Tafsir Ibn Uthaymeen — النازعات 79:44 – عبس 80:42
المحتويات
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:35
- عبس 80:36
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
النازعات 79:44
مقرر في كل يوم خميس -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها لقاءات مباركة- نبتدئ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل، وقد بدأنا من سورة النبأ إلى آخر القرآن، ونحن الآن على قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، إلى آخره.
يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده، يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وأراد بهذا الاستفهام تقرير إمكان البعث؛لأن المشركين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبعث، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فيقول الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾؟
الجواب معلوم لكل أحد أنه السماء، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧].
﴿بَنَاهَا﴾ هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارئ إذا قرأ أن يقف على قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾، ثم يستأنف فيقول: ﴿بَنَاهَا﴾، فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء.
﴿بَنَاهَا﴾ أي: بناها الله عز وجل، وقد بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة، فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧].
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨] رفعه يعني: عن الأرض، ورفعه عز وجل بغير عَمَدٍ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد ٢].
﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: جعلها مستوية، وجعلها تامَّة كاملة، كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧]، أي: جعلك سَوِيًّا تامّ الخِلْقَة، فالسماء كذلك سَوَّاهَا الله عز وجل.
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٢٩] أغطشه، أي: أَظْلَمَه، فالليل مُظْلِم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢].
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: بيَّنَه بالشمس التي تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب في مغربها.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٠-٣٣]، ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد خلق السماوات والأرض.
﴿دَحَاهَا﴾ وبيّن هذا الدَّحْوَ بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾، وكانت الأرض مخلوقة قبل السماء، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩-١٢]، فالأرض مخلوقة من قبل السماء، لكنّ دَحْوَهَا وإخراج الماء منها والمرعى كان بعد خلق السماوات.
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي: جعلها راسية في الأرض تُمْسِكُ الأرض لئلا تضطرب بالخلق.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي: جعل الله تعالى ذلك متاعًا لنا نتمتع به فيما نأكل ونشرب، ولأنعامنا أي: مواشينا من الإبل والبقر والغنم وغيرها، ولما ذَكَّر الله عز وجل عباده بهذه النعم الدالة على كمال قدرته ذَكَّرَهم بمآلهم الحتمي الذي لا بد منه، فقال عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، وذلك قيام الساعة، وسَمَّاهَا طامَّة؛ لأنها داهية عظيمة تَطُمّ كل شيء سبقها، (كبرى) يعني: أكبر من كل طامة.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات ٣٤، ٣٥] بيان لهذا اليوم الذي تكون فيه الطامة الكبرى، وهو اليوم الذي يتذكر فيه الإنسان ما سعى، كيف يتذكره؟ يتذكره مكتوبًا، مكتوبًا عنده يقرؤه هو بنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، إذا قرأه تذَكَّر ما سعى، أي: ما عمل، أما اليوم فإننا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالًا كثيرة، منها الصالح، ومنها اللغو، ومنها السيئ، لكن كل هذا ننساه، في يوم القيامة يُعْرَض علينا هذا في كتاب، ويقال: اقرأ كتابك أنت بنفسك، ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، فحينئذ يتذكر ما سعى. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ ٤٠].
ثم قال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات ٣٦] -أعاذنا الله وإياكم منها- ﴿بُرِّزَتِ﴾: أُظْهِرَت، تجيء تُقَادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام فيه سبعون ألف مَلَك يقودونها، إذا أُلْقِيَ منها الظالمون مكانًا ضيقًا مُقَرَّنِين دَعَوْا هنالك ثبورًا، تأتي -والعياذ بالله- لمن يرى ويُبْصِر، فتنخلع القلوب ويشيب المولود.
ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧-٣٩]، هذان وصفان هما وصفان لأهل النار؛ الطغيان وهو مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا على الآخرة بتقديمها على الآخرة، وكونها أكبر هَمّ الإنسان.
فإذا قال قائل: ما هو الطغيان؟ قلنا: الطغيان مجاوزة الحد، كما ذكرناه آنفًا، مجاوزة الحد بماذا؟ ما هو حد الإنسان؟ حد الإنسان مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، فمن جاوز حَدَّهُ ولم يعبد الله فهذا هو الطاغي، هذا هو الطاغي؛ لأنه تجاوز الحد، أنت مخلوق لا لتأكل وتتنعم وتتمتع كما يتمتع الأنعام، أنت مخلوق لعبادة الله، فاعبد الله عز وجل، فإن لم تفعل فقد طغيت، هذا هو الطغيان؛ ألَّا يقوم الإنسان بعبادة الله.
وقوله ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ هما متلازمان، فإن الطاغي عن عبادة الله مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا؛ لأنه يتعلَّل بها عن طاعة الله، يتلهى بها عن طاعة الله، إذا أَذَّنَ الفجر آثَرَ النوم على الصلاة، إذا قيل له: اذكر الله، آثَرَ اللغو على ذِكْر الله، وهكذا.
وقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: هي مأواه، والمأوى هو الْمَرْجِع والْمَقَرّ، وبئس المقر مقر جهنم-أعاذنا الله وإياكم منها-.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات ٤٠] يعني: خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يُقَرِّرُه الله عز وجل بذنوبه، ويقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا أَقَرَّ قال الله له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨/٥٢)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، هذا الذي خاف هذا المقام.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات ٤٠] أي: عن هواها، والنفس أمَّارة بالسوء، لا تأمر إلا بالشر، ولكن هناك نفس أخرى تقابلها، وهي النفس المطمئنة؛ لأن للإنسان ثلاث نفوس: مطمئنة، وأمَّارة، ولوَّامَة، وكلها في القرآن.
أما المطمئنة ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٢٧-٣٠].
وأما الأمَّارة بالسوء ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣].
وأما اللوامة ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢].
والإنسان يُحِسّ بنفسه بهذه الأنفس، يرى في نفسه أحيانًا نزعةَ خيرٍ، يحب الخير، يفعله، هذه هي النفس المطمئنة، يرى أحيانًا في نفسه نزعة شر يفعله، هذه نفس أَمَّارَة بالسوء، تأتي بعد ذلك النفس اللَّوَّامَة التي تلومه على ما فعل، فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لَوَّامَة أخرى تلومه على ما فعل من الخير -والعياذ بالله- فإن من الناس مَن قد يلوم نفسه على فعل الخير، وعلى مصاحبة أهل الخير، ويقول: كيف أصاحب هؤلاء الذين صَدُّونِي عن حياتي، عن شهواتي، عن لهوي، وما أشبه ذلك.
فاللَّوَّامَة نفس تلوم الأمارة بالسوء مرة، وتلوم المطمئنة مرة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نَفْسَيْن؛ تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء، وتُنَدِّم الإنسان، قد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير -نسأل الله العافية-.
