Tafsir Ibn Uthaymeen — الصافات 37:179 – ص 38:6
المحتويات
الصافات 37:179
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟
* الطالب: لام القسم، و(قد).
* الشيخ: لام القسم، و(قد)؟
* الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.
* الشيخ: لا.
* طالب: ضمير الفصل.
* الشيخ: لا.
* طالب: القسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.
ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾.
﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، قال المؤلف: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ بالنصر، ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في ﴿لَهُمُ﴾، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.
* الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.
ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.
* طالب: الحصر.
* الشيخ: يفيد الحصر نعم.
* الطالب: والصفة.
* الشيخ: لا.
* الطالب: والفصل (...).
* الشيخ: أنا أريد أن تسمع.
* طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.
* الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.
مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.
إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.
ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.
إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.
طيب هنا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ نقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبر (إن).
طيب يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لا غيرهم، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ مِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.
طيب هنا ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: لا، الجند؛ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).
أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.
فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟
إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.
أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.
فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟
* طالب: من الكتاب ومن السنة؟
* الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
* الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.
* الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.
إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.
فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: ﴿سُطِحَتْ﴾، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.
إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.
لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.
ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث «أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم »[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وأحمد (٣٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.
فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.
على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.
طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.
وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ محمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.
* طالب: في مثل هذه (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟
* الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.
* الطالب: وإذا كان الخبر (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾.
* الشيخ: طيب، (هم) ضمير فصل لا لها محل له من الإعراب.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما هي مبتدأ، هذا ضمير فصل ليس له محل من الإعراب.
* الطالب: ضمير فصل؛ لأجل يفصل الخبر من المبتدأ؟
* الشيخ: نعم، مع أن هنا أيضًا عندنا سبب آخر يبين الصفة من الخبر، وهي لام التوكيد؛ لأن لام التوكيد ما تدخل إلا على الخبر، فعندنا الآن شيئان: لام التوكيد، وضمير الفصل، كلها تؤيد أن ما بعدهما هو الخبر.
* الطالب: ما يحتمل أن المنصورين صفة؛ لأن ما يحتمل..؟
* الشيخ: لا، ما يحتمل ولا يمكن، وكيف تكون صفة وهي مرفوعة والضمير في (إن) منصوب؟! ما تكون صفة، ما فيه إشكال.
* طالب: عفا الله عنك، بعضهم يحمل وإن جندنا لهم المنصورون يقول: هذا باعتبار النهائي أن الرسل الذين ابتلوا وعذبوا، يقول: هذا في أثناء الرسالة، وأما في نهاية الرسالة كان النصر معهم.
* الشيخ: يأتينا -إن شاء الله- غدًا تمام البحث فيه.
* * *
السؤال هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ هل هي مؤكدة وبكم مؤكِّدٍ أُكِّدَت؟
* طالب: مؤكدة بثلاث مؤكدات؛ أولًا: القسم (...) و(بقد) وباللام.
* الشيخ: ما الذي أعلمك أن فيها قسمًا؟
* طالب: الواو ﴿وَلَقَدْ﴾.
* الشيخ: الواو، الواو إذن حرف قسَمٍ، طيب ما هي؟ مرَّ علينا في الآجرومية أن حروف القسم ما تدخل إلا على الاسم، وهنا (لقد) ما هي اسم.
* الطالب: محذوفة (...) واللهِ لقد.
* الشيخ: ما يمكن القسم بالواو ما يحذف منه المقسَم به.
* طالب: القسم مقدر.
* الشيخ: مقدر.
* الطالب: وتالله لقد.
* الشيخ: وتالله لقد سبقت.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١]؟
* طالب: ما يشترط أن يكون النصر؟
* الشيخ: ذكرنا فيه أجوبة.
* الطالب: إما أن يكون النصر بالتأييد حتى تنقطع الأسباب، وإما أن يكون النصر لبعضهم على بعض وإن لم يكن دائمًا.
* الشيخ: كيف نصر بعضهم على بعض، الرسل ما ينصر بعضهم على بعض، كلهم على هدف واحد؟
* الطالب: ينصر بعضهم ببعض.
* الشيخ: لا.
* الطالب: قلنا: إن النصر يتوقف على أربع حالات.
* الشيخ: إما أن يكون النصر بالحجة والبرهان، هذا واحد.
* الطالب: وإما يكون بالأكثرية.
* الشيخ: أو بناء على الأغلب ثالثًا.
* الطالب: ثالثًا: للذين أمروا بالجهاد.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: رابعًا: أن يكون النصر مطلق وهو نصر الآخرة.
* الشيخ: وهو نصر الآخرة. هذه أربعة أوجه.
قوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ما المراد بجند الله؟
* طالب: جند الله هم الملائكة.
* الشيخ: الملائكة، لا.
* الطالب: النبيون هم الذين يدافعون عن شرعه ودينه.
* الشيخ: صح، المدافعون عن شرعه ودينه.
طيب قوله: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هل الغلبة هنا تكون غلبة بالسيف والسلاح، أو بشيء من آيات الله، أم ماذا؟
* طالب: تكون بالحجة والبرهان أولًا.
* الشيخ: لا، الغلبة غير النصر.
* الطالب: إما تكون بالآيات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: أو تكون بالملائكة.
* الشيخ: بالملائكة، مثل؟
* الطالب: في غزوة بدر.
* الشيخ: أيَّدهم الله تعالى بالملائكة غلبوا بما أيدهم به من الملائكة، وفي الأحزاب..
* الطالب: بالريح.
* الشيخ: بالريح وكذلك الملائكة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] (تول) الخطاب للرسول ﷺ، و﴿عَنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف بقوله: (أي: أعرض عن كفار مكة)، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني: إلى حين غير مبين لكن علمه عند الله، ولهذا قال المؤلف: (حتى حين تؤمر فيه بقتالهم)، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف؛ فإن الرسول ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال؛ لأن الحكمة لا تقتضيه، وعلى هذا فيكون الحين الذي أجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٤، ١٧٥] (إذا نزل بهم العذاب فسوف يبصرون عاقبة كفرهم) (أبصِرْهم) يعني: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية؛ يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا له للنبي ﷺ بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله (أبصِرْهم) تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.
وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار؛ (أبصِرْهم) يعني: أنظرهم؛ يعني: أمهلهم، كما في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧]، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة ٢٩]، وغاية القولين واحدة؛ يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هذه الجملة يراد بها التهديد؛ تهديد هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.
قال المؤلف: (فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب، قال الله تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦]) الهمزة ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ للاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف فإنه يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مُقَدَّرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويُقَدَّرُ بما يناسب المقام.
والثاني: أن تكون الجملة معطوفةً على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف.
وعلى هذا يكون التقدير: فأبعذابنا يستعجلون، وعلى الأول نقدر ما يناسب المقام، فنقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.
استعجالهم العذاب على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.
والثاني: أن يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية؛ لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وعلى هذا فاستعجال الناس بالعذاب يكون على وجهين. الوجه الأول ما هو؟ ويش؟
* طالب: يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية، ويكون بالقول.
* الشيخ: مثل قولهم أيش؟ مثاله بالقول؟
* الطالب: قالوا.
* الشيخ: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، هم يقولون للرسول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، هذا استعجال بالقول.
الاستعجال بالفعل هو التمادي في المعصية؛ لأن المعاصي سبب لوقوع العذاب، فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، الاستعجال بالقول أنهم يقولون: متى هذا الوعد؟ أين العذاب الذي تعدوننا به؟ فهؤلاء جمعوا بين الوجهين في الاستعجال بالفعل وبالقول.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم، ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٦، ١٧٧] (إذا نزل) الفاعل يعود على العذاب؛ أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم؛ أي: فناؤهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يُعَبَّرُ عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما جاء في الحديث الصحيح في قصة خيبر «أن النبي ﷺ لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم، يقولون: هذا محمد، أو جاء محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥ / ٨٤) من حديث أنس.]].
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ ﴿نَزَلَ﴾ أي أيش؟ العذاب؛ أي: حل بهم، و(﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: بفنائهم) وهذه كلمة يقولها العرب للتهديد.
(قال الفرَّاء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم)، الفرَّاء أحد علماء اللغة العربية، وهو حجة فيما يقول إن العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، فكأنه يقول: فإذا نزل بهم، على كلام الفراء أن يكون تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل بقوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم وفنائهم ثم يهجم عليهم ويُغِير عليهم.
وفي هذا استعارة كما يقول البلاغيون؛ حيث شبَّه العذاب بعدو ينزل بهم -يعني بساحتهم- ثم حذف المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.
قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قال المؤلف في (ساء): (بئس)، ثم قال: (صباحًا)، ثم قال: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ وذلك لأن (ساء) من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين: فاعل وتمييز، فقدَّرَ المؤلف التمييز في قوله: (صباحًا)، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذَرين صباحًا.
والمهم أن أفعال الذم وكذلك أفعال المدح مثل: نِعْمَ وحبَّذا وما أشبهها تحتاج إلى فاعل وإلى تمييز، فالمؤلف قدَّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسدُّ مسدَّه، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا؛ مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ٣٠]، ولم يقل: نعم العبد عبدًا.
طيب ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ اسم مفعول؛ أي: ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم؛ لأنهم أُنْذِروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر، قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فأقام الظاهر مقام المضمر. اشرح لي ها العبارة هذه.
* طالب: يعني مدلول الكلام أنه..
* الشيخ: مقتضى السياق أن يقول..
* الطالب: أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكن ذكر هنا المنذَرين..
* الشيخ: فأقام الظاهر؛ لأن (المنذَرين) اسم ظاهر مقام؟
* الطالب: مقام الضمير المضمر.
* الشيخ: مقام الضمير أو المضمر، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا بد لها من فائدة؛ إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، فلننظر هنا: إقامة الظاهر هنا مقام المضمر له فائدة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ لأن الله تعالى يعبِّر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] في سورة طه، ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يُقَدَّم عليه في كتاب الله لكن في هذه الآية ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدَّمَ هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة (طه) فواصلها كلها غالبها بالألف.
هنا نقول: فساء صباحهم، لو قال: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها فقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذه فائدة لفظية أو معنوية لفظية؛ أما المعنوية فهي إقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم؛ وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذرٌ واستحقوا العذاب بعدل الله عز وجل.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ طيب ما الإنذار؟ يقول العلماء: إن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، والبشارة هي الإعلام المقرون بالتفريح بما يفرح ويسر، فالبشارة بالسارِّ، والإنذار بخلافه، إذن (المنذَرين) الذين أنذورا بإقامة الحجة عليهم؛ أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.
قال: (﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] كرَّر تأكيدًا لتهديدهم وتسلية لرسول الله ﷺ) هذه الآية -كما تشاهدون- هي نفس الآية اللي قبلها الآية؛ اللي قبلها يقول: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، وهنا قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لم تختلف عنها إلا بحرف العطف، الأولى ﴿فَتَوَلَّ﴾ والثانية ﴿وَتَوَلَّ﴾، أيضًا الأولى قال: (أبصِرْهم) وهنا قال: (أبصِرْ) فأطلَقَ، وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم؛ وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول ﷺ؛ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.
ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨٠، ١٨١] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ نريد إعرابها من الأخ.
* طالب: (سبحان) اسم مصدر لـ(سبح).
* الشيخ: هذا من حيث التصريف، الإعراب وهي منصوبة.
* طالب: مفعول مطلق.
* الشيخ: على أنها مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا، إذن (سبحان) من حيث التصريف اسم مصدر (سبح)، من حيث الإعراب منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين (سبحان) و(سبح) ما يقال: سبح سبحان.
طيب و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾؛ أي تنزيهًا له، وقد مرَّ علينا ماذا يُنَزَّه الله عنه. ما الذي ينزه الله عنه؟ نريد منك أن تكون طالب علم ومراقب مسجل.
* طالب: عما لا يريده.
* الشيخ: ويدور على.
* الطالب: على التمثيل و(...) النقص.
* الشيخ: على شيئين: التنزيه عن المماثلة، وعن النقص في صفات الكمال.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ، فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق، وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة، وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة (رب العالمين)، والثانية خاصة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؛ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته.
ثم قال: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: الغلبة، و(رب) هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبِّر إلا في هذا الموضع، فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ صاحب العزة وليس خالق؛ لأن صفات الرب غير مخلوقة.
وقوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرها من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي ﷺ ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله، وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، إذن المقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة، وهي العزة، قال الله عز وجل في سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، وهذا حقيقةً يخرج الأعز الأذل، ولكن من الأعز؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما المنافقون فلا عزَّة لهم.
وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك حيث إنه في سياق الغلبة للرسول ﷺ والذل لأعدائه.
ومن أسماء الله تعالى العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء: والعزة ثلاثة معان: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام قُلْها لنا.
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء، وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا، وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء، ومن الثالث قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا) قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.
والعزة ثلاثة معان: عزة الغَلَبَة، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام؟ قلها لنا؟
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء.
وعزة القدر: أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا.
وعزة الامتناع: أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء.
ومن الثالث قولهم: أرض عزاز يعني أيش؟ صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغَلَبَة ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] بأن له ولدًا).
قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يصفونه به.
وقول المؤلف: (بأن له ولدًا) هذا كالمثال لما يصفون الله به مما منزَّه عنه، وإلا فهم يقولون: إن الله له ولد، وله زوجة، وله شريك، وله معِين، وهكذا، فكل وصف لا يليق بالله فإن الله منزَّه عنه، وإن وصفه به هؤلاء الأفاكون الكذابون.
قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (سلام) مبتدأ، و(على المرسلين) خبره.
والسلام هنا بمعنى التسليم، فهو اسم مصدر سلم، مثل الكلام بمعنى التكليم، اسم مصدر كلم.
ومعنى السلام عليهم أن ما قالوه في ذات الله وصفات الله سالم من كل نقص، فيكون الله تعالى قد سبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، ثم سلم على الرسل لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، فليس فيه كذب، وليس فيه سوء، ولهذا قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (المبلغين عن الله التوحيد والشرائع).
ولما ذكر التنزيه فيما وصف به نفسه، وفيما وصفته به رسله، ذكر بعد ذلك الحمد، الذي هو وصف المحمود بالكمال، فيكون في الآيات جمع بين التنزيه عن صفات النقص وبين إثبات صفات الكمال، وأتى بإثبات صفات الكمال بعد التنزيه؛ لأنه كما يقال: تكون التحلية بعد التخلية، يعني التزيين بعد إزالة الأذى.
يقول: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] الحمد قلت: إنه وصف المحمود بالكمال، وكمال الله سبحانه وتعالى يدور على أمرين: كمال ذاتي، وكمال فعلي.
أما الكمال الذاتي فهو سبحانه وتعالى كامل في ذاته المتصفة بكل صفة كمال.
كمال فعلي: أن الله تعالى كامل في أفعاله، فله الفضل على عباده بجلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولهذا شرع للإنسان إذا انتهى من الأكل والشرب أن يحمد الله سبحانه وتعالى على ما رزقه من الطعام والشراب، وإن شئت فقل أو فتجاوز هذا إلى أنك تحمد الله الذي لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه من الأكل والشرب.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] رب العالمين أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
والعالم: كل من سوى الله فهو عالم، وسُموا عالمًا لأنهم علم على خالقهم عز وجل، ففي كل شيء من مخلوقات الله آية تدل على وحدانيته وكماله.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] قال المؤلف: (على نصرهم) أي: نصر الرسل (وهلاك الكافرين).
ولو أن المؤلف جعلها مطلقة: الحمد لله رب العالمين على كل شيء، حتى على ما يقدره أحيانًا من غلبة أعدائه على أوليائه، فإنه يحمد على ذلك؛ لِما يترتب عليه من المصالح العظيمة كما في غزوة أحد التي ذكر الله تعالى فيها من الحكم أشياء كثيرة: ذكر منها جزءًا كبيرًا في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله، وبهذا انتهت هذه السورة.
* طالب: (...) ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة ٢٢١] (...) وكذلك يجوز إذا تقدم الخبر عليه (...) فهذا من (…)؟
* الشيخ: هي لا تحصر في خمسة ليست محصورة في خمسة ولا في خمسين، ابن مالك رحمه الله ذكر قاعدة، قال:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ .................
عرفت، فمتى حصلت الفائدة جاز الابتداء بها، وابن هشام في القطر يقول: ويجوز الابتداء بالنكرة إن عم أو خص. يعني كانت عامة أو خاصة معينة، لكن عبارة ابن مالك أحسن:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ
* الطالب: إذا تفيد بس يكفي.
* الشيخ: يكفي ما لها حصر (...).
* * *
* طالب: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ١ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] ما هو هذا الحين الذي جعل أمد التولي إليه؟
* طالب: إلى أجلهم.
* الشيخ: إلى أجلهم؟
* طالب: إلى أن يؤمر بالجهاد.
* الشيخ: إلى أن يؤمر بالجهاد، وعلى هذا التقدير تكون الآية؟
* الطالب: ناسخة، يعني هذه الآية منسوخة.
* الشيخ: منسوخة بآيات.
* الطالب: الأمر بالجهاد.
* الشيخ: الأمر بالجهاد، هل يحتمل ما قاله الأخ ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي حتى موتهم؟
* طالب: ما تحتمل الآية، ما تحتمل حتى موتهم، لا ما تحتمل.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: ما الفائدة أنه يتولى حتى موتهم، لن تضل حتى الموت.
* طالب آخر: أقول: نعم، تحتمل؛ لأنه ليست تولي القتال، بل تولي الإعراض عنهم، وعدم موالاتهم إلى أن يموتوا ما داموا على كفرهم.
* الشيخ: ما يعارض قوله: ﴿أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥]؟
* الطالب: نعم ما يعارض هذا.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه لن يتولاهم، بل بعضهم سيموت وهو لن يتولاهم.
* الشيخ: لا، هو من تولى، تولى يعني (...).
* الطالب: إي نعم، يعني لا يركن إليهم.
* الشيخ: إذن يحتمل هذا حتى حين يعني حتى يموتوا، وأنت ستبصر أنهم ماتوا سواء بقتال أو بغير قتال، وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥] ما الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ التهديد.
* الشيخ: الغرض منها التهديد.
قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] هذه رد على أي شيء؟
* طالب: استعجالهم.
* الشيخ: على استعجالهم بالعذاب، ما الذي قالوه في استعجالهم العذاب؟
* الطالب: قالوا: إن..
* الشيخ: ما الذي قالوا في استعجال العذاب؟ يعني ما هي العبارة التي تدل على أنهم استعجلوا العذاب؟
* طالب: قولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ﴾ [الأنفال ٣٢].
* طالب آخر: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨].
* الشيخ: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة ٢٨]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال ٣٢] ونحو ذلك.
قوله: ﴿إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات ١٧٧] ما معنى إذا نزل بساحتهم؟
* طالب: يعني إذا نزل بالعباد عذاب على ساحتهم، أي: ببيوتهم (...).
* الشيخ: يعني كأنه يقول: فإذا حل بهم العذاب.
قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] هذه (ساء) فعل من أفعال؟
* طالب: الذم، الناسخ.
* الشيخ: الذم، ويش تقتضي؟
* الطالب: تقتضي تمييزًا وفاعلًا.
* الشيخ: وتقتضي تمييزًا وفاعلًا، أين الفاعل؟
* الطالب: ساء صباح المنذرين، الفاعل حذف وجملة صباح المنذرين هذه تمييز.
* الشيخ: صباح المنذرين هذا هو التمييز.
* طالب: الفاعل صباح.
* الشيخ: الفاعل صباح، وأين التمييز؟
* الطالب: التمييز محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: فساء صباح المنذرين صباحًا.
* الشيخ: فساء صباحًا صباح المنذرين.
في قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] الأخ فيه نكتة بلاغية ما هي؟
* طالب: تغير من الضمير المضمر الى الضمير الظاهر.
* الشيخ: إلى الضمير الظاهر، ما هي ضمير ظاهر، الظاهر قسيم المضمر؛ أنت فاهم المعنى لكن لم تحسن التعبير، أنا أريد أن يكون التعبير حسنًا.
* طالب: إقامة الظاهر مقام المضمر.
* الشيخ: فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، الظاهر ما يمكن يضمر الظاهر (...) عرفت ما هي الفائدة البلاغية في إقامة الظاهر مقام المضمر؟
* طالب: فائدتان: الفائدة الأولى: التنبيه؛ لا، أولًا: بيان عاقبة يعني أنهم أنذروا وبلغوا الحجة.
* الشيخ: يعني إقامة الحجة عليهم بأن الإنذار بلغهم.
* الطالب: ثانيًا: حتى يعني تكون الفواصل متوازية.
* الشيخ: مراعاة الفواصل.
* طالب: أقول: فيه فائدة لفظية وفائدة معنوية، الفائدة اللفظية: هي فواصل الآيات، مراعاة الفواصل
* الشيخ: مراعاة الفواصل، والمعنوية؟
* الطالب: له ثلاث فوائد: أولًا: التعميم، الثانية: انطباق الوصف عليهم، الثالثة: التشديد على هؤلاء.
* الشيخ: إقامة الحجة عليهم بأنهم أنذروا ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
قوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] موقعها مما قبلها من حيث المعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: معطوفة على قبلها التوكيد من حيث المعنى، ولهذا قلنا: من حيث المعنى.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] الأخ، أيش معناها؟
* طالب: التنزيه.
* الشيخ: التنزيه أيش لون؟ منين أخذت التنزيه.
* الطالب: من سبحان.
* الشيخ: من سبحان، وما الذي يُنزَّه الله عنه؟
* طالب: المماثلة والنقص.
* الشيخ: المماثلة والنقص، مماثلة المخلوقات والنقص في كماله.
قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] ما معنى رب هنا؟
* طالب: صاحب.
* الشيخ: بمعنى صاحب، ولا يصح أن تكون بمعنى خالق؟
* الطالب: يصح.
* الشيخ: يصح أن يكون بمعنى خالق؟
* الطالب: لا يصح أن تكون بمعنى خالق.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأن صفات الله ليست بمخلوقة.
* الشيخ: لأن صفات الله ليست مخلوقة، أنت إذا قلت: رب الخلق بمعنى الخالق الله، لكن رب العزة هي عزة الله، لا يصح أن تكون بمعنى خالق؛ لأن هذا يستلزم أن تكون صفة الله مخلوقة، فهمت؟
قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] الجملة خبرية أو إنشائية؟
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية، يعني أن الله يخبر بأن المرسلين عليهم؟
* الطالب: السلام.
* الشيخ: السلام، لماذا سلم عليهم؟
* طالب: لسلامة ما قالوه.
* الشيخ: لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، خلافًا لما وصفه به هؤلاء.
ما هي الفائدة من قوله بعد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢]؟
* طالب: على كمال يعني نعمة الله بنصره لـ..
* الشيخ: (...) ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ وبين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الفائدة من ذلك؟
* الطالب: الفائدة منه يعني مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مثلًا النقص وهو له الحمد.
* الشيخ: ما هو بظاهر.
* طالب: لما ذكر الله تعالى ما ذكره الكافرون بوصف الله سبحانه وتعالى بالنقص، ذكر الله صفات الكمال التي اتصف بها سبحانه، ثم قال بعد ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: الله عز وجل يثبت لنفسه الكمال بعد أن نزه نفسه عن النقص، يعني التحلية بعد التخلية.
* الشيخ: تمام هو أن يثبت لنفسه صفات الكمال بعد أن نزه نفسه عن صفات النقص؛ ليجمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات.
نأخذ الفوائد الآن:
قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤].
هذا مبتدأ الدرس، الفوائد اللي قبله مأخوذ؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧١، ١٧٢].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كتب لعباده المرسلين النصر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات ١٧١] وكلمة الله عز وجل الكونية لا تتبدل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ، وتثبيته على ما كان عليه من الرسالة.
* ومن فوائدها: تهديد أعداء الرسل، وأنهم مخذولون؛ لأنه إذا كتب النصر للرسل فسيكون من الخذلان لأعدائهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نصر الرسل يكون بالله، وبما يسره عز وجل من مخلوقاته وآياته، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧٢]، ولم يبين من الناصر ليكون هذا أشمل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلبة لجنود الله الذين قاموا بنصر شريعته والذب عنها؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣].
* ومن فوائدها: تثبيت من دعا إلى الله عز وجل من أتباع الرسل بأن لهم الغلبة كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨].
فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين ما حصل لبعض الرسل وبعض أتباعهم مما ينافي ظاهر الآية؟ فقد سبق لنا الجواب عليه من عدة أوجه، فلتكن معلومة لديكم.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إلى آخره [الصافات: ١٧٤، ١٧٥].
* في هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وأن طغيانهم لن يدوم؛ لقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] فسينتهي هذا الطغيان، إما على يد الرسول عليه الصلاة والسلام حين يؤمر بالقتال، وإما بالموت بتقدير الله عز وجل، فهم لا بد أن ينتهي أمرهم ولا يمكن أن يستمر طغيانهم.
* ومن فوائدها: تسلية الرسول ﷺ حيث أخبر بأن أعداءه سينتهي أمرهم بعد حين.
* ومنها: تهديد هؤلاء الأعداء الذين بلغوا في الطغيان والعدوان على رسول الله ﷺ ما بلغوا.
* ومن فوائد هذه الآيات: تحقيق هذا الأمر، أي هلاكهم وزوالهم؛ لقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٥]، يعني إذا نزل بهم العذاب فسوف تبصر وتشاهد بعينك.
* ومن فوائدها أيضًا: إعادة التهديد مرة ثانية بأسلوب آخر في قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائدها: تأكيد المعنى بالعبارات المختلفة ليكون ذلك أبلغ وليترقب هؤلاء المهددون العذاب من كل وجه؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان سفه هؤلاء المكذبين وطغيانهم، حيث كانوا يستعجلون العذاب، وجه هذا: أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يخشون العذاب ولا يستعجلونه، وأنهم لو كان عندهم نوع من الاعتدال ما صاروا يتحدون الرسل، فيقولون: هاتوا العذاب إن كنتم صادقين، فهم عندهم سفه وعندهم مبالغة في الطغيان والعدوان، والآية التي أشرنا إليها آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، هذا يدل على سفه قريش وأنهم من أبلغ ما يكون في السفه؛ لأنهم لو كانوا حلماء راشدين لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أيش؟ فاهدنا إليه، هذا هو الصواب، أما فأمطر علينا حجارة من السماء فهذا من أسفه ما يقوله البشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه في مقام الوعيد بصيغة العظمة إرهابًا وإزعاجًا لهؤلاء المتوعَّدين؛ لقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] ولم يقل: أفبعذابي، ولهذا لما جاء ذكر العذاب على سبيل الخبر قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠] ولم يقل: عذابنا ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٥٠].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه إذا نزل العذاب بقوم فلن يفلتهم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* ومنها، من فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا، وهي قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧]؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله عز وجل في عباده إذا نزل بهم العذاب فآمنوا ألا ينفعهم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]، وقال فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] يعني فلن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة، وألا يتأخر، وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا نزل به الموت فلن تنفعه التوبة، لا بد أن تكون التوبة في وقت تُقبل فيه.
يُستثنَى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها، وهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قرية آمنت بعد نزول العذاب فيها فنفعها إيمانها، ما حضرت أمس؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* طالب: قوم يونس.
* الشيخ: قوم يونس، الدليل على أنه نفعها إيمانها بعد نزول العذاب بها؟
* الطالب: الآيات في سورة..
* الشيخ: (...) يصح أن يقول القائل: الدليل آية في القرآن؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: اترك هذه.
* الطالب: (...).
* طالب آخر: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ﴾ [يونس ٩٨] إذن العذاب نزل بهم، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
ما هي الحكمة من أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؟
* طالب: لأن نبيهم يونس عليه السلام خرج مغاضبًا قبل أن يؤمر بالخروج.
* الشيخ: قبل أن يؤمر بالخروج، فكان هذا عذرًا لهم، صحيح.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار، الدليل من الآية؟
* طالب: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* الشيخ: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذا يدل على أنهم لن يحل بهم العذاب إلا بعد الإنذار، وهذا موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥].
والصحيح أن هذا عام في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والطهارة، وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه ولو بقي سنوات.
والدليل على هذا: نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع، فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لكنه بقي مدة لا يحسن إلا هذا إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ما مضى من صلاته، وإنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر؛ لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]] ، ولم يقل للمرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنعها الصلاة؛ لم يأمرها أن تعيد الصلاة، مع أنها مستحاضة والمستحاضة تصلي[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣ / ٦٢) من حديث عائشة.]] والأمثلة على هذا كثيرة.
ولا فرق كما قلت بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا أن رجلًا مسلمًا كان ناشئًا في بلد بعيد، ولا يدري يعبد هذا القبر وهو لا يدري أنه كفر فإنه لا يحكم بكفره لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمده قلبه فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا شركًا فما دونه متأولًا ولم يجد من يفتح عليه فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لا بد من القصد، فهذا الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]] فجعل نفسه ربًّا وجعل رب العالمين عبدًا، هذه كلمة كفر لا شك في هذا، لو قال قائل: أنا أكبر من الله، أنا ربه، وهو عبدي لكان كافرًا بلا شك، لكن هذا الرجل أخطأ لم يقصد الكلام، أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه في المعاصي قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله بقدرته قال له: كن، فكان، فاجتمع فسأله ربه عز وجل: لم صنعت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب، قال له كلامًا معناه: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]] فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا الرجل كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد متأول، فلم يكن كافرًا.
ومثل هذه المسائل لا يجوز للإنسان أن يتسرع فيها، أعني مسألة التكفير أو التفسيق أيضًا؛ لأن بعض الإخوة يسارع في التكفير ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل، إذا كان هذا القول كفرًا قال: من قال به فهو كافر مطلق، وإذا كان هذا الفعل كفرًا قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع؛ لأن هذا القول مثلًا إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر لا شك هذا الفعل إذا كان مكفرا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها الموانع أو لا؟
نعم، ما من سبب إلا وله مانع، قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه: الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس حتى لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر هل نقول: إنه يكفر؟ لا، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله ﷺ.
إذن يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا، لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيتم لو أكره رجل على أن يسجد لصنم وقيل: إما أن تسجد أو السيف؟ فسجد يفعل الإكراه لا تقربًا للصنم أيكفر؟ لا يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ١٠٦] شوف الكلام: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا هو الذي يُعطى حكمه، وأما من ليس كذلك فلا، لهذا يجب علينا أيها الإخوة ألا نسارع في التكفير والتفسيق، بعض الناس بغيرته يسارع في الحكم: هذا كافر، يا ابن الحلال، اتق الله، أنت إذا كفَّرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠ / ١١١) من حديث ابن عمر.]] ، أتريد أن تكون كافرًا؟ لا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره، يعني من قامت الحجة على كفره نحتاج فيها إلى أمرين:
ثبوت أن هذا الشيء كفر، وتحقق شروط الكفر في هذا الفاعل أو هذا القائل، يعني لا تقوم الحجة على كفر شخص إلا بأمرين:
ثبوت أن هذا الشيء مكفر.
والثاني: تحقق الكفر في حق هذا؛ لأنه قد يكون الشيء مكفرًا لكن لا يتحقق الكفر في هذا الفاعل، أو هذا القائل.
وهذه المسألة أنا أكررها لأهميتها؛ لأنه يبلغني أن قومًا من الناس بمجرد ما يقال: إن فلانًا فعل كذا يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، نبرأ إلى الله منه؛ نبرأ إلى الله منه؟! هذا غلط.
ما تقولون في قتل النفس؟ من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا هل قتله الرسول؟ ما قتله ولا ضمنه بدية، غاية ما هنالك قال له:« «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فقال أسامة: قالها يا رسول الله تعوذًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]] القصة معروفة أظن.
القصة رجل من الكفار هرب فلحقه أسامة بن زيد، فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل، والقرينة مع أسامة؛ لأن رجلًا كافرًا أدركه مسلم بسيفه فقال: لا إله إلا الله، قرينة كونه متعوذًا بها قوية جدًّا، لكن الرسول ﷺ لا يريد منا أن نحكم بما نظن، يريد أن نحكم بالظاهر: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] ، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» شوف تكرار يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعدُ»، الله أكبرُ.
الحاصل أنه يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير؛ حتى لا نبوء نحن بالكفر أو الفسق.
والحمد لله الحكم إلى الله ولَّا إلينا؟ إلى الله، إذا كان الله لم يكفر هذا الشخص ليش نكفره؟ إذا كفرنا ما لم يكفره الله فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتقي الله. والأصل في المسلم أيش؟ الإسلام، ما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر أو يقول قولًا من الكفر وهو جاهل لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، كيف نقول: إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكنه مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له، وهو لا يدري، نقول: هذا كافر وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!
ولهذا قال العلماء، نصوا على هذا في كتبهم: لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة لكان كافرًا، لكن قالوا: لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي، أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا؛ لأنه جاهل.
إذن قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] تدل على أنه لا يمكن أن يُعذَّب أحد إلا بعد الإنذار.
وهل يكفي بلوغ الحجة أو لا بد من فهم الحجة؟
* طلبة: فيه خلاف.
