Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — ص 38:33 – ص 38:44

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. ص 38:33
  2. ص 38:34
  3. ص 38:35
  4. ص 38:36
  5. ص 38:37
  6. ص 38:38
  7. ص 38:39
  8. ص 38:40
  9. ص 38:41
  10. ص 38:42
  11. ص 38:43
  12. ص 38:44

ص 38:33

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص ٢٦]. يخاطب الله تعالى داود بالنداء، والمخاطبة بالنداء يُراد بها التنبيه؛ لأن هناك فرقًا بين أن تقول: محمدٌ قام، وبين أن تقول: يا عليُّ محمدٌ قام؛ ففي الثاني تنبيه، وإذا كان الكلام يحتاج إلى تنبيهٍ فإنه دليلٌ على أهميته؛ إذْ إنَّ الكلام الذي يُهتَمُّ به يقدَّم بين يديه ما يكون به التنبيه، فالله عز وجل ينادي داود تنبيهًا لما سيُلقي عليه فيقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿جَعَلْنَاكَ﴾ أي صيَّرناك؛ لأن الجَعل تارةً يكون للتصيير وتارةً يكون للإيجاد؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١] هذه جَعْل أيش؟ إيجاد، جَعْل إيجادٍ؛ يعني: أوجدَهما، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] أي: صيَّرناه؛ جَعْل تصيير. والفرق بينهما أنه إنْ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ صار بمعنى الإيجاد، وإنْ تعدَّى إلى مفعولين صار بمعنى التصيير، هنا يقول: ﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ تعدَّى إلى مفعولين: الكاف و(خليفة)، فتكون بمعنى التصيير. وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خالفًا لنا في تبليغ شَرْعنا، وليس المراد أنه خالِفٌ له أنه يأتي بعده؛ لأن الله تعالى هو الأول والآخِر والظاهر والباطن، لكن خليفة لله في تبليغ أيش؟ في تبليغ شَرْعه وحُكمه بين الناس. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ أي: فبناءً على كونك خليفةً في الأرض احكُم. قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تُدبِّر أَمْر الناس) كما يدبِّر الخلفاءُ أَمْر مَن جعلهم الله راعين له. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الفاء هذه -كما قلت- للتفريع، على أيش؟ على جَعْله خليفةً. ﴿احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل؛ لأن الحقَّ إن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصِّدق، وإن كان في مقابلة الحُكم فهو بمعنى العدل؛ فإذا قيل: أخبرني محمدٌ بكذا وهو حق؛ يعني صدقًا. وإذا قلت: حكم فلانٌ بكذا وهو حق؛ يعني عدلًا. هنا يقول: ﴿احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل؛ لأن الحق هنا وُصِف به الحُكم فصار بمعنى العدل. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، وهذا يتضمَّن الحُكمَ، وطريقَ الحُكم، ولوازمَه؛ فالحُكم بأن تحكم بالشرع، وطريقه -طريق الحكم- أن تعدل بين الخصمين في كل شيء، حتى إن العلماء يقولون: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولحظه، وكلامه، وجلوسهما، ودخولهما عليه، في كلِّ شيء: ففي لفظه: لا يُغَلِّظ القولَ لأحد الخصمين ويُلين القولَ للآخر. وفي لحظه: لا ينظر إلى أحد الخصمين نظرة غضب وإلى الثاني نظرة رضا. مجلسه: لا يُجلس أحد الخصمين إلى جانبه والثاني بعيدًا عنه. دخولهما عليه: لا يقُل لأحدهما: ادخُل، قبل الآخَر، حتى ولو كان كافرًا فإنه لا يقدِّم المسلمَ عليه في الدخول، وإن كان بعض العلماء قال: إذا كان أحدهما كافرًا فإنه يقدِّم المسلمَ عليه في الدخول، لكن المقام مقام حُكم، الواجب فيه العدل، وهذا كُفره عليه وهذا إسلامُه له، هذا إذا كان الدخول يحتاج إلى تقديم وتأخير، أمَّا إذا كان الباب مفتوحًا فإنه لا يلزمه أن يجعل عند الباب رجلًا يقول: ادخلا جميعًا، يجعل الأمر موكولًا إلى مَن؟ إلى الخُصوم؛ مَن جاء فليدخل، دخل قبل الثاني أو بعده، لكن إذا كان هناك ترتيب في الدخول فلا يقدِّم أحدهما على الآخَر، هذا طريق الحكم. أمَّا الحُكم فإذا علم أن الحقَّ مع أحدهما وجب عليه أن يحكم به له مهما كان، سواءٌ كان عدوًّا أو صديقًا. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الناس أصلُها (الأُناس)، لكن حُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت من (شر) و(خير)؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة ٦٠] أي: بما هو أشرُّ من ذلك. ثم قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، ﴿الْهَوَى﴾ هوى النفس، وإنما نهاه عن اتباع الهوى تعظيمًا لهذا الأمر، ولا يَلزم من نهيه عنه أن يكون ممكنًا في حقه؛ كما قال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] ولا يَلزم من هذا أن يكون الإشراك في حقِّه ممكنًا، وقد يقال: إن الله نهاه عن اتباع الهوى لقُوَّة الهوى في البَشَر؛ فإن الهوى في البَشَر أمرٌ مفطورٌ عليه البَشَر؛ لأنه يندر أنَّ شخصًا يتقدَّم إليه أبوه مع شخصٍ آخَر عدوٍّ له، يندر ألَّا يكون له هوًى، أو يتقدَّم إليه شخصٌ من أصدقائه الحميمين وآخَر من أعدائه الألِدَّاء ثم لا يميل مع الأول، يندر هذا، فلِقُوَّة الداعي -وهو الهوى- نهى الله عنه وإنْ كان لا يمكن في حقِّه. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ أي: هوى النفس ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص ٢٦]، ﴿فَيُضِلَّكَ﴾، فالفعل هنا مضارعٌ، ولكنَّه منصوبٌ، فلماذا كان منصوبًا؟ لأنه وقع بعد النهي، والمضارع إذا اقترنت به الفاء بعد النهي صار منصوبًا بـ(أنْ) مضمرة وجوبًا. وقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجعلك تضلُّ وتحيد يمينًا وشمالًا. وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (أي: عن الدلائل الدالَّة على توحيده). هذا ضعيف جدًّا هذا التفسير، بل المراد بـ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريقه الموصل إليه؛ لأن السبيل في الأصل هو الطريق، وأُضيف إلى الله لأنَّ الله هو الذي وضعه، وهو الذي شرعه، ولأن هذا السبيل يؤدِّي إلى مَن؟ يؤدِّي إلى الله، فأُضيفَ إلى الله باعتبار وضْعه وباعتبار نهايته. وإذا قُلنا بما ذكرت: أن المراد ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن طريقه وشريعته، صار أعمَّ مما قال المؤلف، أعمَّ مما قال وألصقَ باللفظ؛ لأن السبيل في اللغة معروفٌ أنه الطريق، وليست الدلائل الدالَّة على التوحيد، لكن الدلائل الدالَّة على التوحيد لا شك أن النظر فيها من شريعة الله. ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص ٢٦] إلى آخره، لم يقُل الله عز وجل: إنك إنْ تتَّبع الهوى أو إنْ تضلَّ عن سبيل الله فلَكَ عذابٌ شديدٌ، بل أتى بالجملة الاستئنافية الاستقلالية؛ أولًا: تفاديًا لمخاطبة داود بذلك، وثانيًا: ليكون أعمَّ. ففيه فائدتان: الأولى: تفادى مخاطبة داود بذلك ، والثانية: إرادة العموم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فعبَّر بالفعل الماضي الدالِّ على الغائب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ولم يقُل: عبستَ وتولَّيتَ أنْ جاءك الأعمى وما يُدريك لعله يزَّكى، بل قال: ﴿عَبَسَ﴾ تفاديًا لمخاطبة الرسول ﷺ بمثل هذا الوصف. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قال المؤلف: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الإيمان بالله)، وهذا أيضًا فيه نظر، والصحيح أن سبيل الله هنا هو سبيل الله الأول، والمراد به أيش؟ شريعته؛ لأنها هي الطريق الموصل إليه. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وأين اسمها؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ هذا الاسم، و﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبرها، فالجملة هنا خبر لـ﴿إِنَّ﴾، وكلُّ جملة تقع خبرًا فلا بدَّ فيها من رابط يربط بين هذه الجملة وبين المبتدأ، والرابط هنا الضمير في قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. وقوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ أي: قوي وعظيم، ويدلُّك لقوَّته وعظمته ما وصفه الله به في القرآن الكريم من صفاتٍ تنزعج لها القلوب وتتفطَّر لها الأكباد. وقوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ أي: قوي ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص ٢٦] أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب، فالباء هنا للسببية، و(ما) مصدرية، ولهذا قال المؤلف: (بنسيانهم يوم الحساب المرتَّب عليه تركُهم للإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا). وقوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ المراد بيوم الحساب يومُ القيامة، وأُضيفَ إلى الحساب لأن الناس يحاسَبون فيه على أعمالهم، وأولُ ما يحاسَب به الإنسان فيما يتعلَّق بحقِّ الله الصلاةُ، وأولُ ما يحاسَب عليه فيما يتعلَّق بحقِّ الآدميين هو الدماء؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»[[أخرجه البخاري (٦٨٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. * طالب: (...) السجدة استغفر ربه (...) السجدة هل هي سجدة (...)؟ * الشيخ: أما بالنسبة لداود فهي سجدة التوبة، ولهذا قلنا: إن المشروع في شرعنا أن يصلي ركعتين لا أن يسجد مرة واحدة. أمَّا بالنسبة لنا نحن تالي القرآن فإنَّ السجدة سجدةُ تلاوة، ولهذا يُسَنُّ للإنسان أن يسجد ولو كان في الصلاة، خلافًا لمن قال: إنَّ سجدة (ص) لا يُسجد فيها في الصلاة فإن هذا القول ضعيف. * طالب: هل يمكن (...) إذا ما راقب الله (...)؟ * الشيخ: أبدًا ما يَسلم (...) إذا لم يراقب الله، لكن بعض الناس قد يَسلم من الهوى لا تديُّنًا ومراقبةً لله ولكن خوفًا من العار؛ مثل أن تكون القضية واضحة فيحكم بخلاف ما اتَّضح، فهذا ربما لا يهمُّه أن يكون ذلك خشيةً لله، ولكن خوفًا من العار الذي يصيبه بين الناس. * طالب: الأنبياء (...) وذنوبهم تُغفر قبل أن (...) إلى الله؟ * الشيخ: معلوم، مَن عَلِمنا أنَّ الله غفر له فإنه مغفور له، فهنا داود غفر الله له، فإذا غفر الله له فلا يُحاسَب على ذلك. * طالب: هل يُشرع للإنسان أن (...) القضاء (...)؟ * الشيخ: لا، القضاء فرض كفاية، وإذا لم يوجد صالحٌ إلا هو تعيَّن عليه، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتَّخذ القضاء ولايةً ودينًا؛ أمَّا كونُه ولايةً فظاهر؛ أن يتولَّى أمور الناس ويحكم بينهم، وأمَّا كونه دينًا فلأنَّ هذا فرض كفاية، لا بدَّ للناس من القضاء، ولأن النبي ﷺ كان يقضي بين الناس، فيقتدي بالرسول ﷺ في هذا ويحصل له الخير الكثير. * * * (...) ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص ٢٦] إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: إثبات الكلام لله عز وجل وأنَّه بحرف وصوت، وذلك من قوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ [ص ٢٦]، فإن هذه الجملة مركبة من حروف، ولا بدَّ أن تكون بصوت لأنه يخاطب بها داود، ولا بدَّ أن يكون المخاطَب سامعًا، ولا سماع إلا بصوت، فيؤخذ منه الردُّ على الأشاعرة وغيرهم ممن قالوا: إن الله سبحانه وتعالى يتكلَّم وإنَّ كلامه هو المعنى النفسي القائم بذاته الملازم له دائمًا وأبدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الأمرَ أمرُ الله، هو الذي يُنَصِّب مَن شاء ويعزل مَن شاء. * ومنها: أنه لا مانع من أنْ يقول القائل للسلطان له السلطة العليا في الأرض أنْ يقول له: إنه خليفة الله. ولا يعني ذلك أن الله سبحانه وتعالى محتاجٌ إلى أن يستخلف أحدًا ليقوم عنه بتدبير الخلق، ولكنَّه خلَّفه؛ أي: جعله حاكمًا بين الناس بما شرع الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحُكم بين الناس بالحق؛ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّ منصب القضاء فرضُ كفايةٍ كما قال ذلك أهل العلم، وإذا لم يوجد إلا الشخص المعيَّن المؤهَّل فإنه يكون في حقِّه فرضَ عينٍ. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ينبغي للشخص إذا وُكِل إليه تولِّي القضاء أن يفِرَّ منه ما دام يعرف من نفسه الكفاءة؛ وذلك لأنه إذا فرَّ منه وفرَّ الثاني منه والثالثُ والرابعُ تعطَّل هذا المنصب العظيم الذي هو منصب الرسل، ولكن إذا أتى الإنسانَ هذا الشيء بدون سؤال فليستعِنْ بالله، فإن الله يُعينه على هذا. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب أن يُحكَم بين الناس بالحق، سواءٌ كان ذلك في طريق الحُكم أو في نفس الحُكم: ففي طريق الحُكم يجب أن يعدل بين الناس في كلِّ شيء، حتى قال أهل العلم: يجب أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولَحْظه، ومَجلسه، ودخولهما عليه؛ فلا يقدِّم أحدًا في ذلك على أحد. أمَّا في الحُكم فأنْ يحكم بينهم بمقتضى الشريعة، وما تقتضيه الشريعة فهو العدل بلا شك. إذَن ﴿بِالْحَقِّ﴾ يشمل الحُكم وطريق الحُكم؛ أمَّا طريق الحُكم فهو معاملة الخصمين بحيث تكون المعاملة بينهما على وجه العدل، وأمَّا في الحُكم فأنْ يحكم بما تقتضيه الشريعة، وما تقتضيه الشريعة فلا شك أنه الحق. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجوز للقاضي الحاكم بين الناس أن يُحابي أحدًا لقرابةٍ أو صداقةٍ أو غنًى أو فقرٍ أو جاهٍ أو غير ذلك؛ لقوله بأيش؟ ﴿بِالْحَقِّ﴾، ويؤيد هذا قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أنه في المقام الهامِّ ينبغي أن يُذكَر الإثبات المطلوب ويُذكَر النفي المطلوب؛ وذلك من أجْل إتمام الإثبات المطلوب، كأنَّه قال: احكمْ بالحقِّ حُكمًا لا يدخله الهوى. وهذه فائدةٌ واضحةٌ؛ يعني الشيء المهم إذا ذُكرت الصفات المطلوبة فينبغي أيضًا أن تُذكر الصفات التي لا تُطلب من أجْل أن تكون الصفات المطلوبة مجرَّدة عن الصفات غير المطلوبة؛ لأن من الكمال إثبات الكمال ونفي ضدِّه؛ فمثلًا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ هذا أيش؟ إثبات كمال، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ نفي ضدِّه؛ وإنما يؤتى بنفي الضدِّ من أجْل أن يتبيَّن أن المطلوب ينبغي أن يكون مجرَّدًا عن كلِّ ما ينافيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ اتِّباع الهوى سببٌ للإضلال عن سبيل الله؛ لقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ولكن هل الإضلال في نفس المخالفة أو أنَّ المخالفة نفسها ضلالٌ وتكون سببًا لإضلالٍ آخَر؟ الجواب: الثاني، فإنَّ الهوى يجلب للإنسان الضلال كما أنه هو نفسه ضلال، فإذا اتَّبعتَ الهوى في قضيَّةٍ ما فانتظِر اتِّباع الهوى في القضيَّة التي تليها؛ لأن المعصية قبل أن يقع فيها الإنسان يجد نفسه تستوحش منها، تستوحش وتنفر، فإذا فعلها مرَّةً هانت عليه، انكسر الحجاب، فإذا هانت عليه أول مرَّةٍ هانت عليه المرَّة الثانية ثم الثالثة حتى تصبح وكأنها لا شيء، ولهذا يضرب العامَّة مثلًا له فائدة؛ يقولون: بكثرة الإمساس يقلُّ الإحساس. يعني: إذا أكثر الإنسانُ من مماسَّة الشيء قلَّ إحساسُه به. الحاصل أن اتِّباع الهوى ضلالٌ بنفسه وسببٌ للضلال، ووجه ذلك أن المعصية تنفر منها النفس، فإذا فعلتْها مرَّةً هانت عليها، ثم الثانية تكون أهْون، والثالثة أهْون، والرابعة أهْون، حتى تصبح المعصية وكأنها ليست بمعصية، ولهذا قال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فتجد قاضيًا مثلًا لا يمكن أن يحكم بالحَيف والجَور، وتجده نافرًا من ذلك، فإذا حَكَم مرَّةً هان عليه، (...) الثانية وهان عليه، والثالثة، والرابعة، وهكذا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ويمكن أن يقال: إن هذا لا يختصُّ بالحُكم بين الناس؛ أي إن اتِّباع الهوى سببٌ للإضلال عن سبيل الله في كلِّ شيء، حتى في غير الحُكم، حتى في المعاصي الخاصة التي في نفسك إذا اتبعتَ هواك فيها فاعلمْ أنَّ هذا سببٌ للإضلال عن سبيل الله، فعليك أن تتوقَّى المعاصي فإنها كلها شَرٌّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن دين الله تعالى واحدٌ لا يتشعَّب؛ لقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأَفْردها، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فسبيل الله واحدة، ولكن ما خالفها فهو المتشتِّت؛ هذا سببه الهوى، وهذا سببه خشية الناس، وهذا سببه كذا، وهذا سبيه كذا، فتتفرق السُّبُل. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء العظيم على شريعة الله، وذلك بإضافتها إلى الله؛ لأن كلَّ ما أُضيفَ إلى الله فإنه إذا كانت الإضافة خاصة فإنَّ الإضافة تدلُّ على شرفه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضالِّين عن سبيل الله متوعَّدون بهذا الوعيد؛ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوي، ويتفرَّع على هذه الفائدة: الحذر من الضلال عن سبيل الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أسباب الضلال عن سبيل الله نسيان يوم الحساب والغفلة عنه، والانغماس في الدنيا حتى تُنسي الإنسانَ ما خُلِقَ له وما هو مقبلٌ عليه، ولهذا قال: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي: غفلوا عنه، ليس المراد بالنسيان الذهول الذي يُعفى عنه، بل المراد بالنسيان التَّرْك الذي هو الغفلة وعدم المبالاة به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الانغماس في الدنيا الذي يوجب نسيانَ يوم الحساب، ومن ثَمَّ حرَّم الشرع كلَّ لهوٍ يلهو به الإنسان وقال: كلُّ لهوٍ يلهو به الإنسانُ فهو باطلٌ إلا ما استُثني، يعني: باطلٌ ليس فيه خير، ثم قد يكون محرَّمًا وقد يكون ضياعًا للوقت بدون تحريم، لكن كل اللهو يصدُّ عن سبيل الله ويُنسي يومَ الحساب، ولذلك تجد أقلَّ الناسِ إيمانًا بيوم الحساب أكثرَهم ممارسةً للملاهي، لا يمكن أن يقع في قلبه تذكُّر ليوم الحساب إلا نادرًا إن وُفِّق لسماع موعظة أو ما أشبه ذلك، وإلا فإنه غافلٌ لاهٍ. ويتفرَّع على هذا أن يعرف الإنسانُ عداوةَ أعداء الله الذين أغرقونا بالملاهي وأنواعها حتى صرفوا الشباب الإسلاميَّ عمَّا ينبغي أن يؤهِّل نفسَه له، فأغرقوه بالملاهي بأنواعها حتى صار الإنسانُ كأنَّما خُلِق لهذا اللهو، وصار رأس ماله وعَقِب ماله كله هو هذا اللهو، لا يتكلَّم إلا به ومَن فاز به ومَن لم يَفُز، فضاع الشباب بسبب هذا اللهو الذي انغمسوا فيه ونسوا يومَ الحساب إلا مَن شاء الله. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. ويتفرَّع على هذه الفائدة إثباتُ حكمة الله عز وجل وأنَّه تعالى لا يفعل شيئًا إلا لسببٍ يقتضيه، حتى إنَّ بعض أهل العلم قال: إنَّ كون الله عز وجل خَلَق السماواتِ والأرضَ في ستة أيام دون أن يخلقها بلحظة من أجْل ترتُّب هذا الخلْق بعضه على بعض، حتى تكون الأسباب فاعلةً فِعْلها فتُنتج الشيءَ شيئًا فشيئًا حتى يتمَّ. وهذا ليس ببعيد ما دُمنا نؤمن بأن الله تعالى حكيمٌ وأنَّ كل شيءٍ فإنه يكون بسببٍ، فلا يُستبعد أن يكون بقاءُ خلْقِ السماوات والأرض ممتدًّا إلى ستة أيام هو من أجْل هذا؛ من أجْل أن يترتَّب الخلْق بعضه على بعضٍ وينبني بعضه على بعض حتى يكون مطابقًا للحكمة، وإلا فنحن نعلم عِلم اليقين أنه لو شاء الله لَقال: (كُن) فيكون في لحظة، لكن الله عز وجل حكيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. وكيف هذا الحساب؟ الحساب يختلف؛ حساب المؤمن أن يخلو الله به من غير أن يطَّلع عليه أحدٌ فيُقَرِّره بذنوبه يقول: فعلتَ كذا وفعلتَ كذا، حتى إذا رأى أنه هلك قال الله له: إنِّي قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢)، من حديث ابن عمر. ]]. هذا حساب المؤمن، وهذا حسابٌ يسيرٌ؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٧، ٨]، وما أيسر أن يخلو بك الله عز وجل وحدك ليس عندكم أحد، ويكلِّمك ليس بينكما ترجمان ويقول: إنِّي سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. الحمد لله، نعمة. أمَّا الكافر فليس كذلك؛ الكافر يُنادى عليه على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨] يُخزَون ويُفضحون ﴿كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ فهم يُخزَون بأعمالهم ويُفضحون بها. * * * ثم قال الله تعالى: (﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي: عَبَثًا ﴿ذَلِكَ﴾ أي: خَلْق ما ذُكر لا لشيء ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكَّة ﴿فَوَيْلٌ﴾ وادٍ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]). يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾، ﴿خَلَقْنَا﴾ أي: أوجدنا، فالخلْق بمعنى الإيجاد، لكنه إيجادٌ عن تقدير؛ لأن الإيجاد قد لا يكون عن تقدير ولا عن ترتيب، ولكن الخلْق لا بدَّ أن يكون عن تقدير وترتيب. يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿السَّمَاءَ﴾ المراد بها الجنس فيشمل جميع السماوات، وكذلك الأرض. وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ معطوفٌ على السماء؛ أي: ما خلقْنا ما بينهما، والذي بين السماء والأرض من المخلوقات مخلوقاتٌ عظيمةٌ بعضُها معلومٌ لنا وبعضُها مجهولٌ لنا لم نَعلمه حتى الآن، لكنَّنا يغلب على الظن أنها مخلوقاتٌ عظيمةٌ؛ لأن الله تعالى جعلها قسيمةً لخلْق السماء والأرض، وقسيم الشيء لا بدَّ أن يكون مقاربًا له أو مساويًا له. وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ هذا محطُّ النفي، ولهذا نقول: لا يجوز الوقوف على قولك: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ لأنك لو وقفتَ لأدَّى ذلك إلى أن يكون المعنى معنىً باطلًا، لا بدَّ أن تَصِل فتقول: ﴿بَاطِلًا﴾؛ لأن ذلك هو محطُّ النفي؛ يعني: ما خلقناهما باطلًا؛ أي: لأجل الباطل، وهذا كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء ١٦]، فالباطل هنا بمعنى اللهو الذي لا فائدة فيه، فالله ما خلق السماءَ والأرضَ باطلًا، لو خلقها باطلًا لَكان ذلك في غاية السَّفَه أن تُخلَق هذه المخلوقات العظيمة بما فيها وهي لا لشيءٍ بل لعبٌ ولهوٌ. ﴿بَاطِلًا﴾ قال المؤلف: (أي: عبثًا)، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: اعتقاد أنَّ خلْق السماء والأرض باطلًا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني هذا ظنُّ الكافرين الذين يظنُّون أن خلْق السماوات والأرض لمجرَّد اللهو واللعب ولا يترتَّب على ذلك شيء، ومن هذا قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤]. ومن ذلك أيضًا ما يظنُّه بعض الناس أن المقصود من خلْق السماوات والأرض وجود هذه الخليقة ثم فناؤها إلى غير رجعة، فنقول: مَن ظنَّ ذلك -أي أنَّ الله خلقها عبثًا ولعبًا- فهو كافر، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هم الذين يظنُّون أن خلْق السماء والأرض كان باطلًا. وقول المؤلف: (مِن أهل مكَّة) فيه نظر؛ لأنه قصرٌ للدليل على بعض أفراده، والصواب أنه عامٌّ لأهل مكة وغيرهم، فالذين كفروا لا يظنُّون بالله إلا ظنَّ السوء، فيظنُّون أن أفعاله عبثٌ وباطلةٌ وليست لحكمة، ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. قال المؤلف: (وادٍ)، (وَيْل) وادٍ، وادٍ في أيِّ مكان؟ * طلبة: في جهنم. * الشيخ: في جهنم، ولكن هذا ليس بصحيح بالنسبة للآية هذه، بل كلمة (وَيْل) كلمة وعيد، وعيدٌ بأمرٍ شديدٍ لأنه قال: ويلٌ لهم من النار، فهو يتوعَّد بها؛ كما تقول: (ويلٌ لك من فلان)، هل معناه (ويلٌ لك من فلان) يعني وادٍ في فلان؟ لا، بل هي كلمة وعيدٍ على أمرٍ شديدٍ، فقوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: وعيدٌ شديدٌ للذين كفروا من النار؛ يعني ما أعظم وَيْلهم من نار جهنم والعياذ بالله. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر (ويل)، وقوله: ﴿مِنَ النَّارِ﴾ بيانٌ لـ(ويل)؛ يعني هذا الشيء العظيم يكون للذين كفروا من النار. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨]. ﴿أَمْ﴾ هنا متَّصلة أم منقطعة؟ * طالب: منقطعة. * الشيخ: منقطعة؛ لأنه لم يُذكَر فيها معادل، فهي إذَن بمعنى (بل) والهمزة؛ يعني: بل أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات. هذا الاستفهام المقصود به النفيُ والإنكارُ؛ يعني: لا يمكن أبدًا أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، إذَنْ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام النفيُ والإنكارُ. طيب، والإضراب هنا انتقالي أو إبطالي؟ * طالب: انتقالي. * الشيخ: انتقالي، نعم، ﴿أَمْ نَجْعَلُ﴾ أي: نُصَيِّر، فهي تنصب مفعولين؛ الأول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والثاني: ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ يعني: لا يمكن أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدَّقوا بما يجب التصديق به على وجه القبول والإذعان؛ يعني تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان. وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمالَ الصالحاتِ، والأعمالُ الصالحاتُ هي التي اجتمع فيها شيئان: أولهما: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: المتابعة لشريعة الله. فمَن عَمِل عملًا موافقًا للشريعة في ظاهره لكنَّه يُرائي فيه فعملُه ليس بصالح، ما الذي اختلَّ فيه؟ * طالب: الإخلاص. * الشيخ: الإخلاص لله، والذي عمل عملًا مخلصًا فيه لله يريد به وجهَ الله لكنَّه على غير الشريعة، هل هو صحيح أو لا؟ * طالب: ليس بصحيح. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: عدم الموافقة لشريعة الله. * الشيخ: عدم الموافقة لشريعة الله، إذَنْ لا بدَّ من أن يكون مخلصًا لله موافقًا لشريعة الله. وقوله: ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ﴾ إذا قال الله: الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين، فالمفسد هو مقابل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيكون المراد بالمفسدين في الأرض الكفار الذين يعملون السيئات. فكلُّ كافرٍ فهو مفسدٌ في الأرض في مقابل أيش؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكلُّ عاصٍ فهو مفسدٌ في الأرض في مقابل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فالشيء يُعرف بمقابله. فإذا كان الله قال: الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين، عَلِمنا أنَّ المفسد هو مَن قابلَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ يعني مَن كان ضِدَّهم، فالكفار مفسدون في الأرض، وأهل المعاصي مفسدون في الأرض، ولهذا فسَّر أهل العلم قولَه تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] فسَّروا ذلك بالمعاصي؛ قالوا: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي. وهذا التفسير صحيحٌ يشهد له قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. طيب، هدْم البيوت، هل هو فسادٌ في الأرض؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لا، ليس بفساد، لا تَنْفِ ولا تُثبتْ، إنْ هَدَمها الإنسانُ ظلمًا وعُدوانًا فهو فسادٌ في الأرض لأنه معصيةٌ، لا يجوز لإنسان أن يعتدي على بيت أخيه فيهدمه، وإنْ هَدَمها لإصلاحها فهذا ليس فسادًا في الأرض. يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨] هذه أيضًا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام الذي يُراد به الإنكار والنفي، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: نُصَيِّر المتقين كالفجار؛ يعني: لا يمكن أن نجعل المتقي كالفاجر، نعم، المتقي مَن؟ المتقي مَن اتخذ وقايةً من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. هذا المتقي، وهذا أجمع ما قيل في تعريف المتقي. ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ مَن الفُجَّار؟ خلاف المتقين؛ يعني الذين فَجَروا وخرجوا عن طاعة الله إلى معصية الله، هنا قابلَ المتقيَ بالفاجر، وفي سورة المطفِّفين قابلَ الفاجرَ بالبَرِّ فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين ٧] ثم قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين ١٨]، ومنه نأخذ أن التقوى والبِرَّ إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا؛ يعني أنَّ البِرَّ كلمة إن ذُكِرت وحدها فهي شاملةٌ للتقوى، والتقوى إن ذُكِرت وحدها فهي شاملةٌ للبِرِّ، وإن جُمِعَتا جميعًا فقيل: البِرُّ والتقوى، صار البِرُّ فعلَ الطاعة والتقوى اجتنابَ المعصية، فقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يعني: على فعل الطاعات وتَرْك المعاصي. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال قائل: السلف فهموا (...) القضاء (...) الرسول ﷺ قال: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، والحاكم (٧١٨٨)، من حديث بُريدة بن الحُصيب. ]]، كيف يعني نقول ..؟ * الشيخ: نقول: هذا ورعٌ في غير محلِّه، أو لعلَّهم يجدون في القوم مَن هو خيرٌ منهم، والرسول قال:« «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ»، » لماذا لا تأخذ القرار وتكون من القِسم الثالث؟ فالورع الذي وَرَد عن بعض السلف هذا في غير محلِّه إلا إذا كانوا يجدون أن في القوم مَن هو خير منهم فيكون هذا في محلِّه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص ٢٩ - ٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى .. في آخر ما شرحناه وأخذنا فوائده على قوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص ٢٦] أخذنا فوائدها. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. * من فوائد هذه الآية: إثبات خَلْق السماء والأرض وأنها حادثةٌ بعد العدم، وليس في الكون شيءٌ يكون أزليًّا أبديًّا أبدًا؛ فالسماوات ليست أزليَّة، بل هي مبتدأة وسوف تفنى، وكذلك كلُّ شيءٍ سوف يفنى، إلا ما استثنى الله عز وجل وخَلَقه للبقاء؛ مثل الأرواح فإنها خُلِقت للبقاء، وكذلك ما في الجنة من النعيم والولدان والحور وما أشبهها، فما دلَّ الكتابُ والسُّنة على بقائه وأبديَّته فهو باقٍ أبديٌّ، ولكن كلُّ شيءٍ لا يمكن أن يكون أزليًّا -أي: ليس له أول- إلا الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذي خلقها هو الله؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور ٣٦] يتحدَّاهم هل هم الذين خلقوا السماوات والأرض. * ومن فوائدها: أن الله تعالى خَلَقها لحكمةٍ عظيمةٍ ليس فيها سَفَهٌ؛ لقوله: ﴿بَاطِلًا﴾، فإنَّ نفي خَلْقها باطلًا يستلزم أنها خُلِقت لحكمةٍ عظيمةٍ بالغةٍ، وهو كذلك، وهذا فردٌ من أفراد مخلوقات الله عز وجل، فإنَّ الله تعالى لم يخلق شيئًا عبثًا، ولم يشرع شيئًا عبثًا، بل كلُّ ما خلقه وشرعه ودبَّره فهو لحكمةٍ عظيمةٍ أحيانًا نعرفها وأحيانًا لا نعرفها. * ومن فوائد هذه الآية: إثباتُ الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾، إذْ لو انتفت الحكمة لأمكن أن تُخلق السماءُ والأرضُ باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يظن أحدٌ أن الله خلق ذلك باطلًا إلا الكافر؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن ظنَّ ذلك فهو كافر. والفرق بين الفائدتين أنَّ الفائدة الأولى يكون الكفر سابقًا على هذا الظن، فيكون الكفر سببًا لهذا الظن، وأمَّا الفائدة الثانية فهي أن هذا الظن سابقٌ على الكفر، فيكون هذا الظن سببًا للكفر. واضح؟ طيب، إذَنْ لا يظن أحدٌ أن الله خلق السماء والأرض باطلًا إلا الكفار، إذا ظنَّ أحدٌ أن الله خلق ذلك باطلًا صار كافرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الوعيد للكفار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وأنهم سيدخلون النار، وهم أيضًا مخلَّدون فيها أبدًا كما ذكر الله ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. وفي سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وبعد هذه الآيات الثلاث لا ينبغي أن يلحقنا الشك في أبديَّة النار، وإن قاله مَن قاله من الناس؛ لأن هذا كلام الله، وهو خبر، والخبر في كتاب الله لا يمكن أن يكذب ولا يمكن أن يَلْحقه النسخ، فلا عبرة بقول مَن قال: إن النار لا تؤبَّد، بل قوله مرفوضٌ باطلٌ مردودٌ بدلالة القرآن الصريحة. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة كلها: أنَّ مِن جملة الحِكَم التي هي من صفات الله عز وجل أنَّه لا يمكن أن يجعل المؤمن العامل للصالحات كالمفسد في الأرض؛ لأن ذلك ينافي الحكمة منافاةً بالغةً، لا يستوي المؤمنون والكافرون كما لا يستوي الأعمى والبصير؛ قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود ٢٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص ٢٨]: أن الإيمان والعمل الصالح سببٌ لصلاح الأرض، وهذا يؤيِّده آياتٌ كثيرةٌ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. * ومن فوائدها أيضًا: أنَّ المعاصي سببٌ للفساد في الأرض؛ لأنه قابلَ هذا بالإيمان والعمل الصالح، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، فكلُّ فسادٍ يحدث في الأرض من جَدْبٍ وفقرٍ ومرضٍ وفسادِ ثمارٍ وغير ذلك فإنَّه بسبب المعاصي؛ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله لا يمكن أن يجعل المتقين كالفُجَّار في مآلِهم؛ فالمتقي في جنات النعيم، والفجَّار في عذاب الجحيم، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨]، يعني لا يمكن أن نجعل المتقيَ كالفاجر في مآلِه؛ لأن المتقيَ مآلُه الجنة والفاجر مآلُه النار. * * * ثم نبدأ بشرح المؤلف، قال: (نزل -يعني قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخره- لَمَّا قال كفَّار مكة للمؤمنين: إنَّا نُعطَى في الآخرة مِثْل ما تُعطَون). وهذا قد يكون صحيحًا وقد لا يكون صحيحًا، لكن إن كان صحيحًا فهو كقول اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠]، فكلُّ أحدٍ يدَّعي أنه على الحق، كلُّ أحدٍ يدَّعي أن الثواب له وأنَّ الآخرة له، ولكن الشأن كل الشأن لمن شهد الله له في ذلك. يقول: (و﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار). ﴿أَمْ﴾، يعني قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾، بمعنى همزة الإنكار، لكن يُقدَّر قبلها (بل)؛ لأن ﴿أَمْ﴾ هذه تفيد الإضراب. * * * ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص ٢٩] قال المؤلف: (خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا) كتابٌ. والمشار إليه القرآن الكريم، و﴿كِتَابٌ﴾ بمعنى مكتوب، ووَصَف القرآنَ بأنه كتابٌ لعدَّة أوجه: أولًا: أنَّه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]. ثانيًا: أنَّه مكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدي الملائكة؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦]. ثالثًا: أنَّه يُكتب في المصاحف كما هو معروف. وربما يدَّعي مدَّعٍ أنَّه بمعنى مفروض؛ (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مفروضٌ على الأُمَّةِ الإيمانُ به والعملُ به، فيكون هذا معنى رابعًا لكلمة (مكتوب). وقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أَنزله الله إلى محمدٍ ﷺ، وإنزاله إلى محمدٍ من الله يدلُّ على أنه كلام الله؛ وجْه ذلك أنَّ هذا الكتاب كلامٌ، والكلام لا بدَّ له من متكلِّم، فإذا كان الله هو الذي أنزله لَزِم أن يكون هو المتكلِّم به، فيكون في هذا إثبات أن القرآن كلام الله. وفي قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ وأحيانًا يأتي التعبير بـ(أنزلناه عليك)، والجمع بينهما أنَّ (إلى) تفيد الغاية؛ أي إنَّ غاية هذا الإنزال إلى محمد ﷺ، و(على) تفيد الاستعلاء؛ وذلك لأن هذا القرآن جاء من عَلٍ؛ أي: من فوق، من الله عز وجل، ثم إنَّ في (على) إفادة التحمُّل للشيء، (أنزله عليك) يعني: لتتحمَّله وتقوم به، فالفرق إذَن من وجهين: الوجه الأول: أنَّ (إلى) تفيد الغاية؛ أي إنَّ غاية الإنزال إلى محمد ﷺ لا يتعدَّاه إلى غيره، ولا نبِيَّ بعده. وأمَّا (على) فتفيد الاستعلاء؛ أي إنَّه نزَّل إلى الرسول ﷺ مِن فوق، وتفيد أيضًا التحمُّل؛ لأن (نزل عليه) كأنَّه فوقه، والشيء الذي فوقك لا بدَّ أن تتحمَّله، ويؤيِّد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، مما يدلُّ على ثِقَله، وهو كذلك. قال: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، ﴿مُبَارَكٌ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾، و﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أيضًا الجملة صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾، هذا بناء على إعراب المؤلف أن ﴿كِتَابٌ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأً، و﴿مُبَارَكٌ﴾ خبره، وجملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾، وسوَّغ الابتداء به وهو نكرةٌ وَصْفُه بجملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. ﴿مُبَارَكٌ﴾ بماذا؟ بركة القرآن من عِدَّة أوجه: الوجه الأول: في الثواب الحاصل بتلاوته؛ فإنَّ مَن قرأ حرفًا منه فله بكلِّ حرفٍ عشر حسنات، وهذه بركة عظيمة. وثانيًا: مباركٌ من حيث الأثر المترتِّب على تلاوته سواءٌ كان عامًّا أم خاصًّا؛ فالخاصُّ ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر ونور القلب وطُمأنينته كما هو مجرَّب لِمَن قرأ القرآن بتدبُّر، وأمَّا العامُّ فإنَّ الله تعالى فَتَح بهذا القرآنِ مشارقَ الأرض ومغاربها؛ فإنَّ المسلمين لَمَّا كانوا متمسِّكين بهذا الكتاب سادوا العالَم كُلَّه، ولا شكَّ أن هذا من البركة بهذا القرآن. ثالثًا: ما يحصل بهذا القرآن من اجتماع الكلمة وحفظ اللغة الأصيلة للقوم الذين نزل بلُغتهم، فإنَّ من المعلوم أن الناس إذا كانوا على لغةٍ واحدةٍ صاروا إلى الاجتماع أقرب، وإذا تفرَّقت لُغاتهم صاروا إلى التفرُّق أقرب؛ لأنه إذا اتَّفقت لُغاتهم استطاعوا أن يتفاهموا فيما بينهم وأن يعرف بعضُهم ما عند بعض، وإذا اختلفت اللغات لم تحصل هذه الفائدة، فهذا من بركة القرآن الكريم. وله أوجهٌ أُخرى ربما لا نستطيع أن نستوعبها في هذا المكان، لكنَّها ظاهرة لِمَن تأمَّلها. وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه متعلِّقة بـ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ يعني: أنزلناه لِيدَّبَّروا آياتِه، والتدبُّر معناه تكرار اللفظ على القلب دبرًا بعد دبرٍ حتى يتَّضح المعنى؛ يعني هو عبارةٌ عن التأمُّل في معاني القرآن وترديد هذا التأمُّل حتى يتَّضح ما فيه من المعنى. وأصل هذه الكلمة ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصلُها (ليتدبَّروا) فأُدغمت التاءُ في الدال. (ليتدبَّروا) إذا أدغمنا التاءَ في الدال جعلْنا التاء دالًا فصارت ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية، والآية هي ما تنتهي بفاصلة، ومِن حِفْظ الله لهذا القرآن أنَّ آياته محفوظة مرقَّمة، أو محجوزٌ بعضُها عن بعض إلى يومنا هذا. والآيات هي العلامات، علاماتٌ على أيِّ شيء؟ علامات على أنَّ هذا القرآن من عند الله عز وجل بما تحويه من اللفظ والمعنى، ولهذا كانت الآية الواحدة معجزةً للبشر، بل معجزةً للخلق كلِّهم؛ لأنها آيةٌ من آيات الله. فقال: (ينظروا في معانيها فيؤمنوا). هذه حكمة من حِكَم إنزال القرآن أن يتدبَّر الإنسان في الآيات. الثانية قال: (﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ يتَّعظ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول). هذه الفائدة الثانية، لكن جعل التذكُّر بعد التدبُّر لأنه لا يمكن أنْ يتَّعظ الإنسانُ بالشيء إلا إذا عرف المعنى الذي يتضمَّنه، فتدبَّر أولًا ثم تذكَّر ثانيًا. فأولًا: أن يقرأ الإنسانُ القرآن. المرحلة الثانية: أن يتدبَّره لفَهْم معانية. المرحلة الثالثة: أن يتَّعظ به. والاتِّعاظ بالقرآن هو التأثُّر به، التأثُّر في القلب والتأثُّر في الجوارح؛ فالتأثُّر بالقلب: إخلاصُ العبدِ لله، وإنابتُه إليه، وتوكُّله عليه، وما أشبهَ ذلك من أعمال القلوب. وبالجوارح: القيام بطاعة الله بالجوارح الظاهرة؛ مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، وغير ذلك. إذَن الفائدة من إنزال هذا القرآن المبارك تتركَّز على شيئين هما: التدبُّر والاتِّعاظ. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿أُولُو﴾ بمعنى أصحاب، وهي مُلحَقة بجمع المذكر السالم؛ لأنه ليس لها مفردٌ من لَفْظها، بل لها مفردٌ من معناها؛ إذا قلنا: معناها (أصحاب) صار مفردها من المعنى (صاحب) فـ﴿أُولُو﴾ جمع (صاحب) باعتبار المعنى، ولهذا نقول: إنها مُلحَقة بجمع المذكر السالم لأنه لا مفرد لها، وجمع المذكَّر السالم هو ما سَلِم فيه بناءُ المفرد، فإذا لم يكن له مفردٌ لم يكن جمعًا فيُلحق به. وقوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يعني أصحاب العقول، لأن صاحب العقل هو الذي يتَّعظ، أمَّا مَن لا عقل له فإنَّه لا ينتفع بذلك. طيب، والعقول هنا هي عقول الرُّشد وليست عقول الإدراك؛ لأن العقل عقلان: عَقْل إدراكٍ، وعَقْل رُشدٍ؛ فعَقْل الإدراك هو ما يتعلَّق به التكليف، وعَقْل الرُّشد ما يكون بحسن التصرف. فالكفَّار مثلًا لهم عقول، لكن عقول أيش؟ * الطلبة: إدراك. * الشيخ: عقول إدراك؛ لأن هذا هو الذي يتعلَّق به التكليف، وليس لهم عقول؛ يعني: ليس لهم عقول رُشدٍ؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرف، وكلُّ مَن لا يُحسِن التصرف فإنه يصح أن يُنفى عنه العقل؛ قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، ونحن فيما بيننا إذا وجدْنا شخصًا يُسيء التصرف قلنا: هذا غير عاقل. وإنْ كان عاقلًا من حيث الإدراك لكنَّه ليس عاقلًا من حيث التصرف، والعقل الذي يُمدَح هو عقل الرُّشد، أمَّا عقل الإدراك فهذا يحصل لكلِّ أحدٍ حتى للكفَّار والفجَّار. وقوله: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ (ألباب) جمع لُبٍّ، ولُبُّ كلِّ شيءٍ: المقصودُ منه. هذا لبُّ الشيء، هو المقصود منه؛ فالحبة مثلًا لُبُّها ما كان بداخلها، المخُّ الذي بداخلها هو اللُّبُّ، وما فوقه فهو قشور، البيضة الذي في داخلها هو اللُّبُّ، وما فوقه قشور. قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٠] ﴿وَهَبْنَا﴾ أعطينا. ووَصَف الله ذلك بأنَّه هِبةٌ لأنَّه محضُ فضلٍ منه لا يحتاج مِنَّا إلى شيءٍ؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠]. إذَن ﴿وَهَبْنَا لِدَاوُودَ﴾ يعني: أعطيناه هِبةً، فضلًا منَّا وتبرُّعًا بلا قيمة. وقوله: ﴿سُلَيْمَانَ﴾ لم ينوَّن لماذا؟ ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. * طالب: العُجمة. * الشيخ: لا، (سُليمان) ما هو أعجمي؛ السلامة موجودة في اللغة العربية. (داود) ممنوع من الصرف للعلمية والعُجمة. كذا؟ قال المؤلف: (﴿سُلَيْمَانَ﴾ ابنَه). مِن أين عرف المؤلف أنَّه ابنه؟ ألَا يجوز أن يكون المراد ﴿وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني خادمه؟ فالجواب: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى سَمَّى الأولادَ هِبةً في قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يعني يصنِّفهم ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى ٥٠]. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص ٣٠] أي: سليمان)، والجملة إنشاءٌ للمدح والثناء؛ يعني أنَّه يؤتى بها للمدح والثناء. وعلى نقيضها (بِئْس) فإنها كلمةٌ لإنشاء الذمِّ. وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المعروف أنَّ (نِعْم) و(بِئْس) تحتاج إلى فاعلٍ، ومخصوصٍ بالمدح في (نِعْم) والذمِّ في (بِئْس). قال المؤلف: (﴿سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٠] ابنه)، من أين عرف المؤلف أنه ابنه؟ ألا يجوز أن يكون المراد ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٠] يعني خادمه؟ فالجواب: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى سمَّى الأولاد هِبة في قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠] يعني يصنفهم ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى ٥٠]. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص ٣٠] أي سليمان). والجملة إنشاء للمدح والثناء؛ يعني أنه يُؤتى بها للمدح والثناء، وعلى نقيضها (بئس)؛ فإنها كلمة لإنشاء الذم. وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المعروف أن (نعم) و(بئس) تحتاج إلى فاعل ومخصوص بالمدح في (نعم)، والذم في (بئس) فأين ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، ﴿الْعَبْدُ﴾ موجود، وهو الفاعل يعني ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل لكن أين المخصوص؟ المخصوص إما الضمير المستتر ولا نقول: مستتر أيضًا، الضمير محذوف؛ لأنه لا يمكن أن نقول: مستتر والفاعل اسم ظاهر ﴿الْعَبْدُ﴾، لكن نقول: إنه محذوف، تقديره (هو)، أو تقديره: (سليمان)، يعني إما أن نقدره اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ هذا سبب هذا الثناء من الله عز وجل على سليمان ﴿إِنَّهُ﴾ أي سليمان ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجَّاع إلى الله عز وجل، سواء كان ذلك بترجيع الصوت بالذكر، أو بالرجوع إلى طاعة الله عز وجل، والظاهر أن الآية شاملة للمعنيين أنه ﴿أَوَّابٌ﴾ رجَّاع إلى طاعة الله، وأوَّاب رجَّاع بالتسبيح؛ أي: يُرجِّع الصوت به ويردده. يقول هنا المؤلف: (رجَّاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات) ولكن الصحيح أنه أعم مما قال المؤلف أنه رجَّاع بالتسبيح والذكر، وكذلك رجَّاع إلى الله بالتوبة والطاعة. قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص ٣١] ﴿عُرِضَ﴾ مَنِ العارِض؟ أبهمه للتفخيم؛ لأن الفعل هنا مبني للمجهول، لما لم يُسمَّ فاعله؛ للتفخيم، يعني كأنه يوحي بأن له جنودًا كثيرة يعرضون عليه ما يعرضون. وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ (هو ما بعد الزوال) إلى غروب الشمس. وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ الباء هنا للظرفية؛ أي (في) لكن الغالب أن الباء إذا جاءت في مكان (في)، الغالب أنها تكون مستوعبة لجميع الوقت كأن العشي كله صار مستوعبًا بهذا العرض لكثرة الخيول التي تُعرَض عليه ﴿بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ﴾ [ص ٣١] ما الذي رفعها؟ * طالب: نائب فاعل. * الشيخ: نائب فاعل وين؟ * طلبة: ﴿عُرِضَ﴾. * الشيخ: نائب فاعل ﴿عُرِضَ﴾ إي نعم. إذا قال قائل: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع، والفعل مُذكَّر ﴿عُرِضَ﴾ وهذه جمع ذات حِر؛ يعني جمع مؤنث حقيقي، وابن مالك يقول في التاء: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِفما رأيكم؟ نقول: إنما لم يجب التأنيث لوجود الفاصل وهو قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ قال المؤلف: (الْخَيْل جَمْع صَافِنَة، وَهِيَ الْقَائِمَة عَلَى ثَلَاثٍ، وَإِقَامَة الْأُخْرَى عَلَى طرف الْحَافِر، وَهُوَ مِنْ صَفَنَ يَصْفِن صُفُونًا). ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ هي الخيل، تقوم على ثلاث أرجل، وترفع الرابعة قليلًا؛ بحيث يكون طرف الحافر على الأرض، وهذا يدل على قوتها، وهو أيضًا من ناحية الجمال أجمل عند رؤيتها؛ فإنك لو تصورت الخيل مصفوفة صافنة لكان لها أُبَّهة، وتَشعر بشيء من العظمة من هذا المشهد الذي تشاهده. * * * * الطالب: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣١ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨] كملنا فوائدها. * طالب: لا. * الشيخ: طيب، ذكرنا الحكمة أنه لو كان كذلك لانتفت حكمة الله ولَّا لا؟ اقرأها علينا، الفوائد عندك؟ ما عندك الفوائد؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الفوائد. * طالب: (...). * الشيخ: بس إلى هذا. * طالب: إي، هذا في الحكم لكن أخذنا فوائد أخرى بعدها. * الشيخ: إي، اقرأ اللي بعدها. * طالب: الفائدة التي بعدها إثبات الوعيد للكفار (...)، فهم مخلدون فيها أبدًا كما في ثلاثة مواضع في سورة النساء والأحزاب والجن، ثم الفائدة التي بعدها أن من جملة الحكم التي هي من صفات الله أنه لا يمكن أن يجعل المؤمن كالفاسد؛ لأن ذلك ينافي الحديث، والتي بعدها أن الإيمان والعمل الصالح.. * الشيخ: أنه لا يجعل أيش؟ المؤمن. * الطالب: كالفاسد. * الشيخ: الفاسد؟! * الطالب: كالمفسد. * الشيخ: كالمفسد. * الطالب: نعم، التي بعدها أن الإيمان والعمل الصالح سبب لصلاح الأرض، والتي بعدها أن المعاصي سبب للفساد في الأرض والأخيرة أن الله لا يمكن أن يجعل المتقين كالفجار. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص ٢٩] كيف نُعرب ﴿كِتَابٌ﴾؟ * طالب: ﴿كِتَابٌ﴾ إما أنها خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: وهذا رأي من؟ * طالب: رأي المؤلف. * الشيخ: نعم. * طالب: وإما أن نقول: ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُبَارَكٌ﴾. * الشيخ: على هذا التقدير كيف صح الابتداء بـ﴿كِتَابٌ﴾ وهو نكرة؟ * طالب: لأنها وصفت. * الشيخ: لأنها وصفت بـ؟ * الطالب: مبارك. * الشيخ: لا، ﴿مُبَارَكٌ﴾ هو الخبر. * الطالب: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. * الشيخ: في ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ اذكر ثلاثة جوانب من بركة القرآن؟ * طالب: من بركة القرآن؛ أولًا: أنه يحصل به الثواب. * الشيخ: كثرة الثواب لقارئه، اصبر كيف كثرة، اذكرها؟ * الطالب: كثرة الثواب أن النبي ﷺ قال: «لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩١٠) من حديث ابن مسعود.]]. * الشيخ: اصبر ما أتيت بالشاهد، لم تأتِ بالشاهد. * طالب: ما يترتب على تلاوته من الثواب.. * الشيخ: إي، أقول: ما الدليل، وما هذا الثواب الذي يترتب؟ * الطالب: الذي يترتب على تلاوة القرآن؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: الحسنات. * طالب آخر: يترتب بتلاوته أن كل من قرأ حرفًا منه فله عشر حسنات لك حرف منه. * الشيخ: تمام، أحسنت، طيب كمل؟ * الطالب: أيضًا ما يحصل بقراءته من أثر عام أو خاص؛ وذلك من نور قلب، وانشراح الصدر، وشبه ذلك. * الشيخ: تمام، هذا خاص ولَّا عام؟ * الطالب: هذا خاص. * الشيخ: نعم، والعام. * طالب: والعام ما يحصل به من اجتماع الكلمة، وجمع الصف، ولم الشعث. * الشيخ: نعم هذا، اثنين.. خلِّ العام والخاص. * طالب: الخاص هو الذي ذكره، والعام هو ما (...) به المسلمون في هذا القرآن (...). * الشيخ: ذكره. * طالب: هذا العام، وجعله الثاني، وأما الثالث فهو اجتماع الكلمة (...). * الشيخ: إحنا ما ذكرنا أن المسلمين فتحوا به مشارق الأرض ومغاربها؟ * طلبة: نعم، ذكرنا هذا. * الشيخ: نعم، هذا عام، وكذلك اجتماع الكلمة؛ لأن اللغة واحدة، وإذا اجتمعت اللغة اتفقت اللغة اجتمع الناس، وبتفرق اللغة يحصل التفرق، فهذا غير هذا، فالآن عندنا الأثر الخاص ما يحصل من نور القلب وانشراح الصدر والطمأنينة، وما إلى ذلك، العام اجتماع المسلمين عليه؛ لأنهم يكونون بلغة واحدة، توحيد اللغة؛ ولهذا كثير من الفرس تعلموا اللغة من أجل أن يفهموا هذا القرآن، والثالث: آثاره الحميدة في الفتوحات، فتوحات في مشارق الأرض ومغاربها. قوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩] اللام؟ * طالب: اللام للتعليل. * الشيخ: للتعليل، وما معنى التدبر؟ * طالب: تكرار اللفظ. * الشيخ: على أيش؟ * طالب: (...) الرياح دبرًا دبرًا (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ معناها؟ * طالب: أي ليتعظ به. * الشيخ: يتعظ به فيقوم بالعمل، كذا؟ * طالب: ليتعظ به، يتذكر ويتعلم ويتعظ، ثم يعمل. * الشيخ: ويش معنى يتذكر؟ يتعظ يعني ليعمل به؛ لأن العمل لا يكون إلا بعد فهم المعنى الحاصل بالتدبر، ما معنى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؟ * طالب: أولو العقول. * الشيخ: أولو العقول، أحسنت، ما المراد بالعقول هنا هل هي عقول إدراك؟ * طالب: رشد. * الشيخ: عقول الرشد، تمام. * الطالب: وحسن التصرُّف. * الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. * من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن كلام الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ والقرآن كلام كما نعلم، وإذا أضيف الكلام إلى أحد لزم أن يكون صفة له؛ لأن الكلام معنى لا يقوم إلا بغيره. * ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والإنزال لا يكون إلا من العلو، وقد قررنا هذا كثيرًا في عدة مجالس؛ أي: قررنا علو الله بذاته فوق خلقه، وبينا أنه ثابت بجميع أنواع الأدلة السمعية التي هي الكتاب والسنة والإجماع، والرابع: العقل، والخامس: الفطرة. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كتاب؛ أي: مكتوب، وقد بينا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والكتب التي بأيدي الملائكة، والكتب التي بأيدي الإنسان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. * ومن فوائدها: فضيلة رسول الله ﷺ حيث كان أهلًا لأن يُنَزَّل عليه القرآن، والقرآن لا ينزل إلا على من هو أهل لإنزاله لجمعه صفات الكمال البشرية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم مبارك حسب الوجوه التي ذكرناها. * ومن فوائدها: الحث على العناية به والتزامه؛ لأنه إذا كان مباركًا فإن كل أحد من البشر يريد أن ينال بركة هذا الشيء المبارك. * ومن فوائد هذه الآية: أنه يُستشفى به، أن القرآن يُستشفى به كما دلت على ذلك آيات أخرى، يُستشفى به من أمراض القلوب، ومن أمراض الأبدان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧]. إذن فمن بركة القرآن أنه يُستشفى به في أمراض القلوب، وفي أمراض الأبدان، الاستشفاء به في أمراض الأبدان يقع على وجوه متنوعة؛ منها: أن يُقرأ على المريض به كقراءة الفاتحة على المريض؛ فإنها مفيدة جدًّا، ومنها أن يكتب في إناء ويصب عليه الماء، ويدار الماء عليه حتى يتغير بهذه الكتابة، ثم يشرب، وهذا مجرب، ومنها على رأي بعض العلماء من السلف والخلف أن يعلق بصفة تميمة؛ يعني يُكتب في جلد أو شبهه، ثم يُعلَّق على المريض فإن هذا قد اختلف فيه السلف، فرخص فيه بعضهم ومنعه بعضهم؛ فمن رخص فيه استدل بعموم الأدلة الدالة على أن القرآن فيه شفاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أعظم الحِكم في إنزال القرآن تدبُّر القرآن؛ لقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. * ومن فوائدها: حث الإنسان على تدبر القرآن، وألا يقرؤه قراءة لفظية فقط، فإن الله تعالى قد ذم هؤلاء الجنس من الناس، أعني الذين يقرؤونه قراءة لفظية، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، ﴿أَمَانِيَّ﴾ يعني قراءة لفظية فقط، فوصفهم الله بأنهم أميون؛ لأنهم لم ينتفعوا بالقرآن؛ إذ لا يمكن الانتفاع بالقرآن إلا بفهم معانيه، فإذا لم يفهم معانيه صار العربي والأعجمي على حد سواء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تدبر القرآن فرض؛ لأن العمل بالقرآن فرض، ولا يتم العمل إلا بالتدبر، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ولكن هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ حسب الحال، قد يكون فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، فما لا يتم دين العبد إلا به فهو فرض عين، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، ولا بد أن يكون في الأمة الإسلامية من يفهم القرآن. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم كله آيات دالة على المتكلِّم به سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ولم يقل: آية منه أو عشر آيات، كل الآيات. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن مِن أعظم ما نزل القرآن من أجله التذكر؛ لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾. * ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نزل موعظة للناس، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس ٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨]، فالقرآن نزل ليؤثر، ما نزل ليتبرك الإنسان بقراءته، أو ينال الأجر بقراءته، هذا سهل، لكن لا بد أن يؤثر تَذَكُّرًا وموعظة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يتذكر بالقرآن إلا أصحاب العقول؛ لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. * ومن فوائدها: أن من تذكَّر بالقرآن فهو صاحب العقل، ومن لم يتذكر فليس له عقل، كذا؟ وجه ذلك أن الله جعل التذكر لمن اتصفوا بمن؟ بالعقول. * ومن فوائدها: أن لُبَّ الإنسان وروحه هو العقل؛ عقل الرشد؛ لأن الله سمى هذه العقول، سماها ألبابًا جمع (لُبٍّ) كأسباب جمع (سَبَب). ثم قال الله تعالى في قصة سليمان بن داود: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ إلى هنا تم تفسيره، قال: (جمع جواد، وهو السابق، المعنى أنها إذا استُوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت) يعني أن هذه الخيل التي عُرِضَت عليه موصوفة بهذين الوصفين؛ أنها من الصوافن، وأنها من الجياد، فهي إذا وقفت وقفت على أحسن هيئة؛ وهو الصفون، وإذا مشت مشت على أكمل هيئة، وهو الجود، جيدة في السبق وتحمُّل المشاق ولو طال السير، وهذا غاية ما يكون من جمال الخيل، غاية ما يكون من جمال الخيل هو هكذا أن تكون هيئتها حين الوقوف مما يسر النفس، وأن يكون فعلها وأداؤها حين السير مما ينفع لكونها من ذوات الجود. وقول المؤلف: (وكانت ألف فرس عُرِضَت عليه بعد أن صلى الظهر لإرادته الجهاد عليها لعدو، فعند بلوغ العرض منها تسع مئة غربت الشمس ولم يكن صلى العصر فاغتم). تقدير هذه الخيل بألف فرس يحتاج إلى دليل عن معصوم عن النبي ﷺ، وليس هناك دليل عن رسول الله ﷺ بأنها ألف أو ألفان أو أقل أو أكثر. وحينئذٍ تكون مسؤوليتنا أن نقف حيث وقف القرآن، فلا نحددها بألف ولا بأكثر ولا بأقل، إنما هو عُرِضت عليه في آخر النهار هذه الخيول ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾، فلما عُرِضت عليه نسي أن يُصلي لقوة ما في قلبه من التعلق بهذه الخيول التي أعدها للجهاد في سبيل الله، أو أعدها للزينة والتمتع؛ لأن سليمان عليه الصلاة والسلام كان من الأنبياء الملوك كما قال تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص ٣٥] والملوك من عادتهم أن يُسرُّوا ويبتهجوا بالنظر إلى الخيول، فسواء كان أعدها للجهاد إن كان قد أُمِر به، أو أعدها للتمتع بها بصفته أنه ملك. يقول: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص ٣٢]. قال: (﴿أَحْبَبْتُ﴾ أي أردت) ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ يعني محبته؛ محبة الخير، والخير يُطلق على المال عمومًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٦ - ٨] أي لحب المال، والدليل على أن الخير هو المال قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠]، فقوله: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ يعني حب المال. وتفسير المؤلف رحمه الله لهذا الخير بالخيل أخص من دلالة اللفظ، وقد مر علينا أنه لا يجوز أن يُفَسَّر اللفظ الأعم بالمعنى الأخص؛ لأن هذا قصور في التفسير، لكن قد يكون عذر المؤلف أن السياق في الخيل فيكون حمله لهذا العام على الخاص بقرينة السياق، وهنا إشكال وهو قوله: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ هل الحب يحب؟ يعني لو قال قائل: لماذا لم تكن الآية: (إني أحببت الخير) كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾؟ المؤلف رحمه الله أَوَّلَ المحبة التي جاءت بلفظ الفعل بالإرادة فقال: (﴿أَحْبَبْتُ﴾ أي أردت حُبَّ الخير) لكنه رحمه الله وإن تخلَّص من تضارب اللفظ لم يتخلص من فساد المعنى؛ لأنه إذا قال: (أردت حب الخير)، فالمراد قد يحصل وقد لا يحصل، مع أن حبه حاصل، ولكن الجواب على هذا أن نقول: إن (أحببت) الأولى على بابها، و(أحببت) الثانية على بابها من باب التوكيد كأنه أحب حب الخير فضلًا عن الخير، ومن أحب حب الشيء لزم أن يكون محبًّا للشيء، كما لو قلت: أنا أحب أن أحب فلانًا، مثلًا، أن أحب قراءة الكتاب الفلاني، فيكون هذا من باب التوكيد، كأنه كرر المحبة مرتين؛ وبهذا نتخلص من الإيراد الذي يرد على تفسير المؤلف رحمه الله. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال المؤلف: (أي صلاة العصر)، وهذا أيضًا فيه تفسير للعام بما هو أخص، وهو قصور في التفسير؛ وذلك لأن الذكر أعم من الصلاة، فكل صلاة ذكر، وليس كل ذكر صلاة، صحيح هذا؟ كل صلاة ذِكْر، وليس كل ذكر صلاة، صحيح؟ إي نعم، إذن إذا فسرنا الذِّكْر بالصلاة فقد فسرنا الأعم بالأخص، وهذا قصور، ولكن ربما يُعتذَر عن المؤلف بالسياق، ولكن هذا العذر لا يُقبَل؛ لأنه من الذي يقول: إن سليمان أراد بذكر ربه صلاة العصر؟ إذ قد يكون أنه أراد ذِكْر الله في المساء؛ لأن المساء له أذكار معينة، وتكون صلاة العصر داخلة في هذا الذكر، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المراد بالذكر في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عموم الذكر الذي يدخل فيه صلاة العصر. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يشمل التذكر الذي هو ذكر القلب، ويشمل القول الذي هو ذكر اللسان، ويشمل الفعل الذي هو أفعال الجوارح إذا أدخلنا صلاة العصر في هذا؛ لأن صلاة العصر تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، الصلاة تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، فيها تذكر القلب، وتذكر اللسان، وتذكر الجوارح. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ في إضافة الربوبية إلى الله استعطاف من سليمان لله عز وجل حيث أذعن له بالربوبية التي تقتضي أن يكون مشغولًا بذكره سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ استشكل بعض العلماء تعدي الفعل بـ(عن)، أحببته عن ذكر ربي، كيف؟ فقيل: إن (عن) معناها (مِنْ)، يعني البدلية، يعني بدلًا عن ذكر ربي، وقال بعض العلماء: إن أحببت مُضمَّن معنى آثرتُ حُبَّ الخير عن ذكر ربي، ومر علينا فيما سبق، أنه إذا جيء بمتعلق لا يناسب المتعلق ظاهرًا فإن لعلماء النحو في ذلك قولين: القول الأول: تضمين المتعلق معنى يُناسب المتعلِّق. والثاني: أن يُضمَّن الحرف الذي لا يُناسب المتعلَّق حرفًا يناسب المتعلَّق. وذكرنا أن الأولى أن يكون التجوُّز بالفعل. وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ قال المؤلف: (أَي الشَّمْس ﴿بِالْحِجَابِ﴾ أي استترت بما يحجبها عن الأبصار). ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، ﴿تَوَارَتْ﴾. إذا قال قائل: الضمير مستتر، والشمس لم يسبق لها ذكر، فلماذا لا يقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ (أي الخيل) بالحجاب؟ يعني أنها أبعدت حتى استترت عنه، وكأنه شُغِل بالنظر إليها وهي تتطارد وتتسابق حتى وصلت إلى مسافة بعيدة بحيث غابت عنه؟ نقول: لا شك أن هذا المعنى محتمل في الآية، قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ﴾ أي هذه الخيول، فأبعدت واستترت، ولكن وردت أحاديث تؤيد ما ذهب إليه المؤلف من أن الذي توارت هي الشمس ﴿بِالْحِجَابِ﴾ أي بما يحجبها عن الأبصار، فما هو هذا الحجاب؟ الحجاب هو الأرض، الحجاب الذي يحجب الشمس إذا غابت هو الأرض، كما قال الله تعالى عن ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٦] يعني في البحر، إذن فالذي يسترها إذا غابت هي الأرض، وهذا لأن الأرض كروية الشكل، فإذا دارت الشمس عليها ووصلت إلى الجانب المنحني فلا بد أن تغيب، وهكذا تغيب عن كل قوم شيئًا فشيئًا حتى تطلع على من غابت عنهم أولًا. ثم قال تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، ﴿رُدُّوهَا﴾ الضمير يعود على الخيل التي عُرِضَت عليه، أمر أن تُرَدَّ عليه، وتُرجَع عليه مرة ثانية من أجل أن يقضي عليها غضبًا لله عز وجل وتنكيلًا لنفسه التي تعلقت بهذه الخيول، وأعرضت بها عن ذِكْر الله. قال: (﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي الخيل المعروضة فرَدُّوها. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ بِالسَّيْفِ ﴿بِالسُّوقِ﴾ جَمْع سَاق ﴿وَالْأَعْنَاق﴾ ) جمع (عُنُق)، قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فردوها عليه. ﴿فَطَفِقَ﴾ طفق هذه فعل ماضٍ من أفعال الشروع، ويكون خبرها فعلًا، وبناءً على ذلك فإن قوله: ﴿مَسْحًا﴾ ليس خبرًا لها، بل مصدر للفعل المحذوف الذي هو الخبر، والتقدير: فطفِق يمسح مسحًا. وقوله: ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ يعني يضربها مع سُوقها، جمع (ساق)، والأعناق مع العنق؛ لأن الخيل تتعلق بها النفس باعتبار المشي، وباعتبار الصفون عند الوقوف، وباعتبار الرقبة، وما عليها من الشعر وحُسْن العُنُق؛ فلهذا ضرب عليه الصلاة والسلام ضَرَبَ مواقع الحسن في الخيل وهي سُوقُها وأعناقها، والله أعلم. * طالب: (...) الذكر العام. * الشيخ: أعم من الصلاة. * طالب: يعني هل هي صلاة العصر أم (...)؟ * الشيخ: لا، لأن الأذكار في المساء تستمر إلى ما بعد الغروب. * طالب: (...). * الشيخ: عام، الذكر عام، يشمل الصلاة وغيرها. * طالب: (...) الأذكار التي ليست مقيدة بالمساء. * الشيخ: إي نعم، إذا لم تكن مُقيَّدة بالمساء؛ فلا فرق أن يذكر بعد غروب الشمس أو قبله. * الطالب: أنا أقول: أقصد أن غروب الشمس (...) صلاة العصر. * الشيخ: ولا فيه أذكار بعد العصر؟ * الطالب: لا، فيه أذكار. * الشيخ: إذن لماذا لا نجعلها عامة ومنها الصلاة؟ * الطالب: (...) غروب الشمس؟ * الشيخ: نعم؛ لأن أذكار المساء تكون بعد العصر، فهو يذكر الله بعد العصر فاشتغل عن ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، يُكتب ألفًا ما لم تتصل بالضمير، إذا اتصلت بالضمير ما حاجة إلى الألف. * طالب: ما حاجة، والواو واقعة في محل هذا.. * الشيخ: يعني لو قال: (ردوا) فقط ما قال: (ها). * طالب: في (ردوا) الضمير راجع إلى من؟ * الشيخ: لا، قصدي أنت تقول: لماذا لم يكتب ألفًا بعد الواو؟ كذا ولَّا لا؟ أقول: لا تُكتب الألف بعد الواو مع الضمير، لو قلت: (رُدُّوه) ما تكتب ألفًا، (رُدُّوها) ما تكتب ألفًا، لكن (رُدُّوا زيدًا) تكتب ألفًا. * الطالب: وفي (رُدُّوا) الضمير راجع إلى من؟ * الشيخ: الواو راجع للمخاطب. * الطالب: للمخاطب، هو للجمع. * الشيخ: إي، وهو للجمع، يخاطب جماعة، و(ها) تعود على الخيل؛ يعني ردوا الخيل عليَّ. * الطالب: نعم، والواو للغائب. * الشيخ: لا، للمخاطب، ما هو الأمر إذا وُجِّه لجماعة، ما هي بالغائب، لو كان فعلًا ماضيًا صارت للغائب لكن هذه فعل أمر، والواو المقترنة بفعل الأمر تكون للمخاطب. * الطالب: حسبته ماضيًا. * الشيخ: لا، لو كان ماضيًا لقال: رَدُّوها، الماضي يُقال: رَدُّوها. * الطالب: قلت: يمكن مجهول. * الشيخ: لا، مجهول وفيه المفعول رُدُّوها. * طالب: (...). * الشيخ: على كل حال هي فعل أمر، يأمرهم أن يردوها عليه. * طالب: شيخ، بارك الله فيك، سأل شخص مفتيًا، فقال له: كنت عاصيًا وعندي أشرطة أغانٍ وإلى آخره، فماذا أعمل بها هل أُسَجِّل عليها محاضرات دينية ولَّا أيش أعمل فيها، ولَّا أحرقها، قال له: حرِّقْها، واستدل بهذه الآية، قال: إن سليمان عليه السلام قتل الخيول. * الشيخ: السؤال هذا متقدم على وقته؛ لأنه سيكون في الفوائد إن شاء الله. * طالب: لماذا كان تضمين الفعل أحسن من تضمين فعل الأمر؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنك إذا ضمنت الفعل استفدت معنى جديدًا زائدًا على معنى الفعل الأصلي، فمثلًا إذا قلنا في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] أن المراد يروى بها تضمن هذا معنيين؛ الشُّرب والرِّي، إذا قلت: إن الباء ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى (مِنْ)، يشرب منها لم نستفد إلا معنى واحد وهو الشرب. * طالب: إذا ضمنَّا يا شيخ الفعل يعني كأننا أتينا بشيء زائد. * الشيخ: لا، لا ما هو زائد؛ لأن الفعل إذا قُلنا: يَرْوَى أتينا بالمعنى الأصلي ليشرب؛ إذ لا رِيَّ إلا بعد شُرب، والذي جعلنا نأتي بالمعنى الزائد وهو الرِّي؛ لأن صحيح أن الرِّيَّ زائد على مجرد الشرب، الذي جعلنا نأتي به هو أن (بها)، الباء ما تتعدى بـ(يشرب). * طالب: شيخ، عفا الله عنك (...) بعض العلماء (...)؟ * الشيخ: إي، هذه هي التميمة، إذا أجزنا التميمة بالقرآن، جاء أُناس فدخَّلوا فيها أشياء شِرْكية، فماذا تقولون؟ نقول: الحكم يدور مع علته، إذا كتب أشياء شركية صار ممنوعًا لأجل الشرك، لكن إذا كتب شيئًا من القرآن فليس فيه شرك؛ يعني لا بد أن يكون هذا الكاتب اللي كتب التميمة لا بد أن يكون مأمونًا. * طالب: (...). * الشيخ: جاب أيش؟ * الطالب: أقول: تكثر في بعض المحال في الحجاز (...) الأرض الشمالية والجنوبية. * الشيخ: ويش اللي تكثر؟ * الطالب: التعاليق هذه اللي بها الشركيات. * الشيخ: لا، هذا يُمنع هذا. * * * * الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص ٣٠، ٣١] إلى آخره، أين مُتعلَّق ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ﴾؟ * طالب: نعم، ﴿إِذْ عُرِضَ﴾. * الشيخ: يعني (إذ) ظرفية تحتاج إلى مُتعلَّق. * الطالب: محذوف، تقديره: واذكر إذ عُرِضَ. * الشيخ: واذكر إذ عُرض. قوله: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ ما هي ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ (...)؟ أحببت الخير حُبًّا شديدًا. ما المراد بالخير هنا؟ * طالب: الخير المؤلف فسرها بالخيل، وهذا قصور. * الشيخ: ما الذي حمله على تفسيرها بالخيل؟ * الطالب: يُعتذر عنه بالسياق؛ سياق الآية. * الشيخ: حيث قال: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾، والقول الثاني، أو الاحتمال الثاني؟ * الطالب: أنها عامة تشمل الخيل وغيرها من المال وغيرها، يُطلق على الخير المال. * الشيخ: ما هو الدليل أو الشاهد على أن الخير يُراد به المال؟ * طالب: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨] والمراد بالخير هنا؟ * الطالب: المال. * الشيخ: المال، ما الدليل أن المراد به المال؟ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]. قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ ما المراد بذكر ربه؟ * طالب: على قول المؤلف قال: إنها صلاة العصر، ولكن الذِّكْر يشمل أعم من الصلاة، ويشمل أذكار المساء والصلاة أيضًا. * الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن ما موقعها هنا؟ * طالب: في المعنى يعني؟ * الشيخ: إي، ويش معنى أحببته عن ذكر ربي؟ * الطالب: أي: دون ذكر ربي. * الشيخ: يعني أيش؟ * الطالب: أي: أحببت حب الخير دون ذكر الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ويش معناه على هذا؟ * الطالب: بمعنى سوى. * الشيخ: عن بمعنى سوى؟ * طالب: بمعنى سوى الله سبحانه وتعالى؛ أي سوى ذكر الله. * طالب آخر: بدلًا عن عبادته. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: بدل ذكر ربه. * الشيخ: بدل ذكر ربه هذا وجه، وجه آخر؟ * الطالب: أو أنها مُضمَّنة. * الشيخ: مُضمَّنة؛ يعني آثرت حب الخير عن ذكره. قوله: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ * طالب: فيها قولان: أن الضمير يعود على الخيل، أنه رآها تبتعد عنه بعيدًا. * الشيخ: جعل يشاهدها ذاهبة وجائية. * الطالب: والقول الثاني: أنها توارت بالحجاب عن الشمس. * الشيخ: الشمس، وما المراد بالحجاب على هذا القول؟ * طالب: الحجاب يعني الأرض. * الشيخ: الأرض، صحيح؟ قال: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ طفق من أفعال؟ * طالب: (...). * الشيخ: وأين خبرها؟ * طالب: (...). * الشيخ: خبرها محذوف، فطفق يمسح مسحًا. ﴿بِالسُّوقِ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: جمع (ساق). * الشيخ: جمع (ساق)؛ يعني يضرب سُوقها حتى يعقرها، والأعناق؟ * الطالب: جمع (عُنق) وهو يمسح أعناقها. * الشيخ: بيده، يمسح بيده كذا، إذن معنى كلامك أنه يمسح سُوقَها بيده، ويمسح أعناقها كذلك. * طالب: يعني ضربًا بالسيف. * الشيخ: حتى في السُّوق؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: والأعناق القتل. نأخذ الفوائد. قال الله عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأولاد هِبَة من الله عز وجل للعبد، ويتفرع على هذا أنه يجب على العبد أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على سليمان في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. والعبودية هنا العبودية الخاصة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فإن هذا هو سبب الثناء عليه. * ومن فوائدها: فضيلة الأوبة إلى الله والرجوع إليه بالقلب والعمل؛ لأن الله أثنى على سليمان بسبب ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره، من فوائدها: بيان عظمة ملك سليمان حيث كان الناس يعرضون عليه هذه الخيول للتمتع بها، ومن أجل الاطلاع عليها وتفقدها، ووجه ذلك أنه قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ فهذا يدل على أن هناك أناسًا يعرضون عليه هذا الخيل. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه العادة وهي عرض الخيول والتمتع بجريها في آخر النهار عادة قديمة ما زال الناس عليها إلى اليوم؛ يعني لا تكاد تجد أحدًا يُجري مسابقة على الخيل في أول النهار، وإنما يكون في آخر النهار، وهذه من العادات القديمة في الناس إلى اليوم. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي اختيار الخيل الجيدة الجميلة التي تسُرُّ النفس في رؤيتها وفي جريها؛ لقوله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي اقتناء الخيل، حيث كان هذا من دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]. فمتى كانت الخيل آلة حرب فالخير في نواصيها إلى يوم القيامة. * ومن فوائد هذه الآية: ذِكْر أُنموذج من وَصْف سُليمان بالأوَّاب؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: أن المال خير وهو كذلك؛ لأن الإنسان إذا رُزِق المال تمكَّن أن يتمتع تمتعًا كاملًا فيما يختص بالمال بخلاف ما إذا ضُيِّق عليه المال فإنه لا يستطيع أن يتمتع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإعراض عن ذِكْر الله بأمور الدنيا أمر مذموم؛ لأن سليمان وَبَّخَ نفسه في كونه أحب الخير وقدَّمَه على ذِكْر الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الشمس تجري دائمًا، وليست تغيب؛ بمعنى أنها تنحجب عن الأبصار في السماء؛ لقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. * ومن فوائدها: إثبات أن الشمس هي التي تدور على الأرض في طلوعها وغروبها؛ لأنه أضاف الفعل إليها فقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾، ولو كان الأمر كما يقول أهل الجغرافيا اليوم: إن الأرض هي التي تدور وتنحجب الشمس بسبب دورانها لقال: حتى توارين بالحجاب، أو حتى توارى بالحجاب هو يعني؛ لأنه إذا كان أنت الذي تدور ومقابلك ثابت، فمن الذي يتوارى؟ الثابت أو الدائر؟ الدائر، فإذا كان الله تعالى أثبت أن التواري للشمس دل هذا على أنها هي التي تدور، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، فهذه أربعة أفعال كلها أضيفت إلى الشمس. وفي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان مع النبي ﷺ حين غربت الشمس فقال له: أتدري أين تذهب؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فَإِنَّهَا تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَإِنْ أُذِنَ لَهَا وَإِلَّا قِيلَ: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]]. هذا هو ظاهر القرآن، والواجب على المؤمن أن يتبع ظاهر القرآن؛ لأن هذه هي الطريق في كل شيء كما تعرفون في أسماء الله وصفاته نتبع ظاهر القرآن، وكما تعلمون في الأحكام الشرعية نتبع ظاهر القرآن، إذن في الأمور الكونية نتبع ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن صدر من الخالق العليم فهو أعلم من خلقِه بخلقه، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، فإذا كان هذا صادرًا من أعلم من يكون وجب علينا أن نُصدِّقه. فالواجب علينا إذن إجراء ظواهر الكتاب والسنة على ما هي عليه حتى يقوم لنا دليل حسي واضح يتبين أن اللفظ ليس على ظاهره، فلو فُرِضَ أنه تبين تبينًا واضحًا مثل الشمس أن الأرض هي التي تدور فإننا نقول: عُبِّرَ بهذه الأفعال التي ظاهرها أن الشمس هي التي تدور باعتبار ما نُشاهِد، فتكون غربت باعتبار مشاهدتنا؛ لأن المشاهد المحسوس حسب الأمر الظاهر لعامة الناس أن الأرض ثابتة والشمس تدور عليها، فيكون التعبير بحسب ما يشاهده الناس في الظاهر، لكن متى نحتاج إلى تأويل الآيات؟ إذا ثبت ثبوتًا حسيًّا قطعيًّا ما فيه إشكال؛ لأن الظاهر دلالته ظنية، ولا يمكن زحزحة هذه الدلالة إلا بدليل قطعي يكون أقوى منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض كروية؛ لأنه لما أثبت أنها تتوارى بالحجاب دلَّ هذا على أن الأرض هي التي تحجبها، وهي كما نشاهد تنزل الشمس في أوج السماء في أعلى، ثم تنزل شيئًا فشيئًا حتى تكون في الأسفل، في الأرض، فيدل ذلك على أن الأرض كروية، وهذا أيضًا أمر مقطوع به، ولا إشكال فيه؛ فهو ظاهر مِن القرآن، وظاهر كذلك بالواقع؛ ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٥] متى هذا؟ يكون يوم القيامة؛ لأن السماء لم تنشق الآن. فقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ يدل على أنها قبل هذا ليست ممدودة بل هي كُروية، وهذا لا يُعارِض قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠] لا يعارضه؛ لأن سطحها باعتبار المشاهَد، فأنت الآن إذا وقفت على الأرض تجدها مستوية إلى مد البصر. * ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾ إلى آخره، من فوائدها: جواز التعزير بإتلاف المال، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، هل يجوز أن نُعزِّر الإنسان بإتلاف ماله أو لا يجوز؟ فمن العلماء من قال: إنه لا يجوز؛ لأن إتلاف المال إفساد له، ويمكن أن نُعزِّره بأخذ المال دون إتلافه، فنأخذه منه وننفقه في جهة أخرى نافعة، ومنهم من قال: بل إن ذلك جائز، واستدلوا لهذا بأن الغالَّ من الغنيمة الذي يكتم ما غنم يُحرَّق رحله، وهذا إتلاف له مع أن الجيش قد يكون في حاجة إلى ماله، ومع هذا نتلفه، وهذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز التعزير بإتلاف المال؛ أولًا: لدلالة السنة على ذلك. وثانيًا: لأن إتلافه أنكى وأعظم أثرًا؛ لأنه لو أُخِذ وجُعِل في مصالح؛ صار التنكيل خفيًّا، ثم قد يكون فتح بابٍ للولاة الظلمة، إذا أرادوا المال؛ أقاموا دعوى على شخص ما، ثم قالوا: نُعزِّره بأخذ ماله، ثم يأخذون ماله على أنه سيكون في بيت المال، ولكنه سيكون في جيوب هؤلاء الظلمة، فإذا قلنا بأنه يحرق ويُتلف أمام الناس زال هذا المحذور، وبناء على ذلك لو وجدنا مع شخص آلة لهو تصلح أن تستعمل في غير اللهو، وعزَّرْناه بتكسيرها كان ذلك سائغًا، ولا نقول: حوِّلها إلى غير آلة اللهو؛ لأن إتلافها أمام الناس أنكى وأشد مما لو أُتلفت بإنفاقها في جهة ما. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان لا بأس أن يُعزِّر نفسه بإتلاف ماله بنفسه؛ لفعل سليمان، فلو فرضنا أن شخصًا اشتغل بشيء معه عن ذكر الله، وأراد أن يكسره لكان ذلك سائغًا جائزًا؛ لأن هذا يؤدي إلى ألا يعود مرة أخرى إلى التشاغل عن ذِكْر الله تعالى بشيء من المال. * ومن فوائد هذه الآية: قوة سلطان سليمان في أمره ونهيه؛ لقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، فإن هذا يدل على أن له جنودًا كثيرة تأتمر بأمره؛ إذ لم يقل: رُدَّها. لو قال: ردها لكان الخادم واحدًا، لكن لما قال: ﴿رُدُّوهَا﴾ دل على أن له جنودًا خدمًا يخدمونه؛ كثيرين. * ومن فوائدها: سرعة ومبادرة سليمان عليه الصلاة والسلام بتنفيذ ما أراد من إتلاف هذا المال؛ لقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. قد يقول قائل: أليس في هذا تعذيب للحيوان إذا جعل يضرب سُوقه بالسيف؟ فيقال: بلى، لكن الظاهر أنه يعقرها أولًا، ثم يقطع عنقها ثانيًا، وهذا لا بأس به؛ لأن الألم لا يدوم، وإنما خَصَّ السوق بالضرب من أجل أنها صافنات، والصافنة إذا رفعت حافرها بعض الشيء؛ صار لسُوقها منظر جميل، فهو متعلق الرغبة؛ ولذلك جعل يضرب هذه السوق، وأما الأعناق فظاهر من أجل إتلافها نهائيًّا. * طالب: عرف سليمان لغة الطيور، وكذلك أمور (...) هل أخذ الخيول يعني صدقة باللحوم، يعني (...)؟ * الشيخ: إي، هذا السؤال جيد، يقول: هل أكل لحومها أو تصدق به، أو ماذا فعل؟ ما تقولون؟ * طالب: المؤلف يقول: تصدق بها. * الشيخ: يقول: تصدق بها، اقرأ (...). * طالب: يقول: (﴿وَالْأَعْنَاق﴾ أَي ذَبحها وَقَطع أَرْجُلهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّه تعالى حَيْثُ اشْتَغَلَ بِهَا عَن الصَّلَاة، وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا فَعَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهَا وَأَسْرَعَ وَهِيَ الرِّيح). * الشيخ: سمعت؟ هذا يحتمل ما قال المؤلف أنه تصدق بها، ويحتمل أنه لم يتصدق بها؛ لأن ذبحها تقرُّب إلى الله تعالى بإتلافها، وما كان كذلك فإنه لا يُؤكَل، نظيره لو زنى رجل ببهيمة، فإن البهيمة تُقتل، ولا يُؤكل لحمها؛ لأنها أُتلفت في حق الله فلا ينبغي أن تُؤكَل، على كل حال يحتمل أن سليمان تصدَّق بها كما قال المؤلف، أو أكلها، أو تركها، الله أعلم.

