة التي تتعلق بالناحية البشرية بمعنى المساواة. * الشيخ: يعني: مطلق الموافقة والمشابهة، على كل حال نرد عليهم فنقول: هذا شعيب عليه الصلاة والسلام قال الله هنا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وقال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ما قال: أخوهم، ﴿قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، قال أهل العلم: لأنَّ أصحاب مدين كان شعيب منهم، وهو أخوهم في النسب، وأصحاب الأيكة ليس منهم، فهي قرية حول مدين أرسله الله إليهم؛ ولهذا لم يقل: أخوهم، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، ولو كانت الأخوة هي الإنسانية في مثل: ﴿إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣]، وما أشبه ذلك، لو كان المراد بالأخوة الإنسانية لكان يُقال أيضًا في أصحاب الأيكة: إنَّه أخوهم. ثم إنَّ الأخوة في اللغة العربية ما هي بمطلق الموافقة في البشرية، إذا تتبعناها وجدنا أنها: إما في النسب، يكون الأصل الجامع بينهما نسبًا، وهذا واضح. وإما أن يكون الأصل الجامع بينهما هدفًا واحدًا يسعى إليه الجميع، ومعلوم أن الكافر والمسلم مختلفان في الهدف، ولا يمكن أن يكون أحدهما موافقًا للآخر في الهدف، لا نوافق على هذا القول مهما كان الأمر؛ لأنه في الحقيقة يؤدي إلى أن أي إنسان يقول: إن هذه الكافر أخوه، يحصل له رِقَّة، ولين، وموافقة، ويسهل ما في النفوس من بغض الكفار. كنا كما يعرف الكثير منكم إذا قيل: نصراني، ويهودي، يقف الشعر، ويتخوف الإنسان، ويتهَيَّب، لكن الآن صارت المسألة تمر على القلب مرور الماء البارد، ولا أحد يتأثر إلَّا من شاء الله، وهذا له خطره العظيم -نسأل الله السلامة-. * طالب: إذا قال: هذا قريني؟ * الشيخ: والله أنا أحب أنه يتحاشى من كل لفظ يدل على الموافقة. * طالب: قربه منه * الشيخ: لا ما قلنا: قربه. * طالب: يحدث مثلًا بالأخوة.. * الشيخ: هو على كل حال القرين هذا الشيطان، قرين للإنسان وهو عدوه، لكن في الوقت الحاضر تَدُلّ على المصاحبة، والموافقة، والمرافقة، فالأَوْلى البعد عن كل لفظ يدل على الاتفاق مع هؤلاء. * طالب: أخوة شعيب لمدين أخوة قريب لهم قومه، إذا قالوا: نحن نجتمع معكم في آدم، فالنسب قد جمع. * الشيخ: نعم، إذا ردونا إلى آدم قلنا: أنتم إخوتنا، وعلى كل حال نحن ذكرناها؛ لأن حقيقةً هذه وقعت، وأحد الإخوان تكلَّم، الإخوان اللي نعرف منهم الغَيْرَة يعني هو رجل طيب لكنه تكلم في هذه المسألة، وقال: إنهم إخوة، وزعم أنها الأخوة البشرية. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، طيب (مدين) هو اسم للقبيلة ولَّا اسم للبلد؟ * طالب: البلد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]. * الشيخ: هل شعيب أخ للبلد؟ * طالب: يقصد (...). * الشيخ: هنا يُقال: قرى مدين، أو يُقال: مدين؟ * طالب: هم أصحاب مدين الذين (...) المكان. * الشيخ: ويش يعني: أصحاب مدين؟ * الطالب: أصحابه من قرية ثانية. * الشيخ: ويش الآية؟ * الطالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج ٤٢ - ٤٤] * الشيخ: إي نعم، هذه قرينة ظاهرة أن المراد بها المكان. يبقَى ﴿أَخَاهُمْ﴾ نقول: هذا من باب إطلاق القرية وإرادة الأهل، وكذلك الآية التي ذكرها الأخ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢]، مع أنها ما هي صريحة الآية ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ الإنسان يتوجه أيضًا تلقاء القوم. * طالب: شيخ، ما أحسب أن البلد سُمِّيَت باسمها قرينة.. * الشيخ: إي نعم، فيه احتمال، وإذا قلنا بهذا أيضًا هو يخف الإشكال. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ﴾، (يا) هذه نداء، و﴿قَوْمِ﴾ مُنادى مبني ولَّا مُعْرَب؟ * طالب: مُعْرَب. * الشيخ: منادى منصوب على النداء، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: فتحة مقدَّرة على الياء المحذوفة.. * طالب: لالتقاء ساكنين. * الشيخ: لالتقاء ساكنين، إذن فتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لالتقاء الساكنَين، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسَبة، أعد الإعراب، ﴿قَوْمِ﴾ مُنادى.. * طالب: منادى. * الشيخ: منصوب. * الطالب: منصوب. * الشيخ: فتحة. * الطالب: فتحة مقدَّرة. * الشيخ: على ما قبل الياء. * الطالب: على ما قبل الياء. * الشيخ: المحذوفة. * الطالب: المحذوفة. * الشيخ: للتخفيف. * الطالب: للتخفيف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: تذلَّلُوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التَّذَلُّل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل للسالكين، فالعبادة إذن التذلل لله تعالى بطاعته، والطاعة: هي امتثال الأمر واجتناب النهي -عند الإِطلاق- أما إذا قُرنت فقيل: طاعة، ومعصية، صارت الطاعة في الأوامر، والمعاصي في النواهي. قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: أَخْلِصُوا له العبادة وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، فالمراد هنا بالعبادة أي: إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال: (اخشوه، وهو يوم القيامة). الرجاء يُطلَق على الطمع في المحبوب، أو لا؟ صحيح، هذا هو الأصل، الطمع في المحبوب؛ ولهذا يُقال: التمني والرجاء. ويطلق الرجاء بمعنى: الخوف، فهو إذن من باب الأضداد؛ لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تسمى الأضداد، وألَّف علماء اللغة في هذا كتبًا تجدها كلمة واحدة تصلح لهذا ولهذا للشيء ولضده. فهل هنا الرَّجَاء بمعنى الخوف، ولَّا الرجاء بمعنى الطمع في المحبوب؟ المؤلف حملها على أن المراد بها الخوف؛ وذلك لأنَّ المقام مقام إنذار، ويحتمل أن يكون المراد بها أيش؟ الرجاء الذي هو الطمع في المحبوب؛ لأنَّ اليوم الآخر فيه محبوب، وفيه مكروه، ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود ١٠٥، ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود ١٠٨]. لو قال لنا قائل: ألَا يجوز أن نحمله على المعنيين جميعًا؛ ارجُوه خوفًا من العقاب، وطمعًا في الثواب، ما يصلح؟ يصلح أن يكون شاملًا للأمرين، وقد تقدم لنا أن القول الراجح عندي -وهو قول لبعض العلماء- هو جواز استعمال المشترَك في معنيَيْه إذا لم يحصل تنافٍ، بحيث نقول: اللفظ المحتمل لهما على وجه لا يتناقض، فما المانع من أن يُستعمل في معنييه، والله أعلم. * طالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: تفسير أو بيان لما أُرْسِل به. وفي قوله: ﴿يا قَومِ﴾ من التلطف ما هو ظاهر؛ لأن قوم الرجل لا بد أن ينصروه، ويقبلوا ما جاء (...). .. واجتنابًا للنهي. وقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [العنكبوت ٣٦] قال: (اخشوه)، ويحتمل أنَّ المعنى: اطمعُوا بما فيه مِن الأجر والثواب، فهو صالحٌ لهذا وهذا، وهو من أسماء الأضداد الذي يدُل على الشيء وعلى ضدِّه. وقوله: ﴿الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ هو يوم القيامة، وسُمِّي بالآخِر؛ لأنَّه لا يومَ بعدَه؛ إذ إنَّ الناس لهم أرْبَع مراحِل: مرْحَلَة أُولَى في البطن، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في القبور، والمرحلة الأخيرة متى؟ يوم القيامة؛ ولهذا سُمِّي باليوم الآخر؛ إذ إنَّه آخِرُ شيء، آخر مرحلة تكُون لِلإنسان هو هذا اليوم؛ فلِذلك سمي باليوم الآخر. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ لا تُفْسِدوا، وعلى هذا فـ﴿مُفْسِدِينَ﴾ قال المؤلف فيها: (حال مؤكِّدَة لعاملِها)، ويش معنى مُؤكدة له؟ أي: بمعناه، وهذا التأْكيد لفْظِي أو معنوي؟ أجيبوا. * طالب: معنوي. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: مو من ليس منها.. * الشيخ: ليس مِن مادَّة الفعل، لو قال: ولا تعثَوْا في الأرض عاثِين لكان لفظيًّا، أمَّا هنا فإنه معنى؛ لأنَّه أكده بالمعنى؛ إذ إن العُثُوَّ يقول المؤلف: (مِن عَثِي بكسر المثَلَّثَة: أفسَد)، يقال: (عَثِي يعثَى) كـ(فرِح يفرَحُ) أنتم ما تعرفون الأبْواب، أبواب التصريف كم هي؟ * طالب: ثمانية. * الشيخ: ستة؛ منها: باب (فَعِلَ يَفْعَلُ؛ كفرِحَ يفْرَح، ورَضِي يرضَى)، وعَثِيَ على رأي المؤلف: يعثَى، ويجوز أن تكون مِن باب (فَعَلَ يَفْعُلُ؛ عَثَى يَعْثُو)، وكلاهُما بمعنى: أفسد؛ ولهذا قال المؤلف: (أفْسَد). وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ النهي هنا واضِح؛ ولهذا جُزِم الفعل بحذف النون ﴿لَا تَعْثَوْا﴾، بماذا يكُون الإفساد؟ هل المراد الإفسادُ الحسي؛ كهدم البناء وإفساد الأنهار وقطْعِ الأشجار، ونحو ذلك، أو أنَّ المراد الإفساد المعنوي، أو كلاهما؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، فلَا يجوز الإفساد حتى في الأمور المادية؛ ولهذا «نَهَى النبي ﷺ عن إضَاعَة المال». أقول: إنَّ الإفساد في الأرض يشمَلُ الإفساد بالمعاصي والإفساد الحِسِّي المادِّي، والدليل على هذا «أنَّ النبي ﷺ نهَى عن إضاعَة المالِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣/١٢) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، وروى أبو داود[[لم نقف عليه.]] : «أنَّهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر فنزلوا أرضًا، فنَهَاهم عن قطْعِ أشجارِها»؛ لأنَّها للاسْتِظْلَال فهو إفسادٌ لها. ما هي مقابلة هؤلاء القوم لِهذه الدعوة التِي تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر؛ تدعو إلى الخير في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وتنهى عن الشر في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؟ الردّ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [العنكبوت ٣7]. هنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع أنَّ التكذِيب إنَّما يكون في الخبر، وهو قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَارْجُوا﴾ ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وكُلُّ هذه الجمل الثلاث إنشَائِية وليست خبرية، وكان مُقتَضَى الظاهر أن يقول: فعصَوْه، وهنا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؟ الجواب: أن يُقال: إنَّه قال لَهم هذه الأوامر أو هذَيْن الأمرَين والنَّهْي باعتباره رسولًا مِن عند الله، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: بِدَعْوى الرِّسالَة، وهذا أبْلَغ مِن العصيان؛ لأنَّهم أنكَرُوا رسالتَه رأْسًا، ما أقَرُّوا بالرسالة، ثم قالوا: نعصيك في هذا الشيء، بل كذَّبوا بالرسالة رأسًا، فكان هذا أبلغ مِن قوله: فعصوه، فهمتُم هذا ولَّا لا؟ * طالب: واضح. * الشيخ: قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والفاءات؛ هذه الفاء في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ للتعقيب؛ تعقِيب هذه الجملة لِما سبقها. وفي قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ يحتمل أن تكون الفاء للتعقيب، وأن تكون للسببية، فإن قلنا: للتعقيب فهو دليل على أنَّه بمجرَّد تكذيبِهم عوقبوا، وإن قلنا: إنها للسببية فإنه لا يلزم مِن ذلك أن تكون عقوبتُهم قريبَةً مِن تكذيبِهم؛ لأنَّه يجوز أنَّ الله أمهلهم بعد التكذيب، ثم أخذَتهم، على أنَّنا إذا جعلناها للسَّبَبِيَّة لا تنافي أو لا تمنع أن تكون العقوبة مباشَرَةً، وعلى هذا فنقول: إِنَّ الأولى أن تكون للسببية، فتكون للسببية أولى من وُجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: دلالتها على حِكْمَةِ العقُوبة وهي التكذيب. وثانيًا: أنَّها أوسَعُ دلالةً مِن أن تكون (الفاء) للترتيب؛ لأنَّها تشمَل ما أعْقَب التكذيب وما تأخَّرَ عنه. وثالثًا: أننا نسْلَم مِن دعوى أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُمهِلْهُم، وليس عندنا علمٌ بذلك، فيكون اختيار أن تكون (الفاء) هنا للسببية أولَى. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ (أخذتهم) أبلَغ مِن قوله: أصابتْهُم؛ لأنَّ الأخْذ دليل على أنَّه لا هوادَة فيه وأنَّه مُدَمِّر، والرَّجْفَة يقول: (الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَة)، ما فيه آية ثانِيَة تدُلّ على أنَّها أخَذتهم الصيحة؟ * طالب: إي نعم، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٨٣]. * الشيخ: لا. * طالب: ثمود، ورد فيهم الصيحة والرجفة، أمَّا هنا شعيب ما ورد. * طالب آخر: في سورة هود يا شيخ. * الشيخ: في سورة هود، أخذتهم الصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود ٩٤، ٩٥]. إذن ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ و﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لا تنافِيَ بينهما؛ لِإمكانِ اجتماعهما؛ إذ يكُون العذاب صَيْحَة؛ صِيحَ بهم فسَمِعُوا، ورَجَفَتْ بهم الأرض، فيكُون عُوقبوا بالصَّوت، وعُوقِبُوا بالفعل، بالأمرين جميعًا. * طالب: إذا قلنا: إن (الفاء) للسببية يكون التكذيب بعد أخذنا يا شيخ، أو يكون السبب؛ يعني سبب الفعل محذوف؛ يعني: فكذبوا بسبب إيه؟ * الشيخ: لا، ما هو معنَاه أنَّ السَّبَب هو ما بعدها، إذا قِيل: للسببية، فقد يكون السبب ما بعدَها، وقد يكون ما بعدَها مسبَّبًا؛ يعني: فبسبَب تكذيبهم أخذَتْهم، فيكون السبب سابقًا، إذا قلنا: للسببية ما هو معناها أنَّها تدخُل على السبب فقط، قد تدخُل على السبب، وقد تدخُل على المسَبَّب. قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا﴾ والفَاء هنا نقول: إنَّها عاطفة أو سببية، تصلُح هذا وهذا، ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ﴿جَاثِمِينَ﴾ بالنصب خبرًا لـ(أَصْبَح)، وقوله: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود ٦٧] ولا منافاة؛ وذلك لأن (دار) مفرد مُضَاف، والمفرد المضاف، أقول: (ديار) و(دار) لا تنَافِي بينهما؛ لأن (دار) مفرد، والمفرد المضاف يعُمّ، ونطلب مِن الأخ مثالًا يدُل على أنَّ المفرد المضاف يعُم مِن القرآن، ما أحد منكم يسْتَحْضِر؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (نعمَة) مفرد، لكن يقينًا المراد به هنا الجمع، بدليل قوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾. * الشيخ: لا، ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾؛ لأن الواحد يُحْصَى، إذن (دار) و(ديار) لا فرق بينهما مِن حيث المعنى. وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾ قال المؤلف: (بارِكِين على الرُّكَب مَيِّتِين) أعوذ بالله، هذا الجاثِم لِشِدَّة ما نزل بهم بَرَكُوا على ركبِهم، ثم همَدُوا وصاروا جاثمين. قال تعالى: (﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿عَادًا﴾ ﴿وَثَمُودًا﴾ [العنكبوت: ٣8] بالصَّرْف وتركه). الصَّرْف، ما هُو الصرف؟ التَّنْوِين؛ قال ابن مالك: الصَّـــــــــــــــــرْفُتَنْوِيـــــــــــــــــــــنٌ أَتَـــــــــــى مُبَيِّنَــــــــــا ∗∗∗ مَعْنًى بِــــــــهِ يَكُــــــــــونُ الِاسْـــــــمُأَمْكَنَــــــــــــا فهنا يجوز الصرف ﴿ثَمُودًا﴾ ويجوز تركُ الصرف، وهما قراءتان: ﴿ثَمُودَ﴾، وهكذا كُلُّ أسماء القبائل يجُوز فيها مِن حيث الأصل الصَّرْف وعدمه، فالصرف باعتبار الحَيّ، وهو مُذَكَّر، وعدم الصرف باعتبار القبيلة، وهي مؤنَّثَة. فعليه، إذا قلنا: (ثَمُودَ) بدون صرف نقول: معطوف على (عَادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ولم يُنَوَّن؛ لأنَّه لا ينصرف، والمانِع لَه من الصَّرف العلَمية والتأنيث باعتبَارِه قبيلة، وعلى (ثمودًا) نقول: (ثمودًا) معطوف على (عادًا)، والمعطوف على المنصوب منصوب، ونُوِّنَ؛ لأنَّه مذكر باعتبار الحي. وقوله: ﴿عَادًا وَثَمُودَ﴾ مفعولان لفعل محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (أهلكنا عادًا وثمودًا). عاد أين محلُّهم؟ بالأحقاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١]، وثمود قومُ صالح بالحِجْر، ديار ثمود معروفة إلى الآن. قال تعالى: (﴿وَقَدْ تبيَّن لَكُمْ﴾ إهلاكهم، ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ﴿قَدْ تبيَّن﴾ ظهَر، ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: لقريش. * الشيخ: نعم، لقريش؛ لأنَّهم تبين لهم هذا ويعرفونه. وقوله: ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ (من) على تقدِير المؤلف تكون سبَبِيَّة؛ أي: تَبَيَّن لكم إهلاكُنا إياهم بسبب رؤيتِكُم مساكِنَهم، تكون للسببية. أفلا يجوز أن نجعل (من) للتبعيض، ويكُون المعنى ﴿تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: بعض مساكنهم؟ يمكن، لكني ما رأيت أحدًا أعربها هذا الإعراب؛ أي: يمكن أن نجعل (من) تبعيضية؛ أي: تبيّن لكم البعض والبعض قد زال، فإنَّ المشاهد الآن بعض هذه المساكن والآثار. أمَّا على تقدير المؤلف فيقول: إن فاعل ﴿تبيَّن﴾ محذوف، التقدير: إهلاكُهُم. نسينا نقول: فاعل محذوف ولَّا نقول: فاعل مستَتِر؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: الفاعل هو يحذف ولَّا يستتر؟ * طالب: يحذف، ما يستتر؛ لأنه عمدة. * طالب آخر: يستتر. * طالب آخر: عمدة ما يستتر. * الشيخ: وما يُقَال: يحذف إلا في مكان لا يُمكن أن يُقَدَّر فيه كالمصدر مثلًا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد ١٤، ١٥] قالوا: إن الفاعل هنا محذوف؛ لأنه ما يمكن استتاره بمصدر، أمَّا إذا كان يمكن استتَارُه فإنَّه يقال: مستَتِر، والمحذوف قد يكون عُمدة، وقد يكون فَضْلة، لكن الحقيقة أنَّ المؤلف كلامه يوهِم بأنَّه محذُوف، لو قال المؤلف: وقد تبيَّن؛ أي: إهلاكُهم، وجعلَها مُفَسِّرَة للمحذوف لكان أولى. (﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ بالحجر واليمن) ، هذا (الحجر واليمن) لفّ ونَشْر مرتب ولَّا مُشَوَّش؟ * طلبة: مشوش. * الشيخ: لأن (بالحجر) يعود على ثمود، وهو متَأَخِّر في القرآن، (واليمن) يعود على عَاد، ومثل هذا لا ينبغي؛ يعني: لا ينبغِي للمفَسِّر أو الشارح لِكلام أحد لا ينبغي أن يشرَحَهُ على هذا الترتيب؛ لأن الجاهل الذي لا يدري، لو نحن ما ندري عن مكانِهم لقلنا: إنّ الحجر مين هو له؟ * طلبة: لِعادٍ. * الشيخ: لعادٍ، وقلنا: إن اليمن لثمود، إي نعم. قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ هذه على تقدير (قد)؛ يعني: وقد زين لهم الشيطان أعمالهم مِن الكفر والمعاصي، زَيَّن بمعنى: حَسَّن وجمل، فحَسَّن لهم -والعياذ بالله- الأعمال مِن الشرك والمعاصي، وقال: إن الشرك حسَن؛ لأنَّكم تعبدون هذه الأصنام لِتُقَرِّبَكُم إلى الخالق، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]. ثم إنَّكم ترجُونَها وتدعُونَها فيحصُل لكم المقصود؛ لأنَّ الله تعالى قد يبتَلِي العابدين، فيحصُل لهم مقصُودُهم عند هذا الشيء، لا بِه، إحنا الآن نقول: عنده لا به؛ يعني: قد يدعُو الصنم، قد يدعو النبي ﷺ، قد يدعُو ملكًا مِن الملائكة، فيقدِّرُ الله ابتلاءً وامتحانًا أن يكونَ هذا السبب عند دعائه له، نحن المؤمنين نعلم بأنَّه ما حصَل به، لكنه حصَل عندَه امتحانًا، والله سبحانه وتعالى قد يبتلي الإنسان بالامتحَان بالمعصية، فتُسَهَّل له وتُزَيَّن له. وقد مرَّ علينا أنَّ الله امتحَنَ اليهود بأيش؟ بالحِيتَان؛ تأتِي يومَ السبت ولا تأتِي في غيره، وابتلى الله الصحابة رضي الله عنهم بالصَّيْد تنَالُه أيديهم ورماحُهم وهم محرِمُون، وهكذا أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) عن أبي هريرة.]]، ما عندهم أحد؛ لأنه لو كان عندهم قال: أخاف من الناس، لكن قال: أخاف الله، فالإنسان قد يُبتلى بالمعصية امتحانًا. كذلك أيضًا يقول الشيطان لهم: هؤلاء الأصنام إذا عبدتُّمُوها تُقَرِّبُكم إلى الله وتكُون وسيلة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣]، أمَّا المعاصي فكذلك أيضًا يُزَيِّنُها الشيطان للإنسان ويسَهِّلُها عليه، ويقول: أنت اعمل والرب غفور رحيم، اعمَل وتتوب، الدنيا أمامك، ما دُمت لم يتِمَّ لك أربعون سنة فإنَّها لا تجِب عليك الصلوات ولا الصيام، إذا تميت أربعين سنة وبلغْتَ أشدك حينئذٍ تجِب عليك الصلاة والصيام، هذا موجود الآن عند بعض المسلمين الجهال. وقوله هنا: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الشيطانُ ويش وزن (الشيطان)؟ * طالب: من فاعل (شطَن). * الشيخ: هو في الحقيقة ما له وزْن، ما له قيمة، لكن وزنُها اللفظي؟ * طالب: (فعلان). * طالب آخر: حسب الأصل أو اختلاف الأصل؛ يعني: بعضهم يقول: أصلها (شطن)، فيكون بهذا المعنى على وزن (فَعْلان) شيطان، وبعضهم يقول: أصلها (شاط) (...). * الشيخ: إذا جعلناها مِن (شطن) فهي على وزن؟ * طالب: على وزن (فيعال)، أما إذا كان وزنها (شَاط) فتكون على وزن (فعلان). * الشيخ: (فعلان) بالنون. * طالب: والراجح (شاط)، والله أعلم. * الشيخ: (شطن) بمعنى (بَعُدَ). * طالب: لا، (شاط) من.. * الشيخ: (شاط)، لو كانت (شاط) لكانت النون؟ * طالب: النون زائدة. * الشيخ: إذا كانت زائدة ينصَرِف ولَّا ما ينصرف؟ * طالب: إذا كانت زائدة ممنوعة من الصرف. * الشيخ: واللي بالقرآن ﴿حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧] مُنصَرِفٌ ولَّا لا؟ * طالب: منصرف. * الشيخ: هو منصرف، لكن قد تقولون: إن هذا مُنَكَّر، وما فيه الألف والنون، إذا كان مُنَكَّرًا فإنَّه ينصَرِف؛ لأن اللي فيه الألف والنون يُمنَع إذا كان وصفًا أو علمًا، و(شيطان) ما هو وصف، على كل حال الأقرب أنَّها مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد عن رحمة الله. * طالب: (الشيطان) ما هو بعَلَم؟ * الشيخ: لا، وقد يُراد به الجنس، الكلبُ الأسود شيطان، ما هو عَلَم هذا؛ يعني: شيْطَانٌ مِن الشياطين؛ ولذلك نقول في عبارةٍ للفقهاء قالوا: لا يجوز تأخيرُ القضاء إلى رمضانَ آخَر، أو: إلى رمضانٍ آخر؟ * طلبة: رمضانَ. * الشيخ: لا، إلى رمضانٍ آخر؛ لأنَّه نكرة، ما هو عَلَم. * طالب: مثل الآية ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ [الحجر ١٧]. * الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال أن الذي يظهر أنَّ الشيطان مِن (شَطَن)؛ إذا بَعُد. وقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨] هنا أضَاف التزيين إلى الشيطان، وفي آية أخرى أضَاف التزيين سبحانه وتعالى إليه نفسه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، فكيف نجمَع بين الآيتين؛ أن يُضيفَ الله سبحانه وتعالى التزْيين مرةً إليه ومرةً إلى الشيطان؟ * طالب: باعتبار السبب، وباعتبار الفاعِل الحقيقي، فالفاعل الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، والسبب هو الشيطان. * الشيخ: المزَيِّن هو الله؟ * طالب: المزَيِّن الفاعل الحقيقي للتَّزْيين هو الله. * الشيخ: أيُّهم الذي باشَر التزيين؟ * الطالب: الشيطان. * الشيخ: إذن هو الحقيقي. * الطالب: هو سبب فقط؛ لأنه كله بقدر الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: معناه أنه أُضِيف التَّزيين إلى الله؛ لأنَّه بقضائه وقدره، وأضيف التزيين إلى الشيطان؛ لأنَّه مباشِرٌ له، كذا؟ وهو كذلك، فيُضاف إلى الله تعالى خَلْقًا وتقدِيرًا، ويضافُ إلى الشيطان مباشرةً. قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿صَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: صَرَفَهم، وهذا مِن استعمال (صدَّ) متَعَدِّيًا؛ لأن (صدَّ) تكون لازمًا ومتعديًا، إذا قلت: صدَّ الرجلُ عن سبيلِ الله فضَلَّ، لازم ولَّا متعدٍّ؟ * طالب: لازم. * الشيخ: صدَّ الرَّجل عن سَبِيلِ الله فضَلَّ، هذه لَازِمة، ومثل هذه الآية ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ صرفَهم، هذه متعَدِّيَة، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء ٦١] المصدَر الآن على وزْن (فُعُول) قال ابن مالك: وَ(فَعَـــــــــــــلَ) الـــــــــلَّازِمُمِثْـــــــلُ (قَعَــــــدَا) ∗∗∗ لَهُ فُعُولٌ.......................... لكن (صدَّ) المتعدي ويش مصدره؟ * طالب: (صدود). * الشيخ: لا، (صَدَّ) المتعدي مصدرُه (صَدًّا)؛ لقول ابن مالك: (فَعْـــــــــلٌ) قِيَــــــاسُ مَصْــــــدَرِالْمُعَـــــدَّى ∗∗∗ مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ...................... وأنا الحقيقة ليتني ما استشهدت بهذا؛ لأنَّكم ستقولون: إنه صار له فائدة، على كل حَال (صد) تأتي لازمة ومتعَدية. ما تقولون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ١] هل هي مِن اللَّازم ولَّا مِن المتعدي؟ * طالب: هذه لازِمَة ومتعدية، المتعدية أعم، إن قدَّرنا فهي متعدية، لكن.. * الشيخ: هي متعدية، الظاهر؛ لأن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا صدُّهم هم، اللازم يدُلُّ عليه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهي ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: غيرَهم، هذا هو الأقرب. يقول: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا﴾ عن السبيل (أل) في قولِه: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهد الذهني المعلُوم، وهو سبِيل الحق؛ ولهذا قال المؤلف: (سبيلِ الحق)، وهو سبيلُ الله عز وجل، وسُمِّيَ سبيل الله؛ لأنَّه يوصِل إليه؛ ولأنَّه هو الذي وضعَه لِعبادِه، كما في قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الشورى ٥٣]، وقد يُضاف إلى المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، فكيف نجمَع بينهما؟ السَّبِيل أحيانًا يضيفه الله إلى نفسِه، كما في قوله: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ١٦٧]، وأحيانًا يضيفه الله إلى المؤمنين، كما في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء ١١٥]، كيف تجمع بينهم؟ * طالب: كله في سبيل الله، سبيل المؤمنين هو سبيل الله. * الشيخ: هو سبيل الله، لكن لماذا أُضِيف إلى المؤمنين مرَّة وإلى الله مرَّة؟ * طالب: لأنَّ المؤمنين هم المتبعون. * الشيخ: أحسنت، تمام، وأُضيف إلى الله -مثلما قلنا قبل قليل- لأنَّه يوصل إليه، وهو الذي شرعَه لعباده وبيَّنَه وجعلَه لهم. قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (ذَوي بصَائِر)؛ يعني أنَّه سبحانه وتعالى أعطَاهم مِن العقول والبصائر ما يمكِنُهم الاهتداءُ به، وقد ذكر الله ذلك في قوم صالِح صريحًا، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] فهم عندهم بصَائِر وعندَهم عِلْم، لكنَّهم كانُوا مستكْبِرِين، والعياذ بالله، فهم صدَّهم عن السبيل مع أنَّ الله أعطَاهم ما يتمكنون به مِن مُدَافَعَة الشيطان، ولكن غُلِبُوا على أمرِهم بما زَيَّن لهم الشيطان. * طالب: شيخ، الآيات في الكفار اللي قلنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقر ١٧١]؟ * الشيخ: ما قلنا: إن العقل عقلان؟ * طالب: هنا ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾. * الشيخ: إي، ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ معناها: أن عندهم بصيرة؛ يعني: عندهم عقول يدركون بها، لكن ليس عندهم عقول يهتدون بها؛ بمعنى أنهم اهتدوا بها، ما انتفعوا بها، فهم عندهم بصائر ومعرفة، لكنهم ما انتفعوا بها. * طالب: عندهم بصيرة وهم لم ينتفعوا بها؟ * الشيخ: إي نعم، يكون عنده بصيرة، لكن ما عنده اهتداء بهذه البصيرة. * طالب: شيخ، تكون بصيرة في ضعف الوسائل لها؟ * الشيخ: إي نعم، ما اهتدوا بها، يكون المعنى: أنهم عندهم علم وبصر يدركون به الأشياء، لكنهم ما انتفعوا به. وقال تعالى: ﴿وَ﴾ أهلكنا ﴿قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣9]، المؤلف قال: (أهلكنا)، وهذا التقدير باعتبار السِّيَاق؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على أنَّ هناك شيئًا مضمرًا هو (أهلكنا). قارون رجلٌ تاجر مِن بني إسرائيل، ولكنَّه كما قال الله عز وجل: ﴿بَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص ٧٦]، وقد أعطاه الله تعالى مالًا عظيمًا حتى إنَّ مفاتِحَه تثقُل بالعصبة؛ بالجماعة مِن الناس، هذه المفاتِح مفاتِحُ الخزائن؛ ولهذا ما آمَن بموسى اغتَرَّ بمالِه، والعياذ بالله، فلم يُؤْمِن بربّه. وفرعون معروف هو مَلِك مِصْر الذي ادَّعى أنه الرب وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وهامَان وزيرُه. وإنَّما قَدَّم قارون؛ لِعُلُوِّ نسبِه؛ لأنَّه مِن بني إسرائيل، وهم أشرَف مِن الأقباط، وقدَّم فرعون على هامَان؛ لعلُوِّ مرتبتِه عليه. وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ لو قال قائل: أليس هذا الترتيب مِن بابِ البداءَة بالأدنى؟ الجواب: لا، لو كان مِن باب الأدنى لقال: قارُون وهامَان وفرعون. * طالب: (...) آمن به، يرد على من قال: نافق، كان يقرأ التوراة. * الشيخ: من؟ * الطالب: بعضهم في قارون، قال: إن قارون كان مِن أحسن الناس صوتًا في التوراة، لكن اغتَرَّ بماله. * الشيخ: ما ندري عن هذا، إذا ما جاء به نَصّ ما نعلم عنه. ﴿وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى﴾ كل هذه: قارون وفرعون وهامان لا تنصَرِف، المانع منِ الصَّرْف؟ * طالب: العلمية والعجمة. * الشيخ: العلَمِيَّة والعجمة. (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالحُجَج الظاهرات، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ ) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ هذه الجملة -كما تمُرّ علينا كثيرًا- مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسَمُ المقَدَّر، واللام، و(قد). وقوله: (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ مِن قبلُ، ﴿مُوسَى﴾ )، قبْل أيش؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: قبل الهلاك ولَّا قبل عاد وثمود؟ * طالب: قبل الهلاك. * الشيخ: نعم، ﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: أتاهم إتيانًا مصحوبًا بالبَيِّنَات؛ لأنَّ الله تعالى لا يُرسل رسولًا إلَّا أعطاه مِن البينات ما يؤمِنُ على مثله البشَر؛ لأنَّها الحكمة والرحمة تقتضِي هكذا؛ إذْ ليس مِن المعلُوم وليس مِن الحكمة أن يُرسَل رجلٌ من الناس إلى الناس ويقول: إني رسول الله بدون بَيِّنَة، ولَّا لا؟ فلا بُدَّ مِن بينة آية واضِحَة تدُلُّ على أنَّه رسول؛ ولهذا قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات. قال المؤلف: (الحجج الظاهرات) منها مثلًا العصَا، ومنها اليَد، وكذلك السِّنِين التي أُخذُوا بها، ولكن مع هذا ما انتفعوا، نسأل الله العافية. قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ بمعنى تكَبَّرُوا وعلَوا وارتَفَعُوا على الحقّ ولم يقبلوا، وتعرفون ما جرى لموسى مع فرعون مِن المناظرة والتَّهديد، حتى وصَل به الحال إلى أن قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. (﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ فائتين عذابنَا) يعني: ما كانوا سابقين لنا، لم يسبِقُونا، والسَّبْق بمعنى الفَوات، فأنت إذا مثلًا سابقْتَ إنسانًا وسبقَك -أي: فاتَك- وعجَزْتَ عنه، هؤلاء مع استكبارهم وعظمتهم وعلوهم ما سبقوا الله عز وجل أبدًا. أمَّا قارون فخسَفَ الله به وبدارِه الأرض، وبقِيَ فيها إلى يوم القيامة، وما نفعَه لا بيتُه الذي احتَمَى به، ولا مالُه الذي كنَزَه. وأمَّا فرعون وهامان فأغرقَهم الله عز وجل بِما كان فرعون يفتخِرُ به، قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجَه الله مِن مصر وأهلكه بمثلما افتخَر به، افتخَر بالأنهار فأُهلِك بأيش؟ أهلك بالماء، فأهلكَه الله، فمَا فاتَه الله عز وجل، مع أنَّ فرعون حين إهلاكه كان يظُنُّ أنه منتصر؛ لأنَّه أرسل في المدائن حاشِرين، فجمعوا الناس واتَّبعُوا موسى وقومَه على أنَّهم أمْر يسير في قبضتهم؛ لأنهم قالوا: ما لهم إلَّا البحر؛ إمَّا يسقطوا في البحر، أو نأخذهم أخذًا لا هَوادَة فيه، فكان الأمر -والحمد لله- بالعكس؛ أهلَكَ الله فرعون وقومه، وأنجَى موسى وقومَه. قال سبحانه وتعالى: (﴿فَكُلًّا﴾ مِن المذكورِين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِه﴾ [العنكبوت: 40]). * طالب: كما كانوا سابقين لغيرِهم؛ يعني: غيرهم سبقهم إلى هذا العمل. * الشيخ: لا، يعني بيقصد في الزمن يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لا، هم سابقون أيضًا بالزمن متقدمون كثيرًا. * طالب: الواو هذه واو الحال ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾، لا، الظاهر أنها الاستئناف أحسن. * الطالب: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، أحسن. ﴿فَكُلًّا﴾ قال المؤلف: (مِن المذكورين)، والمعروف أن يقدر: فكلّ أحد، لكن المؤلف منعَه مِن تقدير (أحد) أنَّ (كُلًّا) منونة، وهو لا يُحب أن يغيِّر لفظ القرآن؛ ولهذا قال: (مِن المذكورين)، والتنوين في (كل) هنا يقول النحويون: إنَّه تنوين عوضٍ عن؟ * طالب: عن نون. * الشيخ: تنوين عوض عن كلمة؛ أي: فكلُّ واحد، والتنوين -كما هو معرُوف لكم- قد يكون عوضًا عن كلمة، كما هنا، وقد يكون عوضًا عن حرف، كما في: (جوارٍ) و(غواش)، وقد يكون عوضًا عن جملة، كما في (إذٍ) ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة ٨٤]، و(يومَئِذٍ)، وما أشبهَها. قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يعني: كُلًّا مِن هؤلاء أخذَه الله عز وجل بذنبِه، والباء في قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ تكون سبَبِيَّة ومعاوضة ومقابلة؛ يعني: أنَّهم بسبب ذنوبِهم أُخذُوا، وعلى قدرِ ذنوبهم أخذُوا أيضًا، فالباء هنا سببية وعِوَضِيَّة؛ أي: أنَّهم أُخذُوا بسبب الذنب، لكن ما تجَاوز الله بِهم أكثر مما يستَحِقُّون، بل بالسَّبب والقدْر. وقوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ في القرآن الكريم جاءت أيضًا: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام ٦]، والجمعُ بين الجمع والإفراد يسِير؛ أن يُقال: إنَّ الإفراد هنا مُضَاف فيَعُمّ؛ أي: بذُنُوبهم، والذنوب هي المعاصي، سواءٌ كانت كبيرة أو صغيرة، وهي هنا بلا شك مِن أكبَر الكبائر. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا التفصيل؛ لأن قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ مجمل فُصِّل بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: إليه؛ لأن هنا إرسال عذاب فهو عالٍ عليهم، وليس إرسال خطاب حتى نقول: إنَّ غايَة هذا الخطاب المرسَل إليه، فهو إرسالُ عذابٍ. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا عاصفة فيها حصباءُ كقوم لوط). * طالب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر ٣٤]. * الشيخ: إي، بس هذا فيه نظَر؛ لأنَّ المفهوم من قوم لوط أنَّ الذي أُرسِل عليهم مِن السماء أو لا؟ حاصبًا من السماء، وهي حجارة مِن سجيل، مثل الذي أُرسِل على أصحَاب الفِيل أو لا؟ وليست هي مِن الحصباء التي تثيرُها الرياح، ولا علِمْنَا أنَّ الله تعالى أرسل الرياح على قوم لوط، ولو كانت رياحًا تحمل الحصباء لبيَن الله عز وجل، فيقال: إننا أرسلنا عليه حاصبًا كقوم لوط، صح؟ فإنَّ الله تعالى أرسَل عليهم حاصبًا مِن السماء تحصبهم؛ حجارة من سجيل. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، مثل؟ * طلبة: ثمود. * الشيخ: يقول المؤلف: (كثمود) قوم صالح، وشُعيب أصحاب مدين ما أخذتهم الصيحة؟ * طلبة: إي نعم. * طالب: ما أخذَتْهم الرجفة يا شيخ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هنا لكن في آية أخرى ﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر ٧٣]. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض﴾ مثل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كقوم نوح وفرعون وقومِه) هؤلاء أهلكوا بالغرق؛ أمَّا فرعون وقومه فغَرِقُوا بالبحر الأحمر، وأمَّا الثاني من؟ * طالب: نوح فبالطوفان. * الشيخ: نوح فبالطُّوفَان؛ الطوفان العظيم الذي أمَرَ الله سبحانه وتعالى السماء ففَتَّح أبوابَها بماءٍ منهمر، وفجَّرَ الأرض عيونًا، شوف -سبحان الله- التعبِير؛ ما قال: فجَّرنَا عُيُون الأرض، لو كان التعبير: فجرنا عيون الأرض لكان فيه شيء كثير مِن اليابس ما تفَجَّر، وإنما تفجَّرَت العيون لو كان التعبير: فجَّرْنا عيون الأرض، لكن ﴿فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢]، كأن الأرض كلها صارت عيونًا، حتى إن التنور الذي هو محلّ إيقاد النار وأبعد ما يكون عن ظهور الماء فيه فار التنور صار يفُور عيونًا، سبحان الله العظيم! ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾ [القمر ١٢] حتى علَا قمَم الجبال، واستوت السفينة على الجُودي، والجودي هذا الجبل رفِيع جدًّا، على أنَّ الماء حملَها إلى أن رسَتْ على هذا الجبل، مما يدُلّ على كثرَة هذه المياه، الله أكبر! الإنسان لو تصور أنَّ المطر يرتفع أربعة أمتار لتَهَوَّل من ذلك، لكن هذا الذي بقدرة الله عز وجل علَا إلى مِئَات الأمتار، والله على كل شيء قدير. قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذِّبَهم بغير ذنب، والله ما كان هذا، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، اللام هنا يُسمونَها لام؟ * طالب: مزحلقة. * الشيخ: لا، ما فيه زحلقات. * طالب: لام التوكيد. * الشيخ: ولا لام التوكيد، هذه يا إخواني لام الجحود؛ لأن لام الجحود هي المسبُوقة بكَوْنٍ منْفِيّ، أو نقول لِأصحاب الآجرومية: ما سبقَها (ما كان) أيش؟ * طالب: أو (ما يكُن). * الشيخ: لا، أو(لَمْ يكُن)، (ما كان) أو (لم يكن)، هنا الذي سبقها أيش؟ (ما كان)، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ والظُّلْم له وجهان (...).هذا لَمَّا نفى أن يكون الله ظلمهم بيَّن مِن أين وقع هذا الظلم، فقال: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠] ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ خبر (كان)، والواو اسمها. * طالب: لا، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ جملة فعلية خبر (كان)، و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * طالب: كانوا يظلمون أنفسهم. * طالب آخر: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: لا، اسم (كان) الواو ﴿كَانُوا﴾، لو كانت تأكيدًا لكانت منصوبة. * طالب: منصوبة بـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ مِن باب الاشتغال. * الشيخ: مِن باب الاشتغال؟ ما تقولون الآن؟ توافقون؟ * طالب: الاسم مؤول، والخبر جملة. * الشيخ: الكلام على ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ ويش نقول فيها؟ * طالب: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾. * الشيخ: مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، من باب الاشتغال؟ * طالب: لا، ما فيه ضمير (...) ما يجوز اشتغالها. * الشيخ: إذن مفعول مقَدَّم لـ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أو لا؟ ولا فيه اشتغال؛ لأنّ الاشتغال يقول ابن مالك: إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلًا شَغَلْ ∗∗∗ عَنْهُ بِنَصْـــــــبِ لَفْظِــــــهِ أَوِالْمَحَـــــلْ الاشتغال لا بد يكون ضمير في الفعل المشغُول؛ ولهذا سميناه اشتغالًا، أمَّا هنا فـ(أنفسهم) مفعول مقدّم لـ(يظلمون)، وتقديمُها له فائدتان: فَائدة لفظِيَّة، وفائدة معنوية؛ الفائدة اللفظية مُرَاعَاة الفواِصل؛ يعني: أواخِر الآيات، هذه فائدة لفظِيَّة، لو قال: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، ما تناسَبَت مع ما قبلها وبعدَها، والثانية الفائدة المعنويّة: الحصْر والاختصَاص؛ يعني: ما ظلَمُوا إلا أنفسهم، فهم في الحقيقة هُم الذين ظلموا، ولكن كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين﴾ [الزخرف ٧٦]، أمَّا نحن ما ظلمناهم. * طالب: شيخ، تقديرًا في قوم نوح؛ يعني: جعل السياق هذا منهم، وإلى قصة نوح، ما ورد ذكر نوح إلا في أول السورة، نوح ما ورد؟ * الشيخ: إي، ويش فيه؟ * الطالب: (فمنهم) يعني مِن المذكُورين؛ يعني: عادًا ومَن قبلهم وقارون وفرعون وهامان، هؤلاء اللي ذُكروا؛ يعني: فكل من المذكورين أخذْنا بذنبه، (فمنهم) على الترتيب، ذكْر قوم نوح هنا له وجْه. * طالب آخر: قوم نوح على السبب في أول السورة.. * الشيخ: ما يهم، يعني على كل حال مِن الناس، يعني أنت تريد أن تكون الضمير على أقرب مذكور؟ * الطالب: نعم، ثم ترتيبه؛ التسلسل، أحيانًا الترتيب القرآني، ذكَر العذاب بالتسلسل على حسب الترتيب. * الشيخ: من أخذته الصيحة، نقول: كثمود، ما هو بهذا الترتيب؛ لأن شعيبًا قبْل هؤلاء. * طالب: بس قلنا: ثمود الصيحة، تصلح لشعيب لِقوم مدين وثمود. * الشيخ: إذا راعَيْنا الترتيب ما تصلُح هنا لثمود ولَّا لا؟ أو تصلح؛ لأنَّه قبل قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ لا سيما أنَّ المؤلف يقول: ﴿فَكُلًّا﴾ (من المذكورين)، لو قال: فكلًّا من المذنبين، على كل حال المسألة بسيطة، ما دام أنه فيه مثال لهذا وهذا.. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥]. * مِن فوائد هذا الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بإبقاء آثار الآيات ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا﴾؛ لأن المراد إبقاؤها. * ومن فوائدها: أنَّه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها: فائدة العقل، فكلما أُوتِي الإنسان عقلًا فإنَّه مِن نعمة الله عليه، كلما كان أعقل فهو مِن نعمة الله، مِن أين نأخذ فائدة العقل؟ مِن كون صاحبِه ينتَفِعُ به في الآيات التي تركَها الله عز وجل. ثم قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣٦]. * من فوائد هذه الآية: إثبات رحمة الله وحكمته في إرسال الرسل؛ فإن إرسال الرسل يدل على الرحمة والحكمة، أمَّا الرحمة فظاهر؛ لأنه لا يمكن للعباد أن ينتفعوا بعقولهم في التعبُّد لله عز وجل؛ ولهذا يقول العلماء: إن العبادات توقيفية، وأما الحكمة؛ فلئلا يكون للناس على الله حُجَّةٌ بعد الرسل. * ومن فوائد الآية: أنَّ النبيَّ غالبًا يكون مِن قومِه؛ لأنَّ الأنبياء الذين ذُكروا في القرآن كله يعبر فيها بقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾، و﴿أَخَاهُمْ﴾، وما أشبه ذلك. والحكمة من هذا؛ يعني: يتَوَلَّد منها * فائدة أخرى: وهي أنَّ الذي ينبغي أن يكونَ الرسول معروفًا بين قومه؛ لأجل أن يُسَاعِدُوه ويعينوه ولا يكَذِّبُوه. * من فوائد الآية: وجوب عبادة الله؛ لقولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. * ومنها: وجوب الاستعداد لليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. * ومنها: إثباتُ اليوم الآخر، واضِح؟ * ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، والأصل في النهي التحريم. * ومنها: أنَّ الشرائع تجمَع بين الأمرين الإيجابي والسلبي، الإيجابي بأي شيء؟ بالأوامِر، والسلبي بالنواهي؛ يعني: أنَّ الشرائع أفعال وتُرُوك، ما هو مجرد أفعال، ولا يُصْلِحُ العباد إلَّا هذا؛ لأنَّ الإنسان قد تناسِبُه الأوامر، ولا تناسبه النواهي، وقد تناسبه النواهي فتسْهُل عليه ولا تناسِبُه الأوامر، فجمَع الله سبحانه وتعالى في شرائعه بين الأمر والنهي. * ومنها: قلت: تحريم الإفساد في الأرض؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: وذكرْنا في التفسير: أنَّ هذا الإفساد يشمَل الإفساد المعنوي بالمعاصِي والإفساد الحسي بالتدمير والإتلاف. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ [العنكبوت ٣٧]. * مِن فوائد هذه الآية: بيان ما يعانيه الرسل عليهم الصلاة والسلام من أقوامِهم؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوه﴾، ولا ريبَ أنَّ تكذيب الإنسان الذي على حقٍّ أنَّه يبلُغُ في نفسه كل مبْلَغ، إنسان معه الحق والآيات وجاء لمصلَحَةِ الخلق، ثم يكذِّبُونه، هذا أمر ليس بالهين على النفس. * من فوائد الآية أيضًا: تسلِيَةُ الدعاة إلى الله عز وجل إذا عُورِضوا في دعوتِهم، كيف ذلك؟ كيف هذه التسلية؟ أنَّ الرسل كُذِّبوا، فهم مِن باب أولى؛ ولهذا يُسَلِّي الله النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هذا ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير﴾ [آل عمران ١٨٤]، ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، فالداعية إلى الله لا ينبغِي أن يأنَف مِن أن يُكَذَّب، فإنَّ هذا هو طريقُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعُهم سيكونون مثلَهم. * مِن فوائِد الآية: التعْجِيل بالعُقُوبة للمُكَذِّب، هذا متَى؟ إذا قلنا: إن الفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أيش؟ عاطفة، أمَّا إذا قلنا: إنها سببية فلا تدُلّ؛ لأن المسبَّب قد يتأخّر عن السبب. * ومِنها؛ من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في عقوبَة المكذبين لِرُسُلِهم. * ومنها: أنَّ العقوبة ليست جَوْرًا ولا ظُلْمًا؛ لأنّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، ولا يظلِمُ أحدًا، فلولا أنَّ هؤلاء يعاقَبُون بحقٍّ ما عاقبَهم الله. * ومنها: قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ وكم هم؛ عددهم؟ قوْم؛ قبيلة كبيرة أبادَهم الله تعالى في لحظَة، وهذا دليل على قدرتِه، وأنَّه إذا أراد شيئًا فإنَّما يقول له: كن، فيكون. * ومنها: أنَّ الملاجئ لا تنفَعُ مِن الله، تُؤْخذ مِن قوله: ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ الدار ملجَأ للإنسان، يلجأُ بها مِن عدوه، لكنَّها بالنسبة إلى الله لا تمنع ولا تنفع؛ فلهذا قال: ﴿أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٣٨]. * مِن فوائد هذه الآية؛ أوَّلًا: أنَّه ينبغِي الاعْتِبَار بأحوال مَن مضى، مِن أين تؤخذ؟ ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعتبِرُوا واتّعِظُوا. * ومنها: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ عادًا مِن أقوى عباد الله حتى إنَّهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ [فصلت ١٥]، ومع ذلك أهلكَهم الله بألطَف الأشياء، ما هي؟ * طالب: الريح. * الشيخ: بالريح، الريح اللي هي مِن ألطف الأشياء أهلكَهم الله بها، فدلَّ هذا على كَمَال قدرةِ الله سبحانه وتعالى، وأنَّه مهما بلغ الناسُ مِن القوة فليسَت قوتُهم بشيء بالنسبة إلى قوة الله. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الشيطان قد يُسَلطُ على بني آدم؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومِن فوائدها: التحذِير من تزْيِين الأعمال، وأظُن كلّنا نفهَم أنَّ قوله: ﴿زَيَّنَ﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أنَّها تدل على أنَّ هذه الأعمال أصلُها قبيح، لكنَّها زُيِّنَت، فيَجِب الحذر مِن تزيين الشيطان. إذا قال قائلٌ: ما هو الضابط لتزيين الشيطان، قد أهوَى هذا العمل ويزين في نفسي فأفعله، فلا أدري هل هو مِن تزيين الشيطان أو مِن تزيين الله عز وجل، فما هو الضابِط؟ الضابط: إذا كان هذا العملُ خلاف شريعةِ الله فهو مِن تزيين الشيطان، وإن كان موافقًا لِشريعة الله فهو مِن هداية الله وليس مِن تزْيِين الشيطان. * ومنها: إثباتُ الشياطِين وتأثيرها على بني آدم؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. * ومنها: الردّ على الجبرِيَّة في نسبَة الأعمال إليهم، فإذا نُسِبَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهم فاعلون حقيقة. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الأعمال السيئة قد تكُونُ سببًا لِضَلَالِ العبد؛ لقولِه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ﴾، ولا ريبَ أنَّ الأعمال السيئة سببٌ لضلال العبد، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]، والأعمال السيئة يجُرُّ بعضها بعضًا حتى يعمَى الإنسان -والعياذ بالله- عن الحق بسبب معصيته. * ومِن فوائد الآية: بشاعَةُ الصَّدِّ عن السبيل مع البصيرة، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِين﴾، فإنَّ الجملة هنا حالية على تقدير (قد)؛ يعني: فصدَّهُم وقد كانوا مستبصرين، والمستبصر كان بصَدَدِ ألا يصُدّ، لكن -والعياذ بالله- قُوَّة السبب وضَعْف المانع هو الذي أوجَبَ لهم أن يصُدُّوا عن سبيل الله. * ومِن فوائد الآية: استعمال أو اعتبار دلالة الألفاظ بِمَا يفهَمُه المخاطب؛ أعني أنَّ (أل) في قوله: ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهْد، أي العهود؟ العهد الذهني. * ففيه دليل على أن المخاطب قد يُحَال على ما يفهمُه في ذهنِه من دلالَة الخطاب، وهو كذلك. فلو قال قائل: هذه الآية فيها إبهام عن السبيل، ما ندري أي سبيل؟ قلنا: لا إبهام فيها، ما دام هناك شيءٌ معهود للمخاطَب فإنَّه ليس فيها إبهام. ثم قال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت ٣٩]. * فيه ذَمّ هؤلاء الثلاثة الأشخاص؛ قارون وفرعون وهامان. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ سبب الطغيان قد يكون المال، وقد يكُون الجاه والرِّئاسة، ففي قارُون سببُ طغيانِه المال، وفي فرعون وهامان الجاهُ والرِّئَاسة، وهذَان السببان هما سبَبُ استكْبَار الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدِها: إثباتُ رسالَة موسى ﷺ؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَات﴾. * ومن فوائدها: أنَّ موسى رسُول إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، فرعون هُو مِن بني إسرائيل؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن أين؟ * طالب: من الأقباط. * الشيخ: من الأقباط، كيف نجمع بين هذا وبين قول رسول الله ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]]، وقومُ موسى هم بنو إسرائيل، وموسى أُرْسِل إلى فرعون وإِلى بني إسرائيل؟ * طالب: هم كانوا موجودين في مصر في مملكة فرعون اللي هم بني إسرائيل، ثم إنه كان يستعبدهم، وكان يمنعهم من الخروج، فكان من المقتضى هو يذهب إليه أولًا حتى يخرجوا معه ويعبدوا الله عز وجل كما أراد، وهو يمنعهم فرعون، فكان لا بد.. * الشيخ: يعني: أنَّ دخول بني إسرائيل في مملكة فرعون تقتَضِي الحكمة أنه يُرسَل إليهما جميعًا؟ * طالب: يعني ليس كذلك، هو كان يمنعهم فرعون، ويستعبدهم في الأرض. * الشيخ: إي نعم، ومنع أيضًا موسى مِن أن يأخذ بني إسرائيل معه. * طالب: نعم، فكان لا بد أن يوجه إليه؛ ليحررهم من هذا الاستعباد. * الشيخ: نعم. * طالب: أن النبي يبعث إلى قومه، فمن دخل فيه من غيرهم (...). * الشيخ: طيب، إذن يكون فرعون تابعًا لِبني إسرائيل، مع أنَّ أصْل الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون، فكيف مثلًا يكُون الذي له الأصل هو التابع؟ إذن نرجع إلى ما قال. * طالب: سواء عاد كانوا مثلًا قومه تابعين أو تبعًا عن غيرهم. * الشيخ: يعني إذن نرجع إلى هذا نقول: معناه: أنَّه ما يمكِن إصلاح بني إسرائيل حتى يصْلح مَن له السيطرة عليهم، هذا مرادُك؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. * الشيخ: المهم الآن أنّنا كلنا متفقون على أنَّ الرسالة إلى مَن؟ إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، بل هي إلى فرعون أصلًا. * طالب: (...) يقول: أرسل معنا بني إسرائيل، رسول الله إليهم. * الشيخ: دعاه إلى الله، بل إنَّ الآيات: أرسلنا موسى إلى فرعون، كلها تدل على أن أصل الرسالة إلى فرعون. * طالب: يجوز، يقال: إن الله سبحانه وتعالى حكمته تقتضي أن يرسل إلى أقوام الأنبياء؛ لأنَّ فيهم حمِيَّة إليه وركونًا إليه ونُصرة له، وهنا في فرعون له أيضًا حميَّة وميل إليه، باعتباره هو اللي رباه، وباعتباره نشأ في كنفه، فشارَك بني إسرائيل في هذه الصفة. * الشيخ: أنا عندي -والله أعلم- أنَّ الجواب مِن أحد وجهين: الوجه الأول: أنَّ قوله: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) عن جابر بن عبد الله.]] ليس أولَ عُمومٍ يُخَصَّص، يمكن أن نقول: هذا باعتبار الأكثر والأعمّ، ونقول: إن موسى دلَّ الدليل على أنَّه بُعِث إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، وهذا جواب ما فيه تكلف؛ هذا الجواب ليس فيه تكلف. ويمكن أن نقول: إنَّ الرسالة إلى فرعون؛ لأنَّه ما يمكن لبني إسرائيل أن يستَقِلُّوا، وأن يقوموا بواجِب الرسالة واتِّبَاع موسى إلا إذا اهْتَدى فرعون؛ ولذلك ما كان لهم دولَة وسُلْطة إلا بعد أن أهلكَ الله فرعَوْن، فيكون هذا: قُصِدَ فرعون أولًا؛ لأنَّه لا يمكن الوُصول إلى بني إسرائيل واستقْلَال الدعوة فيهم إلا بعد أن يُسْلِم هذا الرجل أو يتلف كما هو الواقع، فتكون رسالته هنا مِن باب الوسائل إلى المقصود يكون موسى عليه الصلاة والسلام أُرسِل إلى بني إسرائيل، لكن لا يمكن تحقيق الرسالة في بني إسرائيل حتى يهتَدِي هذا الرجل أو يقضِيَ الله عليه، والذي حصَل أنَّ الله قضَى عليه بعد ما حصل مِن الآيات والبينات، إلى آخره. * طالب: والأقباط الآخرون غير فرعون ما وجهت لهم الدعوة؟ * الشيخ: الظاهر أنَّ الأقبَاط اللي في مصر، بل كُل اللي تحت ولَاية فرعون داخِلُون في هذا؛ لأنَّه بالضرورة إذا آمن فرعون فسَيُؤْمِنُون؛ لأنَّ السيطرة له عليهم. * طالب: ما نقول بأنه القوم أعم من (...) أن قبيلة موسى من بني إسرائيل وقومه الناس (...)؟ * الشيخ: إذا قلنا: إنَّ المراد بالقوم مَن بُعِث فيهم صار معناه: لو بُعِث النبي إلى جميع الناس صارُوا قومه، فبَطَل دلالةُ آخر الحديث، ومَرَّ علينا في قصة شعيب أنَّه أيضًا أُرسِل إلى أصحاب الأيكة، وليسُوا مِن قومه، بدليل أنه ما قال: أخاهم. فالجواب: الأول وهو أن نقول: إنَّ هذا العموم قد خُصِّص، دلَّتْ الأدلة على أن بعض الرسل أُرسِل إلى قومِه وإلى غيرِهم ممن هو تبع، لا يوجد رسول أُرسل إلى الناس عامَّة إلَّا محمدًا ﷺ. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * مِن فوائد الآية: أنَّ الرُّسل يُؤَيَّدُون بالآيات البينة؛ لقولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وثبتَ عن الرسول ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) عن أبي هريرة.]]. * من فوائدِها أيضًا: إثباتُ الرحمة والحكمة في آياتِ الأنبياء، أليس كذلك؟ لأن الآيات التي مع الرسل رحمة بالخلق وحِكْمَة، رحمة؛ لأجْل أن تكون سببًا لاهتِدَائِهم، وحكمة؛ لإقامَة الحجة عليهم، حتى لا يقول قائل: إنَّ هذا الرسول ما أتانا بآية فهو كاذب، فإذن إثبات الآيات للأنبياء فيها متضَمِّنَةٌ للرحمة والحكمة، الرحمة كيف نقول: إعطاء الأنبياء الآيات يتضَمَّن الرحمة؟ * طالب: ما يمكن يتعبدوا إلَّا عن طريق الرسل. * الشيخ: كيف؟ * طالب: إذا أرسل الله الرسل. * الشيخ: إي نعم، قلنا: إن الآيات التي أوتيها الأنبياء تتضمن إثباتَ رحمة الله وحكمتِه. * طالب: (...) لئلا يضلوا (...). * الشيخ: لأن الآيات وسيلة إلى اهتدائهم، إذا رأَوا الآيات اهتدَوْا، حِكْمة، كيف ذلك؟ * طالب: (...) ما يقول: ما جاء نصره؟ * الشيخ: لا، ما هو هذا، ما نسأل عن حكمة إرسال الرسل، حكْمَة إيتَاء الرسل الآيات. * طالب: حيث تقام عليهم الحجة. * الشيخ: على مَن؟ * طالب: على الناس.. * الشيخ: فيقال لهم: أنتم كذَّبتم من قامَت الآيات على صدْقِهم. قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.. * ومِن فوائد الآية: أنَّ بشاعة كفْر هؤلاء الثلاثة؛ قارون وفرعون وهامان، وذلك بالاستِكْبَار عن الحق والإعْرَاض عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. * ومِن فوائدِها: كمالُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى حيث لا يفُوتُه أحد مِن خلقه؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، مع عظمتِهم وكبرِيَائِهم وأموالِهم ما يسبِقُون الله، وهذا تحقيقُ قولِه ﷺ في أذكار الصلاة: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) عن المغيرة بن شعبة. ]]، فإن الإنسان مهما عظُم وكثُر لا ينفَعُه عظمَتُه وكثْرَتُه. وقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. * مِن فوائد هذه الآية: تمامُ قدرة الله في إرسالِ هذه العقوبات، فإنَّها كلها عقوبات تدُلّ على القدرة. * ومنْها: إبطَال قول هؤلاء الملحدين، حينما تأتي مثل هذه الآيات في الوقت الحاضر يقولون: هذه مِن الكوارث الطبيعية، تأتي الزلازل اللي هي الرجفة ويقولون: هذه مسألة طبيعية، وتأتي الفيضانات العظيمة التي تُدَمِّر ويقولون: هذه كوارث طبيعية، ما يعتَبِرُون بها، ويرون أنَّها نوع من العقوبات التي جرَت على الأمم السابقة، وكذلك الرياح الشديدة، وهذا مِن موت القلوب -والعياذ بالله- أنَّ الإنسان يُعرَض عن التأمُّل والتدبر في هذه الآيات ويضِيفها إلى أمور طبيعية، وكأنها -على زعمهم- كأنَّ الطبيعة هي التي تخلُق وتفعَل بدون الله. * ومن فوائد الآية: إثباتُ حكمَةِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ سواءٌ قلنا: إنَّ الباء للسببية أو لِلمقابلة. * ومنها: إثباتُ الأسباب، وكل مَا جاءك في القرآن مِن لام للتعليل أو باء للسببية فإنها تدُلّ على إثبات الأسباب والحِكَم. * ومنها: الردُّ على الجبرية الذين يُنكِرُون الأسباب ومَن وافقهم مِن الأشعرية، فإنَّنا نحنُ أهل السنة والجماعة نُؤْمِن بالأسباب، لكننا لا نقول: إنَّ هذه الأسباب مؤثرة بنفسها، ولكن بخلْقِ الله سبحانه وتعالى فيها التأثير. * ومنها: أنَّ الجزاء مِن جنس العمل، هذا على أيِّ الاحتمالين في الباء؟ البَدَلِيَّة والمقَابَلَة، الجزاءُ مِن جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، واعلموا أنَّ الجزاء من جنس العمل في الجزاءات الشرعية، وفي الجزاءات الكونية؛ الجزاءات الشرعية مثل الحدود؛ الحدود: العقوبات المقَدَّرة مِن قبل الشرع، كلُّها في الواقع عقوبات، فقَطْع اليد بالسرقة لا شك أنَّه موافِق للحكمة؛ لأنَّ اليد بها يأخذ، وقطع الأيدي والأرجل مِن خلاف في قُطَّاع الطريق مُوافق للحكمة؛ لأن قُطاع الطريق يعتَدُون على الناس بأيْديهم وأرجلِهم، ورجم الزاني بالحجارة دون قتلِه بالسيف موافقٌ للحكمة أيضًا، وهكذا كُل العقوبات الشرعية والكونية فإنَّها موافِقَة للحكمة، ويدل على هذا قولُه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ وصيحة وخسْف وغرق، هذه الأنواع الأربعة مِن العقوبات ذكرُها له حكمة؛ لأن قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ جاءَ من فوق، ﴿مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ مِن تحت، ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاك بالقَوْل والصَّوْت. وقوله: ﴿مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ إهْلاك بالماء؛ لأجل أن يتبين للناس أنَّ العقوبات لا تأتي من نوعٍ واحد، تأتي مِن أنواع متعددة بحسب حال المعاقَب. * ومنها: بيانُ كمالِ عدلِ الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصفة أظُنُّها مِن الصفات السلبية أو الثبوتية؟ * طالب: سلبية. * الشيخ: سلْبِيَّة، وقد مر علينا عدَّةَ مرات: أنَّ الصفات السلبية لا تكون مدحًا إلا إذا تَضَمَّنَت ثبوتًا، فمُجَرَّد النفي ما هو بمدْح حتى يتضمن ثبوتًا، إذا نفى الله الظلمَ عن نفسه ليس معناه أنَّه لا يظلم فقط، بل لِكَمَالِ عدلِه لا يظلِم، وليس المعنى أنَّه غير قادر على الظلم، بل هو قادِر سبحانه وتعالى على أن يظلِم، لكنَّه لكمالِ عدله لا يظلِم، ولو كان غيرَ قادر على الظلم لم يكن نفيُ الظلم عنه مدحًا، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ولهذا قالوا في قول الشاعر: قُبَيِّلَـــــــــــــــةٌ لَايَغْــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُــــــونَ النَّاسَ حَبَّــــــــةَخَـــــرْدَلِ نفْي الظلم عن هؤلاء الجماعة هو مدْح ولَّا ذم؟ * طلبة: ذم. * الشيخ: في هذا الباب ذمّ؛ يعني: لأنَّهم لعجزِهم لا يظلِمُون، وكذلك قول الشاعر: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا يعني: ما هُم مِن الشر في شيء، ولا يفعَلُون الشر، ولا فيهم شر أبدًا، بل أبلغ مِن هذا أنهم يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّـــــوءِإِحْسَــــانَا إذا ظلَمَهم أحد قابَلُوه بالمغْفِرة والسماح، وكذلك أيضًا إذا أساءَ إليهم أحسَنوا، هذا ظاهرُه أنَّه مدح، قال: جزاهم الله خيرًا، لكنه في الحقيقة ذمٌّ مِن أبلَغ الذم؛ لأنَّه يحتقِرُهم، ويقول: إنهم ما يستطيعون أن يثأَرُوا لأنفسهم أو ينتصِرُوا لأنفسِهم، بل إذا أُسِيءَ إليهم قابلوا بالإحسان خوفًا من إساءة أعظم، وإذا ظلموا غفَرُوا؛ ولهذا قال نفس الشاعر: فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَكِبُــــــــــــــــــــوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــانًاورُكْبَــــــــــانَا وتمنَّى أن الله يعطِيه بدلِهم. فالمهِم أنَّ مُجَرَّد إثبات النفي لا يَدُلّ على الكمال حتى يتضَمَّنَ مدحًا وثبوتًا. * ومن فوائد الآية: أنَّ الإنسان هو الظالِم لنفْسِه بفعل المعاصي؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، إذن فأنت حرامٌ عليك فعل المعاصي؛ لأنه ظلمٌ لنفسك، وأمَّا الله تعالى فلا يظلِم، عندنا نفي الصفات مِن حيث العموم؛ قد يتضَمَّن الكمال، وقد يتضَمَّن النقص، وقد يكون لِعدَم القَابِلِيَّة، فالذي لله مِن أَيّهم؛ أيُّ الثلاثة؟ * طالب: الكمال. * الشيخ: الكمال، قد يكون للكمال، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، وقد يكون نفي النقص لأيش؟ * طالب: لعدم القابلية. * الشيخ: لِعدم القابلية، مثل أن تقول: إنَّ هذا الجدار لا يتعب، وهذا الجدار ما يظلِم، لماذا؟ لِعدم القابلية، فهل هذا مدحٌ له؟ لا؛ لأنَّه أصلًا ما يقبَل هذا الوصف حتى ينفى عنه، وقد يكون النفي للعجز، مثلما ذكَرنْا في أمثلة البَيْتَيْن: لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا ولا يكون لِلَّهِ مِن هذه الأقسام الثلاثة إلا القسْم الأول، وهو ما تضَمَّن كمالًا ومدحًا؛ ولهذا يقول أهل العلم: إنَّ الله تعالى إذا نفَى عن نفسِه صفَةً فإنَّ المراد بها أمران؛ نفيُ تلك الصفة، والثاني: إثباتُ كمَالِ ضِدِّهَا. * طالب: شيخ، القول بأن نفي الظلم عن الله؛ لأنه هو المتصرِّف في الملك؟ * الشيخ: لا، هذا غلط، هذا قول الجبرية، هذا ليس بصحِيح، هؤلاء يقولون: إن الظلم محَال على الله لذاتِه، لا لِعَدَم إرادَةِ الله له، وذلك أنهم يقولون: إنَّ الظلم أن يتصرّف الإنسان في مُلْك غيره، والله تعالى إذا تصرَّف في ملكِه فليس بظالِم، فيجُوز على زعمِهم، وليس بظُلْم أن يعاقِب المطِيع الذي أمضَى ليلَه ونهارَه في طاعة الله، فيعاقِبَه عقوبة الكافر، وعندهم أنَّ هذا ليس بظلم؛ لأنه يقال: الله ما تصرَّف إلَّا في ملكِه، وعلى هذا قال السفاريني رحِمه الله: وَجَـــــــــــازَ لِلْمَـــــــــوْلَىيُعَـــــــذِّبُ الْــــــــوَرَى ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُـــــرْمٍ جَـــرَى؎فَكُـــــــلُّ مَـــــا مِنْــــــهُ تَعَـــــــــالَىيَجْمُـــــــــــــــلُ ∗∗∗ لِأَنَّــــــــــــــهُ عَــــــــنْ فِعْلِـــــــــهِلَا يُسْــــــــــأَلُ (...) بالله سبحانه وتعالى، وأنَّ صفات الله سبحانه وتعالى تنقسِم إلى قسمَيْن: ثبوتية وسلْبِيَّة؛ فالثُّبُوتِيَّة ما أثْبَتَه الله لنفسِه، ولا تكون إلا صفة كمال، والسلبِيَّة ما نفَاه الله عن نفسِه، ولا تكون إلَّا صفَة نقْص، والصفات السلبية تدور على شيئين: أحدُهما النقص، والثاني مشابَهَة المخلوقين، ولو قلنا: إنَّ مشابهة المخلوقين نقص، وحصَرْنا هذين الشيئين في شيءٍ واحد لم يكن ذلك بعيدًا؛ فإنَّ مشابهة الناقص تعتبر نقصًا. * ويستفادُ مِن الآية؛ مِن آخرها في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنَّ العاصيَ ظالِمٌ لنفسِه، ووجهُ ذلك: أنَّ النفس عندك أمانَة، فكما أنَّك ممنوع من نقصِها نقصًا حسيًّا فأنت ممنُوعٌ مِن نقصِها نقصًا معنويًّا؛ بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقطع يدَه أو أُصْبُعَه أو يسيء إلى بدنِه كان ذلك محرَّمًا؛ ولهذا مَن قتل نفسه بشَيْءٍ عُذِّبَ به في جهنم خالدًا مخلدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فجَعَل النبي عليه الصلاة والسلام قاتِل النفس كقاتِل الغير في التَّخْلِيد في النار والتَّعذيب بما قتَلَ به. وعلى هذا نقول: كلُّ مَن عصَى الله فإنَّه ظالم لنفسِه، ومِن هنا نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وأنَّ العدول عن ملَّةِ إبراهيم سفَهٌ؛ لأنَّه ظُلْم للنفس مِن حيث لا يشْعَر الإنسَان.

