Tafsir Ibn Uthaymeen — الروم 30:23 – الروم 30:29
الروم 30:23
قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠]. أولًا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾، العاقبة مصدر بمعنى العقبى، وفيه قراءتان سبعيتان؛ النصب: ﴿عَاقِبَةَ﴾، والثانية الرفع: ﴿عَاقِبَةُ﴾ .
أما على قراءة الرفع فإنها اسم (كان)، أما على قراءة النصب فإنها خبر (كان) مقدمًا، يبقى النظر أين اسم (كان) على قراءة النصب؟ أو خبرها على قراءة الرفع؟ سيذكرها المؤلف.
قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ أي: عملوا العمل السيئ من الكفار المكذبين للرسل، كما قص الله عز وجل، وأساؤوا ضدها أحسنوا، الذين أحسنوا قال الله فيهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. والذين أساؤوا كان عاقتبهم ما ذكره الله هنا.
وقوله: (﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ: الأقبح).
﴿السُّوأَى﴾ إذن هي اسم تفضيل، مثل ما نقول: الفُضْلَى اسم تفضيل، والعُظْمَى اسم تفضيل أيضًا. ما مذكر الفُضلى؟ الأفضل. ومذكر العُظمى: الأعظم، ومذكر الأُولى: الأول، ومذكر السوأى: الأسوأ.
إذن فـ ﴿السُّوأَى﴾ هنا اسم تفضيل مؤنث؛ مؤنث الأسوأ.
يقول المؤلف: معنى (الأسوأ: الأقبح)، يعني كان عملهم السيئ كانت نتيجته أسوأ، وهذا أسوأ بالنسبة لما هم عليه من النعيم في الدنيا، فلاقوا بعد ذلك الجحيم.
ولا تظن أن هذه الآية تدل على أن السيئة تُجزَى بأسوأ منها؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠] ، لكن الأسوأ باعتبار حالهم لا باعتبار الجزاء على سُوئِهم، فهم كانوا في الدنيا منعمين، وكانت الدنيا بالنسبة للكافر جنة، فلما ماتوا على الكفر انتقلوا إلى أسوأ وأسوأ بكثير، ولا يُنسَب إلى حالهم في الدنيا.
قال المؤلف في الإعراب: (خبر كان على رفع عاقبة، واسم كان على نصب عاقبة). أفادنا المؤلف أن في ﴿عَاقِبَةَ﴾ قراءتين: النصب، والرفع.
على قراءة الرفع نعربها على أنها؟
* طالب: خبر (كان).
* الشيخ: لا، اسم (كان)، على أنها اسم (كان)، و﴿السُّوأَى﴾ خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
وعلى قراءة النصب نعرب ﴿عَاقِبَةَ﴾ خبر (كان) مقدمًا، و﴿السُّوأَى﴾ اسمها مؤخر، هذا أحد الأوجه في الإعراب.
وقيل: إن ﴿السُّوأَى﴾ أنه مفعول مطلق، يعني: أساؤوا السيئة السُّوأى، فيكون مفعولًا مطلقًا. ويكون الخبر أو الاسم: المصدر المؤول من قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾، أي: صار عاقبتهم حين أساؤوا أن كذبوا؛ لأن الأعمال السيئة -والعياذ بالله- تجر إلى السيئة، كما أن الحسنات يَجْرُرْن إلى الحسنات.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف أَوْلَى؛ أن نجعل ﴿السُّوأَى﴾ إما خبر كان على قراءة الرفع، وإما اسمها على قراءة النصب.
يقول: (والمراد بها جهنم، وإساءتهم ﴿أَنْ﴾ أي بأن ﴿كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن، ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ).
بيَّن لنا المؤلف أن العاقبة أنهم عُذِّبوا بالنار، وأن المصدر في قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ علة لكون عاقبتهم السوأى، أي: لأنهم كذبوا بآياتنا، لكنه أتى بالباء، والباء للسببية واللام للتعليل والمعنى واحد، أي: كانت عاقبتهم ﴿السُّوأَى﴾ لأنهم كذبوا بآيات الله.
هذا بالنسبة لأخبار الآيات كذبوا بها، وقالوا: ليست بصحيحة. وبالنسبة للعمل: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فجمعوا بين الاستهزاء بالأحكام والتكذيب بالأخبار.
وهذا الذي ذهب إليه في إعراب ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أحد الأوجه أيضًا؛ لأن فيه وجهًا آخر يقول: إن قوله ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بدل من ﴿السُّوأَى﴾، أو بيان لها، ويكون المعنى: أساؤوا السوأى وهو تكذيبهم، فيكون عاقبتهم إذن التكذيب والاستهزاء.
وعلى كل حال فإنه سواء قلنا: إنها بدل أو عطف بيان من ﴿السُّوأَى﴾، أو قلنا: إنها للتعليل في ثبوت السوأى لهم، فإنه يدل على أن هؤلاء كانوا مكذبين مستهزئين، مكذبين بالخبر مستهزئين بالحكم، يتخذون آيات الله هزوًا في الأحكام، وكذبًا بالأخبار، فتجدهم مثلًا في صلاتهم عند البيت يصلون مُكاء وتصدية، ويسخرون من الذين آمنوا، وما إلى ذلك يتخذونها هزوًا.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن) فيه نظر ظاهر؛ لأن الآية عامة، فتشمل مَن كذب بآيات الله بالقرآن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن كذب بالتوراة في زمن موسى وبالإنجيل في زمن عيسى، فالصواب في الآية العموم.
بل لو قيل: إنه لا يدخل فيها مَن كذب القرآن لكان له وجه، يعني لو قيل: إن الأمر عكس ما قال المؤلف؛ لأن الله قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾. السياق في قوم سبقوا لا في قوم حاضرين.
فكون المؤلف رحمه الله يجعل الآيات هنا بمعنى القرآن بعيد جدًّا، فإما أن نجلعها للعموم، وإما أن نجلعها للأمم السابقين، أما أن نخصها بالقرآن فهذا فيه نظر ظاهر.
وقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأنها محل التكذيب، وقد يكون التكذيب أيضًا بالآيات الكونية.
وقوله: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الاستهزاء قوليٌّ ولَّا فعليٌّ؟
* طالب: لا، قوليٌّ.
* الشيخ: يشمل الاستهزاء القولي والاستهزاء الفعلي، الاستهزاء القولي أن يسخر بها، مثل ما ورد في المنافقين قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنا هؤلاء، أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا[[أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٩١٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]..
يصلي ساخرًا بالصلاة، أو يحج ساخرًا، أو يفعل شيئًا من العبادات على وجه السخرية والاستهزاء والتحقير: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].
قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ﴾ أي: يُنشِئ خلق الناس، ﴿﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ﴾ أي: خلْقَهم بعد موتهم، ﴿﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ بالياء والتاء) [الروم: ١١].
هذا لتأكيد الإيمان باليوم الآخر ذكر الله سبحانه وتعالى بل ذكَّر عباده بأمر يعترفون به، وهو أنه بدأ الخلق، ولا أحد ينكر ذلك، لا أحد يدَّعي أنه خلق نفسه، كل إنسان يعرف أنه مخلوق من عدم، ومن المعلوم أنه لو ادَّعى أنه خُلق من غير خالق فإن كل أحد يكذبه، وإذا أقرَّ بأنه لا بد من خالق فنقول له: مَن؟ عيِّنْه لنا؟ وحينئذ لا يستطيع أن يعين، ونقول: إن الذي خلقك هو الله.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: ينشئه أول مرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، وتطوير الخلق وجعْلُه أطوارًا أمر معلوم؛ لأن هذا هو مقتضى الحكمة، مقتضى حكمة الله عز وجل أن الأشياء تتطور شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى حد الكمال.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (ثم) للترتيب بمهلة ولَّا للترتيب بتعقيب؟ للترتيب بمهلة؛ لأن الإعادة ما تكون إلا عند قيام الساعة، قيام الساعة تتأخر كثيرًا عن ابتداء الخلق.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يُرجعه مرة ثانية، وليس يبتدئ خلقًا جديدًا، وإنما يعيد المخلوق الأول -خذوا بالكم- فليس إنشاء خلق جديد بل إعادة ما سبق، وفرْقٌ بين الأمرين؛ لأننا إذا قلنا: إنه ابتداء خلق جديد، فمعنى ذلك أن يُعذَّب مَن لم يعمل، وأن يُنعَّم مَن لم يعمل، وأيضًا هذا النوع كونه يُبتدَأ خلقًا جديدًا ما يُقِرُّه المكذبون بالبعث؛ لأنهم مقرون بالابتداء، إنما هم منكرون أيش؟
* طلبة: الإعادة.
* الشيخ: الإعادة، ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، وعلى هذا فالبعث إعادة وجمع ما تفرَّق وليس ابتداء خلق جديد.
فإذا قيل: هذا المتفرق صار رميمًا ثم ترابًا وتلاشى، أو أن الإنسان أكلته السباع أو الحيتان أو ما أشبه ذلك، نقول: مهما كان فالله تعالى قادر على أن يجمعه ثم يعيده؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ثم إليه لا إلى غيره.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ و﴿تُرْجَعُونَ﴾، فعلى قراءة التاء تكون الجملة للخطاب، وعلى قراءة الياء تكون الجملة للغيبة، فعلى قراءة الياء تكون للغيبة، ويُشكِل على هذا أنه قال: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ مع أن الخلق ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ مفرد، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ومقتضى السياق أن يقول: ثم إليه يُرجَع، لكن قال: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾.
نقول: إن الجواب على ذلك أن الخلق مصدر بمعنى اسم المفعول، فمعنى ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ يعني: يبدأ المخلوقين، لكن لما كان مصدرًا فإن المصدر لا يُثنَّى ولا يُجمع، قال ابن مالك في الألفية:
وَنَعَتُوا بِمَــــــصْدَرٍكَــــــــــــــــــثِيرَا ∗∗∗ فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَوَالتَّذْكِـــــيرَا
وعلى هذا فنقول: إن الخلق بمعنى المخلوقين، يعني: ثم إلى الله يُرجع هؤلاء المخلوقون بعد الإعادة، وهذا الردُّ إلى الله والإرجاع من أجل الجزاء والحساب، ثم المآل إلى دار النعيم أو إلى دار الجحيم، ﴿﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴾.
(﴿﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾: يسكت المشركون لانقطاع حجتهم).
قوله: ﴿وَيَوْمَ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بقوله: ﴿يُبْلِسُ﴾، وهي مضافة إلى الجملة بعدها، وين الجملة بعدها؟
* طالب: ﴿تَقُومُ﴾.
* الشيخ: ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، فالجملة إذن في محل جر بالإضافة.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي تأتي، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف ١٨٧].
والساعة المراد بها ساعة البعث، فـ(أل) فيها للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، يعني الساعة المعهودة العظيمة التي فيها قيام الخلق من قبورهم إلى الله عز وجل.
﴿يُبْلِسُ﴾ يقول: (يسكت) ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾. فالإبلاس بمعنى السكوت، وقيل: الإبلاس بمعنى اليأس؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]، أي: لآيسين، ومنه إبليس؛ لأنه أَيِسَ من رحمة الله.
وعلى هذا فيكون ﴿يُبْلِسُ﴾ بمعنى ييأس، ولا يبعد أن تكون الآية جامعة للمعنيين، أي: ييأسون فيسكتون؛ لأنه إذا أيس الإنسان سكت ولم يتكلم بشيء؛ إذ إن الكلام لا ينفعه، وعلى هذا فنقول: إن معنى ﴿يُبْلِسُ﴾؟
* طالب: ييأس.
* الشيخ: ييأس مع السكوت.
وقوله: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ اسم فاعل من (أجرم)، أي فَعَلَ الْجُرْمَ، وهو الذنب العظيم؛ ولهذا فسَّره المؤلف بقوله: (المشركون)، ويستدل على أن المراد به المشركون بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ [الروم ١٣]، فهم يوم القيامة ييأسون ويسكتون ولا يجدون لهم حجة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾.
﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ قال المؤلف: (أي: لا يكون) انتبه، لماذا فسَّر ﴿لَمْ﴾ بـ (لا)؟ ليش؟ لأن (لم) للماضي، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾، فتقتضي أن هذا الأمر قد وقع، وهو واقع أولم يأتِ؟
* طالب: لم يأت.
* الشيخ: لم يأت؛ لأنه يوم القيامة، فعلى هذا يكون الماضي بمعنى المستقبل: يبلس ولم يكن لهم حينئذ، وعندي أنه لا حاجة إلى هذا التأويل، أي: لا حاجة إلى أن نجعل (لم) بمعنى (لا)؛ لأن قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ مقيدة بكلمة ﴿يُبْلِسُ﴾، يعني: ولم يكن لهم في حال الإبلاس، وحال الإبلاس يكون يوم القيامة، لكن رأي المؤلف أخْذ الآية على أنها مطلقة بدون أن تُقيَّد بقوله: ﴿يُبْلِسُ﴾، وعلى هذا لا بد أن نقول: إن (لم) بمعنى (لا).
قال: (﴿﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ ﴾ أي: ممن أشركوهم بالله -وهم الأصنام- ليشفعوا لهم ﴿﴿شُفَعَاءُ﴾ ﴾) إلى آخره.
﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ﴿شُفَعَاءُ﴾ أيش إعرابه؟
* طالب: فاعل.
* الشيخ: لا.
* طالب: اسم ﴿يَكُنْ﴾.
* الشيخ: اسم ﴿يَكُنْ﴾. ﴿مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ خبرها مقدمًا.
وقوله: ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ جمع (شريك)، وهو بمعنى اسم المفعول، كقتيل بمعنى مقتول، أي: مشروك به، والمعنى: مَن جعلوهم شركاء له شركاء مع الله، كما قال المؤلف: (أي: من أشركوهم بالله)، فصار هنا الإضافة من باب إضافة الشيء إلى مفعوله أو إلى فاعله؟ من باب إضافة الشيء إلى مفعوله، أي: الذين جعلوهم شركاء لهم.
وقوله: ﴿شُفَعَاءُ﴾ جمع (شفيع) بمعنى شافع، والشافع هو مَن يتوسط لك إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة، الشافع مَن يشفع لك إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، وسمي شافعًا لأنك به كنت شفعًا، كنت قبله منفردًا ومعه شفعًا؛ ولهذا سمي الشفيع شافعًا لهذا الوجه.
قلنا: إن الشفيع هو من يشفع لك ويتوسط إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثالها في جلب المنفعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي مثل أيش؟
* الطالب: إنسان فقير يتوسط له عند الملك يعطيه من الصدقات.
* الشيخ: صح هذا جلب المنفعة.
ودفع المضرة؟ مثال دفع المضرة؟ يتوسط له بدفع مضرة.
* طالب: يطلعه من السجن، يتوسط له.
* الشيخ: يطلعه من السجن؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: صحيح هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ومثالها أيضًا في الشرع: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل النار ألَّا يدخلوها، ها؟
* طالب: دفع مضرة.
* الشيخ: دفع مضرة.
وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها.
* طالب: جلب منفعة.
* الشيخ: هذا جلب منفعة.
هؤلاء ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾
(﴿﴿وَكَانُوا﴾ ﴾ أي: يكونون) -مثل ما قال في ﴿لَمْ يَكُنْ﴾: (أي: لا يكون)- (أي: يكونون ﴿﴿بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ﴾ أي: متبرئين منهم). نعم، في يوم القيامة هؤلاء الشركاء الذين كانوا يرجون منفعتهم، في يوم القيامة؟
* طالب: يكفرون.
* الشيخ: يكفرون بهم ويتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]..﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]، فهم يوم القيامة يكفرون بهم، لا هؤلاء ولا هؤلاء، المعبودون يكفرون والعابدون أيضًا يكفرون، كل منهم يكفر ببعض والعياذ بالله، بينما كانوا في الدنيا يرجون شفاعتهم وخيرهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، لكنه في يوم القيامة -والعياذ بالله- يتبرأ بعضهم من بعض: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم ١٣، ١٤].
