Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — يس 36:37 – يس 36:56

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. يس 36:37
  2. يس 36:38
  3. يس 36:39
  4. يس 36:40
  5. يس 36:41
  6. يس 36:42
  7. يس 36:43
  8. يس 36:44
  9. يس 36:45
  10. يس 36:46
  11. يس 36:47
  12. يس 36:48
  13. يس 36:49
  14. يس 36:50
  15. يس 36:51
  16. يس 36:52
  17. يس 36:53
  18. يس 36:54
  19. يس 36:55
  20. يس 36:56

يس 36:37

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس ٣٧] نقول في إعرابها ما قلنا في ﴿آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾ فيكون ﴿اللَّيْلُ﴾ مبتدأ، و﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ونقول في نفس اللفظ كما قلنا في قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: أنه يجوز أن تكون صفة لـ(الليل) على حد قول الشاعر: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ∗∗∗ ............................ ويجوز أن تكون الجملة استئنافية؛ لبيان هذه الآية، كيف كان آية؟ كيف كان الليل آية؟ قال: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] نسلخ يقول المؤلف: (نفصل) وسمى الله.. سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من البهيمة أنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا النهار ضوء النهار مثل الليل يسلخ الله تعالى النهار من الليل كما يُسلخ الجلد من البهيمة قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]؛ أي: داخلون في الظلام، (إذا) فجائية تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا، ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨]، (الواو) حرف عطف، و﴿الشَّمْسُ﴾ معطوفة على الليل؛ يعني وآية لهم الشمس أيضًا.. ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشمس مبتدأ، يجوز هذا وهذا، لكن المعنى الأول أقوى. قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى والقمر كذلك؛ يعني سواء قلنا: الجملة استئنافية، وأن هذه آية أخرى جديدة، أو قلنا: إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله لا شك أنها آية من آيات الله، فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، هذا الجرم الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بُعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله. من يستطيع أن يُوجِد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها شعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ فالجواب: لا أحد يستطيع؛ إذن فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمار وتدفئة الأرض والنور العظيم، كم طاقة يتفاداها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء؟ طاقة عظيمة، سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يُستغنى بالشمس عن تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة، فإن هذا أمر لا يُقدَّر له ثمن، وأما إنضاج الثمار، وإيباس الرطب، وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلْق، فحدِّث ولا حرج، فهي آية من آيات الله، آية عظيمة من آيات الله عز وجل، هي آية أيضًا في سيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ﴾ [يس ٣٨] ﴿تَجْرِي﴾ يعني تسير جريانًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس فإنها تسير بسرعة عظيمة جدًّا، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، أو قد يُعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الآن الطائرة تسير بسرعة عظيمة، وهي قريبة منا ولَّا لا؟ قريبة، ومع ذلك نراها تمشي ببطء لبعدها عنا، فما بالك بالشمس؟ نحن نشاهدها تسير لا شك في هذا؛ حتى إنك إذا نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا دليل على أنها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا ويش بعدها عنا؟ بعيدة جدًّا، ونشاهدها تسير هذا السير، إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد عُلِم تقديره عند الفلكيين الآن. وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف: (أي: إليه لا تتجاوزه). والمستقر موضع القرار كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقد جعل الأرض قرارًا، فالمستقر موضع القرار. قال المؤلف: (أي: إليه، لا تتجاوزه). والمستقَرُّ: موضع القَرار؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقال: ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل ٦١]، فالمستقَرُّ موضعُ القرار، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]، فما هذا القرار الذي تجري الشمسُ إليه؛ هلْ هو قرارٌ زَمَنِيٌّ أو قرارٌ مكانِيٌّ أو هما جميعًا؟ ثبتَ في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مع النبي ﷺ في المسجد حين غربت الشمسُ فقال: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ» » قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا» ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس ٣٨]»» [[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، من حديث أبي ذر.]]، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ مستقرَّها مكانِيٌّ ولَّا زمانِيٌ؟ مكانِيٌّ؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيَّته؛ لأن الشمس ليستْ كالبَشَر حتى يُقاس سجودها بسجود البَشَر، بل هي مخلوقٌ أعظم، ولا ندري كيف تسجد، فإِذَنْ لا يَرِدُ علينا السؤالُ: هل هي تسجد وهي سائرةٌ أو تَقِف؟ وكيف يصح أنْ نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرَّةً في الأُفُق؟ كلُّ هذه الأسئلة والإيرادات نُجيب عليها إنْ شاء الله عند ذكر الفوائد. وقيل: إنَّ المستقَرَّ مستقَرٌّ زمنيٌّ، وذلك عند تكويرها يوم القيامة؛ يعني: عند مُنتهى سَيْرها يوم القيامة؛ يعني: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني. وقيل: إنَّ المراد بالمستقَرِّ منتهى تنقُّلها في البروج الشَّمالية واليمانية، فلها حدٌّ تنتهي إليه من الشَّمال لا تتجاوزه، ولها حدٌّ تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناءً على هذا يكون المستقَرُّ زمانيًّا ومكانيًّا؛ لأن غاية سَيْرها في الشمال يكون به ابتداءُ فصل الصيف؛ القَيْظ، وغاية سَيْرها في الجنوب ابتداءُ فصل الشتاء، فهذا قرارٌ أو مستقَرٌّ زمانِيٌّ ومكانِيٌّ، فالشمس -هذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قَدْرها إلا الذي خَلَقَها سبحانه وتعالى- بما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، كلُّ شيءٍ له غاية، وكلُّ شيءٍ له مُنتهى إلى مَن؟ إلى الله عز وجل. قال: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: جَرْيُها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلْقِه). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقَرِّها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وأضافَ التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأنَّ هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قُوَّةٍ وسُلطانٍ قاهرٍ، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يتناول أو يشمل ثلاثة معانٍ: أولًا: العزيز في قَدْره، والعزيز في قَهْره، والعزيز في امتناعه. أمَّا في قَدْره فمعناه أنَّ الله ذو شأنٍ عظيمٍ لا يماثله أحدٌ. وأمَّا في قَهْره فمعناه أنَّ الله له الغَلَبة والسلطان المطْلَق؛ يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ وأمَّا في امتناعه فالمعنى أنَّه ممتنعٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ. أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فمعناه ذو العِلم الكامل الشامل، فعِلْم الله تعالى كاملٌ لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وما كُتِب في كتابٍ مبينٍ إلا بعد أن كان معلومًا عند الله عز وجل؛ إذ المجهول لا يُكتب، فهذا يدلُّ على سعةِ عِلْم الله عز وجل وأنَّه محيطٌ بكلِّ شيءٍ جملةًَ وتفصيلًا، إذَنْ فـ﴿الْعَلِيم﴾ معناه ذو العِلم الكامل الشامل، كمالُه من حيث إنَّه لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشُمولُه لأنَّه شاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ. يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فذكر اللَّهُ هذين الاسمين لمناسبة المقام؛ لأنَّ الشمس ليستْ بالشيء الهيِّن الذي يَسْهل قِيادُه، بل هي شيءٌ عظيمٌ يحتاج إلى عِزَّةٍ وإلى عِلْم. ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ [يس ٣٩] (القَمَر) فيه قراءتان: الرفع، والنصب. ففيه وجهانِ في الإعراب؛ ﴿الْقَمَرُ﴾ بالرفع على أنَّه مبتدأٌ خبره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. و﴿الْقَمَرَ﴾ بالنصب على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهُنا يتساوى الرفعُ والنصبُ في الرُّجحان؛ لأن الجملة التي قبله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ جملة اسمية خبرُها فعلٌ، فلهذا جاز في (القمر) الوجهان، والمعروف أنَّه يترجَّح الرفعُ إذا عُطِف المشغول عنه على جملةٍ اسمية، ويترجَّح النصبُ إذا عُطِف على جملة فعلية. قال: (﴿وَالْقَمَر﴾ بالرفْع والنَّصْب، وهو منصوبٌ بفِعْلٍ يُفَسِّره ما بعده). يعني: يفسِّره المذكور، والتقدير على هذا: وقدَّرْنا القمرَ منازل. ولا حاجة تقول كما يقول بعضُ الناس: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ قدَّرْناه. ليش؟ إذْ لا يُجمَع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردتَ أن تقدِّر فقل: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ، أيش؟ منازل. فإذا قلتَ: لماذا لم يَقُل عز وجل: وقدَّرْنا القمرَ منازل؟ قلنا: لأنَّه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرُها فعلٌ صارَ كأنَّه أسندَ هذا إليه مرَّتين، أسندَ الفِعل -اللي هو التقدير- إلى القَمَر مرَّتين؛ مرَّةً بذِكْره اسمًا ظاهرًا، ومرَّةً بذِكْره اسمًا مُضْمَرًا ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ من حيث سَيْره ﴿مَنَازِلَ﴾ ). تقدير الله عز وجل القَمَر منازلَ لأنَّه بهذا التقدير يمكن أنْ يأتي على هذا الوجه الذي نُشاهده؛ يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، ولولا هذا التقدير ما تغيَّر، لكنَّه مُقَدَّرٌ منازلَ؛ ثمانيةً وعشرين منزلًا على حسب النجوم المعروفة عند العرب، كلَّ ليلةٍ ينزل منزلةً، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين أو ليلتانِ إن كان ثلاثين، تسمَّى هاتانِ الليلتانِ ليالي الاستسرار؛ يعني الاختفاء، يختفي فيها القمر، إمَّا في أول الشهر التالي وإمَّا في آخِر الشهر السابق، يقول عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ وعشرين ليلةً من كلِّ شهر، ويستتر ليلتينِ إنْ كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إنْ كان تسعةً وعشرين يومًا)، ومَن أراد تفصيل العلم في هذا فليقرأْ ما كتبه أهلُ العلم في ذلك، ولا سيَّما في عصرنا هذا؛ فإنهم اطَّلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير. القمر قدَّره الله منازلَ، كلَّ يومٍ منزلًا، إذَنْ هو يختلف كلَّ ليلةٍ عن أيش؟ عن الأُخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره؛ لأن نور القمر مستمدٌّ من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جِرْمٌ مُظلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]، فهو جِرْمٌ مُظلمٌ لا يستفيد نورًا إلا بغيره، فإذا قابَلَ الشمسَ حَصَلَ فيه النور، كُلَّما أبعدَ عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كُرويٌّ، فكُلَّما قَرُبَ ضَعُفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرقِ والشمسُ في المغرب لتمام المقابلة حينئذٍ؛ لأنه يكون هكذا التقابُل بينهما فيمتلئ نورًا. وما هو الجزء المنير منه؟ الجزء المنير منه هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمسُ خَلْفه تكون فتحةُ قَوْسِه نحو المشرق، في أيام الصيف تكون فتحةُ قَوْسِه نحو الجنوب؛ لأن الشمس تكون عنه شمالًا وهو يكون عنها جنوبًا فتجده فَتْحته نحو الجنوب، وفي الشتاء حيث إنه يستدبرها ويكون وراءها تجدُ فَتْحته تكون نحو المشرق. ولهذا يغلط بعضُ الناس الذي يظنُّ أن اتجاه فتحة القمر -يعني فتحة قوسه- دائمًا إلى الشرق أو إلى الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردتَ أن تعرف هذا فتدبرْه. طيب، يقول: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ﴾ (في آخِر مَنَازلِهِ في رأْي العين ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] أي: كعُودِ الشَّماريخ إذا عتق، فإنَّه يَدِقُّ ويتقوَّس ويصْفَرُّ). حتى عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون يُسَمَّى في اللغة العامِّية عندنا (عُرجود) بالدال، هذا العرجود هو أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يَبِس يتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله عز وجل القمرَ في رؤية العين بهذا العرجون القديم؛ أي إنَّه يبدو دقيقًا أصفر متقوِّسًا، وهذا من باب التشبيه البليغ ولَّا غير البليغ؟ غير البليغ، ليش؟ لأنَّه ذُكرت أداةُ التشبيه، التشبيه البليغ هو الذي يُحذَف فيه أداةُ التشبيه ووجْه الشَّبَه، فإنْ ذُكِر أحدُهما فالتشبيه ليس ببليغ. طيب، يقول: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس ٣٩، ٤٠] لَمَّا ذكر اللَّهُ عز وجل أنَّ الشمس تجري لمستقَرٍّ لها، وأنَّ هذا أمرٌ مقدَّرٌ من قِبَل العزيز العليم، وأنَّ الله تعالى قدَّر القمرَ منازلَ ينزلها منزلةً منزلةً حتى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم؛ بيَّن أنَّ هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنَّه مقدَّر مِن عند مَن؟ مِن عند الله عز وجل العزيزِ العليمِ، منازل لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها. قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ﴿يَنْبَغِي﴾ بمعنى يُمْكن، والمؤلف يقول: (يَسْهُل ويصِحُّ)، لكن الأَوْلى أن نقول: بمعنى يُمْكن؛ يعني لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، وقد مرَّ علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) أو (ما ينبغي) في القرآن فهي بمعنى الممتنع غايةَ الامتناعِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني أنَّ ذلك مستحيلٌ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]؛ أي إنَّ ذلك مستحيلٌ. إذَنْ ﴿يَنْبَغِي﴾ (...)، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أصلها: الشمسُ لا ينبغي لها. لكن قدَّمَ النفيَ ليكون المنفيُّ هو الجملة الاسمية برأسها كُلُّها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تُدرك القمر فتجتمع معه في الليل، مَثَلًا إذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل، فإذا قدَّرنا أنها تعود الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ وتخرج الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ، بين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة الثامنة فيكون بين غروبها وطلوعها ثماني ساعات؛ لأن هذا خلافُ التقدير الذي قدَّره الله عز وجل لها والذي جَعَلَها تسير عليه، لماذا؟ لتمام قدرة الله تعالى ونظام هذا الكون، وأنَّه لا يمكن أنْ يختلف ولا يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنَّه يُجمع الشمسُ والقمرُ ويختلُّ نظام الفَلَك، بل كل النظام يختلف؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. كذلك قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلا بعده. هنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كأنَّ الليل هو الذي يمكن أنْ يسبق النهارَ، فنفى الله عز وجل أنْ يسبق الليلُ النهارَ. قيل: المراد أنَّ الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله عز وجل ذكر الشروقَ في قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن للشمس أنْ تطلع في الليل، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ لا يمكن للَّيل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدَّرنا أنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسَبَقَ الليلُ النهارَ ولو في بعض أجزائه. وقيل: المعنى ﴿لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحلُّ محلَّ النهار فيتوالى ليلتانِ سواءً. والمعنى صحيحٌ على كلا القولين؛ فلا يمكن للَّيل أن يأتي وقد بَقِي شيءٌ من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كلُّه في مكان النهار؛ لأن هذا يُنافي تقدير الله عز وجل الذي وَصَفَ نفسَه بأنَّه العزيز، بل سَمَّى نفسَه بأنَّه العزيز العليم. قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠] (﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عِوَضٌ عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم) النجوم هنا غير مذكورة، والصواب: من الشمس والقمر؛ لأنه لا ذِكْر للنجوم هنا، (﴿فِي فَلَكٍ﴾ مستديرٍ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون)؛ يعني كلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار، كلٌّ يسبحُ في فَلَك، والفَلَك هو الشيء المستدير، ومنه فلكةُ الْمِغْزل، فلكة المغْزل للشيء المستدير في أعلاه، ولعلكم قد رأيتم المغْزل الذي تغزل به النساءُ الصوفَ، له شيءٌ شبه الطار في أعلاه مستديرٌ، هذا فلكة المغزل. الفَلَك مستديرٌ تدور فيه الشمسُ والقمرُ والليلُ والنهارُ، وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يسيرون، ولكن المعنى أدقُّ مما قال المؤلف؛ لأن السَّبْح هو العَوْم في الماء، فكأنَّ هذه عائمةٌ في الفَلَك الواسع تدور، ليستْ تسير على أرضٍ مسطَّحة أو على ماءٍ، بل هي تعوم في هذا الأُفُق. * * * * (...) الآية الكريمة: هذه الآيةُ العظيمةُ في الليل؛ حيث يَسْلخ منه النهارَ سَلْخًا كما يُسْلَخ الجلدُ من الشاة، وهذا يدلُّ على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الأصل هو الظلام؛ لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧]، فهذا يدلُّ على أنَّ الأصلَ هو الظلام وأنَّ النهارَ طارئٌ عليه، ولهذا يُسلَخ منه، وهو كذلك؛ فإن أَصْل الضوء من الشمس، والشمس حادثةٌ وواردةٌ على الليل، فيكون الأصل الظلامُ ويأتي النورُ بعده. * ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلْق بهذه النعمة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]، وأنَّه لولا نعمةُ الله علينا بهذا النهار الذي يُسلخ من الليل لكُنَّا دائمًا في ظُلْمةٍ، وهذا بلا شكٍّ مُتعِبٌ للناس وضارٌّ بهم؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]. ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إلى آخر الآيات. * فمن فوائدها: أنَّ الشمس تجري؛ أي: تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أنَّ سَيْرها ذاتِيٌّ، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين وأنَّ الذي يدور هو الأرض، والواجبُ إجراءُ القرآن على ظاهِرِه حتى يقوم دليلٌ صريحٌ يكون لنا حُجَّةً أمام الله عز وجل إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلَّم بالقرآن هو الخالق عز وجل، وهو العليم بخلْقه، فإذا قال: إنَّ الشمس تجري، وَجَبَ أنْ نقول: إنَّ الشمس تجري، ولا يجوز أنْ نقول: إنَّنا نحن الذين نجري، ولكنْ هي التي تجري بتقدير العزيز العليم. * ومن فوائدها: أنَّ هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبةً لا بدَّ لها من مُنتهى؛ لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويتفرَّع على هذا أنَّ جميع الخلائق لها مُنتهى، كلُّ ما في الدنيا من الخلائق فله مُنتهى وسوف يزول؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذه الشمس مقدَّرة تقديرًا بالغًا منظَّمًا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويشهد لهذا الواقعُ؛ فإنَّ هذه الشمس منذ خَلَقَها اللَّهُ إلى أنْ تزول وهي في فَلَكِها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر عن السُّنَّة التي أَمَرها اللَّهُ عز وجل أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتى قيل: إنَّها لو تنخفض مقدارَ شعرةٍ لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرةٍ لجمدت الأرض، ولكن الله عز وجل جَعَلَها على هذا التقدير البديع المحكَم الذي لا يتغيَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ اسمينِ من أسماء الله وهما: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويؤخذ منهما إثباتُ صفتينِ تضمَّناهما وهُما العِزَّة والعِلْم، ويؤخذ منهما أيضًا إثباتُ الأثر أو الحكم، وهو أنَّه غالبٌ لكلِّ أحدٍ وعليمٌ بكلِّ شيء. * ومن فوائد الآية في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، من فوائدها أيضًا أنَّ هذا القمر آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ حيث هو موضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له منازلُ ينزلها كلَّ ليلةٍ، ليس مطْلقًا، ولكنَّه مقدَّر بمنازل ينزلها كلَّ ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أنْ يعرف الناسُ عدد السنين والحساب؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ لماذا؟ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥] حتى إن العالِمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر بناءً على معرفة المنازل؛ لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، وكل تشبيه أو مَثَل في القرآن فإنه يدلُّ على القياس؛ لأن التشبيهَ أو المثَلَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ لعِلَّة؛ التي تُسمَّى في البلاغة وجْهَ الشَّبَه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق (القديم) على غير الله خلافًا للمتفلسفة أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله هو القِدَم، وهذا خطأ؛ لو كان هذا أخصَّ وَصْف الله لم يوصَف به سوى الله. والقِدَم لا يدلُّ على الأزلية؛ فهذا العرجون وَصَفه الله بأنه قديم ومع ذلك فليس أيش؟ فليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادثٌ بعد أن لم يكن، وبه يتبيَّن بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله عز وجل هو القِدَم. لو قالوا: أَخَصُّ وَصْف لله هو الأوليَّة، لكُنَّا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وأمَّا أن نقول: إن القِدَم أخصُّ وَصْف لله مع أنه يُوصَف به الحادثُ، فهذا لا يكون ولا يصح. * فيها أيضًا: فيه دليل على قدرة الله من حيث نُور القمر؛ حيث يبتدئ ضعيفًا ثم يزداد في القوة ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله عز وجل؛ إذ لوشاء لجعله تامًّا ممتلئًا دائمًا أو ناقصًا دائمًا. * وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان؛ فإن الإنسان إذا تدبَّر القمرَ وجد أنه مطابقٌ لحال الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فحال الإنسان مساويةٌ تمامًا لحال القمر؛ فالقمر يبدو ضعيفًا ثم يزداد في القوة، حتى إذا تكاملت القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسانُ بالنسبة لحياته. قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. * في هذه الآية: دليلٌ على أن سُنَّة الله عز وجل لا تتغيَّر، هذا هو الأصل، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى لا تتغيَّر في الكون، ولكن هل هي سُنَّةٌ لازمةٌ بحيث يمتنع على الله أن يغيِّرها؟ الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأنَّ هذه السُّنة لا تتغيَّر، لكنَّها تتغيَّر بتغييره، ولهذا حُبِسَت الشمسُ ليوشع بن نون[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧ / ٣٢)، من حديث أبي هريرة.]] كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من أين؟ من مغربها، ولهذا انشقَّ القمر في عهد النبي ﷺ وصار فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣)، من حديث ابن مسعود.]]، فهذه السُّنن الكونية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لكن الله قادرٌ على أن يبدِّلها أو يغيِّرها ويكون هذا لسبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا، لا يمكن بحسب السُّنَّة الإلهية، أمَّا بحسب قدرة الله فإنه أيش؟ يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الليل لا يسبق النهار، فلا يدخل عليه ولا يتقدَّمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا؛ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، هذا هو ما يظهر لنا من هذه الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون للذين يدرسون في علم الفَلَك يتبيَّن لهم من هذا التعبير أكثر مما تبيَّن لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَك -يعني في شيء مستدير كفَلَكة المغزل- وأنها تدور؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. * ومن فوائدها: ضَعْف قول مَن يقول: إن الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، ويجعلون الكواكب والشمس والقمر كواكب معيَّنة في كلِّ سماءٍ كوكب على هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ هذه سبعة، يكون كلُّ واحدٍ في سماء؛ (زُحَل) هو أعلاها في السماء السابعة -على كلام السابقين من علماء الفلك- (شَرَى) يعني المشترِي في السماء السادسة، (مِرِّيخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في السماء الرابعة، (فتزاهرتْ) الزُّهرة في السماء الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) القمر في السماء الدنيا، فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ (...) من كتاب الله ولا من سُنَّة رسول الله ﷺ، ونحن إنما نعرف أن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف؛ فإذا كان القمر يَكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أنَّ الغيم تحت الشمس لأنه يحجبها، وإذا كسف القمرُ شيئًا من النجوم عرفنا أنه -أي القمر- تحتها، ولهذا القمرُ يكسف كل النجوم، الشمس، ولا يكسفه شيءٌ منها، ما يكسفه إلا الأرض؛ لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، وحينئذٍ ينكسف، وقد شاهدتُ أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم، تجده يسير حولها ثم يغطيها، وهذا يدلُّ على أن القمر نازلٌ عن منزلةِ أو عن عُلوِ هذه الكواكب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على قول مَن يقول: إن الشمس ثابتة وإنها لا تدور. والعجبُ أنهم يقولون: إنها ثابتةٌ وإن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحكمَ واحدًا قال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فإذا فسرنا السَّبْح بالدوران وأثبتنا ذلك للقمر فلنُثبته أيضًا للشمس. عندي فيه كلمة ما شرحناها من تفسير المؤلف؛ قال: (يسيرون؛ نُزِّلوا منزلة العُقَلاء). (نُزِّلوا) مَن؟ الشمس والقمر والليل والنهار (منزلةَ العُقَلاء)، وذلك بأنْ أتي بالواو التي هي للعُقلاء، الواو ضمير الجمع لا تأتي إلا للعُقلاء، غير العُقلاء يؤتَى لهم بنون النسوة، فغير العُقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعُقلاء نأتي بالواو أو بالميم فتقول مثلًا: الإبل ركبهُنَّ أربابُهنَّ، ولا تقُل: الإبل ركبهم أربابُهم؛ لأن الميم للعاقل. وتقول: الإبلُ قَدِمْنَ، أو: الإبلُ شَرِبْنَ، ولا تقول: شَرِبوا؛ لأن الواو للعاقل هنا. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو التي للعاقل، يقول: إنها نزلت منزلة العاقل بإضافة السَّبْح والجريان إليها، والجريانُ إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.