ص 38:34

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:35

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:36

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:37

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:38

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:39

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:40

الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ هذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط. قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. والواقع أن هذه مسألة ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ بعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة. الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني به سليمان نفسه، ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن ﴿جَسَدًا﴾ هذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ هذا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني مُلكًا ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ يعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ (أي سوايَ نحو ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وأنت في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ الفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ أي تسير. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي (لينة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني تجري إلى الجهة التي أرادها ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ حتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء ٨١] للعالمين؟ والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيثُ أراد. وقوله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص 36] قد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء 81]؟ والجواب أن الجمع بينهما سهل؛ فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر؛ يعني تمشي في الصباح ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قطعت مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني: هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط يضعه على الأرض ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط ثم يأمر الريح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رَخِيَّة كأنها لا تسير، كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج وهذا من آيات الله. قال: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص 36] أي: حيث أراد؛ يعني إلى الصوب الذي يريده أي جهة، هذا واحد وهذا لم يحصل لغيره فيما نعلم ما حصل لرسول لا ملك من الملوك أنه يأمر الريح فتسير حيث أراد. ثانيًا: قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص 37] يعني: وسخرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان وهم عفاريت الجن. سخر له (﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يبني الأبنية العجيبة ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37] في البحر يستخرج اللؤلؤ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ [ص 38] منهم مشدودين في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص 38] القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم) إلى آخره. سخر الله له الشياطين ذَلَّلَها له تمتثل بأمره وقد صنفهم ورتَّبَهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم؛ منهم من يبنون له البنايات الشامخة العجيبة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ 13] هذا قسم، قسم آخر غوَّاصٌ يغوصون في البحار يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدرر وغيرها، كل ما يريد يغوصون ويأتون له ما يريد. فيه قوم مردة من الشياطين يؤذون الناس وربما يتمردون عليه فيعصونه هؤلاء يُقَرِّنُهم في الأصفاد يَشُدُّ أيديهم إلى أعناقهم ويحبسهم في الأصفاد. قد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير؛ أن الله جعل له سلطة عليهم فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته من أجل أن يعمل بهم هذا العذاب حتى يتبين بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين؛ لأنه لا يُعْرَف تمام السلطان إلا بمثل هذه الأشياء؛ يعني إلا بإنزال العقوبات على المتمردين، أما إذا كان السلطان رخيًّا يداهن في المتمردين، فإن هذا يدل على أيش؟ على ضعف السلطان وأنه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته، فسليمان جعل الله تعالى هؤلاء يتمردون عليه أو يؤذون مَنْ في مملكته لأجل أن يُنْزِلَ بهم بطشه ويُعْرَف أنه قوي وذو سلطة وسيطرة على هؤلاء الجن، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص 39] ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص 35] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه الآن تسخير الريح وتسخير الشياطين. (﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه مَنْ شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن الإعطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك). أعطاه الله تعالى هذا الملك، وقال له: أنت بالخيار؛ امنُنْ على مَنْ شئتَ وأمسك المنة عمن شئت، ولا حساب عليك في ذلك، وهذا من التخيير المطلق في التصرف، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان الفوائد أن التخيير قد يكون مطلقًا وقد يكون مقيدًا في بعض الأشياء ففي خصال الكفارة مثلًا تخيير لكن مطلق أو مقيد؟ مقيد بين أشياء معينة وهناك تخيير مطلق يقول: افعل ما شئت واترك ما شئت، هذا التخيير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام. ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لَمَّا ذكر الله ما مَنَّ عليه في الدنيا ذكر ما مَنَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفى قريبة من الله. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: حُسْنَ مرجع؛ لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هنا ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى؟ * طلبة: قسمين. * الشيخ: ما هي؟ عندية الصفة وعندية القرب، عندية القرب مثل هذه الآية، عندية الصفة مثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام 59] فإن هذه عندية الصفة، أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله يكون الشيء عند الله أي: قريب منه. وقول: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى يعني القربى؛ لأن أعلى مراتب الخلق هم الأنبياء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء 69]. * طالب: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص 37]، والكل (...) كلهم وآخرين بعضه هذا يدل على (...). * الشيخ: لا، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ هذه بالنسبة للبنائين والغواصين وآخرين غير هؤلاء. * الطالب: يعني كل (...). * الشيخ: بإجبار البعض، الشياطين قسَّمهم الله قسمين: قسم بناء وغواص، وقسم آخر غيرهم ﴿وَآخَرِينَ﴾؛ لأن آخر معناه مغاير آخر بالفتح يعني مغاير. * الطالب: يعني كل من القسم الأول. * الشيخ: من القسم الأول. * الطالب: يعني (...) كل من القسم الأول. * الشيخ: نعم، القسم الأول كل بناء. * الطالب: القسم الثاني. * الشيخ: نعم (...). * * * * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 41 - 44]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]، ما المراد بهذه الفتنة؟ * طالب: هذه الفتنة فيها أربعة أقوال، بعض أهل العلم قال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن (...). * الشيخ: لا. * طالب: الفتنة اختبار. * طالب آخر: مراده بالفتنة هذا ما بين الله تبارك وتعالى وعلينا السكوت فيه. * الشيخ: تمام، أحسنت (...) ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إذا قيل: ما هذه الفتنة -والله أعلم- ما نعلم. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ ما المراد بهذه الجملة؟ * طالب: هذا الجملة المراد فيها أربعة أقوال: القول الأول على قول المؤلف أنه كان سليمان له امرأة (...) وكانت تعبد صنمًا في بيته، وكان عنده خاتم فعندما دخل الخلاء وضع الخاتم عندها فأتى الشيطان (...). والقول الثاني: أنه حلف عليه السلام أنه ليطوفن على تسعين أو مئة امرأة ويأتي منها بغلام طفل أو برجل يجاهد في سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ حلف أن يطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة غلامًا يجاهد في سبيل الله. * الطالب: فلم يُولد له إلا شق رجل. قالوا: هو المقصود (...). القول الثالث: أنه ألقي شيطان على كرسي سليمان بغض النظر عن القصة اللي ذكرها المؤلف. القول الرابع: أن سليمان ألقي على كرسيه، ولكنه أخذ منه تدبير الملك.. * الشيخ: والسلطان. * الطالب: نعم. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ما معنى أناب؟ * طالب: ﴿أَنَابَ﴾ أي: يرجع. * الشيخ: إلى أي شيء؟ * الطالب: قال المؤلف: راجع إلى ملكه (...) الصحيح أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، ما معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾؟ * طالب: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ أي: لا يكون. * الشيخ: أي: لا يكون، وما المراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ هل هي الـ(بعدَ) الزمنية أو الـ(بعدَ) الشخصية؟ * الطالب: لا، سواى؛ الشخصية. * الشيخ: سواى. هل لديك شاهد على أن (بعد) تأتي بمعنى سوى؟ * الطالب: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23]. * الشيخ: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية 23] هذه ليست (بعدَ) الزمنية؛ لأن الله هو الذي ليس بعده شيء، أي: سوى الله. ما موقع قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ بما قبلها؟ * طالب: جملة تعليلية. * الشيخ: تعليلية؛ يعني: إنما سألتك يا رب أن تهبني لأنك أنت الوهاب. ﴿الْوَهَّابُ﴾ هنا صيغة مبالغة أو نسبة؟ * طالب: صيغة مبالغة؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والموهوب له أيضًا. * الطالب: كثيرون. * الشيخ: كثيرون. قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؟ * طالب: ﴿رُخَاءً﴾ يعني لينة. * الشيخ: لينة. * الطالب: ليس فيها زعزعة. * الشيخ: بارك الله فيك، كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء 81]؟ * الطالب: هناك بمعناه سريع. * الشيخ: بمعنى سريع. * الطالب: وهنا بمعنى لينة ليس (...) يعني ليست هي سريعًا وليست هي زعزعة ولا.. * الشيخ: إذن تكون رخاء وهي سريعة. * الطالب: نعم. * الشيخ: بارك الله فيك. قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ما الذي نصبها؟ * طالب: سخَّر له الشياطين. * الشيخ: يعني: ما الذي نصبه؟ * الطالب: معطوفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الريح. * الشيخ: على الريح. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ﴾ [ص 37، 38] كم قَسَّم الله الشياطين بالنسبة له؟ * الطالب: ثلاثة أقسام: بناء، وغواص، وآخرين مُقَرَّنين في الأصفاد. * الشيخ: هؤلاء المقرنون لماذا كانوا مُقَرَّنِين؟ * طالب: لأنهم متمردون. * الشيخ: يتمردون عليه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما الفائدة من ذكر هذا؟ لأن تَمَرُّدَهم عليه قد يقال فيه: إن هذا دليل على ضعف سلطانه؟ * الطالب: نقول: هذا مما (...) سلطانه قوة. * الشيخ: هذا مما يدل على قوة سلطانه، وأن المتمرد منهم ليس له إلا هذا الجزاء. * الطالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ معناها؟ * طالب: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ المن معناه (...)، و﴿أَمْسِكْ﴾ معناه: احبس أو امنع. * الشيخ: إي نعم، يعني أن الله خَيَّره بين؟ * الطالب: بين الإعطاء وكثرة الإعطاء أو أنه يحجز أو يمنع (...). * الشيخ: وهذا كناية على أن الله أعطاه ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء. ما الفائدة من قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟ * طالب: الله عز وجل لما ذكر منزلته في الدنيا (...) وما تَفَضَّل عليه ذكر منزلته في الآخرة. * الشيخ: صح لئلَّا يظن أن هذا الملك في الدنيا ينافي ثواب الآخرة. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]. * من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يختبر عباده المصطفين عنده بما شاء من اختبار وينبغي كما قلنا في التفسير أن نُبْهِمَ ما أبهمه الله وألا نبحث عنه بالتكلف الذي يفعله بعض الناس. * ومن فوائدها: أن لسليمان كرسيًّا يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأن الله جمع له بين النبوة والملك. * ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُسْلَب بعض النعم؛ إما جزاء على عمل عمله واستحق عليه أن يُسْلَب بعض النعم، وإما من أجل أن يترقى إلى درجة الصابرين؛ لأن الصبر درجة عالية لا ينال إلا بأسباب الصبر فمثلًا الصبر ثلاثة أقسام على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره؛ أما الصبر على الطاعة وعن المعصية فهي باختيار الإنسان، وأما على أقدار الله فالأقدار بغير اختياره فقد يبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله وينتبهوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ بخلاف غيرهم فإنهم قد يُبْتَلون بالذنوب ولا يرجعوا منها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الأنبياء معصومون من الاستمرار في المعاصي، وأما غيرهم فلا، هذا الفرق. ما هو الفرق اللي ذكرته الآن؟ * طالب: الأنبياء معصومون من المعاصي. * الشيخ: لا. * طالب: من الاستمرار في المعاصي. * الشيخ: من الاستمرار في المعاصي بخلاف غيرهم فإن الإنسان يُبتَلى بالمعصية ولا يُوَفَّق للتوبة منها. * ومن فوائد هذه الآية: أن مسلوب التصرف والسلطة كأنه جسد بلا روح؛ لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك. * ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. * ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟ * طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟ * طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله. * الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر. * ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى. وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل. * ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه. والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟ قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير. * ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا. ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36]. * من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها. * ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي. * ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح. ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح. * ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب. * ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟ * طلبة: شمالية.. * الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37]. * في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم. * ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص. * ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها.. * طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة. * الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب. ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟! لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر. فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا. * طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: نعم (...) ملكه. * طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟ * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟ نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم. * طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...). * * * * الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39]. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. * ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير. * ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40]. * ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟ * طالب: الجزاء من جنس العمل. * الشيخ: وقبلها؟ * الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه.. * الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.