* الشيخ: الثاني، لا بد من فهمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] ليش؟ لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] بلغتهم من أجل أن يبين لهم، فلا بد من فهم الحجة، أنت لو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يدري أيش معناها، هل تقوم عليه الحجة؟ ما تقوم، لو قلت له: يا فلان، أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، ثلاثًا، قال: نعم، وأربعًا وخمسًا فهم من (أطلقت امرأتك) يعني جعلتها طليقة تروح وتيجي، أعجمي ما يدري، قلنا: خلاص بانت منك، لا تحل لك إلا بعد زوج! كم يصيح، يا جماعة كيف هذا الكلام؟ قلنا: نحن سألناك أنك أطلقت زوجتك؟ قلت: نعم، قلنا: ثلاثًا؟ قلت: ثلاثًا وأربعًا، خلاص بانت منك الزوجة، تبين منه ولَّا لا؟ لا تبين، ليش؟ لأنه لا يعرف المعنى.
لكن لو قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا.
* طالب: أيش معناها؟
* الشيخ: هكذا قال الفقهاء، أنه إذا قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا، أنا لو أقولك: واحد عربي يقول لزوجته: بهشتم بهشتم بهشتم، ما تطلق ولو مرة واحدة؛ لأنه لا يعرف.
المهم أن هذه مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، أو يوقع غيره في هلكة، ويوالي ويعادي على غير وجه شرعي، فالبشر حكمهم إلى الله عز وجل، من حكم الله بكفره كفرناه، ومن حكم بفسقه فسقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه. والله أعلم.
* طالب: بعض (...) إذا ماتوا؟
* الشيخ: إذا ماتوا فإن كانوا يدينون بالإسلام ولم يعرفوا أن هذا كفر، فهم لا يعاقبون عليه، وأما إذا بلغوا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فهؤلاء لا يقبل منهم.
* طالب: هو لا بد من فهم؟
* الشيخ: لا بد من فهم، أعجمي وأنت تخاطبه بالعربية وهو لا يعرف.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني فهم الحجة، يعني أن يفهم المعنى، وليس بلازم أن يفهم الأدلة.
الصافات 37:180
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟
* الطالب: لام القسم، و(قد).
* الشيخ: لام القسم، و(قد)؟
* الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.
* الشيخ: لا.
* طالب: ضمير الفصل.
* الشيخ: لا.
* طالب: القسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.
ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾.
﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، قال المؤلف: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ بالنصر، ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في ﴿لَهُمُ﴾، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.
* الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.
ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.
* طالب: الحصر.
* الشيخ: يفيد الحصر نعم.
* الطالب: والصفة.
* الشيخ: لا.
* الطالب: والفصل (...).
* الشيخ: أنا أريد أن تسمع.
* طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.
* الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.
مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.
إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.
ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.
إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.
طيب هنا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ نقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبر (إن).
طيب يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لا غيرهم، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ مِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.
طيب هنا ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: لا، الجند؛ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).
أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.
فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟
إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.
أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.
فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟
* طالب: من الكتاب ومن السنة؟
* الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
* الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.
* الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.
إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.
فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: ﴿سُطِحَتْ﴾، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.
إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.
لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.
ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث «أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم »[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وأحمد (٣٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.
فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.
على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.
طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.
وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ محمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.
* طالب: في مثل هذه (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟
* الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.
* الطالب: وإذا كان الخبر (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾.
* الشيخ: طيب، (هم) ضمير فصل لا لها محل له من الإعراب.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما هي مبتدأ، هذا ضمير فصل ليس له محل من الإعراب.
* الطالب: ضمير فصل؛ لأجل يفصل الخبر من المبتدأ؟
* الشيخ: نعم، مع أن هنا أيضًا عندنا سبب آخر يبين الصفة من الخبر، وهي لام التوكيد؛ لأن لام التوكيد ما تدخل إلا على الخبر، فعندنا الآن شيئان: لام التوكيد، وضمير الفصل، كلها تؤيد أن ما بعدهما هو الخبر.
* الطالب: ما يحتمل أن المنصورين صفة؛ لأن ما يحتمل..؟
* الشيخ: لا، ما يحتمل ولا يمكن، وكيف تكون صفة وهي مرفوعة والضمير في (إن) منصوب؟! ما تكون صفة، ما فيه إشكال.
* طالب: عفا الله عنك، بعضهم يحمل وإن جندنا لهم المنصورون يقول: هذا باعتبار النهائي أن الرسل الذين ابتلوا وعذبوا، يقول: هذا في أثناء الرسالة، وأما في نهاية الرسالة كان النصر معهم.
* الشيخ: يأتينا -إن شاء الله- غدًا تمام البحث فيه.
* * *
السؤال هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ هل هي مؤكدة وبكم مؤكِّدٍ أُكِّدَت؟
* طالب: مؤكدة بثلاث مؤكدات؛ أولًا: القسم (...) و(بقد) وباللام.
* الشيخ: ما الذي أعلمك أن فيها قسمًا؟
* طالب: الواو ﴿وَلَقَدْ﴾.
* الشيخ: الواو، الواو إذن حرف قسَمٍ، طيب ما هي؟ مرَّ علينا في الآجرومية أن حروف القسم ما تدخل إلا على الاسم، وهنا (لقد) ما هي اسم.
* الطالب: محذوفة (...) واللهِ لقد.
* الشيخ: ما يمكن القسم بالواو ما يحذف منه المقسَم به.
* طالب: القسم مقدر.
* الشيخ: مقدر.
* الطالب: وتالله لقد.
* الشيخ: وتالله لقد سبقت.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١]؟
* طالب: ما يشترط أن يكون النصر؟
* الشيخ: ذكرنا فيه أجوبة.
* الطالب: إما أن يكون النصر بالتأييد حتى تنقطع الأسباب، وإما أن يكون النصر لبعضهم على بعض وإن لم يكن دائمًا.
* الشيخ: كيف نصر بعضهم على بعض، الرسل ما ينصر بعضهم على بعض، كلهم على هدف واحد؟
* الطالب: ينصر بعضهم ببعض.
* الشيخ: لا.
* الطالب: قلنا: إن النصر يتوقف على أربع حالات.
* الشيخ: إما أن يكون النصر بالحجة والبرهان، هذا واحد.
* الطالب: وإما يكون بالأكثرية.
* الشيخ: أو بناء على الأغلب ثالثًا.
* الطالب: ثالثًا: للذين أمروا بالجهاد.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: رابعًا: أن يكون النصر مطلق وهو نصر الآخرة.
* الشيخ: وهو نصر الآخرة. هذه أربعة أوجه.
قوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ما المراد بجند الله؟
* طالب: جند الله هم الملائكة.
* الشيخ: الملائكة، لا.
* الطالب: النبيون هم الذين يدافعون عن شرعه ودينه.
* الشيخ: صح، المدافعون عن شرعه ودينه.
طيب قوله: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هل الغلبة هنا تكون غلبة بالسيف والسلاح، أو بشيء من آيات الله، أم ماذا؟
* طالب: تكون بالحجة والبرهان أولًا.
* الشيخ: لا، الغلبة غير النصر.
* الطالب: إما تكون بالآيات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: أو تكون بالملائكة.
* الشيخ: بالملائكة، مثل؟
* الطالب: في غزوة بدر.
* الشيخ: أيَّدهم الله تعالى بالملائكة غلبوا بما أيدهم به من الملائكة، وفي الأحزاب..
* الطالب: بالريح.
* الشيخ: بالريح وكذلك الملائكة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] (تول) الخطاب للرسول ﷺ، و﴿عَنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف بقوله: (أي: أعرض عن كفار مكة)، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني: إلى حين غير مبين لكن علمه عند الله، ولهذا قال المؤلف: (حتى حين تؤمر فيه بقتالهم)، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف؛ فإن الرسول ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال؛ لأن الحكمة لا تقتضيه، وعلى هذا فيكون الحين الذي أجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٤، ١٧٥] (إذا نزل بهم العذاب فسوف يبصرون عاقبة كفرهم) (أبصِرْهم) يعني: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية؛ يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا له للنبي ﷺ بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله (أبصِرْهم) تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.
وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار؛ (أبصِرْهم) يعني: أنظرهم؛ يعني: أمهلهم، كما في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧]، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة ٢٩]، وغاية القولين واحدة؛ يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هذه الجملة يراد بها التهديد؛ تهديد هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.
قال المؤلف: (فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب، قال الله تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦]) الهمزة ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ للاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف فإنه يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مُقَدَّرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويُقَدَّرُ بما يناسب المقام.
والثاني: أن تكون الجملة معطوفةً على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف.
وعلى هذا يكون التقدير: فأبعذابنا يستعجلون، وعلى الأول نقدر ما يناسب المقام، فنقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.
استعجالهم العذاب على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.
والثاني: أن يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية؛ لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وعلى هذا فاستعجال الناس بالعذاب يكون على وجهين. الوجه الأول ما هو؟ ويش؟
* طالب: يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية، ويكون بالقول.
* الشيخ: مثل قولهم أيش؟ مثاله بالقول؟
* الطالب: قالوا.
* الشيخ: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، هم يقولون للرسول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، هذا استعجال بالقول.
الاستعجال بالفعل هو التمادي في المعصية؛ لأن المعاصي سبب لوقوع العذاب، فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، الاستعجال بالقول أنهم يقولون: متى هذا الوعد؟ أين العذاب الذي تعدوننا به؟ فهؤلاء جمعوا بين الوجهين في الاستعجال بالفعل وبالقول.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم، ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٦، ١٧٧] (إذا نزل) الفاعل يعود على العذاب؛ أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم؛ أي: فناؤهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يُعَبَّرُ عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما جاء في الحديث الصحيح في قصة خيبر «أن النبي ﷺ لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم، يقولون: هذا محمد، أو جاء محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥ / ٨٤) من حديث أنس.]].
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ ﴿نَزَلَ﴾ أي أيش؟ العذاب؛ أي: حل بهم، و(﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: بفنائهم) وهذه كلمة يقولها العرب للتهديد.
(قال الفرَّاء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم)، الفرَّاء أحد علماء اللغة العربية، وهو حجة فيما يقول إن العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، فكأنه يقول: فإذا نزل بهم، على كلام الفراء أن يكون تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل بقوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم وفنائهم ثم يهجم عليهم ويُغِير عليهم.
وفي هذا استعارة كما يقول البلاغيون؛ حيث شبَّه العذاب بعدو ينزل بهم -يعني بساحتهم- ثم حذف المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.
قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قال المؤلف في (ساء): (بئس)، ثم قال: (صباحًا)، ثم قال: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ وذلك لأن (ساء) من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين: فاعل وتمييز، فقدَّرَ المؤلف التمييز في قوله: (صباحًا)، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذَرين صباحًا.
والمهم أن أفعال الذم وكذلك أفعال المدح مثل: نِعْمَ وحبَّذا وما أشبهها تحتاج إلى فاعل وإلى تمييز، فالمؤلف قدَّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسدُّ مسدَّه، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا؛ مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ٣٠]، ولم يقل: نعم العبد عبدًا.
طيب ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ اسم مفعول؛ أي: ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم؛ لأنهم أُنْذِروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر، قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فأقام الظاهر مقام المضمر. اشرح لي ها العبارة هذه.
* طالب: يعني مدلول الكلام أنه..
* الشيخ: مقتضى السياق أن يقول..
* الطالب: أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكن ذكر هنا المنذَرين..
* الشيخ: فأقام الظاهر؛ لأن (المنذَرين) اسم ظاهر مقام؟
* الطالب: مقام الضمير المضمر.
* الشيخ: مقام الضمير أو المضمر، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا بد لها من فائدة؛ إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، فلننظر هنا: إقامة الظاهر هنا مقام المضمر له فائدة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ لأن الله تعالى يعبِّر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] في سورة طه، ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يُقَدَّم عليه في كتاب الله لكن في هذه الآية ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدَّمَ هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة (طه) فواصلها كلها غالبها بالألف.
هنا نقول: فساء صباحهم، لو قال: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها فقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذه فائدة لفظية أو معنوية لفظية؛ أما المعنوية فهي إقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم؛ وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذرٌ واستحقوا العذاب بعدل الله عز وجل.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ طيب ما الإنذار؟ يقول العلماء: إن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، والبشارة هي الإعلام المقرون بالتفريح بما يفرح ويسر، فالبشارة بالسارِّ، والإنذار بخلافه، إذن (المنذَرين) الذين أنذورا بإقامة الحجة عليهم؛ أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.
قال: (﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] كرَّر تأكيدًا لتهديدهم وتسلية لرسول الله ﷺ) هذه الآية -كما تشاهدون- هي نفس الآية اللي قبلها الآية؛ اللي قبلها يقول: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، وهنا قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لم تختلف عنها إلا بحرف العطف، الأولى ﴿فَتَوَلَّ﴾ والثانية ﴿وَتَوَلَّ﴾، أيضًا الأولى قال: (أبصِرْهم) وهنا قال: (أبصِرْ) فأطلَقَ، وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم؛ وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول ﷺ؛ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.
ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨٠، ١٨١] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ نريد إعرابها من الأخ.
* طالب: (سبحان) اسم مصدر لـ(سبح).
* الشيخ: هذا من حيث التصريف، الإعراب وهي منصوبة.
* طالب: مفعول مطلق.
* الشيخ: على أنها مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا، إذن (سبحان) من حيث التصريف اسم مصدر (سبح)، من حيث الإعراب منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين (سبحان) و(سبح) ما يقال: سبح سبحان.
طيب و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾؛ أي تنزيهًا له، وقد مرَّ علينا ماذا يُنَزَّه الله عنه. ما الذي ينزه الله عنه؟ نريد منك أن تكون طالب علم ومراقب مسجل.
* طالب: عما لا يريده.
* الشيخ: ويدور على.
* الطالب: على التمثيل و(...) النقص.
* الشيخ: على شيئين: التنزيه عن المماثلة، وعن النقص في صفات الكمال.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ، فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق، وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة، وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة (رب العالمين)، والثانية خاصة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؛ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته.
ثم قال: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: الغلبة، و(رب) هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبِّر إلا في هذا الموضع، فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ صاحب العزة وليس خالق؛ لأن صفات الرب غير مخلوقة.
وقوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرها من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي ﷺ ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله، وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، إذن المقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة، وهي العزة، قال الله عز وجل في سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، وهذا حقيقةً يخرج الأعز الأذل، ولكن من الأعز؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما المنافقون فلا عزَّة لهم.
وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك حيث إنه في سياق الغلبة للرسول ﷺ والذل لأعدائه.
ومن أسماء الله تعالى العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء: والعزة ثلاثة معان: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام قُلْها لنا.
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء، وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا، وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء، ومن الثالث قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا) قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.
والعزة ثلاثة معان: عزة الغَلَبَة، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام؟ قلها لنا؟
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء.
وعزة القدر: أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا.
وعزة الامتناع: أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء.
ومن الثالث قولهم: أرض عزاز يعني أيش؟ صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغَلَبَة ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] بأن له ولدًا).
قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يصفونه به.
وقول المؤلف: (بأن له ولدًا) هذا كالمثال لما يصفون الله به مما منزَّه عنه، وإلا فهم يقولون: إن الله له ولد، وله زوجة، وله شريك، وله معِين، وهكذا، فكل وصف لا يليق بالله فإن الله منزَّه عنه، وإن وصفه به هؤلاء الأفاكون الكذابون.
قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (سلام) مبتدأ، و(على المرسلين) خبره.
والسلام هنا بمعنى التسليم، فهو اسم مصدر سلم، مثل الكلام بمعنى التكليم، اسم مصدر كلم.
ومعنى السلام عليهم أن ما قالوه في ذات الله وصفات الله سالم من كل نقص، فيكون الله تعالى قد سبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، ثم سلم على الرسل لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، فليس فيه كذب، وليس فيه سوء، ولهذا قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (المبلغين عن الله التوحيد والشرائع).
ولما ذكر التنزيه فيما وصف به نفسه، وفيما وصفته به رسله، ذكر بعد ذلك الحمد، الذي هو وصف المحمود بالكمال، فيكون في الآيات جمع بين التنزيه عن صفات النقص وبين إثبات صفات الكمال، وأتى بإثبات صفات الكمال بعد التنزيه؛ لأنه كما يقال: تكون التحلية بعد التخلية، يعني التزيين بعد إزالة الأذى.
يقول: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] الحمد قلت: إنه وصف المحمود بالكمال، وكمال الله سبحانه وتعالى يدور على أمرين: كمال ذاتي، وكمال فعلي.
أما الكمال الذاتي فهو سبحانه وتعالى كامل في ذاته المتصفة بكل صفة كمال.
كمال فعلي: أن الله تعالى كامل في أفعاله، فله الفضل على عباده بجلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولهذا شرع للإنسان إذا انتهى من الأكل والشرب أن يحمد الله سبحانه وتعالى على ما رزقه من الطعام والشراب، وإن شئت فقل أو فتجاوز هذا إلى أنك تحمد الله الذي لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه من الأكل والشرب.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] رب العالمين أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
والعالم: كل من سوى الله فهو عالم، وسُموا عالمًا لأنهم علم على خالقهم عز وجل، ففي كل شيء من مخلوقات الله آية تدل على وحدانيته وكماله.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] قال المؤلف: (على نصرهم) أي: نصر الرسل (وهلاك الكافرين).
ولو أن المؤلف جعلها مطلقة: الحمد لله رب العالمين على كل شيء، حتى على ما يقدره أحيانًا من غلبة أعدائه على أوليائه، فإنه يحمد على ذلك؛ لِما يترتب عليه من المصالح العظيمة كما في غزوة أحد التي ذكر الله تعالى فيها من الحكم أشياء كثيرة: ذكر منها جزءًا كبيرًا في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله، وبهذا انتهت هذه السورة.
* طالب: (...) ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة ٢٢١] (...) وكذلك يجوز إذا تقدم الخبر عليه (...) فهذا من (…)؟
* الشيخ: هي لا تحصر في خمسة ليست محصورة في خمسة ولا في خمسين، ابن مالك رحمه الله ذكر قاعدة، قال:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ .................
عرفت، فمتى حصلت الفائدة جاز الابتداء بها، وابن هشام في القطر يقول: ويجوز الابتداء بالنكرة إن عم أو خص. يعني كانت عامة أو خاصة معينة، لكن عبارة ابن مالك أحسن:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ
* الطالب: إذا تفيد بس يكفي.
* الشيخ: يكفي ما لها حصر (...).
* * *
* طالب: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ١ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] ما هو هذا الحين الذي جعل أمد التولي إليه؟
* طالب: إلى أجلهم.
* الشيخ: إلى أجلهم؟
* طالب: إلى أن يؤمر بالجهاد.
* الشيخ: إلى أن يؤمر بالجهاد، وعلى هذا التقدير تكون الآية؟
* الطالب: ناسخة، يعني هذه الآية منسوخة.
* الشيخ: منسوخة بآيات.
* الطالب: الأمر بالجهاد.
* الشيخ: الأمر بالجهاد، هل يحتمل ما قاله الأخ ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي حتى موتهم؟
* طالب: ما تحتمل الآية، ما تحتمل حتى موتهم، لا ما تحتمل.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: ما الفائدة أنه يتولى حتى موتهم، لن تضل حتى الموت.
* طالب آخر: أقول: نعم، تحتمل؛ لأنه ليست تولي القتال، بل تولي الإعراض عنهم، وعدم موالاتهم إلى أن يموتوا ما داموا على كفرهم.
* الشيخ: ما يعارض قوله: ﴿أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥]؟
* الطالب: نعم ما يعارض هذا.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه لن يتولاهم، بل بعضهم سيموت وهو لن يتولاهم.
* الشيخ: لا، هو من تولى، تولى يعني (...).
* الطالب: إي نعم، يعني لا يركن إليهم.
* الشيخ: إذن يحتمل هذا حتى حين يعني حتى يموتوا، وأنت ستبصر أنهم ماتوا سواء بقتال أو بغير قتال، وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥] ما الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ التهديد.
* الشيخ: الغرض منها التهديد.
قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] هذه رد على أي شيء؟
* طالب: استعجالهم.
* الشيخ: على استعجالهم بالعذاب، ما الذي قالوه في استعجالهم العذاب؟
* الطالب: قالوا: إن..
* الشيخ: ما الذي قالوا في استعجال العذاب؟ يعني ما هي العبارة التي تدل على أنهم استعجلوا العذاب؟
* طالب: قولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ﴾ [الأنفال ٣٢].
* طالب آخر: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨].
* الشيخ: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة ٢٨]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال ٣٢] ونحو ذلك.
قوله: ﴿إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات ١٧٧] ما معنى إذا نزل بساحتهم؟
* طالب: يعني إذا نزل بالعباد عذاب على ساحتهم، أي: ببيوتهم (...).
* الشيخ: يعني كأنه يقول: فإذا حل بهم العذاب.
قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] هذه (ساء) فعل من أفعال؟
* طالب: الذم، الناسخ.
* الشيخ: الذم، ويش تقتضي؟
* الطالب: تقتضي تمييزًا وفاعلًا.
* الشيخ: وتقتضي تمييزًا وفاعلًا، أين الفاعل؟
* الطالب: ساء صباح المنذرين، الفاعل حذف وجملة صباح المنذرين هذه تمييز.
* الشيخ: صباح المنذرين هذا هو التمييز.
* طالب: الفاعل صباح.
* الشيخ: الفاعل صباح، وأين التمييز؟
* الطالب: التمييز محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: فساء صباح المنذرين صباحًا.
* الشيخ: فساء صباحًا صباح المنذرين.
في قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] الأخ فيه نكتة بلاغية ما هي؟
* طالب: تغير من الضمير المضمر الى الضمير الظاهر.
* الشيخ: إلى الضمير الظاهر، ما هي ضمير ظاهر، الظاهر قسيم المضمر؛ أنت فاهم المعنى لكن لم تحسن التعبير، أنا أريد أن يكون التعبير حسنًا.
* طالب: إقامة الظاهر مقام المضمر.
* الشيخ: فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، الظاهر ما يمكن يضمر الظاهر (...) عرفت ما هي الفائدة البلاغية في إقامة الظاهر مقام المضمر؟
* طالب: فائدتان: الفائدة الأولى: التنبيه؛ لا، أولًا: بيان عاقبة يعني أنهم أنذروا وبلغوا الحجة.
* الشيخ: يعني إقامة الحجة عليهم بأن الإنذار بلغهم.
* الطالب: ثانيًا: حتى يعني تكون الفواصل متوازية.
* الشيخ: مراعاة الفواصل.
* طالب: أقول: فيه فائدة لفظية وفائدة معنوية، الفائدة اللفظية: هي فواصل الآيات، مراعاة الفواصل
* الشيخ: مراعاة الفواصل، والمعنوية؟
* الطالب: له ثلاث فوائد: أولًا: التعميم، الثانية: انطباق الوصف عليهم، الثالثة: التشديد على هؤلاء.
* الشيخ: إقامة الحجة عليهم بأنهم أنذروا ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
قوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] موقعها مما قبلها من حيث المعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: معطوفة على قبلها التوكيد من حيث المعنى، ولهذا قلنا: من حيث المعنى.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] الأخ، أيش معناها؟
* طالب: التنزيه.
* الشيخ: التنزيه أيش لون؟ منين أخذت التنزيه.
* الطالب: من سبحان.
* الشيخ: من سبحان، وما الذي يُنزَّه الله عنه؟
* طالب: المماثلة والنقص.
* الشيخ: المماثلة والنقص، مماثلة المخلوقات والنقص في كماله.
قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] ما معنى رب هنا؟
* طالب: صاحب.
* الشيخ: بمعنى صاحب، ولا يصح أن تكون بمعنى خالق؟
* الطالب: يصح.
* الشيخ: يصح أن يكون بمعنى خالق؟
* الطالب: لا يصح أن تكون بمعنى خالق.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأن صفات الله ليست بمخلوقة.
* الشيخ: لأن صفات الله ليست مخلوقة، أنت إذا قلت: رب الخلق بمعنى الخالق الله، لكن رب العزة هي عزة الله، لا يصح أن تكون بمعنى خالق؛ لأن هذا يستلزم أن تكون صفة الله مخلوقة، فهمت؟
قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] الجملة خبرية أو إنشائية؟
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية، يعني أن الله يخبر بأن المرسلين عليهم؟
* الطالب: السلام.
* الشيخ: السلام، لماذا سلم عليهم؟
* طالب: لسلامة ما قالوه.
* الشيخ: لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، خلافًا لما وصفه به هؤلاء.
ما هي الفائدة من قوله بعد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢]؟
* طالب: على كمال يعني نعمة الله بنصره لـ..
* الشيخ: (...) ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ وبين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الفائدة من ذلك؟
* الطالب: الفائدة منه يعني مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مثلًا النقص وهو له الحمد.
* الشيخ: ما هو بظاهر.
* طالب: لما ذكر الله تعالى ما ذكره الكافرون بوصف الله سبحانه وتعالى بالنقص، ذكر الله صفات الكمال التي اتصف بها سبحانه، ثم قال بعد ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: الله عز وجل يثبت لنفسه الكمال بعد أن نزه نفسه عن النقص، يعني التحلية بعد التخلية.
* الشيخ: تمام هو أن يثبت لنفسه صفات الكمال بعد أن نزه نفسه عن صفات النقص؛ ليجمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات.
نأخذ الفوائد الآن:
قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤].
هذا مبتدأ الدرس، الفوائد اللي قبله مأخوذ؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧١، ١٧٢].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كتب لعباده المرسلين النصر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات ١٧١] وكلمة الله عز وجل الكونية لا تتبدل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ، وتثبيته على ما كان عليه من الرسالة.
* ومن فوائدها: تهديد أعداء الرسل، وأنهم مخذولون؛ لأنه إذا كتب النصر للرسل فسيكون من الخذلان لأعدائهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نصر الرسل يكون بالله، وبما يسره عز وجل من مخلوقاته وآياته، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧٢]، ولم يبين من الناصر ليكون هذا أشمل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلبة لجنود الله الذين قاموا بنصر شريعته والذب عنها؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣].
* ومن فوائدها: تثبيت من دعا إلى الله عز وجل من أتباع الرسل بأن لهم الغلبة كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨].
فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين ما حصل لبعض الرسل وبعض أتباعهم مما ينافي ظاهر الآية؟ فقد سبق لنا الجواب عليه من عدة أوجه، فلتكن معلومة لديكم.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إلى آخره [الصافات: ١٧٤، ١٧٥].
* في هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وأن طغيانهم لن يدوم؛ لقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] فسينتهي هذا الطغيان، إما على يد الرسول عليه الصلاة والسلام حين يؤمر بالقتال، وإما بالموت بتقدير الله عز وجل، فهم لا بد أن ينتهي أمرهم ولا يمكن أن يستمر طغيانهم.
* ومن فوائدها: تسلية الرسول ﷺ حيث أخبر بأن أعداءه سينتهي أمرهم بعد حين.
* ومنها: تهديد هؤلاء الأعداء الذين بلغوا في الطغيان والعدوان على رسول الله ﷺ ما بلغوا.
* ومن فوائد هذه الآيات: تحقيق هذا الأمر، أي هلاكهم وزوالهم؛ لقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٥]، يعني إذا نزل بهم العذاب فسوف تبصر وتشاهد بعينك.
* ومن فوائدها أيضًا: إعادة التهديد مرة ثانية بأسلوب آخر في قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائدها: تأكيد المعنى بالعبارات المختلفة ليكون ذلك أبلغ وليترقب هؤلاء المهددون العذاب من كل وجه؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان سفه هؤلاء المكذبين وطغيانهم، حيث كانوا يستعجلون العذاب، وجه هذا: أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يخشون العذاب ولا يستعجلونه، وأنهم لو كان عندهم نوع من الاعتدال ما صاروا يتحدون الرسل، فيقولون: هاتوا العذاب إن كنتم صادقين، فهم عندهم سفه وعندهم مبالغة في الطغيان والعدوان، والآية التي أشرنا إليها آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، هذا يدل على سفه قريش وأنهم من أبلغ ما يكون في السفه؛ لأنهم لو كانوا حلماء راشدين لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أيش؟ فاهدنا إليه، هذا هو الصواب، أما فأمطر علينا حجارة من السماء فهذا من أسفه ما يقوله البشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه في مقام الوعيد بصيغة العظمة إرهابًا وإزعاجًا لهؤلاء المتوعَّدين؛ لقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] ولم يقل: أفبعذابي، ولهذا لما جاء ذكر العذاب على سبيل الخبر قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠] ولم يقل: عذابنا ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٥٠].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه إذا نزل العذاب بقوم فلن يفلتهم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* ومنها، من فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا، وهي قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧]؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله عز وجل في عباده إذا نزل بهم العذاب فآمنوا ألا ينفعهم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]، وقال فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] يعني فلن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة، وألا يتأخر، وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا نزل به الموت فلن تنفعه التوبة، لا بد أن تكون التوبة في وقت تُقبل فيه.
يُستثنَى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها، وهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قرية آمنت بعد نزول العذاب فيها فنفعها إيمانها، ما حضرت أمس؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* طالب: قوم يونس.
* الشيخ: قوم يونس، الدليل على أنه نفعها إيمانها بعد نزول العذاب بها؟
* الطالب: الآيات في سورة..
* الشيخ: (...) يصح أن يقول القائل: الدليل آية في القرآن؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: اترك هذه.
* الطالب: (...).
* طالب آخر: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ﴾ [يونس ٩٨] إذن العذاب نزل بهم، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
ما هي الحكمة من أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؟
* طالب: لأن نبيهم يونس عليه السلام خرج مغاضبًا قبل أن يؤمر بالخروج.
* الشيخ: قبل أن يؤمر بالخروج، فكان هذا عذرًا لهم، صحيح.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار، الدليل من الآية؟
* طالب: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* الشيخ: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذا يدل على أنهم لن يحل بهم العذاب إلا بعد الإنذار، وهذا موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥].
والصحيح أن هذا عام في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والطهارة، وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه ولو بقي سنوات.
والدليل على هذا: نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع، فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لكنه بقي مدة لا يحسن إلا هذا إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ما مضى من صلاته، وإنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر؛ لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]] ، ولم يقل للمرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنعها الصلاة؛ لم يأمرها أن تعيد الصلاة، مع أنها مستحاضة والمستحاضة تصلي[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣ / ٦٢) من حديث عائشة.]] والأمثلة على هذا كثيرة.
ولا فرق كما قلت بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا أن رجلًا مسلمًا كان ناشئًا في بلد بعيد، ولا يدري يعبد هذا القبر وهو لا يدري أنه كفر فإنه لا يحكم بكفره لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمده قلبه فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا شركًا فما دونه متأولًا ولم يجد من يفتح عليه فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لا بد من القصد، فهذا الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]] فجعل نفسه ربًّا وجعل رب العالمين عبدًا، هذه كلمة كفر لا شك في هذا، لو قال قائل: أنا أكبر من الله، أنا ربه، وهو عبدي لكان كافرًا بلا شك، لكن هذا الرجل أخطأ لم يقصد الكلام، أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه في المعاصي قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله بقدرته قال له: كن، فكان، فاجتمع فسأله ربه عز وجل: لم صنعت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب، قال له كلامًا معناه: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]] فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا الرجل كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد متأول، فلم يكن كافرًا.
ومثل هذه المسائل لا يجوز للإنسان أن يتسرع فيها، أعني مسألة التكفير أو التفسيق أيضًا؛ لأن بعض الإخوة يسارع في التكفير ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل، إذا كان هذا القول كفرًا قال: من قال به فهو كافر مطلق، وإذا كان هذا الفعل كفرًا قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع؛ لأن هذا القول مثلًا إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر لا شك هذا الفعل إذا كان مكفرا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها الموانع أو لا؟
نعم، ما من سبب إلا وله مانع، قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه: الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس حتى لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر هل نقول: إنه يكفر؟ لا، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله ﷺ.
إذن يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا، لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيتم لو أكره رجل على أن يسجد لصنم وقيل: إما أن تسجد أو السيف؟ فسجد يفعل الإكراه لا تقربًا للصنم أيكفر؟ لا يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ١٠٦] شوف الكلام: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا هو الذي يُعطى حكمه، وأما من ليس كذلك فلا، لهذا يجب علينا أيها الإخوة ألا نسارع في التكفير والتفسيق، بعض الناس بغيرته يسارع في الحكم: هذا كافر، يا ابن الحلال، اتق الله، أنت إذا كفَّرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠ / ١١١) من حديث ابن عمر.]] ، أتريد أن تكون كافرًا؟ لا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره، يعني من قامت الحجة على كفره نحتاج فيها إلى أمرين:
ثبوت أن هذا الشيء كفر، وتحقق شروط الكفر في هذا الفاعل أو هذا القائل، يعني لا تقوم الحجة على كفر شخص إلا بأمرين:
ثبوت أن هذا الشيء مكفر.
والثاني: تحقق الكفر في حق هذا؛ لأنه قد يكون الشيء مكفرًا لكن لا يتحقق الكفر في هذا الفاعل، أو هذا القائل.
وهذه المسألة أنا أكررها لأهميتها؛ لأنه يبلغني أن قومًا من الناس بمجرد ما يقال: إن فلانًا فعل كذا يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، نبرأ إلى الله منه؛ نبرأ إلى الله منه؟! هذا غلط.