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبق: أن المراد بالساعة ساعة البعث المعهودة المعلومة.
وقوله: (﴿﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴾ تأكيد، ﴿﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴾ أي: المؤمنون والكافرون).
قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ هي متعلَّق ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، يعني أن ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثانية؟
* طالب: تأكيد.
* الشيخ: تأكيد للأولى، والدليل على أنها تأكيد أنها لو حُذِفت وقيل: (ويوم تقوم الساعة يتفرقون) استقام الكلام ولَّا لا؟
* طالب: يستقيم.
* الشيخ: استقام ولكنه يفوت التوكيد الذي أراده الله عز وجل، يعني: في ذلك اليوم في ذلك اليوم، للتأكيد.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ التنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في كل مواردها يقولون: إنه عِوَض؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة، أي: يوم إذ تقوم الساعة، وكذلك يقال في حينئذ، ويقال أيضًا في وقتئذ: أن التنوين هنا عوض عن جملة، أي: يوم إذ، وحين إذ يكون كذا وكذا، ووقت إذ يكون كذا وكذا.
وقوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضمير يعود على الخلق فيشمل المؤمن والكافر، حتى لو كانوا أقارب؟ لو كان الأب مسلمًا وابنه كافرًا أو بالعكس تفرقوا؛ لأنها دار الجزاء وكلٌّ يُجزَى بعمله.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ كيف التفرق؟ قال: (﴿﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴾: جنة ﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾: يُسَرُّون) [الروم: ١٥].
(أمَّا) يقولون: إنها حرف شرط وتفصيل؛ ولذلك يؤتَى فيها دائمًا في مواضع التفصيل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل ٥] ثم قال ضده؟
* طالب: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨].
* الشيخ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. وهي أيضًا حرف شرط، ولذلك تحتاج إلى جواب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٥ - ٧]، وهنا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ [الروم ١٥]، فتكون إذن حرف شرط وتفصيل، وهي أيضًا متضمِّنة لمعنى التوكيد، فإنها تؤكِّد، فإن قولك: أمَّا مَن فعل كذا فله كذا، أقوى من قولك: فمَنْ فعل كذا فله كذا. فتفيد على هذا الشرطية والتفصيل والتوكيد، وهو تقوية للكلام.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾.
قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني جمعوا بين الإيمان والعمل، واعلم أن الإيمان إذا أُطلِق شمل العمل كما أن عمل الصالحات إذا أُطلِق يشمل الإيمان، يعني إذا أُفرِد قصدي، قصدي بالإطلاق الإفراد، وإذا قُرِن أحدهما بالآخر صار الإيمان بالأعمال الباطنة، والأعمال بالأعمال الظاهرة بعمل الجوارح.
الإيمان يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هكذا فسره النبي ﷺ لجبريل حين سأله: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]].
الأعمال الصالحة العمل كلمة (عمل) يشمل الفعل والقول، العمل الصالح يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، والعمل الصالح مرَّ علينا كثيرًا بأنه ما جمع بين أمرين، وهما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسوله ﷺ.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد من هذين الأمرين: إيمان، وعمل. مجرد الإيمان ينفع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما ينفع بدون عمل، والعمل بدون إيمان أيضًا لا ينفع، لا بد من إيمان وعمل، وبهذا نعرف أن بعض النصوص المطلَقة التي فيها الوعد بالجنة لمن كان في قلبه أدنى حبة خردل من إيمان وما أشبه ذلك، أن المراد الإيمان المتضمِّن للعمل تحقيقًا أو تقديرًا.
* طالب: ما التحقيق والتقدير؟
* الشيخ: تحقيقًا بأن يكون عاملًا فعلًا، وتقديرًا بأن يكون ما تمكَّن من العمل لكن معه الإيمان، كما لو آمن عند قرب وفاته مثل الأُصَيْرم من بني عبد الأشهل، قصته معروفة في أُحُدٍ.
وقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الجملة هنا اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ يقول المؤلف: (جنة)، وهي كذلك، الروضة: هي عبارة عن البساتين المشتملة على الأزهار والأشجار والروائح الطيبة والمناظر البهيجة؛ ولهذا قال: (﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾ أي: يُسَرُّون). وقيل: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنَعَّمون، وهما متلازمان؛ لأن النعيم يحصل به السرور، هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضة يحبرون.
التقسيم الثاني: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم ١٦]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بترك العمل الصالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلم يؤمنوا.
وقول المؤلف: (﴿﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴾: القرآن) صحيح؟
* طالب: سابق.
* الشيخ: القرآن لا، ما هو من السابق، القرآن وغير القرآن، هذا قطعًا يشمل القرآن وغير القرآن؛ لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه هؤلاء يكونون في هذه الأمة ويكونون في غيرها.
وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره) ويش هو البعث؟ الإخراج من القبور، (وغيره): من الحساب والجزاء والجنة والنار، فيكذبون بها ويقولون: ما فيه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عذاب.
والعجيب أن هذا القول الباطل الفاسد نحا إليه مَن يسمون أنفسهم بالحكماء -وهم الفلاسفة- يقولون: إنه ما فيه جنة ولا نار ولا بعث، ولكن الرسل قالوا للناس هذا من أجل إقامتهم على الطريق التي اخترعوها لهم، ويزعمون -والعياذ بالله- أن الرسل رجال عباقرة عندهم ذكاء وحسن سيرة وتنظيم، لكنهم لو قالوا للناس: افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، بدون ترغيب ولا ترهيب؛ ما أطاعهم الناس، فكانوا يقولون للناس: إن لكم ربًّا عظيمًا وإلهًا قادرًا وإن لكم معادًا يكون فيه الجنة أو النار.
وهم -والأمر ليس كذلك عندهم يعني- وإنما ذكروا ذلك من أجل إقامة الناس على الطريق التي سنُّوها لهم. وهذا معناه الكفر بالبعث وبالرسالة وحتى بأنفسهم؛ لأن مَن لم يؤمن بالله عز وجل فقد كفر أول ما كفر بنفسه؛ لأنه أنكر أن يكون له خالقًا.
وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره ﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ﴾) أعوذ بالله، ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ﴾ المراد بالعذاب هنا العقوبة وجعل العذاب ظرفًا لهم؛ لأنه محيط بهم من كل جانب، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٥].
﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿مُحْضَرُونَ﴾؟ من الإحضار، أحضرته بمعنى جعلته يحضر هذا الشيء، فهؤلاء مُحضَرون في العذاب غصبًا عليهم، لو رجع الأمر إلى أنفسهم ما حضروا، لكنهم يُحضَرون فيه كرهًا: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
قال الله تعالى: (﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: سبِّحوا الله) [الروم: ١٦، ١٧].
إعراب ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾.
* طالب: منصوبة على أنها مصدر، وهي ملازمة له.
* الشيخ: وعاملها؟
* الطالب: وعاملها: سبحوا الله.
* الشيخ: نعم، المؤلف يقول: (أي: سبحوا الله) فجعل المفعول المطلق هنا بمعنى فعل الأمر، لا على أن عامله محذوف، بل جعله نائبًا عن فعله (أي: سبحوا الله)، وتسبيح الله تعالى معناه تنزيهه عما لا يليق به، وهذا يتضمن شيئين أحدهما: تنزيه الله عن كل نقص في صفات كماله، والثاني: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، أقول: التنزيه يتضمن أمرين:
أولًا: تنزيه الله عن النقص في صفات كماله.
وثانيًا: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
أما الأول فإننا نرى كثيرًا ما يذكر الله عز وجل أنه لا يتعب ولا يظلم ولا يغفل وما أشبه ذلك، لماذا؟ لكمال صفاته.
وأما مشابهة المخلوقين فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين هو في الحقيقة تنزيه له عن النقص؛ لأن المخلوق ناقص، وتشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل إن المقارنة بينه وبينه تحط من رتبته، كما قيل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّـــــــيْفَ يَنْقُـــــــصُقَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (أي: سبحوا الله، بمعنى صلوا)، فأفادنا المؤلف أن المراد بتسبيح الله تعالى هنا: تسبيح خاص وهو الصلاة، من أين أخذ هذا التخصيص؟ يعني لو قال قائل: التسبيح عام يشمل الصلاة وغيرها؟ أخذه المؤلف من تقييده بهذه الأوقات، فإن تقييده بهذه الأوقات يدل على أن المراد الصلاة.
وأُطلِق على الصلاة التسبيح؛ لأن التسبيح من واجباتها، كما قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤]، قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٨٦٩) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا فتكون الصلاة هي المراد بالتسبيح، ويدل على التقييد أيش؟ أو ما يدل على التخصيص؟ تقييدها بأوقات الصلاة (...).
* * *
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].
* يستفاد من هذه الآية: سوء العاقبة للمسيئين؛ لأن عاقبة هؤلاء الذين أساؤوا أيش عاقبتهم؟ ﴿السُّوأَى﴾.
* طالب: (...) أم على الشك؟
* الشيخ: نشوف، لقوله: ﴿السُّوأَى﴾، وهذا على رأي المؤلف ظاهر؛ لأنه جعل ﴿السُّوأَى﴾ هي خبر (كان) أو اسمها على اختلاف القراءة في ﴿عَاقِبَةَ﴾.
* يتفرع على هذه الفائدة: أن عاقبة المحسن الحسنى؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا كانت عاقبة المسيئين السوأى فإن عاقبة المحسنين الحسنى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
* ومن فوائد الآية: أن الإساءة هنا هي التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها على تقدير المؤلف؛ لأنه قال: (أي: بأن ﴿﴿كَذَّبُوا﴾ ﴾). وعلى الرأي الثاني يكون قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ هي العاقبة.
* ويستفاد منها: أن عاقبة المعاصي تكون الكفر؛ التكذيب بآيات الله والاستهزاء بها، إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ أي: عملوا السيئات؛ كان عاقبتهم التكذيب والاستهزاء، يكون معنى ذلك أن المعاصي تكون سببًا للكفر، وهو كذلك، وقد قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر.
* ومن فوائد الآية: أن الوحي الذي أنزله الله على الرسل من آياته؛ لقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وإنما كان من آياته لما يشتمل عليه من الصدق في الأخبار، والنفع في القصص، والعدل في الأحكام، والإصلاح، فكل الكتب النازلة كلها متضمنة لهذه الأمور: صدق في الخبر، نفع في القصص، عدل في الأحكام، مصلحة للعباد؛ ولهذا كانت هذه الكتب من آيات الله؛ لأنه لا يمكن للبشر أن يضعوا مثلها.
* من فوائد الآية: الفرق بين التكذيب والاستهزاء، فالتكذيب: رد الخبر، والاستهزاء: السخرية بالأعمال الظاهرة أو الباطنة، أيهما أشد؟
* طالب: الاستهزاء.
* الشيخ: الاستهزاء أشد؛ لأنه جامِعٌ بين التكذيب والسخرية.
* ومن فوائد الآية: التحذير من أعمال السيئات، حيث كانت هذه عاقبتها، سواء قلنا: إن السوأى هي العاقبة، أو إن العاقبة هي التكذيب، فإنه يتضمن التحذير من الأعمال السيئة.
ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم ١١].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قدرة الله سبحانه وتعالى حيث ابتدأ الخلق.
* الفائدة الثانية: ثبوت حدوث العالم، وأنه ليس قديمًا لا أوَّل له كما زعمت الفلاسفة؛ لأن الله ابتدأه، والمبتدأ معناه أنه كان بالأول؟
* طالب: عدم.
* الشيخ: عدمًا.
* ومن فوائد الآية: ثبوت البعث؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن البعث ليس ابتداء خلق ولكنه إعادة، خلافًا لمن قال: إن البعث ابتداء خلق، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿يُعِيدُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والضمير يعود إلى خلق المبتدأ، وقد سبق لنا في كلامنا على هذه الآية أنه لو كانت الإعادة ابتداء خلق جديد لكان يعذَّب مَن لم يعمل ويُنعَّم من لم يعمل، ولكن البعث إعادةٌ لما سبق.
* طالب: شيخ، إعادة لنفس الأجسام، ولَّا تنبت نباتًا جديدًا؟
* الشيخ: نفس الأعيان هذه التي تفتت وذهبت تُعاد يعيدها الله، نفس التراب إذا تحول إلى تراب يُعاد، وهكذا.
* الطالب: ما هو يعني يخلق جسمًا (...).
* الشيخ: إي، لكن هذا الجسم المخلوق هو نفس الأول، يجمع الله تعالى ما تفرق منه ثم يحييه.
* ومن فوائد الآية: الاستدلال بالمبدأ على المعاد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يَبْدَأُ﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ لأن هذا استدلال بالمبدأ على المعاد، والاستدلال بالمبدأ على المعاد استدلال حقيقي ومنطقي ومعقول، أيهما أصعب وأشد؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل هيِّن لكن هذا أهون؛ لأن هذا إعادة.
* ومن فوائد الآية: أن مرجع الخلائق إلى الله عز وجل في الآخرة ولَّا حتى في الدنيا؟ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الآخرة فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالجزاء، وأما في الدنيا فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالعمل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] هذا خبر، و: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمهم أن المرجع إلى الله دنيا وأُخرى، فنحن نرجع إلى الله تعالى في أمور دنيانا، وفي أمور ديننا، وكذلك في أمر الآخرة نرجع إلى الله ويجازينا بما نستحق.
* طالب: في الآية (...) الآخرة.
* الشيخ: لا هي كان الآخرة بالأولوية فقط؛ لأنه في السياق هذا، ولكنها لا مانع أن تكون على العموم لا سيما أنه ذكر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧].
* ومن فوائدها: أنه لا يجوز التحاكم إلى غير الله، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، تؤخذ من الجملة هذه، لكن ما وجهه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، فإنه يعني: لا إلى غيره.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم ١٣].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل الشرك إذا قامت القيامة سكتوا وأَيِسُوا من الرحمة؛ لقوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾، بخلافهم في الدنيا، فإنهم في الدنيا يعاندون ويستعلون بآلهتهم، كما قال أبو سفيان: اعل هبل[[كما في حديث البخاري (٣٠٣٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.]]. لكن في الآخرة لا حراك لهم ولا صوت: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن هذه المعبودات لا تنفع أصحابها في أحوج ما يكونون إليه ولَّا لا؟ وجه ذلك من الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، وهذاك محل الشفاعة، ذلك اليوم هو محل الشفاعة، لكنهم لا يستفيدون من هذه الأصنام، بل أكثر من هذا * إفادة ثانية: أنهم يكفرون بها: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، يكفرون بهم، كما أن الأصنام تكفر بهم أيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦]، ويتبرأ كلٌّ من الآخر مع أن ذلك هو محل الأزمة ومحل الفرج.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن هؤلاء المشركين إنما أشركوا لطلب أن يكون هؤلاء المشرَكون شفعاء، وهذا ما صرح الله به في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
فإذا قال هؤلاء الذين يعبدون القبور: نحن لا نعبدهم لأننا نرجو منهم نفعًا مباشرًا، لكن نعبدهم ليشفعوا لنا إلى الله. قلنا: هذا شرك الأولين، وهذا ما حكى الله عن المشركين؛ أنهم لا يريدون النفع المباشر، لكنهم يريدون أن تكون شفيعة لهم عند الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم ١٤، ١٥] إلى آخره.
* يستفاد من الآية من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: إثبات القيامة.