ص 38:41

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص 41] ﴿اذْكُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ويجوز أن يكون مُوَجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه من البشر. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل، ﴿اذْكُرْ﴾ مع أنه في قصة سليمان لم يُعِدْه، بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص 30]، ولم يذكر ﴿اذْكُرْ﴾، قال بعض العلماء: لأن سليمان بن داود فقصتهما متقاربة كأنما هي قصة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله وهذه العبودية من العبودية التي هي أخص الخاصة؛ لأنها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾ هذه عطف بيان أو بدل؟ * طالب: عطف بيان. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من ﴿عَبْدَنَا﴾. * الشيخ: من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ متعلقة بـ﴿اذْكُرْ﴾، ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من (عبد) يعني في حال نداء ربه. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء يكون بالصوت المرتفع، والنجاء يكون بالصوت المنخفض قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم 52]. (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ ) قدَّر المؤلف الباء هنا؛ لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم 30]، لكنها هنا مفتوحة فقدَّر المؤلف الباء؛ لأننا إذا قَدَّرْنَا الباء صارت تسبق هي وما بعدها المصدر، وإذا سبقت (أن) وما بعدها المصدرَ كانت مفتوحة الهمزة كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ∗∗∗ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي بأني) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني: أصابني، و﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. (﴿بِنُصْبٍ﴾ ضر ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم) وكان الشيطان قد أذاه، ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه أو أنه إيذاء حسي كما قال بعضهم: إن الشيطان نفث في جسده حتى أصبح جسده كله جدريًّا يعني حبوبًا ضارة، فالله أعلم يحتمل هذا وهذا. النُّصْب يعني الضرر والعذاب يعني الألم، لما نادى اللهَ عز وجل وتضرع إليه وعَلِمَ أنه لا ملجأ من الله إلا إليه حينئذ جاءه الفرج فقيل له: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) وهذا الأمر من الله عز وجل. قبلها المؤلف يقول: (ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبًا معه تعالى) نسب ذلك إلى الشيطان لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، فالله تعالى هو الذي بحكمته سَلَّط عليه الشيطان، فالشيطان مباشر للعلة لكنَّ تسلطه كان بقضاء الله وقدره، والمؤلف رحمه الله سلك مسلكًا غير الذي قلتُه الآن فأنا أقول: نَسَبَه إلى الشيطان لأنه هو؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، هو المباشر للعلة وهو سبب بلا شك، لكن سبب مباشر، وفي الحقيقة أن الشيطان إنما سُلِّط بقضاء الله وقَدَرِه المؤلف يرى أنه نُسِبَ إلى الشيطان تأدبًا، وإلَّا فالأصل نسبته إلى الله فهو كقوله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10]، فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن 10] ومعلوم أن مريد الشر هو الله عز وجل لحكمة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10] فهم حذفوا الفاعل تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأن الشر ليس إليه. على كل حال الشيطان هو الذي مَسَّ أيوب، وقد علمتم أن مَسَّه إما أن يكون مَسًّا نفسيًّا أو حسيًّا. قال الله تعالى بعد أن تفرغ قلبُه من كل من سوى الله ولجأ إلى ربه قال: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) اضرب بها الأرض، فضرب بها الأرض فنبع منها الماء بإذن الله، ما يحتاج إلى حَفَّار ولا إلى أحد يساعد، ضربة واحدة، فنبع الماء والله على كل شيء قدير. وهذا أحد الضربات التي نبع بها الماء على أنه آية من آيات الله، الثاني موسى يضرب الحجر فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، الثالثة جبريل ضرب بعقبه أو جناحه مكان زمزم فنبع الماء، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فضرب برجله الأرض (فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ تشرب منه) الله أكبر؛ يعني: أبيح له أن يغتسل ويشرب، وهذا الماء أيضًا مع أنه نبع من الأرض، والغالب أن النابع من الأرض يكون ساخنًا لكن هذا صار باردًا (فاغتسل به وشرب منه فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره) بقدرة الله عز وجل وإرادته. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] قال المؤلف: (أي: أحيا الله له مَنْ مات من أولاده ورزقه مثلهم) فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، وليس في الآية ما يدل على هذا، بل إن الله وهب له أهله حيث أَوَوْا إليه بعد أن شردوا منه؛ لأن الرجل بسبب المرض النفسي، وربما نقول: النفسي والحسي البدني شرد منه أهله، عجزوا عن أن يعيشوا معه فشردوا، فلما عافاه الله أوى إليه أهله فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق كما سَمَّى عمر بن الخطاب إعادةَ قيام رمضان جماعةً سماها بدعة[[أخرجه البخاري (2010) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنها ليست بدعة في الواقع، مع أنها ليست هبة ولكن إعادة موهوب شرد. وأما القول بأنه أحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصحيح أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة أيش؟ إعادة موهوب سبق؛ لأنهم نفروا منه وشردوا عنه. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ هذا هو الذي نقول: إن الله رزقه أولادًا جُدُدًا؛ لأن زوجته رجعت وحاله صلحت وصار ينجب فبارك الله له في ولده. (﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ). قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ إن كان عائدًا على الأهل ومَنْ وُهِبَ له من جديد فهي رحمة مخلوقة، والرحمة قد تُطْلَق على المخلوق كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (4850)، ومسلم (2846 / 34) من حديث أبي هريرة.]]؛ وعلى هذا فتفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير أيش؟ صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأولاد على الأهل ومثلهم معهم فإن تفسيره صحيح لأن الرحمة هنا مخلوقة، وإن أريد بالرحمة صفة الله عز وجل يعني أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله فالرحمة هنا أيش؟ غير مخلوقة، الرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة. إذن كلام المؤلف لا يمكن أن يُخَطَّأ على الإطلاق حيث فَسَّر الرحمة بالنعمة، ومعروف أن الأشاعرة يفسرون رحمة الله بأيش؟ بالنعمة أو بالإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا يُنْتَقَد من كل وجه؛ لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أنها يراد بها الموهوب والموهوب لا شك أنه مخلوق. أما إذا أردنا ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ الرحمة التي هي صفة الله أي أن هذا ناشئ عن رحمتنا التي نحن متصفون بها وهو الرب عز وجل فإن تفسير المؤلف ليس بصحيح؛ لأن الرحمة حينئذ تكون أيش؟ صفة من صفات الله ليست نعمة خلقًا بائنًا عن الله عز وجل. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ كيف نعربها؟ * طلبة: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول لأجله، وهذه علة السابقة، العلل قسمان: علة غائية منتظرة وعلة السابقة مُوجِبة؛ فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب العلة سابقة ولَّا لا؟ * طلبة: سابقة. * الشيخ: سابقة، إذن عِلَّة موجبة، إذا سافر الإنسان ليَتَّجر فهنا العلة غائية لاحقة ما هي سابقة، الأولى عِلَّة باعثة موجبة، لا، الإيجاب في كل العلتين، لكنها باعثة حاملة للإنسان، والثانية علة غائية لاحقة. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني نفسه تبارك وتعالى، وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا لله، الغريب أن هذا الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصارنيُّ على تعدد الآلهة؛ لأن النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة ليس إلهًا واحدًا فيقول عندي دليل؛ ﴿خَلَقْنَا﴾ [الأعراف 181]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة 99]، ﴿مِنَّا﴾، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم 13] ﴿عِنْدَنَا﴾، كل هذه تدل على الجمع فنقول له: إن في قلبك لزيغًا؛ لأنك اتبعت المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران 7]. ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة 163]؟! هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمر وارد في اللغة العربية، حتى الناس بأنفسهم وهم بشر لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيمًا لأنفسهم. (﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لأصحاب العقول) ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه خاصة بأيوب وبأهله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ هذه عامة يتذكر بها أصحاب العقول بأي شيء يتذكرون في هذه القصة؟ يتذكرون في هذه القصة بأن المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأن الشيطان قد يُسَلَّط على الرسول. يتذكرون بها؛ لأن الإنسان إذا لجأ إلى ربه ودعا ربه فإن الله يجيبه. يتذكرون بها؛ لأنه كلما اشتد الكرب فانتظر الفرج، قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنْ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرَ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (2803) من حديث ابن عباس.]]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة 214] فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214] يعني: قريب من هذه الحال التي وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله يعني: يطلبونه شوقًا لا استبعادًا، ولكن شوقًا إليه كأنهم يقولون: يا رب، عجل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214]. إذن ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ من أي ناحية؟ من أن البلاء يشمل الأنبياء. ثانيًا: أن الشيطان قد يُسَلَّط على الأنبياء. ثالثًا: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه إذا صَدَق الإنسان في دعوته، فالله سبحانه وتعالى يجيب الدعوة، نسأل الله أن يرزقنا الصدق معه. رابعًا: أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر ولجأ إلى الله أجاب الله تعالى دعاءه. خامسًا: أن زوال كرب النبي أيوب عليه الصلاة والسلام كان على يده؛ لأن الله تعالى لم ينزل شفاء بدون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره، كيف؟ قيل له: (اضرب برجلك) فخرج الدواء، وقيل: (اغتسل) فعالج نفسه إذن هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج فكان علاجه على يده باستخراج الدواء وبالعلاج وكيفية استعمال الدواء. (﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو حزمة من حشيش أو قضبان ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك وكان قد حلف ليضربنها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص 44] بترك ضربها فأخذ مئة عود من الإذخِر أو غيره فضرب بها ضربة واحدة) هذه فتوى من الله عز وجل لأيوب أفتاه بها تسهيلًا عليه وعلى أهله، أشرنا قبل قليل إلى أنه ما أصيب بهذه المصيبة من قِبَل الشيطان مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة، أين ذهب أهله؟ شردوا ومن جملتهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء فحلف أن يضربها مئة مرة يجلدها مائة جلدة؛ لأنها أغضبته وتركته فلما شفاه الله عز وجل من المرض بقي عليه الآن أن يفي بيمينه، أن يَبَرَّ بيمينه؛ فيضرب زوجته مئة ضربة، مئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة للزوجة ومن الإحراج بالنسبة له، فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى قال: خذ بيدك ضغثًا فيه مئة شمراخ واضربها به مرة واحدة، ويكفي عن مئة ضربة، ففعل، أخذ بيده ضغثًا فضربها به ضربة واحدة، فصار ذلك برًّا بيمينه؛ ولهذا قال ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. أين مفعول ﴿فَاضْرِبْ﴾؟ محذوف، وحُذِفَ -والعلم عند الله- للستر؛ لأنه ما في القرآن أنه أُمِرَ بضرب الزوجة، ولكن جاء ذلك في القصص المعروفة عند بني إسرائيل، ليس المقصود أن نعرف عين المضروب، المقصود أن نعرف أن الضرب الذي كان قد حلف عليه يحصل بر فيه بأخذ هذا الضغث والضرب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أصل الحنث الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة 46] يعني: على الإثم العظيم، والمراد به هنا بالحنث ألا يَبَرَّ بيمينه وعدم البِرِّ بيمين أن يترك ما حلف على فعله أو يفعل ما حلف على تركه، هذا الحنث، حلف ليشترين كتابًا قال: والله لأشترين كتابًا ولم يشترِ، ما تقولون؟ * طلبة: حنث. * الشيخ: حنث بأيش؟ بترك ما حلف على فعله. حلف على ألا يبيع هذا الكتاب، قال: والله لا أبيع هذا الكتاب، فباعه، حنث بماذ؟ بفعل ما حلف على تركه. حلف ليشترين هذا الكتاب فاشتراه، ماذا نقول؟ بَرَّ بيمينه. حلف ألا يبيع هذا الكتاب فلم يبعْه أيضًا بَرَّ بيمينه. إذن موافقة اليمين بِرٌّ ومخالفته حنث. قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أن عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله؛ لأنه يُسَمَّى حِنْثًا، لكن من نعمة الله أنه رَخَّص لعباده بفعله، لكنهم إذا فعلوا كَفَّرُوا كفارة عن أيش؟ عن اليمين ولَّا عن الحنث؟ * طلبة: عن الحنث. * الشيخ: عن الحنث؛ لأنها لو كانت عن اليمين لكان مَنْ يحلف يُكَفِّر، لكنها عن الحنث؛ لأن الأصل الإثم في مخالفة اليمين، لكن من رحمة الله عز وجل أن الله أباح لنا الحنث وأن نُكَفِّر عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44] أي: وجدنا أيوب يعني: ألفينا ﴿صَابِرًا﴾، ما الذي نصب ﴿صَابِرًا﴾؟ (وجد) تنصب كم؟ * طلبة: مفعولين. * الشيخ: مفعولين: الأول الهاء في قوله: ﴿وَجَدْنَاهُ﴾، والثانية ﴿صَابِرًا﴾. صبر أيوب عليه الصلاة والسلام كان صبرًا على قَدَرِ الله، وكان صبرًا عن معصية الله، ما تَجَزَّع ولا سخط وكان صبرًا على طاعة الله، بماذا؟ كان صبرًا على أقدار الله، ظاهر؛ لأنه صبر على ما مَسَّه من الشيطان، وعن معصية الله؛ لأنه لم يتسخط، وعلى طاعة الله؛ لأنه لجأ إلى الله ودعا الله عز وجل فأجابه. أحيانًا يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي، فيما سبق إذا تَعَسَّرت الولادة يؤتى إلى الشخص ويُطْلَب منه أن يقرأ للحامل عند تَعَسُّر الولادة فيقرأ بماء ثم يذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة وتشرب منه الحامل فتضع بدون ألم، هذا شيء مُجَرَّب مشاهد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبر على أيش؟ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب) (...) ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ صبر هذا الصبر العظيم؛ على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك ما نسي الله عز وجل لجأ إليه عند الشدائد. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ إعراب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أن نقول: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ جامد، صح؟ ﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل، وهذا الفعل وشبهه يحتاج إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص استُغْنِي بما تقدم وإلا فإنه يُقَدَّر، وإن كان ظاهرًا فظاهر. فمثلًا هنا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ نقول: إن السياق يدل على المخصوص وحينئذ لا حاجة لتقديره، المعروف ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ من هو؟ أيوب، فلا حاجة للتقدير، لكن بعض النحويين يُقَدِّر ولو عُلِمَ؛ لأنه يرى أنه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص. فيقول المؤلف: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب)، أيوب هو المخصوص، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ هذه الجملة استئنافية تعليلية، تعليل للثناء على أيوب بأنه نعم العبد لأنه كان أوابًا أي رجاعًا إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ حلف يضربها مئة ضربة، ضربها ضربة واحدة (...) الضربة الواحدة مئة عصا أم لا؟ * الشيخ: هي قضبان، مئة قضيب وقعت عليها دفعة واحدة. * الطالب: (...) مئة ضربة. * الشيخ: مئة ضربة. * الطالب: (...) تكرار.. * الشيخ: هذا حصل؛ لأن هذا بس كان متتابعًا والآن صار مجتمعًا. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- من ناحية صفة الصبر في أيوب هل نقول: إن كل نبي من الأنبياء يوجد فيه صفة بارزة أو نقول: (...) اجتمع له الكمال المطلق من الصفات البشرية (...) النبي عليه الصلاة والسلام أصبر الناس أصبر من أيوب، أو نقول: إن أيوب من جهة الصبر أصبر من النبي عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: الفضل نوعان: فضل خاص وفضل مطلق ،فالفضل المطلق قد يوجد في المفضول صفة خاصة يتميز بها. * الطالب: على النبي. * الشيخ: حتى في الأنبياء، يكون أحد الأنبياء له صفة خاصة يتميز بها. * طالب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ هذا مقولة القول (...) تبارك وتعالى قَبَل دعوة أيوب قال له تبارك وتعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، و﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ هذا كذلك مقولة القول.. * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه تابع للأول. * الطالب: المغتَسَل هو الماء (...) المغتَسَل ماء مغتسِل. * الشيخ: لا. * الطالب: الماء مغتسِل يعني (...). * الشيخ: لا، المغتسِل الإنسان تقول: اغتسلت بالماء فالماء مغتَسَل به، شوف عندنا الماء ومكان الماء، الماء مغتسَل به، ومكان الماء مغتسل وأما الفاعل مغتسِل فهو الإنسان. * الطالب: والمراد هنا مكان الماء. * الشيخ: مكان. * طالب: (...) قلنا: إنه أخذ مئة عصا (...) عصا واحدة وكررها مئة مرة؛ لأنه لو حتى ضرب المئة ليس كل العصي ستصيبها (...) سوى الطرف المقابل (...). * الشيخ: أيش الفائدة من الضغث يكفي عود واحد. * الطالب: (...) الضغث هو الواحد.. * الشيخ: لا ما (...) يأخذ عصا واحد يضرب مئة مرة. * الطالب: (...). * الشيخ: أي بهذا الضغث (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما جاءت الفوائد. * طالب: (...) صبر أيوب (...) محمد ﷺ صبر صبرَ رسالة (...). * الشيخ: هذا صبر آخر، هذا من نوع ثان، ولكن ما أُصِيب الرسول بمرض كمرض أيوب، هذا نوع ثان من الصبر. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] (...) قد يكون زوجة ثانية، يمكن ذلك؟ * الشيخ: يمكن، لكن ما نعرف هذا، المعروف أن له زوجة واحدة، ولا يمنع أن يكون أعطاه الله زوجتين، الله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص 45 - 52]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41] ما هو (النصب والعذاب) الذي مسه؟ * طالب: (النصب) هو عذاب حسي أو معنوي من الشيطان، وعذاب.. * الشيخ: النصب الضرر. * الطالب: الضرر حسي أو معنوي. * الشيخ: يعني: بدني أو نفسي. * الطالب: (والعذاب) الألم. * الشيخ: لماذا أضافه إلى الشيطان؟ * طالب: لأنه كان بسبب الشيطان. * الشيخ: ومن الذي سلَّطَه؟ * الطالب: سلطه الله عز وجل لحكمة أرادها. * الشيخ: لحكمة أرادها. قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42] معنى ﴿ارْكُضْ﴾؟ * طالب: أي: اضرب. * الشيخ: ويش يضرب؟ * الطالب: يضرب برجله الأرض فخرج الماء. * الشيخ: قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ [ص 43]، ويش المعنى؟ * طالب: قيل: إنهم أحياهم بعد إماتتهم وهذا القول فيه نظر، ولكن الصحيح عندما أُصيبَ بهذا الضر تركوه (...) فرجعهم الله سبحانه وتعالى إليه. * الشيخ: ﴿وَهَبْنَا﴾ أعدنا. * الطالب: أعدنا له أهله. * الشيخ: أعدنا له أهله. قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص 44]، ما هو الضغث؟ * طالب: هو مجموعة من الحشيش أو حزمة من الحشيش، أعواد يضرب بها زوجته مئة مرة؛ يعني: ضربة واحدة تكفيه عن المئة مرة. * الشيخ: السبب، ليش المئة؟ * الطالب: لأنه حلف أن يضرب زوجته (...) مع أهله مئة جلدة. * الشيخ: مئة جلدة فأفتاه الله بذلك. قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ما موقع الجملة مما قبلها؟ * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليل لأي شيء؟ لأن العلة لا بد أن يكون لها معلول؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه إرجاع إلى الله عز وجل. * طالب آخر: (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، تعليل لقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. * في هذه الآيات: الثناء على أيوب عليه الصلاة والسلام بما ذُكِرَ من أوصافه. * وفيه أيضًا: الإشادة بمناقبه حيث أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يذكر عبده أيوب. * ومن فوائدها: بيان أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41]، وبيان صدق لجوئهم إلى الله في كونهم يفزعون إليه عند الشدائد؛ لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41]. * ومن فوائدها: جواز إضافة الأشياء إلى أسبابها؛ لأن أيوب أضاف هذا الضر للشيطان لأنه سببه. * ومن فوائد هذه الآيات: جواز التوسل إلى الله تعالى بحال العبد؛ لأن أيوب تَوَسَّل إلى الله بحاله وهو أنه مسَّه الشيطان بنصب وعذاب ونظير هذا قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص 24]، فتوَسَّل إلى الله بذكر حاله وأنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أحد أنواع التوسل الجائز، ويحسن هنا أن نذكر أو أن نستعيد ذكر هذه الأنواع، فهي: أولًا: التوسل إلى الله بأسمائه. ثانيًا: التوسل إلى الله تعالى بصفاته. ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله. رابعًا: التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي. خامسًا: التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ تُرْجى إجابته. سادسًا: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان. سابعًا: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح. كل هذه أنواع من التوسل جائزة، فالتوسل إلى الله بأسمائه مثل أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي. وبصفاته: مثل قولك: اللهم برحمتك أستغيث، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي. التوسل إلى الله بأفعاله: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي كما في الآية. التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ ترجى إجابته كتوسل الصحابة بدعاء النبي ﷺ. التوسل إلى الله تعالى بالإيمان؛ مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران 16] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّ﴾ [آل عمران 193]. السابع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ كقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل منهم بعمله الصالح[[متفق عليه؛ البخاري (2272)، ومسلم (2743 / 99) من حديث عبد الله بن عمر.]]. هذه أنواع التوسل الجائز. أما الممنوع فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرم، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرَّمٌ، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل، كأن الإنسان يتقدم بشيء يجعله وسيلة وليس بوسيلة، فكأنه يستجهل الله عز وجل يتوسل إليه بشيء ليس بوسيلة ويجعله وسيلة، إذن الله جاهل على هذا الفعل أو بناء على هذا التوسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إجابة الله للدعاء، وهو دليل على مِنَّته على عباده؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42]. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله؛ حيث أنبع الماء من ضرب الرِّجل. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، ولو شاء الله لأنبع له الماء بدون ركض بالرجل، ولكن الله تعالى جعل ذلك سببًا. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يجعل السبب الضعيف الذي لا يقوم بالمسبب سببًا مؤثرًا، كما أنه قادر على أن يمنع السبب المؤثر فلا يؤثر، فالركض بالرِّجل ليس من العادة أن ينبع الماء، والإلقاء في النار من العادة أن يحرق، فإبراهيم ألقي في النار فلم يحترق، وأيوب ركض برجله، فنبع الماء إذن فيه دليل على أن الله قد يجعل السبب الضعيف قويًّا مؤثرًا، ويجعل السبب القوي المؤثر غير مؤثر. * ومن فوائد هذه الآية: بيان القدرة الإلهية بكون هذا الماء النابع من جوف الأرض باردًا وصالحًا للشرب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى المطهر للباطن، وهو ما يعرف عند الناس الآن في (...)؛ يعني يتخذون أشياء ملينة للبطن تنظفه؛ لقوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى يَمُنُّ على العبد بأكثر مما فقد إذا صبر واحتسب؛ لأن أيوب وهَبَ الله له أهله ومثلهم معهم، فأنت اصبر تظفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما حصل للإنسان من نعمة فإنه بمقتضى رحمة الله؛ لقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ [ص 43]. * ومن فوائدها: أن في هذه القصة العظيمة ﴿ذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقد سبق لنا بيان وجه هذه الذكرى، وأظننا ذكرنا كم وجهًا؟ أربعة أوجه أو خمسة. * من فوائدها: جواز استعمال الحيلة المباحة؛ لقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص 44]. وهذا الحكم ثابت حتى في الشريعة الإسلامية. فلو حلف رجلٌ أن يضرب شخصًا مئة مرة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثًا فيه مئة شمراخ ويضرب به، وبنوا على هذا ما لو زنى رجل مريض مرضًا لا يُرْجَى زواله ولا يتحمل الجلد مئة على انفراد، قالوا: فإنه يجمع له ضغث فيه مئة عود ويُضْرَبُ به ضربة واحدة، أخذًا مما أفتى الله به مَن؟ أيوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن الحنث في اليمين في الأصل أو أن المخالفة في اليمين في الأصل حرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. ولكن الله تعالى يسَّر لعباده فأجاز لهم الحنث مع الكفارة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة 89]. قال العلماء: ﴿احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تكثروا اليمين. وقال بعضهم: احفظوها من الحنث، فلا تحنثوا فيها. والوجهان كلاهما لا يتنافيان، المهم أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ يمينه فلا يحنث، لكن مع ذلك أحيانًا يكون الحنث خيرًا. وقد قسَّم العلماء رحمهم الله الحنث في اليمين إلى الأحكام الخمسة؛ فقالوا: قد يجب الحنث، وقد يَحْرُم، وقد يُكْرَه، وقد يُسْتَحب، وقد يُباح. فإذا حلف ألَّا يصلي مع الجماعة فالحنث واجب؛ يجب أن يصلي ويكفِّر، ولو حلف أن يشرب الخمر فالحنث واجب؛ يجب أن يدعه وأن يكفِّر، ولو حلف ألَّا يشرب الخمر كان الحنث محرمًا؛ لأنه لو شرب لفعل محرمًا ووقع في محرَّمٍ، ولو حلف ألَّا يصلي راتبة الظهر فالحنث هنا مستحب، ولو حلف أن يأكل بصلًا أو ثومًا وهو ممن يحضر المسجد كان الحنث مستحبًّا، ولو حلف ألَّا يأكل كان مكروهًا. المهم أن المكروه والمستحب متضادان، والواجب والمحرم متضادان، أما المباح فهو إذا تساوت المصلحة والمفسدة فهو مباح. * ومن فوائد هذه الآيات: الثناء على أيوب بالصبر؛ لقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44]، وهذا يتعدى إلى غيره، فإن من كان صابرًا فهو محل للثناء. * ومن فوائد الآية: الثناء على أيوب بهذا الوصف: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، والعبودية لله عز وجل لا شك أنها تمام الحرية، فكل من كان لله أعبد فهو أشد تحررًا ممن كان على العكس. وقد قال ابن القيم رحمه الله بيتا في النونية مفيدًا قال: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ رحمه الله. يعني الإنسان لا بد أن يخضع لشيء، فهؤلاء هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ .............................. وهو عبادة الله. ................................ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ صاروا عبيدًا لنفوسهم وشياطينهم، فأشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله عز وجل. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء على أيوب بكونه رجَّاعًا إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وعلى هذا فيكون هذا الوصف ثناءً لكل من اتصف به، فكل من كان رجَّاعًا إلى الله فإنه يُثْنَى عليه. * ومن فوائد الآيات: إثبات الأسباب وجواز نسبة الشيء إلى سببه المعلوم حسًّا أو شرعًا؛ يعني يجوز أن يُضاف الشيء إلى سبب المعلوم حسًّا أو شرعًا بدون أن ينسب إلى الله، فلو قلت مثلًا: سقطت في البحر، ولولا فلان لغرقت لكان هذا صحيحًا. لماذا؟ لأنه أضافه إلى سبب معلوم؛ فلان هو الذي انتشله من الماء، ولو قال: سقطت في البحر، ولولا فلان الولي الميت لهلكت لكان هذا شركًا، وهو شرك أكبر في هذا الحال. المهم أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم دون أن يضاف إلى الله هذا جائز، ومن ذلك قول الرسول ﷺ في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (3883)، ومسلم (209 / 357) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، «لَوْلَا أَنَا»، » فأضاف الشيء إلى سببه المعلوم، أما إذا أضافه إلى سبب غير معلوم فهذا نوع من الشرك؛ قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، بحسب الحال. * طالب: الفائدة ما ذكرنا، من أين أخذناها؟ * الشيخ: من قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41] أضافه إلى السبب.