يقول الله عز وجل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٤٠، ٤١]، الجنة هي دار النعيم التي أَعَدَّهَا الله عز وجل لأوليائه فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، هكذا جاء في القرآن، وجاء في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤/٢)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه الجنة يُدْرِكُها الإنسان قبل أن يموت، كيف ذلك؟ إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفسَ للخروج قالت: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله، وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢]، متى يقولونه؟ حين التوفي، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢].
فيُبَشَّر بالجنة فتخرج روحه راضية مُتَيَسِّرة سهلة، ولهذا لما حَدَّثَ النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، قالت عائشة: يا رسول الله، كلنا يكره الموت، قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ»، » كلنا يكره الموت بمقتضى الطبيعة، «وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِمَا يُبَشَّرُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٧) عن عبادة بن الصامت، ومسلم (٢٦٨٤/١٥) عن عائشة رضي الله عنهما. ]]، أحب الموت وسَهُل عليه، وإن الكافر إذا بُشِّر-والعياذ بالله- بما يسوؤه عند الموت كره لقاء الله، وهربت نفسه، تَفَرَّقَت في جسده حتى ينتزعوها منه كما يُنْتَزَع السَّفُّود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جُرَّ عليه السفود، وهو معروف عند الغَزَّالين، يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه، هكذا روح الكافر -والعياذ بالله- تتفرق في جسده؛ لأنها تُبَشَّر بالعذاب فتخاف، ولهذا يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يَسْوَدُّ وجهه، ولونه في الحياة أحمر، وحَدَّثَنِي مَن أثق به، وأقسم لي أكثر من مرة، وهو ممن يباشرون تغسيل الموتى، يقول: والله مَرَّت عَلَيَّ حالتان لا أنساهما أبدًا، يقول: غسَّلت اثنين لكن بينهما زمن، يقول: الوجه أسود والبدن طبيعي، أسود يقول: مثل الفحم -والعياذ بالله-أثنيه يقول: أنا أشهد، لأنه يُبَشَّر بما يسوؤه -والعياذ بالله- والإنسان إذا بُشِّرَ بما يسوؤه تَغَيَّر.
فالجنة -اللهم إنا نسألك أن نكون من أهلها جميعًا- الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقلت لكم: إن الإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يُبَشَّر به.
ولا يخفى علينا ما جاء في السيرة النبوية أن أنس بن النضر-أظنه أنس بن النضر-رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله إني لَأَجِدُ ريح الجنة دون أحد، وهذا ليس معناه الوجدان الذَّوْقِي، وجدان حقيقي، قال ابن القيم رحمه الله: إن بعض الناس قد يُدْرِك الآخرة وهو في الدنيا. ثم انطلق فقاتَل وقُتِل رضي الله عنه.
فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات ٤١، ٤٢].
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعني: يسألك الناس، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٦٣]، سؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين:
سؤال استبعاد وإنكار، وهذا كفر، كما سأل المشركون النبيَّ ﷺ عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨].
وسؤال عن الساعة، يسأل: متى الساعة؛ ليستعد لها، وهذا لا بأس به، وقد «قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله متى الساعة؟ قال له: «مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قال: حُبَّ الله ورسوله، قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢٣٨٥) عن أنس، والحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩/ ١٦١)، عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها». قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فَرِحْنَا بشيء فَرَحَنَا بقول النبي ﷺ: «أنت مع من أحببت». ]].
فالناس يسألون النبي عليه الصلاة والسلام ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، إنما مهما كانت نياتهم، ومهما كانت أسئلتهم، علم الساعة عند الله، ولهذا قال: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات ٤٣] يعني أنه لا يمكن أن تذكر لهم الساعة، لماذا؟ لأن علمها عند الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ١٨٧].
وقد سأل جبريل -وهو أعلم الرسل- سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعلم الخلق من البشر، «قال: أخبرني عن الساعة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/٥)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يعني: أنت إذا كانت خافية عليك فأنا خافية عليّ، وإذا كان أعلم الملائكة وأعلم البشر لا يعلمان متى الساعة فما بالك بِمَن دونهما، وبهذا نعرف أن ما يُشِيعُه بعض الناس من أن الساعة تكون في كذا وفي كذا وفي زمن معيَّن كله كذب، نعلم أنهم كَذَبَة في ذلك؛ لأنهم لا يعلمون متى الساعة، لا يعلمها إلا الله عز وجل.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات ٤٥] يعني: ليس عندك علم منها، ولكنك مُنْذِر، مُنْذِر مَن؟ ﴿يَخْشَاهَا﴾ أي: يخافها، وهم المؤمنون، أما مَن أنكرها واستبعدها وكذَّبها فإن الإنذار لا ينفع فيه، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
ولهذا نقول: أنت لا تسأل متى تموت، ولا أين تموت؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى السؤال، أمر مفروغ منه، ولابد أن يكون، ومهما طالت بك الدنيا فكأنما بقيت يومًا واحدًا، بل كما قال تعالى هنا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦].
ولكن السؤال الذي يجب أن يَرِدَ على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو: على أي حال تموت؟! وأريد بقولي: على أي حال، لست أريد: هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، لا، على أي حال تموت في العمل، هذه النقطة.
فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال فلا بد أن تستعد، لا بد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يَفْجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورُجِعَ به محمولًا على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول: هَيِّئُوا لي الطعام الغداء أو العشاء، ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قميصه وزَرَّ أَزِرَّتَه ولم يَفُكَّها إلا الغاسل يُغَسِّله، هذا أمر مشاهَد بحوادث بغتة، أي حال يكون.
أنت انظر الآن وفَكِّر على أي حال تموت-نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة والإنابة- ولهذا ينبغي لك أن تُكْثِر من الاستغفار، أكثر من الاستغفار ما استطعت؛ فإن الاستغفار فيه من كل هَمٍّ فَرَج، ومن كل ضيق مَخْرَج، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا استفتاك شخص فاسْتَغْفِر اللهَ قبل أن تُفْتِيَه؛ لأن الذنوب تَحُول بين الإنسان وبين الهدى، واسْتَنْبَط ذلك من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦]، ﴿لِتَحْكُمَ﴾ ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦].
وهذا استنباط جيد، ويمكن أيضًا أن يُسْتَنْبَط من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، والاستغفار من الهدى، لذلك أُوصِي نفسي وإياكم بالمراقبة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس حتى نكون على أهبة الاستعداد لما نخشى أن يَفْجَأَنَا من الموت-نسأل الله أن يُحْسِن لنا ولكم الخاتمة-.
قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات ٤٦] أي: يرون القيامة، ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]، العشية من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوال الشمس، يعني: كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم، وهذا هو الواقع، لو سألتكم الآن: كيف ما مضى من السنوات عليكم؟ هل تشعرون الآن بأنه سنوات، أو كأنه يوم واحد؟ كأنه يوم واحد، لا شك، والإنسان الآن بين ثلاثة أشياء: يوم مضى فهذا قد فاته، ويوم مستقبل لا يدري أيُدْرِكُه أو لا يدركه، ووقت حاضر هو المسؤول عنه، الوقت الحاضر، أما ما مضى فقد فات، وما فات فقد مات، هلك عنك، اللي مضى هلك عنك، والمستقبل لا تدري أتدركه أم لا، والحاضر هو الذي أنت مسؤول عنه.
نسأل الله تعالى أن يُحْسِن لي ولكم العاقبة، وأن يجعل عاقبتنا حميدة، وخاتمتنا سعيدة، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
النازعات 79:45
مقرر في كل يوم خميس -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها لقاءات مباركة- نبتدئ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل، وقد بدأنا من سورة النبأ إلى آخر القرآن، ونحن الآن على قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، إلى آخره.
يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده، يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وأراد بهذا الاستفهام تقرير إمكان البعث؛لأن المشركين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبعث، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فيقول الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾؟
الجواب معلوم لكل أحد أنه السماء، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧].
﴿بَنَاهَا﴾ هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارئ إذا قرأ أن يقف على قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾، ثم يستأنف فيقول: ﴿بَنَاهَا﴾، فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء.
﴿بَنَاهَا﴾ أي: بناها الله عز وجل، وقد بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة، فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧].
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨] رفعه يعني: عن الأرض، ورفعه عز وجل بغير عَمَدٍ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد ٢].
﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: جعلها مستوية، وجعلها تامَّة كاملة، كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧]، أي: جعلك سَوِيًّا تامّ الخِلْقَة، فالسماء كذلك سَوَّاهَا الله عز وجل.
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٢٩] أغطشه، أي: أَظْلَمَه، فالليل مُظْلِم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢].
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: بيَّنَه بالشمس التي تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب في مغربها.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٠-٣٣]، ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد خلق السماوات والأرض.
﴿دَحَاهَا﴾ وبيّن هذا الدَّحْوَ بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾، وكانت الأرض مخلوقة قبل السماء، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩-١٢]، فالأرض مخلوقة من قبل السماء، لكنّ دَحْوَهَا وإخراج الماء منها والمرعى كان بعد خلق السماوات.
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي: جعلها راسية في الأرض تُمْسِكُ الأرض لئلا تضطرب بالخلق.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي: جعل الله تعالى ذلك متاعًا لنا نتمتع به فيما نأكل ونشرب، ولأنعامنا أي: مواشينا من الإبل والبقر والغنم وغيرها، ولما ذَكَّر الله عز وجل عباده بهذه النعم الدالة على كمال قدرته ذَكَّرَهم بمآلهم الحتمي الذي لا بد منه، فقال عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، وذلك قيام الساعة، وسَمَّاهَا طامَّة؛ لأنها داهية عظيمة تَطُمّ كل شيء سبقها، (كبرى) يعني: أكبر من كل طامة.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات ٣٤، ٣٥] بيان لهذا اليوم الذي تكون فيه الطامة الكبرى، وهو اليوم الذي يتذكر فيه الإنسان ما سعى، كيف يتذكره؟ يتذكره مكتوبًا، مكتوبًا عنده يقرؤه هو بنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، إذا قرأه تذَكَّر ما سعى، أي: ما عمل، أما اليوم فإننا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالًا كثيرة، منها الصالح، ومنها اللغو، ومنها السيئ، لكن كل هذا ننساه، في يوم القيامة يُعْرَض علينا هذا في كتاب، ويقال: اقرأ كتابك أنت بنفسك، ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، فحينئذ يتذكر ما سعى. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ ٤٠].
ثم قال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات ٣٦] -أعاذنا الله وإياكم منها- ﴿بُرِّزَتِ﴾: أُظْهِرَت، تجيء تُقَادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام فيه سبعون ألف مَلَك يقودونها، إذا أُلْقِيَ منها الظالمون مكانًا ضيقًا مُقَرَّنِين دَعَوْا هنالك ثبورًا، تأتي -والعياذ بالله- لمن يرى ويُبْصِر، فتنخلع القلوب ويشيب المولود.
ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧-٣٩]، هذان وصفان هما وصفان لأهل النار؛ الطغيان وهو مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا على الآخرة بتقديمها على الآخرة، وكونها أكبر هَمّ الإنسان.
فإذا قال قائل: ما هو الطغيان؟ قلنا: الطغيان مجاوزة الحد، كما ذكرناه آنفًا، مجاوزة الحد بماذا؟ ما هو حد الإنسان؟ حد الإنسان مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، فمن جاوز حَدَّهُ ولم يعبد الله فهذا هو الطاغي، هذا هو الطاغي؛ لأنه تجاوز الحد، أنت مخلوق لا لتأكل وتتنعم وتتمتع كما يتمتع الأنعام، أنت مخلوق لعبادة الله، فاعبد الله عز وجل، فإن لم تفعل فقد طغيت، هذا هو الطغيان؛ ألَّا يقوم الإنسان بعبادة الله.
وقوله ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ هما متلازمان، فإن الطاغي عن عبادة الله مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا؛ لأنه يتعلَّل بها عن طاعة الله، يتلهى بها عن طاعة الله، إذا أَذَّنَ الفجر آثَرَ النوم على الصلاة، إذا قيل له: اذكر الله، آثَرَ اللغو على ذِكْر الله، وهكذا.
وقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: هي مأواه، والمأوى هو الْمَرْجِع والْمَقَرّ، وبئس المقر مقر جهنم-أعاذنا الله وإياكم منها-.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات ٤٠] يعني: خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يُقَرِّرُه الله عز وجل بذنوبه، ويقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا أَقَرَّ قال الله له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨/٥٢)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، هذا الذي خاف هذا المقام.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات ٤٠] أي: عن هواها، والنفس أمَّارة بالسوء، لا تأمر إلا بالشر، ولكن هناك نفس أخرى تقابلها، وهي النفس المطمئنة؛ لأن للإنسان ثلاث نفوس: مطمئنة، وأمَّارة، ولوَّامَة، وكلها في القرآن.
أما المطمئنة ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٢٧-٣٠].
وأما الأمَّارة بالسوء ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣].
وأما اللوامة ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢].
والإنسان يُحِسّ بنفسه بهذه الأنفس، يرى في نفسه أحيانًا نزعةَ خيرٍ، يحب الخير، يفعله، هذه هي النفس المطمئنة، يرى أحيانًا في نفسه نزعة شر يفعله، هذه نفس أَمَّارَة بالسوء، تأتي بعد ذلك النفس اللَّوَّامَة التي تلومه على ما فعل، فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لَوَّامَة أخرى تلومه على ما فعل من الخير -والعياذ بالله- فإن من الناس مَن قد يلوم نفسه على فعل الخير، وعلى مصاحبة أهل الخير، ويقول: كيف أصاحب هؤلاء الذين صَدُّونِي عن حياتي، عن شهواتي، عن لهوي، وما أشبه ذلك.