* ومن فوائدها: أنه في ذلك اليوم يتفرق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
* ومن فوائدها: أن الآباء مع أولادهم، والأمهات مع أولادهم، إذا كان أحدهم كافرًا والثاني مؤمنًا يتفرقون، ولَّا يمكن أن ينقذ أحد أحدًا في ذلك اليوم؛ لعموم قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الروم ١٤، ١٥]، ولم يستثنِ الأولاد مع والديهم أو بالعكس، ففي ذلك اليوم ما فيه اجتماع إلا إذا كانوا على الحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما يشمل (...)؛ لأن المؤمنين تفرُّقُهم إلى جهة واحدة؛ ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجعلهم قسمين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: في منازلهم في الجنة معلوم أن كلًّا في منزلته، ولكن في عرصات القيامة يكون الفريق جميعًا فريق المؤمنين جميعًا وفريق الكفار جميعًا، لكن في منازلهم في الجنة يختلفون، الكل في منزلته.
* طالب: لكن تفرقوا، يُحْمَل على (...) كل إنسان مستقل بنفسه، حتى ولو كفروا (...).
* الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقتضي أن المقصود تفرق الجنس، يعني ينقسمون مثل ما قال الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧].
* طالب: تفرقهم يا شيخ في الجنة والنار ولَّا في عرصات القيامة؟
* الشيخ: في عرصات القيامة يوم تقوم الساعة، فيتفرق هؤلاء فريق إلى الجنة وفريق إلى النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾، والثانية: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الإيمان والعمل الصالح حيث كان جزاؤه ما ذُكِر، والتحذير من الكفر حيث كان جزاؤه ما ذُكِر أيضًا.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإيمان والعمل يختلفان إذا اجتمعا، ويتفقان متى؟ إذا افترقا، يتفقان إذا افترقا ويختلفان إذا اجتمعا، وعلى هذا يكون كل منهما بمعنى الآخر عند الافتراق، ويختلف كل منهما عن الآخر عند الاجتماع.
* ومن فوائد الآية: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالِحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وحيث فسرنا الصالح بأنه ما اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة، يستفاد منه: أن العمل الذي فيه الشرك لا ينفع صاحبه، وهذا واضح، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﷺ أن الله قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وهل هذا يشمل الشرك في الصفة وفي أصل العمل، أو نقول: إذا كان أصل العمل لا شرك فيه والصفة فيها شرك قُبل أصل العمل دون صفته؟ يعني مثلًا رجل أراد أن يصلي الراتبة لله لكنه أحسنها وأتقنها واطمأن فيها مراءاة، هل نقول: إن هذا (...)؟
يذكر الله يسبح لكان يسبح مرة واحدة، وللمراءاة يسبح ثلاثًا، نقول: التسبيح الثلاث هذا ما ينفعه منه (...)، لكنه لا يكفي أيضًا أن نقول: إنه بطل العمل، بل يأثم على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. فالشرك من خصائصه -ولو كان أصغر- ما يغفر إلا بتوبة.
* طالب: ما يفرق بين الإصرار وعدمه في الشرك؟
* الشيخ: لا ما يفرق، ما دام لم يصل إلى حد الأكبر فهو أصغر، لكنه يفرق بينهما من جهة الإصرار، فالإصرار عليه يكون أعظم من فعله مرة دون أخرى.
* الطالب: لكن (...).
* الشيخ: إذا طرأ الرياء في أثناء العبادة فإنه إن كافحه ودافعه ما ضره، وإن استرسل معه واطمأن إليه فإنه يضره، ثم هل يكون مبطلًا للعبادة ولَّا غير مبطل؟ إن كانت العبادة تتجزأ كما لو أراد أن يتصدق بصاعين فأخرج صاعًا بدون رياء، ثم أخرج الثاني برياء، فإن البطلان يختص بما حصل به الرياء فقط؛ لأن الأول صار صحيحًا.
وإن كان بالعكس ما تتجزأ كما في الصلاة فإن من أهل العلم مَن يرى أنها تبطل الصلاة، تبطل لأنه طرأ عليه الرياء، وهي لا تتجزأ فلا يمكن أن يصح أولها دون آخرها. ومنهم مَن يقول: لا تبطل لأن أصل هذا العمل خالصًا لله عز وجل، فلا يبطله الرياء.
* ومن فوائد الآية: أن الجنة روضة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، ويُروى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال للنبي ﷺ ليلة عُرج به: «أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* ومن فوائدها أيضًا: أن هذه الجنة مملوءة بالسرور؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾؛ لأن الحبور معناه التنعم والسرور الذي لا شيء فوقه.
* طالب: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه، الفعل بتاعها (حبر) ولا أيش؟
* الشيخ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه فعل مضارع مبني للمجهول.
* الطالب: الماضي منها؟
* الشيخ: الماضي (حُبِر) مبني للمجهول. والماضي منه إذا كان مبنيًّا للفاعل الظاهر أنه بالكسر (حَبِر)، خصوصًا إذا قلنا: إنه بمعنى (سُرَّ)، فتكون مثل: فَرِحَ يَفْرَحُ، حَبِرَ يَحْبَرُ. قال: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره، فمن فوائدها أن الكفر أعمُّ من التكذيب؛ لأن العطف يقتضي المغايرة: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾؛ لأن الكفر ينقسم إلى قسمين: إما جحد، وإما استكبار؛ فلهذا كان أعم من التكذيب.
* ومن فوائد الآية: أن الكتب المنزلة من آيات الله، وسبق لنا قبل قليل وجه كونها من آيات الله؛ لقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات البعث وأن منكره كافر؛ لقوله: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، هذا اللقاء العظيم الذي يتلاقى فيه كل المخلوقات ويلاقون الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المكذبين الكافرين يُحضَرون إلى العذاب قسرًا وقهرًا؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، يعني: يُدفَعون بعنفٍ وشدة والعياذ بالله، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤]. ومعلوم أنهم لو رجع الأمر لاختيارهم يدخلونها ولَّا لا؟
* طلبة: لا يدخلونها.
* الشيخ: ما يدخلونها، لكنهم يُدفعون بعنف وشدة حتى يدخلوها. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم ١٧] إلى آخره، نعم.
* طالب: بالنسبة لآيات التفصيل، هل تدل على حسرة التفرق إلى هذين الفريقين؟
* الشيخ: إي نعم، بمعنى هذا.
* الطالب: طيب (...) مثلًا مَن توفي قبل البلوغ؟
* الشيخ: صحيح فيمن توفي قبل البلوغ ومَن لم تبلغه الدعوة أيضًا، إن كان مَن توفي قبل البلوغ من أولاد المؤمنين فهو مؤمن.
* الطالب: مطلقًا؟
* الشيخ: مطلقًا تبعًا لأبويه، أو للمؤمن منهما، وأما مَن تُوفي قبل البلوغ وهو من أهل الملة كفار، وهو لم يميز، فإنه أصح الأقوال فيه أنه يُمتحَن يوم القيامة بما يشاء الله عز وجل، ثم تكون النتيجة إما إلى الجنة وإما إلى النار.
* الطالب: هذا في مرحلة التمييز أم البلوغ؟
* الشيخ: لا، التمييز، مرحلة التمييز.
* الطالب: طيب وهذه بالنسبة لأولاد المسلمين مثلًا مطلقًا أنهم..
* الشيخ: إي نعم مطلقًا تبع لآبائهم.
* الطالب: لكن لا يُشهد لهم بالجنة؟
* الشيخ: لا، لا شك كما لا يُشهد لآبائهم، لكن يُشهد بالعموم والجنس نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، وأما التعيين فيحتاج إلى نص.
* طالب: الامتحان يا شيخ ورد فيه نص ولا أيش؟
* الشيخ: إي ورد فيه آثار، أحاديث ضعيفة وآثار عن الصحابة.
* الطالب: لو امتُحِن هيؤمن لأنه شايف كل شيء، لو امتُحِن يعني لا بد يؤمن؛ لأنه -سبحان الله- كل شيء أمامه والله سبحانه وتعالى هو اللي يمتحنه، كيف يكون هذا سبحان الله؟!
* الشيخ: إذا آمن، لكن أما تعلم أن الله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، يعني الآن الآيات التي جاءت بها الرسل واضحة ولَّا كلها غير واضحة؟
* الطالب: واضحة، بس..
* الشيخ: واضحة ومع ذلك كفروا.
* الطالب: بس إن الله سبحانه وتعالى هو نفسه اللي يمتحنه.
* الشيخ: وقد لا يُمتَحن بأن يقال: وهل تصدق بهذا اليوم ولَّا لا؟ قد يُمتحن في أمور أخرى؛ ولهذا قلنا: الله أعلم بما يمتحنه به، قد يمتحنه بأمر يمكن أن يقع فيه اشتباه.
* الطالب: أو لعله يُخفى عنه مثلًا ما حوله من..
* الشيخ: ما ندري الله أعلم، (...).
والصحيح هذا المعنى «هُمْ مِنْهُمْ»، فيه حديثان: «هُمْ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». لكن «هُمْ مِنْهُمْ» قالوا: منهم في أحكام الدنيا، فولدُ المشركِ اللي أبواه كافران يُحكَم بأنه كافر؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن مع المسلمين، لكن في الآخرة يكون الجواب الثاني، حين قال الرسول ﷺ لعائشة: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»[[أخرجه أبو داود (٤٧١٢)، وهو في الصحيحين؛ البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* طالب: شيخ فيه حديث في البخاري، لما سُئل (...) الذراري، قيل له: وأولاد المشركين؟ قال: «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ»[[رواه البخاري (٧٠٤٧) من طريق سمرة بن جندب.]].
* الشيخ: ما أعرف حاله، أعطنا الحديث نيجي نشوفه أيش المعنى؟ (...).
* * *
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [الروم ١٨] جمله مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدم لإفادة الحصر، فله وحده الحمد، وحمْد الله تعالى يختص بأنه حمدٌ يستحقه المحمود؛ ولهذا نقول: إن اللام هنا للاستحقاق والاختصاص.
وقوله: (ال) في قوله: ﴿الْحَمْدُ﴾ هذه للعموم، يعني جميع المحامد لله سبحانه وتعالى في السموات والأرض، وهو سبحانه وتعالى محمود على كل حال، وكان النبي ﷺ إذا أصابه ما يسره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». وإذا كان الأمر على خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وأما ما يقوله بعض العامة: (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه). فهذا وإن كان حقًّا لكنه لا ينبغي التعبير بهذا الشيء؛ لأنه فيه شيء من العتب على الله عز وجل في قوله: الذي لا يُحمد على مكروه سواه. وإنما يقال كما قال النبي ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف: (اعتراض، أي: يحمده أهلُهما). هذا لا شك أنه داخل في الآية، أنه له الحمد يعني أنه يُحمد، ولكن ينبغي أن يقال بما هو أعم، أي: أن ما خلقه في السماوات والأرض فإنه مستحق الحمد عليه، سواء حُمِد أم لم يُحمد، فكل ما في السموات والأرض فإنه شيء يُحمد الله عليه.
أما في أمور الخير فظاهر، وأما في أمور الشر فيظهر ذلك في أن الشر بالنسبة لفعل الله وإيجاده له ليس بشر، بل قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه.]]. فلا ينسب إليه الشر.
مثال ذلك: الجدب والمرض والفقر والجهل والاقتتال بين الناس والخسوفات في الأرض، هذه كلها بالنسبة للإنسان شر، لكنها بالنسبة لقضاء الله خير؛ لأن الله ما قضاها إلا لحكمة، فحينئذ يكون محمودًا عليها ولَّا لا؟ يكون محمودًا عليها.
والشر في المقضِيِّ لا في القضاء؛ ولهذا في حديث الحسن بن علي قال: وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ[[أخرجه أبو داود (١٤٢٥) عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قال: علَّمني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوترِ.. الحديث.]] : شر الذي قضيت، فأضاف الشر إلى المقضِيِّ لا إلى القضاء.
ثم اعلم أيضًا أن المقضِيَّ ليس شرًّا محضًا، حتى المقضِي نفسه ليس شرًّا محضًا، بل هو شر من وجه خير من وجه آخر، أو شر في محل خير في محل آخر، مثلًا الفساد في البر والبحر شر، لكنه خير من جهة عاقبته؛ لأن الله قال: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، إذن هذا خير.
كذلك أيضًا قد يكون شرًّا في مكان لكنه خير في مكان آخر؛ إهلاك الأمم السابقين بذنوبهم شر بالنسبة لهم، وهلكوا ولا رجعوا ولا استفادوا، لكن بالنسبة لغيرهم ممن يعتبر بحالهم خير، فيكون هذا شرًّا في محله خيرًا في محل آخر.
والمهم أن قضاء الله نفسه ليس فيه شر أبدًا بل هو خير؛ ولذلك قال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في جميع الأحوال، المقضي يكون فيه الشر، ومع ذلك فإننا نقول -مع إثباتنا أن الشر في المفعولات لا في الفعل- نقول أيضًا: إن هذا الشر في المفعولات ليس شرًّا محضًا لا خير فيه أبدًا -أنتم معنا؟- بل قد يكون شرًّا من وجه وخيرًا من وجه في نفس المحل، كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. وقد يكون شرًّا في محله خيرًا في محل آخر، مثل أيش؟ شرًّا في محله ما فيه خير في محله لكنه في محل آخر خير.
* طالب: (...) لهم شر، ولغيرهم..
* الشيخ: ولغيرهم ممن يعتبر بهم خير.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، خصهما بالذكر لأنهما محل نفوذ فعله؛ السماوات والأرض، فإن الذي في السماوات والأرض من الملائكة والبشر والجن وغيرها كلها تحمد الله، وكلها محل حمْدِه.
فإذا قال قائل: هل الكافر يحمد الله؟ فالجواب: بلسان المقال لا، وبلسان الحال نعم. بمعنى أن حاله تستوجب لمن تأمَّلها أن يحمد الله، هذا معنى قوله: إن هذا يحمد بلسان الحال أو يسبح بلسان الحال. يعني: أن حاله مَن تأمَّلها عرف بها ما يستحقه الله تعالى من الحمد والتنزيه.
وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوف على قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، يعني: وسبحوا الله عشيًّا، والعشيُّ من الزوال إلى غروب الشمس، وفي حديث أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَعَشِيًّا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (﴿﴿وَعَشِيًّا﴾ ﴾ عطْفٌ على ﴿﴿حِينَ﴾ ﴾ وفيه صلاة العصر، ﴿﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴾: تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر).
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ ولَّا على قوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾؟ على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾؛ لأنه سبق لنا أن القاعدة في المعطوفات أن يكون العطف على أول واحد؛ لأنه هو المحل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون العطف على الأول، فإذا قلت: قام زيد وبكر وعمرو. فإن عمْرًا معطوف على زيد.
قال: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.. هذه الأوقات الخمسة هي أبسط ما ذكره الله تعالى في القرآن من أوقات الصلوات، وذكرها مجملة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨]، ففي هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يعني: وقت دلوك الشمس؛ لأن اللام للتوقيت، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي: وقت استقبال عدتهن. فـ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لزوالها.
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ما هو غسق الليل؟
* طالب: شدة ظلمته.
* الشيخ: نصفه، شدة ظلمته وذلك عند انتصافه؛ لأن أشد ما يكون الليل ظلمة إذا انتصف لأن نصف الليل هو أبْعَدُ ما تكون الشمس عن سطح الأرض، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، يدخل في هذا -من زوال الشمس إلى نصف الليل- أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، ففصله، والمراد به صلاة الصبح، وفصْلُه عما قبله يدل على أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وهذا هو الذي دلَّت عليه السنة أيضًا، ومن قال: إنه ينتهي بطلوع الفجر، فلا دليل عليه.
وهذه المسألة ينبني عليها ما لو طهرت المرأة في نصف الليل الثاني، هل يلزمها صلاة العشاء؟ على قول مَن يقول: إن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، يلزمها العشاء وكذلك المغرب أيضًا. وعلى القول الراجح: لا تلزمها صلاة العشاء؛ لأن صلاة العشاء إلى نصف الليل.