يس 36:38

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس ٣٧] نقول في إعرابها ما قلنا في ﴿آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾ فيكون ﴿اللَّيْلُ﴾ مبتدأ، و﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ونقول في نفس اللفظ كما قلنا في قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: أنه يجوز أن تكون صفة لـ(الليل) على حد قول الشاعر: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ∗∗∗ ............................ ويجوز أن تكون الجملة استئنافية؛ لبيان هذه الآية، كيف كان آية؟ كيف كان الليل آية؟ قال: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] نسلخ يقول المؤلف: (نفصل) وسمى الله.. سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من البهيمة أنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا النهار ضوء النهار مثل الليل يسلخ الله تعالى النهار من الليل كما يُسلخ الجلد من البهيمة قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]؛ أي: داخلون في الظلام، (إذا) فجائية تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا، ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨]، (الواو) حرف عطف، و﴿الشَّمْسُ﴾ معطوفة على الليل؛ يعني وآية لهم الشمس أيضًا.. ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشمس مبتدأ، يجوز هذا وهذا، لكن المعنى الأول أقوى. قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى والقمر كذلك؛ يعني سواء قلنا: الجملة استئنافية، وأن هذه آية أخرى جديدة، أو قلنا: إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله لا شك أنها آية من آيات الله، فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، هذا الجرم الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بُعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله. من يستطيع أن يُوجِد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها شعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ فالجواب: لا أحد يستطيع؛ إذن فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمار وتدفئة الأرض والنور العظيم، كم طاقة يتفاداها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء؟ طاقة عظيمة، سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يُستغنى بالشمس عن تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة، فإن هذا أمر لا يُقدَّر له ثمن، وأما إنضاج الثمار، وإيباس الرطب، وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلْق، فحدِّث ولا حرج، فهي آية من آيات الله، آية عظيمة من آيات الله عز وجل، هي آية أيضًا في سيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ﴾ [يس ٣٨] ﴿تَجْرِي﴾ يعني تسير جريانًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس فإنها تسير بسرعة عظيمة جدًّا، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، أو قد يُعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الآن الطائرة تسير بسرعة عظيمة، وهي قريبة منا ولَّا لا؟ قريبة، ومع ذلك نراها تمشي ببطء لبعدها عنا، فما بالك بالشمس؟ نحن نشاهدها تسير لا شك في هذا؛ حتى إنك إذا نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا دليل على أنها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا ويش بعدها عنا؟ بعيدة جدًّا، ونشاهدها تسير هذا السير، إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد عُلِم تقديره عند الفلكيين الآن. وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف: (أي: إليه لا تتجاوزه). والمستقر موضع القرار كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقد جعل الأرض قرارًا، فالمستقر موضع القرار. قال المؤلف: (أي: إليه، لا تتجاوزه). والمستقَرُّ: موضع القَرار؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقال: ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل ٦١]، فالمستقَرُّ موضعُ القرار، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]، فما هذا القرار الذي تجري الشمسُ إليه؛ هلْ هو قرارٌ زَمَنِيٌّ أو قرارٌ مكانِيٌّ أو هما جميعًا؟ ثبتَ في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مع النبي ﷺ في المسجد حين غربت الشمسُ فقال: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ» » قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا» ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس ٣٨]»» [[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، من حديث أبي ذر.]]، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ مستقرَّها مكانِيٌّ ولَّا زمانِيٌ؟ مكانِيٌّ؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيَّته؛ لأن الشمس ليستْ كالبَشَر حتى يُقاس سجودها بسجود البَشَر، بل هي مخلوقٌ أعظم، ولا ندري كيف تسجد، فإِذَنْ لا يَرِدُ علينا السؤالُ: هل هي تسجد وهي سائرةٌ أو تَقِف؟ وكيف يصح أنْ نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرَّةً في الأُفُق؟ كلُّ هذه الأسئلة والإيرادات نُجيب عليها إنْ شاء الله عند ذكر الفوائد. وقيل: إنَّ المستقَرَّ مستقَرٌّ زمنيٌّ، وذلك عند تكويرها يوم القيامة؛ يعني: عند مُنتهى سَيْرها يوم القيامة؛ يعني: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني. وقيل: إنَّ المراد بالمستقَرِّ منتهى تنقُّلها في البروج الشَّمالية واليمانية، فلها حدٌّ تنتهي إليه من الشَّمال لا تتجاوزه، ولها حدٌّ تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناءً على هذا يكون المستقَرُّ زمانيًّا ومكانيًّا؛ لأن غاية سَيْرها في الشمال يكون به ابتداءُ فصل الصيف؛ القَيْظ، وغاية سَيْرها في الجنوب ابتداءُ فصل الشتاء، فهذا قرارٌ أو مستقَرٌّ زمانِيٌّ ومكانِيٌّ، فالشمس -هذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قَدْرها إلا الذي خَلَقَها سبحانه وتعالى- بما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، كلُّ شيءٍ له غاية، وكلُّ شيءٍ له مُنتهى إلى مَن؟ إلى الله عز وجل. قال: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: جَرْيُها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلْقِه). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقَرِّها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وأضافَ التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأنَّ هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قُوَّةٍ وسُلطانٍ قاهرٍ، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يتناول أو يشمل ثلاثة معانٍ: أولًا: العزيز في قَدْره، والعزيز في قَهْره، والعزيز في امتناعه. أمَّا في قَدْره فمعناه أنَّ الله ذو شأنٍ عظيمٍ لا يماثله أحدٌ. وأمَّا في قَهْره فمعناه أنَّ الله له الغَلَبة والسلطان المطْلَق؛ يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ وأمَّا في امتناعه فالمعنى أنَّه ممتنعٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ. أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فمعناه ذو العِلم الكامل الشامل، فعِلْم الله تعالى كاملٌ لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وما كُتِب في كتابٍ مبينٍ إلا بعد أن كان معلومًا عند الله عز وجل؛ إذ المجهول لا يُكتب، فهذا يدلُّ على سعةِ عِلْم الله عز وجل وأنَّه محيطٌ بكلِّ شيءٍ جملةًَ وتفصيلًا، إذَنْ فـ﴿الْعَلِيم﴾ معناه ذو العِلم الكامل الشامل، كمالُه من حيث إنَّه لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشُمولُه لأنَّه شاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ. يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فذكر اللَّهُ هذين الاسمين لمناسبة المقام؛ لأنَّ الشمس ليستْ بالشيء الهيِّن الذي يَسْهل قِيادُه، بل هي شيءٌ عظيمٌ يحتاج إلى عِزَّةٍ وإلى عِلْم. ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ [يس ٣٩] (القَمَر) فيه قراءتان: الرفع، والنصب. ففيه وجهانِ في الإعراب؛ ﴿الْقَمَرُ﴾ بالرفع على أنَّه مبتدأٌ خبره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. و﴿الْقَمَرَ﴾ بالنصب على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهُنا يتساوى الرفعُ والنصبُ في الرُّجحان؛ لأن الجملة التي قبله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ جملة اسمية خبرُها فعلٌ، فلهذا جاز في (القمر) الوجهان، والمعروف أنَّه يترجَّح الرفعُ إذا عُطِف المشغول عنه على جملةٍ اسمية، ويترجَّح النصبُ إذا عُطِف على جملة فعلية. قال: (﴿وَالْقَمَر﴾ بالرفْع والنَّصْب، وهو منصوبٌ بفِعْلٍ يُفَسِّره ما بعده). يعني: يفسِّره المذكور، والتقدير على هذا: وقدَّرْنا القمرَ منازل. ولا حاجة تقول كما يقول بعضُ الناس: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ قدَّرْناه. ليش؟ إذْ لا يُجمَع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردتَ أن تقدِّر فقل: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ، أيش؟ منازل. فإذا قلتَ: لماذا لم يَقُل عز وجل: وقدَّرْنا القمرَ منازل؟ قلنا: لأنَّه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرُها فعلٌ صارَ كأنَّه أسندَ هذا إليه مرَّتين، أسندَ الفِعل -اللي هو التقدير- إلى القَمَر مرَّتين؛ مرَّةً بذِكْره اسمًا ظاهرًا، ومرَّةً بذِكْره اسمًا مُضْمَرًا ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ من حيث سَيْره ﴿مَنَازِلَ﴾ ). تقدير الله عز وجل القَمَر منازلَ لأنَّه بهذا التقدير يمكن أنْ يأتي على هذا الوجه الذي نُشاهده؛ يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، ولولا هذا التقدير ما تغيَّر، لكنَّه مُقَدَّرٌ منازلَ؛ ثمانيةً وعشرين منزلًا على حسب النجوم المعروفة عند العرب، كلَّ ليلةٍ ينزل منزلةً، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين أو ليلتانِ إن كان ثلاثين، تسمَّى هاتانِ الليلتانِ ليالي الاستسرار؛ يعني الاختفاء، يختفي فيها القمر، إمَّا في أول الشهر التالي وإمَّا في آخِر الشهر السابق، يقول عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ وعشرين ليلةً من كلِّ شهر، ويستتر ليلتينِ إنْ كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إنْ كان تسعةً وعشرين يومًا)، ومَن أراد تفصيل العلم في هذا فليقرأْ ما كتبه أهلُ العلم في ذلك، ولا سيَّما في عصرنا هذا؛ فإنهم اطَّلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير. القمر قدَّره الله منازلَ، كلَّ يومٍ منزلًا، إذَنْ هو يختلف كلَّ ليلةٍ عن أيش؟ عن الأُخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره؛ لأن نور القمر مستمدٌّ من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جِرْمٌ مُظلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]، فهو جِرْمٌ مُظلمٌ لا يستفيد نورًا إلا بغيره، فإذا قابَلَ الشمسَ حَصَلَ فيه النور، كُلَّما أبعدَ عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كُرويٌّ، فكُلَّما قَرُبَ ضَعُفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرقِ والشمسُ في المغرب لتمام المقابلة حينئذٍ؛ لأنه يكون هكذا التقابُل بينهما فيمتلئ نورًا. وما هو الجزء المنير منه؟ الجزء المنير منه هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمسُ خَلْفه تكون فتحةُ قَوْسِه نحو المشرق، في أيام الصيف تكون فتحةُ قَوْسِه نحو الجنوب؛ لأن الشمس تكون عنه شمالًا وهو يكون عنها جنوبًا فتجده فَتْحته نحو الجنوب، وفي الشتاء حيث إنه يستدبرها ويكون وراءها تجدُ فَتْحته تكون نحو المشرق. ولهذا يغلط بعضُ الناس الذي يظنُّ أن اتجاه فتحة القمر -يعني فتحة قوسه- دائمًا إلى الشرق أو إلى الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردتَ أن تعرف هذا فتدبرْه. طيب، يقول: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ﴾ (في آخِر مَنَازلِهِ في رأْي العين ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] أي: كعُودِ الشَّماريخ إذا عتق، فإنَّه يَدِقُّ ويتقوَّس ويصْفَرُّ). حتى عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون يُسَمَّى في اللغة العامِّية عندنا (عُرجود) بالدال، هذا العرجود هو أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يَبِس يتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله عز وجل القمرَ في رؤية العين بهذا العرجون القديم؛ أي إنَّه يبدو دقيقًا أصفر متقوِّسًا، وهذا من باب التشبيه البليغ ولَّا غير البليغ؟ غير البليغ، ليش؟ لأنَّه ذُكرت أداةُ التشبيه، التشبيه البليغ هو الذي يُحذَف فيه أداةُ التشبيه ووجْه الشَّبَه، فإنْ ذُكِر أحدُهما فالتشبيه ليس ببليغ. طيب، يقول: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس ٣٩، ٤٠] لَمَّا ذكر اللَّهُ عز وجل أنَّ الشمس تجري لمستقَرٍّ لها، وأنَّ هذا أمرٌ مقدَّرٌ من قِبَل العزيز العليم، وأنَّ الله تعالى قدَّر القمرَ منازلَ ينزلها منزلةً منزلةً حتى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم؛ بيَّن أنَّ هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنَّه مقدَّر مِن عند مَن؟ مِن عند الله عز وجل العزيزِ العليمِ، منازل لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها. قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ﴿يَنْبَغِي﴾ بمعنى يُمْكن، والمؤلف يقول: (يَسْهُل ويصِحُّ)، لكن الأَوْلى أن نقول: بمعنى يُمْكن؛ يعني لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، وقد مرَّ علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) أو (ما ينبغي) في القرآن فهي بمعنى الممتنع غايةَ الامتناعِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني أنَّ ذلك مستحيلٌ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]؛ أي إنَّ ذلك مستحيلٌ. إذَنْ ﴿يَنْبَغِي﴾ (...)، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أصلها: الشمسُ لا ينبغي لها. لكن قدَّمَ النفيَ ليكون المنفيُّ هو الجملة الاسمية برأسها كُلُّها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تُدرك القمر فتجتمع معه في الليل، مَثَلًا إذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل، فإذا قدَّرنا أنها تعود الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ وتخرج الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ، بين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة الثامنة فيكون بين غروبها وطلوعها ثماني ساعات؛ لأن هذا خلافُ التقدير الذي قدَّره الله عز وجل لها والذي جَعَلَها تسير عليه، لماذا؟ لتمام قدرة الله تعالى ونظام هذا الكون، وأنَّه لا يمكن أنْ يختلف ولا يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنَّه يُجمع الشمسُ والقمرُ ويختلُّ نظام الفَلَك، بل كل النظام يختلف؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. كذلك قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلا بعده. هنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كأنَّ الليل هو الذي يمكن أنْ يسبق النهارَ، فنفى الله عز وجل أنْ يسبق الليلُ النهارَ. قيل: المراد أنَّ الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله عز وجل ذكر الشروقَ في قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن للشمس أنْ تطلع في الليل، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ لا يمكن للَّيل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدَّرنا أنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسَبَقَ الليلُ النهارَ ولو في بعض أجزائه. وقيل: المعنى ﴿لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحلُّ محلَّ النهار فيتوالى ليلتانِ سواءً. والمعنى صحيحٌ على كلا القولين؛ فلا يمكن للَّيل أن يأتي وقد بَقِي شيءٌ من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كلُّه في مكان النهار؛ لأن هذا يُنافي تقدير الله عز وجل الذي وَصَفَ نفسَه بأنَّه العزيز، بل سَمَّى نفسَه بأنَّه العزيز العليم. قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠] (﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عِوَضٌ عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم) النجوم هنا غير مذكورة، والصواب: من الشمس والقمر؛ لأنه لا ذِكْر للنجوم هنا، (﴿فِي فَلَكٍ﴾ مستديرٍ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون)؛ يعني كلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار، كلٌّ يسبحُ في فَلَك، والفَلَك هو الشيء المستدير، ومنه فلكةُ الْمِغْزل، فلكة المغْزل للشيء المستدير في أعلاه، ولعلكم قد رأيتم المغْزل الذي تغزل به النساءُ الصوفَ، له شيءٌ شبه الطار في أعلاه مستديرٌ، هذا فلكة المغزل. الفَلَك مستديرٌ تدور فيه الشمسُ والقمرُ والليلُ والنهارُ، وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يسيرون، ولكن المعنى أدقُّ مما قال المؤلف؛ لأن السَّبْح هو العَوْم في الماء، فكأنَّ هذه عائمةٌ في الفَلَك الواسع تدور، ليستْ تسير على أرضٍ مسطَّحة أو على ماءٍ، بل هي تعوم في هذا الأُفُق. * * * * (...) الآية الكريمة: هذه الآيةُ العظيمةُ في الليل؛ حيث يَسْلخ منه النهارَ سَلْخًا كما يُسْلَخ الجلدُ من الشاة، وهذا يدلُّ على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الأصل هو الظلام؛ لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧]، فهذا يدلُّ على أنَّ الأصلَ هو الظلام وأنَّ النهارَ طارئٌ عليه، ولهذا يُسلَخ منه، وهو كذلك؛ فإن أَصْل الضوء من الشمس، والشمس حادثةٌ وواردةٌ على الليل، فيكون الأصل الظلامُ ويأتي النورُ بعده. * ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلْق بهذه النعمة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]، وأنَّه لولا نعمةُ الله علينا بهذا النهار الذي يُسلخ من الليل لكُنَّا دائمًا في ظُلْمةٍ، وهذا بلا شكٍّ مُتعِبٌ للناس وضارٌّ بهم؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]. ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إلى آخر الآيات. * فمن فوائدها: أنَّ الشمس تجري؛ أي: تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أنَّ سَيْرها ذاتِيٌّ، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين وأنَّ الذي يدور هو الأرض، والواجبُ إجراءُ القرآن على ظاهِرِه حتى يقوم دليلٌ صريحٌ يكون لنا حُجَّةً أمام الله عز وجل إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلَّم بالقرآن هو الخالق عز وجل، وهو العليم بخلْقه، فإذا قال: إنَّ الشمس تجري، وَجَبَ أنْ نقول: إنَّ الشمس تجري، ولا يجوز أنْ نقول: إنَّنا نحن الذين نجري، ولكنْ هي التي تجري بتقدير العزيز العليم. * ومن فوائدها: أنَّ هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبةً لا بدَّ لها من مُنتهى؛ لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويتفرَّع على هذا أنَّ جميع الخلائق لها مُنتهى، كلُّ ما في الدنيا من الخلائق فله مُنتهى وسوف يزول؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذه الشمس مقدَّرة تقديرًا بالغًا منظَّمًا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويشهد لهذا الواقعُ؛ فإنَّ هذه الشمس منذ خَلَقَها اللَّهُ إلى أنْ تزول وهي في فَلَكِها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر عن السُّنَّة التي أَمَرها اللَّهُ عز وجل أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتى قيل: إنَّها لو تنخفض مقدارَ شعرةٍ لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرةٍ لجمدت الأرض، ولكن الله عز وجل جَعَلَها على هذا التقدير البديع المحكَم الذي لا يتغيَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ اسمينِ من أسماء الله وهما: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويؤخذ منهما إثباتُ صفتينِ تضمَّناهما وهُما العِزَّة والعِلْم، ويؤخذ منهما أيضًا إثباتُ الأثر أو الحكم، وهو أنَّه غالبٌ لكلِّ أحدٍ وعليمٌ بكلِّ شيء. * ومن فوائد الآية في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، من فوائدها أيضًا أنَّ هذا القمر آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ حيث هو موضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له منازلُ ينزلها كلَّ ليلةٍ، ليس مطْلقًا، ولكنَّه مقدَّر بمنازل ينزلها كلَّ ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أنْ يعرف الناسُ عدد السنين والحساب؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ لماذا؟ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥] حتى إن العالِمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر بناءً على معرفة المنازل؛ لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، وكل تشبيه أو مَثَل في القرآن فإنه يدلُّ على القياس؛ لأن التشبيهَ أو المثَلَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ لعِلَّة؛ التي تُسمَّى في البلاغة وجْهَ الشَّبَه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق (القديم) على غير الله خلافًا للمتفلسفة أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله هو القِدَم، وهذا خطأ؛ لو كان هذا أخصَّ وَصْف الله لم يوصَف به سوى الله. والقِدَم لا يدلُّ على الأزلية؛ فهذا العرجون وَصَفه الله بأنه قديم ومع ذلك فليس أيش؟ فليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادثٌ بعد أن لم يكن، وبه يتبيَّن بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله عز وجل هو القِدَم. لو قالوا: أَخَصُّ وَصْف لله هو الأوليَّة، لكُنَّا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وأمَّا أن نقول: إن القِدَم أخصُّ وَصْف لله مع أنه يُوصَف به الحادثُ، فهذا لا يكون ولا يصح. * فيها أيضًا: فيه دليل على قدرة الله من حيث نُور القمر؛ حيث يبتدئ ضعيفًا ثم يزداد في القوة ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله عز وجل؛ إذ لوشاء لجعله تامًّا ممتلئًا دائمًا أو ناقصًا دائمًا. * وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان؛ فإن الإنسان إذا تدبَّر القمرَ وجد أنه مطابقٌ لحال الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فحال الإنسان مساويةٌ تمامًا لحال القمر؛ فالقمر يبدو ضعيفًا ثم يزداد في القوة، حتى إذا تكاملت القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسانُ بالنسبة لحياته. قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. * في هذه الآية: دليلٌ على أن سُنَّة الله عز وجل لا تتغيَّر، هذا هو الأصل، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى لا تتغيَّر في الكون، ولكن هل هي سُنَّةٌ لازمةٌ بحيث يمتنع على الله أن يغيِّرها؟ الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأنَّ هذه السُّنة لا تتغيَّر، لكنَّها تتغيَّر بتغييره، ولهذا حُبِسَت الشمسُ ليوشع بن نون[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧ / ٣٢)، من حديث أبي هريرة.]] كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من أين؟ من مغربها، ولهذا انشقَّ القمر في عهد النبي ﷺ وصار فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣)، من حديث ابن مسعود.]]، فهذه السُّنن الكونية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لكن الله قادرٌ على أن يبدِّلها أو يغيِّرها ويكون هذا لسبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا، لا يمكن بحسب السُّنَّة الإلهية، أمَّا بحسب قدرة الله فإنه أيش؟ يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الليل لا يسبق النهار، فلا يدخل عليه ولا يتقدَّمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا؛ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، هذا هو ما يظهر لنا من هذه الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون للذين يدرسون في علم الفَلَك يتبيَّن لهم من هذا التعبير أكثر مما تبيَّن لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَك -يعني في شيء مستدير كفَلَكة المغزل- وأنها تدور؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. * ومن فوائدها: ضَعْف قول مَن يقول: إن الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، ويجعلون الكواكب والشمس والقمر كواكب معيَّنة في كلِّ سماءٍ كوكب على هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ هذه سبعة، يكون كلُّ واحدٍ في سماء؛ (زُحَل) هو أعلاها في السماء السابعة -على كلام السابقين من علماء الفلك- (شَرَى) يعني المشترِي في السماء السادسة، (مِرِّيخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في السماء الرابعة، (فتزاهرتْ) الزُّهرة في السماء الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) القمر في السماء الدنيا، فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ (...) من كتاب الله ولا من سُنَّة رسول الله ﷺ، ونحن إنما نعرف أن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف؛ فإذا كان القمر يَكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أنَّ الغيم تحت الشمس لأنه يحجبها، وإذا كسف القمرُ شيئًا من النجوم عرفنا أنه -أي القمر- تحتها، ولهذا القمرُ يكسف كل النجوم، الشمس، ولا يكسفه شيءٌ منها، ما يكسفه إلا الأرض؛ لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، وحينئذٍ ينكسف، وقد شاهدتُ أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم، تجده يسير حولها ثم يغطيها، وهذا يدلُّ على أن القمر نازلٌ عن منزلةِ أو عن عُلوِ هذه الكواكب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على قول مَن يقول: إن الشمس ثابتة وإنها لا تدور. والعجبُ أنهم يقولون: إنها ثابتةٌ وإن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحكمَ واحدًا قال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فإذا فسرنا السَّبْح بالدوران وأثبتنا ذلك للقمر فلنُثبته أيضًا للشمس. عندي فيه كلمة ما شرحناها من تفسير المؤلف؛ قال: (يسيرون؛ نُزِّلوا منزلة العُقَلاء). (نُزِّلوا) مَن؟ الشمس والقمر والليل والنهار (منزلةَ العُقَلاء)، وذلك بأنْ أتي بالواو التي هي للعُقلاء، الواو ضمير الجمع لا تأتي إلا للعُقلاء، غير العُقلاء يؤتَى لهم بنون النسوة، فغير العُقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعُقلاء نأتي بالواو أو بالميم فتقول مثلًا: الإبل ركبهُنَّ أربابُهنَّ، ولا تقُل: الإبل ركبهم أربابُهم؛ لأن الميم للعاقل. وتقول: الإبلُ قَدِمْنَ، أو: الإبلُ شَرِبْنَ، ولا تقول: شَرِبوا؛ لأن الواو للعاقل هنا. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو التي للعاقل، يقول: إنها نزلت منزلة العاقل بإضافة السَّبْح والجريان إليها، والجريانُ إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.

