Lafzullah

Tafsir Makhi — النحل 16:117 – الإسراء 17:97

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. النحل 16:117
  2. النحل 16:118
  3. النحل 16:119
  4. النحل 16:120
  5. النحل 16:121
  6. النحل 16:122
  7. النحل 16:123
  8. النحل 16:124
  9. النحل 16:125
  10. النحل 16:126
  11. النحل 16:127
  12. النحل 16:128
  13. الإسراء 17:1
  14. الإسراء 17:2
  15. الإسراء 17:3
  16. الإسراء 17:4
  17. الإسراء 17:5
  18. الإسراء 17:6
  19. الإسراء 17:7
  20. الإسراء 17:8
  21. الإسراء 17:9
  22. الإسراء 17:10
  23. الإسراء 17:11
  24. الإسراء 17:12
  25. الإسراء 17:13
  26. الإسراء 17:14
  27. الإسراء 17:15
  28. الإسراء 17:16
  29. الإسراء 17:17
  30. الإسراء 17:18
  31. الإسراء 17:19
  32. الإسراء 17:20
  33. الإسراء 17:21
  34. الإسراء 17:22
  35. الإسراء 17:23
  36. الإسراء 17:24
  37. الإسراء 17:25
  38. الإسراء 17:26
  39. الإسراء 17:27
  40. الإسراء 17:28
  41. الإسراء 17:29
  42. الإسراء 17:30
  43. الإسراء 17:31
  44. الإسراء 17:32
  45. الإسراء 17:33
  46. الإسراء 17:34
  47. الإسراء 17:35
  48. الإسراء 17:36
  49. الإسراء 17:37
  50. الإسراء 17:38
  51. الإسراء 17:39
  52. الإسراء 17:40
  53. الإسراء 17:41
  54. الإسراء 17:42
  55. الإسراء 17:43
  56. الإسراء 17:44
  57. الإسراء 17:45
  58. الإسراء 17:46
  59. الإسراء 17:47
  60. الإسراء 17:48
  61. الإسراء 17:49
  62. الإسراء 17:50
  63. الإسراء 17:51
  64. الإسراء 17:52
  65. الإسراء 17:53
  66. الإسراء 17:54
  67. الإسراء 17:55
  68. الإسراء 17:56
  69. الإسراء 17:57
  70. الإسراء 17:58
  71. الإسراء 17:59
  72. الإسراء 17:60
  73. الإسراء 17:61
  74. الإسراء 17:62
  75. الإسراء 17:63
  76. الإسراء 17:64
  77. الإسراء 17:65
  78. الإسراء 17:66
  79. الإسراء 17:67
  80. الإسراء 17:68
  81. الإسراء 17:69
  82. الإسراء 17:70
  83. الإسراء 17:71
  84. الإسراء 17:72
  85. الإسراء 17:73
  86. الإسراء 17:74
  87. الإسراء 17:75
  88. الإسراء 17:76
  89. الإسراء 17:77
  90. الإسراء 17:78
  91. الإسراء 17:79
  92. الإسراء 17:80
  93. الإسراء 17:81
  94. الإسراء 17:82
  95. الإسراء 17:83
  96. الإسراء 17:84
  97. الإسراء 17:85
  98. الإسراء 17:86
  99. الإسراء 17:87
  100. الإسراء 17:88
  101. الإسراء 17:89
  102. الإسراء 17:90
  103. الإسراء 17:91
  104. الإسراء 17:92
  105. الإسراء 17:93
  106. الإسراء 17:94
  107. الإسراء 17:95
  108. الإسراء 17:96
  109. الإسراء 17:97

النحل 16:117

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون. ثم قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي ﷺ لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ﴾. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. * * وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ [رَّحِيمٌ]﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: "الكَذِبِ" بالخفض على أنه نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يأكله الرجال والنساء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾. أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. * * ثم قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. * * وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وَأَصْلَحُوۤاْ﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم "غفور رحيم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أنـ[ـه] قال: "الأمة" الذي يعلم الناس الخير، "والقانت" المطيع لله عز وجل ولرسوله ﷺ، "والحنيف" المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [عز وجل] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله عز وجل بحقه صغيراً وكبيراً. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله [عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان ﷺ أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة وشبهه. و "الحنيف": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: "الحنيف" المسلم. ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه "واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: ذكر[اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [عز وجل] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: "إن" منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

النحل 16:118

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون. ثم قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي ﷺ لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ﴾. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. * * وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ [رَّحِيمٌ]﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: "الكَذِبِ" بالخفض على أنه نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يأكله الرجال والنساء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾. أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. * * ثم قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. * * وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وَأَصْلَحُوۤاْ﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم "غفور رحيم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أنـ[ـه] قال: "الأمة" الذي يعلم الناس الخير، "والقانت" المطيع لله عز وجل ولرسوله ﷺ، "والحنيف" المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [عز وجل] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله عز وجل بحقه صغيراً وكبيراً. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله [عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان ﷺ أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة وشبهه. و "الحنيف": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: "الحنيف" المسلم. ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه "واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: ذكر[اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [عز وجل] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: "إن" منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

