Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الصافات 37:80 – الصافات 37:87

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الصافات 37:80
  2. الصافات 37:81
  3. الصافات 37:82
  4. الصافات 37:83
  5. الصافات 37:84
  6. الصافات 37:85
  7. الصافات 37:86
  8. الصافات 37:87

الصافات 37:80

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٤]. شوف هذه الجمل بينها اتصال ولَّا انقطاع، في البلاغة اتصال بلاغي يعني أو انقطاع بينها؟ * طالب: اتصال. * الشيخ: لا، انقطاع؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، الحكمة من ذلك من أجْل أن يَعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة كأن كل صفة مستقلة تُغني عن بقية الصفات، فكم (...) للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يُخاف منها عند إنكار هذه الشجرة؟ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * طالب: من أصل الجحيم. * الشيخ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ هذا قرآن. * طالب: أقول: ما فيها قراءة؟ * الشيخ: ما فيها قراءة أبدًا ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (أي قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها)، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقد سبق لنا هل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ وقلنا: في ذلك احتمالان؛ يعني يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف، ويحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أُفرِدت باعتبار نوعها كما تقول مثلًا إذا شاهدت شجرة في البر: هذه شجرة مذاقها مُر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها، والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ فسمعنا وَجْبَة فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا»[[أخرجه مسلم (٢٨٤٤ / ٣١) من حديث أبي هريرة.]]. يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة، وأن أغصانها ملأت دركات النار، فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: أنها واحدة بالجنس والنوع، فليس في ذلك إشكال. يقول: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم؟ سيكون لِمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن النوع الواحد إذا غُرِسَ في هذه الأرض اختلف عما إذا غُرِس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها؛ ولهذا قال: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، ولم يقل: في الجحيم؛ ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار. يقول: (﴿طَلْعُهَا﴾ المشبه بطلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ أي الحيات القبيحة المنظر). ﴿طَلْعُهَا﴾ يعني الثمر الذي يُشبه طلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، والشياطين جمع (شيطان)، وهل المراد الشيطان الحقيقي، أو المراد نوع من الحيات كما قال المؤلف؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: إن المراد الشيطان الحقيقي، واحتمال أن يكون المراد به نوع من الحيات قبيحة المنظر وارد؛ لأن السيئ من الحيوان قد يسمى شيطانًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[[أخرجه مسلم (٥١٠ / ٢٦٥) من حديث أبي ذر.]]. ولكن الواجب علينا -كما مر علينا كثيرًا- إجراء القرآن على ظاهره، وأن نقول: المراد بالشياطين، الشيطان المعروف، وإنما شُبِّهت برؤوس الشياطين مع عدم رؤية الناس لها؛ لأن كل أحد يعرف أن ما يُنسب إلى الشيطان فهو قبيح منفر، لا يركن إليه أحد، فالتشبيه هنا تشبيه بما يُتخيل فكرًا، لا بما يُعلم حِسًّا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه القبيح، ولا حاجة إلى أن نقول: إنها حيات، حتى لو قلنا بأنها حيات، هل هذه الحيات معلومة لكل أحد؟ إن حيات لا يعرفها إلا النادر من الناس لا ينفر الناس منها، بل إن المؤلف الآن لما قال: إنها حيات هبطت قيمة هذا القبح في نفس الإنسان، لكن ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الإنسان يقشعر جلده، ويقف شعره عندما يسمع هذا التشبيه القبيح، وعلى هذا فالصحيح أن المراد بذلك رؤوس الشياطين الحقيقية، ولكنها شُبِّهت بها للعلم بأنها قبيحة عند جميع الناس وأنها مُنفِّرة. (﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أَي الْكُفَّار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مَعَ قُبْحهَا لشدة جوعهم) أعوذ بالله ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾ الجملة هنا اسمية مؤكدة بـ(إن) و(اللام)، أليس كذلك؟ لإفادة أن أكلهم مستمر؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأُكدت بـ(إن) و(اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم الى أن يأكلوا منها قسْرًا من غير شهوة، ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يُفضِّل الموت على الأكل من هذا لكن في النار يُعذَّبون بالأكل منها؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ نسأل الله العافية؛ يعني أنهم لا يشبعون، ولا يقتصرون على الضرورة، أنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن، هل تملأ منه البطن؟ وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدْر الحاجة، بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات، هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم، ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أنه تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة، يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم؛ وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، وقال عز وجل في اغتسالهم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج ١٩، ٢٠]، تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها، لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة ٦، ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار، يقول: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. قوله: ﴿الْبُطُونَ﴾ (أل) هنا للعهد، أي عهد؟ الذهني، ألا يمكن أن نقول: إنه العهد الذكري؛ لأنه سبق ما يدل على البطن؟ نقول: العهد الذكري لا بد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾؛ لأنه لا يأكل إلا من له بطن ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ يعني البطون منهم. يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ (ثم) حرف عطف يدل على أيش؟ الترتيب والتراخي مما يدل على أنهم إذا أكلوا عطشوا، وإذا عطشوا لا يأتيهم الماء في الحال، بل يأتيهم بعد مهلة بيَّنها الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف ٢٩]، فهم ليسوا إذا أكلوها وعطشوا بها؛ أُعطوا الماء بسرعة، لا، يستغيثون، ويدعون أن يأتيهم ماء يُبَرِّد عليهم لهيب العطش، ولكن إذا أُعطوا هذا الماء يُعطونه شوبًا من حميم؛ يعني ماء حارًّا حرارة عظيمة، والشوب وهج النار، هذا الوهج بيَّنه الله عز وجل في الآية التي سقتها قبل قليل، إذا قرب الماء من وجوههم ليشربوه شوى وجوههم والعياذ بالله، شَوَاها حتى إن لحومها لتتساقط من شدة حرارته، فإذا شربوه فإن أمعاءهم تستقبله لكنها تتقطع به ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]. أيها الإخوة، إننا لسنا نتكلم عن سواليف الأولين، نتكلم عن أمر حقيقي إذا تصوره الإنسان ينزعج في الواقع؛ يعني ليس هذا أمر قيل، أو يقال، أو يقولون، هذا أمر هو الحقيقة، الحق لهؤلاء الطغاة الذين كذبوا رسل الله عز وجل، وبدلوا نعمة الله كفرًا، كل هذا سيكون، ليس خبر الأولين؛ لهذا يجب علينا إذا قرأنا مثل هذه الآيات أن نشعر بأن هذا هو عِلْم اليقين، وأنه سيكون حق اليقين، هذا الأمر بعد أن يعطشوا ويستغيثوا لا يغاثون بماء بارد ولا بماء عذب، بل بِشَوْب من حميم (أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبًا له). فسر المؤلف الشوب هنا بالخِلط، ومنه: شُبت الماء باللبن؛ أي: خلطته، وهو يصلح بهذا وهذا، فهو خلط وهو أيضًا وهج حرارة هذا الحميم، كل ذلك يكون، فالوهج يكون قبل الشرب، والشوب بعد الشرب. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ يعني ثم بعد ذلك يكون مرجعهم إلى الجحيم، وجملة (ما ترون) جملة اسمية لم يقل: ثم يرجعون، بل قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ مؤكدة بماذا؟ بمؤكدين وهما (إن) و(اللام)، وهذا الترتيب فيه إشكال، فهل هو ترتيب ذكري أو هو ترتيب معنوي؟ المؤلف يرى أنه ترتيب معنوي، ويحتمل أن يكون ترتيبًا ذكريًّا؛ يعني بعد أن ذكر الله عز وجل ما لهم من هذا العذاب بَيَّن أن مرجعهم في يوم القيامة إلى هذا الجحيم، لا يرجعون إلى سواه. أما المؤلف فيقول: (يفيد أنهم يُخرجون منها لشرب الحميم، وأنه خارجها) وهذه الفائدة فائدة ضعيفة في الواقع، يعني كون نستفيد هذه الفائدة من هذه الجملة، ليس بمتعين والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، فكيف يقال: إنهم يخرجون ويشربون الحميم، ثم يُردون؟ هذا بعيد جدًّا، لكن إما أن نجعل الترتيب هنا للترتيب الذكري؛ يعني أن الله بعد أن ذكر أنواعًا من العقوبات لهم بَيَّن أن مآلهم إلى الجحيم؛ أي إلى هذا الجحيم الذي فيه هذه العقوبات، والترتيب الذِّكْري موجود في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: إِنَّ مَـــــــــنْ سَــادَ ثُمَّ سَــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِـــنْ بَعْدِ ذَلِكَجَـــــدُّهُ وسيادة الأب سابقة على سيادتي، وسيادة الجد سابقة على سيادة الأب، أو يقال: إنهم كما قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، وأنهم يُقرَّبون من أبوابها، ويسقون هذا الحميم، فيُقرَّبون لتتطلع نفوسهم إلى الخروج، فيكون عندهم بعض الأمل، فإذا أملوا هذا الأمل، ثم ردوا إلى أصل الجحيم صار هذا أشد عذابًا عليهم؛ لأن حصول اليأس بعد الأمل أشد من بقاء اليأس؛ لأن الأمل يرفع اليأس، فإذا أُعيد إلى العذاب عاد اليأس فكان أشد وقعًا. أرأيت لو أن رجلًا مغلولًا بين يديك، سرت تحاول فك غله؛ يفرح، أليس كذلك لكن إذا عدت، ثم شددته ربطًا وأتيت بغل آخر؛ ازداد يأسًا وغمًّا إلى غمه بعد أن رأى بصيص الأمل يعاد فيُهان، هؤلاء -والعياذ بالله- كلما أرادوا أن يخرجوا منها وحصل لهم بعض الأمل أُعيدوا فيها، فيقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: إلى أصل الجحيم الذي كانوا قد أمَّلوا أن يخرجوا منه حين قُرِّبوا من أبوابها. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء الظالمين الذين يُعذَّبون بهذا العذاب. ﴿أَلْفَوْا﴾ أي (وجدوا) ﴿آبَاءَهُمْ﴾ وألفى بمعنى (وجد)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥] و﴿أَلْفَيَا﴾ يعني وجدا سيدها. ..................... ∗∗∗ وَأَلْفَى قَــــوْلَهَا كَـــــذِبًاوَمَـــــيْنَا أي وجد قولها، فمعنى ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أي: وجدوهم ضالين تائهين عن الحق. يقول: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٧٠] هم وجدوا آباءهم ضالين بعد أن قامت عليهم الحجة بضلال آبائهم، ولكن هل اتبعوا الحجة؟ لا. قال: ﴿فَهُمْ﴾ يعني بعد أن وجدوا آباءهم ضالين والعياذ بالله، هم ﴿عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: يُساقون ويُزعجون وهُرِع بمعنى (عَجَّل وأسْرع) في الشيء، فهم على آثار آبائهم وعلى ما كانوا عليه من الشرك والظلم يُهرعون؛ أي: يساقون بشدة، ويسرعون إلى اقتفاء آثارهم، وقد جاءتهم الرسل بالحق، ولكن بماذا أجابوا: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ يعني ولا نقبل منهم، فهم علموا أن آباءهم ضالين ومع ذلك -والعياذ بالله- بقوا على ما هم عليه بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤهم. (﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ يُزْعَجُونَ إلَى اتِّبَاعهمْ فيسرعون إليه) والكلام كله في مشركي قريش بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الجملة هذه فيها ثلاثة مؤكدات بَيِّنها لنا؟ ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾. * طالب: لقد. * الشيخ: ويش هي لقد؟ * طالب: لقد، وحرف العطف. * الشيخ: اللام وقد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الواو حرف عطف، ويش تعرب اللام؟ * الطالب: واقعة في جواب القسم. * الشيخ: إي، موطئة للقسم، اللام موطئة للقسم؛ يعني أنها تفيد قسمًا مقدرًا، والله لقد، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم، واللام، وقد، والله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات ٦٩-٨١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ما المراد بالشياطين هنا؟ * طالب: يقول المؤلف: إن هي الحيات القبيحة، ولكن الصحيح أن هذه الشياطين على حقيقتها؛ لأن الأصل بقاء اللفظ على (...). * الشيخ: فإذا قال لك قائل: كيف يشبه الله شيئًا بشيء غير معروف؟ * طالب: لقبح الشيطان. * الشيخ: صورته ما هي معروفة، رؤؤس الشياطين من رآها؟ * طالب: هذا من عادة العرب إذا أرادت أن تقبح شيئًا تشبهه بالشياطين. * الشيخ: من عادة العرب أنها إذا أرادت أن تُقبِّح شيئًا وتُنفر منه شبهته بالشياطين، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ الجملة هذه فيها تأكيد أو لا؟ * طالب: اللام. * الشيخ: اللام فقط؟ * طالب: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ والقسم المقدر. * الشيخ: ما فيه قسم. * طالب: (إن) و(اللام). * الشيخ: (إن) و(اللام). إذا قال قائل: ما الغرض من هذا التوكيد؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، فالإنسان قد يشك في أكلهم؛ لكونها طلعها يشبه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ماذا يفيد؟ * طالب: شدة الجوع (...). * الشيخ: يعني يصابون بمرض النهم حتى لا يشبعوا. وهل يصابون بمثل هذا في الشراب؟ * طالب: نعم، يصابون لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥]. * الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. إذن يُصابون بمرض النهم في الأكل وفي الشرب؛ ليزداد عذابهم، نسأل الله العافية. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ ما المراد بالشوب؟ * طالب: الشوب له معنيان؛ أنه شديد الحرارة، وخلط، يعني أنه يخلط من عذاب الزقوم (...)، فهم يشربون حميمًا حارًّا ويخالط ما في (...). * الشيخ: والحميم هو الماء الحار. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ هل هم كانوا بالأول في غير الجحيم؟ * طالب: لا، في الجحيم. * الشيخ: كيف قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؟ * طالب: لأجل الاستقرار؛ يعني بعض الأكل كذلك في الجحيم، وبعضهم يقولون في التفسير؛ يعني يخرجون إلى الأبواب، ثم يرجعون إلى الأصل، إلى أصل الجحيم. * الشيخ: إي نعم، صحيح، بس ذكرنا وجهًا آخر. * طالب: أن (ثم) للترتيب الذكري. * الشيخ: أن (ثم) للترتيب الذكري، ولا يعني أنهم بعد أن يأكلوا يرجعون، وإنما يعني أنه ذُكِر مرجعهم بعد ذكر أكلهم، وهل في اللغة العربية ما يسمى بالترتيب الذكري دون المعنوي؟ * طالب: نعم. * الشيخ: شاهده؟ * طالب: قوله: إِنَّ مَــنْ سَـــادَ ثُمَّ سَـــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِــنْ بَــعْدِ ذَلِكَجَــدُّهُ * الشيخ: طيب ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ ما معنى ألفوا؟ * طالب: وجدوا. * الشيخ: وجدوا، ائت بشاهد من القرآن على أن الإلفاء بمعنى الوجود أو الوجدان. * طالب: (...) قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ هذه في أي سورة؟ * طالب: في سورة يوسف. * الشيخ: في سورة يوسف سبيل (...). قوله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * يستفاد من هذه الآية ومن ما بعدها: يستفاد منها: أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت؛ لقوله: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه كما يكون على حسب مائه أيضًا. * ومن فوائدها: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الشجرة تنتشر؛ إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات، بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشر أغصانها، وإما نوعها موجود في جميع النار. * ومن فوائد قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ بيان أن هذه الشجرة لها طلع ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين. * ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بـ(التقبيح)، فيُشبه الشيء بما يُستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا؛ لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. * ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مُستكرَهة مُستقبحة؛ لأنه شُبِّهَ بها القبيح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي أُلْحِق به فيها؛ لأن المشبه دون المشبه به. * من فوائد الآية: إثبات أن للشياطين رؤوسًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، وهو كذلك، فإن الشياطين لها رؤوس. * ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والملائكة والجن هي قوى الشر، الملائكة قوى الخير، والشياطين والجن قُوى الشر، وليس هناك أجسام تُحَس، وجه الدلالة: أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون هذا في الأمور المعنوية التي هي القوى. * ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما ثبت في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل. ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. * من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الشيء المستبعَد أمام المخاطَب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، أليس كذلك؟ ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطَب له ثلاث حالات: ابتداء، وشك، وإنكار؛ ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، يقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب، فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التوكيد، مثلًا إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار. الحال الثانية: أن يكون عند المخاطب شك في الأمر، فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا في قدوم زيد لاستبعاده إياه يحسن عندما تخبره أنه قادم، يحسن أن تؤكده له فتقول: قد قدم زيد، أو: إن زيدًا قادم، هذا متى؟ مع الشك نؤكده بمؤكد على سبيل الاستحباب. الحال الثالثة: أن يكون مُنكِرًا، ففي هذه الحال يجب أن يُؤكَّد له الخبر، لماذا؟ من أجل أن يزول عنه الإنكار، ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد، فتقول له: لقد قدم. وإن رأيت أنه يحتاج إلى زيادة قلت: والله لقد قدم، وإن كنت تخشى أن يكون غير مقتنع فبعض العامة يقول: عليه الطلاق لقد قدم، إي نعم، لأن كثيرًا من الناس يؤمنون بالحلف بالطلاق أكثر مما يؤمنون بالحلف بالله عز وجل. بقي أن يقال: هذا باعتبار حال المخاطب؛ أي أنه يحسن توكيد الخبر أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، قد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر، إذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنه يؤكد حتى وإن كنت تخاطب من لا ينكر مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢]، وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطَب به؛ يُقصد بذلك بيان أهميته، وأنه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ، واضح؟ قال أهل العلم -نبحث في البلاغة لأجل أن نستذكر ما مضى- قال بعضهم: وقد يُنَزَّل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر، مثل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ هل الموت مُتَردَّد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من الناس، إذن فلماذا يؤكد؟ لأن المخاطب قد تكون حاله حال المنكر؛ لعدم استعداده للموت، فكأنه مُنكِر له، فيُؤكَّد له الخبر. هنا ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ نقول: هنا أكد الله عز وجل أنهم سيأكلون، فلماذا؟ لأن المقام مقام استبعاد للأكل، قد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بـ(إن) و(اللام)، وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدالة على استمرار أكلهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يُعذِّب أهل النار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون؛ لقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر الميتة بقدر الضرورة ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، وكلما فرغ البطن قليلًا أكلوا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا، وطلبوا الماء، وطلبوه على طلب المضطر إليه بدليل قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا، ويسألون سؤال المضطر يستغيثون الله عز وجل، فإذا أُغِيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات ٦٧] يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق لنا أن هذا الحميم يُقطِّع أمعاءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أن هؤلاء الذين في النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعِيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منه، نسأل الله لنا ولكم السلامة. فلهذا أكدت بثلاثة مؤكدات. والوجه الثاني: تسلية النبي ﷺ؛ لأن كل ما سبق فيه التحدث عن كفار قريش، فأراد الله عز وجل أن يسلي رسوله ﷺ بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين، ففيه تسلية لرسول الله ﷺ، وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك، كما أن فيه أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنه قال بعده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقوله: ﴿ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني لا كلهم، فإن من الأولين من اهتدى، ولكن أكثرهم ضل حتى قال رسول الله ﷺ حين عُرِضَت عليه الأمم: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. إذن أكثر الناس الذين أرسل إليهم الرسل قد ضلوا، ما دام أنه لم يكن مع النبي أحد يُبعث نبي في قومه، ولا يكون معه أحد. وقوله: ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين، فكل من سبق هذه الأمة فإنه يُعتَبر من الأولين. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بما سبق؛ بالقسم، واللام، وقد، وأُكِّدت للوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها. وقوله: ﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يعني رسلًا منذرين كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]، لكنه هنا لم يذكر البشارة؛ لأن المقام مقام تهديد، فكان طي البشارة أنسب والاقتصار على الإنذار أنسب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فمن هو الرسول؟ قال أهل العلم: إن الرسول هو الذي أُوحي إليه بالشرع ولم يُؤمر بتبليغه، كذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: وأُمر بتبليغه؛ ولهذا يقال: أرسل؛ يعني بُعث برسالة، فهو أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، فإن قلت: ماذا نصنع في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢]، حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ فهو يقتضي أيضًا أن النبي -وهو الذي أُوحِي إليه بالشرع ولم يُؤمر بالتبليغ- قد أُرسل، فالجواب: أن تقدير الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبأنا من نبي فهو على حد قول الشاعر: عَــلَفْتُهَا تِبْــــنًا وَمَــــاءً بَـــارِدًا ∗∗∗ ...................... فالماء البارد لا يُعلف ولكنه يسقى، وهو على تقدير: وسقيتها ماءً باردًا. ومن المعلوم أن حذف ما يُعلم جائز، كما قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته: وَحَــــــذْفُ مَــا يُـــــعْلَـــمُ جَــــائِزٌكَــمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا؟) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: مُخَوِّفين، مُخَوِّفين من؟ مخوفين من خالف بالعقوبة، وحرمان الثواب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم ينذرون من خالفهم بالعقوبة وحرمان الثواب؛ لأن العاصي يُحرَم من ثواب الطاعة؛ إذ لو شاء لأحل مكان المعصية طاعة، وكذلك يُعاقَب بما تقتضيه هذه المعصية. يقول: ﴿فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ومنذرين هذه اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ * طلبة: اسم فاعل. * الشيخ: اسم فاعل من (أنذر ينذر)، والمنذر هو المخوِّف قال: (﴿مُنْذِرِينَ﴾ من الرسل مُخَوِّفين). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] (انظر)، الخطاب هنا مُوجَّه لواحد مُذَكَّر، فمن هو؟ أهو الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أمن يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الثاني أعم؛ أي: فانظر أيها المخاطَب أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين؟ وهنا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ولم يقل: ماذا كان؟ يعني انظر إلى الكيفية وإلى الغاية؛ لأن من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية. لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك، لكن كيف كان عقابهم، انظر إليه إلى كيفيته ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، فانظر إلى الكيفية، كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة، وملاءمتها للذنب؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي أن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله عز وجل، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأُهلكوا بألطف الأشياء؛ وهي الريح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأُهلك بما كان يفتخر به، وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم. إذن (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك: أنها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قلنا: انظر ما عاقبتهم؛ لم تؤمر إلا بالنظر بالعاقبة فقط. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ الجملة هنا استفهامية، ولكنها في محل نصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾، وهذا النظر بالعين ولَّا بالقلب؟ هذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يُعدَّى بـ(إلى)، فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١]، يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يُفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ هنا اسم فاعل أو اسم مفعول؟ اسم مفعول، الذين أنذروا وخُوِّفوا، ولكن لم يخافوا، ولم يُؤثِّر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم؟ قال المؤلف: (أي عاقبتهم العذاب) يعني أن العاقبة كانت وخيمة والعياذ بالله، عُوقبوا بالعذاب المدمر المهلك. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (أي المؤمنين) نعم، ولهذا فسرها المؤلف باسم الفاعل إشارة إلى أن المخلِص هنا اسم فاعل؛ لأن الْمُفَسِّر يُطابِق الْمُفَسَّر فيقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الاستثناء هنا منقطع؛ لأن ما بعده من غير جنس ما قبله، وإذا كان ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يكون علامته أن يحل محل (إلا)؛ (لكن)، ولكن لماذا يُؤتى بـ(إلا) بدل (لكن)؟ إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها، فهي تفيد الاستدراك مع ارتباط ما قبلها بما بعدها من حيث المعنى، وإن كان هذا يختلف عن ذلك. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ المراد بالعبودية هنا الخاصة أو العامة؟ الخاصة بدليل قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾. وسبق لنا قريبًا بيان أن العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة؛ (أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة)، وهذا على قراءة كسر اللام، (أو لأن الله أخلصهم لها على قراءة فتح اللام)، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن في الآية قراءتين: ﴿﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ ﴾، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ لكن لم يُصرِّح بهما، وإنما أتى بمضمونهما، ففي الآية قراءتان (مُخْلِصِين) لإخلاصهم لله؛ لأنهم أخلصوا القصد لوجه الله عز وجل، رب العباد إليه الوجه والعمل، فلم يلتفتوا إلى ما سوى الله، والإنسان المخلص لله الذي أخلص قلبه له يُوفَّق، وتكون عاداته عبادات؛ لأنه دائمًا مع الله، ودائمًا يتفكر في آيات الله، ودائمًا يحب القرب من الله، فيسعى إلى أن يكون قوله وفعله وترْكه كله لله عز وجل، وهذا -في الحقيقة- هو الرابح الذي ربح الوقت، وربح العمر؛ لم تضع عليه لحظة من اللحظات إلا وهو كاسب فيها، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، أكثر الناس في غفلة غافلون، لم يخلصوا أنفسهم لله عز وجل، بل إن من الناس من قد تكون العبادات في حقه عادات، يقوم ويتوضأ ويصلي؛ لأن هذه عادته، كأن هذه العبادات عمل يومي يقوم به؛ ولهذا لا نجدها تؤثر على القلب بواسطة الغفلة الشديدة عن الإخلاص لله عز وجل، فهم مخلِصون لله في العبادة، كذلك (مُخْلَصُون) أخلصهم الله، قال المؤلف: (للعبادة). ولو قيل معنى أسمى من هذا لكان أولى، أخلصهم الله لنفسه واختصهم من بين سائر العباد، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧] الذين اصطفاهم الله وجعلهم صفوة عباده لنفسه، وهذا أبلغ في الثناء مما قال المؤلف من أن الله أخلصهم للعبادة، بل نقول: أخلصهم له من بين سائر العباد ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقول المؤلف: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات ٧٥] هذه الجملة كالتفصيل لقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فهنا شرع الله عز وجل يُبين كيف كان هذا الضلال، ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بدليل الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، فقال: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إذن ليس هناك نبي مُرسَل قبل نوح. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]. فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهما فليس قبل نوح أحد أُوتِي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أما نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مُكَلَّم، لكنه ليس نبيًّا مرسلًا. وأما من السنة فقد صح عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]. فنوح عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ يعني تسع مئة وخمسين سنة يدعوهم ليلًا ونهارًا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح ٥، ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة، لكنهم -والعياذ بالله- نكصوا واستكبروا، وما آمن معه إلا قليل، لما رأى عليه الصلاة والسلام ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧]، وقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: (﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال: بقوله: رب ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ) ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، فانتصر الله له، وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا﴾ أو ﴿﴿فَفَتَّحْنَا﴾ ﴾ ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١، ١٢] ماء ينبع من الأرض، وماء ينزل من السماء، يفور من الأرض فورانًا عظيمًا يشمل كل الأرض حتى التنور الذي هو موضع إيقاد النار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتى بلغ قمم الجبل، ولم ينجُ منه أحد إلا من كان مؤمنًا فإنه مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. ذكرنا أن نوحًا هو أول الرسل، مَنْ آخرهم؟ محمد ﷺ هو آخر الرسل، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين مع قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أنه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الجملة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم و(اللام) و(قد)، ونقول في توجيه التوكيد هنا ما قلناه فيما سبق. وقوله: ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء حرف عطف تفيد الترتيب والتعقيب، واللام موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنِعم المجيبون، والمجيبون فاعل (نِعْمَ)، و(نعم) و(بئس) وشبههما تحتاجان إلى فاعل، وإلى مخصوص يكون مبتدأ جملتهما خبره، أليس كذلك؟ تحتاجان إلى فاعل، وإلى مبتدأ تكون جملتهما خبرًا عنه، هذا المبتدأ يُسمَّى المخصوص بالمدح أو بالذم، فأين المخصوص هنا في هذه الآية؟ يقول: نحن، فلنعم المجيبون نحن. وصدق ربنا عز وجل نعم المجيب الله سبحانه وتعالى، فإن إجابته ليست كإجابة غيره، إجابة الله سبحانه وتعالى إجابة محققة لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة، وأن تنتفي الموانع، فإن لم تتم شروط الإجابة فإنه لا يُجيب عز وجل؛ لأن إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الإجابة صار للإجابة محل فحلت الإجابة، وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة، ولا بد له من انتفاء الموانع، ألَّا يوجد مانع من موانع الإجابة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد. المهم أن الله تعالى أثنى على نفسه بأنه نِعْم المجيب، وصدق الله العظيم فإنه تعالى نعم المجيب، يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (له نحن؛ أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق) نعم، دعا الله على قومه فأهلكهم بالغرق، غرقوا عن آخرهم، وذُكِر أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْجِيًا أَحَدًا مِنَ الْغَرَقِ لَأَنْجَى أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. ما أم الصبي؟ امرأة كان معها صبي، فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتى وصل إليها، ثم ارتفعت، حتى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتى وصلها الماء حتى بلغت قمة الجبل، فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبيَّ فوق يديها؛ لتغرق قبله. قال النبي ﷺ فيما يذكر عنه: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. لأن هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتى يدركها الغرق قبله. المهم أن هؤلاء القوم وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، فانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق ويش قال؟ ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعه إيمانه حين رأى البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨]. قال أهل العلم: والحكمة من ذلك أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يُؤذَن له، فلم تحق عليهم الكلمة؛ لعدم تمام الإنذار في حقهم؛ فلهذا لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم إلى حين وسيجدون ما يستحقونه من العقوبة أو المثوبة. قال الله عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] من أهله؟ هل نقول: المراد المؤمنون؟ أو نقول: إن الأهل هم خاصة الرجل؟ لأن هناك فرقًا بين (آل) و(أهل)، (آل) أتباع، (أهل) هم الخواص خاصة الرجل كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، هذا لا يشمل الأمة كلها أهل البيت الخاصة، فهل نقول: إن المراد أهله الذين هم خاصته؟ هذا هو الأقرب من الآية، لكن في آيات أخرى تدل على أن الذي نجا هو ومن آمن معه. يُستثنى من الأهل أهل نوح ابنه الذي كفر به فإنه أدركه الغرق، ولما سأل نوح عليه الصلاة والسلام ربه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود ٤٥، ٤٦]. ويستثنى من ذلك امرأته كما قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] خانتاهما بماذا؟ بالكفر لا بالفاحشة والزنا؛ لأنه من المستحيل أن يجعل الله امرأة نبي تزني؛ لأن الزنا خُبْث، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط كانت بالكفْر، والكفر قد يكون في امرأة النبي وهو لا يعلم؛ ولهذا قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني أخفتا الكفر عن نوح وعن لوط. المهم أن (أهل) هنا ليس على عمومه، فهل نقول: هو عام أُريد به الخاص أو عام مخصوص؟ عام مخصوص؛ لأن العام الذي أُرِيد به الخاص لا بد أن يكون معلومًا للمخاطَب أنه لم يرد به إلا الخاص من أول الأمر، فأما الشيء الذي لا يُعلم إلا بنص آخر فإن هذا يسمى عامًّا مخصوصًا. يقول عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] ﴿الْكَرْبِ﴾ معناه ضد السعة، والإنسان المكروب هو الذي أصابه ما يُكرَب به، ولا شيء أعظم من كرْب الموت، وهذا الكرب الذي أصاب قومه كرب عظيم؛ لأنه غرق يموت الإنسان وهو ينظر؛ يعني موت الإنسان بمرض، يعني يموت بشيء يعلم أنه لا قُدرة له على إزالته، لكن بالغرق يموت وهو يؤمِّل أن ينجو، ولهذا تجده بكل قواه يحاول النجاة، ولكن ما تحصل له، فكأنه يموت، يقطعه الموت وهو ينظر إليه؛ فلهذا صار كربًا عظيمًا؛ لأنه موت بغرق، ومثله الموت بالحرق بالنار، فإن الإنسان يموت بأمر يشعر بنفسه أنه يستطيع التخلص منه، ولكن يعجز فيكون وقع الموت بحق عليه أشد؛ ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال المؤلف: (أي الغرق) ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وفي الآية إشكال إعرابي، وهي أن ﴿الْبَاقِينَ﴾ منصوبة مع أنها بعد ﴿هُمُ﴾، و﴿هُمُ﴾ يكون مبتدأ، والمبتدأ خبره مرفوع، فلماذا جاءت منصوبة هنا؟ * طالب: فصل. * الشيخ: الأخ يقول: إنه ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، وعلى هذا فتكون ﴿الْبَاقِينَ﴾ المفعول الثاني لـ﴿جَعَلْنَا﴾؛ لأن (جعلنا) من أفعال التصيير؛ فهي بمعنى (صيَّرنا) وتنصب مفعولين؛ المفعول الأول ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ والمفعول الثاني ﴿الْبَاقِينَ﴾. وقوله: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الآن نحن قلنا: إنها ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب لكن له محل من المعنى، فما هو؟ * طالب: هو يا شيخ يفصل بين الخبر. * الشيخ: يعني يميز بين الخبر والصفة، هذه واحدة، الثاني؟ * الطالب: التوكيد. * الشيخ: يفيد التوكيد. * طالب: ويفيد الإحصار. * الشيخ: ويفيد الحصر، ففوائد ضمير الفصل ثلاثة: التوكيد، والحصر، والفصل؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، أما هو لا يؤثر في الإعراب إطلاقًا. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ من ذريته؟ أي نسله، جعل الله نسل نوح هم الباقين؛ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم. ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء. ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى فيما سبق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية مَنْ؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام) كل الناس بعده من نسله.. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الصافات ٧٧] من ذريته؟ أي: نسله، جعل الله نسل نوح ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم، ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء، ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم، لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته؛ كما قال تعالى فيما سبق: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية من؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام)، كل الناس بعده من نسله، أما قبله فليس من نسله، من نسل آدم، قال المؤلف: (وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر، ويأجوج ومأجوج وما هنالك) هذا هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح عليه الصلاة والسلام كانوا ثلاثة: سام وحام ويافث، لكن لم يأت هذا بسنة صحيحة عن النبي ﷺ، ولا في القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأما هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ على ذلك، والله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، في أي آية؟ في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلا هو سبحانه وتعالى؛ وجب أن يُتلقى علمهم من؟ منين؟ من الله سبحانه وتعالى، من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي. وعلى هذا فما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، فإنه مما يُتوقف فيه، لا يجزم به؛ كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا أن يكون الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثين، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله، وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، ومن آمن معه ليس لهم ذرية؟ قد يكون لهم ذرية، لكن لم تبق، فالله أعلم. ومن الجائز أن يكون للإنسان ابن وابن ابن ثم ينقطع نسله، ومن الجائز أن يكون له ابن وابن ابن إلى خمسة ثم ينقطع نسله، فلا نعلم، لكن الذي بقي نسله هو نوح ﴿ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] (أبقينا ﴿عَلَيْهِ﴾ ) يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: تركنا له، ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ إشارة إلى أن (تركنا) مضمَّنة معنى يناسب حرف الجر المذكور –ننتبه- يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ يعنى أبقينا له ثناءً حسنًا، أقول: لم يقل: تركنا له في الآخرين، بل قد قال: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فلا بد أن يُضمَّن (تركنا) معنًى مناسبًا لـ(على)، المعنى المناسب لـ(على) هو الثناء، يعني أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى أثنى عليه ثناء من أفضل الثناء، قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، هذا ثناء أعظم ما يكون من الثناء، وأشرف ما يكون من الفخر؛ أن الله عز وجل يصف واحدًا من بني آدم يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، يعني قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر عليه الصلاة والسلام. إذن أبقى الله عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم، بل إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عز وجل عند قرب قيام الساعة، وكل هذا القرآن فيه الثناء على نوح. (﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة)، والظاهر من الآية الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح كان يُذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فيكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا عليه الصلاة والسلام بما أثنى الله به عليه لأنه مذكور في كل الكتب. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩]، ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، ونُكر من أجل التعظيم، أي: سلام عظيم؛ لأنه سلام ممن؟ من الله ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ هذا الثناء معناه أن الله سلمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثناء من الله سبحانه وتعالى، فجمع الله له بين أمرين؛ بين الثناء وبين سلامته، أو بين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: سلام بمعنى تسليم، أي أن الله سلمه من كل ما يضيره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ المراد بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ هنا من بعد نوح، لا من قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص. قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ٨٠] ﴿إِنَّا﴾ (...) ولكن المراد بها التعظيم؛ فإن الله واحد سبحانه وتعالى، ولكنه إذا ذُكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به أيش؟ المراد به التعظيم، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني كل من أحسن، فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه كما جزى نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد جزى الله نوحًا بأمرين؛ بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين، فكذلك من كان مؤمنًا بالله عز وجل محسنًا في عبادته وإلى عباده، فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجدون أئمة المسلمين، تجدون أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثناء عليهم، على الرغم من أن من الناس من يقدح فيهم؛ لأن كل واحد من أهل الخير لا بد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]. وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عدوًّا من المجرمين بلا شك، لكن يقيض الله سبحانه وتعالى لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدافع هذا القدح، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا. والإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله ﷺ، حيث قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ماذا فهمتم من هذا الحديث؟ «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ماذا تفهمون؟ نفهم أن العبادة في القسم الأول عبادة طلب، والعبادة في القسم الثاني عبادة هرب، معلوم؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما هو معلوم؟ طيب، العبادة في القسم الأول عبادة طلب «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فإنه يلح في العبادة ليصل أيش؟ إلى محبوبه، إلى الله عز وجل، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة، وهي عبادة الرغبة والطلب، فإنه يراك، فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأن هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثانية، ولهذا جعلها النبي ﷺ في الدرجة الثانية، قال: «إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» وتعبده كأنك تراه «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته، هذا الإحسان في عبادة الله، أما الإحسان إلى عباد الله، فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، بذل الندى يعني العطاء، كف الأذى ألا تؤذي أحدًا، لا بقولك ولا بفعلك، طلاقة الوجه ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر؛ لأن الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله سبحانه وتعالى عاتب النبي ﷺ، وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، مع أن الرسول ﷺ حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك، ماذا قال؟ قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ١ - ١٠] كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله عز وجل بأن بدأها بضمير الغيبة، فقال: ﴿عَبَسَ﴾، كأنما يتحدث عن شخص آخر، لا عن الرسول، ولم يقل: عبست وتوليت؛ لأنه كما مر علينا كثيرًا بأن المخاطبة بصيغة الخطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة. المهم أن الإحسان للعباد يكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وإن شئت فقل بأن الإحسان إلى العباد: بذل المعروف فيهم بالمال والبدن والجاه، أما بالمال فظاهر بالبدن أن تخدمه، ومع هذا فإذا خدمت الإنسان وأعنته فأنت مأجور؛ كما قال الرسول ﷺ في: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة.]]. ومن البذل البدني طلاقة الوجه، لا شك أنها من البذل المعروف البدني؛ لأنها تتعلق بالبدن، الثالث قلنا: الجاه بأن تنفع الناس بالتوسط والشفاعة فيما فيه الخير لهم ولك (...). * * * ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٦ - ٦٨]. * من فوائد هذه الآية الكريمة وما بعدها: بيان أن هؤلاء -أعني أهل النار والعياذ بالله- لا يمكن أن يخرجوا من النار؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها: أن ظاهرها يفيد تأبيد النار؛ لأنها المرجع النهائي، وهذا يقتضي أنه ليس هناك سواها، وهذا القول -أعني أن النار مؤبدة- هو القول المتعين الذي لا يجوز اعتقاد سواه؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣] وبعد هذه الآيات الثلاث من عالم الغيب والشهادة لا يجوز العدول عن القول بمدلولها، فإذا كان الساكن خالدًا خلودًا مؤبدًا لزم أن يكون المسكون كذلك، أي مؤبدًا لا يمكن فناؤه، والقول بجواز فناء النار أو بوجوب فناء النار قول ضعيف جدًّا، وقد علق شيخنا رحمه الله على ابن القيم في كتابه شفاء العليل، حيث ذكر الخلاف عن بعض السلف، علق على هذا بأنه قول ضعيف جدًّا، واستغرب أن يقع هذا من مثل ابن القيم رحمه الله؛ لأنه قول منافٍ للقرآن، ولكن لكل جواد كبوة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء يمنون ويؤملون بأن يخرجوا من النار، ولكن يرجعون فيها؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وقد ذكرنا في أثناء التفسير أن كون الإنسان يمني أن يخرج ثم يعاد يكون أشد وقعًا عليه وأشد عذابًا وألمًا. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٦٩، ٧٠] من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين اتبعوا آباءهم على الضلال؛ لقوله: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ فضلوا مثلهم * ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم التقليد المخالف للحق؛ لأن الله تعالى ذكر هذا تنديدًا بهم، وتوبيخًا لهم أن يجدوا آباءهم ضالين، ثم يتبعوهم ويدعوا طريق الحق، فإذا كان التقليد للضرورة بحيث إن الإنسان لا يتمكن من الوصول إلى الحكم عن طريق الاستدلال؛ فهنا يجوز التقليد للضرورة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، ولم يقل: فاستنبطوا من القرآن والسنة إن كنتم لا تعلمون؛ لأن من لا علم عنده لا يمكن أن يستنبط بنفسه، ولو حاول استنباط الأحكام من الأدلة، وهو ليس عنده علم، فسوف يضل ويتخبط خبط عشواء، فالإنسان الذي ليس عنده علم فرضه التقليد، والذي عنده علم فرضه الاجتهاد، وهذا القول وسط بين من يشددون في الإنكار على التقليد، وبين من يشددون في الإنكار على المجتهدين، فيكون التقليد للضرورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الآباء على الأجداد أو لا؟ لأن الظاهر أن قوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى. وإطلاق الأب على الجد ولو بعيدًا معروف في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨] فسمى الله إبراهيم أبًا مع أنه جد بعيد. ويتفرع على هذه القاعدة: ترجيح القول بأن الجد يسقط الإخوة مطلقًا، أي سواء كانوا أشقاء، أم لأب، أم لأم في باب الميراث، وهو القول الراجح أن الجد إذا وجد وهو جد من قبل الأب فإنه يسقط الإخوة، ولو كانوا أشقاء، أو لأب؛ لأنه أب، وهذا القول هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وروي عن ثلاثة عشر صحابيًّا، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الراجح المتعين. ووجه ذلك أن القائلين بالتوريث أتوا بتفصيلات لو كانت هي الشرع لوجب أن تُبين في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولون: إن الجد إذا لم يكن من صاحب فرض يُخير بين الثلث والمقاسمة، وإذا كان معه صاحب فرض فإنه يخير بين السدس وثلث الباقي والمقاسمة، فنقول: من أين لكم هذا التقسيم؟ هذا التقسيم لو كان شرعًا لوجب أن يكون في الكتاب والسنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قسم أصحاب الفروض تقسيمًا واضحًا بينًا، فالأم ذكر أحوالها، وكذلك الإخوة والأخوات، الإخوة من أم، والأخوات مطلقا، فأين هذا التقسيم؟ من أين لكم أن الجد إذا لم يكن صاحب فرض فإن ميراثه الثلث أو المقاسمة، وإذا كان صاحب فرض فإن ميراثه السدس أو ثلث الباقي أو المقاسمة، المهم أن هذا سيأتينا إن شاء الله في الفرائض بأوسع من هذا، لكنا تعرضنا لهذا هنا لقوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: قبح عمل هؤلاء المقلدين حيث كانوا يهرعون على آثار آبائهم، أما في الحق فإنهم ينكصون على أعقابهم، فيتفرع على هذا: خطر هؤلاء الناس الذين إذا جاء الحق موافقًا لأهوائهم أسرعوا إليه، وإذا كان غير موافق نكصوا عنه، وصاروا يتباطؤون فيه، وهؤلاء فيهم شبه من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]، فإذا كان الحق لهم أتوا إليه مذعنين، وإذا كان الحق عليهم نكصوا وحاولوا أن يلووا أعناق النصوص لتوافق أهواءهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ دليل على أن الأمم السابقة قد ضل أكثرهم، وهو كذلك، وقد مر علينا «أن الرسول ﷺ رأى النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث عبد الله بن عباس.]]. * ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ بذكر المماثل للذين كذبوه؛ لأن الإنسان يتسلى ويتأسى بمصائب غيره. * ومن فوائد الآية: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه ويسلم، حيث كان يضرب له من الأمثلة ما يسليه بها؛ لأن سلو الإنسان بغيره يهون عليه الأمر، ويزيده قوة واندفاعًا فيما يدعو إليه. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم السابقة. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات ٧٢] دليل على أن الله تعالى أقام الحجة على كل أمة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي: في الأولين ﴿مُنْذِرِينَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] فكل القرى قامت عليها الحجة. * ويستفاد من الآية أيضًا: أن من لم تبلغه الرسالة فلا حجة عليه؛ لأنه لم يبلغه الإنذار، وهو كذلك، ولكن ماذا يكون مصير هذا الرجل، أو ماذا يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ نقول: أما في الدنيا فيحكم بما يتعبد به ويتدين به، فإن كان يتدين باليهودية فهو يهودي، أو بالنصرانية فهو نصراني، أو بالمجوسية فهو مجوسي، أو بالشيوعية فهو شيوعي، هذا في الدنيا، يعني أننا لا نجري عليه أحكام المسلمين في هذه الحال؛ لأنه يدين بغير الإسلام، أما في الآخرة فحكمه إلى الله عز وجل، وأصح الأقوال في هذا أن الله سبحانه وتعالى يمتحنهم بما يشاء، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (...)، نعيد هذه المسألة: ما حكم من لم تبلغه الرسالة في الدنيا؟ حكمه حكم ما يدين به؛ لأننا ليس لنا إلا الظاهر، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل، يقيم الله له امتحانًا يوم القيامة بما يشاء، فإذا أطاع دخل الجنة، وإذ عصى دخل النار، فإذا قال قائل: وهل في الآخرة تكليف؟ ألستم تقولون: إن التكليف ينقطع بالموت؟ فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢] ودعوتهم إلى السجود تكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم عز وجل، ما وجهه؟ أنه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد (...) ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] لا، بل قرن دعوتهم بماذا؟ بالإنذار والتبشير؛ ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يعاقب على الذنب إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فهم أنذروا فكانت العاقبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة؛ لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله عز وجل في مناسبة العقوبة، ليش؟ للذنب، فينظر لهذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ٧٤] إشارة إلى أن المخْلَص أو المخْلِص، وهما متلازمان، إخلاصهم هم وإخلاص الله لهم إلى أن عاقبته النجاة، وجهه الاستثناء ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإن هؤلاء عاقبتهم النجاة وعاقبتهم حميدة. * ومن فوائدها: حث الإنسان على أن يكون من هؤلاء العباد لينجو. * ومن فوائدها: فضيلة الإخلاص؛ لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ والإخلاص كما تعلمون هو الذي أمرنا به، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥]، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤] ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والإخلاص كما مر علينا هو إزالة جميع الشوائب في العبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هؤلاء المخلصين، بماذا؟ بإضافة عبوديتهم إلى الله، فإنه لا شك أن ما يضاف إلى الله ينال الشرف، ولهذا شرف الله بيته بإضافته إليه، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج ٢٦] وشرف الله المساجد بإضافتها إليه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام بيوت الله: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]] وهذا لا شك تشريف للمضاف. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله على هؤلاء العباد، حيث أخلصهم لنفسه فلم يكن لهم مقصود إلا الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس هؤلاء العباد لهم مقصود فهم يأكلون قصدًا ويشربون قصدًا، ويتمتعون بالمساكن وبالنساء قصدًا، فقد دخل في قصدهم قصد ما سوى الله، فما الجواب؟ الجواب: أنهم يتقربون إلى الله بهذا القصد، فمثلًا في الأكل يأكل الإنسان تشهيًا بلا شك، ودفعًا للضرورة، لكن يمكن أن يكون هذا الأكل عبادة من وجوه: أولا: إذا قصد به امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بالأكل والشرب. ثانيًا: إذا قصد به حفظ صحته وقيام بنيته؛ لأن الإنسان مأمور بمراعاة نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.]]، إذا قصدوا بذلك الاستعانة بهذا الأكل والشرب على طاعة الله، ولا سيما إذا كان معينًا إعانة مباشرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. الرابع: إذا قصد بذلك التبسط بنعم الله فإن الله يحب من عبده أن يتبسط بنعمته؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه، ومن أشرف وقت عند الكريم أن يطرق بابه الضيوف ليكرمهم، أليس كذلك؟ لكن البخيل بالعكس؛ إذا قرع الباب قال: ما هو بموجود، لكن الثاني يكون قد فتح بابه للناس، ويفرح إذا جاء الناس وتبسطوا بضيافته. إذن قصد الإنسان التنعم بنعمة الله والتبسط بها، لا شك أن هذا قربة إلى الله عز وجل؛ لأن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه. * طالب: (...) ابن القيم قال في حادي الأرواح: إن النار ناران؛ نار الكفار ونار عصاة الموحدين، أما نار عصاة الموحدين فهي اللي تفنى، أما نار الكفار فلا تفنى، أليس تفصيل هذا يقضى على أن (...) ابن القيم لم يقل بفناء النار؟ * الشيخ: لا، هو ذكر في كتاب شفاء العليل الخلاف في نار جهنم التي هي للكافرين. * طالب: أليس هذا تقييدًا ما أطلقه في شفاء العليل؟ * الشيخ: (...) قول ثان، الكلام على أن تعليق شيخنا على هذا الذي وجده أمامه. * طالب: الذي بلغته الرسالة، ولكن هو يولد في بيئة عمت فيه الشرك، وعندهم (...) وهم قد غرسوا في قلبه عداوة بينه وبين الذين عندهم العقيدة الصحيحة ما حكمه؟ * الشيخ: الظاهر أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأن الله تعالى أقام الحجة على المشركين، مع أن عامة المشركين أو عوام المشركين لا يفهمون. * الطالب: هو مسلم، يعني ولكن.. * الشيخ: إي، لكنه مسلم مشرك، فمثلًا إذا قيل له: إن الذهاب إلى صاحب القبر ودعاءه شرك. * طالب: هو ما يعرف.. * الشيخ: (...) لم يعرف هذا معناه أنه لم تقم عليه الحجة، إنما قولنا في رجل يعرف قيل له: إن هذا شرك، وقيل له: إن الله يقول: ﴿ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤]، وقالوا له: إن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] وبين له الآيات، أما مجرد أن يأتيه رجل من الناس ويقول له: ترى إن هذا شرك فقد لا يكون في هذا إقامة حجة، عرفت؟ * طالب: في بعض الناس (...) لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه فقط، لا يعرفون ما هو الإسلام، هل هذا كفاية لإقامة الحجة فقط، يعني يعرفون أنه في .. * الشيخ: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء؛ هل العذر إقامة الحجة، أو فهم الحجة؟ فمن العلماء من يقول: إذا قامت الحجة سواء فهمها المدعو أم لم يفهم فلا عذر له، ومنهم من يقول: لا بد من أن يفهم الحجة تقام عليه ويفهمها، أما إذا لو بُعث رسول يدعو إلى الهدى ولكن ما فهم هذا الشيء، فإنه لا تقوم عليه الحجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤] بعد أن يبين ويعرف ينقسم الناس بهؤلاء الرسل إلى ضال ومهتدٍ، والمسألة تحتاج إلى تأمل في الواقع: هل يُكتفى بمجرد قيام الحجة واذا قامت عليه الحجة عليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، فيقال: لماذا لم تستفهم فأنت مقصر؟ أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه حجة وبلغته، لكن على وجه مشوش، فهذا معذور، لا سيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار. على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة؛ لأنها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها؛ إذ إن فيه كثير من المسلمين على هذا الوجه، يعني بين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مشوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس مثل بدعة الرافضة، بدعة الخوارج، بدعة الأشعرية، بدعة المعتزلة، بدع كثيرة مشوش على الناس فيها ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يظنون أن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة، فالمسألة تحتاج الحقيقة إلى بحث تام في هذا الموضوع، ومراجعة كلام أهل العلم، لا سيما العلماء المتحررون في أفكارهم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن أشبههما (...). * * * * طالب: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٧٩ - ٨٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا بيان الفوائد، وأظن وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣]؟ قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: بيان تأكيد الشيء بالقسم إذا دعت الحاجة إليه، وأن هذا من فصيح الكلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكد هذا بالقسم واللام و(قد). * ومن فوائده: حث النبي ﷺ وغيره على دعاء الله سبحانه وتعالى، وأن الله إذا ناداه عبده بالدعاء أجابه. * ومن فوائدها: إثبات سمع الله؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، ولا إجابة إلا بعد السمع. * ومن فوائدها: الثناء على نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بلجوئه إلى ربه عند حلول المضايق. * ومن فوائد قوله: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الثناء على الله سبحانه وتعالى بكمال الإجابة؛ لأن الثناء على المجيب يستلزم الثناء على الإجابة، فإجابة الله عز وجل ليست كإجابة غيره، بل هي إجابة فضل وإحسان، قد يعطي الإنسان أكثر مما سأل. * ومن فوائدها: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بإجابته دعوة الداعي، وبيان قدرته على إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة تستلزم القدرة عليها؛ إذ إن العاجز لا يمكن أن يجيب. * ومن فوائدها: بيان عظمة الله، وذلك بالإتيان بالواو في صفته، في قوله: ﴿الْمُجِيبُونَ﴾؛ فإن هذه قطعًا ليست للجمع؛ لأن الله واحد، ولكنها للتعظيم. * ومن فوائد قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] بيان أن قومه أُصيبوا بكرب عظيم، وهو الهلاك بالغرق، وأن الله سبحانه وتعالى نجَّى نوحًا وأهله. * ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله، حيث حل العذاب بهذه الأمة، فنجا قوم وغرق قوم. * ومنها، أي من الفوائد: كمال عدله سبحانه وتعالى، حيث جازى كل واحد بما يستحق، فمن استحق النجاة نجاه، ومن استحق الهلاك أهلكه. * ومن فوائدها: جواز إطلاق العام وإن كان مخصوصًا؛ لأن قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ يشمل أيش؟ المؤمن والكافر منهم، وقد دلت آيات أخرى على أن من أهله من لم ينجُ. * ومن فوائد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧] أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الذي بقي نسله من بني آدم، فكل من بعد نوح فهو من نسله، ولهذا يُسمَّى الأب الثاني للبشرية، وهنا سؤال، وهو أن يقال: إن النبي ﷺ ذكر أن الله خصه بأنه بعثه إلى الناس كافة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/ ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وظاهر هذه الآية الكريمة أن نوحًا بُعث إلى البشر جميعًا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وذريته كانوا مباشرين له، لم يكونوا في مكان آخر. والجواب على ذلك أن هذه الآية لا تستلزم ما ذكر، فقد يكون هناك أمم في أماكن بعيدة لكنها فنِيت ولم يبقَ إلى ذرية نوح، وتكون الأمم البعيدة التي لم تشملها دعوة نوح يكون لها رسل، ثم فنيت هذه الأمم والرسل الذين بُعثوا إليها، ولم يبقَ إلا ذرية نوح. * ومن فوائد قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العبد بثناء الآخرين عليه؛ لأن الميت إذا مات انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم يثني ثناء حسنًا، وقسم يثني ثناء سيئًا، وقلَّ مَن تتفق الأمة عليه بالثناء، وأعني بالأمة أمة الدعوة، أما أمة الإجابة فكثيرًا ما يتفقون على الثناء على شخص معين، لكن أمة الدعوة اللي فيهم الكافر والمؤمن والفاسق والعاصي لا يتفقون على الثناء على شخص؛ لأن كل من قوي إيمانه ودعوته إلى الله فسيجد مضادًّا من أعداء الله سبحانه وتعالى، لكن أهل الخير والإيمان يحبون الداعية إلى الله ويثنون عليه بما يستحق. وفي قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩] دليل على أن نوح عليه الصلاة والسلام قد برأه الله سبحانه وتعالى في الآخرين، حيث يقولون القول الذي فيه سلامته من القدح، فيكون الله قد جمع له بين الثناء الحسن ودفع الثناء السيئ؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا، من فوائد الآية: إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن قوله: ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾ لا يتناول من قبل نوح، فإن الظاهر أنه لم يسبق له ذكر فيما سبق. * ومن فوائد قصة نوح ككل، من فوائدها: إدخال البشارة على رسول الله ﷺ وأصحابه، حيث يكون لهم أسوة في نوح ومن نجا معه، وتهديد المكذبين له، حيث يكون لهم إنذار لما جرى للمكذبين لنوح عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * ومن فوائد قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أن المحسن يُجازَى بمثل ما جُوزي به نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بإنجائه من الهلاك وسلامة عرضه من الذكر السيئ، وكلما كان الإنسان أكثر إحسانًا كان أكثر ثوابًا وأسلم. * ومن فوائد الآية: إثبات القياس لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني مثل هذا الجزاء نجزي كل محسن. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يرتب الجزاء والعقوبة والثناء والقدح على الأوصاف، لا على الأشخاص؛ لأنه هو علق الجزاء على الإحسان، ولهذا لم يأتِ شيء من أحكام الله سبحانه وتعالى مقيدًا بشخص لشخصه أبدًا، حتى خصائص الرسل، ليست من باب خصائص الأشخاص، لكن من باب خصائص الأوصاف؛ لأن فيهم وصفًا زائدًا على غيرهم، وهو وصف النبوة والرسالة، فخصوا ببعض الأحكام المناسبة لمقامهم، أما أن يُخص شخص بعينه لأنه فلان بن فلان مثلًا، فهذا لا يوجد في الشريعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرتب الأحكام ويعلقها على الأوصاف، لا على الأشخاص. * ومن فوائد الآية قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى كمال هذين الوصفين، وهما العبودية والإيمان، وأنهما أشرف وصف يتصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله مؤمنًا به؛ لأن الله قال: إنه من عبادنا المؤمنين، يعني نوحًا، ونوح عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، فإذا كان من مناقبه وفضائله أن يكون من عباد الله المؤمنين دل ذلك على فضيلة العبودية والإيمان. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بيان حكمة الله سبحانه وتعالى، حيث أغرق هؤلاء المكذبين لرسوله عليه الصلاة والسلام، بل المكذبين لرسله؛ لأن الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]. وتكذيب قوم نوح ليس من أجل أنه نوح، ولكن من أجل ما جاء به، ولهذا كان تكذيب رسول واحد تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأنه تكذيب لجنس الرسالة، وليس لشخص المرسل. * ومن فوائدها أيضًا: إقامة العدل بإغراق هؤلاء المكذبين؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يغرقهم ظلمًا، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.