يس 36:39

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس ٣٧] نقول في إعرابها ما قلنا في ﴿آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾ فيكون ﴿اللَّيْلُ﴾ مبتدأ، و﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ونقول في نفس اللفظ كما قلنا في قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: أنه يجوز أن تكون صفة لـ(الليل) على حد قول الشاعر: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ∗∗∗ ............................ ويجوز أن تكون الجملة استئنافية؛ لبيان هذه الآية، كيف كان آية؟ كيف كان الليل آية؟ قال: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] نسلخ يقول المؤلف: (نفصل) وسمى الله.. سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من البهيمة أنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا النهار ضوء النهار مثل الليل يسلخ الله تعالى النهار من الليل كما يُسلخ الجلد من البهيمة قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]؛ أي: داخلون في الظلام، (إذا) فجائية تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا، ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨]، (الواو) حرف عطف، و﴿الشَّمْسُ﴾ معطوفة على الليل؛ يعني وآية لهم الشمس أيضًا.. ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشمس مبتدأ، يجوز هذا وهذا، لكن المعنى الأول أقوى. قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى والقمر كذلك؛ يعني سواء قلنا: الجملة استئنافية، وأن هذه آية أخرى جديدة، أو قلنا: إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله لا شك أنها آية من آيات الله، فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، هذا الجرم الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بُعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله. من يستطيع أن يُوجِد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها شعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ فالجواب: لا أحد يستطيع؛ إذن فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمار وتدفئة الأرض والنور العظيم، كم طاقة يتفاداها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء؟ طاقة عظيمة، سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يُستغنى بالشمس عن تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة، فإن هذا أمر لا يُقدَّر له ثمن، وأما إنضاج الثمار، وإيباس الرطب، وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلْق، فحدِّث ولا حرج، فهي آية من آيات الله، آية عظيمة من آيات الله عز وجل، هي آية أيضًا في سيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ﴾ [يس ٣٨] ﴿تَجْرِي﴾ يعني تسير جريانًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس فإنها تسير بسرعة عظيمة جدًّا، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، أو قد يُعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الآن الطائرة تسير بسرعة عظيمة، وهي قريبة منا ولَّا لا؟ قريبة، ومع ذلك نراها تمشي ببطء لبعدها عنا، فما بالك بالشمس؟ نحن نشاهدها تسير لا شك في هذا؛ حتى إنك إذا نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا دليل على أنها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا ويش بعدها عنا؟ بعيدة جدًّا، ونشاهدها تسير هذا السير، إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد عُلِم تقديره عند الفلكيين الآن. وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف: (أي: إليه لا تتجاوزه). والمستقر موضع القرار كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقد جعل الأرض قرارًا، فالمستقر موضع القرار. قال المؤلف: (أي: إليه، لا تتجاوزه). والمستقَرُّ: موضع القَرار؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقال: ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل ٦١]، فالمستقَرُّ موضعُ القرار، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]، فما هذا القرار الذي تجري الشمسُ إليه؛ هلْ هو قرارٌ زَمَنِيٌّ أو قرارٌ مكانِيٌّ أو هما جميعًا؟ ثبتَ في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مع النبي ﷺ في المسجد حين غربت الشمسُ فقال: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ» » قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا» ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس ٣٨]»» [[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، من حديث أبي ذر.]]، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ مستقرَّها مكانِيٌّ ولَّا زمانِيٌ؟ مكانِيٌّ؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيَّته؛ لأن الشمس ليستْ كالبَشَر حتى يُقاس سجودها بسجود البَشَر، بل هي مخلوقٌ أعظم، ولا ندري كيف تسجد، فإِذَنْ لا يَرِدُ علينا السؤالُ: هل هي تسجد وهي سائرةٌ أو تَقِف؟ وكيف يصح أنْ نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرَّةً في الأُفُق؟ كلُّ هذه الأسئلة والإيرادات نُجيب عليها إنْ شاء الله عند ذكر الفوائد. وقيل: إنَّ المستقَرَّ مستقَرٌّ زمنيٌّ، وذلك عند تكويرها يوم القيامة؛ يعني: عند مُنتهى سَيْرها يوم القيامة؛ يعني: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني. وقيل: إنَّ المراد بالمستقَرِّ منتهى تنقُّلها في البروج الشَّمالية واليمانية، فلها حدٌّ تنتهي إليه من الشَّمال لا تتجاوزه، ولها حدٌّ تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناءً على هذا يكون المستقَرُّ زمانيًّا ومكانيًّا؛ لأن غاية سَيْرها في الشمال يكون به ابتداءُ فصل الصيف؛ القَيْظ، وغاية سَيْرها في الجنوب ابتداءُ فصل الشتاء، فهذا قرارٌ أو مستقَرٌّ زمانِيٌّ ومكانِيٌّ، فالشمس -هذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قَدْرها إلا الذي خَلَقَها سبحانه وتعالى- بما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، كلُّ شيءٍ له غاية، وكلُّ شيءٍ له مُنتهى إلى مَن؟ إلى الله عز وجل. قال: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: جَرْيُها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلْقِه). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقَرِّها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وأضافَ التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأنَّ هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قُوَّةٍ وسُلطانٍ قاهرٍ، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يتناول أو يشمل ثلاثة معانٍ: أولًا: العزيز في قَدْره، والعزيز في قَهْره، والعزيز في امتناعه. أمَّا في قَدْره فمعناه أنَّ الله ذو شأنٍ عظيمٍ لا يماثله أحدٌ. وأمَّا في قَهْره فمعناه أنَّ الله له الغَلَبة والسلطان المطْلَق؛ يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ وأمَّا في امتناعه فالمعنى أنَّه ممتنعٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ. أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فمعناه ذو العِلم الكامل الشامل، فعِلْم الله تعالى كاملٌ لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وما كُتِب في كتابٍ مبينٍ إلا بعد أن كان معلومًا عند الله عز وجل؛ إذ المجهول لا يُكتب، فهذا يدلُّ على سعةِ عِلْم الله عز وجل وأنَّه محيطٌ بكلِّ شيءٍ جملةًَ وتفصيلًا، إذَنْ فـ﴿الْعَلِيم﴾ معناه ذو العِلم الكامل الشامل، كمالُه من حيث إنَّه لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشُمولُه لأنَّه شاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ. يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فذكر اللَّهُ هذين الاسمين لمناسبة المقام؛ لأنَّ الشمس ليستْ بالشيء الهيِّن الذي يَسْهل قِيادُه، بل هي شيءٌ عظيمٌ يحتاج إلى عِزَّةٍ وإلى عِلْم. ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ [يس ٣٩] (القَمَر) فيه قراءتان: الرفع، والنصب. ففيه وجهانِ في الإعراب؛ ﴿الْقَمَرُ﴾ بالرفع على أنَّه مبتدأٌ خبره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. و﴿الْقَمَرَ﴾ بالنصب على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهُنا يتساوى الرفعُ والنصبُ في الرُّجحان؛ لأن الجملة التي قبله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ جملة اسمية خبرُها فعلٌ، فلهذا جاز في (القمر) الوجهان، والمعروف أنَّه يترجَّح الرفعُ إذا عُطِف المشغول عنه على جملةٍ اسمية، ويترجَّح النصبُ إذا عُطِف على جملة فعلية. قال: (﴿وَالْقَمَر﴾ بالرفْع والنَّصْب، وهو منصوبٌ بفِعْلٍ يُفَسِّره ما بعده). يعني: يفسِّره المذكور، والتقدير على هذا: وقدَّرْنا القمرَ منازل. ولا حاجة تقول كما يقول بعضُ الناس: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ قدَّرْناه. ليش؟ إذْ لا يُجمَع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردتَ أن تقدِّر فقل: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ، أيش؟ منازل. فإذا قلتَ: لماذا لم يَقُل عز وجل: وقدَّرْنا القمرَ منازل؟ قلنا: لأنَّه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرُها فعلٌ صارَ كأنَّه أسندَ هذا إليه مرَّتين، أسندَ الفِعل -اللي هو التقدير- إلى القَمَر مرَّتين؛ مرَّةً بذِكْره اسمًا ظاهرًا، ومرَّةً بذِكْره اسمًا مُضْمَرًا ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ من حيث سَيْره ﴿مَنَازِلَ﴾ ). تقدير الله عز وجل القَمَر منازلَ لأنَّه بهذا التقدير يمكن أنْ يأتي على هذا الوجه الذي نُشاهده؛ يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، ولولا هذا التقدير ما تغيَّر، لكنَّه مُقَدَّرٌ منازلَ؛ ثمانيةً وعشرين منزلًا على حسب النجوم المعروفة عند العرب، كلَّ ليلةٍ ينزل منزلةً، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين أو ليلتانِ إن كان ثلاثين، تسمَّى هاتانِ الليلتانِ ليالي الاستسرار؛ يعني الاختفاء، يختفي فيها القمر، إمَّا في أول الشهر التالي وإمَّا في آخِر الشهر السابق، يقول عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ وعشرين ليلةً من كلِّ شهر، ويستتر ليلتينِ إنْ كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إنْ كان تسعةً وعشرين يومًا)، ومَن أراد تفصيل العلم في هذا فليقرأْ ما كتبه أهلُ العلم في ذلك، ولا سيَّما في عصرنا هذا؛ فإنهم اطَّلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير. القمر قدَّره الله منازلَ، كلَّ يومٍ منزلًا، إذَنْ هو يختلف كلَّ ليلةٍ عن أيش؟ عن الأُخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره؛ لأن نور القمر مستمدٌّ من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جِرْمٌ مُظلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]، فهو جِرْمٌ مُظلمٌ لا يستفيد نورًا إلا بغيره، فإذا قابَلَ الشمسَ حَصَلَ فيه النور، كُلَّما أبعدَ عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كُرويٌّ، فكُلَّما قَرُبَ ضَعُفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرقِ والشمسُ في المغرب لتمام المقابلة حينئذٍ؛ لأنه يكون هكذا التقابُل بينهما فيمتلئ نورًا. وما هو الجزء المنير منه؟ الجزء المنير منه هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمسُ خَلْفه تكون فتحةُ قَوْسِه نحو المشرق، في أيام الصيف تكون فتحةُ قَوْسِه نحو الجنوب؛ لأن الشمس تكون عنه شمالًا وهو يكون عنها جنوبًا فتجده فَتْحته نحو الجنوب، وفي الشتاء حيث إنه يستدبرها ويكون وراءها تجدُ فَتْحته تكون نحو المشرق. ولهذا يغلط بعضُ الناس الذي يظنُّ أن اتجاه فتحة القمر -يعني فتحة قوسه- دائمًا إلى الشرق أو إلى الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردتَ أن تعرف هذا فتدبرْه. طيب، يقول: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ﴾ (في آخِر مَنَازلِهِ في رأْي العين ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] أي: كعُودِ الشَّماريخ إذا عتق، فإنَّه يَدِقُّ ويتقوَّس ويصْفَرُّ). حتى عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون يُسَمَّى في اللغة العامِّية عندنا (عُرجود) بالدال، هذا العرجود هو أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يَبِس يتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله عز وجل القمرَ في رؤية العين بهذا العرجون القديم؛ أي إنَّه يبدو دقيقًا أصفر متقوِّسًا، وهذا من باب التشبيه البليغ ولَّا غير البليغ؟ غير البليغ، ليش؟ لأنَّه ذُكرت أداةُ التشبيه، التشبيه البليغ هو الذي يُحذَف فيه أداةُ التشبيه ووجْه الشَّبَه، فإنْ ذُكِر أحدُهما فالتشبيه ليس ببليغ. طيب، يقول: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس ٣٩، ٤٠] لَمَّا ذكر اللَّهُ عز وجل أنَّ الشمس تجري لمستقَرٍّ لها، وأنَّ هذا أمرٌ مقدَّرٌ من قِبَل العزيز العليم، وأنَّ الله تعالى قدَّر القمرَ منازلَ ينزلها منزلةً منزلةً حتى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم؛ بيَّن أنَّ هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنَّه مقدَّر مِن عند مَن؟ مِن عند الله عز وجل العزيزِ العليمِ، منازل لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها. قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ﴿يَنْبَغِي﴾ بمعنى يُمْكن، والمؤلف يقول: (يَسْهُل ويصِحُّ)، لكن الأَوْلى أن نقول: بمعنى يُمْكن؛ يعني لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، وقد مرَّ علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) أو (ما ينبغي) في القرآن فهي بمعنى الممتنع غايةَ الامتناعِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني أنَّ ذلك مستحيلٌ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]؛ أي إنَّ ذلك مستحيلٌ. إذَنْ ﴿يَنْبَغِي﴾ (...)، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أصلها: الشمسُ لا ينبغي لها. لكن قدَّمَ النفيَ ليكون المنفيُّ هو الجملة الاسمية برأسها كُلُّها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تُدرك القمر فتجتمع معه في الليل، مَثَلًا إذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل، فإذا قدَّرنا أنها تعود الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ وتخرج الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ، بين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة الثامنة فيكون بين غروبها وطلوعها ثماني ساعات؛ لأن هذا خلافُ التقدير الذي قدَّره الله عز وجل لها والذي جَعَلَها تسير عليه، لماذا؟ لتمام قدرة الله تعالى ونظام هذا الكون، وأنَّه لا يمكن أنْ يختلف ولا يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنَّه يُجمع الشمسُ والقمرُ ويختلُّ نظام الفَلَك، بل كل النظام يختلف؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. كذلك قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلا بعده. هنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كأنَّ الليل هو الذي يمكن أنْ يسبق النهارَ، فنفى الله عز وجل أنْ يسبق الليلُ النهارَ. قيل: المراد أنَّ الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله عز وجل ذكر الشروقَ في قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن للشمس أنْ تطلع في الليل، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ لا يمكن للَّيل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدَّرنا أنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسَبَقَ الليلُ النهارَ ولو في بعض أجزائه. وقيل: المعنى ﴿لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحلُّ محلَّ النهار فيتوالى ليلتانِ سواءً. والمعنى صحيحٌ على كلا القولين؛ فلا يمكن للَّيل أن يأتي وقد بَقِي شيءٌ من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كلُّه في مكان النهار؛ لأن هذا يُنافي تقدير الله عز وجل الذي وَصَفَ نفسَه بأنَّه العزيز، بل سَمَّى نفسَه بأنَّه العزيز العليم. قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠] (﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عِوَضٌ عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم) النجوم هنا غير مذكورة، والصواب: من الشمس والقمر؛ لأنه لا ذِكْر للنجوم هنا، (﴿فِي فَلَكٍ﴾ مستديرٍ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون)؛ يعني كلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار، كلٌّ يسبحُ في فَلَك، والفَلَك هو الشيء المستدير، ومنه فلكةُ الْمِغْزل، فلكة المغْزل للشيء المستدير في أعلاه، ولعلكم قد رأيتم المغْزل الذي تغزل به النساءُ الصوفَ، له شيءٌ شبه الطار في أعلاه مستديرٌ، هذا فلكة المغزل. الفَلَك مستديرٌ تدور فيه الشمسُ والقمرُ والليلُ والنهارُ، وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يسيرون، ولكن المعنى أدقُّ مما قال المؤلف؛ لأن السَّبْح هو العَوْم في الماء، فكأنَّ هذه عائمةٌ في الفَلَك الواسع تدور، ليستْ تسير على أرضٍ مسطَّحة أو على ماءٍ، بل هي تعوم في هذا الأُفُق. * * * * (...) الآية الكريمة: هذه الآيةُ العظيمةُ في الليل؛ حيث يَسْلخ منه النهارَ سَلْخًا كما يُسْلَخ الجلدُ من الشاة، وهذا يدلُّ على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الأصل هو الظلام؛ لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧]، فهذا يدلُّ على أنَّ الأصلَ هو الظلام وأنَّ النهارَ طارئٌ عليه، ولهذا يُسلَخ منه، وهو كذلك؛ فإن أَصْل الضوء من الشمس، والشمس حادثةٌ وواردةٌ على الليل، فيكون الأصل الظلامُ ويأتي النورُ بعده. * ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلْق بهذه النعمة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]، وأنَّه لولا نعمةُ الله علينا بهذا النهار الذي يُسلخ من الليل لكُنَّا دائمًا في ظُلْمةٍ، وهذا بلا شكٍّ مُتعِبٌ للناس وضارٌّ بهم؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]. ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إلى آخر الآيات. * فمن فوائدها: أنَّ الشمس تجري؛ أي: تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أنَّ سَيْرها ذاتِيٌّ، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين وأنَّ الذي يدور هو الأرض، والواجبُ إجراءُ القرآن على ظاهِرِه حتى يقوم دليلٌ صريحٌ يكون لنا حُجَّةً أمام الله عز وجل إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلَّم بالقرآن هو الخالق عز وجل، وهو العليم بخلْقه، فإذا قال: إنَّ الشمس تجري، وَجَبَ أنْ نقول: إنَّ الشمس تجري، ولا يجوز أنْ نقول: إنَّنا نحن الذين نجري، ولكنْ هي التي تجري بتقدير العزيز العليم. * ومن فوائدها: أنَّ هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبةً لا بدَّ لها من مُنتهى؛ لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويتفرَّع على هذا أنَّ جميع الخلائق لها مُنتهى، كلُّ ما في الدنيا من الخلائق فله مُنتهى وسوف يزول؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذه الشمس مقدَّرة تقديرًا بالغًا منظَّمًا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويشهد لهذا الواقعُ؛ فإنَّ هذه الشمس منذ خَلَقَها اللَّهُ إلى أنْ تزول وهي في فَلَكِها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر عن السُّنَّة التي أَمَرها اللَّهُ عز وجل أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتى قيل: إنَّها لو تنخفض مقدارَ شعرةٍ لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرةٍ لجمدت الأرض، ولكن الله عز وجل جَعَلَها على هذا التقدير البديع المحكَم الذي لا يتغيَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ اسمينِ من أسماء الله وهما: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويؤخذ منهما إثباتُ صفتينِ تضمَّناهما وهُما العِزَّة والعِلْم، ويؤخذ منهما أيضًا إثباتُ الأثر أو الحكم، وهو أنَّه غالبٌ لكلِّ أحدٍ وعليمٌ بكلِّ شيء. * ومن فوائد الآية في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، من فوائدها أيضًا أنَّ هذا القمر آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ حيث هو موضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له منازلُ ينزلها كلَّ ليلةٍ، ليس مطْلقًا، ولكنَّه مقدَّر بمنازل ينزلها كلَّ ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أنْ يعرف الناسُ عدد السنين والحساب؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ لماذا؟ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥] حتى إن العالِمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر بناءً على معرفة المنازل؛ لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، وكل تشبيه أو مَثَل في القرآن فإنه يدلُّ على القياس؛ لأن التشبيهَ أو المثَلَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ لعِلَّة؛ التي تُسمَّى في البلاغة وجْهَ الشَّبَه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق (القديم) على غير الله خلافًا للمتفلسفة أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله هو القِدَم، وهذا خطأ؛ لو كان هذا أخصَّ وَصْف الله لم يوصَف به سوى الله. والقِدَم لا يدلُّ على الأزلية؛ فهذا العرجون وَصَفه الله بأنه قديم ومع ذلك فليس أيش؟ فليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادثٌ بعد أن لم يكن، وبه يتبيَّن بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله عز وجل هو القِدَم. لو قالوا: أَخَصُّ وَصْف لله هو الأوليَّة، لكُنَّا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وأمَّا أن نقول: إن القِدَم أخصُّ وَصْف لله مع أنه يُوصَف به الحادثُ، فهذا لا يكون ولا يصح. * فيها أيضًا: فيه دليل على قدرة الله من حيث نُور القمر؛ حيث يبتدئ ضعيفًا ثم يزداد في القوة ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله عز وجل؛ إذ لوشاء لجعله تامًّا ممتلئًا دائمًا أو ناقصًا دائمًا. * وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان؛ فإن الإنسان إذا تدبَّر القمرَ وجد أنه مطابقٌ لحال الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فحال الإنسان مساويةٌ تمامًا لحال القمر؛ فالقمر يبدو ضعيفًا ثم يزداد في القوة، حتى إذا تكاملت القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسانُ بالنسبة لحياته. قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. * في هذه الآية: دليلٌ على أن سُنَّة الله عز وجل لا تتغيَّر، هذا هو الأصل، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى لا تتغيَّر في الكون، ولكن هل هي سُنَّةٌ لازمةٌ بحيث يمتنع على الله أن يغيِّرها؟ الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأنَّ هذه السُّنة لا تتغيَّر، لكنَّها تتغيَّر بتغييره، ولهذا حُبِسَت الشمسُ ليوشع بن نون[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧ / ٣٢)، من حديث أبي هريرة.]] كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من أين؟ من مغربها، ولهذا انشقَّ القمر في عهد النبي ﷺ وصار فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣)، من حديث ابن مسعود.]]، فهذه السُّنن الكونية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لكن الله قادرٌ على أن يبدِّلها أو يغيِّرها ويكون هذا لسبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا، لا يمكن بحسب السُّنَّة الإلهية، أمَّا بحسب قدرة الله فإنه أيش؟ يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الليل لا يسبق النهار، فلا يدخل عليه ولا يتقدَّمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا؛ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، هذا هو ما يظهر لنا من هذه الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون للذين يدرسون في علم الفَلَك يتبيَّن لهم من هذا التعبير أكثر مما تبيَّن لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَك -يعني في شيء مستدير كفَلَكة المغزل- وأنها تدور؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. * ومن فوائدها: ضَعْف قول مَن يقول: إن الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، ويجعلون الكواكب والشمس والقمر كواكب معيَّنة في كلِّ سماءٍ كوكب على هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ هذه سبعة، يكون كلُّ واحدٍ في سماء؛ (زُحَل) هو أعلاها في السماء السابعة -على كلام السابقين من علماء الفلك- (شَرَى) يعني المشترِي في السماء السادسة، (مِرِّيخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في السماء الرابعة، (فتزاهرتْ) الزُّهرة في السماء الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) القمر في السماء الدنيا، فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ (...) من كتاب الله ولا من سُنَّة رسول الله ﷺ، ونحن إنما نعرف أن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف؛ فإذا كان القمر يَكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أنَّ الغيم تحت الشمس لأنه يحجبها، وإذا كسف القمرُ شيئًا من النجوم عرفنا أنه -أي القمر- تحتها، ولهذا القمرُ يكسف كل النجوم، الشمس، ولا يكسفه شيءٌ منها، ما يكسفه إلا الأرض؛ لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، وحينئذٍ ينكسف، وقد شاهدتُ أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم، تجده يسير حولها ثم يغطيها، وهذا يدلُّ على أن القمر نازلٌ عن منزلةِ أو عن عُلوِ هذه الكواكب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على قول مَن يقول: إن الشمس ثابتة وإنها لا تدور. والعجبُ أنهم يقولون: إنها ثابتةٌ وإن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحكمَ واحدًا قال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فإذا فسرنا السَّبْح بالدوران وأثبتنا ذلك للقمر فلنُثبته أيضًا للشمس. عندي فيه كلمة ما شرحناها من تفسير المؤلف؛ قال: (يسيرون؛ نُزِّلوا منزلة العُقَلاء). (نُزِّلوا) مَن؟ الشمس والقمر والليل والنهار (منزلةَ العُقَلاء)، وذلك بأنْ أتي بالواو التي هي للعُقلاء، الواو ضمير الجمع لا تأتي إلا للعُقلاء، غير العُقلاء يؤتَى لهم بنون النسوة، فغير العُقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعُقلاء نأتي بالواو أو بالميم فتقول مثلًا: الإبل ركبهُنَّ أربابُهنَّ، ولا تقُل: الإبل ركبهم أربابُهم؛ لأن الميم للعاقل. وتقول: الإبلُ قَدِمْنَ، أو: الإبلُ شَرِبْنَ، ولا تقول: شَرِبوا؛ لأن الواو للعاقل هنا. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو التي للعاقل، يقول: إنها نزلت منزلة العاقل بإضافة السَّبْح والجريان إليها، والجريانُ إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.

يس 36:40

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس ٣٧] نقول في إعرابها ما قلنا في ﴿آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾ فيكون ﴿اللَّيْلُ﴾ مبتدأ، و﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ونقول في نفس اللفظ كما قلنا في قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي: أنه يجوز أن تكون صفة لـ(الليل) على حد قول الشاعر: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ∗∗∗ ............................ ويجوز أن تكون الجملة استئنافية؛ لبيان هذه الآية، كيف كان آية؟ كيف كان الليل آية؟ قال: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] نسلخ يقول المؤلف: (نفصل) وسمى الله.. سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من البهيمة أنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا النهار ضوء النهار مثل الليل يسلخ الله تعالى النهار من الليل كما يُسلخ الجلد من البهيمة قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]؛ أي: داخلون في الظلام، (إذا) فجائية تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا، ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨]، (الواو) حرف عطف، و﴿الشَّمْسُ﴾ معطوفة على الليل؛ يعني وآية لهم الشمس أيضًا.. ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشمس مبتدأ، يجوز هذا وهذا، لكن المعنى الأول أقوى. قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى والقمر كذلك؛ يعني سواء قلنا: الجملة استئنافية، وأن هذه آية أخرى جديدة، أو قلنا: إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله لا شك أنها آية من آيات الله، فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، هذا الجرم الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بُعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله. من يستطيع أن يُوجِد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها شعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ فالجواب: لا أحد يستطيع؛ إذن فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمار وتدفئة الأرض والنور العظيم، كم طاقة يتفاداها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء؟ طاقة عظيمة، سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يُستغنى بالشمس عن تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة، فإن هذا أمر لا يُقدَّر له ثمن، وأما إنضاج الثمار، وإيباس الرطب، وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلْق، فحدِّث ولا حرج، فهي آية من آيات الله، آية عظيمة من آيات الله عز وجل، هي آية أيضًا في سيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ﴾ [يس ٣٨] ﴿تَجْرِي﴾ يعني تسير جريانًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس فإنها تسير بسرعة عظيمة جدًّا، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، أو قد يُعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الآن الطائرة تسير بسرعة عظيمة، وهي قريبة منا ولَّا لا؟ قريبة، ومع ذلك نراها تمشي ببطء لبعدها عنا، فما بالك بالشمس؟ نحن نشاهدها تسير لا شك في هذا؛ حتى إنك إذا نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا دليل على أنها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا ويش بعدها عنا؟ بعيدة جدًّا، ونشاهدها تسير هذا السير، إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد عُلِم تقديره عند الفلكيين الآن. وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف: (أي: إليه لا تتجاوزه). والمستقر موضع القرار كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقد جعل الأرض قرارًا، فالمستقر موضع القرار. قال المؤلف: (أي: إليه، لا تتجاوزه). والمستقَرُّ: موضع القَرار؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة ٣٦]، وقال: ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل ٦١]، فالمستقَرُّ موضعُ القرار، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦]، فما هذا القرار الذي تجري الشمسُ إليه؛ هلْ هو قرارٌ زَمَنِيٌّ أو قرارٌ مكانِيٌّ أو هما جميعًا؟ ثبتَ في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مع النبي ﷺ في المسجد حين غربت الشمسُ فقال: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ» » قال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا» ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس ٣٨]»» [[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، من حديث أبي ذر.]]، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ مستقرَّها مكانِيٌّ ولَّا زمانِيٌ؟ مكانِيٌّ؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيَّته؛ لأن الشمس ليستْ كالبَشَر حتى يُقاس سجودها بسجود البَشَر، بل هي مخلوقٌ أعظم، ولا ندري كيف تسجد، فإِذَنْ لا يَرِدُ علينا السؤالُ: هل هي تسجد وهي سائرةٌ أو تَقِف؟ وكيف يصح أنْ نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرَّةً في الأُفُق؟ كلُّ هذه الأسئلة والإيرادات نُجيب عليها إنْ شاء الله عند ذكر الفوائد. وقيل: إنَّ المستقَرَّ مستقَرٌّ زمنيٌّ، وذلك عند تكويرها يوم القيامة؛ يعني: عند مُنتهى سَيْرها يوم القيامة؛ يعني: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني. وقيل: إنَّ المراد بالمستقَرِّ منتهى تنقُّلها في البروج الشَّمالية واليمانية، فلها حدٌّ تنتهي إليه من الشَّمال لا تتجاوزه، ولها حدٌّ تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناءً على هذا يكون المستقَرُّ زمانيًّا ومكانيًّا؛ لأن غاية سَيْرها في الشمال يكون به ابتداءُ فصل الصيف؛ القَيْظ، وغاية سَيْرها في الجنوب ابتداءُ فصل الشتاء، فهذا قرارٌ أو مستقَرٌّ زمانِيٌّ ومكانِيٌّ، فالشمس -هذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قَدْرها إلا الذي خَلَقَها سبحانه وتعالى- بما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، كلُّ شيءٍ له غاية، وكلُّ شيءٍ له مُنتهى إلى مَن؟ إلى الله عز وجل. قال: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: جَرْيُها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلْقِه). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقَرِّها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وأضافَ التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأنَّ هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قُوَّةٍ وسُلطانٍ قاهرٍ، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يتناول أو يشمل ثلاثة معانٍ: أولًا: العزيز في قَدْره، والعزيز في قَهْره، والعزيز في امتناعه. أمَّا في قَدْره فمعناه أنَّ الله ذو شأنٍ عظيمٍ لا يماثله أحدٌ. وأمَّا في قَهْره فمعناه أنَّ الله له الغَلَبة والسلطان المطْلَق؛ يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ وأمَّا في امتناعه فالمعنى أنَّه ممتنعٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ. أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فمعناه ذو العِلم الكامل الشامل، فعِلْم الله تعالى كاملٌ لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وما كُتِب في كتابٍ مبينٍ إلا بعد أن كان معلومًا عند الله عز وجل؛ إذ المجهول لا يُكتب، فهذا يدلُّ على سعةِ عِلْم الله عز وجل وأنَّه محيطٌ بكلِّ شيءٍ جملةًَ وتفصيلًا، إذَنْ فـ﴿الْعَلِيم﴾ معناه ذو العِلم الكامل الشامل، كمالُه من حيث إنَّه لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشُمولُه لأنَّه شاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ. يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فذكر اللَّهُ هذين الاسمين لمناسبة المقام؛ لأنَّ الشمس ليستْ بالشيء الهيِّن الذي يَسْهل قِيادُه، بل هي شيءٌ عظيمٌ يحتاج إلى عِزَّةٍ وإلى عِلْم. ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ [يس ٣٩] (القَمَر) فيه قراءتان: الرفع، والنصب. ففيه وجهانِ في الإعراب؛ ﴿الْقَمَرُ﴾ بالرفع على أنَّه مبتدأٌ خبره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. و﴿الْقَمَرَ﴾ بالنصب على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهُنا يتساوى الرفعُ والنصبُ في الرُّجحان؛ لأن الجملة التي قبله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ جملة اسمية خبرُها فعلٌ، فلهذا جاز في (القمر) الوجهان، والمعروف أنَّه يترجَّح الرفعُ إذا عُطِف المشغول عنه على جملةٍ اسمية، ويترجَّح النصبُ إذا عُطِف على جملة فعلية. قال: (﴿وَالْقَمَر﴾ بالرفْع والنَّصْب، وهو منصوبٌ بفِعْلٍ يُفَسِّره ما بعده). يعني: يفسِّره المذكور، والتقدير على هذا: وقدَّرْنا القمرَ منازل. ولا حاجة تقول كما يقول بعضُ الناس: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ قدَّرْناه. ليش؟ إذْ لا يُجمَع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردتَ أن تقدِّر فقل: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ، أيش؟ منازل. فإذا قلتَ: لماذا لم يَقُل عز وجل: وقدَّرْنا القمرَ منازل؟ قلنا: لأنَّه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرُها فعلٌ صارَ كأنَّه أسندَ هذا إليه مرَّتين، أسندَ الفِعل -اللي هو التقدير- إلى القَمَر مرَّتين؛ مرَّةً بذِكْره اسمًا ظاهرًا، ومرَّةً بذِكْره اسمًا مُضْمَرًا ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ من حيث سَيْره ﴿مَنَازِلَ﴾ ). تقدير الله عز وجل القَمَر منازلَ لأنَّه بهذا التقدير يمكن أنْ يأتي على هذا الوجه الذي نُشاهده؛ يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، ولولا هذا التقدير ما تغيَّر، لكنَّه مُقَدَّرٌ منازلَ؛ ثمانيةً وعشرين منزلًا على حسب النجوم المعروفة عند العرب، كلَّ ليلةٍ ينزل منزلةً، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين أو ليلتانِ إن كان ثلاثين، تسمَّى هاتانِ الليلتانِ ليالي الاستسرار؛ يعني الاختفاء، يختفي فيها القمر، إمَّا في أول الشهر التالي وإمَّا في آخِر الشهر السابق، يقول عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ وعشرين ليلةً من كلِّ شهر، ويستتر ليلتينِ إنْ كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إنْ كان تسعةً وعشرين يومًا)، ومَن أراد تفصيل العلم في هذا فليقرأْ ما كتبه أهلُ العلم في ذلك، ولا سيَّما في عصرنا هذا؛ فإنهم اطَّلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير. القمر قدَّره الله منازلَ، كلَّ يومٍ منزلًا، إذَنْ هو يختلف كلَّ ليلةٍ عن أيش؟ عن الأُخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره؛ لأن نور القمر مستمدٌّ من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جِرْمٌ مُظلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]، فهو جِرْمٌ مُظلمٌ لا يستفيد نورًا إلا بغيره، فإذا قابَلَ الشمسَ حَصَلَ فيه النور، كُلَّما أبعدَ عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كُرويٌّ، فكُلَّما قَرُبَ ضَعُفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرقِ والشمسُ في المغرب لتمام المقابلة حينئذٍ؛ لأنه يكون هكذا التقابُل بينهما فيمتلئ نورًا. وما هو الجزء المنير منه؟ الجزء المنير منه هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمسُ خَلْفه تكون فتحةُ قَوْسِه نحو المشرق، في أيام الصيف تكون فتحةُ قَوْسِه نحو الجنوب؛ لأن الشمس تكون عنه شمالًا وهو يكون عنها جنوبًا فتجده فَتْحته نحو الجنوب، وفي الشتاء حيث إنه يستدبرها ويكون وراءها تجدُ فَتْحته تكون نحو المشرق. ولهذا يغلط بعضُ الناس الذي يظنُّ أن اتجاه فتحة القمر -يعني فتحة قوسه- دائمًا إلى الشرق أو إلى الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردتَ أن تعرف هذا فتدبرْه. طيب، يقول: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ﴾ (في آخِر مَنَازلِهِ في رأْي العين ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] أي: كعُودِ الشَّماريخ إذا عتق، فإنَّه يَدِقُّ ويتقوَّس ويصْفَرُّ). حتى عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون يُسَمَّى في اللغة العامِّية عندنا (عُرجود) بالدال، هذا العرجود هو أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يَبِس يتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله عز وجل القمرَ في رؤية العين بهذا العرجون القديم؛ أي إنَّه يبدو دقيقًا أصفر متقوِّسًا، وهذا من باب التشبيه البليغ ولَّا غير البليغ؟ غير البليغ، ليش؟ لأنَّه ذُكرت أداةُ التشبيه، التشبيه البليغ هو الذي يُحذَف فيه أداةُ التشبيه ووجْه الشَّبَه، فإنْ ذُكِر أحدُهما فالتشبيه ليس ببليغ. طيب، يقول: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس ٣٩، ٤٠] لَمَّا ذكر اللَّهُ عز وجل أنَّ الشمس تجري لمستقَرٍّ لها، وأنَّ هذا أمرٌ مقدَّرٌ من قِبَل العزيز العليم، وأنَّ الله تعالى قدَّر القمرَ منازلَ ينزلها منزلةً منزلةً حتى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم؛ بيَّن أنَّ هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنَّه مقدَّر مِن عند مَن؟ مِن عند الله عز وجل العزيزِ العليمِ، منازل لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها. قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ﴿يَنْبَغِي﴾ بمعنى يُمْكن، والمؤلف يقول: (يَسْهُل ويصِحُّ)، لكن الأَوْلى أن نقول: بمعنى يُمْكن؛ يعني لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، وقد مرَّ علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) أو (ما ينبغي) في القرآن فهي بمعنى الممتنع غايةَ الامتناعِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني أنَّ ذلك مستحيلٌ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]؛ أي إنَّ ذلك مستحيلٌ. إذَنْ ﴿يَنْبَغِي﴾ (...)، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أصلها: الشمسُ لا ينبغي لها. لكن قدَّمَ النفيَ ليكون المنفيُّ هو الجملة الاسمية برأسها كُلُّها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تُدرك القمر فتجتمع معه في الليل، مَثَلًا إذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل، فإذا قدَّرنا أنها تعود الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ وتخرج الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ، بين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة الثامنة فيكون بين غروبها وطلوعها ثماني ساعات؛ لأن هذا خلافُ التقدير الذي قدَّره الله عز وجل لها والذي جَعَلَها تسير عليه، لماذا؟ لتمام قدرة الله تعالى ونظام هذا الكون، وأنَّه لا يمكن أنْ يختلف ولا يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنَّه يُجمع الشمسُ والقمرُ ويختلُّ نظام الفَلَك، بل كل النظام يختلف؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. كذلك قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلا بعده. هنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كأنَّ الليل هو الذي يمكن أنْ يسبق النهارَ، فنفى الله عز وجل أنْ يسبق الليلُ النهارَ. قيل: المراد أنَّ الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله عز وجل ذكر الشروقَ في قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن للشمس أنْ تطلع في الليل، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ لا يمكن للَّيل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدَّرنا أنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسَبَقَ الليلُ النهارَ ولو في بعض أجزائه. وقيل: المعنى ﴿لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحلُّ محلَّ النهار فيتوالى ليلتانِ سواءً. والمعنى صحيحٌ على كلا القولين؛ فلا يمكن للَّيل أن يأتي وقد بَقِي شيءٌ من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كلُّه في مكان النهار؛ لأن هذا يُنافي تقدير الله عز وجل الذي وَصَفَ نفسَه بأنَّه العزيز، بل سَمَّى نفسَه بأنَّه العزيز العليم. قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠] (﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عِوَضٌ عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم) النجوم هنا غير مذكورة، والصواب: من الشمس والقمر؛ لأنه لا ذِكْر للنجوم هنا، (﴿فِي فَلَكٍ﴾ مستديرٍ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون)؛ يعني كلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار، كلٌّ يسبحُ في فَلَك، والفَلَك هو الشيء المستدير، ومنه فلكةُ الْمِغْزل، فلكة المغْزل للشيء المستدير في أعلاه، ولعلكم قد رأيتم المغْزل الذي تغزل به النساءُ الصوفَ، له شيءٌ شبه الطار في أعلاه مستديرٌ، هذا فلكة المغزل. الفَلَك مستديرٌ تدور فيه الشمسُ والقمرُ والليلُ والنهارُ، وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يسيرون، ولكن المعنى أدقُّ مما قال المؤلف؛ لأن السَّبْح هو العَوْم في الماء، فكأنَّ هذه عائمةٌ في الفَلَك الواسع تدور، ليستْ تسير على أرضٍ مسطَّحة أو على ماءٍ، بل هي تعوم في هذا الأُفُق. * * * * (...) الآية الكريمة: هذه الآيةُ العظيمةُ في الليل؛ حيث يَسْلخ منه النهارَ سَلْخًا كما يُسْلَخ الجلدُ من الشاة، وهذا يدلُّ على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الأصل هو الظلام؛ لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧]، فهذا يدلُّ على أنَّ الأصلَ هو الظلام وأنَّ النهارَ طارئٌ عليه، ولهذا يُسلَخ منه، وهو كذلك؛ فإن أَصْل الضوء من الشمس، والشمس حادثةٌ وواردةٌ على الليل، فيكون الأصل الظلامُ ويأتي النورُ بعده. * ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلْق بهذه النعمة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]، وأنَّه لولا نعمةُ الله علينا بهذا النهار الذي يُسلخ من الليل لكُنَّا دائمًا في ظُلْمةٍ، وهذا بلا شكٍّ مُتعِبٌ للناس وضارٌّ بهم؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]. ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إلى آخر الآيات. * فمن فوائدها: أنَّ الشمس تجري؛ أي: تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أنَّ سَيْرها ذاتِيٌّ، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين وأنَّ الذي يدور هو الأرض، والواجبُ إجراءُ القرآن على ظاهِرِه حتى يقوم دليلٌ صريحٌ يكون لنا حُجَّةً أمام الله عز وجل إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلَّم بالقرآن هو الخالق عز وجل، وهو العليم بخلْقه، فإذا قال: إنَّ الشمس تجري، وَجَبَ أنْ نقول: إنَّ الشمس تجري، ولا يجوز أنْ نقول: إنَّنا نحن الذين نجري، ولكنْ هي التي تجري بتقدير العزيز العليم. * ومن فوائدها: أنَّ هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبةً لا بدَّ لها من مُنتهى؛ لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويتفرَّع على هذا أنَّ جميع الخلائق لها مُنتهى، كلُّ ما في الدنيا من الخلائق فله مُنتهى وسوف يزول؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذه الشمس مقدَّرة تقديرًا بالغًا منظَّمًا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويشهد لهذا الواقعُ؛ فإنَّ هذه الشمس منذ خَلَقَها اللَّهُ إلى أنْ تزول وهي في فَلَكِها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر عن السُّنَّة التي أَمَرها اللَّهُ عز وجل أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتى قيل: إنَّها لو تنخفض مقدارَ شعرةٍ لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرةٍ لجمدت الأرض، ولكن الله عز وجل جَعَلَها على هذا التقدير البديع المحكَم الذي لا يتغيَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ اسمينِ من أسماء الله وهما: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويؤخذ منهما إثباتُ صفتينِ تضمَّناهما وهُما العِزَّة والعِلْم، ويؤخذ منهما أيضًا إثباتُ الأثر أو الحكم، وهو أنَّه غالبٌ لكلِّ أحدٍ وعليمٌ بكلِّ شيء. * ومن فوائد الآية في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، من فوائدها أيضًا أنَّ هذا القمر آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ حيث هو موضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له منازلُ ينزلها كلَّ ليلةٍ، ليس مطْلقًا، ولكنَّه مقدَّر بمنازل ينزلها كلَّ ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أنْ يعرف الناسُ عدد السنين والحساب؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ لماذا؟ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥] حتى إن العالِمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر بناءً على معرفة المنازل؛ لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، وكل تشبيه أو مَثَل في القرآن فإنه يدلُّ على القياس؛ لأن التشبيهَ أو المثَلَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ لعِلَّة؛ التي تُسمَّى في البلاغة وجْهَ الشَّبَه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق (القديم) على غير الله خلافًا للمتفلسفة أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله هو القِدَم، وهذا خطأ؛ لو كان هذا أخصَّ وَصْف الله لم يوصَف به سوى الله. والقِدَم لا يدلُّ على الأزلية؛ فهذا العرجون وَصَفه الله بأنه قديم ومع ذلك فليس أيش؟ فليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادثٌ بعد أن لم يكن، وبه يتبيَّن بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله عز وجل هو القِدَم. لو قالوا: أَخَصُّ وَصْف لله هو الأوليَّة، لكُنَّا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وأمَّا أن نقول: إن القِدَم أخصُّ وَصْف لله مع أنه يُوصَف به الحادثُ، فهذا لا يكون ولا يصح. * فيها أيضًا: فيه دليل على قدرة الله من حيث نُور القمر؛ حيث يبتدئ ضعيفًا ثم يزداد في القوة ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله عز وجل؛ إذ لوشاء لجعله تامًّا ممتلئًا دائمًا أو ناقصًا دائمًا. * وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان؛ فإن الإنسان إذا تدبَّر القمرَ وجد أنه مطابقٌ لحال الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فحال الإنسان مساويةٌ تمامًا لحال القمر؛ فالقمر يبدو ضعيفًا ثم يزداد في القوة، حتى إذا تكاملت القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسانُ بالنسبة لحياته. قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. * في هذه الآية: دليلٌ على أن سُنَّة الله عز وجل لا تتغيَّر، هذا هو الأصل، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى لا تتغيَّر في الكون، ولكن هل هي سُنَّةٌ لازمةٌ بحيث يمتنع على الله أن يغيِّرها؟ الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأنَّ هذه السُّنة لا تتغيَّر، لكنَّها تتغيَّر بتغييره، ولهذا حُبِسَت الشمسُ ليوشع بن نون[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧ / ٣٢)، من حديث أبي هريرة.]] كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من أين؟ من مغربها، ولهذا انشقَّ القمر في عهد النبي ﷺ وصار فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣)، من حديث ابن مسعود.]]، فهذه السُّنن الكونية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لكن الله قادرٌ على أن يبدِّلها أو يغيِّرها ويكون هذا لسبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا، لا يمكن بحسب السُّنَّة الإلهية، أمَّا بحسب قدرة الله فإنه أيش؟ يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الليل لا يسبق النهار، فلا يدخل عليه ولا يتقدَّمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا؛ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، هذا هو ما يظهر لنا من هذه الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون للذين يدرسون في علم الفَلَك يتبيَّن لهم من هذا التعبير أكثر مما تبيَّن لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَك -يعني في شيء مستدير كفَلَكة المغزل- وأنها تدور؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. * ومن فوائدها: ضَعْف قول مَن يقول: إن الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، ويجعلون الكواكب والشمس والقمر كواكب معيَّنة في كلِّ سماءٍ كوكب على هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ هذه سبعة، يكون كلُّ واحدٍ في سماء؛ (زُحَل) هو أعلاها في السماء السابعة -على كلام السابقين من علماء الفلك- (شَرَى) يعني المشترِي في السماء السادسة، (مِرِّيخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في السماء الرابعة، (فتزاهرتْ) الزُّهرة في السماء الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) القمر في السماء الدنيا، فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ (...) من كتاب الله ولا من سُنَّة رسول الله ﷺ، ونحن إنما نعرف أن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف؛ فإذا كان القمر يَكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أنَّ الغيم تحت الشمس لأنه يحجبها، وإذا كسف القمرُ شيئًا من النجوم عرفنا أنه -أي القمر- تحتها، ولهذا القمرُ يكسف كل النجوم، الشمس، ولا يكسفه شيءٌ منها، ما يكسفه إلا الأرض؛ لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، وحينئذٍ ينكسف، وقد شاهدتُ أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم، تجده يسير حولها ثم يغطيها، وهذا يدلُّ على أن القمر نازلٌ عن منزلةِ أو عن عُلوِ هذه الكواكب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على قول مَن يقول: إن الشمس ثابتة وإنها لا تدور. والعجبُ أنهم يقولون: إنها ثابتةٌ وإن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحكمَ واحدًا قال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فإذا فسرنا السَّبْح بالدوران وأثبتنا ذلك للقمر فلنُثبته أيضًا للشمس. عندي فيه كلمة ما شرحناها من تفسير المؤلف؛ قال: (يسيرون؛ نُزِّلوا منزلة العُقَلاء). (نُزِّلوا) مَن؟ الشمس والقمر والليل والنهار (منزلةَ العُقَلاء)، وذلك بأنْ أتي بالواو التي هي للعُقلاء، الواو ضمير الجمع لا تأتي إلا للعُقلاء، غير العُقلاء يؤتَى لهم بنون النسوة، فغير العُقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعُقلاء نأتي بالواو أو بالميم فتقول مثلًا: الإبل ركبهُنَّ أربابُهنَّ، ولا تقُل: الإبل ركبهم أربابُهم؛ لأن الميم للعاقل. وتقول: الإبلُ قَدِمْنَ، أو: الإبلُ شَرِبْنَ، ولا تقول: شَرِبوا؛ لأن الواو للعاقل هنا. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو التي للعاقل، يقول: إنها نزلت منزلة العاقل بإضافة السَّبْح والجريان إليها، والجريانُ إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.

