Tafsir Ibn Uthaymeen — السجدة 32:1 – السجدة 32:14
المحتويات
السجدة 32:1
أصلًا، وأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا (...) أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح أنه لا معاني لها.
فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي ليس فيه هذه الحروف الهجائية، هذه الحروف في لسان العرب معناها أنها حروف يكون منها الكلام فقط، ولكن ذكروا أن لهذه الحروف الهجائية لها مغزى، ما هو المغزى؟ هو إظهار عجز هؤلاء المكذبين وأن هذا القرآن من هذه الحروف التي تُكَوِّنُونَ منها كلامكم، ومع ذلك فقد أعجزكم، هو لم يأت بشيء جديد إنما أتى بالحروف التي تُرَكِّبُون كلامكم منها، قال: ويدل لذلك أنك لا تكاد ترى سورة ابْتُدِئَتْ بهذه إلا ويليها ذكر القرآن قال: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [السجدة ١، ٢] القرآن، المراد بالكتاب القرآن، وسُمِّيَ كِتَابًا وهو فعال بمعنى مفعول أي مكتوب، سُمِّيَ كتابًا؛ لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة وفي الصحف التي بأيدينا؛ ولهذا سُمِّيَ كتابًا.
قال: (مبتدأ)، أيهما مبتدأ ﴿تَنْزِيلُ﴾ ولَّا ﴿الْكِتَابِ﴾؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾؛ لأن الكتاب مضاف إليه ما هو مبتدأ، (مبتدأ ﴿لَا رَيْبَ﴾ شَكَّ ﴿فِيهِ﴾ خبر أول).
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة ٢] يعني أن تنزيل الكتاب مؤكد ما فيه ريب، وهل النفي هنا على بابه أو هو نفي بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه؟
قولان؛ فمن العلماء من يقول: إن النفي هنا بمعنى النهي، فمعنى لا ريب فيه أي: لا ترتابوا فيه.
ومن أهل العلم من يقول: إن المراد بالنفي حقيقته، والمعنى أن هذا الكتاب ليس فيه ريب، وإذا لم يكن فيه ريب لزم من ذلك النهي عن الريب؛ لأنه إذا انتفى الريب في القرآن فلا يحل لنا أن نرتاب فيه، وهذا القول أبلغ أن يكون للنفي، ليس فيه ريب سواء ارتاب فيه مَنِ ارتاب أم لم يرتب.
فهو حقيقة لا ريب فيه.
والريب يقول المؤلف: إنه الشك. ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يوجد كلمتان مترادفتان في المعاني، بل لا بد أن يكون هناك فارق، وقالوا: إن الريب شك مع قلق ورِيبة، فليس مطلق الحكم، بل هو شَكٌّ خاص، وهو الذي يكون فيه القلق والارتياب، وكون النفس يكون معها انشغال بخلاف الشك من غير ريب.
وقوله: (﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة ٢] خبر ثان)، والمعنى تنزيل الكتاب مُؤَكَّد لا ريب فيه تنزيل الكتاب من رب العالمين، وعلى هذا فيكون الخبر الأول جملة أو لا؟ الخبر الأول لا ريب فيه جملة؛ لأن ﴿لَا﴾ نافية للجنس، و﴿رَيْبَ﴾ اسمها، و﴿فِيهِ﴾ خبرها، فهو جملة، والخبر الثاني من رب العالمين شبه جملة؛ لأنه جار ومجرور.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رب العالمين الذي خلقهم وملكهم وملك التصرف فيهم، فالربوبية تشمل ثلاثة أشياء: الخلق، والملك، والتدبير.
وقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ المراد به ما سوى الله عز وجل، وسُمِّيَ ما سوى الله عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم، فما من شيء إلا فيه آية من آيات الله سبحانه وتعالى تشهد له بالوحدانية والقدرة والعزة وغير ذلك.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أن هذا تنزيل الكتاب من الله لا إشكال فيه، فليس قول محمد ولا قول جبريل ولا قول أحد من الخلق، بل هو من رب العالمين وحده، ويجوز في الإعراب أن نجعل ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في موضعٍ نصبٍ على الحال، ذلك الكتاب خاليًا من الريب، من أين هو؟ ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن نجعل ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبرًا واحدًا، و﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حال من قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، (...) أن تجعل الجملتين خبرين أو إحداهما خبرًا والأخرى حالًا.
وعلى كل حال فمعنى الآية الكريمة أن تنزيل الكتاب أمر لا شك فيه وأنه من رب العالمين أيضًا لا شك فيه.
وعندي أن أحسن ما يقال في الإعراب أن نجعل تنزيل الكتاب من رب العالمين، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هي الحال، تنزيل الكتاب من رب العالمين لا من غيره، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يكون حالًا.
ثم قال: (﴿أَمْ﴾ بل ﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة ٣] محمد). ﴿أَمْ﴾ يقول المؤلف: إنها بمعنى (بل)، إذن فهي للإضراب الانتقالي وليست للإضراب الإبطالي؛ لأنها لم تُبْطِل ما سبقها، ولكنها مع ذلك مُضَمَّنة معنى (بل) والهمزة، وأصلًا هم يقولون: بل أيقولون افتراه؟ والاستفهام في هذه الآية للإنكار بدليل قوله: لا، يعني أنه ليس مفترى.
والافتراء معناه.. ويش معنى الافتراء؟ الكذب فمعنى ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: كذب بادعائه أنه من عند الله.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ [السجدة ٣] ﴿بَلْ﴾ هنا، ويش (...)؟ للإضراب الإبطالي.
قال: بل هو أي القرآن أو الكتاب كما عبر الله به ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، بل هو الحق أي الثابت الذي لا يتزلزل، وهو الحق المشتمل على كل خير.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور حال من قوله: ﴿هُوَ﴾ يعني: حال كونه من ربك، وتأمل في الآية الأولى قال: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة ٢]، وهنا قال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ لأن الذي اتُّهِم بالافتراء مَنْ؟ الرسول ﷺ، فأراد الله تعالى أن يبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يفتري الكذب؛ لأن له ربوبية خاصة وهي قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فالربوبية هنا ربوبية خاصة، ثم بين الله الحكمة من ذلك في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ إلى آخره [السجدة: ٣].
(...) من رب العالمين، وهنا قال: من ربك (...)، ما هي الحكمة في اختلاف التعبير بين قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؟
الحكمة هو أنه لَمَّا أراد أن يخبر عن القرآن من حيث هو قرآن بَيَّن أنه نازل من رب العالمين الذي يعتمد هؤلاء (...) فينزل عليه الكتاب؛ لأنه لما كان رب العالمين وجب على جميع العالمين أن يقبلوا هذا؛ لأنه من ربهم.
أما في الثاني ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فلأنه لما نُسِب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الكذب في هذا القرآن ذكر الله تعالى ربوبيته الخاصة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أنه رسول الله؛ لأن منزل القرآن مَنْ؟ هو ربه الذي (...) فيربه ربوبية خاصة، عرفتم الآن؟ ففي الأول من حيث وَصْفِ القرآن بأنه قرآن قال: تنزيل من رب العالمين، وفي الثاني (...) ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة ٣] الذي يربك ربوبية خاصة فأنت رسوله.
ثم قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [السجدة ٣] لتنذر (...) محذوف تقديره (...)، ولكن في المسألة نظر (...) مفعولًا به ففيه نظر، ولكن لا شك أن التقدير به؛ لأنه هو آلة الإنذار التي ينذر به أي بسببه، ولكن المفعول الثاني محذوف غير التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لتنذر به قومًا العذاب، وإنما اخترت ذلك؛ لأن قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ﴾ [فصلت ١٣] فبين الله تعالى في آية أخرى ما هو المنذر به.
(﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ ما نافية) ﴿أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾ يقول المؤلف: إن ﴿مَا﴾ نافية، وقوله تعالى في سورة يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وهذا الذي قَرَّره المؤلف أن (ما) نافية هو الصواب في إعرابها، وإن كان بعضهم ذكر أنها اسم موصول أي: لتنذر قومًا الذي أتاهم من النُّذُرِ قبلك؛ يعني: تنذرهم العذاب، وعلى هذا الرأي تكون (ما) اسمًا موصولًا وهو المفعول الثاني لـ(تُنْذِر)، لكن الذي مشى عليه المؤلف أصوب أن (ما) نافية.
فالخلاصة في إعراب (ما) قولان:
أحدهما: أنها نافية فيكون معنى الآية الكريمة: لتنذر قومًا لم يأتهم نذير قبلك.
والقول الثاني: أن (ما) اسم موصول؛ أي: لتنذر قومًا الذي أتاهم من النُّذُرِ قبلك.
والصواب الأول. والعرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل إلا محمد ﷺ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه أحمد (١٧١٥٠)، والحاكم واللفظ له (٣٥٦٦) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.]] في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة ١٢٩] إلى آخره.
وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إذا قال قائل: ما وجه الفائدة في وصف هؤلاء القوم بكونهم لم يأتهم نذير من قبل؟
الفائدة في ذلك أمران:
الأمر الأول: بيان شدة حاجتهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم في غاية ما يكون من ضرورة إلى بعثته.
والثاني: بيان مِنَّة الله عليهم بهذا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث إنه هو الرسول الذي أتاهم ولم يأتهم نذير من قبله.
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يكثر في القرآن الكريم مثل هذا التعبير ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فهل هي للرجاء أم للتوقع؟
قال بعضهم: إنها للرجاء، ولكن باعتبار حال المخاطب لا باعتبار حال المتكلم، لماذا لا باعتبار حال المتكلم؟ لأن الله تعالى ما (...) خلقه؛ لأن الرجاء هو الطمع في نيل ما يعسر إدراكه، قد لا يتعذر لكنه يؤمل إلا أن فيه نوع من (...)، والرب عز وجل لا يمكن أن يكون بهذا الوصف فيكون ترجيًّا باعتبار حال المخاطب.
وقلنا: إن (لعل) للتعليل، وكون الله تعالى يجعل الشيء علة لشيء هل فيه نقص؟ لا، بل هو من كماله سبحانه وتعالى أن يقرن الأشياء بأسبابها. يَرِد على هذا -هذا القول- يرد عليه أن العلة ملازمة للمعلول، فإذا قال هنا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لزم أن يهتدوا، هذا معه علة، فالعلة ملازمة للمعلول، لَمَّا زعم هذا النذير يلزم اتباعه.
فالجواب على ذلك أن يقال: إن العلة علتان: علة باعثة، وعلة غائية؛ والعلة الباعثة موجبة وغير موجبة، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، مع أنهم ما يعبدونه ما يعبدون الله كلهم.
وكقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء ٦٤]، ومعلوم أن كثيرًا من الرسل عُصُوا ما أطيعوا، يكون هنا العلة الباعثة غير الموجبة؛ يعني أن الحكمة من هذا هو هذا، ثم قد تحصل وقد لا تحصل، ومثَّلُوا لذلك بقوله: بَرَيْتُ القلمَ لأكتب به أو لهذه الغاية، ولكن هل يلزم أن تَكْتُبَ ولَّا لا؟ قد تكتب وقد لا تكتب.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الاهتداء هنا يشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بهداية الدلالة، والتوفيق بيد الله عز وجل، ولا توفيق إلا بعد علم.
(﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك)، ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة ٤] ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول خبر، و﴿خَلَقَ﴾ بمعنى أوجد بتقدير ونظام، وأن الخلق في الأصل في اللغة التقدير كما في قول الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي
ويطلق الخلق على الإيجاد بتقدير وهو المراد به هنا، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هي الأجرام المحسوسة وهي سبعة، والأرض المراد بها الجنس فيشمل جميع الأرضين.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يعني: والذي بينهما، الذي بينهما ما هو؟ السحاب أو لا؟ كذلك النجوم، القمر، الشمس، وما أشبهها، ويدل على أن هناك أشياء قد لا نعلمها إلى الآن، إلى الآن العلم يكتشف أشياء كثيرة مما بين السماء والأرض، ويدل على أن ما بين السماء والأرض أنه ليس مجرد السحاب فقط، بل يكون وراء ذلك أن الله تعالى جعله قسيمًا لخلق السماوات والأرض، فلا بد أن يكون شيئًا عليمًا يقابل هذه المخلوقات.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال: (أولها الأحد وآخرها الجمعة)، وقد فصَّل الله تعالى هذه الأربعة في سورة فصلت فقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت ٩، ١٠] فهمت الآن؟ خلق الأرض كم؟ في أربعة أيام، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ إلى أن قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت١١، ١٢] فتكون الأيام ستة أولها الأحد وآخرها الجمعة، وهل هذه الأيام كأيامنا أو كل يوم مقدار ألف سنة أو هي أيام بمعنى ساعات أو لحظات؟ أقوال؛ فمنهم من قال: إنها أيام؛ يعني: لحظات؛ لأن الله إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون، وعبَّر بالأيام عن مطلق الزمن.
ومنهم من قال: إنها أيام كل يوم منها مقدار ألف سنة فتصير كم من سنة؟ ستة آلاف سنة.
ومنهم من قال: إنها أيام كأيامنا لأن الأيام إذا أُطْلِقَت فالمراد بها هذه الأيام المعروفة، لا سيما وأنه في سورة فُصِّلَت حددت ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ فلا يمكن أن نخرج بدلالة القرآن عن المعهود المعروف في اللغة العربية.
وإن قال قائل: هذا القول وإن كان ظاهره القرآن يرد عليه أمران: الأمر الأول أنه حين خلق السماوات والأرض ما فيه شمس حتى تُحَدَّد بالأيام، فماذا نقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم مقدار هذه الأيام الأمر الثاني (...) أن يقال: لماذا لم تكن في لحظة، أو تكن في أيام طويلة جدًّا في لحظة (...) قدرة الله، كن فيكون، مهما (...) اختبار هذه المخلوقات، يعني ما يكفي ألف سنة ولا ألفين سنة ولا مئة ألف سنة، فهي مخلوقات عديدة ما يكفيها (...). فهي إما أن تقاس بقدرة الله أو تقاس بحسب واقعها، فإن شئتموها بحسب قدرة الله فالأيام الستة ما لها معنى، في لحظة، وإن شئتموها بحسب واقعها بغض النظر عن قدرة الله (...) فيها ملايين السنين؛ لأن المخلوقات عظيمة جدًّا منظمة في غاية النظام.
فالجواب على ذلك أن يجعل هذين الإيرادين: الأول عرفنا الجواب عنه، والسنة بحسب علم الله، والله يعلم (...).
وأما الثاني فالجواب عنه أن يقال: هكذا قال الله عز وجل، وليس لنا أن نتعدى ما أخبرنا الله به لأن هذا أمر لا يسعنا الإحاطة به، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١].
ونحن نقول في هذه الأشياء: بحسب قدرة الله، لا بحسب واقعنا (...) الله عز وجل، فإذن يجب أن تقاس بقدرة الله ويقال: إن تقديرها بستة أيام حسب ما تقتضيه قدرة الله عز وجل، وليس لنا أن (...).
ولهذا اليهود لعنة الله عليهم قالوا: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام فلما كان يوم السبت استراح، والعياذ بالله؛ لأن يوم راحة الله هو يوم عيدهم فجعلوا عيدهم يوم السبت، وكذبوا في هذا، الله عز وجل لا يتعب حتى يحتاج إلى راحة.
يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استوى بمعنى علا، استوى على الشيء، وقد ذكرنا فيما سبق أن استوى وردت في القرآن على ثلاثة أوجه: مطلقة، ومقيدة بـ(إلى)، ومقيدة بـ(على) (...) على أربعة أوجه: مطلقة، بـ(إلى)، مقيدة بـ(على)، مقيدة بواو المعية؛ إذا جاءت مطلقة فهي بمعنى كَمُل كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤] (...)، وإذا قيدت بـ(إلى) فهي بمعنى القصد (...) كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١]، وفي هذه الآية قول ثان أن ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى علا، ثم علا إليها، ليكون هذا كغيره من الصفات التي (...).
الوجه الثالث: مقيدة بـ(على) وتكون بمعنى العلو والاستقرار، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨]، وكما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣] أي: لتعلوا على ظهورها فتستقروا، ولم تأت بغير هذا المعنى أبدًا في اللغة العربية، إذا عُدِّيَت بـ(على) ما تأتي إلا بهذا المعنى (...)، لا تكون بغيره أبدًا.
الرابع: مقيدة بواو المعية فتكون بمعنى تساوى، (استوى) بمعنى تساوى؛ كقولهم: استوى الماء والخشبة؛ يعني تساوى الماء مع الخشبة (...) هو استوى على العرش.
ما تأتي في اللغة بغير هذا المعنى إطلاقًا، وقد جاءت في القرآن الكريم في سبعة مواضع ما فيها موضع واحد اختُلِفَ فيه التعبير عن هذا ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] وما أشبهها، فهو عند أهل السنة والجماعة بمعنى: علا على العرش استقر عليه، وروي عنهم: ارتفع، وروي عنهم: صعد. وارتفع وصعد وعلا معناها متقارب؛ ولهذا اخترنا أن نقول: بمعنى علا واستقر، أما ارتفع وصعد (...).
هذا الاستواء استواء بمعنى العلو والاستقرار قَدْ يرد عليه سؤال ويقال: ألستم تقولون: إن علو الله عز وجل بذاته صفة ذاتية أزلية أبدية، ماذا نقول؟
نقول: بلى، نقول: إن علو الله عز وجل بذاته صفة أزلية أبدية لا تنفك عن الله (...) خلق ثم استوى فمعنى ذلك أن (...) ليس مستو على العرش.
قلنا: نعم، هذا حقٌّ؛ لأن الاستواء على العرش أخص من مطلق العلو؛ فالعلو لا بد، الاستواء على العرش، العلو على العرش خاصَّةً هذا معنى خاص غير معنى مطلق العلو، واضح ولا لا؟
فهو سبحانه وتعالى عال دائمًا، لكن كونه على العرش نفسه هذا حادث، قطعًا حادث؛ لأن العرش مخلوق وقد بين الله أنه استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض، نعم ولو (...) قبل ذلك فالله أعلم، ما نعرف.
ولكن السؤال الآن إذا قلتم: إن معنى استوى على العرش أي: علا واستقر عليه فإنه يرد علينا إشكال، ما هو الإشكال؟ ما هو (...) نقول بأن علو الله عز وجل وصف ذاتي أزلي أبدي فكيف تقولون: إن معنى استوى على العرش علا عليه، وأنتم تقولون: إن العلو صفة ذاتية أزلية أبدية؟
نقول: العلو علوان: مطلق علو، وعلو خاص بالعرش.
الأول اللي هو مطلق العلو صفة ذاتية أزلية أبدية؛ أن الله لم يزل ولا يزال عاليًا بذاته على جميع الخلق.
أما الاستواء على العرش فهو صفة فعلية خاصة بمن؟ بالعرش.
أضرب مثلًا يقرب المعنى؛ الإنسان إذا كان على السطح فهو عال على مَنْ تحت السطح، أليس كذلك؟ فإذا وُضِعَ له كرسي في السطح وجلس عليه صار علوه على هذا الكرسي عُلُوًّا خاصًّا مع ثبوت العلو الأول اللي هو مطلق العلو، لكن هذا علو خاص على هذا الكرسي.
فتبين أن هناك فرقًا بين العلو بالمعنى العام فإنه وصف ذاتيٌّ أزليٌّ أبديٌّ وبين الاستواء على العرش الذي هو علو خاص على ذلك العرش؛ ولهذا بعض السلف ورد عنه تفسيره بأنه جلس عليه، وهذا قريب من تفسيره بالاستقرار، فهذا علو خاص، ففرق بين العلو الخاص وبين العلو بالمعنى العام، واضح يا جماعة؟
ننتقل من هذا المعنى إلى أن نقول: هل الاستواء على العرش من الصفات الفعلية أو من الصفات الذاتية؟
الجواب: من الصفات الفعلية؛ لأن كل شيء يتعلق بالمشيئة (...) فهو من الصفات الفعلية، فإذن الاستواء على العرش من الصفات الفعلية.