الصافات 37:81

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٤]. شوف هذه الجمل بينها اتصال ولَّا انقطاع، في البلاغة اتصال بلاغي يعني أو انقطاع بينها؟ * طالب: اتصال. * الشيخ: لا، انقطاع؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، الحكمة من ذلك من أجْل أن يَعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة كأن كل صفة مستقلة تُغني عن بقية الصفات، فكم (...) للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يُخاف منها عند إنكار هذه الشجرة؟ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * طالب: من أصل الجحيم. * الشيخ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ هذا قرآن. * طالب: أقول: ما فيها قراءة؟ * الشيخ: ما فيها قراءة أبدًا ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (أي قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها)، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقد سبق لنا هل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ وقلنا: في ذلك احتمالان؛ يعني يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف، ويحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أُفرِدت باعتبار نوعها كما تقول مثلًا إذا شاهدت شجرة في البر: هذه شجرة مذاقها مُر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها، والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ فسمعنا وَجْبَة فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا»[[أخرجه مسلم (٢٨٤٤ / ٣١) من حديث أبي هريرة.]]. يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة، وأن أغصانها ملأت دركات النار، فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: أنها واحدة بالجنس والنوع، فليس في ذلك إشكال. يقول: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم؟ سيكون لِمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن النوع الواحد إذا غُرِسَ في هذه الأرض اختلف عما إذا غُرِس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها؛ ولهذا قال: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، ولم يقل: في الجحيم؛ ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار. يقول: (﴿طَلْعُهَا﴾ المشبه بطلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ أي الحيات القبيحة المنظر). ﴿طَلْعُهَا﴾ يعني الثمر الذي يُشبه طلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، والشياطين جمع (شيطان)، وهل المراد الشيطان الحقيقي، أو المراد نوع من الحيات كما قال المؤلف؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: إن المراد الشيطان الحقيقي، واحتمال أن يكون المراد به نوع من الحيات قبيحة المنظر وارد؛ لأن السيئ من الحيوان قد يسمى شيطانًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[[أخرجه مسلم (٥١٠ / ٢٦٥) من حديث أبي ذر.]]. ولكن الواجب علينا -كما مر علينا كثيرًا- إجراء القرآن على ظاهره، وأن نقول: المراد بالشياطين، الشيطان المعروف، وإنما شُبِّهت برؤوس الشياطين مع عدم رؤية الناس لها؛ لأن كل أحد يعرف أن ما يُنسب إلى الشيطان فهو قبيح منفر، لا يركن إليه أحد، فالتشبيه هنا تشبيه بما يُتخيل فكرًا، لا بما يُعلم حِسًّا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه القبيح، ولا حاجة إلى أن نقول: إنها حيات، حتى لو قلنا بأنها حيات، هل هذه الحيات معلومة لكل أحد؟ إن حيات لا يعرفها إلا النادر من الناس لا ينفر الناس منها، بل إن المؤلف الآن لما قال: إنها حيات هبطت قيمة هذا القبح في نفس الإنسان، لكن ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الإنسان يقشعر جلده، ويقف شعره عندما يسمع هذا التشبيه القبيح، وعلى هذا فالصحيح أن المراد بذلك رؤوس الشياطين الحقيقية، ولكنها شُبِّهت بها للعلم بأنها قبيحة عند جميع الناس وأنها مُنفِّرة. (﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أَي الْكُفَّار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مَعَ قُبْحهَا لشدة جوعهم) أعوذ بالله ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾ الجملة هنا اسمية مؤكدة بـ(إن) و(اللام)، أليس كذلك؟ لإفادة أن أكلهم مستمر؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأُكدت بـ(إن) و(اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم الى أن يأكلوا منها قسْرًا من غير شهوة، ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يُفضِّل الموت على الأكل من هذا لكن في النار يُعذَّبون بالأكل منها؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ نسأل الله العافية؛ يعني أنهم لا يشبعون، ولا يقتصرون على الضرورة، أنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن، هل تملأ منه البطن؟ وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدْر الحاجة، بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات، هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم، ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أنه تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة، يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم؛ وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، وقال عز وجل في اغتسالهم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج ١٩، ٢٠]، تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها، لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة ٦، ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار، يقول: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. قوله: ﴿الْبُطُونَ﴾ (أل) هنا للعهد، أي عهد؟ الذهني، ألا يمكن أن نقول: إنه العهد الذكري؛ لأنه سبق ما يدل على البطن؟ نقول: العهد الذكري لا بد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾؛ لأنه لا يأكل إلا من له بطن ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ يعني البطون منهم. يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ (ثم) حرف عطف يدل على أيش؟ الترتيب والتراخي مما يدل على أنهم إذا أكلوا عطشوا، وإذا عطشوا لا يأتيهم الماء في الحال، بل يأتيهم بعد مهلة بيَّنها الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف ٢٩]، فهم ليسوا إذا أكلوها وعطشوا بها؛ أُعطوا الماء بسرعة، لا، يستغيثون، ويدعون أن يأتيهم ماء يُبَرِّد عليهم لهيب العطش، ولكن إذا أُعطوا هذا الماء يُعطونه شوبًا من حميم؛ يعني ماء حارًّا حرارة عظيمة، والشوب وهج النار، هذا الوهج بيَّنه الله عز وجل في الآية التي سقتها قبل قليل، إذا قرب الماء من وجوههم ليشربوه شوى وجوههم والعياذ بالله، شَوَاها حتى إن لحومها لتتساقط من شدة حرارته، فإذا شربوه فإن أمعاءهم تستقبله لكنها تتقطع به ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]. أيها الإخوة، إننا لسنا نتكلم عن سواليف الأولين، نتكلم عن أمر حقيقي إذا تصوره الإنسان ينزعج في الواقع؛ يعني ليس هذا أمر قيل، أو يقال، أو يقولون، هذا أمر هو الحقيقة، الحق لهؤلاء الطغاة الذين كذبوا رسل الله عز وجل، وبدلوا نعمة الله كفرًا، كل هذا سيكون، ليس خبر الأولين؛ لهذا يجب علينا إذا قرأنا مثل هذه الآيات أن نشعر بأن هذا هو عِلْم اليقين، وأنه سيكون حق اليقين، هذا الأمر بعد أن يعطشوا ويستغيثوا لا يغاثون بماء بارد ولا بماء عذب، بل بِشَوْب من حميم (أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبًا له). فسر المؤلف الشوب هنا بالخِلط، ومنه: شُبت الماء باللبن؛ أي: خلطته، وهو يصلح بهذا وهذا، فهو خلط وهو أيضًا وهج حرارة هذا الحميم، كل ذلك يكون، فالوهج يكون قبل الشرب، والشوب بعد الشرب. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ يعني ثم بعد ذلك يكون مرجعهم إلى الجحيم، وجملة (ما ترون) جملة اسمية لم يقل: ثم يرجعون، بل قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ مؤكدة بماذا؟ بمؤكدين وهما (إن) و(اللام)، وهذا الترتيب فيه إشكال، فهل هو ترتيب ذكري أو هو ترتيب معنوي؟ المؤلف يرى أنه ترتيب معنوي، ويحتمل أن يكون ترتيبًا ذكريًّا؛ يعني بعد أن ذكر الله عز وجل ما لهم من هذا العذاب بَيَّن أن مرجعهم في يوم القيامة إلى هذا الجحيم، لا يرجعون إلى سواه. أما المؤلف فيقول: (يفيد أنهم يُخرجون منها لشرب الحميم، وأنه خارجها) وهذه الفائدة فائدة ضعيفة في الواقع، يعني كون نستفيد هذه الفائدة من هذه الجملة، ليس بمتعين والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، فكيف يقال: إنهم يخرجون ويشربون الحميم، ثم يُردون؟ هذا بعيد جدًّا، لكن إما أن نجعل الترتيب هنا للترتيب الذكري؛ يعني أن الله بعد أن ذكر أنواعًا من العقوبات لهم بَيَّن أن مآلهم إلى الجحيم؛ أي إلى هذا الجحيم الذي فيه هذه العقوبات، والترتيب الذِّكْري موجود في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: إِنَّ مَـــــــــنْ سَــادَ ثُمَّ سَــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِـــنْ بَعْدِ ذَلِكَجَـــــدُّهُ وسيادة الأب سابقة على سيادتي، وسيادة الجد سابقة على سيادة الأب، أو يقال: إنهم كما قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، وأنهم يُقرَّبون من أبوابها، ويسقون هذا الحميم، فيُقرَّبون لتتطلع نفوسهم إلى الخروج، فيكون عندهم بعض الأمل، فإذا أملوا هذا الأمل، ثم ردوا إلى أصل الجحيم صار هذا أشد عذابًا عليهم؛ لأن حصول اليأس بعد الأمل أشد من بقاء اليأس؛ لأن الأمل يرفع اليأس، فإذا أُعيد إلى العذاب عاد اليأس فكان أشد وقعًا. أرأيت لو أن رجلًا مغلولًا بين يديك، سرت تحاول فك غله؛ يفرح، أليس كذلك لكن إذا عدت، ثم شددته ربطًا وأتيت بغل آخر؛ ازداد يأسًا وغمًّا إلى غمه بعد أن رأى بصيص الأمل يعاد فيُهان، هؤلاء -والعياذ بالله- كلما أرادوا أن يخرجوا منها وحصل لهم بعض الأمل أُعيدوا فيها، فيقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: إلى أصل الجحيم الذي كانوا قد أمَّلوا أن يخرجوا منه حين قُرِّبوا من أبوابها. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء الظالمين الذين يُعذَّبون بهذا العذاب. ﴿أَلْفَوْا﴾ أي (وجدوا) ﴿آبَاءَهُمْ﴾ وألفى بمعنى (وجد)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥] و﴿أَلْفَيَا﴾ يعني وجدا سيدها. ..................... ∗∗∗ وَأَلْفَى قَــــوْلَهَا كَـــــذِبًاوَمَـــــيْنَا أي وجد قولها، فمعنى ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أي: وجدوهم ضالين تائهين عن الحق. يقول: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٧٠] هم وجدوا آباءهم ضالين بعد أن قامت عليهم الحجة بضلال آبائهم، ولكن هل اتبعوا الحجة؟ لا. قال: ﴿فَهُمْ﴾ يعني بعد أن وجدوا آباءهم ضالين والعياذ بالله، هم ﴿عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: يُساقون ويُزعجون وهُرِع بمعنى (عَجَّل وأسْرع) في الشيء، فهم على آثار آبائهم وعلى ما كانوا عليه من الشرك والظلم يُهرعون؛ أي: يساقون بشدة، ويسرعون إلى اقتفاء آثارهم، وقد جاءتهم الرسل بالحق، ولكن بماذا أجابوا: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ يعني ولا نقبل منهم، فهم علموا أن آباءهم ضالين ومع ذلك -والعياذ بالله- بقوا على ما هم عليه بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤهم. (﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ يُزْعَجُونَ إلَى اتِّبَاعهمْ فيسرعون إليه) والكلام كله في مشركي قريش بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الجملة هذه فيها ثلاثة مؤكدات بَيِّنها لنا؟ ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾. * طالب: لقد. * الشيخ: ويش هي لقد؟ * طالب: لقد، وحرف العطف. * الشيخ: اللام وقد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الواو حرف عطف، ويش تعرب اللام؟ * الطالب: واقعة في جواب القسم. * الشيخ: إي، موطئة للقسم، اللام موطئة للقسم؛ يعني أنها تفيد قسمًا مقدرًا، والله لقد، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم، واللام، وقد، والله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات ٦٩-٨١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ما المراد بالشياطين هنا؟ * طالب: يقول المؤلف: إن هي الحيات القبيحة، ولكن الصحيح أن هذه الشياطين على حقيقتها؛ لأن الأصل بقاء اللفظ على (...). * الشيخ: فإذا قال لك قائل: كيف يشبه الله شيئًا بشيء غير معروف؟ * طالب: لقبح الشيطان. * الشيخ: صورته ما هي معروفة، رؤؤس الشياطين من رآها؟ * طالب: هذا من عادة العرب إذا أرادت أن تقبح شيئًا تشبهه بالشياطين. * الشيخ: من عادة العرب أنها إذا أرادت أن تُقبِّح شيئًا وتُنفر منه شبهته بالشياطين، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ الجملة هذه فيها تأكيد أو لا؟ * طالب: اللام. * الشيخ: اللام فقط؟ * طالب: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ والقسم المقدر. * الشيخ: ما فيه قسم. * طالب: (إن) و(اللام). * الشيخ: (إن) و(اللام). إذا قال قائل: ما الغرض من هذا التوكيد؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، فالإنسان قد يشك في أكلهم؛ لكونها طلعها يشبه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ماذا يفيد؟ * طالب: شدة الجوع (...). * الشيخ: يعني يصابون بمرض النهم حتى لا يشبعوا. وهل يصابون بمثل هذا في الشراب؟ * طالب: نعم، يصابون لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥]. * الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. إذن يُصابون بمرض النهم في الأكل وفي الشرب؛ ليزداد عذابهم، نسأل الله العافية. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ ما المراد بالشوب؟ * طالب: الشوب له معنيان؛ أنه شديد الحرارة، وخلط، يعني أنه يخلط من عذاب الزقوم (...)، فهم يشربون حميمًا حارًّا ويخالط ما في (...). * الشيخ: والحميم هو الماء الحار. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ هل هم كانوا بالأول في غير الجحيم؟ * طالب: لا، في الجحيم. * الشيخ: كيف قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؟ * طالب: لأجل الاستقرار؛ يعني بعض الأكل كذلك في الجحيم، وبعضهم يقولون في التفسير؛ يعني يخرجون إلى الأبواب، ثم يرجعون إلى الأصل، إلى أصل الجحيم. * الشيخ: إي نعم، صحيح، بس ذكرنا وجهًا آخر. * طالب: أن (ثم) للترتيب الذكري. * الشيخ: أن (ثم) للترتيب الذكري، ولا يعني أنهم بعد أن يأكلوا يرجعون، وإنما يعني أنه ذُكِر مرجعهم بعد ذكر أكلهم، وهل في اللغة العربية ما يسمى بالترتيب الذكري دون المعنوي؟ * طالب: نعم. * الشيخ: شاهده؟ * طالب: قوله: إِنَّ مَــنْ سَـــادَ ثُمَّ سَـــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِــنْ بَــعْدِ ذَلِكَجَــدُّهُ * الشيخ: طيب ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ ما معنى ألفوا؟ * طالب: وجدوا. * الشيخ: وجدوا، ائت بشاهد من القرآن على أن الإلفاء بمعنى الوجود أو الوجدان. * طالب: (...) قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ هذه في أي سورة؟ * طالب: في سورة يوسف. * الشيخ: في سورة يوسف سبيل (...). قوله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * يستفاد من هذه الآية ومن ما بعدها: يستفاد منها: أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت؛ لقوله: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه كما يكون على حسب مائه أيضًا. * ومن فوائدها: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الشجرة تنتشر؛ إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات، بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشر أغصانها، وإما نوعها موجود في جميع النار. * ومن فوائد قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ بيان أن هذه الشجرة لها طلع ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين. * ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بـ(التقبيح)، فيُشبه الشيء بما يُستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا؛ لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. * ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مُستكرَهة مُستقبحة؛ لأنه شُبِّهَ بها القبيح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي أُلْحِق به فيها؛ لأن المشبه دون المشبه به. * من فوائد الآية: إثبات أن للشياطين رؤوسًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، وهو كذلك، فإن الشياطين لها رؤوس. * ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والملائكة والجن هي قوى الشر، الملائكة قوى الخير، والشياطين والجن قُوى الشر، وليس هناك أجسام تُحَس، وجه الدلالة: أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون هذا في الأمور المعنوية التي هي القوى. * ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما ثبت في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل. ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. * من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الشيء المستبعَد أمام المخاطَب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، أليس كذلك؟ ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطَب له ثلاث حالات: ابتداء، وشك، وإنكار؛ ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، يقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب، فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التوكيد، مثلًا إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار. الحال الثانية: أن يكون عند المخاطب شك في الأمر، فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا في قدوم زيد لاستبعاده إياه يحسن عندما تخبره أنه قادم، يحسن أن تؤكده له فتقول: قد قدم زيد، أو: إن زيدًا قادم، هذا متى؟ مع الشك نؤكده بمؤكد على سبيل الاستحباب. الحال الثالثة: أن يكون مُنكِرًا، ففي هذه الحال يجب أن يُؤكَّد له الخبر، لماذا؟ من أجل أن يزول عنه الإنكار، ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد، فتقول له: لقد قدم. وإن رأيت أنه يحتاج إلى زيادة قلت: والله لقد قدم، وإن كنت تخشى أن يكون غير مقتنع فبعض العامة يقول: عليه الطلاق لقد قدم، إي نعم، لأن كثيرًا من الناس يؤمنون بالحلف بالطلاق أكثر مما يؤمنون بالحلف بالله عز وجل. بقي أن يقال: هذا باعتبار حال المخاطب؛ أي أنه يحسن توكيد الخبر أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، قد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر، إذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنه يؤكد حتى وإن كنت تخاطب من لا ينكر مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢]، وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطَب به؛ يُقصد بذلك بيان أهميته، وأنه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ، واضح؟ قال أهل العلم -نبحث في البلاغة لأجل أن نستذكر ما مضى- قال بعضهم: وقد يُنَزَّل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر، مثل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ هل الموت مُتَردَّد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من الناس، إذن فلماذا يؤكد؟ لأن المخاطب قد تكون حاله حال المنكر؛ لعدم استعداده للموت، فكأنه مُنكِر له، فيُؤكَّد له الخبر. هنا ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ نقول: هنا أكد الله عز وجل أنهم سيأكلون، فلماذا؟ لأن المقام مقام استبعاد للأكل، قد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بـ(إن) و(اللام)، وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدالة على استمرار أكلهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يُعذِّب أهل النار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون؛ لقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر الميتة بقدر الضرورة ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، وكلما فرغ البطن قليلًا أكلوا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا، وطلبوا الماء، وطلبوه على طلب المضطر إليه بدليل قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا، ويسألون سؤال المضطر يستغيثون الله عز وجل، فإذا أُغِيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات ٦٧] يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق لنا أن هذا الحميم يُقطِّع أمعاءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أن هؤلاء الذين في النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعِيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منه، نسأل الله لنا ولكم السلامة. فلهذا أكدت بثلاثة مؤكدات. والوجه الثاني: تسلية النبي ﷺ؛ لأن كل ما سبق فيه التحدث عن كفار قريش، فأراد الله عز وجل أن يسلي رسوله ﷺ بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين، ففيه تسلية لرسول الله ﷺ، وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك، كما أن فيه أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنه قال بعده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقوله: ﴿ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني لا كلهم، فإن من الأولين من اهتدى، ولكن أكثرهم ضل حتى قال رسول الله ﷺ حين عُرِضَت عليه الأمم: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. إذن أكثر الناس الذين أرسل إليهم الرسل قد ضلوا، ما دام أنه لم يكن مع النبي أحد يُبعث نبي في قومه، ولا يكون معه أحد. وقوله: ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين، فكل من سبق هذه الأمة فإنه يُعتَبر من الأولين. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بما سبق؛ بالقسم، واللام، وقد، وأُكِّدت للوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها. وقوله: ﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يعني رسلًا منذرين كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]، لكنه هنا لم يذكر البشارة؛ لأن المقام مقام تهديد، فكان طي البشارة أنسب والاقتصار على الإنذار أنسب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فمن هو الرسول؟ قال أهل العلم: إن الرسول هو الذي أُوحي إليه بالشرع ولم يُؤمر بتبليغه، كذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: وأُمر بتبليغه؛ ولهذا يقال: أرسل؛ يعني بُعث برسالة، فهو أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، فإن قلت: ماذا نصنع في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢]، حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ فهو يقتضي أيضًا أن النبي -وهو الذي أُوحِي إليه بالشرع ولم يُؤمر بالتبليغ- قد أُرسل، فالجواب: أن تقدير الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبأنا من نبي فهو على حد قول الشاعر: عَــلَفْتُهَا تِبْــــنًا وَمَــــاءً بَـــارِدًا ∗∗∗ ...................... فالماء البارد لا يُعلف ولكنه يسقى، وهو على تقدير: وسقيتها ماءً باردًا. ومن المعلوم أن حذف ما يُعلم جائز، كما قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته: وَحَــــــذْفُ مَــا يُـــــعْلَـــمُ جَــــائِزٌكَــمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا؟) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: مُخَوِّفين، مُخَوِّفين من؟ مخوفين من خالف بالعقوبة، وحرمان الثواب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم ينذرون من خالفهم بالعقوبة وحرمان الثواب؛ لأن العاصي يُحرَم من ثواب الطاعة؛ إذ لو شاء لأحل مكان المعصية طاعة، وكذلك يُعاقَب بما تقتضيه هذه المعصية. يقول: ﴿فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ومنذرين هذه اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ * طلبة: اسم فاعل. * الشيخ: اسم فاعل من (أنذر ينذر)، والمنذر هو المخوِّف قال: (﴿مُنْذِرِينَ﴾ من الرسل مُخَوِّفين). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] (انظر)، الخطاب هنا مُوجَّه لواحد مُذَكَّر، فمن هو؟ أهو الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أمن يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الثاني أعم؛ أي: فانظر أيها المخاطَب أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين؟ وهنا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ولم يقل: ماذا كان؟ يعني انظر إلى الكيفية وإلى الغاية؛ لأن من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية. لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك، لكن كيف كان عقابهم، انظر إليه إلى كيفيته ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، فانظر إلى الكيفية، كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة، وملاءمتها للذنب؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي أن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله عز وجل، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأُهلكوا بألطف الأشياء؛ وهي الريح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأُهلك بما كان يفتخر به، وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم. إذن (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك: أنها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قلنا: انظر ما عاقبتهم؛ لم تؤمر إلا بالنظر بالعاقبة فقط. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ الجملة هنا استفهامية، ولكنها في محل نصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾، وهذا النظر بالعين ولَّا بالقلب؟ هذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يُعدَّى بـ(إلى)، فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١]، يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يُفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ هنا اسم فاعل أو اسم مفعول؟ اسم مفعول، الذين أنذروا وخُوِّفوا، ولكن لم يخافوا، ولم يُؤثِّر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم؟ قال المؤلف: (أي عاقبتهم العذاب) يعني أن العاقبة كانت وخيمة والعياذ بالله، عُوقبوا بالعذاب المدمر المهلك. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (أي المؤمنين) نعم، ولهذا فسرها المؤلف باسم الفاعل إشارة إلى أن المخلِص هنا اسم فاعل؛ لأن الْمُفَسِّر يُطابِق الْمُفَسَّر فيقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الاستثناء هنا منقطع؛ لأن ما بعده من غير جنس ما قبله، وإذا كان ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يكون علامته أن يحل محل (إلا)؛ (لكن)، ولكن لماذا يُؤتى بـ(إلا) بدل (لكن)؟ إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها، فهي تفيد الاستدراك مع ارتباط ما قبلها بما بعدها من حيث المعنى، وإن كان هذا يختلف عن ذلك. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ المراد بالعبودية هنا الخاصة أو العامة؟ الخاصة بدليل قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾. وسبق لنا قريبًا بيان أن العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة؛ (أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة)، وهذا على قراءة كسر اللام، (أو لأن الله أخلصهم لها على قراءة فتح اللام)، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن في الآية قراءتين: ﴿﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ ﴾، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ لكن لم يُصرِّح بهما، وإنما أتى بمضمونهما، ففي الآية قراءتان (مُخْلِصِين) لإخلاصهم لله؛ لأنهم أخلصوا القصد لوجه الله عز وجل، رب العباد إليه الوجه والعمل، فلم يلتفتوا إلى ما سوى الله، والإنسان المخلص لله الذي أخلص قلبه له يُوفَّق، وتكون عاداته عبادات؛ لأنه دائمًا مع الله، ودائمًا يتفكر في آيات الله، ودائمًا يحب القرب من الله، فيسعى إلى أن يكون قوله وفعله وترْكه كله لله عز وجل، وهذا -في الحقيقة- هو الرابح الذي ربح الوقت، وربح العمر؛ لم تضع عليه لحظة من اللحظات إلا وهو كاسب فيها، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، أكثر الناس في غفلة غافلون، لم يخلصوا أنفسهم لله عز وجل، بل إن من الناس من قد تكون العبادات في حقه عادات، يقوم ويتوضأ ويصلي؛ لأن هذه عادته، كأن هذه العبادات عمل يومي يقوم به؛ ولهذا لا نجدها تؤثر على القلب بواسطة الغفلة الشديدة عن الإخلاص لله عز وجل، فهم مخلِصون لله في العبادة، كذلك (مُخْلَصُون) أخلصهم الله، قال المؤلف: (للعبادة). ولو قيل معنى أسمى من هذا لكان أولى، أخلصهم الله لنفسه واختصهم من بين سائر العباد، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧] الذين اصطفاهم الله وجعلهم صفوة عباده لنفسه، وهذا أبلغ في الثناء مما قال المؤلف من أن الله أخلصهم للعبادة، بل نقول: أخلصهم له من بين سائر العباد ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقول المؤلف: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات ٧٥] هذه الجملة كالتفصيل لقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فهنا شرع الله عز وجل يُبين كيف كان هذا الضلال، ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بدليل الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، فقال: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إذن ليس هناك نبي مُرسَل قبل نوح. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]. فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهما فليس قبل نوح أحد أُوتِي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أما نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مُكَلَّم، لكنه ليس نبيًّا مرسلًا. وأما من السنة فقد صح عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]. فنوح عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ يعني تسع مئة وخمسين سنة يدعوهم ليلًا ونهارًا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح ٥، ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة، لكنهم -والعياذ بالله- نكصوا واستكبروا، وما آمن معه إلا قليل، لما رأى عليه الصلاة والسلام ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧]، وقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: (﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال: بقوله: رب ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ) ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، فانتصر الله له، وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا﴾ أو ﴿﴿فَفَتَّحْنَا﴾ ﴾ ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١، ١٢] ماء ينبع من الأرض، وماء ينزل من السماء، يفور من الأرض فورانًا عظيمًا يشمل كل الأرض حتى التنور الذي هو موضع إيقاد النار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتى بلغ قمم الجبل، ولم ينجُ منه أحد إلا من كان مؤمنًا فإنه مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. ذكرنا أن نوحًا هو أول الرسل، مَنْ آخرهم؟ محمد ﷺ هو آخر الرسل، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين مع قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أنه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الجملة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم و(اللام) و(قد)، ونقول في توجيه التوكيد هنا ما قلناه فيما سبق. وقوله: ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء حرف عطف تفيد الترتيب والتعقيب، واللام موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنِعم المجيبون، والمجيبون فاعل (نِعْمَ)، و(نعم) و(بئس) وشبههما تحتاجان إلى فاعل، وإلى مخصوص يكون مبتدأ جملتهما خبره، أليس كذلك؟ تحتاجان إلى فاعل، وإلى مبتدأ تكون جملتهما خبرًا عنه، هذا المبتدأ يُسمَّى المخصوص بالمدح أو بالذم، فأين المخصوص هنا في هذه الآية؟ يقول: نحن، فلنعم المجيبون نحن. وصدق ربنا عز وجل نعم المجيب الله سبحانه وتعالى، فإن إجابته ليست كإجابة غيره، إجابة الله سبحانه وتعالى إجابة محققة لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة، وأن تنتفي الموانع، فإن لم تتم شروط الإجابة فإنه لا يُجيب عز وجل؛ لأن إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الإجابة صار للإجابة محل فحلت الإجابة، وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة، ولا بد له من انتفاء الموانع، ألَّا يوجد مانع من موانع الإجابة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد. المهم أن الله تعالى أثنى على نفسه بأنه نِعْم المجيب، وصدق الله العظيم فإنه تعالى نعم المجيب، يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (له نحن؛ أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق) نعم، دعا الله على قومه فأهلكهم بالغرق، غرقوا عن آخرهم، وذُكِر أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْجِيًا أَحَدًا مِنَ الْغَرَقِ لَأَنْجَى أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. ما أم الصبي؟ امرأة كان معها صبي، فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتى وصل إليها، ثم ارتفعت، حتى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتى وصلها الماء حتى بلغت قمة الجبل، فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبيَّ فوق يديها؛ لتغرق قبله. قال النبي ﷺ فيما يذكر عنه: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. لأن هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتى يدركها الغرق قبله. المهم أن هؤلاء القوم وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، فانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق ويش قال؟ ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعه إيمانه حين رأى البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨]. قال أهل العلم: والحكمة من ذلك أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يُؤذَن له، فلم تحق عليهم الكلمة؛ لعدم تمام الإنذار في حقهم؛ فلهذا لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم إلى حين وسيجدون ما يستحقونه من العقوبة أو المثوبة. قال الله عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] من أهله؟ هل نقول: المراد المؤمنون؟ أو نقول: إن الأهل هم خاصة الرجل؟ لأن هناك فرقًا بين (آل) و(أهل)، (آل) أتباع، (أهل) هم الخواص خاصة الرجل كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، هذا لا يشمل الأمة كلها أهل البيت الخاصة، فهل نقول: إن المراد أهله الذين هم خاصته؟ هذا هو الأقرب من الآية، لكن في آيات أخرى تدل على أن الذي نجا هو ومن آمن معه. يُستثنى من الأهل أهل نوح ابنه الذي كفر به فإنه أدركه الغرق، ولما سأل نوح عليه الصلاة والسلام ربه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود ٤٥، ٤٦]. ويستثنى من ذلك امرأته كما قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] خانتاهما بماذا؟ بالكفر لا بالفاحشة والزنا؛ لأنه من المستحيل أن يجعل الله امرأة نبي تزني؛ لأن الزنا خُبْث، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط كانت بالكفْر، والكفر قد يكون في امرأة النبي وهو لا يعلم؛ ولهذا قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني أخفتا الكفر عن نوح وعن لوط. المهم أن (أهل) هنا ليس على عمومه، فهل نقول: هو عام أُريد به الخاص أو عام مخصوص؟ عام مخصوص؛ لأن العام الذي أُرِيد به الخاص لا بد أن يكون معلومًا للمخاطَب أنه لم يرد به إلا الخاص من أول الأمر، فأما الشيء الذي لا يُعلم إلا بنص آخر فإن هذا يسمى عامًّا مخصوصًا. يقول عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] ﴿الْكَرْبِ﴾ معناه ضد السعة، والإنسان المكروب هو الذي أصابه ما يُكرَب به، ولا شيء أعظم من كرْب الموت، وهذا الكرب الذي أصاب قومه كرب عظيم؛ لأنه غرق يموت الإنسان وهو ينظر؛ يعني موت الإنسان بمرض، يعني يموت بشيء يعلم أنه لا قُدرة له على إزالته، لكن بالغرق يموت وهو يؤمِّل أن ينجو، ولهذا تجده بكل قواه يحاول النجاة، ولكن ما تحصل له، فكأنه يموت، يقطعه الموت وهو ينظر إليه؛ فلهذا صار كربًا عظيمًا؛ لأنه موت بغرق، ومثله الموت بالحرق بالنار، فإن الإنسان يموت بأمر يشعر بنفسه أنه يستطيع التخلص منه، ولكن يعجز فيكون وقع الموت بحق عليه أشد؛ ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال المؤلف: (أي الغرق) ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وفي الآية إشكال إعرابي، وهي أن ﴿الْبَاقِينَ﴾ منصوبة مع أنها بعد ﴿هُمُ﴾، و﴿هُمُ﴾ يكون مبتدأ، والمبتدأ خبره مرفوع، فلماذا جاءت منصوبة هنا؟ * طالب: فصل. * الشيخ: الأخ يقول: إنه ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، وعلى هذا فتكون ﴿الْبَاقِينَ﴾ المفعول الثاني لـ﴿جَعَلْنَا﴾؛ لأن (جعلنا) من أفعال التصيير؛ فهي بمعنى (صيَّرنا) وتنصب مفعولين؛ المفعول الأول ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ والمفعول الثاني ﴿الْبَاقِينَ﴾. وقوله: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الآن نحن قلنا: إنها ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب لكن له محل من المعنى، فما هو؟ * طالب: هو يا شيخ يفصل بين الخبر. * الشيخ: يعني يميز بين الخبر والصفة، هذه واحدة، الثاني؟ * الطالب: التوكيد. * الشيخ: يفيد التوكيد. * طالب: ويفيد الإحصار. * الشيخ: ويفيد الحصر، ففوائد ضمير الفصل ثلاثة: التوكيد، والحصر، والفصل؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، أما هو لا يؤثر في الإعراب إطلاقًا. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ من ذريته؟ أي نسله، جعل الله نسل نوح هم الباقين؛ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم. ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء. ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى فيما سبق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية مَنْ؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام) كل الناس بعده من نسله.. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الصافات ٧٧] من ذريته؟ أي: نسله، جعل الله نسل نوح ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم، ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء، ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم، لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته؛ كما قال تعالى فيما سبق: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية من؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام)، كل الناس بعده من نسله، أما قبله فليس من نسله، من نسل آدم، قال المؤلف: (وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر، ويأجوج ومأجوج وما هنالك) هذا هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح عليه الصلاة والسلام كانوا ثلاثة: سام وحام ويافث، لكن لم يأت هذا بسنة صحيحة عن النبي ﷺ، ولا في القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأما هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ على ذلك، والله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، في أي آية؟ في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلا هو سبحانه وتعالى؛ وجب أن يُتلقى علمهم من؟ منين؟ من الله سبحانه وتعالى، من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي. وعلى هذا فما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، فإنه مما يُتوقف فيه، لا يجزم به؛ كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا أن يكون الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثين، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله، وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، ومن آمن معه ليس لهم ذرية؟ قد يكون لهم ذرية، لكن لم تبق، فالله أعلم. ومن الجائز أن يكون للإنسان ابن وابن ابن ثم ينقطع نسله، ومن الجائز أن يكون له ابن وابن ابن إلى خمسة ثم ينقطع نسله، فلا نعلم، لكن الذي بقي نسله هو نوح ﴿ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] (أبقينا ﴿عَلَيْهِ﴾ ) يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: تركنا له، ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ إشارة إلى أن (تركنا) مضمَّنة معنى يناسب حرف الجر المذكور –ننتبه- يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ يعنى أبقينا له ثناءً حسنًا، أقول: لم يقل: تركنا له في الآخرين، بل قد قال: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فلا بد أن يُضمَّن (تركنا) معنًى مناسبًا لـ(على)، المعنى المناسب لـ(على) هو الثناء، يعني أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى أثنى عليه ثناء من أفضل الثناء، قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، هذا ثناء أعظم ما يكون من الثناء، وأشرف ما يكون من الفخر؛ أن الله عز وجل يصف واحدًا من بني آدم يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، يعني قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر عليه الصلاة والسلام. إذن أبقى الله عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم، بل إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عز وجل عند قرب قيام الساعة، وكل هذا القرآن فيه الثناء على نوح. (﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة)، والظاهر من الآية الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح كان يُذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فيكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا عليه الصلاة والسلام بما أثنى الله به عليه لأنه مذكور في كل الكتب. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩]، ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، ونُكر من أجل التعظيم، أي: سلام عظيم؛ لأنه سلام ممن؟ من الله ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ هذا الثناء معناه أن الله سلمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثناء من الله سبحانه وتعالى، فجمع الله له بين أمرين؛ بين الثناء وبين سلامته، أو بين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: سلام بمعنى تسليم، أي أن الله سلمه من كل ما يضيره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ المراد بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ هنا من بعد نوح، لا من قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص. قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ٨٠] ﴿إِنَّا﴾ (...) ولكن المراد بها التعظيم؛ فإن الله واحد سبحانه وتعالى، ولكنه إذا ذُكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به أيش؟ المراد به التعظيم، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني كل من أحسن، فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه كما جزى نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد جزى الله نوحًا بأمرين؛ بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين، فكذلك من كان مؤمنًا بالله عز وجل محسنًا في عبادته وإلى عباده، فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجدون أئمة المسلمين، تجدون أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثناء عليهم، على الرغم من أن من الناس من يقدح فيهم؛ لأن كل واحد من أهل الخير لا بد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]. وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عدوًّا من المجرمين بلا شك، لكن يقيض الله سبحانه وتعالى لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدافع هذا القدح، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا. والإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله ﷺ، حيث قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ماذا فهمتم من هذا الحديث؟ «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ماذا تفهمون؟ نفهم أن العبادة في القسم الأول عبادة طلب، والعبادة في القسم الثاني عبادة هرب، معلوم؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما هو معلوم؟ طيب، العبادة في القسم الأول عبادة طلب «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فإنه يلح في العبادة ليصل أيش؟ إلى محبوبه، إلى الله عز وجل، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة، وهي عبادة الرغبة والطلب، فإنه يراك، فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأن هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثانية، ولهذا جعلها النبي ﷺ في الدرجة الثانية، قال: «إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» وتعبده كأنك تراه «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته، هذا الإحسان في عبادة الله، أما الإحسان إلى عباد الله، فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، بذل الندى يعني العطاء، كف الأذى ألا تؤذي أحدًا، لا بقولك ولا بفعلك، طلاقة الوجه ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر؛ لأن الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله سبحانه وتعالى عاتب النبي ﷺ، وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، مع أن الرسول ﷺ حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك، ماذا قال؟ قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ١ - ١٠] كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله عز وجل بأن بدأها بضمير الغيبة، فقال: ﴿عَبَسَ﴾، كأنما يتحدث عن شخص آخر، لا عن الرسول، ولم يقل: عبست وتوليت؛ لأنه كما مر علينا كثيرًا بأن المخاطبة بصيغة الخطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة. المهم أن الإحسان للعباد يكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وإن شئت فقل بأن الإحسان إلى العباد: بذل المعروف فيهم بالمال والبدن والجاه، أما بالمال فظاهر بالبدن أن تخدمه، ومع هذا فإذا خدمت الإنسان وأعنته فأنت مأجور؛ كما قال الرسول ﷺ في: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة.]]. ومن البذل البدني طلاقة الوجه، لا شك أنها من البذل المعروف البدني؛ لأنها تتعلق بالبدن، الثالث قلنا: الجاه بأن تنفع الناس بالتوسط والشفاعة فيما فيه الخير لهم ولك (...). * * * ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٦ - ٦٨]. * من فوائد هذه الآية الكريمة وما بعدها: بيان أن هؤلاء -أعني أهل النار والعياذ بالله- لا يمكن أن يخرجوا من النار؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها: أن ظاهرها يفيد تأبيد النار؛ لأنها المرجع النهائي، وهذا يقتضي أنه ليس هناك سواها، وهذا القول -أعني أن النار مؤبدة- هو القول المتعين الذي لا يجوز اعتقاد سواه؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣] وبعد هذه الآيات الثلاث من عالم الغيب والشهادة لا يجوز العدول عن القول بمدلولها، فإذا كان الساكن خالدًا خلودًا مؤبدًا لزم أن يكون المسكون كذلك، أي مؤبدًا لا يمكن فناؤه، والقول بجواز فناء النار أو بوجوب فناء النار قول ضعيف جدًّا، وقد علق شيخنا رحمه الله على ابن القيم في كتابه شفاء العليل، حيث ذكر الخلاف عن بعض السلف، علق على هذا بأنه قول ضعيف جدًّا، واستغرب أن يقع هذا من مثل ابن القيم رحمه الله؛ لأنه قول منافٍ للقرآن، ولكن لكل جواد كبوة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء يمنون ويؤملون بأن يخرجوا من النار، ولكن يرجعون فيها؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وقد ذكرنا في أثناء التفسير أن كون الإنسان يمني أن يخرج ثم يعاد يكون أشد وقعًا عليه وأشد عذابًا وألمًا. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٦٩، ٧٠] من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين اتبعوا آباءهم على الضلال؛ لقوله: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ فضلوا مثلهم * ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم التقليد المخالف للحق؛ لأن الله تعالى ذكر هذا تنديدًا بهم، وتوبيخًا لهم أن يجدوا آباءهم ضالين، ثم يتبعوهم ويدعوا طريق الحق، فإذا كان التقليد للضرورة بحيث إن الإنسان لا يتمكن من الوصول إلى الحكم عن طريق الاستدلال؛ فهنا يجوز التقليد للضرورة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، ولم يقل: فاستنبطوا من القرآن والسنة إن كنتم لا تعلمون؛ لأن من لا علم عنده لا يمكن أن يستنبط بنفسه، ولو حاول استنباط الأحكام من الأدلة، وهو ليس عنده علم، فسوف يضل ويتخبط خبط عشواء، فالإنسان الذي ليس عنده علم فرضه التقليد، والذي عنده علم فرضه الاجتهاد، وهذا القول وسط بين من يشددون في الإنكار على التقليد، وبين من يشددون في الإنكار على المجتهدين، فيكون التقليد للضرورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الآباء على الأجداد أو لا؟ لأن الظاهر أن قوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى. وإطلاق الأب على الجد ولو بعيدًا معروف في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨] فسمى الله إبراهيم أبًا مع أنه جد بعيد. ويتفرع على هذه القاعدة: ترجيح القول بأن الجد يسقط الإخوة مطلقًا، أي سواء كانوا أشقاء، أم لأب، أم لأم في باب الميراث، وهو القول الراجح أن الجد إذا وجد وهو جد من قبل الأب فإنه يسقط الإخوة، ولو كانوا أشقاء، أو لأب؛ لأنه أب، وهذا القول هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وروي عن ثلاثة عشر صحابيًّا، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الراجح المتعين. ووجه ذلك أن القائلين بالتوريث أتوا بتفصيلات لو كانت هي الشرع لوجب أن تُبين في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولون: إن الجد إذا لم يكن من صاحب فرض يُخير بين الثلث والمقاسمة، وإذا كان معه صاحب فرض فإنه يخير بين السدس وثلث الباقي والمقاسمة، فنقول: من أين لكم هذا التقسيم؟ هذا التقسيم لو كان شرعًا لوجب أن يكون في الكتاب والسنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قسم أصحاب الفروض تقسيمًا واضحًا بينًا، فالأم ذكر أحوالها، وكذلك الإخوة والأخوات، الإخوة من أم، والأخوات مطلقا، فأين هذا التقسيم؟ من أين لكم أن الجد إذا لم يكن صاحب فرض فإن ميراثه الثلث أو المقاسمة، وإذا كان صاحب فرض فإن ميراثه السدس أو ثلث الباقي أو المقاسمة، المهم أن هذا سيأتينا إن شاء الله في الفرائض بأوسع من هذا، لكنا تعرضنا لهذا هنا لقوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: قبح عمل هؤلاء المقلدين حيث كانوا يهرعون على آثار آبائهم، أما في الحق فإنهم ينكصون على أعقابهم، فيتفرع على هذا: خطر هؤلاء الناس الذين إذا جاء الحق موافقًا لأهوائهم أسرعوا إليه، وإذا كان غير موافق نكصوا عنه، وصاروا يتباطؤون فيه، وهؤلاء فيهم شبه من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]، فإذا كان الحق لهم أتوا إليه مذعنين، وإذا كان الحق عليهم نكصوا وحاولوا أن يلووا أعناق النصوص لتوافق أهواءهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ دليل على أن الأمم السابقة قد ضل أكثرهم، وهو كذلك، وقد مر علينا «أن الرسول ﷺ رأى النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث عبد الله بن عباس.]]. * ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ بذكر المماثل للذين كذبوه؛ لأن الإنسان يتسلى ويتأسى بمصائب غيره. * ومن فوائد الآية: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه ويسلم، حيث كان يضرب له من الأمثلة ما يسليه بها؛ لأن سلو الإنسان بغيره يهون عليه الأمر، ويزيده قوة واندفاعًا فيما يدعو إليه. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم السابقة. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات ٧٢] دليل على أن الله تعالى أقام الحجة على كل أمة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي: في الأولين ﴿مُنْذِرِينَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] فكل القرى قامت عليها الحجة. * ويستفاد من الآية أيضًا: أن من لم تبلغه الرسالة فلا حجة عليه؛ لأنه لم يبلغه الإنذار، وهو كذلك، ولكن ماذا يكون مصير هذا الرجل، أو ماذا يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ نقول: أما في الدنيا فيحكم بما يتعبد به ويتدين به، فإن كان يتدين باليهودية فهو يهودي، أو بالنصرانية فهو نصراني، أو بالمجوسية فهو مجوسي، أو بالشيوعية فهو شيوعي، هذا في الدنيا، يعني أننا لا نجري عليه أحكام المسلمين في هذه الحال؛ لأنه يدين بغير الإسلام، أما في الآخرة فحكمه إلى الله عز وجل، وأصح الأقوال في هذا أن الله سبحانه وتعالى يمتحنهم بما يشاء، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (...)، نعيد هذه المسألة: ما حكم من لم تبلغه الرسالة في الدنيا؟ حكمه حكم ما يدين به؛ لأننا ليس لنا إلا الظاهر، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل، يقيم الله له امتحانًا يوم القيامة بما يشاء، فإذا أطاع دخل الجنة، وإذ عصى دخل النار، فإذا قال قائل: وهل في الآخرة تكليف؟ ألستم تقولون: إن التكليف ينقطع بالموت؟ فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢] ودعوتهم إلى السجود تكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم عز وجل، ما وجهه؟ أنه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد (...) ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] لا، بل قرن دعوتهم بماذا؟ بالإنذار والتبشير؛ ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يعاقب على الذنب إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فهم أنذروا فكانت العاقبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة؛ لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله عز وجل في مناسبة العقوبة، ليش؟ للذنب، فينظر لهذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ٧٤] إشارة إلى أن المخْلَص أو المخْلِص، وهما متلازمان، إخلاصهم هم وإخلاص الله لهم إلى أن عاقبته النجاة، وجهه الاستثناء ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإن هؤلاء عاقبتهم النجاة وعاقبتهم حميدة. * ومن فوائدها: حث الإنسان على أن يكون من هؤلاء العباد لينجو. * ومن فوائدها: فضيلة الإخلاص؛ لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ والإخلاص كما تعلمون هو الذي أمرنا به، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥]، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤] ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والإخلاص كما مر علينا هو إزالة جميع الشوائب في العبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هؤلاء المخلصين، بماذا؟ بإضافة عبوديتهم إلى الله، فإنه لا شك أن ما يضاف إلى الله ينال الشرف، ولهذا شرف الله بيته بإضافته إليه، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج ٢٦] وشرف الله المساجد بإضافتها إليه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام بيوت الله: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]] وهذا لا شك تشريف للمضاف. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله على هؤلاء العباد، حيث أخلصهم لنفسه فلم يكن لهم مقصود إلا الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس هؤلاء العباد لهم مقصود فهم يأكلون قصدًا ويشربون قصدًا، ويتمتعون بالمساكن وبالنساء قصدًا، فقد دخل في قصدهم قصد ما سوى الله، فما الجواب؟ الجواب: أنهم يتقربون إلى الله بهذا القصد، فمثلًا في الأكل يأكل الإنسان تشهيًا بلا شك، ودفعًا للضرورة، لكن يمكن أن يكون هذا الأكل عبادة من وجوه: أولا: إذا قصد به امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بالأكل والشرب. ثانيًا: إذا قصد به حفظ صحته وقيام بنيته؛ لأن الإنسان مأمور بمراعاة نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.]]، إذا قصدوا بذلك الاستعانة بهذا الأكل والشرب على طاعة الله، ولا سيما إذا كان معينًا إعانة مباشرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. الرابع: إذا قصد بذلك التبسط بنعم الله فإن الله يحب من عبده أن يتبسط بنعمته؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه، ومن أشرف وقت عند الكريم أن يطرق بابه الضيوف ليكرمهم، أليس كذلك؟ لكن البخيل بالعكس؛ إذا قرع الباب قال: ما هو بموجود، لكن الثاني يكون قد فتح بابه للناس، ويفرح إذا جاء الناس وتبسطوا بضيافته. إذن قصد الإنسان التنعم بنعمة الله والتبسط بها، لا شك أن هذا قربة إلى الله عز وجل؛ لأن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه. * طالب: (...) ابن القيم قال في حادي الأرواح: إن النار ناران؛ نار الكفار ونار عصاة الموحدين، أما نار عصاة الموحدين فهي اللي تفنى، أما نار الكفار فلا تفنى، أليس تفصيل هذا يقضى على أن (...) ابن القيم لم يقل بفناء النار؟ * الشيخ: لا، هو ذكر في كتاب شفاء العليل الخلاف في نار جهنم التي هي للكافرين. * طالب: أليس هذا تقييدًا ما أطلقه في شفاء العليل؟ * الشيخ: (...) قول ثان، الكلام على أن تعليق شيخنا على هذا الذي وجده أمامه. * طالب: الذي بلغته الرسالة، ولكن هو يولد في بيئة عمت فيه الشرك، وعندهم (...) وهم قد غرسوا في قلبه عداوة بينه وبين الذين عندهم العقيدة الصحيحة ما حكمه؟ * الشيخ: الظاهر أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأن الله تعالى أقام الحجة على المشركين، مع أن عامة المشركين أو عوام المشركين لا يفهمون. * الطالب: هو مسلم، يعني ولكن.. * الشيخ: إي، لكنه مسلم مشرك، فمثلًا إذا قيل له: إن الذهاب إلى صاحب القبر ودعاءه شرك. * طالب: هو ما يعرف.. * الشيخ: (...) لم يعرف هذا معناه أنه لم تقم عليه الحجة، إنما قولنا في رجل يعرف قيل له: إن هذا شرك، وقيل له: إن الله يقول: ﴿ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤]، وقالوا له: إن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] وبين له الآيات، أما مجرد أن يأتيه رجل من الناس ويقول له: ترى إن هذا شرك فقد لا يكون في هذا إقامة حجة، عرفت؟ * طالب: في بعض الناس (...) لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه فقط، لا يعرفون ما هو الإسلام، هل هذا كفاية لإقامة الحجة فقط، يعني يعرفون أنه في .. * الشيخ: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء؛ هل العذر إقامة الحجة، أو فهم الحجة؟ فمن العلماء من يقول: إذا قامت الحجة سواء فهمها المدعو أم لم يفهم فلا عذر له، ومنهم من يقول: لا بد من أن يفهم الحجة تقام عليه ويفهمها، أما إذا لو بُعث رسول يدعو إلى الهدى ولكن ما فهم هذا الشيء، فإنه لا تقوم عليه الحجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤] بعد أن يبين ويعرف ينقسم الناس بهؤلاء الرسل إلى ضال ومهتدٍ، والمسألة تحتاج إلى تأمل في الواقع: هل يُكتفى بمجرد قيام الحجة واذا قامت عليه الحجة عليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، فيقال: لماذا لم تستفهم فأنت مقصر؟ أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه حجة وبلغته، لكن على وجه مشوش، فهذا معذور، لا سيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار. على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة؛ لأنها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها؛ إذ إن فيه كثير من المسلمين على هذا الوجه، يعني بين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مشوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس مثل بدعة الرافضة، بدعة الخوارج، بدعة الأشعرية، بدعة المعتزلة، بدع كثيرة مشوش على الناس فيها ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يظنون أن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة، فالمسألة تحتاج الحقيقة إلى بحث تام في هذا الموضوع، ومراجعة كلام أهل العلم، لا سيما العلماء المتحررون في أفكارهم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن أشبههما (...). * * * * طالب: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٧٩ - ٨٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا بيان الفوائد، وأظن وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣]؟ قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: بيان تأكيد الشيء بالقسم إذا دعت الحاجة إليه، وأن هذا من فصيح الكلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكد هذا بالقسم واللام و(قد). * ومن فوائده: حث النبي ﷺ وغيره على دعاء الله سبحانه وتعالى، وأن الله إذا ناداه عبده بالدعاء أجابه. * ومن فوائدها: إثبات سمع الله؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، ولا إجابة إلا بعد السمع. * ومن فوائدها: الثناء على نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بلجوئه إلى ربه عند حلول المضايق. * ومن فوائد قوله: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الثناء على الله سبحانه وتعالى بكمال الإجابة؛ لأن الثناء على المجيب يستلزم الثناء على الإجابة، فإجابة الله عز وجل ليست كإجابة غيره، بل هي إجابة فضل وإحسان، قد يعطي الإنسان أكثر مما سأل. * ومن فوائدها: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بإجابته دعوة الداعي، وبيان قدرته على إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة تستلزم القدرة عليها؛ إذ إن العاجز لا يمكن أن يجيب. * ومن فوائدها: بيان عظمة الله، وذلك بالإتيان بالواو في صفته، في قوله: ﴿الْمُجِيبُونَ﴾؛ فإن هذه قطعًا ليست للجمع؛ لأن الله واحد، ولكنها للتعظيم. * ومن فوائد قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] بيان أن قومه أُصيبوا بكرب عظيم، وهو الهلاك بالغرق، وأن الله سبحانه وتعالى نجَّى نوحًا وأهله. * ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله، حيث حل العذاب بهذه الأمة، فنجا قوم وغرق قوم. * ومنها، أي من الفوائد: كمال عدله سبحانه وتعالى، حيث جازى كل واحد بما يستحق، فمن استحق النجاة نجاه، ومن استحق الهلاك أهلكه. * ومن فوائدها: جواز إطلاق العام وإن كان مخصوصًا؛ لأن قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ يشمل أيش؟ المؤمن والكافر منهم، وقد دلت آيات أخرى على أن من أهله من لم ينجُ. * ومن فوائد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧] أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الذي بقي نسله من بني آدم، فكل من بعد نوح فهو من نسله، ولهذا يُسمَّى الأب الثاني للبشرية، وهنا سؤال، وهو أن يقال: إن النبي ﷺ ذكر أن الله خصه بأنه بعثه إلى الناس كافة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/ ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وظاهر هذه الآية الكريمة أن نوحًا بُعث إلى البشر جميعًا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وذريته كانوا مباشرين له، لم يكونوا في مكان آخر. والجواب على ذلك أن هذه الآية لا تستلزم ما ذكر، فقد يكون هناك أمم في أماكن بعيدة لكنها فنِيت ولم يبقَ إلى ذرية نوح، وتكون الأمم البعيدة التي لم تشملها دعوة نوح يكون لها رسل، ثم فنيت هذه الأمم والرسل الذين بُعثوا إليها، ولم يبقَ إلا ذرية نوح. * ومن فوائد قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العبد بثناء الآخرين عليه؛ لأن الميت إذا مات انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم يثني ثناء حسنًا، وقسم يثني ثناء سيئًا، وقلَّ مَن تتفق الأمة عليه بالثناء، وأعني بالأمة أمة الدعوة، أما أمة الإجابة فكثيرًا ما يتفقون على الثناء على شخص معين، لكن أمة الدعوة اللي فيهم الكافر والمؤمن والفاسق والعاصي لا يتفقون على الثناء على شخص؛ لأن كل من قوي إيمانه ودعوته إلى الله فسيجد مضادًّا من أعداء الله سبحانه وتعالى، لكن أهل الخير والإيمان يحبون الداعية إلى الله ويثنون عليه بما يستحق. وفي قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩] دليل على أن نوح عليه الصلاة والسلام قد برأه الله سبحانه وتعالى في الآخرين، حيث يقولون القول الذي فيه سلامته من القدح، فيكون الله قد جمع له بين الثناء الحسن ودفع الثناء السيئ؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا، من فوائد الآية: إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن قوله: ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾ لا يتناول من قبل نوح، فإن الظاهر أنه لم يسبق له ذكر فيما سبق. * ومن فوائد قصة نوح ككل، من فوائدها: إدخال البشارة على رسول الله ﷺ وأصحابه، حيث يكون لهم أسوة في نوح ومن نجا معه، وتهديد المكذبين له، حيث يكون لهم إنذار لما جرى للمكذبين لنوح عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * ومن فوائد قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أن المحسن يُجازَى بمثل ما جُوزي به نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بإنجائه من الهلاك وسلامة عرضه من الذكر السيئ، وكلما كان الإنسان أكثر إحسانًا كان أكثر ثوابًا وأسلم. * ومن فوائد الآية: إثبات القياس لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني مثل هذا الجزاء نجزي كل محسن. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يرتب الجزاء والعقوبة والثناء والقدح على الأوصاف، لا على الأشخاص؛ لأنه هو علق الجزاء على الإحسان، ولهذا لم يأتِ شيء من أحكام الله سبحانه وتعالى مقيدًا بشخص لشخصه أبدًا، حتى خصائص الرسل، ليست من باب خصائص الأشخاص، لكن من باب خصائص الأوصاف؛ لأن فيهم وصفًا زائدًا على غيرهم، وهو وصف النبوة والرسالة، فخصوا ببعض الأحكام المناسبة لمقامهم، أما أن يُخص شخص بعينه لأنه فلان بن فلان مثلًا، فهذا لا يوجد في الشريعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرتب الأحكام ويعلقها على الأوصاف، لا على الأشخاص. * ومن فوائد الآية قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى كمال هذين الوصفين، وهما العبودية والإيمان، وأنهما أشرف وصف يتصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله مؤمنًا به؛ لأن الله قال: إنه من عبادنا المؤمنين، يعني نوحًا، ونوح عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، فإذا كان من مناقبه وفضائله أن يكون من عباد الله المؤمنين دل ذلك على فضيلة العبودية والإيمان. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بيان حكمة الله سبحانه وتعالى، حيث أغرق هؤلاء المكذبين لرسوله عليه الصلاة والسلام، بل المكذبين لرسله؛ لأن الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]. وتكذيب قوم نوح ليس من أجل أنه نوح، ولكن من أجل ما جاء به، ولهذا كان تكذيب رسول واحد تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأنه تكذيب لجنس الرسالة، وليس لشخص المرسل. * ومن فوائدها أيضًا: إقامة العدل بإغراق هؤلاء المكذبين؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يغرقهم ظلمًا، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.