يس 36:41

ثم قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وفي قراءة ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: آباءَهم الأُصُول ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي سفينة نوح ﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] المملوء، ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: مثْل فُلْك نوحٍ، وهو ما عملوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار بتعليم الله عز وجل ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢]). ﴿آيَةٌ لَهُمْ﴾ أي: للناس جميعًا. على أيِّ شيء؟ يقول المؤلف: (على قدرتنا)، ونحن نُسَلِّم بذلك، لكن فيه أيضًا آيةٌ على شيءٍ آخَر وهو رحمة الله عز وجل بالخلْق ونِعَمه عليهم، فآيةٌ لنا دالَّةٌ على قدرة الله ورحمته وفَضْله علينا، هذا الفُلْك الذي سخَّره الله عز وجل يجري في البحر، يحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، ويحمل الناس، ويحمل المواشي، ويحمل كل ما فيه مصلحتُنا، فهذا من الآيات الدالَّة على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته. وقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ هذه الجملة في تأويل مصدر، هي المبتدأ؛ يعني: وآيةٌ لهم حَمْلُنا ذُرِّيَّتهم. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ و﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ قال المؤلف: (أي: آباءَهم الأُصُول)، فجعل المراد بالذرية هنا الأصول؛ يعني الآباء، مع أن المعروف في اللغة العربية أن الذرية هم الفروع وليسوا الآباء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، والمؤلف ومَن ذهب مذهبه في تفسير الآية يقول: إنَّ الذرية لفظٌ مشترك بين الأصول والفروع؛ لأنها مأخوذةٌ من (ذَرَأَ)، والذَّرْء كائنٌ للأصول والفروع، ثم يقولون أيضًا: إن سياق الآية يدلُّ على ذلك؛ ﴿آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الصغار الموجودون معهم إذا حُمِلوا فسيُحمَلون معهم هم، وإن كان المراد بالذرية مَن يأتي فيما بعدُ فكيف يكون ذلك آيةً وهي غير مشهودةٍ لهم؟! إذَن يتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الأصول؛ لأن الصغار المشهودين حَمْلُهم حَمْلٌ لآبائهم؛ لأن الغالب أنهم لا يُحمَلون إلا مع آبائهم، والصغار غير المشهودين الذين يأتون فيما بعدُ لا يكونون آيةً لِمَن أيش؟ لِمَن لم يشاهدها، فتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الآباء. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف يوافق ظاهر الآية، لكنه يخالف ما كان معهودًا في اللغة العربية من أن الذرية هم الفروع، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد بالضمير هنا الجنس لا العين، والمعنى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم كنوحٍ مثلًا؛ نوح عليه الصلاة والسلام من جنسنا، آدَمِيٌّ، بَشَرٌ، فحمل الله ذريته في الفُلك المشحون، قالوا: وهذا لا يمتنع في اللغة العربية؛ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: جنس الإنسان وليس عينه؛ لأن الذي جُعِل نطفةً هل هو آدم الذي خُلِقَ من السلالة أو غيره؟ غيره بلا شك، إذَنْ فالضمير عاد إلى آدم باعتبار الجنس فليَعُد الضمير في قوله: ﴿ذُرِّيَّتهمْ﴾ إلى الموجودين باعتبار أيش؟ باعتبار الجنس. فمَن هو الجنس؟ قالوا: هو نوح؛ لأنه بَشَر آدمي، وذُرِّيته هي المحمولة، فيكون معنى ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم وهو نوح عليه الصلاة والسلام، حُمِلت ذريته في الفُلك المشحون، وخُلِق لهم من مثله ما يركبون، وهذا قريبٌ جدًّا ولا يخالف ظاهر الآية، ويشير إلى أن هذه السفينة جُعِلت آيةً لِمَن بعد نوحٍ يعتبرون بها ويصنعون منها؛ قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]. فيه رأي ثالث إن شاء الله نتكلم عليه غدًا نعم. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، إي نعم، هذا ليس بصحيح، الذين قالوا: إن الكسوف والخسوف يقع في كل وقتٍ والله على كل شيء قدير، نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى أجرَى العادةَ ألَّا كسوف للشمس إلا في ليالي الاستسرار في آخِر الشهر، وألَّا خسوف للقمر إلا في ليالي الإبدار، ويكون قول مَن قال من الأئمة: إذا وقع الكسوفُ في عرفة بعد أن غربت الشمس، إذا وقع فإنه يصلي ثم يدفع، يقال: هذا أمرٌ فرضي وليس بواقع، ولا يمكن أن يقع هذا. * طالب: يحتجُّون بأن الشمس كسفت في يوم موت الحسين وقد مات في العاشر من المحرم. * الشيخ: الحسين؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هذا ما هو بصحيح، إمَّا أن الكسوف غير صحيح أو التاريخ غير صحيح، ويحتجُّون أيضًا بأنها كسفت يوم مات إبراهيم، هذا صحيح، كسفت يوم مات إبراهيم، هم يقولون إن إبراهيم مات في عاشر ربيع الأول. وهذا غير صحيح أيضًا، والصحيح أنها كسفت الشمس في تسع وعشرين شوال، وعلى هذا فلا إشكال في الموضوع، إي نعم، هذا غير ممكن؛ لأن هذا سُنَّة مطَّردة ما يمكن تختلف إلا أن تكون آية، إذا كانت آية لا بأس؛ مثل انشقاق القمر، ولهذا نحن نُقِرُّ بأن القمر قد انشقَّ حقيقةً خلافًا لبعض المعاصرين أيضًا الذين أنكروا انشقاق القمر وقالوا: إن القمر من الأفلاك السماوية ولا يمكن أن تتغير أبدًا، وإن المراد بانشقاق القمر ظهور رسالة النبي ﷺ؛ بمعنى اتِّضاح القمر؛ أي: نور الرسالة، ويستدلُّون أيضًا بأن هذه الحادثة لو كانت حقيقةً لكانت مشهورةً عالميًّا في التاريخ، يعني ما هي بالأمر الهيِّن أن ينشق القمر ولا يعلم الناسُ به إلا أهل مكة أو مَن حولهم، وكل هذا تعليلات عليلة باطلة؛ لأن انشقاق القمر مما هو مشهور بل متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن دلَّ عليه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر ١، ٢]، وكونه لم يشتهر عالميًّا في التاريخ ليس هذا بمانع من وجوده حقيقة؛ لأنه قد يكون صادف في النهار -هذا على مَن حولهم- ثم قد يكون هناك غيوم وموانع تمنع، ثم قد يكون بالليل وهم نائمون، المهم أن هناك موانع، ثم انشقاقه أيضًا ليس هو انشقَّ كلَّ الليل، انشقَّ حتى أراهم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية ثم التأم، وهذا قد لا يكون إلا خلال خمس دقائق أو نحوها. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ أين المبتدأ في هذه الآية؟ * طالب: المصدر المؤول. * الشيخ: المصدر المؤول، ما التقدير؟ * طالب: حَمْلُهم. * الشيخ: (...) للفروع فإنا نقول: المراد بالذرية هنا ذرية نوح، وأُضيفت إلى هؤلاء باعتبار الجنس؛ يعني: حمَلنا الذريةَ من جنسهم في الفُلك المشحون، وذكرنا لهذا نظيرًا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، ما هو جعلْنا الإنسان اللي خُلِق من السلالة؛ لأن الإنسان الذي خُلِق من السلالة هو آدم، ولا يمكن يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ، وإنما الذي يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ ما كان من جنسه، هذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يأباه السياق. قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ هذا مبتدأ الدرس الآن، (﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: سفينة نوح) فـ(أل) هنا للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق لها ذكر، وليست للاستغراق؛ لأن المراد بها فُلْكٌ واحدٌ، فتكون (أل) هنا للعهد أيش؟ الذهني؛ يعني في الفُلك المعهود في أذهانكم، وهو الذي قال الله تعالى لنوح: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [المؤمنون ٢٧]، والفُلك كما مرَّ علينا يُطلق على الجمع ويُطلق على المفرد؛ فمِن إطلاقه على المفرد كهذه الآية، وعلى الجمع مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، ﴿جَرَيْنَ﴾ أي: الفُلك، وهذا الضمير ضمير جَمْع ولا يعود على المفرد، ولهذا قال بعض الفقهاء رحمهم الله: إن الأحدب الذي حدبته كالركوع ينوي الركوع، قال: وهذا كـ(فُلْك) في العربية لا يُدرى هل هو جمعٌ ولَّا مفرد إلا بالنية، فالأحدب المقوَّس الظَّهر، كيف يركع بالنيَّة؟ ينوي الركوع؛ لأنه ما زال راكعًا أحدب. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (أي: سفينة نوح ﴿الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء)، مملوء بمن؟ مملوء بأُناسٍ من البشر الذين آمنوا مع نوح، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، مملوء ببقية الحيوانات؛ لأن الله قال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠]. وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (أي: مِثْل فُلْك نوح، وهو ما عَمِلوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار)، يذكِّرهم الله عز وجل، أولًا: بحمل آبائهم السابقين اللي هم ذرية نوح، وثانيًا: بأن الله تعالى خَلَق لهم من مثل هذه الفُلك ما يركبون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]، فالناس تعلَّموا كيف يصنعون السفن وصاروا يصنعون مثل هذه السفينة، ولعل قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة أو هذا الفُلك لأجل أن يتعلم الناسُ؛ لأنه لم يقُل: حملناه على فُلك، بل قال: ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، كأنه يقول: إن هذا الفُلك مصنوعٌ من الألواح والمسامير حتى يتعلم الناسُ موادَّ هذا الفُلك. ثم قال عز وجل: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢] ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ المراد بالمثل هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجْه؛ وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذِّرة، لكن يكفي الجنس، أمَّا النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكُلِّ عصرٍ نوع سُفُنه، وما زالت تترقَّى السفن في البحار إلى أن وصلتْ إلى ما وصلتْ إليه في عهدنا الحاضر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بتعليم الله تعالى). إشارة إلى سؤالٍ مقدَّر؛ كأنه قال: كيف قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وهذه السفن مصنوعةٌ بأيدي البشر، وليستْ بخلق الله كخلق البعيرِ التي تُركب والفرسِ وشبهها؟ فأجاب المؤلف بأن الله تعالى أضاف خَلْقَها إليه لأنها كانت بتعليمه. * في هذه الآية من الفوائد: * أولًا: بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمان نوح؛ فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالتْ البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ومَن معه، ومع هذا فلمْ يَبْقَ من نَسْل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نَسْل نوح فقط كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، أمَّا غيرهم فلم يَبْقَ منهم أحد، ولهذا يسمَّى نوحٌ أبا البشر الثاني. * ثانيًا من فوائد هذه الآية: بيان نعمة الله عز وجل بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، ولولا هذه السفن ما استطاع أحدٌ أن يعبر من يابسةٍ إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح كانت مملوءةً من البشر وغيره؛ لقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المماثَلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، وليست هذه السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدلُّ على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجهٍ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]؛ فإنَّ المراد بالمماثلة هنا المماثلة في العدد فقط، وإلا فإن بين الأرض والسماء من الفروق العظيمة ما هو ظاهر. * وفي قوله: ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ إشارةٌ إلى الراحة الحاصلة بهذه السفن، وأنَّ محلَّ الركوب للاستقرار،* ففيها أيضًا: بيان نعمةٍ من الله سبحانه وتعالى باستقرار الراكبين على هذه السفن.

يس 36:42

ثم قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وفي قراءة ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: آباءَهم الأُصُول ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي سفينة نوح ﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] المملوء، ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: مثْل فُلْك نوحٍ، وهو ما عملوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار بتعليم الله عز وجل ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢]). ﴿آيَةٌ لَهُمْ﴾ أي: للناس جميعًا. على أيِّ شيء؟ يقول المؤلف: (على قدرتنا)، ونحن نُسَلِّم بذلك، لكن فيه أيضًا آيةٌ على شيءٍ آخَر وهو رحمة الله عز وجل بالخلْق ونِعَمه عليهم، فآيةٌ لنا دالَّةٌ على قدرة الله ورحمته وفَضْله علينا، هذا الفُلْك الذي سخَّره الله عز وجل يجري في البحر، يحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، ويحمل الناس، ويحمل المواشي، ويحمل كل ما فيه مصلحتُنا، فهذا من الآيات الدالَّة على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته. وقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ هذه الجملة في تأويل مصدر، هي المبتدأ؛ يعني: وآيةٌ لهم حَمْلُنا ذُرِّيَّتهم. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ و﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ قال المؤلف: (أي: آباءَهم الأُصُول)، فجعل المراد بالذرية هنا الأصول؛ يعني الآباء، مع أن المعروف في اللغة العربية أن الذرية هم الفروع وليسوا الآباء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، والمؤلف ومَن ذهب مذهبه في تفسير الآية يقول: إنَّ الذرية لفظٌ مشترك بين الأصول والفروع؛ لأنها مأخوذةٌ من (ذَرَأَ)، والذَّرْء كائنٌ للأصول والفروع، ثم يقولون أيضًا: إن سياق الآية يدلُّ على ذلك؛ ﴿آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الصغار الموجودون معهم إذا حُمِلوا فسيُحمَلون معهم هم، وإن كان المراد بالذرية مَن يأتي فيما بعدُ فكيف يكون ذلك آيةً وهي غير مشهودةٍ لهم؟! إذَن يتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الأصول؛ لأن الصغار المشهودين حَمْلُهم حَمْلٌ لآبائهم؛ لأن الغالب أنهم لا يُحمَلون إلا مع آبائهم، والصغار غير المشهودين الذين يأتون فيما بعدُ لا يكونون آيةً لِمَن أيش؟ لِمَن لم يشاهدها، فتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الآباء. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف يوافق ظاهر الآية، لكنه يخالف ما كان معهودًا في اللغة العربية من أن الذرية هم الفروع، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد بالضمير هنا الجنس لا العين، والمعنى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم كنوحٍ مثلًا؛ نوح عليه الصلاة والسلام من جنسنا، آدَمِيٌّ، بَشَرٌ، فحمل الله ذريته في الفُلك المشحون، قالوا: وهذا لا يمتنع في اللغة العربية؛ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: جنس الإنسان وليس عينه؛ لأن الذي جُعِل نطفةً هل هو آدم الذي خُلِقَ من السلالة أو غيره؟ غيره بلا شك، إذَنْ فالضمير عاد إلى آدم باعتبار الجنس فليَعُد الضمير في قوله: ﴿ذُرِّيَّتهمْ﴾ إلى الموجودين باعتبار أيش؟ باعتبار الجنس. فمَن هو الجنس؟ قالوا: هو نوح؛ لأنه بَشَر آدمي، وذُرِّيته هي المحمولة، فيكون معنى ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم وهو نوح عليه الصلاة والسلام، حُمِلت ذريته في الفُلك المشحون، وخُلِق لهم من مثله ما يركبون، وهذا قريبٌ جدًّا ولا يخالف ظاهر الآية، ويشير إلى أن هذه السفينة جُعِلت آيةً لِمَن بعد نوحٍ يعتبرون بها ويصنعون منها؛ قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]. فيه رأي ثالث إن شاء الله نتكلم عليه غدًا نعم. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، إي نعم، هذا ليس بصحيح، الذين قالوا: إن الكسوف والخسوف يقع في كل وقتٍ والله على كل شيء قدير، نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى أجرَى العادةَ ألَّا كسوف للشمس إلا في ليالي الاستسرار في آخِر الشهر، وألَّا خسوف للقمر إلا في ليالي الإبدار، ويكون قول مَن قال من الأئمة: إذا وقع الكسوفُ في عرفة بعد أن غربت الشمس، إذا وقع فإنه يصلي ثم يدفع، يقال: هذا أمرٌ فرضي وليس بواقع، ولا يمكن أن يقع هذا. * طالب: يحتجُّون بأن الشمس كسفت في يوم موت الحسين وقد مات في العاشر من المحرم. * الشيخ: الحسين؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هذا ما هو بصحيح، إمَّا أن الكسوف غير صحيح أو التاريخ غير صحيح، ويحتجُّون أيضًا بأنها كسفت يوم مات إبراهيم، هذا صحيح، كسفت يوم مات إبراهيم، هم يقولون إن إبراهيم مات في عاشر ربيع الأول. وهذا غير صحيح أيضًا، والصحيح أنها كسفت الشمس في تسع وعشرين شوال، وعلى هذا فلا إشكال في الموضوع، إي نعم، هذا غير ممكن؛ لأن هذا سُنَّة مطَّردة ما يمكن تختلف إلا أن تكون آية، إذا كانت آية لا بأس؛ مثل انشقاق القمر، ولهذا نحن نُقِرُّ بأن القمر قد انشقَّ حقيقةً خلافًا لبعض المعاصرين أيضًا الذين أنكروا انشقاق القمر وقالوا: إن القمر من الأفلاك السماوية ولا يمكن أن تتغير أبدًا، وإن المراد بانشقاق القمر ظهور رسالة النبي ﷺ؛ بمعنى اتِّضاح القمر؛ أي: نور الرسالة، ويستدلُّون أيضًا بأن هذه الحادثة لو كانت حقيقةً لكانت مشهورةً عالميًّا في التاريخ، يعني ما هي بالأمر الهيِّن أن ينشق القمر ولا يعلم الناسُ به إلا أهل مكة أو مَن حولهم، وكل هذا تعليلات عليلة باطلة؛ لأن انشقاق القمر مما هو مشهور بل متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن دلَّ عليه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر ١، ٢]، وكونه لم يشتهر عالميًّا في التاريخ ليس هذا بمانع من وجوده حقيقة؛ لأنه قد يكون صادف في النهار -هذا على مَن حولهم- ثم قد يكون هناك غيوم وموانع تمنع، ثم قد يكون بالليل وهم نائمون، المهم أن هناك موانع، ثم انشقاقه أيضًا ليس هو انشقَّ كلَّ الليل، انشقَّ حتى أراهم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية ثم التأم، وهذا قد لا يكون إلا خلال خمس دقائق أو نحوها. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ أين المبتدأ في هذه الآية؟ * طالب: المصدر المؤول. * الشيخ: المصدر المؤول، ما التقدير؟ * طالب: حَمْلُهم. * الشيخ: (...) للفروع فإنا نقول: المراد بالذرية هنا ذرية نوح، وأُضيفت إلى هؤلاء باعتبار الجنس؛ يعني: حمَلنا الذريةَ من جنسهم في الفُلك المشحون، وذكرنا لهذا نظيرًا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، ما هو جعلْنا الإنسان اللي خُلِق من السلالة؛ لأن الإنسان الذي خُلِق من السلالة هو آدم، ولا يمكن يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ، وإنما الذي يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ ما كان من جنسه، هذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يأباه السياق. قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ هذا مبتدأ الدرس الآن، (﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: سفينة نوح) فـ(أل) هنا للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق لها ذكر، وليست للاستغراق؛ لأن المراد بها فُلْكٌ واحدٌ، فتكون (أل) هنا للعهد أيش؟ الذهني؛ يعني في الفُلك المعهود في أذهانكم، وهو الذي قال الله تعالى لنوح: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [المؤمنون ٢٧]، والفُلك كما مرَّ علينا يُطلق على الجمع ويُطلق على المفرد؛ فمِن إطلاقه على المفرد كهذه الآية، وعلى الجمع مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، ﴿جَرَيْنَ﴾ أي: الفُلك، وهذا الضمير ضمير جَمْع ولا يعود على المفرد، ولهذا قال بعض الفقهاء رحمهم الله: إن الأحدب الذي حدبته كالركوع ينوي الركوع، قال: وهذا كـ(فُلْك) في العربية لا يُدرى هل هو جمعٌ ولَّا مفرد إلا بالنية، فالأحدب المقوَّس الظَّهر، كيف يركع بالنيَّة؟ ينوي الركوع؛ لأنه ما زال راكعًا أحدب. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (أي: سفينة نوح ﴿الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء)، مملوء بمن؟ مملوء بأُناسٍ من البشر الذين آمنوا مع نوح، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، مملوء ببقية الحيوانات؛ لأن الله قال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠]. وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (أي: مِثْل فُلْك نوح، وهو ما عَمِلوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار)، يذكِّرهم الله عز وجل، أولًا: بحمل آبائهم السابقين اللي هم ذرية نوح، وثانيًا: بأن الله تعالى خَلَق لهم من مثل هذه الفُلك ما يركبون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]، فالناس تعلَّموا كيف يصنعون السفن وصاروا يصنعون مثل هذه السفينة، ولعل قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة أو هذا الفُلك لأجل أن يتعلم الناسُ؛ لأنه لم يقُل: حملناه على فُلك، بل قال: ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، كأنه يقول: إن هذا الفُلك مصنوعٌ من الألواح والمسامير حتى يتعلم الناسُ موادَّ هذا الفُلك. ثم قال عز وجل: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢] ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ المراد بالمثل هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجْه؛ وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذِّرة، لكن يكفي الجنس، أمَّا النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكُلِّ عصرٍ نوع سُفُنه، وما زالت تترقَّى السفن في البحار إلى أن وصلتْ إلى ما وصلتْ إليه في عهدنا الحاضر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بتعليم الله تعالى). إشارة إلى سؤالٍ مقدَّر؛ كأنه قال: كيف قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وهذه السفن مصنوعةٌ بأيدي البشر، وليستْ بخلق الله كخلق البعيرِ التي تُركب والفرسِ وشبهها؟ فأجاب المؤلف بأن الله تعالى أضاف خَلْقَها إليه لأنها كانت بتعليمه. * في هذه الآية من الفوائد: * أولًا: بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمان نوح؛ فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالتْ البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ومَن معه، ومع هذا فلمْ يَبْقَ من نَسْل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نَسْل نوح فقط كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، أمَّا غيرهم فلم يَبْقَ منهم أحد، ولهذا يسمَّى نوحٌ أبا البشر الثاني. * ثانيًا من فوائد هذه الآية: بيان نعمة الله عز وجل بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، ولولا هذه السفن ما استطاع أحدٌ أن يعبر من يابسةٍ إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح كانت مملوءةً من البشر وغيره؛ لقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المماثَلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، وليست هذه السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدلُّ على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجهٍ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]؛ فإنَّ المراد بالمماثلة هنا المماثلة في العدد فقط، وإلا فإن بين الأرض والسماء من الفروق العظيمة ما هو ظاهر. * وفي قوله: ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ إشارةٌ إلى الراحة الحاصلة بهذه السفن، وأنَّ محلَّ الركوب للاستقرار،* ففيها أيضًا: بيان نعمةٍ من الله سبحانه وتعالى باستقرار الراكبين على هذه السفن.