(﴿﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ﴾: كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة، ﴿﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ ﴾: النطفة والبيضة ﴿﴿مِنَ الْحَيِّ﴾ ﴾) إلى آخره.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يقول المؤلف: (كالإنسان والطير من النطفة والبيضة)، فهمتم؟ النطفة باعتبار ما يظهر لنا ميتة، وكذلك البيضة، لكنها في الواقع النطفة ما هي ميتة، فقد قال النبي ﷺ حين سُئل عن العزل قال: «هُوَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) عن جدامة بنت وهب رضي الله عنها.]]. فجعله وأدًا، والوأد لا يكون إلا لِحَيٍّ، فالحيوانات المنوية حية لكنها لا تُرَى.
هذه النطفة البسيطة التي ليست بشيء يقولون -والله أعلم هل هي مبالغة أو لا- يقولون: فيها خمسة ملايين أو أكثر من الحيوانات المنوية. هذه التي بسيطة ما هي بشيء.
إذن فنقول: إنه باعتبار ما يُرَى ويظهر هي ميتة جماد، لكن باعتبار الحقيقة ليست كذلك.
وقوله: ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ هل المراد الحياة الحسية أو المعنوية؟ الأمران حقيقة أن المراد الأمران، فإن الكافر ميت معنًى، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، يعني هؤلاء الكفار في منزلة الأموات، والمؤمن حي ولا سيما العالم، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
وسمى الله القرآن أيش؟ روحًا، فدل هذا على أن مَن عمل به فهو حي، فالآية أعم مما قال المؤلف، وإن كان سياقها يقتضي أن المراد بها بالأَوْلى الحياة الحسية.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن قصد الطين، فالإنسان أوله طين.
* طالب: المؤلف الكلام اللي ذكره..
* الشيخ: طيب هذه ما هي مشكلة، مسألة الميت من الحي ما هي مشكلة، لكن المشكلة الحي من الميت.
* طالب: ثم قال: الدجاج أو الطير من البيضة.
* الشيخ: البيضة ما ننفي الحقيقة؛ لأني ما عندي فيها علم، لا أنفي أن يكون فيها حياة في بعض الأجزاء التي يتكون منها الطائر.
* طالب: فيها بيوضة وفيها تكون مُلَقَّحة؟
* الشيخ: ها؟
* طالب: فيها بيوضة -في البيضة- البيوضة تكون ملقحة، في هذا (...) صار حولها (...) تكون غير ملقحة ولا..
* الشيخ: إذن معناها أنه يكون فيها حياة، سبحان الله .
(﴿﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ ﴾ بالنبات ﴿﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴾ أي يُبْسِها).
﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بما أنزل الله عليها من المطر، ولا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إلا الله عز وجل، هذه الأرض الهامدة اليابسة بما فيها من خضرة يُنزل الله عليها الماء فتصبح الأرض مخضرة بأمر الله عز وجل، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يفعلوا ذلك ما استطاعوا، ولا يُحدِثون ولا أدنى حشيشة من هذه الحشائش، ولكن الله تعالى بقدرته يفعل ذلك.
* طالب: بعض الحشرات تخرج من ثياب وطعام ونحوها..
* الشيخ: المتولد.
* الطالب: المتولد.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: مثلًا النبات تخرج من اللواقح (...).
* الشيخ: إي نعم حياة بلا إدراك.
* الطالب: بلا إدراك.
* الشيخ: على كل حال نعم، المتولد واضح أيضًا أنه حي من ميت؛ لأن المتولد يخرج من العفونات والقاذورات وهو حي يتحرك.
قال: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (﴿﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴾ الإخراج ﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ من القبور)، و(كذلك) الكاف حرف جر.
* طالب: اسم.
* الشيخ: اسم بمعنى مثل، يعني ومثل هذا الإخراج تُخرجون، ويجوز أن تكون هنا حرف جر، يعني وكهذا الإخراج تُخرَجون، ولا تكون مفعولًا مطلقًا.
على الأول تكون: مثل ذلك الإخراج تُخرجون، تكون مفعولًا مطلقًا.
وعلى القول الثاني: يكون الكاف حرف جر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، أي: وكهذا الإخراج تُخرَجون.
وقوله: (﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ من القبور)، ظاهر الآية الكريمة أن خروج الناس من القبور يشبه خروج النبات من الأرض، وخروج النبات من الأرض يكون بنزول المطر عليها، فيكون في هذه الآية إشارة إلى ما ورد في الحديث من «أنَّ اللهَ تعالى يُمطِر على القبورِ مطرًا غليظًا كمَنِيِّ الرجالِ أربعينَ يومًا تَنْبُتُ منه الأجسادُ في القبورِ، ثُم بعدَ ذلكَ تَخرُج إذا نُفِخ في الصُّورِ»[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذا وردت فيه أحاديث في إسنادها مقال، لكن مجموعها يقضي بأنها أحاديث حسنة، وظاهر القرآن أيضًا يشير إليها.
وقوله: (﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ بالبناء للفاعل والمفعول)، البناء للفاعل مثل؟
* طالب: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾، وللمفعول: ﴿تُخْرَجُونَ﴾، ففيها قراءتان، سبعيتان أو إحداهما شاذة؟
* طالب: سبعيتان.
* الشيخ: سبعيتان؛ لأن من عادة المؤلف رحمه الله أنه إذا أتى بقراءة شاذة يقول: وقُرئ.
* طالب: اللي في المصحف؟
* الشيخ: اللي في المصحف: ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
* الطالب: واللي في غير المصحف؟
* الشيخ: التفسير؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي أنا ﴿تُخْرَجُونَ﴾، اللي في الأصل (بالبناء للفاعل والمفعول).
* الطالب: لا، هنا قال: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾ ولا ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
* الشيخ: ما ذكر قراءة؟
* الطالب: لا ما ذكر قراءة.
* الشيخ: عجيب؛ لأنه موجودة عندي، هي موجودة عندكم في التفسير؟
* طالب: موجودة.
* الشيخ: ما هي موجودة عندك (بالبناء الفاعل والمفعول)؟
* طالب: ظاهر، كأنها موجودة.
* الشيخ: قال: (﴿﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ ﴾ تعالى الدالة على قدرته)، ﴿مِنْ آَيَاتِهِ﴾ (من) حرف جر ومعناها التبعيض، يعني بعض آياته، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة البينة الواضحة، ﴿آَيَاتِهِ﴾ يقول المؤلف: (الدالة على قدرته).
﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (أن) وما دخلت عليه في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر، يعني: خلْقُكم. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (من) هذه لابتداء الغاية، المعنى: أن ابتداء الخلق من التراب (أي أصلكم آدم)، صحيح، وأما سلسلة آدم فخُلِقت من نطفة.
(﴿﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ ﴾ من دم ولحم ﴿﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴾ في الأرض)، كنتم ترابًا والتراب لا يتحرك من مكانه، ولا ينتشر، وليس فيه حركة، ثم بعد ذلك تكونون بشرًا؛ ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا﴾ قد يقول قائل: إن في هذا ما ظاهرُه التناقض؛ لأن (إذا) فجائية، و(ثم) للمهلة، والمفاجأة والمهلة متناقضان؛ إذ إن المفاجأة تدل على المبادرة.
فيجاب عن ذلك بأن المفاجأة بعد المهلة؛ لأنه ليس في الحال يكون التراب بشرًا، وإنما تطوَّر لمدة حتى وصل إلى البشرية، هذا إذا قلنا: إن المراد بالبشر خصوص آدم.
أما إذا قلنا: المراد به ذريته فالمهلة ظاهرة؛ لأن هذا يشمل الذرية إلى متى؟ إلى قيام الساعة، فالمهلة ظاهرة لكن المفاجأة في قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ قد توحي أن المراد به آدم، فإن آدم بشر وذريته انتشرت في الأرض.
وقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ الجملة هذه مبتدأ وخبر، و﴿تَنْتَشِرُونَ﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* الطالب: مِن ﴿أَنْتُمْ﴾.
* الشيخ: أما نجعلها صفة لبشر؟
* طالب: صفة لبشر.
* الشيخ: صفة لبشر، وإذا جعلناها صفة لبشر صار فيها إشكال من جهة أن (بشر) مفرد، و﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ جمع، لكن المفرد المراد به الجنس يكون جمعًا، ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، تنتشرون في أي مكان؟ يقول: (﴿﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴾ في الأرض)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١٠].
فالانتشار في الأرض والتوسع، وانظر الآن البشر منتشر في جميع أقطار الدنيا، وسبحان الله العظيم الإنسان عندما يرجع إلى ما سبق يقول مثلًا: ما الذي أوصل أهل أمريكا إلى أمريكا، والذي أوصلهم إلى البلاد الأخرى مع هذه المحيطات العظيمة؟ لأن آدم لا شك أنه في إحدى القارات، فما الذي أوصل بنيه إلى القارات الأخرى؟ فيه شيء عندكم من علم الجيولوجيا على ما يقول؟ نقول: الله أعلم، قد يكون الله يسر لهم في ذلك الوقت من الأسباب -ما زال الآن ولا نعرفه- حتى وصلوا إلى هذه البلاد (...).
* طالب: الدم من الفاكهة، والفاكهة من الأرض.
* الشيخ: الدم من الفاكهة؟!
* الطالب: يعني الدم (...) الفاكهة والخضروات يعني، كونها من الغذاء يعني، فالغذاء أصله من الأرض.
* الشيخ: هذا جائز، لأن هالدم هذا صح، لكن هذه نطفة، والنطفة تكون علقة.
* الطالب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾، أي: خلاصة من طين، وهي الفاكهة، ثم اختلط إلى دم.
* الشيخ: (...) الفاكهة؟
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢].
* الطالب: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨].
* الشيخ: الآن الآية، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أصل السلالة: الخلاصة من كل شيء على حسب ما يبين، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ هذا آدم، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣] -هذا بنو آدم- ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
* طالب: أين ينتقل هنا الضمير ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾؟
* الشيخ: إي للجنس، باعتبار الجنس، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الإنسان باعتبار جنسه.
* طالب: (...) المني فيه (...) من تراب.
* الشيخ: فيه أيش؟
* الطالب: تراب.
* الشيخ: هذا ما نستطيع أن نجزم بنفيه أو إثباته؛ لأنه يجوز أن نفس الإنسان هذا فيه مادة ترابية، الحين يقولون: إن الإنسان فيه رصاص وفيه جير وفيه كذا وفيه كذا. نفس الجسم الآن مُكَوَّن، فلا يبعد أن هذه السلالة التي تخرج منه يكون فيها هذه المواد، ما يبعد في الحقيقة ما عندنا شيء عميق علم عميق في هذه المسألة، لكن الله على كل شيء قدير، إنما المعروف الآن أن الإنسان فيه من جميع معادن الأرض؛ فيه رصاص، ونحاس، وجير، وتراب، وكل شيء نفس الجسم.
* طالب: وحديد.
* الشيخ: وحديد.
* طالب: وكهرباء.
* الشيخ: نعم، إي نعم، بس لسنا كبطرية كهرباء، الله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا (...) الشيء مع بعض الحركة (...) تحس في بطنك شيئًا.
* طالب: بعض الناس يقولون: إن آدم أول ما خرج من الجنة ونزل في الأرض (...)، صحيح؟
* الشيخ: الله أعلم ما ندري، ما فيه أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ، كلها آثار إسرائيلية.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (﴿﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴾ تخلقت حواء من ضلع آدم فخُلِقَت).
* طالب: تخلَّقَتْ.
* الشيخ: ما عندي تخلَّقَتْ. طيب المعنى أن المؤلف يريد ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ذواتكم -على رأي المؤلف- فالمراد بالنفس هنا الذات.
وقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ اللام للاختصاص وليست للملك؛ لأن الإنسان لا يملك زوجته، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي: خَلَق لِأجْلِكم، لكن المعنى أبلغ في الإنعام حيث إنَّ كل إنسان زوجته تختص به؛ ولهذا لا يجوز للمرأة أن تتزوج أكثر من رجل في آنٍ واحد.
﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، المؤلف مشى على أن المراد بالنفس الذات، وأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، يعني أن نفس هذه الزوجة من نفس الإنسان جزء منه؛ ولهذا قال -فسَّره-: (بخلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال والنساء)، هذا ما قرره المؤلف؛ أن المراد بالنفس الذات.
ويحتمل أن المراد بالنفس الجنس، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨]، يعني من جنسكم، ويؤيد هذا المعنى قولُه: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فإن الإنسان يسكن إلى بني جنسه دون غيرهم، لو كانت المرأة تخالف الرجل وليست من جنسه لكان في ذلك مشكلة، ولا يمكنه أن يسكن إليها؛ لهذا جعلها الله سبحانه وتعالى من جنسه لأجل أن يسكن إليها: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
واللام في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ اللام للتعليل، أي: لأجل أن تسكنوا، وهي مُعَلِّلةٌ لقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.
وقوله: (وتألفوها) كذا ولَّا (أي: تألفوها)؟
* طالب: وتألفوها.
* الشيخ: (وتألفوها)، السكون معناه الاستقرار، ومنه السكنى في البلد لاستقراره فيها، فالمعنى: تستقروا وتطمئنوا لها وتألفوها -كما قال المؤلف-: (﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا ﴿﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ﴾ المذكور ﴿﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴾ في صنع الله).
(﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا) يعني بين الزوج وزوجته ولَّا بين الناس جميعًا؟
* طالب: الزوج وزوجته.
* الشيخ: هو الظاهر، ولكن كلام المؤلف: (﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا) يقتضي العموم، ولكن ظاهر السياق يختص بالمرأة وزوجها، فإن هذه المرأة الأجنبية -التي لا تعرفها ولا تعرفك من قبلُ- إذا تمَّ العقدُ بينكما ألقى الله تعالى في قلوبكما المودة والرحمة.
قيل: إن المودة في قلب المرأة، والرحمة في قلب الرجل؛ لأنه هو الذي له السلطان عليها، وهي التي تميل إليه، فتكون المودة منها والرحمة منه، فيكون الوصفان مُوَزَّعَيْن على الزوج والزوجة.
وقيل: إن الوصفين لكل من الزوجين، يعني أن المودة تكون بين الزوج وزوجته، وكذلك الرحمة تكون بين الزوج وزوجته، وهذا هو الأقرب، وهو الذي يؤيده الواقع أيضًا، فإن المرأة إذا ودَّتْ زوجَها يكون فيها رحمة لولا أن الأم أرحم النساء لقلنا: إنها مثل رحمة الأم؛ ولهذا تجدها تلاحظه إذا مرض، وتحزن إذا حزن، وتُسَرُّ إذا سُرَّ، وإذا كانت الحال بينهما جيدة يمكن تبيع كل ما تملك من أجل راحته وإسعاده، هذه لا شك أنها رحمة.
وأما المودة فظاهرة، ولولا قوة المودة بين الزوجين ما حصل الاتصال بينهما الذي أراده الله عز وجل لأجل أن تكمل هذه الخليقة وتنمو، ومن أجل هذا جعل الله تعالى المودة والرحمة.
ذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر قال: لولا أن الله سبحانه وتعالى بحكمته قضى أن تبقى هذه الخليقة لكان الاتصال بين الزوج وزوجته من أقبح الأمور؛ أنَّ كل واحد منها يكشف عورته للآخر ثم يحصل هذا الشيء الذي قد يكون مستكرهًا في أذواق بعض الناس، لكن جعل الله سبحانه وتعالى هذه المودة بينهما لأجل أن تستقيم الأمور وتنمو الخليقة، وهذا صحيح، هذا حق، لولا أن الله جعل هذا الأمر؛ المودة ما حصل الاتصال بين الزوجين، ولهذا كلما كان الزوج أو الزوجة بعضهما لبعض كارهًا قلَّ الاتصال بينهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ (ذلك المذكور) ﴿لَآَيَاتٍ﴾، اللام هذه للتوكيد، وآيات جمع آية.