أهل السنة والجماعة يقولون: استوى على العرش أي: علا عليه واستقر، وكيف كان ذلك العلو والاستقرار؟
لا ندري، يجب الوقوف، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل؛ قيل له: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] كيف استوى؟ أطرق -رحمه الله- برأسه حتى علاه الرحضاء؛ العرق من شدة وقع هذا السؤال على قلبه، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وينقل عن مالك على غير هذا الوجه قال: إنه قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ولكن الذي صح عنه بالسند هو اللفظ الأول: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم قال: ما أراك إلا مبتدعًا.
مع أنه يحتمل أنه سائل سؤال استفسار، ما هو سائل امتحان؛ ولهذا قال: ما أراك أو ما أظنك إلا مبتدعًا ثم أمر به فأُخْرِج (...).
الحاصل أننا نقول: الاستواء غير مجهول، أو أنه معلوم معنى في اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية فما معناه لغة؟ عَلا وارتفع.
(الكيف غير معقول) يعني: ما نعقله نحن، وهذا أبلغ من كلمة (مجهول) يعني: لا يمكن أن يدركه العقل أو يحيط به؛ لأن الله أعظم من أن تُدْرِك العقول كُنْهَ ذاته وصفاته، ثم إذا انتفى عنه الدليل العقلي ويش بقي؟ الدليل السمعي، ولم يرد السمع بذكر الكيفية.
فإذا انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي السمعي فإنه يجب التوقف؛ ولهذا الصحابة رضي الله عنهم التزموا جانب التوقف مع أنهم أحرص مِنَّا على الخير وعلى العلم، فهل سألوا الرسول ﷺ قالوا: كيف استوى؟ أو لا؟ لا، ولهذا قال: والسؤال عنه بدعة؛ السؤال عنه يعني عن الكيفية بدعة، ما صار الصحابة رضي الله عنهم يسئلون عن هذا، ولا يمكن الوصول إليه، فإذن السؤال عنه تَكَلُّف من حيث لا يمكن الوصول إليه، وبدعة من حيث لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم.
(والإيمان به واجب) (الإيمان به) بماذا؟ بالاستواء على العرش واجب، لماذا؟ ليش واجب؟ لأن الله أخبر به عن نفسه، وما أخبر الله به عن نفسه وجب علينا قبوله، وألا نقيس ذلك بعقولنا، فإذن الحمد لله الاستواء الآن واضح، الاستواء معناه العلو والاستقرار وهو معلوم المعنى، لكن الكيفية مجهولة غير معقولة يعني ما يدركها العقل، ولا (...) عليها، والسمع لم يدل عليها فوجب الوقوف، لكن هل له كيفية استواؤه؟ لكنها مجهولة؛ ولهذا قال: الكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
(...) محال أن يكون استوى على العرش أي: علا عليه واستقر، ولكن معناه استولى على العرش وقَهَر وملك، وأن الاستواء فيه معنى ذلك أو ما وجدتموه في قواميس اللغة؟ قالوا: وجدناه في قول القائل:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مِهْرَاقِ
استوى على العراق يعني: استولى عليه، فنرد كلام الله إلى هذا البيت الذي أُنْشِد في عهد بشر بن مروان حين استولى على العراق، وهذا البيت يقال: إن قائله مجهول ما يُعْرف، وسبحان الله أن (...) القرآن الكريم على بيت من الشعر قائله مجهول، وأظن نعرف جميعًا أن الرواية إذا كان فيها راو مجهول فهي مرفوضة (...). ثم نقول: على فرض أن القائل معلوم وأنه من أقحاح العرب الذين لم تتلوث ألسنتهم بعجمية، فإن استوى على العراق لا يصح أن نقول: بمعنى علا على العراق أي عُلُوًّا معنويًّا ما حسيًّا، وينبغي أن يكون المراد بالعلو الحسي أن العراق ما يمكن أن يجلس عليه بشر، أليس كذلك؟ فيكون المانع هنا أمرًا عقليًّا، ويكون الاستواء هنا استواء معنويًّا بمعنى أنه علا عليه علوًّا معنويًّا، وإذا فسرناها بمعنى علا عليه عُلُوًّا معنويًّا صار أبلغ من تفسيره بالاستيلاء أبلغ؛ لأن مجرد الاستيلاء قد لا يحصل به عُلُوٌّ، قد يكون مستوليًا لكنه كالعدم، فإذا قلنا: استوى بمعنى علا علوًّا معنويًّا صار أبلغ في التملك والقهر، واضح؟ فتبين أنه لا حجة في هذا البيت على كل تقدير.
ثم إنه مخالف لظاهر القرآن ومخالف لما أجمع عليه السلف والأئمة من أن الاستواء بمعنى العلو والاستقرار فيكون هذا باطلًا.
إذن الذي نؤمن به أن الله تعالى استوى على عرشه استواء يليق بجلاله بمعنى علا واستقر، يقول المؤلف: هي في اللغة سرير الملك، الاستواء على العرش إذن هو سرير خاص ولَّا لا؟ سرير خاص يليق (...)؛ قال الله تعالى عن ملكة سبأ حين أخبر عنها الهدد: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف ١٠٠] يعني: السرير الخاص بالملك فلا بد أن يكون سريرًا مُفَخَّمًا حسب ملكه، هذا هو السرير، فيكون عرش الرحمن عز وجل أعظم شيء؛ لأنه عرش لأعظم الأشياء وهو الله عز وجل؛ ولهذا ورد في الحديث: أن السماوات السبع والأرَضين السبع بالنسبة إلى الكرسي كحلقة أُلْقِيَت في فلاة من الأرض حلقة (...) صغيرة، ألقيت في فلاة من الأرض، لو ألقيت حلقة (...) في فلاة من الأرض هل يصح أن تنسب إلى الفلاة؟ كم نسبتها؟ ولا واحد من (...)، «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ»، إذن الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة أُلْقِيَتْ في فلاة من الأرض، وبهذا تعرف مقدار عظمة الخالق سبحانه وتعالى الذي خلق هذه الأشياء العظيمة.
يقول المؤلف: (استواء يليق به) بدنا نناقش المؤلف عن هذه الكلمة؛ هل هذا الكلام يدل على أنه على مذهب السلف في تفسير الاستواء، أو على مذهب الخلف؟
* طالب: ما ندري.
* الشيخ: ما ندري؛ لأن الاستواء الذي يليق به الخلف يقولون: الاستواء الذي يليق به هو الاستيلاء هذا الذي يقولون عندهم. والسلف يقولون: الاستواء الذي يليق به العلو على الوجه الذي يليق بالله وهذه يعبر عنها كثير من الناس (...) كلمة الاستواء (...).
العبارة هذه مجملة فيجب أن تضيف إليها استوى أي: علا واستقر استواء يليق به.
قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [السجدة ٤] ﴿مَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، والخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ قال المؤلف: (يا كفار مكة)، والصواب العموم يعني: ما لكم أيها المخاطبون، فيشمل كفار مكة وغيرهم.
﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ الدون بمعنى سوى يعني: ما لكم من سواه؛ ولهذا قال المؤلف: (من غيره ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ اسم (ما) بزيادة (مِنْ))، وين اسم (ما)؟
﴿مَا لَكُمْ﴾ هذه (ما)، ويقول: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ اسم (ما) بزيادة (مِنْ)، وزيادتها هنا من أجل التوكيد والتنصيص على العموم، ولكن قوله: (اسم (ما))، هل فيها إغراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اسم (ما) نافية.
* طالب: (...).
* الشيخ: إعراب قوله: (اسم (ما)) فقط، ابن مالك ويش يقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
....................... ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
فلا بد في (ما) أن تكون مرتبة يعني الاسم قبل الخبر، فإن لم تكن كذلك فإنها لا تعمل؛ لأن هي ما تعمل إلا على لغة الحجازيين بالشروط التي ذكرها ابن مالك، فيكون كلام المؤلف رحمه الله اسم (ما) يكون قد سقطة قلم أو سهوًا، فإن (ما) هنا غير عاملة، هنا (ما) نافية فقط، وسبب بطلان عملها عدم الترتيب.
أين خبر المبتدأ؟ ما هو خبر (ما)، خبر المبتدأ قوله: ﴿لَكُمْ﴾ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يقول: (أي: ناصر ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ ) فسَّر الولي هنا بالناصر، وقد اعترضوا عليه؛ لأن الله تعالى يقول في آية أخرى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة ١٠٧]، والعطف يقتضي المغايرة وأن النصير غير الولي؛ ولهذا الأولى أن نفسر الولي بمن يتولى أمر الإنسان، يتولى أمره بجلب الخير له ودفع الضرر عنه، ثم إن قُرِنَت بالنصير صارت خاصة بجلب الخير، والنصير بدافع الشر، فالمراد ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي: من متولٍّ لأمره بجلب الخير له ودفع الشرِّ عنه.
وقوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ أي: شافع يشفع لكم؛ ولهذا قال: (﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ يدفع عذابه عنكم) هذا أيضًا فيه نظر؛ لأن الشفيع ليس يدفع، ولكنه يشفع ويطلب، الدافع هو الناصر والولي، أما الشفيع فإنه ليس يدفع ولكنه يتوسط؛ ولهذا قالوا في تعريف الشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة التوسط للغير لأن الشفيع يأتي شافعًا للمشفوع له بعد أن كان فردًا صارا اثنين؛ فالصواب أن المراد بالشفيع أي: شفيع يشفع لكم عند الله.
فنحن الآن ليس لنا أحد يتولانا من دون الله وليس لنا أحد يشفع لنا عند الله عز وجل، فـ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾؛ ولهذا لا تكون الشفاعة إلا بإذن الله، أليس كذلك؟ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
قال: (﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة ٤] هذا فتؤمنون؟) ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أن مثل هذه الجملة يرى النحويون في إعرابها وجهين:
الوجه الأول: أن تكون الهمزة داخلة على شيء محذوف مناسب للمقام، والفاء عاطف على ذلك المحذوف.
والوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة على الجملة التي بعد العاطف، والعاطف عاطف على ما سبق.
وقلنا: إن هذا الوجه أسهل؛ لأن الأول يحتاج إلى تقدير، وقد يكون المقدر صعبًا إذ قد يُشكِل على الإنسان ملاءمته للسياق، فإذا قلت: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة على حرف العطف، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، والتقدير بدون تقديم وتأخير، التقدير (فألا تتذكرون).
قال المؤلف: (هذا فتؤمنون)، (هذا) أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (هذا) أن المراد بالتذكر هو البصر به والعلم به، ويحتمل أن يكون المراد بالتذكر الاتعاظ، وعلى هذا فيكون لازمًا لا متعديًّا؛ يعني: أفلا تتعظون بعد أن عرفتم مخلوقاته العظيمة واستواءه على عرشه وأنه ليس لكم من دونه وَلِيٌّ ولا شفيع أفلا تتعظون فتؤمنون.
(﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ مدة الدنيا ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ يرجع الأمر والتدبير ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة ٥] في الدنيا، وفي سورة (سأل): ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤]، وهو يوم القيامة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر).
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ المراد بالسماء هنا تلك الأجرام المعهودة المعروفة يدبرها من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، يعرج يعني: يرجع إليه، كيف ينزل من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه؟ ويش اللي يعرج إليه؟ نفس الأمر ولَّا ما يترتب على ذلك الأمر؟ ما يترتب على ذلك الأمر، أما الأمر فهو نازل؛ مثل لو أمر سبحانه وتعالى لو أمر بأن يقوم هذا الرجل بعبادة الله، تكون العبادة ثم يرجع إليه ثواب العمل أو العقاب عليه حسب ما يفعله هذا العبد، كذلك أيضًا ينزل الأمر من السماء بنزول المطر ثم يرجع إليه أثر هذا الشيء بأنه نزل فأحيا به الأرض بعد موتها وما أشبه ذلك.
فالأمر نازل ويش بعد؟ وصاعد من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه أي: إلى الله، يعرج بمعنى يصعد، لكن المؤلف رحمه الله فسَّر الآية بأنه يدبره من السماء إلى الأرض في الدنيا ثم يرجع إليه في الآخرة، ثم يعرج إليه في الآخرة، وجعل العروج بمعنى الرجوع ولا شك أن هذا تحريف؛ لأن العروج غير الرجوع ولَّا لا؟ نعم، ويش معنى العروج؟
* طالب: الصعود.
* الشيخ: الصعود، يصعد إليه، وليس المعنى أنه يرجع إليه في يوم القيامة حتى يثيب عليه أو يعاقب، فالمؤلف جعل ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ في الدنيا، في كل (...) الدنيا، تدبير أمر ينزل من السماء إلى الأرض. أما العروج فيكون يوم القيامة وفسَّره بالرجوع.
على رأي المؤلف يكون ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ يخالف ما ذكره تعالى في سورة (سأل) لأن في سورة (سأل) قال: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤] أجاب المؤلف بما يقتضي أنه يختلف باختلاف الناس فيكون على قوم بمقدار خمسين ألف سنة وعلى قوم بمقدار ألف سنة وعلى آخرين بمقدار أداء فريضة؛ كما قال: وأما المؤمن فيكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا كما جاء في الحديث[[أخرج أحمد (١١٧١٧) بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قيل لرسول الله ﷺ: يومًا كان مقداره خمسين ألف سنة، ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، إنه ليُخَفَّف على المؤمن، حتى يكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا».]].
إذن خلاصة رأي المؤلف أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض متى؟ في الدنيا من أولها إلى آخرها، وأن العروج إلى الله بهذا الأمر متى؟ في الآخرة، وفسَّر العروج بالرجوع فرارًا من إثبات العلو الذاتي.
يبقى على المؤلف إشكال وهو أننا إذا جعلنا الرجوع في يوم القيامة ففي الآية هنا كم مقداره ألف سنة، وفي سورة المعارج مقداره خمسون ألف سنة.
والجواب عند المؤلف أن يقال: إن اختلاف التقدير هنا باعتبار أحوال الناس، فمنهم من يُخَفَّف عنه حتى يكون كألف سنة، بل قد يكون كأداء صلاة مكتوبة، ومنهم من يُثَقَّل حتى يكون بمقدار خمسين ألف سنة، عرفتم؟
أما على القول الصحيح الذي مشى عليه ابن كثير وأكثر أهل التفسير فيقولون: إن هذا كله في الدنيا التدبير والعروج، وأنه سبحانه وتعالى يُدَبِّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه آثار هذا التدبير يعرج في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ في الدنيا، ويكون المعنى ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بأن مسافة ما بين السماء إلى الأرض خمس مئة سنة، هذا النزول ومسافتها عروجًا خمس مئة سنة فيكون الجميع ألفًا فيكون معنى قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ باعتبار النزول وباعتبار العروج.
وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ ﴿فِي يَوْمٍ﴾ هو لا بد أن يكون في يوم كامل أو ﴿فِي﴾ للظرفية ولا تقتضي الاستيعاب؟
الجواب: أن ﴿فِي﴾ للظرفية، ولا تستلزم الاستيعاب؛ يعني: ما هو بلازم إن الأمر ينزل مثلًا عند صلاة الفجر ولا يعرج إلا في الغروب، ما هو لازم، قد ينزل ويعرج في لحظة حسب ما أراد الله عز وجل؛ لأن (في) لا تقتضي الاستيعاب، إذا قلت: زرتك في يوم الأحد، هل يقتضي أن تكون الزيارة مستوعبة لجميع اليوم؟ لا، ولكن في وقتٍ من هذا اليوم.
فإذن ﴿فِي يَوْمٍ﴾ أي: في وقت من هذا اليوم، هذا اليوم كان مقداره ألف سنة.
* طالب: بالنسبة (...).
* الشيخ: نعم، هكذا جاء في الحديث: في كل سماء خمس مئة عام، وبين كل سماء (...) خمس مئة عام.
* طالب: هو ذكر ألف سنة (...) مع أن المسافة إلى الله عز وجل أضعاف أضعاف.
* الشيخ: لا، هو قال: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني: سماء الدنيا إلى الأرض.
* طالب: إلى الله.
* الشيخ: لا، ما هو بإلى الله، من السماء.
* طالب: ﴿إِلَيْهِ﴾ إلى السماء؟
* الشيخ: إلى السماء، نعم ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾، ثم يعرج إليه أو إلى الله تعالى، ولا يلزم أن يكون الله في السماء الدنيا.
* طالب: (...) هذه الآية ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ بعد ما يدخل الناس الجنة والنار، وآية (سأل) يعني (...).
* الشيخ: إذا دخل الناس الجنة والنار ما لها منتهى، أبد الآبدين.
* * *
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [السجدة ٦]، (﴿ذَلِكَ﴾ الخالق المدبر) وأتى باسم الإشارة الدال على البُعْدِ لِعِظَمِ شأنه وعُلُوِّه تبارك وتعالى.
وقوله: (الخالق المدبر) اللي تقدم هاتان الصفتان فقط؟ نعم، الخالق المستوي على عرشه المُدَبِّر لخلقه، والاستواء على العرش من أهم ما يكون في هذا المقام؛ لأنه مع عُلُوِّه لا يخفى عليه ما غاب ولا ما شوهد، فكان ينبغي أن يذكره المؤلف مع هذا، فهو الخالق وهو المدبر، وهو المستوي على عرشه، ومع علوه واستوائه على عرشه لا يخفى عليه شيء، ومع خلقه أيضًا وتدبيره يخفى عليه شيء ولَّا لا؟ لا يخفى عليه شيء؛ ولهذا الرب عز وجل أعلم منك بنفسك لأنه هو الخالق فهو الذي خلق جسمك وهو الذي يُنَمِّيه، وإذا نما الجسم بمقدار ذرة فإن الله تعالى قد خلق هذا النمو، وهل أنت تشعر بما ينمو في جسمك بمقدار ذرة؟ لا، إذن فالله أعلم منك بنفسك؛ لأنه الخالق فهو المدبر وهو المستوي على عرشه.
(﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غاب عن الخلق وما حضر) الغيب ما غاب عن الخلق وهو نوعان: غيب مطلق لا يعلمه إلا الله، وغيب نسبيٌّ بحيث يكون غائبًا عن شخص غير غائب عن آخر.
والمراد الأول ولَّا الثاني؟ كلاهما، فهو سبحانه وتعالى يعلم ما غاب عن الخلق غيبًا مطلقًا بحيث لا يعلمه أحد، وما غاب عنهم غيبًا نسبيًّا، فمثلًا الآن الذي في الشارع غائب عنا لا نعلمه، لكن الذين هناك يعلمونه، وما هنا نحن نعلمه، وهم لا يعلمونه، هذا الغيب أيش؟
* طالب: نسبي.
* الشيخ: نسبي، أما علم المستقبل وما يكون مما لم يُخْبِرنا الله به فإنه غيب مطلق.
﴿الشَّهَادَةِ﴾ يقول: الحضور؛ لأن شهد بمعنى حضر، وبمعنى أخبر. لها معان، فهنا المراد بالشهادة الحاضر فهو يعلم الغيب والحاضر سبحانه وتعالى.
(﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأهل طاعته) ﴿الْعَزِيزُ﴾ فسَّره المؤلف بأنه المنيع في ملكه، ودائمًا يمر علينا في تفسير المؤلف نفسه فيقول: العزيز بمعنى الغالب، وقد سبق لنا أن العزيز هو من اتصف بالعزة، وأن العزة ثلاثة معان: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
فإذا قلت: هذا الشيء عزيز بمعنى أنه ذو قَدْرٍ، كما يقول قائل لأخيه: أنت عزيز عندي؛ يعني لك قدر عندي ومنزلة.
وعزيز القهر كما يقال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح ٣] يعني: تقهر به الأعداء.
والثالث: عزة الامتناع، وهذا كما يقال في الأشياء النادرة: هذا عزيز، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] أي: بممتنع، فما معنى الامتناع باعتبار كونه صفة لله؟ معناه أنه يمتنع أن يناله نقص في ذاته أو صفاته؛ ولهذا يقول المؤلف هنا: (المنيع في ملكه) فلا يلحقه نقص لا في ذاته ولا في صفاته.