فاللَّوَّامَة نفس تلوم الأمارة بالسوء مرة، وتلوم المطمئنة مرة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نَفْسَيْن؛ تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء، وتُنَدِّم الإنسان، قد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير -نسأل الله العافية-.
يقول الله عز وجل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٤٠، ٤١]، الجنة هي دار النعيم التي أَعَدَّهَا الله عز وجل لأوليائه فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، هكذا جاء في القرآن، وجاء في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤/٢)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه الجنة يُدْرِكُها الإنسان قبل أن يموت، كيف ذلك؟ إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفسَ للخروج قالت: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله، وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢]، متى يقولونه؟ حين التوفي، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢].
فيُبَشَّر بالجنة فتخرج روحه راضية مُتَيَسِّرة سهلة، ولهذا لما حَدَّثَ النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، قالت عائشة: يا رسول الله، كلنا يكره الموت، قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ»، » كلنا يكره الموت بمقتضى الطبيعة، «وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِمَا يُبَشَّرُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٧) عن عبادة بن الصامت، ومسلم (٢٦٨٤/١٥) عن عائشة رضي الله عنهما. ]]، أحب الموت وسَهُل عليه، وإن الكافر إذا بُشِّر-والعياذ بالله- بما يسوؤه عند الموت كره لقاء الله، وهربت نفسه، تَفَرَّقَت في جسده حتى ينتزعوها منه كما يُنْتَزَع السَّفُّود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جُرَّ عليه السفود، وهو معروف عند الغَزَّالين، يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه، هكذا روح الكافر -والعياذ بالله- تتفرق في جسده؛ لأنها تُبَشَّر بالعذاب فتخاف، ولهذا يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يَسْوَدُّ وجهه، ولونه في الحياة أحمر، وحَدَّثَنِي مَن أثق به، وأقسم لي أكثر من مرة، وهو ممن يباشرون تغسيل الموتى، يقول: والله مَرَّت عَلَيَّ حالتان لا أنساهما أبدًا، يقول: غسَّلت اثنين لكن بينهما زمن، يقول: الوجه أسود والبدن طبيعي، أسود يقول: مثل الفحم -والعياذ بالله-أثنيه يقول: أنا أشهد، لأنه يُبَشَّر بما يسوؤه -والعياذ بالله- والإنسان إذا بُشِّرَ بما يسوؤه تَغَيَّر.
فالجنة -اللهم إنا نسألك أن نكون من أهلها جميعًا- الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقلت لكم: إن الإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يُبَشَّر به.
ولا يخفى علينا ما جاء في السيرة النبوية أن أنس بن النضر-أظنه أنس بن النضر-رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله إني لَأَجِدُ ريح الجنة دون أحد، وهذا ليس معناه الوجدان الذَّوْقِي، وجدان حقيقي، قال ابن القيم رحمه الله: إن بعض الناس قد يُدْرِك الآخرة وهو في الدنيا. ثم انطلق فقاتَل وقُتِل رضي الله عنه.
فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات ٤١، ٤٢].
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعني: يسألك الناس، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٦٣]، سؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين:
سؤال استبعاد وإنكار، وهذا كفر، كما سأل المشركون النبيَّ ﷺ عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨].
وسؤال عن الساعة، يسأل: متى الساعة؛ ليستعد لها، وهذا لا بأس به، وقد «قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله متى الساعة؟ قال له: «مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قال: حُبَّ الله ورسوله، قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢٣٨٥) عن أنس، والحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩/ ١٦١)، عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها». قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فَرِحْنَا بشيء فَرَحَنَا بقول النبي ﷺ: «أنت مع من أحببت». ]].
فالناس يسألون النبي عليه الصلاة والسلام ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، إنما مهما كانت نياتهم، ومهما كانت أسئلتهم، علم الساعة عند الله، ولهذا قال: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات ٤٣] يعني أنه لا يمكن أن تذكر لهم الساعة، لماذا؟ لأن علمها عند الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ١٨٧].
وقد سأل جبريل -وهو أعلم الرسل- سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعلم الخلق من البشر، «قال: أخبرني عن الساعة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/٥)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يعني: أنت إذا كانت خافية عليك فأنا خافية عليّ، وإذا كان أعلم الملائكة وأعلم البشر لا يعلمان متى الساعة فما بالك بِمَن دونهما، وبهذا نعرف أن ما يُشِيعُه بعض الناس من أن الساعة تكون في كذا وفي كذا وفي زمن معيَّن كله كذب، نعلم أنهم كَذَبَة في ذلك؛ لأنهم لا يعلمون متى الساعة، لا يعلمها إلا الله عز وجل.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات ٤٥] يعني: ليس عندك علم منها، ولكنك مُنْذِر، مُنْذِر مَن؟ ﴿يَخْشَاهَا﴾ أي: يخافها، وهم المؤمنون، أما مَن أنكرها واستبعدها وكذَّبها فإن الإنذار لا ينفع فيه، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
ولهذا نقول: أنت لا تسأل متى تموت، ولا أين تموت؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى السؤال، أمر مفروغ منه، ولابد أن يكون، ومهما طالت بك الدنيا فكأنما بقيت يومًا واحدًا، بل كما قال تعالى هنا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦].
ولكن السؤال الذي يجب أن يَرِدَ على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو: على أي حال تموت؟! وأريد بقولي: على أي حال، لست أريد: هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، لا، على أي حال تموت في العمل، هذه النقطة.
فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال فلا بد أن تستعد، لا بد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يَفْجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورُجِعَ به محمولًا على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول: هَيِّئُوا لي الطعام الغداء أو العشاء، ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قميصه وزَرَّ أَزِرَّتَه ولم يَفُكَّها إلا الغاسل يُغَسِّله، هذا أمر مشاهَد بحوادث بغتة، أي حال يكون.
أنت انظر الآن وفَكِّر على أي حال تموت-نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة والإنابة- ولهذا ينبغي لك أن تُكْثِر من الاستغفار، أكثر من الاستغفار ما استطعت؛ فإن الاستغفار فيه من كل هَمٍّ فَرَج، ومن كل ضيق مَخْرَج، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا استفتاك شخص فاسْتَغْفِر اللهَ قبل أن تُفْتِيَه؛ لأن الذنوب تَحُول بين الإنسان وبين الهدى، واسْتَنْبَط ذلك من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦]، ﴿لِتَحْكُمَ﴾ ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦].