وتأمل قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾، قد تقول: ما هذا التنافر؟ حيث قال في الأول ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾؟ ولكننا نقول لك: لا تنافر في الواقع؛ أولًا: إن قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ للتبعيض، وبعض الآيات قد يكون آية واحدة، وقد يكون أكثر من آية. ثم إنَّ ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ هذه أربع آيات، فيكون في أصل الخلق آية واحدة، لكن في أوصاف هذا الخلق المتطور آيات.
* طالب: يقال: المودة في أول الحياة الزوجية السنوات الأولى، والرحمة بعد الأولاد.
* الشيخ: هذا خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر أنهما مقترنان، المودة والرحمة مقترنان.
* طالب: المودة والرحمة متواجدان بعد العقد، أو بعد الاتصال، أو بعد المعاملة؟
* الشيخ: هذه ترجع إلى ما يجري بين الزوجين، أما المودة فالظاهر أنها تكون من قبلُ، وقيل: حينما يخلو بالمرأة والتشابك، وهذه الخطبة والموافقة لا تكون إلا عن مودة، لكنها تنمو وتزيد بحسب الاتصال (...).
* * *
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم ١٩]، ما المراد بالحي والميت هنا؟
* طالب: كثيرًا، الميت بلا روح، والحي الذي فيه روح.
* الشيخ: مثاله؟
* الطالب: مثاله -على رأى المؤلف- النطفة ميت تخرج..
* الشيخ: يخرج منها؟
* الطالب: يخرج منها الحي.
* الشيخ: طيب هل يشمل هذا الحياة المعنوية والحسية؟
* طالب: نعم يشمل الحياة الحسية والمعنوية.
* الشيخ: ويش المعنوية؟
* الطالب: الكافر يخرج منه المسلم أو بالعكس.
* الشيخ: الكافر يخرج منه المسلم أو بالعكس، أيهما أقرب إلى ظاهر الآية أو السياق؟
* الطالب: ظاهره الحسية.
* الشيخ: حسية نعم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، إعرابها؟
* طالب: الكاف ممكن تكون بمعنى مثل، وتكون مبنية منصوبة على أنها مفعول مطلق، أو تكون (...).
* الشيخ: يكون كإخراج النبات من الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، كيف خلق الإنسان من تراب؟
* طالب: الأصل أن آدم بدأه من تراب، وذرية آدم من نطفة.
* الشيخ: نعم. أيش معنى قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾؟ (إذا) أيش معناها؟ إعرابها؟
* طالب: فجائية.
* الشيخ: (إذا) فجائية.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، أيش معنى ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؟
* طالب: يعني من ذات الإنسان.
* الشيخ: يعني من ذواتكم، مثل أيش؟
* الطالب: مثل البصر (...).
* الشيخ: الزوجة بصر؟! ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٨].
* يستفاد من هذه الآية: رحمةُ الله تعالى بعباده، حيث علَّمهم ما فيه مصلحتهم.
* ومن فوائدها: أن الصلاة تسبيح وتنـزيه لله؛ لأنَّ الله أطلق عليها اسم التسبيح.
* ومن فوائدها: وجوب التسبيح فيها -في الصلاة- لأنه سبق لنا قاعدة:
أنه إذا أُطلِق على العبادة جزء منها دلَّ ذلك على أن هذا الجزء من واجباتها، وأنه لا بد منه فيها.
* ومن فوائد الآية: بيان الأوقات الخمسة مفصلة؛ لقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن المساء يُطلَق على أول الليل، فإن قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يدخل فيه: المغرب، والعشاء.
وقد يؤخذ من هذا جواز الرمي ليلًا -رمي الجمرات- لأن رجلًا قال: يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت، فقال: «لَا حَرَجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦/٣٢٧) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]. فإذا كان المساء يُطلَق على أول الليل، وأطلق النبي عليه الصلاة والسلام نَفْيَ الحرج عُلِم أنه جائز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمةُ الله عز وجل في توزيع الصلوات على هذه الأوقات، وجه الحكمة أمران:
الأمر الأول: أنها لو جُمِعت في وقت واحد لَخَلَتْ بقية الأوقات عن الاتصال بالله عز وجل، أليس كذلك؟ يعني لو جعل الإنسان يصلي الفجر كل الصلوات الخمس جميعًا، معناه بقي النهار والليل ما يكون له صلوات مفروضة.
والوجه الثاني: أنه لو جُعِلت هذه في وقت واحد لكان في ذلك نوع من المشقة؟ يعني يوجَبُ على الإنسان أن يصلي سبع عشرة ركعة في آنٍ واحد هذا فيه مشقة، مشقة على الأقوياء والأصحاء، فكيف على الضعفاء والمرضى؟!
* ومن فوائد الآيات: كمالُ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومنها: أنه وحده المستحِق لأنْ يُحمد على وجه الإطلاق، نأخذه منين؟ من تقديم الخبر: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾.
* ومن فوائدها: أن كل ما يحدث في السماوات والأرض من خير أو شر فإن الله تعالى يستحِق عليه الحمد، يؤخذ من أين؟ من الإطلاق: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ولا قال: على الخير، أو على ما ينفع. بل أطلق.
* فيستفاد منه: أن الله تعالى محمود على كل حال.
ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩].
* في هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يُخرِج الحي من الميت وبالعكس، وهذا من تمام القدرة: أن يُخْرَجَ الشيءُ من ضده.
* ومن فوائدها أيضًا: قدرته على إحياء الأرض من بعد موتها؛ لقوله: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، والأفعال الاختيارية: هي التي يفعلها بمشيئته، إنْ شاء فعل وإن شاء لم يفعل، من أين تؤخذ؟ ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، وقوله: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ﴿بَعْدَ﴾، فإنَّ البعدية تقتضي حدوث هذا الشيء.
وقيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، ما أحد منهم أنكر ذلك، فيُثبِتون الاستواء على العرش فعلًا لله، والنـزول إلى السماء الدنيا فعلًا لله، والمجيء للفصل بين العباد فعلًا لله، والعجب فعلًا لله، والضحك فعلًا لله، والخلق فعلًا لله.
ويقولون: إن الله تعالى يفعل ما يشاء كيف شاء متى شاء، ولكن أهل البدع من المعتزلة والأشعرية وغيرهم ينكرون قيام الأفعال الاختيارية به، ويقولون: لو قامت به الحوادث لكان حادثًا، والله سبحانه وتعالى لم يزلْ ولا يزال. فنقول: إن هذا قول باطل:
أولًا: لأنه قياس في مقابَلة النص، فإن النصوص متكاثرة في إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل التي تتعلق بمشيئته.
وثانيًا: قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. ليس بصحيح، فإن الحوادث لا تقوم إلا بكامل قادر على ما يشاء، أما: لا تقوم إلا بحادث، فما هو العقل الذي يوجب هذا؟
* ومن فوائد الآية: قياس الغائب على الشاهد؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، فإن قياس الغائب على الشاهد ليحمل على الإقرار به طريقة مُتَّبَعة.
* ومن فوائدها: إثبات القياس، من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإثبات القياس له أدلة كثيرة في القرآن، منها: على سبيل التعميم والحض:
كل مَثَلٍ ضربه الله تعالى في القرآن فهو دالٌّ على ثبوت القياس، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس٢٤] كذا وكذا، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧]، وما أشبه ذلك. فإن الأمثال ضَرْبُهَا تشبيه حال بحال أو فرد بفرد، فتكون دالة على ثبوت القياس.
وكذلك القصص التي قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، وفي السنة أيضًا كثير من ذلك، مثل: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟». » قال: نعم. قال: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟». » قال: حمر[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠/١٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]. الحديث. و«أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٩٩)، ومسلم (١١٤٨/١٥٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].
وكذلك العقل يقتضي ثبوت القياس، فإن العقل السليم الصريح لا يمكن أن يفرق بين متماثلين أبدًا، ودائمًا حتى الصبي إذا منعته من شيء وأبحت له نظيره قال له: كيف؟ ما هو هذا مثل هذا؟
فالمهم أن هذا مما تشهد العقول والفِطَر والنصوص بثبوته، نعم القياس الباطل الذي يتوسع فيه بعض الناس حتى يُعَطِّلوا دلالة الكتاب والسنة هذا لا شك أنه باطل، أما القياس الصحيح فإنه لا ريب في ثبوته.
والذين أنكروا القياس هم في الحقيقة مضطربون، أحيانًا يقولون بالقياس من حيث لا يشعرون، ولا يمكنهم إلا أن يقيسوا؛ لأننا لو أردنا أن نحصر دلالة الكتاب والسنة على الأحكام على سبيل العموم والقواعد والضوابط وافية، لكن الأفراد والجزئيات لا منتهى لها ولا حصر لها، وإنه لا بد أن يُضْطَرُّوا إلى إثبات ذلك.
* طالب: لا بد أولًا أن يأتي بالعموم لا القياس.
* الشيخ: إي نعم، يدخل في العموم من حيث الشمول اللفظي إن كان داخلًا في اللفظ، أحيانًا لا يدخل في اللفظ لكن يشمله العموم المعنوي وهو القياس؛ لأن العموم المعنوي هو القياس.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠].
* من فوائد الآية: إثبات الآيات لله عز وجل، أي العلامات الدالة على ما تدل عليه من صفاته؛ لأن كل فعل يدل على نوع من الآيات، لكن هي على سبيل العموم تدل على القدرة، جميع الأفعال تدل على القدرة والحكمة، لكن لكل نوع منها آية خاصة: الحكمة، القدرة، العزة، ما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية: أن أصل بني آدم من تراب؛ لقوله: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾.
* ومن فوائدها: إبطال النظرية الملحدة، وهي نظرية النشوء والتطور التي ذهب إليها أو كان قائدها..
* طالب: دارون.
* الشيخ: دارون.
* طالب: داروين.
* الشيخ: أو داروين، إي نعم، هذه نظرية خاطئة وباطلة بلا شك، وجه ذلك من الآية أن الله يقول: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾، فيخاطب البشر باعتباره بشرًا، إذنْ فهو بشر منذ أُنشِئ من التراب إلى اليوم.
أما أولئك فيقولون: أن أصل الإنسان ليس بشرًا، قرد، أن أصل الإنسان قرد، ثم تطور صار بشرًا. فلا أدري ماذا يقول في أصل الحمير والبغال والخيل والدجاج وأيش أصله؟! تطورت إلى..
ثم ما ندري ما هو التطور الآخر، هل نحن نكون ملائكة؟! على كل حال هذه نظرية -الحمد لله- حتى فلاسفة الغرب الآن أبطلوها، وتبين لهم أنها نظرية باطلة خاطئة، ثم نحن نعلم علم اليقين أنها باطلة وأن اعتقادها كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
* طالب: صريح (...).
* طالب آخر: يقول: انفصل من الشمس نظرية تركيب ميكانيكي للكون تكوُّن نفسي، فالإنسان انفصل من الشمس على شكل (...)، ثم تطور إلى أميبا، ثم إلى قرد، ثم إلى (...)، ثم إلى الإنسان.
* الشيخ: كل هذا لا شك أنه كذب، كل هذا كذب ولا أصل له، الإنسان خُلِق من تراب كما قال الله عز وجل، تراب جعله الله طينًا، ثم فَخَّارًا حتى كان صلصالًا، له صلصلة إذا ضربْتَ عليه ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤] كما قال الله عز وجل، ثم تكوَّن إنسانًا، والله على كل شيء قدير.
* طالب: هذا التكذيب (...) أم بصريح؟
* الشيخ: لا، لصريح، لصريح القرآن.
* الطالب: هذه يعني..
* الشيخ: هذه وغيرها.
* ومن فوائد الآية: أن هذا البشر الذي خُلِق من أصل واحد انتشر وملأ الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، وهذا من آيات الله، كيف أصل واحد -رجل واحد- انتشرت هذه الخليقة في جميع أرجاء الأرض؟
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان متحرك بالطبع، لا بد أن يتحرك وينتشر ويذهب ويجيء؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرج أبو داود (٤٩٥٠) بسنده عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَأَصْدَقُهَا: حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ. وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».]]؛ لأن الإنسان دائمًا يهتم ويحرث ويطلب رزقه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم ٢١].
اعلموا أنني راجعت كثيرًا من التفاسير التي عندي ما وجدت الحكمة في أنه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَات﴾ [الروم ٢٢]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾ [الروم ٢٣]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم ٢١].
يعني ما رأيت أحدًا بَيَّنَ الحكمة في كونه يأتي مرة بالمصدر، ومرة بـ (أَنْ) الداخلة على الفعل، هي تُؤَوَّل بمصدر، لكن هل نقول: إن هذا من باب الاختلاف في التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ؟ أو إنه من باب التعبير الْمُراعَى به جانب المعنى؟
إن قلنا: إنه من باب التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ، فالأمر بسيط، نقول: إن الله تعالى غايَر بين العبارات لأجل ألَّا يَملَّ السامع إذا كان الكلام على وتيرة واحدة؛ لأنَّ الاختلاف في التعبير هذا مما يزيد الإنسان نشاطًا وتجددًا.
أما إذا قلنا: إن هناك أمرًا معنويًّا، فأنا إلى الآن ما عرفته، ولا ذكره الزمخشري، ولا أبو السعود، ولا هؤلاء الذين يتكلمون على مثل هذه الأمور.
قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، نعود إلى فوائد الآية.
* من فوائد الآية: رحمةُ الله تبارك وتعالى بنا، حيث جعل أزواجنا من أنفسنا، أي من جنسنا.
* ومنها -من فوائد الآية-: أن من أهم أغراض النكاح ومقاصده: السكون إلى الزوجة، والاطمئنان إليها، والحياة معها حياة سعيدة، وأنه ينبغي للإنسان إذا رأى عدم السكون ولم تلتئم الحال ينبغي له أن يفارق؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الطلاق يُستحب لتضرر المرأة بالبقاء مع الزوج، كونها تضرر ولا تستأنس مع الزوج ما ينبغي أن يُكرهها على أنْ تبقى معه، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- يُكرهونهن على البقاء أو يَعضلونهن لأجل أن يفتدينَ، ويسلمن القروش علشان يطلقها، كل هذا حرام.
والذي ينبغي إذا رأيت من الزوجة أنها لا تستطيع أن تعيش معك عيشة سعيدة، ينبغي لك أن تُطلقها، والنبي ﷺ يقول: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ الْقِيَامَةِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠/٥٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]. ويقول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وفي القرآن: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠]، فأنت إذا نويت الخير بالتوسعة على هذه المرأة التي ما عاشت معك وفارقتها، فلعل الله تعالى أن يُيَسر لك الأمر بحصول زوجة تألفها وتألفك، المهم أن من أهم أغراض النكاح أيش؟ السكون، والطمأنينة إلى الزوجة، والحياة حياة سعيدة.
* ومن فوائد الآية: إثبات حكمة الله وقدرته ورحمته أيضًا، حيث جعل بين الزوجين مودة ورحمة.
* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على التفكير؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. فإن هذا واضح أنه محل ثناء لهم.
* ومن فوائدها: أن التفكير ينفتح به أبواب كثيرة، يعرف الإنسان بها من أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحصُل له لو لم يفكر؛ لأنه خصَّ الآيات بمن؟
* طالب: بقوم يتفكرون.
* الشيخ: بالقوم الذين يتفكرون، ودلَّ هذا على أنه يَحصُل بالتفكر من الاطلاع على أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحُصل بالغفلة.
التفكر يكون في آيات الله، أي: مخلوقاته ومشروعاته؛ لأن الآيات -كما سبق- إما كونية، وإما شرعية. يحصل التفكر في صفات الله من أي وجه؟ من وجه المعنى، أو من وجه الكيفية؟
* طالب: من وجه المعنى.