وأما قوله: (﴿الرَّحِيمُ﴾ بأهل طاعته) فكأنه أَخذ هذا التحقيق من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن الرحيم هو مَنْ رَحِمَ غيرَه، ويشمل المؤمنين وغير المؤمنين، ولكنه إذا قيل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فالمراد بالرحيم هنا: الرحيم الخاص، الرحمة الخاصة. أما إذا أُطْلِق فهو رحيم بالخلق كلهم؛ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣].
هؤلاء الكفار هل الله عز وجل رَحِمَهم ولَّا لا؟ هل رحمهم الله؟ نعم بالمعنى العام، رحمهم، فهو تعالى يُنْزِلُ عليهم المطر وينبت لهم النبات ويعطيهم الرزق والصحة وغير ذلك، لكن هذه رحمة عامة، أما رحمته بالمؤمنين فهي رحمة عامة وخاصة.
(﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة ٧] بفتح اللام فعلًا ماضيًا صفة وبسكونها بدلٌ اشتمال) ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شْيِءٍ خَلْقَهُ﴾ قراءة ثانية سبعية.
على القراءة الأولى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ الجملة فعلية صفة لشيء، وعلى القراءة الثانية: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شْيِءٍ خَلْقَهُ﴾ نقول: بدل اشتمال، ويكون المعنى الذي أحسن خَلْقَ كل شيء؛ لأن سبق لنا أن القاعدة في بدل الاشتمال أنه يَصِحُّ إضافته إلى المبدَل منه، نفعني زيد علمُه، تقول: نفعني علم زيد، أعجبني زيد فَهْمُهُ أي: فهم زيد، اشتريت زيدًا ثوبَه أي؛ ثوب زيد، هذا بدل اشتمال؛ أنه يصح أن يضاف إلى المبدل منه، فهنا نقول: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يعني: الذي أحسن خَلْق كل شيء، والمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الخالق، وأن كل شيء خَلَقه فقد أحسنه.
ولكن هذا الإحسان يتفاوت؛ ففي الآدمي ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٧] فعدَّلَكَ أحسن خِلْقَة من الحيوانات هو الآدمي، ولكن مع ذلك كل شيء له خِلْقَة تناسبه وهي بالنسبة إليه حسنة، ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام ١٤٢] الحَمولة ما يُحْمَل عليه، والفَرْش ما لا يُحْمَل عليه، كل شيء من هذا وهذا فإنه قد خُلِقَ على أحسن ما يكون وأنسب ما يكون لما خلق له (...).
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [السجدة ١، ٢].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم لم يأت بجديد في الحروف التي يتكلم بها الناس، ومع ذلك أعجزهم، يؤخذ من قوله: ﴿الم﴾؛ لأن الصحيح أنه ليس لها معنى.
* ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله من قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة ٢]؛ وجه ذلك أن القرآن كلام وأضافه الله إلى نفسه فيقتضي أن يكون كلامًا.
* ومنها: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى.
* ومنها: إثبات أن القرآن الكريم مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، وقد سبق لنا أنه مكتوب في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة وفي الصحف التي بأيدينا.
* ومن فوائد الآية: تأكيد أن هذا القرآن منزَّل من عند الله؛ لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن هذا القرآن مُلزَمٌ به جميع الناس، من أين تؤخذ؟ من قوله: (تنزيله من رب العالمين)، إذا كان ربهم هو الذي أنزله معناه أنه يلزمهم جميعًا العمل بهذا القرآن.
ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة ٣] إلى آخره.
* يستفاد من الآية: بيان جرأة هؤلاء المكذبين؛ لقولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقه وكذبه.
* ومن فوائدها: أن القرآن حَقٌّ غير مفترى؛ لقوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ حيث أضاف إليه الربوبية الخاصة، وين الربوبية الخاصة؟ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هذه الربوبية الخاصة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في إنزال هذا القرآن ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ لأن اللام للتعليل.
* ومن فوائدها: بيان مِنَّة الله على هؤلاء الذين أُرْسِلَ إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣].
* ومن فوائدها: شدة الضرورة إلى إرسال الرسول ﷺ، منين نأخذه؟ من كونه لم يأت من نذير من قبله فهم في ضرورة إلى رسالته، هذا على القول بأن (ما) نافية، أما على القول بأنها اسم موصول فيستفاد منها: أن النبي ﷺ أنذر ما أنذرت به الأنبياء من قبله، فيكون إذن مصدقًا لما سبقه من الرسالات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنذار سبب للهداية؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة ٣]، وهذا يشهد به الواقع، فكم من إنسان اهتدى بما أُنذِر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رحمة الله تعالى بالخلق؛ حيث أرسل إليهم النُّذُر من أجل هدايتهم.
ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلى آخره [السجدة: ٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذي خلق السماوات هو الله لا شريك له، من أين تؤخذ؟ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ من كون المبتدأ والخبر معرفتين، وإذا كان المبتدأ والخبر معرفتين فإنهما يفيدان الحصر، الله الذي خَلَق لا غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما تضمنته هذه الجملة من العلم والقدرة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إذ لا خلق بدون علم ولا خلق بدون قدرة، أو لا؟
* ومن فوائدها: بيان عظمة قدرة الله، كيف؟ لأن خَلْق هذه السماوات والأرض العظيمة يدل على عظمة الخالق، أليس كذلك؟ كما أننا لو رأينا قصرًا مشيدًا وبناء محكمًا استدللنا به على عظمة مَنْ؟ الباني.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن بين السماوات والأرض من الآيات شيئًا كبيرًا، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما وجه أخذه؟ حيث جعله قسيمًا لخلق السماوات والأرض ومقابلًا له.
* ومن فوائدها: أن خلق السماوات والأرض تم في ستة أيام مفصلة في سورة فصلت؛ أربعة للأرض، ويومان للسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، والعرش أعلى المخلوقات.
* ومن فوائدها: إثبات استواء الله على عرشه، وهو علوه واستقراره عليه بدون تكييف، ما نكيف.
* ومن فوائدها: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل.
* طالب: الاستواء.
* الشيخ: الاستواء على العرش؛ لأنه من الأفعال التي يفعلها بمشيئته، وهي ما يُعبَّر عنه أحيانًا بالصفات الفعلية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عظمة الله وسلطانه؛ من قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ لأن العرش سرير الملك، وقلنا: إن العرش يعظم بعظم ملكه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العرش، والعرش ما هو؟ سرير الملك، هل هو الكرسي أو غيره؟ نقول: هو عند أهل السنة غير الكرسي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس للخلق وَلِيٌّ من دون الله؛ لقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾.
* ومنها: أنه لا شفيع لهم من دون الله.
* ومنها: إبطال تَعَلُّق المشركين بآلهتهم؛ وجهه أنهم إن أرادوا أن تكون وليًّا لهم مغيثًا مُنقِذًا من الشدة فلن يكون ذلك، وإن أرادوا أن تكون شفعاء فلن يكون ذلك، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وأحيانًا يطلبون منهم جلبَ الخير ودفعَ الضرر، وكل هذا لا مُتَعَلَّق لهم به، بل هو باطل إذ لا يكون ذلك إلا بإذن الله؛ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾.
ففي الآية -كما قلت- الفائدة هذه أيش؟
* طالب: إبطال تعلق المشركين..
* الشيخ: إبطال تعلق المشركين بآلهتهم سواء جعلوها أولياء أو جعلوها شفعاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ مَنْ لا يتذكر بعد هذا البيان؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، وهذه الفائدة يترتب عليها فائدة أخرى وهي؛ وجوب التذكر بآيات الله عز وجل؛ أن الإنسان يتذكر بآيات الله ما يكون كالذي يمر عليها على أنها ألفاظ عابرة.
ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة ٥].
* في هذه الآية: دليل على كمال سلطان الله تعالى؛ حيث جعل تدبير الأمور إلى مَنْ؟ إليه، يدبر هو، ففيه كمال سلطانه، وأن التدبير له وحده.
* وفيه: رَدٌّ على القدرية، رد على القدرية الذين يَدَّعُون أن أمر الإنسان مستقل به الإنسان..
* طالب: لأن الله هو الذي يدبر.
* الشيخ: إذن، فيها رَدٌّ على القدرية؟ نعم، لأننا نقول: إن فعل الإنسان من الأمور والذي يدبره هو الله عز وجل.
فإن قال قائل: وفيه دليل لقول الجبرية، ويش نقول؟ نقول: لكن هناك آيات تدل على أن الإنسان فاعل بالاختيار ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة ٢]، وما أشبه ذلك، كلها تدل على أن للإنسان إرادة واختيارًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله عز وجل؛ من قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة ٥]، فقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ هذا النزول، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ هذا الصعود، ولا نزول إلا من عال ولا صعود إلا إلى عال، فيستفاد علو الله تعالى من الجملتين جميعًا، كل واحدة على انفراد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل شامل للسماء والأرض؛ لأنه إذا كان يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، فالسماء من باب أولى، أيهم أقرب إليك؟ السماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا التدبير الذي يكون بلحظة في يوم مقداره ألف سنة، نزول وعروج يكون هذا بلحظة؛ لأن الله يقول: كن؛ فيكون، وهذا يدل على كمال نفوذ إرادة الله سبحانه وتعالى وأنه لا يمنعها بُعْد.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة ٦].
* في هذه الآية: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
* وفيها، من فوائدها: إثبات هذين الاسمين من أسماء العزيز الرحيم وما تضمناه من الصفة، وهي العزة والرحمة وكمال عزته ورحمته باجتماعهما أنه مع كونه عزيزًا قاهرًا غالبًا فهو أيضًا رحيم؛ لأن بعض الأعزاء إذا عَزَّ لا يرحم أو لا؟ وبعض الرحماء تصل به الرحمة إلى أن يكون في مقام الذُّلِّ، فهو سبحانه وتعالى جامع بين العز والرحمة وهذا من كماله؛ يعني الجمع بين العزة والرحمة فيه كمال أكثر من إثبات العزة والرحمة؛ وهو أن رحمته مقرونة بِعِزٍّ ليست رحمة ذل، وأن عزته أيضًا مقرونة برحمة ليست عزة جبروت لا رحمة فيها.
السجدة 32:7
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:8
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:9
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:10
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:11
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:12
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:13
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] فيها قراءتان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ على أنه فعل ماضٍ فتكون الجملة صفة لـ﴿شَيْءٍ﴾، أو﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فتكون بدل اشتمال، وقد أعطيناكم قاعدة في معرفة بدل الاشتمال، وهي أن تجعل البدل مضافًا إلى المبدل منه، ففي قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ اجعل (خلْق) مضافة إلى كل شيء (الذي أحسن خلق كل شيء) وتقول مثلًا: نفعني زيد علمه تقول: نفعني علم زيد، واشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: ثوب زيد.
* الشيخ: ثوب زيد، على أن ثوبَه تحتمل أن تكون بدل الغلط، أراد أن يقول: اشتريت ثوب زيد، فقال اشتريت زيدًا ثوبه.
* طالب: بدل البعض.
* الشيخ: إلا، يصلح، لكن هذاك بعض، ما هو باشتمال، لو قلت: مثلًا أكلت الرغيف ثلثَه، صح أن تقول: أكلت ثُلُثَ الرغيف.
* طالب: القاعدة (...).
* الشيخ: لا، بس، الفرق بينهما أن هذاك بعض، هذا ظاهر لو ما جعلت قاعدة، واضح.
* طالب: أنا كنت بسأل (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الظاهر أنها السماء الدنيا كما قلنا في التفسير.
* الطالب: قلنا: (...) علو الله.
* الشيخ: معلوم؛ لأنه إذا كان في السماء فهو عال، وهو فوق السماء الدنيا.
* الطالب: يدبر الأمر من السماء فكان الأمر صادرًا من السماء.
* الشيخ: إي، هو كذلك، هو مارًّا بالسماء ما دام أنه فوق السماوات السبع إذا نزل الأمر لا بد أن يمرَّ من السماء.
* طالب: لماذا خصَّ السماء الدنيا؟
* الشيخ: لأن في ألف سنة؛ لأن لو كانت السماء السابعة مثلًا ما هي بالمدة، إذا جعلنا بين كل سماء إلى سماء خمس مئة عامٍّ وقُطر كل سماء خمس مئة عام يكون أكبر من هذا.
* طالب: (...) يرجع إلى السماء الدنيا أيضًا.
* الشيخ: يرجع إلى السماء الدنيا مارًّا بها، أو ثم يعرج إليه إلى الله ما فيه، ما هو بالسماء الدنيا، ثم يعرج إليه أي: إلى الله، ما هو بـ(إلى الدنيا).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يضرُّ، وكيف التقدير؟
* طالب: أنا أسأل إذا قلنا: ألف سنة نقول: يعرج إلى (...) العلو (...).
* الشيخ: لا، إلى الله، يعرج إلى الله، إلى الله تعالى فوق السماء السابعة أو نقول: يرجع إلى السماء؛ لأنه ابتداء السماوات اللي هي مقابل الأرض، يرجع إلى السماء مارًّا بها، ثم يصعد إلى الله عز وجل، المهم أن اللي يظهر أنها السماء نفسها ما هو بالعلو؛ لأنك إذا قلت: العلو، فإن أردت عُلُوًّا خاصًّا فعيِّنْه، وإن أردت عُلُوًّا مُطْلَقًا، فما الذي يدرينا أنه (...)؟ هو ما يتصور، إنه (...) إلا إذا جعلنا السماء هي الدنيا فقط.
* طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة ٤] حديث أن نسبة الأرض والسماوات إلى الكرسي أنها حلقة، وأيضًا الكرسي بالنسبة للعرش أيضًا سيقولون: إن العرش بالنسبة لقدم الرحمن كحلقة (...).
* الشيخ: لقدم الرحمن.
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما سمعت به، يقولون: إن الكرسي موضع القدمين، هذا الثابت عن ابن عباس، والعرش لا يعلم قدره إلا الله، أو لا يقدر قدره إلا الله، هذا زيادة تأكد منها، لكن (...).
* * *
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ﴿بَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه.
وقوله: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المراد الجنس أو المراد العين؟ ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ المؤلف مشى على أن المراد العين، الإنسان المعين وهو آدم ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، ويحتمل أن يكون المراد به الجنس، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن آدم من الإنسان يكون الله بَيَّن أن ابتداء خلق هذا الإنسان أصله من الطين، وفرق بين قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين خلق الإنسان من طين، فإن الأخيرة أَبَيَن في كون المراد بها شخصًا معينًا بخلاف بدأ، على كل حال الآية محتملة؛ لأن يكون آدم أو أن يكون المراد به الجنس على القول بأنه آدم (...).
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٨] أي: نسل الإنسان الذي ابتُدِئ من الطين ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يقول: (ذريته)؛ لأن النسل بمعنى الانفصال كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: ينفصلون مسرعين؛ فالنسل هو الذرية؛ لأنها ناسلة من أبيها أي: منفصلة ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه صفة لـ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة من الماء، والغريب أن المؤلف فسَّر السلالة بالعلقة، وليس كذلك، بل السلالة الخالص من الشيء، سلالة الشيء خالصه الذي يُسَلُّ منه.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من خالص من هذا الماء؛ لأن الماء بإذن الله اللي هو المني هذا يشتمل على حيوانات منوية منها يخلق الإنسان، هذه النطفة بمنزلة القمقم في الرحل يعني فيها من الحيوانات فيها الحيوانات المنوية، فهذا هو السلالة.
وقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قلت لكم: إنها صفة لأيش؟ لـ(سلالة) أن هذه السلالة من هذا الماء، قد تقولون: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيان لقوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ يعني: من سلالة هي الماء المهين، إذن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه من سلالة من هذا الماء، والماء المهين يقول: ضعيف وهو النطفة، ووُصِفَ بأنه ضعيف؛ لأنه لا يسيل سيل الماء فهو يسيل ببطء، والماء أقوى منه سيلانًا؛ فلهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾؛ لأن الماء الغليظ ما هو مثل الماء الذي ليس فيه غلظة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٨، ٩] إذا مَشَيْنَا على ما قال المؤلِّف ففيه إشكال كبير، وهو أنه يقتضي أن تسوية آدم بعد جَعْل ﴿سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، انتبه، وهذا هو الواقع ولّا خلافه؟
* طالب: خلافه.
* الشيخ: خلافه؛ لأن تسوية آدم قبل أن تكون سلالته من ماء مهين، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب من وجهين، أو من أحد وجهين:
إما أن يقال: إن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨] هذه جملة معترِضة لبيان أن آدم اللي كان من طين كان نسله من السلالة ثم عاد إلى آدم، فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة ٩].
وإما أن يقال: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي، وليس من باب الترتيب المعنوي أو الوقتي.
والترتيب الذِّكْري موجود في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَــنْ سَــادَ ثُمَّ سَـادَ أَبُـوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ
والترتيب هذا على خلاف الواقع، نعم هذا (...).
أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النسل ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] كما قاله بعض المفسرين فالآية على الترتيب، ما فيها إشكال.
لكن فيه -هذا الوجه أو هذا القول- فيه إشكال في قوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإن هذا الوصف خاص بمن؟ خاص بآدم، «كما قال موسى له وهو يحاجه: أنت الذي علمك أسماء كل شيء وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فظاهره أن هذا خاص بآدم.
ولهذا الوجهُ الأول أولى من هذا الوجه وإن كان هذا الوجه له قوة من حيث الترتيب بـ(ثم).
لكن من حيث إن نفخ الروح ما كان إلا في آدم وفي عيسى -كما تعرفون- فإنه يدل على أن المراد بقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدم، ويكون عودًا على بدء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كلمة ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافة إلى الله، وفيها إشكال، إذ أن ظاهرها أن آدم فيه شيء من روح الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيء ممتنع ومستحيل، فما معنى الإضافة إذن؟
نقول: معناها إنها إضافة خلق وتشريف كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج ٢٦]، ﴿بَيْتِيَ﴾، وهل الكعبة بيت لله يسكنه؟ لا، لكنه بيت أضافه الله لنفسه على سبيل التشريف والتعظيم.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قلنا: هذه الإضافة على سبيل التشريف والتعظيم لهذا الشيء.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩] أي: جعله حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا التفاتٌ مِن الغيبة إلى الخطاب ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة ٧، ٨] كل هذا غيبة، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ هذا غيبة، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ هذا غيبة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خطاب.
والانتقال أو الالتفات يسميه البلاغيون الالتفات، له فائدة، بل فوائد، منها: تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة ما حصل تنبُّه، لكن إذا اختلف يحصل التنبه، سواءٌ اختلف بعود الضمائر كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو بالعكس، أو اختلف في شدة الصوت عندما يكون الإنسان كلامه هادئًا على وتيرة واحدة ما يكون هناك انتباه، لكن لو أتى بزجر في بعض الأحيان يحصل انتباه ولّا لا؟ يحصل الانتباه، فالالتفات أو تغيير الخطاب كلٌّ يحصل به الانتباه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [السجدة ٩] قال: ﴿لَكُمُ﴾ أي: لذريته، الخطاب لا شك أنه للذرية كما قال المؤلف.
* طالب: وما فائدة في الالتفات فيه؟
* الشيخ: هذا فائدته التنبيه؛ الفائدة تكون حسب السياق، إما مثلًا التوضيح أو الزيادة في بيان النعمة أو ما شابه ذلك حسب السياق.
﴿السَّمْعَ﴾ قال المؤلف: بمعنى الأسماع، أنا أستمع فهي الأسماع، لماذا أولها إلى الأسماع؟ لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لجمع، وإذا كان الخطاب للجمع لزم أن يكون السمع لكل واحد فيكون جمعًا.
قال أهل اللغة: وإنما أفرد السمع وجمع الأبصار؛ لأن السمع مصدر سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، وإنما يبقى مُفْرَدًا ويكون المراد به الجنس.