ص 38:42

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص 41] ﴿اذْكُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ويجوز أن يكون مُوَجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه من البشر. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل، ﴿اذْكُرْ﴾ مع أنه في قصة سليمان لم يُعِدْه، بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص 30]، ولم يذكر ﴿اذْكُرْ﴾، قال بعض العلماء: لأن سليمان بن داود فقصتهما متقاربة كأنما هي قصة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله وهذه العبودية من العبودية التي هي أخص الخاصة؛ لأنها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾ هذه عطف بيان أو بدل؟ * طالب: عطف بيان. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من ﴿عَبْدَنَا﴾. * الشيخ: من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ متعلقة بـ﴿اذْكُرْ﴾، ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من (عبد) يعني في حال نداء ربه. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء يكون بالصوت المرتفع، والنجاء يكون بالصوت المنخفض قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم 52]. (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ ) قدَّر المؤلف الباء هنا؛ لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم 30]، لكنها هنا مفتوحة فقدَّر المؤلف الباء؛ لأننا إذا قَدَّرْنَا الباء صارت تسبق هي وما بعدها المصدر، وإذا سبقت (أن) وما بعدها المصدرَ كانت مفتوحة الهمزة كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ∗∗∗ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي بأني) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني: أصابني، و﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. (﴿بِنُصْبٍ﴾ ضر ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم) وكان الشيطان قد أذاه، ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه أو أنه إيذاء حسي كما قال بعضهم: إن الشيطان نفث في جسده حتى أصبح جسده كله جدريًّا يعني حبوبًا ضارة، فالله أعلم يحتمل هذا وهذا. النُّصْب يعني الضرر والعذاب يعني الألم، لما نادى اللهَ عز وجل وتضرع إليه وعَلِمَ أنه لا ملجأ من الله إلا إليه حينئذ جاءه الفرج فقيل له: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) وهذا الأمر من الله عز وجل. قبلها المؤلف يقول: (ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبًا معه تعالى) نسب ذلك إلى الشيطان لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، فالله تعالى هو الذي بحكمته سَلَّط عليه الشيطان، فالشيطان مباشر للعلة لكنَّ تسلطه كان بقضاء الله وقدره، والمؤلف رحمه الله سلك مسلكًا غير الذي قلتُه الآن فأنا أقول: نَسَبَه إلى الشيطان لأنه هو؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، هو المباشر للعلة وهو سبب بلا شك، لكن سبب مباشر، وفي الحقيقة أن الشيطان إنما سُلِّط بقضاء الله وقَدَرِه المؤلف يرى أنه نُسِبَ إلى الشيطان تأدبًا، وإلَّا فالأصل نسبته إلى الله فهو كقوله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10]، فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن 10] ومعلوم أن مريد الشر هو الله عز وجل لحكمة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10] فهم حذفوا الفاعل تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأن الشر ليس إليه. على كل حال الشيطان هو الذي مَسَّ أيوب، وقد علمتم أن مَسَّه إما أن يكون مَسًّا نفسيًّا أو حسيًّا. قال الله تعالى بعد أن تفرغ قلبُه من كل من سوى الله ولجأ إلى ربه قال: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) اضرب بها الأرض، فضرب بها الأرض فنبع منها الماء بإذن الله، ما يحتاج إلى حَفَّار ولا إلى أحد يساعد، ضربة واحدة، فنبع الماء والله على كل شيء قدير. وهذا أحد الضربات التي نبع بها الماء على أنه آية من آيات الله، الثاني موسى يضرب الحجر فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، الثالثة جبريل ضرب بعقبه أو جناحه مكان زمزم فنبع الماء، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فضرب برجله الأرض (فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ تشرب منه) الله أكبر؛ يعني: أبيح له أن يغتسل ويشرب، وهذا الماء أيضًا مع أنه نبع من الأرض، والغالب أن النابع من الأرض يكون ساخنًا لكن هذا صار باردًا (فاغتسل به وشرب منه فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره) بقدرة الله عز وجل وإرادته. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] قال المؤلف: (أي: أحيا الله له مَنْ مات من أولاده ورزقه مثلهم) فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، وليس في الآية ما يدل على هذا، بل إن الله وهب له أهله حيث أَوَوْا إليه بعد أن شردوا منه؛ لأن الرجل بسبب المرض النفسي، وربما نقول: النفسي والحسي البدني شرد منه أهله، عجزوا عن أن يعيشوا معه فشردوا، فلما عافاه الله أوى إليه أهله فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق كما سَمَّى عمر بن الخطاب إعادةَ قيام رمضان جماعةً سماها بدعة[[أخرجه البخاري (2010) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنها ليست بدعة في الواقع، مع أنها ليست هبة ولكن إعادة موهوب شرد. وأما القول بأنه أحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصحيح أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة أيش؟ إعادة موهوب سبق؛ لأنهم نفروا منه وشردوا عنه. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ هذا هو الذي نقول: إن الله رزقه أولادًا جُدُدًا؛ لأن زوجته رجعت وحاله صلحت وصار ينجب فبارك الله له في ولده. (﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ). قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ إن كان عائدًا على الأهل ومَنْ وُهِبَ له من جديد فهي رحمة مخلوقة، والرحمة قد تُطْلَق على المخلوق كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (4850)، ومسلم (2846 / 34) من حديث أبي هريرة.]]؛ وعلى هذا فتفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير أيش؟ صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأولاد على الأهل ومثلهم معهم فإن تفسيره صحيح لأن الرحمة هنا مخلوقة، وإن أريد بالرحمة صفة الله عز وجل يعني أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله فالرحمة هنا أيش؟ غير مخلوقة، الرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة. إذن كلام المؤلف لا يمكن أن يُخَطَّأ على الإطلاق حيث فَسَّر الرحمة بالنعمة، ومعروف أن الأشاعرة يفسرون رحمة الله بأيش؟ بالنعمة أو بالإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا يُنْتَقَد من كل وجه؛ لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أنها يراد بها الموهوب والموهوب لا شك أنه مخلوق. أما إذا أردنا ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ الرحمة التي هي صفة الله أي أن هذا ناشئ عن رحمتنا التي نحن متصفون بها وهو الرب عز وجل فإن تفسير المؤلف ليس بصحيح؛ لأن الرحمة حينئذ تكون أيش؟ صفة من صفات الله ليست نعمة خلقًا بائنًا عن الله عز وجل. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ كيف نعربها؟ * طلبة: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول لأجله، وهذه علة السابقة، العلل قسمان: علة غائية منتظرة وعلة السابقة مُوجِبة؛ فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب العلة سابقة ولَّا لا؟ * طلبة: سابقة. * الشيخ: سابقة، إذن عِلَّة موجبة، إذا سافر الإنسان ليَتَّجر فهنا العلة غائية لاحقة ما هي سابقة، الأولى عِلَّة باعثة موجبة، لا، الإيجاب في كل العلتين، لكنها باعثة حاملة للإنسان، والثانية علة غائية لاحقة. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني نفسه تبارك وتعالى، وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا لله، الغريب أن هذا الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصارنيُّ على تعدد الآلهة؛ لأن النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة ليس إلهًا واحدًا فيقول عندي دليل؛ ﴿خَلَقْنَا﴾ [الأعراف 181]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة 99]، ﴿مِنَّا﴾، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم 13] ﴿عِنْدَنَا﴾، كل هذه تدل على الجمع فنقول له: إن في قلبك لزيغًا؛ لأنك اتبعت المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران 7]. ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة 163]؟! هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمر وارد في اللغة العربية، حتى الناس بأنفسهم وهم بشر لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيمًا لأنفسهم. (﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لأصحاب العقول) ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه خاصة بأيوب وبأهله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ هذه عامة يتذكر بها أصحاب العقول بأي شيء يتذكرون في هذه القصة؟ يتذكرون في هذه القصة بأن المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأن الشيطان قد يُسَلَّط على الرسول. يتذكرون بها؛ لأن الإنسان إذا لجأ إلى ربه ودعا ربه فإن الله يجيبه. يتذكرون بها؛ لأنه كلما اشتد الكرب فانتظر الفرج، قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنْ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرَ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (2803) من حديث ابن عباس.]]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة 214] فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214] يعني: قريب من هذه الحال التي وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله يعني: يطلبونه شوقًا لا استبعادًا، ولكن شوقًا إليه كأنهم يقولون: يا رب، عجل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214]. إذن ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ من أي ناحية؟ من أن البلاء يشمل الأنبياء. ثانيًا: أن الشيطان قد يُسَلَّط على الأنبياء. ثالثًا: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه إذا صَدَق الإنسان في دعوته، فالله سبحانه وتعالى يجيب الدعوة، نسأل الله أن يرزقنا الصدق معه. رابعًا: أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر ولجأ إلى الله أجاب الله تعالى دعاءه. خامسًا: أن زوال كرب النبي أيوب عليه الصلاة والسلام كان على يده؛ لأن الله تعالى لم ينزل شفاء بدون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره، كيف؟ قيل له: (اضرب برجلك) فخرج الدواء، وقيل: (اغتسل) فعالج نفسه إذن هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج فكان علاجه على يده باستخراج الدواء وبالعلاج وكيفية استعمال الدواء. (﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو حزمة من حشيش أو قضبان ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك وكان قد حلف ليضربنها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص 44] بترك ضربها فأخذ مئة عود من الإذخِر أو غيره فضرب بها ضربة واحدة) هذه فتوى من الله عز وجل لأيوب أفتاه بها تسهيلًا عليه وعلى أهله، أشرنا قبل قليل إلى أنه ما أصيب بهذه المصيبة من قِبَل الشيطان مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة، أين ذهب أهله؟ شردوا ومن جملتهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء فحلف أن يضربها مئة مرة يجلدها مائة جلدة؛ لأنها أغضبته وتركته فلما شفاه الله عز وجل من المرض بقي عليه الآن أن يفي بيمينه، أن يَبَرَّ بيمينه؛ فيضرب زوجته مئة ضربة، مئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة للزوجة ومن الإحراج بالنسبة له، فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى قال: خذ بيدك ضغثًا فيه مئة شمراخ واضربها به مرة واحدة، ويكفي عن مئة ضربة، ففعل، أخذ بيده ضغثًا فضربها به ضربة واحدة، فصار ذلك برًّا بيمينه؛ ولهذا قال ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. أين مفعول ﴿فَاضْرِبْ﴾؟ محذوف، وحُذِفَ -والعلم عند الله- للستر؛ لأنه ما في القرآن أنه أُمِرَ بضرب الزوجة، ولكن جاء ذلك في القصص المعروفة عند بني إسرائيل، ليس المقصود أن نعرف عين المضروب، المقصود أن نعرف أن الضرب الذي كان قد حلف عليه يحصل بر فيه بأخذ هذا الضغث والضرب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أصل الحنث الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة 46] يعني: على الإثم العظيم، والمراد به هنا بالحنث ألا يَبَرَّ بيمينه وعدم البِرِّ بيمين أن يترك ما حلف على فعله أو يفعل ما حلف على تركه، هذا الحنث، حلف ليشترين كتابًا قال: والله لأشترين كتابًا ولم يشترِ، ما تقولون؟ * طلبة: حنث. * الشيخ: حنث بأيش؟ بترك ما حلف على فعله. حلف على ألا يبيع هذا الكتاب، قال: والله لا أبيع هذا الكتاب، فباعه، حنث بماذ؟ بفعل ما حلف على تركه. حلف ليشترين هذا الكتاب فاشتراه، ماذا نقول؟ بَرَّ بيمينه. حلف ألا يبيع هذا الكتاب فلم يبعْه أيضًا بَرَّ بيمينه. إذن موافقة اليمين بِرٌّ ومخالفته حنث. قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أن عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله؛ لأنه يُسَمَّى حِنْثًا، لكن من نعمة الله أنه رَخَّص لعباده بفعله، لكنهم إذا فعلوا كَفَّرُوا كفارة عن أيش؟ عن اليمين ولَّا عن الحنث؟ * طلبة: عن الحنث. * الشيخ: عن الحنث؛ لأنها لو كانت عن اليمين لكان مَنْ يحلف يُكَفِّر، لكنها عن الحنث؛ لأن الأصل الإثم في مخالفة اليمين، لكن من رحمة الله عز وجل أن الله أباح لنا الحنث وأن نُكَفِّر عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44] أي: وجدنا أيوب يعني: ألفينا ﴿صَابِرًا﴾، ما الذي نصب ﴿صَابِرًا﴾؟ (وجد) تنصب كم؟ * طلبة: مفعولين. * الشيخ: مفعولين: الأول الهاء في قوله: ﴿وَجَدْنَاهُ﴾، والثانية ﴿صَابِرًا﴾. صبر أيوب عليه الصلاة والسلام كان صبرًا على قَدَرِ الله، وكان صبرًا عن معصية الله، ما تَجَزَّع ولا سخط وكان صبرًا على طاعة الله، بماذا؟ كان صبرًا على أقدار الله، ظاهر؛ لأنه صبر على ما مَسَّه من الشيطان، وعن معصية الله؛ لأنه لم يتسخط، وعلى طاعة الله؛ لأنه لجأ إلى الله ودعا الله عز وجل فأجابه. أحيانًا يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي، فيما سبق إذا تَعَسَّرت الولادة يؤتى إلى الشخص ويُطْلَب منه أن يقرأ للحامل عند تَعَسُّر الولادة فيقرأ بماء ثم يذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة وتشرب منه الحامل فتضع بدون ألم، هذا شيء مُجَرَّب مشاهد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبر على أيش؟ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب) (...) ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ صبر هذا الصبر العظيم؛ على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك ما نسي الله عز وجل لجأ إليه عند الشدائد. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ إعراب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أن نقول: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ جامد، صح؟ ﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل، وهذا الفعل وشبهه يحتاج إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص استُغْنِي بما تقدم وإلا فإنه يُقَدَّر، وإن كان ظاهرًا فظاهر. فمثلًا هنا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ نقول: إن السياق يدل على المخصوص وحينئذ لا حاجة لتقديره، المعروف ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ من هو؟ أيوب، فلا حاجة للتقدير، لكن بعض النحويين يُقَدِّر ولو عُلِمَ؛ لأنه يرى أنه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص. فيقول المؤلف: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب)، أيوب هو المخصوص، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ هذه الجملة استئنافية تعليلية، تعليل للثناء على أيوب بأنه نعم العبد لأنه كان أوابًا أي رجاعًا إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ حلف يضربها مئة ضربة، ضربها ضربة واحدة (...) الضربة الواحدة مئة عصا أم لا؟ * الشيخ: هي قضبان، مئة قضيب وقعت عليها دفعة واحدة. * الطالب: (...) مئة ضربة. * الشيخ: مئة ضربة. * الطالب: (...) تكرار.. * الشيخ: هذا حصل؛ لأن هذا بس كان متتابعًا والآن صار مجتمعًا. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- من ناحية صفة الصبر في أيوب هل نقول: إن كل نبي من الأنبياء يوجد فيه صفة بارزة أو نقول: (...) اجتمع له الكمال المطلق من الصفات البشرية (...) النبي عليه الصلاة والسلام أصبر الناس أصبر من أيوب، أو نقول: إن أيوب من جهة الصبر أصبر من النبي عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: الفضل نوعان: فضل خاص وفضل مطلق ،فالفضل المطلق قد يوجد في المفضول صفة خاصة يتميز بها. * الطالب: على النبي. * الشيخ: حتى في الأنبياء، يكون أحد الأنبياء له صفة خاصة يتميز بها. * طالب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ هذا مقولة القول (...) تبارك وتعالى قَبَل دعوة أيوب قال له تبارك وتعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، و﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ هذا كذلك مقولة القول.. * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه تابع للأول. * الطالب: المغتَسَل هو الماء (...) المغتَسَل ماء مغتسِل. * الشيخ: لا. * الطالب: الماء مغتسِل يعني (...). * الشيخ: لا، المغتسِل الإنسان تقول: اغتسلت بالماء فالماء مغتَسَل به، شوف عندنا الماء ومكان الماء، الماء مغتسَل به، ومكان الماء مغتسل وأما الفاعل مغتسِل فهو الإنسان. * الطالب: والمراد هنا مكان الماء. * الشيخ: مكان. * طالب: (...) قلنا: إنه أخذ مئة عصا (...) عصا واحدة وكررها مئة مرة؛ لأنه لو حتى ضرب المئة ليس كل العصي ستصيبها (...) سوى الطرف المقابل (...). * الشيخ: أيش الفائدة من الضغث يكفي عود واحد. * الطالب: (...) الضغث هو الواحد.. * الشيخ: لا ما (...) يأخذ عصا واحد يضرب مئة مرة. * الطالب: (...). * الشيخ: أي بهذا الضغث (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما جاءت الفوائد. * طالب: (...) صبر أيوب (...) محمد ﷺ صبر صبرَ رسالة (...). * الشيخ: هذا صبر آخر، هذا من نوع ثان، ولكن ما أُصِيب الرسول بمرض كمرض أيوب، هذا نوع ثان من الصبر. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] (...) قد يكون زوجة ثانية، يمكن ذلك؟ * الشيخ: يمكن، لكن ما نعرف هذا، المعروف أن له زوجة واحدة، ولا يمنع أن يكون أعطاه الله زوجتين، الله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص 45 - 52]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41] ما هو (النصب والعذاب) الذي مسه؟ * طالب: (النصب) هو عذاب حسي أو معنوي من الشيطان، وعذاب.. * الشيخ: النصب الضرر. * الطالب: الضرر حسي أو معنوي. * الشيخ: يعني: بدني أو نفسي. * الطالب: (والعذاب) الألم. * الشيخ: لماذا أضافه إلى الشيطان؟ * طالب: لأنه كان بسبب الشيطان. * الشيخ: ومن الذي سلَّطَه؟ * الطالب: سلطه الله عز وجل لحكمة أرادها. * الشيخ: لحكمة أرادها. قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42] معنى ﴿ارْكُضْ﴾؟ * طالب: أي: اضرب. * الشيخ: ويش يضرب؟ * الطالب: يضرب برجله الأرض فخرج الماء. * الشيخ: قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ [ص 43]، ويش المعنى؟ * طالب: قيل: إنهم أحياهم بعد إماتتهم وهذا القول فيه نظر، ولكن الصحيح عندما أُصيبَ بهذا الضر تركوه (...) فرجعهم الله سبحانه وتعالى إليه. * الشيخ: ﴿وَهَبْنَا﴾ أعدنا. * الطالب: أعدنا له أهله. * الشيخ: أعدنا له أهله. قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص 44]، ما هو الضغث؟ * طالب: هو مجموعة من الحشيش أو حزمة من الحشيش، أعواد يضرب بها زوجته مئة مرة؛ يعني: ضربة واحدة تكفيه عن المئة مرة. * الشيخ: السبب، ليش المئة؟ * الطالب: لأنه حلف أن يضرب زوجته (...) مع أهله مئة جلدة. * الشيخ: مئة جلدة فأفتاه الله بذلك. قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ما موقع الجملة مما قبلها؟ * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليل لأي شيء؟ لأن العلة لا بد أن يكون لها معلول؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه إرجاع إلى الله عز وجل. * طالب آخر: (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، تعليل لقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. * في هذه الآيات: الثناء على أيوب عليه الصلاة والسلام بما ذُكِرَ من أوصافه. * وفيه أيضًا: الإشادة بمناقبه حيث أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يذكر عبده أيوب. * ومن فوائدها: بيان أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41]، وبيان صدق لجوئهم إلى الله في كونهم يفزعون إليه عند الشدائد؛ لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41]. * ومن فوائدها: جواز إضافة الأشياء إلى أسبابها؛ لأن أيوب أضاف هذا الضر للشيطان لأنه سببه. * ومن فوائد هذه الآيات: جواز التوسل إلى الله تعالى بحال العبد؛ لأن أيوب تَوَسَّل إلى الله بحاله وهو أنه مسَّه الشيطان بنصب وعذاب ونظير هذا قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص 24]، فتوَسَّل إلى الله بذكر حاله وأنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أحد أنواع التوسل الجائز، ويحسن هنا أن نذكر أو أن نستعيد ذكر هذه الأنواع، فهي: أولًا: التوسل إلى الله بأسمائه. ثانيًا: التوسل إلى الله تعالى بصفاته. ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله. رابعًا: التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي. خامسًا: التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ تُرْجى إجابته. سادسًا: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان. سابعًا: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح. كل هذه أنواع من التوسل جائزة، فالتوسل إلى الله بأسمائه مثل أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي. وبصفاته: مثل قولك: اللهم برحمتك أستغيث، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي. التوسل إلى الله بأفعاله: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي كما في الآية. التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ ترجى إجابته كتوسل الصحابة بدعاء النبي ﷺ. التوسل إلى الله تعالى بالإيمان؛ مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران 16] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّ﴾ [آل عمران 193]. السابع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ كقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل منهم بعمله الصالح[[متفق عليه؛ البخاري (2272)، ومسلم (2743 / 99) من حديث عبد الله بن عمر.]]. هذه أنواع التوسل الجائز. أما الممنوع فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرم، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرَّمٌ، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل، كأن الإنسان يتقدم بشيء يجعله وسيلة وليس بوسيلة، فكأنه يستجهل الله عز وجل يتوسل إليه بشيء ليس بوسيلة ويجعله وسيلة، إذن الله جاهل على هذا الفعل أو بناء على هذا التوسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إجابة الله للدعاء، وهو دليل على مِنَّته على عباده؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42]. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله؛ حيث أنبع الماء من ضرب الرِّجل. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، ولو شاء الله لأنبع له الماء بدون ركض بالرجل، ولكن الله تعالى جعل ذلك سببًا. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يجعل السبب الضعيف الذي لا يقوم بالمسبب سببًا مؤثرًا، كما أنه قادر على أن يمنع السبب المؤثر فلا يؤثر، فالركض بالرِّجل ليس من العادة أن ينبع الماء، والإلقاء في النار من العادة أن يحرق، فإبراهيم ألقي في النار فلم يحترق، وأيوب ركض برجله، فنبع الماء إذن فيه دليل على أن الله قد يجعل السبب الضعيف قويًّا مؤثرًا، ويجعل السبب القوي المؤثر غير مؤثر. * ومن فوائد هذه الآية: بيان القدرة الإلهية بكون هذا الماء النابع من جوف الأرض باردًا وصالحًا للشرب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى المطهر للباطن، وهو ما يعرف عند الناس الآن في (...)؛ يعني يتخذون أشياء ملينة للبطن تنظفه؛ لقوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى يَمُنُّ على العبد بأكثر مما فقد إذا صبر واحتسب؛ لأن أيوب وهَبَ الله له أهله ومثلهم معهم، فأنت اصبر تظفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما حصل للإنسان من نعمة فإنه بمقتضى رحمة الله؛ لقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ [ص 43]. * ومن فوائدها: أن في هذه القصة العظيمة ﴿ذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقد سبق لنا بيان وجه هذه الذكرى، وأظننا ذكرنا كم وجهًا؟ أربعة أوجه أو خمسة. * من فوائدها: جواز استعمال الحيلة المباحة؛ لقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص 44]. وهذا الحكم ثابت حتى في الشريعة الإسلامية. فلو حلف رجلٌ أن يضرب شخصًا مئة مرة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثًا فيه مئة شمراخ ويضرب به، وبنوا على هذا ما لو زنى رجل مريض مرضًا لا يُرْجَى زواله ولا يتحمل الجلد مئة على انفراد، قالوا: فإنه يجمع له ضغث فيه مئة عود ويُضْرَبُ به ضربة واحدة، أخذًا مما أفتى الله به مَن؟ أيوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن الحنث في اليمين في الأصل أو أن المخالفة في اليمين في الأصل حرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. ولكن الله تعالى يسَّر لعباده فأجاز لهم الحنث مع الكفارة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة 89]. قال العلماء: ﴿احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تكثروا اليمين. وقال بعضهم: احفظوها من الحنث، فلا تحنثوا فيها. والوجهان كلاهما لا يتنافيان، المهم أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ يمينه فلا يحنث، لكن مع ذلك أحيانًا يكون الحنث خيرًا. وقد قسَّم العلماء رحمهم الله الحنث في اليمين إلى الأحكام الخمسة؛ فقالوا: قد يجب الحنث، وقد يَحْرُم، وقد يُكْرَه، وقد يُسْتَحب، وقد يُباح. فإذا حلف ألَّا يصلي مع الجماعة فالحنث واجب؛ يجب أن يصلي ويكفِّر، ولو حلف أن يشرب الخمر فالحنث واجب؛ يجب أن يدعه وأن يكفِّر، ولو حلف ألَّا يشرب الخمر كان الحنث محرمًا؛ لأنه لو شرب لفعل محرمًا ووقع في محرَّمٍ، ولو حلف ألَّا يصلي راتبة الظهر فالحنث هنا مستحب، ولو حلف أن يأكل بصلًا أو ثومًا وهو ممن يحضر المسجد كان الحنث مستحبًّا، ولو حلف ألَّا يأكل كان مكروهًا. المهم أن المكروه والمستحب متضادان، والواجب والمحرم متضادان، أما المباح فهو إذا تساوت المصلحة والمفسدة فهو مباح. * ومن فوائد هذه الآيات: الثناء على أيوب بالصبر؛ لقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44]، وهذا يتعدى إلى غيره، فإن من كان صابرًا فهو محل للثناء. * ومن فوائد الآية: الثناء على أيوب بهذا الوصف: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، والعبودية لله عز وجل لا شك أنها تمام الحرية، فكل من كان لله أعبد فهو أشد تحررًا ممن كان على العكس. وقد قال ابن القيم رحمه الله بيتا في النونية مفيدًا قال: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ رحمه الله. يعني الإنسان لا بد أن يخضع لشيء، فهؤلاء هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ .............................. وهو عبادة الله. ................................ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ صاروا عبيدًا لنفوسهم وشياطينهم، فأشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله عز وجل. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء على أيوب بكونه رجَّاعًا إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وعلى هذا فيكون هذا الوصف ثناءً لكل من اتصف به، فكل من كان رجَّاعًا إلى الله فإنه يُثْنَى عليه. * ومن فوائد الآيات: إثبات الأسباب وجواز نسبة الشيء إلى سببه المعلوم حسًّا أو شرعًا؛ يعني يجوز أن يُضاف الشيء إلى سبب المعلوم حسًّا أو شرعًا بدون أن ينسب إلى الله، فلو قلت مثلًا: سقطت في البحر، ولولا فلان لغرقت لكان هذا صحيحًا. لماذا؟ لأنه أضافه إلى سبب معلوم؛ فلان هو الذي انتشله من الماء، ولو قال: سقطت في البحر، ولولا فلان الولي الميت لهلكت لكان هذا شركًا، وهو شرك أكبر في هذا الحال. المهم أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم دون أن يضاف إلى الله هذا جائز، ومن ذلك قول الرسول ﷺ في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (3883)، ومسلم (209 / 357) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، «لَوْلَا أَنَا»، » فأضاف الشيء إلى سببه المعلوم، أما إذا أضافه إلى سبب غير معلوم فهذا نوع من الشرك؛ قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، بحسب الحال. * طالب: الفائدة ما ذكرنا، من أين أخذناها؟ * الشيخ: من قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41] أضافه إلى السبب.