الصافات 37:82

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٤]. شوف هذه الجمل بينها اتصال ولَّا انقطاع، في البلاغة اتصال بلاغي يعني أو انقطاع بينها؟ * طالب: اتصال. * الشيخ: لا، انقطاع؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، الحكمة من ذلك من أجْل أن يَعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة كأن كل صفة مستقلة تُغني عن بقية الصفات، فكم (...) للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يُخاف منها عند إنكار هذه الشجرة؟ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * طالب: من أصل الجحيم. * الشيخ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ هذا قرآن. * طالب: أقول: ما فيها قراءة؟ * الشيخ: ما فيها قراءة أبدًا ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (أي قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها)، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقد سبق لنا هل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ وقلنا: في ذلك احتمالان؛ يعني يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف، ويحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أُفرِدت باعتبار نوعها كما تقول مثلًا إذا شاهدت شجرة في البر: هذه شجرة مذاقها مُر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها، والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ فسمعنا وَجْبَة فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا»[[أخرجه مسلم (٢٨٤٤ / ٣١) من حديث أبي هريرة.]]. يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة، وأن أغصانها ملأت دركات النار، فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: أنها واحدة بالجنس والنوع، فليس في ذلك إشكال. يقول: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم؟ سيكون لِمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن النوع الواحد إذا غُرِسَ في هذه الأرض اختلف عما إذا غُرِس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها؛ ولهذا قال: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، ولم يقل: في الجحيم؛ ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار. يقول: (﴿طَلْعُهَا﴾ المشبه بطلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ أي الحيات القبيحة المنظر). ﴿طَلْعُهَا﴾ يعني الثمر الذي يُشبه طلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، والشياطين جمع (شيطان)، وهل المراد الشيطان الحقيقي، أو المراد نوع من الحيات كما قال المؤلف؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: إن المراد الشيطان الحقيقي، واحتمال أن يكون المراد به نوع من الحيات قبيحة المنظر وارد؛ لأن السيئ من الحيوان قد يسمى شيطانًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[[أخرجه مسلم (٥١٠ / ٢٦٥) من حديث أبي ذر.]]. ولكن الواجب علينا -كما مر علينا كثيرًا- إجراء القرآن على ظاهره، وأن نقول: المراد بالشياطين، الشيطان المعروف، وإنما شُبِّهت برؤوس الشياطين مع عدم رؤية الناس لها؛ لأن كل أحد يعرف أن ما يُنسب إلى الشيطان فهو قبيح منفر، لا يركن إليه أحد، فالتشبيه هنا تشبيه بما يُتخيل فكرًا، لا بما يُعلم حِسًّا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه القبيح، ولا حاجة إلى أن نقول: إنها حيات، حتى لو قلنا بأنها حيات، هل هذه الحيات معلومة لكل أحد؟ إن حيات لا يعرفها إلا النادر من الناس لا ينفر الناس منها، بل إن المؤلف الآن لما قال: إنها حيات هبطت قيمة هذا القبح في نفس الإنسان، لكن ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الإنسان يقشعر جلده، ويقف شعره عندما يسمع هذا التشبيه القبيح، وعلى هذا فالصحيح أن المراد بذلك رؤوس الشياطين الحقيقية، ولكنها شُبِّهت بها للعلم بأنها قبيحة عند جميع الناس وأنها مُنفِّرة. (﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أَي الْكُفَّار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مَعَ قُبْحهَا لشدة جوعهم) أعوذ بالله ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾ الجملة هنا اسمية مؤكدة بـ(إن) و(اللام)، أليس كذلك؟ لإفادة أن أكلهم مستمر؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأُكدت بـ(إن) و(اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم الى أن يأكلوا منها قسْرًا من غير شهوة، ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يُفضِّل الموت على الأكل من هذا لكن في النار يُعذَّبون بالأكل منها؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ نسأل الله العافية؛ يعني أنهم لا يشبعون، ولا يقتصرون على الضرورة، أنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن، هل تملأ منه البطن؟ وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدْر الحاجة، بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات، هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم، ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أنه تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة، يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم؛ وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، وقال عز وجل في اغتسالهم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج ١٩، ٢٠]، تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها، لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة ٦، ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار، يقول: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. قوله: ﴿الْبُطُونَ﴾ (أل) هنا للعهد، أي عهد؟ الذهني، ألا يمكن أن نقول: إنه العهد الذكري؛ لأنه سبق ما يدل على البطن؟ نقول: العهد الذكري لا بد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾؛ لأنه لا يأكل إلا من له بطن ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ يعني البطون منهم. يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ (ثم) حرف عطف يدل على أيش؟ الترتيب والتراخي مما يدل على أنهم إذا أكلوا عطشوا، وإذا عطشوا لا يأتيهم الماء في الحال، بل يأتيهم بعد مهلة بيَّنها الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف ٢٩]، فهم ليسوا إذا أكلوها وعطشوا بها؛ أُعطوا الماء بسرعة، لا، يستغيثون، ويدعون أن يأتيهم ماء يُبَرِّد عليهم لهيب العطش، ولكن إذا أُعطوا هذا الماء يُعطونه شوبًا من حميم؛ يعني ماء حارًّا حرارة عظيمة، والشوب وهج النار، هذا الوهج بيَّنه الله عز وجل في الآية التي سقتها قبل قليل، إذا قرب الماء من وجوههم ليشربوه شوى وجوههم والعياذ بالله، شَوَاها حتى إن لحومها لتتساقط من شدة حرارته، فإذا شربوه فإن أمعاءهم تستقبله لكنها تتقطع به ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]. أيها الإخوة، إننا لسنا نتكلم عن سواليف الأولين، نتكلم عن أمر حقيقي إذا تصوره الإنسان ينزعج في الواقع؛ يعني ليس هذا أمر قيل، أو يقال، أو يقولون، هذا أمر هو الحقيقة، الحق لهؤلاء الطغاة الذين كذبوا رسل الله عز وجل، وبدلوا نعمة الله كفرًا، كل هذا سيكون، ليس خبر الأولين؛ لهذا يجب علينا إذا قرأنا مثل هذه الآيات أن نشعر بأن هذا هو عِلْم اليقين، وأنه سيكون حق اليقين، هذا الأمر بعد أن يعطشوا ويستغيثوا لا يغاثون بماء بارد ولا بماء عذب، بل بِشَوْب من حميم (أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبًا له). فسر المؤلف الشوب هنا بالخِلط، ومنه: شُبت الماء باللبن؛ أي: خلطته، وهو يصلح بهذا وهذا، فهو خلط وهو أيضًا وهج حرارة هذا الحميم، كل ذلك يكون، فالوهج يكون قبل الشرب، والشوب بعد الشرب. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ يعني ثم بعد ذلك يكون مرجعهم إلى الجحيم، وجملة (ما ترون) جملة اسمية لم يقل: ثم يرجعون، بل قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ مؤكدة بماذا؟ بمؤكدين وهما (إن) و(اللام)، وهذا الترتيب فيه إشكال، فهل هو ترتيب ذكري أو هو ترتيب معنوي؟ المؤلف يرى أنه ترتيب معنوي، ويحتمل أن يكون ترتيبًا ذكريًّا؛ يعني بعد أن ذكر الله عز وجل ما لهم من هذا العذاب بَيَّن أن مرجعهم في يوم القيامة إلى هذا الجحيم، لا يرجعون إلى سواه. أما المؤلف فيقول: (يفيد أنهم يُخرجون منها لشرب الحميم، وأنه خارجها) وهذه الفائدة فائدة ضعيفة في الواقع، يعني كون نستفيد هذه الفائدة من هذه الجملة، ليس بمتعين والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، فكيف يقال: إنهم يخرجون ويشربون الحميم، ثم يُردون؟ هذا بعيد جدًّا، لكن إما أن نجعل الترتيب هنا للترتيب الذكري؛ يعني أن الله بعد أن ذكر أنواعًا من العقوبات لهم بَيَّن أن مآلهم إلى الجحيم؛ أي إلى هذا الجحيم الذي فيه هذه العقوبات، والترتيب الذِّكْري موجود في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: إِنَّ مَـــــــــنْ سَــادَ ثُمَّ سَــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِـــنْ بَعْدِ ذَلِكَجَـــــدُّهُ وسيادة الأب سابقة على سيادتي، وسيادة الجد سابقة على سيادة الأب، أو يقال: إنهم كما قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، وأنهم يُقرَّبون من أبوابها، ويسقون هذا الحميم، فيُقرَّبون لتتطلع نفوسهم إلى الخروج، فيكون عندهم بعض الأمل، فإذا أملوا هذا الأمل، ثم ردوا إلى أصل الجحيم صار هذا أشد عذابًا عليهم؛ لأن حصول اليأس بعد الأمل أشد من بقاء اليأس؛ لأن الأمل يرفع اليأس، فإذا أُعيد إلى العذاب عاد اليأس فكان أشد وقعًا. أرأيت لو أن رجلًا مغلولًا بين يديك، سرت تحاول فك غله؛ يفرح، أليس كذلك لكن إذا عدت، ثم شددته ربطًا وأتيت بغل آخر؛ ازداد يأسًا وغمًّا إلى غمه بعد أن رأى بصيص الأمل يعاد فيُهان، هؤلاء -والعياذ بالله- كلما أرادوا أن يخرجوا منها وحصل لهم بعض الأمل أُعيدوا فيها، فيقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: إلى أصل الجحيم الذي كانوا قد أمَّلوا أن يخرجوا منه حين قُرِّبوا من أبوابها. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء الظالمين الذين يُعذَّبون بهذا العذاب. ﴿أَلْفَوْا﴾ أي (وجدوا) ﴿آبَاءَهُمْ﴾ وألفى بمعنى (وجد)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥] و﴿أَلْفَيَا﴾ يعني وجدا سيدها. ..................... ∗∗∗ وَأَلْفَى قَــــوْلَهَا كَـــــذِبًاوَمَـــــيْنَا أي وجد قولها، فمعنى ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أي: وجدوهم ضالين تائهين عن الحق. يقول: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٧٠] هم وجدوا آباءهم ضالين بعد أن قامت عليهم الحجة بضلال آبائهم، ولكن هل اتبعوا الحجة؟ لا. قال: ﴿فَهُمْ﴾ يعني بعد أن وجدوا آباءهم ضالين والعياذ بالله، هم ﴿عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: يُساقون ويُزعجون وهُرِع بمعنى (عَجَّل وأسْرع) في الشيء، فهم على آثار آبائهم وعلى ما كانوا عليه من الشرك والظلم يُهرعون؛ أي: يساقون بشدة، ويسرعون إلى اقتفاء آثارهم، وقد جاءتهم الرسل بالحق، ولكن بماذا أجابوا: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ يعني ولا نقبل منهم، فهم علموا أن آباءهم ضالين ومع ذلك -والعياذ بالله- بقوا على ما هم عليه بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤهم. (﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ يُزْعَجُونَ إلَى اتِّبَاعهمْ فيسرعون إليه) والكلام كله في مشركي قريش بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الجملة هذه فيها ثلاثة مؤكدات بَيِّنها لنا؟ ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾. * طالب: لقد. * الشيخ: ويش هي لقد؟ * طالب: لقد، وحرف العطف. * الشيخ: اللام وقد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الواو حرف عطف، ويش تعرب اللام؟ * الطالب: واقعة في جواب القسم. * الشيخ: إي، موطئة للقسم، اللام موطئة للقسم؛ يعني أنها تفيد قسمًا مقدرًا، والله لقد، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم، واللام، وقد، والله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات ٦٩-٨١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ما المراد بالشياطين هنا؟ * طالب: يقول المؤلف: إن هي الحيات القبيحة، ولكن الصحيح أن هذه الشياطين على حقيقتها؛ لأن الأصل بقاء اللفظ على (...). * الشيخ: فإذا قال لك قائل: كيف يشبه الله شيئًا بشيء غير معروف؟ * طالب: لقبح الشيطان. * الشيخ: صورته ما هي معروفة، رؤؤس الشياطين من رآها؟ * طالب: هذا من عادة العرب إذا أرادت أن تقبح شيئًا تشبهه بالشياطين. * الشيخ: من عادة العرب أنها إذا أرادت أن تُقبِّح شيئًا وتُنفر منه شبهته بالشياطين، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ الجملة هذه فيها تأكيد أو لا؟ * طالب: اللام. * الشيخ: اللام فقط؟ * طالب: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ والقسم المقدر. * الشيخ: ما فيه قسم. * طالب: (إن) و(اللام). * الشيخ: (إن) و(اللام). إذا قال قائل: ما الغرض من هذا التوكيد؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، فالإنسان قد يشك في أكلهم؛ لكونها طلعها يشبه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ماذا يفيد؟ * طالب: شدة الجوع (...). * الشيخ: يعني يصابون بمرض النهم حتى لا يشبعوا. وهل يصابون بمثل هذا في الشراب؟ * طالب: نعم، يصابون لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥]. * الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. إذن يُصابون بمرض النهم في الأكل وفي الشرب؛ ليزداد عذابهم، نسأل الله العافية. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ ما المراد بالشوب؟ * طالب: الشوب له معنيان؛ أنه شديد الحرارة، وخلط، يعني أنه يخلط من عذاب الزقوم (...)، فهم يشربون حميمًا حارًّا ويخالط ما في (...). * الشيخ: والحميم هو الماء الحار. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ هل هم كانوا بالأول في غير الجحيم؟ * طالب: لا، في الجحيم. * الشيخ: كيف قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؟ * طالب: لأجل الاستقرار؛ يعني بعض الأكل كذلك في الجحيم، وبعضهم يقولون في التفسير؛ يعني يخرجون إلى الأبواب، ثم يرجعون إلى الأصل، إلى أصل الجحيم. * الشيخ: إي نعم، صحيح، بس ذكرنا وجهًا آخر. * طالب: أن (ثم) للترتيب الذكري. * الشيخ: أن (ثم) للترتيب الذكري، ولا يعني أنهم بعد أن يأكلوا يرجعون، وإنما يعني أنه ذُكِر مرجعهم بعد ذكر أكلهم، وهل في اللغة العربية ما يسمى بالترتيب الذكري دون المعنوي؟ * طالب: نعم. * الشيخ: شاهده؟ * طالب: قوله: إِنَّ مَــنْ سَـــادَ ثُمَّ سَـــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِــنْ بَــعْدِ ذَلِكَجَــدُّهُ * الشيخ: طيب ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ ما معنى ألفوا؟ * طالب: وجدوا. * الشيخ: وجدوا، ائت بشاهد من القرآن على أن الإلفاء بمعنى الوجود أو الوجدان. * طالب: (...) قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ هذه في أي سورة؟ * طالب: في سورة يوسف. * الشيخ: في سورة يوسف سبيل (...). قوله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * يستفاد من هذه الآية ومن ما بعدها: يستفاد منها: أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت؛ لقوله: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه كما يكون على حسب مائه أيضًا. * ومن فوائدها: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الشجرة تنتشر؛ إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات، بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشر أغصانها، وإما نوعها موجود في جميع النار. * ومن فوائد قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ بيان أن هذه الشجرة لها طلع ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين. * ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بـ(التقبيح)، فيُشبه الشيء بما يُستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا؛ لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. * ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مُستكرَهة مُستقبحة؛ لأنه شُبِّهَ بها القبيح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي أُلْحِق به فيها؛ لأن المشبه دون المشبه به. * من فوائد الآية: إثبات أن للشياطين رؤوسًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، وهو كذلك، فإن الشياطين لها رؤوس. * ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والملائكة والجن هي قوى الشر، الملائكة قوى الخير، والشياطين والجن قُوى الشر، وليس هناك أجسام تُحَس، وجه الدلالة: أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون هذا في الأمور المعنوية التي هي القوى. * ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما ثبت في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل. ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. * من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الشيء المستبعَد أمام المخاطَب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، أليس كذلك؟ ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطَب له ثلاث حالات: ابتداء، وشك، وإنكار؛ ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، يقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب، فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التوكيد، مثلًا إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار. الحال الثانية: أن يكون عند المخاطب شك في الأمر، فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا في قدوم زيد لاستبعاده إياه يحسن عندما تخبره أنه قادم، يحسن أن تؤكده له فتقول: قد قدم زيد، أو: إن زيدًا قادم، هذا متى؟ مع الشك نؤكده بمؤكد على سبيل الاستحباب. الحال الثالثة: أن يكون مُنكِرًا، ففي هذه الحال يجب أن يُؤكَّد له الخبر، لماذا؟ من أجل أن يزول عنه الإنكار، ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد، فتقول له: لقد قدم. وإن رأيت أنه يحتاج إلى زيادة قلت: والله لقد قدم، وإن كنت تخشى أن يكون غير مقتنع فبعض العامة يقول: عليه الطلاق لقد قدم، إي نعم، لأن كثيرًا من الناس يؤمنون بالحلف بالطلاق أكثر مما يؤمنون بالحلف بالله عز وجل. بقي أن يقال: هذا باعتبار حال المخاطب؛ أي أنه يحسن توكيد الخبر أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، قد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر، إذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنه يؤكد حتى وإن كنت تخاطب من لا ينكر مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢]، وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطَب به؛ يُقصد بذلك بيان أهميته، وأنه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ، واضح؟ قال أهل العلم -نبحث في البلاغة لأجل أن نستذكر ما مضى- قال بعضهم: وقد يُنَزَّل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر، مثل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ هل الموت مُتَردَّد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من الناس، إذن فلماذا يؤكد؟ لأن المخاطب قد تكون حاله حال المنكر؛ لعدم استعداده للموت، فكأنه مُنكِر له، فيُؤكَّد له الخبر. هنا ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ نقول: هنا أكد الله عز وجل أنهم سيأكلون، فلماذا؟ لأن المقام مقام استبعاد للأكل، قد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بـ(إن) و(اللام)، وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدالة على استمرار أكلهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يُعذِّب أهل النار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون؛ لقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر الميتة بقدر الضرورة ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، وكلما فرغ البطن قليلًا أكلوا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا، وطلبوا الماء، وطلبوه على طلب المضطر إليه بدليل قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا، ويسألون سؤال المضطر يستغيثون الله عز وجل، فإذا أُغِيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات ٦٧] يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق لنا أن هذا الحميم يُقطِّع أمعاءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أن هؤلاء الذين في النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعِيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منه، نسأل الله لنا ولكم السلامة. فلهذا أكدت بثلاثة مؤكدات. والوجه الثاني: تسلية النبي ﷺ؛ لأن كل ما سبق فيه التحدث عن كفار قريش، فأراد الله عز وجل أن يسلي رسوله ﷺ بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين، ففيه تسلية لرسول الله ﷺ، وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك، كما أن فيه أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنه قال بعده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقوله: ﴿ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني لا كلهم، فإن من الأولين من اهتدى، ولكن أكثرهم ضل حتى قال رسول الله ﷺ حين عُرِضَت عليه الأمم: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. إذن أكثر الناس الذين أرسل إليهم الرسل قد ضلوا، ما دام أنه لم يكن مع النبي أحد يُبعث نبي في قومه، ولا يكون معه أحد. وقوله: ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين، فكل من سبق هذه الأمة فإنه يُعتَبر من الأولين. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بما سبق؛ بالقسم، واللام، وقد، وأُكِّدت للوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها. وقوله: ﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يعني رسلًا منذرين كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]، لكنه هنا لم يذكر البشارة؛ لأن المقام مقام تهديد، فكان طي البشارة أنسب والاقتصار على الإنذار أنسب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فمن هو الرسول؟ قال أهل العلم: إن الرسول هو الذي أُوحي إليه بالشرع ولم يُؤمر بتبليغه، كذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: وأُمر بتبليغه؛ ولهذا يقال: أرسل؛ يعني بُعث برسالة، فهو أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، فإن قلت: ماذا نصنع في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢]، حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ فهو يقتضي أيضًا أن النبي -وهو الذي أُوحِي إليه بالشرع ولم يُؤمر بالتبليغ- قد أُرسل، فالجواب: أن تقدير الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبأنا من نبي فهو على حد قول الشاعر: عَــلَفْتُهَا تِبْــــنًا وَمَــــاءً بَـــارِدًا ∗∗∗ ...................... فالماء البارد لا يُعلف ولكنه يسقى، وهو على تقدير: وسقيتها ماءً باردًا. ومن المعلوم أن حذف ما يُعلم جائز، كما قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته: وَحَــــــذْفُ مَــا يُـــــعْلَـــمُ جَــــائِزٌكَــمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا؟) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: مُخَوِّفين، مُخَوِّفين من؟ مخوفين من خالف بالعقوبة، وحرمان الثواب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم ينذرون من خالفهم بالعقوبة وحرمان الثواب؛ لأن العاصي يُحرَم من ثواب الطاعة؛ إذ لو شاء لأحل مكان المعصية طاعة، وكذلك يُعاقَب بما تقتضيه هذه المعصية. يقول: ﴿فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ومنذرين هذه اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ * طلبة: اسم فاعل. * الشيخ: اسم فاعل من (أنذر ينذر)، والمنذر هو المخوِّف قال: (﴿مُنْذِرِينَ﴾ من الرسل مُخَوِّفين). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] (انظر)، الخطاب هنا مُوجَّه لواحد مُذَكَّر، فمن هو؟ أهو الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أمن يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الثاني أعم؛ أي: فانظر أيها المخاطَب أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين؟ وهنا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ولم يقل: ماذا كان؟ يعني انظر إلى الكيفية وإلى الغاية؛ لأن من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية. لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك، لكن كيف كان عقابهم، انظر إليه إلى كيفيته ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، فانظر إلى الكيفية، كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة، وملاءمتها للذنب؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي أن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله عز وجل، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأُهلكوا بألطف الأشياء؛ وهي الريح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأُهلك بما كان يفتخر به، وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم. إذن (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك: أنها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قلنا: انظر ما عاقبتهم؛ لم تؤمر إلا بالنظر بالعاقبة فقط. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ الجملة هنا استفهامية، ولكنها في محل نصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾، وهذا النظر بالعين ولَّا بالقلب؟ هذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يُعدَّى بـ(إلى)، فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١]، يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يُفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ هنا اسم فاعل أو اسم مفعول؟ اسم مفعول، الذين أنذروا وخُوِّفوا، ولكن لم يخافوا، ولم يُؤثِّر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم؟ قال المؤلف: (أي عاقبتهم العذاب) يعني أن العاقبة كانت وخيمة والعياذ بالله، عُوقبوا بالعذاب المدمر المهلك. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (أي المؤمنين) نعم، ولهذا فسرها المؤلف باسم الفاعل إشارة إلى أن المخلِص هنا اسم فاعل؛ لأن الْمُفَسِّر يُطابِق الْمُفَسَّر فيقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الاستثناء هنا منقطع؛ لأن ما بعده من غير جنس ما قبله، وإذا كان ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يكون علامته أن يحل محل (إلا)؛ (لكن)، ولكن لماذا يُؤتى بـ(إلا) بدل (لكن)؟ إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها، فهي تفيد الاستدراك مع ارتباط ما قبلها بما بعدها من حيث المعنى، وإن كان هذا يختلف عن ذلك. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ المراد بالعبودية هنا الخاصة أو العامة؟ الخاصة بدليل قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾. وسبق لنا قريبًا بيان أن العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة؛ (أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة)، وهذا على قراءة كسر اللام، (أو لأن الله أخلصهم لها على قراءة فتح اللام)، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن في الآية قراءتين: ﴿﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ ﴾، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ لكن لم يُصرِّح بهما، وإنما أتى بمضمونهما، ففي الآية قراءتان (مُخْلِصِين) لإخلاصهم لله؛ لأنهم أخلصوا القصد لوجه الله عز وجل، رب العباد إليه الوجه والعمل، فلم يلتفتوا إلى ما سوى الله، والإنسان المخلص لله الذي أخلص قلبه له يُوفَّق، وتكون عاداته عبادات؛ لأنه دائمًا مع الله، ودائمًا يتفكر في آيات الله، ودائمًا يحب القرب من الله، فيسعى إلى أن يكون قوله وفعله وترْكه كله لله عز وجل، وهذا -في الحقيقة- هو الرابح الذي ربح الوقت، وربح العمر؛ لم تضع عليه لحظة من اللحظات إلا وهو كاسب فيها، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، أكثر الناس في غفلة غافلون، لم يخلصوا أنفسهم لله عز وجل، بل إن من الناس من قد تكون العبادات في حقه عادات، يقوم ويتوضأ ويصلي؛ لأن هذه عادته، كأن هذه العبادات عمل يومي يقوم به؛ ولهذا لا نجدها تؤثر على القلب بواسطة الغفلة الشديدة عن الإخلاص لله عز وجل، فهم مخلِصون لله في العبادة، كذلك (مُخْلَصُون) أخلصهم الله، قال المؤلف: (للعبادة). ولو قيل معنى أسمى من هذا لكان أولى، أخلصهم الله لنفسه واختصهم من بين سائر العباد، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧] الذين اصطفاهم الله وجعلهم صفوة عباده لنفسه، وهذا أبلغ في الثناء مما قال المؤلف من أن الله أخلصهم للعبادة، بل نقول: أخلصهم له من بين سائر العباد ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقول المؤلف: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات ٧٥] هذه الجملة كالتفصيل لقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فهنا شرع الله عز وجل يُبين كيف كان هذا الضلال، ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بدليل الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، فقال: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إذن ليس هناك نبي مُرسَل قبل نوح. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]. فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهما فليس قبل نوح أحد أُوتِي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أما نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مُكَلَّم، لكنه ليس نبيًّا مرسلًا. وأما من السنة فقد صح عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]. فنوح عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ يعني تسع مئة وخمسين سنة يدعوهم ليلًا ونهارًا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح ٥، ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة، لكنهم -والعياذ بالله- نكصوا واستكبروا، وما آمن معه إلا قليل، لما رأى عليه الصلاة والسلام ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧]، وقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: (﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال: بقوله: رب ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ) ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، فانتصر الله له، وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا﴾ أو ﴿﴿فَفَتَّحْنَا﴾ ﴾ ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١، ١٢] ماء ينبع من الأرض، وماء ينزل من السماء، يفور من الأرض فورانًا عظيمًا يشمل كل الأرض حتى التنور الذي هو موضع إيقاد النار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتى بلغ قمم الجبل، ولم ينجُ منه أحد إلا من كان مؤمنًا فإنه مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. ذكرنا أن نوحًا هو أول الرسل، مَنْ آخرهم؟ محمد ﷺ هو آخر الرسل، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين مع قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أنه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الجملة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم و(اللام) و(قد)، ونقول في توجيه التوكيد هنا ما قلناه فيما سبق. وقوله: ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء حرف عطف تفيد الترتيب والتعقيب، واللام موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنِعم المجيبون، والمجيبون فاعل (نِعْمَ)، و(نعم) و(بئس) وشبههما تحتاجان إلى فاعل، وإلى مخصوص يكون مبتدأ جملتهما خبره، أليس كذلك؟ تحتاجان إلى فاعل، وإلى مبتدأ تكون جملتهما خبرًا عنه، هذا المبتدأ يُسمَّى المخصوص بالمدح أو بالذم، فأين المخصوص هنا في هذه الآية؟ يقول: نحن، فلنعم المجيبون نحن. وصدق ربنا عز وجل نعم المجيب الله سبحانه وتعالى، فإن إجابته ليست كإجابة غيره، إجابة الله سبحانه وتعالى إجابة محققة لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة، وأن تنتفي الموانع، فإن لم تتم شروط الإجابة فإنه لا يُجيب عز وجل؛ لأن إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الإجابة صار للإجابة محل فحلت الإجابة، وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة، ولا بد له من انتفاء الموانع، ألَّا يوجد مانع من موانع الإجابة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد. المهم أن الله تعالى أثنى على نفسه بأنه نِعْم المجيب، وصدق الله العظيم فإنه تعالى نعم المجيب، يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (له نحن؛ أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق) نعم، دعا الله على قومه فأهلكهم بالغرق، غرقوا عن آخرهم، وذُكِر أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْجِيًا أَحَدًا مِنَ الْغَرَقِ لَأَنْجَى أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. ما أم الصبي؟ امرأة كان معها صبي، فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتى وصل إليها، ثم ارتفعت، حتى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتى وصلها الماء حتى بلغت قمة الجبل، فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبيَّ فوق يديها؛ لتغرق قبله. قال النبي ﷺ فيما يذكر عنه: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. لأن هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتى يدركها الغرق قبله. المهم أن هؤلاء القوم وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، فانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق ويش قال؟ ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعه إيمانه حين رأى البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨]. قال أهل العلم: والحكمة من ذلك أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يُؤذَن له، فلم تحق عليهم الكلمة؛ لعدم تمام الإنذار في حقهم؛ فلهذا لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم إلى حين وسيجدون ما يستحقونه من العقوبة أو المثوبة. قال الله عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] من أهله؟ هل نقول: المراد المؤمنون؟ أو نقول: إن الأهل هم خاصة الرجل؟ لأن هناك فرقًا بين (آل) و(أهل)، (آل) أتباع، (أهل) هم الخواص خاصة الرجل كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، هذا لا يشمل الأمة كلها أهل البيت الخاصة، فهل نقول: إن المراد أهله الذين هم خاصته؟ هذا هو الأقرب من الآية، لكن في آيات أخرى تدل على أن الذي نجا هو ومن آمن معه. يُستثنى من الأهل أهل نوح ابنه الذي كفر به فإنه أدركه الغرق، ولما سأل نوح عليه الصلاة والسلام ربه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود ٤٥، ٤٦]. ويستثنى من ذلك امرأته كما قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] خانتاهما بماذا؟ بالكفر لا بالفاحشة والزنا؛ لأنه من المستحيل أن يجعل الله امرأة نبي تزني؛ لأن الزنا خُبْث، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط كانت بالكفْر، والكفر قد يكون في امرأة النبي وهو لا يعلم؛ ولهذا قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني أخفتا الكفر عن نوح وعن لوط. المهم أن (أهل) هنا ليس على عمومه، فهل نقول: هو عام أُريد به الخاص أو عام مخصوص؟ عام مخصوص؛ لأن العام الذي أُرِيد به الخاص لا بد أن يكون معلومًا للمخاطَب أنه لم يرد به إلا الخاص من أول الأمر، فأما الشيء الذي لا يُعلم إلا بنص آخر فإن هذا يسمى عامًّا مخصوصًا. يقول عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] ﴿الْكَرْبِ﴾ معناه ضد السعة، والإنسان المكروب هو الذي أصابه ما يُكرَب به، ولا شيء أعظم من كرْب الموت، وهذا الكرب الذي أصاب قومه كرب عظيم؛ لأنه غرق يموت الإنسان وهو ينظر؛ يعني موت الإنسان بمرض، يعني يموت بشيء يعلم أنه لا قُدرة له على إزالته، لكن بالغرق يموت وهو يؤمِّل أن ينجو، ولهذا تجده بكل قواه يحاول النجاة، ولكن ما تحصل له، فكأنه يموت، يقطعه الموت وهو ينظر إليه؛ فلهذا صار كربًا عظيمًا؛ لأنه موت بغرق، ومثله الموت بالحرق بالنار، فإن الإنسان يموت بأمر يشعر بنفسه أنه يستطيع التخلص منه، ولكن يعجز فيكون وقع الموت بحق عليه أشد؛ ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال المؤلف: (أي الغرق) ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وفي الآية إشكال إعرابي، وهي أن ﴿الْبَاقِينَ﴾ منصوبة مع أنها بعد ﴿هُمُ﴾، و﴿هُمُ﴾ يكون مبتدأ، والمبتدأ خبره مرفوع، فلماذا جاءت منصوبة هنا؟ * طالب: فصل. * الشيخ: الأخ يقول: إنه ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، وعلى هذا فتكون ﴿الْبَاقِينَ﴾ المفعول الثاني لـ﴿جَعَلْنَا﴾؛ لأن (جعلنا) من أفعال التصيير؛ فهي بمعنى (صيَّرنا) وتنصب مفعولين؛ المفعول الأول ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ والمفعول الثاني ﴿الْبَاقِينَ﴾. وقوله: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الآن نحن قلنا: إنها ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب لكن له محل من المعنى، فما هو؟ * طالب: هو يا شيخ يفصل بين الخبر. * الشيخ: يعني يميز بين الخبر والصفة، هذه واحدة، الثاني؟ * الطالب: التوكيد. * الشيخ: يفيد التوكيد. * طالب: ويفيد الإحصار. * الشيخ: ويفيد الحصر، ففوائد ضمير الفصل ثلاثة: التوكيد، والحصر، والفصل؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، أما هو لا يؤثر في الإعراب إطلاقًا. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ من ذريته؟ أي نسله، جعل الله نسل نوح هم الباقين؛ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم. ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء. ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى فيما سبق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية مَنْ؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام) كل الناس بعده من نسله.. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الصافات ٧٧] من ذريته؟ أي: نسله، جعل الله نسل نوح ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم، ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء، ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم، لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته؛ كما قال تعالى فيما سبق: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية من؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام)، كل الناس بعده من نسله، أما قبله فليس من نسله، من نسل آدم، قال المؤلف: (وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر، ويأجوج ومأجوج وما هنالك) هذا هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح عليه الصلاة والسلام كانوا ثلاثة: سام وحام ويافث، لكن لم يأت هذا بسنة صحيحة عن النبي ﷺ، ولا في القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأما هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ على ذلك، والله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، في أي آية؟ في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلا هو سبحانه وتعالى؛ وجب أن يُتلقى علمهم من؟ منين؟ من الله سبحانه وتعالى، من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي. وعلى هذا فما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، فإنه مما يُتوقف فيه، لا يجزم به؛ كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا أن يكون الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثين، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله، وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، ومن آمن معه ليس لهم ذرية؟ قد يكون لهم ذرية، لكن لم تبق، فالله أعلم. ومن الجائز أن يكون للإنسان ابن وابن ابن ثم ينقطع نسله، ومن الجائز أن يكون له ابن وابن ابن إلى خمسة ثم ينقطع نسله، فلا نعلم، لكن الذي بقي نسله هو نوح ﴿ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] (أبقينا ﴿عَلَيْهِ﴾ ) يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: تركنا له، ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ إشارة إلى أن (تركنا) مضمَّنة معنى يناسب حرف الجر المذكور –ننتبه- يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ يعنى أبقينا له ثناءً حسنًا، أقول: لم يقل: تركنا له في الآخرين، بل قد قال: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فلا بد أن يُضمَّن (تركنا) معنًى مناسبًا لـ(على)، المعنى المناسب لـ(على) هو الثناء، يعني أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى أثنى عليه ثناء من أفضل الثناء، قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، هذا ثناء أعظم ما يكون من الثناء، وأشرف ما يكون من الفخر؛ أن الله عز وجل يصف واحدًا من بني آدم يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، يعني قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر عليه الصلاة والسلام. إذن أبقى الله عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم، بل إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عز وجل عند قرب قيام الساعة، وكل هذا القرآن فيه الثناء على نوح. (﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة)، والظاهر من الآية الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح كان يُذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فيكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا عليه الصلاة والسلام بما أثنى الله به عليه لأنه مذكور في كل الكتب. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩]، ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، ونُكر من أجل التعظيم، أي: سلام عظيم؛ لأنه سلام ممن؟ من الله ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ هذا الثناء معناه أن الله سلمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثناء من الله سبحانه وتعالى، فجمع الله له بين أمرين؛ بين الثناء وبين سلامته، أو بين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: سلام بمعنى تسليم، أي أن الله سلمه من كل ما يضيره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ المراد بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ هنا من بعد نوح، لا من قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص. قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ٨٠] ﴿إِنَّا﴾ (...) ولكن المراد بها التعظيم؛ فإن الله واحد سبحانه وتعالى، ولكنه إذا ذُكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به أيش؟ المراد به التعظيم، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني كل من أحسن، فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه كما جزى نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد جزى الله نوحًا بأمرين؛ بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين، فكذلك من كان مؤمنًا بالله عز وجل محسنًا في عبادته وإلى عباده، فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجدون أئمة المسلمين، تجدون أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثناء عليهم، على الرغم من أن من الناس من يقدح فيهم؛ لأن كل واحد من أهل الخير لا بد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]. وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عدوًّا من المجرمين بلا شك، لكن يقيض الله سبحانه وتعالى لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدافع هذا القدح، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا. والإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله ﷺ، حيث قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ماذا فهمتم من هذا الحديث؟ «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ماذا تفهمون؟ نفهم أن العبادة في القسم الأول عبادة طلب، والعبادة في القسم الثاني عبادة هرب، معلوم؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما هو معلوم؟ طيب، العبادة في القسم الأول عبادة طلب «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فإنه يلح في العبادة ليصل أيش؟ إلى محبوبه، إلى الله عز وجل، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة، وهي عبادة الرغبة والطلب، فإنه يراك، فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأن هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثانية، ولهذا جعلها النبي ﷺ في الدرجة الثانية، قال: «إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» وتعبده كأنك تراه «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته، هذا الإحسان في عبادة الله، أما الإحسان إلى عباد الله، فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، بذل الندى يعني العطاء، كف الأذى ألا تؤذي أحدًا، لا بقولك ولا بفعلك، طلاقة الوجه ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر؛ لأن الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله سبحانه وتعالى عاتب النبي ﷺ، وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، مع أن الرسول ﷺ حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك، ماذا قال؟ قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ١ - ١٠] كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله عز وجل بأن بدأها بضمير الغيبة، فقال: ﴿عَبَسَ﴾، كأنما يتحدث عن شخص آخر، لا عن الرسول، ولم يقل: عبست وتوليت؛ لأنه كما مر علينا كثيرًا بأن المخاطبة بصيغة الخطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة. المهم أن الإحسان للعباد يكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وإن شئت فقل بأن الإحسان إلى العباد: بذل المعروف فيهم بالمال والبدن والجاه، أما بالمال فظاهر بالبدن أن تخدمه، ومع هذا فإذا خدمت الإنسان وأعنته فأنت مأجور؛ كما قال الرسول ﷺ في: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة.]]. ومن البذل البدني طلاقة الوجه، لا شك أنها من البذل المعروف البدني؛ لأنها تتعلق بالبدن، الثالث قلنا: الجاه بأن تنفع الناس بالتوسط والشفاعة فيما فيه الخير لهم ولك (...). * * * ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٦ - ٦٨]. * من فوائد هذه الآية الكريمة وما بعدها: بيان أن هؤلاء -أعني أهل النار والعياذ بالله- لا يمكن أن يخرجوا من النار؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها: أن ظاهرها يفيد تأبيد النار؛ لأنها المرجع النهائي، وهذا يقتضي أنه ليس هناك سواها، وهذا القول -أعني أن النار مؤبدة- هو القول المتعين الذي لا يجوز اعتقاد سواه؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣] وبعد هذه الآيات الثلاث من عالم الغيب والشهادة لا يجوز العدول عن القول بمدلولها، فإذا كان الساكن خالدًا خلودًا مؤبدًا لزم أن يكون المسكون كذلك، أي مؤبدًا لا يمكن فناؤه، والقول بجواز فناء النار أو بوجوب فناء النار قول ضعيف جدًّا، وقد علق شيخنا رحمه الله على ابن القيم في كتابه شفاء العليل، حيث ذكر الخلاف عن بعض السلف، علق على هذا بأنه قول ضعيف جدًّا، واستغرب أن يقع هذا من مثل ابن القيم رحمه الله؛ لأنه قول منافٍ للقرآن، ولكن لكل جواد كبوة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء يمنون ويؤملون بأن يخرجوا من النار، ولكن يرجعون فيها؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وقد ذكرنا في أثناء التفسير أن كون الإنسان يمني أن يخرج ثم يعاد يكون أشد وقعًا عليه وأشد عذابًا وألمًا. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٦٩، ٧٠] من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين اتبعوا آباءهم على الضلال؛ لقوله: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ فضلوا مثلهم * ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم التقليد المخالف للحق؛ لأن الله تعالى ذكر هذا تنديدًا بهم، وتوبيخًا لهم أن يجدوا آباءهم ضالين، ثم يتبعوهم ويدعوا طريق الحق، فإذا كان التقليد للضرورة بحيث إن الإنسان لا يتمكن من الوصول إلى الحكم عن طريق الاستدلال؛ فهنا يجوز التقليد للضرورة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، ولم يقل: فاستنبطوا من القرآن والسنة إن كنتم لا تعلمون؛ لأن من لا علم عنده لا يمكن أن يستنبط بنفسه، ولو حاول استنباط الأحكام من الأدلة، وهو ليس عنده علم، فسوف يضل ويتخبط خبط عشواء، فالإنسان الذي ليس عنده علم فرضه التقليد، والذي عنده علم فرضه الاجتهاد، وهذا القول وسط بين من يشددون في الإنكار على التقليد، وبين من يشددون في الإنكار على المجتهدين، فيكون التقليد للضرورة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الآباء على الأجداد أو لا؟ لأن الظاهر أن قوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى. وإطلاق الأب على الجد ولو بعيدًا معروف في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨] فسمى الله إبراهيم أبًا مع أنه جد بعيد. ويتفرع على هذه القاعدة: ترجيح القول بأن الجد يسقط الإخوة مطلقًا، أي سواء كانوا أشقاء، أم لأب، أم لأم في باب الميراث، وهو القول الراجح أن الجد إذا وجد وهو جد من قبل الأب فإنه يسقط الإخوة، ولو كانوا أشقاء، أو لأب؛ لأنه أب، وهذا القول هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وروي عن ثلاثة عشر صحابيًّا، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الراجح المتعين. ووجه ذلك أن القائلين بالتوريث أتوا بتفصيلات لو كانت هي الشرع لوجب أن تُبين في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولون: إن الجد إذا لم يكن من صاحب فرض يُخير بين الثلث والمقاسمة، وإذا كان معه صاحب فرض فإنه يخير بين السدس وثلث الباقي والمقاسمة، فنقول: من أين لكم هذا التقسيم؟ هذا التقسيم لو كان شرعًا لوجب أن يكون في الكتاب والسنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قسم أصحاب الفروض تقسيمًا واضحًا بينًا، فالأم ذكر أحوالها، وكذلك الإخوة والأخوات، الإخوة من أم، والأخوات مطلقا، فأين هذا التقسيم؟ من أين لكم أن الجد إذا لم يكن صاحب فرض فإن ميراثه الثلث أو المقاسمة، وإذا كان صاحب فرض فإن ميراثه السدس أو ثلث الباقي أو المقاسمة، المهم أن هذا سيأتينا إن شاء الله في الفرائض بأوسع من هذا، لكنا تعرضنا لهذا هنا لقوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: قبح عمل هؤلاء المقلدين حيث كانوا يهرعون على آثار آبائهم، أما في الحق فإنهم ينكصون على أعقابهم، فيتفرع على هذا: خطر هؤلاء الناس الذين إذا جاء الحق موافقًا لأهوائهم أسرعوا إليه، وإذا كان غير موافق نكصوا عنه، وصاروا يتباطؤون فيه، وهؤلاء فيهم شبه من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]، فإذا كان الحق لهم أتوا إليه مذعنين، وإذا كان الحق عليهم نكصوا وحاولوا أن يلووا أعناق النصوص لتوافق أهواءهم. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ دليل على أن الأمم السابقة قد ضل أكثرهم، وهو كذلك، وقد مر علينا «أن الرسول ﷺ رأى النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث عبد الله بن عباس.]]. * ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ بذكر المماثل للذين كذبوه؛ لأن الإنسان يتسلى ويتأسى بمصائب غيره. * ومن فوائد الآية: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه ويسلم، حيث كان يضرب له من الأمثلة ما يسليه بها؛ لأن سلو الإنسان بغيره يهون عليه الأمر، ويزيده قوة واندفاعًا فيما يدعو إليه. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم السابقة. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات ٧٢] دليل على أن الله تعالى أقام الحجة على كل أمة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي: في الأولين ﴿مُنْذِرِينَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] فكل القرى قامت عليها الحجة. * ويستفاد من الآية أيضًا: أن من لم تبلغه الرسالة فلا حجة عليه؛ لأنه لم يبلغه الإنذار، وهو كذلك، ولكن ماذا يكون مصير هذا الرجل، أو ماذا يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ نقول: أما في الدنيا فيحكم بما يتعبد به ويتدين به، فإن كان يتدين باليهودية فهو يهودي، أو بالنصرانية فهو نصراني، أو بالمجوسية فهو مجوسي، أو بالشيوعية فهو شيوعي، هذا في الدنيا، يعني أننا لا نجري عليه أحكام المسلمين في هذه الحال؛ لأنه يدين بغير الإسلام، أما في الآخرة فحكمه إلى الله عز وجل، وأصح الأقوال في هذا أن الله سبحانه وتعالى يمتحنهم بما يشاء، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (...)، نعيد هذه المسألة: ما حكم من لم تبلغه الرسالة في الدنيا؟ حكمه حكم ما يدين به؛ لأننا ليس لنا إلا الظاهر، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل، يقيم الله له امتحانًا يوم القيامة بما يشاء، فإذا أطاع دخل الجنة، وإذ عصى دخل النار، فإذا قال قائل: وهل في الآخرة تكليف؟ ألستم تقولون: إن التكليف ينقطع بالموت؟ فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢] ودعوتهم إلى السجود تكليف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم عز وجل، ما وجهه؟ أنه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد (...) ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] لا، بل قرن دعوتهم بماذا؟ بالإنذار والتبشير؛ ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يعاقب على الذنب إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فهم أنذروا فكانت العاقبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة؛ لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله عز وجل في مناسبة العقوبة، ليش؟ للذنب، فينظر لهذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ٧٤] إشارة إلى أن المخْلَص أو المخْلِص، وهما متلازمان، إخلاصهم هم وإخلاص الله لهم إلى أن عاقبته النجاة، وجهه الاستثناء ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإن هؤلاء عاقبتهم النجاة وعاقبتهم حميدة. * ومن فوائدها: حث الإنسان على أن يكون من هؤلاء العباد لينجو. * ومن فوائدها: فضيلة الإخلاص؛ لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ والإخلاص كما تعلمون هو الذي أمرنا به، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥]، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤] ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والإخلاص كما مر علينا هو إزالة جميع الشوائب في العبادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هؤلاء المخلصين، بماذا؟ بإضافة عبوديتهم إلى الله، فإنه لا شك أن ما يضاف إلى الله ينال الشرف، ولهذا شرف الله بيته بإضافته إليه، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج ٢٦] وشرف الله المساجد بإضافتها إليه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام بيوت الله: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]] وهذا لا شك تشريف للمضاف. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله على هؤلاء العباد، حيث أخلصهم لنفسه فلم يكن لهم مقصود إلا الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس هؤلاء العباد لهم مقصود فهم يأكلون قصدًا ويشربون قصدًا، ويتمتعون بالمساكن وبالنساء قصدًا، فقد دخل في قصدهم قصد ما سوى الله، فما الجواب؟ الجواب: أنهم يتقربون إلى الله بهذا القصد، فمثلًا في الأكل يأكل الإنسان تشهيًا بلا شك، ودفعًا للضرورة، لكن يمكن أن يكون هذا الأكل عبادة من وجوه: أولا: إذا قصد به امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بالأكل والشرب. ثانيًا: إذا قصد به حفظ صحته وقيام بنيته؛ لأن الإنسان مأمور بمراعاة نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.]]، إذا قصدوا بذلك الاستعانة بهذا الأكل والشرب على طاعة الله، ولا سيما إذا كان معينًا إعانة مباشرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]. الرابع: إذا قصد بذلك التبسط بنعم الله فإن الله يحب من عبده أن يتبسط بنعمته؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه، ومن أشرف وقت عند الكريم أن يطرق بابه الضيوف ليكرمهم، أليس كذلك؟ لكن البخيل بالعكس؛ إذا قرع الباب قال: ما هو بموجود، لكن الثاني يكون قد فتح بابه للناس، ويفرح إذا جاء الناس وتبسطوا بضيافته. إذن قصد الإنسان التنعم بنعمة الله والتبسط بها، لا شك أن هذا قربة إلى الله عز وجل؛ لأن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه. * طالب: (...) ابن القيم قال في حادي الأرواح: إن النار ناران؛ نار الكفار ونار عصاة الموحدين، أما نار عصاة الموحدين فهي اللي تفنى، أما نار الكفار فلا تفنى، أليس تفصيل هذا يقضى على أن (...) ابن القيم لم يقل بفناء النار؟ * الشيخ: لا، هو ذكر في كتاب شفاء العليل الخلاف في نار جهنم التي هي للكافرين. * طالب: أليس هذا تقييدًا ما أطلقه في شفاء العليل؟ * الشيخ: (...) قول ثان، الكلام على أن تعليق شيخنا على هذا الذي وجده أمامه. * طالب: الذي بلغته الرسالة، ولكن هو يولد في بيئة عمت فيه الشرك، وعندهم (...) وهم قد غرسوا في قلبه عداوة بينه وبين الذين عندهم العقيدة الصحيحة ما حكمه؟ * الشيخ: الظاهر أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأن الله تعالى أقام الحجة على المشركين، مع أن عامة المشركين أو عوام المشركين لا يفهمون. * الطالب: هو مسلم، يعني ولكن.. * الشيخ: إي، لكنه مسلم مشرك، فمثلًا إذا قيل له: إن الذهاب إلى صاحب القبر ودعاءه شرك. * طالب: هو ما يعرف.. * الشيخ: (...) لم يعرف هذا معناه أنه لم تقم عليه الحجة، إنما قولنا في رجل يعرف قيل له: إن هذا شرك، وقيل له: إن الله يقول: ﴿ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤]، وقالوا له: إن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] وبين له الآيات، أما مجرد أن يأتيه رجل من الناس ويقول له: ترى إن هذا شرك فقد لا يكون في هذا إقامة حجة، عرفت؟ * طالب: في بعض الناس (...) لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه فقط، لا يعرفون ما هو الإسلام، هل هذا كفاية لإقامة الحجة فقط، يعني يعرفون أنه في .. * الشيخ: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء؛ هل العذر إقامة الحجة، أو فهم الحجة؟ فمن العلماء من يقول: إذا قامت الحجة سواء فهمها المدعو أم لم يفهم فلا عذر له، ومنهم من يقول: لا بد من أن يفهم الحجة تقام عليه ويفهمها، أما إذا لو بُعث رسول يدعو إلى الهدى ولكن ما فهم هذا الشيء، فإنه لا تقوم عليه الحجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤] بعد أن يبين ويعرف ينقسم الناس بهؤلاء الرسل إلى ضال ومهتدٍ، والمسألة تحتاج إلى تأمل في الواقع: هل يُكتفى بمجرد قيام الحجة واذا قامت عليه الحجة عليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، فيقال: لماذا لم تستفهم فأنت مقصر؟ أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه حجة وبلغته، لكن على وجه مشوش، فهذا معذور، لا سيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار. على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة؛ لأنها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها؛ إذ إن فيه كثير من المسلمين على هذا الوجه، يعني بين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مشوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس مثل بدعة الرافضة، بدعة الخوارج، بدعة الأشعرية، بدعة المعتزلة، بدع كثيرة مشوش على الناس فيها ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يظنون أن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة، فالمسألة تحتاج الحقيقة إلى بحث تام في هذا الموضوع، ومراجعة كلام أهل العلم، لا سيما العلماء المتحررون في أفكارهم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن أشبههما (...). * * * * طالب: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٧٩ - ٨٩]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا بيان الفوائد، وأظن وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣]؟ قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: بيان تأكيد الشيء بالقسم إذا دعت الحاجة إليه، وأن هذا من فصيح الكلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكد هذا بالقسم واللام و(قد). * ومن فوائده: حث النبي ﷺ وغيره على دعاء الله سبحانه وتعالى، وأن الله إذا ناداه عبده بالدعاء أجابه. * ومن فوائدها: إثبات سمع الله؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، ولا إجابة إلا بعد السمع. * ومن فوائدها: الثناء على نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بلجوئه إلى ربه عند حلول المضايق. * ومن فوائد قوله: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الثناء على الله سبحانه وتعالى بكمال الإجابة؛ لأن الثناء على المجيب يستلزم الثناء على الإجابة، فإجابة الله عز وجل ليست كإجابة غيره، بل هي إجابة فضل وإحسان، قد يعطي الإنسان أكثر مما سأل. * ومن فوائدها: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بإجابته دعوة الداعي، وبيان قدرته على إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة تستلزم القدرة عليها؛ إذ إن العاجز لا يمكن أن يجيب. * ومن فوائدها: بيان عظمة الله، وذلك بالإتيان بالواو في صفته، في قوله: ﴿الْمُجِيبُونَ﴾؛ فإن هذه قطعًا ليست للجمع؛ لأن الله واحد، ولكنها للتعظيم. * ومن فوائد قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] بيان أن قومه أُصيبوا بكرب عظيم، وهو الهلاك بالغرق، وأن الله سبحانه وتعالى نجَّى نوحًا وأهله. * ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله، حيث حل العذاب بهذه الأمة، فنجا قوم وغرق قوم. * ومنها، أي من الفوائد: كمال عدله سبحانه وتعالى، حيث جازى كل واحد بما يستحق، فمن استحق النجاة نجاه، ومن استحق الهلاك أهلكه. * ومن فوائدها: جواز إطلاق العام وإن كان مخصوصًا؛ لأن قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ يشمل أيش؟ المؤمن والكافر منهم، وقد دلت آيات أخرى على أن من أهله من لم ينجُ. * ومن فوائد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧] أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الذي بقي نسله من بني آدم، فكل من بعد نوح فهو من نسله، ولهذا يُسمَّى الأب الثاني للبشرية، وهنا سؤال، وهو أن يقال: إن النبي ﷺ ذكر أن الله خصه بأنه بعثه إلى الناس كافة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/ ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وظاهر هذه الآية الكريمة أن نوحًا بُعث إلى البشر جميعًا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وذريته كانوا مباشرين له، لم يكونوا في مكان آخر. والجواب على ذلك أن هذه الآية لا تستلزم ما ذكر، فقد يكون هناك أمم في أماكن بعيدة لكنها فنِيت ولم يبقَ إلى ذرية نوح، وتكون الأمم البعيدة التي لم تشملها دعوة نوح يكون لها رسل، ثم فنيت هذه الأمم والرسل الذين بُعثوا إليها، ولم يبقَ إلا ذرية نوح. * ومن فوائد قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العبد بثناء الآخرين عليه؛ لأن الميت إذا مات انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم يثني ثناء حسنًا، وقسم يثني ثناء سيئًا، وقلَّ مَن تتفق الأمة عليه بالثناء، وأعني بالأمة أمة الدعوة، أما أمة الإجابة فكثيرًا ما يتفقون على الثناء على شخص معين، لكن أمة الدعوة اللي فيهم الكافر والمؤمن والفاسق والعاصي لا يتفقون على الثناء على شخص؛ لأن كل من قوي إيمانه ودعوته إلى الله فسيجد مضادًّا من أعداء الله سبحانه وتعالى، لكن أهل الخير والإيمان يحبون الداعية إلى الله ويثنون عليه بما يستحق. وفي قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩] دليل على أن نوح عليه الصلاة والسلام قد برأه الله سبحانه وتعالى في الآخرين، حيث يقولون القول الذي فيه سلامته من القدح، فيكون الله قد جمع له بين الثناء الحسن ودفع الثناء السيئ؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا، من فوائد الآية: إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن قوله: ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾ لا يتناول من قبل نوح، فإن الظاهر أنه لم يسبق له ذكر فيما سبق. * ومن فوائد قصة نوح ككل، من فوائدها: إدخال البشارة على رسول الله ﷺ وأصحابه، حيث يكون لهم أسوة في نوح ومن نجا معه، وتهديد المكذبين له، حيث يكون لهم إنذار لما جرى للمكذبين لنوح عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * ومن فوائد قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أن المحسن يُجازَى بمثل ما جُوزي به نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بإنجائه من الهلاك وسلامة عرضه من الذكر السيئ، وكلما كان الإنسان أكثر إحسانًا كان أكثر ثوابًا وأسلم. * ومن فوائد الآية: إثبات القياس لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني مثل هذا الجزاء نجزي كل محسن. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يرتب الجزاء والعقوبة والثناء والقدح على الأوصاف، لا على الأشخاص؛ لأنه هو علق الجزاء على الإحسان، ولهذا لم يأتِ شيء من أحكام الله سبحانه وتعالى مقيدًا بشخص لشخصه أبدًا، حتى خصائص الرسل، ليست من باب خصائص الأشخاص، لكن من باب خصائص الأوصاف؛ لأن فيهم وصفًا زائدًا على غيرهم، وهو وصف النبوة والرسالة، فخصوا ببعض الأحكام المناسبة لمقامهم، أما أن يُخص شخص بعينه لأنه فلان بن فلان مثلًا، فهذا لا يوجد في الشريعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرتب الأحكام ويعلقها على الأوصاف، لا على الأشخاص. * ومن فوائد الآية قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى كمال هذين الوصفين، وهما العبودية والإيمان، وأنهما أشرف وصف يتصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله مؤمنًا به؛ لأن الله قال: إنه من عبادنا المؤمنين، يعني نوحًا، ونوح عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، فإذا كان من مناقبه وفضائله أن يكون من عباد الله المؤمنين دل ذلك على فضيلة العبودية والإيمان. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بيان حكمة الله سبحانه وتعالى، حيث أغرق هؤلاء المكذبين لرسوله عليه الصلاة والسلام، بل المكذبين لرسله؛ لأن الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]. وتكذيب قوم نوح ليس من أجل أنه نوح، ولكن من أجل ما جاء به، ولهذا كان تكذيب رسول واحد تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأنه تكذيب لجنس الرسالة، وليس لشخص المرسل. * ومن فوائدها أيضًا: إقامة العدل بإغراق هؤلاء المكذبين؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يغرقهم ظلمًا، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.