العنكبوت 29:41

ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا يرجون نفعها ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]. (مَثَل ومِثْل) هي كـ(شَبَه وشِبْه)، وزْنًا ومعْنًى، فالمَثَل بمعنى الشَّبَه، وهو عبارة عن تشْبِيه شيء معقُول بشَيء محسوس؛ لأنَّ تَمْثِيل المعقولات بالمحسُوسَات يزيدها وضوحًا وبيانًا وتصوُّرًا، مفهوم؟ وإن كانت لا تتَسَاوى مِن كلِّ وجه، لكنَّها مِن هذا الوجه الذي شُبِّهَتْ به تتسَاوَى. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: جعلَوا أولِياءَ، والمراد بالأولياء: الأصنَام، وسُمُّوا أولياء؛ لأن عابِدِيهَا يرجُون نفعَها، كالوليّ الذي ينفَعُك بالنُّصْرَة والدِّفاع وجلْب الخير، وما أشبه ذلك، وأيضًا أولياء؛ حيث إنَّهم هم .. .. ولهذا قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨]، فهم ينصرونها ويرجون النصر منها، ولهذا سُمِّيَت هذه الأصنام بـ(أولياء). وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، والدليل على أن المراد دون الغير أن ذلك جاء في آيات متعددة كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، والتعبير بالدُّون لِدُنُوِّ مرتبته بالنسبة إلى مَن؟ إلى الله عز وجل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت ٤١] مثلُهم إذن مَن المراد بالذين اتخَذُوا مِن دون الله أولياء؟ المراد بهم المشركون مثلُهم ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]؛ أي: كشبه العنكبوت، والعنكبوت معروفة دويبة معرُوفة تتَّخذ لها بيتًا مِن العُشّ، وهذا البيت مِن العش هي التي تنسجه يخرج منها، والله سبحانه وتعالى على كلِّ شيء قدير، هذه العنكبوت إذا سقطَت من علٍ هي فورًا تفرز هذا العش، وتتعَلَّق به حتى لا تقع على الأرض، ثم مع ذلك تفرِزُه وتتعلق به، وتجدها مُتَدَلِّية بهذا الخيط، وإذا شاءَت أن تصعَد به صعدَت تنقلب وتجعَل رأسَها هو الأعلى وتصْعَد مع هذا الخيط الذي أفرزته هي في الحال، ثم هي أيضًا عند صيدَتِها -وأكثر مَا تصيد الذباب- ماذا تصنع به؟ تقيدُه بهذه الخيوط حتى تقضِي عليه، وهذا بعض مِن قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] هدى هذا الخلق لِمَا هو مِن مصالِحِه، الشاهد أنَّ هذه العنكبوت اتَّخَذَت بيتًا أي جعلت لها بيتًا، مِنين؟ مِن العش الذي تنسِجُه. قال المؤلف: (﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١] لنفسِها تأوي إليه) وهذا مشاهد ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ [العنكبوت ٤١] أضعَفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، هذا كلامُ الله عز وجل، وهو العالِمُ بما لم نُحِطْ به علمًا ما أكثرَ مخلوقات الله تعالى التي لها بيْت، ونحن لا نعلَم عن هذه البُيُوت إلا ما نشاهِدُه منها، وما أكثرَ الغائبَ عنَّا والله عزَّ وجل يقول: أَوْهَنَ الْبُيُوتِ بَيْتُ الْعَنْكَبُوت، وأَكَّد هذه الجملة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ بـ(إن) واللام مِن أجل تأكيد ضَعْف هؤلاء الأولياء، كما أنَّ هذه البيوت التي تأوي إليها العناكب ضعِيفَة، بل هي أوهَن البيوت وأضعفُها فإنَّ هؤلاء الأولياء أيضًا أضعفُ ما يكون مِن الأولياء فإنَّها لا تنفَع عابديها، بل إنَّ الله يقول في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ -حقًّا- ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ أي: الآلهة أو المتَأَلِّهِين لَها؟ تشْمَل هذا وهذا فهم لو كانوا آلهة حقًّا لمنَعُوا أنفسَهم مِن دخول النار، ولَمنَعُوا عابديهم مِن دُخُول النار، ولكنَّها آلهةٌ باطلة ما تنفَع فهذا وجه المشابهة في قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ هذا التشبيه تشبِيه يُسَمِّيه البَيَانِيُّون يسَمُّونَه التشبيه التمثيلي؛ يعني أنَّه مكَوَّن مِن جملة أنت إذا قلت: فلان كالبحر في الكرم هذا تشبيه، لكنَّه تشبيه إفرادِي شبَّهْت فردًا بفَرْد، إنما لو أتيت بشيء تُشبِّه قصة بقصة أو قضية بقضية، فإنَّ التشبيه هنا تمثيلِي مركَّب مِن عدة أوجه مِن مُشَبَّه، ومشَبَّه به متَعَدِّد، وأوْجُه الشبه متعدِّدَة أيضًا، فهذا التشبيه نسميه تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأنَّه مركَبٌ مِن قِصَّة متكَامِلَة؛ يعني ما قُصد أن يُشَبَّه العابدون بالعنكبوت وحدَها والمـعبُودُون بالبيوت وحدَها، قُصِد أن تُشَبَّهَ القضيَّة كاملة بالقضية كاملَةً حتى تتَّضِح الصورة أمام المخاطَب. قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال المؤلف في بيان هذا الوهم: (لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا) إي نعم، لا يدفُع الحَرّ ولا البرْد ولا يقِيها أيضًا مِن الآفات كأن يَسْقُطَ عليها شيء أو نحو ذلك، هذا البيت أوهَن البيوت؛ إذن يكُون هذه الأصنام لا تَنْفَع عابِدِيها، فعلى هذا نقُول: إنَّ هؤلاء الذين عبدوا هذه الأصنام، ما لجؤوا إلى ملجأ نافع، بل إلى ملجأ، ليس بنافع ولا مَانع ولا دَافع، ولهذا شبه الله ذلك ببيت العنكبوت، وفي آية أخرى شبه هذه الأصنام ودعاءها برجلٍ باسط كفيه إلى الماء لِيبلُغَ فَاه هل يبلغُه؟ إنسان أمامه الماء وهو عطشان فبسَطَ كفَّيْه إلى الماء، هكذا يُريد أن يصِل إلى الفَم يمكِن يصِل؟ لا يمكن أن يصِل أبدًا، فهذي أيضًا الأصنام لا تنفَعُ عابديها كما لا يصِلُ هذا الماء إلى فمِ هذا العطشان، قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١] ذلك ما عبدُوها. ﴿لَوْ﴾ هذه شرطِيَّة وفعل الشرط قولُه: ﴿كَانُوا﴾، وجوابُه مقدَّر على كلام المؤلف ويش تقديره؟ ما عبدوها، ولا ينبغِي أن تُوصَل هذه الجملة بالتي قبلَها؛ لأنَّك لو وصلْتَها بما قبلَها لكَان وهَنُ بيتِ العنكبوت مشروطًا بعلْمِهم مع أنَّه أوهَن البيوت سواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا، ولهذا ينبغي أن نقف على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. ثم نقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المؤلف يقول: ما عبدُوها، ويحتمل أن يكون الجواب: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا مِن ذوي العِلْم النافع ما خفِيَ عليهم هذا الأمْر، فإذا لم يخْفَ عليهم هذا الأمر، لم يقومُوا بالعبادة، وعلى كل حال فإن هذا يدُلُّ على جهلِ هؤلاء العابدين مهما بلغُوا من الذكاء، ومِن حُسْنِ التصرُّف في الدنيا فإنَّهم مِن هذه الناحية سُفَهَاء ليس عندهم علم ولا عقْل، هذه الآية تذَكِّرنا بآية يغلَط فيها كثيرٌ من الناس أيضًا في سورة التكاثر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، بعض الناس يصِل ويقول: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر ٥، ٦]، وهذا خطَأ؛ لأنَّ المعنى يفسُد به فسَادًا واضِحًا؛ لأنَّك لو وصلْت لكان ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمْر ليس كذلك، بل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جملة مستأنَفَة مستقِلَّة أخبر الله تعالى فيها أنَّنا سنرَى الجحيم، فيجبُ الوقوف على قولِه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. * طالب: شيخ، لو قال قائل أن العنكبوت تنتفع من بيتها بنسبة ما كما هو الواقع، وعباد الأصنام ما ينتفعون بها قطعًا؟ * الشيخ: نعم، هذا صحيح، قد يرد علينا، لكن المقصود أن هذه الأصنام مثل هذا البيت؛ لأنَّه لا ينفَع، هم الآن ينتفعُون بهذه الأصنام نوعًا من الانتفاع لا سيما الانتفاعُ المادي، فإنَّ الوافدين إليها لعبادتها والتبرُّك بها يحصُل فيهم منفعة مادية، لكن النَّفْع الحقيقي الذي هم يرْجُون، وهو الدفع ما ينفعهم. * طالب: يا شيخ، ما يقال: إن (...) ما يلزم الدخول في الواجب، فقد يطلب منك الشيء، ولا يلزم..؟ * الشيخ: لا، هو المقصود بالتشبيه هنا عدم الانتفاع أنَّها ما تنفعهم ولا تمنعهم، وهو حقيقة حتَّى بيت العنكبوت ما ينفعُه ولا يمنعُه يأتِيها الهواء، ويأتِيها البرد، ويأتيها المطر، ويعلَقُ به التراب، ولا تنتفعُ به الانتفاع الكامل. * الطالب: تصطاد به. * الشيخ: لا، ما تصطَاد به، تصطَاد بالعش اللي يخرج منها هذه الخيوط هي التي تصطَاد بها، أما نفْس البيت ما تصطَادُ به لكن هذا الذي نرَاه عليه هي التي جاءَت به تأتي به وتضعه فيه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت ٤2] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ ﴿مَا﴾ يقول المؤلف: (بمعنى الذي). فتكون اسمًا موصولًا، وهذا الإعراب الذي سلكَه المؤلف هو المتبادِر من الآية، وبعض المعربين، يقول: ﴿مَا﴾ استفهامِيَّة، والوقْفُ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ما الذي يدعون من دونه مِن شيء هل يستفيدون؟ ولكنَّ هذا بعِيد مِن اللفظ فإعراب المؤلف هو الصواب، ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يبقى على إعراب المؤلف أن نقول: أين العائد عائِدُ الموصول الجواب؟ * طالب: الهاء. * الشيخ: وين؟ * طالب: من دونه. * الشيخ: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الهاء هذه تعود على الله ما هي تعود على ﴿مَا﴾؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف، وهذا مطَّرِد، حذفُ العائد المنصوب مطَّرد، فيقول: التقدير: إنَّ الله يعلم ما يدعونَه مِن شيء. وقوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ قال: (يعبدون)، فالدعاء هنا دُعَاء عبادة، وكما يكون الدعاء دعاء عبادة فهو دعاءُ مسألة ودعاءُ عبادة، أمَّا دعاء المسألة ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] إنَّك تقول: يا ربي، اغفر لي، يا ربي ارحمني وما أشبه ذلك، دعاءُ العبادة ويش معناه؟ أن تتعَبَّدَ للهِ سبحانه وتعالى بما أمرَك به، وإنَّما كان ذلك دعاءً؛ لأن حقيقة حالِ العابد ما هي؟ طلب مغفِرَة الله ورحمَتِه فهو في الحقيقة داعٍ ضِمْنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. وقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يعبدون، ينبغي أن نجعَل الدعاء هنا شاملًا لِلعبادة ولِدُعَاء المسألة، هم يدعون هذه الأصنام دعاءَ مسألة ولَّا لا؟ * طالب: يدعونها. * الشيخ: يدعونها هذه الأصنام دعاء مسألة أيضًا، يسألونها، وشاهدٌ ظاهر في هذا أولئك الذين يشرِكُون بالأنبياء والأولياء فإنَّهم يدعونهم دعاءَ مسألة، يقول: يا رسول الله، اغفرْ لي، ويا رسول الله، يسِّرْ أمري، وما أشبهَ ذلك. وقوله: (بالياء والتاء) كيف بالياء والتاء؟ يعني ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿تَدْعُونَ﴾ قراءتان سبعيتان ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه بيانٌ لـ﴿مَا﴾؛ يعني أي شيء يدعونه، فإنَّ الله تعالى عالم به. علمُه به ويش معنى علمُه به؟ أنَّه يعلم حال هذا المدعُوّ المعبُود، وهي كالتعليل لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، تؤيد أنَّ هذا المثلَ مطابِقٌ للواقع؛ لأنَّه صادرٌ ويش؟ عن عِلْم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فإنه لما ذكر أنهم كالعنكبوت بيَّنَ أنَّ هذا عن علم مِن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأنَّ هذا الشيء الذي يُدعَى لا ينفَع. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنعِه. لو قال قائلٌ: إن المناسب أن يقال: (وهو السميع العليم)؛ لأن الله يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمقتضى الظاهر أن تُختَم الآية بالعِلْم؟ قلنا: هذا حقّ بالنِّسْبة لِظاهِر الكَلَام لكن عند التأَمُّل تجد أن ختامَه بالعزة والحكمة أبلَغ فإنهم يريدون الاستنصار بهذه الأصْنَام والغلبَة والظهور، وأكبر شاهدٍ لذلك قول أبي سفيان يوم أحُد حيث قال: «اعْلُ هُبَل»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء.]]. هذه الأصنام واعتزازُهم بها مقابَلٌ بعزةِ مَن لا يُغلَب وهو الله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب لهذه الأصنام ولعابدي هذه الأصنام واضِح؟ إذن مناسبة ﴿الْعَزِيزُ﴾ أبلغ مِن مناسبة (العليم)؛ لأنَّ هؤلاء يستنصرون بأصنامهم ويريدون أن تظهَر وتغلب، فبيَّنَ الله أنَّه هو صاحب العزة، وسبق لنا أن العزيز مِن أسماء الله عز وجل، وأنه يتضَمَّن العزة من ثلاثة وجوه: عزة القَدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ أما عزةُ القدر فمعناه سبحانه وتعالى أنَّه لا يشبهه أحد في عظمته وجلاله وقَدْرِه، وأما عزة القهر فمعناه أنَّه لا أحد يشبهُ الله عز وجل في قهْره وسلطانه وملكه، وأمَّا عزة الامتناع فمعناه أنَّه سبحانه وتعالى ممتنع عن كلِّ نقص وعن كلِّ عيب فهو عزيزٌ أن يُنَالَ بعيبٍ أو نقص، وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يقرِن الله سبحانه وتعالى العزة بالحكمة أتدرُون لماذا؟ لأن بعض الأعزَّاء مِن الخلق تحمِلُهم العزَّة على التَّهَوُّر، وعَدم التثَبُّت، وعدم تنزيل الأشياء منازلها، واذكروا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، وكون العزة تأخُذُه بالإثم حِكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة خلاف الحكمة، فلهذا يقرِنُ الله تعالى دائمًا العزيز بالحكيم إشارةً إلى أنَّ عزتَه تبارك وتعالى مقرونَة بالحكمة، فهو وإن كان عزيزًا غالبًا قاهرًا له السلطان الكامل فإنَّه سبحانه وتعالى لا يدبِّر الأمر إلا على وجه الحكمة البالغة، ثم إنَّه أيضًا على تفسيرنا فيما سبق ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنَّه ذو الحُكْم، ويش بعد؟ والحِكْمَة، ظاهر جدًّا أن عزتَه مقرونَة بحُكْمِه، وأنَّ له الحكم المطلق في عباده سبحانه وتعالى فلهذا يُقرَنُ هذا الاسم بهذا الاسم دائمًا، واعلم أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لها معانِي عند إفرادِها، وإذا قُرِنَت مع غيرِها ترَكَّب مِن هذا الاقتران معنًى آخر فوق المعنى الإفرادي لكل اسم، وهذه مسألة تأمَّلُوها، فمثلًا العزيز له معنى عند انفرادِه والحكِيم له معنى عند انفراده، لكن إذا اقترنا جميعًا حصل منهما معنًى آخر ثالث زائد على المعنى الانفرادي، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعنى الكامل، وسبق لنا أن الحكيم ذُو الحُكْم والحِكْمة، وأنَّ الحُكْم ينقَسِم إلى كَونِيّ وشرعي، ومثَّلْنَا للكوني بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، وللشرعي بقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، ولما يشمَلُهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وما أشبه ذلك. أمَّا الحكمة فإنها ثابتة لله عز وجل، وهي تنْزِيل الأشياء في منازلها، وتكون في الحكم الكوني والحكم الشرعي، هذا باعتبار موضعها، وتكون أيضًا حكمة غائية، وحكمة صورية، صورية؛ بمعنى أن كونَ الشيء على هذه الصورة المعينة موافِقٌ للحكمة، ثم الغاية منه حكمة أيضًا فتكون الحكمة في الغاية، وفي الهيئة التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامل لجميع أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.﴾ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت 43] في القرآن ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نجعلها ﴿لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفهمها، ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ المتدبِّرُون. ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ أتى بـ﴿تِلْكَ﴾ الدالَّة على البُعْد، ولَّا على القرب؟ على البعد؛ لأنَّه لم يقل: وتلك الـمَثَل حتى نقولَ إنه عدَلَ بالكلام عن ظاهره أو عن مقتَضَى سياقِه؛ لأنّ المثل المضروب الآن قرِيب ولَّا بعيد؟ قريب، لكن قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، والأمثال الأخرى غير مثَل متَّخِذِي الأصنام بعيدة بالنسبة لهذا المكان؟ إي نعم؛ لأنها متوَزِّعة في القرآن فلهذا جاءت الآية بـ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، ولم يقل هذا المثل فهو شامِل لكُلِّ الأمثال الواردة في القرآن، والأمثال الواردة في القرآن كثيرة متعدِّدة، وقد ألَّفَ فيها بعض أهل العلم الكتب المستقلة، وأفردَها السيوطي في الإتقان بفصل مستَقِلّ، وبيَّن فوائد الأمثال التي يُضرب المثل مِن أجلها، والفائدة الملموسة منها القريبة جدًّا هو تقرِيب المعقول إلى الأذهان إذ إن المثل هو ضَرْبُ شيءٍ معقُول قد يَبْعُد على الإنسان تصَوُّره بشيءٍ محسُوس يسهُل تصَوُّرُه، قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قلت: ضرب ذلك مثلًا المعنى جعل ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨] أي: جعَل لكم، فالضرب إذن يأتي بمعنى الجعل إذا أُضِيف إلى المثل كلَّما وجدت ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم ٢٤]، وما أشبهَه فاعلم أن المراد به المراد بالضرب هنا الجعل، فمادة (ضرَب) ليسَت خاصة بالضرب الذي هو الضَّرْب باليد، تشْمَل الضَّرْب بمعنى الجعل، وتشمل الضرب بمعنى تحويل النُّقُود مِن سِكَّة إلى سِكَّة وغير ذلك حسب السياق الذي يبينها. وقوله: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نجعلها أمثالًا للناس عمومًا فالله تعالى ضربَ المثل لجميع الناس في التوراة والإنجيل والقرآن، ولكن مَن الذي يعقلها وينتفِعُ بها؟ العالِمُون ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العالمون أي: ذَوُو العِلْم، والفهم الذين ينتفعون بفهمهم وعلمهم، ولهذا قال المؤلف: (المتدبرون)، وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن العلم بعد التدبر، لكن لما كان العلم لا يحصل إلا به فسّره المؤلف به، والحقيقة أن المراد بالعالمين المراد بهم ذوو العلم والفهم الذين يعقلون الأشياء ويفهمونها احترازًا من أهل الجهل المعرضين الذين لا ينتفعون بما أعطاهم الله تعالى من الفهوم فإنهم لا يعقلون هذه الأمثال، وإذا لم يعقلوها ينتفعون بها ولَّا لا؟ ما ينتفعون بها، هل من الممكن أن نحصر الأمثال الموجودة في القرآن؟ ما هو في هذا المكان، ما يمكن في هذا المكان، فنأخذ به بحثًا ولا ما يمكن؟ * طالب: كتاب لابن القيم حصر (...). * الشيخ: أنا لا أريد منكم أنكم تنقلون من الكتاب أولًا الإنسان، هذا بينكم وبين الله أنتم بأنفسكم تدبّرون القرآن، كلنا في رمضان الحمد لله نقرأ القرآن، كلما مر على الإنسان مثل يقيده، ثم بعد ما يقيد هذه الأمثال يشوف عاد يرجع إلى الكتب المؤلفة، هل نقص ولا ما نقص، ولا معلوم أن.. أنا ما ودي أنك علمت الإخوان، لكن أن الإنسان يستطيع أنه يروح لأي كتاب مؤلف في هذا وينقله لكن.. * طالب: لا، يمكن يا شيخ نقرأ كتاب ابن القيم نقرأ بس قراءة يساعدني (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أن الإنسان أولًا يبدأ هو بنفسه، يبدأ في القرآن يقيد الأمثال، ثم بعد ذلك يرجع إلى الكتاب ما فيه مانع، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ إذن عمم في ضرب المثل، وخصّص في عقل المثل، أين التعميم في ضرب المثل؟ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾،﴾ والتخصيص: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وهذا أسلوب كثير في القرآن التعميم ثم التخصيص؛ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعمَّم في الدعوة، وخصّ في الهداية. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت ٤4] أي: محقًّا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ما معنى خلق؟ أي: أوجدها، والله تعالى خالق السماوات والأرض. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١١٧] قال أهل العلم: بديع بمعنى (مُبدع)، والإبداع إيجاد الشيء على غير مثالٍ سبق، ومنه البئر البدع التي حفرت الآن جديدة، فالخلق أعم من البدع، لكن قد بيَّن الله عز وجل في آية أخرى أنه خالق وبديع، فهو الذي أوجد السماوات والأرض وهو بديع السماوات والأرض. وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني بما فيهما، والذي فيهما بالنسبة لبني آدم منهما، وكذلك النبات فإن الإنسان خلق من طين من الأرض والنبات أيضًا من الأرض كما هو ظاهر. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال المؤلف: (أي محقًّا)، فالجار والمجرور في موضع نصب على الحال من فاعل (خلق) أي محقًّا ويجوز أن يكون حالًا قصدي مفعولًا من أجله؛ يعني بمعنى المفعول من أجله؛ أي: خلقها للحق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص ٢٧]، وإنما هي حق، وتفسير المؤلف يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، فإذا لم يكن لاعبًا سبحانه وتعالى كان محقًّا. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه الخلق، فيشمل كل ما تطور من خلق السماوات والأرض فإنه آية، فنفس السماوات والأرض خلقهما آية دالة على الله؛ لأن آية الشيء ما كان دالًّا عليه دون غيره، هنا السماوات والأرض دالة على الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق مثل هذه السماوات والأرض، أليس كذلك؟ إذن فهي آية له، فوجود هذه السماوات والأرض دال على القدرة وما فيهما من الانتظام، وعدم الاضطراب والتناقض دال على الحكمة، ولو تأملت أشياء كثيرة من حوادث السماوات والأرض لوجدت كل واحد منها يدل على القدرة، وطبعًا على العلم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وعلى الحكمة، وله أيضًا دلالة خاصة على ما يدل عليه بنفسه، وهذا شيء تأمله يظهر لك آيات كثيرة ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: دالة على قدرة الله فقط؟ لا، على قدرة الله، وعلى علمه، وعلى حكمته، وعلى رحمته، وعلى قوته، وكل حوادث السماوات والأرض كل شيء منها يدل على تلك الصفة الخاصة به. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين) صحيح، الآيات الكونية لا ينتفع بها إلا المؤمن والكافر ما ينتفع، الكافر يقول: هذه طبيعة تدبر بنفسها، وتنتقم من الناس بنفسها، وتجلب الخير للناس بنفسها ولا ينتفع، والمؤمن ينتفع بذلك، كذلك أيضًا الآيات الشرعية المؤمن ينتفع بها وغير المؤمن لا ينتفع ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، فالآيات إذن الآيات الكونية والشرعية ما تنفع إلا المؤمن. فإذا قال قائل: المؤمن مؤمن، كيف ينتفع؟ قلنا: نعم، ينتفع بأي شيء؟ بزيادة الإيمان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وزيادة الإيمان لا شك أنه انتفاع نفع عظيم؛ لأن الإيمان إما أن يزيد، وإما أن ينقص، وإما أن يبقى على ما هو عليه، والأخير هذا قد يكون نادرًا أن يكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ فهو إما في زيادة، وإما في نقصان، هذا في الغالب الكثير، على أن التقسيم الحاصل هذا أنا أشك في وجود القسم الثالث منه، وهو أن يكون لا يزيد ولا ينقص؛ لأن عدم زيادة الإيمان يؤدي إلى نقصه؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة كما هو مفهوم للجميع إذا فقدت الطاعة حصل النقص، إنما القسمة العقلية هو أن يكون إما زائدًا أو ناقصًا أو باقيًا على حاله، وتصور أو وقوع القسم الثالث الله أعلم به. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. [العنكبوت: ٤4، 45] * طالب: أيش الذين قالوا: (...) والذين قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟ * الشيخ: ما عندهم دليل؛ يعني عندهم تعليل عليل الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، يقولون: هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب والإقرار لا يتفاوت أو المعتزلة والخوارج، الذين يقولون: الإيمان ما يتبعض إما أن يوجد كله كاملًا وإما أن يعدم كله. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ﴾.. * طالب: لكن الآية ما ترجع للخلق بالحق جميعًا؟ * الشيخ: إلا ترجع لهما جميعًا، وخلق السماوات بالحق بهذا القيد ترجع لهما جميعًا. * طالب: يا شيخ، فيه بعض العلماء يقول على نقص الإيمان وزيادته، يقول: إن من ترك ما ينفعه لا بد أن يبتلى بما يضره، وهذا من العوائد القدسية. منين أخذوا هذا الكلام بعض المفسرين (...)، يذكر هذا فما أدري منين؟ يقول: دائمًا إن الإنسان إذا ترك أي شيء ينفعه فلا بد أن يبتليه الله سبحانه وتعالى بما يضره، (...) وجه (...). * الشيخ: أيش وجهه؟! من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره، وجه ذلك يا إخواننا؟ * الطالب: عقوبةً يعني؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] الإنسان لا بد أن يفعل شيئًا. * الشيخ: نعم، هذا وجهه، الإنسان لا بد أن يكون حارثًا وهمامًا، كل إنسان لا بد له من همة وعمل، هذا العمل إذا لم يكن فيما ينفع لزم أن يكون فيما يضر. فإذا قال قائل: هذا القول يستلزم إبطال القول بقسم المباح في باب التكليف كما يذكر عن أحد المعتزلة -فيما أظن الكعبي، هو يسمى الكعبي، وأظنه من المعتزلة- يقول: ما فيه قسم مباح في الشريعة؛ لأنه لازم أن هذا الشيء المباح الذي تشتغل به يكون كافًّا لك عن المحرم فيكون واجبًا، فالأشياء إما واجبة وإما محرمة، لكن أهل العلم ردوا عليه بأدلة العقل والنقل وقالوا: هذا ليس بصحيح، فإن ضرر فعل المباح إذا تضمن ترك الواجب ما هو لأنه مباح، ولكن لترك الواجب، لو فعل المباح بدون أن يترتب عليه ترك واجب وفعل محرم ما صار عليه إثم، فالمهم أنا نقول: أن وجه الكلام أن الإنسان لا بد أن يكون فعالًا، فإما فيما ينفعه وإما فيما يضره. أستغفر الله! * طالب: ما هناك مباحث يتعلق بموضوع الأسماء والصفات وشرحها، الأسماء فقط وشرحها (...) محققة في كتب؟ * الشيخ: ما رأيت إلا كلام ابن القيم في النونية، والشيخ عبد الرحمن السعدي شرحها توضيح توحيد الأنبياء، وفيه أيضًا كتاب شرح أسماء الله لأحد علماء اللغة. * طالب: الزجاج؟ * الشيخ: والزجاج. * طالب: تفسير الأسماء. * الشيخ: إي هو شرحه، لكنه بس ما عاد أدري عن ثقتي بهذا الرجل. (...). في هذه الآية ضرب الأمثال للناس أو نخليها في الآية التي بعدها؟ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ الآية التي بعدها أوضح. * في هذه الآية الكريمة: دليل على سفه أولئك المشركين حيث اعتمدوا على ما لا معتمد عليه في عبادة الأصنام؛ يؤخذ من قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: تقبيح هؤلاء المشركين وتنزيل مرتبتهم حيث شبهوا بأيش؟ بالعناكب؛ لأن هذا لا شك أن تشبيه الإنسان بالحيوان أنه إذلال له وتنزيل له عن مرتبته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * ومن فوائِد الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها أبدًا، لا تنفعهم، ولا تدفع عنهم فهي لا تجلب الخير ولا تدفع الضرر من أين يؤخذ؟ حيث شبّهت ببيت العنكبوت. * ومنها: جواز ضرب المـثل بالدون حسب ما تقتضيه الحال منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، فإنها من أدنى ما يكون من المخلوقات، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة ٢٦]، وقد ضرب الله المثل بالذباب، وبالحمار، وبالكلب، وبالبعوضة، وبالعنكبوت، كل هذا حسب ما يقتضيه المقام. * ومن فوائد الآية: أن أوهن البيوت وأضعفها بيت العناكب، ومن هنا نأخذ أنه لا ينبغي أن يقال: هذا أوهى من بيت العنكبوت أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: تأملوه أوهى من بيت العنكبوت. * طالب: لأن لا شيء أوهى من بيت العنكبوت. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الله المستعان (...) أوهى من بيت العنكبوت ليش نقول ما يصلح؟ لماذا؟ لأنه قال: ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ فأنت ما يمكن تقول لبيت من البيوت: إنه أوهى من بيت العنكبوت، بيت تقول: أوهى من بيت العنكبوت ما يصلح؛ لأن الله يقول: أوهن البيوت بيت العنكبوت، لكن إذا كان غير بيت تقول مثلًا: حجة هذا الرجل أوهى من بيت العنكبوت فما رأيكم؟ * طالب: لا بأس. * الشيخ: هذا لا بأس، ما فيه تكذيب للقرآن، اللي فيه معارضة للقرآن أن تقول عن بيت: إنه أوهى من بيت العنكبوت.(...) سبيل الهداية ولكن لاحظوا ما المراد بالعلم الذي هو سبيل الهداية هل هو العلم بطبائع الأشياء وما خلقَ الله في الكون أو العلم بالله عز وجل؟ العلمُ بالله وآياتِه الكونية والشرعية وليس مجرَّد أن يطَّلِع الإنسان على ما في هذا الكون لأنَّه قد يطَّلِع ولا ينتَفِع، ومن هنا نأخذ خطَأَ كثيرِ مِن الناس الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] أنهم العلماء بالكون، لو كان الأمر كذلك لكان أصحابُ علوم الفلك وطبقات الأرض الجيولوجيا وغيرِها هم الذين يخشَون الله، وأصحابُ العلم بشريعة الله دونَهم في الخشية وهذا مُحَال ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت ٤٤]. * يستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ الخالق للسماوات والأرض هو الله. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الآية فيها أنَّ الله لم يحكُم على هؤلاء المشركين بمشابهتِهم للعنكبوت إلَّا عن عِلْم فالآية كالتعليل لِمَا قبلها يعني أنَّه سبحانه وتعالى ما قال: كمثل العنكبوت إلَّا عن علم هو يعلَم هذه الأصنام وأنها لا تنفع ولا فائدة منها. * ومنها: إثباتُ العلم لله فيما يتعلَّق بالخلْق إثبات علم الله تعالى فيما يتعلَّق بالخلق فيكونُ فيه ردٌّ على من؟ على غُلَاةِ القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلَم الأشياء المتعلقة بالخلْق إلا بعد وقوعِها. نعوذ بالله، لكن هؤلاء الغلاة يقول شيخ الإسلام في وقته: إنهم كانوا قليلين، إنَّهم قَلُّوا؛ لأنَّهم رأوا أنَّ إنكارهم العلم نداءٌ على أنفسهم بالكفر فتركوا هذا وصاروا ينكرون الكتابة والمشيئة. * ومِن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين العزيز والحكيم وإثباتُ ما تضمناه مِن صفة وهي العزة والحكمة، وكذلك ما تضمنَّاه من صفة على سبيل دَلَالة الالتِزَام؛ لأنَّ دلالة اللَّفظ على معناه تكون بالمطَابقَة والتضَمُّن والالتزام، فما يستلزمه هذان الوصْفَان مِن الصفات فإنَّه ثابت، أنتم فاهمين هذا؟ دلالة اللفظِ على مدلوله تكون بدلالة المطابقة والتضَمُّن والالتزام، ما مرَّت علينا هذه؟ نضرِب مثلًا لذلك: كلمة (دار)، تعرفون الدار المسكُونة كلمة (دار) تدُلّ على هذه الكتْلة مِن البناء المتضَمِّنَة للغُرَف والحُجَر والسُّطُوح والرَّحْبَات تدُلُّ على ذلك بالمطابَقَة، أنت بمجرَّد ما أقول: كلمة (دار) تفهم أن (دار) فيها حُجَر وغُرَف وأسْطِحَة ورحَبَات فدلالَتُها على هذا دلالَة مطابقة تدُلُّ على كل حجرةٍ بمفردها أو غرفةٍ بمفردها أو سطحٍ بمفرده أو رحبة بمفردها تدل عليها بالتضَمُّن يعني أنه متضَمِّنَ لكذا وكذا واضح؟ تدلُّ على أنَّ لها بانيًا بأيش؟ بالالتزام؛ لأنَّه ما تقوم الدار إلا ببانِي هذا معنى قولهم إنَّ الدلالة مطابقة وتضمن والتزام، فمثلًا العزة العزيز يدل على العزة دلالة مطابقة، مِن لازم العزة أن يكون العزيز عالمـًا قادرًا قويًّا دلالته على هذه المعاني بالالتزام، ودلالة العزيز على الذَّات والصفة دلالة مطابقة، وعلى الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضَمُّن. * طالب: ما قلت يا شيخ دلالته على الذات؟ * الشيخ: لا؛ لأن العزيز اسم، فهو دلالته على الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضمن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، وعلى ما تستلزمه العزة مِن العلم والقدرة والقوة، وما أشبه ذلك التزَام، ولهذا اسم الحي القيوم تضَمَّن جمِيع الصِّفَات، هذان الاسمان تضمَّنَا جميعَ الصفات؛ لأنَّ الحي مستَلْزِم لجميع صفات الكمال، والقَيُّوم مستلزم لجميع صفات السلطان والمـُلْك والتدبير وما إلى ذلك، ولهذا ورد في الحديث أنَّهما اسمُ الله الأعظم[[أخرجه أبو داود (١٤٩٦) من حديث أسماء بنت يزيد.]]. العزيز الحكيم قلنا: فيها إثبات العزة، والحكِيم فيها إثبات الحُكْم والحِكْمَة، وفي الجمع بينهما يظهَر صفة ثالثة، وهي أنَّ عزةَ الله مقرونَة بالحكمة ليست كعزةِ العزيز غيرِه فإنَّها قد تكونُ خاليةً من الحكمة. * ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التَّأَمُّل إذا خُتِمَت الآيات بما يكون مُخالفًا لِظَاهِر الحال؛ يعني فلا ترُدَّها إذا وجدت آية مختومة بخِلَاف ما يقتضيه ظاهر الحال أو السياق، فتأمَّل فيها فإنَّ الخطأ منك ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]، مقتضى ظاهر السياق أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن عَدَل عنه، لا تقل إن هذا خلل أبدًا، الخلل منك أنت فإن هذا كلام الله عز وجل ما فيه خلل، فآياته الكونية ليس فيها خلل، وآياته الشرعية كذلك، فيجب أن تتَأَمَّل وتتوقف، هنا في الآية التي معنا، قد يتبادَر للإنسان أن تخُتَم بالعلم، ولكن عند التأمل يكون ختمُها بالعزة والحكمة أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]. * في هذه الآية الكريمة فائدة: ضرْب الأمثال، وأنَّه نوْع من التعليم والتوجيه؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾. * ومِن فوائدِها: إثباتُ عظمةِ الله عز وجل، منين تؤْخَذ؟ * طالب: ﴿نَضْرِبُهَا﴾. * الشيخ: ﴿نَضْرِبُهَا﴾ مِن نون العظمة ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾، واعلم إن كنت لا تعلم مِن قبل أنَّ ما أضافه الله تعالى إلى نفسه بلفظ العظَمة فإنه يدُلُّ على عظمة نفسه سبحانه وتعالى، وقد يُرادُ به ملائكته لا نفسه، وهذا في القرآن كثير، وكذلك الأول في القرآن كثير، فمِمَّا أراد الله به ملائكتَه مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، الضمير هذا يعود على مَن؟ ضمِير الفاعل؟ على جبْرِيل، لكن أضافَه الله إلى نفسِه؛ لأنَّ جبريل رسولُه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود ٧٤] ﴿يُجَادِلُنَا﴾ وهو لا يُجادِلُ الله إنما يجادِل الرُّسل، لكن حمل ما أضيفَ إلى الله بصيغة العظمة على رسلِه وملائكتِه لا بُدَّ له مِن دليل، وإلَّا فالأصل أنَّه يعود إلى الله، أمَّا ما أضافَه الله تعالى إلى نفسه بصيغة الإفراد فهو له نفسه، ونضرِب لهذا مثلَيْن؛ الأَوَّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦] هذه الضَّمَائِر كلُّها بصيغة الإفراد. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ المراد قربُه نفسه مِن داعِيه، ولكنَّ هذا القُرْب لا يلزمُ منه أن يخلُوَ منه العرش أو ينتفِيَ عنه العُلُوّ كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يلزم منه أن يخلُو من العرش أو أن ينافي ذلك علُوَّه، لكن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] فإن ﴿أَقْرَبُ﴾ فيها ضمير يعود على ﴿نَحْنُ﴾ و﴿نَحْنُ﴾ الضمير لمن؟ الضمير لله، لكنَّه أقربُ إليه منَّا بِـملائكتِه ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإنَّ الملائكة تحضُر إلى الميت لقبض روحه، وتجلس منه مَدَّ البصر لكن ما نُبصِرُها نحن، فهنا القرب لِمَن؟ القرب للملائكة؛ لأنَّ الله أضافَه إلى نفسه بصيغة العظمة ووُجِدَ الدليل، وهذه الفائدة مهمة جدًّا تنفعُك في بابِ الصفات وغيرها أنَّ ما أضافه الله إلى نفسه بصيغَة الإفراد فهو له، وما أضافَه إلى نفسِه بصيغة الجمع فهو له، لكن قد يكون لِملائكته بقرينَة، وهذا غيرُ ممتنع كما عرفْتُم. هنا قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ له ولَّا للملائكة؟ لَه؛ لأن ما فيه قرينة تدل على أنه للملائكة. و﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ الفائدة الأولى: قلنا: فيها فائدة ضرب الأمثال. * وفيها أيضًا من فوائد الآية: رحمةُ الله تعالى بالخلق بضربِ الأمثال لهم؛ لأنَّ ضربَ الأمْثَال كما قلنا: يُقَرِّبُ المعقول إلى الأذهان، وتصَوُّرُ الإنسان للمحسوس أقْوَى مِن تصَوُّرِه للمعقول، أليس كذلك؟ الآن لو أشرَح لكم صفة الحج شرحًا بيِّنًا ظاهرًا وافيًا أو أذهب بكم إلى الحج إلى المناسِك، أيهن أبلغ؟ الأخير أبْلغ؛ لأنَّكم تُحِسُّونَه بأعينكم، لكن الأول تتصَوَّرُونه بقلوبكم فلا تدركونه جيدًا، فإذن ضرب الأمثال فيه رحمة للخلق حيث إنَّه سبحانه وتعالى يقرب لنا المعقولات بالمحسوسات. * ومن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التأمل في الأمثال؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فالعالم هو اللي يتَأَمَّل وينظر حتى يعقل. * ومِن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾، والمراد بالعقل هنا عقْلُ الإدراك أو عقل الرُّشْد؟ * الطلبة: عقل الرشد. * الشيخ: عقل الرُّشْد، العقل الذي ينفع هو الذي يُثْنَى عليه. * ومنها أيضًا: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فاللي غير عالِم بالله سبحانه وتعالى وآياتِه ما يعقِل هذه المعاني، ويقول: هذه أشياء ليس لها معنى، لكن العالم هو الذي يعقِلُها ويعرِف مغْزَاها ومعنَاها، وأوجُه الشبه بينها حتى يصل إلى درجة الكمال. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * في هذه الآية فوائِد: أولًا: أنَّ خالقَ السماوات والأرض هو الله أو لا؟ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنا ما نعرف. لو قال قائل: ما في الآية حصر حتى تقولوا: إنَّ الخالق هو الله؟ نقول: نعم، ما فيها حصر بالطرق المعروفة، لكن في حصر من حيث إنَّه لا يوجد إلا سماوات وأرض واحدة إذا كان الخالق لها هو الله انتفى أن يكون غيرُه خالقًا لها. * ومنها: الردُّ على أهل الطبيعة -والعياذ بالله- الذين يقولون: إنَّ السماوات والأرض ليس لها خالق، إنَّها أشياء تتفاعل وتتحَوَّل وتتَقَلَّب، وأنَّ الخلق لا أول له ولا نهاية. * ومنها: إثبات حدوث السماوات والأرض، وأنَّها ليست قديمة، مِنين نعرفه؟ خلق السماوات فهي مُوجدة بعد العدم، وكلُّ ما سوى الله فهو موجود بعد العدم. * ومنها: أنَّ السماوات عِدَّة، كم؟ * طلبة: سبع سماوات. * الشيخ: نعم، بُيِّنَت في آيات أخر بسبْع. * ومنها أيضًا: أن الأرض واحدة؟ * طلبة: لا، هذا الجنس. * الشيخ: المراد الجنس، طيب في القرآن ما جُمعت الأرض أبدًا أو لا؟ لكنَّه أُشير إلى جمعِها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] المماثلة هنا في الوصف متعَذِّرة أو لا؟ لأنَّه ما فيه مقارنة بين السماوات والأرض إذا تعذّرَت المماثلة في الوصف رجَعْنا إلى المماثلة في العدد، وقد جاءت السنة صريحةً في ذلك مثل قوله ﷺ: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، ومسلم (١٦١٢ / ١٤٢) من حديث عائشة.]]. * ومِن فوائد الآية: أنَّ هذه السماوات والأرض خَلْقُها بالحَقّ ليس عبثًا ولا لهوًا ولا باطِلًا؛ لقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾. * ومنها أيضًا: أنها مشتملة على الحق، فخلْقُها أصل إيجادِها بالحق، وهي أيضًا مشتملة على الحَقّ، ما يمكن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بحَقّ. * مِن فوائدها أيضًا: اطمئنان الإنسان لِمَا يُحْدِثُه الله في السماوات والأرض أو بعثُ الاطمئنان، ما وجْهُ ذلك؟ هذا السؤال أنا ذكرت الفائدة فما وجهُها؟ طيب ما وجهُ كونِها تبعَث على الاطمئنان؟ * طالب: بالحق. * الشيخ: أنَّها بالحق، كلُّ شيء يحدث ما دام عرفت أنَّه بالحق أطمئن ما أقول: ليش حدث؟ وليش ما حدث؟ حدث على الناس جُوع ومرض وزلَازِل وفيضانات، أعرف أنَّ ذلك بالحق فأطمَئِنّ وأرضَى وأُسَلِّم، ولا راحَة في الحقيقة للإنسان إلَّا بهذا ما يمكن يستريح الإنسان إلَّا بهذا إذا آمَن بقضَاء الله وقدرِه، وأنَّه الحق وهو يطمئن تمامًا، وإلَّا فإنه سيتكَدَّر؛ لأنَّه ما من ساعَةٍ إلا ويجِدُ فيها ما يسُوؤه إمَّا في نفسِه أو أهلِه أو صحبِه أو بلدِه أو البلاد الإسلامية عامَّة، ولا يمكن أنَّ الإنسان يطمئن ويستَقِرّ حتى يؤمِن بأنّ هذه الأشياء كلها حق. * طالب: المنازعة في الأقدار؟ * الشيخ: منازعة الأقدار بالشرع هذه واجبَة، طيب فيه أيضًا. * الطالب: يعني تطمَئِن وتُنَازِع؟ * الشيخ: تنازع بالشرع، ما هو بالقضاء. * الطالب: لا، أنا قصدي الجمع بينهم؟ * الشيخ: أنه هذا الجمع بينه، نحن مثلًا أي إذا جاءَنا القدَر ما يسوؤنا ننازعُه بالشرع بالصبر إذا صبرنا ما ساءنا ذلك، وهكذا منازعة القدَر بالشرع، هذا شيءٌ واجِب أن تُقَابِل القدر بما يقتضِيه الشرع، لكن منازَعة القدر بالقدر هذا ما يجوز، أنت تجيب دائمًا كلمات صوفية ما أدري ويش.. * الطالب: لا، ما صوفية يا شيخ لنحذر (...) أنا اللي خلاني أجيب هذا.. * الشيخ: أنا ما وُدِّي أنك جبت هذا؛ لأنه تحتاج إلى.. لاحظ يمكن بعض الناس ينفُر مِن كلمة منازعَة، والمرادُ بالمنازعة المقابلة. * مِن فوائد الآية: أن خلْقَ السماوات والأرض آية دالة على ما يقتضيه هذا المخلوق من صفات الله عز وجل، وقد ذكرْنا أنَّ منه ما يقتضِي الدلالة على قدرة الله، والدلالة على حكمة الله، والدلالة على عزَّتِه حسب ما تقتضيه الآية. * ومنها: أنه لا ينتَفِع بالآيات إلا من؟ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * نستفيد مِن هذه الفائدة فائدة تتفَرع: أنه كلَّما كمُلَ إيمان العبد ازدَاد انتفاعًا بالآيات، هذه الفائدة الطريق إلى الحُصُول عليها هو ما سبقَ لنا غيرُ مرَّة مِن أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصْف ازدَاد قوةً بقُوَّتِه وضعفًا بضعفِه، كل حكم يعلق على وصف فإنه يزداد قوةً بقوة هذا الوصف وضعفًا بضعفه، فنقول: إذن كلما كان الإنسان أكمَل إيمانًا ظهرَ له من آيات الله في هذه المخلوقات ما لم يظْهَر لِمَن دونَه، مفهوم هذا يا جماعة؟