والأبصار جمع بصر وهو القوة الباصرة وليس مصدرًا؛ لأَنَّ المصْدَر إِبْصَار أبصر يبصر إبصارًا فلهذا جَمع هذا المراد به الجنس.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة ٩].
﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب فذكر الله سبحانه وتعالى طريق الفهم ومكان الفهم طَريق الفهم ما هو؟ السمع والبصر، ومحل الفهم والوعي هو القلب ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، ولهذا يكون السمع والبصر كقناتين يصبان في القلب يتلقيان ما يُسمع أو يُبصر ثم يصبان في القلب وهو محل الوعي والإدراك.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني القلوب، لماذا لم يذكر الشم والذوق واللمس؟
لأن الاتِّعَاظ بالآيات يكون بالسمع والبصر وبدأ بالسمع؛ لأنه أشمل وأعم؛ لأنك تسمع ما لا تراه، ولما كان أشمل وأعم كان الابتلاء به -والحمد لله- أقل لو نسبت الصمم إلى العُمْى لوجدت النسبة قليلة أو لا؟ لأن الصَمَم أشد، فوجود السمع أهم.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] يقول المؤلف: ﴿قَلِيلًا مَا﴾ (ما) زائدة مؤكدة للقلة ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
و﴿قَلِيلًا﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مطلق؛ يعني: تشكرون شكرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النعم التي ساقها الله عز وجل من ابتداء خلق الإنسان إلى انتقاله في الأرحام إلى خروجه بالسمع والبصر والقلب، مع هذه النِعَم العَظِيمة فالشكر قليل؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول: زائدة لتأكيد القلة، وهذا معروف حتى في الأساليب العرفية الآن تقول: قليلًا ما؛ يعني: توكيد لهذه القلة، فـ(ما) زائدة؟ والله أعلم (...).
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿وَقَالُوا﴾: قال المؤلف: أي: منكرو البعث، قالوا يوردون هذه الشبهة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال المؤلف: (غبنا فيها بأن صرنا ترابًا مختلطًا بها) هذا معنى ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: غبنا فيها وصرنا ترابًا كسائر التراب، ﴿أَإِذَا﴾ حصل ذلك ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكار؛ يعني: أنكون في خلق جديد بعد أن أَكَلَتْنَا الأرض وضللنا فيها.
والاستفهام هنا إنكاري؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشبهة هل هي حُجَّة ولّا غير حُجَّة؟
الجواب: ليست بِحُجَّة؛ لأننا نقول: أنتم خُلقتم من تراب، والذي خلقكم أولًا من تراب قادر على أن يعيدكم ثانيًا من هذا التراب ولّا لا؟ إي نعم، ولهذا جاءت الآية بعد ذكر خلق الإنسان من طين لما قال: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ (إذا) هذه شرطية، فأين جوابُها؟ جوابها مفهوم من الجملة بعدها؛ يعني: أئذا ضللنا في الأرض نُنْشأ خلقًا جديدًا؟!
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أيتأكد أننا في خلق جديد؟
ولهذا لو قال قائل: إذا كانت الجملة الاستفهامية هنا للإنكار فكيف تأتي اللام الدالة على التوكيد ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نقول: المراد: ينكرون أن يتأكد ذلك؛ يعني أيتأكد أننا في خلق جديد بعد أن تأكله الأرض كقول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠]، المهم أن هذا التأكيد كأنهم ينكرون ما أُكِّد من كونهم يرجعون.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخلق هنا بمعنى المخلوق؟ يعني: أئنا لنكون في أمة جديدة؟ أو أنه مصدر بمعنى التقرير؛ يعني: أئنا لفي خلق؛ أي: لأن يخلقنا الله؟ يحتمل المعنيين، وكلاهما صحيح، ولا يتعارضان؛ يعني: أنكون في خلق جديد، في أمة جديدة؟ أو أنُخلَقُ خلقًا جديدًا بعد أن ضللنا في الأرض وكُنَّا ترابًا؟
والجواب: نعم، تكونون في خلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالذي أنشأكم من التراب قادر على أن يعيدكم منه، حتى لو فني الإنسان كله، مع أنه ورد في الحديث «أنه يفنى كلُّه إلا عَجْبَ الذَّنَب»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]] فإنه مِنه يُخْلَقُ الإنسان كالنواة للشجرة.
ويُستثنى مِن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجْسَادَ الأنبياء، وهذا دليل على قدرة الله عز وجل، وإلا فالأنبياء بشر؛ لأنهم مكونون؟
* طالب: من تراب.
* الشيخ: خلقوا أصلًا من تراب، لكن الآن من لحم وعظم وجلد كسائر بني آدم، ومع ذلك الأرض ما تأكلهم، ما تأكل منهم شيئًا أبدًا، أما غير الأنبياء فإنها تأكلهم، لكن قد يحمي الله عز وجل بدن بعض الناس لا تأكله الأرض على نوع من الكرامة.
* طالب: دائمًا؟
* الشيخ: معنى دائمًا؟
* الطالب: يعني (...) الأنبياء؟
* الشيخ: هذا هو الأصل، أنها (...).
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا، فيها قراءة، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (...).
بتحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقرأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التحقيق.
إدخال ألف بين همزتين محققتين: ﴿﴿آإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ آإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴾، كم مِن قراءة هنا؟ قراءتان.
تسهيل الثانية: ﴿﴿أَاِذَا﴾ ﴾ ما تخليها محققة خَلِّيها بين الهمزة والياء ﴿﴿أَاِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴾ بدون ألف.
بألف ﴿﴿آاِذَا﴾ ﴾ ما تبينهما، خليها بين الهمزة والياء، فالقراءات إذن القراءات أربع.
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: ﴿﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ بالبعث ﴿﴿كَافِرُونَ﴾ ﴾) يعني أن (بل) هنا للإغراق الإبطالي ولّا الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل الأمر ليس كما شَبَّهوا ولبَّسوا، فهم يعلمون قدرة الله لكنهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ(كافرون)، (كافرون) خبر المبتدأ (هم) أي: بل، هم كافرون بلقاء ربهم أو بملاقاته، ومتى تكون الملاقاة؟ تكون بالبعث، ومن كفر بلقاء الله فقد كفر بالله، ولهذا قال المؤلف مفسرًا لها بالمراد لا بالمعنى قال: (بالبعث) وإلا فهي أخص من البعث.
اللقاء بمعنى الملاقاة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، الإنسان: أي إنسان، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧] إلى آخره؛ يعني: هؤلاء الكافرون بلقاء الله؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يؤمن بالبعث لم يؤمن بلقاء الله.
ثم قال تعالى: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم ﴿﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ [السجدة:١١] أي: بقبض أرواحكم).
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبضكم، كما تقول: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته، وكذلك استوفيته؛ أي: قبضته على سبيل الوفاء، وهو الكمال.
فمعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي: يقبضكم، والمُراد قبضُ الأرواح.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَك: مفرد مَلَائِكَة، أو: مُفرد أمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ مِن الأَلوُكَة؛ بمعنى الرِّسَالة، وعلى هذا فأصله: مَأْلك، ثم حُوِّل فقُدِّمَت اللام وأُخِّرَت الهمزة، فكانت مَلْأَك، ثم خُفِّف فحُذِفَتِ الهمزة، فصار: مَلَك، ولهذا إذا جُمِعَ جاءَتِ الهمزة، فقيل: ملائِكَة، ولا يقال: مَآلِكَة؛ لأنه صار فيه إعلَال بالتحويل؛ يعني فيه تقديم وتأخير، وهو مِن الألوُكة، أي: الرسالة.
فـ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ معناه: الذي أُرْسِل -أرسله الله عز وجل لِقبض الأرواح- كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١].
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أضيف إلى الموت؛ لأنه يُمِيتُ الناس بإذن الله، فسمي ملك الموت، وقد سُمِّي في بعض الآثار بعزْرَائِيل، ولكنه لم يصِحّ عن رسول الله ﷺ.
وقد سبق أن الذين صح أسماؤهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالكٌ خازن النار، ورضوان خازن الجنة، منكر ونكير فيه بعض الشيء بعضهم أنكر هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) بعضهم أنكره، وعلى كل حال عزرائيل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن هذا الاسم أشهَر أسماء الملائكة عند العامة.
وقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] من الذي وكلَّه؟ وكَّلَه الله عز وجل، وهذا التوكيل ليس توكيلًا لحاجة، ولكنه توكيل سلطان وعظمة؛ لأن الرب عز وجل لا يحتاج إلى أحد يعينه، كونه يوكل الملائكة بشيء فليس ذلك على سبيل الحاجة.
أنا إذا وكلت أحد قد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأني لا أستطيع مباشرة العمل، لكن الرب سبحانه وتعالى لا يحتاج، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لكنه يوكل ذلك توكيل سلطان وعَظَمَة؛ لبيان سلطانه وعظمته، وأن كل شيء في خدمته سبحانه وتعالى وفي عبادته.
وقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] أي: وكَّله الله، إذن الله وكيل ومُوَكِّل أوَ لا؟ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١]، ومُوَكِّل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام ٨٩]، وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١]، ولكن ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه متوكل لغيره، والمُوَكِّل أعلى منه كما هو معهود، ولكنه وكيل بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١] هنا مفرد ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾، وفي آية أخرى في سياق عام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فجمع، وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢] في الزمر، فكيف نجمع بين هذه الآيات الثلاث؟
جمع أهل العلم بينهن بأن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢] هذا هو الأصل؛ أن المُتَوَفِّي هو الله؛ لأنه مدبر، المدبر للشيء، والمدبر للشيء فاعل له، كما تقول بَنى الملك قصرًا للحكم؛ يعني ذهب وجاب الزنبيل وجاب الفارُوع وجاب المِسْحَاة وجاب سطل الماء ورَبَّعَ الطين وقام يشيل على متنِه ويبني الْمَلِك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس الأمرُ كذلك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إذن معنى بناه؛ أي: أمر ببنائه، لكن لما كان هذا البناء لا يكون إلا بأمره أُسند إليه، فالله تعالى يتوفى الأنفس، ما يكون توفيها إلا بأمره، فأُسنِدت الوفاة إليه.
أما قولُه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١]، فإما أن يُقال: إن ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مفرد مُضَاف، فيَعُم الملائكة، وهذا له وجه في اللغة العربية لكن ليس بصحيح من حيث الواقع، ولكن الواقع أن ملك الموت له أعوان قبل قبض الروح، وأعوان بعد قبض الروح، أعوان قبل القبض يسوقون الروح من البدن حتى تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها، وأعوان بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائكة الرحمة تنتظر هذه الروح بالكفن الذي من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن، وإن كان الإنسان بالعكس -والعياذ بالله- تكون عنده ملائكة العذاب معهم كفن من نار، لا يدعونها في يده طرفة عين، فيكون هنا المراد الجمع بينهما.
أما إسناد الوفاة إلى الرسل -إلى الملائكة- وهم جمع؛ لأنهم أعوان ملك الموت، فكان لهم نوع مشاركة في هذا الفعل، وملك الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحلقوم.
وبهذا الجمع يزول الإشكال، ونحن قد بينَّا كثيرًا أن القرآن والسنة ليس فيها تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، وأنه إذا رأيت في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سوء فهمك أو قلة علمك، فتدبر وتعلم حتى يتبين لك الأمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن الذي يتولى قبضها مباشرة من عند الحلقوم هو ملك الموت، ثم هؤلاء الملائكة اللي بسطوا أيديهم إن كانوا هم الذين ينتظرون قبضها، فهم ينتظرون قبضها ويأخذونها منه، وإن كانوا الآخرين الذين يخرجونها حتى تذهب إلى الحلقوم فكذلك، ما فيه إشكال.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة١١] يقول المؤلف: (﴿﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴾ أي: بقبض أرواحكم) يعني: لم يوكل بنا في كل شيء ولكنه وكل بنا في قبض الأرواح فقط، لكن هناك ملائكة موكلون بنا في حفظ أعمالنا وفي حفظنا أيضًا، وكذلك ملائكة موكلون في أعمالنا يجوبون الأرض، وينظرون مجالس الذكر، ويجلسون فيها.
(﴿﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١١] أحياءً فيُجَازيكم بأعمالكم) يعني بعد الموت يرجع الإنسان إلى ربه فيُجازَى بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾ الكافرون ﴿﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ مطأطئوها حياءً، يقولون: ﴿﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ﴾ ما أنكرنا من البعث، ﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذَّبناهم فيه ﴿﴿فَارْجِعْنَا﴾ ﴾ إلى الدنيا ﴿﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ ﴾ فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٢] الآن).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إما إلى الرسول ﷺ، وإما إلى كل من يتوجه إليه الخطاب، وهذا المعنى أعم، والأخذ به أولى لعمومه، إلا أن يمنع منه مانع، ولهذا الخطابات التي تأتي للمفرد في جميع القرآن الأولى أن تُحمل على العموم، وأن يُراد بها كل من يتوجه إليه الخطاب، إلا إذا منع من ذلك مانع، فتكون خاصة بالرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية تحتاج إلى جواب؛ يعني إلى شرط وإلى جواب الشرط، فالشرط قوله: (ترى)، والجواب محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة ١٢] (إذ) هذه ظرف؛ يعني: لو ترى ذلك الوقت الذي فيه المجرمون على هذا الوصف لرأيتً أمرًا فظيعًا، ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، و﴿نَاكِسُو﴾ خبر، وأين النون التي في ناكسو؟ حذفت لأجل الإضافة، ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مطأطئوها؛ يعني: خافضونها هكذا والعياذ بالله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله عز وجل، وهم بين يديه يوم القيامة، ولكن ناكسوها -يقول المؤلف:- (حياءً)، وفي النفس من هذا التفسير شيء، ولكن الظاهر أنهم ناكسوها ذلًّا وخضوعًا لسلطان الله، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة ١٢]، أما حياءً فالحياء محمود، لكن كونهم ناكسوها ذلًّا هذا هو الواقع.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، فجملة ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقول لقول محذوف تقديره: يقولون ربنا أبصرنا؛ يعني: يا ربنا، وندعو الله تعالى باسم الربوبية؛ لأن الغالب أن الجمل الدُعائية تأتي مصدرة بـ(رب)؛ لأن (رب) هو المالك المتصرف.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ قال المؤلف: (ما أنكرنا من البعث)، هذا ما قاله المؤلف، وعليه فيكون مفعول ﴿أَبْصَرْنَا﴾ محذوف، التقدير: ما أنكرنا البعث، ويحتمل أن ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرت أبصارنا وبصائرنا، فيكون أعم مما قدره المؤلف؛ يعني: صرنا ذوي بصر وبصيرة الآن، فيكون أعمَّ؛ يعني كأنه يقول: الآن صِرْنا ذوي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعمّ وأبلغ.
وكذلك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ يقول المؤلف: (﴿﴿وَسَمِعْنَا﴾ ﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه) لأن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، ولكن أيضًا هذا الذي قال المؤلف لنا فيه وجه أحسن مما قال، فيكون معنى (سمعنا) أي: كنا ذوي سمع الآن، ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني: فيما وراء ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، أما في يوم القيامة فيقولون: نعم الآن صرنا ذوي بصر، وصرنا ذوي سمع.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ [السجدة ١٢] ارجعنا إلى الدنيا، وهو فعل طلب؛ أي: دعاء، وليس فعل أمر؛ لأن المخلوق لا يوجه أمرًا إلى الخالق.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جواب الطلب، جُزِم بجواب الطلب؛ يعني إن تُرجعنا نعمل صالحًا.
وقوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعمل الصالح تقدم كثيرًا أنه ما جمع شرطين، هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ، هذا هو العمل الصالح.
﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يقول: (فيها ﴿﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ﴾ الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون) معلوم، ما ينفعهم إذا شاهدوا العذاب، فإن الإيمان لا ينفعهم، كل من شاهد العذاب فإنه لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر٨٥]، وما أحد نفعه إيمانه بعد أن رأى العذاب إلا قرية واحدة، قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] له توبة الآن؟ يُرى، شاهَدَ العذاب فلا ينفعه، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر عمره قبل أن يحل به أجله فلا يستطيع الخلاص.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ متى؟ الآن، لكن ما ينفع، لكن ما رأيكم لو رُدُّوا فماذا يكون الأمر؟
* طالب: لعادوا لما نهوا عنه.
* الشيخ: لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا خبر الله عز وجل الذي لا يخلفه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨].
* طالب: شيخ، لكنْ في هذا ضابط (...) أنهم لو ردوا لعادوا.
* الشيخ: ما أدري، ما دام الله يقول هذا الكلام ما بعد كلام الله كلام، الكلام واضح ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* الطالب: والفساق.
* الشيخ: الفساق لا، المراد الكفار، الفساق ما هم دائمون بالنار، يُعذبون بقدر أعمالهم ثم إنهم يدخلون الجنة، والفساق يعبرون الصراط ما يُذهب بهم إلى النار، يعبرون الصراط ثم يتساقطون في النار بحسب أعمالهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) كاليهود والنصارى مثلًا فإنه لا ينفعهم ما دام كفروا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الملاحدة الحاليون منهم من يرى أنها حياته الدنيا يموت ويحيا فقط، ولا لهم كتاب ولا شيء، فإما أن يقولها عن عقيدة أو يقولها عن تقليد وعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣]، يقول المؤلف: (وجواب (لو): لرأيت أمرًا فظيعًا) يعني: جواب محذوف.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذف الجواب؟ ولماذا لا يُذكر من أجل ألّا يكون هناك اختلاف؟ وما هي الحكمة في الإبهام في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨]؟ ولماذا لا يُذكر لأنه أبْيَن؟
الجواب: أنه في مقام التهويل ينبغي الإبهام؛ لأجل أن يذهب الذهن كل مذهب في تعظيم الأمر وهوله؛ لأنه إذا ذكر الشيء قد يهون، لو قيل لك: والله فيه سَبُع عظيم يأكل الناس ويفعل ويفعل ويفعل، وهُوِّل لديك، أنت ما شفته، يكون عندك رعب، لكن ربما إذا شفته يهون عليك الأمر، كذلك مثل هذه الأمور العظيمة إذا أبهمها الله فإنها أعظم وأوقع في النفس وأشد وأعظم؛ ولهذا حُذف الجواب هنا، وأبهم الغاشي في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأُبهمت الحاقة والقارعة في مثل ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٣]، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢] وما أشبه ذلك، كل هذا من باب التعظيم والتهويل.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة ١٣] -اللهم اهدنا فيمن هديت- ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيارٍ منها).
﴿لَوْ شِئْنَا﴾ الخطاب الضمير يعود على الله عز وجل، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، فإذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هنا للجمع، جيبوا لنا دليلًا يُخرج هذا اللفظ عن معناه، وإلا فالصواب معنا وأنتم أيها الموحدون على ضلال، وإلا لقال الله: ولو شئت؟
فالجواب: أن هذا من باب التشبيه والتلبيس، وإلا فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] كم يصير؟ واحدًا، فيكون ﴿لَوْ شِئْنَا﴾ للتعظيم، ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التعظيم، والله تعالى عظيم بصفاته، كل صفة من صفاته تقتضي عظمة غير ما تقتضيه الصفة الأخرى، وباجتماع هذه الصفات يكون هناك عِظم أعظم وأجل.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة ١٣] هذا الجواب الأول ﴿لَآتَيْنَا﴾ أعطينا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾، والثاني: ﴿هُدَاهَا﴾، والهدى بمعنى الدلالة والتوفيق، ولهذا قال: (فتهتدي بالإيمان والطاعة).
ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.
ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.
ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.
المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.
وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.
وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟
* طلبة: الله أعلم.
* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟
اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.
وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.
فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).
أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.
* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).
ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].
* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.
* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.
وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.
ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.
ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].
* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].
* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].
ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].
في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].
ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.
وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.
* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟
القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.
ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].
* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].
وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.
نبدأ درسًا جديد الآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).
* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟
* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.
السجدة 32:14
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة ١٤].
المؤلف يقول: (وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها: ﴿﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ ﴾)، ولننظر في كلام المؤلف هل يوافق ظاهر الآية؟ نقرأ: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ هل يناسب أن يكون القائل الملائكة، وأن الملائكة تقول: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾؟
* طالب: لا.