* الشيخ: من وجه المعنى، أما من وجه الكيفية فلا يجوز التفكر، لا يجوز التفكر في الصفات من حيث الكيفية؛ لأن ذلك محاولة لِمَا لا يمكن الحصول عليه؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: (السؤال عنه بدعة). فلا يجوز أن نتفكر في كيفية صفة من صفات الله، نتفكر في المعنى دون الصفة.
التفكر في ذات الله عز وجل مِثْلُه لا يجوز؛ لأنه محاولة لِمَا لا يمكن الوصول إليه، ثم التفكير في هذه الأمور يَجُرُّ إلى بلايا ومهالك، والذي ضرَّ مَن ضرَّ من أهل التعطيل وأهل التشبيه أيضًا، اللي ضرَّهم هو محاولة الوصول إلى الكيفية؛ فلهذا آلَ بهم الأمر إلى التعطيل أو التمثيل، والمهم أن التفكر يكون في مخلوقات الله، وفي مشروعاته، وفي معاني أسمائه وصفاته، أما في ذاته وكيفية صفاته فإنه لا تفكُّر؛ وذلك لأنه مهما بلغ الإنسان فإن الفكر سَيَرجِعُ خاسئًا وهو حسير، والإعراض عن هذا هو الواجب كما قال الإمام مالك.
* طالب: كيف عرفنا أن ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم ١٧] أنه أوقات الصلوات؟ من أين الدليل؟
* الشيخ: الدليل أن التسبيح المطلَق خصَّه الله في وقتين: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]. ولما جعل هذا خمسة أوقات عُلِم من قرينة التقسيم في الوقت أن المراد بذلك الصلوات الخمس.
* طالب: (...) قوله سبحانه وتعالى: (...) ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
* الشيخ: إي نعم، صح، اللام للتعليل، ففيه إثبات الحكمة ردًّا على الجهمية، وكذلك الأشاعرة الذين ينكرون حكمة الله عز وجل، وعلى المعتزلة ولَّا لا؟
لا، المعتزلة يَغْلُونَ في إثبات الحكمة؛ ولهذا يرون أنه يجب على الله فِعْلُ الأصلح أو الصلاح.
* طالب: شيخ، بالنسبة (...) في دفع الصفات.
* الشيخ: في أيش؟
* الطالب: في ردِّ الصفات هل (...) على مقدمات عقلية متفق عليها بينهم، ولَّا كل واحد بعقله يُعَلل؟
* الشيخ: لا، كل واحد يعلل، يعني يختلفون في تعليل هذا الرد، يختلفون، أحيانًا يقولون: إنه يستلزم الجسمية، ولكن غالب ما يدورون عليه التمثيل، أنه مستلزَم من التمثيل، لكن يختلفون في الطرق الموصلة إليه.
* طالب: مسألة البعث في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩].
* الشيخ: ما قلناها؟
* الطالب: لا، ذكرنا القياس.
* الشيخ: صحيح، إثبات البعث في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ هذه ما ذكرناها في الآية الأولى.
* * *
قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢].
﴿مِنْ آَيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، و﴿خَلْقُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: إيجادهما، إيجادهما بتقدير ونظام بديع، وهذا يشمل خلق هذه السماوات باعتبار كونها أجرامًا عظيمة، وباعتبارها مصلحة للعباد، فهذا من آيات الله.
قال: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم ٢٢]، اختلاف الألسنة أيضًا من آيات الله، ووجه ذلك أن هذه الألسُن من نوع واحد أو من جنس واحد، كلنا بشر، وكلنا من أب واحد، ومع ذلك تختلف الألسن اختلافًا عظيمًا، أليس كذلك؟
كذلك أيضًا هو من آيات الله؛ لأن كل إنسان يَعرفُ به جِنسَه بلغته، أنا أعرف مثلًا: هذا هندي، وهذا تركي، وهذا إنجليزي -مثلًا- وهذا ألماني، وهذا روسي، بسبب لغته، فهذا أيضًا من آيات الله، أنَّ الله جعلها دليلًا على جنس الإنسان.
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يشمل أصل اللغة، ويشمل اللهجات، ويشمل السلامة من العيوب، ويشمل العيوب أيضًا، ويشمل الفصاحة، ويشمل العيب، يعني لا تظن أن اختلافنا اختلاف الألسنة فقط بجنس اللغة، لا بل بكل هذا، فأجناس اللغات من آيات الله عز وجل، وكون هذا الإنسان ينطق بالحروف نطقًا تامًّا هذا من آيات الله، والثاني بالعكس: ينطق بها على وجه اللُّدْغة أو يتثاقل، أو ما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا قد نقول: إن من اختلاف اللسان الصوت، اختلاف الأصوات، هذا صوته جيد، وهذا حسن، والآخر بالعكس.
كذلك من اختلاف الألسن الفصاحة، ولَّا لا؟ الفصاحة وعدمه، فإن من الناس من يعطيه الله تعالى بلاغة في الكلام وحُسن أداء، حتى إنه يؤدي إليك المعنى بعبارة واضحة تفهما بأول مرة، ومن الناس من يكون بالعكس. فجميع ما يمكن أن يَرِد على اختلاف اللسان فإنه داخل في كونه من آيات الله عز وجل.
أما الألوان فحدِّثْ ولا حرج، فإنها من آيات الله، لا تكاد تجد اثنين متفقَيْن في اللون أبدًا، حتى لو كانا توأمَيْن لا بد أن يكون هناك خلاف، لكن منه ما يكون ظاهرًا ومنه ما يكون غير ظاهر، فالرجل الأبيض الأوروبي أظن بينه وبين الرجل الأسود الذي على خط الاستواء بينهما فرقًا، فرق شاسع، وما بين ذلك درجات متفاوتة، لكن لا تكاد تجد اثنين على لون واحد، هذا من الحكمة؛ لأنه لولا هذا لكان الناس يختلف بعضهم على بعض، ربما أُمسِك بواحد ويقول: تعال أعطني حقي أنت فلان بن فلان، يقول: لا أنا ما بكون. لكنه صار مثله بالضبط، وأيش يُدريه؟
ويقال: إن الله جعل لكل إنسان أربعين شبيهًا، ولكن ما أظن هذا يصح، بل إنه يقولون: إن البصمات التي في الأنامل أنها تختلف، كل واحد له بصمات على شكل لا يوافق الآخر، وهذا هو الظاهر؛ ولهذا الآن يُعتبَر في التحقيقات تُعتبَر البصمات، مما يدل على أنها تختلف قطعًا، وهذا مما يدل على قدرة الله سبحانه وتعالى، هذا الاختلاف العظيم الذي.. ملايين الملايين البشر ومع ذلك كل إنسان ما يمكن يطابق للآخر من كل وجه، لا بد يكون هناك علامة فارقة (...).
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الروم 30:24
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
* طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾.
* الشيخ: لا، قبل.
* طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...).
إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض.
* ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم.
* ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟
وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟
نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا.
دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله.
* ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى.
* طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف.
* ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء.
وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟
* طالب: كمال.
* الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح.
لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت.
وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات.
* طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية.
* الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها.
* طالب: لكن ما لم يَرِد (...).
* الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا ..
* الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع ..
* الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها.
* الطالب: وهل هي (...)؟
* الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة.
* * *
نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟
* طالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم.
وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟
* طالب: سُبِقَت بشبهه.
* الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم.
هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه.
وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء.
(﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له).
وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون).
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟
الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟
الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه.
فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به.
والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد.
ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: استفهام.
* الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟!
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟
* طالب: عربية.
* الشيخ: عربية؟!
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟
* طلبة: عربية.
* الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل ..
مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية.
قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
(﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها).
قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
* طالب: (...) تاء مربوطة.
* الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة.
* طالب: الفتح ضد الغلق.
* الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
* الطالب: مربوطة.
* الشيخ: ويش ضد الربط؟
* الطالب: الإطلاق.
* الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث.
ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله.
وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
* الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟
* الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله.
* الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟
* الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عليه الكثير.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩].
طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]].
* طالب: نافخ الكير (...).
* الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
* طالب: (...).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥].
* الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب.
* طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟
* الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الروم 30:25
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
* طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾.
* الشيخ: لا، قبل.
* طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...).
إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض.
* ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم.
* ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟
وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟
نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا.
دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله.
* ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى.
* طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف.
* ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء.
وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟
* طالب: كمال.
* الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح.
لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت.
وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات.
* طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية.
* الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها.
* طالب: لكن ما لم يَرِد (...).
* الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا ..
* الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع ..
* الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها.
* الطالب: وهل هي (...)؟
* الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة.
* * *
نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟
* طالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم.
وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟
* طالب: سُبِقَت بشبهه.
* الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم.
هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه.
وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء.
(﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له).
وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون).
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟
الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟
الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه.
فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به.
والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد.
ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: استفهام.
* الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟!
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟
* طالب: عربية.
* الشيخ: عربية؟!
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟
* طلبة: عربية.
* الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل ..
مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية.
قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
(﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها).
قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
* طالب: (...) تاء مربوطة.
* الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة.
* طالب: الفتح ضد الغلق.
* الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
* الطالب: مربوطة.
* الشيخ: ويش ضد الربط؟
* الطالب: الإطلاق.
* الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث.
ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله.
وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
* الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟
* الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله.
* الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟
* الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عليه الكثير.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩].
طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]].
* طالب: نافخ الكير (...).
* الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
* طالب: (...).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥].
* الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب.
* طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟
* الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الروم 30:26
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
* طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾.
* الشيخ: لا، قبل.
* طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...).
إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض.
* ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم.
* ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟
وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟
نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا.
دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله.
* ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى.
* طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف.
* ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء.
وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟
* طالب: كمال.
* الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح.
لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت.
وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات.
* طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية.
* الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها.
* طالب: لكن ما لم يَرِد (...).
* الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا ..
* الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع ..
* الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها.
* الطالب: وهل هي (...)؟
* الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة.
* * *
نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟
* طالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم.
وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟
* طالب: سُبِقَت بشبهه.
* الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم.
هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه.
وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء.
(﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له).
وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون).
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟
الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟
الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه.
فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به.
والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد.
ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: استفهام.
* الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟!
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟
* طالب: عربية.
* الشيخ: عربية؟!
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟
* طلبة: عربية.
* الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل ..
مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية.
قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
(﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها).
قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
* طالب: (...) تاء مربوطة.
* الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة.
* طالب: الفتح ضد الغلق.
* الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
* الطالب: مربوطة.
* الشيخ: ويش ضد الربط؟
* الطالب: الإطلاق.
* الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث.
ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله.
وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
* الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟
* الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله.
* الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟
* الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عليه الكثير.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩].
طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]].
* طالب: نافخ الكير (...).
* الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
* طالب: (...).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥].
* الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب.
* طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟
* الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الروم 30:27
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
* طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾.
* الشيخ: لا، قبل.
* طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...).
إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض.
* ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم.
* ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟
وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟
نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا.
دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله.
* ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى.
* طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف.
* ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء.
وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟
* طالب: كمال.
* الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح.
لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت.
وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات.
* طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية.
* الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها.
* طالب: لكن ما لم يَرِد (...).
* الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا ..
* الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع ..
* الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها.
* الطالب: وهل هي (...)؟
* الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة.
* * *
نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟
* طالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم.
وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟
* طالب: سُبِقَت بشبهه.
* الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم.
هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه.
وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء.
(﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له).
وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون).
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟
الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟
الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه.
فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به.
والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد.
ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: استفهام.
* الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟!
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟
* طالب: عربية.
* الشيخ: عربية؟!
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟
* طلبة: عربية.
* الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل ..
مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية.
قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
(﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها).
قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
* طالب: (...) تاء مربوطة.
* الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة.
* طالب: الفتح ضد الغلق.
* الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
* الطالب: مربوطة.
* الشيخ: ويش ضد الربط؟
* الطالب: الإطلاق.
* الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث.
ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله.
وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
* الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟
* الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله.
* الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟
* الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عليه الكثير.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩].
طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]].
* طالب: نافخ الكير (...).
* الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
* طالب: (...).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥].
* الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب.
* طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟
* الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الروم 30:28
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
* طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾.
* الشيخ: لا، قبل.
* طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...).
إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض.
* ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم.
* ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟
وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟
نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا.
دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله.
* ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى.
* طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف.
* ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء.
وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟
* طالب: كمال.
* الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح.
لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت.
وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات.
* طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية.
* الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها.
* طالب: لكن ما لم يَرِد (...).
* الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا ..
* الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع ..
* الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها.
* الطالب: وهل هي (...)؟
* الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة.
* * *
نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟
* طالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم.
وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟
* طالب: سُبِقَت بشبهه.
* الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم.
هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه.
وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء.
(﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له).
وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون).
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟
الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟
الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه.
فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به.
والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد.
ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: استفهام.
* الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟!
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟
* طالب: عربية.
* الشيخ: عربية؟!
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟
* طلبة: عربية.
* الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل ..
مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية.
قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
(﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها).
قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
* طالب: (...) تاء مربوطة.
* الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة.
* طالب: الفتح ضد الغلق.
* الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
* الطالب: مربوطة.
* الشيخ: ويش ضد الربط؟
* الطالب: الإطلاق.
* الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث.
ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله.
وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
* الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟
* الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله.
* الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟
* الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عليه الكثير.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩].
طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]].
* طالب: نافخ الكير (...).
* الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
* طالب: (...).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥].
* الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب.
* طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟
* الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الروم 30:29
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
* طالب: قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾.
* الشيخ: لا، قبل.
* طالب: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمؤلف قال: (بإرادته)، وقد تقدم التنبيه على هذا، أن المراد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ اللي هو الكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى ببعث الموتى بكلمة واحدة، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحظوا يا جماعة أن المسألة ما هي بخلق واحد فقط أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، بل هي ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، دعوة واحدة يكون بها جميع الخلق خارجين، وهذا لا شك أن فيه ما هو من أبلغ القُدَر، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن مَقَرّ بني آدم الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥] ، فالمعمول في هذه الآية مُقَدَّم، ﴿فِيهَا﴾ و﴿مِنْهَا﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، ومن هذا الشيء (...).
إذن فالحياة على الكواكب متعذِّرة بالنسبة لبني آدم، هذا هو ظاهر الآيات؛ لأن بني آدم خُلِقُوا من الأرض ويرجعون إلى الأرض، ويُدْعَوْن يوم القيامة من الأرض.
* ومنها: إثبات الكلام لله في قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * فيستفاد منها: عموم ملك الله، من أين يؤخذ العموم؟ العموم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (من) اسم موصول، والموصولات كلها تفيد العموم.
* ويستفاد من الآية: انفراد الله عز وجل بالملك واختصاصه به، من أين يؤخَذ؟ من تقديم الخبر، ﴿وَلَهُ مَنْ﴾، يعني: لا لغيره، أو لا؟
وهنا يَرِدُ علينا إشكال في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هذا العموم نجد أن بني آدم يملكون أشياء من هذا، أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فما هو الجواب عن ذلك؟
نقول: الجواب عن هذا أن ملك بني آدم ملك مقيَّد بتمليك مَن له الملك، ولذلك أنت لا تستطيع أن تتصرف بمالك كما تشاء، هل تملك أن تحرق مالك؟ ما تملك أن تحرقه، ولا أن تتلفه، صحيح تملكه بالنسبة لغيرك من الآدميين ما يقدرون يمنعونك، لكن بالنسبة للخالق الذي له الملك يمنعك من هذا، فصار ملكنا لما نملك ليس ملكًا تامًّا.