ما تقولون في قتل النفس؟ من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا هل قتله الرسول؟ ما قتله ولا ضمنه بدية، غاية ما هنالك قال له:« «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فقال أسامة: قالها يا رسول الله تعوذًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]] القصة معروفة أظن.
القصة رجل من الكفار هرب فلحقه أسامة بن زيد، فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل، والقرينة مع أسامة؛ لأن رجلًا كافرًا أدركه مسلم بسيفه فقال: لا إله إلا الله، قرينة كونه متعوذًا بها قوية جدًّا، لكن الرسول ﷺ لا يريد منا أن نحكم بما نظن، يريد أن نحكم بالظاهر: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] ، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» شوف تكرار يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعدُ»، الله أكبرُ.
الحاصل أنه يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير؛ حتى لا نبوء نحن بالكفر أو الفسق.
والحمد لله الحكم إلى الله ولَّا إلينا؟ إلى الله، إذا كان الله لم يكفر هذا الشخص ليش نكفره؟ إذا كفرنا ما لم يكفره الله فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتقي الله. والأصل في المسلم أيش؟ الإسلام، ما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر أو يقول قولًا من الكفر وهو جاهل لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، كيف نقول: إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكنه مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له، وهو لا يدري، نقول: هذا كافر وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!
ولهذا قال العلماء، نصوا على هذا في كتبهم: لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة لكان كافرًا، لكن قالوا: لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي، أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا؛ لأنه جاهل.
إذن قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] تدل على أنه لا يمكن أن يُعذَّب أحد إلا بعد الإنذار.
وهل يكفي بلوغ الحجة أو لا بد من فهم الحجة؟
* طلبة: فيه خلاف.
* الشيخ: الثاني، لا بد من فهمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] ليش؟ لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] بلغتهم من أجل أن يبين لهم، فلا بد من فهم الحجة، أنت لو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يدري أيش معناها، هل تقوم عليه الحجة؟ ما تقوم، لو قلت له: يا فلان، أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، ثلاثًا، قال: نعم، وأربعًا وخمسًا فهم من (أطلقت امرأتك) يعني جعلتها طليقة تروح وتيجي، أعجمي ما يدري، قلنا: خلاص بانت منك، لا تحل لك إلا بعد زوج! كم يصيح، يا جماعة كيف هذا الكلام؟ قلنا: نحن سألناك أنك أطلقت زوجتك؟ قلت: نعم، قلنا: ثلاثًا؟ قلت: ثلاثًا وأربعًا، خلاص بانت منك الزوجة، تبين منه ولَّا لا؟ لا تبين، ليش؟ لأنه لا يعرف المعنى.
لكن لو قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا.
* طالب: أيش معناها؟
* الشيخ: هكذا قال الفقهاء، أنه إذا قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا، أنا لو أقولك: واحد عربي يقول لزوجته: بهشتم بهشتم بهشتم، ما تطلق ولو مرة واحدة؛ لأنه لا يعرف.
المهم أن هذه مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، أو يوقع غيره في هلكة، ويوالي ويعادي على غير وجه شرعي، فالبشر حكمهم إلى الله عز وجل، من حكم الله بكفره كفرناه، ومن حكم بفسقه فسقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه. والله أعلم.
* طالب: بعض (...) إذا ماتوا؟
* الشيخ: إذا ماتوا فإن كانوا يدينون بالإسلام ولم يعرفوا أن هذا كفر، فهم لا يعاقبون عليه، وأما إذا بلغوا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فهؤلاء لا يقبل منهم.
* طالب: هو لا بد من فهم؟
* الشيخ: لا بد من فهم، أعجمي وأنت تخاطبه بالعربية وهو لا يعرف.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني فهم الحجة، يعني أن يفهم المعنى، وليس بلازم أن يفهم الأدلة.
الصافات 37:181
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟
* الطالب: لام القسم، و(قد).
* الشيخ: لام القسم، و(قد)؟
* الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.
* الشيخ: لا.
* طالب: ضمير الفصل.
* الشيخ: لا.
* طالب: القسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.
ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾.
﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، قال المؤلف: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ بالنصر، ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في ﴿لَهُمُ﴾، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.
* الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.
ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.
* طالب: الحصر.
* الشيخ: يفيد الحصر نعم.
* الطالب: والصفة.
* الشيخ: لا.
* الطالب: والفصل (...).
* الشيخ: أنا أريد أن تسمع.
* طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.
* الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.
مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.
إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.
ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.
إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.
طيب هنا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ نقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبر (إن).
طيب يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لا غيرهم، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ مِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.
طيب هنا ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: لا، الجند؛ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).
أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.
فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟
إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.
أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.
فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟
* طالب: من الكتاب ومن السنة؟
* الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
* الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.
* الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.
إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.
فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: ﴿سُطِحَتْ﴾، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.
إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.
لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.
ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث «أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم »[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وأحمد (٣٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.
فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.
على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.
طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.
وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ محمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.
* طالب: في مثل هذه (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟
* الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.
* الطالب: وإذا كان الخبر (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾.
* الشيخ: طيب، (هم) ضمير فصل لا لها محل له من الإعراب.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما هي مبتدأ، هذا ضمير فصل ليس له محل من الإعراب.
* الطالب: ضمير فصل؛ لأجل يفصل الخبر من المبتدأ؟
* الشيخ: نعم، مع أن هنا أيضًا عندنا سبب آخر يبين الصفة من الخبر، وهي لام التوكيد؛ لأن لام التوكيد ما تدخل إلا على الخبر، فعندنا الآن شيئان: لام التوكيد، وضمير الفصل، كلها تؤيد أن ما بعدهما هو الخبر.
* الطالب: ما يحتمل أن المنصورين صفة؛ لأن ما يحتمل..؟
* الشيخ: لا، ما يحتمل ولا يمكن، وكيف تكون صفة وهي مرفوعة والضمير في (إن) منصوب؟! ما تكون صفة، ما فيه إشكال.
* طالب: عفا الله عنك، بعضهم يحمل وإن جندنا لهم المنصورون يقول: هذا باعتبار النهائي أن الرسل الذين ابتلوا وعذبوا، يقول: هذا في أثناء الرسالة، وأما في نهاية الرسالة كان النصر معهم.
* الشيخ: يأتينا -إن شاء الله- غدًا تمام البحث فيه.
* * *
السؤال هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ هل هي مؤكدة وبكم مؤكِّدٍ أُكِّدَت؟
* طالب: مؤكدة بثلاث مؤكدات؛ أولًا: القسم (...) و(بقد) وباللام.
* الشيخ: ما الذي أعلمك أن فيها قسمًا؟
* طالب: الواو ﴿وَلَقَدْ﴾.
* الشيخ: الواو، الواو إذن حرف قسَمٍ، طيب ما هي؟ مرَّ علينا في الآجرومية أن حروف القسم ما تدخل إلا على الاسم، وهنا (لقد) ما هي اسم.
* الطالب: محذوفة (...) واللهِ لقد.
* الشيخ: ما يمكن القسم بالواو ما يحذف منه المقسَم به.
* طالب: القسم مقدر.
* الشيخ: مقدر.
* الطالب: وتالله لقد.
* الشيخ: وتالله لقد سبقت.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١]؟
* طالب: ما يشترط أن يكون النصر؟
* الشيخ: ذكرنا فيه أجوبة.
* الطالب: إما أن يكون النصر بالتأييد حتى تنقطع الأسباب، وإما أن يكون النصر لبعضهم على بعض وإن لم يكن دائمًا.
* الشيخ: كيف نصر بعضهم على بعض، الرسل ما ينصر بعضهم على بعض، كلهم على هدف واحد؟
* الطالب: ينصر بعضهم ببعض.
* الشيخ: لا.
* الطالب: قلنا: إن النصر يتوقف على أربع حالات.
* الشيخ: إما أن يكون النصر بالحجة والبرهان، هذا واحد.
* الطالب: وإما يكون بالأكثرية.
* الشيخ: أو بناء على الأغلب ثالثًا.
* الطالب: ثالثًا: للذين أمروا بالجهاد.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: رابعًا: أن يكون النصر مطلق وهو نصر الآخرة.
* الشيخ: وهو نصر الآخرة. هذه أربعة أوجه.
قوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ما المراد بجند الله؟
* طالب: جند الله هم الملائكة.
* الشيخ: الملائكة، لا.
* الطالب: النبيون هم الذين يدافعون عن شرعه ودينه.
* الشيخ: صح، المدافعون عن شرعه ودينه.
طيب قوله: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هل الغلبة هنا تكون غلبة بالسيف والسلاح، أو بشيء من آيات الله، أم ماذا؟
* طالب: تكون بالحجة والبرهان أولًا.
* الشيخ: لا، الغلبة غير النصر.
* الطالب: إما تكون بالآيات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: أو تكون بالملائكة.
* الشيخ: بالملائكة، مثل؟
* الطالب: في غزوة بدر.
* الشيخ: أيَّدهم الله تعالى بالملائكة غلبوا بما أيدهم به من الملائكة، وفي الأحزاب..
* الطالب: بالريح.
* الشيخ: بالريح وكذلك الملائكة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] (تول) الخطاب للرسول ﷺ، و﴿عَنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف بقوله: (أي: أعرض عن كفار مكة)، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني: إلى حين غير مبين لكن علمه عند الله، ولهذا قال المؤلف: (حتى حين تؤمر فيه بقتالهم)، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف؛ فإن الرسول ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال؛ لأن الحكمة لا تقتضيه، وعلى هذا فيكون الحين الذي أجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٤، ١٧٥] (إذا نزل بهم العذاب فسوف يبصرون عاقبة كفرهم) (أبصِرْهم) يعني: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية؛ يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا له للنبي ﷺ بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله (أبصِرْهم) تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.
وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار؛ (أبصِرْهم) يعني: أنظرهم؛ يعني: أمهلهم، كما في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧]، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة ٢٩]، وغاية القولين واحدة؛ يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هذه الجملة يراد بها التهديد؛ تهديد هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.
قال المؤلف: (فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب، قال الله تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦]) الهمزة ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ للاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف فإنه يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مُقَدَّرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويُقَدَّرُ بما يناسب المقام.
والثاني: أن تكون الجملة معطوفةً على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف.
وعلى هذا يكون التقدير: فأبعذابنا يستعجلون، وعلى الأول نقدر ما يناسب المقام، فنقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.
استعجالهم العذاب على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.
والثاني: أن يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية؛ لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وعلى هذا فاستعجال الناس بالعذاب يكون على وجهين. الوجه الأول ما هو؟ ويش؟
* طالب: يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية، ويكون بالقول.
* الشيخ: مثل قولهم أيش؟ مثاله بالقول؟
* الطالب: قالوا.
* الشيخ: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، هم يقولون للرسول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، هذا استعجال بالقول.
الاستعجال بالفعل هو التمادي في المعصية؛ لأن المعاصي سبب لوقوع العذاب، فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، الاستعجال بالقول أنهم يقولون: متى هذا الوعد؟ أين العذاب الذي تعدوننا به؟ فهؤلاء جمعوا بين الوجهين في الاستعجال بالفعل وبالقول.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم، ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٦، ١٧٧] (إذا نزل) الفاعل يعود على العذاب؛ أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم؛ أي: فناؤهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يُعَبَّرُ عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما جاء في الحديث الصحيح في قصة خيبر «أن النبي ﷺ لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم، يقولون: هذا محمد، أو جاء محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥ / ٨٤) من حديث أنس.]].
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ ﴿نَزَلَ﴾ أي أيش؟ العذاب؛ أي: حل بهم، و(﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: بفنائهم) وهذه كلمة يقولها العرب للتهديد.
(قال الفرَّاء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم)، الفرَّاء أحد علماء اللغة العربية، وهو حجة فيما يقول إن العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، فكأنه يقول: فإذا نزل بهم، على كلام الفراء أن يكون تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل بقوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم وفنائهم ثم يهجم عليهم ويُغِير عليهم.
وفي هذا استعارة كما يقول البلاغيون؛ حيث شبَّه العذاب بعدو ينزل بهم -يعني بساحتهم- ثم حذف المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.
قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قال المؤلف في (ساء): (بئس)، ثم قال: (صباحًا)، ثم قال: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ وذلك لأن (ساء) من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين: فاعل وتمييز، فقدَّرَ المؤلف التمييز في قوله: (صباحًا)، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذَرين صباحًا.
والمهم أن أفعال الذم وكذلك أفعال المدح مثل: نِعْمَ وحبَّذا وما أشبهها تحتاج إلى فاعل وإلى تمييز، فالمؤلف قدَّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسدُّ مسدَّه، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا؛ مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ٣٠]، ولم يقل: نعم العبد عبدًا.
طيب ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ اسم مفعول؛ أي: ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم؛ لأنهم أُنْذِروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر، قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فأقام الظاهر مقام المضمر. اشرح لي ها العبارة هذه.
* طالب: يعني مدلول الكلام أنه..
* الشيخ: مقتضى السياق أن يقول..
* الطالب: أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكن ذكر هنا المنذَرين..
* الشيخ: فأقام الظاهر؛ لأن (المنذَرين) اسم ظاهر مقام؟
* الطالب: مقام الضمير المضمر.
* الشيخ: مقام الضمير أو المضمر، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا بد لها من فائدة؛ إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، فلننظر هنا: إقامة الظاهر هنا مقام المضمر له فائدة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ لأن الله تعالى يعبِّر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] في سورة طه، ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يُقَدَّم عليه في كتاب الله لكن في هذه الآية ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدَّمَ هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة (طه) فواصلها كلها غالبها بالألف.
هنا نقول: فساء صباحهم، لو قال: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها فقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذه فائدة لفظية أو معنوية لفظية؛ أما المعنوية فهي إقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم؛ وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذرٌ واستحقوا العذاب بعدل الله عز وجل.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ طيب ما الإنذار؟ يقول العلماء: إن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، والبشارة هي الإعلام المقرون بالتفريح بما يفرح ويسر، فالبشارة بالسارِّ، والإنذار بخلافه، إذن (المنذَرين) الذين أنذورا بإقامة الحجة عليهم؛ أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.
قال: (﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] كرَّر تأكيدًا لتهديدهم وتسلية لرسول الله ﷺ) هذه الآية -كما تشاهدون- هي نفس الآية اللي قبلها الآية؛ اللي قبلها يقول: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، وهنا قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لم تختلف عنها إلا بحرف العطف، الأولى ﴿فَتَوَلَّ﴾ والثانية ﴿وَتَوَلَّ﴾، أيضًا الأولى قال: (أبصِرْهم) وهنا قال: (أبصِرْ) فأطلَقَ، وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم؛ وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول ﷺ؛ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.
ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨٠، ١٨١] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ نريد إعرابها من الأخ.
* طالب: (سبحان) اسم مصدر لـ(سبح).
* الشيخ: هذا من حيث التصريف، الإعراب وهي منصوبة.
* طالب: مفعول مطلق.
* الشيخ: على أنها مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا، إذن (سبحان) من حيث التصريف اسم مصدر (سبح)، من حيث الإعراب منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين (سبحان) و(سبح) ما يقال: سبح سبحان.
طيب و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾؛ أي تنزيهًا له، وقد مرَّ علينا ماذا يُنَزَّه الله عنه. ما الذي ينزه الله عنه؟ نريد منك أن تكون طالب علم ومراقب مسجل.
* طالب: عما لا يريده.
* الشيخ: ويدور على.
* الطالب: على التمثيل و(...) النقص.
* الشيخ: على شيئين: التنزيه عن المماثلة، وعن النقص في صفات الكمال.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ، فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق، وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة، وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة (رب العالمين)، والثانية خاصة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؛ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته.
ثم قال: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: الغلبة، و(رب) هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبِّر إلا في هذا الموضع، فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ صاحب العزة وليس خالق؛ لأن صفات الرب غير مخلوقة.
وقوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرها من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي ﷺ ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله، وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، إذن المقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة، وهي العزة، قال الله عز وجل في سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، وهذا حقيقةً يخرج الأعز الأذل، ولكن من الأعز؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما المنافقون فلا عزَّة لهم.
وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك حيث إنه في سياق الغلبة للرسول ﷺ والذل لأعدائه.
ومن أسماء الله تعالى العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء: والعزة ثلاثة معان: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام قُلْها لنا.
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء، وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا، وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء، ومن الثالث قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا) قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.
والعزة ثلاثة معان: عزة الغَلَبَة، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام؟ قلها لنا؟
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء.
وعزة القدر: أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا.
وعزة الامتناع: أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء.
ومن الثالث قولهم: أرض عزاز يعني أيش؟ صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغَلَبَة ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] بأن له ولدًا).
قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يصفونه به.
وقول المؤلف: (بأن له ولدًا) هذا كالمثال لما يصفون الله به مما منزَّه عنه، وإلا فهم يقولون: إن الله له ولد، وله زوجة، وله شريك، وله معِين، وهكذا، فكل وصف لا يليق بالله فإن الله منزَّه عنه، وإن وصفه به هؤلاء الأفاكون الكذابون.
قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (سلام) مبتدأ، و(على المرسلين) خبره.
والسلام هنا بمعنى التسليم، فهو اسم مصدر سلم، مثل الكلام بمعنى التكليم، اسم مصدر كلم.
ومعنى السلام عليهم أن ما قالوه في ذات الله وصفات الله سالم من كل نقص، فيكون الله تعالى قد سبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، ثم سلم على الرسل لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، فليس فيه كذب، وليس فيه سوء، ولهذا قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (المبلغين عن الله التوحيد والشرائع).
ولما ذكر التنزيه فيما وصف به نفسه، وفيما وصفته به رسله، ذكر بعد ذلك الحمد، الذي هو وصف المحمود بالكمال، فيكون في الآيات جمع بين التنزيه عن صفات النقص وبين إثبات صفات الكمال، وأتى بإثبات صفات الكمال بعد التنزيه؛ لأنه كما يقال: تكون التحلية بعد التخلية، يعني التزيين بعد إزالة الأذى.
يقول: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] الحمد قلت: إنه وصف المحمود بالكمال، وكمال الله سبحانه وتعالى يدور على أمرين: كمال ذاتي، وكمال فعلي.
أما الكمال الذاتي فهو سبحانه وتعالى كامل في ذاته المتصفة بكل صفة كمال.
كمال فعلي: أن الله تعالى كامل في أفعاله، فله الفضل على عباده بجلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولهذا شرع للإنسان إذا انتهى من الأكل والشرب أن يحمد الله سبحانه وتعالى على ما رزقه من الطعام والشراب، وإن شئت فقل أو فتجاوز هذا إلى أنك تحمد الله الذي لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه من الأكل والشرب.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] رب العالمين أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
والعالم: كل من سوى الله فهو عالم، وسُموا عالمًا لأنهم علم على خالقهم عز وجل، ففي كل شيء من مخلوقات الله آية تدل على وحدانيته وكماله.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] قال المؤلف: (على نصرهم) أي: نصر الرسل (وهلاك الكافرين).
ولو أن المؤلف جعلها مطلقة: الحمد لله رب العالمين على كل شيء، حتى على ما يقدره أحيانًا من غلبة أعدائه على أوليائه، فإنه يحمد على ذلك؛ لِما يترتب عليه من المصالح العظيمة كما في غزوة أحد التي ذكر الله تعالى فيها من الحكم أشياء كثيرة: ذكر منها جزءًا كبيرًا في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله، وبهذا انتهت هذه السورة.
* طالب: (...) ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة ٢٢١] (...) وكذلك يجوز إذا تقدم الخبر عليه (...) فهذا من (…)؟
* الشيخ: هي لا تحصر في خمسة ليست محصورة في خمسة ولا في خمسين، ابن مالك رحمه الله ذكر قاعدة، قال:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ .................
عرفت، فمتى حصلت الفائدة جاز الابتداء بها، وابن هشام في القطر يقول: ويجوز الابتداء بالنكرة إن عم أو خص. يعني كانت عامة أو خاصة معينة، لكن عبارة ابن مالك أحسن:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ
* الطالب: إذا تفيد بس يكفي.
* الشيخ: يكفي ما لها حصر (...).
* * *
* طالب: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ١ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] ما هو هذا الحين الذي جعل أمد التولي إليه؟
* طالب: إلى أجلهم.
* الشيخ: إلى أجلهم؟
* طالب: إلى أن يؤمر بالجهاد.
* الشيخ: إلى أن يؤمر بالجهاد، وعلى هذا التقدير تكون الآية؟
* الطالب: ناسخة، يعني هذه الآية منسوخة.
* الشيخ: منسوخة بآيات.
* الطالب: الأمر بالجهاد.
* الشيخ: الأمر بالجهاد، هل يحتمل ما قاله الأخ ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي حتى موتهم؟
* طالب: ما تحتمل الآية، ما تحتمل حتى موتهم، لا ما تحتمل.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: ما الفائدة أنه يتولى حتى موتهم، لن تضل حتى الموت.
* طالب آخر: أقول: نعم، تحتمل؛ لأنه ليست تولي القتال، بل تولي الإعراض عنهم، وعدم موالاتهم إلى أن يموتوا ما داموا على كفرهم.
* الشيخ: ما يعارض قوله: ﴿أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥]؟
* الطالب: نعم ما يعارض هذا.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه لن يتولاهم، بل بعضهم سيموت وهو لن يتولاهم.
* الشيخ: لا، هو من تولى، تولى يعني (...).
* الطالب: إي نعم، يعني لا يركن إليهم.
* الشيخ: إذن يحتمل هذا حتى حين يعني حتى يموتوا، وأنت ستبصر أنهم ماتوا سواء بقتال أو بغير قتال، وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥] ما الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ التهديد.
* الشيخ: الغرض منها التهديد.
قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] هذه رد على أي شيء؟
* طالب: استعجالهم.
* الشيخ: على استعجالهم بالعذاب، ما الذي قالوه في استعجالهم العذاب؟
* الطالب: قالوا: إن..
* الشيخ: ما الذي قالوا في استعجال العذاب؟ يعني ما هي العبارة التي تدل على أنهم استعجلوا العذاب؟
* طالب: قولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ﴾ [الأنفال ٣٢].
* طالب آخر: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨].
* الشيخ: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة ٢٨]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال ٣٢] ونحو ذلك.
قوله: ﴿إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات ١٧٧] ما معنى إذا نزل بساحتهم؟
* طالب: يعني إذا نزل بالعباد عذاب على ساحتهم، أي: ببيوتهم (...).
* الشيخ: يعني كأنه يقول: فإذا حل بهم العذاب.
قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] هذه (ساء) فعل من أفعال؟
* طالب: الذم، الناسخ.
* الشيخ: الذم، ويش تقتضي؟
* الطالب: تقتضي تمييزًا وفاعلًا.
* الشيخ: وتقتضي تمييزًا وفاعلًا، أين الفاعل؟
* الطالب: ساء صباح المنذرين، الفاعل حذف وجملة صباح المنذرين هذه تمييز.
* الشيخ: صباح المنذرين هذا هو التمييز.
* طالب: الفاعل صباح.
* الشيخ: الفاعل صباح، وأين التمييز؟
* الطالب: التمييز محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: فساء صباح المنذرين صباحًا.
* الشيخ: فساء صباحًا صباح المنذرين.
في قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] الأخ فيه نكتة بلاغية ما هي؟
* طالب: تغير من الضمير المضمر الى الضمير الظاهر.
* الشيخ: إلى الضمير الظاهر، ما هي ضمير ظاهر، الظاهر قسيم المضمر؛ أنت فاهم المعنى لكن لم تحسن التعبير، أنا أريد أن يكون التعبير حسنًا.
* طالب: إقامة الظاهر مقام المضمر.
* الشيخ: فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، الظاهر ما يمكن يضمر الظاهر (...) عرفت ما هي الفائدة البلاغية في إقامة الظاهر مقام المضمر؟
* طالب: فائدتان: الفائدة الأولى: التنبيه؛ لا، أولًا: بيان عاقبة يعني أنهم أنذروا وبلغوا الحجة.
* الشيخ: يعني إقامة الحجة عليهم بأن الإنذار بلغهم.
* الطالب: ثانيًا: حتى يعني تكون الفواصل متوازية.
* الشيخ: مراعاة الفواصل.
* طالب: أقول: فيه فائدة لفظية وفائدة معنوية، الفائدة اللفظية: هي فواصل الآيات، مراعاة الفواصل
* الشيخ: مراعاة الفواصل، والمعنوية؟
* الطالب: له ثلاث فوائد: أولًا: التعميم، الثانية: انطباق الوصف عليهم، الثالثة: التشديد على هؤلاء.
* الشيخ: إقامة الحجة عليهم بأنهم أنذروا ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
قوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] موقعها مما قبلها من حيث المعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: معطوفة على قبلها التوكيد من حيث المعنى، ولهذا قلنا: من حيث المعنى.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] الأخ، أيش معناها؟
* طالب: التنزيه.
* الشيخ: التنزيه أيش لون؟ منين أخذت التنزيه.
* الطالب: من سبحان.
* الشيخ: من سبحان، وما الذي يُنزَّه الله عنه؟
* طالب: المماثلة والنقص.
* الشيخ: المماثلة والنقص، مماثلة المخلوقات والنقص في كماله.
قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] ما معنى رب هنا؟
* طالب: صاحب.
* الشيخ: بمعنى صاحب، ولا يصح أن تكون بمعنى خالق؟
* الطالب: يصح.
* الشيخ: يصح أن يكون بمعنى خالق؟
* الطالب: لا يصح أن تكون بمعنى خالق.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأن صفات الله ليست بمخلوقة.
* الشيخ: لأن صفات الله ليست مخلوقة، أنت إذا قلت: رب الخلق بمعنى الخالق الله، لكن رب العزة هي عزة الله، لا يصح أن تكون بمعنى خالق؛ لأن هذا يستلزم أن تكون صفة الله مخلوقة، فهمت؟
قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] الجملة خبرية أو إنشائية؟
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية، يعني أن الله يخبر بأن المرسلين عليهم؟
* الطالب: السلام.
* الشيخ: السلام، لماذا سلم عليهم؟
* طالب: لسلامة ما قالوه.
* الشيخ: لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، خلافًا لما وصفه به هؤلاء.
ما هي الفائدة من قوله بعد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢]؟
* طالب: على كمال يعني نعمة الله بنصره لـ..
* الشيخ: (...) ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ وبين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الفائدة من ذلك؟
* الطالب: الفائدة منه يعني مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مثلًا النقص وهو له الحمد.
* الشيخ: ما هو بظاهر.
* طالب: لما ذكر الله تعالى ما ذكره الكافرون بوصف الله سبحانه وتعالى بالنقص، ذكر الله صفات الكمال التي اتصف بها سبحانه، ثم قال بعد ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: الله عز وجل يثبت لنفسه الكمال بعد أن نزه نفسه عن النقص، يعني التحلية بعد التخلية.
* الشيخ: تمام هو أن يثبت لنفسه صفات الكمال بعد أن نزه نفسه عن صفات النقص؛ ليجمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات.
نأخذ الفوائد الآن:
قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤].
هذا مبتدأ الدرس، الفوائد اللي قبله مأخوذ؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧١، ١٧٢].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كتب لعباده المرسلين النصر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات ١٧١] وكلمة الله عز وجل الكونية لا تتبدل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ، وتثبيته على ما كان عليه من الرسالة.
* ومن فوائدها: تهديد أعداء الرسل، وأنهم مخذولون؛ لأنه إذا كتب النصر للرسل فسيكون من الخذلان لأعدائهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نصر الرسل يكون بالله، وبما يسره عز وجل من مخلوقاته وآياته، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧٢]، ولم يبين من الناصر ليكون هذا أشمل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلبة لجنود الله الذين قاموا بنصر شريعته والذب عنها؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣].
* ومن فوائدها: تثبيت من دعا إلى الله عز وجل من أتباع الرسل بأن لهم الغلبة كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨].
فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين ما حصل لبعض الرسل وبعض أتباعهم مما ينافي ظاهر الآية؟ فقد سبق لنا الجواب عليه من عدة أوجه، فلتكن معلومة لديكم.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إلى آخره [الصافات: ١٧٤، ١٧٥].
* في هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وأن طغيانهم لن يدوم؛ لقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] فسينتهي هذا الطغيان، إما على يد الرسول عليه الصلاة والسلام حين يؤمر بالقتال، وإما بالموت بتقدير الله عز وجل، فهم لا بد أن ينتهي أمرهم ولا يمكن أن يستمر طغيانهم.
* ومن فوائدها: تسلية الرسول ﷺ حيث أخبر بأن أعداءه سينتهي أمرهم بعد حين.
* ومنها: تهديد هؤلاء الأعداء الذين بلغوا في الطغيان والعدوان على رسول الله ﷺ ما بلغوا.
* ومن فوائد هذه الآيات: تحقيق هذا الأمر، أي هلاكهم وزوالهم؛ لقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٥]، يعني إذا نزل بهم العذاب فسوف تبصر وتشاهد بعينك.
* ومن فوائدها أيضًا: إعادة التهديد مرة ثانية بأسلوب آخر في قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائدها: تأكيد المعنى بالعبارات المختلفة ليكون ذلك أبلغ وليترقب هؤلاء المهددون العذاب من كل وجه؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان سفه هؤلاء المكذبين وطغيانهم، حيث كانوا يستعجلون العذاب، وجه هذا: أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يخشون العذاب ولا يستعجلونه، وأنهم لو كان عندهم نوع من الاعتدال ما صاروا يتحدون الرسل، فيقولون: هاتوا العذاب إن كنتم صادقين، فهم عندهم سفه وعندهم مبالغة في الطغيان والعدوان، والآية التي أشرنا إليها آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، هذا يدل على سفه قريش وأنهم من أبلغ ما يكون في السفه؛ لأنهم لو كانوا حلماء راشدين لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أيش؟ فاهدنا إليه، هذا هو الصواب، أما فأمطر علينا حجارة من السماء فهذا من أسفه ما يقوله البشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه في مقام الوعيد بصيغة العظمة إرهابًا وإزعاجًا لهؤلاء المتوعَّدين؛ لقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] ولم يقل: أفبعذابي، ولهذا لما جاء ذكر العذاب على سبيل الخبر قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠] ولم يقل: عذابنا ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٥٠].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه إذا نزل العذاب بقوم فلن يفلتهم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* ومنها، من فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا، وهي قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧]؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله عز وجل في عباده إذا نزل بهم العذاب فآمنوا ألا ينفعهم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]، وقال فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] يعني فلن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة، وألا يتأخر، وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا نزل به الموت فلن تنفعه التوبة، لا بد أن تكون التوبة في وقت تُقبل فيه.
يُستثنَى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها، وهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قرية آمنت بعد نزول العذاب فيها فنفعها إيمانها، ما حضرت أمس؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* طالب: قوم يونس.
* الشيخ: قوم يونس، الدليل على أنه نفعها إيمانها بعد نزول العذاب بها؟
* الطالب: الآيات في سورة..
* الشيخ: (...) يصح أن يقول القائل: الدليل آية في القرآن؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: اترك هذه.
* الطالب: (...).
* طالب آخر: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ﴾ [يونس ٩٨] إذن العذاب نزل بهم، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
ما هي الحكمة من أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؟
* طالب: لأن نبيهم يونس عليه السلام خرج مغاضبًا قبل أن يؤمر بالخروج.
* الشيخ: قبل أن يؤمر بالخروج، فكان هذا عذرًا لهم، صحيح.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار، الدليل من الآية؟
* طالب: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* الشيخ: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذا يدل على أنهم لن يحل بهم العذاب إلا بعد الإنذار، وهذا موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥].
والصحيح أن هذا عام في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والطهارة، وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه ولو بقي سنوات.
والدليل على هذا: نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع، فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لكنه بقي مدة لا يحسن إلا هذا إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ما مضى من صلاته، وإنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر؛ لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]] ، ولم يقل للمرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنعها الصلاة؛ لم يأمرها أن تعيد الصلاة، مع أنها مستحاضة والمستحاضة تصلي[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣ / ٦٢) من حديث عائشة.]] والأمثلة على هذا كثيرة.
ولا فرق كما قلت بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا أن رجلًا مسلمًا كان ناشئًا في بلد بعيد، ولا يدري يعبد هذا القبر وهو لا يدري أنه كفر فإنه لا يحكم بكفره لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمده قلبه فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا شركًا فما دونه متأولًا ولم يجد من يفتح عليه فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لا بد من القصد، فهذا الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]] فجعل نفسه ربًّا وجعل رب العالمين عبدًا، هذه كلمة كفر لا شك في هذا، لو قال قائل: أنا أكبر من الله، أنا ربه، وهو عبدي لكان كافرًا بلا شك، لكن هذا الرجل أخطأ لم يقصد الكلام، أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه في المعاصي قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله بقدرته قال له: كن، فكان، فاجتمع فسأله ربه عز وجل: لم صنعت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب، قال له كلامًا معناه: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]] فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا الرجل كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد متأول، فلم يكن كافرًا.
ومثل هذه المسائل لا يجوز للإنسان أن يتسرع فيها، أعني مسألة التكفير أو التفسيق أيضًا؛ لأن بعض الإخوة يسارع في التكفير ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل، إذا كان هذا القول كفرًا قال: من قال به فهو كافر مطلق، وإذا كان هذا الفعل كفرًا قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع؛ لأن هذا القول مثلًا إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر لا شك هذا الفعل إذا كان مكفرا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها الموانع أو لا؟
نعم، ما من سبب إلا وله مانع، قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه: الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس حتى لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر هل نقول: إنه يكفر؟ لا، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله ﷺ.