* الشيخ: من القائل إذن؟ الله، نعم، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧].
والصواب: أن هذا القول من قول الله عز وجل، يقول لهم تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا أيضًا، يقول: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ الأمر هنا ليس (...)، ولا لمجرد الأمر، ولكن للتوبيخ والتقريع والإهانة.
﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ قال المؤلف: (فذوقوا العذاب) أفادنا بهذا التقدير أن مفعول (ذوقوا)؟ مفعولها محذوف، تقديره العذاب، ويحتمل ألّا يكون لها مفعول، والمعنى كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، يكون المراد مجرد التوبيخ والإهانة.
قال: (﴿﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ﴾ أي: بترككم الإيمان به والعمل له)، وأفادنا بقوله: (بترككم) أن (ما) مصدرية، وأن (نسيتم) بمعنى تركتم، وهو كذلك، فإن (ما) مصدرية، أي: بنسيانكم، والنسيان هنا بمعنى الترك، وليس النسيان الذي هو ذهول القلب عن معلوم؛ لأن النسيان المعروف هو ذهول القلب عن معلوم، ولهذا لا يُعاقب عليه الإنسان، ويطلق النسيان على الترك، وهو الذي يُعاقب عليه.
والدليل على إطلاق النسيان على الترك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، وهذه الآية ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤] بمعنى تركناكم، وليس معناها ذهول القلب عن معلوم كقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، فالنسيان المنفي عن الله غير النسيان المُثبت له، النسيان المُثبت له هو الترك، والنسيان المنفي عنه هو الذهول عن الشيء.
﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة ١٤] نسيتم: تركتم لقاءه، تركتم اللقاء، المراد: تركتم العمل له والإيمان به.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤] تركناكم في العذاب -نسأل الله العافية- تركهم الله عز وجل، هو ما نسيهم، لا يزال يعلم بهم جل وعلا، ولكنه تركهم، وقال لهم -بعد المراجعة- قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] هل يتكلمون بعد ذلك داخل العذاب؟ أبدًا؛ لأنه في الآخرة ما يقدروا يخالفوه لما قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع رجاؤهم من كل رجاء -والعياذ بالله- نعم، وأيسوا من كل خير.
(﴿﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ ﴾ تركناكم في العذاب ﴿﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ ﴾ الدائم ﴿﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴾ من الكفر والتكذيب) هذا إقرار بالتأكيد، وبيان أن ما ذاقوه لا يمكن أن يزول عنهم، مع أنهم قالوا فيما سبق: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢]، فقال: ما فيه رجوع.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ يعني: العذاب الدائم، وهذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أو على تقدير (في) للظرفية؛ يعني: عذاب في الخلد، وعلى كل حال هو عذاب دائم.
﴿عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي كنتم في الدنيا تعملونه، ويحتمل أن تكون مصدرية، ولكن ظاهر تفسير المؤلف أنها اسم موصول، (﴿﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴾ من الكفر والتكذيب).
ثم بَيَّن الله عز وجل من المؤمن حقًّا فقال: (﴿﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ ﴾ [السجدة: ١٥]) (إنما) أداة حصر، حصرت الإيمان في مَن؟ في الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجدًا.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (القرآن) وعلى هذا فهي الآيات الشرعية.
والصواب: أنها عامة، حتى الآيات الكونية، فمن ذُكِّر بما يفعله الله عز وجل في المكذبين والمجرمين فإن ذلك داخل في الآية ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
وقوله: (القرآن) يقتضي أن هذا القول خاص بهذه الأمة ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ لأنهم هم أهل القرآن، ولكنّ الأولى أن تؤخذ على سبيل العموم حتى فيما سبق ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء ١٠٧].
يقول: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ [السجدة ١٥] (الذين) ويش إعرابها؟
(الذين) فاعل (يؤمن) يعني: ما يؤمن إلا الذين، والمراد الإيمان الكامل.
وقوله: (﴿﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ﴾ وُعِظوا ﴿﴿بِهَا﴾ ﴾) أي: جعلت موعظة لهم وبينت لهم الآيات، فإذا وُعِظوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ (خروا) جواب (إذا)، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، الخُرور يكون من أعلى إلى أسفل ومنه خُرور الماء (...) من فوق إلى تحت.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ من القيام، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حال السجود ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥].
هذه الآية أورد عليها بعض العلماء إشكالًا، وقال: هل كل من ذُكِّر بآيات الله يسجد أم ماذا؟ هل أنتم الآن ما يكون الإنسان مؤمن إلا إذا قرأت عليه الآية سجد أو إذا ما وعظتَه بموعظة سجد؟ ليس كذلك.
إذن ما الجواب عن هذه الآية؟
قال بعضهم: المراد ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ في موضع السجود؛ يعني: خروا سجدًا إذا مرت بهم آية سجدة سجدوا، أما إذا ذُكِّروا بآيات ربهم بدون أن تمر بهم آية سجدة فإنهم لا يسجدون، ولكن الصواب خلاف ذلك، الصواب: أن المعنى الذين إذا ذُكروا بها انقادوا لها وخضعوا لها، ولا يلزم من ذلك أن يكون السجود مباشرًا للتذكير، ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني حتى في المستقبل، فلا يلزم أن يكون الجواب مباشرًا للشرط؛ يعني: لا يلزم أن يكون جواب الشرط مباشرًا له.
وما يقتضي الترتيبُ من حروف أو التركيب قد يُراد به الترتيب في موضعه في كل شيء بحسبه، ولهذا لو قلت: تزوج زيد فوُلد له، الفاء للترتيب والتعقيب، ومن المعلوم أنه لا يُولد له غيرَ عقد النكاح له، أليس كذلك أو لا؟ تأملوا، هل يولد له بمجرد ما يُعقد له الزواج؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: إذن الفاء للترتيب والتعقيب، نقول: تعقيب كل شيء بحسبه، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣] وهل المطر إذا نزل وصار الصباح فإذا هي مخضرة؟ لا، ولكن بعد مدة تخضرّ، وبعد مدة يُولد لهذا المتزوج، كذلك هذه ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ ما يلزم من ذلك مجرد التذكير يسجدون، بل المعنى أنهم يلتزمون بذلك، إذا ذُكروا بها التزموا بذلك في السمع والطاعة، فسجدوا في موضع السجود ولم يوجد منهم استكبار، وعلى هذا فلا إشكال في الآية.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ (سجدًا) حال من فاعل (خروا) و﴿وَسَبَّحُوا﴾ معطوف على (خروا)، ومعنى (سبحوا) أي: نزهوا، فالمفعول محذوف، التقدير: لسبحوا ربهم أو سبحوا الله.
وقوله: (متلبسين ﴿﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن الباء في قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أن الباء للملابسة يعني معناه أن التسبيح مقرون بالحمد، ولو أنه ذهب إلى أن الباء للمصاحبة وسبحوا تسبيحا مصاحَبا بحمد ربهم لكان أولى.
(﴿﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ أي قالوا: سبحان الله وبحمده) هذا معنى سبحوا بحمد ربهم يعني قالوا: سبحان الله وبحمده، ويَحتمل ألّا يكون المراد بالتسبيح والحمد تسبيح اللسان وحمده، وأن المراد نزهوه بقلوبهم وحمدوه بألسنتهم، نزهوه بقلوبهم عما لا يليق به وحمدوه بألسنتهم بما يستحق.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥] الجملة حال؛ يعني: والحال أنهم لا يستكبرون عن الإيمان والطاعة، بل ينقادون ويخضعون.
ثم بين الله تعالى من صفاتهم ما ذكره بقوله: (﴿﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ ﴾ [السجدة: ١٦] ترتفع) وتبتعد أيضًا؛ لأن المجافاة الإبعاد، ومنه: «كان النبي ﷺ يجافي عضديه في السجود»[[أخرجه البخاري (٨٢٨)، وابن ماجه (١٠٦١) واللفظ له من حديث أبي حميد الساعدي.]] يعني يبعدها عن جنبيه، فمعناها إذن الإبعاد والارتفاع، والارتفاع يستلزم البعد.
﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة ١٦] المضاجِع جمع مَضْجِع وهو مكان الاضطجاع، والاضطجاع هو النوم، يقول المؤلف: (مواضع الاضطجاع بفُرُشها لصلاتهم بالليل تهجدًا)، ما ينامون تتجافى جنوبهم عن المضاجع فلا ينامون، ولكنّ هذا مقيد بما جاءت به السنة أنهم يتهجدون ليس كل الليل ولكن الزمن المشروع التهجد فيه.
(﴿﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ ﴾ من عقابه ﴿﴿وَطَمَعًا﴾ ﴾ في رحمته): (يدعون) هذه جملة حالية من فاعل (تتجافى) أو من المضاف إليه في (جنوبهم) يعني: حال كونهم يدعون ربهم.
دعاء مسألة ولّا عبادة أو الأمرين؟ يشمل الأمرين، يدعونه دعاء مسألة وعبادة.
﴿رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ خوفًا من عقاب الله عز وجل، وطمعًا في رحمته، لكن ما الحامل على الخوف والطمع؟ إذا نظروا إلى تقصيرهم وعظمة الله وشدة عقابه غلب عليهم جانب الخوف، وإذا نظروا إلى سعة رحمة الله وعفوه، وأنهم قاموا بما ينبغي أن يقوموا به غلب عليهم جانب الطمع، فهم يسيرون بجناحين؛ جناحي الخوف والطمع.
ولكن أيهما ينبغي أن يُغَلَّب؟ ما فيه خلاف: قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلّبَ جانبَ الخوف قنط من رحمة الله، وإن غلّبَ جانبَ الرجاء أمن مكر الله، ولكن يكون بين بين.
يقول: الصحيح يغلِّب جانب الخوف، والمريض يُغلِّب جانب الطمع؛ يعني عند المرض يُغلّب جانب الطمع والرجاء، في حال الصحة يُغلِّب جانب الخوف.
وقيل: إن فعل الطاعة فليُغلِّب جانب الرجاء، وإن هَمَّ بالمعصية أو عمِلها فليُغلِّب جانب الخوف.
(﴿﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٦] يتصدقون)، (مِن) هل هي لبيان الجنس أو أنها للتبعيض؛ يعني: بعض ما رزقناهم ينفقون؟
* طالب: الأول.
* طالب آخر: للتبعيض.
* الشيخ: للتبعيض، إذا قلت: إنها للتبعيض صار من يبذل كل ماله تقربًا إلى الله صار مذمومًا، وإن قلت: إنها لبيان الجنس وأنهم ينفقون مما رزقناهم؛ فإنه لا يقتضي أن يكون من بذل ماله كلَّه مذمومًا؛ لأن المراد بيان الجنس، فيشمل الكل القليل والكثير.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل يبذُل الإنسان كل ماله في طاعة الله وفي سبيل الله أو يقتصر على بعضه؟
والصواب: أن ذلك يرجِع إلى حال الشخص وإلى الأسباب التي بها يدفع الضرورة عن نفسه وأهله، فإن كان الإنسان ضعيف التوكل أو ضعيف القدرة على التكسب، فالأفضل أن يبذل شيئًا ما ماله، وإن كان الأمر بالعكس فله أن يتصدق بجميع ماله كما فعل أبو بكر، أما أبو لبابة لما نذر أن ينخلع من ماله صدقة لله ورسوله قال له الرسول ﷺ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»[[أخرجه البخاري (٢٧٥٧) من حديث كعب بن مالك.]] فجعل من الخير له أن يمسك بعض المال.
وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق البذل.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] فلا تعلم نفس، أيُّ نفس، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا تعلم ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهذا نفي لعلم الحقيقة لا لعلم المعنى، فإن المعنى معلوم بما أخبر الله من قرة الأعين لكن حقيقة ذلك الشيء مجهولة.
ولهذا قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]] معلوم أن في الجنة نخلًا ورمانًا وفاكهةً ولبنًا وعسلًا وماءً وخمرًا وطيرًا وما أشبه ذلك، نعلم هذا، ونعلم المعنى، ولكن حقيقة ذلك الشيء مجهولة ولّا لا؟ مجهولة، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أي: حقيقة ما أُخفي، وليس معنى ما أُخفي، المعنى معلوم.
وقوله: (﴿﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ﴾ [السجدة: ١٧] ما تقر به أعينهم) قرت عينه بمعنى جمدت، وقرت عينه بمعنى سكنت، فعلى الأول تكون من القُرِّ، وهو البرد، ولهذا يُقال: إن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، ولهذا قال: قَرَّت عينُه؛ إذا سُرت، أما إذا كانت من القرار، وهي أنها لا تلتفت إلى سوى ما هي تنظر إليه؛ يعني أن عيونهم قارة لا تلتفت إلى سوى ما هي عليه، وكلا المعنيين صحيح فإن معنى قرَّت عينه: أي بردت، فلم يلحقها حرارة الحزن، ومعنى قرت عينك؛ أي سكنت، فلا تنظر إلى شيء سوى ما هي عليه، وهذا يكون معناه غاية الأمنية.
قال المؤلف: (وفي قراءة بسكون ياء المضارع) إيش هي سكون الياء؟ (أُخفيَ) هذا فعل ماضٍ، (أُخْفِي) فعل مضارع، أو لا؟ أُخفي يعني أنا.
﴿﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ﴾ ﴾ ما أُخْفِي لهم أنا؛ يعني الله عز وجل ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، أما ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ فهو فعل ماضٍ مبني للمجهول، وفاعله مستتر جوازًا ولّا وجوبًا؟ إذا كانت (أُخفيَ) فهو مُستتر؟
* طالب: وجوبًا.
* الشيخ: لا، جوازًا، إذا كانت (أُخْفِيَ) فهي فعل ماض، وفاعله مستتر جوازًا، وإذا كانت (أُخْفِي) بالسكون فهي فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبًا، تقديره: أنا.
والمعنى على كلتا القراءتين صحيح، فالله هو الذي أخفاه حتى على البناء للمجهول ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ فإن المُخفي هو الله، ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧].
قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] (جزاءً) مفعول لأجله، ولكن هل المفعول من أجله هل عامله (أخفي) ولّا (قرة)؟ الظاهر أنها (قرة) يعني قرت أعينهم جزاءً، وليس المعنى أخفيَ لهم جزاءً؛ لأنه قد يُقال: إن الإظهار أبلغ في الجزاء لكنها من قرة أعين جزاءً.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] أي: بالذي كانوا يعملونه في الدنيا من طاعة الله، فإن قلت: هذا يدل على أنهم يُجازون بعملهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]] فما هو الجمع بين هذا الحديث وبين هذه الآية وأمثالها؟
قال أهل العلم: إن الجمع بينهما باختلاف معنى الباء، فالباء التي للسببية هي الموجودة في مثل هذه الآية: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا﴾ أي: بسبب ما كانوا يعملون.
والباء التي للعوض هي المذكورة في قوله: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، أي: عوضًا عن عمله؛ لأننا لو أردنا المعاوضة والمقاصة لظهر العامل مغبونًا مطلوبًا أو لا؟ لو أردنا المقاصة والمعاوضة كان العامل مهما عمل من الصالحات فهو مطلوب، نعمة واحدة من نعم الله عليه تستوعب جميع الأعمال، يقول مثلًا القائل: أنا الحمد لله أصلي الصلوات الخمس وأصوم رمضان وأدفع زكاة مالي وأحج البيت، هذه منزلة للجنة صح، ولَّا لا؟ لو أردنا أن نقابله بنعمة من النعم..
وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة١٨] المراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المُخْرِج عن الإسلام، وليس الفسق الأصغر الذي يبقى فيه الإنسان مُؤْمِنًا ناقص الإيمان.
﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الجواب: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وانتبه أيها القارئ فقف على قوله: ﴿فَاسِقًا﴾، فإن كثيرًا من القراء يقرأ ويستمر ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ما يصلح هذا، ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ما يستقيم، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ فقِفْ، ثم قل: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ هذا الجواب جواب مَن؟ جواب الله عز وجل ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ فالله تعالى استفْهَمَ وأجابَ نفسه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ أجاب: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ (أي: المؤمنون والفاسقون)، لماذا؟
(...) (﴿﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ ﴾ [السجدة: ١٩] وهو ما يعد للضَّيْف ﴿﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴾) ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾ (أمَّا) هذه حرف شرط وتفصيل، وتفيد مع الشرط والتفصيل تفيد التوكيد؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٥ - ٧] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٨ - ١٠].
هنا ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ تكون فيها ثلاث فوائد:
شرطية؛ بدليل أنها أتى لها جواب ﴿فَلَهُمْ﴾.
تفصيلية؛ لأنها أتت بقِسْمين ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيش بعد؟
توكيدية؛ لأنه لا شك أن هذه الصيغة تفيد التوكيد ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾ هذا جواب الشرط ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، الجنات جمع (جَنَّة) وهي في اللغة الحديقة الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت به لأنها تُجِنُّ مَن فيها أي: تستره، لكنها في الشرع الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائِه فهي أعلى مما يدور في الخيال أو يخطر على البال.
وقوله: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يعني التي هي مأواهم لا يبغون عنها حولًا ولا يتحولون عنها، فهي مأوى كما أن الجحيم مأوى الكافرين لا يتحولون عنها، فالمأوى مكان الإيواء أي: أنها هي جناتهم التي يأوون إليها ولا يخرجون منها.
﴿نُزُلًا﴾ يقول المؤلف: (هو ما يُعَدُّ للضيف) وعلى هذا فتكون مصدرًا في موضع الحال، يعني أنه معد لهم هذا النزل.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الباء هنا للسببية.
(﴿﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ﴾) والعياذ بالله، مأواهم أي: مرجعهم ﴿النَّارُ﴾ يخرجون منها؟! لا، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ أعوذ بالله، شوف ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ يُمَنّون بالخروج ترتفع بهم إلى أن يقربوا من أبوابها، ثم بعد أن يتمنون الخروج ويُريدونه يعادون فيها، وهذا أشد والعياذ بالله في التعذيب ولَّا لا؟ لو فرضت أنك محبوس في مكان فقيل لك: تعال، تعال. ثم إذا قربت من الباب رَدّك، أيُّ هذا أو أن تبقى في حجرة الحبس، أيهم أشد؟ أن تبقى في الحجرة أشد؟ أيهما أشد؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: إي نعم، أن يُقرَّب من الباب، ثم إذا أراد أن يخرج قيل له: ارجع؛ لأنه والعياذ بالله إذا فُعِلَ هكذا صار كأنه يُحبَس عدة مرات؛ لأن من أشرف على الحياة ثم عاد إلى الموت صار ذلك موتًا آخر، فتكون إعادته إلى محبسه تكون حبسًا ثانيًا، هكذا أهل النار والعياذ بالله، يُمنَّون الخروج، وكلما أرادوا أن يخرجوا أعيدوا فيها.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ أيضًا توبيخًا: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فيجتمع عليهم -والعياذ بالله- يجتمع عليهم العذاب الجسمي والعذاب القلبي؛ الجِسْمِيّ منين؟ مِن النار والعياذ بالله ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] والقلبي؟ مِن هذا التوبيخ ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ويش حَسْرَة الإنسان عندما يقال له هكذا؟ ألا يتحَسَّر ويقول: ليتني ما كذبت، كيف أكذب؟ يتمنى، يكون هذا -والعياذ بالله- فيه من التوبيخ والتنديم وإدخال الحسرة ما هو ظاهر؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة١٦٧] الآن نحن إذا فاتنا شيء بقضاء الله وقدره وهو مما يَسُرُّنا فهل الواحد يندم؟ يندم يقول: ليتني فعلت وليتني فعلت، مع أنه منهي عنه لأن هذا يفتح عمل الشيطان، يفتح باب الندم أو الاعتراض على القدر؛ ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه.