يس 36:43

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس ٤٣، ٤٤]. في الآية جملة شرطية، فِعْل الشرط فيها ﴿نَشَأْ﴾، وجوابه ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾، وفيها أيضًا استثناء مُفرغ من أعمِّ الأحوال، وهو قوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾، وهي مفعول من أجْله؛ أي: إلا لأجْل الرحمة التي من الله عز وجل. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني إذا ركبوا في السفن، والأمر كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٢ - ٣٤]، فحذَّر الله عز وجل من أمرينِ في هذه السفن: إمَّا إسكان الريح فتبقى راكدةً على ظهرها، وإمَّا إغراقها. وهنا يقول: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ وهم في سفنهم ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الصريخ بمعنى المغيث، وسُمِّي المغيثُ صريخًا لأن العادة أن الإنسان إذا هاجمه أحدٌ صرخ يستغيث، ومنه حديث غزوة بدر أنَّ أبا سفيان بعث صارخًا إلى أهل مكة يستغيثهم[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٢٧) من حديث عكرمة مولى ابن عباس.]]. قال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (ينجون) أي: لا أحد يُغيثهم ولا أحد يُنقذهم إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يُغرقهم. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: لا ينجيهم أحدٌ إلا رحمة الله عز وجل، والاستثناء هنا قيل: إنه منقطع؛ لأن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ بمعنى: لكنْ رحمةً منَّا ينجون ويُنقذون. وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي إنهم يُمَتَّعون إلى حين أجَلِهم؛ لأن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ قدرًا، (أي: لا يُنجيهم إلا رحمتُنا لهم وتمتيعُنا إيَّاهم بلذَّاتهم إلى انقضاء آجالهم). في الآية الكريمة فوائد: * منها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾. * ومنها: أن الله إذا أراد بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له؛ لقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾. * ومنها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بإنجائهم من الغرق، وأنَّ نجاتهم من الغرق ليست بكسبهم وعَمَلِهم، ولكنها من رحمة الله عز وجل. * ومنها: أن الله تعالى قد يُنقذ الإنسانَ من الهلاك إلى أن يأتي أجَلُه؛ لقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. * ومنها: أن الخلود في هذه الدنيا متعذِّر ومستحيل؛ لقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾، وما كان له غايةٌ فلا بدَّ أن ينقضي. * ومنها: أنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى نِعَم الله تعالى بالإنقاذ من الشدائد أو بحصول المحبوب، أن ينظر إلى النِّعَم على أنها فضلٌ من الله عز وجل ليست بكسبه، ولكنها من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾.

يس 36:44

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس ٤٣، ٤٤]. في الآية جملة شرطية، فِعْل الشرط فيها ﴿نَشَأْ﴾، وجوابه ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾، وفيها أيضًا استثناء مُفرغ من أعمِّ الأحوال، وهو قوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾، وهي مفعول من أجْله؛ أي: إلا لأجْل الرحمة التي من الله عز وجل. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني إذا ركبوا في السفن، والأمر كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٢ - ٣٤]، فحذَّر الله عز وجل من أمرينِ في هذه السفن: إمَّا إسكان الريح فتبقى راكدةً على ظهرها، وإمَّا إغراقها. وهنا يقول: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ وهم في سفنهم ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الصريخ بمعنى المغيث، وسُمِّي المغيثُ صريخًا لأن العادة أن الإنسان إذا هاجمه أحدٌ صرخ يستغيث، ومنه حديث غزوة بدر أنَّ أبا سفيان بعث صارخًا إلى أهل مكة يستغيثهم[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٢٧) من حديث عكرمة مولى ابن عباس.]]. قال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (ينجون) أي: لا أحد يُغيثهم ولا أحد يُنقذهم إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يُغرقهم. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: لا ينجيهم أحدٌ إلا رحمة الله عز وجل، والاستثناء هنا قيل: إنه منقطع؛ لأن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ بمعنى: لكنْ رحمةً منَّا ينجون ويُنقذون. وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي إنهم يُمَتَّعون إلى حين أجَلِهم؛ لأن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ قدرًا، (أي: لا يُنجيهم إلا رحمتُنا لهم وتمتيعُنا إيَّاهم بلذَّاتهم إلى انقضاء آجالهم). في الآية الكريمة فوائد: * منها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾. * ومنها: أن الله إذا أراد بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له؛ لقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾. * ومنها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بإنجائهم من الغرق، وأنَّ نجاتهم من الغرق ليست بكسبهم وعَمَلِهم، ولكنها من رحمة الله عز وجل. * ومنها: أن الله تعالى قد يُنقذ الإنسانَ من الهلاك إلى أن يأتي أجَلُه؛ لقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. * ومنها: أن الخلود في هذه الدنيا متعذِّر ومستحيل؛ لقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾، وما كان له غايةٌ فلا بدَّ أن ينقضي. * ومنها: أنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى نِعَم الله تعالى بالإنقاذ من الشدائد أو بحصول المحبوب، أن ينظر إلى النِّعَم على أنها فضلٌ من الله عز وجل ليست بكسبه، ولكنها من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾.

يس 36:45

ثم قال تعالى: (﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس ٤٥] من عذاب همِّ الدنيا) عندي، ما فيه (هَمِّ) عندكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: (﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا) لأن الهمَّ ما هو العذاب فقط (من عذاب الدنيا كغيرهم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الآخرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس ٤٥] أعرَضوا). قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ الجملة هذه شرطية، فِعْل الشرط فيها ﴿قِيلَ﴾، وجوابه محذوفٌ قدَّره المؤلف بقوله: (أعرَضوا)، وهذا التقدير لا شكَّ أنه التماسٌ من المؤلف، وإلا فقد يكون الأمر أوسع مما قال المؤلف، وحذفُ مِثْل هذا فيه من البلاغة أنَّ الذهن يقدِّر كلَّ ما يمكن أن يقدِّره مما يترتب على هذا القول، هذا من جهة، من جهةٍ أخرى أنَّ الناس إذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خَلْفكم، تختلف إجاباتُهم؛ منهم مَن يُعرِض ويسكت، ومنهم مَن يستكبر ويسبُّ، ومنهم مَن يقاتل ... إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخفى، فكان في حذف هذا من البلاغة ما هو ظاهرٌ ليذهب الذهنُ كلَّ مذهبٍ في تقدير هذا المحذوف. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ مَن القائل؟ القائل هنا مُبهَم؛ لأن الفعل مبني للمجهول ليشمل أيَّ واحدٍ يقول لهم هذا القول؛ سواءٌ كان من قول الله عز وجل في كتابه، أو كان من قول الرسول عليه الصلاة والسلام في سُنَّته، أو كان من قول الدُّعاة بعد ذلك، فهؤلاء الكفار ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾، (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا)، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد يعذِّب الكافر في الدنيا كما عذَّبَ الأُمَمَ السابقةَ وكما عذَّب هذه الأُمَّة أيضًا، لكن عذاب هذه الأُمَّة يكون بابتلاء بعضهم ببعض؛ ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤]، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٦] كانت هذه في غزوة بدر حين قُتِل صناديدُ قريش فسمَّاها الله تعالى بطشةً كبرى، أمَّا الأُمَم السابقة فعقوباتهم معروفة، فهنا ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا، العذاب المتنوِّع، سواءٌ كان بأيدي المؤمنين، أو كان من فِعْل الله عز وجل كالقحط والزلازل والغرق وغير ذلك، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمْر الآخرة، وعذابُ الآخرة أشقُّ وأشدُّ وأبقى. وهُنا قال: ﴿مَا خَلْفَكُمْ﴾ قد يقول قائل: لو كان الأمر بالعكس لكان أقربَ إلى الصواب؛ يقول: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الآخرة؛ لأنه مستقبل، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الدنيا؛ لأن الدنيا هي التي يُخَلِّفها الإنسانُ وراءه. ولكن يُجاب عن هذا بأنَّ الذي بين أيديهم حقيقةً هو الدنيا، وأمَّا ما خلفهم فإن الخلف والوراء قد يُطلق بمعنى الأمام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]، قال العلماء معناه: أمامهم، وكقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم ١٧] أي: أمامه. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (لعلَّ) هنا للتعليل؛ أي: لأجْل أن يرحمكم الله عز وجل، إذا قيل لهم هذا الشيء، فجمع لهم بين الترغيب والترهيب؛ الترغيب في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، والترهيب في قوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾، هؤلاء جمع لهم بين الترغيب والترهيب، ومع ذلك لا يستجيبون، بل يُعرِضون ويستكبرون ويسخرون ويقولون: هذا أساطير الأولين، وما أشبه ذلك مما هو معروفٌ عن هؤلاء إذا دُعُوا إلى الله. في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار قد أُقيمت عليهم الحجة وبَلَغتهم الدعوةُ ووُعِظوا، ولكن لم ينفعهم ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أعرضَ عن دين الله واستكبر كان عُرضةً للعذاب؛ إمَّا في الدنيا، أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإقبالَ إلى الله عز وجل واجتنابَ معصيته سببٌ للرحمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾؛ فإن (لعلَّ) هذه للتعليل، ولا أحد يُنكر أن للأسباب تأثيرًا إلا مَن صُرِف عن مقتضى الفطرة، والناسُ اختلفوا في الأسباب والعلل على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: إن الأسباب والعلل مؤثِّرة بذاتها، وإنه لا بد لكل سببٍ من تأثيره في مسبَّبه، ولا بد في كلِّ علَّة من تأثيرها في معلولها. ومنهم من قال بالعكس وقال: إنه لا تأثير للعلل والأسباب، وإنما هي علاماتٌ وأماراتٌ فقط، فإذا وُجِد المسبَّب أو المعلول لم يقولوا: إنَّ ذلك من أجْل السبب أو العِلَّة، ولكن يقولون: إنَّ ذلك حصل عنده لا به. ولا ريب أن هؤلاء خالفوا المنقول والمعقول، ولا أحد يوافقهم على ما ذهبوا إليه. والقول الثالث الوسط: يقولون: إن للأسباب والعلل تأثيرًا في معلولاتها ومسبَّباتها لكنْ بجعل الله ذلك فيها، فهي ليست مؤثِّرة بنفسها، بل بما أَوْدعه الله تعالى فيها من الأمر الموجِب للمسبَّب أو للمعلول، وهذا القول هو المتعين وهو الصواب؛ بدليل أن الله تعالى قد يسلب هذه العلَّة أو هذا السبب قد يسلبه التأثيرَ ولا يبقى له تأثير إطلاقًا، وما قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بغريبةٍ حيث أُلقِيَ في نارٍ تتأجَّج، فقال الله لهذه النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، مع أنها هي سببٌ للإحراق، ولكنَّها صارت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا يدلُّ على أن الأسباب والعلل إنما تؤثِّر بماذا؟ بإرادة الله عز وجل، وجعل هذه العلَّة أو السبب مؤثِّرًا. * ومن فوائد الآية هذه والتي قبلها أيضًا: إثبات الرحمة لله عز وجل، وهي من صفاته الذاتية الفعلية؛ الذاتية لأن الله لم يَزَل رحيمًا بعباده ولا يزال، الفعلية باعتبار تعلُّقها بالمرحوم، فإنها تتجدَّد باعتبار المرحوم لا باعتبار أنها صفةٌ من صفات الله، فهذا الذي رحمه الله من البَشَر حادثٌ بعد أن لم يكن فتعلَّقت به الرحمة، ولا يخفى عليكم ما ذهب إليه الأشاعرة من إنكارهم الرحمةَ على وجه الحقيقة وادِّعائهم أنه يُراد بها الإحسانُ أو إرادةُ الإحسان، ففسَّروها بالإرادة لأنهم يُثبتون لله الإرادة، أو بالإحسان لأنه مخلوقٌ منفصلٌ ليس من صفات الله، وهذا بلا شك قولٌ باطلٌ وضعيفٌ، وقد مرَّ علينا بيانُ تعليلهم لإنكاره والرد عليهم، قالوا: إن الرحمة تقتضي أيش؟ رِقَّةً ولينًا وضعفًا، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وقالوا أيضًا: إن الرحمة لا يدلُّ عليها العقل، ونحن لا نُثبت من الصفات إلا ما دلَّ عليه العقل، وقد بيَّنَّا أن هذا القول ليس بصواب: أولًا: أن الرحمة قد تقع من إنسانٍ قويٍّ وذي سلطان ويوصَف بالرحمة، حتى من البَشَر. وثانيًا: ادِّعاؤهم أن العقل لا يدلُّ عليها باطلٌ؛ فإن العقل يدلُّ عليها أكثر دلالةً وأوضح دلالةً من دلالة التخصيص على الإرادة، وقد مرَّ علينا هذا كثيرًا. قال الله تعالى (...) رأيٌ ثالثٌ نذكره، وهو أن المراد بما بين أيديهم: المعاصي التي في مستقبلهم ويُخشى أن يفعلوها، وما خلفهم: المعاصي الماضية، فيجعل المراد بما بين أيديهم وما خلفهم من الأعمال لا من عذاب الله، وسبق أنا قُلنا: إن الآية إذا كانت تحتمل المعاني المقولة فيها بدون تعارضٍ فإنها تُحمَل على الجميع.

يس 36:46

قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس ٤٦] أيضًا سبق لنا الكلام على الآية هذه؟ طيب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الضمير هنا يعود على المكذِّبين للرسل، يقول الله عز وجل: ﴿مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا زائدةٌ لفظًا لكنَّها تزيد في المعنى، فهي زائدةٌ في اللفظ وزائدةٌ للمعنى؛ أي: تعطيه معنًى جديدًا، ما هو المعنى الجديد؟ المعنى الجديد تأكيدُ النفي والتنصيصُ على عمومه؛ أي: أيُّ آيةٍ تأتيهم فإنهم لا يقبلونها، بل يُعرضون عنها ويستكبرون. والآيات التي تأتي من الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات كونيَّة، وآيات شرعيَّة. فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، والإعراضُ عنها يكون بالتكذيب والاستكبار؛ التكذيب بالأخبار، والاستكبار عن الأحكام. وأمَّا الآيات الكونية فالإعراضُ عنها ألَّا يهتمَّ الإنسانُ بها، وألَّا تُحرِّك منه ساكنًا، وألَّا يَوْجَل منها قلبُه، وأن يقول كالذين رأوا العذابَ ينزل من السماء ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، أو كالذين يقولون: إن الكسوف ليس أمرًا مخيفًا لأنَّه شيءٌ طبيعيٌّ ولا ينبغي أن يُخيف -نسأل الله العافية- أو كالذين يرون الزلازلَ والغرقَ والدمارَ من الرياح العاتية وغيرها ثم يقولون: هذا أمرٌ طبيعيٌّ لا يحرِّك له ساكنًا. ولا ريب أن هذا يدلُّ على قسوة القلوب وموتها، وإلا فإن الواجب على الإنسان أن يتَّعظ بهذه الآيات، فالإعراضُ عن الآيات الكونية معناه أيش؟ عَدَمُ المبالاةِ بها، وعَدَمُ الاكتراثِ بها، وألَّا تحرِّكَ من الإنسان ساكنًا ولا تهزَّ له عاطفة، هذا الإعراض عن الآيات الكونية، فيقول الله عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ يعني: إلا قابلوها بالإعراض، ولا يتأمَّلونها، ولا يفكرون فيها، فإذا جاءت الآيات الشرعية بخبر كذَّبوها على طول وقالوا: هذا كَذِبٌ، هذا سِحْرٌ، هذا شِعْرٌ، وإذا جاءت الأحكام الشرعية استكبروا عنها ولم يُذعِنوا لها ولم ينقادوا لها بدون أن يتأمَّلوا فيها وما فيها من المصالح، وكذلك في الآيات الكونية لا يكترثون بها ولا يهتمُّون؛ ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. * ففي هذه الآية: دليلٌ على أن الله عز وجل يَذْكر أو يبيِّن لعباده من الآيات ما يؤمن على مِثْله البَشَر؛ وجْه ذلك أنَّه لولا هذا لم يكن في الآيات فائدة. * ومن فوائدها: أن بني آدم قد يَعْتون عن الآيات فيُعرِضون عنها بدون نظر، والواجب على الإنسان أن ينظر أولًا ثم يحكم ثانيًا، ولهذا يقال: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، فأنت انظر أولًا في الآيات، شوف هل هي آيات مُقْنعة موجِبة للصلاح؟ فلتكنْ صالحًا بها، هل هي لا تنفع؟ فحينئذٍ تُعذَر بالإعراض عنها. * ومن فوائد هذه الآية: بيان قسوة قلوب هؤلاء؛ فإنهم لم يَقْبلوا آيةً من الآيات، دليله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامَّة؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، فأثبت الله تعالى أنَّه ربُّ هؤلاء، وهو سبحانه وتعالى ربُّ كلِّ شيء؛ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١]، كلُّ شيءٍ فالله ربُّه، حتى الكفار، لكن نقول: أحيانًا تكون الربوبيَّة خاصَّةً؛ أي إنه يُراد بها ربوبيةٌ خاصةٌ فيها مزيدُ عنايةٍ واعتناءٍ مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فإن هذه الربوبية غير الربوبية العامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح حال هؤلاء والتحذير من فِعْلهم؛ لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، مع أنها جاءت مِمَّن؟ من ربِّهم الذي هو مالكُهم وخالقُهم وأمْرُهم إليه، ومع ذلك يُعرِضون.