دليله أو وجهه أننا لا نستطيع ولا نملك أن نتصرف فيما بين أيدينا كما نشاء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: خضوع الكائنات لربها سبحانه وتعالى، من أين؟ ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأن جميع الكائنات خاضعة لله.
* ويستفاد من ذلك: أن القنوت لا يختص بالقنوت الشرعي، وأكثر الناس يظنون أن القنوت يختص بالقنوت الشرعي، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، هذا قنوت شرعي لا شك، لكن الآية هذه وما أشبهها تدل على أن القنوت أنه الخضوع لله عز وجل، سواء كان ذلك خضوعًا شرعيًّا أم كونيًّا.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الخلق حادث بعد أن لم يكن، أو لا؟ الخلق حادث بعد أن لم يكن، من أين يؤخذ؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيكون في الآية ردٌّ لقول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العالم، والصواب أن العالم حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إعادة الخلق؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال قياس الأَوْلَى، وأظنكم تعرفون قياس الأَوْلَى في أصول الفقه، الاستدلال بالنظير على نظيره هذا قياس مساواة، والاستدلال على الشيء الذي يكون أَوْلَى من الْمَقِيس عليه يسمونه قياس الأَوْلَى، فهنا في الآية استعمال قياس الأَوْلَى، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إعادتُه، فإنه إذا كان قادرًا على الابتداء فهو على الإعادة من باب أولى.
* طالب: على أحد الوجهين يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، على ما مشى عليه المؤلف.
* ومن فوائد الآية: إثبات كمال الصفات لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على أهل التعطيل الذين ينكرون صفات الله عز وجل، فإن الذين ينكرون صفات الله ما جعلوا له الْمَثَل الأعلى، بل جعلوه موصوفًا بالنقائص -والعياذ بالله- سواء كان هذا التعطيل كليًّا أم جزئيًّا؛ لأنه إن كان كليًّا كما فعل الجهمية وسَلَبُوه جميع الصفات، وكذلك المعتزلة قالوا: له أسماء بدون صفات، فلاحظ أنهم سَلَبُوا الكمال عن الله، أما إذا كان جزئيًّا كما فعل الأشاعرة والماتُريدية ونحوهم فإن هذا فيه سَلْب الكمال عن الله فيما وصف به نفسه، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] الاستواء صفة كمال، وهم يقولون: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، فلم يجعلوا للعرش خصيصةً بالاستواء عليه؛ لأن الله تعالى مستولٍ على كل شيء.
وكذلك أيضًا إذا قالوا: إن المراد بالآيات خلاف الظاهر، فإنهم وصفوا الله عز وجل بالنقص، كيف ذلك؟ لأن إرادة المتكلم بكلامه خلافَ الظاهر بدون بيان يعتبر تدليسًا وتمويهًا، والله عز وجل ما أنزل القرآن إلا للبيان، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، فإذا قلنا: إن الله أراد بهذا خلاف الظاهر، فهذا وصف له بالتعمية سبحانه وتعالى، وأنه لا يريد البيان، وهذا لا شك أنه نقص، ولهذا نقول: إن جميع مَن أنكروا صفات الله عز وجل كلية أم جزئية فإنهم قد صفوا الله سبحانه وتعالى بالنقص، واضح؟
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن كل صفة وصف الله بها نفسه فهي صفة كمال، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإذا أثبت لنفسه صفة عَلِمْنَا أنها صفة كمال، الرحمة أثبتها الله لنفسه، صفة كمال ولَّا نقص؟
* طالب: كمال.
* الشيخ: كمال، لكنها عند أهل التعطيل الْمُحَرِّفين هي صفة نقص، يقولون: إن الرحمة تدل على الْخَوَر والضعف، فلهذا رحمة الله لا يراد بها الرحمة وإنما يراد بها الإحسان، أو مرادف الإحسان، يفسرونها إما بالجزاء المفعول المخلوق، وإما بإرادته، وعلى هذا فَقِس.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة استعمال قياس الأَوْلَى في حق الله، وأن نقول: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أَوْلَى بها؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله يُقَرِّر هذا، بأن استعمال قياس الأولى في حق الله جائز، أما قياس التمثيل وقياس الشمول فهذا ممتنع؛ لأنه هو التشبيه، فإذا قلنا: كل صفة كمال في المخلوق فالخالق أولى بها، صح.
لكن يجب أن نعلم أن صفات المخلوق الكاملة التي تكمل نقصه كاملة في حقه، لكن لتكميل نقصه هذه لا يُوصَف الله بها، يعني هي كاملة في حق المخلوق، لكن لتكميل نقصه، فإن الخالق لا يُوصَف بها؛ لأنها وإن كانت كاملة فهي في الواقع نقص، مثل الأكل والنوم والنكاح، وما أشبه هذا، هذه الصفات في حق المخلوق أيش؟ صفة كمال؛ لأن اللي لا يأكل معناه مريض، والذي لا ينام معناه مريض، والذي لا يتزوج معناه أنه مريض، فَفَوَات هذه الصفات نقص في المخلوق، لكنها لما كانت تكميلًا لنقصه صارت لا يوصَف بها الخالق، لحاجة الإنسان إلى الأكل صار يأكل، واللي ما يشتهي يموت، اللي ما يشتهي ولا يأكل آخره الموت.
وكذلك لما كان الإنسان يتعب ويحتاج إلى صفة تقطع هذا التعب، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ ٩]، صار النوم في حقه كمالًا، وكذلك لما كان الإنسان محتاجًا إلى بقاء النسل والنوع صار النكاح في حقه كمالًا، وفي الحقيقة تكميل لنقص، لكن لا يُوصَف الله به عز وجل؛ لأن الله كامل من جميع الصفات.
* طالب: شيخ، سبق لنا أن الصفات توقيفية، ولو فتحنا هذا الباب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فربما الإنسان يقيس بعقله ويخطئ لأنه قد يظن هذا كمالًا وهو ليس صفة كمال، يعني توقيفية.
* الشيخ: بيَرِدُ علينا هذا الشيء، لكن نقول: كل صفة كمال من حيث العموم والجنس، أما أن نقول: كل صفة مثلًا تثبت للمخلوق نثبتها للخالق هذا ما يمكن ما يستقيم، أما من حيث الجنس كل صفة كمال في المخلوق فالله أولى بها.
* طالب: لكن ما لم يَرِد (...).
* الشيخ: هو مؤيد، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مثل ما قلنا: المقصود الجنس، أما كل صفة مثلًا ما يمكن، خصوصًا ..
* الطالب: المثل الأعلى فيما ورد من الصفات، فيما ورد السمع ..
* الشيخ: لا، مطلقًا، حتى - مثلًا الأشياء التي قد لا قد تكون موجودة في النص وهي من صفات الله، يعني قصدي أنها من الكمال، والله تعالى متَّصِف بها.
* الطالب: وهل هي (...)؟
* الشيخ: ممكن الصفات الخبرية قد نقول: إن الصفات الخبرية أنها تمتنع أن يقاس الله بالخلق، ولا قياس الأولى، كالعين واليد، وما أشبهها، فهذه قد نقول: إنها ما يمكن أن نقيس قياس الأولى، فالأُذُن في المخلوق كمال، لكنها في الخالق ما تُثْبَت له؛ لأنها ما ورد بها الشرع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات العزة؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الحكمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثبات الْحُكْم أيضًا من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قطع الاعتراض أو على الخلق والشرع، بمعنى أنك ما تعترض على خلق الله أو على شرعه، وإنما تُسَلِّم، كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بالحكمة، أن الله تعالى حكيم، فحينئذ ينقطع الاعتراض نهائيًّا، ما تقول: لِمَ، ولا من أين، إلا على سبيل الاسترشاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اطمئنان الإنسان التام لما قَدَّرَ الله تعالى وشَرَعَهُ، حيث إنه صادر عن الحكمة.
* * *
نبدأ الآيات الجديدة الآن، قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ﴾ هذه هي صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مَلَكَتْهُ أيمانكم.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأيمان جمع يمين، وهي اليد، وأضيف الملك إلى اليد؛ لأن غالب تصرفات الإنسان بيده، وأضيف إلى اليمين؛ لأنه أشرف من اليسار.
وقوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المراد: ما ملكت الأيمان من الإنسان، ولهذا قال المؤلف: (أي: مماليككم) أي: من مماليككم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذه هي المبتدأ، والخبر، وين الخبر؟
* طالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ المقدَّم، ولكن المبتدأ دخلت عليه (مِن) لإفادة العموم، أو للتنصيص على العموم؛ لأن (مِن) الزائدة -كما تقدم لنا- تفيد التنصيص على العموم.
وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إذا قال قائل: كيف جاءت (مِن) زائدة وهي لم تُسْبَق بنفي؟
* طالب: سُبِقَت بشبهه.
* الشيخ: سُبِقَت بشبهه نعم.
هل لكم شركاء لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، يقول المؤلف: (﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال وغيره)، والجواب لا ولَّا نعم؟ الجواب: لا، ليس لنا مما ملكت أيماننا شركاء فيما رُزِقْنَا، فالمملوك لا يشاركك في مالك، ولا يشاركك أيضًا في ولدك، ولا يشاركك في أي شيء تملكه.
وقوله: (﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، المؤلف أتى بكلمة (وهم)؛ لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، فلهذا أتى بقوله: (وهم)، ولا حاجة إليها في الحقيقة، الكلام تامٌّ بدونها؛ إذ من الممكن أن نقول: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ الضمير يعود على المالك والمملوك، فأنتم أيها المالكون والمملوكون فيه سواء، وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير: وهم.
وقوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، هذا الذي تَسَلَّطَ عليه النفي، يعني: لستم فيه سواء.
(﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار)، ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على (ما) ﴿مِنْ مَا﴾، باعتبار اللفظ ولَّا باعتبار المعنى؟ باعتبار المعنى؛ لأن (ما) لو عاد إليها الضمير باعتبار اللفظ لعاد إليها مفردًا، فلما عاد إليها جمعًا صار باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، المؤلف رحمه الله جعل الأنفس بمعنى الجنس، يعني: كما تخافون من جنسكم، ولهذا قال: (أي: أمثالكم من الأحرار)، ويمكن أن يقال: إنه يعود على ذات الإنسان ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: كما أنكم لكم التسلُّط على أموالكم فأنتم تخافون أن يتسلطوا على هذه الأموال كما تتسلط أنفسكم.
وقوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، و(أنفس) هي المفعول، قال المؤلف رحمه الله: (والاستفهام بمعنى النفي، أي: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له).
وهذا مثل واضح؛ لأنه إذا كان أنت اللي تملك لا يشاركك في مالك، وفيما هو من خصائصك فكيف تجعل لله تعالى شريكًا فيما هو من خصائصه؟ الكلام واضح جدًّا في إلزام هؤلاء بعدم الشرك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قال المؤلف: (نُبَيِّنُها مثل ذلك التفصيل ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون).
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو إذن مفعول مطلق، أين عامله؟ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أي: مثل ذلك التفصيل والتبيين نُفَصِّل الآيات، ولكن مَن الذي ينتفع بها؟ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فإذا قال قائل: إن الله تعالى فَصَّلَ الآيات للعاقلين وغير العاقلين، فلماذا خَصَّ ذلك بالعاقلين؟
الجواب: لأنهم المنتفعون بهذا التفصيل، مثلما وصف الله القرآن بأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] ، وفي آية أخرى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عامة، فباعتبار الهداية المطلقة هو عامّ، وباعتبار الانتفاع هو خاص، والله أعلم.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم ٢٩]، قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾ هذه للإضراب، والإضراب هنا انتقالي وليس إبطاليًّا، ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى لَمَّا بَيَّنَ هذه الآيات الدالة على قدرته وعلى أنه إله واحد لا شريك له بضرب الْمَثَل الأخير، الْمَثَل الذي لا ينازع فيه إلا مُكَابِر، الْمَثَل الأخير ما هو؟ أنه كيف تجعلون لله شريكًا هو يملكه، الله يملكه، فهل لكم أنتم شركاء في أموالكم من مماليككم؟ الجواب: لا، إذن فإنه يدل على أن الله لا شريك له، بعد هذا بَيَّنَ عز وجل أن الذين خرجوا عن ذلك وأنكروا البعث وأنكروا الوحدانية أنهم ليسوا على حق، وإنما هم ظالمون، ولهذا قال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال المؤلف: (بالإشراك)، وهذا تخصيص في غير محله، والظاهر لي أن المؤلف خَصَّصَه مراعاة للمَثَل الذي قبله؛ لأن الْمَثَل الذي قبله واضح في أن الغرض منه إبطال الشرك، ولكن لو قيل: إنه يشمل هذا وغيره من الظلم، كإنكار البعث مثلًا، إنكار البعث لا شك أنه ظلم؛ لأنه يستلزم تكذيب الله عز وجل، كما ثبت في الحديث القدسي أن تكذيب الله «أن الله تعالى لن يعيده كما بدأه»[[أخرج البخاري (٤٩٧٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأمَّا شتمُهُ إيايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ». ]]، وقد سبق ذِكْرُه، فيكون المراد بالظلم هنا الإشراكَ وغيرَه مما ظلموا فيه أنفسهم.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، والهوى في الأصل الْمَيْل، ثم إنه لا يطلق في الغالب إلى على الهوى المذموم، فيقال: اتَّبَع هواه دون هُدَاه، وقد يأتي للهوى المحمود كما في الحديث وإن كان فيه ضعف، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]، فهنا الهوى التابع لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه هوى محمود.
وقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: أن هذا الاتباع ليس مبنيًّا على علم، بل هو مبني على الجهل والضلال فيمن كانوا جاهلين، وعلى الاستكبار والعناد فيمن كانوا معاندين، فالذين اتبعوا أهواءهم اتبعوها بغير علم؛ إذا كانوا جاهلين فالأمر ظاهر أنه لا علم لهم باتباع أهوائهم، لكن إذا كانوا معاندين فهل نقول: إنهم بغير علم؟
الجواب: نعم، نقول: إنهم بغير علم؛ لأن مَن استكبر وعاند الحق فإنه كالجاهل بما يستحقه الرب عز وجل، فهو في الحقيقة غير عالم، بل الجاهل خير منه.
فإذا قال قائل: كيف يصح نفي العلم مع وجوده؟ قلنا: كما يصح نفي السمع مع وجوده، ونفي البصر مع وجوده لمن لم ينتفع به، أليس الله يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، أو ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، المهم أن نفي العلم لِمَن لم ينتفع به صحيح كنفي السمع عمن لم ينتفع به.
والحاصل أن المتَّبِعين لأهوائهم ينقسمون إلى قسمين: قسم جاهل حقًّا بنَى هواه على الضلال، ويمكن أن نُمَثِّل لهؤلاء بمن؟ بالنصارى، فإن النصارى ضالُّون، وقسم آخر مُسْتَكْبِر معانِد، فهذا في الحقيقة لا علم عنده، وإن كان له علم فإنه لا ينفعه بل ضره، كاليهود.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ (من) اسم استفهام، والمراد بالاستفهام هنا النفي، وقد سبق لنا قاعدة أن الاستفهام إذا جاء بمعنى النفي صار مُشْرَبًا بالتحدي؛ لأنك إذا قلت: مَن يفعل كذا، أعظم مما إذا قلت: لا أحد يفعله، كأنك تقول: هذا أمر لا يمكن، فإن كنت صادقًا فأَرِنِي مَن يفعله، فإذا جاء الاستفهام بمعنى النفي صار أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأن الاستفهام بمعني النفي مُشْرَب معنى التحدي.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أين المفعول؟ المفعول محذوف، والتقدير: مَن أضلَّه الله، وهذا المفعول هو عائد الموصول، وعائد الموصول الذي يعود إليه.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (أي: لا هادي له)، فَسَّر الاستفهام بالنفي، أي: لا هادي له، وهو حق، لكنه كما قلت: أبلغ من النفي المجرد.