فالمهم أن هذا التوبيخ يكون عذابًا أيش؟ قلبيًّا، وأما كونهم يرددون ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فهو عذاب جسمي بدني، فهم دائمون والعياذ بالله في عذاب وحسرة وندم ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف ٧٥] دائمًا وأبدًا ما فيه فترة راحة؛ ولهذا يقولون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر٤٩] شوف -والعياذ بالله- الخزي، والتقاصر ما قالوا: ادعوا ربكم يرفع العذاب، قالوا: يخفف فقط، ولا قالوا: يخفف دائمًا قالوا: يخفف يومًا، وهذا يدل على شدة يأسهم؛ لأنهم أُيِّسوا من الرحمة والعياذ بالله، يتمنون ولا لهم وجه على الله أنهم اللي يسألون، يطلبون من خزنة جهنم أن يشفعوا لهم إلى الله أن يُخَفِّف عنهم ﴿يُخَفِّفْ﴾ لا يرفع، ﴿يَوْمًا﴾ لا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
ولكن ويش تقول لهم الخزنة؟ توبخهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٥٠] فيقولون: بلى ﴿قَالُوا بَلَى﴾ ثم يقولون: إذن نحن برآء منكم ما نتدخل في شأنكم ﴿فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠]، ادعوا أنتم، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] ضائع ما ينفعهم؛ ولهذا إذا ألَحُّوا على ربهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، شوف التضرع ﴿رَبَّنَا﴾، والاعتراف ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾، ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ هم حكموا على أنفسهم، وكل هذا من باب التضرع؛ لأن الإنسان إذا اعتذر بإساءته فإن هذا مدعاة لرحمته، لو جاءك واحد يعتذر بذنبه ويعترف بذنبه هذا يوجب أنك ترحمه، فهم يعترفون لعلهم يُرحمون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، قال الله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿اخْسَئُوا﴾ أي: ذُلُّوا وكونوا حَقَارَى، ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ بأي كلمة حينئذ -والعياذ بالله- ييأسون من كل خير، نسأل الله السلامة؛ ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة ٢٠، ٢١] هذا فعل مؤكَّد بالنون واللام ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ تأكيدًا وجوبِيًّا؟ تأكيدًا وجوبيًّا لأنه مثبت، مُستقبل، بجواب قسم، غير (...) باللام.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجدب والسنين والأمراض.
(﴿﴿دُونَ الْعَذَابِ﴾ ﴾ أي: قبل ﴿﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ ﴾ عذاب الآخرة، ﴿﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ﴾ أي: مَن بقي منهم ﴿﴿يَرْجِعُونَ﴾ ﴾ إلى الإيمان) هذا وعيد من الله عز وجل أنه يذيقهم العذاب الأدنى قبل العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة؛ لعلهم يرجعون (لعل) للتعليل، ولكن هل رجعوا؟ منهم مَنْ رجع، ومنهم من لم يرجع، فإنّ قريشًا أصيبوا بالجدب والسنين والقتل في بدر -قَتْل شرفائهم- والأسر أيضًا، ومع ذلك رجعوا ولّا لا؟ منهم مَنْ رجع، ومنهم من لم يرجع، فمَن أراد الله له النجاة أحيا الله قلبه بهذه المواعظ فرجع، ومن طَبَعَ الله على قلبه بقي على ما هو عليه ولم يرجع.
* * *
(﴿﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ﴾ أي: لا أحد أظلم منه) ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (﴿﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴾ أي: من المشركين ﴿﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴾). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أفادنا المؤلف بقوله: لا أحد أظلم أن الاستفهام هنا للنفي؛ أي: لا أحد أظلم منه، والظلم سبق لنا عِدة مرات أن المراد به أيش؟ النقص في الأصل؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، فالمراد به نقص الإنسان فيما يجب عليه فيدعه، أي: نقصه فيما مُنع منه فلا يلتفت ويرتكب المحرم.
وقوله: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ ﴿ذُكِّرَ﴾ ما قال: ممن ذَكَّره الرسول ﷺ لأجل أن يشمل كل مُذكِّر؛ لأن بعض الناس قد يخضع لبعض المذكِّرين لكونه فلانًا، وهذا ليس خاضعًا للآيات، هذا خاضع للأشخاص، تجده إذا ذُكِّر بهذه الآية إن ذَكَّره فلان قَبِل وإن ذَكَّره آخر لم يقبل، أليس كذلك؟ يوجد أناس إذا أمرهم إنسان بأمر معروف ما همه، بل ربما يستهزأ به، وإذا أمره به آخر امتثل وأظهر الموافقة؛ ولهذا قال: ممن ذُكِّر؛ لئلا يَتَقَيَّد بمذكِّر معين، أيّ مذكرٍ يكون.
وقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ قال المؤلف: المراد به القرآن. والأصح أنه أعم من القرآن، ويشمل حتى من ذُكِّروا بالتوراة في زمن التوراة، ومن ذُكِّروا بالإنجيل في زمن الإنجيل، وبالزبور في زمن الزبور؛ لأن هذا حكم عام.
وقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ أتى بالربوبية المُقْتَضِيَة للانقياد؛ لأنه ما دام التذكير بآيات ربٍّ لك فأنت مَرْبُوبٌ عَبْد، والمربوب في تدبير مَن؟ ربه.
﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ وفي آية أخرى ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف ٥٧]، والفرق أنه في الآية الأخرى ﴿فَأَعْرَضَ﴾ أنه بادر بالإعراض فأعرض، في الثانية بعدما فكَّر وقدَّر في هذه الآية أعرض، والناس هكذا منهم من يُعرِض لأول وهلة ولا يلتفت ولا يفكر، ومنهم من قد يفكر ولكن في النهاية يعرض.
وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ الجملة استئنافية لتهديد هؤلاء المُعرضين وبيان أنهم من المجرمين؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو إظهار في موضع الإضمار، والأصل (إنا منهم)، لكن أظهر في موضع الإضمار للسببين السابقين الذين أشرنا إليهما؛ أنه من أجل أن يحكم على هؤلاء بالإجرام، ولأجل أن يكون الحكم عامًّا لكل مجرم فيهم وفي غيرهم، والإجرام بمعنى الإثم، فالمجرم هو الآثم الذي ارتكب ما لا يحل له كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين٢٩].
قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ جَمْع ليُطابق المبتدأ، أين المبتدأ؟ (إنا) اللي هو اسم (إن)؛ لأن أصلها (إننا) لكن حذفت النون الثانية تخفيفًا، ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ والجمع هنا وفي كل ما يضاف إلى الله يراد به التعظيم، وقد سبق لنا أن النصراني لو استدل بالجمع على التعدد قلنا له: أنت من أصحاب الزيغ الذين يتبعون ما تشابه منه؛ لأنك لو رجعت إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] زال عنك هذه الاشتباه.
وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ هي كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] فكلمة ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ تعني أنه صاحب انتقام؛ يعني ممن يستحقه، وهنا ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مقيدة، منتقمون من المجرمين، وبهذا نعرف أن المنتقم ليس من أسماء الله، المنتقم ليس من أسماء الله؛ لأن الاسم من أسماء الله يكون مطلقًا دالًّا على المعنى الأحسن على كل تقدير؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠]، كل كلمة تحتمل هذا وهذا فإنها لا تكون مِن أسماء الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، والانتقام لا شك أنه حَسَن في محله، وعليه فلا يصح أن يُوصف الله به على سبيل الإطلاق، وهو مَعدود من الأسماء الحسنى المشهورة، لكنَّ هذه الأسماء الحسنى المشهورة كما قال شيخ الإسلام وغيره من أهل التحقيق ليست ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هي ثابتة؛ لأن فيها أشياء من الأسماء لا تصح اسمًا لله.
إذن هل يوصف الله بالانتقام مطلقًا فيقال: (المنتقم)؟ الجواب: لا؛ لأنه ما ورد إلا مقيدًّا، وورد ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات فلا تدل على العموم؛ لأن النكرة في سياق الإثبات كما هو معروف لا تفيد العموم، إنما تفيد العموم إذا كانت في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري كما ذكره أهل الأصول.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة ٢٣] ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا وهو إعطاء شرعيٌّ قدريٌّ.
وقوله: ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿مُوسَى﴾ مفعول أول و﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان، و(أل) في قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ للعهد الذهني؛ لأنه ما سبق له ذكر حتى يُحال على المذكور، وليس شيئًا حاضرًا حتى يقال: إنه عهد؟
* طالب: ذهني.
* الشيخ: إذن فهو عهد ذهني؛ يعني: الكتاب المعهود المعروف وهو التوراة.
(﴿﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ ﴾ شكٍّ ﴿﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ ﴾) ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ الخطاب هنا -على ما مشى عليه المؤلف- الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والضمير في ﴿لِقَائِهِ﴾ يعود على موسى، والمعنى: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ يا محمد ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: في شك ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ لِقاء مَن؟ لقاء موسى، يعني: فإنك ستلاقيه.
قال المؤلف: (وقد التقيا ليلة الإسراء) هذا ما ذهب إليه المؤلف وذهب إليه كثير من المفسرين أيضًا أن الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والضمير يعود على موسى، والمعنى: لا تكن يا محمد في شك من ملاقاة موسى فإنك ستلاقيه، وقد لاقاه في ليلة الإسراء.
قال المؤلف: (الإسراء)؛ لأن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ويحتمل أن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ الخطاب لموسى؛ يعني: آتينا موسى الكتاب قائلين له: لا تكن في مرية من لقائه أي: لقاء الجزاء عليه أي: على الكتاب، والمعنى: أن هذا الكتاب الذي آتيناك إياه لا بد أن يُحاسَبَ عليه مَنْ نزل إليهم حتى يلاقوا جزاءهم.
ويحتمل المعنى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: لقاء موسى أي: لقاء مثل ما لقيه منين؟ من الأذى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: لقاء ما لقيه موسى من الأذى فإن موسى أوذي، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] ، وهذا أيضًا معنى حسن أن المعنى: أننا آتيناه وآتيناك أيضًا وأوذي فستؤذى، فلا تكن في شك من هذا، وهذا هو الواقع؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لقي من الأذى الشيء الكثير، وكل من تَبِع شريعته وانتهَج منهاجه في الدعوة إلى الله والعمل في شريعة الله فسيلقى الأذى، ولكن الشأن كل الشأن هل يلزم من الأذى الضرر؟
* طالب: ما يلزم.
* الشيخ: ما يلزم من الأذى الضرر؟ ما يلزم؛ ولهذا يصح أن نقول: إن الله يؤذى ولا يتضرر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب٥٧] وكما قال تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبَُ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٩١)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] مع أنه قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]] فلا يلزم من الأذى الضرر، ها نحن الآن نتأذى برائحة إنسان أكل بصلًا أو ثومًا ولّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ونتضرر؟
* طالب: لا، ما نتضرر.
* الشيخ: ما نتضرر؛ فلا يلزم من الأذى الضرر، والرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه أوذي، ولكن ما ضره ذلك والحمد لله صار الأمر والعاقبة للرسول ﷺ.
* طالب: لا يكون ضرر (...) لا بد للأذى أن يكون فيه ضرر.
* الشيخ: لا ما هو بلا بد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما يتضرر أحد حتى الآن (...) لو تأذيت من كلامك مثلًا أو تأذيت من رائحة شخص أو ما أشبه ذلك ما أتضرر، وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] فالمعنى أنهم لن يضروكم أبدًا، ولكن أذى، ولهذا قالوا: إن الاستثناء في هذه الآية منقطع.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة ٢٣] ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ جعلناه الضمير يعود على موسى أو الكتاب؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: موسى أو الكتاب، ﴿هُدًى﴾ هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿هُدًى﴾ مصدر قال المؤلف: إنه بمعنى اسم الفاعل، هاديًا لبني إسرائيل، واسم الفاعل صالح للكتاب، وصالح للرسول لموسى.
﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (بني إسرائيل) أي: ذرية إسرائيل، ذريته فيشمل أيش؟ الذكور والإناث، لكن لو قلت: بني فلان وهو شخص ما هو قبيلة، فبني للذكور وإذا قلت مثلًا: بني محمد؛ المعنى: الذكور، وإذا قلت: بني تميم يشمل الذكور والإناث؛ لأنهم قبيلة وإذا قلت: بنو آدم؟
* طالب: الذكور والإناث.
* الشيخ: يشمل الذكور والإناث؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب إذن الرسول يقول: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١ / ١١٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] .
ويش نقول؟
* طالب: واضح.
* الشيخ: واضح ليش؟
* الطالب: لأنه خاص بهم.
* الشيخ: خاص بهم، نعم، (بني إسرائيل) إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، فهو نبي من الأنبياء، ويقولون: معنى إسرائيل أي: عبد الله وهو لقب له.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة ٢٤] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: صيرنا، والجعل هنا كوني ولَّا شرعي؟ كوني، وغالب الجعل المذكور في القرآن كونيٌّ، وإن كان يأتي بمعنى الشرعي؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣] المعنى: ما جعلهم شرعًا، وأما كوني فقد وقع.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من بني إسرائيل أئمة بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء، قادة تفسير لأئمة، أئمة هذا تحقيق، ﴿﴿أَيِمَّةً﴾ ﴾ إبدال الثانية ياء، والمؤلف ما ذكر التفصيل فلا أدري هل أنه ليس فيها قراءة أو أنه غفل عنها، تحتاج إلى مراجعة، لأن كثير من القراء عندنا يقرؤونها بالتسهيل (وجعلناهم أئمة) دائمًا يقولون ﴿﴿أَيِمَّةً﴾ ﴾ بالتسهيل تحتاج إلى مراجعة.
يقول: (قادة) تفسير لأئمة؛ لأن الإمام هو الشيء الذي يُقْتدى به ويُتْبَع.
* طالب: أقول: الجعل يا شيخ ما يكون (...)؟
* الشيخ: (...)، الحكم مشهور هذا شيء مقدم.
وقوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (﴿﴿يَهْدُونَ﴾ ﴾ الناس ﴿﴿بِأَمْرِنَا﴾ ﴾) يهدون: أي يدلون الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة؛ لأن هداية التوفيق لا تكون إلا لله عز وجل، لكن هذه جواب دلالة.
وقوله: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ يحتمل أن يكون الأمر الشرعي أو الأمر الكوني؛ فإن كان المراد بالشرعي فالمعنى: يهدون الناس بالشرع أي: إليه، وإن كان الأمر قدريًّا فالمعنى أنهم يهدون ذلك ويدلونهم بقدرنا وتقديرنا، والحقيقة أن الأمر هنا شامل للمعنيين جميعًا.
وقوله: (﴿﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ ﴾ على دينهم وعلى البلاء من عدوهم) ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه فيها قراءتان؛ قراءة: ﴿﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ ﴾، وقراءة: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، أما على قراءة ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ فهي بمعنى أيش؟
* طالب: حين.
* الشيخ: بمعنى حين، فهي إذن ظرف ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، وأما على قراءة: ﴿﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ ﴾ فاللام حرف جر، و(ما) مصدرية؛ أي: لصبرهم، وتكون اللام هنا تكون اللام للتعليل.
وقولهم: ﴿صَبَرُوا﴾ قال المؤلف: (على دينهم وعلى البلاء من عدوهم)، وهو الحق، فيكون الصبر هنا على أحكام الله الكونية، ويش بعد؟ والشرعية، الأحكام الكونية والشرعية، فالأحكام الشرعية على دينهم، والكونية على قوله، وعلى البلاء من عدوهم.
(﴿﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ الدالة على قُدْرَتِنا ووَحْدَانِيَّتِنا ﴿﴿يُوقِنُونَ﴾ ﴾) ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ الواو حرف عطف، و(كان) معطوفة على ﴿صَبَرُوا﴾؛ يعني: لهذين الأمرين، الصبر ويش بعد؟ واليقين، الصبر واليقين، واليقين هو أعلى درجات الإيمان؛ لأن اليقين معناه أنه يقينًا لا تَزَعْزُع معه ولا شك فيه، وقد قيل: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين)، مأخوذ من هذه الآية: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
وقوله: (﴿﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا﴾ يشمل الآيات الشرعية والكونية، وفي قراءة بكسر اللام وتخفيف الميم وهي: ﴿﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ ﴾.
(﴿﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ٢٥] من أمر الدين).
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ الفصل بمعنى القضاء؛ أي: يقضي ويحكم حتى يُمَيِّز الحق لهؤلاء وهؤلاء، والحكم -كما قال الفقهاء- هو فصل الخصومات؛ لأن به يتميز هذا من هذا.
﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في حكمه الجزائي أو الشرعي؟ الجزائي؛ لأن حكمه الشرعي فاصل في الدنيا، هؤلاء على حق، وهؤلاء على ضلال، لكن أراد الحكم الجزائي الذي هو غاية الشرعي، فيوم القيامة يفصل بينهم هؤلاء إلى النار، وهؤلاء إلى الجنة.
وقوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ متى كانوا يختلفون؟ في الدنيا يختلفون، فالمؤمنون يقولون: إن هذا هو الحق، وأولئك يقولون: ليس هذا هو الحق، لكن يوم القيامة يُفصَل بينهم ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، ويتبين مَنْ هو الذي على الحق.
(﴿﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴾ [السجدة: ٢٦] أي: يتبين لكفار مكة إهلاكُنا كثيرًا من القرون).
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والواو حرف عطف، وقد سبق لنا في مثل هذا التركيب أن للعلماء في ذلك قولين في الإعراب.
وقوله: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال المؤلف: (يتبين لهم)، وفي الحقيقة أن هذا التفسير تفسير باللازم، وإلا فإن الهداية في الأصل الدلالة، لكن بالدلالة يكون ويش يكون؟ البيان بالدلالة؛ فلهذا فسَّروها باللازم أو لم يتبين لهم.
وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ﴿كَمْ﴾ هذه تفسيرية، وهي في محل نصبٍ؛ مفعولٌ مُقَدَّمٌ لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾، وهذه الجملة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ تُؤَوَّل بمصدر من غير حرف مصدري؛ يعني: أو لم يتبينْ لهم إهلاكُنا؟ وقد سبق لنا أن الجمل قد تُؤَوَّل بمصدر من غير حرف مصدري، ولها مثال هل تذكرونه؟
* طالب: تسمع بالمَعِيدِيِّ خيرٌ من أن تراه.
* الشيخ: وغيره؛ من القرآن؟ ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦] ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ لأن سواء عليهم إنذارك وعدمه ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦] استغفارك وعدمه، هذه من هذا الباب مما يُؤَوَّل بمصدر بدون حرف مصدريٍّ.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقوله: (يتبين لكفار مكة) المؤلف دائمًا يخصُّ مثل هذه العبارات لأهل مكة، وكأنه -رحمه الله- يرى أن كون الآية مكية تُعَيِّن أيش؟ المراد.
ولكن الأولى أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان ما هناك سبب يقتضي تخصيص المكان به فإن العبرة بالعموم.
(﴿﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ ﴾ الأمم بكفرهم) أي: بسببه، بسبب الكفر، والقرون جمع قرن، وما المراد بالقرن، القرن الأمة من الناس، كما في الحديث الصحيح: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] يمشون حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ من اللي ﴿لَهُمْ﴾؟
* طالب: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ وإن كان يحتمل تكون حالًا من ضمير قبلهم، لكن لهم أحسن؛ لأن هي مبتدأ الكلام، يعني حال كون هؤلاء ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [طه ١٢٨] في أسفارهم إلى الشام وغيرها، يعني أن هؤلاء الذين بقوا إلى وقت نزول القرآن قد تبيَّن لهم إهلاك الأمم السابقة فهؤلاء الذين بَقوا إلى وقت نزول القرآن يمشون في مساكن أولئك المعذبين.
وقوله: (في طريقهم إلى الشام) بناء على أن المراد كفار مكة، مثل أيش؟ مثل ديار ثمود، ومثل ديار قوم لوط، كما قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ٧٩]، وكونهم يمشون في مساكنهم هذا أبلغ في النظر وفي التبيُّن؛ لأنهم يرون ذلك عين اليقين، وعين اليقين أشد من علم اليقين أو لا؟ ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] فإحياء الموتى عند إبراهيم قبل أن يشاهده بعينه من باب علم اليقين، فإذا شاهده صار من باب عين اليقين، وقد ذكر العلماء أن لليقين ثلاث درجات: علمًا، وعينًا، وحقًّا. وكل ذلك مذكور في القرآن ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٧] هذه علم وعين في سورة واحدة، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] هذا حق اليقين، هذه مراتب اليقين الثلاث.