إذن يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا، لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيتم لو أكره رجل على أن يسجد لصنم وقيل: إما أن تسجد أو السيف؟ فسجد يفعل الإكراه لا تقربًا للصنم أيكفر؟ لا يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ١٠٦] شوف الكلام: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا هو الذي يُعطى حكمه، وأما من ليس كذلك فلا، لهذا يجب علينا أيها الإخوة ألا نسارع في التكفير والتفسيق، بعض الناس بغيرته يسارع في الحكم: هذا كافر، يا ابن الحلال، اتق الله، أنت إذا كفَّرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠ / ١١١) من حديث ابن عمر.]] ، أتريد أن تكون كافرًا؟ لا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره، يعني من قامت الحجة على كفره نحتاج فيها إلى أمرين:
ثبوت أن هذا الشيء كفر، وتحقق شروط الكفر في هذا الفاعل أو هذا القائل، يعني لا تقوم الحجة على كفر شخص إلا بأمرين:
ثبوت أن هذا الشيء مكفر.
والثاني: تحقق الكفر في حق هذا؛ لأنه قد يكون الشيء مكفرًا لكن لا يتحقق الكفر في هذا الفاعل، أو هذا القائل.
وهذه المسألة أنا أكررها لأهميتها؛ لأنه يبلغني أن قومًا من الناس بمجرد ما يقال: إن فلانًا فعل كذا يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، نبرأ إلى الله منه؛ نبرأ إلى الله منه؟! هذا غلط.
ما تقولون في قتل النفس؟ من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا هل قتله الرسول؟ ما قتله ولا ضمنه بدية، غاية ما هنالك قال له:« «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فقال أسامة: قالها يا رسول الله تعوذًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]] القصة معروفة أظن.
القصة رجل من الكفار هرب فلحقه أسامة بن زيد، فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل، والقرينة مع أسامة؛ لأن رجلًا كافرًا أدركه مسلم بسيفه فقال: لا إله إلا الله، قرينة كونه متعوذًا بها قوية جدًّا، لكن الرسول ﷺ لا يريد منا أن نحكم بما نظن، يريد أن نحكم بالظاهر: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] ، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» شوف تكرار يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعدُ»، الله أكبرُ.
الحاصل أنه يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير؛ حتى لا نبوء نحن بالكفر أو الفسق.
والحمد لله الحكم إلى الله ولَّا إلينا؟ إلى الله، إذا كان الله لم يكفر هذا الشخص ليش نكفره؟ إذا كفرنا ما لم يكفره الله فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتقي الله. والأصل في المسلم أيش؟ الإسلام، ما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر أو يقول قولًا من الكفر وهو جاهل لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، كيف نقول: إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكنه مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له، وهو لا يدري، نقول: هذا كافر وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!
ولهذا قال العلماء، نصوا على هذا في كتبهم: لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة لكان كافرًا، لكن قالوا: لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي، أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا؛ لأنه جاهل.
إذن قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] تدل على أنه لا يمكن أن يُعذَّب أحد إلا بعد الإنذار.
وهل يكفي بلوغ الحجة أو لا بد من فهم الحجة؟
* طلبة: فيه خلاف.
* الشيخ: الثاني، لا بد من فهمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] ليش؟ لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] بلغتهم من أجل أن يبين لهم، فلا بد من فهم الحجة، أنت لو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يدري أيش معناها، هل تقوم عليه الحجة؟ ما تقوم، لو قلت له: يا فلان، أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، ثلاثًا، قال: نعم، وأربعًا وخمسًا فهم من (أطلقت امرأتك) يعني جعلتها طليقة تروح وتيجي، أعجمي ما يدري، قلنا: خلاص بانت منك، لا تحل لك إلا بعد زوج! كم يصيح، يا جماعة كيف هذا الكلام؟ قلنا: نحن سألناك أنك أطلقت زوجتك؟ قلت: نعم، قلنا: ثلاثًا؟ قلت: ثلاثًا وأربعًا، خلاص بانت منك الزوجة، تبين منه ولَّا لا؟ لا تبين، ليش؟ لأنه لا يعرف المعنى.
لكن لو قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا.
* طالب: أيش معناها؟
* الشيخ: هكذا قال الفقهاء، أنه إذا قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا، أنا لو أقولك: واحد عربي يقول لزوجته: بهشتم بهشتم بهشتم، ما تطلق ولو مرة واحدة؛ لأنه لا يعرف.
المهم أن هذه مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، أو يوقع غيره في هلكة، ويوالي ويعادي على غير وجه شرعي، فالبشر حكمهم إلى الله عز وجل، من حكم الله بكفره كفرناه، ومن حكم بفسقه فسقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه. والله أعلم.
* طالب: بعض (...) إذا ماتوا؟
* الشيخ: إذا ماتوا فإن كانوا يدينون بالإسلام ولم يعرفوا أن هذا كفر، فهم لا يعاقبون عليه، وأما إذا بلغوا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فهؤلاء لا يقبل منهم.
* طالب: هو لا بد من فهم؟
* الشيخ: لا بد من فهم، أعجمي وأنت تخاطبه بالعربية وهو لا يعرف.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني فهم الحجة، يعني أن يفهم المعنى، وليس بلازم أن يفهم الأدلة.
الصافات 37:182
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟
* الطالب: لام القسم، و(قد).
* الشيخ: لام القسم، و(قد)؟
* الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.
* الشيخ: لا.
* طالب: ضمير الفصل.
* الشيخ: لا.
* طالب: القسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.
ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾.
﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، قال المؤلف: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ بالنصر، ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في ﴿لَهُمُ﴾، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.
* الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.
ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.
* طالب: الحصر.
* الشيخ: يفيد الحصر نعم.
* الطالب: والصفة.
* الشيخ: لا.
* الطالب: والفصل (...).
* الشيخ: أنا أريد أن تسمع.
* طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.
* الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.
مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.
إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.
ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.
إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.
طيب هنا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ نقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبر (إن).
طيب يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لا غيرهم، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ مِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.
طيب هنا ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: لا، الجند؛ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).
أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.
فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟
إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.
أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.
فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟
* طالب: من الكتاب ومن السنة؟
* الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
* الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.
* الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.
إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.
فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: ﴿سُطِحَتْ﴾، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.
إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.
لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.
ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث «أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم »[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وأحمد (٣٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.
فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.
على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.
طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.
وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ محمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.
* طالب: في مثل هذه (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟
* الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.
* الطالب: وإذا كان الخبر (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾.
* الشيخ: طيب، (هم) ضمير فصل لا لها محل له من الإعراب.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما هي مبتدأ، هذا ضمير فصل ليس له محل من الإعراب.
* الطالب: ضمير فصل؛ لأجل يفصل الخبر من المبتدأ؟
* الشيخ: نعم، مع أن هنا أيضًا عندنا سبب آخر يبين الصفة من الخبر، وهي لام التوكيد؛ لأن لام التوكيد ما تدخل إلا على الخبر، فعندنا الآن شيئان: لام التوكيد، وضمير الفصل، كلها تؤيد أن ما بعدهما هو الخبر.
* الطالب: ما يحتمل أن المنصورين صفة؛ لأن ما يحتمل..؟
* الشيخ: لا، ما يحتمل ولا يمكن، وكيف تكون صفة وهي مرفوعة والضمير في (إن) منصوب؟! ما تكون صفة، ما فيه إشكال.
* طالب: عفا الله عنك، بعضهم يحمل وإن جندنا لهم المنصورون يقول: هذا باعتبار النهائي أن الرسل الذين ابتلوا وعذبوا، يقول: هذا في أثناء الرسالة، وأما في نهاية الرسالة كان النصر معهم.
* الشيخ: يأتينا -إن شاء الله- غدًا تمام البحث فيه.
* * *
السؤال هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ هل هي مؤكدة وبكم مؤكِّدٍ أُكِّدَت؟
* طالب: مؤكدة بثلاث مؤكدات؛ أولًا: القسم (...) و(بقد) وباللام.
* الشيخ: ما الذي أعلمك أن فيها قسمًا؟
* طالب: الواو ﴿وَلَقَدْ﴾.
* الشيخ: الواو، الواو إذن حرف قسَمٍ، طيب ما هي؟ مرَّ علينا في الآجرومية أن حروف القسم ما تدخل إلا على الاسم، وهنا (لقد) ما هي اسم.
* الطالب: محذوفة (...) واللهِ لقد.
* الشيخ: ما يمكن القسم بالواو ما يحذف منه المقسَم به.
* طالب: القسم مقدر.
* الشيخ: مقدر.
* الطالب: وتالله لقد.
* الشيخ: وتالله لقد سبقت.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١]؟
* طالب: ما يشترط أن يكون النصر؟
* الشيخ: ذكرنا فيه أجوبة.
* الطالب: إما أن يكون النصر بالتأييد حتى تنقطع الأسباب، وإما أن يكون النصر لبعضهم على بعض وإن لم يكن دائمًا.
* الشيخ: كيف نصر بعضهم على بعض، الرسل ما ينصر بعضهم على بعض، كلهم على هدف واحد؟
* الطالب: ينصر بعضهم ببعض.
* الشيخ: لا.
* الطالب: قلنا: إن النصر يتوقف على أربع حالات.
* الشيخ: إما أن يكون النصر بالحجة والبرهان، هذا واحد.
* الطالب: وإما يكون بالأكثرية.
* الشيخ: أو بناء على الأغلب ثالثًا.
* الطالب: ثالثًا: للذين أمروا بالجهاد.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: رابعًا: أن يكون النصر مطلق وهو نصر الآخرة.
* الشيخ: وهو نصر الآخرة. هذه أربعة أوجه.
قوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ما المراد بجند الله؟
* طالب: جند الله هم الملائكة.
* الشيخ: الملائكة، لا.
* الطالب: النبيون هم الذين يدافعون عن شرعه ودينه.
* الشيخ: صح، المدافعون عن شرعه ودينه.
طيب قوله: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هل الغلبة هنا تكون غلبة بالسيف والسلاح، أو بشيء من آيات الله، أم ماذا؟
* طالب: تكون بالحجة والبرهان أولًا.
* الشيخ: لا، الغلبة غير النصر.
* الطالب: إما تكون بالآيات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: أو تكون بالملائكة.
* الشيخ: بالملائكة، مثل؟
* الطالب: في غزوة بدر.
* الشيخ: أيَّدهم الله تعالى بالملائكة غلبوا بما أيدهم به من الملائكة، وفي الأحزاب..
* الطالب: بالريح.
* الشيخ: بالريح وكذلك الملائكة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] (تول) الخطاب للرسول ﷺ، و﴿عَنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف بقوله: (أي: أعرض عن كفار مكة)، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني: إلى حين غير مبين لكن علمه عند الله، ولهذا قال المؤلف: (حتى حين تؤمر فيه بقتالهم)، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف؛ فإن الرسول ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال؛ لأن الحكمة لا تقتضيه، وعلى هذا فيكون الحين الذي أجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٤، ١٧٥] (إذا نزل بهم العذاب فسوف يبصرون عاقبة كفرهم) (أبصِرْهم) يعني: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية؛ يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا له للنبي ﷺ بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله (أبصِرْهم) تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.
وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار؛ (أبصِرْهم) يعني: أنظرهم؛ يعني: أمهلهم، كما في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧]، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة ٢٩]، وغاية القولين واحدة؛ يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هذه الجملة يراد بها التهديد؛ تهديد هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.
قال المؤلف: (فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب، قال الله تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦]) الهمزة ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ للاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف فإنه يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مُقَدَّرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويُقَدَّرُ بما يناسب المقام.
والثاني: أن تكون الجملة معطوفةً على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف.
وعلى هذا يكون التقدير: فأبعذابنا يستعجلون، وعلى الأول نقدر ما يناسب المقام، فنقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.
استعجالهم العذاب على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.
والثاني: أن يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية؛ لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وعلى هذا فاستعجال الناس بالعذاب يكون على وجهين. الوجه الأول ما هو؟ ويش؟
* طالب: يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية، ويكون بالقول.
* الشيخ: مثل قولهم أيش؟ مثاله بالقول؟
* الطالب: قالوا.
* الشيخ: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، هم يقولون للرسول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، هذا استعجال بالقول.
الاستعجال بالفعل هو التمادي في المعصية؛ لأن المعاصي سبب لوقوع العذاب، فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، الاستعجال بالقول أنهم يقولون: متى هذا الوعد؟ أين العذاب الذي تعدوننا به؟ فهؤلاء جمعوا بين الوجهين في الاستعجال بالفعل وبالقول.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم، ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٦، ١٧٧] (إذا نزل) الفاعل يعود على العذاب؛ أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم؛ أي: فناؤهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يُعَبَّرُ عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما جاء في الحديث الصحيح في قصة خيبر «أن النبي ﷺ لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم، يقولون: هذا محمد، أو جاء محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥ / ٨٤) من حديث أنس.]].
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ ﴿نَزَلَ﴾ أي أيش؟ العذاب؛ أي: حل بهم، و(﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: بفنائهم) وهذه كلمة يقولها العرب للتهديد.
(قال الفرَّاء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم)، الفرَّاء أحد علماء اللغة العربية، وهو حجة فيما يقول إن العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، فكأنه يقول: فإذا نزل بهم، على كلام الفراء أن يكون تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل بقوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم وفنائهم ثم يهجم عليهم ويُغِير عليهم.
وفي هذا استعارة كما يقول البلاغيون؛ حيث شبَّه العذاب بعدو ينزل بهم -يعني بساحتهم- ثم حذف المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.
قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قال المؤلف في (ساء): (بئس)، ثم قال: (صباحًا)، ثم قال: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ وذلك لأن (ساء) من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين: فاعل وتمييز، فقدَّرَ المؤلف التمييز في قوله: (صباحًا)، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذَرين صباحًا.
والمهم أن أفعال الذم وكذلك أفعال المدح مثل: نِعْمَ وحبَّذا وما أشبهها تحتاج إلى فاعل وإلى تمييز، فالمؤلف قدَّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسدُّ مسدَّه، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا؛ مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ٣٠]، ولم يقل: نعم العبد عبدًا.
طيب ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ اسم مفعول؛ أي: ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم؛ لأنهم أُنْذِروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر، قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فأقام الظاهر مقام المضمر. اشرح لي ها العبارة هذه.
* طالب: يعني مدلول الكلام أنه..
* الشيخ: مقتضى السياق أن يقول..
* الطالب: أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكن ذكر هنا المنذَرين..
* الشيخ: فأقام الظاهر؛ لأن (المنذَرين) اسم ظاهر مقام؟
* الطالب: مقام الضمير المضمر.
* الشيخ: مقام الضمير أو المضمر، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا بد لها من فائدة؛ إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، فلننظر هنا: إقامة الظاهر هنا مقام المضمر له فائدة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ لأن الله تعالى يعبِّر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] في سورة طه، ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يُقَدَّم عليه في كتاب الله لكن في هذه الآية ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدَّمَ هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة (طه) فواصلها كلها غالبها بالألف.
هنا نقول: فساء صباحهم، لو قال: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها فقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذه فائدة لفظية أو معنوية لفظية؛ أما المعنوية فهي إقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم؛ وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذرٌ واستحقوا العذاب بعدل الله عز وجل.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ طيب ما الإنذار؟ يقول العلماء: إن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، والبشارة هي الإعلام المقرون بالتفريح بما يفرح ويسر، فالبشارة بالسارِّ، والإنذار بخلافه، إذن (المنذَرين) الذين أنذورا بإقامة الحجة عليهم؛ أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.
قال: (﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] كرَّر تأكيدًا لتهديدهم وتسلية لرسول الله ﷺ) هذه الآية -كما تشاهدون- هي نفس الآية اللي قبلها الآية؛ اللي قبلها يقول: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، وهنا قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لم تختلف عنها إلا بحرف العطف، الأولى ﴿فَتَوَلَّ﴾ والثانية ﴿وَتَوَلَّ﴾، أيضًا الأولى قال: (أبصِرْهم) وهنا قال: (أبصِرْ) فأطلَقَ، وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم؛ وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول ﷺ؛ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.
ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨٠، ١٨١] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ نريد إعرابها من الأخ.
* طالب: (سبحان) اسم مصدر لـ(سبح).
* الشيخ: هذا من حيث التصريف، الإعراب وهي منصوبة.
* طالب: مفعول مطلق.
* الشيخ: على أنها مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا، إذن (سبحان) من حيث التصريف اسم مصدر (سبح)، من حيث الإعراب منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين (سبحان) و(سبح) ما يقال: سبح سبحان.
طيب و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾؛ أي تنزيهًا له، وقد مرَّ علينا ماذا يُنَزَّه الله عنه. ما الذي ينزه الله عنه؟ نريد منك أن تكون طالب علم ومراقب مسجل.
* طالب: عما لا يريده.
* الشيخ: ويدور على.
* الطالب: على التمثيل و(...) النقص.
* الشيخ: على شيئين: التنزيه عن المماثلة، وعن النقص في صفات الكمال.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ، فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق، وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة، وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة (رب العالمين)، والثانية خاصة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؛ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته.
ثم قال: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: الغلبة، و(رب) هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبِّر إلا في هذا الموضع، فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ صاحب العزة وليس خالق؛ لأن صفات الرب غير مخلوقة.
وقوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرها من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي ﷺ ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله، وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، إذن المقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة، وهي العزة، قال الله عز وجل في سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، وهذا حقيقةً يخرج الأعز الأذل، ولكن من الأعز؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما المنافقون فلا عزَّة لهم.
وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك حيث إنه في سياق الغلبة للرسول ﷺ والذل لأعدائه.
ومن أسماء الله تعالى العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء: والعزة ثلاثة معان: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام قُلْها لنا.
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء، وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا، وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء، ومن الثالث قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا) قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.
والعزة ثلاثة معان: عزة الغَلَبَة، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام؟ قلها لنا؟
* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء.
وعزة القدر: أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا.
وعزة الامتناع: أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء.
ومن الثالث قولهم: أرض عزاز يعني أيش؟ صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغَلَبَة ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] بأن له ولدًا).
قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يصفونه به.
وقول المؤلف: (بأن له ولدًا) هذا كالمثال لما يصفون الله به مما منزَّه عنه، وإلا فهم يقولون: إن الله له ولد، وله زوجة، وله شريك، وله معِين، وهكذا، فكل وصف لا يليق بالله فإن الله منزَّه عنه، وإن وصفه به هؤلاء الأفاكون الكذابون.
قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (سلام) مبتدأ، و(على المرسلين) خبره.
والسلام هنا بمعنى التسليم، فهو اسم مصدر سلم، مثل الكلام بمعنى التكليم، اسم مصدر كلم.
ومعنى السلام عليهم أن ما قالوه في ذات الله وصفات الله سالم من كل نقص، فيكون الله تعالى قد سبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، ثم سلم على الرسل لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، فليس فيه كذب، وليس فيه سوء، ولهذا قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] (المبلغين عن الله التوحيد والشرائع).
ولما ذكر التنزيه فيما وصف به نفسه، وفيما وصفته به رسله، ذكر بعد ذلك الحمد، الذي هو وصف المحمود بالكمال، فيكون في الآيات جمع بين التنزيه عن صفات النقص وبين إثبات صفات الكمال، وأتى بإثبات صفات الكمال بعد التنزيه؛ لأنه كما يقال: تكون التحلية بعد التخلية، يعني التزيين بعد إزالة الأذى.
يقول: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] الحمد قلت: إنه وصف المحمود بالكمال، وكمال الله سبحانه وتعالى يدور على أمرين: كمال ذاتي، وكمال فعلي.
أما الكمال الذاتي فهو سبحانه وتعالى كامل في ذاته المتصفة بكل صفة كمال.
كمال فعلي: أن الله تعالى كامل في أفعاله، فله الفضل على عباده بجلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولهذا شرع للإنسان إذا انتهى من الأكل والشرب أن يحمد الله سبحانه وتعالى على ما رزقه من الطعام والشراب، وإن شئت فقل أو فتجاوز هذا إلى أنك تحمد الله الذي لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه من الأكل والشرب.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] رب العالمين أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
والعالم: كل من سوى الله فهو عالم، وسُموا عالمًا لأنهم علم على خالقهم عز وجل، ففي كل شيء من مخلوقات الله آية تدل على وحدانيته وكماله.
قال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢] قال المؤلف: (على نصرهم) أي: نصر الرسل (وهلاك الكافرين).
ولو أن المؤلف جعلها مطلقة: الحمد لله رب العالمين على كل شيء، حتى على ما يقدره أحيانًا من غلبة أعدائه على أوليائه، فإنه يحمد على ذلك؛ لِما يترتب عليه من المصالح العظيمة كما في غزوة أحد التي ذكر الله تعالى فيها من الحكم أشياء كثيرة: ذكر منها جزءًا كبيرًا في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله، وبهذا انتهت هذه السورة.
* طالب: (...) ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة ٢٢١] (...) وكذلك يجوز إذا تقدم الخبر عليه (...) فهذا من (…)؟
* الشيخ: هي لا تحصر في خمسة ليست محصورة في خمسة ولا في خمسين، ابن مالك رحمه الله ذكر قاعدة، قال:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ .................
عرفت، فمتى حصلت الفائدة جاز الابتداء بها، وابن هشام في القطر يقول: ويجوز الابتداء بالنكرة إن عم أو خص. يعني كانت عامة أو خاصة معينة، لكن عبارة ابن مالك أحسن:
ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ
* الطالب: إذا تفيد بس يكفي.
* الشيخ: يكفي ما لها حصر (...).
* * *
* طالب: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ١ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] ما هو هذا الحين الذي جعل أمد التولي إليه؟
* طالب: إلى أجلهم.
* الشيخ: إلى أجلهم؟
* طالب: إلى أن يؤمر بالجهاد.
* الشيخ: إلى أن يؤمر بالجهاد، وعلى هذا التقدير تكون الآية؟
* الطالب: ناسخة، يعني هذه الآية منسوخة.
* الشيخ: منسوخة بآيات.
* الطالب: الأمر بالجهاد.
* الشيخ: الأمر بالجهاد، هل يحتمل ما قاله الأخ ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي حتى موتهم؟
* طالب: ما تحتمل الآية، ما تحتمل حتى موتهم، لا ما تحتمل.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: ما الفائدة أنه يتولى حتى موتهم، لن تضل حتى الموت.
* طالب آخر: أقول: نعم، تحتمل؛ لأنه ليست تولي القتال، بل تولي الإعراض عنهم، وعدم موالاتهم إلى أن يموتوا ما داموا على كفرهم.
* الشيخ: ما يعارض قوله: ﴿أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥]؟
* الطالب: نعم ما يعارض هذا.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه لن يتولاهم، بل بعضهم سيموت وهو لن يتولاهم.
* الشيخ: لا، هو من تولى، تولى يعني (...).
* الطالب: إي نعم، يعني لا يركن إليهم.
* الشيخ: إذن يحتمل هذا حتى حين يعني حتى يموتوا، وأنت ستبصر أنهم ماتوا سواء بقتال أو بغير قتال، وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥] ما الغرض من هذه الجملة؟
* طالب: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ التهديد.
* الشيخ: الغرض منها التهديد.
قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] هذه رد على أي شيء؟
* طالب: استعجالهم.
* الشيخ: على استعجالهم بالعذاب، ما الذي قالوه في استعجالهم العذاب؟
* الطالب: قالوا: إن..
* الشيخ: ما الذي قالوا في استعجال العذاب؟ يعني ما هي العبارة التي تدل على أنهم استعجلوا العذاب؟
* طالب: قولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ﴾ [الأنفال ٣٢].
* طالب آخر: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨].
* الشيخ: قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة ٢٨]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال ٣٢] ونحو ذلك.
قوله: ﴿إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات ١٧٧] ما معنى إذا نزل بساحتهم؟
* طالب: يعني إذا نزل بالعباد عذاب على ساحتهم، أي: ببيوتهم (...).
* الشيخ: يعني كأنه يقول: فإذا حل بهم العذاب.
قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] هذه (ساء) فعل من أفعال؟
* طالب: الذم، الناسخ.
* الشيخ: الذم، ويش تقتضي؟
* الطالب: تقتضي تمييزًا وفاعلًا.
* الشيخ: وتقتضي تمييزًا وفاعلًا، أين الفاعل؟
* الطالب: ساء صباح المنذرين، الفاعل حذف وجملة صباح المنذرين هذه تمييز.
* الشيخ: صباح المنذرين هذا هو التمييز.
* طالب: الفاعل صباح.
* الشيخ: الفاعل صباح، وأين التمييز؟
* الطالب: التمييز محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: فساء صباح المنذرين صباحًا.
* الشيخ: فساء صباحًا صباح المنذرين.
في قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] الأخ فيه نكتة بلاغية ما هي؟
* طالب: تغير من الضمير المضمر الى الضمير الظاهر.
* الشيخ: إلى الضمير الظاهر، ما هي ضمير ظاهر، الظاهر قسيم المضمر؛ أنت فاهم المعنى لكن لم تحسن التعبير، أنا أريد أن يكون التعبير حسنًا.
* طالب: إقامة الظاهر مقام المضمر.
* الشيخ: فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، الظاهر ما يمكن يضمر الظاهر (...) عرفت ما هي الفائدة البلاغية في إقامة الظاهر مقام المضمر؟
* طالب: فائدتان: الفائدة الأولى: التنبيه؛ لا، أولًا: بيان عاقبة يعني أنهم أنذروا وبلغوا الحجة.
* الشيخ: يعني إقامة الحجة عليهم بأن الإنذار بلغهم.
* الطالب: ثانيًا: حتى يعني تكون الفواصل متوازية.
* الشيخ: مراعاة الفواصل.
* طالب: أقول: فيه فائدة لفظية وفائدة معنوية، الفائدة اللفظية: هي فواصل الآيات، مراعاة الفواصل
* الشيخ: مراعاة الفواصل، والمعنوية؟
* الطالب: له ثلاث فوائد: أولًا: التعميم، الثانية: انطباق الوصف عليهم، الثالثة: التشديد على هؤلاء.
* الشيخ: إقامة الحجة عليهم بأنهم أنذروا ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
قوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] موقعها مما قبلها من حيث المعنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: معطوفة على قبلها التوكيد من حيث المعنى، ولهذا قلنا: من حيث المعنى.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠] الأخ، أيش معناها؟
* طالب: التنزيه.
* الشيخ: التنزيه أيش لون؟ منين أخذت التنزيه.
* الطالب: من سبحان.
* الشيخ: من سبحان، وما الذي يُنزَّه الله عنه؟
* طالب: المماثلة والنقص.
* الشيخ: المماثلة والنقص، مماثلة المخلوقات والنقص في كماله.
قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] ما معنى رب هنا؟
* طالب: صاحب.
* الشيخ: بمعنى صاحب، ولا يصح أن تكون بمعنى خالق؟
* الطالب: يصح.
* الشيخ: يصح أن يكون بمعنى خالق؟
* الطالب: لا يصح أن تكون بمعنى خالق.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأن صفات الله ليست بمخلوقة.
* الشيخ: لأن صفات الله ليست مخلوقة، أنت إذا قلت: رب الخلق بمعنى الخالق الله، لكن رب العزة هي عزة الله، لا يصح أن تكون بمعنى خالق؛ لأن هذا يستلزم أن تكون صفة الله مخلوقة، فهمت؟
قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨١] الجملة خبرية أو إنشائية؟
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية، يعني أن الله يخبر بأن المرسلين عليهم؟
* الطالب: السلام.
* الشيخ: السلام، لماذا سلم عليهم؟
* طالب: لسلامة ما قالوه.
* الشيخ: لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، خلافًا لما وصفه به هؤلاء.
ما هي الفائدة من قوله بعد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢]؟
* طالب: على كمال يعني نعمة الله بنصره لـ..
* الشيخ: (...) ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ وبين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الفائدة من ذلك؟
* الطالب: الفائدة منه يعني مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مثلًا النقص وهو له الحمد.
* الشيخ: ما هو بظاهر.
* طالب: لما ذكر الله تعالى ما ذكره الكافرون بوصف الله سبحانه وتعالى بالنقص، ذكر الله صفات الكمال التي اتصف بها سبحانه، ثم قال بعد ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: الله عز وجل يثبت لنفسه الكمال بعد أن نزه نفسه عن النقص، يعني التحلية بعد التخلية.
* الشيخ: تمام هو أن يثبت لنفسه صفات الكمال بعد أن نزه نفسه عن صفات النقص؛ ليجمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات.
نأخذ الفوائد الآن:
قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤].
هذا مبتدأ الدرس، الفوائد اللي قبله مأخوذ؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧١، ١٧٢].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كتب لعباده المرسلين النصر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات ١٧١] وكلمة الله عز وجل الكونية لا تتبدل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ، وتثبيته على ما كان عليه من الرسالة.
* ومن فوائدها: تهديد أعداء الرسل، وأنهم مخذولون؛ لأنه إذا كتب النصر للرسل فسيكون من الخذلان لأعدائهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نصر الرسل يكون بالله، وبما يسره عز وجل من مخلوقاته وآياته، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧٢]، ولم يبين من الناصر ليكون هذا أشمل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلبة لجنود الله الذين قاموا بنصر شريعته والذب عنها؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣].
* ومن فوائدها: تثبيت من دعا إلى الله عز وجل من أتباع الرسل بأن لهم الغلبة كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨].
فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين ما حصل لبعض الرسل وبعض أتباعهم مما ينافي ظاهر الآية؟ فقد سبق لنا الجواب عليه من عدة أوجه، فلتكن معلومة لديكم.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إلى آخره [الصافات: ١٧٤، ١٧٥].
* في هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وأن طغيانهم لن يدوم؛ لقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] فسينتهي هذا الطغيان، إما على يد الرسول عليه الصلاة والسلام حين يؤمر بالقتال، وإما بالموت بتقدير الله عز وجل، فهم لا بد أن ينتهي أمرهم ولا يمكن أن يستمر طغيانهم.
* ومن فوائدها: تسلية الرسول ﷺ حيث أخبر بأن أعداءه سينتهي أمرهم بعد حين.
* ومنها: تهديد هؤلاء الأعداء الذين بلغوا في الطغيان والعدوان على رسول الله ﷺ ما بلغوا.
* ومن فوائد هذه الآيات: تحقيق هذا الأمر، أي هلاكهم وزوالهم؛ لقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٥]، يعني إذا نزل بهم العذاب فسوف تبصر وتشاهد بعينك.
* ومن فوائدها أيضًا: إعادة التهديد مرة ثانية بأسلوب آخر في قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائدها: تأكيد المعنى بالعبارات المختلفة ليكون ذلك أبلغ وليترقب هؤلاء المهددون العذاب من كل وجه؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٥].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان سفه هؤلاء المكذبين وطغيانهم، حيث كانوا يستعجلون العذاب، وجه هذا: أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يخشون العذاب ولا يستعجلونه، وأنهم لو كان عندهم نوع من الاعتدال ما صاروا يتحدون الرسل، فيقولون: هاتوا العذاب إن كنتم صادقين، فهم عندهم سفه وعندهم مبالغة في الطغيان والعدوان، والآية التي أشرنا إليها آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، هذا يدل على سفه قريش وأنهم من أبلغ ما يكون في السفه؛ لأنهم لو كانوا حلماء راشدين لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أيش؟ فاهدنا إليه، هذا هو الصواب، أما فأمطر علينا حجارة من السماء فهذا من أسفه ما يقوله البشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه في مقام الوعيد بصيغة العظمة إرهابًا وإزعاجًا لهؤلاء المتوعَّدين؛ لقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] ولم يقل: أفبعذابي، ولهذا لما جاء ذكر العذاب على سبيل الخبر قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠] ولم يقل: عذابنا ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٥٠].
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه إذا نزل العذاب بقوم فلن يفلتهم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* ومنها، من فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا، وهي قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧]؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله عز وجل في عباده إذا نزل بهم العذاب فآمنوا ألا ينفعهم الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]، وقال فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] يعني فلن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة، وألا يتأخر، وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا نزل به الموت فلن تنفعه التوبة، لا بد أن تكون التوبة في وقت تُقبل فيه.
يُستثنَى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها، وهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قرية آمنت بعد نزول العذاب فيها فنفعها إيمانها، ما حضرت أمس؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب.
* طالب: قوم يونس.
* الشيخ: قوم يونس، الدليل على أنه نفعها إيمانها بعد نزول العذاب بها؟
* الطالب: الآيات في سورة..
* الشيخ: (...) يصح أن يقول القائل: الدليل آية في القرآن؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: اترك هذه.
* الطالب: (...).
* طالب آخر: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ﴾ [يونس ٩٨] إذن العذاب نزل بهم، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
ما هي الحكمة من أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؟
* طالب: لأن نبيهم يونس عليه السلام خرج مغاضبًا قبل أن يؤمر بالخروج.
* الشيخ: قبل أن يؤمر بالخروج، فكان هذا عذرًا لهم، صحيح.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار، الدليل من الآية؟
* طالب: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧].
* الشيخ: ﴿سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذا يدل على أنهم لن يحل بهم العذاب إلا بعد الإنذار، وهذا موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥].