العنكبوت 29:42

ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا يرجون نفعها ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]. (مَثَل ومِثْل) هي كـ(شَبَه وشِبْه)، وزْنًا ومعْنًى، فالمَثَل بمعنى الشَّبَه، وهو عبارة عن تشْبِيه شيء معقُول بشَيء محسوس؛ لأنَّ تَمْثِيل المعقولات بالمحسُوسَات يزيدها وضوحًا وبيانًا وتصوُّرًا، مفهوم؟ وإن كانت لا تتَسَاوى مِن كلِّ وجه، لكنَّها مِن هذا الوجه الذي شُبِّهَتْ به تتسَاوَى. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: جعلَوا أولِياءَ، والمراد بالأولياء: الأصنَام، وسُمُّوا أولياء؛ لأن عابِدِيهَا يرجُون نفعَها، كالوليّ الذي ينفَعُك بالنُّصْرَة والدِّفاع وجلْب الخير، وما أشبه ذلك، وأيضًا أولياء؛ حيث إنَّهم هم .. .. ولهذا قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨]، فهم ينصرونها ويرجون النصر منها، ولهذا سُمِّيَت هذه الأصنام بـ(أولياء). وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، والدليل على أن المراد دون الغير أن ذلك جاء في آيات متعددة كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، والتعبير بالدُّون لِدُنُوِّ مرتبته بالنسبة إلى مَن؟ إلى الله عز وجل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت ٤١] مثلُهم إذن مَن المراد بالذين اتخَذُوا مِن دون الله أولياء؟ المراد بهم المشركون مثلُهم ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]؛ أي: كشبه العنكبوت، والعنكبوت معروفة دويبة معرُوفة تتَّخذ لها بيتًا مِن العُشّ، وهذا البيت مِن العش هي التي تنسجه يخرج منها، والله سبحانه وتعالى على كلِّ شيء قدير، هذه العنكبوت إذا سقطَت من علٍ هي فورًا تفرز هذا العش، وتتعَلَّق به حتى لا تقع على الأرض، ثم مع ذلك تفرِزُه وتتعلق به، وتجدها مُتَدَلِّية بهذا الخيط، وإذا شاءَت أن تصعَد به صعدَت تنقلب وتجعَل رأسَها هو الأعلى وتصْعَد مع هذا الخيط الذي أفرزته هي في الحال، ثم هي أيضًا عند صيدَتِها -وأكثر مَا تصيد الذباب- ماذا تصنع به؟ تقيدُه بهذه الخيوط حتى تقضِي عليه، وهذا بعض مِن قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] هدى هذا الخلق لِمَا هو مِن مصالِحِه، الشاهد أنَّ هذه العنكبوت اتَّخَذَت بيتًا أي جعلت لها بيتًا، مِنين؟ مِن العش الذي تنسِجُه. قال المؤلف: (﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١] لنفسِها تأوي إليه) وهذا مشاهد ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ [العنكبوت ٤١] أضعَفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، هذا كلامُ الله عز وجل، وهو العالِمُ بما لم نُحِطْ به علمًا ما أكثرَ مخلوقات الله تعالى التي لها بيْت، ونحن لا نعلَم عن هذه البُيُوت إلا ما نشاهِدُه منها، وما أكثرَ الغائبَ عنَّا والله عزَّ وجل يقول: أَوْهَنَ الْبُيُوتِ بَيْتُ الْعَنْكَبُوت، وأَكَّد هذه الجملة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ بـ(إن) واللام مِن أجل تأكيد ضَعْف هؤلاء الأولياء، كما أنَّ هذه البيوت التي تأوي إليها العناكب ضعِيفَة، بل هي أوهَن البيوت وأضعفُها فإنَّ هؤلاء الأولياء أيضًا أضعفُ ما يكون مِن الأولياء فإنَّها لا تنفَع عابديها، بل إنَّ الله يقول في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ -حقًّا- ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ أي: الآلهة أو المتَأَلِّهِين لَها؟ تشْمَل هذا وهذا فهم لو كانوا آلهة حقًّا لمنَعُوا أنفسَهم مِن دخول النار، ولَمنَعُوا عابديهم مِن دُخُول النار، ولكنَّها آلهةٌ باطلة ما تنفَع فهذا وجه المشابهة في قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ هذا التشبيه تشبِيه يُسَمِّيه البَيَانِيُّون يسَمُّونَه التشبيه التمثيلي؛ يعني أنَّه مكَوَّن مِن جملة أنت إذا قلت: فلان كالبحر في الكرم هذا تشبيه، لكنَّه تشبيه إفرادِي شبَّهْت فردًا بفَرْد، إنما لو أتيت بشيء تُشبِّه قصة بقصة أو قضية بقضية، فإنَّ التشبيه هنا تمثيلِي مركَّب مِن عدة أوجه مِن مُشَبَّه، ومشَبَّه به متَعَدِّد، وأوْجُه الشبه متعدِّدَة أيضًا، فهذا التشبيه نسميه تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأنَّه مركَبٌ مِن قِصَّة متكَامِلَة؛ يعني ما قُصد أن يُشَبَّه العابدون بالعنكبوت وحدَها والمـعبُودُون بالبيوت وحدَها، قُصِد أن تُشَبَّهَ القضيَّة كاملة بالقضية كاملَةً حتى تتَّضِح الصورة أمام المخاطَب. قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال المؤلف في بيان هذا الوهم: (لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا) إي نعم، لا يدفُع الحَرّ ولا البرْد ولا يقِيها أيضًا مِن الآفات كأن يَسْقُطَ عليها شيء أو نحو ذلك، هذا البيت أوهَن البيوت؛ إذن يكُون هذه الأصنام لا تَنْفَع عابِدِيها، فعلى هذا نقُول: إنَّ هؤلاء الذين عبدوا هذه الأصنام، ما لجؤوا إلى ملجأ نافع، بل إلى ملجأ، ليس بنافع ولا مَانع ولا دَافع، ولهذا شبه الله ذلك ببيت العنكبوت، وفي آية أخرى شبه هذه الأصنام ودعاءها برجلٍ باسط كفيه إلى الماء لِيبلُغَ فَاه هل يبلغُه؟ إنسان أمامه الماء وهو عطشان فبسَطَ كفَّيْه إلى الماء، هكذا يُريد أن يصِل إلى الفَم يمكِن يصِل؟ لا يمكن أن يصِل أبدًا، فهذي أيضًا الأصنام لا تنفَعُ عابديها كما لا يصِلُ هذا الماء إلى فمِ هذا العطشان، قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١] ذلك ما عبدُوها. ﴿لَوْ﴾ هذه شرطِيَّة وفعل الشرط قولُه: ﴿كَانُوا﴾، وجوابُه مقدَّر على كلام المؤلف ويش تقديره؟ ما عبدوها، ولا ينبغِي أن تُوصَل هذه الجملة بالتي قبلَها؛ لأنَّك لو وصلْتَها بما قبلَها لكَان وهَنُ بيتِ العنكبوت مشروطًا بعلْمِهم مع أنَّه أوهَن البيوت سواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا، ولهذا ينبغي أن نقف على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. ثم نقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المؤلف يقول: ما عبدُوها، ويحتمل أن يكون الجواب: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا مِن ذوي العِلْم النافع ما خفِيَ عليهم هذا الأمْر، فإذا لم يخْفَ عليهم هذا الأمر، لم يقومُوا بالعبادة، وعلى كل حال فإن هذا يدُلُّ على جهلِ هؤلاء العابدين مهما بلغُوا من الذكاء، ومِن حُسْنِ التصرُّف في الدنيا فإنَّهم مِن هذه الناحية سُفَهَاء ليس عندهم علم ولا عقْل، هذه الآية تذَكِّرنا بآية يغلَط فيها كثيرٌ من الناس أيضًا في سورة التكاثر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، بعض الناس يصِل ويقول: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر ٥، ٦]، وهذا خطَأ؛ لأنَّ المعنى يفسُد به فسَادًا واضِحًا؛ لأنَّك لو وصلْت لكان ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمْر ليس كذلك، بل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جملة مستأنَفَة مستقِلَّة أخبر الله تعالى فيها أنَّنا سنرَى الجحيم، فيجبُ الوقوف على قولِه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. * طالب: شيخ، لو قال قائل أن العنكبوت تنتفع من بيتها بنسبة ما كما هو الواقع، وعباد الأصنام ما ينتفعون بها قطعًا؟ * الشيخ: نعم، هذا صحيح، قد يرد علينا، لكن المقصود أن هذه الأصنام مثل هذا البيت؛ لأنَّه لا ينفَع، هم الآن ينتفعُون بهذه الأصنام نوعًا من الانتفاع لا سيما الانتفاعُ المادي، فإنَّ الوافدين إليها لعبادتها والتبرُّك بها يحصُل فيهم منفعة مادية، لكن النَّفْع الحقيقي الذي هم يرْجُون، وهو الدفع ما ينفعهم. * طالب: يا شيخ، ما يقال: إن (...) ما يلزم الدخول في الواجب، فقد يطلب منك الشيء، ولا يلزم..؟ * الشيخ: لا، هو المقصود بالتشبيه هنا عدم الانتفاع أنَّها ما تنفعهم ولا تمنعهم، وهو حقيقة حتَّى بيت العنكبوت ما ينفعُه ولا يمنعُه يأتِيها الهواء، ويأتِيها البرد، ويأتيها المطر، ويعلَقُ به التراب، ولا تنتفعُ به الانتفاع الكامل. * الطالب: تصطاد به. * الشيخ: لا، ما تصطَاد به، تصطَاد بالعش اللي يخرج منها هذه الخيوط هي التي تصطَاد بها، أما نفْس البيت ما تصطَادُ به لكن هذا الذي نرَاه عليه هي التي جاءَت به تأتي به وتضعه فيه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت ٤2] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ ﴿مَا﴾ يقول المؤلف: (بمعنى الذي). فتكون اسمًا موصولًا، وهذا الإعراب الذي سلكَه المؤلف هو المتبادِر من الآية، وبعض المعربين، يقول: ﴿مَا﴾ استفهامِيَّة، والوقْفُ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ما الذي يدعون من دونه مِن شيء هل يستفيدون؟ ولكنَّ هذا بعِيد مِن اللفظ فإعراب المؤلف هو الصواب، ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يبقى على إعراب المؤلف أن نقول: أين العائد عائِدُ الموصول الجواب؟ * طالب: الهاء. * الشيخ: وين؟ * طالب: من دونه. * الشيخ: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الهاء هذه تعود على الله ما هي تعود على ﴿مَا﴾؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف، وهذا مطَّرِد، حذفُ العائد المنصوب مطَّرد، فيقول: التقدير: إنَّ الله يعلم ما يدعونَه مِن شيء. وقوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ قال: (يعبدون)، فالدعاء هنا دُعَاء عبادة، وكما يكون الدعاء دعاء عبادة فهو دعاءُ مسألة ودعاءُ عبادة، أمَّا دعاء المسألة ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] إنَّك تقول: يا ربي، اغفر لي، يا ربي ارحمني وما أشبه ذلك، دعاءُ العبادة ويش معناه؟ أن تتعَبَّدَ للهِ سبحانه وتعالى بما أمرَك به، وإنَّما كان ذلك دعاءً؛ لأن حقيقة حالِ العابد ما هي؟ طلب مغفِرَة الله ورحمَتِه فهو في الحقيقة داعٍ ضِمْنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. وقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يعبدون، ينبغي أن نجعَل الدعاء هنا شاملًا لِلعبادة ولِدُعَاء المسألة، هم يدعون هذه الأصنام دعاءَ مسألة ولَّا لا؟ * طالب: يدعونها. * الشيخ: يدعونها هذه الأصنام دعاء مسألة أيضًا، يسألونها، وشاهدٌ ظاهر في هذا أولئك الذين يشرِكُون بالأنبياء والأولياء فإنَّهم يدعونهم دعاءَ مسألة، يقول: يا رسول الله، اغفرْ لي، ويا رسول الله، يسِّرْ أمري، وما أشبهَ ذلك. وقوله: (بالياء والتاء) كيف بالياء والتاء؟ يعني ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿تَدْعُونَ﴾ قراءتان سبعيتان ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه بيانٌ لـ﴿مَا﴾؛ يعني أي شيء يدعونه، فإنَّ الله تعالى عالم به. علمُه به ويش معنى علمُه به؟ أنَّه يعلم حال هذا المدعُوّ المعبُود، وهي كالتعليل لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، تؤيد أنَّ هذا المثلَ مطابِقٌ للواقع؛ لأنَّه صادرٌ ويش؟ عن عِلْم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فإنه لما ذكر أنهم كالعنكبوت بيَّنَ أنَّ هذا عن علم مِن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأنَّ هذا الشيء الذي يُدعَى لا ينفَع. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنعِه. لو قال قائلٌ: إن المناسب أن يقال: (وهو السميع العليم)؛ لأن الله يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمقتضى الظاهر أن تُختَم الآية بالعِلْم؟ قلنا: هذا حقّ بالنِّسْبة لِظاهِر الكَلَام لكن عند التأَمُّل تجد أن ختامَه بالعزة والحكمة أبلَغ فإنهم يريدون الاستنصار بهذه الأصْنَام والغلبَة والظهور، وأكبر شاهدٍ لذلك قول أبي سفيان يوم أحُد حيث قال: «اعْلُ هُبَل»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء.]]. هذه الأصنام واعتزازُهم بها مقابَلٌ بعزةِ مَن لا يُغلَب وهو الله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب لهذه الأصنام ولعابدي هذه الأصنام واضِح؟ إذن مناسبة ﴿الْعَزِيزُ﴾ أبلغ مِن مناسبة (العليم)؛ لأنَّ هؤلاء يستنصرون بأصنامهم ويريدون أن تظهَر وتغلب، فبيَّنَ الله أنَّه هو صاحب العزة، وسبق لنا أن العزيز مِن أسماء الله عز وجل، وأنه يتضَمَّن العزة من ثلاثة وجوه: عزة القَدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ أما عزةُ القدر فمعناه سبحانه وتعالى أنَّه لا يشبهه أحد في عظمته وجلاله وقَدْرِه، وأما عزة القهر فمعناه أنَّه لا أحد يشبهُ الله عز وجل في قهْره وسلطانه وملكه، وأمَّا عزة الامتناع فمعناه أنَّه سبحانه وتعالى ممتنع عن كلِّ نقص وعن كلِّ عيب فهو عزيزٌ أن يُنَالَ بعيبٍ أو نقص، وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يقرِن الله سبحانه وتعالى العزة بالحكمة أتدرُون لماذا؟ لأن بعض الأعزَّاء مِن الخلق تحمِلُهم العزَّة على التَّهَوُّر، وعَدم التثَبُّت، وعدم تنزيل الأشياء منازلها، واذكروا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، وكون العزة تأخُذُه بالإثم حِكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة خلاف الحكمة، فلهذا يقرِنُ الله تعالى دائمًا العزيز بالحكيم إشارةً إلى أنَّ عزتَه تبارك وتعالى مقرونَة بالحكمة، فهو وإن كان عزيزًا غالبًا قاهرًا له السلطان الكامل فإنَّه سبحانه وتعالى لا يدبِّر الأمر إلا على وجه الحكمة البالغة، ثم إنَّه أيضًا على تفسيرنا فيما سبق ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنَّه ذو الحُكْم، ويش بعد؟ والحِكْمَة، ظاهر جدًّا أن عزتَه مقرونَة بحُكْمِه، وأنَّ له الحكم المطلق في عباده سبحانه وتعالى فلهذا يُقرَنُ هذا الاسم بهذا الاسم دائمًا، واعلم أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لها معانِي عند إفرادِها، وإذا قُرِنَت مع غيرِها ترَكَّب مِن هذا الاقتران معنًى آخر فوق المعنى الإفرادي لكل اسم، وهذه مسألة تأمَّلُوها، فمثلًا العزيز له معنى عند انفرادِه والحكِيم له معنى عند انفراده، لكن إذا اقترنا جميعًا حصل منهما معنًى آخر ثالث زائد على المعنى الانفرادي، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعنى الكامل، وسبق لنا أن الحكيم ذُو الحُكْم والحِكْمة، وأنَّ الحُكْم ينقَسِم إلى كَونِيّ وشرعي، ومثَّلْنَا للكوني بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، وللشرعي بقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، ولما يشمَلُهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وما أشبه ذلك. أمَّا الحكمة فإنها ثابتة لله عز وجل، وهي تنْزِيل الأشياء في منازلها، وتكون في الحكم الكوني والحكم الشرعي، هذا باعتبار موضعها، وتكون أيضًا حكمة غائية، وحكمة صورية، صورية؛ بمعنى أن كونَ الشيء على هذه الصورة المعينة موافِقٌ للحكمة، ثم الغاية منه حكمة أيضًا فتكون الحكمة في الغاية، وفي الهيئة التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامل لجميع أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.﴾ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت 43] في القرآن ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نجعلها ﴿لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفهمها، ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ المتدبِّرُون. ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ أتى بـ﴿تِلْكَ﴾ الدالَّة على البُعْد، ولَّا على القرب؟ على البعد؛ لأنَّه لم يقل: وتلك الـمَثَل حتى نقولَ إنه عدَلَ بالكلام عن ظاهره أو عن مقتَضَى سياقِه؛ لأنّ المثل المضروب الآن قرِيب ولَّا بعيد؟ قريب، لكن قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، والأمثال الأخرى غير مثَل متَّخِذِي الأصنام بعيدة بالنسبة لهذا المكان؟ إي نعم؛ لأنها متوَزِّعة في القرآن فلهذا جاءت الآية بـ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، ولم يقل هذا المثل فهو شامِل لكُلِّ الأمثال الواردة في القرآن، والأمثال الواردة في القرآن كثيرة متعدِّدة، وقد ألَّفَ فيها بعض أهل العلم الكتب المستقلة، وأفردَها السيوطي في الإتقان بفصل مستَقِلّ، وبيَّن فوائد الأمثال التي يُضرب المثل مِن أجلها، والفائدة الملموسة منها القريبة جدًّا هو تقرِيب المعقول إلى الأذهان إذ إن المثل هو ضَرْبُ شيءٍ معقُول قد يَبْعُد على الإنسان تصَوُّره بشيءٍ محسُوس يسهُل تصَوُّرُه، قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قلت: ضرب ذلك مثلًا المعنى جعل ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨] أي: جعَل لكم، فالضرب إذن يأتي بمعنى الجعل إذا أُضِيف إلى المثل كلَّما وجدت ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم ٢٤]، وما أشبهَه فاعلم أن المراد به المراد بالضرب هنا الجعل، فمادة (ضرَب) ليسَت خاصة بالضرب الذي هو الضَّرْب باليد، تشْمَل الضَّرْب بمعنى الجعل، وتشمل الضرب بمعنى تحويل النُّقُود مِن سِكَّة إلى سِكَّة وغير ذلك حسب السياق الذي يبينها. وقوله: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نجعلها أمثالًا للناس عمومًا فالله تعالى ضربَ المثل لجميع الناس في التوراة والإنجيل والقرآن، ولكن مَن الذي يعقلها وينتفِعُ بها؟ العالِمُون ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العالمون أي: ذَوُو العِلْم، والفهم الذين ينتفعون بفهمهم وعلمهم، ولهذا قال المؤلف: (المتدبرون)، وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن العلم بعد التدبر، لكن لما كان العلم لا يحصل إلا به فسّره المؤلف به، والحقيقة أن المراد بالعالمين المراد بهم ذوو العلم والفهم الذين يعقلون الأشياء ويفهمونها احترازًا من أهل الجهل المعرضين الذين لا ينتفعون بما أعطاهم الله تعالى من الفهوم فإنهم لا يعقلون هذه الأمثال، وإذا لم يعقلوها ينتفعون بها ولَّا لا؟ ما ينتفعون بها، هل من الممكن أن نحصر الأمثال الموجودة في القرآن؟ ما هو في هذا المكان، ما يمكن في هذا المكان، فنأخذ به بحثًا ولا ما يمكن؟ * طالب: كتاب لابن القيم حصر (...). * الشيخ: أنا لا أريد منكم أنكم تنقلون من الكتاب أولًا الإنسان، هذا بينكم وبين الله أنتم بأنفسكم تدبّرون القرآن، كلنا في رمضان الحمد لله نقرأ القرآن، كلما مر على الإنسان مثل يقيده، ثم بعد ما يقيد هذه الأمثال يشوف عاد يرجع إلى الكتب المؤلفة، هل نقص ولا ما نقص، ولا معلوم أن.. أنا ما ودي أنك علمت الإخوان، لكن أن الإنسان يستطيع أنه يروح لأي كتاب مؤلف في هذا وينقله لكن.. * طالب: لا، يمكن يا شيخ نقرأ كتاب ابن القيم نقرأ بس قراءة يساعدني (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أن الإنسان أولًا يبدأ هو بنفسه، يبدأ في القرآن يقيد الأمثال، ثم بعد ذلك يرجع إلى الكتاب ما فيه مانع، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ إذن عمم في ضرب المثل، وخصّص في عقل المثل، أين التعميم في ضرب المثل؟ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾،﴾ والتخصيص: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وهذا أسلوب كثير في القرآن التعميم ثم التخصيص؛ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعمَّم في الدعوة، وخصّ في الهداية. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت ٤4] أي: محقًّا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ما معنى خلق؟ أي: أوجدها، والله تعالى خالق السماوات والأرض. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١١٧] قال أهل العلم: بديع بمعنى (مُبدع)، والإبداع إيجاد الشيء على غير مثالٍ سبق، ومنه البئر البدع التي حفرت الآن جديدة، فالخلق أعم من البدع، لكن قد بيَّن الله عز وجل في آية أخرى أنه خالق وبديع، فهو الذي أوجد السماوات والأرض وهو بديع السماوات والأرض. وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني بما فيهما، والذي فيهما بالنسبة لبني آدم منهما، وكذلك النبات فإن الإنسان خلق من طين من الأرض والنبات أيضًا من الأرض كما هو ظاهر. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال المؤلف: (أي محقًّا)، فالجار والمجرور في موضع نصب على الحال من فاعل (خلق) أي محقًّا ويجوز أن يكون حالًا قصدي مفعولًا من أجله؛ يعني بمعنى المفعول من أجله؛ أي: خلقها للحق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص ٢٧]، وإنما هي حق، وتفسير المؤلف يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، فإذا لم يكن لاعبًا سبحانه وتعالى كان محقًّا. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه الخلق، فيشمل كل ما تطور من خلق السماوات والأرض فإنه آية، فنفس السماوات والأرض خلقهما آية دالة على الله؛ لأن آية الشيء ما كان دالًّا عليه دون غيره، هنا السماوات والأرض دالة على الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق مثل هذه السماوات والأرض، أليس كذلك؟ إذن فهي آية له، فوجود هذه السماوات والأرض دال على القدرة وما فيهما من الانتظام، وعدم الاضطراب والتناقض دال على الحكمة، ولو تأملت أشياء كثيرة من حوادث السماوات والأرض لوجدت كل واحد منها يدل على القدرة، وطبعًا على العلم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وعلى الحكمة، وله أيضًا دلالة خاصة على ما يدل عليه بنفسه، وهذا شيء تأمله يظهر لك آيات كثيرة ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: دالة على قدرة الله فقط؟ لا، على قدرة الله، وعلى علمه، وعلى حكمته، وعلى رحمته، وعلى قوته، وكل حوادث السماوات والأرض كل شيء منها يدل على تلك الصفة الخاصة به. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين) صحيح، الآيات الكونية لا ينتفع بها إلا المؤمن والكافر ما ينتفع، الكافر يقول: هذه طبيعة تدبر بنفسها، وتنتقم من الناس بنفسها، وتجلب الخير للناس بنفسها ولا ينتفع، والمؤمن ينتفع بذلك، كذلك أيضًا الآيات الشرعية المؤمن ينتفع بها وغير المؤمن لا ينتفع ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، فالآيات إذن الآيات الكونية والشرعية ما تنفع إلا المؤمن. فإذا قال قائل: المؤمن مؤمن، كيف ينتفع؟ قلنا: نعم، ينتفع بأي شيء؟ بزيادة الإيمان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وزيادة الإيمان لا شك أنه انتفاع نفع عظيم؛ لأن الإيمان إما أن يزيد، وإما أن ينقص، وإما أن يبقى على ما هو عليه، والأخير هذا قد يكون نادرًا أن يكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ فهو إما في زيادة، وإما في نقصان، هذا في الغالب الكثير، على أن التقسيم الحاصل هذا أنا أشك في وجود القسم الثالث منه، وهو أن يكون لا يزيد ولا ينقص؛ لأن عدم زيادة الإيمان يؤدي إلى نقصه؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة كما هو مفهوم للجميع إذا فقدت الطاعة حصل النقص، إنما القسمة العقلية هو أن يكون إما زائدًا أو ناقصًا أو باقيًا على حاله، وتصور أو وقوع القسم الثالث الله أعلم به. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. [العنكبوت: ٤4، 45] * طالب: أيش الذين قالوا: (...) والذين قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟ * الشيخ: ما عندهم دليل؛ يعني عندهم تعليل عليل الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، يقولون: هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب والإقرار لا يتفاوت أو المعتزلة والخوارج، الذين يقولون: الإيمان ما يتبعض إما أن يوجد كله كاملًا وإما أن يعدم كله. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ﴾.. * طالب: لكن الآية ما ترجع للخلق بالحق جميعًا؟ * الشيخ: إلا ترجع لهما جميعًا، وخلق السماوات بالحق بهذا القيد ترجع لهما جميعًا. * طالب: يا شيخ، فيه بعض العلماء يقول على نقص الإيمان وزيادته، يقول: إن من ترك ما ينفعه لا بد أن يبتلى بما يضره، وهذا من العوائد القدسية. منين أخذوا هذا الكلام بعض المفسرين (...)، يذكر هذا فما أدري منين؟ يقول: دائمًا إن الإنسان إذا ترك أي شيء ينفعه فلا بد أن يبتليه الله سبحانه وتعالى بما يضره، (...) وجه (...). * الشيخ: أيش وجهه؟! من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره، وجه ذلك يا إخواننا؟ * الطالب: عقوبةً يعني؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] الإنسان لا بد أن يفعل شيئًا. * الشيخ: نعم، هذا وجهه، الإنسان لا بد أن يكون حارثًا وهمامًا، كل إنسان لا بد له من همة وعمل، هذا العمل إذا لم يكن فيما ينفع لزم أن يكون فيما يضر. فإذا قال قائل: هذا القول يستلزم إبطال القول بقسم المباح في باب التكليف كما يذكر عن أحد المعتزلة -فيما أظن الكعبي، هو يسمى الكعبي، وأظنه من المعتزلة- يقول: ما فيه قسم مباح في الشريعة؛ لأنه لازم أن هذا الشيء المباح الذي تشتغل به يكون كافًّا لك عن المحرم فيكون واجبًا، فالأشياء إما واجبة وإما محرمة، لكن أهل العلم ردوا عليه بأدلة العقل والنقل وقالوا: هذا ليس بصحيح، فإن ضرر فعل المباح إذا تضمن ترك الواجب ما هو لأنه مباح، ولكن لترك الواجب، لو فعل المباح بدون أن يترتب عليه ترك واجب وفعل محرم ما صار عليه إثم، فالمهم أنا نقول: أن وجه الكلام أن الإنسان لا بد أن يكون فعالًا، فإما فيما ينفعه وإما فيما يضره. أستغفر الله! * طالب: ما هناك مباحث يتعلق بموضوع الأسماء والصفات وشرحها، الأسماء فقط وشرحها (...) محققة في كتب؟ * الشيخ: ما رأيت إلا كلام ابن القيم في النونية، والشيخ عبد الرحمن السعدي شرحها توضيح توحيد الأنبياء، وفيه أيضًا كتاب شرح أسماء الله لأحد علماء اللغة. * طالب: الزجاج؟ * الشيخ: والزجاج. * طالب: تفسير الأسماء. * الشيخ: إي هو شرحه، لكنه بس ما عاد أدري عن ثقتي بهذا الرجل. (...). في هذه الآية ضرب الأمثال للناس أو نخليها في الآية التي بعدها؟ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ الآية التي بعدها أوضح. * في هذه الآية الكريمة: دليل على سفه أولئك المشركين حيث اعتمدوا على ما لا معتمد عليه في عبادة الأصنام؛ يؤخذ من قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: تقبيح هؤلاء المشركين وتنزيل مرتبتهم حيث شبهوا بأيش؟ بالعناكب؛ لأن هذا لا شك أن تشبيه الإنسان بالحيوان أنه إذلال له وتنزيل له عن مرتبته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * ومن فوائِد الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها أبدًا، لا تنفعهم، ولا تدفع عنهم فهي لا تجلب الخير ولا تدفع الضرر من أين يؤخذ؟ حيث شبّهت ببيت العنكبوت. * ومنها: جواز ضرب المـثل بالدون حسب ما تقتضيه الحال منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، فإنها من أدنى ما يكون من المخلوقات، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة ٢٦]، وقد ضرب الله المثل بالذباب، وبالحمار، وبالكلب، وبالبعوضة، وبالعنكبوت، كل هذا حسب ما يقتضيه المقام. * ومن فوائد الآية: أن أوهن البيوت وأضعفها بيت العناكب، ومن هنا نأخذ أنه لا ينبغي أن يقال: هذا أوهى من بيت العنكبوت أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: تأملوه أوهى من بيت العنكبوت. * طالب: لأن لا شيء أوهى من بيت العنكبوت. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الله المستعان (...) أوهى من بيت العنكبوت ليش نقول ما يصلح؟ لماذا؟ لأنه قال: ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ فأنت ما يمكن تقول لبيت من البيوت: إنه أوهى من بيت العنكبوت، بيت تقول: أوهى من بيت العنكبوت ما يصلح؛ لأن الله يقول: أوهن البيوت بيت العنكبوت، لكن إذا كان غير بيت تقول مثلًا: حجة هذا الرجل أوهى من بيت العنكبوت فما رأيكم؟ * طالب: لا بأس. * الشيخ: هذا لا بأس، ما فيه تكذيب للقرآن، اللي فيه معارضة للقرآن أن تقول عن بيت: إنه أوهى من بيت العنكبوت.(...) سبيل الهداية ولكن لاحظوا ما المراد بالعلم الذي هو سبيل الهداية هل هو العلم بطبائع الأشياء وما خلقَ الله في الكون أو العلم بالله عز وجل؟ العلمُ بالله وآياتِه الكونية والشرعية وليس مجرَّد أن يطَّلِع الإنسان على ما في هذا الكون لأنَّه قد يطَّلِع ولا ينتَفِع، ومن هنا نأخذ خطَأَ كثيرِ مِن الناس الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] أنهم العلماء بالكون، لو كان الأمر كذلك لكان أصحابُ علوم الفلك وطبقات الأرض الجيولوجيا وغيرِها هم الذين يخشَون الله، وأصحابُ العلم بشريعة الله دونَهم في الخشية وهذا مُحَال ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت ٤٤]. * يستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ الخالق للسماوات والأرض هو الله. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الآية فيها أنَّ الله لم يحكُم على هؤلاء المشركين بمشابهتِهم للعنكبوت إلَّا عن عِلْم فالآية كالتعليل لِمَا قبلها يعني أنَّه سبحانه وتعالى ما قال: كمثل العنكبوت إلَّا عن علم هو يعلَم هذه الأصنام وأنها لا تنفع ولا فائدة منها. * ومنها: إثباتُ العلم لله فيما يتعلَّق بالخلْق إثبات علم الله تعالى فيما يتعلَّق بالخلق فيكونُ فيه ردٌّ على من؟ على غُلَاةِ القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلَم الأشياء المتعلقة بالخلْق إلا بعد وقوعِها. نعوذ بالله، لكن هؤلاء الغلاة يقول شيخ الإسلام في وقته: إنهم كانوا قليلين، إنَّهم قَلُّوا؛ لأنَّهم رأوا أنَّ إنكارهم العلم نداءٌ على أنفسهم بالكفر فتركوا هذا وصاروا ينكرون الكتابة والمشيئة. * ومِن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين العزيز والحكيم وإثباتُ ما تضمناه مِن صفة وهي العزة والحكمة، وكذلك ما تضمنَّاه من صفة على سبيل دَلَالة الالتِزَام؛ لأنَّ دلالة اللَّفظ على معناه تكون بالمطَابقَة والتضَمُّن والالتزام، فما يستلزمه هذان الوصْفَان مِن الصفات فإنَّه ثابت، أنتم فاهمين هذا؟ دلالة اللفظِ على مدلوله تكون بدلالة المطابقة والتضَمُّن والالتزام، ما مرَّت علينا هذه؟ نضرِب مثلًا لذلك: كلمة (دار)، تعرفون الدار المسكُونة كلمة (دار) تدُلّ على هذه الكتْلة مِن البناء المتضَمِّنَة للغُرَف والحُجَر والسُّطُوح والرَّحْبَات تدُلُّ على ذلك بالمطابَقَة، أنت بمجرَّد ما أقول: كلمة (دار) تفهم أن (دار) فيها حُجَر وغُرَف وأسْطِحَة ورحَبَات فدلالَتُها على هذا دلالَة مطابقة تدُلُّ على كل حجرةٍ بمفردها أو غرفةٍ بمفردها أو سطحٍ بمفرده أو رحبة بمفردها تدل عليها بالتضَمُّن يعني أنه متضَمِّنَ لكذا وكذا واضح؟ تدلُّ على أنَّ لها بانيًا بأيش؟ بالالتزام؛ لأنَّه ما تقوم الدار إلا ببانِي هذا معنى قولهم إنَّ الدلالة مطابقة وتضمن والتزام، فمثلًا العزة العزيز يدل على العزة دلالة مطابقة، مِن لازم العزة أن يكون العزيز عالمـًا قادرًا قويًّا دلالته على هذه المعاني بالالتزام، ودلالة العزيز على الذَّات والصفة دلالة مطابقة، وعلى الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضَمُّن. * طالب: ما قلت يا شيخ دلالته على الذات؟ * الشيخ: لا؛ لأن العزيز اسم، فهو دلالته على الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضمن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، وعلى ما تستلزمه العزة مِن العلم والقدرة والقوة، وما أشبه ذلك التزَام، ولهذا اسم الحي القيوم تضَمَّن جمِيع الصِّفَات، هذان الاسمان تضمَّنَا جميعَ الصفات؛ لأنَّ الحي مستَلْزِم لجميع صفات الكمال، والقَيُّوم مستلزم لجميع صفات السلطان والمـُلْك والتدبير وما إلى ذلك، ولهذا ورد في الحديث أنَّهما اسمُ الله الأعظم[[أخرجه أبو داود (١٤٩٦) من حديث أسماء بنت يزيد.]]. العزيز الحكيم قلنا: فيها إثبات العزة، والحكِيم فيها إثبات الحُكْم والحِكْمَة، وفي الجمع بينهما يظهَر صفة ثالثة، وهي أنَّ عزةَ الله مقرونَة بالحكمة ليست كعزةِ العزيز غيرِه فإنَّها قد تكونُ خاليةً من الحكمة. * ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التَّأَمُّل إذا خُتِمَت الآيات بما يكون مُخالفًا لِظَاهِر الحال؛ يعني فلا ترُدَّها إذا وجدت آية مختومة بخِلَاف ما يقتضيه ظاهر الحال أو السياق، فتأمَّل فيها فإنَّ الخطأ منك ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]، مقتضى ظاهر السياق أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن عَدَل عنه، لا تقل إن هذا خلل أبدًا، الخلل منك أنت فإن هذا كلام الله عز وجل ما فيه خلل، فآياته الكونية ليس فيها خلل، وآياته الشرعية كذلك، فيجب أن تتَأَمَّل وتتوقف، هنا في الآية التي معنا، قد يتبادَر للإنسان أن تخُتَم بالعلم، ولكن عند التأمل يكون ختمُها بالعزة والحكمة أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]. * في هذه الآية الكريمة فائدة: ضرْب الأمثال، وأنَّه نوْع من التعليم والتوجيه؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾. * ومِن فوائدِها: إثباتُ عظمةِ الله عز وجل، منين تؤْخَذ؟ * طالب: ﴿نَضْرِبُهَا﴾. * الشيخ: ﴿نَضْرِبُهَا﴾ مِن نون العظمة ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾، واعلم إن كنت لا تعلم مِن قبل أنَّ ما أضافه الله تعالى إلى نفسه بلفظ العظَمة فإنه يدُلُّ على عظمة نفسه سبحانه وتعالى، وقد يُرادُ به ملائكته لا نفسه، وهذا في القرآن كثير، وكذلك الأول في القرآن كثير، فمِمَّا أراد الله به ملائكتَه مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، الضمير هذا يعود على مَن؟ ضمِير الفاعل؟ على جبْرِيل، لكن أضافَه الله إلى نفسِه؛ لأنَّ جبريل رسولُه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود ٧٤] ﴿يُجَادِلُنَا﴾ وهو لا يُجادِلُ الله إنما يجادِل الرُّسل، لكن حمل ما أضيفَ إلى الله بصيغة العظمة على رسلِه وملائكتِه لا بُدَّ له مِن دليل، وإلَّا فالأصل أنَّه يعود إلى الله، أمَّا ما أضافَه الله تعالى إلى نفسه بصيغة الإفراد فهو له نفسه، ونضرِب لهذا مثلَيْن؛ الأَوَّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦] هذه الضَّمَائِر كلُّها بصيغة الإفراد. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ المراد قربُه نفسه مِن داعِيه، ولكنَّ هذا القُرْب لا يلزمُ منه أن يخلُوَ منه العرش أو ينتفِيَ عنه العُلُوّ كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يلزم منه أن يخلُو من العرش أو أن ينافي ذلك علُوَّه، لكن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] فإن ﴿أَقْرَبُ﴾ فيها ضمير يعود على ﴿نَحْنُ﴾ و﴿نَحْنُ﴾ الضمير لمن؟ الضمير لله، لكنَّه أقربُ إليه منَّا بِـملائكتِه ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإنَّ الملائكة تحضُر إلى الميت لقبض روحه، وتجلس منه مَدَّ البصر لكن ما نُبصِرُها نحن، فهنا القرب لِمَن؟ القرب للملائكة؛ لأنَّ الله أضافَه إلى نفسه بصيغة العظمة ووُجِدَ الدليل، وهذه الفائدة مهمة جدًّا تنفعُك في بابِ الصفات وغيرها أنَّ ما أضافه الله إلى نفسه بصيغَة الإفراد فهو له، وما أضافَه إلى نفسِه بصيغة الجمع فهو له، لكن قد يكون لِملائكته بقرينَة، وهذا غيرُ ممتنع كما عرفْتُم. هنا قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ له ولَّا للملائكة؟ لَه؛ لأن ما فيه قرينة تدل على أنه للملائكة. و﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ الفائدة الأولى: قلنا: فيها فائدة ضرب الأمثال. * وفيها أيضًا من فوائد الآية: رحمةُ الله تعالى بالخلق بضربِ الأمثال لهم؛ لأنَّ ضربَ الأمْثَال كما قلنا: يُقَرِّبُ المعقول إلى الأذهان، وتصَوُّرُ الإنسان للمحسوس أقْوَى مِن تصَوُّرِه للمعقول، أليس كذلك؟ الآن لو أشرَح لكم صفة الحج شرحًا بيِّنًا ظاهرًا وافيًا أو أذهب بكم إلى الحج إلى المناسِك، أيهن أبلغ؟ الأخير أبْلغ؛ لأنَّكم تُحِسُّونَه بأعينكم، لكن الأول تتصَوَّرُونه بقلوبكم فلا تدركونه جيدًا، فإذن ضرب الأمثال فيه رحمة للخلق حيث إنَّه سبحانه وتعالى يقرب لنا المعقولات بالمحسوسات. * ومن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التأمل في الأمثال؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فالعالم هو اللي يتَأَمَّل وينظر حتى يعقل. * ومِن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾، والمراد بالعقل هنا عقْلُ الإدراك أو عقل الرُّشْد؟ * الطلبة: عقل الرشد. * الشيخ: عقل الرُّشْد، العقل الذي ينفع هو الذي يُثْنَى عليه. * ومنها أيضًا: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فاللي غير عالِم بالله سبحانه وتعالى وآياتِه ما يعقِل هذه المعاني، ويقول: هذه أشياء ليس لها معنى، لكن العالم هو الذي يعقِلُها ويعرِف مغْزَاها ومعنَاها، وأوجُه الشبه بينها حتى يصل إلى درجة الكمال. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * في هذه الآية فوائِد: أولًا: أنَّ خالقَ السماوات والأرض هو الله أو لا؟ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنا ما نعرف. لو قال قائل: ما في الآية حصر حتى تقولوا: إنَّ الخالق هو الله؟ نقول: نعم، ما فيها حصر بالطرق المعروفة، لكن في حصر من حيث إنَّه لا يوجد إلا سماوات وأرض واحدة إذا كان الخالق لها هو الله انتفى أن يكون غيرُه خالقًا لها. * ومنها: الردُّ على أهل الطبيعة -والعياذ بالله- الذين يقولون: إنَّ السماوات والأرض ليس لها خالق، إنَّها أشياء تتفاعل وتتحَوَّل وتتَقَلَّب، وأنَّ الخلق لا أول له ولا نهاية. * ومنها: إثبات حدوث السماوات والأرض، وأنَّها ليست قديمة، مِنين نعرفه؟ خلق السماوات فهي مُوجدة بعد العدم، وكلُّ ما سوى الله فهو موجود بعد العدم. * ومنها: أنَّ السماوات عِدَّة، كم؟ * طلبة: سبع سماوات. * الشيخ: نعم، بُيِّنَت في آيات أخر بسبْع. * ومنها أيضًا: أن الأرض واحدة؟ * طلبة: لا، هذا الجنس. * الشيخ: المراد الجنس، طيب في القرآن ما جُمعت الأرض أبدًا أو لا؟ لكنَّه أُشير إلى جمعِها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] المماثلة هنا في الوصف متعَذِّرة أو لا؟ لأنَّه ما فيه مقارنة بين السماوات والأرض إذا تعذّرَت المماثلة في الوصف رجَعْنا إلى المماثلة في العدد، وقد جاءت السنة صريحةً في ذلك مثل قوله ﷺ: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، ومسلم (١٦١٢ / ١٤٢) من حديث عائشة.]]. * ومِن فوائد الآية: أنَّ هذه السماوات والأرض خَلْقُها بالحَقّ ليس عبثًا ولا لهوًا ولا باطِلًا؛ لقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾. * ومنها أيضًا: أنها مشتملة على الحق، فخلْقُها أصل إيجادِها بالحق، وهي أيضًا مشتملة على الحَقّ، ما يمكن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بحَقّ. * مِن فوائدها أيضًا: اطمئنان الإنسان لِمَا يُحْدِثُه الله في السماوات والأرض أو بعثُ الاطمئنان، ما وجْهُ ذلك؟ هذا السؤال أنا ذكرت الفائدة فما وجهُها؟ طيب ما وجهُ كونِها تبعَث على الاطمئنان؟ * طالب: بالحق. * الشيخ: أنَّها بالحق، كلُّ شيء يحدث ما دام عرفت أنَّه بالحق أطمئن ما أقول: ليش حدث؟ وليش ما حدث؟ حدث على الناس جُوع ومرض وزلَازِل وفيضانات، أعرف أنَّ ذلك بالحق فأطمَئِنّ وأرضَى وأُسَلِّم، ولا راحَة في الحقيقة للإنسان إلَّا بهذا ما يمكن يستريح الإنسان إلَّا بهذا إذا آمَن بقضَاء الله وقدرِه، وأنَّه الحق وهو يطمئن تمامًا، وإلَّا فإنه سيتكَدَّر؛ لأنَّه ما من ساعَةٍ إلا ويجِدُ فيها ما يسُوؤه إمَّا في نفسِه أو أهلِه أو صحبِه أو بلدِه أو البلاد الإسلامية عامَّة، ولا يمكن أنَّ الإنسان يطمئن ويستَقِرّ حتى يؤمِن بأنّ هذه الأشياء كلها حق. * طالب: المنازعة في الأقدار؟ * الشيخ: منازعة الأقدار بالشرع هذه واجبَة، طيب فيه أيضًا. * الطالب: يعني تطمَئِن وتُنَازِع؟ * الشيخ: تنازع بالشرع، ما هو بالقضاء. * الطالب: لا، أنا قصدي الجمع بينهم؟ * الشيخ: أنه هذا الجمع بينه، نحن مثلًا أي إذا جاءَنا القدَر ما يسوؤنا ننازعُه بالشرع بالصبر إذا صبرنا ما ساءنا ذلك، وهكذا منازعة القدَر بالشرع، هذا شيءٌ واجِب أن تُقَابِل القدر بما يقتضِيه الشرع، لكن منازَعة القدر بالقدر هذا ما يجوز، أنت تجيب دائمًا كلمات صوفية ما أدري ويش.. * الطالب: لا، ما صوفية يا شيخ لنحذر (...) أنا اللي خلاني أجيب هذا.. * الشيخ: أنا ما وُدِّي أنك جبت هذا؛ لأنه تحتاج إلى.. لاحظ يمكن بعض الناس ينفُر مِن كلمة منازعَة، والمرادُ بالمنازعة المقابلة. * مِن فوائد الآية: أن خلْقَ السماوات والأرض آية دالة على ما يقتضيه هذا المخلوق من صفات الله عز وجل، وقد ذكرْنا أنَّ منه ما يقتضِي الدلالة على قدرة الله، والدلالة على حكمة الله، والدلالة على عزَّتِه حسب ما تقتضيه الآية. * ومنها: أنه لا ينتَفِع بالآيات إلا من؟ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * نستفيد مِن هذه الفائدة فائدة تتفَرع: أنه كلَّما كمُلَ إيمان العبد ازدَاد انتفاعًا بالآيات، هذه الفائدة الطريق إلى الحُصُول عليها هو ما سبقَ لنا غيرُ مرَّة مِن أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصْف ازدَاد قوةً بقُوَّتِه وضعفًا بضعفِه، كل حكم يعلق على وصف فإنه يزداد قوةً بقوة هذا الوصف وضعفًا بضعفه، فنقول: إذن كلما كان الإنسان أكمَل إيمانًا ظهرَ له من آيات الله في هذه المخلوقات ما لم يظْهَر لِمَن دونَه، مفهوم هذا يا جماعة؟