والفرق بينها أننا نحن نعلم علم اليقين أن في الجنة نخلًا ورمانًا وفاكهة، أليس كذلك؟ فإذا رأيناها بأعيننا -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم نراها- فإذا رأيناها بأعيننا صار ذلك عَيْنَ اليقين، فإذا أكلناها صار حق اليقين، ولَّا لا؟
لو قال قائل: لماذا لا يكون عين اليقين حق اليقين؟
نقول: الآن في عناقيد من البلاستيك عناقيد عنب، الذي يراها عين اليقين يَحْسِبها عنبًا، يمكن لو تعطيها بذر صغير يأخذها ويأكلها ولَّا لا؟ ما، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور ٣٩].
هذه رأيناها عين اليقين، لكن عندما نأكل هذا البلاستيك، ويش يتبين؟
* طالب: حق اليقين.
* الشيخ: لكن ويش اللي يتبين الحقيقة ولَّا لا؟ الحقيقة، فتبيَّن الحق الذي أعلى من عين اليقين، حق اليقين أعلى من عين اليقين، لكن ما لا يُدْرك إلا بالرؤية تكون رؤيته حق اليقين.
(...) كل هذا تقرير على قوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾؛ لأن كونهم يمشون في مساكنهم معناه أنهم يُدْرِكون ذلك عين اليقين، شاهدون بأعينهم وهو أبلغ من الخبر.
(﴿﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ﴾ دلالات على قدرتنا) ولو قال المؤلف: وعلى انتقامنا من المجرمين لكان أولى وأنسب؛ لأن المقام الآن مقام اعتبار بما جرى، فيكون هذا فيه دلالة على أيش؟ على الانتقام من المكذبين، فيكون أدعى للاعتبار.
* طالب: قوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ما سمع (...) اليقين (...).
* الشيخ: لا، اليقين لمن وقع عليه العذاب (...) فهذا عين اليقين.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة ٢٦] هذا للتوبيخ الاستفهام للتوبيخ، والمراد ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واتعاظ، وإلا فهم يسمعون سماع إدراك، لكنَّ سماع الإدراك لا يُجْدِي بل يضر إذا لم ينفع، سماع الإدراك يعني بالأذن إذا لم تنتفع به كان ضررًا عليك، كما أن العلم إذا لم تنتفع به كان ضررًا. فالمراد هنا سماع الاتعاظ والاعتبار.
ثم قال عز وجل: (﴿﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ ﴾ [السجدة: ٢٧] اليابسة التي لا نبات فيها ﴿﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ ﴾ هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادته).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ﴾ أسألكم هل المراد بالرؤية رؤية البصر أو العلم أو كلتاهما؟ كلتاهما، نعم، إذا كان ذلك بأرضهم رَأَوْه بأعينهم، وإذا كان في أرض غيرهم رأوه بقلوبهم رؤية علم، وهذا مُشاهَد.
﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ نسوق الماء في الجو أو نسوقه على الأرض؟ أو كلاهما؟ كلاهما فالأول ماء المطر نسوقه في الجو كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور ٤٣]، والثاني؟
* طالب: البحر.
* الشيخ: البحر ما هو يساق، البحر راكد.
* طالب: الأنهار.
* الشيخ: الأنهار تساق إلى الأراضي القاحلة فتنبت، وسواء كانت الأنهار كبيرة كالأنهار المشهورة المعروفة أو صغيرة كالمياه النابعة فإنها أنهار، عيون.
﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ ﴿الْجُرُزِ﴾ بمعنى الخالية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٨] خالية من كل شيء، أرض جرز ما فيها شيء، ما فيها أي شجرة فيأتيها المطر أو يأتيها ماء النهر.
يقول الله عز وجل: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ أي: الإبل والبقر والغنم، وكذلك غيرها، لكن خص الأنعام لأنها أكثر بأيدي الناس وأكثر ملابسة.
﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ يأكلون من هذا الزرع النابت.
* طالب: من بعض.
* الشيخ: من بعضه، المهم يأكلون منه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: صح؟
* طالب: إي.
* الشيخ: مثل أيش؟ (...).
هذا غير مباشر؛ يعني: كونه ينتفع بالبهائم التي انتفعت من الأشجار هذا غير مباشر.
* طالب: ما نقول: (...) الأنعام بأن أصول الزرع (...) الأنعام (...).
* الشيخ: لا، غالب اللي ينبت من الماء، من الأنهار، ومن السيول ما يحتاج إلى حرث، تنبته الأرض، كل البراري تنبت بدون حرث.
* طالب: (...).
* الشيخ: بس مشكلة، هذه يعتريها قوله تعالى لما ذكر: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ [عبس ٢٨، ٢٩] إلى أن قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] فبدأ بالمتاع لنا.
على كل حال إن صح هذا التعبير بأن الأنعام ترعى من هذا الخارج من الأرض أكثر مما يرعى منه الإنسان وإن كان كل منهما لا يقوم إلا بالخارج من الأرض، لكن لا شك أن البهائم مثلًا تأتي على هذه البرية تأكل من كل شجرة، والآدمي هل يأكل من كل شجرة؟ ما يأكل من شجر العروشين، ولا يأكل من كثير من المنابت، ما يأكل الجط يأكل (...)، ولَّا لا؟ الآدمي ما يأكله معلوم، نعم.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ؛ يعني: فالواجب أن يبصروا ما يرونه بأعينهم ويستدلوا به على كمال نعمة الله تعالى وقدرته، ويستدلون به على أمر آخر وهو القدرة على أيش؟ إحياء الموتى، فالأرض الجرز الخالية من النبات يأتيها هذا الماء فتنبت بإذن الله عز وجل، فالله تعالى القادر على إحيائها قادر على إحياء الموتى.
قال تعالى: (﴿﴿وَيَقُولُونَ﴾ ﴾ للمؤمنين ﴿﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ ﴾ بيننا وبينكم ﴿﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴾) أعوذ بالله استبطؤوا العذاب فقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، ليس المراد فتح مكة، بل المراد الفتح الحكم بيننا بأن تكون العاقبة لكم أيها المؤمنون، وعلينا أيها الكافرون، متى يكون هذا الذي توعدوننا به؟! فهو كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨]، وهذا الاستفهام للاستبطاء الدالِّ على الإنكار وليس للاستعلام والاسترشاد، ولكنه استبطاء دالٌّ على الإنكار؛ يعني: كأنهم يقولون: إن كانوا هم صادقين بأنكم على حق وأن العاقبة ستكون لكم فأين ذلك؟ وهذا في غاية ما يكون من العناد -والعياذ بالله- وكان الواجب عليهم أن يخافوا مما وَعَدَهم به المؤمنون، لكنهم لا يصدقون كِبرًا وعنادًا كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣].
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال الله تعالى: (﴿﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ ﴾ بإنزال العذاب بهم ﴿﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴾) فيه التفات من الخطاب للغيبة؛ ما قال: قل يوم الفتح لا ينفعكم، قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ لماذا؟ للعموم وللتسهيل عليهم بماذا؟ بما يقتضيه الفعل وهو الكفر.
﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يعني: يوم الفصل بيننا وبينكم والحكم.
(﴿﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴾ يمهلون لتوبة أو معذرة) فإذا جاء العذاب بالمكذبين فإن ذلك لا ينفعهم لو قالوا: آمنا، ويش الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، وغيره هذه قضية واقعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥] إلى الآن نحن في قضية معينة، ما فيه عموم، لكن قال ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] قد مضت؛ يعني: مضت سنت الله عز وجل أن مَن آمن بعد معاينة العذاب فإن ذلك لا ينفعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن﴾ [النساء ١٨] ما له توبة، ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨] واضحة مات على الكفر.
إذن ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ ويش إعراب ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾؟ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف منصوب على الظرفية، وعامله قوله: ﴿يَنْفَعُ﴾، ومن هنا نأخذ فائدة نحوية عظيمة؛ وهي أن (لا) النافية لا تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها.
(﴿﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴾ يعني يمهلون ﴿﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ ﴾ إنزال العذاب بهم ﴿﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴾ بك حادثًا موت أو قتل فيستريحون منك، وهذا قبل الأمر بقتالهم).
﴿أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ ﴿أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ليس المراد الإعراض عن دعوتهم، المراد لا تهتم بهم، هذا المراد، يعني لا تجعل نفسك متعلقاً بهم، ﴿وَانْتَظِرْ﴾ وهنا المفعول محذوف؛ يعني: انتظر نزول العذاب بهم، انتظر.
﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يحتمل أن يكون المعنى ما قاله المؤلف؛ أي: منتظرون أن ينزل بك هلاك بقتل أو غيره، أو إنهم منتظرون باعتبار الواقع؛ يعني أنهم منتظرون العذاب الواقع بهم، فهم كأنهم لتماديهم بالكفر كأنهم ينتظرون ما ينزل بهم من العذاب.
وقول المؤلف: إن هذا قبل الأمر بقتالهم معناه أن الآية منسوخة، وليس كذلك، هو صحيح أنها قبل الأمر بالقتال؛ لأن هذه السورة مكية فهي قبل الأمر بالقتال بلا شك، لكنها ليست منسوخة؛ لأن الأمر هنا بالإعراض عنهم والانتظار ليس معناه ألا نقوم بما يجب، فالآن نحن ننتظر أن ينزل الله تعالى عذاب بالكفار، لكن مع ذلك ندعوهم ولا لَا؟ ندعوهم ونقاتلهم إذا كان لدينا قدرة، وبهذا انتهت هذه السورة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في فجر يوم الجمعة، ويضيف إليها في الركعة الثانية (هل أتى على الإنسان)، ونرجع الآن للفوائد.
* طالب: أقول: آية السيف..
* الشيخ: ما عندي، وهذا قبل أن ينزل القتال.
* الطالب: قبل أن ينزل آية السيف؟
* الشيخ: ما ذكره المؤلف.
المراد بآية السيف يعني آية القتال، هذا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة ٥]، السؤال الثاني؟
* طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٥] هل تفيد معنى كل ما ذكر لفظ آية من الآيات (...)؟
* الشيخ: ما ذكرنا إحنا في التفسير أنه لا يلزم من كون هذا جوابًا للشرط أن يقع حين وقوع الشرط؟ ما تقدم لنا هذا أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تقدم وقلنا لكم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، وقلنا: تزوج زيد فوُلِدَ له، وأن التعقيب بحسبه، تعقيب كل شيء بحسبه، وأنه لا يلزم من قوله: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ أنهم يخرون من حين التذكير، وهذه نسينا نقولها في المناقشة، فهذه المعنى ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني معناه يسجدون لله ويسبحونه في حال السجود؛ ولهذا مما يشرع في السجود أن تقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.
قال الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ إلى آخره [السجدة: ١٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُوَبَّخون بتركهم العمل بالنجاة منها؛ لقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، ويتفرع على هذه الفائدة زيادة التعذيب؛ التعذيب الجسدي أو القلبي؟ القلبي؛ لأن الإنسان إذا وُبِّخ على عمل عمله هو يزداد حسرة وندمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق النسيان على الترك؛ لقوله: ﴿نَسِيتُمْ﴾ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، منين؟ ﴿نَسِينَاكُمْ﴾ يعني: تركناكم، وهذا يدل على أنه تعالى يترك مَنْ شاء ويُقْبِل على من شاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب النار جائز؛ لقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن عذاب النار أبديٌّ سرمديٌّ، كما أن نعيم الجنة أبديٌّ سرمديٌّ، لكن ذكر ابن القيم رحمه الله أن للسلف في أبدية النار قولين؛ وأما عذابها فهو أبديٌّ ما دامت النار موجودة، فلا يخرج منها أهلها ما دامت موجودة أبدًا، لكن الكلام في أبديتها هي، هل هي مؤبدة أو مؤمدة؟ لكن الصواب أنها مؤبدة، وقد ذكر الله تعالى ذلك في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن. في سورة النساء أعطنا الآية.
* الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٨]
* الشيخ: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ [النساء ١٦٨].
* الطالب: سبيلًا.
* الشيخ: ﴿طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذه آية النساء، الثانية في الأحزاب..
طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النساء ٥٦].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾.
* الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾.
* الطالب: سبيلًا.
* الشيخ: ﴿طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، هذه آية النساء، الثانية في الأحزاب، ما هي آية الأحزاب؟
* طالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٥]
* الشيخ: في آية الجن.
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
فإذا قال قائل: إن التأبيد هنا لخلودهم؟
قلنا: لا تأبيد لخلود إلا والمكان الخالد فيه يكون مؤبَّدًا، إذا تأبَّد الخلود فإن مكان الخلود يكون مؤبَّدًا بالضرورة، ولهذا الصواب المقطوع به أن النار أبدية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٤].
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل، فكما أنهم أَفْنَوْا حياتهم في معصية الله فإن حياتهم الآخرة أيضًا ستكون بعذاب الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن للإيمان علامات؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ إلى آخره.
* ويستفاد منها: أن مَن ادَّعَى الإيمان بدون علامة فدعواه باطلة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: الاستدلال بالأحوال والقرائن، من أين تؤخذ؟ لأن الله ذَكَرَ علامة على الإيمان بهذه الأفعال، والإيمان محله القلب لا يُعْلَم، لكن هذه الأعمال قرائن وأحوال تدل على وجود ما هي دليل عليه، فيستفاد من الآية الاستدلال بالقرائن، ويش بعد؟ والأحوال على حقيقة الشيء، وهذه مفيدة غاية الفائدة للقضاة.
وقد استدل بالقرائن أحد الأنبياء الكرام، مَن هو؟ سليمان، استدل بالقرائن، واستدل بالقرائن أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام في قصة مال حُيَيّ بن أخطب لما سأل عنه بعد خيبر «قال: إنه أَفْنَتْه الحروب، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ»، ما يمكن تفنيه وحُيَيّ بن أخطب من أغنياء بني النضير، وين ذهب ماله؟! «ثم دفعه إلى الزبير بن العوام وقال له: «مُسَّهُ بِعَذَابٍ»، ولما ضربه قال: والله أنا بادُلُّكم على شيء كان حُيَيّ يختلف إليه كثيرًا، فدَلَّهُم على خربة، فإذا المال مدفون فيها[[أخرج ابن حبان (١٦٩٧) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ لعم حيي: «... ما فعل مَسْك حيي الذي جاء به من النضير؟» ،فقالأذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك»، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمَسَّه بعذاب، وكان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًّا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا الْمَسْك في الخربة... . الحديث.]] ، فاستدل الرسول عليه الصلاة والسلام بالقرائن على وجود الشيء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن للإيمان تمامًا ونقصانًا؛ لأن هذه الآية لا شك أنها في كمال الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انقياد المؤمن للمواعظ، أن من علامة المؤمن انقياده للمواعظ؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ [السجدة ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المؤمن قد يطرأ عليه الجهل والنسيان، من أين تؤخذ؟ ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ قد ينسون أو يجهلون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فريضة السجود؛ لقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، وقد ثبت في الحديث أَنَّ: «أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢/٢١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد بالدعاء في حال السجود، وأخبر أنه أحرى بالإجابة[[أخرج عبد الرزاق (٢٨٣٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود، فأما الركوع فيعظم فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم».]] .
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين انتفاء العيب والنقص عن الله مع ثبوت الكمال له، منين نأخذه؟ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٥]، ففي التسبيح تنزيه، وفي الحمد كمال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات المؤمن التواضع؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ التواضع لمن؟ للحق وللخلق، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين التواضع والذل، فالمؤمن لا يكون ذليلًا، ولكنه يكون متواضعًا، إذا تبين له الحق انقاد له، هذا تواضع للحق، وإذا عامل الْخَلْق عاملهم بماذا؟ بالتواضع، لكن ما يُذِلّ نفسه، هو لا يستكبر على الناس، ولا يَغْمِط الناس حقَّهُم، ولكنه لا يَذِلّ لهم.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التعصب في التقليد ليس من طريق المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويوجد في المتعصبين للتقليد مَن يستكبر عن الحق، إذا عُرِضَ عليه أبى، ضرب بقول فلان كذا وكذا من مُقَلَّدين، وهذا نوع من الاستكبار عن الحق.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذَمُّ مَن أصر على رأيه بباطل، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، من الناس مَن إذا قال قولًا لا يمكن أن يتنازل عنه ولو بَانَ الحق، وهذا نوع من الاستكبار، الواجب أن تعرف نفسك، وأنك بشر، وأنه يفوتك العلم إما نسيانًا وإما جهلًا، ويفوتك أيضًا الوصول إلى الغاية، قد يكون عندك علم لكن ينقصك التركيز والتأمل، والجمع بين الأدلة، وما أشبه ذلك، فتحتاج إلى أن تذكر.
ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة ١٦] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية: فضيلة قيام الليل؛ لأن الله تعالى ذكره في سياق النفي ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، لكن هذا الإطلاق مقيَّد، بماذا؟ بِمَا جاءت به السنة، يعني بألَّا يكون جميع الليل، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ في حدود ما جاءت به السنة، وبهذا نعرف خطأ ما يوجد في كتب الوعظ من أن فلانًا صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، يعني أنه ما نام الليل، يقوم الليل، هذا خطأ، هذا تَبَرَّأَ منه الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال في الجماعة الذين قال أحدهم: أنا أقوم الليل ولا أنام، قال: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».»[[أخرج البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم واللفظ له (١٤٠١ / ٥) عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «... ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».]]
لكن مشكل هؤلاء الوعَّاظ الذين يكتبون هذه الكتب يريدون أن يُرَغِّبُوا الناس، لكن يرغبونهم في الباطل، ولو أن الناس اختُصِرَ لهم بما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من التبشير والإنذار، ومن الأعمال الصالحة لاستقاموا، لكن عندما أسمع هذا رجل يُثْنَى عليه أنه أربعين سنة صلَّى الفجر بوضوء العشاء أقول: أين أنا من هذا؟ خلاص أبقى على ما أنا عليه، وأصلي سُنَّة العشاء ركعتين، والوتر أقله ركعة أصلي ركعة، ولا يجب إلا قراءة الفاتحة، يقتصر على الفاتحة، ولا يجب إلا سبحان ربي الأعلى مرة في السجود، وسبحان ربي العظيم مرة في الركوع أقتصر عليها أيضًا، ويمشي، لكن لو أن الناس بُيِّنَت لهم السُّنَّة حقًّا لكفى بها واجبًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعاء؛ لقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعي وللعامل أيضًا، للداعي وللعامل العابد أن يكون دعاؤه وعبادته بين الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق مما رزقك الله؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة ١٦]، على حسب التفصيل اللي ذكرناه في التفسير.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، في هذه الآية دليل على عِظَم نعيم الجنة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾؛ لأن هذا لا شك أن الإبهام يدل على التفخيم كما قلنا في التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة من قُرَّة العين في المأكول والملبوس والمنقوع والمسكن ما لا يخطر على البال؛ لأن كل هذه الأربعة تقر بها العين، قال الشاعر:
وَلُبْسُ عَــــــــــبَـاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الله عز وجل على العباد، على المؤمنين، فضله السابق واللاحق؛ السابق أنْ وَفَّقَهم للإيمان والعمل الصالح، واللاحق أن جعل هذا الجزاء على عملهم، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كأن هذه النعم التي في الجنة كأنها جزاء على عمل لهم، ففيه حقيقة العمل لهم، لكن فيه أن الفضل من الله عز وجل عليهم كأنه فضل منهم على أنفسهم.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مثل قوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، إحسان العمل بإحسان الجزاء، ومثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، يَمُنّ عليهم بالسعي الحميد ثم يشكرهم عليه، يَمُنّ عليهم هنا بالتوفيق للهداية، ثم يقول: أجازيكم على عملكم، وهذا لا شك أنه من تمام مِنَّة الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة ١٨].