والصحيح أن هذا عام في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والطهارة، وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه ولو بقي سنوات.
والدليل على هذا: نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع، فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لكنه بقي مدة لا يحسن إلا هذا إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ما مضى من صلاته، وإنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر؛ لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]] ، ولم يقل للمرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنعها الصلاة؛ لم يأمرها أن تعيد الصلاة، مع أنها مستحاضة والمستحاضة تصلي[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣ / ٦٢) من حديث عائشة.]] والأمثلة على هذا كثيرة.
ولا فرق كما قلت بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا أن رجلًا مسلمًا كان ناشئًا في بلد بعيد، ولا يدري يعبد هذا القبر وهو لا يدري أنه كفر فإنه لا يحكم بكفره لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمده قلبه فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا شركًا فما دونه متأولًا ولم يجد من يفتح عليه فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لا بد من القصد، فهذا الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) واللفظ له من حديث أنس بن مالك.]] فجعل نفسه ربًّا وجعل رب العالمين عبدًا، هذه كلمة كفر لا شك في هذا، لو قال قائل: أنا أكبر من الله، أنا ربه، وهو عبدي لكان كافرًا بلا شك، لكن هذا الرجل أخطأ لم يقصد الكلام، أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه في المعاصي قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله بقدرته قال له: كن، فكان، فاجتمع فسأله ربه عز وجل: لم صنعت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب، قال له كلامًا معناه: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]] فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا الرجل كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد متأول، فلم يكن كافرًا.
ومثل هذه المسائل لا يجوز للإنسان أن يتسرع فيها، أعني مسألة التكفير أو التفسيق أيضًا؛ لأن بعض الإخوة يسارع في التكفير ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل، إذا كان هذا القول كفرًا قال: من قال به فهو كافر مطلق، وإذا كان هذا الفعل كفرًا قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع؛ لأن هذا القول مثلًا إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر لا شك هذا الفعل إذا كان مكفرا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها الموانع أو لا؟
نعم، ما من سبب إلا وله مانع، قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه: الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس حتى لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر هل نقول: إنه يكفر؟ لا، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله ﷺ.
إذن يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا، لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيتم لو أكره رجل على أن يسجد لصنم وقيل: إما أن تسجد أو السيف؟ فسجد يفعل الإكراه لا تقربًا للصنم أيكفر؟ لا يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ١٠٦] شوف الكلام: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا هو الذي يُعطى حكمه، وأما من ليس كذلك فلا، لهذا يجب علينا أيها الإخوة ألا نسارع في التكفير والتفسيق، بعض الناس بغيرته يسارع في الحكم: هذا كافر، يا ابن الحلال، اتق الله، أنت إذا كفَّرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠ / ١١١) من حديث ابن عمر.]] ، أتريد أن تكون كافرًا؟ لا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره، يعني من قامت الحجة على كفره نحتاج فيها إلى أمرين:
ثبوت أن هذا الشيء كفر، وتحقق شروط الكفر في هذا الفاعل أو هذا القائل، يعني لا تقوم الحجة على كفر شخص إلا بأمرين:
ثبوت أن هذا الشيء مكفر.
والثاني: تحقق الكفر في حق هذا؛ لأنه قد يكون الشيء مكفرًا لكن لا يتحقق الكفر في هذا الفاعل، أو هذا القائل.
وهذه المسألة أنا أكررها لأهميتها؛ لأنه يبلغني أن قومًا من الناس بمجرد ما يقال: إن فلانًا فعل كذا يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، نبرأ إلى الله منه؛ نبرأ إلى الله منه؟! هذا غلط.
ما تقولون في قتل النفس؟ من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا هل قتله الرسول؟ ما قتله ولا ضمنه بدية، غاية ما هنالك قال له:« «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فقال أسامة: قالها يا رسول الله تعوذًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]] القصة معروفة أظن.
القصة رجل من الكفار هرب فلحقه أسامة بن زيد، فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل، والقرينة مع أسامة؛ لأن رجلًا كافرًا أدركه مسلم بسيفه فقال: لا إله إلا الله، قرينة كونه متعوذًا بها قوية جدًّا، لكن الرسول ﷺ لا يريد منا أن نحكم بما نظن، يريد أن نحكم بالظاهر: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] ، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» شوف تكرار يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعدُ»، الله أكبرُ.
الحاصل أنه يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير؛ حتى لا نبوء نحن بالكفر أو الفسق.
والحمد لله الحكم إلى الله ولَّا إلينا؟ إلى الله، إذا كان الله لم يكفر هذا الشخص ليش نكفره؟ إذا كفرنا ما لم يكفره الله فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتقي الله. والأصل في المسلم أيش؟ الإسلام، ما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر أو يقول قولًا من الكفر وهو جاهل لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، كيف نقول: إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكنه مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له، وهو لا يدري، نقول: هذا كافر وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!
ولهذا قال العلماء، نصوا على هذا في كتبهم: لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة لكان كافرًا، لكن قالوا: لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي، أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا؛ لأنه جاهل.
إذن قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٧] تدل على أنه لا يمكن أن يُعذَّب أحد إلا بعد الإنذار.
وهل يكفي بلوغ الحجة أو لا بد من فهم الحجة؟
* طلبة: فيه خلاف.
* الشيخ: الثاني، لا بد من فهمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] ليش؟ لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] بلغتهم من أجل أن يبين لهم، فلا بد من فهم الحجة، أنت لو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يدري أيش معناها، هل تقوم عليه الحجة؟ ما تقوم، لو قلت له: يا فلان، أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، ثلاثًا، قال: نعم، وأربعًا وخمسًا فهم من (أطلقت امرأتك) يعني جعلتها طليقة تروح وتيجي، أعجمي ما يدري، قلنا: خلاص بانت منك، لا تحل لك إلا بعد زوج! كم يصيح، يا جماعة كيف هذا الكلام؟ قلنا: نحن سألناك أنك أطلقت زوجتك؟ قلت: نعم، قلنا: ثلاثًا؟ قلت: ثلاثًا وأربعًا، خلاص بانت منك الزوجة، تبين منه ولَّا لا؟ لا تبين، ليش؟ لأنه لا يعرف المعنى.
لكن لو قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا.
* طالب: أيش معناها؟
* الشيخ: هكذا قال الفقهاء، أنه إذا قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا، أنا لو أقولك: واحد عربي يقول لزوجته: بهشتم بهشتم بهشتم، ما تطلق ولو مرة واحدة؛ لأنه لا يعرف.
المهم أن هذه مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، أو يوقع غيره في هلكة، ويوالي ويعادي على غير وجه شرعي، فالبشر حكمهم إلى الله عز وجل، من حكم الله بكفره كفرناه، ومن حكم بفسقه فسقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه. والله أعلم.
* طالب: بعض (...) إذا ماتوا؟
* الشيخ: إذا ماتوا فإن كانوا يدينون بالإسلام ولم يعرفوا أن هذا كفر، فهم لا يعاقبون عليه، وأما إذا بلغوا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فهؤلاء لا يقبل منهم.
* طالب: هو لا بد من فهم؟
* الشيخ: لا بد من فهم، أعجمي وأنت تخاطبه بالعربية وهو لا يعرف.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني فهم الحجة، يعني أن يفهم المعنى، وليس بلازم أن يفهم الأدلة.
ص 38:1
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١] قال المؤلف: (سورة ص مكية)، والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: (ست أو ثمان وثمانون آية) والآيات هي عبارة عن الفواصل التي ستكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسميت آية؛ لأنها معجزة، فإن القرآن كما سبق قد تحدى الله فيه الناس أن يأتوا بحديث مثله وإن قلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة (براءة) فإنه لا يُؤْتَى بها؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل (براءة) بقية الأنفال أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع وأنهم مصيبون فيه قطعًا؛ وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. فلما لم تبقَ باجتهاد من الصحابة عُلِمَ أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة كما تشاهدون جار ومجرور ومضاف إليه وصفة يعني نعتًا، والقاعدة النحوية أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي من شيء يتعلق به. والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول؛ ولهذا قال ناظم الجُمَل قال:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْــــــــنَاهُنَحْــــــــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل أو بما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول.
إذن البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هذا المتعلق؟ أصح ما قيل في متعلق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير (باسم الله أقرأ)، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير باسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير باسم الله أذبح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.]].
وإنما يُقَدَّر فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط، طيب، إذن نقدره فعلًا؛ لأن هو الأصل في العامل ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ؛ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله).
والسبب الثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر تقديمَ ما حقُّه التأخير، طيب، وقدَّرْناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ؛ لأن باسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تُعَيِّن الفعل الذي ابتدأت به. فالحاصل أننا نقدر في البسملة؟
* الطالب: بالعامل.
* الشيخ: نقدره أيش؟
* الطالب: باسم الله.
* الشيخ: إي نعم، ويش نقدِّر العامل؟ يعني متعلق الجار والمجرور نقدره أيش؟
* الطالب: أنه فعل متأخر مناسب..
* الشيخ: نعم، نقدِّرُه فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام. نقدره فعلًا لماذا؟ بندر.
* الطالب: لأن الأصل في العامل الفعل.
* الشيخ: لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا. طيب، ونقدره متأخرًا.
* الطالب: لسببين..
* الشيخ: لسببين؟
* الطالب: التبرك بـ(باسم الله). الثاني: الحصر.
* الشيخ: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله)، الثاني: إفادة الحصر، كيف نقول: إفادة الحصر، ليش؟
* الطالب: القاعدة اذا تَأَخَّر المعمول عن العامل هذا يفيد الحصر.
* الشيخ: الثالث: نقدره بفعل مناسب؟
* الطالب: لأنه أدل على المقصود.
* الشيخ: لأنه أدل على المقصود؛ إذ أنك إذا قَدَّرت (باسم الله أقرأ) كان أدل على المقصود من قولك: باسم الله أبتدئ؛ لأن (أبتدئ) بأي شيء تبتدئ؟ فهو أدل وأخص.
قال الله عز وجل: ﴿ص﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به)؛ وذلك لأن كلمة ﴿ص﴾ حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن حال الحروف الهجائية التي ابتدئ بها بعض السور رموز إلى معانٍ وعيَّنَها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله أو من أسماء الرسول، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف بأنها مجهولة المعنى لا ندري ما معناها.
ولكنَّ القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد رحمه الله، أن نقول: ليس لها معنى؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي لا يُثْبِت معنى لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى، يعني ويش معنى (ص) (ن) (ق) (الم)؟ وما أشبهها، فهي ليس لها معنى في اللغة العربية إذن ليس لها معنى في القرآن؛ لأن القرآن باللغة العربية.
ولكن يُشْكِل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لَغْوٌ ليس منها فائدة.
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها فإنه جاءت لمغزىً عظيم؛ وذلك المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: والله لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدت بعد هذا الحرف ذكرَ القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١] فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحرف الهجائي ذكر القرآن ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾؛ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَنْ تمسك بالقرآن وهو الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي وهو علم الغيب فإن كون الروم غُلِبَت الآن وستغلب في بعض السنين من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن فإن النادر لا حكم له.
قال: ﴿ص﴾ إذن نقول فيها: ﴿ص﴾ حرف هجائي ليس له معنى، لكنه جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز هؤلاء العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا حرف قَسَم؛ ولهذا جرَّت الكلمة التي بعدها ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والواو حرف قسم لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، يعني تختص الواو التي للقسم بأنها لا تدخل على اسم ظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، بخلاف الباء، باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير ويذكر معها فعل القسم ويحذف، وتدخل على كل اسمٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام ١٠٩] فذكر معها فعل القسم، وتقول: ربي به لأفعلن. أو: أقسم به لأفعلن. فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم ما تدخل إلا على الله، ولا يُذْكَر معها فعل القسم وقيل: تدخل على الله وعلى رَبِّ، قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ .......... والتَّاءُ لِلَّهِ وَ(رَبْ)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وأكثر ما يقسم الله به الواو؛ وذلك لأنها هي الأكثر على الألسُن فجاءت الأكثر في القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة.
وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال المؤلف: (أي البيان أو الشرف) يعني أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف مَنْ يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فهو ذِكْر يُذْكَر به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ذِكْر يتذكر به الناس ويتعظون به وهو أعظم موعظة، ذِكْر أي: شرف لمن تمسك به، إذن هو ذكر لكونه يُذَكِّر الناس ويعظهم؛ ذكر لأنه ذُكِر فيه ما أيش؟ ما يتعلق بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ذكر لأنه شرف لمن يتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال: (وجواب هذا القسم محذوف) لِمَ قال المؤلف: (وجواب هذا القسم)؟ لأنه ما من قسم إلا وله جواب؛ إذ إن القسم أركانه ثلاثة، بل أربعة: مُقْسِم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وصيغة، كل قَسَم لا بد فيه من هذا، وهي أربعة..
* طالب: صيغة، ومقسِم، ومقسَم به، الجواب، هذه أربع.
* طالب آخر: مقسِم، ومقسَم عليه، و ومقسَم به، وصيغة.
* الشيخ: طيب، إذن لا بد فيه من أربعة أركان: مقسِم، ومقسَم به، ومقسم عليه، وصيغة.
المقسم عليه هو جواب القسم، إذن لا بد لكل قسم من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيُعَيِّنه السياق. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور ٥٣] الجواب هنا مذكور ولَّا لا؟ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] مذكور ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
في هذه الآية قد وُجِدَ المقسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمقسِم هو الله، بقي المقسم عليه وهو جواب القسم، يقول المؤلف: (إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة) هذا التقدير، فيكون جواب القسم جملة منفية، (ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة)، ولكن الأمر أن الإله واحد وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعين؛ يعني: لو قال قائل: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إن إلهكم لواحد، لو قال قائل هكذا حصل به ما حصل من قول المؤلف ما الأمر كما قال كفار مكة، وذهب بعض العلماء إلى أن مِثْل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة ١ - ٣]، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٥] ما فيه جواب، فيكون المقسَم به متضمنًا للجواب، كيف يكون متضمنًا الجواب في هذه الجملة القَسَمية؟ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني أنكم قد ذُكِّرْتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذكر به أن الله واحد، وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إلى أن القسم أحيانًا لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يُعْلَم من السياق المقسَم به.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ٢] ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طلبة: الإبطالي.
* الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الإبطالي إبطال ما سبق، كأنه مَسَحَه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار ما سبق لكنه انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذه الإضراب يكون باقيًا غير باطل.
قال: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذا الطريق -أعني أن يخص القرآن ببعض أفراد العام- ليس بسديد ولا جيد؛ وذلك لأنه نقص في التفسير إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب أيش؟ الواجب الأخذ بالعموم؛ لأنه أعم وأكثر معنى، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّةٍ﴾، وليس عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] لكنها عزة أَنَفة وكبرياء وعناد؛ ولهذا قال: (حَمِيَّة وتكبر عن الإيمان)، وهذه عزة مذمومة؛ لأنها عِزَّةٌ تَمْنَع صاحبها من قبول الحق، وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها، وبينهما فرق كبير.
قال: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مُشاقَّة. فشقاق مصدر شاقَّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة، مشاقة لمن؟ مشاقة لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال ١٣]، وهنا قال المؤلف: (خلاف عداوة للنبي ﷺ) وهذا أيضًا فيه نظر، كيف؟ لأنه خَصَّ الشقاق بِمَنْ؟ بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقُّون الله ورسوله فهم في أنفة وكبرياء وحَمِيَّة ومشاقة لله ولرسوله، يعني أنهم يجانبون ما أمر الله به ورسوله كأنما يكونون في شِق، وما جاء به الوحي في شق آخر، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ولربما يقول قائل: إنهم أيضًا في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤].
قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص ٣] (﴿كَمْ﴾ أي كثيرًا أهلكنا) عندكم (أي كثيرًا) بالنصب؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: (أي كثيرًا ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم).
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدَّرَها المؤلف بقوله: (كثيرًا) وعلى هذا فتكون (كم) تكثيريَّة، وهي منصوبة على أنها مفعول مقدم لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ﴿كَمْ﴾؛ لأن كم اسم مبهَم يحتاج إلى تمييز؛ أي: إلى شيء يُبَيِّنها ويميزها. فلو قليل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما تَبَيَّن الكلام، ويش (أهلك)؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تبين الكلام؛ ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لأيش؟ لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ﴿مِنْ﴾.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أُمَّة، والمعنى أن الله أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، فإنه حري أن يهلك هؤلاء. لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين للرسول ﷺ كان بأيدي المؤمنين. فالحروب والقتال الذي وقع بين الرسول ﷺ كان عذابًا لهؤلاء المكذبين، وكان على يد النبي ﷺ وأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه لا شك أنه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا شيء مُشاهَد إذا كانت غلبة عدوك على يدك كان أشفى لصدرك وأحيا لنفسك وأقوى وأعز مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده؛ فلهذا كان هلاك المكذبين للرسول ﷺ كان على يد الرسول ﷺ وأصحابه، والله أعلم.
(...) تعود على الألفاظ باعتبار لفظها ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائدًا على اللفظ، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائدًا على المعنى؛ لأن الطائفة جماعة، إذن ﴿فَنَادَوْا﴾ أي القرن فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: (حين نزول العذاب بهم)، ولكن نَادَوْا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، ولكن لا يمكن؟ أو المعنى أنه نَادَوُا الله أي: دعوه أي يغيثهم؟ أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟
القاعدة عندنا في التفسير أنه متى كان اللفظ صالحًا لمعنيين فأكثر فإنه يُحمل عليهما جميعًا، وعلى هذا فيكون ﴿نَادَوْا﴾ محذوف المفعول من أجل العموم، أي أن بعضهم ينادي بعضًا: يا فلان أغثني، أغثني. كذلك ينادون الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿لَاتَ﴾ هذه (لا) النافية زِيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ كما زيدت تاء التأنيث في (رُبَّت) وفي (ثمت) لتأنيث اللفظ، تقول: رب رجل لقيتُه، وتقول: ربت رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثم قام عمرو، وتقول: قام زيد ثمت قام عمرو، فإذن هي (لا) النافية زيدت عليها أيش؟ تاء التأنيث؛ لماذا؟ لتأنيث اللفظ، هذه (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والتقدير (أي: ليس الحين حين) فسرها المؤلف بالمعنى، فعليه تقول: (لا) بمعنى ليس، واسمها محذوف تقديره الحين، وخبرها موجود وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والغالب أن خبر (لا) يكون زمانًا، هذا الغالب، لا يأتي إلا زمانًا.
قال الشاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ∗∗∗ ............................
يعني وليست الساعة ساعة مندم.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص الفرار والنجاة؛ يعني: ليس الحين حين فرار ونجاة؛ لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة) ليش؟ لتأنيث اللفظ، (والجملة حال من فاعل ﴿نَادَوْا﴾ ) وعلى هذا فتكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائمًا في محل نصب، يعني: نادَوْا في حال لا مناص لهم مما نزل به؛ ولهذا قدرها المؤلف: (أي استغاثوا والحال ألا مهرب ولا منجى).
هذا ما قَدَّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي أنها حالية فتكون مُقيَّدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية فـنادوا، ثم يخبر الله عز وجل أن هذا الوقت ليس وقت مَفَرٍّ.
الفرق بين قولنا: (استئنافية) و(حاليَّة) أنه إذا كانت حالية صارت قيدًا للمناداة؛ يعني: نادوا في حال لا ينفعهم النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيديَّة عما قبلها، يكون الله أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار.
قال المؤلف: (وما اعتبر بهم كفار مكة) وهذه هي الثمرة من ذكر أن الله أهلك قرونًا كثيرًا فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذَوْه، وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن. وكل وصف ينفر الناس عنه وصفوه به ﷺ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص ٤] ﴿عَجِبُوا﴾ العجب يكون له سببان:
السبب الأول: الإنكار.
والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا أي: استحسنه. عجب من كذا يعني أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تُسَمَّى عند علماء العربية الأضداد في اللغة.
العجب تارة يكون استحسانًا وتارة يكون استنكارًا؛ فقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه»[[أخرج البخاري واللفظ له (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٧٦) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنَ في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله.]]. المراد بالإعجاب هنا الاستحسان.
وهنا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هذا عجب استنكار، ليس عجب رضا واستحسان، بل هو عحب استنكار ورَدٍّ، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ٢]، هنا نظيره قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير مِنْ، أي: عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحَوَّل إلى مصدر أي: عجبوا من مجيء المنذر منهم.
وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر هو المخبِر بالخبر للتخويف؛ ولهذا نقول: إن الإنذار خَبَرٌ مقرون بتخويف والنبي ﷺ كان مُنْذِرًا وكان مبشرًا، ولكن الكفار يليق بحالهم أيش؟ الإنذار؛ ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، والتبشير يكون لمن؟ للمؤمنين.
وهنا قال: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق بحالهم.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ نَسَبًا وجنسًا؛ فهو منهم جنسًا لأنه بشر، ولم ينزل الله تعالى رسولًا على البشر من الملائكة. نسبًا؛ لأنه من قريش، فهو منهم جنسًا ونسبًا ومع ذلك عجبوا.
قال المؤلف: (رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث) أي: بعد أن يُبْعَثوا، وهو النبي ﷺ. عجبوا عجب استنكار ورَفْضٍ ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالأول بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذبًا خائنا، والعياذ بالله.
طيب، إذن معاداتهم لهم ليس لشخصه، ولكن أيش؟ لما جاء به.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، وكيف يكون الكلام لو أُتِي بالمضمر؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار:
أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا تَغَيَّر نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه، بخلاف ما إذا كان على نسق واحد فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه.
ثانيًا: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ لأنه لو قال: وقالوا: هذا ساحر كذاب لم نعرف حكمهم، فإذا قال: وقال الكافرون عرفنا أنهم أيش؟ أنهم كافرون.
الثالث: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعُد أن يأتي مِنْ غيرهم مثل ما أتى منهم؛ لأنه إذا كانت العلة واحدة، فمتى وُجِدَت هذه العلة حصل المعلول من أي شخص كان. فهذه فوائد الإظهار في موضع الإضمار، يقولها لنا عيسى.
* طالب: تنبيه المخاطب.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: الإعلام بأن هؤلاء كافرون.
* الشيخ: نعم، الثالث؟
* الطالب: التسجيل على الكفار بالكفر.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تسجيل الكفر على الكفار.
* الشيخ: هذا اللي قال الأخ.
* الطالب: تعليل الحكم.
* الشيخ: يعني: تعليل هذا القول بأن الحامل عليه هو الكفر فيكون هذا متعديًّا لغيرهم، يعني كل كافر يقول هذا الكلام، طيب.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يشيرون إلى مَنْ؟ إلى المنذر منهم وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين أمرين، وَصْفَيْن ذميمين، ﴿سَاحِرٌ﴾؛ لأنه يسبي عقول الناس، ﴿كَذَّابٌ﴾؛ لأن ما جاء به كذب غير مطابقٍ للواقع، فصار الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أصدق الخلق صار عندهم كذابًا، ولم يقولوا: كاذبًا؛ لأن كذابًا تكون صفة للمتصف بها، كما تقول: نَجَّار، وحداد، وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناس قراءته تَأَثَّرُوا بها تأثُّرًا عظيمًا، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ يسمعون قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة ، فكان كفار قريش يقولون: إن محمدًا سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر لقوة تأثيره فيهم، ﴿كَذَّابٌ﴾ يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له، طيب، مَنِ الكاذب؟ الكاذب هو المخبِر بخلاف الواقع، كل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذَبك.
قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا مَصَبُّ الإنكار، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا الاستفهام يحمل معنيين:
المعنى الأول: التعجب الاستنكاري.
والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ؛ حيث جعل الآلهة إلهًا واحدًا، هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبت مفعولين: الأول: ﴿الْآلِهَةَ﴾، والثاني: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾، يعني: أصيَّر محمدٌ الآلهةَ إلهًا واحدًا، وهم يعبدون آلهة متعددة؛ اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وغيرها من الأصنام، كيف يأتي محمد ويقول: ليس فيه آلهة إلا الله؟ هذا عندهم من أكبر الكذب.
طيب، يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ من حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ وهذا من جهلهم وغباواتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهًا واحدًا. فنقول لهم: مَنِ الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله، كم هذه؟ ويش جوابها؟ واحد. إذا كان الخالق هو الله وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد. ومن وَسِع الخلق خلقًا وسعهم تَعَبُّدًا فإذا كانت الآلهة لم تَخْلُق شيئًا بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون إلهًا؟ وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في واحد.
ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه جَعْلُه الآلهة إلهًا واحدًا؛ يعني: إن جعله الآلهة إلهًا واحدًا ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة ﴿عُجَابٌ﴾ أبلغ من كلمة عجيب؛ لأنها تدل على المبالغة أي: لشيءٌ يتعجب منه الإنسان عجبًا عظيمًا كثيرًا؛ ولهذا عدلوا عن عجيب إلى ﴿عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ ولم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء. فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه؛ ولهذا قال: ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾، والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء. والأشراف والكبراء والوجهاء هم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردِّ والرفض خوفًا على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل، ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف، أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول مَنْ ينقاد للرسل.
هنا ينطلق الملأ منهم، ينطلقون من أي شيء؟ من كل مكان اجتمعوا فيه، كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد ينطلقون هذا الانطلاق.
وأما قول المؤلف: (﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من أن النبي ﷺ قولوا: لا إله إلا الله) فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو المعنى العام على المعنى الخاص، وهذا نقص بلا شك إلا إذا قام الدليل على ذلك فليُتْبَع الدليل فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هذا عام، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المراد بالناس الخاص ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليس كل الناس جمعوا للرسول ﷺ، الذين لم تبلغهم الدعوة ما جمعوا له فيكون هذا تفسيرنا الناس بخاص في هذه الآية تفسيرًا دل عليه الواقع أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إن كان من العام، وعلى إطلاقه إن كان من المطلق.
طيب هنا نقول: المؤلف رحمه الله جعل الانطلاق من مجلس خاص، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه عند رسول الله ﷺ وهو عند أبي طالب حين قال: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الترمذي (٣٢٣٢) بسنده عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله». فقالوا: إلهًا واحدًا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ١ - ٧].]]، ولكن الأولى أن نجعله عامًّا يشمل هذا المجلس وغيره.
﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ هل المراد هنا المشي بالقدم أو المراد المشي بالطريقة؛ يعني: سيروا على طريقتكم واصبروا عل آلهتكم؟
من نظر إلى الانطلاق ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم؛ يعني: إنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضًا على المشي والسير لئلا يعودوا، فيعرجون على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فرارًا فيوصي بعضهم بعضًا بالمشي، وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن المراد بذلك أيش؟ المشي على الطريقة يعني: سيروا على طريقتكم، ولا يهمنكم أحد.
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني احبسوا أنفسكم عليها، لا تحيدوا عنها، وهذا من باب التواصي بماذا؟ بالباطل.
(يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ). ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: اثبتوا عليها في عبادتها والدفاع عنها وعدم قبول كل شيء يبطلها، اصبروا.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَنْ جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أن هذا الرجل قال قولًا يريده فهو جادٌّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريده بما يحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول باللسان والقلب تجده يصمم ويعزم على أن يُنَفِّذ ما قال، لكن الذي لا يريد يكون قوله سطحيًّا.
فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ من يريده؟ قائله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف من قال قولًا لا يريده مثل أن يقول القول مجاملة أو من أجل إمضاء الوقت أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ما هذا النداء؟
* طالب: (...) للاستغاثة.
* الشيخ: نعم، لكن من ينادون؟
* الطالب:عام، ينادون أنفسهم (...) وينادون الله.
* الشيخ: لطلب الغوث؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ كيف تعرب (لات)؟
* طالب: لا نافية للجنس وتعمل عمل ليس، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، واسم (لا) محذوف وتقديره الحين، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، وما معنى ﴿مَنَاصٍ﴾؟
* الطالب: ﴿مَنَاصٍ﴾ أي: الفرار والنجاة.
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.
ص 38:2
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١] قال المؤلف: (سورة ص مكية)، والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: (ست أو ثمان وثمانون آية) والآيات هي عبارة عن الفواصل التي ستكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسميت آية؛ لأنها معجزة، فإن القرآن كما سبق قد تحدى الله فيه الناس أن يأتوا بحديث مثله وإن قلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة (براءة) فإنه لا يُؤْتَى بها؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل (براءة) بقية الأنفال أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع وأنهم مصيبون فيه قطعًا؛ وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. فلما لم تبقَ باجتهاد من الصحابة عُلِمَ أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة كما تشاهدون جار ومجرور ومضاف إليه وصفة يعني نعتًا، والقاعدة النحوية أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي من شيء يتعلق به. والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول؛ ولهذا قال ناظم الجُمَل قال:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْــــــــنَاهُنَحْــــــــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل أو بما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول.
إذن البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هذا المتعلق؟ أصح ما قيل في متعلق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير (باسم الله أقرأ)، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير باسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير باسم الله أذبح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.]].
وإنما يُقَدَّر فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط، طيب، إذن نقدره فعلًا؛ لأن هو الأصل في العامل ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ؛ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله).
والسبب الثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر تقديمَ ما حقُّه التأخير، طيب، وقدَّرْناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ؛ لأن باسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تُعَيِّن الفعل الذي ابتدأت به. فالحاصل أننا نقدر في البسملة؟
* الطالب: بالعامل.
* الشيخ: نقدره أيش؟
* الطالب: باسم الله.
* الشيخ: إي نعم، ويش نقدِّر العامل؟ يعني متعلق الجار والمجرور نقدره أيش؟
* الطالب: أنه فعل متأخر مناسب..
* الشيخ: نعم، نقدِّرُه فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام. نقدره فعلًا لماذا؟ بندر.
* الطالب: لأن الأصل في العامل الفعل.
* الشيخ: لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا. طيب، ونقدره متأخرًا.
* الطالب: لسببين..
* الشيخ: لسببين؟
* الطالب: التبرك بـ(باسم الله). الثاني: الحصر.
* الشيخ: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله)، الثاني: إفادة الحصر، كيف نقول: إفادة الحصر، ليش؟
* الطالب: القاعدة اذا تَأَخَّر المعمول عن العامل هذا يفيد الحصر.
* الشيخ: الثالث: نقدره بفعل مناسب؟
* الطالب: لأنه أدل على المقصود.
* الشيخ: لأنه أدل على المقصود؛ إذ أنك إذا قَدَّرت (باسم الله أقرأ) كان أدل على المقصود من قولك: باسم الله أبتدئ؛ لأن (أبتدئ) بأي شيء تبتدئ؟ فهو أدل وأخص.
قال الله عز وجل: ﴿ص﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به)؛ وذلك لأن كلمة ﴿ص﴾ حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن حال الحروف الهجائية التي ابتدئ بها بعض السور رموز إلى معانٍ وعيَّنَها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله أو من أسماء الرسول، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف بأنها مجهولة المعنى لا ندري ما معناها.
ولكنَّ القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد رحمه الله، أن نقول: ليس لها معنى؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي لا يُثْبِت معنى لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى، يعني ويش معنى (ص) (ن) (ق) (الم)؟ وما أشبهها، فهي ليس لها معنى في اللغة العربية إذن ليس لها معنى في القرآن؛ لأن القرآن باللغة العربية.
ولكن يُشْكِل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لَغْوٌ ليس منها فائدة.
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها فإنه جاءت لمغزىً عظيم؛ وذلك المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: والله لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدت بعد هذا الحرف ذكرَ القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١] فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحرف الهجائي ذكر القرآن ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾؛ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَنْ تمسك بالقرآن وهو الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي وهو علم الغيب فإن كون الروم غُلِبَت الآن وستغلب في بعض السنين من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن فإن النادر لا حكم له.
قال: ﴿ص﴾ إذن نقول فيها: ﴿ص﴾ حرف هجائي ليس له معنى، لكنه جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز هؤلاء العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا حرف قَسَم؛ ولهذا جرَّت الكلمة التي بعدها ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والواو حرف قسم لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، يعني تختص الواو التي للقسم بأنها لا تدخل على اسم ظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، بخلاف الباء، باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير ويذكر معها فعل القسم ويحذف، وتدخل على كل اسمٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام ١٠٩] فذكر معها فعل القسم، وتقول: ربي به لأفعلن. أو: أقسم به لأفعلن. فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم ما تدخل إلا على الله، ولا يُذْكَر معها فعل القسم وقيل: تدخل على الله وعلى رَبِّ، قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ .......... والتَّاءُ لِلَّهِ وَ(رَبْ)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وأكثر ما يقسم الله به الواو؛ وذلك لأنها هي الأكثر على الألسُن فجاءت الأكثر في القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة.
وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال المؤلف: (أي البيان أو الشرف) يعني أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف مَنْ يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فهو ذِكْر يُذْكَر به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ذِكْر يتذكر به الناس ويتعظون به وهو أعظم موعظة، ذِكْر أي: شرف لمن تمسك به، إذن هو ذكر لكونه يُذَكِّر الناس ويعظهم؛ ذكر لأنه ذُكِر فيه ما أيش؟ ما يتعلق بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ذكر لأنه شرف لمن يتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال: (وجواب هذا القسم محذوف) لِمَ قال المؤلف: (وجواب هذا القسم)؟ لأنه ما من قسم إلا وله جواب؛ إذ إن القسم أركانه ثلاثة، بل أربعة: مُقْسِم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وصيغة، كل قَسَم لا بد فيه من هذا، وهي أربعة..