ص 38:43

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص 41] ﴿اذْكُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ويجوز أن يكون مُوَجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه من البشر. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل، ﴿اذْكُرْ﴾ مع أنه في قصة سليمان لم يُعِدْه، بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص 30]، ولم يذكر ﴿اذْكُرْ﴾، قال بعض العلماء: لأن سليمان بن داود فقصتهما متقاربة كأنما هي قصة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله وهذه العبودية من العبودية التي هي أخص الخاصة؛ لأنها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾ هذه عطف بيان أو بدل؟ * طالب: عطف بيان. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من ﴿عَبْدَنَا﴾. * الشيخ: من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ متعلقة بـ﴿اذْكُرْ﴾، ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من (عبد) يعني في حال نداء ربه. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء يكون بالصوت المرتفع، والنجاء يكون بالصوت المنخفض قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم 52]. (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ ) قدَّر المؤلف الباء هنا؛ لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم 30]، لكنها هنا مفتوحة فقدَّر المؤلف الباء؛ لأننا إذا قَدَّرْنَا الباء صارت تسبق هي وما بعدها المصدر، وإذا سبقت (أن) وما بعدها المصدرَ كانت مفتوحة الهمزة كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ∗∗∗ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي بأني) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني: أصابني، و﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. (﴿بِنُصْبٍ﴾ ضر ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم) وكان الشيطان قد أذاه، ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه أو أنه إيذاء حسي كما قال بعضهم: إن الشيطان نفث في جسده حتى أصبح جسده كله جدريًّا يعني حبوبًا ضارة، فالله أعلم يحتمل هذا وهذا. النُّصْب يعني الضرر والعذاب يعني الألم، لما نادى اللهَ عز وجل وتضرع إليه وعَلِمَ أنه لا ملجأ من الله إلا إليه حينئذ جاءه الفرج فقيل له: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) وهذا الأمر من الله عز وجل. قبلها المؤلف يقول: (ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبًا معه تعالى) نسب ذلك إلى الشيطان لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، فالله تعالى هو الذي بحكمته سَلَّط عليه الشيطان، فالشيطان مباشر للعلة لكنَّ تسلطه كان بقضاء الله وقدره، والمؤلف رحمه الله سلك مسلكًا غير الذي قلتُه الآن فأنا أقول: نَسَبَه إلى الشيطان لأنه هو؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، هو المباشر للعلة وهو سبب بلا شك، لكن سبب مباشر، وفي الحقيقة أن الشيطان إنما سُلِّط بقضاء الله وقَدَرِه المؤلف يرى أنه نُسِبَ إلى الشيطان تأدبًا، وإلَّا فالأصل نسبته إلى الله فهو كقوله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10]، فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن 10] ومعلوم أن مريد الشر هو الله عز وجل لحكمة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10] فهم حذفوا الفاعل تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأن الشر ليس إليه. على كل حال الشيطان هو الذي مَسَّ أيوب، وقد علمتم أن مَسَّه إما أن يكون مَسًّا نفسيًّا أو حسيًّا. قال الله تعالى بعد أن تفرغ قلبُه من كل من سوى الله ولجأ إلى ربه قال: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) اضرب بها الأرض، فضرب بها الأرض فنبع منها الماء بإذن الله، ما يحتاج إلى حَفَّار ولا إلى أحد يساعد، ضربة واحدة، فنبع الماء والله على كل شيء قدير. وهذا أحد الضربات التي نبع بها الماء على أنه آية من آيات الله، الثاني موسى يضرب الحجر فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، الثالثة جبريل ضرب بعقبه أو جناحه مكان زمزم فنبع الماء، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فضرب برجله الأرض (فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ تشرب منه) الله أكبر؛ يعني: أبيح له أن يغتسل ويشرب، وهذا الماء أيضًا مع أنه نبع من الأرض، والغالب أن النابع من الأرض يكون ساخنًا لكن هذا صار باردًا (فاغتسل به وشرب منه فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره) بقدرة الله عز وجل وإرادته. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] قال المؤلف: (أي: أحيا الله له مَنْ مات من أولاده ورزقه مثلهم) فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، وليس في الآية ما يدل على هذا، بل إن الله وهب له أهله حيث أَوَوْا إليه بعد أن شردوا منه؛ لأن الرجل بسبب المرض النفسي، وربما نقول: النفسي والحسي البدني شرد منه أهله، عجزوا عن أن يعيشوا معه فشردوا، فلما عافاه الله أوى إليه أهله فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق كما سَمَّى عمر بن الخطاب إعادةَ قيام رمضان جماعةً سماها بدعة[[أخرجه البخاري (2010) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنها ليست بدعة في الواقع، مع أنها ليست هبة ولكن إعادة موهوب شرد. وأما القول بأنه أحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصحيح أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة أيش؟ إعادة موهوب سبق؛ لأنهم نفروا منه وشردوا عنه. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ هذا هو الذي نقول: إن الله رزقه أولادًا جُدُدًا؛ لأن زوجته رجعت وحاله صلحت وصار ينجب فبارك الله له في ولده. (﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ). قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ إن كان عائدًا على الأهل ومَنْ وُهِبَ له من جديد فهي رحمة مخلوقة، والرحمة قد تُطْلَق على المخلوق كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (4850)، ومسلم (2846 / 34) من حديث أبي هريرة.]]؛ وعلى هذا فتفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير أيش؟ صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأولاد على الأهل ومثلهم معهم فإن تفسيره صحيح لأن الرحمة هنا مخلوقة، وإن أريد بالرحمة صفة الله عز وجل يعني أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله فالرحمة هنا أيش؟ غير مخلوقة، الرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة. إذن كلام المؤلف لا يمكن أن يُخَطَّأ على الإطلاق حيث فَسَّر الرحمة بالنعمة، ومعروف أن الأشاعرة يفسرون رحمة الله بأيش؟ بالنعمة أو بالإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا يُنْتَقَد من كل وجه؛ لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أنها يراد بها الموهوب والموهوب لا شك أنه مخلوق. أما إذا أردنا ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ الرحمة التي هي صفة الله أي أن هذا ناشئ عن رحمتنا التي نحن متصفون بها وهو الرب عز وجل فإن تفسير المؤلف ليس بصحيح؛ لأن الرحمة حينئذ تكون أيش؟ صفة من صفات الله ليست نعمة خلقًا بائنًا عن الله عز وجل. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ كيف نعربها؟ * طلبة: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول لأجله، وهذه علة السابقة، العلل قسمان: علة غائية منتظرة وعلة السابقة مُوجِبة؛ فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب العلة سابقة ولَّا لا؟ * طلبة: سابقة. * الشيخ: سابقة، إذن عِلَّة موجبة، إذا سافر الإنسان ليَتَّجر فهنا العلة غائية لاحقة ما هي سابقة، الأولى عِلَّة باعثة موجبة، لا، الإيجاب في كل العلتين، لكنها باعثة حاملة للإنسان، والثانية علة غائية لاحقة. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني نفسه تبارك وتعالى، وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا لله، الغريب أن هذا الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصارنيُّ على تعدد الآلهة؛ لأن النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة ليس إلهًا واحدًا فيقول عندي دليل؛ ﴿خَلَقْنَا﴾ [الأعراف 181]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة 99]، ﴿مِنَّا﴾، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم 13] ﴿عِنْدَنَا﴾، كل هذه تدل على الجمع فنقول له: إن في قلبك لزيغًا؛ لأنك اتبعت المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران 7]. ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة 163]؟! هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمر وارد في اللغة العربية، حتى الناس بأنفسهم وهم بشر لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيمًا لأنفسهم. (﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لأصحاب العقول) ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه خاصة بأيوب وبأهله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ هذه عامة يتذكر بها أصحاب العقول بأي شيء يتذكرون في هذه القصة؟ يتذكرون في هذه القصة بأن المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأن الشيطان قد يُسَلَّط على الرسول. يتذكرون بها؛ لأن الإنسان إذا لجأ إلى ربه ودعا ربه فإن الله يجيبه. يتذكرون بها؛ لأنه كلما اشتد الكرب فانتظر الفرج، قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنْ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرَ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (2803) من حديث ابن عباس.]]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة 214] فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214] يعني: قريب من هذه الحال التي وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله يعني: يطلبونه شوقًا لا استبعادًا، ولكن شوقًا إليه كأنهم يقولون: يا رب، عجل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214]. إذن ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ من أي ناحية؟ من أن البلاء يشمل الأنبياء. ثانيًا: أن الشيطان قد يُسَلَّط على الأنبياء. ثالثًا: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه إذا صَدَق الإنسان في دعوته، فالله سبحانه وتعالى يجيب الدعوة، نسأل الله أن يرزقنا الصدق معه. رابعًا: أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر ولجأ إلى الله أجاب الله تعالى دعاءه. خامسًا: أن زوال كرب النبي أيوب عليه الصلاة والسلام كان على يده؛ لأن الله تعالى لم ينزل شفاء بدون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره، كيف؟ قيل له: (اضرب برجلك) فخرج الدواء، وقيل: (اغتسل) فعالج نفسه إذن هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج فكان علاجه على يده باستخراج الدواء وبالعلاج وكيفية استعمال الدواء. (﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو حزمة من حشيش أو قضبان ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك وكان قد حلف ليضربنها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص 44] بترك ضربها فأخذ مئة عود من الإذخِر أو غيره فضرب بها ضربة واحدة) هذه فتوى من الله عز وجل لأيوب أفتاه بها تسهيلًا عليه وعلى أهله، أشرنا قبل قليل إلى أنه ما أصيب بهذه المصيبة من قِبَل الشيطان مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة، أين ذهب أهله؟ شردوا ومن جملتهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء فحلف أن يضربها مئة مرة يجلدها مائة جلدة؛ لأنها أغضبته وتركته فلما شفاه الله عز وجل من المرض بقي عليه الآن أن يفي بيمينه، أن يَبَرَّ بيمينه؛ فيضرب زوجته مئة ضربة، مئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة للزوجة ومن الإحراج بالنسبة له، فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى قال: خذ بيدك ضغثًا فيه مئة شمراخ واضربها به مرة واحدة، ويكفي عن مئة ضربة، ففعل، أخذ بيده ضغثًا فضربها به ضربة واحدة، فصار ذلك برًّا بيمينه؛ ولهذا قال ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. أين مفعول ﴿فَاضْرِبْ﴾؟ محذوف، وحُذِفَ -والعلم عند الله- للستر؛ لأنه ما في القرآن أنه أُمِرَ بضرب الزوجة، ولكن جاء ذلك في القصص المعروفة عند بني إسرائيل، ليس المقصود أن نعرف عين المضروب، المقصود أن نعرف أن الضرب الذي كان قد حلف عليه يحصل بر فيه بأخذ هذا الضغث والضرب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أصل الحنث الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة 46] يعني: على الإثم العظيم، والمراد به هنا بالحنث ألا يَبَرَّ بيمينه وعدم البِرِّ بيمين أن يترك ما حلف على فعله أو يفعل ما حلف على تركه، هذا الحنث، حلف ليشترين كتابًا قال: والله لأشترين كتابًا ولم يشترِ، ما تقولون؟ * طلبة: حنث. * الشيخ: حنث بأيش؟ بترك ما حلف على فعله. حلف على ألا يبيع هذا الكتاب، قال: والله لا أبيع هذا الكتاب، فباعه، حنث بماذ؟ بفعل ما حلف على تركه. حلف ليشترين هذا الكتاب فاشتراه، ماذا نقول؟ بَرَّ بيمينه. حلف ألا يبيع هذا الكتاب فلم يبعْه أيضًا بَرَّ بيمينه. إذن موافقة اليمين بِرٌّ ومخالفته حنث. قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أن عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله؛ لأنه يُسَمَّى حِنْثًا، لكن من نعمة الله أنه رَخَّص لعباده بفعله، لكنهم إذا فعلوا كَفَّرُوا كفارة عن أيش؟ عن اليمين ولَّا عن الحنث؟ * طلبة: عن الحنث. * الشيخ: عن الحنث؛ لأنها لو كانت عن اليمين لكان مَنْ يحلف يُكَفِّر، لكنها عن الحنث؛ لأن الأصل الإثم في مخالفة اليمين، لكن من رحمة الله عز وجل أن الله أباح لنا الحنث وأن نُكَفِّر عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44] أي: وجدنا أيوب يعني: ألفينا ﴿صَابِرًا﴾، ما الذي نصب ﴿صَابِرًا﴾؟ (وجد) تنصب كم؟ * طلبة: مفعولين. * الشيخ: مفعولين: الأول الهاء في قوله: ﴿وَجَدْنَاهُ﴾، والثانية ﴿صَابِرًا﴾. صبر أيوب عليه الصلاة والسلام كان صبرًا على قَدَرِ الله، وكان صبرًا عن معصية الله، ما تَجَزَّع ولا سخط وكان صبرًا على طاعة الله، بماذا؟ كان صبرًا على أقدار الله، ظاهر؛ لأنه صبر على ما مَسَّه من الشيطان، وعن معصية الله؛ لأنه لم يتسخط، وعلى طاعة الله؛ لأنه لجأ إلى الله ودعا الله عز وجل فأجابه. أحيانًا يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي، فيما سبق إذا تَعَسَّرت الولادة يؤتى إلى الشخص ويُطْلَب منه أن يقرأ للحامل عند تَعَسُّر الولادة فيقرأ بماء ثم يذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة وتشرب منه الحامل فتضع بدون ألم، هذا شيء مُجَرَّب مشاهد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبر على أيش؟ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب) (...) ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ صبر هذا الصبر العظيم؛ على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك ما نسي الله عز وجل لجأ إليه عند الشدائد. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ إعراب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أن نقول: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ جامد، صح؟ ﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل، وهذا الفعل وشبهه يحتاج إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص استُغْنِي بما تقدم وإلا فإنه يُقَدَّر، وإن كان ظاهرًا فظاهر. فمثلًا هنا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ نقول: إن السياق يدل على المخصوص وحينئذ لا حاجة لتقديره، المعروف ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ من هو؟ أيوب، فلا حاجة للتقدير، لكن بعض النحويين يُقَدِّر ولو عُلِمَ؛ لأنه يرى أنه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص. فيقول المؤلف: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب)، أيوب هو المخصوص، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ هذه الجملة استئنافية تعليلية، تعليل للثناء على أيوب بأنه نعم العبد لأنه كان أوابًا أي رجاعًا إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ حلف يضربها مئة ضربة، ضربها ضربة واحدة (...) الضربة الواحدة مئة عصا أم لا؟ * الشيخ: هي قضبان، مئة قضيب وقعت عليها دفعة واحدة. * الطالب: (...) مئة ضربة. * الشيخ: مئة ضربة. * الطالب: (...) تكرار.. * الشيخ: هذا حصل؛ لأن هذا بس كان متتابعًا والآن صار مجتمعًا. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- من ناحية صفة الصبر في أيوب هل نقول: إن كل نبي من الأنبياء يوجد فيه صفة بارزة أو نقول: (...) اجتمع له الكمال المطلق من الصفات البشرية (...) النبي عليه الصلاة والسلام أصبر الناس أصبر من أيوب، أو نقول: إن أيوب من جهة الصبر أصبر من النبي عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: الفضل نوعان: فضل خاص وفضل مطلق ،فالفضل المطلق قد يوجد في المفضول صفة خاصة يتميز بها. * الطالب: على النبي. * الشيخ: حتى في الأنبياء، يكون أحد الأنبياء له صفة خاصة يتميز بها. * طالب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ هذا مقولة القول (...) تبارك وتعالى قَبَل دعوة أيوب قال له تبارك وتعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، و﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ هذا كذلك مقولة القول.. * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه تابع للأول. * الطالب: المغتَسَل هو الماء (...) المغتَسَل ماء مغتسِل. * الشيخ: لا. * الطالب: الماء مغتسِل يعني (...). * الشيخ: لا، المغتسِل الإنسان تقول: اغتسلت بالماء فالماء مغتَسَل به، شوف عندنا الماء ومكان الماء، الماء مغتسَل به، ومكان الماء مغتسل وأما الفاعل مغتسِل فهو الإنسان. * الطالب: والمراد هنا مكان الماء. * الشيخ: مكان. * طالب: (...) قلنا: إنه أخذ مئة عصا (...) عصا واحدة وكررها مئة مرة؛ لأنه لو حتى ضرب المئة ليس كل العصي ستصيبها (...) سوى الطرف المقابل (...). * الشيخ: أيش الفائدة من الضغث يكفي عود واحد. * الطالب: (...) الضغث هو الواحد.. * الشيخ: لا ما (...) يأخذ عصا واحد يضرب مئة مرة. * الطالب: (...). * الشيخ: أي بهذا الضغث (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما جاءت الفوائد. * طالب: (...) صبر أيوب (...) محمد ﷺ صبر صبرَ رسالة (...). * الشيخ: هذا صبر آخر، هذا من نوع ثان، ولكن ما أُصِيب الرسول بمرض كمرض أيوب، هذا نوع ثان من الصبر. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] (...) قد يكون زوجة ثانية، يمكن ذلك؟ * الشيخ: يمكن، لكن ما نعرف هذا، المعروف أن له زوجة واحدة، ولا يمنع أن يكون أعطاه الله زوجتين، الله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص 45 - 52]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41] ما هو (النصب والعذاب) الذي مسه؟ * طالب: (النصب) هو عذاب حسي أو معنوي من الشيطان، وعذاب.. * الشيخ: النصب الضرر. * الطالب: الضرر حسي أو معنوي. * الشيخ: يعني: بدني أو نفسي. * الطالب: (والعذاب) الألم. * الشيخ: لماذا أضافه إلى الشيطان؟ * طالب: لأنه كان بسبب الشيطان. * الشيخ: ومن الذي سلَّطَه؟ * الطالب: سلطه الله عز وجل لحكمة أرادها. * الشيخ: لحكمة أرادها. قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42] معنى ﴿ارْكُضْ﴾؟ * طالب: أي: اضرب. * الشيخ: ويش يضرب؟ * الطالب: يضرب برجله الأرض فخرج الماء. * الشيخ: قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ [ص 43]، ويش المعنى؟ * طالب: قيل: إنهم أحياهم بعد إماتتهم وهذا القول فيه نظر، ولكن الصحيح عندما أُصيبَ بهذا الضر تركوه (...) فرجعهم الله سبحانه وتعالى إليه. * الشيخ: ﴿وَهَبْنَا﴾ أعدنا. * الطالب: أعدنا له أهله. * الشيخ: أعدنا له أهله. قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص 44]، ما هو الضغث؟ * طالب: هو مجموعة من الحشيش أو حزمة من الحشيش، أعواد يضرب بها زوجته مئة مرة؛ يعني: ضربة واحدة تكفيه عن المئة مرة. * الشيخ: السبب، ليش المئة؟ * الطالب: لأنه حلف أن يضرب زوجته (...) مع أهله مئة جلدة. * الشيخ: مئة جلدة فأفتاه الله بذلك. قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ما موقع الجملة مما قبلها؟ * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليل لأي شيء؟ لأن العلة لا بد أن يكون لها معلول؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه إرجاع إلى الله عز وجل. * طالب آخر: (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، تعليل لقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. * في هذه الآيات: الثناء على أيوب عليه الصلاة والسلام بما ذُكِرَ من أوصافه. * وفيه أيضًا: الإشادة بمناقبه حيث أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يذكر عبده أيوب. * ومن فوائدها: بيان أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41]، وبيان صدق لجوئهم إلى الله في كونهم يفزعون إليه عند الشدائد؛ لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41]. * ومن فوائدها: جواز إضافة الأشياء إلى أسبابها؛ لأن أيوب أضاف هذا الضر للشيطان لأنه سببه. * ومن فوائد هذه الآيات: جواز التوسل إلى الله تعالى بحال العبد؛ لأن أيوب تَوَسَّل إلى الله بحاله وهو أنه مسَّه الشيطان بنصب وعذاب ونظير هذا قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص 24]، فتوَسَّل إلى الله بذكر حاله وأنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أحد أنواع التوسل الجائز، ويحسن هنا أن نذكر أو أن نستعيد ذكر هذه الأنواع، فهي: أولًا: التوسل إلى الله بأسمائه. ثانيًا: التوسل إلى الله تعالى بصفاته. ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله. رابعًا: التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي. خامسًا: التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ تُرْجى إجابته. سادسًا: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان. سابعًا: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح. كل هذه أنواع من التوسل جائزة، فالتوسل إلى الله بأسمائه مثل أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي. وبصفاته: مثل قولك: اللهم برحمتك أستغيث، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي. التوسل إلى الله بأفعاله: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي كما في الآية. التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ ترجى إجابته كتوسل الصحابة بدعاء النبي ﷺ. التوسل إلى الله تعالى بالإيمان؛ مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران 16] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّ﴾ [آل عمران 193]. السابع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ كقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل منهم بعمله الصالح[[متفق عليه؛ البخاري (2272)، ومسلم (2743 / 99) من حديث عبد الله بن عمر.]]. هذه أنواع التوسل الجائز. أما الممنوع فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرم، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرَّمٌ، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل، كأن الإنسان يتقدم بشيء يجعله وسيلة وليس بوسيلة، فكأنه يستجهل الله عز وجل يتوسل إليه بشيء ليس بوسيلة ويجعله وسيلة، إذن الله جاهل على هذا الفعل أو بناء على هذا التوسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إجابة الله للدعاء، وهو دليل على مِنَّته على عباده؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42]. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله؛ حيث أنبع الماء من ضرب الرِّجل. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، ولو شاء الله لأنبع له الماء بدون ركض بالرجل، ولكن الله تعالى جعل ذلك سببًا. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يجعل السبب الضعيف الذي لا يقوم بالمسبب سببًا مؤثرًا، كما أنه قادر على أن يمنع السبب المؤثر فلا يؤثر، فالركض بالرِّجل ليس من العادة أن ينبع الماء، والإلقاء في النار من العادة أن يحرق، فإبراهيم ألقي في النار فلم يحترق، وأيوب ركض برجله، فنبع الماء إذن فيه دليل على أن الله قد يجعل السبب الضعيف قويًّا مؤثرًا، ويجعل السبب القوي المؤثر غير مؤثر. * ومن فوائد هذه الآية: بيان القدرة الإلهية بكون هذا الماء النابع من جوف الأرض باردًا وصالحًا للشرب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى المطهر للباطن، وهو ما يعرف عند الناس الآن في (...)؛ يعني يتخذون أشياء ملينة للبطن تنظفه؛ لقوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى يَمُنُّ على العبد بأكثر مما فقد إذا صبر واحتسب؛ لأن أيوب وهَبَ الله له أهله ومثلهم معهم، فأنت اصبر تظفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما حصل للإنسان من نعمة فإنه بمقتضى رحمة الله؛ لقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ [ص 43]. * ومن فوائدها: أن في هذه القصة العظيمة ﴿ذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقد سبق لنا بيان وجه هذه الذكرى، وأظننا ذكرنا كم وجهًا؟ أربعة أوجه أو خمسة. * من فوائدها: جواز استعمال الحيلة المباحة؛ لقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص 44]. وهذا الحكم ثابت حتى في الشريعة الإسلامية. فلو حلف رجلٌ أن يضرب شخصًا مئة مرة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثًا فيه مئة شمراخ ويضرب به، وبنوا على هذا ما لو زنى رجل مريض مرضًا لا يُرْجَى زواله ولا يتحمل الجلد مئة على انفراد، قالوا: فإنه يجمع له ضغث فيه مئة عود ويُضْرَبُ به ضربة واحدة، أخذًا مما أفتى الله به مَن؟ أيوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن الحنث في اليمين في الأصل أو أن المخالفة في اليمين في الأصل حرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. ولكن الله تعالى يسَّر لعباده فأجاز لهم الحنث مع الكفارة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة 89]. قال العلماء: ﴿احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تكثروا اليمين. وقال بعضهم: احفظوها من الحنث، فلا تحنثوا فيها. والوجهان كلاهما لا يتنافيان، المهم أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ يمينه فلا يحنث، لكن مع ذلك أحيانًا يكون الحنث خيرًا. وقد قسَّم العلماء رحمهم الله الحنث في اليمين إلى الأحكام الخمسة؛ فقالوا: قد يجب الحنث، وقد يَحْرُم، وقد يُكْرَه، وقد يُسْتَحب، وقد يُباح. فإذا حلف ألَّا يصلي مع الجماعة فالحنث واجب؛ يجب أن يصلي ويكفِّر، ولو حلف أن يشرب الخمر فالحنث واجب؛ يجب أن يدعه وأن يكفِّر، ولو حلف ألَّا يشرب الخمر كان الحنث محرمًا؛ لأنه لو شرب لفعل محرمًا ووقع في محرَّمٍ، ولو حلف ألَّا يصلي راتبة الظهر فالحنث هنا مستحب، ولو حلف أن يأكل بصلًا أو ثومًا وهو ممن يحضر المسجد كان الحنث مستحبًّا، ولو حلف ألَّا يأكل كان مكروهًا. المهم أن المكروه والمستحب متضادان، والواجب والمحرم متضادان، أما المباح فهو إذا تساوت المصلحة والمفسدة فهو مباح. * ومن فوائد هذه الآيات: الثناء على أيوب بالصبر؛ لقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44]، وهذا يتعدى إلى غيره، فإن من كان صابرًا فهو محل للثناء. * ومن فوائد الآية: الثناء على أيوب بهذا الوصف: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، والعبودية لله عز وجل لا شك أنها تمام الحرية، فكل من كان لله أعبد فهو أشد تحررًا ممن كان على العكس. وقد قال ابن القيم رحمه الله بيتا في النونية مفيدًا قال: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ رحمه الله. يعني الإنسان لا بد أن يخضع لشيء، فهؤلاء هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ .............................. وهو عبادة الله. ................................ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ صاروا عبيدًا لنفوسهم وشياطينهم، فأشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله عز وجل. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء على أيوب بكونه رجَّاعًا إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وعلى هذا فيكون هذا الوصف ثناءً لكل من اتصف به، فكل من كان رجَّاعًا إلى الله فإنه يُثْنَى عليه. * ومن فوائد الآيات: إثبات الأسباب وجواز نسبة الشيء إلى سببه المعلوم حسًّا أو شرعًا؛ يعني يجوز أن يُضاف الشيء إلى سبب المعلوم حسًّا أو شرعًا بدون أن ينسب إلى الله، فلو قلت مثلًا: سقطت في البحر، ولولا فلان لغرقت لكان هذا صحيحًا. لماذا؟ لأنه أضافه إلى سبب معلوم؛ فلان هو الذي انتشله من الماء، ولو قال: سقطت في البحر، ولولا فلان الولي الميت لهلكت لكان هذا شركًا، وهو شرك أكبر في هذا الحال. المهم أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم دون أن يضاف إلى الله هذا جائز، ومن ذلك قول الرسول ﷺ في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (3883)، ومسلم (209 / 357) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، «لَوْلَا أَنَا»، » فأضاف الشيء إلى سببه المعلوم، أما إذا أضافه إلى سبب غير معلوم فهذا نوع من الشرك؛ قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، بحسب الحال. * طالب: الفائدة ما ذكرنا، من أين أخذناها؟ * الشيخ: من قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41] أضافه إلى السبب.