يس 36:47

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس ٤٧] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ قال المؤلف: (أي: قال فقراء الصحابة ﴿أَنْفِقُوا﴾ علينا ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الأموال). هكذا سار المؤلف في تفسير الآية فجَعَل القائلَ هم الفقراء، وعلى هذا فتكون الآية في سؤال الفقراء من الأغنياء أن يُنفقوا؛ يعني: إذا جاء الفقراء يسألون الأغنياء أن يُنفقوا تَهَكَّموا بهم وقالوا: كيف نطعمكم والله تعالى لم يشأْ أن نطعمكم؟! ولو شاء أن نطعمكم لأعطيناكم بدون سؤال. هذا توجيه الآية على ما مشى عليه المؤلف. ولكن الذي ينبغي أنْ نجعل الآية عامَّة؛ لأنه أُبهِمَ فيها الفاعل، وإبهام الفاعل في بعض الأحيان يُراد به التعميم؛ فـ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: إذا قال لهم أحدٌ من الناس، سواءٌ كانوا الفقراء يسألونهم الإنفاقَ أو كانوا الأغنياء يحثُّونهم على الإنفاق؛ لأن الأغنياء من الصحابة -مَثَلًا- يُنفقون، فيحثُّون الأغنياءَ من الكفار على أن يُنفقوا أيضًا، فالصواب أن نُبقي الآية على إبهامها ليكون أعمَّ. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الإنفاق بمعنى البَذْل والإعطاء، وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ أي: مما أعطاكم الله، وفي قولهم: ﴿أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ دون قولهم: أنفِقُوا من أموالكم، فيه تنبيهٌ على أن هذا الذي بين أيديكم ليس من كَسْبكم في الواقع ولكنَّه من رِزْق الله، فكان عليكم أن تنفقوا من هذا الذي رَزَقكم الله لأنَّ الله يأمركم به، فالذي أَمَركم بالإنفاق هو الذي أعطاكم هذا المالَ، فكيف تنكرون فضْلَه وتستكبرون عن أَمْره فلا تنفقون؟! فهذا هو الفائدة في قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. الجواب: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام هذه الأصحُّ أنها على بابها وأنَّ المراد بها الصِّلة؛ يعني: قالوا قولًا يَصِل للذين آمنوا. مَن الذين آمنوا؟ هم الذين قالوا لهم: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾. قالوا؛ قال المؤلف: (استهزاءً بهم). يحتمل ما ذكر المؤلفُ أنَّه استهزاء، ويحتمل أنَّه من باب الاحتجاج بالقَدَر عنادًا وتحجُّجًا. يقول: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، ﴿مَنْ﴾ هنا بمعنى الذي، ويجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ أي: أنطعم أحدًا لو يشاء الله أطعمه مِن دوننا، أو: أنطعم الذي لو يشاء الله أطعمه. و﴿لَوْ﴾ هنا حرف امتناع لامتناع، وشرطُها قوله: ﴿يَشَاءُ﴾، وجوابها ﴿أَطْعَمَهُ﴾، وقد أتتْ على خلاف الأكثر حيث حُذِفت اللام من الجواب، والأصل: مَن لو يشاء الله لَأَطْعَمه، فإن جواب (لو) إذا كان مثبَتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وقد تُحذف اللام، وقد اجتمع الأمْران في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة ٦٣ - ٦٥] ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨ - ٧٠]، فأتت اللام في جواب ﴿لَوْ﴾ في الآية السابقة وحُذفت من الآية الثانية، هذه الآية التي معنا من باب المحذوف اللام ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾. قال المؤلف: إنهم يقولون ذلك استهزاءً وتهكُّمًا؛ يعني: أنطعم قومًا لو شاء الله لَأطعمهم، فإطعامهم إلينا ولَّا إلى الله؟ إلى الله. ويحتمل أنه من باب أيش؟ الاحتجاج بالقَدَر فرارًا من اللَّوم؛ يعني: أنطعم قومًا لو يشاء الله أطعمهم فأطعمناهم، ولكن الله تعالى لم يشأْ أن نطعمهم فلا نطعمهم. هذان وجهان. الوجه الثالث: يحتمل أنهم قالوا هذا اعتراضًا على القَدَر كما يقوله الاشتراكيُّون والشيوعيُّون: ليش إن الله يجعل هذا فقيرًا ولا يعطيه؟! كأنهم في جوابهم هذا يعترضون على الله، يقولون: الذي يطعمهم مَن؟ الله، ما هو إحنا المسؤولون عنهم، المسؤول عنهم الله، وكان على الله أن يطعمهم لكنْ لم يشأْ ذلك، فيكون هذا فيه نوع من الاعتراض على القدر، فهذه ثلاثة أوجُه: الاستهزاء، والثاني: الاحتجاج بالقَدَر، والثالث: الاعتراض على القدر. ثم قالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ أي: (ما أنتم في قولكم لنا ذلك مع معتقَدكم هذا ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بيِّن). يعني هؤلاء الكفار الذين أُمِروا أن ينفقوا على الفقراء يقولون للذي أمرهم: أنت تعتقد أن الله لو شاء لأطعمهم؟ فيقول: نعم، أعتقد ذلك. يقولون: إذَن كيف تأمرنا أن نطعمهم والأمر بمشيئة الله؟! ما أنت إلا في ضلال مبين. وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾، ﴿إِنْ﴾ هنا نافية ولَّا شرطية؟ * الطلبة: نافية. * الشيخ: بمعنى (ما)؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: ما الدليل على أنها نافية؟ لوجود (إلا) بعدها، وإذا جاءت (إلا) بعد (إنْ) فهي دليل على أنَّ (إنْ) نافية، ومرَّ علينا قبل أيامٍ قليلةٍ أنَّ (إنْ) تَرِد في اللغة العربية على أربعة أوجه: الأول؟ * طالب: تأتي زائدة. * الشيخ: طيب، ومثاله؟ * الطالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ............................. * الشيخ: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ طيب، تأتي أيضًا؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: شرطية، مثاله؟ * الطالب: إنْ قام زيدٌ قمتُ. * الشيخ: ولا تأتينا بشاهدٍ من القرآن أو من السُّنة أو من كلام العرب؟ * الطالب: من القرآن؟ * الشيخ: نعم، ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء ١٣٥] هذه (إنْ) الشرطية. طيب، ثالثًا؟ * طالب: نافية. * الشيخ: وتأتي نافية، مثاله؟ * الطالب: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس ٤٧]. * الشيخ: طيب. * الطالب: مخفَّفة من الثقيلة. * الشيخ: مخفَّفة من الثقيلة، مثاله؟ * الطالب: ....................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ * الشيخ: قول الشاعر: ....................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ طيب، وقول المؤلف: ﴿مُبِينٍ﴾ قال: أيْ (بيِّن). فهي من (أبانَ) القاصر أو من (أبانَ) المتعدي؟ (أبانَ) تأتي متعدية ولازمة؛ فيقال: (أبانَ الشيءَ) بمعنى أظهره، ويقال: (أبانَ الصبحُ) بمعنى ظَهَرَ. إذَنْ (مُبِين) من الرباعي، من: أبانَ يُبِينُ فهو مُبِين، يحتمل أن تكون بمعنى (بَيِّن) على أنها من القاصر ولَّا من المتعدي؟ * طالب: القاصر. * الشيخ: من القاصر، ويحتمل في غير هذا السياق أن تكون بمعنى (أبانَ) مثل: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ١]، ليس المعنى: وقرآنٍ بَيِّن، بل: وقرآنٍ مبينٍ للحقِّ. قال المؤلف: (وللتصريح بكفرهم موقعٌ عظيمٌ). وين؟ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقُل: قالوا. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فله موقعٌ عظيم. ما هذا الموقع العظيم؟ هذا الموقع العظيم: * أولًا: التصريح بكفر هؤلاء، لو قال: قالوا. لقُلنا: لعلهم قالوا ذلك ليس بسبب الكفر ولكنْ بسبب البخل. هذه فائدة أن هذا الإظهار في موضع الإضمار في هذه الآية للتصريح بكفرهم. * الفائدة الثانية: أن مثل هذه المقالة لا تصدر إلا من كافر، فيكون الكفر عامًّا لكل مَن قال هذه المقالة. وقد مرَّ علينا فيما سبق أن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التصريح بالحكم على هؤلاء الذين يرجع إليهم الضمير. والثاني: أن مَن قال.. ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس ٤٧]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ قال المؤلف: (أي: قال فقراء الصحابة ﴿أَنْفِقُوا﴾ علينا ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الأموال). هكذا سار المؤلف في تفسير الآية فجَعَل القائلَ هم الفقراء، وعلى هذا فتكون الآية في سؤال الفقراء من الأغنياء أن يُنفقوا؛ يعني: إذا جاء الفقراء يسألون الأغنياء أن يُنفقوا تَهَكَّموا بهم وقالوا: كيف نطعمكم والله تعالى لم يشأْ أن نطعمكم؟! ولو شاء أن نطعمكم لأعطيناكم بدون سؤال. هذا توجيه الآية على ما مشى عليه المؤلف. ولكن الذي ينبغي أنْ نجعل الآية عامَّة؛ لأنه أُبهِمَ فيها الفاعل، وإبهام الفاعل في بعض الأحيان يُراد به التعميم؛ فـ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: إذا قال لهم أحدٌ من الناس، سواءٌ كانوا الفقراء يسألونهم الإنفاقَ أو كانوا الأغنياء يحثُّونهم على الإنفاق؛ لأن الأغنياء من الصحابة -مَثَلًا- يُنفقون، فيحثُّون الأغنياءَ من الكفار على أن يُنفقوا أيضًا، فالصواب أن نُبقي الآية على إبهامها ليكون أعمَّ. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الإنفاق بمعنى البَذْل والإعطاء، وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ أي: مما أعطاكم الله، وفي قولهم: ﴿أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ دون قولهم: أنفِقُوا من أموالكم، فيه تنبيهٌ على أن هذا الذي بين أيديكم ليس من كَسْبكم في الواقع ولكنَّه من رِزْق الله، فكان عليكم أن تنفقوا من هذا الذي رَزَقكم الله لأنَّ الله يأمركم به، فالذي أَمَركم بالإنفاق هو الذي أعطاكم هذا المالَ، فكيف تنكرون فضْلَه وتستكبرون عن أَمْره فلا تنفقون؟! فهذا هو الفائدة في قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. الجواب: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام هذه الأصحُّ أنها على بابها وأنَّ المراد بها الصِّلة؛ يعني: قالوا قولًا يَصِل للذين آمنوا. مَن الذين آمنوا؟ هم الذين قالوا لهم: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾. قالوا؛ قال المؤلف: (استهزاءً بهم). يحتمل ما ذكر المؤلفُ أنَّه استهزاء، ويحتمل أنَّه من باب الاحتجاج بالقَدَر عنادًا وتحجُّجًا. يقول: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، ﴿مَنْ﴾ هنا بمعنى الذي، ويجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ أي: أنطعم أحدًا لو يشاء الله أطعمه مِن دوننا، أو: أنطعم الذي لو يشاء الله أطعمه. و﴿لَوْ﴾ هنا حرف امتناع لامتناع، وشرطُها قوله: ﴿يَشَاءُ﴾، وجوابها ﴿أَطْعَمَهُ﴾، وقد أتتْ على خلاف الأكثر حيث حُذِفت اللام من الجواب، والأصل: مَن لو يشاء الله لَأَطْعَمه، فإن جواب (لو) إذا كان مثبَتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وقد تُحذف اللام، وقد اجتمع الأمْران في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة ٦٣ - ٦٥] ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨ - ٧٠]، فأتت اللام في جواب ﴿لَوْ﴾ في الآية السابقة وحُذفت من الآية الثانية، هذه الآية التي معنا من باب المحذوف اللام ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾. قال المؤلف: إنهم يقولون ذلك استهزاءً وتهكُّمًا؛ يعني: أنطعم قومًا لو شاء الله لَأطعمهم، فإطعامهم إلينا ولَّا إلى الله؟ إلى الله. ويحتمل أنه من باب أيش؟ الاحتجاج بالقَدَر فرارًا من اللَّوم؛ يعني: أنطعم قومًا لو يشاء الله أطعمهم فأطعمناهم، ولكن الله تعالى لم يشأْ أن نطعمهم فلا نطعمهم. هذان وجهان. الوجه الثالث: يحتمل أنهم قالوا هذا اعتراضًا على القَدَر كما يقوله الاشتراكيُّون والشيوعيُّون: ليش إن الله يجعل هذا فقيرًا ولا يعطيه؟! كأنهم في جوابهم هذا يعترضون على الله، يقولون: الذي يطعمهم مَن؟ الله، ما هو إحنا المسؤولون عنهم، المسؤول عنهم الله، وكان على الله أن يطعمهم لكنْ لم يشأْ ذلك، فيكون هذا فيه نوع من الاعتراض على القدر، فهذه ثلاثة أوجُه: الاستهزاء، والثاني: الاحتجاج بالقَدَر، والثالث: الاعتراض على القدر. ثم قالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ أي: (ما أنتم في قولكم لنا ذلك مع معتقَدكم هذا ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بيِّن). يعني هؤلاء الكفار الذين أُمِروا أن ينفقوا على الفقراء يقولون للذي أمرهم: أنت تعتقد أن الله لو شاء لأطعمهم؟ فيقول: نعم، أعتقد ذلك. يقولون: إذَن كيف تأمرنا أن نطعمهم والأمر بمشيئة الله؟! ما أنت إلا في ضلال مبين. وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾، ﴿إِنْ﴾ هنا نافية ولَّا شرطية؟ * الطلبة: نافية. * الشيخ: بمعنى (ما)؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: ما الدليل على أنها نافية؟ لوجود (إلا) بعدها، وإذا جاءت (إلا) بعد (إنْ) فهي دليل على أنَّ (إنْ) نافية، ومرَّ علينا قبل أيامٍ قليلةٍ أنَّ (إنْ) تَرِد في اللغة العربية على أربعة أوجه: الأول (...). وقول المؤلف: ﴿مُبِينٍ﴾ قال: أيْ (بيِّن). فهي من (أبانَ) القاصر أو من (أبانَ) المتعدي؟ (أبانَ) تأتي متعدية ولازمة؛ فيقال: (أبانَ الشيءَ) بمعنى أظهره، ويقال: (أبانَ الصبحُ) بمعنى ظَهَرَ. إذَنْ (مُبِين) من الرباعي، من: أبانَ يُبِينُ فهو مُبِين، يحتمل أن تكون بمعنى (بَيِّن) على أنها من القاصر ولَّا من المتعدي؟ * طالب: القاصر. * الشيخ: من القاصر، ويحتمل في غير هذا السياق أن تكون بمعنى (أبانَ) مثل: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ١]، ليس المعنى: وقرآنٍ بَيِّن، بل: وقرآنٍ مبينٍ للحقِّ. قال المؤلف: (وللتصريح بكفرهم موقعٌ عظيمٌ). وين؟ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقُل: قالوا. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فله موقعٌ عظيم. ما هذا الموقع العظيم؟ هذا الموقع العظيم: * أولًا: التصريح بكفر هؤلاء، لو قال: قالوا. لقُلنا: لعلهم قالوا ذلك ليس بسبب الكفر ولكنْ بسبب البخل. هذه فائدة أن هذا الإظهار في موضع الإضمار في هذه الآية للتصريح بكفرهم. * الفائدة الثانية: أن مثل هذه المقالة لا تصدر إلا من كافر، فيكون الكفر عامًّا لكل مَن قال هذه المقالة. وقد مرَّ علينا فيما سبق أن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التصريح بالحكم على هؤلاء الذين يرجع إليهم الضمير. والثاني: أن مَن قال بمثل هذا فهو كافرٌ أو ظالِمٌ حسب السياق. والثالث: العِلَّة، وأنَّ هذا القول سببُه كذا وكذا، حسب ما يوصف. (...) إن اللام بمعنى (عن)؛ يعني: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا؛ يعني: قالوا في حقِّ الذين أُمِروا بالإنفاق عليهم وهم المؤمنون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: معناه أنها للصِّلة؛ يعني أنَّ هذا القول واصلٌ للذين قالوا؛ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ هذا القول، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين قِيل لهم، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ للقائلين؛ فتكون اللام للصِّلة؛ أي إنها تَصِل هذا القولَ بالقائل الذي أورد على هؤلاء قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. * طالب: الاعتقاد (...) ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ (...)؟ * الشيخ: لأنه يقول: إذا كنتم تعتقدون أن الأمور بيد الله فكيف تأمروننا أن نُنفق على هؤلاء؟! ولو شاء الله لَأطعمهم من دوننا، فأنتم بأمركم إيَّانا مع اعتقادكم أنَّ الأمر بيد الله يُعتبر هذا ضلالًا منكم. (...) سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين كفروا يُوعظون ويُنَبَّهون، ولكنَّهم يستكبرون؛ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، فالحجة قائمة عليهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أنفق بأمر الله فلا مِنَّة له على الله؛ لأن الله تعالى هو الذي أعطاه؛ لقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمتكلم الواعظ أن يبيِّن الأسباب التي تحثُّه على فِعل ما وعظ به؛ لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أنهم كُفَّار؛ لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * ومن فوائدها: أن البخل من صفات الكافرين؛ لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وإذا كان من صفات الكافرين فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتَّصف به، كلُّ ما كان من صفات الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم فإن اللائق بالمسلم ألَّا يفعله؛ لأنه إذا فعله صار متشبِّهًا بالكافرين في هذه الخصلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول كلمة الحق يريد بها الباطل؛ ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، فنحن نؤمن بأنه لو شاء الله لَأطعم هؤلاء، لكن حِكمته عز وجل اقتضتْ أن يجعل هؤلاء فقراء وهؤلاء أغنياء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشركين يُقِرُّون بمشيئة الله وأنها نافذةٌ في كل شيء؛ لقولهم: ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، والمشركون أو الكافرون لا ينكرون الربوبية؛ أي: لا ينكرون ربوبية الله عز وجل، بل هم يُقِرُّون بها، حتى الذين تظاهروا بإنكارها إنما ينكرونها بألسنتهم؛ لقوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، ولقول موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]، لكن ينكرون الربوبية استكبارًا ومكابَرةً، وإلا فإن قرارة نفوسهم تشهد بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأساليب الدِّعائية التي يستعملها المشركون من قديم الزمان؛ حيث قالوا لهؤلاء المؤمنين أو لهؤلاء القائلين: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قالوا لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وهذا الوصف المشين للمؤمنين من الكافرين هذا لم يَزَل ولا يزال موجودًا إلى يومنا هذا؛ فهُم يصِفون أهل الخير بالأوصاف العديدة المنفِّرة منهم أو التي يقصدون بها استعداء الحكَّام على هؤلاء المؤمنين؛ يقولون: هؤلاء رجعيُّون، هؤلاء متخلِّفون، هؤلاء متشدِّدون، هؤلاء متزمِّتون. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وما أشبهَ ذلك من الكلمات التي يسبُّون بها أولياءَ الله عز وجل، ونحن لا ننكر أنه يوجد في أهل الخير وأهل الدين مَن يغلو ويبالغ في عمله أو في وصْفه لغيره من التكفير والتفسيق، حتى يُكَفِّر مَن لم يُكَفِّره الله ويُفَسِّق مَن لم يُفَسِّقه الله، نحن لا ننكر أن هذا موجود، ولكن يبدو لي -والله أعلم- أن وجود مثل هؤلاء المتشدِّدين إنما جاء نتيجةً لتطرُّف الآخَرين في المعاصي والفسوق، فيريدون أن يُحْدِثوا ردَّ فعلٍ بالنسبة لهؤلاء، ولو استقامَ الناسُ كلُّهم على الدين ما حَصَل هذا التطرُّف، لكن إذا رأوا جانبًا متطرِّفًا في الفسوق والعصيان وأنَّه مستمرٌّ على ذلك ومُقَرٌّ على ذلك من بعض وُلاة الأمور حَصَل ردُّ فعلٍ مقابل لهؤلاء، فتشدَّد هؤلاء في مقابل تراخي هؤلاء، ولكن التوسُّط هو الخير، ومع هذا فإن المتوسِّطين المعتدلين لا يَسْلمون من ألْسِنة المتطرفين الضالين ولا من ألْسِنة المتطرفين الغالين؛ فالغالون مثلًا يقولون لهؤلاء المتوسطين: أنتم مفرِّطون، أنتم مُداهنون، أنتم تُقِرُّون أهلَ الشر. وأولئك يقولون -أهل الشر-: هؤلاء متشدِّدون، هؤلاء يريدون من الناس أن يكونوا على شاكلتهم وإلا فهُم كافرون. وما أشبهَ ذلك، المهم أن ألْقاب السوء التي يلقِّب بها أعداءُ الله لأولياء الله لم تَزَل موجودة ولا تزال موجودة إلى يومنا هذا، حتى أهلُ البِدَع يلقِّبون أهلَ السُّنة بألقاب السوء؛ يقولون: هؤلاء مشبِّهة إذا أثبتوا الصفات على الحقيقة، وهؤلاء حشويَّة، وهؤلاء نوابت، وما أشبهَ ذلك من الكلمات التي تستوجب النُّفورَ منهم والحطَّ والنَّيْلَ من قَدْرهم، ولكن هل هذا يضرُّ أهلَ الخير؟ لا، هو لا يضرُّهم لكن يؤذيهم، والأذيَّة غير الضرر؛ قد يتأذَّى الإنسانُ بالشيء ولكن لا يتضرَّر به، فها هو الإنسان يتأذَّى من رائحة البصل والكراث والشيء المستقذَر ومع ذلك لا يتضرَّر به، وقد أثبتَ الله لنفسه أنه يؤذَى من المنافقين وغيرهم ونفى عن نفسه التضرُّر؛ فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، وقال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢)، من حديث أبي هريرة.]]، وقال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. المهمُّ أنَّ مِثْل هذه الألقاب لا شك أنها تؤذي المؤمنين ويتأذَّون منها وتضيق بها صدورُهم، لكنها لا تضرُّهم، بل هي نافعةٌ لهم؛ لأنهم إذا صبروا عليها أُجِروا على الصبر، وإذا تأذَّوا بدون صبرٍ صارت كفارةً لهم؛ لأنه لا يُصيب المؤمنَ من همٍّ ولا أذًى ولا غمٍّ إلا كفَّر الله به عنه حتى الشوكةُ يُشاكها[[ أخرج البخاري واللفظ له (٥٦٤١)، ومسلم (٢٥٧٣ / ٥٢)، من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «ما يُصِيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حزنٍ، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه».]]، لا سيِّما وأنه يؤذَى هنا في ذات الله عز وجل، فيكون هذا مَنْقبةً له، ويكون هذا الإنسان الذي أُوذِيَ في الله قد ناله ما نال أولياءَ الله عز وجل من الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه يُبتلى الصالحون الأمْثَل فالأمْثَل[[أخرجه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فإذا كان فيه قوَّة في دِينه فإنه يؤذَى أكثر ليكون أَبْلغ في الامتحان، وإذا كان دِينه أقلَّ فإن الله قد يرحمه فلا يحصل له من الأذيَّة ما يحصل للآخَر، وقد يبتليه الله عز وجل؛ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١]، نسأل الله السلامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة من أعداء الله بما يَصِفون به أولياءَ الله؛ لقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، كأنهم حصروا حالهم من كلِّ وجْهٍ في أيش؟ في الضلال المبين، كأنه لا هداية فيهم إطلاقًا؛ ما أنتم إلا في ضلال، وهذا غاية ما يكون من العدوان من هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله، وهي كثيرةٌ في القرآن، ولكن كل ما ذكر الله تعالى من المشيئة فهي مقرونة أو مقيَّدة بأيش؟ بالحِكمة؛ إذْ ليست مشيئة الله مجرَّد مشيئة، بل هي مقرونةٌ بالحكمة. طيب، القاعدة اللي ذكرنا يا أخ؟ * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت.

يس 36:48

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس ٤٨] يقول مَن؟ يقول الكفارُ المكذِّبون بوعد الله عز وجل، ومنه القيامة. و﴿مَتَى﴾ هنا استفهامُ استبعادٍ وتَحَدٍّ؛ يعني: يقولون مستبعدين هذا الأمرَ مُتَحَدِّين مَن يقوله، يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. و﴿مَتَى﴾ هذه خبر مقدَّم، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ وذلك لأن ﴿مَتَى﴾ واقعة موقع النكرة، و﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ معرفة، والمعروف أن المعرفة هو المبتدأ، والخبر يكون نكرةً وقد يكون معرفةً، لكن إذا وُجد نكرة ومعرفة وأمكن أن تكون المعرفة هي المبتدأ فهي المبتدأ، لماذا؟ لأن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معرفة، والمعرفة كما تعلمون تعيِّن المدلول وتخصِّصه، فلا بدَّ أن يكون المحكوم عليه معلومًا، ولهذا قال العلماء في هذه القاعدة: إذا وُجد كلمتان إحداهما معرفة والأخرى نَكِرة وأمكنَ أن تكون المعرفة هي المبتدأ فلتكنْ هي المبتدأ، وتعليل ذلك أن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معلومًا متعيِّنًا. يقول: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال: (﴿الْوَعْدُ﴾ بالبعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ). يقولون هذا أيش؟ استبعادًا وتحدِّيًا، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ إن كنتم صادقين بأننا نُبعث فمتى يكون؟! ولا شك أن هذا شُبهةٌ داحضةٌ؛ لأن الذين قالوا بالبعث لم يُعَيِّنوه بيومٍ معيَّن حتى يقول: يالَّا، أعطونا البعث. وانظر إلى حُجَّتهم في آيةٍ أخرى تكون أَبْين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنهم يُبعثون، قالوا: إنكم تُبعثون في الدنيا، حتى يقولوا: ائتوا بآبائنا؟ أبدًا، ما قالوا هكذا، إنما قالوا: ستُبعثون يوم القيامة، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ يعني: ابعثوهم لنا، هذا تَحَدٍّ في غير محلِّه؛ لأنهم ما قيل لهم: إنكم ستُبعثون في الدنيا، بل في يوم القيامة. هم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أيش الجواب؟ ذكر الله هذا في القرآن: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية ٢٦]، فالوعد لم يَحِنْ وقتُه بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد. قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس ٤٩] هذا الجواب، أيضًا في هذه الآية أجاب، قال: (﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩] وهي نفخة إسرافيل). (نَظَر) تُستعمل متعدِّيةً في نفسها، وإذا كانت متعدِّيةً بنفسها فهي بمعنى الانتظار؛ مثل: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩]، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣]، ولها أمثلةٌ. وإنْ تعدَّتْ بـ(في) صار المراد بها نَظَر الفِكْر؛ تقول: نَظَرَ في كذا؛ أي: فكَّر فيه وتأمَّلَه. وإذا تعدَّتْ بـ(إلى) فهي النظر بالعين؛ تقول: نظرتُ إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]. ما ينتظر هؤلاء (﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة إسرافيل الأُولى). ﴿صَيْحَةً﴾ يعني: يُصاح بهم، وذلك في النفخة الأُولى في الصُّور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوتٌ عظيمٌ مزعجٌ، يفزع الخلائق؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]، كل الخلائق تفزع إلا مَن شاء الله عز وجل، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى الصَّعْق، إلى الموت، وحينئذٍ تكون نفخة واحدة فيها فزعٌ وفيها صَعْقٌ. قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ تأخذهم كما يأخذ العدوُّ عدوَّه بحيث لا تُمهلهم ولا تُنظِرهم. (﴿وَهُمْ يَخَصِّمُونَ﴾ بالتشديد، أصلُه (يختصمون)، نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء وأُدغِمت في الصاد؛ أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك). أصل ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ أصله (يختصمون) يقول المؤلف: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والخاء في الأصل ساكنة، فصارت ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ، نعم، وهذا إحدى القراءات. بالفتح ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ؛ لأنه قال: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والتاء مفتوحة، ولم يذكر شيئًا آخَر. والقراءة التي في المصحف: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، وكأنها كُسرت الخاءُ مراعاةً لكسر الصاد؛ ﴿يَخِصِّمُونَ﴾. فيها القراءة الثالثة: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يَضْرِبون)، فتكون القراءات الآن ثلاثًا. * طالب: (...). * الشيخ: ذكر ﴿يَخْصِمُونَ﴾ . * طلبة: (...). * الشيخ: إي، لكن الله يهديكم هذه ﴿يَخْصِمُونَ﴾ ، عندنا ثلاث قراءات الآن، هو ذكر قراءتين فقط. * طالب: (...). * الشيخ: سبحان الله العظيم! ليتكم ما تستعجلون بس، فيه قراءتان فقط عندي، ومعكم الجمل، أيش يقول؟ * طالب: قوله: ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ بفتح الياء، مضارع (خَصَّم) -كعَلَّمَ- وأصله (اخْتَصمَ) فنُقلت حركة التاء إلى الخاء، ثم قُلبت –أي التاءُ- صادًا وأُدغمت في الصاد، وحُذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء، فوقع الإعلال في الماضي كما وقع في مضارعه الذي أشار له بقوله: (أصلُه يختصمون). وقوله: (نُقلت حركة التاء) أي: بتمامها أو بعضها، فُتحت، هذا قراءتان: فَتْح الخاء فتحةً تامَّةً، واختلاسُها؛ أي: النطقُ ببعض فَتْحتها. وقوله: (وأُدغمت) أي: بعد قَلْبها صادًا. وقوله: (وفي قراءة ...) إلى آخره، تلخَّص من كلامه أن القراءات هنا ثلاث، وبقي رابعةٌ وهي فَتْح الياء وكَسْر الخاء وكَسْر الصاد المشدَّدة، وعلى هذه القراءة فحركةُ الخاء ليست حركةَ نَقْل، وإنما هو لَمَّا حُذفت حركةُ التاء صارت ساكنة، فالتقت ساكنةً مع الخاء، فحُرِّكت -أي الخاء- بالكسر على أصل التخلُّص من التقاء الساكنين، فتلخَّص أن القراءات أربعة، وكلُّها سبعية، وكلُّها مع فتح الياء، وليس لنا قراءة سبعية بضمها. * الشيخ: زين إذَنْ -بعد- زاد على ثالثة، وأنتم تحاولون أن تكون قراءتان فقط، نعم، ولهذا أنا أنصحكم بعدم التسرع، الكتاب معي الآن، وأنا أرى كما ترون، اللي معنا الآن القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط؛ يقول -وانتبهوا لها عشان تعرفون (...) المؤلف- قال: (بالتشديد، أصله (يختصمون) نُقلت حركة التاء إلى الخاء) وحركة التاء هي الفتحة (وأُدغمت في الصاد) ما هي اللي أُدغمت؟ التاء، فصارت على هذه القراءة ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ، القراءة اللي في المصحف ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بكسر الخاء، هذه قراءتان، القراءة الثالثة: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يضربون)، القراءة الرابعة التي أشار إليها المحشِّي هو أن نجعل الخاء لا مفتوحةً خالصةً ولا مكسورةً خالصةً، نختلس الفتحة، هذه قراءة رابعة ما أشار إليها المفسر. القراءة الثالثة أيضًا ما أشار إليها، وهي القراءة الموجودة في المصحف: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، والقراءة الموجودة في المصحف وجَّهها المحشِّي بأن الحركة أُزيلت من التاء فصارت ساكنة، فلمَّا صارت ساكنة حُرِّكت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصح. فالمهم اللي عندنا المؤلف يقول رحمه الله، يقول: (أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك)، فالصيحة إذَن أخذتهم على غِرَّة وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودُنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدلُّ على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلْق. ولم يذكر الله عز وجل سوى التخاصم، كأنَّ أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر؛ لأنهم ما عندهم إيمان، هم شِرار الخلق في معاملة الله، وشِرار الخلق في التعامل فيما بينهم. (وفي قراءةٍ: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يَضرِبون) أي: يخصم بعضهم بعضًا)، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق؛ لأنهم في هَرْج ومَرْج، وليس عندهم إيمانٌ ولا مروءةٌ ولا خُلُق، هم شِرار الخلْق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام. (...) تعنُّت هؤلاء ومكابرتهم؛ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس ٤٨]. * فيُستفاد من ذلك: أن بني آدم يَصِلون إلى حدِّ التحدي لرب العالمين ولمن بلَّغ رسالته في قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * ومن فوائدها: أن الرُّسُل بلَّغوا البلاغ المبين، وبيَّنوا للناس أنهم سيُبعثون ويجازَون وأنهم وُعدوا بذلك؛ لقولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول تَحَدِّيًا واستبعادًا لم يُصَدِّقوا الرسل، بل كذَّبوهم، ولَيْتَهم نظروا في الأمر وفكَّروا؛ لقوله هنا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس ٤٩]: إثبات عِلْم الله عز وجل وسَمْعه؛ لأن قوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذِّبين بهذه الصيحة التي تأخذهم. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل حيث يُؤخذ هؤلاء كلُّهم بصيحةٍ واحدةٍ؛ لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، وهنا أكَّد الصيحة بـ﴿وَاحِدَةً﴾ ليبيِّن أنه لا يعيدها مرَّة ثانية، بل بأول مرَّة يؤخذون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة تأتيهم بغتةً؛ لقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾، غافلين عنها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان حال هؤلاء الذين تقوم عليهم القيامة وتأخذهم الصيحة، وهي الخصوم والتنازع، مما يدلُّ على سوء أحوالهم، وسوء أخلاقهم، وأنهم لا همَّ لهم إلا هذا الأمر؛ إلا المخاصمة والمنازعة شُحًّا وطمعًا في الدنيا وغفلةً عن الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنَّ الساعة لا تقوم إلا على شِرار الخلْق[[أخرجه مسلم (١٩٢٤ / ١٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، وهؤلاء من المعلوم أنهم يأكلون ويشربون، لكن لم يذكر الله إلا هذا التخاصم لبيان سوء حالهم في ذلك الزمن.

يس 36:49

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس ٤٨] يقول مَن؟ يقول الكفارُ المكذِّبون بوعد الله عز وجل، ومنه القيامة. و﴿مَتَى﴾ هنا استفهامُ استبعادٍ وتَحَدٍّ؛ يعني: يقولون مستبعدين هذا الأمرَ مُتَحَدِّين مَن يقوله، يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. و﴿مَتَى﴾ هذه خبر مقدَّم، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ وذلك لأن ﴿مَتَى﴾ واقعة موقع النكرة، و﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ معرفة، والمعروف أن المعرفة هو المبتدأ، والخبر يكون نكرةً وقد يكون معرفةً، لكن إذا وُجد نكرة ومعرفة وأمكن أن تكون المعرفة هي المبتدأ فهي المبتدأ، لماذا؟ لأن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معرفة، والمعرفة كما تعلمون تعيِّن المدلول وتخصِّصه، فلا بدَّ أن يكون المحكوم عليه معلومًا، ولهذا قال العلماء في هذه القاعدة: إذا وُجد كلمتان إحداهما معرفة والأخرى نَكِرة وأمكنَ أن تكون المعرفة هي المبتدأ فلتكنْ هي المبتدأ، وتعليل ذلك أن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معلومًا متعيِّنًا. يقول: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال: (﴿الْوَعْدُ﴾ بالبعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ). يقولون هذا أيش؟ استبعادًا وتحدِّيًا، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ إن كنتم صادقين بأننا نُبعث فمتى يكون؟! ولا شك أن هذا شُبهةٌ داحضةٌ؛ لأن الذين قالوا بالبعث لم يُعَيِّنوه بيومٍ معيَّن حتى يقول: يالَّا، أعطونا البعث. وانظر إلى حُجَّتهم في آيةٍ أخرى تكون أَبْين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنهم يُبعثون، قالوا: إنكم تُبعثون في الدنيا، حتى يقولوا: ائتوا بآبائنا؟ أبدًا، ما قالوا هكذا، إنما قالوا: ستُبعثون يوم القيامة، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ يعني: ابعثوهم لنا، هذا تَحَدٍّ في غير محلِّه؛ لأنهم ما قيل لهم: إنكم ستُبعثون في الدنيا، بل في يوم القيامة. هم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أيش الجواب؟ ذكر الله هذا في القرآن: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية ٢٦]، فالوعد لم يَحِنْ وقتُه بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد. قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس ٤٩] هذا الجواب، أيضًا في هذه الآية أجاب، قال: (﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩] وهي نفخة إسرافيل). (نَظَر) تُستعمل متعدِّيةً في نفسها، وإذا كانت متعدِّيةً بنفسها فهي بمعنى الانتظار؛ مثل: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩]، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣]، ولها أمثلةٌ. وإنْ تعدَّتْ بـ(في) صار المراد بها نَظَر الفِكْر؛ تقول: نَظَرَ في كذا؛ أي: فكَّر فيه وتأمَّلَه. وإذا تعدَّتْ بـ(إلى) فهي النظر بالعين؛ تقول: نظرتُ إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]. ما ينتظر هؤلاء (﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة إسرافيل الأُولى). ﴿صَيْحَةً﴾ يعني: يُصاح بهم، وذلك في النفخة الأُولى في الصُّور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوتٌ عظيمٌ مزعجٌ، يفزع الخلائق؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]، كل الخلائق تفزع إلا مَن شاء الله عز وجل، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى الصَّعْق، إلى الموت، وحينئذٍ تكون نفخة واحدة فيها فزعٌ وفيها صَعْقٌ. قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ تأخذهم كما يأخذ العدوُّ عدوَّه بحيث لا تُمهلهم ولا تُنظِرهم. (﴿وَهُمْ يَخَصِّمُونَ﴾ بالتشديد، أصلُه (يختصمون)، نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء وأُدغِمت في الصاد؛ أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك). أصل ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ أصله (يختصمون) يقول المؤلف: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والخاء في الأصل ساكنة، فصارت ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ، نعم، وهذا إحدى القراءات. بالفتح ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ؛ لأنه قال: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والتاء مفتوحة، ولم يذكر شيئًا آخَر. والقراءة التي في المصحف: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، وكأنها كُسرت الخاءُ مراعاةً لكسر الصاد؛ ﴿يَخِصِّمُونَ﴾. فيها القراءة الثالثة: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يَضْرِبون)، فتكون القراءات الآن ثلاثًا. * طالب: (...). * الشيخ: ذكر ﴿يَخْصِمُونَ﴾ . * طلبة: (...). * الشيخ: إي، لكن الله يهديكم هذه ﴿يَخْصِمُونَ﴾ ، عندنا ثلاث قراءات الآن، هو ذكر قراءتين فقط. * طالب: (...). * الشيخ: سبحان الله العظيم! ليتكم ما تستعجلون بس، فيه قراءتان فقط عندي، ومعكم الجمل، أيش يقول؟ * طالب: قوله: ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ بفتح الياء، مضارع (خَصَّم) -كعَلَّمَ- وأصله (اخْتَصمَ) فنُقلت حركة التاء إلى الخاء، ثم قُلبت –أي التاءُ- صادًا وأُدغمت في الصاد، وحُذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء، فوقع الإعلال في الماضي كما وقع في مضارعه الذي أشار له بقوله: (أصلُه يختصمون). وقوله: (نُقلت حركة التاء) أي: بتمامها أو بعضها، فُتحت، هذا قراءتان: فَتْح الخاء فتحةً تامَّةً، واختلاسُها؛ أي: النطقُ ببعض فَتْحتها. وقوله: (وأُدغمت) أي: بعد قَلْبها صادًا. وقوله: (وفي قراءة ...) إلى آخره، تلخَّص من كلامه أن القراءات هنا ثلاث، وبقي رابعةٌ وهي فَتْح الياء وكَسْر الخاء وكَسْر الصاد المشدَّدة، وعلى هذه القراءة فحركةُ الخاء ليست حركةَ نَقْل، وإنما هو لَمَّا حُذفت حركةُ التاء صارت ساكنة، فالتقت ساكنةً مع الخاء، فحُرِّكت -أي الخاء- بالكسر على أصل التخلُّص من التقاء الساكنين، فتلخَّص أن القراءات أربعة، وكلُّها سبعية، وكلُّها مع فتح الياء، وليس لنا قراءة سبعية بضمها. * الشيخ: زين إذَنْ -بعد- زاد على ثالثة، وأنتم تحاولون أن تكون قراءتان فقط، نعم، ولهذا أنا أنصحكم بعدم التسرع، الكتاب معي الآن، وأنا أرى كما ترون، اللي معنا الآن القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط؛ يقول -وانتبهوا لها عشان تعرفون (...) المؤلف- قال: (بالتشديد، أصله (يختصمون) نُقلت حركة التاء إلى الخاء) وحركة التاء هي الفتحة (وأُدغمت في الصاد) ما هي اللي أُدغمت؟ التاء، فصارت على هذه القراءة ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ، القراءة اللي في المصحف ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بكسر الخاء، هذه قراءتان، القراءة الثالثة: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يضربون)، القراءة الرابعة التي أشار إليها المحشِّي هو أن نجعل الخاء لا مفتوحةً خالصةً ولا مكسورةً خالصةً، نختلس الفتحة، هذه قراءة رابعة ما أشار إليها المفسر. القراءة الثالثة أيضًا ما أشار إليها، وهي القراءة الموجودة في المصحف: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، والقراءة الموجودة في المصحف وجَّهها المحشِّي بأن الحركة أُزيلت من التاء فصارت ساكنة، فلمَّا صارت ساكنة حُرِّكت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصح. فالمهم اللي عندنا المؤلف يقول رحمه الله، يقول: (أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك)، فالصيحة إذَن أخذتهم على غِرَّة وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودُنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدلُّ على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلْق. ولم يذكر الله عز وجل سوى التخاصم، كأنَّ أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر؛ لأنهم ما عندهم إيمان، هم شِرار الخلق في معاملة الله، وشِرار الخلق في التعامل فيما بينهم. (وفي قراءةٍ: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يَضرِبون) أي: يخصم بعضهم بعضًا)، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق؛ لأنهم في هَرْج ومَرْج، وليس عندهم إيمانٌ ولا مروءةٌ ولا خُلُق، هم شِرار الخلْق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام. (...) تعنُّت هؤلاء ومكابرتهم؛ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس ٤٨]. * فيُستفاد من ذلك: أن بني آدم يَصِلون إلى حدِّ التحدي لرب العالمين ولمن بلَّغ رسالته في قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * ومن فوائدها: أن الرُّسُل بلَّغوا البلاغ المبين، وبيَّنوا للناس أنهم سيُبعثون ويجازَون وأنهم وُعدوا بذلك؛ لقولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول تَحَدِّيًا واستبعادًا لم يُصَدِّقوا الرسل، بل كذَّبوهم، ولَيْتَهم نظروا في الأمر وفكَّروا؛ لقوله هنا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس ٤٩]: إثبات عِلْم الله عز وجل وسَمْعه؛ لأن قوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذِّبين بهذه الصيحة التي تأخذهم. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل حيث يُؤخذ هؤلاء كلُّهم بصيحةٍ واحدةٍ؛ لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، وهنا أكَّد الصيحة بـ﴿وَاحِدَةً﴾ ليبيِّن أنه لا يعيدها مرَّة ثانية، بل بأول مرَّة يؤخذون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة تأتيهم بغتةً؛ لقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾، غافلين عنها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان حال هؤلاء الذين تقوم عليهم القيامة وتأخذهم الصيحة، وهي الخصوم والتنازع، مما يدلُّ على سوء أحوالهم، وسوء أخلاقهم، وأنهم لا همَّ لهم إلا هذا الأمر؛ إلا المخاصمة والمنازعة شُحًّا وطمعًا في الدنيا وغفلةً عن الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنَّ الساعة لا تقوم إلا على شِرار الخلْق[[أخرجه مسلم (١٩٢٤ / ١٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، وهؤلاء من المعلوم أنهم يأكلون ويشربون، لكن لم يذكر الله إلا هذا التخاصم لبيان سوء حالهم في ذلك الزمن.