العنكبوت 29:43

ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا يرجون نفعها ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]. (مَثَل ومِثْل) هي كـ(شَبَه وشِبْه)، وزْنًا ومعْنًى، فالمَثَل بمعنى الشَّبَه، وهو عبارة عن تشْبِيه شيء معقُول بشَيء محسوس؛ لأنَّ تَمْثِيل المعقولات بالمحسُوسَات يزيدها وضوحًا وبيانًا وتصوُّرًا، مفهوم؟ وإن كانت لا تتَسَاوى مِن كلِّ وجه، لكنَّها مِن هذا الوجه الذي شُبِّهَتْ به تتسَاوَى. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: جعلَوا أولِياءَ، والمراد بالأولياء: الأصنَام، وسُمُّوا أولياء؛ لأن عابِدِيهَا يرجُون نفعَها، كالوليّ الذي ينفَعُك بالنُّصْرَة والدِّفاع وجلْب الخير، وما أشبه ذلك، وأيضًا أولياء؛ حيث إنَّهم هم .. .. ولهذا قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨]، فهم ينصرونها ويرجون النصر منها، ولهذا سُمِّيَت هذه الأصنام بـ(أولياء). وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، والدليل على أن المراد دون الغير أن ذلك جاء في آيات متعددة كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، والتعبير بالدُّون لِدُنُوِّ مرتبته بالنسبة إلى مَن؟ إلى الله عز وجل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت ٤١] مثلُهم إذن مَن المراد بالذين اتخَذُوا مِن دون الله أولياء؟ المراد بهم المشركون مثلُهم ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]؛ أي: كشبه العنكبوت، والعنكبوت معروفة دويبة معرُوفة تتَّخذ لها بيتًا مِن العُشّ، وهذا البيت مِن العش هي التي تنسجه يخرج منها، والله سبحانه وتعالى على كلِّ شيء قدير، هذه العنكبوت إذا سقطَت من علٍ هي فورًا تفرز هذا العش، وتتعَلَّق به حتى لا تقع على الأرض، ثم مع ذلك تفرِزُه وتتعلق به، وتجدها مُتَدَلِّية بهذا الخيط، وإذا شاءَت أن تصعَد به صعدَت تنقلب وتجعَل رأسَها هو الأعلى وتصْعَد مع هذا الخيط الذي أفرزته هي في الحال، ثم هي أيضًا عند صيدَتِها -وأكثر مَا تصيد الذباب- ماذا تصنع به؟ تقيدُه بهذه الخيوط حتى تقضِي عليه، وهذا بعض مِن قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] هدى هذا الخلق لِمَا هو مِن مصالِحِه، الشاهد أنَّ هذه العنكبوت اتَّخَذَت بيتًا أي جعلت لها بيتًا، مِنين؟ مِن العش الذي تنسِجُه. قال المؤلف: (﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١] لنفسِها تأوي إليه) وهذا مشاهد ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ [العنكبوت ٤١] أضعَفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، هذا كلامُ الله عز وجل، وهو العالِمُ بما لم نُحِطْ به علمًا ما أكثرَ مخلوقات الله تعالى التي لها بيْت، ونحن لا نعلَم عن هذه البُيُوت إلا ما نشاهِدُه منها، وما أكثرَ الغائبَ عنَّا والله عزَّ وجل يقول: أَوْهَنَ الْبُيُوتِ بَيْتُ الْعَنْكَبُوت، وأَكَّد هذه الجملة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ بـ(إن) واللام مِن أجل تأكيد ضَعْف هؤلاء الأولياء، كما أنَّ هذه البيوت التي تأوي إليها العناكب ضعِيفَة، بل هي أوهَن البيوت وأضعفُها فإنَّ هؤلاء الأولياء أيضًا أضعفُ ما يكون مِن الأولياء فإنَّها لا تنفَع عابديها، بل إنَّ الله يقول في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ -حقًّا- ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ أي: الآلهة أو المتَأَلِّهِين لَها؟ تشْمَل هذا وهذا فهم لو كانوا آلهة حقًّا لمنَعُوا أنفسَهم مِن دخول النار، ولَمنَعُوا عابديهم مِن دُخُول النار، ولكنَّها آلهةٌ باطلة ما تنفَع فهذا وجه المشابهة في قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ هذا التشبيه تشبِيه يُسَمِّيه البَيَانِيُّون يسَمُّونَه التشبيه التمثيلي؛ يعني أنَّه مكَوَّن مِن جملة أنت إذا قلت: فلان كالبحر في الكرم هذا تشبيه، لكنَّه تشبيه إفرادِي شبَّهْت فردًا بفَرْد، إنما لو أتيت بشيء تُشبِّه قصة بقصة أو قضية بقضية، فإنَّ التشبيه هنا تمثيلِي مركَّب مِن عدة أوجه مِن مُشَبَّه، ومشَبَّه به متَعَدِّد، وأوْجُه الشبه متعدِّدَة أيضًا، فهذا التشبيه نسميه تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأنَّه مركَبٌ مِن قِصَّة متكَامِلَة؛ يعني ما قُصد أن يُشَبَّه العابدون بالعنكبوت وحدَها والمـعبُودُون بالبيوت وحدَها، قُصِد أن تُشَبَّهَ القضيَّة كاملة بالقضية كاملَةً حتى تتَّضِح الصورة أمام المخاطَب. قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال المؤلف في بيان هذا الوهم: (لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا) إي نعم، لا يدفُع الحَرّ ولا البرْد ولا يقِيها أيضًا مِن الآفات كأن يَسْقُطَ عليها شيء أو نحو ذلك، هذا البيت أوهَن البيوت؛ إذن يكُون هذه الأصنام لا تَنْفَع عابِدِيها، فعلى هذا نقُول: إنَّ هؤلاء الذين عبدوا هذه الأصنام، ما لجؤوا إلى ملجأ نافع، بل إلى ملجأ، ليس بنافع ولا مَانع ولا دَافع، ولهذا شبه الله ذلك ببيت العنكبوت، وفي آية أخرى شبه هذه الأصنام ودعاءها برجلٍ باسط كفيه إلى الماء لِيبلُغَ فَاه هل يبلغُه؟ إنسان أمامه الماء وهو عطشان فبسَطَ كفَّيْه إلى الماء، هكذا يُريد أن يصِل إلى الفَم يمكِن يصِل؟ لا يمكن أن يصِل أبدًا، فهذي أيضًا الأصنام لا تنفَعُ عابديها كما لا يصِلُ هذا الماء إلى فمِ هذا العطشان، قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١] ذلك ما عبدُوها. ﴿لَوْ﴾ هذه شرطِيَّة وفعل الشرط قولُه: ﴿كَانُوا﴾، وجوابُه مقدَّر على كلام المؤلف ويش تقديره؟ ما عبدوها، ولا ينبغِي أن تُوصَل هذه الجملة بالتي قبلَها؛ لأنَّك لو وصلْتَها بما قبلَها لكَان وهَنُ بيتِ العنكبوت مشروطًا بعلْمِهم مع أنَّه أوهَن البيوت سواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا، ولهذا ينبغي أن نقف على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. ثم نقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المؤلف يقول: ما عبدُوها، ويحتمل أن يكون الجواب: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا مِن ذوي العِلْم النافع ما خفِيَ عليهم هذا الأمْر، فإذا لم يخْفَ عليهم هذا الأمر، لم يقومُوا بالعبادة، وعلى كل حال فإن هذا يدُلُّ على جهلِ هؤلاء العابدين مهما بلغُوا من الذكاء، ومِن حُسْنِ التصرُّف في الدنيا فإنَّهم مِن هذه الناحية سُفَهَاء ليس عندهم علم ولا عقْل، هذه الآية تذَكِّرنا بآية يغلَط فيها كثيرٌ من الناس أيضًا في سورة التكاثر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، بعض الناس يصِل ويقول: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر ٥، ٦]، وهذا خطَأ؛ لأنَّ المعنى يفسُد به فسَادًا واضِحًا؛ لأنَّك لو وصلْت لكان ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمْر ليس كذلك، بل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جملة مستأنَفَة مستقِلَّة أخبر الله تعالى فيها أنَّنا سنرَى الجحيم، فيجبُ الوقوف على قولِه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. * طالب: شيخ، لو قال قائل أن العنكبوت تنتفع من بيتها بنسبة ما كما هو الواقع، وعباد الأصنام ما ينتفعون بها قطعًا؟ * الشيخ: نعم، هذا صحيح، قد يرد علينا، لكن المقصود أن هذه الأصنام مثل هذا البيت؛ لأنَّه لا ينفَع، هم الآن ينتفعُون بهذه الأصنام نوعًا من الانتفاع لا سيما الانتفاعُ المادي، فإنَّ الوافدين إليها لعبادتها والتبرُّك بها يحصُل فيهم منفعة مادية، لكن النَّفْع الحقيقي الذي هم يرْجُون، وهو الدفع ما ينفعهم. * طالب: يا شيخ، ما يقال: إن (...) ما يلزم الدخول في الواجب، فقد يطلب منك الشيء، ولا يلزم..؟ * الشيخ: لا، هو المقصود بالتشبيه هنا عدم الانتفاع أنَّها ما تنفعهم ولا تمنعهم، وهو حقيقة حتَّى بيت العنكبوت ما ينفعُه ولا يمنعُه يأتِيها الهواء، ويأتِيها البرد، ويأتيها المطر، ويعلَقُ به التراب، ولا تنتفعُ به الانتفاع الكامل. * الطالب: تصطاد به. * الشيخ: لا، ما تصطَاد به، تصطَاد بالعش اللي يخرج منها هذه الخيوط هي التي تصطَاد بها، أما نفْس البيت ما تصطَادُ به لكن هذا الذي نرَاه عليه هي التي جاءَت به تأتي به وتضعه فيه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت ٤2] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ ﴿مَا﴾ يقول المؤلف: (بمعنى الذي). فتكون اسمًا موصولًا، وهذا الإعراب الذي سلكَه المؤلف هو المتبادِر من الآية، وبعض المعربين، يقول: ﴿مَا﴾ استفهامِيَّة، والوقْفُ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ما الذي يدعون من دونه مِن شيء هل يستفيدون؟ ولكنَّ هذا بعِيد مِن اللفظ فإعراب المؤلف هو الصواب، ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يبقى على إعراب المؤلف أن نقول: أين العائد عائِدُ الموصول الجواب؟ * طالب: الهاء. * الشيخ: وين؟ * طالب: من دونه. * الشيخ: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الهاء هذه تعود على الله ما هي تعود على ﴿مَا﴾؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف، وهذا مطَّرِد، حذفُ العائد المنصوب مطَّرد، فيقول: التقدير: إنَّ الله يعلم ما يدعونَه مِن شيء. وقوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ قال: (يعبدون)، فالدعاء هنا دُعَاء عبادة، وكما يكون الدعاء دعاء عبادة فهو دعاءُ مسألة ودعاءُ عبادة، أمَّا دعاء المسألة ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] إنَّك تقول: يا ربي، اغفر لي، يا ربي ارحمني وما أشبه ذلك، دعاءُ العبادة ويش معناه؟ أن تتعَبَّدَ للهِ سبحانه وتعالى بما أمرَك به، وإنَّما كان ذلك دعاءً؛ لأن حقيقة حالِ العابد ما هي؟ طلب مغفِرَة الله ورحمَتِه فهو في الحقيقة داعٍ ضِمْنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. وقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يعبدون، ينبغي أن نجعَل الدعاء هنا شاملًا لِلعبادة ولِدُعَاء المسألة، هم يدعون هذه الأصنام دعاءَ مسألة ولَّا لا؟ * طالب: يدعونها. * الشيخ: يدعونها هذه الأصنام دعاء مسألة أيضًا، يسألونها، وشاهدٌ ظاهر في هذا أولئك الذين يشرِكُون بالأنبياء والأولياء فإنَّهم يدعونهم دعاءَ مسألة، يقول: يا رسول الله، اغفرْ لي، ويا رسول الله، يسِّرْ أمري، وما أشبهَ ذلك. وقوله: (بالياء والتاء) كيف بالياء والتاء؟ يعني ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿تَدْعُونَ﴾ قراءتان سبعيتان ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه بيانٌ لـ﴿مَا﴾؛ يعني أي شيء يدعونه، فإنَّ الله تعالى عالم به. علمُه به ويش معنى علمُه به؟ أنَّه يعلم حال هذا المدعُوّ المعبُود، وهي كالتعليل لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، تؤيد أنَّ هذا المثلَ مطابِقٌ للواقع؛ لأنَّه صادرٌ ويش؟ عن عِلْم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فإنه لما ذكر أنهم كالعنكبوت بيَّنَ أنَّ هذا عن علم مِن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأنَّ هذا الشيء الذي يُدعَى لا ينفَع. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنعِه. لو قال قائلٌ: إن المناسب أن يقال: (وهو السميع العليم)؛ لأن الله يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمقتضى الظاهر أن تُختَم الآية بالعِلْم؟ قلنا: هذا حقّ بالنِّسْبة لِظاهِر الكَلَام لكن عند التأَمُّل تجد أن ختامَه بالعزة والحكمة أبلَغ فإنهم يريدون الاستنصار بهذه الأصْنَام والغلبَة والظهور، وأكبر شاهدٍ لذلك قول أبي سفيان يوم أحُد حيث قال: «اعْلُ هُبَل»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء.]]. هذه الأصنام واعتزازُهم بها مقابَلٌ بعزةِ مَن لا يُغلَب وهو الله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب لهذه الأصنام ولعابدي هذه الأصنام واضِح؟ إذن مناسبة ﴿الْعَزِيزُ﴾ أبلغ مِن مناسبة (العليم)؛ لأنَّ هؤلاء يستنصرون بأصنامهم ويريدون أن تظهَر وتغلب، فبيَّنَ الله أنَّه هو صاحب العزة، وسبق لنا أن العزيز مِن أسماء الله عز وجل، وأنه يتضَمَّن العزة من ثلاثة وجوه: عزة القَدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ أما عزةُ القدر فمعناه سبحانه وتعالى أنَّه لا يشبهه أحد في عظمته وجلاله وقَدْرِه، وأما عزة القهر فمعناه أنَّه لا أحد يشبهُ الله عز وجل في قهْره وسلطانه وملكه، وأمَّا عزة الامتناع فمعناه أنَّه سبحانه وتعالى ممتنع عن كلِّ نقص وعن كلِّ عيب فهو عزيزٌ أن يُنَالَ بعيبٍ أو نقص، وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يقرِن الله سبحانه وتعالى العزة بالحكمة أتدرُون لماذا؟ لأن بعض الأعزَّاء مِن الخلق تحمِلُهم العزَّة على التَّهَوُّر، وعَدم التثَبُّت، وعدم تنزيل الأشياء منازلها، واذكروا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، وكون العزة تأخُذُه بالإثم حِكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة خلاف الحكمة، فلهذا يقرِنُ الله تعالى دائمًا العزيز بالحكيم إشارةً إلى أنَّ عزتَه تبارك وتعالى مقرونَة بالحكمة، فهو وإن كان عزيزًا غالبًا قاهرًا له السلطان الكامل فإنَّه سبحانه وتعالى لا يدبِّر الأمر إلا على وجه الحكمة البالغة، ثم إنَّه أيضًا على تفسيرنا فيما سبق ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنَّه ذو الحُكْم، ويش بعد؟ والحِكْمَة، ظاهر جدًّا أن عزتَه مقرونَة بحُكْمِه، وأنَّ له الحكم المطلق في عباده سبحانه وتعالى فلهذا يُقرَنُ هذا الاسم بهذا الاسم دائمًا، واعلم أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لها معانِي عند إفرادِها، وإذا قُرِنَت مع غيرِها ترَكَّب مِن هذا الاقتران معنًى آخر فوق المعنى الإفرادي لكل اسم، وهذه مسألة تأمَّلُوها، فمثلًا العزيز له معنى عند انفرادِه والحكِيم له معنى عند انفراده، لكن إذا اقترنا جميعًا حصل منهما معنًى آخر ثالث زائد على المعنى الانفرادي، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعنى الكامل، وسبق لنا أن الحكيم ذُو الحُكْم والحِكْمة، وأنَّ الحُكْم ينقَسِم إلى كَونِيّ وشرعي، ومثَّلْنَا للكوني بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، وللشرعي بقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، ولما يشمَلُهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وما أشبه ذلك. أمَّا الحكمة فإنها ثابتة لله عز وجل، وهي تنْزِيل الأشياء في منازلها، وتكون في الحكم الكوني والحكم الشرعي، هذا باعتبار موضعها، وتكون أيضًا حكمة غائية، وحكمة صورية، صورية؛ بمعنى أن كونَ الشيء على هذه الصورة المعينة موافِقٌ للحكمة، ثم الغاية منه حكمة أيضًا فتكون الحكمة في الغاية، وفي الهيئة التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامل لجميع أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.﴾ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت 43] في القرآن ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نجعلها ﴿لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفهمها، ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ المتدبِّرُون. ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ أتى بـ﴿تِلْكَ﴾ الدالَّة على البُعْد، ولَّا على القرب؟ على البعد؛ لأنَّه لم يقل: وتلك الـمَثَل حتى نقولَ إنه عدَلَ بالكلام عن ظاهره أو عن مقتَضَى سياقِه؛ لأنّ المثل المضروب الآن قرِيب ولَّا بعيد؟ قريب، لكن قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، والأمثال الأخرى غير مثَل متَّخِذِي الأصنام بعيدة بالنسبة لهذا المكان؟ إي نعم؛ لأنها متوَزِّعة في القرآن فلهذا جاءت الآية بـ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، ولم يقل هذا المثل فهو شامِل لكُلِّ الأمثال الواردة في القرآن، والأمثال الواردة في القرآن كثيرة متعدِّدة، وقد ألَّفَ فيها بعض أهل العلم الكتب المستقلة، وأفردَها السيوطي في الإتقان بفصل مستَقِلّ، وبيَّن فوائد الأمثال التي يُضرب المثل مِن أجلها، والفائدة الملموسة منها القريبة جدًّا هو تقرِيب المعقول إلى الأذهان إذ إن المثل هو ضَرْبُ شيءٍ معقُول قد يَبْعُد على الإنسان تصَوُّره بشيءٍ محسُوس يسهُل تصَوُّرُه، قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قلت: ضرب ذلك مثلًا المعنى جعل ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨] أي: جعَل لكم، فالضرب إذن يأتي بمعنى الجعل إذا أُضِيف إلى المثل كلَّما وجدت ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم ٢٤]، وما أشبهَه فاعلم أن المراد به المراد بالضرب هنا الجعل، فمادة (ضرَب) ليسَت خاصة بالضرب الذي هو الضَّرْب باليد، تشْمَل الضَّرْب بمعنى الجعل، وتشمل الضرب بمعنى تحويل النُّقُود مِن سِكَّة إلى سِكَّة وغير ذلك حسب السياق الذي يبينها. وقوله: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نجعلها أمثالًا للناس عمومًا فالله تعالى ضربَ المثل لجميع الناس في التوراة والإنجيل والقرآن، ولكن مَن الذي يعقلها وينتفِعُ بها؟ العالِمُون ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العالمون أي: ذَوُو العِلْم، والفهم الذين ينتفعون بفهمهم وعلمهم، ولهذا قال المؤلف: (المتدبرون)، وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن العلم بعد التدبر، لكن لما كان العلم لا يحصل إلا به فسّره المؤلف به، والحقيقة أن المراد بالعالمين المراد بهم ذوو العلم والفهم الذين يعقلون الأشياء ويفهمونها احترازًا من أهل الجهل المعرضين الذين لا ينتفعون بما أعطاهم الله تعالى من الفهوم فإنهم لا يعقلون هذه الأمثال، وإذا لم يعقلوها ينتفعون بها ولَّا لا؟ ما ينتفعون بها، هل من الممكن أن نحصر الأمثال الموجودة في القرآن؟ ما هو في هذا المكان، ما يمكن في هذا المكان، فنأخذ به بحثًا ولا ما يمكن؟ * طالب: كتاب لابن القيم حصر (...). * الشيخ: أنا لا أريد منكم أنكم تنقلون من الكتاب أولًا الإنسان، هذا بينكم وبين الله أنتم بأنفسكم تدبّرون القرآن، كلنا في رمضان الحمد لله نقرأ القرآن، كلما مر على الإنسان مثل يقيده، ثم بعد ما يقيد هذه الأمثال يشوف عاد يرجع إلى الكتب المؤلفة، هل نقص ولا ما نقص، ولا معلوم أن.. أنا ما ودي أنك علمت الإخوان، لكن أن الإنسان يستطيع أنه يروح لأي كتاب مؤلف في هذا وينقله لكن.. * طالب: لا، يمكن يا شيخ نقرأ كتاب ابن القيم نقرأ بس قراءة يساعدني (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أن الإنسان أولًا يبدأ هو بنفسه، يبدأ في القرآن يقيد الأمثال، ثم بعد ذلك يرجع إلى الكتاب ما فيه مانع، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ إذن عمم في ضرب المثل، وخصّص في عقل المثل، أين التعميم في ضرب المثل؟ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾،﴾ والتخصيص: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وهذا أسلوب كثير في القرآن التعميم ثم التخصيص؛ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعمَّم في الدعوة، وخصّ في الهداية. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت ٤4] أي: محقًّا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ما معنى خلق؟ أي: أوجدها، والله تعالى خالق السماوات والأرض. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١١٧] قال أهل العلم: بديع بمعنى (مُبدع)، والإبداع إيجاد الشيء على غير مثالٍ سبق، ومنه البئر البدع التي حفرت الآن جديدة، فالخلق أعم من البدع، لكن قد بيَّن الله عز وجل في آية أخرى أنه خالق وبديع، فهو الذي أوجد السماوات والأرض وهو بديع السماوات والأرض. وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني بما فيهما، والذي فيهما بالنسبة لبني آدم منهما، وكذلك النبات فإن الإنسان خلق من طين من الأرض والنبات أيضًا من الأرض كما هو ظاهر. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال المؤلف: (أي محقًّا)، فالجار والمجرور في موضع نصب على الحال من فاعل (خلق) أي محقًّا ويجوز أن يكون حالًا قصدي مفعولًا من أجله؛ يعني بمعنى المفعول من أجله؛ أي: خلقها للحق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص ٢٧]، وإنما هي حق، وتفسير المؤلف يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، فإذا لم يكن لاعبًا سبحانه وتعالى كان محقًّا. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه الخلق، فيشمل كل ما تطور من خلق السماوات والأرض فإنه آية، فنفس السماوات والأرض خلقهما آية دالة على الله؛ لأن آية الشيء ما كان دالًّا عليه دون غيره، هنا السماوات والأرض دالة على الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق مثل هذه السماوات والأرض، أليس كذلك؟ إذن فهي آية له، فوجود هذه السماوات والأرض دال على القدرة وما فيهما من الانتظام، وعدم الاضطراب والتناقض دال على الحكمة، ولو تأملت أشياء كثيرة من حوادث السماوات والأرض لوجدت كل واحد منها يدل على القدرة، وطبعًا على العلم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وعلى الحكمة، وله أيضًا دلالة خاصة على ما يدل عليه بنفسه، وهذا شيء تأمله يظهر لك آيات كثيرة ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: دالة على قدرة الله فقط؟ لا، على قدرة الله، وعلى علمه، وعلى حكمته، وعلى رحمته، وعلى قوته، وكل حوادث السماوات والأرض كل شيء منها يدل على تلك الصفة الخاصة به. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين) صحيح، الآيات الكونية لا ينتفع بها إلا المؤمن والكافر ما ينتفع، الكافر يقول: هذه طبيعة تدبر بنفسها، وتنتقم من الناس بنفسها، وتجلب الخير للناس بنفسها ولا ينتفع، والمؤمن ينتفع بذلك، كذلك أيضًا الآيات الشرعية المؤمن ينتفع بها وغير المؤمن لا ينتفع ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، فالآيات إذن الآيات الكونية والشرعية ما تنفع إلا المؤمن. فإذا قال قائل: المؤمن مؤمن، كيف ينتفع؟ قلنا: نعم، ينتفع بأي شيء؟ بزيادة الإيمان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وزيادة الإيمان لا شك أنه انتفاع نفع عظيم؛ لأن الإيمان إما أن يزيد، وإما أن ينقص، وإما أن يبقى على ما هو عليه، والأخير هذا قد يكون نادرًا أن يكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ فهو إما في زيادة، وإما في نقصان، هذا في الغالب الكثير، على أن التقسيم الحاصل هذا أنا أشك في وجود القسم الثالث منه، وهو أن يكون لا يزيد ولا ينقص؛ لأن عدم زيادة الإيمان يؤدي إلى نقصه؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة كما هو مفهوم للجميع إذا فقدت الطاعة حصل النقص، إنما القسمة العقلية هو أن يكون إما زائدًا أو ناقصًا أو باقيًا على حاله، وتصور أو وقوع القسم الثالث الله أعلم به. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. [العنكبوت: ٤4، 45] * طالب: أيش الذين قالوا: (...) والذين قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟ * الشيخ: ما عندهم دليل؛ يعني عندهم تعليل عليل الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، يقولون: هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب والإقرار لا يتفاوت أو المعتزلة والخوارج، الذين يقولون: الإيمان ما يتبعض إما أن يوجد كله كاملًا وإما أن يعدم كله. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ﴾.. * طالب: لكن الآية ما ترجع للخلق بالحق جميعًا؟ * الشيخ: إلا ترجع لهما جميعًا، وخلق السماوات بالحق بهذا القيد ترجع لهما جميعًا. * طالب: يا شيخ، فيه بعض العلماء يقول على نقص الإيمان وزيادته، يقول: إن من ترك ما ينفعه لا بد أن يبتلى بما يضره، وهذا من العوائد القدسية. منين أخذوا هذا الكلام بعض المفسرين (...)، يذكر هذا فما أدري منين؟ يقول: دائمًا إن الإنسان إذا ترك أي شيء ينفعه فلا بد أن يبتليه الله سبحانه وتعالى بما يضره، (...) وجه (...). * الشيخ: أيش وجهه؟! من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره، وجه ذلك يا إخواننا؟ * الطالب: عقوبةً يعني؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] الإنسان لا بد أن يفعل شيئًا. * الشيخ: نعم، هذا وجهه، الإنسان لا بد أن يكون حارثًا وهمامًا، كل إنسان لا بد له من همة وعمل، هذا العمل إذا لم يكن فيما ينفع لزم أن يكون فيما يضر. فإذا قال قائل: هذا القول يستلزم إبطال القول بقسم المباح في باب التكليف كما يذكر عن أحد المعتزلة -فيما أظن الكعبي، هو يسمى الكعبي، وأظنه من المعتزلة- يقول: ما فيه قسم مباح في الشريعة؛ لأنه لازم أن هذا الشيء المباح الذي تشتغل به يكون كافًّا لك عن المحرم فيكون واجبًا، فالأشياء إما واجبة وإما محرمة، لكن أهل العلم ردوا عليه بأدلة العقل والنقل وقالوا: هذا ليس بصحيح، فإن ضرر فعل المباح إذا تضمن ترك الواجب ما هو لأنه مباح، ولكن لترك الواجب، لو فعل المباح بدون أن يترتب عليه ترك واجب وفعل محرم ما صار عليه إثم، فالمهم أنا نقول: أن وجه الكلام أن الإنسان لا بد أن يكون فعالًا، فإما فيما ينفعه وإما فيما يضره. أستغفر الله! * طالب: ما هناك مباحث يتعلق بموضوع الأسماء والصفات وشرحها، الأسماء فقط وشرحها (...) محققة في كتب؟ * الشيخ: ما رأيت إلا كلام ابن القيم في النونية، والشيخ عبد الرحمن السعدي شرحها توضيح توحيد الأنبياء، وفيه أيضًا كتاب شرح أسماء الله لأحد علماء اللغة. * طالب: الزجاج؟ * الشيخ: والزجاج. * طالب: تفسير الأسماء. * الشيخ: إي هو شرحه، لكنه بس ما عاد أدري عن ثقتي بهذا الرجل. (...). في هذه الآية ضرب الأمثال للناس أو نخليها في الآية التي بعدها؟ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ الآية التي بعدها أوضح. * في هذه الآية الكريمة: دليل على سفه أولئك المشركين حيث اعتمدوا على ما لا معتمد عليه في عبادة الأصنام؛ يؤخذ من قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: تقبيح هؤلاء المشركين وتنزيل مرتبتهم حيث شبهوا بأيش؟ بالعناكب؛ لأن هذا لا شك أن تشبيه الإنسان بالحيوان أنه إذلال له وتنزيل له عن مرتبته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * ومن فوائِد الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها أبدًا، لا تنفعهم، ولا تدفع عنهم فهي لا تجلب الخير ولا تدفع الضرر من أين يؤخذ؟ حيث شبّهت ببيت العنكبوت. * ومنها: جواز ضرب المـثل بالدون حسب ما تقتضيه الحال منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، فإنها من أدنى ما يكون من المخلوقات، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة ٢٦]، وقد ضرب الله المثل بالذباب، وبالحمار، وبالكلب، وبالبعوضة، وبالعنكبوت، كل هذا حسب ما يقتضيه المقام. * ومن فوائد الآية: أن أوهن البيوت وأضعفها بيت العناكب، ومن هنا نأخذ أنه لا ينبغي أن يقال: هذا أوهى من بيت العنكبوت أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: تأملوه أوهى من بيت العنكبوت. * طالب: لأن لا شيء أوهى من بيت العنكبوت. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الله المستعان (...) أوهى من بيت العنكبوت ليش نقول ما يصلح؟ لماذا؟ لأنه قال: ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ فأنت ما يمكن تقول لبيت من البيوت: إنه أوهى من بيت العنكبوت، بيت تقول: أوهى من بيت العنكبوت ما يصلح؛ لأن الله يقول: أوهن البيوت بيت العنكبوت، لكن إذا كان غير بيت تقول مثلًا: حجة هذا الرجل أوهى من بيت العنكبوت فما رأيكم؟ * طالب: لا بأس. * الشيخ: هذا لا بأس، ما فيه تكذيب للقرآن، اللي فيه معارضة للقرآن أن تقول عن بيت: إنه أوهى من بيت العنكبوت.(...) سبيل الهداية ولكن لاحظوا ما المراد بالعلم الذي هو سبيل الهداية هل هو العلم بطبائع الأشياء وما خلقَ الله في الكون أو العلم بالله عز وجل؟ العلمُ بالله وآياتِه الكونية والشرعية وليس مجرَّد أن يطَّلِع الإنسان على ما في هذا الكون لأنَّه قد يطَّلِع ولا ينتَفِع، ومن هنا نأخذ خطَأَ كثيرِ مِن الناس الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] أنهم العلماء بالكون، لو كان الأمر كذلك لكان أصحابُ علوم الفلك وطبقات الأرض الجيولوجيا وغيرِها هم الذين يخشَون الله، وأصحابُ العلم بشريعة الله دونَهم في الخشية وهذا مُحَال ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت ٤٤]. * يستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ الخالق للسماوات والأرض هو الله. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الآية فيها أنَّ الله لم يحكُم على هؤلاء المشركين بمشابهتِهم للعنكبوت إلَّا عن عِلْم فالآية كالتعليل لِمَا قبلها يعني أنَّه سبحانه وتعالى ما قال: كمثل العنكبوت إلَّا عن علم هو يعلَم هذه الأصنام وأنها لا تنفع ولا فائدة منها. * ومنها: إثباتُ العلم لله فيما يتعلَّق بالخلْق إثبات علم الله تعالى فيما يتعلَّق بالخلق فيكونُ فيه ردٌّ على من؟ على غُلَاةِ القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلَم الأشياء المتعلقة بالخلْق إلا بعد وقوعِها. نعوذ بالله، لكن هؤلاء الغلاة يقول شيخ الإسلام في وقته: إنهم كانوا قليلين، إنَّهم قَلُّوا؛ لأنَّهم رأوا أنَّ إنكارهم العلم نداءٌ على أنفسهم بالكفر فتركوا هذا وصاروا ينكرون الكتابة والمشيئة. * ومِن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين العزيز والحكيم وإثباتُ ما تضمناه مِن صفة وهي العزة والحكمة، وكذلك ما تضمنَّاه من صفة على سبيل دَلَالة الالتِزَام؛ لأنَّ دلالة اللَّفظ على معناه تكون بالمطَابقَة والتضَمُّن والالتزام، فما يستلزمه هذان الوصْفَان مِن الصفات فإنَّه ثابت، أنتم فاهمين هذا؟ دلالة اللفظِ على مدلوله تكون بدلالة المطابقة والتضَمُّن والالتزام، ما مرَّت علينا هذه؟ نضرِب مثلًا لذلك: كلمة (دار)، تعرفون الدار المسكُونة كلمة (دار) تدُلّ على هذه الكتْلة مِن البناء المتضَمِّنَة للغُرَف والحُجَر والسُّطُوح والرَّحْبَات تدُلُّ على ذلك بالمطابَقَة، أنت بمجرَّد ما أقول: كلمة (دار) تفهم أن (دار) فيها حُجَر وغُرَف وأسْطِحَة ورحَبَات فدلالَتُها على هذا دلالَة مطابقة تدُلُّ على كل حجرةٍ بمفردها أو غرفةٍ بمفردها أو سطحٍ بمفرده أو رحبة بمفردها تدل عليها بالتضَمُّن يعني أنه متضَمِّنَ لكذا وكذا واضح؟ تدلُّ على أنَّ لها بانيًا بأيش؟ بالالتزام؛ لأنَّه ما تقوم الدار إلا ببانِي هذا معنى قولهم إنَّ الدلالة مطابقة وتضمن والتزام، فمثلًا العزة العزيز يدل على العزة دلالة مطابقة، مِن لازم العزة أن يكون العزيز عالمـًا قادرًا قويًّا دلالته على هذه المعاني بالالتزام، ودلالة العزيز على الذَّات والصفة دلالة مطابقة، وعلى الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضَمُّن. * طالب: ما قلت يا شيخ دلالته على الذات؟ * الشيخ: لا؛ لأن العزيز اسم، فهو دلالته على الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضمن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، وعلى ما تستلزمه العزة مِن العلم والقدرة والقوة، وما أشبه ذلك التزَام، ولهذا اسم الحي القيوم تضَمَّن جمِيع الصِّفَات، هذان الاسمان تضمَّنَا جميعَ الصفات؛ لأنَّ الحي مستَلْزِم لجميع صفات الكمال، والقَيُّوم مستلزم لجميع صفات السلطان والمـُلْك والتدبير وما إلى ذلك، ولهذا ورد في الحديث أنَّهما اسمُ الله الأعظم[[أخرجه أبو داود (١٤٩٦) من حديث أسماء بنت يزيد.]]. العزيز الحكيم قلنا: فيها إثبات العزة، والحكِيم فيها إثبات الحُكْم والحِكْمَة، وفي الجمع بينهما يظهَر صفة ثالثة، وهي أنَّ عزةَ الله مقرونَة بالحكمة ليست كعزةِ العزيز غيرِه فإنَّها قد تكونُ خاليةً من الحكمة. * ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التَّأَمُّل إذا خُتِمَت الآيات بما يكون مُخالفًا لِظَاهِر الحال؛ يعني فلا ترُدَّها إذا وجدت آية مختومة بخِلَاف ما يقتضيه ظاهر الحال أو السياق، فتأمَّل فيها فإنَّ الخطأ منك ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]، مقتضى ظاهر السياق أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن عَدَل عنه، لا تقل إن هذا خلل أبدًا، الخلل منك أنت فإن هذا كلام الله عز وجل ما فيه خلل، فآياته الكونية ليس فيها خلل، وآياته الشرعية كذلك، فيجب أن تتَأَمَّل وتتوقف، هنا في الآية التي معنا، قد يتبادَر للإنسان أن تخُتَم بالعلم، ولكن عند التأمل يكون ختمُها بالعزة والحكمة أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]. * في هذه الآية الكريمة فائدة: ضرْب الأمثال، وأنَّه نوْع من التعليم والتوجيه؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾. * ومِن فوائدِها: إثباتُ عظمةِ الله عز وجل، منين تؤْخَذ؟ * طالب: ﴿نَضْرِبُهَا﴾. * الشيخ: ﴿نَضْرِبُهَا﴾ مِن نون العظمة ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾، واعلم إن كنت لا تعلم مِن قبل أنَّ ما أضافه الله تعالى إلى نفسه بلفظ العظَمة فإنه يدُلُّ على عظمة نفسه سبحانه وتعالى، وقد يُرادُ به ملائكته لا نفسه، وهذا في القرآن كثير، وكذلك الأول في القرآن كثير، فمِمَّا أراد الله به ملائكتَه مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، الضمير هذا يعود على مَن؟ ضمِير الفاعل؟ على جبْرِيل، لكن أضافَه الله إلى نفسِه؛ لأنَّ جبريل رسولُه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود ٧٤] ﴿يُجَادِلُنَا﴾ وهو لا يُجادِلُ الله إنما يجادِل الرُّسل، لكن حمل ما أضيفَ إلى الله بصيغة العظمة على رسلِه وملائكتِه لا بُدَّ له مِن دليل، وإلَّا فالأصل أنَّه يعود إلى الله، أمَّا ما أضافَه الله تعالى إلى نفسه بصيغة الإفراد فهو له نفسه، ونضرِب لهذا مثلَيْن؛ الأَوَّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦] هذه الضَّمَائِر كلُّها بصيغة الإفراد. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ المراد قربُه نفسه مِن داعِيه، ولكنَّ هذا القُرْب لا يلزمُ منه أن يخلُوَ منه العرش أو ينتفِيَ عنه العُلُوّ كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يلزم منه أن يخلُو من العرش أو أن ينافي ذلك علُوَّه، لكن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] فإن ﴿أَقْرَبُ﴾ فيها ضمير يعود على ﴿نَحْنُ﴾ و﴿نَحْنُ﴾ الضمير لمن؟ الضمير لله، لكنَّه أقربُ إليه منَّا بِـملائكتِه ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإنَّ الملائكة تحضُر إلى الميت لقبض روحه، وتجلس منه مَدَّ البصر لكن ما نُبصِرُها نحن، فهنا القرب لِمَن؟ القرب للملائكة؛ لأنَّ الله أضافَه إلى نفسه بصيغة العظمة ووُجِدَ الدليل، وهذه الفائدة مهمة جدًّا تنفعُك في بابِ الصفات وغيرها أنَّ ما أضافه الله إلى نفسه بصيغَة الإفراد فهو له، وما أضافَه إلى نفسِه بصيغة الجمع فهو له، لكن قد يكون لِملائكته بقرينَة، وهذا غيرُ ممتنع كما عرفْتُم. هنا قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ له ولَّا للملائكة؟ لَه؛ لأن ما فيه قرينة تدل على أنه للملائكة. و﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ الفائدة الأولى: قلنا: فيها فائدة ضرب الأمثال. * وفيها أيضًا من فوائد الآية: رحمةُ الله تعالى بالخلق بضربِ الأمثال لهم؛ لأنَّ ضربَ الأمْثَال كما قلنا: يُقَرِّبُ المعقول إلى الأذهان، وتصَوُّرُ الإنسان للمحسوس أقْوَى مِن تصَوُّرِه للمعقول، أليس كذلك؟ الآن لو أشرَح لكم صفة الحج شرحًا بيِّنًا ظاهرًا وافيًا أو أذهب بكم إلى الحج إلى المناسِك، أيهن أبلغ؟ الأخير أبْلغ؛ لأنَّكم تُحِسُّونَه بأعينكم، لكن الأول تتصَوَّرُونه بقلوبكم فلا تدركونه جيدًا، فإذن ضرب الأمثال فيه رحمة للخلق حيث إنَّه سبحانه وتعالى يقرب لنا المعقولات بالمحسوسات. * ومن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التأمل في الأمثال؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فالعالم هو اللي يتَأَمَّل وينظر حتى يعقل. * ومِن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾، والمراد بالعقل هنا عقْلُ الإدراك أو عقل الرُّشْد؟ * الطلبة: عقل الرشد. * الشيخ: عقل الرُّشْد، العقل الذي ينفع هو الذي يُثْنَى عليه. * ومنها أيضًا: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فاللي غير عالِم بالله سبحانه وتعالى وآياتِه ما يعقِل هذه المعاني، ويقول: هذه أشياء ليس لها معنى، لكن العالم هو الذي يعقِلُها ويعرِف مغْزَاها ومعنَاها، وأوجُه الشبه بينها حتى يصل إلى درجة الكمال. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * في هذه الآية فوائِد: أولًا: أنَّ خالقَ السماوات والأرض هو الله أو لا؟ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنا ما نعرف. لو قال قائل: ما في الآية حصر حتى تقولوا: إنَّ الخالق هو الله؟ نقول: نعم، ما فيها حصر بالطرق المعروفة، لكن في حصر من حيث إنَّه لا يوجد إلا سماوات وأرض واحدة إذا كان الخالق لها هو الله انتفى أن يكون غيرُه خالقًا لها. * ومنها: الردُّ على أهل الطبيعة -والعياذ بالله- الذين يقولون: إنَّ السماوات والأرض ليس لها خالق، إنَّها أشياء تتفاعل وتتحَوَّل وتتَقَلَّب، وأنَّ الخلق لا أول له ولا نهاية. * ومنها: إثبات حدوث السماوات والأرض، وأنَّها ليست قديمة، مِنين نعرفه؟ خلق السماوات فهي مُوجدة بعد العدم، وكلُّ ما سوى الله فهو موجود بعد العدم. * ومنها: أنَّ السماوات عِدَّة، كم؟ * طلبة: سبع سماوات. * الشيخ: نعم، بُيِّنَت في آيات أخر بسبْع. * ومنها أيضًا: أن الأرض واحدة؟ * طلبة: لا، هذا الجنس. * الشيخ: المراد الجنس، طيب في القرآن ما جُمعت الأرض أبدًا أو لا؟ لكنَّه أُشير إلى جمعِها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] المماثلة هنا في الوصف متعَذِّرة أو لا؟ لأنَّه ما فيه مقارنة بين السماوات والأرض إذا تعذّرَت المماثلة في الوصف رجَعْنا إلى المماثلة في العدد، وقد جاءت السنة صريحةً في ذلك مثل قوله ﷺ: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، ومسلم (١٦١٢ / ١٤٢) من حديث عائشة.]]. * ومِن فوائد الآية: أنَّ هذه السماوات والأرض خَلْقُها بالحَقّ ليس عبثًا ولا لهوًا ولا باطِلًا؛ لقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾. * ومنها أيضًا: أنها مشتملة على الحق، فخلْقُها أصل إيجادِها بالحق، وهي أيضًا مشتملة على الحَقّ، ما يمكن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بحَقّ. * مِن فوائدها أيضًا: اطمئنان الإنسان لِمَا يُحْدِثُه الله في السماوات والأرض أو بعثُ الاطمئنان، ما وجْهُ ذلك؟ هذا السؤال أنا ذكرت الفائدة فما وجهُها؟ طيب ما وجهُ كونِها تبعَث على الاطمئنان؟ * طالب: بالحق. * الشيخ: أنَّها بالحق، كلُّ شيء يحدث ما دام عرفت أنَّه بالحق أطمئن ما أقول: ليش حدث؟ وليش ما حدث؟ حدث على الناس جُوع ومرض وزلَازِل وفيضانات، أعرف أنَّ ذلك بالحق فأطمَئِنّ وأرضَى وأُسَلِّم، ولا راحَة في الحقيقة للإنسان إلَّا بهذا ما يمكن يستريح الإنسان إلَّا بهذا إذا آمَن بقضَاء الله وقدرِه، وأنَّه الحق وهو يطمئن تمامًا، وإلَّا فإنه سيتكَدَّر؛ لأنَّه ما من ساعَةٍ إلا ويجِدُ فيها ما يسُوؤه إمَّا في نفسِه أو أهلِه أو صحبِه أو بلدِه أو البلاد الإسلامية عامَّة، ولا يمكن أنَّ الإنسان يطمئن ويستَقِرّ حتى يؤمِن بأنّ هذه الأشياء كلها حق. * طالب: المنازعة في الأقدار؟ * الشيخ: منازعة الأقدار بالشرع هذه واجبَة، طيب فيه أيضًا. * الطالب: يعني تطمَئِن وتُنَازِع؟ * الشيخ: تنازع بالشرع، ما هو بالقضاء. * الطالب: لا، أنا قصدي الجمع بينهم؟ * الشيخ: أنه هذا الجمع بينه، نحن مثلًا أي إذا جاءَنا القدَر ما يسوؤنا ننازعُه بالشرع بالصبر إذا صبرنا ما ساءنا ذلك، وهكذا منازعة القدَر بالشرع، هذا شيءٌ واجِب أن تُقَابِل القدر بما يقتضِيه الشرع، لكن منازَعة القدر بالقدر هذا ما يجوز، أنت تجيب دائمًا كلمات صوفية ما أدري ويش.. * الطالب: لا، ما صوفية يا شيخ لنحذر (...) أنا اللي خلاني أجيب هذا.. * الشيخ: أنا ما وُدِّي أنك جبت هذا؛ لأنه تحتاج إلى.. لاحظ يمكن بعض الناس ينفُر مِن كلمة منازعَة، والمرادُ بالمنازعة المقابلة. * مِن فوائد الآية: أن خلْقَ السماوات والأرض آية دالة على ما يقتضيه هذا المخلوق من صفات الله عز وجل، وقد ذكرْنا أنَّ منه ما يقتضِي الدلالة على قدرة الله، والدلالة على حكمة الله، والدلالة على عزَّتِه حسب ما تقتضيه الآية. * ومنها: أنه لا ينتَفِع بالآيات إلا من؟ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * نستفيد مِن هذه الفائدة فائدة تتفَرع: أنه كلَّما كمُلَ إيمان العبد ازدَاد انتفاعًا بالآيات، هذه الفائدة الطريق إلى الحُصُول عليها هو ما سبقَ لنا غيرُ مرَّة مِن أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصْف ازدَاد قوةً بقُوَّتِه وضعفًا بضعفِه، كل حكم يعلق على وصف فإنه يزداد قوةً بقوة هذا الوصف وضعفًا بضعفه، فنقول: إذن كلما كان الإنسان أكمَل إيمانًا ظهرَ له من آيات الله في هذه المخلوقات ما لم يظْهَر لِمَن دونَه، مفهوم هذا يا جماعة؟

العنكبوت 29:44

ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا يرجون نفعها ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]. (مَثَل ومِثْل) هي كـ(شَبَه وشِبْه)، وزْنًا ومعْنًى، فالمَثَل بمعنى الشَّبَه، وهو عبارة عن تشْبِيه شيء معقُول بشَيء محسوس؛ لأنَّ تَمْثِيل المعقولات بالمحسُوسَات يزيدها وضوحًا وبيانًا وتصوُّرًا، مفهوم؟ وإن كانت لا تتَسَاوى مِن كلِّ وجه، لكنَّها مِن هذا الوجه الذي شُبِّهَتْ به تتسَاوَى. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: جعلَوا أولِياءَ، والمراد بالأولياء: الأصنَام، وسُمُّوا أولياء؛ لأن عابِدِيهَا يرجُون نفعَها، كالوليّ الذي ينفَعُك بالنُّصْرَة والدِّفاع وجلْب الخير، وما أشبه ذلك، وأيضًا أولياء؛ حيث إنَّهم هم .. .. ولهذا قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨]، فهم ينصرونها ويرجون النصر منها، ولهذا سُمِّيَت هذه الأصنام بـ(أولياء). وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، والدليل على أن المراد دون الغير أن ذلك جاء في آيات متعددة كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، والتعبير بالدُّون لِدُنُوِّ مرتبته بالنسبة إلى مَن؟ إلى الله عز وجل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت ٤١] مثلُهم إذن مَن المراد بالذين اتخَذُوا مِن دون الله أولياء؟ المراد بهم المشركون مثلُهم ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]؛ أي: كشبه العنكبوت، والعنكبوت معروفة دويبة معرُوفة تتَّخذ لها بيتًا مِن العُشّ، وهذا البيت مِن العش هي التي تنسجه يخرج منها، والله سبحانه وتعالى على كلِّ شيء قدير، هذه العنكبوت إذا سقطَت من علٍ هي فورًا تفرز هذا العش، وتتعَلَّق به حتى لا تقع على الأرض، ثم مع ذلك تفرِزُه وتتعلق به، وتجدها مُتَدَلِّية بهذا الخيط، وإذا شاءَت أن تصعَد به صعدَت تنقلب وتجعَل رأسَها هو الأعلى وتصْعَد مع هذا الخيط الذي أفرزته هي في الحال، ثم هي أيضًا عند صيدَتِها -وأكثر مَا تصيد الذباب- ماذا تصنع به؟ تقيدُه بهذه الخيوط حتى تقضِي عليه، وهذا بعض مِن قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] هدى هذا الخلق لِمَا هو مِن مصالِحِه، الشاهد أنَّ هذه العنكبوت اتَّخَذَت بيتًا أي جعلت لها بيتًا، مِنين؟ مِن العش الذي تنسِجُه. قال المؤلف: (﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١] لنفسِها تأوي إليه) وهذا مشاهد ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ [العنكبوت ٤١] أضعَفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، هذا كلامُ الله عز وجل، وهو العالِمُ بما لم نُحِطْ به علمًا ما أكثرَ مخلوقات الله تعالى التي لها بيْت، ونحن لا نعلَم عن هذه البُيُوت إلا ما نشاهِدُه منها، وما أكثرَ الغائبَ عنَّا والله عزَّ وجل يقول: أَوْهَنَ الْبُيُوتِ بَيْتُ الْعَنْكَبُوت، وأَكَّد هذه الجملة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ بـ(إن) واللام مِن أجل تأكيد ضَعْف هؤلاء الأولياء، كما أنَّ هذه البيوت التي تأوي إليها العناكب ضعِيفَة، بل هي أوهَن البيوت وأضعفُها فإنَّ هؤلاء الأولياء أيضًا أضعفُ ما يكون مِن الأولياء فإنَّها لا تنفَع عابديها، بل إنَّ الله يقول في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ -حقًّا- ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ أي: الآلهة أو المتَأَلِّهِين لَها؟ تشْمَل هذا وهذا فهم لو كانوا آلهة حقًّا لمنَعُوا أنفسَهم مِن دخول النار، ولَمنَعُوا عابديهم مِن دُخُول النار، ولكنَّها آلهةٌ باطلة ما تنفَع فهذا وجه المشابهة في قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ هذا التشبيه تشبِيه يُسَمِّيه البَيَانِيُّون يسَمُّونَه التشبيه التمثيلي؛ يعني أنَّه مكَوَّن مِن جملة أنت إذا قلت: فلان كالبحر في الكرم هذا تشبيه، لكنَّه تشبيه إفرادِي شبَّهْت فردًا بفَرْد، إنما لو أتيت بشيء تُشبِّه قصة بقصة أو قضية بقضية، فإنَّ التشبيه هنا تمثيلِي مركَّب مِن عدة أوجه مِن مُشَبَّه، ومشَبَّه به متَعَدِّد، وأوْجُه الشبه متعدِّدَة أيضًا، فهذا التشبيه نسميه تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأنَّه مركَبٌ مِن قِصَّة متكَامِلَة؛ يعني ما قُصد أن يُشَبَّه العابدون بالعنكبوت وحدَها والمـعبُودُون بالبيوت وحدَها، قُصِد أن تُشَبَّهَ القضيَّة كاملة بالقضية كاملَةً حتى تتَّضِح الصورة أمام المخاطَب. قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال المؤلف في بيان هذا الوهم: (لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا) إي نعم، لا يدفُع الحَرّ ولا البرْد ولا يقِيها أيضًا مِن الآفات كأن يَسْقُطَ عليها شيء أو نحو ذلك، هذا البيت أوهَن البيوت؛ إذن يكُون هذه الأصنام لا تَنْفَع عابِدِيها، فعلى هذا نقُول: إنَّ هؤلاء الذين عبدوا هذه الأصنام، ما لجؤوا إلى ملجأ نافع، بل إلى ملجأ، ليس بنافع ولا مَانع ولا دَافع، ولهذا شبه الله ذلك ببيت العنكبوت، وفي آية أخرى شبه هذه الأصنام ودعاءها برجلٍ باسط كفيه إلى الماء لِيبلُغَ فَاه هل يبلغُه؟ إنسان أمامه الماء وهو عطشان فبسَطَ كفَّيْه إلى الماء، هكذا يُريد أن يصِل إلى الفَم يمكِن يصِل؟ لا يمكن أن يصِل أبدًا، فهذي أيضًا الأصنام لا تنفَعُ عابديها كما لا يصِلُ هذا الماء إلى فمِ هذا العطشان، قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١] ذلك ما عبدُوها. ﴿لَوْ﴾ هذه شرطِيَّة وفعل الشرط قولُه: ﴿كَانُوا﴾، وجوابُه مقدَّر على كلام المؤلف ويش تقديره؟ ما عبدوها، ولا ينبغِي أن تُوصَل هذه الجملة بالتي قبلَها؛ لأنَّك لو وصلْتَها بما قبلَها لكَان وهَنُ بيتِ العنكبوت مشروطًا بعلْمِهم مع أنَّه أوهَن البيوت سواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا، ولهذا ينبغي أن نقف على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. ثم نقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المؤلف يقول: ما عبدُوها، ويحتمل أن يكون الجواب: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا مِن ذوي العِلْم النافع ما خفِيَ عليهم هذا الأمْر، فإذا لم يخْفَ عليهم هذا الأمر، لم يقومُوا بالعبادة، وعلى كل حال فإن هذا يدُلُّ على جهلِ هؤلاء العابدين مهما بلغُوا من الذكاء، ومِن حُسْنِ التصرُّف في الدنيا فإنَّهم مِن هذه الناحية سُفَهَاء ليس عندهم علم ولا عقْل، هذه الآية تذَكِّرنا بآية يغلَط فيها كثيرٌ من الناس أيضًا في سورة التكاثر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، بعض الناس يصِل ويقول: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر ٥، ٦]، وهذا خطَأ؛ لأنَّ المعنى يفسُد به فسَادًا واضِحًا؛ لأنَّك لو وصلْت لكان ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمْر ليس كذلك، بل ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جملة مستأنَفَة مستقِلَّة أخبر الله تعالى فيها أنَّنا سنرَى الجحيم، فيجبُ الوقوف على قولِه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. * طالب: شيخ، لو قال قائل أن العنكبوت تنتفع من بيتها بنسبة ما كما هو الواقع، وعباد الأصنام ما ينتفعون بها قطعًا؟ * الشيخ: نعم، هذا صحيح، قد يرد علينا، لكن المقصود أن هذه الأصنام مثل هذا البيت؛ لأنَّه لا ينفَع، هم الآن ينتفعُون بهذه الأصنام نوعًا من الانتفاع لا سيما الانتفاعُ المادي، فإنَّ الوافدين إليها لعبادتها والتبرُّك بها يحصُل فيهم منفعة مادية، لكن النَّفْع الحقيقي الذي هم يرْجُون، وهو الدفع ما ينفعهم. * طالب: يا شيخ، ما يقال: إن (...) ما يلزم الدخول في الواجب، فقد يطلب منك الشيء، ولا يلزم..؟ * الشيخ: لا، هو المقصود بالتشبيه هنا عدم الانتفاع أنَّها ما تنفعهم ولا تمنعهم، وهو حقيقة حتَّى بيت العنكبوت ما ينفعُه ولا يمنعُه يأتِيها الهواء، ويأتِيها البرد، ويأتيها المطر، ويعلَقُ به التراب، ولا تنتفعُ به الانتفاع الكامل. * الطالب: تصطاد به. * الشيخ: لا، ما تصطَاد به، تصطَاد بالعش اللي يخرج منها هذه الخيوط هي التي تصطَاد بها، أما نفْس البيت ما تصطَادُ به لكن هذا الذي نرَاه عليه هي التي جاءَت به تأتي به وتضعه فيه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت ٤2] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ ﴿مَا﴾ يقول المؤلف: (بمعنى الذي). فتكون اسمًا موصولًا، وهذا الإعراب الذي سلكَه المؤلف هو المتبادِر من الآية، وبعض المعربين، يقول: ﴿مَا﴾ استفهامِيَّة، والوقْفُ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ما الذي يدعون من دونه مِن شيء هل يستفيدون؟ ولكنَّ هذا بعِيد مِن اللفظ فإعراب المؤلف هو الصواب، ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يبقى على إعراب المؤلف أن نقول: أين العائد عائِدُ الموصول الجواب؟ * طالب: الهاء. * الشيخ: وين؟ * طالب: من دونه. * الشيخ: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الهاء هذه تعود على الله ما هي تعود على ﴿مَا﴾؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف، وهذا مطَّرِد، حذفُ العائد المنصوب مطَّرد، فيقول: التقدير: إنَّ الله يعلم ما يدعونَه مِن شيء. وقوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ قال: (يعبدون)، فالدعاء هنا دُعَاء عبادة، وكما يكون الدعاء دعاء عبادة فهو دعاءُ مسألة ودعاءُ عبادة، أمَّا دعاء المسألة ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] إنَّك تقول: يا ربي، اغفر لي، يا ربي ارحمني وما أشبه ذلك، دعاءُ العبادة ويش معناه؟ أن تتعَبَّدَ للهِ سبحانه وتعالى بما أمرَك به، وإنَّما كان ذلك دعاءً؛ لأن حقيقة حالِ العابد ما هي؟ طلب مغفِرَة الله ورحمَتِه فهو في الحقيقة داعٍ ضِمْنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. وقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يعبدون، ينبغي أن نجعَل الدعاء هنا شاملًا لِلعبادة ولِدُعَاء المسألة، هم يدعون هذه الأصنام دعاءَ مسألة ولَّا لا؟ * طالب: يدعونها. * الشيخ: يدعونها هذه الأصنام دعاء مسألة أيضًا، يسألونها، وشاهدٌ ظاهر في هذا أولئك الذين يشرِكُون بالأنبياء والأولياء فإنَّهم يدعونهم دعاءَ مسألة، يقول: يا رسول الله، اغفرْ لي، ويا رسول الله، يسِّرْ أمري، وما أشبهَ ذلك. وقوله: (بالياء والتاء) كيف بالياء والتاء؟ يعني ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿تَدْعُونَ﴾ قراءتان سبعيتان ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه بيانٌ لـ﴿مَا﴾؛ يعني أي شيء يدعونه، فإنَّ الله تعالى عالم به. علمُه به ويش معنى علمُه به؟ أنَّه يعلم حال هذا المدعُوّ المعبُود، وهي كالتعليل لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، تؤيد أنَّ هذا المثلَ مطابِقٌ للواقع؛ لأنَّه صادرٌ ويش؟ عن عِلْم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فإنه لما ذكر أنهم كالعنكبوت بيَّنَ أنَّ هذا عن علم مِن الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأنَّ هذا الشيء الذي يُدعَى لا ينفَع. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنعِه. لو قال قائلٌ: إن المناسب أن يقال: (وهو السميع العليم)؛ لأن الله يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمقتضى الظاهر أن تُختَم الآية بالعِلْم؟ قلنا: هذا حقّ بالنِّسْبة لِظاهِر الكَلَام لكن عند التأَمُّل تجد أن ختامَه بالعزة والحكمة أبلَغ فإنهم يريدون الاستنصار بهذه الأصْنَام والغلبَة والظهور، وأكبر شاهدٍ لذلك قول أبي سفيان يوم أحُد حيث قال: «اعْلُ هُبَل»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء.]]. هذه الأصنام واعتزازُهم بها مقابَلٌ بعزةِ مَن لا يُغلَب وهو الله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب لهذه الأصنام ولعابدي هذه الأصنام واضِح؟ إذن مناسبة ﴿الْعَزِيزُ﴾ أبلغ مِن مناسبة (العليم)؛ لأنَّ هؤلاء يستنصرون بأصنامهم ويريدون أن تظهَر وتغلب، فبيَّنَ الله أنَّه هو صاحب العزة، وسبق لنا أن العزيز مِن أسماء الله عز وجل، وأنه يتضَمَّن العزة من ثلاثة وجوه: عزة القَدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ أما عزةُ القدر فمعناه سبحانه وتعالى أنَّه لا يشبهه أحد في عظمته وجلاله وقَدْرِه، وأما عزة القهر فمعناه أنَّه لا أحد يشبهُ الله عز وجل في قهْره وسلطانه وملكه، وأمَّا عزة الامتناع فمعناه أنَّه سبحانه وتعالى ممتنع عن كلِّ نقص وعن كلِّ عيب فهو عزيزٌ أن يُنَالَ بعيبٍ أو نقص، وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يقرِن الله سبحانه وتعالى العزة بالحكمة أتدرُون لماذا؟ لأن بعض الأعزَّاء مِن الخلق تحمِلُهم العزَّة على التَّهَوُّر، وعَدم التثَبُّت، وعدم تنزيل الأشياء منازلها، واذكروا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، وكون العزة تأخُذُه بالإثم حِكمة ولَّا لا؟ ليس بحكمة خلاف الحكمة، فلهذا يقرِنُ الله تعالى دائمًا العزيز بالحكيم إشارةً إلى أنَّ عزتَه تبارك وتعالى مقرونَة بالحكمة، فهو وإن كان عزيزًا غالبًا قاهرًا له السلطان الكامل فإنَّه سبحانه وتعالى لا يدبِّر الأمر إلا على وجه الحكمة البالغة، ثم إنَّه أيضًا على تفسيرنا فيما سبق ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنَّه ذو الحُكْم، ويش بعد؟ والحِكْمَة، ظاهر جدًّا أن عزتَه مقرونَة بحُكْمِه، وأنَّ له الحكم المطلق في عباده سبحانه وتعالى فلهذا يُقرَنُ هذا الاسم بهذا الاسم دائمًا، واعلم أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لها معانِي عند إفرادِها، وإذا قُرِنَت مع غيرِها ترَكَّب مِن هذا الاقتران معنًى آخر فوق المعنى الإفرادي لكل اسم، وهذه مسألة تأمَّلُوها، فمثلًا العزيز له معنى عند انفرادِه والحكِيم له معنى عند انفراده، لكن إذا اقترنا جميعًا حصل منهما معنًى آخر ثالث زائد على المعنى الانفرادي، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعنى الكامل، وسبق لنا أن الحكيم ذُو الحُكْم والحِكْمة، وأنَّ الحُكْم ينقَسِم إلى كَونِيّ وشرعي، ومثَّلْنَا للكوني بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، وللشرعي بقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، ولما يشمَلُهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١]، وما أشبه ذلك. أمَّا الحكمة فإنها ثابتة لله عز وجل، وهي تنْزِيل الأشياء في منازلها، وتكون في الحكم الكوني والحكم الشرعي، هذا باعتبار موضعها، وتكون أيضًا حكمة غائية، وحكمة صورية، صورية؛ بمعنى أن كونَ الشيء على هذه الصورة المعينة موافِقٌ للحكمة، ثم الغاية منه حكمة أيضًا فتكون الحكمة في الغاية، وفي الهيئة التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامل لجميع أحكام الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.﴾ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت 43] في القرآن ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نجعلها ﴿لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفهمها، ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ المتدبِّرُون. ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ أتى بـ﴿تِلْكَ﴾ الدالَّة على البُعْد، ولَّا على القرب؟ على البعد؛ لأنَّه لم يقل: وتلك الـمَثَل حتى نقولَ إنه عدَلَ بالكلام عن ظاهره أو عن مقتَضَى سياقِه؛ لأنّ المثل المضروب الآن قرِيب ولَّا بعيد؟ قريب، لكن قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، والأمثال الأخرى غير مثَل متَّخِذِي الأصنام بعيدة بالنسبة لهذا المكان؟ إي نعم؛ لأنها متوَزِّعة في القرآن فلهذا جاءت الآية بـ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، ولم يقل هذا المثل فهو شامِل لكُلِّ الأمثال الواردة في القرآن، والأمثال الواردة في القرآن كثيرة متعدِّدة، وقد ألَّفَ فيها بعض أهل العلم الكتب المستقلة، وأفردَها السيوطي في الإتقان بفصل مستَقِلّ، وبيَّن فوائد الأمثال التي يُضرب المثل مِن أجلها، والفائدة الملموسة منها القريبة جدًّا هو تقرِيب المعقول إلى الأذهان إذ إن المثل هو ضَرْبُ شيءٍ معقُول قد يَبْعُد على الإنسان تصَوُّره بشيءٍ محسُوس يسهُل تصَوُّرُه، قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قلت: ضرب ذلك مثلًا المعنى جعل ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨] أي: جعَل لكم، فالضرب إذن يأتي بمعنى الجعل إذا أُضِيف إلى المثل كلَّما وجدت ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم ٢٤]، وما أشبهَه فاعلم أن المراد به المراد بالضرب هنا الجعل، فمادة (ضرَب) ليسَت خاصة بالضرب الذي هو الضَّرْب باليد، تشْمَل الضَّرْب بمعنى الجعل، وتشمل الضرب بمعنى تحويل النُّقُود مِن سِكَّة إلى سِكَّة وغير ذلك حسب السياق الذي يبينها. وقوله: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نجعلها أمثالًا للناس عمومًا فالله تعالى ضربَ المثل لجميع الناس في التوراة والإنجيل والقرآن، ولكن مَن الذي يعقلها وينتفِعُ بها؟ العالِمُون ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العالمون أي: ذَوُو العِلْم، والفهم الذين ينتفعون بفهمهم وعلمهم، ولهذا قال المؤلف: (المتدبرون)، وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن العلم بعد التدبر، لكن لما كان العلم لا يحصل إلا به فسّره المؤلف به، والحقيقة أن المراد بالعالمين المراد بهم ذوو العلم والفهم الذين يعقلون الأشياء ويفهمونها احترازًا من أهل الجهل المعرضين الذين لا ينتفعون بما أعطاهم الله تعالى من الفهوم فإنهم لا يعقلون هذه الأمثال، وإذا لم يعقلوها ينتفعون بها ولَّا لا؟ ما ينتفعون بها، هل من الممكن أن نحصر الأمثال الموجودة في القرآن؟ ما هو في هذا المكان، ما يمكن في هذا المكان، فنأخذ به بحثًا ولا ما يمكن؟ * طالب: كتاب لابن القيم حصر (...). * الشيخ: أنا لا أريد منكم أنكم تنقلون من الكتاب أولًا الإنسان، هذا بينكم وبين الله أنتم بأنفسكم تدبّرون القرآن، كلنا في رمضان الحمد لله نقرأ القرآن، كلما مر على الإنسان مثل يقيده، ثم بعد ما يقيد هذه الأمثال يشوف عاد يرجع إلى الكتب المؤلفة، هل نقص ولا ما نقص، ولا معلوم أن.. أنا ما ودي أنك علمت الإخوان، لكن أن الإنسان يستطيع أنه يروح لأي كتاب مؤلف في هذا وينقله لكن.. * طالب: لا، يمكن يا شيخ نقرأ كتاب ابن القيم نقرأ بس قراءة يساعدني (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أن الإنسان أولًا يبدأ هو بنفسه، يبدأ في القرآن يقيد الأمثال، ثم بعد ذلك يرجع إلى الكتاب ما فيه مانع، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ إذن عمم في ضرب المثل، وخصّص في عقل المثل، أين التعميم في ضرب المثل؟ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾،﴾ والتخصيص: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وهذا أسلوب كثير في القرآن التعميم ثم التخصيص؛ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعمَّم في الدعوة، وخصّ في الهداية. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت ٤4] أي: محقًّا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ما معنى خلق؟ أي: أوجدها، والله تعالى خالق السماوات والأرض. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١١٧] قال أهل العلم: بديع بمعنى (مُبدع)، والإبداع إيجاد الشيء على غير مثالٍ سبق، ومنه البئر البدع التي حفرت الآن جديدة، فالخلق أعم من البدع، لكن قد بيَّن الله عز وجل في آية أخرى أنه خالق وبديع، فهو الذي أوجد السماوات والأرض وهو بديع السماوات والأرض. وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني بما فيهما، والذي فيهما بالنسبة لبني آدم منهما، وكذلك النبات فإن الإنسان خلق من طين من الأرض والنبات أيضًا من الأرض كما هو ظاهر. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال المؤلف: (أي محقًّا)، فالجار والمجرور في موضع نصب على الحال من فاعل (خلق) أي محقًّا ويجوز أن يكون حالًا قصدي مفعولًا من أجله؛ يعني بمعنى المفعول من أجله؛ أي: خلقها للحق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص ٢٧]، وإنما هي حق، وتفسير المؤلف يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، فإذا لم يكن لاعبًا سبحانه وتعالى كان محقًّا. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه الخلق، فيشمل كل ما تطور من خلق السماوات والأرض فإنه آية، فنفس السماوات والأرض خلقهما آية دالة على الله؛ لأن آية الشيء ما كان دالًّا عليه دون غيره، هنا السماوات والأرض دالة على الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق مثل هذه السماوات والأرض، أليس كذلك؟ إذن فهي آية له، فوجود هذه السماوات والأرض دال على القدرة وما فيهما من الانتظام، وعدم الاضطراب والتناقض دال على الحكمة، ولو تأملت أشياء كثيرة من حوادث السماوات والأرض لوجدت كل واحد منها يدل على القدرة، وطبعًا على العلم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وعلى الحكمة، وله أيضًا دلالة خاصة على ما يدل عليه بنفسه، وهذا شيء تأمله يظهر لك آيات كثيرة ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: دالة على قدرة الله فقط؟ لا، على قدرة الله، وعلى علمه، وعلى حكمته، وعلى رحمته، وعلى قوته، وكل حوادث السماوات والأرض كل شيء منها يدل على تلك الصفة الخاصة به. وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المؤلف: (خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين) صحيح، الآيات الكونية لا ينتفع بها إلا المؤمن والكافر ما ينتفع، الكافر يقول: هذه طبيعة تدبر بنفسها، وتنتقم من الناس بنفسها، وتجلب الخير للناس بنفسها ولا ينتفع، والمؤمن ينتفع بذلك، كذلك أيضًا الآيات الشرعية المؤمن ينتفع بها وغير المؤمن لا ينتفع ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، فالآيات إذن الآيات الكونية والشرعية ما تنفع إلا المؤمن. فإذا قال قائل: المؤمن مؤمن، كيف ينتفع؟ قلنا: نعم، ينتفع بأي شيء؟ بزيادة الإيمان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وزيادة الإيمان لا شك أنه انتفاع نفع عظيم؛ لأن الإيمان إما أن يزيد، وإما أن ينقص، وإما أن يبقى على ما هو عليه، والأخير هذا قد يكون نادرًا أن يكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ فهو إما في زيادة، وإما في نقصان، هذا في الغالب الكثير، على أن التقسيم الحاصل هذا أنا أشك في وجود القسم الثالث منه، وهو أن يكون لا يزيد ولا ينقص؛ لأن عدم زيادة الإيمان يؤدي إلى نقصه؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة كما هو مفهوم للجميع إذا فقدت الطاعة حصل النقص، إنما القسمة العقلية هو أن يكون إما زائدًا أو ناقصًا أو باقيًا على حاله، وتصور أو وقوع القسم الثالث الله أعلم به. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. [العنكبوت: ٤4، 45] * طالب: أيش الذين قالوا: (...) والذين قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟ * الشيخ: ما عندهم دليل؛ يعني عندهم تعليل عليل الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، يقولون: هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب والإقرار لا يتفاوت أو المعتزلة والخوارج، الذين يقولون: الإيمان ما يتبعض إما أن يوجد كله كاملًا وإما أن يعدم كله. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ﴾.. * طالب: لكن الآية ما ترجع للخلق بالحق جميعًا؟ * الشيخ: إلا ترجع لهما جميعًا، وخلق السماوات بالحق بهذا القيد ترجع لهما جميعًا. * طالب: يا شيخ، فيه بعض العلماء يقول على نقص الإيمان وزيادته، يقول: إن من ترك ما ينفعه لا بد أن يبتلى بما يضره، وهذا من العوائد القدسية. منين أخذوا هذا الكلام بعض المفسرين (...)، يذكر هذا فما أدري منين؟ يقول: دائمًا إن الإنسان إذا ترك أي شيء ينفعه فلا بد أن يبتليه الله سبحانه وتعالى بما يضره، (...) وجه (...). * الشيخ: أيش وجهه؟! من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره، وجه ذلك يا إخواننا؟ * الطالب: عقوبةً يعني؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] الإنسان لا بد أن يفعل شيئًا. * الشيخ: نعم، هذا وجهه، الإنسان لا بد أن يكون حارثًا وهمامًا، كل إنسان لا بد له من همة وعمل، هذا العمل إذا لم يكن فيما ينفع لزم أن يكون فيما يضر. فإذا قال قائل: هذا القول يستلزم إبطال القول بقسم المباح في باب التكليف كما يذكر عن أحد المعتزلة -فيما أظن الكعبي، هو يسمى الكعبي، وأظنه من المعتزلة- يقول: ما فيه قسم مباح في الشريعة؛ لأنه لازم أن هذا الشيء المباح الذي تشتغل به يكون كافًّا لك عن المحرم فيكون واجبًا، فالأشياء إما واجبة وإما محرمة، لكن أهل العلم ردوا عليه بأدلة العقل والنقل وقالوا: هذا ليس بصحيح، فإن ضرر فعل المباح إذا تضمن ترك الواجب ما هو لأنه مباح، ولكن لترك الواجب، لو فعل المباح بدون أن يترتب عليه ترك واجب وفعل محرم ما صار عليه إثم، فالمهم أنا نقول: أن وجه الكلام أن الإنسان لا بد أن يكون فعالًا، فإما فيما ينفعه وإما فيما يضره. أستغفر الله! * طالب: ما هناك مباحث يتعلق بموضوع الأسماء والصفات وشرحها، الأسماء فقط وشرحها (...) محققة في كتب؟ * الشيخ: ما رأيت إلا كلام ابن القيم في النونية، والشيخ عبد الرحمن السعدي شرحها توضيح توحيد الأنبياء، وفيه أيضًا كتاب شرح أسماء الله لأحد علماء اللغة. * طالب: الزجاج؟ * الشيخ: والزجاج. * طالب: تفسير الأسماء. * الشيخ: إي هو شرحه، لكنه بس ما عاد أدري عن ثقتي بهذا الرجل. (...). في هذه الآية ضرب الأمثال للناس أو نخليها في الآية التي بعدها؟ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ الآية التي بعدها أوضح. * في هذه الآية الكريمة: دليل على سفه أولئك المشركين حيث اعتمدوا على ما لا معتمد عليه في عبادة الأصنام؛ يؤخذ من قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: تقبيح هؤلاء المشركين وتنزيل مرتبتهم حيث شبهوا بأيش؟ بالعناكب؛ لأن هذا لا شك أن تشبيه الإنسان بالحيوان أنه إذلال له وتنزيل له عن مرتبته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * ومن فوائِد الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها أبدًا، لا تنفعهم، ولا تدفع عنهم فهي لا تجلب الخير ولا تدفع الضرر من أين يؤخذ؟ حيث شبّهت ببيت العنكبوت. * ومنها: جواز ضرب المـثل بالدون حسب ما تقتضيه الحال منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، فإنها من أدنى ما يكون من المخلوقات، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة ٢٦]، وقد ضرب الله المثل بالذباب، وبالحمار، وبالكلب، وبالبعوضة، وبالعنكبوت، كل هذا حسب ما يقتضيه المقام. * ومن فوائد الآية: أن أوهن البيوت وأضعفها بيت العناكب، ومن هنا نأخذ أنه لا ينبغي أن يقال: هذا أوهى من بيت العنكبوت أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: تأملوه أوهى من بيت العنكبوت. * طالب: لأن لا شيء أوهى من بيت العنكبوت. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الله المستعان (...) أوهى من بيت العنكبوت ليش نقول ما يصلح؟ لماذا؟ لأنه قال: ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ فأنت ما يمكن تقول لبيت من البيوت: إنه أوهى من بيت العنكبوت، بيت تقول: أوهى من بيت العنكبوت ما يصلح؛ لأن الله يقول: أوهن البيوت بيت العنكبوت، لكن إذا كان غير بيت تقول مثلًا: حجة هذا الرجل أوهى من بيت العنكبوت فما رأيكم؟ * طالب: لا بأس. * الشيخ: هذا لا بأس، ما فيه تكذيب للقرآن، اللي فيه معارضة للقرآن أن تقول عن بيت: إنه أوهى من بيت العنكبوت.(...) سبيل الهداية ولكن لاحظوا ما المراد بالعلم الذي هو سبيل الهداية هل هو العلم بطبائع الأشياء وما خلقَ الله في الكون أو العلم بالله عز وجل؟ العلمُ بالله وآياتِه الكونية والشرعية وليس مجرَّد أن يطَّلِع الإنسان على ما في هذا الكون لأنَّه قد يطَّلِع ولا ينتَفِع، ومن هنا نأخذ خطَأَ كثيرِ مِن الناس الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] أنهم العلماء بالكون، لو كان الأمر كذلك لكان أصحابُ علوم الفلك وطبقات الأرض الجيولوجيا وغيرِها هم الذين يخشَون الله، وأصحابُ العلم بشريعة الله دونَهم في الخشية وهذا مُحَال ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت ٤٤]. * يستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ الخالق للسماوات والأرض هو الله. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الآية فيها أنَّ الله لم يحكُم على هؤلاء المشركين بمشابهتِهم للعنكبوت إلَّا عن عِلْم فالآية كالتعليل لِمَا قبلها يعني أنَّه سبحانه وتعالى ما قال: كمثل العنكبوت إلَّا عن علم هو يعلَم هذه الأصنام وأنها لا تنفع ولا فائدة منها. * ومنها: إثباتُ العلم لله فيما يتعلَّق بالخلْق إثبات علم الله تعالى فيما يتعلَّق بالخلق فيكونُ فيه ردٌّ على من؟ على غُلَاةِ القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلَم الأشياء المتعلقة بالخلْق إلا بعد وقوعِها. نعوذ بالله، لكن هؤلاء الغلاة يقول شيخ الإسلام في وقته: إنهم كانوا قليلين، إنَّهم قَلُّوا؛ لأنَّهم رأوا أنَّ إنكارهم العلم نداءٌ على أنفسهم بالكفر فتركوا هذا وصاروا ينكرون الكتابة والمشيئة. * ومِن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين العزيز والحكيم وإثباتُ ما تضمناه مِن صفة وهي العزة والحكمة، وكذلك ما تضمنَّاه من صفة على سبيل دَلَالة الالتِزَام؛ لأنَّ دلالة اللَّفظ على معناه تكون بالمطَابقَة والتضَمُّن والالتزام، فما يستلزمه هذان الوصْفَان مِن الصفات فإنَّه ثابت، أنتم فاهمين هذا؟ دلالة اللفظِ على مدلوله تكون بدلالة المطابقة والتضَمُّن والالتزام، ما مرَّت علينا هذه؟ نضرِب مثلًا لذلك: كلمة (دار)، تعرفون الدار المسكُونة كلمة (دار) تدُلّ على هذه الكتْلة مِن البناء المتضَمِّنَة للغُرَف والحُجَر والسُّطُوح والرَّحْبَات تدُلُّ على ذلك بالمطابَقَة، أنت بمجرَّد ما أقول: كلمة (دار) تفهم أن (دار) فيها حُجَر وغُرَف وأسْطِحَة ورحَبَات فدلالَتُها على هذا دلالَة مطابقة تدُلُّ على كل حجرةٍ بمفردها أو غرفةٍ بمفردها أو سطحٍ بمفرده أو رحبة بمفردها تدل عليها بالتضَمُّن يعني أنه متضَمِّنَ لكذا وكذا واضح؟ تدلُّ على أنَّ لها بانيًا بأيش؟ بالالتزام؛ لأنَّه ما تقوم الدار إلا ببانِي هذا معنى قولهم إنَّ الدلالة مطابقة وتضمن والتزام، فمثلًا العزة العزيز يدل على العزة دلالة مطابقة، مِن لازم العزة أن يكون العزيز عالمـًا قادرًا قويًّا دلالته على هذه المعاني بالالتزام، ودلالة العزيز على الذَّات والصفة دلالة مطابقة، وعلى الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضَمُّن. * طالب: ما قلت يا شيخ دلالته على الذات؟ * الشيخ: لا؛ لأن العزيز اسم، فهو دلالته على الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضمن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، وعلى ما تستلزمه العزة مِن العلم والقدرة والقوة، وما أشبه ذلك التزَام، ولهذا اسم الحي القيوم تضَمَّن جمِيع الصِّفَات، هذان الاسمان تضمَّنَا جميعَ الصفات؛ لأنَّ الحي مستَلْزِم لجميع صفات الكمال، والقَيُّوم مستلزم لجميع صفات السلطان والمـُلْك والتدبير وما إلى ذلك، ولهذا ورد في الحديث أنَّهما اسمُ الله الأعظم[[أخرجه أبو داود (١٤٩٦) من حديث أسماء بنت يزيد.]]. العزيز الحكيم قلنا: فيها إثبات العزة، والحكِيم فيها إثبات الحُكْم والحِكْمَة، وفي الجمع بينهما يظهَر صفة ثالثة، وهي أنَّ عزةَ الله مقرونَة بالحكمة ليست كعزةِ العزيز غيرِه فإنَّها قد تكونُ خاليةً من الحكمة. * ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التَّأَمُّل إذا خُتِمَت الآيات بما يكون مُخالفًا لِظَاهِر الحال؛ يعني فلا ترُدَّها إذا وجدت آية مختومة بخِلَاف ما يقتضيه ظاهر الحال أو السياق، فتأمَّل فيها فإنَّ الخطأ منك ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]، مقتضى ظاهر السياق أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن عَدَل عنه، لا تقل إن هذا خلل أبدًا، الخلل منك أنت فإن هذا كلام الله عز وجل ما فيه خلل، فآياته الكونية ليس فيها خلل، وآياته الشرعية كذلك، فيجب أن تتَأَمَّل وتتوقف، هنا في الآية التي معنا، قد يتبادَر للإنسان أن تخُتَم بالعلم، ولكن عند التأمل يكون ختمُها بالعزة والحكمة أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]. * في هذه الآية الكريمة فائدة: ضرْب الأمثال، وأنَّه نوْع من التعليم والتوجيه؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾. * ومِن فوائدِها: إثباتُ عظمةِ الله عز وجل، منين تؤْخَذ؟ * طالب: ﴿نَضْرِبُهَا﴾. * الشيخ: ﴿نَضْرِبُهَا﴾ مِن نون العظمة ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾، واعلم إن كنت لا تعلم مِن قبل أنَّ ما أضافه الله تعالى إلى نفسه بلفظ العظَمة فإنه يدُلُّ على عظمة نفسه سبحانه وتعالى، وقد يُرادُ به ملائكته لا نفسه، وهذا في القرآن كثير، وكذلك الأول في القرآن كثير، فمِمَّا أراد الله به ملائكتَه مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، الضمير هذا يعود على مَن؟ ضمِير الفاعل؟ على جبْرِيل، لكن أضافَه الله إلى نفسِه؛ لأنَّ جبريل رسولُه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود ٧٤] ﴿يُجَادِلُنَا﴾ وهو لا يُجادِلُ الله إنما يجادِل الرُّسل، لكن حمل ما أضيفَ إلى الله بصيغة العظمة على رسلِه وملائكتِه لا بُدَّ له مِن دليل، وإلَّا فالأصل أنَّه يعود إلى الله، أمَّا ما أضافَه الله تعالى إلى نفسه بصيغة الإفراد فهو له نفسه، ونضرِب لهذا مثلَيْن؛ الأَوَّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦] هذه الضَّمَائِر كلُّها بصيغة الإفراد. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ المراد قربُه نفسه مِن داعِيه، ولكنَّ هذا القُرْب لا يلزمُ منه أن يخلُوَ منه العرش أو ينتفِيَ عنه العُلُوّ كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يلزم منه أن يخلُو من العرش أو أن ينافي ذلك علُوَّه، لكن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] فإن ﴿أَقْرَبُ﴾ فيها ضمير يعود على ﴿نَحْنُ﴾ و﴿نَحْنُ﴾ الضمير لمن؟ الضمير لله، لكنَّه أقربُ إليه منَّا بِـملائكتِه ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإنَّ الملائكة تحضُر إلى الميت لقبض روحه، وتجلس منه مَدَّ البصر لكن ما نُبصِرُها نحن، فهنا القرب لِمَن؟ القرب للملائكة؛ لأنَّ الله أضافَه إلى نفسه بصيغة العظمة ووُجِدَ الدليل، وهذه الفائدة مهمة جدًّا تنفعُك في بابِ الصفات وغيرها أنَّ ما أضافه الله إلى نفسه بصيغَة الإفراد فهو له، وما أضافَه إلى نفسِه بصيغة الجمع فهو له، لكن قد يكون لِملائكته بقرينَة، وهذا غيرُ ممتنع كما عرفْتُم. هنا قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ له ولَّا للملائكة؟ لَه؛ لأن ما فيه قرينة تدل على أنه للملائكة. و﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ الفائدة الأولى: قلنا: فيها فائدة ضرب الأمثال. * وفيها أيضًا من فوائد الآية: رحمةُ الله تعالى بالخلق بضربِ الأمثال لهم؛ لأنَّ ضربَ الأمْثَال كما قلنا: يُقَرِّبُ المعقول إلى الأذهان، وتصَوُّرُ الإنسان للمحسوس أقْوَى مِن تصَوُّرِه للمعقول، أليس كذلك؟ الآن لو أشرَح لكم صفة الحج شرحًا بيِّنًا ظاهرًا وافيًا أو أذهب بكم إلى الحج إلى المناسِك، أيهن أبلغ؟ الأخير أبْلغ؛ لأنَّكم تُحِسُّونَه بأعينكم، لكن الأول تتصَوَّرُونه بقلوبكم فلا تدركونه جيدًا، فإذن ضرب الأمثال فيه رحمة للخلق حيث إنَّه سبحانه وتعالى يقرب لنا المعقولات بالمحسوسات. * ومن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التأمل في الأمثال؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فالعالم هو اللي يتَأَمَّل وينظر حتى يعقل. * ومِن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾، والمراد بالعقل هنا عقْلُ الإدراك أو عقل الرُّشْد؟ * الطلبة: عقل الرشد. * الشيخ: عقل الرُّشْد، العقل الذي ينفع هو الذي يُثْنَى عليه. * ومنها أيضًا: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فاللي غير عالِم بالله سبحانه وتعالى وآياتِه ما يعقِل هذه المعاني، ويقول: هذه أشياء ليس لها معنى، لكن العالم هو الذي يعقِلُها ويعرِف مغْزَاها ومعنَاها، وأوجُه الشبه بينها حتى يصل إلى درجة الكمال. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * في هذه الآية فوائِد: أولًا: أنَّ خالقَ السماوات والأرض هو الله أو لا؟ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنا ما نعرف. لو قال قائل: ما في الآية حصر حتى تقولوا: إنَّ الخالق هو الله؟ نقول: نعم، ما فيها حصر بالطرق المعروفة، لكن في حصر من حيث إنَّه لا يوجد إلا سماوات وأرض واحدة إذا كان الخالق لها هو الله انتفى أن يكون غيرُه خالقًا لها. * ومنها: الردُّ على أهل الطبيعة -والعياذ بالله- الذين يقولون: إنَّ السماوات والأرض ليس لها خالق، إنَّها أشياء تتفاعل وتتحَوَّل وتتَقَلَّب، وأنَّ الخلق لا أول له ولا نهاية. * ومنها: إثبات حدوث السماوات والأرض، وأنَّها ليست قديمة، مِنين نعرفه؟ خلق السماوات فهي مُوجدة بعد العدم، وكلُّ ما سوى الله فهو موجود بعد العدم. * ومنها: أنَّ السماوات عِدَّة، كم؟ * طلبة: سبع سماوات. * الشيخ: نعم، بُيِّنَت في آيات أخر بسبْع. * ومنها أيضًا: أن الأرض واحدة؟ * طلبة: لا، هذا الجنس. * الشيخ: المراد الجنس، طيب في القرآن ما جُمعت الأرض أبدًا أو لا؟ لكنَّه أُشير إلى جمعِها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] المماثلة هنا في الوصف متعَذِّرة أو لا؟ لأنَّه ما فيه مقارنة بين السماوات والأرض إذا تعذّرَت المماثلة في الوصف رجَعْنا إلى المماثلة في العدد، وقد جاءت السنة صريحةً في ذلك مثل قوله ﷺ: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، ومسلم (١٦١٢ / ١٤٢) من حديث عائشة.]]. * ومِن فوائد الآية: أنَّ هذه السماوات والأرض خَلْقُها بالحَقّ ليس عبثًا ولا لهوًا ولا باطِلًا؛ لقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾. * ومنها أيضًا: أنها مشتملة على الحق، فخلْقُها أصل إيجادِها بالحق، وهي أيضًا مشتملة على الحَقّ، ما يمكن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بحَقّ. * مِن فوائدها أيضًا: اطمئنان الإنسان لِمَا يُحْدِثُه الله في السماوات والأرض أو بعثُ الاطمئنان، ما وجْهُ ذلك؟ هذا السؤال أنا ذكرت الفائدة فما وجهُها؟ طيب ما وجهُ كونِها تبعَث على الاطمئنان؟ * طالب: بالحق. * الشيخ: أنَّها بالحق، كلُّ شيء يحدث ما دام عرفت أنَّه بالحق أطمئن ما أقول: ليش حدث؟ وليش ما حدث؟ حدث على الناس جُوع ومرض وزلَازِل وفيضانات، أعرف أنَّ ذلك بالحق فأطمَئِنّ وأرضَى وأُسَلِّم، ولا راحَة في الحقيقة للإنسان إلَّا بهذا ما يمكن يستريح الإنسان إلَّا بهذا إذا آمَن بقضَاء الله وقدرِه، وأنَّه الحق وهو يطمئن تمامًا، وإلَّا فإنه سيتكَدَّر؛ لأنَّه ما من ساعَةٍ إلا ويجِدُ فيها ما يسُوؤه إمَّا في نفسِه أو أهلِه أو صحبِه أو بلدِه أو البلاد الإسلامية عامَّة، ولا يمكن أنَّ الإنسان يطمئن ويستَقِرّ حتى يؤمِن بأنّ هذه الأشياء كلها حق. * طالب: المنازعة في الأقدار؟ * الشيخ: منازعة الأقدار بالشرع هذه واجبَة، طيب فيه أيضًا. * الطالب: يعني تطمَئِن وتُنَازِع؟ * الشيخ: تنازع بالشرع، ما هو بالقضاء. * الطالب: لا، أنا قصدي الجمع بينهم؟ * الشيخ: أنه هذا الجمع بينه، نحن مثلًا أي إذا جاءَنا القدَر ما يسوؤنا ننازعُه بالشرع بالصبر إذا صبرنا ما ساءنا ذلك، وهكذا منازعة القدَر بالشرع، هذا شيءٌ واجِب أن تُقَابِل القدر بما يقتضِيه الشرع، لكن منازَعة القدر بالقدر هذا ما يجوز، أنت تجيب دائمًا كلمات صوفية ما أدري ويش.. * الطالب: لا، ما صوفية يا شيخ لنحذر (...) أنا اللي خلاني أجيب هذا.. * الشيخ: أنا ما وُدِّي أنك جبت هذا؛ لأنه تحتاج إلى.. لاحظ يمكن بعض الناس ينفُر مِن كلمة منازعَة، والمرادُ بالمنازعة المقابلة. * مِن فوائد الآية: أن خلْقَ السماوات والأرض آية دالة على ما يقتضيه هذا المخلوق من صفات الله عز وجل، وقد ذكرْنا أنَّ منه ما يقتضِي الدلالة على قدرة الله، والدلالة على حكمة الله، والدلالة على عزَّتِه حسب ما تقتضيه الآية. * ومنها: أنه لا ينتَفِع بالآيات إلا من؟ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * نستفيد مِن هذه الفائدة فائدة تتفَرع: أنه كلَّما كمُلَ إيمان العبد ازدَاد انتفاعًا بالآيات، هذه الفائدة الطريق إلى الحُصُول عليها هو ما سبقَ لنا غيرُ مرَّة مِن أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصْف ازدَاد قوةً بقُوَّتِه وضعفًا بضعفِه، كل حكم يعلق على وصف فإنه يزداد قوةً بقوة هذا الوصف وضعفًا بضعفه، فنقول: إذن كلما كان الإنسان أكمَل إيمانًا ظهرَ له من آيات الله في هذه المخلوقات ما لم يظْهَر لِمَن دونَه، مفهوم هذا يا جماعة؟

العنكبوت 29:45

قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت ٤٥]. ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿اتْلُ﴾ يتضَمَّن التِّلاوة اللفظية والتلاوة الحُكْمية؛ التلاوة اللفظية أن تقرأَ القرآن، والتلاوة الحكْمِيَّة أن تأخذ بأحكامِه وهي تلاوةُ الإتباع مِن قولهم: تلَا فلانٌ فلانًا، أيش معنى تلَاه؟ * طلبة: أن اتبعه. * الشيخ: أي تَبِعه، فالأَمْرُ هنا بالتلاوة يشمل هذا وهذا ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اتْلُ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وليس موجَّهًا لكلِّ مَن يصِحُّ خطابُهُ؛ لأنه قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وهذا يُخَصِّصُه بالرسول ﷺ؛ لأنَّ غيرَه لم يُوحَ إليه، ولكن مع ذلك الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام خطابٌ له وللأمة بدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] إلَّا ما قام الدليل على اختصاصِه به فإنَّه يُؤخَذ بالدليل كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب ٥٠] لو وقفت الآية على هذا لكان يجُوز للأمة أن تفعَل معه، لكن قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٠]، فدل هذا على أن الخطاب الموجّه للرسول ﷺ له ولأمته ما لم يُوجَد دليل على اختصاصه به. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول يفيد العموم. وقوله: ﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة هو الإعلام بسرعة وخفَاء، الإعلام بسرعة وخفَاء يُسَمَّى وحْي؛ يعني مثلًا افرض أنك بين قوم، وتريد أن تُعلم أحدًا بشيء، تقول مثلًا: كذا بيدك اللي عندك ما يدورن عن هذا، لكن صاحبك يدري يعني ما أنت بتقول: يا فلان، قُم لنذهب إلى فلان، هذا يسمى وحيًا؟ لا، هذا مَا هو وحي؛ لأنَّه واضح ولا فيه خفاء، لكن بسرعة وخفاء يُسَمَّى في اللغة وحي الإعلام بسرعة وخفاء، أمَّا في الشرع فهو إعلامُ الله سبحانه وتعالى بالشرْع لأحدِ أنبيائه أو رُسُلِه هذا الوحي شرعًا، وهنا المراد أيش؟ الوحي شرعًا، وله مراتب ذكرها الله تعالى في سورة (حم عسق الشورى)، قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿مِنَ﴾، هنا بيانية بيان لـ﴿مَا﴾. في قوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ المراد به القرآن، وسمي كتابًا؛ لأنَّه يُكتَب في المصاحِف، ولأنَّه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، ولأنَّه مكتوب في أيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦]. وكِتاب (فِعَال) بمعنى (مفعُول) كثيرة في اللغة العربية، وأظُن الأمثلة التي مرَّت بنا لا تغِيب عن أذهانِكم الآن، مثل (فِراش مفرُوش)، (غِرَاس مغْرُوس)، و(بِناء مَبْنِيّ). قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت ٤٥] ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: ايتِ بها على وجهِ الكمال؛ لأن إقامة الشيء جعلُه قويمًا ليس به اعوجاج ولا نقْص. وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ومعلوم أنَّه يقيمُ الصلاة، وأنَّه أقوَم المصَلِّين صلاة، فكيف وُجِّهَ إليه الخطاب بـ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾؟ قلنا: توجيهُ الخطاب إلى مَن يتَّصِفُ به، المراد به الاستِمْرَار عليه لا تجديده؛ لأنَّه موجود، لكن الاستمرار عليه مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء ١٣٦] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ الخطاب ليس عبثًا حتى نقول: إن هذا تحصيل حاصل، فالمؤمِن مؤمِن نقول: المراد إيش؟ الاستمرار على ذلك، فإذا وُجِّه الخطاب أو الأمر لِمَن يتَّصِف به، فالمراد الاستمْرَار عليه. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ قبل قليل قلنا: إن التلاوة تشمَل الاتباع والعمل بأحكامه، أليس إقامة الصلاة مِن اتِّبَاعه والعمل بأحكامه؟ بلى؛ إذن عطفها على قولِه: ﴿اتْلُ﴾ مِن باب عطف الخاص على العام، وعطفُ الخاصّ على العام هو إيذان برفعة شأنه، ولا شكَّ أنَّ الصلاة أفضَلُ أعمال البدَن؛ فلهذا خُصَّتْ بذِكرِها، ثم إنَّ عطف الخاص على العام هل معناه ذكرُه مرتين؟ أو معناه أنَّه أُفرِدَ بالذكر مِن بين العموم؟ في هذا رأيان لأهل العلم، فمِنْهم مَن يقول: إنَّ ذكرَ الخاص بعد العام معنَاه أنه سُلِبَتْ دلالةُ العموم بالنسبة إليه، ثم أُفْرِدَ بالذكر، ومنهم مَن قال إنَّه داخِلٌ في العموم الأول، ثم أُفرِد بالذكر فيكون ذُكِرَ مرتين، وكلَاهما يدل على شرفِه؛ يعني كِلَا القولين يدُلُّ على شرف هذا المذكور، لكن أيُّهما أقوى؟ الأخير أن يكون ذُكِرَ مرَّتِين؛ مرة لذكر العموم، ومرةً بالخصوص، تظهر الفائدة مثل لو قلت: أكرم الطلبة ومحمدًا، ومحمد من الطلبة على القول بأنَّه داخل في العموم، ثم خُصَّ بالذكر نكون عرفْنا أَن هذا الرجل طالِب واسمُه محمد، أمَّا إذا قلنا: نُزِع من العموم، وخُصَّ بالذكر فحينئِذٍ نبحث عن محمد هذا ويش هو طالب أو غير طالب؟ ويحتَاج إلى قرينة تدُلُّ على أنَّه مِن الطلبة، والصحيح ما قلتم: إنَّه أقوى أنَّ ذِكْرَ الخاص بعد العام معناه ذكرُه مرتين. ثم قال سبحانه وتعالى معلِّلًا الأمرَ بإقامة الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، وهذا التعليل هل هو تعلِيل بالنسبة للمُخاطَب أو بالنسبة للمُخاطَب به؟ خلوا بالكم يا جماعة؛ لأنَّ المسألة فيها إشكَال التعليل هنا بالنسبة للمُخاطَب أو للمُخاطَب به؟ المـُخاطب مَن؟ * طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: طيب، والمخاطَب به؟ * طالب: الصَّلاة. * الشيخ: الصلاة، خاطَبَهُ بإقامة الصلاة، فهَل هذا التعلِيل لإقامة الصلاة مِن حيثُ هي إقامَة أو هي تعليلٌ للمخاطَب يعني متصل بالمخاطَب؟ إذا قلنا: إنه متصل بالمخاطب صارَ المعنى إنَّ الصلاة تنهاكَ عن الفحشاء والمنكر، وهذا يقتضي جواز وقوع الفحشاء والمنكر مِن الرسول ﷺ، وإذا قلنا: إنه تعليل المخاطب به يتصل بالمخاطب به والصلاة قلنا: إنَّ الصلاة مِن حيث هي صلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر، ويكونُ هذا وصفًا صادقًا بالنسبة لِمَن؟ بالنسبة لغيرِ الرسول ﷺ، فيكون هذا التعليل بالنسبة لِلمخاطب به، اللي هي الصلاة لا المخَاطَب بذلك، وهو الرسول ﷺ؛ لِعلمِنا أنَّه معصوم مِن الفحشاء والمنكر، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المتعَيِّن. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ تنهى ﴿الصَّلَاةَ﴾ هنا والتي قبلَها المرَاد الصلاة الفريضة ولَّا الفريضة والتطوع؟ * طالب: الكُلّ. * الشيخ: الكل عامّ. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ ﴿تَنْهَى﴾ أي: تمنَع، لكن التعبير بالنهي أبلَغ مِن التعبير بالمنع، فإنَّ المانع قد لا يكون مُحَذِّرًا، لكن في النهي تحذِير فكأنَّ الصلاة فيها سِرٌّ يقتضِي أن يُبْعِدَ الإنسان عن الفحشاء والمنكر كأنَّها تُؤَنِّبُ ضميرَه وتقول له: ليش تفعل هذا؟ ولِمَاذا تفعَل؟ وقوله: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ كُلُّ ما يُسْتَفْحَش مِن المعاصي؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتْل النفس وما أشبهَه، والمنكر ما دون ذلك، وعطْفُ المنكرِ على الفحشاء مِن عطفِ العامّ على الخاص؛ لأنَّ كل فحشاء منْكَر، وليس كل منكر فحشَاء. قال المؤلف: (﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ شرعًا؛ أي: مِن شأنِها ذلك ما دام المرء فيها). قوله: (أي من شأنها ذلك) هذا صحيح، لكن ما دامَ المرءُ فيها ليس بصحِيح، بل هي تنهَى عن الفحشاء والمنكر ما دامَ فيها وما لم يدُم فيها؛ يعني ليس نفعُها هذا النفع خاصًّا بما إذا كان الإنسان متلَبِّسًا يصَلِّي، اللي يصلي معلوم، ما هو بِرَاح يفْعَل الفحشاء والمنكر، لكن الفائدة العظيمة أنَّها تُؤَثِّرُ في قلبِك ما يقتضِي إبعادَك عن الفحشاء والمنكر، وهذا هو الثَّمَرة والنتيجة، لا أنَّ الثمرة والنتيجة أنَّك إذا كنت تصَلِّي ما عاد تفعَل الفحشاء والمنكر، فتقْيِيد المؤلف بقوله: (ما دامَ فيها)، فيه نظر، وليس بصواب، بل هي مُطْلَقَة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ بمعنى أنَّ ما يحدُث منها يُوجِبُ للقلب البُعْدَ عن الفحشاء والمنكر، ووجهُ ذلك أنَّ الإنسان المصَلِّي ينَاجِي ربَّه كما قاله رسول الله ﷺ فبينه وبين ربِّه صلة هذه الصِّلَة تُكسِبُ القلب إيمانًا ونورًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]. ومعلوم أنَّ القلب إذا اكتسب النور لا يميل إلى الفحشاء والمنكر، كلما همَّ أن يفعَل ذكر أنَّه قبل ساعات كان واقفًا بين يدي الله عز وجل فيخْجَل ويبتَعِد، وهذا أمْرٌ مُشَاهَد؛ إن الإنسان أحيانًا لَيَذْكُر وقوفه في صلاةٍ لها عشرون سنة أو أكثَر صلّى في يومٍ من الأيام صلاةً كأنَّه يرى ربَّه أن تعبدَ الله كأنَّك تراه يعني في غاية الإحسان يجِدُ طعمَ هذه الصلاة بعد حينٍ طويل يذكرُها ما يَغيب عن قلبِه هذه الذكرى لا بُدَّ أن تُؤَثِّر في نهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، وهذا وجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، لكن المراد بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلاة المقامَة، ما هي كل صلاة تنْهَى عن الفحشاء والمنكر، والله لو صلاتنا تنهانا عن الفحشاء والمنكر كان كُلُّنا سليمِين، لكُنَّا كلنا سليمين، لكن الآن نسأل الله أن يعامِلنَا بعفْوِه يدخُل الإنسان في الصلاة بقلبٍ ويخرُج بنفسِ القلب أو أسْوَأ؛ لأنَّه لاحظوا أنَّ العبادات إذا لم تؤثر على قلبك حُسنًا فهي ضرَر اللي ما تنفعه الآيات تضُرُّه كما قال النبي عليه الصلاة: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]. فهذه المسألة ما أكثَر مَن يعاني منها مِن المسلمين؛ إنه يقول: أنا ما أتأثَّر بالصلاة، ولا يحضُر قلبي، ولا يخشَع، فما هو الدواء؟ ثم إنَّه قد يشُكّ بعض الناس في هذا الخبر، وهو خبَرُ الله عز وجل صادِق، فيقول: أنا أصلي ولكن ما أشُوف أنَّها تنهاني عن الفحشاء والمنكر، أصلي مع الجمَاعة في الروضة، ثم أخرُج إلى دكاني وأبيع بالربا، أبيع بالغِشّ أبيع بالكذب، أُصَلِّي مع الإمام في الروضة، ثم أجِدُ في نفسي غلًّا وحقدًا على المسلمين وكراهَةً لِبعض شرع الله وما أشبَه ذلك، وين اللي ينهَى عن الفحشاء والمنكر؟ نقول: البلاء ما هو في الصلاة البلاء في المصَلِّي وإلَّا فأنا كلُّ مؤمن مو هو بأنا كل مؤمن يعلَم علم اليقين أنَّ الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكَر؛ لأنَّ هذا خبرُ الله عز وجل وهو صِدْق، ولا يمكن؛ لأنَّه عالم جل وعلا بكل شيء فهو سبحانه وتعالى قال ذلك عن علْم، وكلامه أصدق الكلام. وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، قال المؤلف: (﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مِن غيره من الطاعات) أولًّا: اللام في قولِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ ما نوعُها؟ اللام لام الابتداء نعم؛ لأنَّ الجملة ما هي قسمِيَّة، وقوله: (﴿ذِكْرُ اللَّهِ﴾ ) ذِكْر مصدَر مُضَاف إلى اسمِ الله، فهل هو مضَافٌ إلى فاعله أو مضاف إلى مفعوله؟ * طالب: إلى مفعولِه. * الشيخ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ يعني: ولذِكْرُك ربَّك أكْبَر، أو ولَذِكْرُ الله إياكَ بالصلاة له أكبَر مِن نهيها عن الفحشاء والمنكر؟ * الطالب: لا، ولذِكْرُك ربَّك. * الشيخ: الأول، والثاني؟ * طالب: يحتمل. * الشيخ: لا، الثاني يصح، والشأن بذكْر الله لك، لا بذِكْرِكِ الله كما أنَّ الشأن بمحبة الله لك لا محبتك الله، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١]، ولَّا (فاتبعوني تُحِبُّون الله)؟ يحبِبْكم الله، هذا الشأن، فالشأن أن تُذْكَر لا أن تَذْكُر، وكما أنَّ هذا بالنسبة للمخلوق مع الخالق هو أيضًا بالنسبة للمخلوقين مع بعضِهم كونُك تحِبُّ فلانًا أو تذْكُر فلانًا، ماذا تستفيد إذا كان فلان معرضًا عنك؟ ما تستفيد إلا العَنَاء والبلاء، ولذلك قَضِيَّة بَرِيرَة مع زوجِها مغيث؛[[أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.]] هو يذكُرُها لكن هي لا تذكُرُه ولا ترِيدُه، وهو يحبُّها حبًّا شديدًا فالشأن إذن بذكر الله لك، ولكن ثِقْ بأنَّك إذا ذكرْتَ الله مِن قَلْب فإنَّ ذكرَ الله لك أعظم مِن ذكرِك له: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» ونفسُ الله تعالى أعظم مِن نفسك بلا شَكّ «وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ» دونهم ولا مثلهم؟ «خَيْرٌ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] فأنت تذْكُر ربك حقيقة فالله تعالى يذْكُرُك ذكرًا أعظَم وأجلّ مِن ذكرِك إيَّاه، إذن ﴿لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ نقول: إنَّه صالح لهذا ولهذا. وقوله: (﴿لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مِن غيره مِن الطاعات)، هل المراد هنا الذكرُ المنفصل عن الصلاة؟ أوِ الذكرُ الذي في الصلاة؟ نشوف كلام المؤلف ويش يرَى؟ * طالب: المنفصِل. * الشيخ: المنفصِل ظاهِرُ كلام المؤلف أنَّه الذكرُ المنفصل؛ يعني أنَّ الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر، وذكْرُ الله أعظم نهيًا عن الفحشاء والمنكَر وأكبَر، ويحتمل أن يكونَ المراد، ولَذكرُ الله الموجود في الصلاة والموجُود بِها، الموجود فيها وبها كذا؟ بينهم فرق يصلح (فيها وبها) ولَّا بينهم فرق؟ لا، بينَهم فرق ذكرُ الله الموجود فيها مثل التسبيح والتكبير والقِرَاءة، وذكرُ الله بها يعني ما يحصُل مِن ذِكْرِ الله بسبَبِها. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ليجازيَكم به، هذه الجملة خبرية لكن لها معنى عظيم، ليس المقصود من هذه الجملة أن نعرف، أو أن نعلم بأن الله يعلم ما نصنع، ولكن المقصود منها: التحذير من أن نصنع ما يخالف شريعتنا وقوعًا في النهي أو تركًا للأمر. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول دال على العموم يشمل؟ * طالب: كل ما نصنع. * الشيخ: كل ما نصنع من قول أو فعل، فيما يتعلق بحقه، وفيما يتعلق بحق عباده. ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال: (ليجازيكم به) هذه النتيجة واضحة، متى تكون المجازاة عليه؟ * طالب:في الدنيا. * الشيخ: في الدينا ويوم القيامة، والمجازاة عليه، أي: على ما نصنع، قد تكون شرعية بفعل العبد، وقد تكون كونية بفعل الله، المجازاة عليه شرعية بفعل العبد، مثل الحدود، فإن الحدود عقوبة شرعية ولّا كونية؟ * طالب: شرعية. * الشيخ: شرعية بفعل العبد، هو المأمور بفعلها، وتكون كونية قدرية بفعل الله كما لو أصيب الإنسان بأمراض، وتلف أموال، وما أشبه ذلك. * طالب: قد يكون ما يقع للإنسان من أمراض (...) عقوبة الله؟ * الشيخ: هو قد يكون عقوبة، وقد يكون ابتلاءً وامتحانًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] فيكون اختبارًا، وقد يكون عقوبة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، فالإنسان قد يبتلى عقوبة على سيئة أو امتحانًا. المصائب التي تأتي الرسول ﷺ هذه من باب؟ من باب الامتحان، حتى يصل الإنسان إلى درجة الكمال؛ لأن الصبر كما تعرفون منزلة عالية عظيمة في الدين و﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠]، لكن الصبر بدون مصبور عليه ما يمكن، لا بد من أشياء تَرد على الإنسان من قضاء الله يصبر عليها. * طالب: يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، هذا داخل في ذلك. * الشيخ: داخل في ذلك. * طالب: ما المراد بالفتنة؟ * الشيخ: الفتنة بالنسبة للخير فتنة الشكر، وبالنسبة للشر فتنة الصبر. * طالب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥] ذكرت أولًا أنه يحتمل الوقوع من الرسول ﷺ في الفحشاء أو المنكر؟ * الشيخ: لا، ما يحتمل. * طالب: ما يحتمل؟ * الشيخ: لا، ما يحتمل (...). قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٤٥]. الأمر في قوله: ﴿اتْلُ﴾ موجَّه لمن؟ * طالب: للرسول ﷺ. * الشيخ: ولا يصلح أن يكون موجَّهًا لكل من يصح خطابه؟ * طالب: هو منزل عليه، ولكن هو للأمة من بعده. * الشيخ: لا، قصدي هل لا يصح أن نجعله موجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه؟ * طالب: لا، لأن هذا لا يتأتى (...) ﴿إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: حتى ﴿إِلَيْكَ﴾ دائمًا تأتي. * طالب: لكل من يتأتى خطابه، يعني من المسلمين ولا من البشر عامة؟ من المسلمين؟ * الشيخ: من المسلمين، هل يصح هذا ولّا ما يصح؟ * طالب: إي، لو كان من المسلمين ما يصح؛ لأن هو يعني.. * الشيخ: مر علينا؟ علمناها. * طالب: لم يصح أن يكون عامًّا. * الشيخ: لماذا؟ * طالب: لأنه قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وغيره لم يوح إليه. * الشيخ: وغيره لم يوح إليه، صح. * طالب: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. * الشيخ: ما يخالفه، له أيضًا، الأمر الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام خاصة، هل يكون له ولغيره؟ * طالب: أحيانًا يكون له، وأحيانًا يكون له ولغيره. * الشيخ: أحسنت، في مثل هذه الآية. * طالب: هذه مشتركة. * الشيخ: له ولغيره، نعم. ما هو الدليل على أن الخطاب الموجَّه له له ولغيره؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: لا، (...) له. * طالب: قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى﴾. * الشيخ: لا، هو الدليل منفصل، ما هو من الآية. * طالب: ليس من الآية؟ * الشيخ: لا. * طالب: ممكن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [التحريم ٢]، كذلك ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]. * الشيخ: لا، أنا قصدي إذا كان الخطاب خاصًّا للرسول ﷺ وواضح أنه خاص له هو ينقسم إلى قسمين؛ قسم ما يتعدى الحكم إلى غيره، وقسم يتعدى الحكم إلى غيره بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]. أما مثل اللي ذكرت، ومثل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالخطاب له، والمراد له وللأمة، بدليل أنه قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ و﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ومثل هذه الآية اللي ذكرت يكون الخطاب فيها مشتركًا بمقتضى دلالة اللفظ، لا بمقتضى التأسي به. فصار الآن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: قسم يدل الدليل بمقتضى اللفظ الخاص على أنه له ولغيره، مثل؟ * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، ومثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقسم آخر يختص به ولا يتعداه إلى غيره عملًا ما هو بمقتضى اللفظ، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ١ - ٤] هذا كله خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام لا يتعداه إلى غيره. والثالث: ما يكون خاصًّا به بمقتضى الخطاب لكن يتناول غيره بمقتضى التأسي بدليل منفصل، مثل: هذه الآية؛ فإن الرسول أُمر به لكن حقيقة نحن أيضًا يجب علينا أن نتلو ما أوحاه الله إلى نبيه وأن نقيم الصلاة. قوله: ﴿اتْلُ﴾ هذه فعل أمر مبنيٌّ على الضم، وما عهدنا أن فعل الأمر يُبْنَى على الضم، فكيف تجيب عنها؟ * طالب: مبني على حذف الواو. * الشيخ: على حذف الواو، صح، أصلها: (تلا يتلو) بالواو؛ ففعل الأمر يقولون: مقتطع من الفعل المضارع، فعل الأمر يقولون: هو فعل مضارع مجذوم، لكن احذف منه حرف المضارعة، وهذه قاعدة مفيدة لكم، أن فعل الأمر فعل مضارع مجذوم حذف منه حرف المضارعة. فمثلًا: إذا قال لك قائل: صغ الأمر من (خاف)، أيش تقول؟ * طالب: (خِف). * الشيخ: (خِف) خطأ. * طالب: (خَف). * الشيخ: (خَف) أيش الدليل؟ هات فعل مضارعٍ مجذوم واحذف منه ياء المضارعة، تقول: (لم يَخِف) ولا (لم يَخَف)؟ * طالب: (لم يَخَف). * الشيخ: (لم يخَف)، احذف الياء؟ * طالب: (خَف). * الشيخ: (خَف)، صُغْ فعل أمر من (نام). * طالب: (نَم). * الشيخ: (نَم) ولّا (نِم)؟ * طالب: (نَم). * الشيخ: (نَم)، الدليل: أن فعل المضارع المجزوم تقول فيه: (لم ينَم)، ما تقول: (لم ينِم)، احذف ياء المضارعة فيكون (نَم) فهمتم؟ هذه قاعدة تفيد الإنسان في مثل هذه الأشياء التي تخفى؛ لأنَّ كثيرًا من الطلبة إذا قلت له: صُغْ الأمر من (خاف) يقول؟ * طالب: (خِف). * الشيخ: (خِف)، وواحد يقول: (خُف). * طالب: يشدد الفاء؟ * الشيخ: لا، ما يشدد، لكن يضم الخاء، خُف. * طالب: (نِم)، نون كسر. * الشيخ: (نِم)؟! * طالب: لماذا يا شيخ؟ * الشيخ: لا، (نِمّ)، بتشديد الميم، من النميمة، مشددة الميم، (نَمَّ يَنِمُّ نِمّ). قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ هذه التلاوة لفظية ولَّا لفظية ومعنوية؟ * طالب: كلها. * الشيخ: كلها، تلاوة لفظية مثل أيش؟ * طالب: مثل: قراءة القرآن. * الشيخ: قراءة القرآن، والمعنوية؟ * طالب: التطبيق. * الشيخ: إي نعم، التطبيق يعني: الاتباع. قوله تعالى: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ هذا العطف، من عطف؟ * طالب: الخاص على العام. * الشيخ: الخاص على العام؛ لأن من جملة ما أوحي إليه إقامة الصلاة. قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ المراد بالنهي هنا؟ حقيقته؟ * طالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ إي نعم. * الشيخ: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ هي أو المراد بالنهي حقيقته؟ * طالب: لا، ليس على حقيقته. * الشيخ: ولّا المنع، تمنع عن الفحشاء. * طالب: وإنما هي تمنع عن الفحشاء. * الشيخ: المراد المنع؟ * طالب: لأنه يعني قد.. * الشيخ: لا، ما سألنا عن التعريف، أولًا خلينا نشوف الحُكْم، هل المراد بالنهي هنا المنع ولّا حقيقة النهي؟ * طالب: حقيقة النهي. * الشيخ: يعني الواحد إذا صلى يسمع الصلاة تقول له: لا تزنِ، لا تسرق. * طالب: بل المنع. * الشيخ: المراد المنع؟ * طالب: إي نعم، أن الصلاة تمنع عن الفحشاء والمنكر. * الشيخ: حالَ تَلَبُّسِه بها، أو حتى بعد فراغه منها؟ * طالب: حتى بعد الفراغ منها. * الشيخ: حتى بعد الفراغ. ما الحكمة في التعبير بالنهي دون المنع؟ * طالب: حتى تشمل حتى ولو كان الإنسان خارج الصلاة، ما بعد الصلاة، تشمل ذلك. * الشيخ: ذكرنا معنى غير هذا، هل منكم يستحضر؟ * طالب: النهي أشدُّ. * الشيخ: النهي أشد من المنع. * طالب: إي نعم، النهي أشد من المنع. * الشيخ: لأنها توجد في القلب كراهة لهذا الشيء ونفورًا منه، ومجرد المنع لا يقتضى ذلك، عرفتم ولّا لا؟ يعني: قد أمنع إنسانًا عن معصية، لكنه يبقى قلبه معلقًا بها غير كاره لها، لكن في النهي يوجب النفور، فالصلاة تُوجب المنع من المعاصي أو الفحشاء والمنكر، وتُوجب أيضًا كراهتَها والنفورَ منها، كأن داعيًا في قلبك ينهاك عن هذا الشيء. سؤال: هل هذه الآية مطابقة للواقع ولّا لا؟ * طالب: مطابقة. * الشيخ: مطابقة للواقع؟ * طالب: في الغالب؛ لأنه.. * الشيخ: غالبًا. * طالب: لأن الصلاة تقتضي (...) الصلاة (...). * الشيخ: إي، لكن الآن كلمة غالبًا تقتضي واحد وخمسين في المئة، ثم يَرِد علينا إشكال؛ أن الآية عامة ما هي أغلبية، والسؤال الآن هل هو مطابق للواقع ولّا لا؟ * طالب: تقصد بالنسبة (...). * الشيخ: أنا أقصد مطابقة الواقع؛ يعني واقع الناس الآن، هل صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر؟ * طالب: جزء من الصلاة، يخشعوا (...). * الشيخ: إي؟ * طالب: الإنسان اللي يصلي الصلاة يعني بأركانها.. * الشيخ: معروف هذا، نحن نؤمن بذلك: بأنه إذا صلى الإنسان صلاة تامة على الوجه المطلوب أنها تنهاه، يجب علينا أن نؤمن بذلك لأنه خبر الله. السؤال الآن: هل هو مطابق للواقع ولّا لا؟ * طالب: لا، ما هو مطابق. * الشيخ: ليس مطابقًا في أكثر الناس، إذن صلاتنا فيها خلل ولّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: صلاتنا فيها خلل، إذا كان قلبك لا يتغير عند خروجك من الصلاة، فاعلم أن الصلاة ناقصة؛ لأن هذا خَبَرُ من يعلم السرَّ وأخفى وهو الله عز وجل، وصدق، أصدق القول، واضح؟ ولهذا جاء عن بعض السلف: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُه عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٧٠٥) ومن طريقه الطبراني في معجمه الكبير (٨٥٤٣) عن ابن مسعود من قوله، ورواه أيضًا في معجمه الكبير (١١٠٢٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.]] والعياذ بالله. ما الحكمة من أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ * طالب: لأنها صلة بالله، والإنسان إذا اتصل بالله عظَّم نهيه وعظَّم أمره. * الشيخ: أحسنت، يَعْظُم شأنُ الله في نفسه عندما يكون متصلًا بالله عز وجل، ثم هو أيضًا عندما يريد أن يفعل الفحشاء والمنكر، يتذكر الساعة التي كان فيها متصلًا بالله عز وجل، فينهاه، وأنا قلت لكم حين التفسير: إن بعض الناس قد يصلي مرة من المرات صلاة حسب الحال تامة، فيجد طعم هذه الصلاة في قلبه إلى ما شاء الله، إلى مدة طويلة، وهو يتذكر لذاذة هذه المناجاة، وحسنها، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. أولًا: إعراب هذه الجملة؟ لست من أهل الإعراب؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: إعرابها. * طالب: ها. * الشيخ: اللام وكلها. * طالب: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ مرفوع. * الشيخ: اللام قبل. * طالب: لام (ذكر)؟ * الشيخ: نعم. * طالب: (ذكر): مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، و(ذكر) مضاف، واسم (الله): مضاف إليه مجرور، (أكبر): خبر المبتدأ. * الشيخ: خبر المبتدأ، أحسنت. الإضافة هنا من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله؟ * طالب: إلى مفعوله. * الشيخ: إلى مفعوله. * طالب: لا، إضافة إلى فاعله. * الشيخ: إلى فاعله؟! اجزم. * طالب: إلى فاعله. * الشيخ: ما الفرق بين التقديرين؟ * طالب: الفرق: أن هذا اسم الله على القرآن، وذكر الله.. * الشيخ: هذا على أي التقديرين؟ * طالب: على أن المضاف إلى فاعله. * الشيخ: نعم. * طالب: أما إذا كان مفعوله فهو ذكر الله للناس، أي: ما يذكرون به الله على التقدير الثاني. * الشيخ: زين، يعني: أنت تقول: يصلح لهذا ولهذا؟ * طالب: لا، هو على تقدير.. * الشيخ: إضافته إلى الفاعل. * طالب: إلى فاعله. * الشيخ: ما تقولون أنتم؟ ما تقولون في الأمرين في الإضافة إلى الفاعل والمفعول، وفي التقدير اللي قاله؟ * طالب: هو هنا قال: هي إضافة إلى المفعول. * الشيخ: إضافة للمفعول؟ * طالب: لأنه ذكر الصلاة.. * الشيخ: ويش المعنى على تقدير إضافته للمفعول؟ * طالب: المانع. * الشيخ: ويش المعنى على هذا التقدير؟ * طالب: المعنى: أن من يذكر الله عز وجل، هذا يكون من أعظم الأشياء، أو ينهاه عن كثير من الأشياء.. * الشيخ: يعني ذكرَك اللهَ أكبر وأعظم من النهي عن الفحشاء والمنكر. * طالب: نعم. * الشيخ: كذا؟ * طالب: النهي عن الفحشاء والمنكر؟! * الشيخ: إي؛ لأنه قال: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾. * طالب: (...) القرآن، (...) يعني. * الشيخ: مضاف إلى المفعول، والمعنى إذن: ولذكرك الله أكبرُ من النهي عن الفحشاء والمنكر، يعني ما في الصلاة من ذكر الله أعظم من الفحشاء والمنكر، أو على سبيل العموم كما اختاره المؤلف. على تقدير أنها مضاف للفاعل، ويش المعنى؟ * طالب: (...) فقط مضاف إلى المفعول. * الشيخ: المفعول فقط؟ * طالب: إي. * الشيخ: نعم. * طالب: ذكر الله جل وعلا للإنسان في الملأ الأعلى. * الشيخ: إي، أعظم.. * طالب: أعظم من فعله حتى إذا (...). * الشيخ: إي، أعظم من فعله. لأن الشأن أن يذكرك الله لا أن تذكر الله، كما في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] ما قال: فاتبعوني تحبوا الله، قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾؛ إذ إن الشأن في محبة الله للإنسان؛ فعلى هذا يكون المعنى ولذكر الله لكم حين تصلون؛ لأن المصلي ذاكر لله بلا شك أو لا؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، والمراد بالذكر هنا: الخطبة والصلاة. فعلى هذا يكون المعنى ولذكر الله إياكم في الصلاة أعظم مما يحصل لكم أنتم بالصلاة من النهي عن الفحشاء والمنكر، ألا يمكن أن نقول: إنها صالحة لهذا وهذا؟ فلتكن لهذا ولهذا؟ ما بينهم تضاد، نحن قلنا في القاعدة في التفسير: إذا كانت الآية محتملة لمعنيين لا يناقض أحدهما الآخر حُمِلَت على المعنيين، فإن كان أحدهما يناقض الآخر، ماذا نصنع؟ يؤخذ بالراجح؛ لأنه ما يمكن تحتمل الآية معنيين متناقضين، ولكن يؤخذ بالراجح. * طالب: من باب الجزاء. * الشيخ: إي، هو من باب الجزاء، كما ثبت في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢١) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: كل واو مستأنفة؟ * الشيخ: إي نعم، هي قد تكون مستأنفة على الاحتمالين. قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ﴿أَكْبَرُ﴾، أين المفضل عليه؟ * طالب: النهي عن الفحشاء. * الشيخ: إي نعم، النهي عن الفحشاء والمنكر، وإن شئنا قلنا: حُذِفَ المفضَّلُ عليه للعموم. * طالب: شيخ، قد يقول قائل: يعني: المتكلم يقصد معنى واحدًا. * الشيخ: نعم، هو المتكلم يقصد معنى واحدًا، ولكن ما دام كلامه محتملًا للوجهين بدون تناقض، ما الذي يعلمنا أنه لم يرد إلا واحدًا؟ فهذا كلام الله عز وجل، وكلام الله سبحانه وتعالى واسع المعنى، فما دام اللفظ صالحًا للوجهين بدون تناقض بينهما فهو ما يمكن أن نقول: إنه لم يُرِد إلا هذا. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ هذه الآية جملة خبرية، الجملة الخبرية تفيد علم الله بما نصنع، فما الغرض منها؟ هل الغرض منها الترغيب أو الترهيب؟ * طالب: الترهيب. * الشيخ: الترغيب؟ * طالب: الترهيب. * الشيخ: الترهيب؟ يعني يعلم ما نصنع ويجازينا عليه؟ ما الذي أدراك أنه للترهيب فقط. * طالب: (...). * الشيخ: أنت تقول: للترهيب، ما الذي أدراك؟ * طالب: (...) الآية. * الشيخ: ويش الآية. * طالب: (...). * طالب آخر: للترغيب والترهيب. * الشيخ: للترغيب والترهيب، هذا رأيان، أيهما أصح؟ * طالب: الصحيح أنها للترهيب. * الشيخ: للترهيب؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لأنها دالة على المراقبة، فإذا عرف أن الله يراقبه.. * الشيخ: خاف منه. * طالب: صار عنده شيء من الخوف. * الشيخ: وإذا عرف أن الله يعلم ما يصنع، ولا يضيع عليه، ما يرغب في الطاعة؟ * طالب: هذا ضعيف في هذه الآية. * طالب آخر: للترغيب والترهيب، يعني ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. * الشيخ: هي للترغيب وللترهيب، وهي للترغيب هنا قد تكون أقرب؛ لأن ما قبلها أمر وليس بنهي، لو كان نهيًا لكانت للترهيب أقرب؛ لا تزن، فإن الله يعلم ما تصنع، هذا ترهيب، اعمل صالحًا؛ فإن الله يعلم ما تصنع، ويش الواضح؟ الترغيب، لكن مع ذلك نقول: هي لهما جميعًا؛ لأنها تشمل ترغيب فعل الأمر، والترهيب من مخالفته وعصيانه. الحقيقة أننا طولنا في هذه المناقشة كأنها درس كامل، لكن ما في بأس، لأننا نود أن الإنسان ينفتح له ما ينفتح من معرفة القرآن وأسراره بقدر المستطاع. * طالب: الدليل على أن الخطاب يعم الرسول وغيره. * الشيخ: أيهم؟ * طالب: أسألك عن الدليل، أن الخطاب يعم الرسول وسائر الأمة؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: ما الدليل؟ * الشيخ: أن الخطاب الموجه للرسول له وللأمة، الدليل: من يعرف؟ * طالب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران ٣١]. * الشيخ: إي. * طالب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]. * الشيخ: لا، هذا -الحقيقة- دليل على وجوب التأسي به، لكن الدليل على أن الخطاب الموجه له ما لم يدل دليل على أنه له وللأمة قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٠] يدلنا على أنه لولا قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ لكان الحكم له ولغيره، فدل هذا على أن الحكم عند الإطلاق الموجه للرسول ﷺ له وللأمة. ويدلك على هذا أيضًا آية أخرى وهي قوله تعالى: لما ذَكَر أن الله أحل له امرأة زيد بن حارثة ويش قال؟ قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]. ﴿وَإِذْ﴾ اقرأ الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، الحكم الآن لمن؟ * الطلبة: للرسول ﷺ. * الشيخ: للرسول ﷺ، ومع ذلك علل بعلة عامة فقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ما قال: عليك، ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، فهذا دليل على أن الخطاب الموجه له يكون له وللأمة، واضح؟ * طالب: شيخ، ونستفيد أيضًا في الآية الأولى دلالة على المقصود أيضًا؟ * الشيخ: أيُّها؟ * طالب: لأنه صَدَّر بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب ٥٠]؟ * الشيخ: أقول فيها دليل، وهذا أيضًا تؤيده. * طالب: نقول مثلًا: جعل الخطاب المفرد للرسول، ثم قال حُكْمَ المرأة ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب ٥٠].. * الشيخ: دليل على أن الخطاب الموجه له، له وللأمة. أنا يهمني من طالب العلم ليس أن يحفظ المسائل؛ حفظ المسائل بسيط، أعتقد أن المسجل أقوى منا حفظًا للمسائل، ولّا لا؟ (...) ما فيش شيء، لو تُعْطِي المسجل ألف مسألة وتجيئه عقب عشرين سنة، يعطيك إياه ولّا لا؟ يعطيك إياه، لكن المهم من طالب العلم أن يفهم، ففي الفهم فهم الدلالة، الدلالة من القرآن ومن السنة أيضًا، هذه يفتح الله بها على الإنسان عِلمًا كثيرًا، يمكن ما يدركه أحد؛« ولهذا قال علي بن أبي طالب لما سئل: هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: لا، إلا ما في هذه الصحيفة، أو فَهْمًا يُؤْتِيه الله تعالى أحدًا في القرآن»[[أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي بن أبي طالب.]]. شوف أو فهمًا، ولا شك أن عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الفَهْمِ في القرآن شيئًا كثيرًا. فالمهم أنا أحب من طالب العلم أن يكون حريصًا على الفهم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»[[أخرجه البخاري (١٧٤١) من حديث أبي بكرة.]]، فالحفظ بمنزلة الصَّيْدَلة، الصيدلي عنده الأدوية كلها، لكن الفهم والتفريع والاستنباط هذا بمنزلة الطبيب، يستطيع يوجه الأدوية وينتفع بها، الصيدلي يحفظها لك، لكن الطبيب هو الذي ينتفع وينفع، فأنا أهم شيء عندي من طالب العلم في تفسير القرآن، وكذلك في السنة، هو الفهم والاستنباط والتفريع، وأظن مر علينا أن دلالة اللفظ على معناه تكون على ثلاثة أوجه، أو لا؟ مطابقة وتضمن والتزام. المطابقة والتضمن أمرهما بسيط، أدنى طالب علم يمكن يعرفهم. لكن التزام هذا هو المهم، وهو الذي يتفرع عليه مسائل ما يحصيها إلا الله. دلالة الالتزام إذا وُفِّقَ الإنسان لها ينال خيرًا كثيرًا في هذه المسألة. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