ص 38:44

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص 41] ﴿اذْكُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ويجوز أن يكون مُوَجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه من البشر. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل، ﴿اذْكُرْ﴾ مع أنه في قصة سليمان لم يُعِدْه، بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص 30]، ولم يذكر ﴿اذْكُرْ﴾، قال بعض العلماء: لأن سليمان بن داود فقصتهما متقاربة كأنما هي قصة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله وهذه العبودية من العبودية التي هي أخص الخاصة؛ لأنها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾ هذه عطف بيان أو بدل؟ * طالب: عطف بيان. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من ﴿عَبْدَنَا﴾. * الشيخ: من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ متعلقة بـ﴿اذْكُرْ﴾، ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من (عبد) يعني في حال نداء ربه. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء يكون بالصوت المرتفع، والنجاء يكون بالصوت المنخفض قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم 52]. (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ ) قدَّر المؤلف الباء هنا؛ لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم 30]، لكنها هنا مفتوحة فقدَّر المؤلف الباء؛ لأننا إذا قَدَّرْنَا الباء صارت تسبق هي وما بعدها المصدر، وإذا سبقت (أن) وما بعدها المصدرَ كانت مفتوحة الهمزة كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ∗∗∗ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي بأني) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني: أصابني، و﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. (﴿بِنُصْبٍ﴾ ضر ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم) وكان الشيطان قد أذاه، ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه أو أنه إيذاء حسي كما قال بعضهم: إن الشيطان نفث في جسده حتى أصبح جسده كله جدريًّا يعني حبوبًا ضارة، فالله أعلم يحتمل هذا وهذا. النُّصْب يعني الضرر والعذاب يعني الألم، لما نادى اللهَ عز وجل وتضرع إليه وعَلِمَ أنه لا ملجأ من الله إلا إليه حينئذ جاءه الفرج فقيل له: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) وهذا الأمر من الله عز وجل. قبلها المؤلف يقول: (ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبًا معه تعالى) نسب ذلك إلى الشيطان لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، فالله تعالى هو الذي بحكمته سَلَّط عليه الشيطان، فالشيطان مباشر للعلة لكنَّ تسلطه كان بقضاء الله وقدره، والمؤلف رحمه الله سلك مسلكًا غير الذي قلتُه الآن فأنا أقول: نَسَبَه إلى الشيطان لأنه هو؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، هو المباشر للعلة وهو سبب بلا شك، لكن سبب مباشر، وفي الحقيقة أن الشيطان إنما سُلِّط بقضاء الله وقَدَرِه المؤلف يرى أنه نُسِبَ إلى الشيطان تأدبًا، وإلَّا فالأصل نسبته إلى الله فهو كقوله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10]، فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن 10] ومعلوم أن مريد الشر هو الله عز وجل لحكمة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10] فهم حذفوا الفاعل تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأن الشر ليس إليه. على كل حال الشيطان هو الذي مَسَّ أيوب، وقد علمتم أن مَسَّه إما أن يكون مَسًّا نفسيًّا أو حسيًّا. قال الله تعالى بعد أن تفرغ قلبُه من كل من سوى الله ولجأ إلى ربه قال: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) اضرب بها الأرض، فضرب بها الأرض فنبع منها الماء بإذن الله، ما يحتاج إلى حَفَّار ولا إلى أحد يساعد، ضربة واحدة، فنبع الماء والله على كل شيء قدير. وهذا أحد الضربات التي نبع بها الماء على أنه آية من آيات الله، الثاني موسى يضرب الحجر فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، الثالثة جبريل ضرب بعقبه أو جناحه مكان زمزم فنبع الماء، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فضرب برجله الأرض (فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ تشرب منه) الله أكبر؛ يعني: أبيح له أن يغتسل ويشرب، وهذا الماء أيضًا مع أنه نبع من الأرض، والغالب أن النابع من الأرض يكون ساخنًا لكن هذا صار باردًا (فاغتسل به وشرب منه فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره) بقدرة الله عز وجل وإرادته. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] قال المؤلف: (أي: أحيا الله له مَنْ مات من أولاده ورزقه مثلهم) فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، وليس في الآية ما يدل على هذا، بل إن الله وهب له أهله حيث أَوَوْا إليه بعد أن شردوا منه؛ لأن الرجل بسبب المرض النفسي، وربما نقول: النفسي والحسي البدني شرد منه أهله، عجزوا عن أن يعيشوا معه فشردوا، فلما عافاه الله أوى إليه أهله فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق كما سَمَّى عمر بن الخطاب إعادةَ قيام رمضان جماعةً سماها بدعة[[أخرجه البخاري (2010) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنها ليست بدعة في الواقع، مع أنها ليست هبة ولكن إعادة موهوب شرد. وأما القول بأنه أحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصحيح أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة أيش؟ إعادة موهوب سبق؛ لأنهم نفروا منه وشردوا عنه. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ هذا هو الذي نقول: إن الله رزقه أولادًا جُدُدًا؛ لأن زوجته رجعت وحاله صلحت وصار ينجب فبارك الله له في ولده. (﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ). قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ إن كان عائدًا على الأهل ومَنْ وُهِبَ له من جديد فهي رحمة مخلوقة، والرحمة قد تُطْلَق على المخلوق كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (4850)، ومسلم (2846 / 34) من حديث أبي هريرة.]]؛ وعلى هذا فتفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير أيش؟ صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأولاد على الأهل ومثلهم معهم فإن تفسيره صحيح لأن الرحمة هنا مخلوقة، وإن أريد بالرحمة صفة الله عز وجل يعني أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله فالرحمة هنا أيش؟ غير مخلوقة، الرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة. إذن كلام المؤلف لا يمكن أن يُخَطَّأ على الإطلاق حيث فَسَّر الرحمة بالنعمة، ومعروف أن الأشاعرة يفسرون رحمة الله بأيش؟ بالنعمة أو بالإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا يُنْتَقَد من كل وجه؛ لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أنها يراد بها الموهوب والموهوب لا شك أنه مخلوق. أما إذا أردنا ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ الرحمة التي هي صفة الله أي أن هذا ناشئ عن رحمتنا التي نحن متصفون بها وهو الرب عز وجل فإن تفسير المؤلف ليس بصحيح؛ لأن الرحمة حينئذ تكون أيش؟ صفة من صفات الله ليست نعمة خلقًا بائنًا عن الله عز وجل. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ كيف نعربها؟ * طلبة: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول لأجله، وهذه علة السابقة، العلل قسمان: علة غائية منتظرة وعلة السابقة مُوجِبة؛ فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب العلة سابقة ولَّا لا؟ * طلبة: سابقة. * الشيخ: سابقة، إذن عِلَّة موجبة، إذا سافر الإنسان ليَتَّجر فهنا العلة غائية لاحقة ما هي سابقة، الأولى عِلَّة باعثة موجبة، لا، الإيجاب في كل العلتين، لكنها باعثة حاملة للإنسان، والثانية علة غائية لاحقة. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني نفسه تبارك وتعالى، وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا لله، الغريب أن هذا الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصارنيُّ على تعدد الآلهة؛ لأن النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة ليس إلهًا واحدًا فيقول عندي دليل؛ ﴿خَلَقْنَا﴾ [الأعراف 181]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة 99]، ﴿مِنَّا﴾، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم 13] ﴿عِنْدَنَا﴾، كل هذه تدل على الجمع فنقول له: إن في قلبك لزيغًا؛ لأنك اتبعت المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران 7]. ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة 163]؟! هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمر وارد في اللغة العربية، حتى الناس بأنفسهم وهم بشر لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيمًا لأنفسهم. (﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لأصحاب العقول) ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه خاصة بأيوب وبأهله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ هذه عامة يتذكر بها أصحاب العقول بأي شيء يتذكرون في هذه القصة؟ يتذكرون في هذه القصة بأن المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأن الشيطان قد يُسَلَّط على الرسول. يتذكرون بها؛ لأن الإنسان إذا لجأ إلى ربه ودعا ربه فإن الله يجيبه. يتذكرون بها؛ لأنه كلما اشتد الكرب فانتظر الفرج، قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنْ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرَ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (2803) من حديث ابن عباس.]]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة 214] فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214] يعني: قريب من هذه الحال التي وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله يعني: يطلبونه شوقًا لا استبعادًا، ولكن شوقًا إليه كأنهم يقولون: يا رب، عجل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214]. إذن ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ من أي ناحية؟ من أن البلاء يشمل الأنبياء. ثانيًا: أن الشيطان قد يُسَلَّط على الأنبياء. ثالثًا: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه إذا صَدَق الإنسان في دعوته، فالله سبحانه وتعالى يجيب الدعوة، نسأل الله أن يرزقنا الصدق معه. رابعًا: أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر ولجأ إلى الله أجاب الله تعالى دعاءه. خامسًا: أن زوال كرب النبي أيوب عليه الصلاة والسلام كان على يده؛ لأن الله تعالى لم ينزل شفاء بدون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره، كيف؟ قيل له: (اضرب برجلك) فخرج الدواء، وقيل: (اغتسل) فعالج نفسه إذن هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج فكان علاجه على يده باستخراج الدواء وبالعلاج وكيفية استعمال الدواء. (﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو حزمة من حشيش أو قضبان ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك وكان قد حلف ليضربنها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص 44] بترك ضربها فأخذ مئة عود من الإذخِر أو غيره فضرب بها ضربة واحدة) هذه فتوى من الله عز وجل لأيوب أفتاه بها تسهيلًا عليه وعلى أهله، أشرنا قبل قليل إلى أنه ما أصيب بهذه المصيبة من قِبَل الشيطان مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة، أين ذهب أهله؟ شردوا ومن جملتهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء فحلف أن يضربها مئة مرة يجلدها مائة جلدة؛ لأنها أغضبته وتركته فلما شفاه الله عز وجل من المرض بقي عليه الآن أن يفي بيمينه، أن يَبَرَّ بيمينه؛ فيضرب زوجته مئة ضربة، مئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة للزوجة ومن الإحراج بالنسبة له، فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى قال: خذ بيدك ضغثًا فيه مئة شمراخ واضربها به مرة واحدة، ويكفي عن مئة ضربة، ففعل، أخذ بيده ضغثًا فضربها به ضربة واحدة، فصار ذلك برًّا بيمينه؛ ولهذا قال ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. أين مفعول ﴿فَاضْرِبْ﴾؟ محذوف، وحُذِفَ -والعلم عند الله- للستر؛ لأنه ما في القرآن أنه أُمِرَ بضرب الزوجة، ولكن جاء ذلك في القصص المعروفة عند بني إسرائيل، ليس المقصود أن نعرف عين المضروب، المقصود أن نعرف أن الضرب الذي كان قد حلف عليه يحصل بر فيه بأخذ هذا الضغث والضرب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أصل الحنث الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة 46] يعني: على الإثم العظيم، والمراد به هنا بالحنث ألا يَبَرَّ بيمينه وعدم البِرِّ بيمين أن يترك ما حلف على فعله أو يفعل ما حلف على تركه، هذا الحنث، حلف ليشترين كتابًا قال: والله لأشترين كتابًا ولم يشترِ، ما تقولون؟ * طلبة: حنث. * الشيخ: حنث بأيش؟ بترك ما حلف على فعله. حلف على ألا يبيع هذا الكتاب، قال: والله لا أبيع هذا الكتاب، فباعه، حنث بماذ؟ بفعل ما حلف على تركه. حلف ليشترين هذا الكتاب فاشتراه، ماذا نقول؟ بَرَّ بيمينه. حلف ألا يبيع هذا الكتاب فلم يبعْه أيضًا بَرَّ بيمينه. إذن موافقة اليمين بِرٌّ ومخالفته حنث. قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أن عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله؛ لأنه يُسَمَّى حِنْثًا، لكن من نعمة الله أنه رَخَّص لعباده بفعله، لكنهم إذا فعلوا كَفَّرُوا كفارة عن أيش؟ عن اليمين ولَّا عن الحنث؟ * طلبة: عن الحنث. * الشيخ: عن الحنث؛ لأنها لو كانت عن اليمين لكان مَنْ يحلف يُكَفِّر، لكنها عن الحنث؛ لأن الأصل الإثم في مخالفة اليمين، لكن من رحمة الله عز وجل أن الله أباح لنا الحنث وأن نُكَفِّر عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44] أي: وجدنا أيوب يعني: ألفينا ﴿صَابِرًا﴾، ما الذي نصب ﴿صَابِرًا﴾؟ (وجد) تنصب كم؟ * طلبة: مفعولين. * الشيخ: مفعولين: الأول الهاء في قوله: ﴿وَجَدْنَاهُ﴾، والثانية ﴿صَابِرًا﴾. صبر أيوب عليه الصلاة والسلام كان صبرًا على قَدَرِ الله، وكان صبرًا عن معصية الله، ما تَجَزَّع ولا سخط وكان صبرًا على طاعة الله، بماذا؟ كان صبرًا على أقدار الله، ظاهر؛ لأنه صبر على ما مَسَّه من الشيطان، وعن معصية الله؛ لأنه لم يتسخط، وعلى طاعة الله؛ لأنه لجأ إلى الله ودعا الله عز وجل فأجابه. أحيانًا يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي، فيما سبق إذا تَعَسَّرت الولادة يؤتى إلى الشخص ويُطْلَب منه أن يقرأ للحامل عند تَعَسُّر الولادة فيقرأ بماء ثم يذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة وتشرب منه الحامل فتضع بدون ألم، هذا شيء مُجَرَّب مشاهد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبر على أيش؟ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب) (...) ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ صبر هذا الصبر العظيم؛ على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك ما نسي الله عز وجل لجأ إليه عند الشدائد. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ إعراب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أن نقول: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ جامد، صح؟ ﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل، وهذا الفعل وشبهه يحتاج إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص استُغْنِي بما تقدم وإلا فإنه يُقَدَّر، وإن كان ظاهرًا فظاهر. فمثلًا هنا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ نقول: إن السياق يدل على المخصوص وحينئذ لا حاجة لتقديره، المعروف ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ من هو؟ أيوب، فلا حاجة للتقدير، لكن بعض النحويين يُقَدِّر ولو عُلِمَ؛ لأنه يرى أنه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص. فيقول المؤلف: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب)، أيوب هو المخصوص، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ هذه الجملة استئنافية تعليلية، تعليل للثناء على أيوب بأنه نعم العبد لأنه كان أوابًا أي رجاعًا إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ حلف يضربها مئة ضربة، ضربها ضربة واحدة (...) الضربة الواحدة مئة عصا أم لا؟ * الشيخ: هي قضبان، مئة قضيب وقعت عليها دفعة واحدة. * الطالب: (...) مئة ضربة. * الشيخ: مئة ضربة. * الطالب: (...) تكرار.. * الشيخ: هذا حصل؛ لأن هذا بس كان متتابعًا والآن صار مجتمعًا. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- من ناحية صفة الصبر في أيوب هل نقول: إن كل نبي من الأنبياء يوجد فيه صفة بارزة أو نقول: (...) اجتمع له الكمال المطلق من الصفات البشرية (...) النبي عليه الصلاة والسلام أصبر الناس أصبر من أيوب، أو نقول: إن أيوب من جهة الصبر أصبر من النبي عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: الفضل نوعان: فضل خاص وفضل مطلق ،فالفضل المطلق قد يوجد في المفضول صفة خاصة يتميز بها. * الطالب: على النبي. * الشيخ: حتى في الأنبياء، يكون أحد الأنبياء له صفة خاصة يتميز بها. * طالب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ هذا مقولة القول (...) تبارك وتعالى قَبَل دعوة أيوب قال له تبارك وتعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، و﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ هذا كذلك مقولة القول.. * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه تابع للأول. * الطالب: المغتَسَل هو الماء (...) المغتَسَل ماء مغتسِل. * الشيخ: لا. * الطالب: الماء مغتسِل يعني (...). * الشيخ: لا، المغتسِل الإنسان تقول: اغتسلت بالماء فالماء مغتَسَل به، شوف عندنا الماء ومكان الماء، الماء مغتسَل به، ومكان الماء مغتسل وأما الفاعل مغتسِل فهو الإنسان. * الطالب: والمراد هنا مكان الماء. * الشيخ: مكان. * طالب: (...) قلنا: إنه أخذ مئة عصا (...) عصا واحدة وكررها مئة مرة؛ لأنه لو حتى ضرب المئة ليس كل العصي ستصيبها (...) سوى الطرف المقابل (...). * الشيخ: أيش الفائدة من الضغث يكفي عود واحد. * الطالب: (...) الضغث هو الواحد.. * الشيخ: لا ما (...) يأخذ عصا واحد يضرب مئة مرة. * الطالب: (...). * الشيخ: أي بهذا الضغث (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما جاءت الفوائد. * طالب: (...) صبر أيوب (...) محمد ﷺ صبر صبرَ رسالة (...). * الشيخ: هذا صبر آخر، هذا من نوع ثان، ولكن ما أُصِيب الرسول بمرض كمرض أيوب، هذا نوع ثان من الصبر. * طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] (...) قد يكون زوجة ثانية، يمكن ذلك؟ * الشيخ: يمكن، لكن ما نعرف هذا، المعروف أن له زوجة واحدة، ولا يمنع أن يكون أعطاه الله زوجتين، الله أعلم. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص 45 - 52]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41] ما هو (النصب والعذاب) الذي مسه؟ * طالب: (النصب) هو عذاب حسي أو معنوي من الشيطان، وعذاب.. * الشيخ: النصب الضرر. * الطالب: الضرر حسي أو معنوي. * الشيخ: يعني: بدني أو نفسي. * الطالب: (والعذاب) الألم. * الشيخ: لماذا أضافه إلى الشيطان؟ * طالب: لأنه كان بسبب الشيطان. * الشيخ: ومن الذي سلَّطَه؟ * الطالب: سلطه الله عز وجل لحكمة أرادها. * الشيخ: لحكمة أرادها. قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42] معنى ﴿ارْكُضْ﴾؟ * طالب: أي: اضرب. * الشيخ: ويش يضرب؟ * الطالب: يضرب برجله الأرض فخرج الماء. * الشيخ: قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ [ص 43]، ويش المعنى؟ * طالب: قيل: إنهم أحياهم بعد إماتتهم وهذا القول فيه نظر، ولكن الصحيح عندما أُصيبَ بهذا الضر تركوه (...) فرجعهم الله سبحانه وتعالى إليه. * الشيخ: ﴿وَهَبْنَا﴾ أعدنا. * الطالب: أعدنا له أهله. * الشيخ: أعدنا له أهله. قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص 44]، ما هو الضغث؟ * طالب: هو مجموعة من الحشيش أو حزمة من الحشيش، أعواد يضرب بها زوجته مئة مرة؛ يعني: ضربة واحدة تكفيه عن المئة مرة. * الشيخ: السبب، ليش المئة؟ * الطالب: لأنه حلف أن يضرب زوجته (...) مع أهله مئة جلدة. * الشيخ: مئة جلدة فأفتاه الله بذلك. قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ما موقع الجملة مما قبلها؟ * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليل لأي شيء؟ لأن العلة لا بد أن يكون لها معلول؟ * الطالب: إي نعم؛ لأنه إرجاع إلى الله عز وجل. * طالب آخر: (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، تعليل لقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. * في هذه الآيات: الثناء على أيوب عليه الصلاة والسلام بما ذُكِرَ من أوصافه. * وفيه أيضًا: الإشادة بمناقبه حيث أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يذكر عبده أيوب. * ومن فوائدها: بيان أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41]، وبيان صدق لجوئهم إلى الله في كونهم يفزعون إليه عند الشدائد؛ لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص 41]. * ومن فوائدها: جواز إضافة الأشياء إلى أسبابها؛ لأن أيوب أضاف هذا الضر للشيطان لأنه سببه. * ومن فوائد هذه الآيات: جواز التوسل إلى الله تعالى بحال العبد؛ لأن أيوب تَوَسَّل إلى الله بحاله وهو أنه مسَّه الشيطان بنصب وعذاب ونظير هذا قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص 24]، فتوَسَّل إلى الله بذكر حاله وأنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أحد أنواع التوسل الجائز، ويحسن هنا أن نذكر أو أن نستعيد ذكر هذه الأنواع، فهي: أولًا: التوسل إلى الله بأسمائه. ثانيًا: التوسل إلى الله تعالى بصفاته. ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله. رابعًا: التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي. خامسًا: التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ تُرْجى إجابته. سادسًا: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان. سابعًا: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح. كل هذه أنواع من التوسل جائزة، فالتوسل إلى الله بأسمائه مثل أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي. وبصفاته: مثل قولك: اللهم برحمتك أستغيث، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي. التوسل إلى الله بأفعاله: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. التوسل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي كما في الآية. التوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ ترجى إجابته كتوسل الصحابة بدعاء النبي ﷺ. التوسل إلى الله تعالى بالإيمان؛ مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران 16] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّ﴾ [آل عمران 193]. السابع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ كقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل منهم بعمله الصالح[[متفق عليه؛ البخاري (2272)، ومسلم (2743 / 99) من حديث عبد الله بن عمر.]]. هذه أنواع التوسل الجائز. أما الممنوع فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرم، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل. فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا، فإن التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة لا شرعًا ولا قدرًا محرَّمٌ، وهو نوع من الاستهزاء بالله عز وجل، كأن الإنسان يتقدم بشيء يجعله وسيلة وليس بوسيلة، فكأنه يستجهل الله عز وجل يتوسل إليه بشيء ليس بوسيلة ويجعله وسيلة، إذن الله جاهل على هذا الفعل أو بناء على هذا التوسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إجابة الله للدعاء، وهو دليل على مِنَّته على عباده؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص 42]. * ومن فوائدها: بيان قدرة الله؛ حيث أنبع الماء من ضرب الرِّجل. * ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، ولو شاء الله لأنبع له الماء بدون ركض بالرجل، ولكن الله تعالى جعل ذلك سببًا. * ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يجعل السبب الضعيف الذي لا يقوم بالمسبب سببًا مؤثرًا، كما أنه قادر على أن يمنع السبب المؤثر فلا يؤثر، فالركض بالرِّجل ليس من العادة أن ينبع الماء، والإلقاء في النار من العادة أن يحرق، فإبراهيم ألقي في النار فلم يحترق، وأيوب ركض برجله، فنبع الماء إذن فيه دليل على أن الله قد يجعل السبب الضعيف قويًّا مؤثرًا، ويجعل السبب القوي المؤثر غير مؤثر. * ومن فوائد هذه الآية: بيان القدرة الإلهية بكون هذا الماء النابع من جوف الأرض باردًا وصالحًا للشرب. * ومن فوائدها: الإشارة إلى المطهر للباطن، وهو ما يعرف عند الناس الآن في (...)؛ يعني يتخذون أشياء ملينة للبطن تنظفه؛ لقوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى يَمُنُّ على العبد بأكثر مما فقد إذا صبر واحتسب؛ لأن أيوب وهَبَ الله له أهله ومثلهم معهم، فأنت اصبر تظفر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما حصل للإنسان من نعمة فإنه بمقتضى رحمة الله؛ لقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ [ص 43]. * ومن فوائدها: أن في هذه القصة العظيمة ﴿ذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقد سبق لنا بيان وجه هذه الذكرى، وأظننا ذكرنا كم وجهًا؟ أربعة أوجه أو خمسة. * من فوائدها: جواز استعمال الحيلة المباحة؛ لقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص 44]. وهذا الحكم ثابت حتى في الشريعة الإسلامية. فلو حلف رجلٌ أن يضرب شخصًا مئة مرة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثًا فيه مئة شمراخ ويضرب به، وبنوا على هذا ما لو زنى رجل مريض مرضًا لا يُرْجَى زواله ولا يتحمل الجلد مئة على انفراد، قالوا: فإنه يجمع له ضغث فيه مئة عود ويُضْرَبُ به ضربة واحدة، أخذًا مما أفتى الله به مَن؟ أيوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن الحنث في اليمين في الأصل أو أن المخالفة في اليمين في الأصل حرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. ولكن الله تعالى يسَّر لعباده فأجاز لهم الحنث مع الكفارة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة 89]. قال العلماء: ﴿احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تكثروا اليمين. وقال بعضهم: احفظوها من الحنث، فلا تحنثوا فيها. والوجهان كلاهما لا يتنافيان، المهم أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ يمينه فلا يحنث، لكن مع ذلك أحيانًا يكون الحنث خيرًا. وقد قسَّم العلماء رحمهم الله الحنث في اليمين إلى الأحكام الخمسة؛ فقالوا: قد يجب الحنث، وقد يَحْرُم، وقد يُكْرَه، وقد يُسْتَحب، وقد يُباح. فإذا حلف ألَّا يصلي مع الجماعة فالحنث واجب؛ يجب أن يصلي ويكفِّر، ولو حلف أن يشرب الخمر فالحنث واجب؛ يجب أن يدعه وأن يكفِّر، ولو حلف ألَّا يشرب الخمر كان الحنث محرمًا؛ لأنه لو شرب لفعل محرمًا ووقع في محرَّمٍ، ولو حلف ألَّا يصلي راتبة الظهر فالحنث هنا مستحب، ولو حلف أن يأكل بصلًا أو ثومًا وهو ممن يحضر المسجد كان الحنث مستحبًّا، ولو حلف ألَّا يأكل كان مكروهًا. المهم أن المكروه والمستحب متضادان، والواجب والمحرم متضادان، أما المباح فهو إذا تساوت المصلحة والمفسدة فهو مباح. * ومن فوائد هذه الآيات: الثناء على أيوب بالصبر؛ لقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44]، وهذا يتعدى إلى غيره، فإن من كان صابرًا فهو محل للثناء. * ومن فوائد الآية: الثناء على أيوب بهذا الوصف: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، والعبودية لله عز وجل لا شك أنها تمام الحرية، فكل من كان لله أعبد فهو أشد تحررًا ممن كان على العكس. وقد قال ابن القيم رحمه الله بيتا في النونية مفيدًا قال: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ رحمه الله. يعني الإنسان لا بد أن يخضع لشيء، فهؤلاء هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ .............................. وهو عبادة الله. ................................ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ صاروا عبيدًا لنفوسهم وشياطينهم، فأشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله عز وجل. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء على أيوب بكونه رجَّاعًا إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وعلى هذا فيكون هذا الوصف ثناءً لكل من اتصف به، فكل من كان رجَّاعًا إلى الله فإنه يُثْنَى عليه. * ومن فوائد الآيات: إثبات الأسباب وجواز نسبة الشيء إلى سببه المعلوم حسًّا أو شرعًا؛ يعني يجوز أن يُضاف الشيء إلى سبب المعلوم حسًّا أو شرعًا بدون أن ينسب إلى الله، فلو قلت مثلًا: سقطت في البحر، ولولا فلان لغرقت لكان هذا صحيحًا. لماذا؟ لأنه أضافه إلى سبب معلوم؛ فلان هو الذي انتشله من الماء، ولو قال: سقطت في البحر، ولولا فلان الولي الميت لهلكت لكان هذا شركًا، وهو شرك أكبر في هذا الحال. المهم أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم دون أن يضاف إلى الله هذا جائز، ومن ذلك قول الرسول ﷺ في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (3883)، ومسلم (209 / 357) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، «لَوْلَا أَنَا»، » فأضاف الشيء إلى سببه المعلوم، أما إذا أضافه إلى سبب غير معلوم فهذا نوع من الشرك؛ قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، بحسب الحال. * طالب: الفائدة ما ذكرنا، من أين أخذناها؟ * الشيخ: من قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41] أضافه إلى السبب.