وهذا استنباط جيد، ويمكن أيضًا أن يُسْتَنْبَط من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، والاستغفار من الهدى، لذلك أُوصِي نفسي وإياكم بالمراقبة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس حتى نكون على أهبة الاستعداد لما نخشى أن يَفْجَأَنَا من الموت-نسأل الله أن يُحْسِن لنا ولكم الخاتمة-.
قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات ٤٦] أي: يرون القيامة، ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]، العشية من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوال الشمس، يعني: كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم، وهذا هو الواقع، لو سألتكم الآن: كيف ما مضى من السنوات عليكم؟ هل تشعرون الآن بأنه سنوات، أو كأنه يوم واحد؟ كأنه يوم واحد، لا شك، والإنسان الآن بين ثلاثة أشياء: يوم مضى فهذا قد فاته، ويوم مستقبل لا يدري أيُدْرِكُه أو لا يدركه، ووقت حاضر هو المسؤول عنه، الوقت الحاضر، أما ما مضى فقد فات، وما فات فقد مات، هلك عنك، اللي مضى هلك عنك، والمستقبل لا تدري أتدركه أم لا، والحاضر هو الذي أنت مسؤول عنه.
نسأل الله تعالى أن يُحْسِن لي ولكم العاقبة، وأن يجعل عاقبتنا حميدة، وخاتمتنا سعيدة، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
النازعات 79:46
مقرر في كل يوم خميس -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها لقاءات مباركة- نبتدئ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل، وقد بدأنا من سورة النبأ إلى آخر القرآن، ونحن الآن على قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، إلى آخره.
يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده، يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وأراد بهذا الاستفهام تقرير إمكان البعث؛لأن المشركين كذَّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبعث، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فيقول الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾؟
الجواب معلوم لكل أحد أنه السماء، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧].
﴿بَنَاهَا﴾ هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارئ إذا قرأ أن يقف على قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾، ثم يستأنف فيقول: ﴿بَنَاهَا﴾، فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء.
﴿بَنَاهَا﴾ أي: بناها الله عز وجل، وقد بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة، فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧].
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨] رفعه يعني: عن الأرض، ورفعه عز وجل بغير عَمَدٍ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد ٢].
﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: جعلها مستوية، وجعلها تامَّة كاملة، كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧]، أي: جعلك سَوِيًّا تامّ الخِلْقَة، فالسماء كذلك سَوَّاهَا الله عز وجل.
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٢٩] أغطشه، أي: أَظْلَمَه، فالليل مُظْلِم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢].
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: بيَّنَه بالشمس التي تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب في مغربها.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٠-٣٣]، ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد خلق السماوات والأرض.
﴿دَحَاهَا﴾ وبيّن هذا الدَّحْوَ بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾، وكانت الأرض مخلوقة قبل السماء، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩-١٢]، فالأرض مخلوقة من قبل السماء، لكنّ دَحْوَهَا وإخراج الماء منها والمرعى كان بعد خلق السماوات.
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي: جعلها راسية في الأرض تُمْسِكُ الأرض لئلا تضطرب بالخلق.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي: جعل الله تعالى ذلك متاعًا لنا نتمتع به فيما نأكل ونشرب، ولأنعامنا أي: مواشينا من الإبل والبقر والغنم وغيرها، ولما ذَكَّر الله عز وجل عباده بهذه النعم الدالة على كمال قدرته ذَكَّرَهم بمآلهم الحتمي الذي لا بد منه، فقال عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، وذلك قيام الساعة، وسَمَّاهَا طامَّة؛ لأنها داهية عظيمة تَطُمّ كل شيء سبقها، (كبرى) يعني: أكبر من كل طامة.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات ٣٤، ٣٥] بيان لهذا اليوم الذي تكون فيه الطامة الكبرى، وهو اليوم الذي يتذكر فيه الإنسان ما سعى، كيف يتذكره؟ يتذكره مكتوبًا، مكتوبًا عنده يقرؤه هو بنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، إذا قرأه تذَكَّر ما سعى، أي: ما عمل، أما اليوم فإننا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالًا كثيرة، منها الصالح، ومنها اللغو، ومنها السيئ، لكن كل هذا ننساه، في يوم القيامة يُعْرَض علينا هذا في كتاب، ويقال: اقرأ كتابك أنت بنفسك، ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، فحينئذ يتذكر ما سعى. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ ٤٠].
ثم قال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات ٣٦] -أعاذنا الله وإياكم منها- ﴿بُرِّزَتِ﴾: أُظْهِرَت، تجيء تُقَادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام فيه سبعون ألف مَلَك يقودونها، إذا أُلْقِيَ منها الظالمون مكانًا ضيقًا مُقَرَّنِين دَعَوْا هنالك ثبورًا، تأتي -والعياذ بالله- لمن يرى ويُبْصِر، فتنخلع القلوب ويشيب المولود.
ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧-٣٩]، هذان وصفان هما وصفان لأهل النار؛ الطغيان وهو مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا على الآخرة بتقديمها على الآخرة، وكونها أكبر هَمّ الإنسان.
فإذا قال قائل: ما هو الطغيان؟ قلنا: الطغيان مجاوزة الحد، كما ذكرناه آنفًا، مجاوزة الحد بماذا؟ ما هو حد الإنسان؟ حد الإنسان مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، فمن جاوز حَدَّهُ ولم يعبد الله فهذا هو الطاغي، هذا هو الطاغي؛ لأنه تجاوز الحد، أنت مخلوق لا لتأكل وتتنعم وتتمتع كما يتمتع الأنعام، أنت مخلوق لعبادة الله، فاعبد الله عز وجل، فإن لم تفعل فقد طغيت، هذا هو الطغيان؛ ألَّا يقوم الإنسان بعبادة الله.
وقوله ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ هما متلازمان، فإن الطاغي عن عبادة الله مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا؛ لأنه يتعلَّل بها عن طاعة الله، يتلهى بها عن طاعة الله، إذا أَذَّنَ الفجر آثَرَ النوم على الصلاة، إذا قيل له: اذكر الله، آثَرَ اللغو على ذِكْر الله، وهكذا.
وقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: هي مأواه، والمأوى هو الْمَرْجِع والْمَقَرّ، وبئس المقر مقر جهنم-أعاذنا الله وإياكم منها-.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات ٤٠] يعني: خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يُقَرِّرُه الله عز وجل بذنوبه، ويقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا أَقَرَّ قال الله له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨/٥٢)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، هذا الذي خاف هذا المقام.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات ٤٠] أي: عن هواها، والنفس أمَّارة بالسوء، لا تأمر إلا بالشر، ولكن هناك نفس أخرى تقابلها، وهي النفس المطمئنة؛ لأن للإنسان ثلاث نفوس: مطمئنة، وأمَّارة، ولوَّامَة، وكلها في القرآن.