الصافات 37:83

قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الاسم، والخبر مقدم ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة. فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه. (وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل. قال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات. وما هي الشهوات؟ الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. (﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ قال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه. قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنًا طويلًا. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٨٥] ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ هذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا. (﴿أَئِفْكًا﴾ [الصافات ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ يقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. يقول: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره. قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بالشمول لكل أحد. قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده. فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: ﴿لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ يعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت. * الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ هذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ مجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة. * طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح. * الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب. * الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء. * الشيخ: غريب، ما رأيت هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...). * طالب: (...). * الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم. * طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...). * الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: «لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ»[[(٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب.]]. * طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟ * الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي ﷺ في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا. * طالب: (...). * الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا. * طالب: والقمر يا شيخ. * الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار. * طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر. * الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر. * طالب: (...). * الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع. * طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...). * الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب. * طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد. * الشيخ: ما يمكن أبدًا. * الطالب: هكذا افترضوا. * الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...). * * * * طالب: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات ٩٢ - ٩٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؟ * طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي. * الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟ * الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي. * الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟ * طالب: إنكار عليهم. * الشيخ: كيف الإنكار. * طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره. * طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد. * الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه. * طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم * الشيخ: هذا رأي المؤلف؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟ * طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك. قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا. (﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية. نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه. والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد. (﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا. (راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه. يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟! فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟ والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها. قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا. وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها. إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟! الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها. وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟ قال: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم). واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة. ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟ * طالب: مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَالشِّــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ ∗∗∗ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُمَصْدَرِ * الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). (سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟ (شَرْط) الشرطية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧]. (الْوَصْلِ) موصولة. (فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا! (لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة. (بِكَفٍّ) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل. و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد. (زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧]. وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ (تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب. (مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟ * الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم. * طالب: قوله: (...) ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟ * الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟ * الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟ * الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم. * الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠] تصير عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تولوا عنه مدبرين؟ * الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له. * الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟ * الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها. * طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟ * الشيخ: النفسي؟ بلى. * طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم.. * الشيخ: هذا الذي قاله، يعني ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ معناه أنه مريض من العبادة. * الطالب: (...) على وجه (...). * الشيخ: والله ما أدري. * طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء. * الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا. أما الفوائد فتبتدئ من قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي رسول كان ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب. * من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة. * ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: ﴿إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه. * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟ يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب. والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟ فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا. * من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]: أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنع، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته، وهو كذلك فالإنسان المبطل إذا وُرِّيَ له بباطله ظن أنه حق، فأخذ به واعتبره. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩١، ٩٢]: بيان قوة إبراهيم كما سلف؛ حيث ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكسرها إلا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها، ولا تجلب لنفسها نفعًا فلغيرها من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز التورية كما سبق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال، أراد بذلك إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها، وينتصرون لها بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عن نفسها ضررًا. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ * أيضًا: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة، لا بتوانٍ وكسل، خلافًا لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعْف وتوانٍ وكسل، والإنسان في الحقيقة مع نفسِه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة، وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مُدركًا لأعماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أَدَع هذا الشيء إلى بكرة فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، أليس كذلك؟ لأنه إذا أَخَّر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان؛ عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا مُنِع الإنسان الذي عليه قضاء رمضان، مُنِع أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، لماذا؟ لأنه إذا أخَّره للثاني؛ تراكمت عليه الديون، ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون، المهم أن قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ يستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل أعماله بقوة وحزم حتى يقضيها بكل سهولة. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]: بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا؛ أي بسبب ما عمل بهذه الآلة أقبلوا إليه يزفون، والفاء -كما تعرفون- تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا، ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره. * يتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا أراد عملًا هامًّا، وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره، ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله؛ لأن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣]، ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. وهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر العظيم، ولكن لا يتخذ له مُناصرًا، وفيه نظر؛ يعني في هذا التصرف نظر، ولكن يجب أن تُرَاعَى الحكمة في هؤلاء المناصِرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا أو أن يتفقوا على الرأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أي أقول: إنه يجب أن تُستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجَه الذي يريدون أن يواجهوه، فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. المهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يُعالَج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الانفراد أو على سبيل الاجتماع؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. (...) * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩٤، ٩٥]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أهل الباطل يُسرعون إلى نَيْل غرضهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون، وأهل الباطل مخذولون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع على الشيء من أسباب نَيْل المراد؛ يعني كلما اجتمع الناس على أمر كان ذلك أقرَب إلى نيل مرادهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني ولم يأتوا واحدًا واحدًا، وهذا أقوى للشوكة فيتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أمرًا أن يجتمع عليه مع إخوانه، ولكن هل من الحكمة أن يأتوا جميعًا مُجتمعين، أو أن يأتوا أفرادًا لكن يتفقون على أمر؟ ذكرنا أن هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فيُتبع في ذلك ما هو أصلح، فقد يكون الاجتماع جميعًا أصلح وقد يكون بالعكس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن هؤلاء القوم منتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله عز وجل أشد منهم انتصارًا في دين الله سبحانه وتعالى، وإذا ما نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالِم لا يأوي إلى عالم، ولا يشاوره، ولا يأخذ برأيه، بل إنه -مع الأسف- ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود، الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله عز وجل من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا، وينتصرون عليهم؛ يعني يُؤَمِّلون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ، فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل، وأتى من العرب وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥]: الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل الاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، كيف ذلك؟ ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ يعني كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه؟ أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم؛ لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه؟ ولكن عقولهم منتكسة، فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون. * ومن فوائد الآية في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟! وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق. وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟

الصافات 37:84

قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الاسم، والخبر مقدم ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة. فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه. (وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل. قال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات. وما هي الشهوات؟ الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. (﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ قال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه. قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنًا طويلًا. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٨٥] ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ هذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا. (﴿أَئِفْكًا﴾ [الصافات ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ يقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. يقول: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره. قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بالشمول لكل أحد. قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده. فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: ﴿لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ يعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت. * الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ هذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ مجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة. * طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح. * الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب. * الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء. * الشيخ: غريب، ما رأيت هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...). * طالب: (...). * الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم. * طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...). * الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: «لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ»[[(٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب.]]. * طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟ * الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي ﷺ في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا. * طالب: (...). * الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا. * طالب: والقمر يا شيخ. * الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار. * طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر. * الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر. * طالب: (...). * الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع. * طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...). * الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب. * طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد. * الشيخ: ما يمكن أبدًا. * الطالب: هكذا افترضوا. * الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...). * * * * طالب: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات ٩٢ - ٩٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؟ * طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي. * الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟ * الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي. * الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟ * طالب: إنكار عليهم. * الشيخ: كيف الإنكار. * طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره. * طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد. * الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه. * طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم * الشيخ: هذا رأي المؤلف؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟ * طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك. قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا. (﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية. نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه. والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد. (﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا. (راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه. يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟! فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟ والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها. قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا. وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها. إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟! الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها. وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟ قال: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم). واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة. ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟ * طالب: مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَالشِّــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ ∗∗∗ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُمَصْدَرِ * الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). (سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟ (شَرْط) الشرطية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧]. (الْوَصْلِ) موصولة. (فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا! (لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة. (بِكَفٍّ) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل. و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد. (زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧]. وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ (تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب. (مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟ * الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم. * طالب: قوله: (...) ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟ * الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟ * الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟ * الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم. * الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠] تصير عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تولوا عنه مدبرين؟ * الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له. * الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟ * الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها. * طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟ * الشيخ: النفسي؟ بلى. * طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم.. * الشيخ: هذا الذي قاله، يعني ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ معناه أنه مريض من العبادة. * الطالب: (...) على وجه (...). * الشيخ: والله ما أدري. * طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء. * الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا. أما الفوائد فتبتدئ من قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي رسول كان ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب. * من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة. * ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: ﴿إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه. * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟ يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب. والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟ فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا. * من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]: أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنع، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته، وهو كذلك فالإنسان المبطل إذا وُرِّيَ له بباطله ظن أنه حق، فأخذ به واعتبره. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩١، ٩٢]: بيان قوة إبراهيم كما سلف؛ حيث ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكسرها إلا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها، ولا تجلب لنفسها نفعًا فلغيرها من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز التورية كما سبق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال، أراد بذلك إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها، وينتصرون لها بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عن نفسها ضررًا. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ * أيضًا: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة، لا بتوانٍ وكسل، خلافًا لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعْف وتوانٍ وكسل، والإنسان في الحقيقة مع نفسِه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة، وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مُدركًا لأعماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أَدَع هذا الشيء إلى بكرة فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، أليس كذلك؟ لأنه إذا أَخَّر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان؛ عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا مُنِع الإنسان الذي عليه قضاء رمضان، مُنِع أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، لماذا؟ لأنه إذا أخَّره للثاني؛ تراكمت عليه الديون، ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون، المهم أن قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ يستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل أعماله بقوة وحزم حتى يقضيها بكل سهولة. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]: بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا؛ أي بسبب ما عمل بهذه الآلة أقبلوا إليه يزفون، والفاء -كما تعرفون- تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا، ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره. * يتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا أراد عملًا هامًّا، وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره، ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله؛ لأن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣]، ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. وهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر العظيم، ولكن لا يتخذ له مُناصرًا، وفيه نظر؛ يعني في هذا التصرف نظر، ولكن يجب أن تُرَاعَى الحكمة في هؤلاء المناصِرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا أو أن يتفقوا على الرأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أي أقول: إنه يجب أن تُستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجَه الذي يريدون أن يواجهوه، فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. المهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يُعالَج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الانفراد أو على سبيل الاجتماع؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. (...) * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩٤، ٩٥]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أهل الباطل يُسرعون إلى نَيْل غرضهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون، وأهل الباطل مخذولون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع على الشيء من أسباب نَيْل المراد؛ يعني كلما اجتمع الناس على أمر كان ذلك أقرَب إلى نيل مرادهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني ولم يأتوا واحدًا واحدًا، وهذا أقوى للشوكة فيتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أمرًا أن يجتمع عليه مع إخوانه، ولكن هل من الحكمة أن يأتوا جميعًا مُجتمعين، أو أن يأتوا أفرادًا لكن يتفقون على أمر؟ ذكرنا أن هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فيُتبع في ذلك ما هو أصلح، فقد يكون الاجتماع جميعًا أصلح وقد يكون بالعكس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن هؤلاء القوم منتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله عز وجل أشد منهم انتصارًا في دين الله سبحانه وتعالى، وإذا ما نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالِم لا يأوي إلى عالم، ولا يشاوره، ولا يأخذ برأيه، بل إنه -مع الأسف- ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود، الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله عز وجل من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا، وينتصرون عليهم؛ يعني يُؤَمِّلون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ، فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل، وأتى من العرب وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥]: الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل الاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، كيف ذلك؟ ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ يعني كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه؟ أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم؛ لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه؟ ولكن عقولهم منتكسة، فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون. * ومن فوائد الآية في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟! وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق. وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟

الصافات 37:85

قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الاسم، والخبر مقدم ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة. فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه. (وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل. قال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات. وما هي الشهوات؟ الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. (﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ قال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه. قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنًا طويلًا. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٨٥] ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ هذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا. (﴿أَئِفْكًا﴾ [الصافات ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ يقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. يقول: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره. قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بالشمول لكل أحد. قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده. فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: ﴿لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ يعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت. * الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ هذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ مجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة. * طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح. * الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب. * الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء. * الشيخ: غريب، ما رأيت هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...). * طالب: (...). * الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم. * طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...). * الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: «لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ»[[(٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب.]]. * طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟ * الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي ﷺ في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا. * طالب: (...). * الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا. * طالب: والقمر يا شيخ. * الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار. * طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر. * الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر. * طالب: (...). * الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع. * طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...). * الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب. * طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد. * الشيخ: ما يمكن أبدًا. * الطالب: هكذا افترضوا. * الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...). * * * * طالب: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات ٩٢ - ٩٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؟ * طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي. * الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟ * الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي. * الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟ * طالب: إنكار عليهم. * الشيخ: كيف الإنكار. * طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره. * طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد. * الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه. * طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم * الشيخ: هذا رأي المؤلف؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟ * طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك. قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا. (﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية. نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه. والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد. (﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا. (راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه. يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟! فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟ والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها. قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا. وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها. إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟! الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها. وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟ قال: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم). واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة. ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟ * طالب: مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَالشِّــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ ∗∗∗ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُمَصْدَرِ * الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). (سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟ (شَرْط) الشرطية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧]. (الْوَصْلِ) موصولة. (فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا! (لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة. (بِكَفٍّ) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل. و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد. (زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧]. وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ (تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب. (مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟ * الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم. * طالب: قوله: (...) ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟ * الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟ * الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟ * الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم. * الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠] تصير عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تولوا عنه مدبرين؟ * الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له. * الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟ * الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها. * طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟ * الشيخ: النفسي؟ بلى. * طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم.. * الشيخ: هذا الذي قاله، يعني ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ معناه أنه مريض من العبادة. * الطالب: (...) على وجه (...). * الشيخ: والله ما أدري. * طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء. * الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا. أما الفوائد فتبتدئ من قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي رسول كان ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب. * من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة. * ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: ﴿إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه. * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟ يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب. والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟ فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا. * من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]: أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنع، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته، وهو كذلك فالإنسان المبطل إذا وُرِّيَ له بباطله ظن أنه حق، فأخذ به واعتبره. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩١، ٩٢]: بيان قوة إبراهيم كما سلف؛ حيث ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكسرها إلا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها، ولا تجلب لنفسها نفعًا فلغيرها من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز التورية كما سبق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال، أراد بذلك إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها، وينتصرون لها بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عن نفسها ضررًا. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ * أيضًا: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة، لا بتوانٍ وكسل، خلافًا لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعْف وتوانٍ وكسل، والإنسان في الحقيقة مع نفسِه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة، وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مُدركًا لأعماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أَدَع هذا الشيء إلى بكرة فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، أليس كذلك؟ لأنه إذا أَخَّر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان؛ عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا مُنِع الإنسان الذي عليه قضاء رمضان، مُنِع أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، لماذا؟ لأنه إذا أخَّره للثاني؛ تراكمت عليه الديون، ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون، المهم أن قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ يستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل أعماله بقوة وحزم حتى يقضيها بكل سهولة. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]: بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا؛ أي بسبب ما عمل بهذه الآلة أقبلوا إليه يزفون، والفاء -كما تعرفون- تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا، ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره. * يتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا أراد عملًا هامًّا، وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره، ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله؛ لأن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣]، ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. وهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر العظيم، ولكن لا يتخذ له مُناصرًا، وفيه نظر؛ يعني في هذا التصرف نظر، ولكن يجب أن تُرَاعَى الحكمة في هؤلاء المناصِرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا أو أن يتفقوا على الرأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أي أقول: إنه يجب أن تُستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجَه الذي يريدون أن يواجهوه، فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. المهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يُعالَج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الانفراد أو على سبيل الاجتماع؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. (...) * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩٤، ٩٥]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أهل الباطل يُسرعون إلى نَيْل غرضهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون، وأهل الباطل مخذولون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع على الشيء من أسباب نَيْل المراد؛ يعني كلما اجتمع الناس على أمر كان ذلك أقرَب إلى نيل مرادهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني ولم يأتوا واحدًا واحدًا، وهذا أقوى للشوكة فيتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أمرًا أن يجتمع عليه مع إخوانه، ولكن هل من الحكمة أن يأتوا جميعًا مُجتمعين، أو أن يأتوا أفرادًا لكن يتفقون على أمر؟ ذكرنا أن هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فيُتبع في ذلك ما هو أصلح، فقد يكون الاجتماع جميعًا أصلح وقد يكون بالعكس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن هؤلاء القوم منتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله عز وجل أشد منهم انتصارًا في دين الله سبحانه وتعالى، وإذا ما نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالِم لا يأوي إلى عالم، ولا يشاوره، ولا يأخذ برأيه، بل إنه -مع الأسف- ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود، الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله عز وجل من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا، وينتصرون عليهم؛ يعني يُؤَمِّلون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ، فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل، وأتى من العرب وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥]: الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل الاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، كيف ذلك؟ ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ يعني كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه؟ أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم؛ لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه؟ ولكن عقولهم منتكسة، فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون. * ومن فوائد الآية في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟! وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق. وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟

الصافات 37:86

قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الاسم، والخبر مقدم ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة. فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه. (وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل. قال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات. وما هي الشهوات؟ الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. (﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ قال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه. قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنًا طويلًا. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٨٥] ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ هذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا. (﴿أَئِفْكًا﴾ [الصافات ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ يقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. يقول: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره. قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بالشمول لكل أحد. قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده. فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: ﴿لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ يعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت. * الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ هذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ مجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة. * طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح. * الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب. * الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء. * الشيخ: غريب، ما رأيت هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...). * طالب: (...). * الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم. * طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...). * الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: «لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ»[[(٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب.]]. * طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟ * الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي ﷺ في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا. * طالب: (...). * الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا. * طالب: والقمر يا شيخ. * الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار. * طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر. * الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر. * طالب: (...). * الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع. * طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...). * الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب. * طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد. * الشيخ: ما يمكن أبدًا. * الطالب: هكذا افترضوا. * الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...). * * * * طالب: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات ٩٢ - ٩٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؟ * طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي. * الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟ * الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي. * الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟ * طالب: إنكار عليهم. * الشيخ: كيف الإنكار. * طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره. * طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد. * الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه. * طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم * الشيخ: هذا رأي المؤلف؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟ * طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك. قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا. (﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية. نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه. والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد. (﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا. (راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه. يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟! فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟ والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها. قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا. وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها. إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟! الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها. وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟ قال: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم). واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة. ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟ * طالب: مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَالشِّــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ ∗∗∗ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُمَصْدَرِ * الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). (سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟ (شَرْط) الشرطية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧]. (الْوَصْلِ) موصولة. (فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا! (لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة. (بِكَفٍّ) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل. و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد. (زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧]. وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ (تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب. (مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟ * الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم. * طالب: قوله: (...) ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟ * الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟ * الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟ * الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم. * الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠] تصير عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تولوا عنه مدبرين؟ * الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له. * الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟ * الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها. * طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟ * الشيخ: النفسي؟ بلى. * طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم.. * الشيخ: هذا الذي قاله، يعني ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ معناه أنه مريض من العبادة. * الطالب: (...) على وجه (...). * الشيخ: والله ما أدري. * طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء. * الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا. أما الفوائد فتبتدئ من قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي رسول كان ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب. * من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة. * ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: ﴿إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه. * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟ يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب. والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟ فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا. * من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]: أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنع، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته، وهو كذلك فالإنسان المبطل إذا وُرِّيَ له بباطله ظن أنه حق، فأخذ به واعتبره. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩١، ٩٢]: بيان قوة إبراهيم كما سلف؛ حيث ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكسرها إلا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها، ولا تجلب لنفسها نفعًا فلغيرها من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز التورية كما سبق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال، أراد بذلك إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها، وينتصرون لها بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عن نفسها ضررًا. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ * أيضًا: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة، لا بتوانٍ وكسل، خلافًا لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعْف وتوانٍ وكسل، والإنسان في الحقيقة مع نفسِه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة، وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مُدركًا لأعماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أَدَع هذا الشيء إلى بكرة فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، أليس كذلك؟ لأنه إذا أَخَّر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان؛ عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا مُنِع الإنسان الذي عليه قضاء رمضان، مُنِع أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، لماذا؟ لأنه إذا أخَّره للثاني؛ تراكمت عليه الديون، ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون، المهم أن قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ يستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل أعماله بقوة وحزم حتى يقضيها بكل سهولة. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]: بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا؛ أي بسبب ما عمل بهذه الآلة أقبلوا إليه يزفون، والفاء -كما تعرفون- تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا، ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره. * يتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا أراد عملًا هامًّا، وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره، ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله؛ لأن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣]، ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. وهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر العظيم، ولكن لا يتخذ له مُناصرًا، وفيه نظر؛ يعني في هذا التصرف نظر، ولكن يجب أن تُرَاعَى الحكمة في هؤلاء المناصِرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا أو أن يتفقوا على الرأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أي أقول: إنه يجب أن تُستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجَه الذي يريدون أن يواجهوه، فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. المهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يُعالَج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الانفراد أو على سبيل الاجتماع؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. (...) * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩٤، ٩٥]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أهل الباطل يُسرعون إلى نَيْل غرضهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون، وأهل الباطل مخذولون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع على الشيء من أسباب نَيْل المراد؛ يعني كلما اجتمع الناس على أمر كان ذلك أقرَب إلى نيل مرادهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني ولم يأتوا واحدًا واحدًا، وهذا أقوى للشوكة فيتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أمرًا أن يجتمع عليه مع إخوانه، ولكن هل من الحكمة أن يأتوا جميعًا مُجتمعين، أو أن يأتوا أفرادًا لكن يتفقون على أمر؟ ذكرنا أن هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فيُتبع في ذلك ما هو أصلح، فقد يكون الاجتماع جميعًا أصلح وقد يكون بالعكس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن هؤلاء القوم منتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله عز وجل أشد منهم انتصارًا في دين الله سبحانه وتعالى، وإذا ما نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالِم لا يأوي إلى عالم، ولا يشاوره، ولا يأخذ برأيه، بل إنه -مع الأسف- ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود، الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله عز وجل من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا، وينتصرون عليهم؛ يعني يُؤَمِّلون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ، فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل، وأتى من العرب وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥]: الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل الاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، كيف ذلك؟ ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ يعني كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه؟ أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم؛ لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه؟ ولكن عقولهم منتكسة، فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون. * ومن فوائد الآية في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟! وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق. وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟

الصافات 37:87

قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الاسم، والخبر مقدم ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة. فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه. (وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل. قال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات. وما هي الشهوات؟ الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. (﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ قال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه. قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنًا طويلًا. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٨٥] ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ هذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا. (﴿أَئِفْكًا﴾ [الصافات ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ يقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. يقول: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره. قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بالشمول لكل أحد. قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده. فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: ﴿لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ يعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت. * الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ هذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ مجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة. * طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح. * الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب. * الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء. * الشيخ: غريب، ما رأيت هذا. * طالب: (...). * الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...). * طالب: (...). * الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم. * طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...). * الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: «لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ»[[(٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب.]]. * طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟ * الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي ﷺ في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا. * طالب: (...). * الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا. * طالب: والقمر يا شيخ. * الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار. * طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر. * الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر. * طالب: (...). * الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع. * طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...). * الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب. * طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد. * الشيخ: ما يمكن أبدًا. * الطالب: هكذا افترضوا. * الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...). * * * * طالب: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات ٩٢ - ٩٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؟ * طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي. * الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟ * الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي. * الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟ * طالب: إنكار عليهم. * الشيخ: كيف الإنكار. * طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره. * طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد. * الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه. * طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم * الشيخ: هذا رأي المؤلف؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟ * طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك. قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. * طلبة: (...). * الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا. (﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية. نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه. والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد. (﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا. (راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه. يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟! فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟ والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها. قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا. وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها. إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟! الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها. وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟ قال: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم). واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة. ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟ * طالب: مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَالشِّــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ ∗∗∗ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُمَصْدَرِ * الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة). (سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟ (شَرْط) الشرطية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧]. (الْوَصْلِ) موصولة. (فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا! (لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة. (بِكَفٍّ) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل. و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد. (زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧]. وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ (تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب. (مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟ * الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم. * طالب: قوله: (...) ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟ * الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟ * الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟ * الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم. * الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠] تصير عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تولوا عنه مدبرين؟ * الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له. * الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟ * الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها. * طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟ * الشيخ: النفسي؟ بلى. * طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم.. * الشيخ: هذا الذي قاله، يعني ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ معناه أنه مريض من العبادة. * الطالب: (...) على وجه (...). * الشيخ: والله ما أدري. * طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء. * الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا. أما الفوائد فتبتدئ من قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي رسول كان ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب. * من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة. * ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: ﴿إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه. * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟ يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب. والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟ فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا. * من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]: أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنع، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته، وهو كذلك فالإنسان المبطل إذا وُرِّيَ له بباطله ظن أنه حق، فأخذ به واعتبره. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩١، ٩٢]: بيان قوة إبراهيم كما سلف؛ حيث ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكسرها إلا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها، ولا تجلب لنفسها نفعًا فلغيرها من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز التورية كما سبق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال، أراد بذلك إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها، وينتصرون لها بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عن نفسها ضررًا. * ومن فوائد قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ * أيضًا: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة، لا بتوانٍ وكسل، خلافًا لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعْف وتوانٍ وكسل، والإنسان في الحقيقة مع نفسِه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة، وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مُدركًا لأعماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أَدَع هذا الشيء إلى بكرة فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، أليس كذلك؟ لأنه إذا أَخَّر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان؛ عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا مُنِع الإنسان الذي عليه قضاء رمضان، مُنِع أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، لماذا؟ لأنه إذا أخَّره للثاني؛ تراكمت عليه الديون، ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون، المهم أن قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ يستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل أعماله بقوة وحزم حتى يقضيها بكل سهولة. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]: بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا؛ أي بسبب ما عمل بهذه الآلة أقبلوا إليه يزفون، والفاء -كما تعرفون- تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا، ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره. * يتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا أراد عملًا هامًّا، وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره، ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله؛ لأن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣]، ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٩]. وهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر العظيم، ولكن لا يتخذ له مُناصرًا، وفيه نظر؛ يعني في هذا التصرف نظر، ولكن يجب أن تُرَاعَى الحكمة في هؤلاء المناصِرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا أو أن يتفقوا على الرأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أي أقول: إنه يجب أن تُستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجَه الذي يريدون أن يواجهوه، فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. المهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يُعالَج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الانفراد أو على سبيل الاجتماع؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. (...) * * * * طالب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ إلى آخره [الصافات: ٩٤، ٩٥]. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أهل الباطل يُسرعون إلى نَيْل غرضهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤]، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون، وأهل الباطل مخذولون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع على الشيء من أسباب نَيْل المراد؛ يعني كلما اجتمع الناس على أمر كان ذلك أقرَب إلى نيل مرادهم؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ يعني ولم يأتوا واحدًا واحدًا، وهذا أقوى للشوكة فيتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أمرًا أن يجتمع عليه مع إخوانه، ولكن هل من الحكمة أن يأتوا جميعًا مُجتمعين، أو أن يأتوا أفرادًا لكن يتفقون على أمر؟ ذكرنا أن هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فيُتبع في ذلك ما هو أصلح، فقد يكون الاجتماع جميعًا أصلح وقد يكون بالعكس. * ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن هؤلاء القوم منتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله عز وجل أشد منهم انتصارًا في دين الله سبحانه وتعالى، وإذا ما نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالِم لا يأوي إلى عالم، ولا يشاوره، ولا يأخذ برأيه، بل إنه -مع الأسف- ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود، الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله عز وجل من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا، وينتصرون عليهم؛ يعني يُؤَمِّلون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ، فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل، وأتى من العرب وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥]: الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل الاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، كيف ذلك؟ ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ يعني كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه؟ أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم؛ لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه؟ ولكن عقولهم منتكسة، فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون. * ومن فوائد الآية في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟! وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق. وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