* طالب: صيغة، ومقسِم، ومقسَم به، الجواب، هذه أربع.
* طالب آخر: مقسِم، ومقسَم عليه، و ومقسَم به، وصيغة.
* الشيخ: طيب، إذن لا بد فيه من أربعة أركان: مقسِم، ومقسَم به، ومقسم عليه، وصيغة.
المقسم عليه هو جواب القسم، إذن لا بد لكل قسم من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيُعَيِّنه السياق. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور ٥٣] الجواب هنا مذكور ولَّا لا؟ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] مذكور ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
في هذه الآية قد وُجِدَ المقسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمقسِم هو الله، بقي المقسم عليه وهو جواب القسم، يقول المؤلف: (إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة) هذا التقدير، فيكون جواب القسم جملة منفية، (ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة)، ولكن الأمر أن الإله واحد وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعين؛ يعني: لو قال قائل: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إن إلهكم لواحد، لو قال قائل هكذا حصل به ما حصل من قول المؤلف ما الأمر كما قال كفار مكة، وذهب بعض العلماء إلى أن مِثْل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة ١ - ٣]، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٥] ما فيه جواب، فيكون المقسَم به متضمنًا للجواب، كيف يكون متضمنًا الجواب في هذه الجملة القَسَمية؟ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني أنكم قد ذُكِّرْتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذكر به أن الله واحد، وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إلى أن القسم أحيانًا لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يُعْلَم من السياق المقسَم به.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ٢] ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طلبة: الإبطالي.
* الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الإبطالي إبطال ما سبق، كأنه مَسَحَه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار ما سبق لكنه انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذه الإضراب يكون باقيًا غير باطل.
قال: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذا الطريق -أعني أن يخص القرآن ببعض أفراد العام- ليس بسديد ولا جيد؛ وذلك لأنه نقص في التفسير إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب أيش؟ الواجب الأخذ بالعموم؛ لأنه أعم وأكثر معنى، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّةٍ﴾، وليس عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] لكنها عزة أَنَفة وكبرياء وعناد؛ ولهذا قال: (حَمِيَّة وتكبر عن الإيمان)، وهذه عزة مذمومة؛ لأنها عِزَّةٌ تَمْنَع صاحبها من قبول الحق، وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها، وبينهما فرق كبير.
قال: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مُشاقَّة. فشقاق مصدر شاقَّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة، مشاقة لمن؟ مشاقة لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال ١٣]، وهنا قال المؤلف: (خلاف عداوة للنبي ﷺ) وهذا أيضًا فيه نظر، كيف؟ لأنه خَصَّ الشقاق بِمَنْ؟ بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقُّون الله ورسوله فهم في أنفة وكبرياء وحَمِيَّة ومشاقة لله ولرسوله، يعني أنهم يجانبون ما أمر الله به ورسوله كأنما يكونون في شِق، وما جاء به الوحي في شق آخر، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ولربما يقول قائل: إنهم أيضًا في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤].
قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص ٣] (﴿كَمْ﴾ أي كثيرًا أهلكنا) عندكم (أي كثيرًا) بالنصب؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: (أي كثيرًا ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم).
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدَّرَها المؤلف بقوله: (كثيرًا) وعلى هذا فتكون (كم) تكثيريَّة، وهي منصوبة على أنها مفعول مقدم لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ﴿كَمْ﴾؛ لأن كم اسم مبهَم يحتاج إلى تمييز؛ أي: إلى شيء يُبَيِّنها ويميزها. فلو قليل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما تَبَيَّن الكلام، ويش (أهلك)؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تبين الكلام؛ ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لأيش؟ لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ﴿مِنْ﴾.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أُمَّة، والمعنى أن الله أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، فإنه حري أن يهلك هؤلاء. لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين للرسول ﷺ كان بأيدي المؤمنين. فالحروب والقتال الذي وقع بين الرسول ﷺ كان عذابًا لهؤلاء المكذبين، وكان على يد النبي ﷺ وأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه لا شك أنه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا شيء مُشاهَد إذا كانت غلبة عدوك على يدك كان أشفى لصدرك وأحيا لنفسك وأقوى وأعز مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده؛ فلهذا كان هلاك المكذبين للرسول ﷺ كان على يد الرسول ﷺ وأصحابه، والله أعلم.
(...) تعود على الألفاظ باعتبار لفظها ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائدًا على اللفظ، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائدًا على المعنى؛ لأن الطائفة جماعة، إذن ﴿فَنَادَوْا﴾ أي القرن فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: (حين نزول العذاب بهم)، ولكن نَادَوْا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، ولكن لا يمكن؟ أو المعنى أنه نَادَوُا الله أي: دعوه أي يغيثهم؟ أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟
القاعدة عندنا في التفسير أنه متى كان اللفظ صالحًا لمعنيين فأكثر فإنه يُحمل عليهما جميعًا، وعلى هذا فيكون ﴿نَادَوْا﴾ محذوف المفعول من أجل العموم، أي أن بعضهم ينادي بعضًا: يا فلان أغثني، أغثني. كذلك ينادون الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿لَاتَ﴾ هذه (لا) النافية زِيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ كما زيدت تاء التأنيث في (رُبَّت) وفي (ثمت) لتأنيث اللفظ، تقول: رب رجل لقيتُه، وتقول: ربت رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثم قام عمرو، وتقول: قام زيد ثمت قام عمرو، فإذن هي (لا) النافية زيدت عليها أيش؟ تاء التأنيث؛ لماذا؟ لتأنيث اللفظ، هذه (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والتقدير (أي: ليس الحين حين) فسرها المؤلف بالمعنى، فعليه تقول: (لا) بمعنى ليس، واسمها محذوف تقديره الحين، وخبرها موجود وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والغالب أن خبر (لا) يكون زمانًا، هذا الغالب، لا يأتي إلا زمانًا.
قال الشاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ∗∗∗ ............................
يعني وليست الساعة ساعة مندم.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص الفرار والنجاة؛ يعني: ليس الحين حين فرار ونجاة؛ لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة) ليش؟ لتأنيث اللفظ، (والجملة حال من فاعل ﴿نَادَوْا﴾ ) وعلى هذا فتكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائمًا في محل نصب، يعني: نادَوْا في حال لا مناص لهم مما نزل به؛ ولهذا قدرها المؤلف: (أي استغاثوا والحال ألا مهرب ولا منجى).
هذا ما قَدَّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي أنها حالية فتكون مُقيَّدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية فـنادوا، ثم يخبر الله عز وجل أن هذا الوقت ليس وقت مَفَرٍّ.
الفرق بين قولنا: (استئنافية) و(حاليَّة) أنه إذا كانت حالية صارت قيدًا للمناداة؛ يعني: نادوا في حال لا ينفعهم النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيديَّة عما قبلها، يكون الله أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار.
قال المؤلف: (وما اعتبر بهم كفار مكة) وهذه هي الثمرة من ذكر أن الله أهلك قرونًا كثيرًا فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذَوْه، وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن. وكل وصف ينفر الناس عنه وصفوه به ﷺ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص ٤] ﴿عَجِبُوا﴾ العجب يكون له سببان:
السبب الأول: الإنكار.
والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا أي: استحسنه. عجب من كذا يعني أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تُسَمَّى عند علماء العربية الأضداد في اللغة.
العجب تارة يكون استحسانًا وتارة يكون استنكارًا؛ فقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه»[[أخرج البخاري واللفظ له (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٧٦) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنَ في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله.]]. المراد بالإعجاب هنا الاستحسان.
وهنا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هذا عجب استنكار، ليس عجب رضا واستحسان، بل هو عحب استنكار ورَدٍّ، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ٢]، هنا نظيره قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير مِنْ، أي: عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحَوَّل إلى مصدر أي: عجبوا من مجيء المنذر منهم.
وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر هو المخبِر بالخبر للتخويف؛ ولهذا نقول: إن الإنذار خَبَرٌ مقرون بتخويف والنبي ﷺ كان مُنْذِرًا وكان مبشرًا، ولكن الكفار يليق بحالهم أيش؟ الإنذار؛ ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، والتبشير يكون لمن؟ للمؤمنين.
وهنا قال: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق بحالهم.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ نَسَبًا وجنسًا؛ فهو منهم جنسًا لأنه بشر، ولم ينزل الله تعالى رسولًا على البشر من الملائكة. نسبًا؛ لأنه من قريش، فهو منهم جنسًا ونسبًا ومع ذلك عجبوا.
قال المؤلف: (رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث) أي: بعد أن يُبْعَثوا، وهو النبي ﷺ. عجبوا عجب استنكار ورَفْضٍ ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالأول بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذبًا خائنا، والعياذ بالله.
طيب، إذن معاداتهم لهم ليس لشخصه، ولكن أيش؟ لما جاء به.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، وكيف يكون الكلام لو أُتِي بالمضمر؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار:
أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا تَغَيَّر نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه، بخلاف ما إذا كان على نسق واحد فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه.
ثانيًا: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ لأنه لو قال: وقالوا: هذا ساحر كذاب لم نعرف حكمهم، فإذا قال: وقال الكافرون عرفنا أنهم أيش؟ أنهم كافرون.
الثالث: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعُد أن يأتي مِنْ غيرهم مثل ما أتى منهم؛ لأنه إذا كانت العلة واحدة، فمتى وُجِدَت هذه العلة حصل المعلول من أي شخص كان. فهذه فوائد الإظهار في موضع الإضمار، يقولها لنا عيسى.
* طالب: تنبيه المخاطب.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: الإعلام بأن هؤلاء كافرون.
* الشيخ: نعم، الثالث؟
* الطالب: التسجيل على الكفار بالكفر.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تسجيل الكفر على الكفار.
* الشيخ: هذا اللي قال الأخ.
* الطالب: تعليل الحكم.
* الشيخ: يعني: تعليل هذا القول بأن الحامل عليه هو الكفر فيكون هذا متعديًّا لغيرهم، يعني كل كافر يقول هذا الكلام، طيب.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يشيرون إلى مَنْ؟ إلى المنذر منهم وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين أمرين، وَصْفَيْن ذميمين، ﴿سَاحِرٌ﴾؛ لأنه يسبي عقول الناس، ﴿كَذَّابٌ﴾؛ لأن ما جاء به كذب غير مطابقٍ للواقع، فصار الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أصدق الخلق صار عندهم كذابًا، ولم يقولوا: كاذبًا؛ لأن كذابًا تكون صفة للمتصف بها، كما تقول: نَجَّار، وحداد، وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناس قراءته تَأَثَّرُوا بها تأثُّرًا عظيمًا، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ يسمعون قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة ، فكان كفار قريش يقولون: إن محمدًا سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر لقوة تأثيره فيهم، ﴿كَذَّابٌ﴾ يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له، طيب، مَنِ الكاذب؟ الكاذب هو المخبِر بخلاف الواقع، كل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذَبك.
قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا مَصَبُّ الإنكار، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا الاستفهام يحمل معنيين:
المعنى الأول: التعجب الاستنكاري.
والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ؛ حيث جعل الآلهة إلهًا واحدًا، هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبت مفعولين: الأول: ﴿الْآلِهَةَ﴾، والثاني: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾، يعني: أصيَّر محمدٌ الآلهةَ إلهًا واحدًا، وهم يعبدون آلهة متعددة؛ اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وغيرها من الأصنام، كيف يأتي محمد ويقول: ليس فيه آلهة إلا الله؟ هذا عندهم من أكبر الكذب.
طيب، يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ من حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ وهذا من جهلهم وغباواتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهًا واحدًا. فنقول لهم: مَنِ الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله، كم هذه؟ ويش جوابها؟ واحد. إذا كان الخالق هو الله وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد. ومن وَسِع الخلق خلقًا وسعهم تَعَبُّدًا فإذا كانت الآلهة لم تَخْلُق شيئًا بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون إلهًا؟ وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في واحد.
ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه جَعْلُه الآلهة إلهًا واحدًا؛ يعني: إن جعله الآلهة إلهًا واحدًا ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة ﴿عُجَابٌ﴾ أبلغ من كلمة عجيب؛ لأنها تدل على المبالغة أي: لشيءٌ يتعجب منه الإنسان عجبًا عظيمًا كثيرًا؛ ولهذا عدلوا عن عجيب إلى ﴿عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ ولم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء. فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه؛ ولهذا قال: ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾، والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء. والأشراف والكبراء والوجهاء هم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردِّ والرفض خوفًا على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل، ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف، أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول مَنْ ينقاد للرسل.
هنا ينطلق الملأ منهم، ينطلقون من أي شيء؟ من كل مكان اجتمعوا فيه، كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد ينطلقون هذا الانطلاق.
وأما قول المؤلف: (﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من أن النبي ﷺ قولوا: لا إله إلا الله) فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو المعنى العام على المعنى الخاص، وهذا نقص بلا شك إلا إذا قام الدليل على ذلك فليُتْبَع الدليل فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هذا عام، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المراد بالناس الخاص ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليس كل الناس جمعوا للرسول ﷺ، الذين لم تبلغهم الدعوة ما جمعوا له فيكون هذا تفسيرنا الناس بخاص في هذه الآية تفسيرًا دل عليه الواقع أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إن كان من العام، وعلى إطلاقه إن كان من المطلق.
طيب هنا نقول: المؤلف رحمه الله جعل الانطلاق من مجلس خاص، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه عند رسول الله ﷺ وهو عند أبي طالب حين قال: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الترمذي (٣٢٣٢) بسنده عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله». فقالوا: إلهًا واحدًا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ١ - ٧].]]، ولكن الأولى أن نجعله عامًّا يشمل هذا المجلس وغيره.
﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ هل المراد هنا المشي بالقدم أو المراد المشي بالطريقة؛ يعني: سيروا على طريقتكم واصبروا عل آلهتكم؟
من نظر إلى الانطلاق ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم؛ يعني: إنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضًا على المشي والسير لئلا يعودوا، فيعرجون على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فرارًا فيوصي بعضهم بعضًا بالمشي، وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن المراد بذلك أيش؟ المشي على الطريقة يعني: سيروا على طريقتكم، ولا يهمنكم أحد.
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني احبسوا أنفسكم عليها، لا تحيدوا عنها، وهذا من باب التواصي بماذا؟ بالباطل.
(يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ). ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: اثبتوا عليها في عبادتها والدفاع عنها وعدم قبول كل شيء يبطلها، اصبروا.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَنْ جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أن هذا الرجل قال قولًا يريده فهو جادٌّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريده بما يحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول باللسان والقلب تجده يصمم ويعزم على أن يُنَفِّذ ما قال، لكن الذي لا يريد يكون قوله سطحيًّا.
فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ من يريده؟ قائله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف من قال قولًا لا يريده مثل أن يقول القول مجاملة أو من أجل إمضاء الوقت أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ما هذا النداء؟
* طالب: (...) للاستغاثة.
* الشيخ: نعم، لكن من ينادون؟
* الطالب:عام، ينادون أنفسهم (...) وينادون الله.
* الشيخ: لطلب الغوث؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ كيف تعرب (لات)؟
* طالب: لا نافية للجنس وتعمل عمل ليس، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، واسم (لا) محذوف وتقديره الحين، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، وما معنى ﴿مَنَاصٍ﴾؟
* الطالب: ﴿مَنَاصٍ﴾ أي: الفرار والنجاة.
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.
ص 38:3
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١] قال المؤلف: (سورة ص مكية)، والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: (ست أو ثمان وثمانون آية) والآيات هي عبارة عن الفواصل التي ستكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسميت آية؛ لأنها معجزة، فإن القرآن كما سبق قد تحدى الله فيه الناس أن يأتوا بحديث مثله وإن قلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة (براءة) فإنه لا يُؤْتَى بها؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل (براءة) بقية الأنفال أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع وأنهم مصيبون فيه قطعًا؛ وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. فلما لم تبقَ باجتهاد من الصحابة عُلِمَ أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة كما تشاهدون جار ومجرور ومضاف إليه وصفة يعني نعتًا، والقاعدة النحوية أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي من شيء يتعلق به. والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول؛ ولهذا قال ناظم الجُمَل قال:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْــــــــنَاهُنَحْــــــــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل أو بما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول.
إذن البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هذا المتعلق؟ أصح ما قيل في متعلق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير (باسم الله أقرأ)، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير باسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير باسم الله أذبح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.]].
وإنما يُقَدَّر فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط، طيب، إذن نقدره فعلًا؛ لأن هو الأصل في العامل ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ؛ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله).
والسبب الثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر تقديمَ ما حقُّه التأخير، طيب، وقدَّرْناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ؛ لأن باسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تُعَيِّن الفعل الذي ابتدأت به. فالحاصل أننا نقدر في البسملة؟
* الطالب: بالعامل.
* الشيخ: نقدره أيش؟
* الطالب: باسم الله.
* الشيخ: إي نعم، ويش نقدِّر العامل؟ يعني متعلق الجار والمجرور نقدره أيش؟
* الطالب: أنه فعل متأخر مناسب..
* الشيخ: نعم، نقدِّرُه فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام. نقدره فعلًا لماذا؟ بندر.
* الطالب: لأن الأصل في العامل الفعل.
* الشيخ: لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا. طيب، ونقدره متأخرًا.
* الطالب: لسببين..
* الشيخ: لسببين؟
* الطالب: التبرك بـ(باسم الله). الثاني: الحصر.
* الشيخ: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله)، الثاني: إفادة الحصر، كيف نقول: إفادة الحصر، ليش؟
* الطالب: القاعدة اذا تَأَخَّر المعمول عن العامل هذا يفيد الحصر.
* الشيخ: الثالث: نقدره بفعل مناسب؟
* الطالب: لأنه أدل على المقصود.
* الشيخ: لأنه أدل على المقصود؛ إذ أنك إذا قَدَّرت (باسم الله أقرأ) كان أدل على المقصود من قولك: باسم الله أبتدئ؛ لأن (أبتدئ) بأي شيء تبتدئ؟ فهو أدل وأخص.
قال الله عز وجل: ﴿ص﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به)؛ وذلك لأن كلمة ﴿ص﴾ حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن حال الحروف الهجائية التي ابتدئ بها بعض السور رموز إلى معانٍ وعيَّنَها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله أو من أسماء الرسول، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف بأنها مجهولة المعنى لا ندري ما معناها.
ولكنَّ القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد رحمه الله، أن نقول: ليس لها معنى؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي لا يُثْبِت معنى لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى، يعني ويش معنى (ص) (ن) (ق) (الم)؟ وما أشبهها، فهي ليس لها معنى في اللغة العربية إذن ليس لها معنى في القرآن؛ لأن القرآن باللغة العربية.
ولكن يُشْكِل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لَغْوٌ ليس منها فائدة.
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها فإنه جاءت لمغزىً عظيم؛ وذلك المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: والله لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدت بعد هذا الحرف ذكرَ القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١] فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحرف الهجائي ذكر القرآن ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾؛ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَنْ تمسك بالقرآن وهو الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي وهو علم الغيب فإن كون الروم غُلِبَت الآن وستغلب في بعض السنين من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن فإن النادر لا حكم له.
قال: ﴿ص﴾ إذن نقول فيها: ﴿ص﴾ حرف هجائي ليس له معنى، لكنه جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز هؤلاء العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا حرف قَسَم؛ ولهذا جرَّت الكلمة التي بعدها ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والواو حرف قسم لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، يعني تختص الواو التي للقسم بأنها لا تدخل على اسم ظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، بخلاف الباء، باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير ويذكر معها فعل القسم ويحذف، وتدخل على كل اسمٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام ١٠٩] فذكر معها فعل القسم، وتقول: ربي به لأفعلن. أو: أقسم به لأفعلن. فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم ما تدخل إلا على الله، ولا يُذْكَر معها فعل القسم وقيل: تدخل على الله وعلى رَبِّ، قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ .......... والتَّاءُ لِلَّهِ وَ(رَبْ)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وأكثر ما يقسم الله به الواو؛ وذلك لأنها هي الأكثر على الألسُن فجاءت الأكثر في القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة.
وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال المؤلف: (أي البيان أو الشرف) يعني أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف مَنْ يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فهو ذِكْر يُذْكَر به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ذِكْر يتذكر به الناس ويتعظون به وهو أعظم موعظة، ذِكْر أي: شرف لمن تمسك به، إذن هو ذكر لكونه يُذَكِّر الناس ويعظهم؛ ذكر لأنه ذُكِر فيه ما أيش؟ ما يتعلق بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ذكر لأنه شرف لمن يتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال: (وجواب هذا القسم محذوف) لِمَ قال المؤلف: (وجواب هذا القسم)؟ لأنه ما من قسم إلا وله جواب؛ إذ إن القسم أركانه ثلاثة، بل أربعة: مُقْسِم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وصيغة، كل قَسَم لا بد فيه من هذا، وهي أربعة..
* طالب: صيغة، ومقسِم، ومقسَم به، الجواب، هذه أربع.
* طالب آخر: مقسِم، ومقسَم عليه، و ومقسَم به، وصيغة.
* الشيخ: طيب، إذن لا بد فيه من أربعة أركان: مقسِم، ومقسَم به، ومقسم عليه، وصيغة.
المقسم عليه هو جواب القسم، إذن لا بد لكل قسم من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيُعَيِّنه السياق. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور ٥٣] الجواب هنا مذكور ولَّا لا؟ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] مذكور ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
في هذه الآية قد وُجِدَ المقسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمقسِم هو الله، بقي المقسم عليه وهو جواب القسم، يقول المؤلف: (إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة) هذا التقدير، فيكون جواب القسم جملة منفية، (ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة)، ولكن الأمر أن الإله واحد وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعين؛ يعني: لو قال قائل: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إن إلهكم لواحد، لو قال قائل هكذا حصل به ما حصل من قول المؤلف ما الأمر كما قال كفار مكة، وذهب بعض العلماء إلى أن مِثْل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة ١ - ٣]، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٥] ما فيه جواب، فيكون المقسَم به متضمنًا للجواب، كيف يكون متضمنًا الجواب في هذه الجملة القَسَمية؟ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني أنكم قد ذُكِّرْتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذكر به أن الله واحد، وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إلى أن القسم أحيانًا لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يُعْلَم من السياق المقسَم به.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ٢] ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طلبة: الإبطالي.
* الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الإبطالي إبطال ما سبق، كأنه مَسَحَه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار ما سبق لكنه انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذه الإضراب يكون باقيًا غير باطل.
قال: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذا الطريق -أعني أن يخص القرآن ببعض أفراد العام- ليس بسديد ولا جيد؛ وذلك لأنه نقص في التفسير إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب أيش؟ الواجب الأخذ بالعموم؛ لأنه أعم وأكثر معنى، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّةٍ﴾، وليس عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] لكنها عزة أَنَفة وكبرياء وعناد؛ ولهذا قال: (حَمِيَّة وتكبر عن الإيمان)، وهذه عزة مذمومة؛ لأنها عِزَّةٌ تَمْنَع صاحبها من قبول الحق، وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها، وبينهما فرق كبير.
قال: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مُشاقَّة. فشقاق مصدر شاقَّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة، مشاقة لمن؟ مشاقة لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال ١٣]، وهنا قال المؤلف: (خلاف عداوة للنبي ﷺ) وهذا أيضًا فيه نظر، كيف؟ لأنه خَصَّ الشقاق بِمَنْ؟ بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقُّون الله ورسوله فهم في أنفة وكبرياء وحَمِيَّة ومشاقة لله ولرسوله، يعني أنهم يجانبون ما أمر الله به ورسوله كأنما يكونون في شِق، وما جاء به الوحي في شق آخر، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ولربما يقول قائل: إنهم أيضًا في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤].
قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص ٣] (﴿كَمْ﴾ أي كثيرًا أهلكنا) عندكم (أي كثيرًا) بالنصب؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: (أي كثيرًا ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم).
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدَّرَها المؤلف بقوله: (كثيرًا) وعلى هذا فتكون (كم) تكثيريَّة، وهي منصوبة على أنها مفعول مقدم لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ﴿كَمْ﴾؛ لأن كم اسم مبهَم يحتاج إلى تمييز؛ أي: إلى شيء يُبَيِّنها ويميزها. فلو قليل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما تَبَيَّن الكلام، ويش (أهلك)؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تبين الكلام؛ ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لأيش؟ لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ﴿مِنْ﴾.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أُمَّة، والمعنى أن الله أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، فإنه حري أن يهلك هؤلاء. لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين للرسول ﷺ كان بأيدي المؤمنين. فالحروب والقتال الذي وقع بين الرسول ﷺ كان عذابًا لهؤلاء المكذبين، وكان على يد النبي ﷺ وأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه لا شك أنه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا شيء مُشاهَد إذا كانت غلبة عدوك على يدك كان أشفى لصدرك وأحيا لنفسك وأقوى وأعز مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده؛ فلهذا كان هلاك المكذبين للرسول ﷺ كان على يد الرسول ﷺ وأصحابه، والله أعلم.
(...) تعود على الألفاظ باعتبار لفظها ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائدًا على اللفظ، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائدًا على المعنى؛ لأن الطائفة جماعة، إذن ﴿فَنَادَوْا﴾ أي القرن فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: (حين نزول العذاب بهم)، ولكن نَادَوْا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، ولكن لا يمكن؟ أو المعنى أنه نَادَوُا الله أي: دعوه أي يغيثهم؟ أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟
القاعدة عندنا في التفسير أنه متى كان اللفظ صالحًا لمعنيين فأكثر فإنه يُحمل عليهما جميعًا، وعلى هذا فيكون ﴿نَادَوْا﴾ محذوف المفعول من أجل العموم، أي أن بعضهم ينادي بعضًا: يا فلان أغثني، أغثني. كذلك ينادون الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿لَاتَ﴾ هذه (لا) النافية زِيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ كما زيدت تاء التأنيث في (رُبَّت) وفي (ثمت) لتأنيث اللفظ، تقول: رب رجل لقيتُه، وتقول: ربت رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثم قام عمرو، وتقول: قام زيد ثمت قام عمرو، فإذن هي (لا) النافية زيدت عليها أيش؟ تاء التأنيث؛ لماذا؟ لتأنيث اللفظ، هذه (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والتقدير (أي: ليس الحين حين) فسرها المؤلف بالمعنى، فعليه تقول: (لا) بمعنى ليس، واسمها محذوف تقديره الحين، وخبرها موجود وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والغالب أن خبر (لا) يكون زمانًا، هذا الغالب، لا يأتي إلا زمانًا.
قال الشاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ∗∗∗ ............................
يعني وليست الساعة ساعة مندم.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص الفرار والنجاة؛ يعني: ليس الحين حين فرار ونجاة؛ لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة) ليش؟ لتأنيث اللفظ، (والجملة حال من فاعل ﴿نَادَوْا﴾ ) وعلى هذا فتكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائمًا في محل نصب، يعني: نادَوْا في حال لا مناص لهم مما نزل به؛ ولهذا قدرها المؤلف: (أي استغاثوا والحال ألا مهرب ولا منجى).
هذا ما قَدَّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي أنها حالية فتكون مُقيَّدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية فـنادوا، ثم يخبر الله عز وجل أن هذا الوقت ليس وقت مَفَرٍّ.
الفرق بين قولنا: (استئنافية) و(حاليَّة) أنه إذا كانت حالية صارت قيدًا للمناداة؛ يعني: نادوا في حال لا ينفعهم النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيديَّة عما قبلها، يكون الله أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار.
قال المؤلف: (وما اعتبر بهم كفار مكة) وهذه هي الثمرة من ذكر أن الله أهلك قرونًا كثيرًا فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذَوْه، وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن. وكل وصف ينفر الناس عنه وصفوه به ﷺ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص ٤] ﴿عَجِبُوا﴾ العجب يكون له سببان:
السبب الأول: الإنكار.
والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا أي: استحسنه. عجب من كذا يعني أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تُسَمَّى عند علماء العربية الأضداد في اللغة.
العجب تارة يكون استحسانًا وتارة يكون استنكارًا؛ فقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه»[[أخرج البخاري واللفظ له (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٧٦) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنَ في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله.]]. المراد بالإعجاب هنا الاستحسان.
وهنا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هذا عجب استنكار، ليس عجب رضا واستحسان، بل هو عحب استنكار ورَدٍّ، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ٢]، هنا نظيره قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير مِنْ، أي: عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحَوَّل إلى مصدر أي: عجبوا من مجيء المنذر منهم.
وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر هو المخبِر بالخبر للتخويف؛ ولهذا نقول: إن الإنذار خَبَرٌ مقرون بتخويف والنبي ﷺ كان مُنْذِرًا وكان مبشرًا، ولكن الكفار يليق بحالهم أيش؟ الإنذار؛ ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، والتبشير يكون لمن؟ للمؤمنين.
وهنا قال: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق بحالهم.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ نَسَبًا وجنسًا؛ فهو منهم جنسًا لأنه بشر، ولم ينزل الله تعالى رسولًا على البشر من الملائكة. نسبًا؛ لأنه من قريش، فهو منهم جنسًا ونسبًا ومع ذلك عجبوا.
قال المؤلف: (رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث) أي: بعد أن يُبْعَثوا، وهو النبي ﷺ. عجبوا عجب استنكار ورَفْضٍ ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالأول بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذبًا خائنا، والعياذ بالله.
طيب، إذن معاداتهم لهم ليس لشخصه، ولكن أيش؟ لما جاء به.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، وكيف يكون الكلام لو أُتِي بالمضمر؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار:
أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا تَغَيَّر نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه، بخلاف ما إذا كان على نسق واحد فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه.
ثانيًا: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ لأنه لو قال: وقالوا: هذا ساحر كذاب لم نعرف حكمهم، فإذا قال: وقال الكافرون عرفنا أنهم أيش؟ أنهم كافرون.
الثالث: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعُد أن يأتي مِنْ غيرهم مثل ما أتى منهم؛ لأنه إذا كانت العلة واحدة، فمتى وُجِدَت هذه العلة حصل المعلول من أي شخص كان. فهذه فوائد الإظهار في موضع الإضمار، يقولها لنا عيسى.
* طالب: تنبيه المخاطب.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: الإعلام بأن هؤلاء كافرون.
* الشيخ: نعم، الثالث؟
* الطالب: التسجيل على الكفار بالكفر.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تسجيل الكفر على الكفار.
* الشيخ: هذا اللي قال الأخ.
* الطالب: تعليل الحكم.
* الشيخ: يعني: تعليل هذا القول بأن الحامل عليه هو الكفر فيكون هذا متعديًّا لغيرهم، يعني كل كافر يقول هذا الكلام، طيب.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يشيرون إلى مَنْ؟ إلى المنذر منهم وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين أمرين، وَصْفَيْن ذميمين، ﴿سَاحِرٌ﴾؛ لأنه يسبي عقول الناس، ﴿كَذَّابٌ﴾؛ لأن ما جاء به كذب غير مطابقٍ للواقع، فصار الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أصدق الخلق صار عندهم كذابًا، ولم يقولوا: كاذبًا؛ لأن كذابًا تكون صفة للمتصف بها، كما تقول: نَجَّار، وحداد، وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناس قراءته تَأَثَّرُوا بها تأثُّرًا عظيمًا، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ يسمعون قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة ، فكان كفار قريش يقولون: إن محمدًا سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر لقوة تأثيره فيهم، ﴿كَذَّابٌ﴾ يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له، طيب، مَنِ الكاذب؟ الكاذب هو المخبِر بخلاف الواقع، كل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذَبك.
قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا مَصَبُّ الإنكار، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا الاستفهام يحمل معنيين:
المعنى الأول: التعجب الاستنكاري.
والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ؛ حيث جعل الآلهة إلهًا واحدًا، هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبت مفعولين: الأول: ﴿الْآلِهَةَ﴾، والثاني: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾، يعني: أصيَّر محمدٌ الآلهةَ إلهًا واحدًا، وهم يعبدون آلهة متعددة؛ اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وغيرها من الأصنام، كيف يأتي محمد ويقول: ليس فيه آلهة إلا الله؟ هذا عندهم من أكبر الكذب.
طيب، يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ من حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ وهذا من جهلهم وغباواتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهًا واحدًا. فنقول لهم: مَنِ الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله، كم هذه؟ ويش جوابها؟ واحد. إذا كان الخالق هو الله وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد. ومن وَسِع الخلق خلقًا وسعهم تَعَبُّدًا فإذا كانت الآلهة لم تَخْلُق شيئًا بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون إلهًا؟ وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في واحد.
ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه جَعْلُه الآلهة إلهًا واحدًا؛ يعني: إن جعله الآلهة إلهًا واحدًا ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة ﴿عُجَابٌ﴾ أبلغ من كلمة عجيب؛ لأنها تدل على المبالغة أي: لشيءٌ يتعجب منه الإنسان عجبًا عظيمًا كثيرًا؛ ولهذا عدلوا عن عجيب إلى ﴿عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ ولم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء. فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه؛ ولهذا قال: ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾، والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء. والأشراف والكبراء والوجهاء هم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردِّ والرفض خوفًا على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل، ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف، أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول مَنْ ينقاد للرسل.