أما المطمئنة ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٢٧-٣٠].
وأما الأمَّارة بالسوء ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣].
وأما اللوامة ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢].
والإنسان يُحِسّ بنفسه بهذه الأنفس، يرى في نفسه أحيانًا نزعةَ خيرٍ، يحب الخير، يفعله، هذه هي النفس المطمئنة، يرى أحيانًا في نفسه نزعة شر يفعله، هذه نفس أَمَّارَة بالسوء، تأتي بعد ذلك النفس اللَّوَّامَة التي تلومه على ما فعل، فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لَوَّامَة أخرى تلومه على ما فعل من الخير -والعياذ بالله- فإن من الناس مَن قد يلوم نفسه على فعل الخير، وعلى مصاحبة أهل الخير، ويقول: كيف أصاحب هؤلاء الذين صَدُّونِي عن حياتي، عن شهواتي، عن لهوي، وما أشبه ذلك.
فاللَّوَّامَة نفس تلوم الأمارة بالسوء مرة، وتلوم المطمئنة مرة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نَفْسَيْن؛ تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء، وتُنَدِّم الإنسان، قد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير -نسأل الله العافية-.
يقول الله عز وجل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٤٠، ٤١]، الجنة هي دار النعيم التي أَعَدَّهَا الله عز وجل لأوليائه فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، هكذا جاء في القرآن، وجاء في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤/٢)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه الجنة يُدْرِكُها الإنسان قبل أن يموت، كيف ذلك؟ إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفسَ للخروج قالت: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله، وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢]، متى يقولونه؟ حين التوفي، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢].
فيُبَشَّر بالجنة فتخرج روحه راضية مُتَيَسِّرة سهلة، ولهذا لما حَدَّثَ النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، قالت عائشة: يا رسول الله، كلنا يكره الموت، قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ»، » كلنا يكره الموت بمقتضى الطبيعة، «وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِمَا يُبَشَّرُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٧) عن عبادة بن الصامت، ومسلم (٢٦٨٤/١٥) عن عائشة رضي الله عنهما. ]]، أحب الموت وسَهُل عليه، وإن الكافر إذا بُشِّر-والعياذ بالله- بما يسوؤه عند الموت كره لقاء الله، وهربت نفسه، تَفَرَّقَت في جسده حتى ينتزعوها منه كما يُنْتَزَع السَّفُّود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جُرَّ عليه السفود، وهو معروف عند الغَزَّالين، يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه، هكذا روح الكافر -والعياذ بالله- تتفرق في جسده؛ لأنها تُبَشَّر بالعذاب فتخاف، ولهذا يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يَسْوَدُّ وجهه، ولونه في الحياة أحمر، وحَدَّثَنِي مَن أثق به، وأقسم لي أكثر من مرة، وهو ممن يباشرون تغسيل الموتى، يقول: والله مَرَّت عَلَيَّ حالتان لا أنساهما أبدًا، يقول: غسَّلت اثنين لكن بينهما زمن، يقول: الوجه أسود والبدن طبيعي، أسود يقول: مثل الفحم -والعياذ بالله-أثنيه يقول: أنا أشهد، لأنه يُبَشَّر بما يسوؤه -والعياذ بالله- والإنسان إذا بُشِّرَ بما يسوؤه تَغَيَّر.
فالجنة -اللهم إنا نسألك أن نكون من أهلها جميعًا- الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقلت لكم: إن الإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يُبَشَّر به.
ولا يخفى علينا ما جاء في السيرة النبوية أن أنس بن النضر-أظنه أنس بن النضر-رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله إني لَأَجِدُ ريح الجنة دون أحد، وهذا ليس معناه الوجدان الذَّوْقِي، وجدان حقيقي، قال ابن القيم رحمه الله: إن بعض الناس قد يُدْرِك الآخرة وهو في الدنيا. ثم انطلق فقاتَل وقُتِل رضي الله عنه.
فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات ٤١، ٤٢].
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعني: يسألك الناس، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٦٣]، سؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين:
سؤال استبعاد وإنكار، وهذا كفر، كما سأل المشركون النبيَّ ﷺ عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨].
وسؤال عن الساعة، يسأل: متى الساعة؛ ليستعد لها، وهذا لا بأس به، وقد «قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله متى الساعة؟ قال له: «مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قال: حُبَّ الله ورسوله، قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢٣٨٥) عن أنس، والحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩/ ١٦١)، عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها». قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فَرِحْنَا بشيء فَرَحَنَا بقول النبي ﷺ: «أنت مع من أحببت». ]].
فالناس يسألون النبي عليه الصلاة والسلام ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، إنما مهما كانت نياتهم، ومهما كانت أسئلتهم، علم الساعة عند الله، ولهذا قال: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات ٤٣] يعني أنه لا يمكن أن تذكر لهم الساعة، لماذا؟ لأن علمها عند الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ١٨٧].
وقد سأل جبريل -وهو أعلم الرسل- سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعلم الخلق من البشر، «قال: أخبرني عن الساعة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/٥)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يعني: أنت إذا كانت خافية عليك فأنا خافية عليّ، وإذا كان أعلم الملائكة وأعلم البشر لا يعلمان متى الساعة فما بالك بِمَن دونهما، وبهذا نعرف أن ما يُشِيعُه بعض الناس من أن الساعة تكون في كذا وفي كذا وفي زمن معيَّن كله كذب، نعلم أنهم كَذَبَة في ذلك؛ لأنهم لا يعلمون متى الساعة، لا يعلمها إلا الله عز وجل.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات ٤٥] يعني: ليس عندك علم منها، ولكنك مُنْذِر، مُنْذِر مَن؟ ﴿يَخْشَاهَا﴾ أي: يخافها، وهم المؤمنون، أما مَن أنكرها واستبعدها وكذَّبها فإن الإنذار لا ينفع فيه، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
ولهذا نقول: أنت لا تسأل متى تموت، ولا أين تموت؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى السؤال، أمر مفروغ منه، ولابد أن يكون، ومهما طالت بك الدنيا فكأنما بقيت يومًا واحدًا، بل كما قال تعالى هنا: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦].
ولكن السؤال الذي يجب أن يَرِدَ على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو: على أي حال تموت؟! وأريد بقولي: على أي حال، لست أريد: هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، لا، على أي حال تموت في العمل، هذه النقطة.
فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال فلا بد أن تستعد، لا بد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يَفْجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورُجِعَ به محمولًا على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول: هَيِّئُوا لي الطعام الغداء أو العشاء، ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قميصه وزَرَّ أَزِرَّتَه ولم يَفُكَّها إلا الغاسل يُغَسِّله، هذا أمر مشاهَد بحوادث بغتة، أي حال يكون.