يس 36:50

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس ٥٠]؛ يعني إذا أخذتهم لم يتجاوزوا مكانهم، بل ولا يستطيعون الكلامَ لشدَّة ما هم فيه من الفزع. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يُوصوا إلى أهليهم وإلى صغارهم وإلى سُفَهائهم؛ لأن الأمر عظيمٌ لا يتكلمون فيه. ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم لا يتجاوزون مكانَهم، فلا هم الذين وصلوا إلى أهليهم وشاهدوهم، ولا هم الذين استطاعوا أن يُوصوا فيهم أحدًا، وهذا يدلُّ على أن الأمر الذي يأخذهم أمرٌ عظيمٌ، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧]. قال: (﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ من أسواقهم وأشغالهم، بل يموتون فيها). (﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس ٥١] هو قرنُ النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة). ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخ في الصور يذكره الله عز وجل دائمًا بالبناء لمجهول ﴿نُفِخَ﴾؛ لأن الإبهام أبلغ في التهويل والتعظيم مِمَّا إذا ذُكر الفاعل، ولهذا تجدون قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أَبْلغ مِمَّا لو بُيِّن هذا الذي غَشِيهم، فالإبهام أحيانًا يفيد التهويل والتعظيم. هنا أبهمَ النافخَ، وفي كل الآيات مُبْهَم، النافخ مُبْهَم؛ لبيان عِظَم هذا الأمر، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي وُكِّل بنفخ الصور هو إسرافيل أحد حملة العرش[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]. قال المؤلف: (النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ) إلى آخره. ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للبعث، وقد ذكر الله تعالى النفخ في الصُّور في هذه الآية وفي سورة الزمر، وفي سورة النمل، وكذلك في سورة الأنعام وغيرها. المهم أنَّ العلماء اختلفوا في النفخات هل هنَّ ثلاث أو هما اثنتان؛ منهم مَن قال: إنهما اثنتان، ومنهم مَن قال: إنها ثلاث. والظاهر أنهما اثنتان فقط، لكن الأولى منهما فيها فزع وصَعْق، والثانية فيها بَعْث، وهذا ظاهر ما ذهب إليه المؤلف حيث قال: (النفخة الثانية للبعث)، فتكون نفختان، لكن الأولى منهما يحصل فيها فزعٌ عظيمٌ ثم موت. وقال بعض العلماء: إنها ثلاث: النفخة الأولى فزع، والنفخة الثانية صَعْق وموت، والنفخة الثالثة بعث. في سورة الزمر قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، فذكر اثنتين. في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧]، ثم ذكر يوم القيامة وطوى ذكر الثانية، فيكون هذا الفزع قبل الموت، ثم الموت، ثم البعث. قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصُّور: قرنٌ عظيمٌ واسعٌ، ورد في الحديث أنَّ سعته كما بين السماء والأرض[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٦٠٩) من حديث أبي هريرة.]]، يُنفخ فيه للبعث، فتخرج الأرواح منه، وتأوي كلُّ روحٍ إلى جسدها الذي تعمره في الدنيا لا تُخطئه، على كثرة الأرواح الخارجة من هذا الصور لا تخطئ روحٌ جسدَها الذي كانت تعمره في الدنيا، حتى لو قُدِّر أن عشرات الناس دُفنوا في مكانٍ واحدٍ فإن روح كلِّ واحدٍ لا تأوي إلا إلى جسدها، تقدير العزيز العليم جل وعلا. قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: المقبورون ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون بسرعة). قوله ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء عاطفة و(إذا) حرف دالٌّ على المفاجأة، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَنْسِلُونَ﴾ خبره، و﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَنْسِلُونَ﴾. يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ يعني بمجرد ما يحصل النفخ لا يحصل وقتٌ بينهما؛ أي: بين النفخ في الصور والخروج من القبور. ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ من القبور، يخرجون إلى الله تعالى مسرعين. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ الضمير في ﴿هُمْ﴾ قال المؤلف: (أي: المقبورون)، من أين عَلِمْنا أنَّ المراد المقبورون؟ لقوله: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾؛ لأن الأجداث هي القبور. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ هذا بناء على الأغلب الكثير؛ لأن من الناس من لا يكون في جدثٍ، بل يُلقى في اليمِّ أو يُلقى في الأرض على ظاهرها، أو تأكله السِّباع، أو يحترق وتَذْروه الرياح، لكن الغالب والأكثر أنهم في القبور. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه تقديم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني لا ينسلون إلى دنيا أو إلى قريبٍ أو إلى صديقٍ، وإنما ينسلون إلى الله عز وجل. والنَّسَلان معناه السير بسرعة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: يخرجون بسرعة. * من فوائد الآية الكريمة التي قبل هذه وهذه أيضًا: أن النفخ في الصور إذا وقع (...).

يس 36:51

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس ٥٠]؛ يعني إذا أخذتهم لم يتجاوزوا مكانهم، بل ولا يستطيعون الكلامَ لشدَّة ما هم فيه من الفزع. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يُوصوا إلى أهليهم وإلى صغارهم وإلى سُفَهائهم؛ لأن الأمر عظيمٌ لا يتكلمون فيه. ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم لا يتجاوزون مكانَهم، فلا هم الذين وصلوا إلى أهليهم وشاهدوهم، ولا هم الذين استطاعوا أن يُوصوا فيهم أحدًا، وهذا يدلُّ على أن الأمر الذي يأخذهم أمرٌ عظيمٌ، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧]. قال: (﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ من أسواقهم وأشغالهم، بل يموتون فيها). (﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس ٥١] هو قرنُ النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة). ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخ في الصور يذكره الله عز وجل دائمًا بالبناء لمجهول ﴿نُفِخَ﴾؛ لأن الإبهام أبلغ في التهويل والتعظيم مِمَّا إذا ذُكر الفاعل، ولهذا تجدون قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أَبْلغ مِمَّا لو بُيِّن هذا الذي غَشِيهم، فالإبهام أحيانًا يفيد التهويل والتعظيم. هنا أبهمَ النافخَ، وفي كل الآيات مُبْهَم، النافخ مُبْهَم؛ لبيان عِظَم هذا الأمر، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي وُكِّل بنفخ الصور هو إسرافيل أحد حملة العرش[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]. قال المؤلف: (النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ) إلى آخره. ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للبعث، وقد ذكر الله تعالى النفخ في الصُّور في هذه الآية وفي سورة الزمر، وفي سورة النمل، وكذلك في سورة الأنعام وغيرها. المهم أنَّ العلماء اختلفوا في النفخات هل هنَّ ثلاث أو هما اثنتان؛ منهم مَن قال: إنهما اثنتان، ومنهم مَن قال: إنها ثلاث. والظاهر أنهما اثنتان فقط، لكن الأولى منهما فيها فزع وصَعْق، والثانية فيها بَعْث، وهذا ظاهر ما ذهب إليه المؤلف حيث قال: (النفخة الثانية للبعث)، فتكون نفختان، لكن الأولى منهما يحصل فيها فزعٌ عظيمٌ ثم موت. وقال بعض العلماء: إنها ثلاث: النفخة الأولى فزع، والنفخة الثانية صَعْق وموت، والنفخة الثالثة بعث. في سورة الزمر قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، فذكر اثنتين. في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧]، ثم ذكر يوم القيامة وطوى ذكر الثانية، فيكون هذا الفزع قبل الموت، ثم الموت، ثم البعث. قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصُّور: قرنٌ عظيمٌ واسعٌ، ورد في الحديث أنَّ سعته كما بين السماء والأرض[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٦٠٩) من حديث أبي هريرة.]]، يُنفخ فيه للبعث، فتخرج الأرواح منه، وتأوي كلُّ روحٍ إلى جسدها الذي تعمره في الدنيا لا تُخطئه، على كثرة الأرواح الخارجة من هذا الصور لا تخطئ روحٌ جسدَها الذي كانت تعمره في الدنيا، حتى لو قُدِّر أن عشرات الناس دُفنوا في مكانٍ واحدٍ فإن روح كلِّ واحدٍ لا تأوي إلا إلى جسدها، تقدير العزيز العليم جل وعلا. قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: المقبورون ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون بسرعة). قوله ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء عاطفة و(إذا) حرف دالٌّ على المفاجأة، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَنْسِلُونَ﴾ خبره، و﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَنْسِلُونَ﴾. يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ يعني بمجرد ما يحصل النفخ لا يحصل وقتٌ بينهما؛ أي: بين النفخ في الصور والخروج من القبور. ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ من القبور، يخرجون إلى الله تعالى مسرعين. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ الضمير في ﴿هُمْ﴾ قال المؤلف: (أي: المقبورون)، من أين عَلِمْنا أنَّ المراد المقبورون؟ لقوله: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾؛ لأن الأجداث هي القبور. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ هذا بناء على الأغلب الكثير؛ لأن من الناس من لا يكون في جدثٍ، بل يُلقى في اليمِّ أو يُلقى في الأرض على ظاهرها، أو تأكله السِّباع، أو يحترق وتَذْروه الرياح، لكن الغالب والأكثر أنهم في القبور. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه تقديم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني لا ينسلون إلى دنيا أو إلى قريبٍ أو إلى صديقٍ، وإنما ينسلون إلى الله عز وجل. والنَّسَلان معناه السير بسرعة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: يخرجون بسرعة. * من فوائد الآية الكريمة التي قبل هذه وهذه أيضًا: أن النفخ في الصور إذا وقع (...).

يس 36:52

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ∗∗∗ ........................ هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء. وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده. وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠) بسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَق يوم خَلَق السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها والبهائمُ بعضُها على بعض، وأخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملَها بهذه الرحمة مئةَ رحمة»، وأخرجه مسلم (٢٧٥٣) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بنحوه.]]، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة. قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. قال: (﴿وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم. * الفوائد: يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ودليل ذلك قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة. فإن قلتَ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، فكيف الجمع؟ الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم. * * * * طالب: (...) قراءتين (...) ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، قراءة الفتح واضحة. * الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها. * طالب: قرأتَها يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ). * الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ. * طالب: ليست قراءة؟ * الشيخ: لا، ما هي بقراءة. * طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟ * الشيخ: الراجح أنهما اثنتان. * طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول ﷺ أنه أول مَن يرى موسى[[أخرج البخاري (٧٤٧٢) ومسلم واللفظ له (٢٣٧٣ / ١٦٠) بسندهما من حديث أبي هريرة قال: استبَّ رجلانِ؛ رجلٌ من اليهود ورجلٌ من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى عليه السلام على العالمين. قال: فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجْه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تُخَيِّروني على موسى؛ فإنَّ الناسَ يصعقون فأكونُ أول مَن يُفيق، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمَنْ صعق فأفاق قبلي أم كان مِمَّن استثنى اللَّهُ».]]؟ * الشيخ: هذه نفخة الصعق. * طالب: الصعق. * الشيخ: أي نعم. * طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟ * الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة. * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا. وقوله: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات. يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، و﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون. قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون). فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟ فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف. فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه. وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ متى؟ في الدنيا، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ هذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على ﴿مَا﴾؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟ يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة: عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب. قول؛ يعني عمل اللسان. فعل؛ عمل الجوارح. هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر. والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة. فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟ الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني ﴿تَعْمَلُونَ﴾ - تشمل أربعة أشياء هي: * طالب: (...). * الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس ٥٥]، ثم قال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]. لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة. قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له. ﴿الْجَنَّةِ﴾ مرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام. فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة. لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟ * طلبة: الذِّكْري * طلبة آخرون: الحضوري. * الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ الجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) ﴿شُغْلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟ * الطلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. (...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟ الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي ﷺ، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا. قال المؤلف: (﴿فِي شُغُلٍ﴾ بسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]. قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم. قال: (﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ ). ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾ أين الأول؟ * الطلبة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾. * الشيخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون ﴿إِنَّ﴾ هنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟ الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة. لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل. الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ. قال: (﴿هُمْ﴾ مبتدأ)، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ معطوفة عليه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦] خبر المبتدأ. ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر. (﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل. (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد. قال: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها. (﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ متعلق ﴿عَلَى﴾ ) يعني ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ -على كلام المؤلف- متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف. ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبرًا مقدَّمًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات. ثم قال عز وجل (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس ٥٧] ما يتمنَّون). * طالب: متعلق (على) (...). * الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ تعلقت به ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ) * طالب: (...). * الشيخ: تفسير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ إلى آخره. ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط. فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل. فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر. فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟ * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به. * طالب: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤]. * الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ. * طالب: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر ٤]. * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة. قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ قال المفسِّر: (فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنَّون). كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل.. فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة. على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك. قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ قال المؤلف: (مُبْتَدَأ ﴿قَوْلًا﴾ أَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك: نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم. * طالب: (...). * الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم. * طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟ * الشيخ: بلى. * طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...). * الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] وأجبنا عنه. * طالب: النخل والرمان (...). * الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق. * طالب: (...). * الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]]. * فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد: * منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء. * وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] من كلامهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]. ثم قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]. * في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده. * ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم. ثم قال عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]. * من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها. فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: أن الجزاء عن العمل (...). * الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ إلى آخر الآيات [يس: ٥٥]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. * ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ كمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. * ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به. * ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب. ثم قال عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سبق لنا أن المؤلف أعرب ﴿سَلَامٌ﴾ على أنها مبتدأ وأن خبره ﴿قَوْلًا﴾ على أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» » في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢ / ١) من حديث زيد بن خالد.]] أي: صاحبها. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر و﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا. أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى ﴿رَحِيمٍ﴾ أي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: ﴿امْتَازُوا﴾، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: ﴿امْتَازُوا الْيَوْمَ﴾؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع. يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد بـ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري. ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ مَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين. ثم قال: (﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ آمُركُمْ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ عَلَى لِسَان رُسُلِي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لَا تُطِيعُوهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ ). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا للتقرير، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ للتقرير، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير. هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم). فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان. والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو. وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿بَنِي آدَمَ﴾ هذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث. وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع. وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان. وقوله: (﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة) ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان. قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر ﴿مُبِينٌ﴾ بـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]. إذن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَعْهَدْ﴾ متضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. على كل حال ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة. والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا. وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه. وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أو والأرض؟ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه. على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦١، ٦٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟ * طالب: الواو. * الشيخ: أيش؟ وين الواو؟ * طالب: اللام و(قد). * الشيخ: نعم، اللام و(قد). * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: والقسم المقدر. * الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟ * طالب: القسم واللام و(قد). * الشيخ: القسم. أين القسم؟ * طالب: والله لقد أضل منكم. * الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟ نقول في الجواب على ذلك وجوه: الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه. ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين. الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، عنده طريق. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (...) لا نافية (...). * الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية. * طالب: (...). * الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. * طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...). * الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام. * طالب: قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...). * الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن. * طالب: (...) أزواجهم؟ * الشيخ: الحور العين. * طالب: الشابات. * الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان. * طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة. * الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما. * طالب: إذا طلقت؟ * الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا[[أخرجه البزار في مسنده (٦٦٣١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (...) النفخ في الصور (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر. * طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...). * الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ربما يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فإذا امتازوا قال الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ أنه خاص بالكفار، لكن قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم. * طالب: شيخ، أنا أقصد.. * الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، عندكم هكذا ﴿جِبِلًّا﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي ﴿جِبِلًّا﴾ وصلنا إلى هذا؟ قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيها من الفوائد.. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة. * ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص. * طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...). * الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة. طيب، هذه الآية: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين. * وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾، وإثبات الربوبية في قوله: ﴿رَبٍّ﴾، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وقوله ﷺ في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥)، والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى. * وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل. ثم قال عز وجل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. * في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد. إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده. * ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟ * طلبة: معنيين. * الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.

يس 36:53

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ∗∗∗ ........................ هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء. وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده. وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠) بسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَق يوم خَلَق السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها والبهائمُ بعضُها على بعض، وأخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملَها بهذه الرحمة مئةَ رحمة»، وأخرجه مسلم (٢٧٥٣) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بنحوه.]]، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة. قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. قال: (﴿وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم. * الفوائد: يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ودليل ذلك قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة. فإن قلتَ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، فكيف الجمع؟ الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم. * * * * طالب: (...) قراءتين (...) ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، قراءة الفتح واضحة. * الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها. * طالب: قرأتَها يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ). * الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ. * طالب: ليست قراءة؟ * الشيخ: لا، ما هي بقراءة. * طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟ * الشيخ: الراجح أنهما اثنتان. * طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول ﷺ أنه أول مَن يرى موسى[[أخرج البخاري (٧٤٧٢) ومسلم واللفظ له (٢٣٧٣ / ١٦٠) بسندهما من حديث أبي هريرة قال: استبَّ رجلانِ؛ رجلٌ من اليهود ورجلٌ من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى عليه السلام على العالمين. قال: فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجْه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تُخَيِّروني على موسى؛ فإنَّ الناسَ يصعقون فأكونُ أول مَن يُفيق، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمَنْ صعق فأفاق قبلي أم كان مِمَّن استثنى اللَّهُ».]]؟ * الشيخ: هذه نفخة الصعق. * طالب: الصعق. * الشيخ: أي نعم. * طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟ * الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة. * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا. وقوله: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات. يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، و﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون. قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون). فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟ فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف. فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه. وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ متى؟ في الدنيا، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ هذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على ﴿مَا﴾؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟ يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة: عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب. قول؛ يعني عمل اللسان. فعل؛ عمل الجوارح. هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر. والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة. فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟ الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني ﴿تَعْمَلُونَ﴾ - تشمل أربعة أشياء هي: * طالب: (...). * الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس ٥٥]، ثم قال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]. لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة. قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له. ﴿الْجَنَّةِ﴾ مرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام. فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة. لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟ * طلبة: الذِّكْري * طلبة آخرون: الحضوري. * الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ الجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) ﴿شُغْلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟ * الطلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. (...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟ الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي ﷺ، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا. قال المؤلف: (﴿فِي شُغُلٍ﴾ بسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]. قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم. قال: (﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ ). ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾ أين الأول؟ * الطلبة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾. * الشيخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون ﴿إِنَّ﴾ هنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟ الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة. لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل. الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ. قال: (﴿هُمْ﴾ مبتدأ)، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ معطوفة عليه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦] خبر المبتدأ. ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر. (﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل. (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد. قال: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها. (﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ متعلق ﴿عَلَى﴾ ) يعني ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ -على كلام المؤلف- متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف. ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبرًا مقدَّمًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات. ثم قال عز وجل (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس ٥٧] ما يتمنَّون). * طالب: متعلق (على) (...). * الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ تعلقت به ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ) * طالب: (...). * الشيخ: تفسير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ إلى آخره. ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط. فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل. فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر. فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟ * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به. * طالب: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤]. * الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ. * طالب: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر ٤]. * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة. قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ قال المفسِّر: (فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنَّون). كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل.. فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة. على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك. قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ قال المؤلف: (مُبْتَدَأ ﴿قَوْلًا﴾ أَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك: نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم. * طالب: (...). * الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم. * طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟ * الشيخ: بلى. * طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...). * الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] وأجبنا عنه. * طالب: النخل والرمان (...). * الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق. * طالب: (...). * الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]]. * فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد: * منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء. * وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] من كلامهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]. ثم قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]. * في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده. * ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم. ثم قال عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]. * من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها. فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: أن الجزاء عن العمل (...). * الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ إلى آخر الآيات [يس: ٥٥]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. * ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ كمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. * ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به. * ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب. ثم قال عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سبق لنا أن المؤلف أعرب ﴿سَلَامٌ﴾ على أنها مبتدأ وأن خبره ﴿قَوْلًا﴾ على أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» » في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢ / ١) من حديث زيد بن خالد.]] أي: صاحبها. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر و﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا. أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى ﴿رَحِيمٍ﴾ أي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: ﴿امْتَازُوا﴾، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: ﴿امْتَازُوا الْيَوْمَ﴾؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع. يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد بـ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري. ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ مَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين. ثم قال: (﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ آمُركُمْ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ عَلَى لِسَان رُسُلِي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لَا تُطِيعُوهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ ). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا للتقرير، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ للتقرير، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير. هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم). فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان. والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو. وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿بَنِي آدَمَ﴾ هذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث. وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع. وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان. وقوله: (﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة) ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان. قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر ﴿مُبِينٌ﴾ بـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]. إذن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَعْهَدْ﴾ متضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. على كل حال ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة. والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا. وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه. وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أو والأرض؟ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه. على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦١، ٦٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟ * طالب: الواو. * الشيخ: أيش؟ وين الواو؟ * طالب: اللام و(قد). * الشيخ: نعم، اللام و(قد). * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: والقسم المقدر. * الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟ * طالب: القسم واللام و(قد). * الشيخ: القسم. أين القسم؟ * طالب: والله لقد أضل منكم. * الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟ نقول في الجواب على ذلك وجوه: الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه. ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين. الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، عنده طريق. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (...) لا نافية (...). * الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية. * طالب: (...). * الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. * طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...). * الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام. * طالب: قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...). * الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن. * طالب: (...) أزواجهم؟ * الشيخ: الحور العين. * طالب: الشابات. * الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان. * طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة. * الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما. * طالب: إذا طلقت؟ * الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا[[أخرجه البزار في مسنده (٦٦٣١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (...) النفخ في الصور (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر. * طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...). * الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ربما يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فإذا امتازوا قال الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ أنه خاص بالكفار، لكن قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم. * طالب: شيخ، أنا أقصد.. * الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، عندكم هكذا ﴿جِبِلًّا﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي ﴿جِبِلًّا﴾ وصلنا إلى هذا؟ قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيها من الفوائد.. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة. * ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص. * طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...). * الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة. طيب، هذه الآية: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين. * وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾، وإثبات الربوبية في قوله: ﴿رَبٍّ﴾، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وقوله ﷺ في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥)، والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى. * وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل. ثم قال عز وجل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. * في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد. إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده. * ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟ * طلبة: معنيين. * الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.

يس 36:54

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ∗∗∗ ........................ هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء. وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده. وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠) بسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَق يوم خَلَق السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها والبهائمُ بعضُها على بعض، وأخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملَها بهذه الرحمة مئةَ رحمة»، وأخرجه مسلم (٢٧٥٣) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بنحوه.]]، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة. قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. قال: (﴿وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم. * الفوائد: يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ودليل ذلك قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة. فإن قلتَ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، فكيف الجمع؟ الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم. * * * * طالب: (...) قراءتين (...) ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، قراءة الفتح واضحة. * الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها. * طالب: قرأتَها يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ). * الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ. * طالب: ليست قراءة؟ * الشيخ: لا، ما هي بقراءة. * طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟ * الشيخ: الراجح أنهما اثنتان. * طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول ﷺ أنه أول مَن يرى موسى[[أخرج البخاري (٧٤٧٢) ومسلم واللفظ له (٢٣٧٣ / ١٦٠) بسندهما من حديث أبي هريرة قال: استبَّ رجلانِ؛ رجلٌ من اليهود ورجلٌ من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى عليه السلام على العالمين. قال: فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجْه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تُخَيِّروني على موسى؛ فإنَّ الناسَ يصعقون فأكونُ أول مَن يُفيق، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمَنْ صعق فأفاق قبلي أم كان مِمَّن استثنى اللَّهُ».]]؟ * الشيخ: هذه نفخة الصعق. * طالب: الصعق. * الشيخ: أي نعم. * طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟ * الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة. * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا. وقوله: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات. يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، و﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون. قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون). فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟ فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف. فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه. وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ متى؟ في الدنيا، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ هذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على ﴿مَا﴾؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟ يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة: عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب. قول؛ يعني عمل اللسان. فعل؛ عمل الجوارح. هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر. والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة. فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟ الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني ﴿تَعْمَلُونَ﴾ - تشمل أربعة أشياء هي: * طالب: (...). * الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس ٥٥]، ثم قال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]. لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة. قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له. ﴿الْجَنَّةِ﴾ مرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام. فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة. لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟ * طلبة: الذِّكْري * طلبة آخرون: الحضوري. * الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ الجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) ﴿شُغْلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟ * الطلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. (...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟ الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي ﷺ، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا. قال المؤلف: (﴿فِي شُغُلٍ﴾ بسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]. قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم. قال: (﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ ). ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾ أين الأول؟ * الطلبة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾. * الشيخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون ﴿إِنَّ﴾ هنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟ الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة. لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل. الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ. قال: (﴿هُمْ﴾ مبتدأ)، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ معطوفة عليه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦] خبر المبتدأ. ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر. (﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل. (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد. قال: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها. (﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ متعلق ﴿عَلَى﴾ ) يعني ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ -على كلام المؤلف- متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف. ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبرًا مقدَّمًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات. ثم قال عز وجل (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس ٥٧] ما يتمنَّون). * طالب: متعلق (على) (...). * الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ تعلقت به ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ) * طالب: (...). * الشيخ: تفسير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ إلى آخره. ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط. فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل. فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر. فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟ * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به. * طالب: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤]. * الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ. * طالب: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر ٤]. * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة. قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ قال المفسِّر: (فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنَّون). كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل.. فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة. على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك. قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ قال المؤلف: (مُبْتَدَأ ﴿قَوْلًا﴾ أَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك: نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم. * طالب: (...). * الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم. * طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟ * الشيخ: بلى. * طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...). * الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] وأجبنا عنه. * طالب: النخل والرمان (...). * الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق. * طالب: (...). * الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]]. * فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد: * منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء. * وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] من كلامهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]. ثم قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]. * في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده. * ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم. ثم قال عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]. * من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها. فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: أن الجزاء عن العمل (...). * الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ إلى آخر الآيات [يس: ٥٥]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. * ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ كمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. * ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به. * ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب. ثم قال عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سبق لنا أن المؤلف أعرب ﴿سَلَامٌ﴾ على أنها مبتدأ وأن خبره ﴿قَوْلًا﴾ على أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» » في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢ / ١) من حديث زيد بن خالد.]] أي: صاحبها. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر و﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا. أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى ﴿رَحِيمٍ﴾ أي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: ﴿امْتَازُوا﴾، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: ﴿امْتَازُوا الْيَوْمَ﴾؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع. يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد بـ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري. ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ مَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين. ثم قال: (﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ آمُركُمْ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ عَلَى لِسَان رُسُلِي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لَا تُطِيعُوهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ ). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا للتقرير، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ للتقرير، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير. هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم). فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان. والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو. وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿بَنِي آدَمَ﴾ هذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث. وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع. وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان. وقوله: (﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة) ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان. قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر ﴿مُبِينٌ﴾ بـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]. إذن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَعْهَدْ﴾ متضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. على كل حال ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة. والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا. وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه. وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أو والأرض؟ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه. على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦١، ٦٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟ * طالب: الواو. * الشيخ: أيش؟ وين الواو؟ * طالب: اللام و(قد). * الشيخ: نعم، اللام و(قد). * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: والقسم المقدر. * الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟ * طالب: القسم واللام و(قد). * الشيخ: القسم. أين القسم؟ * طالب: والله لقد أضل منكم. * الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟ نقول في الجواب على ذلك وجوه: الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه. ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين. الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، عنده طريق. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (...) لا نافية (...). * الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية. * طالب: (...). * الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. * طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...). * الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام. * طالب: قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...). * الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن. * طالب: (...) أزواجهم؟ * الشيخ: الحور العين. * طالب: الشابات. * الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان. * طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة. * الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما. * طالب: إذا طلقت؟ * الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا[[أخرجه البزار في مسنده (٦٦٣١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (...) النفخ في الصور (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر. * طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...). * الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ربما يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فإذا امتازوا قال الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ أنه خاص بالكفار، لكن قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم. * طالب: شيخ، أنا أقصد.. * الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، عندكم هكذا ﴿جِبِلًّا﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي ﴿جِبِلًّا﴾ وصلنا إلى هذا؟ قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيها من الفوائد.. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة. * ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص. * طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...). * الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة. طيب، هذه الآية: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين. * وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾، وإثبات الربوبية في قوله: ﴿رَبٍّ﴾، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وقوله ﷺ في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥)، والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى. * وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل. ثم قال عز وجل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. * في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد. إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده. * ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟ * طلبة: معنيين. * الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.