هنا ينطلق الملأ منهم، ينطلقون من أي شيء؟ من كل مكان اجتمعوا فيه، كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد ينطلقون هذا الانطلاق.
وأما قول المؤلف: (﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من أن النبي ﷺ قولوا: لا إله إلا الله) فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو المعنى العام على المعنى الخاص، وهذا نقص بلا شك إلا إذا قام الدليل على ذلك فليُتْبَع الدليل فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هذا عام، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المراد بالناس الخاص ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليس كل الناس جمعوا للرسول ﷺ، الذين لم تبلغهم الدعوة ما جمعوا له فيكون هذا تفسيرنا الناس بخاص في هذه الآية تفسيرًا دل عليه الواقع أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إن كان من العام، وعلى إطلاقه إن كان من المطلق.
طيب هنا نقول: المؤلف رحمه الله جعل الانطلاق من مجلس خاص، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه عند رسول الله ﷺ وهو عند أبي طالب حين قال: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الترمذي (٣٢٣٢) بسنده عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله». فقالوا: إلهًا واحدًا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ١ - ٧].]]، ولكن الأولى أن نجعله عامًّا يشمل هذا المجلس وغيره.
﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ هل المراد هنا المشي بالقدم أو المراد المشي بالطريقة؛ يعني: سيروا على طريقتكم واصبروا عل آلهتكم؟
من نظر إلى الانطلاق ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم؛ يعني: إنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضًا على المشي والسير لئلا يعودوا، فيعرجون على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فرارًا فيوصي بعضهم بعضًا بالمشي، وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن المراد بذلك أيش؟ المشي على الطريقة يعني: سيروا على طريقتكم، ولا يهمنكم أحد.
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني احبسوا أنفسكم عليها، لا تحيدوا عنها، وهذا من باب التواصي بماذا؟ بالباطل.
(يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ). ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: اثبتوا عليها في عبادتها والدفاع عنها وعدم قبول كل شيء يبطلها، اصبروا.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَنْ جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أن هذا الرجل قال قولًا يريده فهو جادٌّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريده بما يحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول باللسان والقلب تجده يصمم ويعزم على أن يُنَفِّذ ما قال، لكن الذي لا يريد يكون قوله سطحيًّا.
فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ من يريده؟ قائله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف من قال قولًا لا يريده مثل أن يقول القول مجاملة أو من أجل إمضاء الوقت أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ما هذا النداء؟
* طالب: (...) للاستغاثة.
* الشيخ: نعم، لكن من ينادون؟
* الطالب:عام، ينادون أنفسهم (...) وينادون الله.
* الشيخ: لطلب الغوث؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ كيف تعرب (لات)؟
* طالب: لا نافية للجنس وتعمل عمل ليس، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، واسم (لا) محذوف وتقديره الحين، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، وما معنى ﴿مَنَاصٍ﴾؟
* الطالب: ﴿مَنَاصٍ﴾ أي: الفرار والنجاة.
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.
ص 38:4
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١] قال المؤلف: (سورة ص مكية)، والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: (ست أو ثمان وثمانون آية) والآيات هي عبارة عن الفواصل التي ستكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسميت آية؛ لأنها معجزة، فإن القرآن كما سبق قد تحدى الله فيه الناس أن يأتوا بحديث مثله وإن قلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة (براءة) فإنه لا يُؤْتَى بها؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل (براءة) بقية الأنفال أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع وأنهم مصيبون فيه قطعًا؛ وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. فلما لم تبقَ باجتهاد من الصحابة عُلِمَ أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة كما تشاهدون جار ومجرور ومضاف إليه وصفة يعني نعتًا، والقاعدة النحوية أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي من شيء يتعلق به. والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول؛ ولهذا قال ناظم الجُمَل قال:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْــــــــنَاهُنَحْــــــــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل أو بما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول.
إذن البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هذا المتعلق؟ أصح ما قيل في متعلق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير (باسم الله أقرأ)، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير باسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير باسم الله أذبح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.]].
وإنما يُقَدَّر فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط، طيب، إذن نقدره فعلًا؛ لأن هو الأصل في العامل ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ؛ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله).
والسبب الثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر تقديمَ ما حقُّه التأخير، طيب، وقدَّرْناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ؛ لأن باسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تُعَيِّن الفعل الذي ابتدأت به. فالحاصل أننا نقدر في البسملة؟
* الطالب: بالعامل.
* الشيخ: نقدره أيش؟
* الطالب: باسم الله.
* الشيخ: إي نعم، ويش نقدِّر العامل؟ يعني متعلق الجار والمجرور نقدره أيش؟
* الطالب: أنه فعل متأخر مناسب..
* الشيخ: نعم، نقدِّرُه فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام. نقدره فعلًا لماذا؟ بندر.
* الطالب: لأن الأصل في العامل الفعل.
* الشيخ: لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا. طيب، ونقدره متأخرًا.
* الطالب: لسببين..
* الشيخ: لسببين؟
* الطالب: التبرك بـ(باسم الله). الثاني: الحصر.
* الشيخ: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله)، الثاني: إفادة الحصر، كيف نقول: إفادة الحصر، ليش؟
* الطالب: القاعدة اذا تَأَخَّر المعمول عن العامل هذا يفيد الحصر.
* الشيخ: الثالث: نقدره بفعل مناسب؟
* الطالب: لأنه أدل على المقصود.
* الشيخ: لأنه أدل على المقصود؛ إذ أنك إذا قَدَّرت (باسم الله أقرأ) كان أدل على المقصود من قولك: باسم الله أبتدئ؛ لأن (أبتدئ) بأي شيء تبتدئ؟ فهو أدل وأخص.
قال الله عز وجل: ﴿ص﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به)؛ وذلك لأن كلمة ﴿ص﴾ حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن حال الحروف الهجائية التي ابتدئ بها بعض السور رموز إلى معانٍ وعيَّنَها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله أو من أسماء الرسول، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف بأنها مجهولة المعنى لا ندري ما معناها.
ولكنَّ القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد رحمه الله، أن نقول: ليس لها معنى؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي لا يُثْبِت معنى لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى، يعني ويش معنى (ص) (ن) (ق) (الم)؟ وما أشبهها، فهي ليس لها معنى في اللغة العربية إذن ليس لها معنى في القرآن؛ لأن القرآن باللغة العربية.
ولكن يُشْكِل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لَغْوٌ ليس منها فائدة.
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها فإنه جاءت لمغزىً عظيم؛ وذلك المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: والله لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدت بعد هذا الحرف ذكرَ القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١] فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحرف الهجائي ذكر القرآن ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾؛ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَنْ تمسك بالقرآن وهو الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي وهو علم الغيب فإن كون الروم غُلِبَت الآن وستغلب في بعض السنين من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن فإن النادر لا حكم له.
قال: ﴿ص﴾ إذن نقول فيها: ﴿ص﴾ حرف هجائي ليس له معنى، لكنه جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز هؤلاء العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا حرف قَسَم؛ ولهذا جرَّت الكلمة التي بعدها ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والواو حرف قسم لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، يعني تختص الواو التي للقسم بأنها لا تدخل على اسم ظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، بخلاف الباء، باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير ويذكر معها فعل القسم ويحذف، وتدخل على كل اسمٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام ١٠٩] فذكر معها فعل القسم، وتقول: ربي به لأفعلن. أو: أقسم به لأفعلن. فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم ما تدخل إلا على الله، ولا يُذْكَر معها فعل القسم وقيل: تدخل على الله وعلى رَبِّ، قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ .......... والتَّاءُ لِلَّهِ وَ(رَبْ)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وأكثر ما يقسم الله به الواو؛ وذلك لأنها هي الأكثر على الألسُن فجاءت الأكثر في القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة.
وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال المؤلف: (أي البيان أو الشرف) يعني أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف مَنْ يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فهو ذِكْر يُذْكَر به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ذِكْر يتذكر به الناس ويتعظون به وهو أعظم موعظة، ذِكْر أي: شرف لمن تمسك به، إذن هو ذكر لكونه يُذَكِّر الناس ويعظهم؛ ذكر لأنه ذُكِر فيه ما أيش؟ ما يتعلق بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ذكر لأنه شرف لمن يتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال: (وجواب هذا القسم محذوف) لِمَ قال المؤلف: (وجواب هذا القسم)؟ لأنه ما من قسم إلا وله جواب؛ إذ إن القسم أركانه ثلاثة، بل أربعة: مُقْسِم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وصيغة، كل قَسَم لا بد فيه من هذا، وهي أربعة..
* طالب: صيغة، ومقسِم، ومقسَم به، الجواب، هذه أربع.
* طالب آخر: مقسِم، ومقسَم عليه، و ومقسَم به، وصيغة.
* الشيخ: طيب، إذن لا بد فيه من أربعة أركان: مقسِم، ومقسَم به، ومقسم عليه، وصيغة.
المقسم عليه هو جواب القسم، إذن لا بد لكل قسم من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيُعَيِّنه السياق. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور ٥٣] الجواب هنا مذكور ولَّا لا؟ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] مذكور ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
في هذه الآية قد وُجِدَ المقسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمقسِم هو الله، بقي المقسم عليه وهو جواب القسم، يقول المؤلف: (إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة) هذا التقدير، فيكون جواب القسم جملة منفية، (ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة)، ولكن الأمر أن الإله واحد وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعين؛ يعني: لو قال قائل: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إن إلهكم لواحد، لو قال قائل هكذا حصل به ما حصل من قول المؤلف ما الأمر كما قال كفار مكة، وذهب بعض العلماء إلى أن مِثْل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة ١ - ٣]، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٥] ما فيه جواب، فيكون المقسَم به متضمنًا للجواب، كيف يكون متضمنًا الجواب في هذه الجملة القَسَمية؟ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني أنكم قد ذُكِّرْتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذكر به أن الله واحد، وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إلى أن القسم أحيانًا لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يُعْلَم من السياق المقسَم به.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ٢] ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طلبة: الإبطالي.
* الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الإبطالي إبطال ما سبق، كأنه مَسَحَه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار ما سبق لكنه انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذه الإضراب يكون باقيًا غير باطل.
قال: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذا الطريق -أعني أن يخص القرآن ببعض أفراد العام- ليس بسديد ولا جيد؛ وذلك لأنه نقص في التفسير إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب أيش؟ الواجب الأخذ بالعموم؛ لأنه أعم وأكثر معنى، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّةٍ﴾، وليس عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] لكنها عزة أَنَفة وكبرياء وعناد؛ ولهذا قال: (حَمِيَّة وتكبر عن الإيمان)، وهذه عزة مذمومة؛ لأنها عِزَّةٌ تَمْنَع صاحبها من قبول الحق، وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها، وبينهما فرق كبير.
قال: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مُشاقَّة. فشقاق مصدر شاقَّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة، مشاقة لمن؟ مشاقة لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال ١٣]، وهنا قال المؤلف: (خلاف عداوة للنبي ﷺ) وهذا أيضًا فيه نظر، كيف؟ لأنه خَصَّ الشقاق بِمَنْ؟ بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقُّون الله ورسوله فهم في أنفة وكبرياء وحَمِيَّة ومشاقة لله ولرسوله، يعني أنهم يجانبون ما أمر الله به ورسوله كأنما يكونون في شِق، وما جاء به الوحي في شق آخر، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ولربما يقول قائل: إنهم أيضًا في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤].
قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص ٣] (﴿كَمْ﴾ أي كثيرًا أهلكنا) عندكم (أي كثيرًا) بالنصب؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: (أي كثيرًا ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم).
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدَّرَها المؤلف بقوله: (كثيرًا) وعلى هذا فتكون (كم) تكثيريَّة، وهي منصوبة على أنها مفعول مقدم لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ﴿كَمْ﴾؛ لأن كم اسم مبهَم يحتاج إلى تمييز؛ أي: إلى شيء يُبَيِّنها ويميزها. فلو قليل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما تَبَيَّن الكلام، ويش (أهلك)؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تبين الكلام؛ ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لأيش؟ لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ﴿مِنْ﴾.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أُمَّة، والمعنى أن الله أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، فإنه حري أن يهلك هؤلاء. لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين للرسول ﷺ كان بأيدي المؤمنين. فالحروب والقتال الذي وقع بين الرسول ﷺ كان عذابًا لهؤلاء المكذبين، وكان على يد النبي ﷺ وأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه لا شك أنه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا شيء مُشاهَد إذا كانت غلبة عدوك على يدك كان أشفى لصدرك وأحيا لنفسك وأقوى وأعز مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده؛ فلهذا كان هلاك المكذبين للرسول ﷺ كان على يد الرسول ﷺ وأصحابه، والله أعلم.
(...) تعود على الألفاظ باعتبار لفظها ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائدًا على اللفظ، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائدًا على المعنى؛ لأن الطائفة جماعة، إذن ﴿فَنَادَوْا﴾ أي القرن فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: (حين نزول العذاب بهم)، ولكن نَادَوْا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، ولكن لا يمكن؟ أو المعنى أنه نَادَوُا الله أي: دعوه أي يغيثهم؟ أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟
القاعدة عندنا في التفسير أنه متى كان اللفظ صالحًا لمعنيين فأكثر فإنه يُحمل عليهما جميعًا، وعلى هذا فيكون ﴿نَادَوْا﴾ محذوف المفعول من أجل العموم، أي أن بعضهم ينادي بعضًا: يا فلان أغثني، أغثني. كذلك ينادون الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿لَاتَ﴾ هذه (لا) النافية زِيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ كما زيدت تاء التأنيث في (رُبَّت) وفي (ثمت) لتأنيث اللفظ، تقول: رب رجل لقيتُه، وتقول: ربت رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثم قام عمرو، وتقول: قام زيد ثمت قام عمرو، فإذن هي (لا) النافية زيدت عليها أيش؟ تاء التأنيث؛ لماذا؟ لتأنيث اللفظ، هذه (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والتقدير (أي: ليس الحين حين) فسرها المؤلف بالمعنى، فعليه تقول: (لا) بمعنى ليس، واسمها محذوف تقديره الحين، وخبرها موجود وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والغالب أن خبر (لا) يكون زمانًا، هذا الغالب، لا يأتي إلا زمانًا.
قال الشاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ∗∗∗ ............................
يعني وليست الساعة ساعة مندم.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص الفرار والنجاة؛ يعني: ليس الحين حين فرار ونجاة؛ لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة) ليش؟ لتأنيث اللفظ، (والجملة حال من فاعل ﴿نَادَوْا﴾ ) وعلى هذا فتكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائمًا في محل نصب، يعني: نادَوْا في حال لا مناص لهم مما نزل به؛ ولهذا قدرها المؤلف: (أي استغاثوا والحال ألا مهرب ولا منجى).
هذا ما قَدَّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي أنها حالية فتكون مُقيَّدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية فـنادوا، ثم يخبر الله عز وجل أن هذا الوقت ليس وقت مَفَرٍّ.
الفرق بين قولنا: (استئنافية) و(حاليَّة) أنه إذا كانت حالية صارت قيدًا للمناداة؛ يعني: نادوا في حال لا ينفعهم النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيديَّة عما قبلها، يكون الله أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار.
قال المؤلف: (وما اعتبر بهم كفار مكة) وهذه هي الثمرة من ذكر أن الله أهلك قرونًا كثيرًا فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذَوْه، وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن. وكل وصف ينفر الناس عنه وصفوه به ﷺ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص ٤] ﴿عَجِبُوا﴾ العجب يكون له سببان:
السبب الأول: الإنكار.
والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا أي: استحسنه. عجب من كذا يعني أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تُسَمَّى عند علماء العربية الأضداد في اللغة.
العجب تارة يكون استحسانًا وتارة يكون استنكارًا؛ فقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه»[[أخرج البخاري واللفظ له (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٧٦) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنَ في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله.]]. المراد بالإعجاب هنا الاستحسان.
وهنا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هذا عجب استنكار، ليس عجب رضا واستحسان، بل هو عحب استنكار ورَدٍّ، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ٢]، هنا نظيره قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير مِنْ، أي: عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحَوَّل إلى مصدر أي: عجبوا من مجيء المنذر منهم.
وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر هو المخبِر بالخبر للتخويف؛ ولهذا نقول: إن الإنذار خَبَرٌ مقرون بتخويف والنبي ﷺ كان مُنْذِرًا وكان مبشرًا، ولكن الكفار يليق بحالهم أيش؟ الإنذار؛ ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، والتبشير يكون لمن؟ للمؤمنين.
وهنا قال: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق بحالهم.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ نَسَبًا وجنسًا؛ فهو منهم جنسًا لأنه بشر، ولم ينزل الله تعالى رسولًا على البشر من الملائكة. نسبًا؛ لأنه من قريش، فهو منهم جنسًا ونسبًا ومع ذلك عجبوا.
قال المؤلف: (رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث) أي: بعد أن يُبْعَثوا، وهو النبي ﷺ. عجبوا عجب استنكار ورَفْضٍ ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالأول بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذبًا خائنا، والعياذ بالله.
طيب، إذن معاداتهم لهم ليس لشخصه، ولكن أيش؟ لما جاء به.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، وكيف يكون الكلام لو أُتِي بالمضمر؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار:
أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا تَغَيَّر نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه، بخلاف ما إذا كان على نسق واحد فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه.
ثانيًا: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ لأنه لو قال: وقالوا: هذا ساحر كذاب لم نعرف حكمهم، فإذا قال: وقال الكافرون عرفنا أنهم أيش؟ أنهم كافرون.
الثالث: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعُد أن يأتي مِنْ غيرهم مثل ما أتى منهم؛ لأنه إذا كانت العلة واحدة، فمتى وُجِدَت هذه العلة حصل المعلول من أي شخص كان. فهذه فوائد الإظهار في موضع الإضمار، يقولها لنا عيسى.
* طالب: تنبيه المخاطب.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: الإعلام بأن هؤلاء كافرون.
* الشيخ: نعم، الثالث؟
* الطالب: التسجيل على الكفار بالكفر.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تسجيل الكفر على الكفار.
* الشيخ: هذا اللي قال الأخ.
* الطالب: تعليل الحكم.
* الشيخ: يعني: تعليل هذا القول بأن الحامل عليه هو الكفر فيكون هذا متعديًّا لغيرهم، يعني كل كافر يقول هذا الكلام، طيب.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يشيرون إلى مَنْ؟ إلى المنذر منهم وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين أمرين، وَصْفَيْن ذميمين، ﴿سَاحِرٌ﴾؛ لأنه يسبي عقول الناس، ﴿كَذَّابٌ﴾؛ لأن ما جاء به كذب غير مطابقٍ للواقع، فصار الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أصدق الخلق صار عندهم كذابًا، ولم يقولوا: كاذبًا؛ لأن كذابًا تكون صفة للمتصف بها، كما تقول: نَجَّار، وحداد، وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناس قراءته تَأَثَّرُوا بها تأثُّرًا عظيمًا، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ يسمعون قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة ، فكان كفار قريش يقولون: إن محمدًا سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر لقوة تأثيره فيهم، ﴿كَذَّابٌ﴾ يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له، طيب، مَنِ الكاذب؟ الكاذب هو المخبِر بخلاف الواقع، كل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذَبك.
قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا مَصَبُّ الإنكار، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا الاستفهام يحمل معنيين:
المعنى الأول: التعجب الاستنكاري.
والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ؛ حيث جعل الآلهة إلهًا واحدًا، هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبت مفعولين: الأول: ﴿الْآلِهَةَ﴾، والثاني: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾، يعني: أصيَّر محمدٌ الآلهةَ إلهًا واحدًا، وهم يعبدون آلهة متعددة؛ اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وغيرها من الأصنام، كيف يأتي محمد ويقول: ليس فيه آلهة إلا الله؟ هذا عندهم من أكبر الكذب.
طيب، يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ من حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ وهذا من جهلهم وغباواتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهًا واحدًا. فنقول لهم: مَنِ الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله، كم هذه؟ ويش جوابها؟ واحد. إذا كان الخالق هو الله وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد. ومن وَسِع الخلق خلقًا وسعهم تَعَبُّدًا فإذا كانت الآلهة لم تَخْلُق شيئًا بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون إلهًا؟ وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في واحد.
ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه جَعْلُه الآلهة إلهًا واحدًا؛ يعني: إن جعله الآلهة إلهًا واحدًا ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة ﴿عُجَابٌ﴾ أبلغ من كلمة عجيب؛ لأنها تدل على المبالغة أي: لشيءٌ يتعجب منه الإنسان عجبًا عظيمًا كثيرًا؛ ولهذا عدلوا عن عجيب إلى ﴿عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ ولم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء. فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه؛ ولهذا قال: ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾، والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء. والأشراف والكبراء والوجهاء هم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردِّ والرفض خوفًا على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل، ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف، أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول مَنْ ينقاد للرسل.
هنا ينطلق الملأ منهم، ينطلقون من أي شيء؟ من كل مكان اجتمعوا فيه، كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد ينطلقون هذا الانطلاق.
وأما قول المؤلف: (﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من أن النبي ﷺ قولوا: لا إله إلا الله) فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو المعنى العام على المعنى الخاص، وهذا نقص بلا شك إلا إذا قام الدليل على ذلك فليُتْبَع الدليل فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هذا عام، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المراد بالناس الخاص ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليس كل الناس جمعوا للرسول ﷺ، الذين لم تبلغهم الدعوة ما جمعوا له فيكون هذا تفسيرنا الناس بخاص في هذه الآية تفسيرًا دل عليه الواقع أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إن كان من العام، وعلى إطلاقه إن كان من المطلق.
طيب هنا نقول: المؤلف رحمه الله جعل الانطلاق من مجلس خاص، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه عند رسول الله ﷺ وهو عند أبي طالب حين قال: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الترمذي (٣٢٣٢) بسنده عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله». فقالوا: إلهًا واحدًا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ١ - ٧].]]، ولكن الأولى أن نجعله عامًّا يشمل هذا المجلس وغيره.
﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ هل المراد هنا المشي بالقدم أو المراد المشي بالطريقة؛ يعني: سيروا على طريقتكم واصبروا عل آلهتكم؟
من نظر إلى الانطلاق ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم؛ يعني: إنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضًا على المشي والسير لئلا يعودوا، فيعرجون على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فرارًا فيوصي بعضهم بعضًا بالمشي، وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن المراد بذلك أيش؟ المشي على الطريقة يعني: سيروا على طريقتكم، ولا يهمنكم أحد.
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني احبسوا أنفسكم عليها، لا تحيدوا عنها، وهذا من باب التواصي بماذا؟ بالباطل.
(يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ). ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: اثبتوا عليها في عبادتها والدفاع عنها وعدم قبول كل شيء يبطلها، اصبروا.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَنْ جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أن هذا الرجل قال قولًا يريده فهو جادٌّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريده بما يحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول باللسان والقلب تجده يصمم ويعزم على أن يُنَفِّذ ما قال، لكن الذي لا يريد يكون قوله سطحيًّا.
فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ من يريده؟ قائله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف من قال قولًا لا يريده مثل أن يقول القول مجاملة أو من أجل إمضاء الوقت أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ما هذا النداء؟
* طالب: (...) للاستغاثة.
* الشيخ: نعم، لكن من ينادون؟
* الطالب:عام، ينادون أنفسهم (...) وينادون الله.
* الشيخ: لطلب الغوث؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ كيف تعرب (لات)؟
* طالب: لا نافية للجنس وتعمل عمل ليس، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، واسم (لا) محذوف وتقديره الحين، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، وما معنى ﴿مَنَاصٍ﴾؟
* الطالب: ﴿مَنَاصٍ﴾ أي: الفرار والنجاة.
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.
ص 38:5
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١] قال المؤلف: (سورة ص مكية)، والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: (ست أو ثمان وثمانون آية) والآيات هي عبارة عن الفواصل التي ستكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسميت آية؛ لأنها معجزة، فإن القرآن كما سبق قد تحدى الله فيه الناس أن يأتوا بحديث مثله وإن قلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة (براءة) فإنه لا يُؤْتَى بها؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل (براءة) بقية الأنفال أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع وأنهم مصيبون فيه قطعًا؛ وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. فلما لم تبقَ باجتهاد من الصحابة عُلِمَ أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة كما تشاهدون جار ومجرور ومضاف إليه وصفة يعني نعتًا، والقاعدة النحوية أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي من شيء يتعلق به. والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول؛ ولهذا قال ناظم الجُمَل قال:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْــــــــنَاهُنَحْــــــــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل أو بما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول.
إذن البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هذا المتعلق؟ أصح ما قيل في متعلق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير (باسم الله أقرأ)، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير باسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير باسم الله أذبح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.]].
وإنما يُقَدَّر فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط، طيب، إذن نقدره فعلًا؛ لأن هو الأصل في العامل ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ؛ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله).
والسبب الثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر تقديمَ ما حقُّه التأخير، طيب، وقدَّرْناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ؛ لأن باسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تُعَيِّن الفعل الذي ابتدأت به. فالحاصل أننا نقدر في البسملة؟
* الطالب: بالعامل.
* الشيخ: نقدره أيش؟
* الطالب: باسم الله.
* الشيخ: إي نعم، ويش نقدِّر العامل؟ يعني متعلق الجار والمجرور نقدره أيش؟
* الطالب: أنه فعل متأخر مناسب..
* الشيخ: نعم، نقدِّرُه فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام. نقدره فعلًا لماذا؟ بندر.
* الطالب: لأن الأصل في العامل الفعل.
* الشيخ: لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا. طيب، ونقدره متأخرًا.
* الطالب: لسببين..
* الشيخ: لسببين؟
* الطالب: التبرك بـ(باسم الله). الثاني: الحصر.
* الشيخ: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله)، الثاني: إفادة الحصر، كيف نقول: إفادة الحصر، ليش؟
* الطالب: القاعدة اذا تَأَخَّر المعمول عن العامل هذا يفيد الحصر.
* الشيخ: الثالث: نقدره بفعل مناسب؟
* الطالب: لأنه أدل على المقصود.
* الشيخ: لأنه أدل على المقصود؛ إذ أنك إذا قَدَّرت (باسم الله أقرأ) كان أدل على المقصود من قولك: باسم الله أبتدئ؛ لأن (أبتدئ) بأي شيء تبتدئ؟ فهو أدل وأخص.
قال الله عز وجل: ﴿ص﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به)؛ وذلك لأن كلمة ﴿ص﴾ حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن حال الحروف الهجائية التي ابتدئ بها بعض السور رموز إلى معانٍ وعيَّنَها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله أو من أسماء الرسول، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف بأنها مجهولة المعنى لا ندري ما معناها.
ولكنَّ القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد رحمه الله، أن نقول: ليس لها معنى؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي لا يُثْبِت معنى لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى، يعني ويش معنى (ص) (ن) (ق) (الم)؟ وما أشبهها، فهي ليس لها معنى في اللغة العربية إذن ليس لها معنى في القرآن؛ لأن القرآن باللغة العربية.
ولكن يُشْكِل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لَغْوٌ ليس منها فائدة.
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها فإنه جاءت لمغزىً عظيم؛ وذلك المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: والله لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدت بعد هذا الحرف ذكرَ القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١] فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحرف الهجائي ذكر القرآن ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾؛ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَنْ تمسك بالقرآن وهو الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي وهو علم الغيب فإن كون الروم غُلِبَت الآن وستغلب في بعض السنين من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن فإن النادر لا حكم له.
قال: ﴿ص﴾ إذن نقول فيها: ﴿ص﴾ حرف هجائي ليس له معنى، لكنه جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز هؤلاء العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا حرف قَسَم؛ ولهذا جرَّت الكلمة التي بعدها ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والواو حرف قسم لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، يعني تختص الواو التي للقسم بأنها لا تدخل على اسم ظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، بخلاف الباء، باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير ويذكر معها فعل القسم ويحذف، وتدخل على كل اسمٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام ١٠٩] فذكر معها فعل القسم، وتقول: ربي به لأفعلن. أو: أقسم به لأفعلن. فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم ما تدخل إلا على الله، ولا يُذْكَر معها فعل القسم وقيل: تدخل على الله وعلى رَبِّ، قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ .......... والتَّاءُ لِلَّهِ وَ(رَبْ)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وأكثر ما يقسم الله به الواو؛ وذلك لأنها هي الأكثر على الألسُن فجاءت الأكثر في القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة.
وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال المؤلف: (أي البيان أو الشرف) يعني أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف مَنْ يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فهو ذِكْر يُذْكَر به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ذِكْر يتذكر به الناس ويتعظون به وهو أعظم موعظة، ذِكْر أي: شرف لمن تمسك به، إذن هو ذكر لكونه يُذَكِّر الناس ويعظهم؛ ذكر لأنه ذُكِر فيه ما أيش؟ ما يتعلق بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ذكر لأنه شرف لمن يتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال: (وجواب هذا القسم محذوف) لِمَ قال المؤلف: (وجواب هذا القسم)؟ لأنه ما من قسم إلا وله جواب؛ إذ إن القسم أركانه ثلاثة، بل أربعة: مُقْسِم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وصيغة، كل قَسَم لا بد فيه من هذا، وهي أربعة..
* طالب: صيغة، ومقسِم، ومقسَم به، الجواب، هذه أربع.
* طالب آخر: مقسِم، ومقسَم عليه، و ومقسَم به، وصيغة.
* الشيخ: طيب، إذن لا بد فيه من أربعة أركان: مقسِم، ومقسَم به، ومقسم عليه، وصيغة.
المقسم عليه هو جواب القسم، إذن لا بد لكل قسم من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيُعَيِّنه السياق. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور ٥٣] الجواب هنا مذكور ولَّا لا؟ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] مذكور ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
في هذه الآية قد وُجِدَ المقسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمقسِم هو الله، بقي المقسم عليه وهو جواب القسم، يقول المؤلف: (إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة) هذا التقدير، فيكون جواب القسم جملة منفية، (ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة)، ولكن الأمر أن الإله واحد وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعين؛ يعني: لو قال قائل: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إن إلهكم لواحد، لو قال قائل هكذا حصل به ما حصل من قول المؤلف ما الأمر كما قال كفار مكة، وذهب بعض العلماء إلى أن مِثْل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة ١ - ٣]، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٥] ما فيه جواب، فيكون المقسَم به متضمنًا للجواب، كيف يكون متضمنًا الجواب في هذه الجملة القَسَمية؟ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني أنكم قد ذُكِّرْتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذكر به أن الله واحد، وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إلى أن القسم أحيانًا لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يُعْلَم من السياق المقسَم به.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ٢] ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طلبة: الإبطالي.
* الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الإبطالي إبطال ما سبق، كأنه مَسَحَه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار ما سبق لكنه انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذه الإضراب يكون باقيًا غير باطل.
قال: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذا الطريق -أعني أن يخص القرآن ببعض أفراد العام- ليس بسديد ولا جيد؛ وذلك لأنه نقص في التفسير إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب أيش؟ الواجب الأخذ بالعموم؛ لأنه أعم وأكثر معنى، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّةٍ﴾، وليس عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] لكنها عزة أَنَفة وكبرياء وعناد؛ ولهذا قال: (حَمِيَّة وتكبر عن الإيمان)، وهذه عزة مذمومة؛ لأنها عِزَّةٌ تَمْنَع صاحبها من قبول الحق، وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها، وبينهما فرق كبير.
قال: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مُشاقَّة. فشقاق مصدر شاقَّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة، مشاقة لمن؟ مشاقة لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال ١٣]، وهنا قال المؤلف: (خلاف عداوة للنبي ﷺ) وهذا أيضًا فيه نظر، كيف؟ لأنه خَصَّ الشقاق بِمَنْ؟ بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقُّون الله ورسوله فهم في أنفة وكبرياء وحَمِيَّة ومشاقة لله ولرسوله، يعني أنهم يجانبون ما أمر الله به ورسوله كأنما يكونون في شِق، وما جاء به الوحي في شق آخر، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ولربما يقول قائل: إنهم أيضًا في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤].
قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص ٣] (﴿كَمْ﴾ أي كثيرًا أهلكنا) عندكم (أي كثيرًا) بالنصب؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: (أي كثيرًا ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم).
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدَّرَها المؤلف بقوله: (كثيرًا) وعلى هذا فتكون (كم) تكثيريَّة، وهي منصوبة على أنها مفعول مقدم لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ﴿كَمْ﴾؛ لأن كم اسم مبهَم يحتاج إلى تمييز؛ أي: إلى شيء يُبَيِّنها ويميزها. فلو قليل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما تَبَيَّن الكلام، ويش (أهلك)؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تبين الكلام؛ ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لأيش؟ لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ﴿مِنْ﴾.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أُمَّة، والمعنى أن الله أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، فإنه حري أن يهلك هؤلاء. لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين للرسول ﷺ كان بأيدي المؤمنين. فالحروب والقتال الذي وقع بين الرسول ﷺ كان عذابًا لهؤلاء المكذبين، وكان على يد النبي ﷺ وأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه لا شك أنه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا شيء مُشاهَد إذا كانت غلبة عدوك على يدك كان أشفى لصدرك وأحيا لنفسك وأقوى وأعز مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده؛ فلهذا كان هلاك المكذبين للرسول ﷺ كان على يد الرسول ﷺ وأصحابه، والله أعلم.