العنكبوت 29:46

قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت ٤٥]. ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿اتْلُ﴾ يتضَمَّن التِّلاوة اللفظية والتلاوة الحُكْمية؛ التلاوة اللفظية أن تقرأَ القرآن، والتلاوة الحكْمِيَّة أن تأخذ بأحكامِه وهي تلاوةُ الإتباع مِن قولهم: تلَا فلانٌ فلانًا، أيش معنى تلَاه؟ * طلبة: أن اتبعه. * الشيخ: أي تَبِعه، فالأَمْرُ هنا بالتلاوة يشمل هذا وهذا ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اتْلُ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وليس موجَّهًا لكلِّ مَن يصِحُّ خطابُهُ؛ لأنه قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وهذا يُخَصِّصُه بالرسول ﷺ؛ لأنَّ غيرَه لم يُوحَ إليه، ولكن مع ذلك الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام خطابٌ له وللأمة بدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] إلَّا ما قام الدليل على اختصاصِه به فإنَّه يُؤخَذ بالدليل كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب ٥٠] لو وقفت الآية على هذا لكان يجُوز للأمة أن تفعَل معه، لكن قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٠]، فدل هذا على أن الخطاب الموجّه للرسول ﷺ له ولأمته ما لم يُوجَد دليل على اختصاصه به. قال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول يفيد العموم. وقوله: ﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة هو الإعلام بسرعة وخفَاء، الإعلام بسرعة وخفَاء يُسَمَّى وحْي؛ يعني مثلًا افرض أنك بين قوم، وتريد أن تُعلم أحدًا بشيء، تقول مثلًا: كذا بيدك اللي عندك ما يدورن عن هذا، لكن صاحبك يدري يعني ما أنت بتقول: يا فلان، قُم لنذهب إلى فلان، هذا يسمى وحيًا؟ لا، هذا مَا هو وحي؛ لأنَّه واضح ولا فيه خفاء، لكن بسرعة وخفاء يُسَمَّى في اللغة وحي الإعلام بسرعة وخفاء، أمَّا في الشرع فهو إعلامُ الله سبحانه وتعالى بالشرْع لأحدِ أنبيائه أو رُسُلِه هذا الوحي شرعًا، وهنا المراد أيش؟ الوحي شرعًا، وله مراتب ذكرها الله تعالى في سورة (حم عسق الشورى)، قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿مِنَ﴾، هنا بيانية بيان لـ﴿مَا﴾. في قوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ المراد به القرآن، وسمي كتابًا؛ لأنَّه يُكتَب في المصاحِف، ولأنَّه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، ولأنَّه مكتوب في أيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦]. وكِتاب (فِعَال) بمعنى (مفعُول) كثيرة في اللغة العربية، وأظُن الأمثلة التي مرَّت بنا لا تغِيب عن أذهانِكم الآن، مثل (فِراش مفرُوش)، (غِرَاس مغْرُوس)، و(بِناء مَبْنِيّ). قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت ٤٥] ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: ايتِ بها على وجهِ الكمال؛ لأن إقامة الشيء جعلُه قويمًا ليس به اعوجاج ولا نقْص. وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ومعلوم أنَّه يقيمُ الصلاة، وأنَّه أقوَم المصَلِّين صلاة، فكيف وُجِّهَ إليه الخطاب بـ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾؟ قلنا: توجيهُ الخطاب إلى مَن يتَّصِفُ به، المراد به الاستِمْرَار عليه لا تجديده؛ لأنَّه موجود، لكن الاستمرار عليه مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء ١٣٦] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ الخطاب ليس عبثًا حتى نقول: إن هذا تحصيل حاصل، فالمؤمِن مؤمِن نقول: المراد إيش؟ الاستمرار على ذلك، فإذا وُجِّه الخطاب أو الأمر لِمَن يتَّصِف به، فالمراد الاستمْرَار عليه. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ قبل قليل قلنا: إن التلاوة تشمَل الاتباع والعمل بأحكامه، أليس إقامة الصلاة مِن اتِّبَاعه والعمل بأحكامه؟ بلى؛ إذن عطفها على قولِه: ﴿اتْلُ﴾ مِن باب عطف الخاص على العام، وعطفُ الخاصّ على العام هو إيذان برفعة شأنه، ولا شكَّ أنَّ الصلاة أفضَلُ أعمال البدَن؛ فلهذا خُصَّتْ بذِكرِها، ثم إنَّ عطف الخاص على العام هل معناه ذكرُه مرتين؟ أو معناه أنَّه أُفرِدَ بالذكر مِن بين العموم؟ في هذا رأيان لأهل العلم، فمِنْهم مَن يقول: إنَّ ذكرَ الخاص بعد العام معنَاه أنه سُلِبَتْ دلالةُ العموم بالنسبة إليه، ثم أُفْرِدَ بالذكر، ومنهم مَن قال إنَّه داخِلٌ في العموم الأول، ثم أُفرِد بالذكر فيكون ذُكِرَ مرتين، وكلَاهما يدل على شرفِه؛ يعني كِلَا القولين يدُلُّ على شرف هذا المذكور، لكن أيُّهما أقوى؟ الأخير أن يكون ذُكِرَ مرَّتِين؛ مرة لذكر العموم، ومرةً بالخصوص، تظهر الفائدة مثل لو قلت: أكرم الطلبة ومحمدًا، ومحمد من الطلبة على القول بأنَّه داخل في العموم، ثم خُصَّ بالذكر نكون عرفْنا أَن هذا الرجل طالِب واسمُه محمد، أمَّا إذا قلنا: نُزِع من العموم، وخُصَّ بالذكر فحينئِذٍ نبحث عن محمد هذا ويش هو طالب أو غير طالب؟ ويحتَاج إلى قرينة تدُلُّ على أنَّه مِن الطلبة، والصحيح ما قلتم: إنَّه أقوى أنَّ ذِكْرَ الخاص بعد العام معناه ذكرُه مرتين. ثم قال سبحانه وتعالى معلِّلًا الأمرَ بإقامة الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، وهذا التعليل هل هو تعلِيل بالنسبة للمُخاطَب أو بالنسبة للمُخاطَب به؟ خلوا بالكم يا جماعة؛ لأنَّ المسألة فيها إشكَال التعليل هنا بالنسبة للمُخاطَب أو للمُخاطَب به؟ المـُخاطب مَن؟ * طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: طيب، والمخاطَب به؟ * طالب: الصَّلاة. * الشيخ: الصلاة، خاطَبَهُ بإقامة الصلاة، فهَل هذا التعلِيل لإقامة الصلاة مِن حيثُ هي إقامَة أو هي تعليلٌ للمخاطَب يعني متصل بالمخاطَب؟ إذا قلنا: إنه متصل بالمخاطب صارَ المعنى إنَّ الصلاة تنهاكَ عن الفحشاء والمنكر، وهذا يقتضي جواز وقوع الفحشاء والمنكر مِن الرسول ﷺ، وإذا قلنا: إنه تعليل المخاطب به يتصل بالمخاطب به والصلاة قلنا: إنَّ الصلاة مِن حيث هي صلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر، ويكونُ هذا وصفًا صادقًا بالنسبة لِمَن؟ بالنسبة لغيرِ الرسول ﷺ، فيكون هذا التعليل بالنسبة لِلمخاطب به، اللي هي الصلاة لا المخَاطَب بذلك، وهو الرسول ﷺ؛ لِعلمِنا أنَّه معصوم مِن الفحشاء والمنكر، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المتعَيِّن. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ تنهى ﴿الصَّلَاةَ﴾ هنا والتي قبلَها المرَاد الصلاة الفريضة ولَّا الفريضة والتطوع؟ * طالب: الكُلّ. * الشيخ: الكل عامّ. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ ﴿تَنْهَى﴾ أي: تمنَع، لكن التعبير بالنهي أبلَغ مِن التعبير بالمنع، فإنَّ المانع قد لا يكون مُحَذِّرًا، لكن في النهي تحذِير فكأنَّ الصلاة فيها سِرٌّ يقتضِي أن يُبْعِدَ الإنسان عن الفحشاء والمنكر كأنَّها تُؤَنِّبُ ضميرَه وتقول له: ليش تفعل هذا؟ ولِمَاذا تفعَل؟ وقوله: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ كُلُّ ما يُسْتَفْحَش مِن المعاصي؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتْل النفس وما أشبهَه، والمنكر ما دون ذلك، وعطْفُ المنكرِ على الفحشاء مِن عطفِ العامّ على الخاص؛ لأنَّ كل فحشاء منْكَر، وليس كل منكر فحشَاء. قال المؤلف: (﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ شرعًا؛ أي: مِن شأنِها ذلك ما دام المرء فيها). قوله: (أي من شأنها ذلك) هذا صحيح، لكن ما دامَ المرءُ فيها ليس بصحِيح، بل هي تنهَى عن الفحشاء والمنكر ما دامَ فيها وما لم يدُم فيها؛ يعني ليس نفعُها هذا النفع خاصًّا بما إذا كان الإنسان متلَبِّسًا يصَلِّي، اللي يصلي معلوم، ما هو بِرَاح يفْعَل الفحشاء والمنكر، لكن الفائدة العظيمة أنَّها تُؤَثِّرُ في قلبِك ما يقتضِي إبعادَك عن الفحشاء والمنكر، وهذا هو الثَّمَرة والنتيجة، لا أنَّ الثمرة والنتيجة أنَّك إذا كنت تصَلِّي ما عاد تفعَل الفحشاء والمنكر، فتقْيِيد المؤلف بقوله: (ما دامَ فيها)، فيه نظر، وليس بصواب، بل هي مُطْلَقَة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ بمعنى أنَّ ما يحدُث منها يُوجِبُ للقلب البُعْدَ عن الفحشاء والمنكر، ووجهُ ذلك أنَّ الإنسان المصَلِّي ينَاجِي ربَّه كما قاله رسول الله ﷺ فبينه وبين ربِّه صلة هذه الصِّلَة تُكسِبُ القلب إيمانًا ونورًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]. ومعلوم أنَّ القلب إذا اكتسب النور لا يميل إلى الفحشاء والمنكر، كلما همَّ أن يفعَل ذكر أنَّه قبل ساعات كان واقفًا بين يدي الله عز وجل فيخْجَل ويبتَعِد، وهذا أمْرٌ مُشَاهَد؛ إن الإنسان أحيانًا لَيَذْكُر وقوفه في صلاةٍ لها عشرون سنة أو أكثَر صلّى في يومٍ من الأيام صلاةً كأنَّه يرى ربَّه أن تعبدَ الله كأنَّك تراه يعني في غاية الإحسان يجِدُ طعمَ هذه الصلاة بعد حينٍ طويل يذكرُها ما يَغيب عن قلبِه هذه الذكرى لا بُدَّ أن تُؤَثِّر في نهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، وهذا وجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، لكن المراد بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلاة المقامَة، ما هي كل صلاة تنْهَى عن الفحشاء والمنكر، والله لو صلاتنا تنهانا عن الفحشاء والمنكر كان كُلُّنا سليمِين، لكُنَّا كلنا سليمين، لكن الآن نسأل الله أن يعامِلنَا بعفْوِه يدخُل الإنسان في الصلاة بقلبٍ ويخرُج بنفسِ القلب أو أسْوَأ؛ لأنَّه لاحظوا أنَّ العبادات إذا لم تؤثر على قلبك حُسنًا فهي ضرَر اللي ما تنفعه الآيات تضُرُّه كما قال النبي عليه الصلاة: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]. فهذه المسألة ما أكثَر مَن يعاني منها مِن المسلمين؛ إنه يقول: أنا ما أتأثَّر بالصلاة، ولا يحضُر قلبي، ولا يخشَع، فما هو الدواء؟ ثم إنَّه قد يشُكّ بعض الناس في هذا الخبر، وهو خبَرُ الله عز وجل صادِق، فيقول: أنا أصلي ولكن ما أشُوف أنَّها تنهاني عن الفحشاء والمنكر، أصلي مع الجمَاعة في الروضة، ثم أخرُج إلى دكاني وأبيع بالربا، أبيع بالغِشّ أبيع بالكذب، أُصَلِّي مع الإمام في الروضة، ثم أجِدُ في نفسي غلًّا وحقدًا على المسلمين وكراهَةً لِبعض شرع الله وما أشبَه ذلك، وين اللي ينهَى عن الفحشاء والمنكر؟ نقول: البلاء ما هو في الصلاة البلاء في المصَلِّي وإلَّا فأنا كلُّ مؤمن مو هو بأنا كل مؤمن يعلَم علم اليقين أنَّ الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكَر؛ لأنَّ هذا خبرُ الله عز وجل وهو صِدْق، ولا يمكن؛ لأنَّه عالم جل وعلا بكل شيء فهو سبحانه وتعالى قال ذلك عن علْم، وكلامه أصدق الكلام. وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، قال المؤلف: (﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مِن غيره من الطاعات) أولًّا: اللام في قولِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ ما نوعُها؟ اللام لام الابتداء نعم؛ لأنَّ الجملة ما هي قسمِيَّة، وقوله: (﴿ذِكْرُ اللَّهِ﴾ ) ذِكْر مصدَر مُضَاف إلى اسمِ الله، فهل هو مضَافٌ إلى فاعله أو مضاف إلى مفعوله؟ * طالب: إلى مفعولِه. * الشيخ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ يعني: ولذِكْرُك ربَّك أكْبَر، أو ولَذِكْرُ الله إياكَ بالصلاة له أكبَر مِن نهيها عن الفحشاء والمنكر؟ * الطالب: لا، ولذِكْرُك ربَّك. * الشيخ: الأول، والثاني؟ * طالب: يحتمل. * الشيخ: لا، الثاني يصح، والشأن بذكْر الله لك، لا بذِكْرِكِ الله كما أنَّ الشأن بمحبة الله لك لا محبتك الله، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١]، ولَّا (فاتبعوني تُحِبُّون الله)؟ يحبِبْكم الله، هذا الشأن، فالشأن أن تُذْكَر لا أن تَذْكُر، وكما أنَّ هذا بالنسبة للمخلوق مع الخالق هو أيضًا بالنسبة للمخلوقين مع بعضِهم كونُك تحِبُّ فلانًا أو تذْكُر فلانًا، ماذا تستفيد إذا كان فلان معرضًا عنك؟ ما تستفيد إلا العَنَاء والبلاء، ولذلك قَضِيَّة بَرِيرَة مع زوجِها مغيث؛[[أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.]] هو يذكُرُها لكن هي لا تذكُرُه ولا ترِيدُه، وهو يحبُّها حبًّا شديدًا فالشأن إذن بذكر الله لك، ولكن ثِقْ بأنَّك إذا ذكرْتَ الله مِن قَلْب فإنَّ ذكرَ الله لك أعظم مِن ذكرِك له: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» ونفسُ الله تعالى أعظم مِن نفسك بلا شَكّ «وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ» دونهم ولا مثلهم؟ «خَيْرٌ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] فأنت تذْكُر ربك حقيقة فالله تعالى يذْكُرُك ذكرًا أعظَم وأجلّ مِن ذكرِك إيَّاه، إذن ﴿لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ نقول: إنَّه صالح لهذا ولهذا. وقوله: (﴿لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مِن غيره مِن الطاعات)، هل المراد هنا الذكرُ المنفصل عن الصلاة؟ أوِ الذكرُ الذي في الصلاة؟ نشوف كلام المؤلف ويش يرَى؟ * طالب: المنفصِل. * الشيخ: المنفصِل ظاهِرُ كلام المؤلف أنَّه الذكرُ المنفصل؛ يعني أنَّ الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر، وذكْرُ الله أعظم نهيًا عن الفحشاء والمنكَر وأكبَر، ويحتمل أن يكونَ المراد، ولَذكرُ الله الموجود في الصلاة والموجُود بِها، الموجود فيها وبها كذا؟ بينهم فرق يصلح (فيها وبها) ولَّا بينهم فرق؟ لا، بينَهم فرق ذكرُ الله الموجود فيها مثل التسبيح والتكبير والقِرَاءة، وذكرُ الله بها يعني ما يحصُل مِن ذِكْرِ الله بسبَبِها. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ليجازيَكم به، هذه الجملة خبرية لكن لها معنى عظيم، ليس المقصود من هذه الجملة أن نعرف، أو أن نعلم بأن الله يعلم ما نصنع، ولكن المقصود منها: التحذير من أن نصنع ما يخالف شريعتنا وقوعًا في النهي أو تركًا للأمر. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول دال على العموم يشمل؟ * طالب: كل ما نصنع. * الشيخ: كل ما نصنع من قول أو فعل، فيما يتعلق بحقه، وفيما يتعلق بحق عباده. ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال: (ليجازيكم به) هذه النتيجة واضحة، متى تكون المجازاة عليه؟ * طالب:في الدنيا. * الشيخ: في الدينا ويوم القيامة، والمجازاة عليه، أي: على ما نصنع، قد تكون شرعية بفعل العبد، وقد تكون كونية بفعل الله، المجازاة عليه شرعية بفعل العبد، مثل الحدود، فإن الحدود عقوبة شرعية ولّا كونية؟ * طالب: شرعية. * الشيخ: شرعية بفعل العبد، هو المأمور بفعلها، وتكون كونية قدرية بفعل الله كما لو أصيب الإنسان بأمراض، وتلف أموال، وما أشبه ذلك. * طالب: قد يكون ما يقع للإنسان من أمراض (...) عقوبة الله؟ * الشيخ: هو قد يكون عقوبة، وقد يكون ابتلاءً وامتحانًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] فيكون اختبارًا، وقد يكون عقوبة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، فالإنسان قد يبتلى عقوبة على سيئة أو امتحانًا. المصائب التي تأتي الرسول ﷺ هذه من باب؟ من باب الامتحان، حتى يصل الإنسان إلى درجة الكمال؛ لأن الصبر كما تعرفون منزلة عالية عظيمة في الدين و﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠]، لكن الصبر بدون مصبور عليه ما يمكن، لا بد من أشياء تَرد على الإنسان من قضاء الله يصبر عليها. * طالب: يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، هذا داخل في ذلك. * الشيخ: داخل في ذلك. * طالب: ما المراد بالفتنة؟ * الشيخ: الفتنة بالنسبة للخير فتنة الشكر، وبالنسبة للشر فتنة الصبر. * طالب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥] ذكرت أولًا أنه يحتمل الوقوع من الرسول ﷺ في الفحشاء أو المنكر؟ * الشيخ: لا، ما يحتمل. * طالب: ما يحتمل؟ * الشيخ: لا، ما يحتمل (...). قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٤٥]. الأمر في قوله: ﴿اتْلُ﴾ موجَّه لمن؟ * طالب: للرسول ﷺ. * الشيخ: ولا يصلح أن يكون موجَّهًا لكل من يصح خطابه؟ * طالب: هو منزل عليه، ولكن هو للأمة من بعده. * الشيخ: لا، قصدي هل لا يصح أن نجعله موجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه؟ * طالب: لا، لأن هذا لا يتأتى (...) ﴿إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: حتى ﴿إِلَيْكَ﴾ دائمًا تأتي. * طالب: لكل من يتأتى خطابه، يعني من المسلمين ولا من البشر عامة؟ من المسلمين؟ * الشيخ: من المسلمين، هل يصح هذا ولّا ما يصح؟ * طالب: إي، لو كان من المسلمين ما يصح؛ لأن هو يعني.. * الشيخ: مر علينا؟ علمناها. * طالب: لم يصح أن يكون عامًّا. * الشيخ: لماذا؟ * طالب: لأنه قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وغيره لم يوح إليه. * الشيخ: وغيره لم يوح إليه، صح. * طالب: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. * الشيخ: ما يخالفه، له أيضًا، الأمر الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام خاصة، هل يكون له ولغيره؟ * طالب: أحيانًا يكون له، وأحيانًا يكون له ولغيره. * الشيخ: أحسنت، في مثل هذه الآية. * طالب: هذه مشتركة. * الشيخ: له ولغيره، نعم. ما هو الدليل على أن الخطاب الموجَّه له له ولغيره؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: لا، (...) له. * طالب: قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى﴾. * الشيخ: لا، هو الدليل منفصل، ما هو من الآية. * طالب: ليس من الآية؟ * الشيخ: لا. * طالب: ممكن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [التحريم ٢]، كذلك ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]. * الشيخ: لا، أنا قصدي إذا كان الخطاب خاصًّا للرسول ﷺ وواضح أنه خاص له هو ينقسم إلى قسمين؛ قسم ما يتعدى الحكم إلى غيره، وقسم يتعدى الحكم إلى غيره بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]. أما مثل اللي ذكرت، ومثل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالخطاب له، والمراد له وللأمة، بدليل أنه قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ و﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ومثل هذه الآية اللي ذكرت يكون الخطاب فيها مشتركًا بمقتضى دلالة اللفظ، لا بمقتضى التأسي به. فصار الآن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: قسم يدل الدليل بمقتضى اللفظ الخاص على أنه له ولغيره، مثل؟ * طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، ومثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقسم آخر يختص به ولا يتعداه إلى غيره عملًا ما هو بمقتضى اللفظ، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ١ - ٤] هذا كله خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام لا يتعداه إلى غيره. والثالث: ما يكون خاصًّا به بمقتضى الخطاب لكن يتناول غيره بمقتضى التأسي بدليل منفصل، مثل: هذه الآية؛ فإن الرسول أُمر به لكن حقيقة نحن أيضًا يجب علينا أن نتلو ما أوحاه الله إلى نبيه وأن نقيم الصلاة. قوله: ﴿اتْلُ﴾ هذه فعل أمر مبنيٌّ على الضم، وما عهدنا أن فعل الأمر يُبْنَى على الضم، فكيف تجيب عنها؟ * طالب: مبني على حذف الواو. * الشيخ: على حذف الواو، صح، أصلها: (تلا يتلو) بالواو؛ ففعل الأمر يقولون: مقتطع من الفعل المضارع، فعل الأمر يقولون: هو فعل مضارع مجذوم، لكن احذف منه حرف المضارعة، وهذه قاعدة مفيدة لكم، أن فعل الأمر فعل مضارع مجذوم حذف منه حرف المضارعة. فمثلًا: إذا قال لك قائل: صغ الأمر من (خاف)، أيش تقول؟ * طالب: (خِف). * الشيخ: (خِف) خطأ. * طالب: (خَف). * الشيخ: (خَف) أيش الدليل؟ هات فعل مضارعٍ مجذوم واحذف منه ياء المضارعة، تقول: (لم يَخِف) ولا (لم يَخَف)؟ * طالب: (لم يَخَف). * الشيخ: (لم يخَف)، احذف الياء؟ * طالب: (خَف). * الشيخ: (خَف)، صُغْ فعل أمر من (نام). * طالب: (نَم). * الشيخ: (نَم) ولّا (نِم)؟ * طالب: (نَم). * الشيخ: (نَم)، الدليل: أن فعل المضارع المجزوم تقول فيه: (لم ينَم)، ما تقول: (لم ينِم)، احذف ياء المضارعة فيكون (نَم) فهمتم؟ هذه قاعدة تفيد الإنسان في مثل هذه الأشياء التي تخفى؛ لأنَّ كثيرًا من الطلبة إذا قلت له: صُغْ الأمر من (خاف) يقول؟ * طالب: (خِف). * الشيخ: (خِف)، وواحد يقول: (خُف). * طالب: يشدد الفاء؟ * الشيخ: لا، ما يشدد، لكن يضم الخاء، خُف. * طالب: (نِم)، نون كسر. * الشيخ: (نِم)؟! * طالب: لماذا يا شيخ؟ * الشيخ: لا، (نِمّ)، بتشديد الميم، من النميمة، مشددة الميم، (نَمَّ يَنِمُّ نِمّ). قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ هذه التلاوة لفظية ولَّا لفظية ومعنوية؟ * طالب: كلها. * الشيخ: كلها، تلاوة لفظية مثل أيش؟ * طالب: مثل: قراءة القرآن. * الشيخ: قراءة القرآن، والمعنوية؟ * طالب: التطبيق. * الشيخ: إي نعم، التطبيق يعني: الاتباع. قوله تعالى: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ هذا العطف، من عطف؟ * طالب: الخاص على العام. * الشيخ: الخاص على العام؛ لأن من جملة ما أوحي إليه إقامة الصلاة. قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ المراد بالنهي هنا؟ حقيقته؟ * طالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ إي نعم. * الشيخ: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ هي أو المراد بالنهي حقيقته؟ * طالب: لا، ليس على حقيقته. * الشيخ: ولّا المنع، تمنع عن الفحشاء. * طالب: وإنما هي تمنع عن الفحشاء. * الشيخ: المراد المنع؟ * طالب: لأنه يعني قد.. * الشيخ: لا، ما سألنا عن التعريف، أولًا خلينا نشوف الحُكْم، هل المراد بالنهي هنا المنع ولّا حقيقة النهي؟ * طالب: حقيقة النهي. * الشيخ: يعني الواحد إذا صلى يسمع الصلاة تقول له: لا تزنِ، لا تسرق. * طالب: بل المنع. * الشيخ: المراد المنع؟ * طالب: إي نعم، أن الصلاة تمنع عن الفحشاء والمنكر. * الشيخ: حالَ تَلَبُّسِه بها، أو حتى بعد فراغه منها؟ * طالب: حتى بعد الفراغ منها. * الشيخ: حتى بعد الفراغ. ما الحكمة في التعبير بالنهي دون المنع؟ * طالب: حتى تشمل حتى ولو كان الإنسان خارج الصلاة، ما بعد الصلاة، تشمل ذلك. * الشيخ: ذكرنا معنى غير هذا، هل منكم يستحضر؟ * طالب: النهي أشدُّ. * الشيخ: النهي أشد من المنع. * طالب: إي نعم، النهي أشد من المنع. * الشيخ: لأنها توجد في القلب كراهة لهذا الشيء ونفورًا منه، ومجرد المنع لا يقتضى ذلك، عرفتم ولّا لا؟ يعني: قد أمنع إنسانًا عن معصية، لكنه يبقى قلبه معلقًا بها غير كاره لها، لكن في النهي يوجب النفور، فالصلاة تُوجب المنع من المعاصي أو الفحشاء والمنكر، وتُوجب أيضًا كراهتَها والنفورَ منها، كأن داعيًا في قلبك ينهاك عن هذا الشيء. سؤال: هل هذه الآية مطابقة للواقع ولّا لا؟ * طالب: مطابقة. * الشيخ: مطابقة للواقع؟ * طالب: في الغالب؛ لأنه.. * الشيخ: غالبًا. * طالب: لأن الصلاة تقتضي (...) الصلاة (...). * الشيخ: إي، لكن الآن كلمة غالبًا تقتضي واحد وخمسين في المئة، ثم يَرِد علينا إشكال؛ أن الآية عامة ما هي أغلبية، والسؤال الآن هل هو مطابق للواقع ولّا لا؟ * طالب: تقصد بالنسبة (...). * الشيخ: أنا أقصد مطابقة الواقع؛ يعني واقع الناس الآن، هل صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر؟ * طالب: جزء من الصلاة، يخشعوا (...). * الشيخ: إي؟ * طالب: الإنسان اللي يصلي الصلاة يعني بأركانها.. * الشيخ: معروف هذا، نحن نؤمن بذلك: بأنه إذا صلى الإنسان صلاة تامة على الوجه المطلوب أنها تنهاه، يجب علينا أن نؤمن بذلك لأنه خبر الله. السؤال الآن: هل هو مطابق للواقع ولّا لا؟ * طالب: لا، ما هو مطابق. * الشيخ: ليس مطابقًا في أكثر الناس، إذن صلاتنا فيها خلل ولّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: صلاتنا فيها خلل، إذا كان قلبك لا يتغير عند خروجك من الصلاة، فاعلم أن الصلاة ناقصة؛ لأن هذا خَبَرُ من يعلم السرَّ وأخفى وهو الله عز وجل، وصدق، أصدق القول، واضح؟ ولهذا جاء عن بعض السلف: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُه عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٧٠٥) ومن طريقه الطبراني في معجمه الكبير (٨٥٤٣) عن ابن مسعود من قوله، ورواه أيضًا في معجمه الكبير (١١٠٢٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.]] والعياذ بالله. ما الحكمة من أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ * طالب: لأنها صلة بالله، والإنسان إذا اتصل بالله عظَّم نهيه وعظَّم أمره. * الشيخ: أحسنت، يَعْظُم شأنُ الله في نفسه عندما يكون متصلًا بالله عز وجل، ثم هو أيضًا عندما يريد أن يفعل الفحشاء والمنكر، يتذكر الساعة التي كان فيها متصلًا بالله عز وجل، فينهاه، وأنا قلت لكم حين التفسير: إن بعض الناس قد يصلي مرة من المرات صلاة حسب الحال تامة، فيجد طعم هذه الصلاة في قلبه إلى ما شاء الله، إلى مدة طويلة، وهو يتذكر لذاذة هذه المناجاة، وحسنها، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. أولًا: إعراب هذه الجملة؟ لست من أهل الإعراب؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: إعرابها. * طالب: ها. * الشيخ: اللام وكلها. * طالب: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ مرفوع. * الشيخ: اللام قبل. * طالب: لام (ذكر)؟ * الشيخ: نعم. * طالب: (ذكر): مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، و(ذكر) مضاف، واسم (الله): مضاف إليه مجرور، (أكبر): خبر المبتدأ. * الشيخ: خبر المبتدأ، أحسنت. الإضافة هنا من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله؟ * طالب: إلى مفعوله. * الشيخ: إلى مفعوله. * طالب: لا، إضافة إلى فاعله. * الشيخ: إلى فاعله؟! اجزم. * طالب: إلى فاعله. * الشيخ: ما الفرق بين التقديرين؟ * طالب: الفرق: أن هذا اسم الله على القرآن، وذكر الله.. * الشيخ: هذا على أي التقديرين؟ * طالب: على أن المضاف إلى فاعله. * الشيخ: نعم. * طالب: أما إذا كان مفعوله فهو ذكر الله للناس، أي: ما يذكرون به الله على التقدير الثاني. * الشيخ: زين، يعني: أنت تقول: يصلح لهذا ولهذا؟ * طالب: لا، هو على تقدير.. * الشيخ: إضافته إلى الفاعل. * طالب: إلى فاعله. * الشيخ: ما تقولون أنتم؟ ما تقولون في الأمرين في الإضافة إلى الفاعل والمفعول، وفي التقدير اللي قاله؟ * طالب: هو هنا قال: هي إضافة إلى المفعول. * الشيخ: إضافة للمفعول؟ * طالب: لأنه ذكر الصلاة.. * الشيخ: ويش المعنى على تقدير إضافته للمفعول؟ * طالب: المانع. * الشيخ: ويش المعنى على هذا التقدير؟ * طالب: المعنى: أن من يذكر الله عز وجل، هذا يكون من أعظم الأشياء، أو ينهاه عن كثير من الأشياء.. * الشيخ: يعني ذكرَك اللهَ أكبر وأعظم من النهي عن الفحشاء والمنكر. * طالب: نعم. * الشيخ: كذا؟ * طالب: النهي عن الفحشاء والمنكر؟! * الشيخ: إي؛ لأنه قال: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾. * طالب: (...) القرآن، (...) يعني. * الشيخ: مضاف إلى المفعول، والمعنى إذن: ولذكرك الله أكبرُ من النهي عن الفحشاء والمنكر، يعني ما في الصلاة من ذكر الله أعظم من الفحشاء والمنكر، أو على سبيل العموم كما اختاره المؤلف. على تقدير أنها مضاف للفاعل، ويش المعنى؟ * طالب: (...) فقط مضاف إلى المفعول. * الشيخ: المفعول فقط؟ * طالب: إي. * الشيخ: نعم. * طالب: ذكر الله جل وعلا للإنسان في الملأ الأعلى. * الشيخ: إي، أعظم.. * طالب: أعظم من فعله حتى إذا (...). * الشيخ: إي، أعظم من فعله. لأن الشأن أن يذكرك الله لا أن تذكر الله، كما في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] ما قال: فاتبعوني تحبوا الله، قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾؛ إذ إن الشأن في محبة الله للإنسان؛ فعلى هذا يكون المعنى ولذكر الله لكم حين تصلون؛ لأن المصلي ذاكر لله بلا شك أو لا؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، والمراد بالذكر هنا: الخطبة والصلاة. فعلى هذا يكون المعنى ولذكر الله إياكم في الصلاة أعظم مما يحصل لكم أنتم بالصلاة من النهي عن الفحشاء والمنكر، ألا يمكن أن نقول: إنها صالحة لهذا وهذا؟ فلتكن لهذا ولهذا؟ ما بينهم تضاد، نحن قلنا في القاعدة في التفسير: إذا كانت الآية محتملة لمعنيين لا يناقض أحدهما الآخر حُمِلَت على المعنيين، فإن كان أحدهما يناقض الآخر، ماذا نصنع؟ يؤخذ بالراجح؛ لأنه ما يمكن تحتمل الآية معنيين متناقضين، ولكن يؤخذ بالراجح. * طالب: من باب الجزاء. * الشيخ: إي، هو من باب الجزاء، كما ثبت في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢١) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: كل واو مستأنفة؟ * الشيخ: إي نعم، هي قد تكون مستأنفة على الاحتمالين. قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ﴿أَكْبَرُ﴾، أين المفضل عليه؟ * طالب: النهي عن الفحشاء. * الشيخ: إي نعم، النهي عن الفحشاء والمنكر، وإن شئنا قلنا: حُذِفَ المفضَّلُ عليه للعموم. * طالب: شيخ، قد يقول قائل: يعني: المتكلم يقصد معنى واحدًا. * الشيخ: نعم، هو المتكلم يقصد معنى واحدًا، ولكن ما دام كلامه محتملًا للوجهين بدون تناقض، ما الذي يعلمنا أنه لم يرد إلا واحدًا؟ فهذا كلام الله عز وجل، وكلام الله سبحانه وتعالى واسع المعنى، فما دام اللفظ صالحًا للوجهين بدون تناقض بينهما فهو ما يمكن أن نقول: إنه لم يُرِد إلا هذا. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ هذه الآية جملة خبرية، الجملة الخبرية تفيد علم الله بما نصنع، فما الغرض منها؟ هل الغرض منها الترغيب أو الترهيب؟ * طالب: الترهيب. * الشيخ: الترغيب؟ * طالب: الترهيب. * الشيخ: الترهيب؟ يعني يعلم ما نصنع ويجازينا عليه؟ ما الذي أدراك أنه للترهيب فقط. * طالب: (...). * الشيخ: أنت تقول: للترهيب، ما الذي أدراك؟ * طالب: (...) الآية. * الشيخ: ويش الآية. * طالب: (...). * طالب آخر: للترغيب والترهيب. * الشيخ: للترغيب والترهيب، هذا رأيان، أيهما أصح؟ * طالب: الصحيح أنها للترهيب. * الشيخ: للترهيب؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لأنها دالة على المراقبة، فإذا عرف أن الله يراقبه.. * الشيخ: خاف منه. * طالب: صار عنده شيء من الخوف. * الشيخ: وإذا عرف أن الله يعلم ما يصنع، ولا يضيع عليه، ما يرغب في الطاعة؟ * طالب: هذا ضعيف في هذه الآية. * طالب آخر: للترغيب والترهيب، يعني ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. * الشيخ: هي للترغيب وللترهيب، وهي للترغيب هنا قد تكون أقرب؛ لأن ما قبلها أمر وليس بنهي، لو كان نهيًا لكانت للترهيب أقرب؛ لا تزن، فإن الله يعلم ما تصنع، هذا ترهيب، اعمل صالحًا؛ فإن الله يعلم ما تصنع، ويش الواضح؟ الترغيب، لكن مع ذلك نقول: هي لهما جميعًا؛ لأنها تشمل ترغيب فعل الأمر، والترهيب من مخالفته وعصيانه. الحقيقة أننا طولنا في هذه المناقشة كأنها درس كامل، لكن ما في بأس، لأننا نود أن الإنسان ينفتح له ما ينفتح من معرفة القرآن وأسراره بقدر المستطاع. * طالب: الدليل على أن الخطاب يعم الرسول وغيره. * الشيخ: أيهم؟ * طالب: أسألك عن الدليل، أن الخطاب يعم الرسول وسائر الأمة؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: ما الدليل؟ * الشيخ: أن الخطاب الموجه للرسول له وللأمة، الدليل: من يعرف؟ * طالب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران ٣١]. * الشيخ: إي. * طالب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]. * الشيخ: لا، هذا -الحقيقة- دليل على وجوب التأسي به، لكن الدليل على أن الخطاب الموجه له ما لم يدل دليل على أنه له وللأمة قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٠] يدلنا على أنه لولا قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ لكان الحكم له ولغيره، فدل هذا على أن الحكم عند الإطلاق الموجه للرسول ﷺ له وللأمة. ويدلك على هذا أيضًا آية أخرى وهي قوله تعالى: لما ذَكَر أن الله أحل له امرأة زيد بن حارثة ويش قال؟ قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]. ﴿وَإِذْ﴾ اقرأ الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، الحكم الآن لمن؟ * الطلبة: للرسول ﷺ. * الشيخ: للرسول ﷺ، ومع ذلك علل بعلة عامة فقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ما قال: عليك، ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، فهذا دليل على أن الخطاب الموجه له يكون له وللأمة، واضح؟ * طالب: شيخ، ونستفيد أيضًا في الآية الأولى دلالة على المقصود أيضًا؟ * الشيخ: أيُّها؟ * طالب: لأنه صَدَّر بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب ٥٠]؟ * الشيخ: أقول فيها دليل، وهذا أيضًا تؤيده. * طالب: نقول مثلًا: جعل الخطاب المفرد للرسول، ثم قال حُكْمَ المرأة ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب ٥٠].. * الشيخ: دليل على أن الخطاب الموجه له، له وللأمة. أنا يهمني من طالب العلم ليس أن يحفظ المسائل؛ حفظ المسائل بسيط، أعتقد أن المسجل أقوى منا حفظًا للمسائل، ولّا لا؟ (...) ما فيش شيء، لو تُعْطِي المسجل ألف مسألة وتجيئه عقب عشرين سنة، يعطيك إياه ولّا لا؟ يعطيك إياه، لكن المهم من طالب العلم أن يفهم، ففي الفهم فهم الدلالة، الدلالة من القرآن ومن السنة أيضًا، هذه يفتح الله بها على الإنسان عِلمًا كثيرًا، يمكن ما يدركه أحد؛« ولهذا قال علي بن أبي طالب لما سئل: هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: لا، إلا ما في هذه الصحيفة، أو فَهْمًا يُؤْتِيه الله تعالى أحدًا في القرآن»[[أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي بن أبي طالب.]]. شوف أو فهمًا، ولا شك أن عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الفَهْمِ في القرآن شيئًا كثيرًا. فالمهم أنا أحب من طالب العلم أن يكون حريصًا على الفهم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»[[أخرجه البخاري (١٧٤١) من حديث أبي بكرة.]]، فالحفظ بمنزلة الصَّيْدَلة، الصيدلي عنده الأدوية كلها، لكن الفهم والتفريع والاستنباط هذا بمنزلة الطبيب، يستطيع يوجه الأدوية وينتفع بها، الصيدلي يحفظها لك، لكن الطبيب هو الذي ينتفع وينفع، فأنا أهم شيء عندي من طالب العلم في تفسير القرآن، وكذلك في السنة، هو الفهم والاستنباط والتفريع، وأظن مر علينا أن دلالة اللفظ على معناه تكون على ثلاثة أوجه، أو لا؟ مطابقة وتضمن والتزام. المطابقة والتضمن أمرهما بسيط، أدنى طالب علم يمكن يعرفهم. لكن التزام هذا هو المهم، وهو الذي يتفرع عليه مسائل ما يحصيها إلا الله. دلالة الالتزام إذا وُفِّقَ الإنسان لها ينال خيرًا كثيرًا في هذه المسألة. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]