يس 36:55

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ∗∗∗ ........................ هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء. وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده. وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠) بسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَق يوم خَلَق السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها والبهائمُ بعضُها على بعض، وأخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملَها بهذه الرحمة مئةَ رحمة»، وأخرجه مسلم (٢٧٥٣) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بنحوه.]]، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة. قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. قال: (﴿وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم. * الفوائد: يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ودليل ذلك قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة. فإن قلتَ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، فكيف الجمع؟ الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم. * * * * طالب: (...) قراءتين (...) ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، قراءة الفتح واضحة. * الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها. * طالب: قرأتَها يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ). * الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ. * طالب: ليست قراءة؟ * الشيخ: لا، ما هي بقراءة. * طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟ * الشيخ: الراجح أنهما اثنتان. * طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول ﷺ أنه أول مَن يرى موسى[[أخرج البخاري (٧٤٧٢) ومسلم واللفظ له (٢٣٧٣ / ١٦٠) بسندهما من حديث أبي هريرة قال: استبَّ رجلانِ؛ رجلٌ من اليهود ورجلٌ من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى عليه السلام على العالمين. قال: فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجْه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تُخَيِّروني على موسى؛ فإنَّ الناسَ يصعقون فأكونُ أول مَن يُفيق، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمَنْ صعق فأفاق قبلي أم كان مِمَّن استثنى اللَّهُ».]]؟ * الشيخ: هذه نفخة الصعق. * طالب: الصعق. * الشيخ: أي نعم. * طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟ * الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة. * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا. وقوله: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات. يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، و﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون. قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون). فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟ فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف. فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه. وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ متى؟ في الدنيا، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ هذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على ﴿مَا﴾؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟ يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة: عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب. قول؛ يعني عمل اللسان. فعل؛ عمل الجوارح. هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر. والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة. فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟ الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني ﴿تَعْمَلُونَ﴾ - تشمل أربعة أشياء هي: * طالب: (...). * الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس ٥٥]، ثم قال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]. لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة. قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له. ﴿الْجَنَّةِ﴾ مرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام. فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة. لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟ * طلبة: الذِّكْري * طلبة آخرون: الحضوري. * الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ الجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) ﴿شُغْلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟ * الطلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. (...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟ الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي ﷺ، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا. قال المؤلف: (﴿فِي شُغُلٍ﴾ بسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]. قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم. قال: (﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ ). ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾ أين الأول؟ * الطلبة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾. * الشيخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون ﴿إِنَّ﴾ هنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟ الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة. لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل. الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ. قال: (﴿هُمْ﴾ مبتدأ)، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ معطوفة عليه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦] خبر المبتدأ. ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر. (﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل. (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد. قال: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها. (﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ متعلق ﴿عَلَى﴾ ) يعني ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ -على كلام المؤلف- متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف. ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبرًا مقدَّمًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات. ثم قال عز وجل (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس ٥٧] ما يتمنَّون). * طالب: متعلق (على) (...). * الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ تعلقت به ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ) * طالب: (...). * الشيخ: تفسير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ إلى آخره. ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط. فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل. فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر. فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟ * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به. * طالب: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤]. * الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ. * طالب: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر ٤]. * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة. قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ قال المفسِّر: (فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنَّون). كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل.. فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة. على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك. قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ قال المؤلف: (مُبْتَدَأ ﴿قَوْلًا﴾ أَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك: نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم. * طالب: (...). * الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم. * طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟ * الشيخ: بلى. * طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...). * الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] وأجبنا عنه. * طالب: النخل والرمان (...). * الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق. * طالب: (...). * الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]]. * فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد: * منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء. * وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] من كلامهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]. ثم قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]. * في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده. * ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم. ثم قال عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]. * من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها. فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: أن الجزاء عن العمل (...). * الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ إلى آخر الآيات [يس: ٥٥]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. * ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ كمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. * ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به. * ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب. ثم قال عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سبق لنا أن المؤلف أعرب ﴿سَلَامٌ﴾ على أنها مبتدأ وأن خبره ﴿قَوْلًا﴾ على أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» » في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢ / ١) من حديث زيد بن خالد.]] أي: صاحبها. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر و﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا. أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى ﴿رَحِيمٍ﴾ أي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: ﴿امْتَازُوا﴾، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: ﴿امْتَازُوا الْيَوْمَ﴾؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع. يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد بـ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري. ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ مَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين. ثم قال: (﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ آمُركُمْ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ عَلَى لِسَان رُسُلِي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لَا تُطِيعُوهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ ). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا للتقرير، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ للتقرير، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير. هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم). فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان. والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو. وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿بَنِي آدَمَ﴾ هذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث. وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع. وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان. وقوله: (﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة) ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان. قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر ﴿مُبِينٌ﴾ بـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]. إذن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَعْهَدْ﴾ متضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. على كل حال ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة. والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا. وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه. وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أو والأرض؟ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه. على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦١، ٦٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟ * طالب: الواو. * الشيخ: أيش؟ وين الواو؟ * طالب: اللام و(قد). * الشيخ: نعم، اللام و(قد). * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: والقسم المقدر. * الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟ * طالب: القسم واللام و(قد). * الشيخ: القسم. أين القسم؟ * طالب: والله لقد أضل منكم. * الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟ نقول في الجواب على ذلك وجوه: الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه. ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين. الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، عنده طريق. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (...) لا نافية (...). * الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية. * طالب: (...). * الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. * طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...). * الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام. * طالب: قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...). * الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن. * طالب: (...) أزواجهم؟ * الشيخ: الحور العين. * طالب: الشابات. * الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان. * طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة. * الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما. * طالب: إذا طلقت؟ * الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا[[أخرجه البزار في مسنده (٦٦٣١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (...) النفخ في الصور (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر. * طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...). * الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ربما يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فإذا امتازوا قال الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ أنه خاص بالكفار، لكن قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم. * طالب: شيخ، أنا أقصد.. * الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، عندكم هكذا ﴿جِبِلًّا﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي ﴿جِبِلًّا﴾ وصلنا إلى هذا؟ قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيها من الفوائد.. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة. * ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص. * طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...). * الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة. طيب، هذه الآية: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين. * وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾، وإثبات الربوبية في قوله: ﴿رَبٍّ﴾، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وقوله ﷺ في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥)، والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى. * وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل. ثم قال عز وجل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. * في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد. إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده. * ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟ * طلبة: معنيين. * الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.

يس 36:56

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ∗∗∗ ........................ هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء. وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده. وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠) بسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَق يوم خَلَق السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها والبهائمُ بعضُها على بعض، وأخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملَها بهذه الرحمة مئةَ رحمة»، وأخرجه مسلم (٢٧٥٣) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بنحوه.]]، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة. قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. قال: (﴿وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم. * الفوائد: يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ودليل ذلك قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم. * ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته. * ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة. فإن قلتَ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، فكيف الجمع؟ الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم. * * * * طالب: (...) قراءتين (...) ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، قراءة الفتح واضحة. * الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها. * طالب: قرأتَها يا شيخ. * الشيخ: لا. * طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ). * الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ. * طالب: ليست قراءة؟ * الشيخ: لا، ما هي بقراءة. * طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟ * الشيخ: الراجح أنهما اثنتان. * طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول ﷺ أنه أول مَن يرى موسى[[أخرج البخاري (٧٤٧٢) ومسلم واللفظ له (٢٣٧٣ / ١٦٠) بسندهما من حديث أبي هريرة قال: استبَّ رجلانِ؛ رجلٌ من اليهود ورجلٌ من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى عليه السلام على العالمين. قال: فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجْه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تُخَيِّروني على موسى؛ فإنَّ الناسَ يصعقون فأكونُ أول مَن يُفيق، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمَنْ صعق فأفاق قبلي أم كان مِمَّن استثنى اللَّهُ».]]؟ * الشيخ: هذه نفخة الصعق. * طالب: الصعق. * الشيخ: أي نعم. * طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟ * الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة. * * * * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...). * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا. وقوله: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات. يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، و﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون. قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون). فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟ فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف. فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه. وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ متى؟ في الدنيا، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ هذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على ﴿مَا﴾؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟ يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة: عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب. قول؛ يعني عمل اللسان. فعل؛ عمل الجوارح. هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر. والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة. فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟ الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني ﴿تَعْمَلُونَ﴾ - تشمل أربعة أشياء هي: * طالب: (...). * الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس ٥٥]، ثم قال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]. لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة. قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له. ﴿الْجَنَّةِ﴾ مرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام. فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة. لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟ * طلبة: الذِّكْري * طلبة آخرون: الحضوري. * الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ الجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) ﴿شُغْلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟ * الطلبة: سبعيتان. * الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. (...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟ الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي ﷺ، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا. قال المؤلف: (﴿فِي شُغُلٍ﴾ بسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]. قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم. قال: (﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ ). ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾ أين الأول؟ * الطلبة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾. * الشيخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون ﴿إِنَّ﴾ هنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟ الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة. لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل. الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ. قال: (﴿هُمْ﴾ مبتدأ)، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ معطوفة عليه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦] خبر المبتدأ. ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر. (﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل. (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد. قال: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها. (﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ متعلق ﴿عَلَى﴾ ) يعني ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ -على كلام المؤلف- متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف. ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبرًا مقدَّمًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات. ثم قال عز وجل (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس ٥٧] ما يتمنَّون). * طالب: متعلق (على) (...). * الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ تعلقت به ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ) * طالب: (...). * الشيخ: تفسير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ إلى آخره. ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط. فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل. فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر. فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟ * الطالب: (...) الآية. * الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به. * طالب: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤]. * الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ. * طالب: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر ٤]. * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة. قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ قال المفسِّر: (فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنَّون). كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟ * طلبة: لا. * الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل.. فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة. على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك. قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ قال المؤلف: (مُبْتَدَأ ﴿قَوْلًا﴾ أَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك: نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم. * طالب: (...). * الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم. * طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟ * الشيخ: بلى. * طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...). * الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] وأجبنا عنه. * طالب: النخل والرمان (...). * الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق. * طالب: (...). * الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]]. * فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد: * منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء. * وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] من كلامهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]. ثم قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]. * في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده. * ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: عندنا، والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله عز وجل ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم. ثم قال عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]. * من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير؛ لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، فإذا قال قائل: وفي غير هذا اليوم هل يُظْلَم أحد؟ فالجواب: لا، لا يُظْلَم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء فكأنه قال: هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيستفاد منه كمال عدل الله عز وجل، وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها. فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل للحسنة يُجْزَى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وَعَدَ مَنْ جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها فتكون داخلة في قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: أن الجزاء عن العمل (...). * الشيخ: نعم، والعمل سبب للجزاء فيكون فيه التعبير بالسبب عن المسبَّب. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ إلى آخر الآيات [يس: ٥٥]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. * ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ كمال نعيمهم؛ لأن كلما كمُل النعيم كمُل التَّفَكُّه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن لأهل الجنة زوجات؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦]، وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة؛ فقال عز وجل في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن ٧٠] فقاصرات الطرف يعني أنها تقصُر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرة لطرف زوجها عليها فزوجها لا يتعدى أو لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راض بصاحبه، وهن أيضًا خيراتٍ حسان، خيرات الطباع حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس؛ لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. * ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة؛ لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمئن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها فاكهة، وهي كل ما يُتَفَكَّه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون به. * ومن فوائدها أيضًا: أن لأهل الجنة كل ما يَتَمَنَّونه، بل يُعْطَوْن أكثر مما يتمنون، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني فيُذْكَر الشيء، ويُذْكَر ضده؛ لأنه لو ذَكَرَ ما يكون به الرجاء دون ما يكون به الخوف لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكأن الله عز وجل إذا ذَكَر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، يعني أنه تُثَنَّى فيه المعاني حتى يسهل السير إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب. ثم قال عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سبق لنا أن المؤلف أعرب ﴿سَلَامٌ﴾ على أنها مبتدأ وأن خبره ﴿قَوْلًا﴾ على أنه منصوب بنزع الخافض أي: سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة. ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي سلام، يعني الجنة سلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: سلام بالقول من الله واقع من الله عز وجل، وهذه الوجوه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يُسَلِّم عليهم بالقول، ويقول: سلام عليكم يا أهل الجنة. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يُطلق على عدة معانٍ فيطلق على رب العالمين عز وجل، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق والملك والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبِّر، ويطلق الرب على الصاحب مثل قولهم: رب البيت أي: صاحب البيت، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في اللُّقَطَةِ: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا» » في الضالة، في الضالة؛ ضالة الإبل: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأَكْلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢ / ١) من حديث زيد بن خالد.]] أي: صاحبها. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول؛ يعني الله عز وجل، فالله تعالى هو الرب يعني الخالق المالك المدبر و﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية لم يزل الله سبحانه وتعالى ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تتجدد باعتبار المرحوم، فالله عز وجل يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدَّد، فرحمة الله لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله لم يزل ولا يزال رحيمًا. أهل السنة والجماعة وهم السلف يُفَسِّرون الرحمة بمعنى يليق بالله عز وجل، وأهل التحريف يفسرون الرحمة إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان، فيقولون: معنى ﴿رَحِيمٍ﴾ أي: محسن أو مريد للإحسان، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة فإن الرحمة تدل على الضعف وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، وفسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله عز وجل فهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منها هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرِّقة واللين، لماذا؟ لأننا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة ولا يُنْقِص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي: يقول لهم سلام عليكم، ويقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩]، قوله: (ويقول) يعني الله عز وجل، وفي الجزم في ذلك نظر، فقد يكون الله عز وجل هو الذي يقول للمجرمين: ﴿امْتَازُوا﴾، وقد يكون القائل ملكًا من الملائكة، المهم أنه يقال للمجرمين: ﴿امْتَازُوا الْيَوْمَ﴾؛ ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف؛ يعني: إلى نص من الشارع. يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد بـ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة، فـ(أل) هنا فيه للعهد الذكري. ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم) يعني: يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، تميزوا عن المؤمنين، انفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غير طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة، وهؤلاء طريقهم إلى النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦] فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم هذا على سبيل التوبيخ والإهانة؛ لأنك إذا رأيت مجتمعًا تقول مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا، ابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ مَنْ هو المجرم؟ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو الذنب والإثم أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين. ثم قال: (﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ آمُركُمْ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ عَلَى لِسَان رُسُلِي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لَا تُطِيعُوهُ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدُونِي وَأَطِيعُونِي ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ ). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس ٦٠] الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام للتقرير؛ مثل ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا للتقرير، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ للتقرير، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] للتقرير، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا لأيش؟ للتقرير. هنا تقرير؛ يقرر الله عز وجل أنه عهد إليهم؛ ولهذا يصح أن يُحَوَّل في غير القرآن إلى فعل ماض فيقال: (قد عهدت إليكم). فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ المراد به التوبيخ؛ يعني: يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم وإقامة للحجة عليهم أن الله عهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان. والعهد إلى الشيء فسَّرَه المؤلف بأنه الأمر؛ يعني: ألم آمركم، ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر؛ لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك؛ فإن الله قد أخذ علينا الميثاق ألا نعبد إلا إياه وألا نعبد الشيطان لأنه عدو. وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿بَنِي آدَمَ﴾ هذه تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان المراد به القبيلة أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا وقف على بني تميم شمل ذكورهم وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان، واحد من الناس ما هو قبيلة، فإنه يختص بمن؟ بالذكور فقط، فبنو آدم هنا قبيلة، بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث. وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسَّر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله نوع من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، لا أن يعبدوا أربابًا كثيرة، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم –يعني: لسنا نصلي أو نركع أو نسجد لهم- قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قَالَ: نَعَمَ. قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمُ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الواقع أن هذا هو الحقيقة أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع. وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس أيضًا شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان، وينهونهم عن البر والإحسان. وقوله: (﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن العداوة) ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، كل إنسان أو كل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فهو عدو لك شعر بذلك أم لم يَشْعُر، وعلى رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان. قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده هو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال: (بَيِّن العداوة) كيف فسَّر ﴿مُبِينٌ﴾ بـ(بَيِّن)؟ نقول: لأنها من (أبان) و(أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي أو اللازم إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسَّر به المؤلف (بَيِّن العداوة) صارت من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول: ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف؛ إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يَغُرُّ الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]. إذن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من باب اللازم من (أبان) بمعنى ظَهَر. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦١] لا تعبدوا الشيطان، وأن اعبدوني هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَعْهَدْ﴾ متضمنة معنى القول، وإذا سبق أن ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. على كل حال ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده أي: تذللوا لي بالطاعة. والمؤلف قال: (وحِّدوني وأطيعون) وهذا معنى صحيح؛ فالعبادة توحيد الله عز وجل بالطاعة والتذلل له بامتثال أمره واجتناب نهيه. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه تَرْك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الصراط فسَّره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصرط أو من السرط، والسرط -كما نعلم- هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا. وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم؛ لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناه أنه خالٍ من الانحرف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه. وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى من؟ إلى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أو والأرض؟ ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف نجمع بين الإضافتين؟ نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم السالكون له، هم سالكوه وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده وهو موصل إليه كما تقول: هذا طريق مكة. ما معنى طريق مكة؟ أي الموصل إلى مكة. وتقول: هذا طريق فلان إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم، أو هو الذي سلكه ومشى عليه. على كل حال إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم سالكوه، إضافة الصراط إلى الله؛ لأنه أيش؟ هو الذي وضعه لعباده وسَنَّه لهم، وهو -أي الصراط- موصل إلى الله عز وجل. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦١، ٦٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ما هي؟ * طالب: الواو. * الشيخ: أيش؟ وين الواو؟ * طالب: اللام و(قد). * الشيخ: نعم، اللام و(قد). * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: والقسم المقدر. * الشيخ: القسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟ * طالب: القسم واللام و(قد). * الشيخ: القسم. أين القسم؟ * طالب: والله لقد أضل منكم. * الشيخ: أحسنت، التقدير: والله لقد أضل. طيب، إذا قال قائل: كيف يقسم الله عز وجل وهو الصادق القول بلا قسم؟ نقول في الجواب على ذلك وجوه: الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى أيش؟ إلى القسم عليه؛ لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه. ثانيًا: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يُقْسَم عليه، والقرآن -كما نعلم- نزل بلسان عربي مبين. الثالث: أن المقسَم به إذا كان صريحًا أي مصرحًا به فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١، ٢] إلى آخره، وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم به. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، عنده طريق. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (...) لا نافية (...). * الشيخ: كيف؟ يحتمل أن تكون نافية، والفعل منصوب بـ(أن) أو أن (لا) ناهية. * طالب: (...). * الشيخ: المراد به العموم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. * طالب: (...) يا بني آدم ألم أعهد إليكم أن لا تعبدوا الشيطان والمؤمنون (...). * الشيخ: إي نعم، هو بين أنه عهد إلى الخلق كلهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوه وحده، ولكن أضل الشيطان منهم جِبِلًّا كثيرًا كما في الآية التي شرعنا فيها، فالخطاب عام. * طالب: قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس ٥٦] الذين لم يتزوجوا من الشباب (...). * الشيخ: إي نعم، لهم أزواج حتى الذين لم يتزوجوا يكون لهم أزواج في الجنة من الحور العين، ومن نساء الدنيا اللاتي لم يتزوجن. * طالب: (...) أزواجهم؟ * الشيخ: الحور العين. * طالب: الشابات. * الشيخ: الشابات لهم أزواج، أولًا الظاهر أن النساء من أهل الدنيا لا يَزِدْنَ على الرجال؛ لأن أكثر أهل النار النساء فالنساء هن أكثر أهل النار، وإذا قُدِّرَ أن عدد النساء من أهل الدنيا زاد على عدد الرجال فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين زوجتين أو أكثر، على كل حال إذا وصلت إلى هناك إن شاء الله ما في ضيق، والله المستعان. * طالب: قيل: إنهن يُخَيَّرْن يا شيخ؛ أزواج الدنيا -يعني نساء الدنيا- يُخَيَّرن بأزواجهم في الجنة. * الشيخ: هذا إذا كانت المرأة قد تزوجت رجلين فإنها تُخَيَّر بينهما؛ يعني: إذا تزوجت رجلين ودخلت الجنة معهما تخير بينهما. * طالب: إذا طلقت؟ * الشيخ: حتى لو طلقت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تختار أحسنهما خلقًا[[أخرجه البزار في مسنده (٦٦٣١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٢١٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (...) النفخ في الصور (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والزجر لا يكون من النفخ، النفخ صوت وليس بزجر. * طالب: ألا تعبدوا إلا الله (...). * الشيخ: لا، يكون منصوبًا بـ(أن). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إن جعلنا (لا) نافية فهو منصوب بـ(أن)، وإن جعلناها ناهية فهو مجزوم بها. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ربما يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فإذا امتازوا قال الله لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم فيه احتمال، لكن ما نجزم به، فيه احتمال أنها من قول الله، أن الله يقول لهم: امتازوا أيها المجرمون، وفيه احتمال أنها من قول ملك من الملائكة، فإذا امتازوا خوطبوا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه الأخ أن قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ أنه خاص بالكفار، لكن قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾.. لأنهم لو كانوا هم الكفار لكان قد أضلهم كلهم. * طالب: شيخ، أنا أقصد.. * الشيخ: أنا فاهم -بارك الله فيك- فاهم، لكن الجزم يحتاج إلى توقيف. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، عندكم هكذا ﴿جِبِلًّا﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: جُبْلًا. المشكلة اللي عندي ﴿جِبِلًّا﴾ وصلنا إلى هذا؟ قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيها من الفوائد.. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ * في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات لا من الأمراض ولا من التعب ولا من الموت ولا من غيرها؛ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الله تعالى يقول لهم: سلام عليكم، وهذا اللفظ الصادر من الله عز وجل ليس دعاء ولكنه خبر من الله، إنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر أي أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة. * ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر من الربوبية الخاصة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: خاصة وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق؛ فإن جميع الخلق مربوبون لله عز وجل هو خالقهم مالكهم مدبرهم، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، أما الربوبية الخاصة فهي المختصة بعباد الله المخلصين من عباد الله المؤمنين من الرسل وأتباعهم وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب وتوفيقًا له وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فإن موسى وهارون من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله عز وجل بهذا الاسم، مثل: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٦]، فإن المراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى عامة، والثانية خاصة، إذن كم أقسام الربوبية؟ سؤال خاص. * طالب: اثنين ربوبية عامة وخاصة، الربوبية العامة (...). * الشيخ: إي، عباد الله المخلصين. الفرق بينهما أن هذه العامة للتدبير العام الشامل كالخلق والملك والتدبير، وهذه ربوبية خاصة تقتضي عناية خاصة. طيب، هذه الآية: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أقول: إن الظاهر -والله أعلم- أنها من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين. * وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾، وإثبات الربوبية في قوله: ﴿رَبٍّ﴾، وهل الرب من أسماء الله؟ نعم، الرب من أسماء الله، دل ذلك قوله ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وقوله ﷺ في السواك: «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥)، والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وأما الرحيم فكونه من أسماء الله لا يخفى. * وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي: يُسْبِغَ عليه الرحمة فحينئذ يدخل. ثم قال عز وجل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. * في الآية الكريمة من الفوائد: أن المجرمين يُهانون يوم القيامة بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: انفردوا وأبعدوا. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة كما مَيَّز بينهم في الدنيا فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أُمِروا بالإنفراد وطُرِدوا ناسب أن يذكر سبب ذلك حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، كأنما قال: امتازوا لإجرامكم، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض. فإذن نقول: إن تعليق الحكم بوصف هذه فائدة مبنية على الفائدة التي قلنا: إن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّة ذلك الوصف أي: على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم؛ فإذا قلت مثلًا: أُكْرِمَ المجتهد من الطلبة. فهنا عُلِّق الإكرام بالاجتهاد يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم وهو أن تعليق الحكم بوصف يدل على عِلِّيَّتِه أي أنه علة ذلك الحكم. وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ حُذِفَت منها ياء النداء، فلماذا؟ يمكن أن يدَّعي علماء البلاغة أنها حُذِفَت من باب الإهانة لهم حتى لا يطول الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه بل هذا على حسب السياق؛ قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يحب الإعذار من نفسه؛ أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه لتقوم الحجة على خلقه؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا ألا نعبد الشيطان، وأن نعبد الله قد أقام علينا الحجة وأقام العذر لنفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * من فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل بالخلق حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل؛ لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله عز وجل ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده؛ ففيه إثبات رحمة الله عز وجل بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية، أو أحد يقول: التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا أيش؟ تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية يعني: نفي وإثبات، وهذا هو التوحيد، التوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة. إذن لا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات. وأضرب مثلًا لهذا لو قلت: لا قائم في البيت. هذا نفي مجرد معناه العدم، عدم وجود قائم في البيت. وإذا قلت: زيد قائم في البيت، هذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم. فإذا قلت: لا قائم في البيت إلا زيد، حينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد. إذن التوحيد لا بد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات. ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات كذا؟ وهذا في القرآن كثير. استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧] فتبرَّأ أولًا من كل معبود، ثم أثبتَ العبادة لله وحده الذي فطره ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله، ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله نوع من العبادة؛ لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾؛ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده. * ومن فوائدها: أن العبادة لا تختصُّ بالركوع والسجود والذبح والنذر، وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل فهي عبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان؛ حيث سمَّى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيرَه، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب عبادة الله وحده في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾، والعبادة تُطْلَق على معنيين: أحدهما التعبد، والثاني المتعبَّد به، التعبد يعني التذلل لله عز وجل، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته صيامه حجه وزكاته، وما أشبه ذلك، وتُطلَق العبادة على المتعبَّد به، وهي بهذا المعنى كل اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية، إذن تطلق العبادة على؟ * طلبة: معنيين. * الشيخ: الأول: التعبد وهو فعل العابد، والثاني: المتعبد به وهي العبادات القائمة المشهورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ أي: ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا، وقد يكون مُعْوَجًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] كل واحد من البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم وإن كان على خلافه فهو معوج.