ثم قال: (﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله)، الظاهر أن الواو هنا للاستئناف؛ لأن الجملة خبرية، والتي قبلها إنشائية، ﴿مَنْ﴾ إنشائية، هل هو صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: استفهام.
* الشيخ: استفهام، الاستفهام من قسم الإنشاء كما قرأنا في البلاغة، أو ما يُدْرَس في الليل لا يُعْطَى في النهار؟!
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني أن هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم مستحقون للعذاب، ولن يجدوا أحدًا ينصرهم منه، أي: من العذاب، أي: يمنعهم.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، النفي هنا مؤكَّد بـ(مِن) الزائدة الداخلة على قوله: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصل الكلام بدون هذه أن يقال: وما لهم ناصرون، أسأل الآن: هل (ما) هنا حجازية أو عربية؟
* طالب: عربية.
* الشيخ: عربية؟!
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، ترى الحجازي معناه الذي يختص به الحجازيون، والعربي الذي للحجازيين والتميميين؟
* طلبة: عربية.
* الشيخ: عربية؟ نعم، لماذا؟ لاختلاف التركيب؛ لأن خبرها قُدِّم، ولا تكون حجازية إلا إذا كانت مُرَتَّبَة الاسم قبل الخبر، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم ٣٠]، بعد أن تَوَعَّد هؤلاء المشركين بما توعَّدَهم به، وبَيَّنَ أنه لا أحد يهديهم إذا أضلَّهم الله عز وجل ..
مائلًا إليه وعمن سوى ذلك، أليس كذلك؟ ولهذا حُذِفَ المتعلق بالاسم؛ ليكون شاملًا للميل إلى الدين، والميل عن الدين.
وأصل الحنف: ميل الرِّجْل، الرجل المائلة تُسَمَّى حنفاء؛ فالحنيف معناه (المائل عن، إلى) أو لا؟ عن الشرك إلى التوحيد، وعن المعصية إلى الطاعة.
وقوله: (أي: أخلص دينك لله أنت ومن تبعك) (أخلص دينك لله) هذا تفسير معنوي لقوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾، ولو جُعِلَ أعم من ذلك لكان أولى؛ لأن إقامة الوجه تشمل الإخلاص وتمام الإتباع؛ لأن إقامة الوجه نحو الشيء يستلزم متابعته وعدم المخالفة، فيكون شاملًا لإخلاص النية والاتباع اللذين هما أساس العمل، كل عمل لا ينبني على الإخلاص والمتابعة فهو باطل؛ لأنه إذا فَقَد الإخلاص صار شركًا، وإن فقد الاتباع صار بدعة، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] وهذا للإخلاص، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وهذا للاتباع.
وقوله: (أنت ومن اتبعك) أتى المؤلف بقوله: (ومن اتبعك)؛ لأنه سيأتينا وصف مجموع وهو قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ إلى آخره، ولا يمكن أن تكون الحال المجموعة للمفرد؛ لأن الحال وصف فكما لا يُخْبَر عن الواحد بالجمع، لا تُجْعل الحال جمع لواحد.
وما ذهب إليه المؤلف صحيح من وجهين: أولًا مراعاة اللفظ الآتي، والثاني أن الخطاب للرسول ﷺ خطاب له ولأمته؛ لأن زعيم القوم يُوَجِّه إليه الخطاب الموجه للجميع يقول مثلًا -الركن في الجيش- يقول للقائد: اذهب إلى الجبهة الفلانية، من يريد؟ القائد ومن معه، لا يريده وحده؛ فالخطاب لزعيم قوم خطاب للجميع.
فالله عز وجل يوجِّه خطابه للرسول ﷺ والمراد هو والأمة؛ الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، الخطاب مفرد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبعده ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ مو بوحده هو، بل كل الأمة، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١] فنحن لنا فيه أسوة فنحن له تبع.
إذن وجه كون الخطاب لشخص الرسول ﷺ للأمة له وجهان:
الوجه الأول أن خطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه بدليل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١].
الوجه الثاني أننا مأمورون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فكل خطاب له يُؤمر به أو يُنهى عنه فإننا تبع له في ذلك.
والفرق بين الوجهين ظاهر؛ لأنه على الوجه الأول يكون تناول الخطاب لنا أصلًا مع الرسول ﷺ، وعلى الوجه الثاني يكون توجيه الخطاب لنا عن طريق التبعية.
قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خلقته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
(﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه أي: الزموها).
قوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ البحث فيها من وجهين؛ الوجه الأول من حيث الرسم، الرسم غير جارٍ على القواعد المعروفة، لا في الرسم العثماني ولا في الرسم الحاضر؛ وجه ذلك.. أيش وجه ذلك؟
* طالب: (...) تاء مربوطة.
* الشيخ: أن التاء مطلقة (فطرة) وهي مربوطة؛ لأنها مفرد والمفرد تكون التاء فيه مربوطة، وليس في القرآن فطرة مربوطة إلا هذه، هي مفتوحة ولَّا مطلقة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب، مفتوحة؟! كأن الفتح ضد الكسر، إحنا نسميها مربوطة ومطلقة.
* طالب: الفتح ضد الغلق.
* الشيخ: طيب، ويش تسمونها؟
* الطالب: مربوطة.
* الشيخ: ويش ضد الربط؟
* الطالب: الإطلاق.
* الشيخ: الإطلاق، طيب على كل حال، هذا لأن خط القرآن يُتْبَع فيه الرسم العثماني، واستفاضًا في البحث؛ اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟
فمنهم من قال: إنه جائز؛ لأن الرسم العثماني هو عبارة عن شكل وصورة، ولو كان الرسم العثماني في ذلك العهد على غير هذا الوصف لكُتِبَ القرآن به أليس كذلك؟ إذن فخضوعه للرسم العثماني في ذلك الوقت ليس على سبيل أنه نزل على هذا الوجه، لكن على سبيل أن الرسم في ذلك الوقت كان على هذه الصورة، فهمتم؟
ولا شك أنه لو كان على الصورة الموجودة حاليًّا لا شك أنه سيُكْتب عليها ولَّا لا؟ مثلًا (الصلاة) الصورة الحالية بعد الصاد لام ألف؛ يعني القاعدة الحاضرة الآن لام ألف، لكن على الرسم العثماني لام واو.
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: لا، الصلاة (...) (الزكاة) مثلها، (الربا) بالواو مع أنها على الرسم الموجود بالألف، فالحاصل أنَّا نقول: إن بعض العلماء يقول: إنه يجوز أن يُكْتَب القرآن على القواعد المعروفة حاليًّا؛ تعليلهم لأن هذا الرسم شكل صادف أنه في ذلك الوقت على هذا النحو فكتبوه، وليس القرآن نازلًا مكتوبًا بهذا، لو كان نازلًا مكتوبًا بهذا لقلنا: ربما لا يجوز، لكن هذا اصطلاح، وإذا كان اصطلاحًا فكل ما يَتَأَدَّى به الغرض فإنه يجوز.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقًا أن يُخالَف الرسم العثماني وأنه يجب أن يبقى الرسم حتى لو رسمته للصبيان على السبورة يجب أن يكون بالرسم العثماني احترامًا للقرآن.
ومنهم من فَصَّل: وقال: إن المُبْتَدِئ يجوز أن نرسمه له بحسب القواعد المعروفة عنده، وغيره لا يجوز قالوا: لأن المُبْتَدِئ يحتاج إلى تعليم؛ لو أنك كتبته بالرسم العثماني للمبتدئ وقلت: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٦] ماذا يقرؤها؟ يمحق الله الربو أليس كذلك؟ (الزكاة) يقول: الزكوت، (الصلاة) الصلوت، وما أشبه ذلك بخلاف الإنسان العالم فإنه يكتبه بالرسم العثماني.
وهذه الأقوال أيًّا كان صحيحًا فإن ما يفعله بعض الناس اليوم من جعلهم يكتبون القرآن على صورة النقوش يجعلونها في براويز أيهم أحسن نقشًا فإن هذا محرم على كل الأقوال؛ لأنه أصبح الآن إذا عملنا هذا العمل كأننا جعلنا القرآن وشيًا وتطريزًا فتضيع قيمته، وأقبح من ذلك أن يُجْعَل على صورة إنسان، فقد شاهدت في تقويم (...) صورة إنسان بآية من القرآن، حاطين رأسًا ورجلين كأنه جالس مفترش -أعوذ بالله- مضادة ظاهرة ومحادة لله ورسوله، الصورة محرمة كيف عاد تكتب بها القرآن؟! كذلك كتابة القرآن.
والحاصل أن الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- صاروا يبالغون في أشياء تضرهم ما تنفعهم بالنسبة للقرآن الكريم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم صحيح، لكن الذين يقولون بالجواز يقولون: نحن نبغي نكتبها على قراءة واحدة، والقراءات الآن ضُبِطَت (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما سمعت، لا، الخلاف في هذا مشهور، ما فيه (...).
والبحث الثاني في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ما الذي نصبها؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الذي نصبها فعل محذوف قدره المؤلف بقوله: الزموا فطرة الله، ومثل هذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، فهو إذن أبلغ من ذِكْر العامل الذي هو الْزَم، حذفه أبلغ؛ لأنه إذا وُجِدَ العامل تقيدت الجملة به، لكن إذا حُذِفَ العامل صارت الجملة صالحة له ولسواه مما يمكن أن يتسلط على المعمول، الزموها، اعتنوا بها، تمسكوا بها، وما أشبه ذلك؛ فلهذا يقولون: إنه منصوب على الإغراء، وهو المبالغة في الحث.
ثالثًا ﴿فِطْرَتَ﴾ كلمة (فطرة) منين مشتق؟ من (فطر الشيء)، فطر الشيء أي: ابتدعه على غير مثال سابق؛ كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]؛ أي: مبدعهما على غير مثال سابق.
هذه الفطرة أبدعها الله عز وجل في الإنسان أو في الناس كما في لفظ الآية على غير مثال سابق؛ ولهذا قال: (﴿﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ﴾ خِلْقَته ﴿﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ﴾ وهي دينه).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، البدع والفطر معناهما واحد؛ قال: وهي دينه أو الزموها.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه الآية شاهد للحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] لو أن المخلوق تُرِكَ وفِطْرَتَه ما عَبَد إلا الله؛ ولهذا البهائم العُجْم التي ليس لها مَا يغريها أو (...) هل يمكن أن تعبد اللات والعزى والشمس والقمر؟
الجواب: لا ولَّا نعم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فأصل الخلق مفطور على تسبيح الرب عز وجل الخالق، لكن مَنْ أُعطوا العقول هم الذين ربما ينحرفون؛ لأن لهم إرادات واتجاهات بخلاف مَنْ ليس له إلا العقل المعيشي فإنه لا ينطلق عن هذه الفطرة؛ ولهذا البهائم العجم -كما قلت- تعرف خالقها وفاطرها ولا تسبح إلا الله.
وقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال: (﴿﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴾ لدينه؛ أي: لا تبدلوه بأن تشركوا).
* الطالب: تعريف الفطرة ويش معناه؟
* الشيخ: هو اللي ذكرنا قبل قليل، الفطرة معناه وجود الشيء أو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، والمراد بالفطرة هنا توحيد الله ودين الله.
* الطالب: هل نقول: قوة في النفس (...) الخالق (...)؟
* الشيخ: لا، ما حاجة، (دين الله) أوضح مثلما قال المؤلف رحمه الله.
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ كلنا يعرف أنه نفي؛ لأن (لا) نافية للجنس، فهل هو باقٍ على كونه نفيًا لفظًا ومعنًى، أو أنه نفي لفظًا خبر معنى؟
المؤلف مشى على الأخير، وأنه نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا هذه الفطرة بالإشراك، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، عليه الكثير.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا نهي، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ١، ٢]؛ فإنه فيها تفسيرينِ على ما تقدم؛ أحدهما أنها بمعنى النهى أي: ليس فيه ريب ولا شك، والثاني بمعنى النهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج ٧]، هذه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله بالإشراك، بل أقيموا وجوهكم حنفاء، ويجوز أن يكون نفيًا على ظاهره، وأنه لا أحد يُبَدِّل خلق الله كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]، ويكون المعنى أن الأمر بيد الله عز وجل؛ فمَن شاء هداه بقى على فطرته، ومن شاء أن يُضِلَّه أضله، فلا أحد يستطيع أن يبدل خلق الله، وإنما الذي بيده الأمر هو الله؛ وعلى هذا فيكون في الآية وجهان:
الوجه الأول أنها خبر بمعنى النهي.
والثاني أنه خبر على بابه، وعلى الأول الأمر ظاهر، أي المعنى ظاهر أنكم لا تبدِّلوا فيكون (...) معنى على الإشراك، وعلى الثاني يكون وجهه أن هذه الفطرة التي فطر الله عليها الخلقَ لا أحدَ يستطيع أن يبدلها، بل الذي يبدلها هو الله، فمن أراد الله هدايته لم يضله أحد، ومن أراد الله إضلاله لم يهده أحد، لا سيما وأنه قال قبل هذا: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم ٢٩].
طيب، من جملة أخبار التبديل ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، وذِكْر الأبوين ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التنظير والتمثيل؛ يعني أن من يتصل بهذا الإنسان يجعله يهوديًّا أو نصرانيًّا، وكم من إنسان تَنَصَّر لا عن طريق الأبوين ولكن عن طريق الجلساء والرفقاء، ومن ثَمَّ حذر النبي عليه الصلاة والسلام من جليس السوء ورغب في الجليس الصلاح، وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ أَوْ يَبَيعَكَ أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[أخرج البخاري (٥٥٣٤) ومسلم واللفظ له (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]].
* طالب: نافخ الكير (...).
* الشيخ: لا، معناه ما كان لمؤمن، هذه بمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع؛ لأن (ما كان) و(ما ينبغي) وما أشبه ذلك في القرآن تأتي بمعنى ممتنع غاية الامتناع.
* طالب: (...).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة ١١٥].
* الطالب: (...) الأخير ما (...) تقال: جبرية.
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ يقول في خطبته. ويش يقول؟ «مَنْ يُهْدِ اللَّهَ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه أبو داود (٢١١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* الطالب: (...) ما أحد يستطيع أبدًا، يعني: إن شاء الله هداه (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، ما أحد يستطيع هداية الإنسان أبدًا أو انحراف إنسان إلا بإذن الله، هذا النبي عليه الصلاة والسلام حَرِصَ غاية الحرص وبذل ما يستطيع من جهد في هداية عمه أبي طالب، ولكن ما تمكن ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وليس معنى ذلك أننا إذا قلنا: إن الأمر بيد الله عز وجل وأنه هو الذي يضلُّ ويهدي ليس معنى ذلك ألا نفعل الأسباب، كما أن الأمر بيد الله في إيجاد الأشياء، إيجاد الرزق، إيجاد الولد، دفع الضرر، هل نحن نفعل الأسباب أو نبقى حائرين؟ نفعل الأسباب.
نحن نقول: الهداية بيد الله والإضلال بيد الله، لكن لكل منها سبب.
* طالب: وهو أولى اللي مشى عليه المؤلف؟
* الشيخ: ما قاله المؤلف له وجه؛ لورود ذلك في اللغة العربية، والوجه الثاني هو الأصل؛ لأن اللي عندي النفي، فمن صرفه عن ظاهره يحتاج إلى دليل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]