* في هذه الآية: تقرير أنه لا مساواة بين المؤمن ومَن؟ والكافر، وأن هذا أمر لا يمكن، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم ٣٥، ٣٦]، هذا من السَّفَه، ومن الخطأ في الحكم أن يُجْعَل المسلم كالمجرم، أو الفاسق كالمؤمن، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من الفاسق ولو كان الفاسق أعظم جاهًا في الدنيا عند الخلق، منين نأخذه؟ من العموم، ﴿أَفَمَنْ﴾، (مَن) هذه اسم استفهام، وأسماء الاستفهام من صِيَغ العموم، لا يمكن لأي فاسق أن يكون كالمؤمن، ولو عظمت به الدنيا، ولو نال من الدنيا ما ينال فإنه ليس كالمؤمن ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة ١٩، ٢٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمن لا يساوي الكافر، لا في عمله ولا في الجزاء؛ أما العمل فظاهر، هذا مؤمن وهذا فاسق، وأما الجزاء فبَيَّنَ الله الفرق، الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى، وأولئك مأواهم النار، وفرق بين هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا يَتِمّ إلا بالعمل الصالح؛ لقوله ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلا يكفي مجرد العقيدة، بل لا بد من عمل صالح.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، لكن هل هي موجودة، أو توجَد يوم القيامة؟ موجودة؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وهي فعل ماضٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: طِيبُ منازل الجنة ومقرّها؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، يعني الجنات التي لا يتمنى الإنسان إلا أن يأوي إليها المأوى، كل أحد يتمنى هذا المأوى لكن لا يناله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة يُكْرَمُون بما يُنَعَّمُون به كما يُكْرَم الضيف بضيافته؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾، وتعلمون ما يجده الضيف من السرور في نفسه إذا أُكْرِم بالضيافة، بخلاف الذي يقدَّم له الطعام عاديًّا، اللي يُقَدَّم له الطعام عاديًّا يرى أنه شيء معتاد ما له أهمية، لكن الذي يقدَّم له كضيافة وكأنه رجل مُكَرَّم ومحترم يجد في نفسه مع ما.. تلذذه بالطعام، التلذذ الجسدي، يجد تلذذًا وراحة نفسية وإكرامًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الفسق نوعان: فسق أكبر، وهو الكفر، وفسق دون ذلك وهو المعاصي.
* ومن فوائدها: أن الكفار مأواهم النار؛ لقوله: ﴿أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾.
وهناك فسق آخر ليس مُخْرِجًا عن الملة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١]، هنا قال ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، ولم يقل: فلهم النار مأوى، أو فلهم نار المأوى، الفرق لأن النار كل أحد لا يحب أن تكون مأواه، بخلاف الأول، الجنة كلٌّ يحب أن تكون هي المأوى، وأما هذا فلا، وإن كان هذا الفرق قد يختلف في بعض الآيات، مثل: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧ - ٤١]، لكن لكل مقام مقال، هنا المقام مقام معادلة وموازنة، ولهذا فرَّق بينهما، قال: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، وهنا قال: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، أما هناك فليس هناك معادلة، يعني ما ذُكِرَ أن قومًا يَدَّعُون لأنفسهم أنهم أهل الحق فأنكر الله ذلك.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، وهي موجودة الآن ولَّا توجد يوم القيامة؟ موجودة، الدليل: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة عذاب أهل النار؛ لكونهم يُمَنَّوْن بالخروج ويُرْفَعُون، يرتفع بهم اللهب، حتى إذا ظنوا أنهم يخرجون أُعِيدُوا فيها؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أهل النار يُجْمَع لهم بين العذاب الجسمي والعذاب القلبي بالتوبيخ، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة ٢١].
* يستفاد من الآية الكريمة: بيان (...) عز وجل فيما يبتلي به من المصائب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وهذا كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الدنيا لا يُنْسَب إلى عذاب الآخرة؛ لما بينهما من الفرق العظيم، فهذا أدنى وذاك أكبر، يعني كلاهما في طَرَفَيْ نقيض، يعني أدنى اسم تفضيل، وأكبر اسم تفضيل، فإذن هل يُنْسَب أدنى شيء إلى أعلى شيء؟ لا، لا نسبة، ولهذا تقول (...) الفرق العظيم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: قبول التوبة من الكافر؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات حكمة الله؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فإن (لعل) للتعليل، والتعليل هو الحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات العذاب في الآخرة؛ لقوله: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، فإن المراد به عذاب الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة ٢٢] إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن مَن كان على هذا الوصف فهو لا يكون أحد أظلمَ منه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، وهاهنا مسألة، وهي أن مثل هذه العبارة جاءت في غير هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١] وهنا نحتاج إلى الجمع بين هذه النصوص، وفي السنة: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ، فكيف نجمع بين هذه النصوص؟
ذكرنا فيما سبق أن الجمع بأحد وجهين؛ الوجه الأول أن نقول: إن الآية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا تفيد أنه لا يوجد مشارك أو مساوٍ لهذا الظلم، فإننا نقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ﴾، (وَمَنْ أَظْلَمْ مِمَّنْ) اشتركَا في ماذا في الأظلمية، وأن هذا أعلى ما يكون في الظلم، هذا وجه، والوجه الثاني: أن نقول: إن الأظلم بالنسبة لما تحته من نوعه، يعني: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾، يعني هذا أظلم ما يكون من الْمُذَكَّرِين، بخلاف مَن ذُكِّرَ ثم أعرض عن البعض، أو ما أشبه ذلك، يصير هذا الأظلمية بماذا؟ بالنسبة لما تحته من نوعه، ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، يعني: لا أحد أظلم في مَنْع شيء من الأشياء ممن مَنَع مساجد الله، وعلى هذا فَقِس، فصار الجواب بأحد وجهين: إما أن يقال (...).
* الآية الكريمة: وجوب القبول على مَن ذُكِّر بآيات الله، منين نأخذه؟
* طالب: من الوعيد في الإعراض.
* الشيخ: نعم، من الوعيد في الإعراض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يقبل التذكير من أيّ مَن ذَكَّره، منين نأخذه؟
* طالب: من المبني للمجهول.
* الشيخ: من بناء الفعل للمجهول ﴿ذُكِّرَ﴾، ما قال: ممن ذَكَّرَه الرسول أو ذَكَّرَه فلان أو فلان، إذا وقع التذكير أو أتاك التذكير من أي جهة فالواجب عليك القبول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإعراض بعد العلم أقبح منه حال الجهل، أو لا؟ لأن الله تعالى جعل هذا أعظم الظلم أن تُذَكَّر ثم تُعْرِض، لكن مَن أعرض بدون تذكير فهو أهون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢].
* ومن فوائدها: أن الإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها إجرام؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إضافة الانتقام إلى الله مُقَيَّدًا؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، يعني: الإخبار عن الله بأنه منتقم لكن مُقَيَّدًا، كقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات عظمة الله؛ لقوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، فإن الجمع هنا للتعظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، وأنه في أعلى ما يكون من البلاغة والفصاحة؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِين﴾، ولم يقل: إنا منه، من أجل أن نستفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى أن هذا مُجْرِم، والفائدة الثانية أن الحكم يعمه وغيره من المجرمين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة ٢٣] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة موسى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وتأكيد هذه الرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ لأن الجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات: اللام، وقد والقسم المقدَّر.
* ومن فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام رسول حقًّا لا يجوز الشك فيه؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة ٢٣]، يعني أن هذا حق لا تكن في شك من أنه حصل لموسى هذا الذي حصل، وهذا على التفسير الذي ذكرنا، أما على ما قاله المؤلف فيستفاد منه أن محمدًا ﷺ سوف يلاقي موسى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة كالقرآن هدى؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لكن هداية مخصوصة، لِمَن؟ لبني إسرائيل، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة ٢٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا ينبغي لنا أن نطلب الهدى من التوراة، منين نأخذه؟ كقوله: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أما مَن بعد بعثة الرسول فالهدى لهم هو القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: فضيلة الصبر، منين نأخد فضيلة الصبر؟ من الجزاء عليه، من كون الصابر يكون إمامًا، وهذا دليل على أن الصبر محبوب إلى الله يجازِي عليه بهذا الجزاء العظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة اليقين، كقوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نَيْل الإمامة في الدين بهذين الوصفين، وهما: الصبر واليقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هؤلاء لما صبروا وأيقنوا صاروا أئمة يُقْتَدَى بهم، كلما أصاب الإنسان شيء قال: لقد أُصِيب فلان فَصَبَرَ فيصبر، كلما وردت عليه شبهة قال: لقد كان فلان مُوقِنًا فأنا أوقن، فيكون الإنسان بذلك إمامًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة ٢٥].
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا حاكم في الآخرة إلا الله، من أين تؤخذ؟ من ضمير الفصل ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾، هو وحده يفصل، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومنها: أن الله تعالى يحكم بين المؤمنين والكافرين في ذلك اليوم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فيقول: أنتم على حق، وأنتم على باطل، وهؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، أيهم الغالب؟
* طالب: المؤمنون.
* الشيخ: المؤمنون؟ متأكِّدون؟ أو الكافرون هم الغالبون؟ لا ما هو الأكثر، أيهم الغالب؟
* طالب: أي المنتصر.
* الشيخ: المنتصر.
* طالب: المؤمنون.
* الشيخ: المؤمنون؟ ويش الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، شوف قاضي يُعْلِن الحكم بين الخصمين ويقول: أنت الغالب، فيُعْلِن بالحكم قبل القضية، يجوز هذا ولَّا ما يجوز؟ في حق الله عز وجل لا شك أنه جائز، فالآن نحن نقول: نحن نتخاصم مع الكافرين، ولن يكون لهم علينا سبيل، لكن لو يجيء -مثلًا- قضية في الدنيا يجيء القاضي يقول: طالب فلان (...) وذاك ما له سبيل عليك، يجوز ولَّا لا؟ هذا لا يجوز، أولًا: لأن القاضي إلى الآن ما بعد عُرِضَت عليه القضية ولا يدري، ثم إن الخصم غالبًا ويش يَذْكُر، الحجة اللي له ولَّا اللي عليه؟ الغالب أنه يذكر الحجة التي له، سواء قصد إخفاء قضية خصمه، أم ظن أن هذا تنفعه، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا وفاق بين المؤمنين والكافرين، (...) ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أيّ إنسان يحاول أن يقارِب بين الإسلام والنصرانية، أو بين الإسلام واليهودية فإنه أراد أن يَرُدّ اللبن في الضرع، ممكن ولَّا لا؟ ممكن ولَّا غير ممكن؟ هذا غير ممكن، كل كافر مهما كان، سواء انتسب إلى الإسلام، أم كان كافرًا مُعْلِنًا بكفره، فإنه لا يمكن أن يتوافق مع المؤمنين أبدًا، لا يمكن، ومَن زعم ذلك فقد أبعد النجعة، وحاول شيئًا مستحيلًا.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة ٢٦].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: استعمال ضرب الأمثال، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، يعني: فإذا كنا أهلكنا مَن قبلهم فسنهلكهم إذا كانوا مثلهم، ولهذا قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف ١١١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالشيء المحسوس على الشيء المعقول؛ لقوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، أو بعبارة أخرى الاستدلال بعين اليقين على صدق علم اليقين، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا أيش؟ علم اليقين، ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ هذا عين اليقين، نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المشي بدار المعذَّبِين ومساكنهم، منين نأخذه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، هل ذِكْر الخبر عن الشيء يفيد حِلَّهُ؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لا، ما يفيد في الواقع، الحقيقة أنه لا يفيد، يعني كون هذا هو الواقع إنهم يمشون في مساكنهم ما يدل على أن هذا مشي مأذون فيه، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الظَّعِينَةَ تَمْشِي مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلَى عَدَنَ أَوْ إِلَى صَنْعَاءَ لَا تَخْشَى إِلَّا اللهَ»[[أخرج الحميدي في مسنده (٩٤٠) عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف بك إذا أقبلَت الظعينة من أقصى اليمن إلى قصور الحيرة لا تخاف إلا الله»، وأخرج البخاري (٣٥٩٥) عنه أنه حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله...». الحديث.]] ، والظعينة وحدها حرام تمشي ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حرام، وقال الرسول: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه.]] ، اليهود والنصارى، وهذا حرام ولَّا حلال؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: حرام، فالإخبار عن كونهم يمشون في مساكنهم ما يدل على أن المشي حلال، لكن هل يدل على أنه حرام؟ لا يدل على أنه حرام، لا على أنه حلال، ولا على أنه حرام، فنرجع إذن إلى الأدلة الدالة على ذلك؛ على التحريم أو التحليل، نجد أن الأدلة تدل على أن السير فيها جائز، وأما السُّكْنَى فلا تجوز، ومع ذلك وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]] ، واضح؟ فالإنسان اللي يقصدها نقول: لا تدخلها إلا باكيًا، وأما الذي يمر بها مرورًا فله أن يمر، ولكن يُسْرِع كما أسرع النبي عليه الصلاة والسلام.
أما الذهاب إلى هذه المساكن من أجل أن يتفرج يقول: ما شاء الله، والله حضارة عظيمة هذه، شوف الحضارة القديمة، هل يوجد حضارة جديدة مثلها؟ ويُشَمّ من كلامه تعظيم هؤلاء، فهذا من السير في الأرض المأمور به، توافقون؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا نوافق، هذا من السير في الأرض المنهي عنه؛ لأن كوننا ندخل على هؤلاء نتفرج مُنْبَسِطِينَ مُنْبَهِرِين بقوتهم متناسين ما وقع بهم من العذاب لمخالفتهم أمر الله ورسله، هذا مذموم وليس محمودًا، ولا مأمورًا به، وعليه فنقول لكل مَن أراد أن يذهب إلى هذه البلاد: إذا كنتم فعلتم ذلك على سبيل النزهة فهذا حرام عليكم، أما على سبيل الاعتبار والاتعاظ بما جرى لهم من العذاب والنكال، وأن تتأثروا بذلك حتى تبكوا، فهذا جائز، وإلا فلا تدخلوا، لا تُعَرِّضُوا أنفسكم للعذاب.
* طالب: شد الرحال؟
* الشيخ: شد الرحال ما فيه بأس، لأنه ما هو على سبيل التعبد لهذا المكان نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن في إهلاك الأمم عبرة وآية؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، فهو آية؛ لكون الله تعالى أخذهم وأهلكهم مع قوتهم، وهي عبرة أن الله أخذهم، لماذا؟ لمخالفته، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر ٢١]، وقال في آية أخرى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]، وقال في آية أخرى: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم ٩]، كل هذا يفيد بأنه يجب علينا نحن أن نعتبر بهذه الآيات، وأن نخاف.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة ٢٧] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب النظر في الآيات؛ لأن الاستفهام هنا للتوبيخ ولوم مَن لم ينتفع بذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية ﴿أَنَّا نَسُوقُ﴾.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يسوق الماء جَوًّا أو بَرًّا إلى هذه الأراضي الخالية الميتة الهامدة فتنبت؛ لقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل فيما نبت في الأرض الحِلّ، من أين يؤخذ؟ ﴿أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾، فالأصل فيما نبت في الأرض أنه حلال حتى يقوم دليل على التحريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإحياء الأرض بعد موتها، ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أعلى درجات اليقين، وهي حق اليقين، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾، فهم لا ينظرون إليه فقط، ولكنهم يأكلون منه، وهذا هو حق اليقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على النظر والتبسط، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة ٢٧].
* ومن فوائدها: إثبات الملك في الأنعام؛ لقوله ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾، الإضافة هنا إضافة ملك، ولكنه سبق لنا أن كل ملك يثبت للإنسان فهو ملك لله، لكنه ملك مقيَّد، الإنسان ما يملك الشيء ملكًا مطلقًا يتصرف فيه كما شاء، وإنما يملكه ملكًا مقيَّدًا في تحصيله وتمويله وتصريفه، أو لا؟ مقيَّد بالتحصيل ما تُحَصِّله إلا على الوجه المشروع، وفي تمويله يعني الاتجار به، وفي تصريفه؛ ما تصرفه إلا مقيَّدًا، فهل بعد هذا يكون الملك حقًّا أو حقيقيًّا؟ لا.
إذن ملكك للأشياء حتى ملكك الخاص، كالبيت والسيارة والثوب، ليس ملكًا مطلقًا، بل هو ملك مقيَّد.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة ٢٨]، في هذا دليل على سَفَهِ هؤلاء المكذِّبِين وحُمْقِهم؛ لقولهم ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، والاستفهام قلنا: إنه للاستبطاء والتحدي للرسول عليه الصلاة والسلام ومَن كان معه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم بين المؤمن والكافر من الفتح؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ﴾ [السجدة ٢٩]، فأقَرَّ هذه التسمية.
* ومن فوائد الآية: بيان عُتُوّ الكافرين وإجرامهم؛ لكونهم يتحدون الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، يقول: متى هذا الحكم بيننا إن كنتم صادقين؟
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن العذاب إذا نزل لا ينفع الإيمان، من أين يُؤْخَذ؟ ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة ٢٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب فلا إنذار؛ لقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن العذاب قد يُؤَجَّل قبل نزوله، أو لا؟ نعم؛ لأنه يقول: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ﴾، فظاهر الآية أنه لو كان هذا الإيمان قبل نزول العذاب فإن الله تعالى يرفعه بالإيمان، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام عند الكسوف بماذا؟ بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والتكبير من أجل أن يُرْفَع العذاب الذي هذا إنذار به، فإن الكسوف إنذارٌ بالعذاب، هو نفسه ليس عذابًا، لكنه إنذار بأن يُعَذَّب الخلق، فإذا فزعوا إلى الصلاة وإلى الذِّكْر والدعاء والاستغفار رُفِعَ عنهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُكَابِر يُعْرَض عنه ويُتْرَك حتى ينزل به العذاب، فإذا رأيت مَن يكابر تأمره بالحق ولكن يكابر ويجادل ويعاند فاتركه؛ لأن بقاءك معه لا يجدي شيئًا، فالإنسان المكابِر الذي يقول: هذه ليست بشمس، ولكن هذا قمر، تقول: الآن نحن في النهار في الضحى وشوف الشمس ، قال: لا، أنت غلطان، نحن الآن بعد صلاة العشاء، وهذا الذي ترى إنما هو القمر، تتكلم معه؟ أبدًا، تطلب مَن يقرأ عليه أو مَن يداويه؛ لأنه مجنون، كذلك مَن تُرِيه الحق مثل الشمس، والحق أَبْيَن من الشمس، ثم يقول: لا، هذا غير صحيح، فإن هذا ينبغي أن يُطْلَب له مَن يداوي عقله قبل فكره، هذا مُكَابِر ما فيه فائدة الكلام معه، ولهذا يقول الشاعر:
كَيْفَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ ∗∗∗ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيـــــلٍ
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْمُكَذِّب ماذا ينتظر بتكذيبه؟ ما ينتظر إلا العذاب، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، وأما تفسير المؤلف: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أن يَحِلّ بك هلاك أو نحوه فهذا فيه نظر، بل يقال: إنهم منتظرون للعذاب بكونهم استمروا على كفرهم، فهم كالمنتظِر لما ينزل بهم.
وقد يقال: إن الآية تشمل المعنيين جميعًا، يعني: هم ينتظرون (...) أن تموت، وينتظرون عذابهم باستمرارهم على المعصية، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور ٣٠، ٣١]، ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠] نسأل الله العافية.
* طالب: الانتظار هو الترقب؟
* الشيخ: إي نعم، الترقب.
* الطالب: يقال: إنهم ينتظرون العذاب الأليم.
* الشيخ: نعم، كيف؟ هم ينتظرونه، سواء أحسوا بذلك أو ما أحسوا؛ لأن مآلهم إلى العذاب -والعياذ بالله- ولهذا إذا مات الكافر يُعَذَّب على طول، بل هو يُحِسّ بالعذاب في حال النَّزْع، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠]، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٠].