أنت انظر الآن وفَكِّر على أي حال تموت-نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة والإنابة- ولهذا ينبغي لك أن تُكْثِر من الاستغفار، أكثر من الاستغفار ما استطعت؛ فإن الاستغفار فيه من كل هَمٍّ فَرَج، ومن كل ضيق مَخْرَج، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا استفتاك شخص فاسْتَغْفِر اللهَ قبل أن تُفْتِيَه؛ لأن الذنوب تَحُول بين الإنسان وبين الهدى، واسْتَنْبَط ذلك من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦]، ﴿لِتَحْكُمَ﴾ ﴿اسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦].
وهذا استنباط جيد، ويمكن أيضًا أن يُسْتَنْبَط من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، والاستغفار من الهدى، لذلك أُوصِي نفسي وإياكم بالمراقبة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس حتى نكون على أهبة الاستعداد لما نخشى أن يَفْجَأَنَا من الموت-نسأل الله أن يُحْسِن لنا ولكم الخاتمة-.
قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات ٤٦] أي: يرون القيامة، ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]، العشية من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوال الشمس، يعني: كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم، وهذا هو الواقع، لو سألتكم الآن: كيف ما مضى من السنوات عليكم؟ هل تشعرون الآن بأنه سنوات، أو كأنه يوم واحد؟ كأنه يوم واحد، لا شك، والإنسان الآن بين ثلاثة أشياء: يوم مضى فهذا قد فاته، ويوم مستقبل لا يدري أيُدْرِكُه أو لا يدركه، ووقت حاضر هو المسؤول عنه، الوقت الحاضر، أما ما مضى فقد فات، وما فات فقد مات، هلك عنك، اللي مضى هلك عنك، والمستقبل لا تدري أتدركه أم لا، والحاضر هو الذي أنت مسؤول عنه.
نسأل الله تعالى أن يُحْسِن لي ولكم العاقبة، وأن يجعل عاقبتنا حميدة، وخاتمتنا سعيدة، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عبس 80:1
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:2
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:3
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:4
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:5
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:6
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:7
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:8
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:9
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:10
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:11
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:12
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:13
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:14
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:15
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:16
﴿ ﴾
ثم نعود إلى ما اعتدناه من افتتاح هذه الجلسة، بل هذا اللقاء، آيات من كتاب الله اخترنا أن تكون آيات الجزء الأخير من القرآن؛ لكثرة ترددها على المسلمين في صلاتهم، وقد أنهينا بحمد الله وتوفيقه سورتين؛ سورة عم، وسورة النازعات، والآن نبدأ بالسورة الثالثة (عبس وتولى أن جاءه الأعمى).
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يُدْرِيك لعله يذَّكَّر أي: يتعظ، فتنفعه الموعظة، فإنه رضي الله عنه أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
ثم قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس ٥-٧]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ يعني: استغنى بماله؛ لكثرته، استغنى بجاهه؛ لقوته، فهذا ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرَّض وتطلب إقباله عليك وتُقْبِل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكَّ هذا المستغني؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ، فتجدون أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أقرب إلى التزكّي من هؤلاء العظماء، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وأن هؤلاء إذا لم يتزكوا مع إقبال الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم فإنه ليس عليه منهم شيء.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكّ؛ لأن إثمه عليه، وليس عليك إلا البلاغ.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ٨-١٠] هذا مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس ٥، ٦].
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: يستعجل من أجل انتهاز الفرصة إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يخاف الله عز وجل بقلبه.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتلهى عنه وتتغافل، لماذا؟ لأنه انشغل برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لا تفعل مثل هذا، ولهذا نقول: إن (كلا) هنا حرف ردع وزجر، أي: لا تفعل مثل ما فعلت.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تُذَكِّر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه، وتذكر له ما يضره وتحذره منه، ويتعظ بها القلب.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس ١٢] أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ، ومَن شاء لم يتعظ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، فالله جعل للإنسان الخيار، الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا، جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر.
وليس الإنسان مخيرًا شرعًا بين الكفر والإيمان، بل هو مأمور بالإيمان ومفروض عليه الإيمان، لكن من حيث القدر هو مخيَّر، وليس كما يزعم بعض الناس مُسَيَّرًا مُجْبَرًا على عمله، بل هذا قول مُبْتَدَع ابتدعه الجبرية من الجهمية وغيرهم، لأن الإنسان في الحقيقة مُخَيَّر، ولذلك إذا وقع الأمر بغير اختياره، مثل أن يكون مُكْرَهًا فإنه لا عبرة بفعله.
المهم أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: ذكر ما نزل من الوحي فاتعظ به، يعني: ومَن شاء لم يذكره، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله عز وجل.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣-١٦]، أي أن هذا الذِّكْر الذي تضمنته هذه الآيات ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: معظَّمَة عند الله، والصُّحُف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يُكْتَب فيه القول.
هذه الصحف ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم كَتَبَة، مأخوذة من السَّفَر أو من السَّفْرِ وهو الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]، وقيل: السَّفَرَة الوسطاء بين الله وبين خلقه، من السفير وهو الواسطة بين الناس، ومنه حديث أبي رافع رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة قبل أن يُحْرِم، قال: وكنتُ السفير بينهما»[[أخرجه الترمذي (٨٤١).]]، أي: الواسطة.
المهم أن السَّفَرة هم الملائكة، وسُمُّوا سَفَرة؛ لأنهم كَتَبَة يكتبون، وسُمُّوا سَفَرَة لأنهم سفراء بين الله وبين الخلق، فجبريل عليه الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين الخلق في النزول بالوحي، والكَتَبَة الذين يكتبون ما يعمل الإنسان أيضًا يكتبونه ويبلِّغُونه إلى الله عز وجل، والله تعالى عالم به حين كتابته وقبل كتابته.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ كرام في أخلاقهم، كرام في خِلْقَتِهم أيضًا؛ لأنهم على أحسن خِلْقَة، وعلى أحسن خُلق، ولهذا وصف الله الملائكة بأنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون، وأنهم عليهم الصلاة والسلام لا يستكبرون عن عبادة الله ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠].
هذه الآيات كما سمعتم فيها تأديب من الله عز وجل للخلق ألَّا يكون همهم هَمًّا شخصيًّا، بل يكون هَمُّهم هَمًّا معنويًّا، وألَّا يفضِّلوا في الدعوة إلى الله شريفًا لشرفه، ولا عظيمًا لعظمته، ولا قريبًا لقربه، بل يكون الناس عندهم سواء في الدعوة إلى الله؛ الفقير والغني، الكبير والصغير، القريب والبعيد.