(...) تعود على الألفاظ باعتبار لفظها ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائدًا على اللفظ، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائدًا على المعنى؛ لأن الطائفة جماعة، إذن ﴿فَنَادَوْا﴾ أي القرن فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: (حين نزول العذاب بهم)، ولكن نَادَوْا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، ولكن لا يمكن؟ أو المعنى أنه نَادَوُا الله أي: دعوه أي يغيثهم؟ أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟
القاعدة عندنا في التفسير أنه متى كان اللفظ صالحًا لمعنيين فأكثر فإنه يُحمل عليهما جميعًا، وعلى هذا فيكون ﴿نَادَوْا﴾ محذوف المفعول من أجل العموم، أي أن بعضهم ينادي بعضًا: يا فلان أغثني، أغثني. كذلك ينادون الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿لَاتَ﴾ هذه (لا) النافية زِيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ كما زيدت تاء التأنيث في (رُبَّت) وفي (ثمت) لتأنيث اللفظ، تقول: رب رجل لقيتُه، وتقول: ربت رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثم قام عمرو، وتقول: قام زيد ثمت قام عمرو، فإذن هي (لا) النافية زيدت عليها أيش؟ تاء التأنيث؛ لماذا؟ لتأنيث اللفظ، هذه (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والتقدير (أي: ليس الحين حين) فسرها المؤلف بالمعنى، فعليه تقول: (لا) بمعنى ليس، واسمها محذوف تقديره الحين، وخبرها موجود وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والغالب أن خبر (لا) يكون زمانًا، هذا الغالب، لا يأتي إلا زمانًا.
قال الشاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ∗∗∗ ............................
يعني وليست الساعة ساعة مندم.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص الفرار والنجاة؛ يعني: ليس الحين حين فرار ونجاة؛ لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة) ليش؟ لتأنيث اللفظ، (والجملة حال من فاعل ﴿نَادَوْا﴾ ) وعلى هذا فتكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائمًا في محل نصب، يعني: نادَوْا في حال لا مناص لهم مما نزل به؛ ولهذا قدرها المؤلف: (أي استغاثوا والحال ألا مهرب ولا منجى).
هذا ما قَدَّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي أنها حالية فتكون مُقيَّدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية فـنادوا، ثم يخبر الله عز وجل أن هذا الوقت ليس وقت مَفَرٍّ.
الفرق بين قولنا: (استئنافية) و(حاليَّة) أنه إذا كانت حالية صارت قيدًا للمناداة؛ يعني: نادوا في حال لا ينفعهم النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيديَّة عما قبلها، يكون الله أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار.
قال المؤلف: (وما اعتبر بهم كفار مكة) وهذه هي الثمرة من ذكر أن الله أهلك قرونًا كثيرًا فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذَوْه، وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن. وكل وصف ينفر الناس عنه وصفوه به ﷺ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص ٤] ﴿عَجِبُوا﴾ العجب يكون له سببان:
السبب الأول: الإنكار.
والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا أي: استحسنه. عجب من كذا يعني أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تُسَمَّى عند علماء العربية الأضداد في اللغة.
العجب تارة يكون استحسانًا وتارة يكون استنكارًا؛ فقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه»[[أخرج البخاري واللفظ له (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٧٦) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنَ في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله.]]. المراد بالإعجاب هنا الاستحسان.
وهنا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هذا عجب استنكار، ليس عجب رضا واستحسان، بل هو عحب استنكار ورَدٍّ، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ٢]، هنا نظيره قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير مِنْ، أي: عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحَوَّل إلى مصدر أي: عجبوا من مجيء المنذر منهم.
وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر هو المخبِر بالخبر للتخويف؛ ولهذا نقول: إن الإنذار خَبَرٌ مقرون بتخويف والنبي ﷺ كان مُنْذِرًا وكان مبشرًا، ولكن الكفار يليق بحالهم أيش؟ الإنذار؛ ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، والتبشير يكون لمن؟ للمؤمنين.
وهنا قال: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق بحالهم.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ نَسَبًا وجنسًا؛ فهو منهم جنسًا لأنه بشر، ولم ينزل الله تعالى رسولًا على البشر من الملائكة. نسبًا؛ لأنه من قريش، فهو منهم جنسًا ونسبًا ومع ذلك عجبوا.
قال المؤلف: (رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث) أي: بعد أن يُبْعَثوا، وهو النبي ﷺ. عجبوا عجب استنكار ورَفْضٍ ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالأول بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذبًا خائنا، والعياذ بالله.
طيب، إذن معاداتهم لهم ليس لشخصه، ولكن أيش؟ لما جاء به.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، وكيف يكون الكلام لو أُتِي بالمضمر؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار:
أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا تَغَيَّر نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه، بخلاف ما إذا كان على نسق واحد فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه.
ثانيًا: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ لأنه لو قال: وقالوا: هذا ساحر كذاب لم نعرف حكمهم، فإذا قال: وقال الكافرون عرفنا أنهم أيش؟ أنهم كافرون.
الثالث: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعُد أن يأتي مِنْ غيرهم مثل ما أتى منهم؛ لأنه إذا كانت العلة واحدة، فمتى وُجِدَت هذه العلة حصل المعلول من أي شخص كان. فهذه فوائد الإظهار في موضع الإضمار، يقولها لنا عيسى.
* طالب: تنبيه المخاطب.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: الإعلام بأن هؤلاء كافرون.
* الشيخ: نعم، الثالث؟
* الطالب: التسجيل على الكفار بالكفر.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تسجيل الكفر على الكفار.
* الشيخ: هذا اللي قال الأخ.
* الطالب: تعليل الحكم.
* الشيخ: يعني: تعليل هذا القول بأن الحامل عليه هو الكفر فيكون هذا متعديًّا لغيرهم، يعني كل كافر يقول هذا الكلام، طيب.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يشيرون إلى مَنْ؟ إلى المنذر منهم وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين أمرين، وَصْفَيْن ذميمين، ﴿سَاحِرٌ﴾؛ لأنه يسبي عقول الناس، ﴿كَذَّابٌ﴾؛ لأن ما جاء به كذب غير مطابقٍ للواقع، فصار الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أصدق الخلق صار عندهم كذابًا، ولم يقولوا: كاذبًا؛ لأن كذابًا تكون صفة للمتصف بها، كما تقول: نَجَّار، وحداد، وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناس قراءته تَأَثَّرُوا بها تأثُّرًا عظيمًا، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ يسمعون قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة ، فكان كفار قريش يقولون: إن محمدًا سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر لقوة تأثيره فيهم، ﴿كَذَّابٌ﴾ يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له، طيب، مَنِ الكاذب؟ الكاذب هو المخبِر بخلاف الواقع، كل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذَبك.
قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا مَصَبُّ الإنكار، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا الاستفهام يحمل معنيين:
المعنى الأول: التعجب الاستنكاري.
والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ؛ حيث جعل الآلهة إلهًا واحدًا، هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبت مفعولين: الأول: ﴿الْآلِهَةَ﴾، والثاني: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾، يعني: أصيَّر محمدٌ الآلهةَ إلهًا واحدًا، وهم يعبدون آلهة متعددة؛ اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وغيرها من الأصنام، كيف يأتي محمد ويقول: ليس فيه آلهة إلا الله؟ هذا عندهم من أكبر الكذب.
طيب، يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ من حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ وهذا من جهلهم وغباواتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهًا واحدًا. فنقول لهم: مَنِ الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله، كم هذه؟ ويش جوابها؟ واحد. إذا كان الخالق هو الله وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد. ومن وَسِع الخلق خلقًا وسعهم تَعَبُّدًا فإذا كانت الآلهة لم تَخْلُق شيئًا بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون إلهًا؟ وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في واحد.
ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه جَعْلُه الآلهة إلهًا واحدًا؛ يعني: إن جعله الآلهة إلهًا واحدًا ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة ﴿عُجَابٌ﴾ أبلغ من كلمة عجيب؛ لأنها تدل على المبالغة أي: لشيءٌ يتعجب منه الإنسان عجبًا عظيمًا كثيرًا؛ ولهذا عدلوا عن عجيب إلى ﴿عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ ولم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء. فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه؛ ولهذا قال: ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾، والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء. والأشراف والكبراء والوجهاء هم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردِّ والرفض خوفًا على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل، ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف، أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول مَنْ ينقاد للرسل.
هنا ينطلق الملأ منهم، ينطلقون من أي شيء؟ من كل مكان اجتمعوا فيه، كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد ينطلقون هذا الانطلاق.
وأما قول المؤلف: (﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من أن النبي ﷺ قولوا: لا إله إلا الله) فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو المعنى العام على المعنى الخاص، وهذا نقص بلا شك إلا إذا قام الدليل على ذلك فليُتْبَع الدليل فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هذا عام، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المراد بالناس الخاص ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليس كل الناس جمعوا للرسول ﷺ، الذين لم تبلغهم الدعوة ما جمعوا له فيكون هذا تفسيرنا الناس بخاص في هذه الآية تفسيرًا دل عليه الواقع أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إن كان من العام، وعلى إطلاقه إن كان من المطلق.
طيب هنا نقول: المؤلف رحمه الله جعل الانطلاق من مجلس خاص، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه عند رسول الله ﷺ وهو عند أبي طالب حين قال: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الترمذي (٣٢٣٢) بسنده عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله». فقالوا: إلهًا واحدًا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ١ - ٧].]]، ولكن الأولى أن نجعله عامًّا يشمل هذا المجلس وغيره.
﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ هل المراد هنا المشي بالقدم أو المراد المشي بالطريقة؛ يعني: سيروا على طريقتكم واصبروا عل آلهتكم؟
من نظر إلى الانطلاق ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم؛ يعني: إنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضًا على المشي والسير لئلا يعودوا، فيعرجون على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فرارًا فيوصي بعضهم بعضًا بالمشي، وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن المراد بذلك أيش؟ المشي على الطريقة يعني: سيروا على طريقتكم، ولا يهمنكم أحد.
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني احبسوا أنفسكم عليها، لا تحيدوا عنها، وهذا من باب التواصي بماذا؟ بالباطل.
(يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ). ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: اثبتوا عليها في عبادتها والدفاع عنها وعدم قبول كل شيء يبطلها، اصبروا.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَنْ جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أن هذا الرجل قال قولًا يريده فهو جادٌّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريده بما يحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول باللسان والقلب تجده يصمم ويعزم على أن يُنَفِّذ ما قال، لكن الذي لا يريد يكون قوله سطحيًّا.
فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ من يريده؟ قائله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف من قال قولًا لا يريده مثل أن يقول القول مجاملة أو من أجل إمضاء الوقت أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ما هذا النداء؟
* طالب: (...) للاستغاثة.
* الشيخ: نعم، لكن من ينادون؟
* الطالب:عام، ينادون أنفسهم (...) وينادون الله.
* الشيخ: لطلب الغوث؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ كيف تعرب (لات)؟
* طالب: لا نافية للجنس وتعمل عمل ليس، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، واسم (لا) محذوف وتقديره الحين، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، وما معنى ﴿مَنَاصٍ﴾؟
* الطالب: ﴿مَنَاصٍ﴾ أي: الفرار والنجاة.
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.
ص 38:6
ثم قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١] قال المؤلف: (سورة ص مكية)، والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي.
قال: (ست أو ثمان وثمانون آية) والآيات هي عبارة عن الفواصل التي ستكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسميت آية؛ لأنها معجزة، فإن القرآن كما سبق قد تحدى الله فيه الناس أن يأتوا بحديث مثله وإن قلَّ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة (براءة) فإنه لا يُؤْتَى بها؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل (براءة) بقية الأنفال أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلًا ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع وأنهم مصيبون فيه قطعًا؛ وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]. فلما لم تبقَ باجتهاد من الصحابة عُلِمَ أنهم كانوا مصيبين للواقع.
والبسملة كما تشاهدون جار ومجرور ومضاف إليه وصفة يعني نعتًا، والقاعدة النحوية أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي من شيء يتعلق به. والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول؛ ولهذا قال ناظم الجُمَل قال:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْــــــــلٍ اوْ مَعْــــــــنَاهُنَحْــــــــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل أو بما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول.
إذن البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هذا المتعلق؟ أصح ما قيل في متعلق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير (باسم الله أقرأ)، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير باسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير باسم الله أذبح؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١و٢) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.]].
وإنما يُقَدَّر فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط، طيب، إذن نقدره فعلًا؛ لأن هو الأصل في العامل ونقدِّره متأخرًا فنقول: بسم الله أقرأ؛ لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله).
والسبب الثاني: إفادة الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر تقديمَ ما حقُّه التأخير، طيب، وقدَّرْناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المقصود مما لو قدرناه فعلًا عامًّا كما قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو باسم الله أبدأ؛ لأن باسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تُعَيِّن الفعل الذي ابتدأت به. فالحاصل أننا نقدر في البسملة؟
* الطالب: بالعامل.
* الشيخ: نقدره أيش؟
* الطالب: باسم الله.
* الشيخ: إي نعم، ويش نقدِّر العامل؟ يعني متعلق الجار والمجرور نقدره أيش؟
* الطالب: أنه فعل متأخر مناسب..
* الشيخ: نعم، نقدِّرُه فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام. نقدره فعلًا لماذا؟ بندر.
* الطالب: لأن الأصل في العامل الفعل.
* الشيخ: لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا. طيب، ونقدره متأخرًا.
* الطالب: لسببين..
* الشيخ: لسببين؟
* الطالب: التبرك بـ(باسم الله). الثاني: الحصر.
* الشيخ: التبرك بالبداءة بـ(باسم الله)، الثاني: إفادة الحصر، كيف نقول: إفادة الحصر، ليش؟
* الطالب: القاعدة اذا تَأَخَّر المعمول عن العامل هذا يفيد الحصر.
* الشيخ: الثالث: نقدره بفعل مناسب؟
* الطالب: لأنه أدل على المقصود.
* الشيخ: لأنه أدل على المقصود؛ إذ أنك إذا قَدَّرت (باسم الله أقرأ) كان أدل على المقصود من قولك: باسم الله أبتدئ؛ لأن (أبتدئ) بأي شيء تبتدئ؟ فهو أدل وأخص.
قال الله عز وجل: ﴿ص﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به)؛ وذلك لأن كلمة ﴿ص﴾ حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن حال الحروف الهجائية التي ابتدئ بها بعض السور رموز إلى معانٍ وعيَّنَها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله أو من أسماء الرسول، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف بأنها مجهولة المعنى لا ندري ما معناها.
ولكنَّ القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد رحمه الله، أن نقول: ليس لها معنى؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي لا يُثْبِت معنى لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى، يعني ويش معنى (ص) (ن) (ق) (الم)؟ وما أشبهها، فهي ليس لها معنى في اللغة العربية إذن ليس لها معنى في القرآن؛ لأن القرآن باللغة العربية.
ولكن يُشْكِل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لَغْوٌ ليس منها فائدة.
والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغوًا في سياقها فإنه جاءت لمغزىً عظيم؛ وذلك المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: والله لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم.
قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدت بعد هذا الحرف ذكرَ القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١] فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحرف الهجائي ذكر القرآن ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾؛ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَنْ تمسك بالقرآن وهو الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئًا من خصائص الوحي وهو علم الغيب فإن كون الروم غُلِبَت الآن وستغلب في بعض السنين من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديدًا مقبولًا أم لم يكن فإن النادر لا حكم له.
قال: ﴿ص﴾ إذن نقول فيها: ﴿ص﴾ حرف هجائي ليس له معنى، لكنه جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز هؤلاء العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم.
قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا حرف قَسَم؛ ولهذا جرَّت الكلمة التي بعدها ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والواو حرف قسم لا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، يعني تختص الواو التي للقسم بأنها لا تدخل على اسم ظاهر ولا يُذْكَر معها فعل القسم، بخلاف الباء، باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير ويذكر معها فعل القسم ويحذف، وتدخل على كل اسمٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام ١٠٩] فذكر معها فعل القسم، وتقول: ربي به لأفعلن. أو: أقسم به لأفعلن. فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم ما تدخل إلا على الله، ولا يُذْكَر معها فعل القسم وقيل: تدخل على الله وعلى رَبِّ، قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ .......... والتَّاءُ لِلَّهِ وَ(رَبْ)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وأكثر ما يقسم الله به الواو؛ وذلك لأنها هي الأكثر على الألسُن فجاءت الأكثر في القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة.
وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال المؤلف: (أي البيان أو الشرف) يعني أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف مَنْ يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فهو ذِكْر يُذْكَر به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، ذِكْر يتذكر به الناس ويتعظون به وهو أعظم موعظة، ذِكْر أي: شرف لمن تمسك به، إذن هو ذكر لكونه يُذَكِّر الناس ويعظهم؛ ذكر لأنه ذُكِر فيه ما أيش؟ ما يتعلق بمصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ذكر لأنه شرف لمن يتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال: (وجواب هذا القسم محذوف) لِمَ قال المؤلف: (وجواب هذا القسم)؟ لأنه ما من قسم إلا وله جواب؛ إذ إن القسم أركانه ثلاثة، بل أربعة: مُقْسِم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وصيغة، كل قَسَم لا بد فيه من هذا، وهي أربعة..
* طالب: صيغة، ومقسِم، ومقسَم به، الجواب، هذه أربع.
* طالب آخر: مقسِم، ومقسَم عليه، و ومقسَم به، وصيغة.
* الشيخ: طيب، إذن لا بد فيه من أربعة أركان: مقسِم، ومقسَم به، ومقسم عليه، وصيغة.
المقسم عليه هو جواب القسم، إذن لا بد لكل قسم من جواب، والجواب إن كان مذكورًا فهو معلوم، وإن كان محذوفًا فيُعَيِّنه السياق. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور ٥٣] الجواب هنا مذكور ولَّا لا؟ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] مذكور ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.
في هذه الآية قد وُجِدَ المقسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمقسِم هو الله، بقي المقسم عليه وهو جواب القسم، يقول المؤلف: (إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة) هذا التقدير، فيكون جواب القسم جملة منفية، (ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة)، ولكن الأمر أن الإله واحد وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعين؛ يعني: لو قال قائل: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إن إلهكم لواحد، لو قال قائل هكذا حصل به ما حصل من قول المؤلف ما الأمر كما قال كفار مكة، وذهب بعض العلماء إلى أن مِثْل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة ١ - ٣]، ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ١ - ٥] ما فيه جواب، فيكون المقسَم به متضمنًا للجواب، كيف يكون متضمنًا الجواب في هذه الجملة القَسَمية؟ ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني أنكم قد ذُكِّرْتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذكر به أن الله واحد، وإلى هذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إلى أن القسم أحيانًا لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يُعْلَم من السياق المقسَم به.
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ٢] ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طلبة: الإبطالي.
* الشيخ: ما الفرق بينهما؟ الإبطالي إبطال ما سبق، كأنه مَسَحَه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار ما سبق لكنه انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذه الإضراب يكون باقيًا غير باطل.
قال: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة) وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذا الطريق -أعني أن يخص القرآن ببعض أفراد العام- ليس بسديد ولا جيد؛ وذلك لأنه نقص في التفسير إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب أيش؟ الواجب الأخذ بالعموم؛ لأنه أعم وأكثر معنى، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّةٍ﴾، وليس عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] لكنها عزة أَنَفة وكبرياء وعناد؛ ولهذا قال: (حَمِيَّة وتكبر عن الإيمان)، وهذه عزة مذمومة؛ لأنها عِزَّةٌ تَمْنَع صاحبها من قبول الحق، وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها، وبينهما فرق كبير.
قال: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مُشاقَّة. فشقاق مصدر شاقَّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة، مشاقة لمن؟ مشاقة لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال ١٣]، وهنا قال المؤلف: (خلاف عداوة للنبي ﷺ) وهذا أيضًا فيه نظر، كيف؟ لأنه خَصَّ الشقاق بِمَنْ؟ بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقُّون الله ورسوله فهم في أنفة وكبرياء وحَمِيَّة ومشاقة لله ولرسوله، يعني أنهم يجانبون ما أمر الله به ورسوله كأنما يكونون في شِق، وما جاء به الوحي في شق آخر، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ولربما يقول قائل: إنهم أيضًا في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤].
قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص ٣] (﴿كَمْ﴾ أي كثيرًا أهلكنا) عندكم (أي كثيرًا) بالنصب؟
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: (أي كثيرًا ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم).
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدَّرَها المؤلف بقوله: (كثيرًا) وعلى هذا فتكون (كم) تكثيريَّة، وهي منصوبة على أنها مفعول مقدم لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ﴿كَمْ﴾؛ لأن كم اسم مبهَم يحتاج إلى تمييز؛ أي: إلى شيء يُبَيِّنها ويميزها. فلو قليل: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما تَبَيَّن الكلام، ويش (أهلك)؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تبين الكلام؛ ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لأيش؟ لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ﴿مِنْ﴾.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أُمَّة، والمعنى أن الله أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيرًا من الأمم قبل هؤلاء، فإنه حري أن يهلك هؤلاء. لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين للرسول ﷺ كان بأيدي المؤمنين. فالحروب والقتال الذي وقع بين الرسول ﷺ كان عذابًا لهؤلاء المكذبين، وكان على يد النبي ﷺ وأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه لا شك أنه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا شيء مُشاهَد إذا كانت غلبة عدوك على يدك كان أشفى لصدرك وأحيا لنفسك وأقوى وأعز مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده؛ فلهذا كان هلاك المكذبين للرسول ﷺ كان على يد الرسول ﷺ وأصحابه، والله أعلم.
(...) تعود على الألفاظ باعتبار لفظها ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائدًا على اللفظ، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائدًا على المعنى؛ لأن الطائفة جماعة، إذن ﴿فَنَادَوْا﴾ أي القرن فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى.
وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: (حين نزول العذاب بهم)، ولكن نَادَوْا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، ولكن لا يمكن؟ أو المعنى أنه نَادَوُا الله أي: دعوه أي يغيثهم؟ أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟
القاعدة عندنا في التفسير أنه متى كان اللفظ صالحًا لمعنيين فأكثر فإنه يُحمل عليهما جميعًا، وعلى هذا فيكون ﴿نَادَوْا﴾ محذوف المفعول من أجل العموم، أي أن بعضهم ينادي بعضًا: يا فلان أغثني، أغثني. كذلك ينادون الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤]، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿لَاتَ﴾ هذه (لا) النافية زِيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ كما زيدت تاء التأنيث في (رُبَّت) وفي (ثمت) لتأنيث اللفظ، تقول: رب رجل لقيتُه، وتقول: ربت رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثم قام عمرو، وتقول: قام زيد ثمت قام عمرو، فإذن هي (لا) النافية زيدت عليها أيش؟ تاء التأنيث؛ لماذا؟ لتأنيث اللفظ، هذه (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والتقدير (أي: ليس الحين حين) فسرها المؤلف بالمعنى، فعليه تقول: (لا) بمعنى ليس، واسمها محذوف تقديره الحين، وخبرها موجود وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، والغالب أن خبر (لا) يكون زمانًا، هذا الغالب، لا يأتي إلا زمانًا.
قال الشاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ∗∗∗ ............................
يعني وليست الساعة ساعة مندم.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص الفرار والنجاة؛ يعني: ليس الحين حين فرار ونجاة؛ لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفسًا إيمانها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة) ليش؟ لتأنيث اللفظ، (والجملة حال من فاعل ﴿نَادَوْا﴾ ) وعلى هذا فتكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائمًا في محل نصب، يعني: نادَوْا في حال لا مناص لهم مما نزل به؛ ولهذا قدرها المؤلف: (أي استغاثوا والحال ألا مهرب ولا منجى).
هذا ما قَدَّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي أنها حالية فتكون مُقيَّدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية فـنادوا، ثم يخبر الله عز وجل أن هذا الوقت ليس وقت مَفَرٍّ.
الفرق بين قولنا: (استئنافية) و(حاليَّة) أنه إذا كانت حالية صارت قيدًا للمناداة؛ يعني: نادوا في حال لا ينفعهم النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيديَّة عما قبلها، يكون الله أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار.
قال المؤلف: (وما اعتبر بهم كفار مكة) وهذه هي الثمرة من ذكر أن الله أهلك قرونًا كثيرًا فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذَوْه، وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن. وكل وصف ينفر الناس عنه وصفوه به ﷺ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص ٤] ﴿عَجِبُوا﴾ العجب يكون له سببان:
السبب الأول: الإنكار.
والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا أي: استحسنه. عجب من كذا يعني أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلمات تدل على المعنى وضده تُسَمَّى عند علماء العربية الأضداد في اللغة.
العجب تارة يكون استحسانًا وتارة يكون استنكارًا؛ فقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه»[[أخرج البخاري واللفظ له (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٧٦) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنَ في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله.]]. المراد بالإعجاب هنا الاستحسان.
وهنا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هذا عجب استنكار، ليس عجب رضا واستحسان، بل هو عحب استنكار ورَدٍّ، وهذا نظير قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ٢]، هنا نظيره قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير مِنْ، أي: عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحَوَّل إلى مصدر أي: عجبوا من مجيء المنذر منهم.
وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر هو المخبِر بالخبر للتخويف؛ ولهذا نقول: إن الإنذار خَبَرٌ مقرون بتخويف والنبي ﷺ كان مُنْذِرًا وكان مبشرًا، ولكن الكفار يليق بحالهم أيش؟ الإنذار؛ ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، والتبشير يكون لمن؟ للمؤمنين.
وهنا قال: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق بحالهم.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ نَسَبًا وجنسًا؛ فهو منهم جنسًا لأنه بشر، ولم ينزل الله تعالى رسولًا على البشر من الملائكة. نسبًا؛ لأنه من قريش، فهو منهم جنسًا ونسبًا ومع ذلك عجبوا.
قال المؤلف: (رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث) أي: بعد أن يُبْعَثوا، وهو النبي ﷺ. عجبوا عجب استنكار ورَفْضٍ ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالأول بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذبًا خائنا، والعياذ بالله.
طيب، إذن معاداتهم لهم ليس لشخصه، ولكن أيش؟ لما جاء به.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، وكيف يكون الكلام لو أُتِي بالمضمر؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار:
أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا تَغَيَّر نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه، بخلاف ما إذا كان على نسق واحد فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه.
ثانيًا: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ لأنه لو قال: وقالوا: هذا ساحر كذاب لم نعرف حكمهم، فإذا قال: وقال الكافرون عرفنا أنهم أيش؟ أنهم كافرون.
الثالث: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعُد أن يأتي مِنْ غيرهم مثل ما أتى منهم؛ لأنه إذا كانت العلة واحدة، فمتى وُجِدَت هذه العلة حصل المعلول من أي شخص كان. فهذه فوائد الإظهار في موضع الإضمار، يقولها لنا عيسى.
* طالب: تنبيه المخاطب.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: الإعلام بأن هؤلاء كافرون.
* الشيخ: نعم، الثالث؟
* الطالب: التسجيل على الكفار بالكفر.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تسجيل الكفر على الكفار.
* الشيخ: هذا اللي قال الأخ.
* الطالب: تعليل الحكم.
* الشيخ: يعني: تعليل هذا القول بأن الحامل عليه هو الكفر فيكون هذا متعديًّا لغيرهم، يعني كل كافر يقول هذا الكلام، طيب.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يشيرون إلى مَنْ؟ إلى المنذر منهم وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين أمرين، وَصْفَيْن ذميمين، ﴿سَاحِرٌ﴾؛ لأنه يسبي عقول الناس، ﴿كَذَّابٌ﴾؛ لأن ما جاء به كذب غير مطابقٍ للواقع، فصار الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أصدق الخلق صار عندهم كذابًا، ولم يقولوا: كاذبًا؛ لأن كذابًا تكون صفة للمتصف بها، كما تقول: نَجَّار، وحداد، وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناس قراءته تَأَثَّرُوا بها تأثُّرًا عظيمًا، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ يسمعون قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة ، فكان كفار قريش يقولون: إن محمدًا سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر لقوة تأثيره فيهم، ﴿كَذَّابٌ﴾ يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له، طيب، مَنِ الكاذب؟ الكاذب هو المخبِر بخلاف الواقع، كل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذَبك.
قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] هذا مَصَبُّ الإنكار، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا الاستفهام يحمل معنيين:
المعنى الأول: التعجب الاستنكاري.
والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ؛ حيث جعل الآلهة إلهًا واحدًا، هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبت مفعولين: الأول: ﴿الْآلِهَةَ﴾، والثاني: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾، يعني: أصيَّر محمدٌ الآلهةَ إلهًا واحدًا، وهم يعبدون آلهة متعددة؛ اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وغيرها من الأصنام، كيف يأتي محمد ويقول: ليس فيه آلهة إلا الله؟ هذا عندهم من أكبر الكذب.
طيب، يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ من حيث قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ وهذا من جهلهم وغباواتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهًا واحدًا. فنقول لهم: مَنِ الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله، كم هذه؟ ويش جوابها؟ واحد. إذا كان الخالق هو الله وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد. ومن وَسِع الخلق خلقًا وسعهم تَعَبُّدًا فإذا كانت الآلهة لم تَخْلُق شيئًا بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون إلهًا؟ وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في واحد.
ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه جَعْلُه الآلهة إلهًا واحدًا؛ يعني: إن جعله الآلهة إلهًا واحدًا ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ﴿عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة ﴿عُجَابٌ﴾ أبلغ من كلمة عجيب؛ لأنها تدل على المبالغة أي: لشيءٌ يتعجب منه الإنسان عجبًا عظيمًا كثيرًا؛ ولهذا عدلوا عن عجيب إلى ﴿عُجَابٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ ولم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء. فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه؛ ولهذا قال: ﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾، والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء. والأشراف والكبراء والوجهاء هم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردِّ والرفض خوفًا على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل، ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف، أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول مَنْ ينقاد للرسل.
هنا ينطلق الملأ منهم، ينطلقون من أي شيء؟ من كل مكان اجتمعوا فيه، كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد ينطلقون هذا الانطلاق.
وأما قول المؤلف: (﴿انطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من أن النبي ﷺ قولوا: لا إله إلا الله) فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو المعنى العام على المعنى الخاص، وهذا نقص بلا شك إلا إذا قام الدليل على ذلك فليُتْبَع الدليل فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هذا عام، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المراد بالناس الخاص ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليس كل الناس جمعوا للرسول ﷺ، الذين لم تبلغهم الدعوة ما جمعوا له فيكون هذا تفسيرنا الناس بخاص في هذه الآية تفسيرًا دل عليه الواقع أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إن كان من العام، وعلى إطلاقه إن كان من المطلق.
طيب هنا نقول: المؤلف رحمه الله جعل الانطلاق من مجلس خاص، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه عند رسول الله ﷺ وهو عند أبي طالب حين قال: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الترمذي (٣٢٣٢) بسنده عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله». فقالوا: إلهًا واحدًا، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ١ - ٧].]]، ولكن الأولى أن نجعله عامًّا يشمل هذا المجلس وغيره.
﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ هل المراد هنا المشي بالقدم أو المراد المشي بالطريقة؛ يعني: سيروا على طريقتكم واصبروا عل آلهتكم؟
من نظر إلى الانطلاق ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم؛ يعني: إنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضًا على المشي والسير لئلا يعودوا، فيعرجون على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فرارًا فيوصي بعضهم بعضًا بالمشي، وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن المراد بذلك أيش؟ المشي على الطريقة يعني: سيروا على طريقتكم، ولا يهمنكم أحد.
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني احبسوا أنفسكم عليها، لا تحيدوا عنها، وهذا من باب التواصي بماذا؟ بالباطل.
(يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ). ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: اثبتوا عليها في عبادتها والدفاع عنها وعدم قبول كل شيء يبطلها، اصبروا.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَنْ جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أن هذا الرجل قال قولًا يريده فهو جادٌّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريده بما يحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول باللسان والقلب تجده يصمم ويعزم على أن يُنَفِّذ ما قال، لكن الذي لا يريد يكون قوله سطحيًّا.
فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ من يريده؟ قائله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف من قال قولًا لا يريده مثل أن يقول القول مجاملة أو من أجل إمضاء الوقت أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٧، ٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ما هذا النداء؟
* طالب: (...) للاستغاثة.
* الشيخ: نعم، لكن من ينادون؟
* الطالب:عام، ينادون أنفسهم (...) وينادون الله.
* الشيخ: لطلب الغوث؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ كيف تعرب (لات)؟
* طالب: لا نافية للجنس وتعمل عمل ليس، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، واسم (لا) محذوف وتقديره الحين، وخبرها ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾، وما معنى ﴿مَنَاصٍ﴾؟
* الطالب: ﴿مَنَاصٍ﴾ أي: الفرار والنجاة.
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.