وفيها أيضًا تَلَطُّف الله عز وجل بمخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال في أولها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثلاث آيات لم يخاطب الله فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها توبيخ شديد، فلو وُجِّهَت إلى الرسول بالخطاب لكان فيه ما فيه، لكن جاءت بالغيبة ﴿عَبَسَ﴾، وإلا لكان مقتضى الحال أن يقول: عبست وتوليت، أن جاءك الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَّى، ولكنه قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
فجعل الحكم للغائب كراهية أن يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات الغليظة الشديدة، ولأجل ألَّا يقع في مثل ذلك مَن يقع من هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه العزيز بأنه بلسان عربي مبين، وهذا من بيانه.
وفي الآيات أيضًا دليل على جواز لقب الإنسان بوصفه مثل: الأعمى والأعرج والأعمش، وقد كان العلماء يفعلون هذا، فما أكثر ما يَرِد عليكم: الأعرج عن أبي هريرة، الأعمش عن ابن مسعود، وهكذا.
قال أهل العلم: واللقب بالعيب إذا كان المقصود به تعيين الشخص فلا بأس به، وأما إذا كان المقصود به تعيير الشخص فإنه حرام؛ لأن الأول -إذا كان المقصود به تبيين الشخص- تدعو الحاجة إليه، والثاني -إذا كان المقصود به التعيير- فإنه لا يُقْصَد به التبيين، وإنما يُقْصَد به الشماتة، وقد جاء في الأثر: «لا تُظْهِر الشماتة في أخيك فيعافِيَه الله ويبتليك»[[أخرجه الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع.]].
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والسلامة في الدنيا والآخرة.
* * *
(...) قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
عبس 80:17
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:18
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:19
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:20
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:21
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:22
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:23
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:24
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:25
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:26
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:27
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:28
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:29
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:30
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:31
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:32
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:33
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:34
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:35
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:36
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:37
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:38
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:39
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:40
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:41
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عبس 80:42
ثم قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧]، ﴿قُتِلَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، فمن العلماء من يقول: إن معناها: لُعِن، والذي يظهر أن معناها أُهْلِك؛ لأن القتل يكون به الهلاك، وهو أسلوب تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون –مثلًا-: قُتِلَ فلان ما أسوأ خُلُقَه، قُتِل فلان ما أخبثه! وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار، كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا آدَمُ -يقول ذلك يوم القيامة- فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة، فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس، ويخرج المؤمن من ذلك بما دَلَّت عليه النصوص الأخرى.
وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَا﴾ هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب، يعني: ما أعظم كُفْرَه! وإنما كان كفر الإنسان عظيمًا؛ لأن الله أعطاه عقلًا، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأَمَدَّهُ بكل ما يحتاج إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيمًا.
والفرق بين القولين أنه على القول الأول تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، أي: ما الذي أَكْفَرَه؟ وعلى القول الثاني تكون تعجبية، يعني: عجبًا له كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى!!
والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه إنكار البعث، فإن كثيرًا من الكفار كذَّبُوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يُبْعَث الناس بعد أن كانت عظامهم رميمًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].
ولهذا قال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، يعني: أنت أيها الإنسان كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خُلِقْتَ؟ ألم تُخْلَق من العدم؟ لم تكن شيئًا مذكورًا من قبل فوُجِدْتَ وصِرْتَ إنسانًا، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة فتحمل.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله مُقَدَّرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،» -يعني أربعين يومًا نطفة- «ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١).]].
فهو مُقَدَّر في بطن أمه، مَن الذي يُقَدِّره هذا التقدير؟ مَن الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة من دم أمه إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل هنا بمعنى الطريق، يعني: يَسَّرَ له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة.
ويَسَّرَ له أيضًا بعد ذلك ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، يسر له ثَدْيَيْ أمه يتغذى بهما، ويَسَّرَ له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويَسَّرَ له فوق هذا كله وما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.
ثم بعد هذا ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، الموت مفارقة الروح للبدن، و﴿أَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سَتْرًا عليه وإكرامًا واحترامًا؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات جُثَثًا ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة للميت ولأهل الميت، ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده هذا الدفن.
ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ قال: أكرمه بدفنه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ إذا شاء الله عز وجل، ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بَعَثَهُ يوم النشور ليجازيه على عمله.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أنه لا يُعْجِزُه عز وجل أن يُنْشِرَه لكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لم)، لكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لم يَقْضِ ما أمره، أي: ما أمر به كونًا وقدرًا، أي أن الأمر لم يتم لنشر أو لإنشار هذا الميت، بل له موعد مُنْتَظَر.
وفي هذا رَدٌّ على المكذِّبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقًّا لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تَقُل لهم: إنكم تُبْعَثُون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تُبْعَثُون جميعًا بعد أن تموتوا جميعًا.
ثم قال عز وجل مُذَكِّرًا للإنسان بما أنعم الله عليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس ٢٤، ٢٥]، أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء، ومَن جاء به؟ وهل أحدٌ خَلَقَه؟ لا.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٣-٦٧]، من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى ويَسَّرَ الحصول عليه حتى كان طعامًا لنا؟ هو الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨-٧٠].
وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، من أين جاءه؟
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٢٧-٣١].
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالبُرّ والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ معروف، ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القَتّ المعروف، ﴿زَيْتُونًا﴾ معروف، ﴿وَنَخْلًا﴾ كذلك، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق جمع حديقة، والغُلْب: كثيرة الأشجار، ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يَتَفَكَّه به الإنسان من أنواع الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ الأبّ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] يعني أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم به أَوْدُكم، وتتمتعون بها أيضًا بالتَّفَكُّه بهذه النعم.
ثم لما ذَكَّر الله عز وجل الإنسان بحاله منذ خُلِقَ من نطفة حتى بقي في الدنيا وعاش ذَكَرَ حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس ٣٣]، يعني: الصيحة العظيمة التي تصخّ الآذان، وهذا هو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤-٣٦]، من ﴿أَخِيهِ﴾: شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه، ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا، والجدات، يَفِرّ من هؤلاء كلهم، ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، يفر من هؤلاء كلهم.
قال أهل العلم: يَفِرّ منهم لئلا يطالبوه بما فرَّط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل واحد في ذلك اليوم لا يحب أبدًا أن يكون له أحد يطالبه بشيء.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧] كل إنسان مشتغِل بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي ﷺ: «الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦).]].
ثم قسّم الله الناس في ذلك اليوم إلى قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨، ٣٩]، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين، تُسْفِر عما في قلوبهم من السرور والانشراح.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني: مُتَبَسِّمَة، وهذا من كمال سرورهم، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بُشِّرَت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى، ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢].
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤١] أي: ظُلْمَة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢]: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، نسأل الله العافية، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وجوههم مستبشرة.
هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، لكن نريد به التوضيح المقرِّب للمعنى؛ لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحًا مبينًا لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.