النحل 16:119

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون. ثم قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي ﷺ لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ﴾. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. * * وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ [رَّحِيمٌ]﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: "الكَذِبِ" بالخفض على أنه نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يأكله الرجال والنساء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾. أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. * * ثم قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. * * وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وَأَصْلَحُوۤاْ﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم "غفور رحيم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أنـ[ـه] قال: "الأمة" الذي يعلم الناس الخير، "والقانت" المطيع لله عز وجل ولرسوله ﷺ، "والحنيف" المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [عز وجل] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله عز وجل بحقه صغيراً وكبيراً. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله [عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان ﷺ أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة وشبهه. و "الحنيف": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: "الحنيف" المسلم. ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه "واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: ذكر[اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [عز وجل] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: "إن" منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

النحل 16:120

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون. ثم قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي ﷺ لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ﴾. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. * * وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ [رَّحِيمٌ]﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: "الكَذِبِ" بالخفض على أنه نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يأكله الرجال والنساء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾. أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. * * ثم قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. * * وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وَأَصْلَحُوۤاْ﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم "غفور رحيم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أنـ[ـه] قال: "الأمة" الذي يعلم الناس الخير، "والقانت" المطيع لله عز وجل ولرسوله ﷺ، "والحنيف" المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [عز وجل] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله عز وجل بحقه صغيراً وكبيراً. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله [عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان ﷺ أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة وشبهه. و "الحنيف": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: "الحنيف" المسلم. ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه "واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: ذكر[اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [عز وجل] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: "إن" منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

النحل 16:121

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون. ثم قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي ﷺ لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ﴾. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. * * وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ [رَّحِيمٌ]﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: "الكَذِبِ" بالخفض على أنه نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يأكله الرجال والنساء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾. أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. * * ثم قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. * * وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وَأَصْلَحُوۤاْ﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم "غفور رحيم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أنـ[ـه] قال: "الأمة" الذي يعلم الناس الخير، "والقانت" المطيع لله عز وجل ولرسوله ﷺ، "والحنيف" المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [عز وجل] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله عز وجل بحقه صغيراً وكبيراً. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله [عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان ﷺ أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة وشبهه. و "الحنيف": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: "الحنيف" المسلم. ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه "واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: ذكر[اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [عز وجل] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: "إن" منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

النحل 16:122

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون. ثم قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾. أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون. وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي ﷺ لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ﴾. أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. * * وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾. أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ [رَّحِيمٌ]﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾. قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: "الكَذِبِ" بالخفض على أنه نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولاً بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يأكله الرجال والنساء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾. أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. * * ثم قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾. أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. * * وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وَأَصْلَحُوۤاْ﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم "غفور رحيم". * * ثم قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾. أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أنـ[ـه] قال: "الأمة" الذي يعلم الناس الخير، "والقانت" المطيع لله عز وجل ولرسوله ﷺ، "والحنيف" المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [عز وجل] حنيفاً. وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله عز وجل بحقه صغيراً وكبيراً. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله [عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع. وكان ﷺ أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة وشبهه. و "الحنيف": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: "الحنيف" المسلم. ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقيل حنيفاً على دين الإسلام. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه "واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: ذكر[اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [عز وجل] وحسنت منزلته. وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: "إن" منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر. وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول صالح حسن. قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

النحل 16:123

قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾. أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلاً عن كل الأديان إلا عنه. ثم قال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾. [أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه]. فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [الــ]ـيوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء. واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ثم استحلوه. قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة. وقال قتادة: "اختلفوا فيه": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول: ابن جبير. وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيداً فخالفوا، وقالوا: نريد يوم السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات. وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة عيداً فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد. ويروى أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم تعبدونه ولا تعملون فيه شيئاً من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم موسى [ﷺ] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [عز وجل] عليهم. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾. أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [عز وجل] والإقرار له بوحدانيته. و "الحكمة" هنا: كتاب الله [سبحانه]. و "الموعظة الحسنة": العبر التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه. ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: جادلهم بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها، وهي الصفح عنهم. وقال الزجاج: "الحكمة" هنا: النبوة و "الموعظة": القرآن. ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن لهم جناحك، وهي منسوخة عند جماعة من العلماء نسخها الأمر بالقتال. وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [عز وجل] به، وهذا لا ينسخ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾. أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ أي: بمن يسلك الطريق المستقيم.

النحل 16:124

قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾. أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلاً عن كل الأديان إلا عنه. ثم قال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾. [أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه]. فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [الــ]ـيوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء. واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ثم استحلوه. قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة. وقال قتادة: "اختلفوا فيه": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول: ابن جبير. وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيداً فخالفوا، وقالوا: نريد يوم السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات. وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة عيداً فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد. ويروى أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم تعبدونه ولا تعملون فيه شيئاً من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم موسى [ﷺ] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [عز وجل] عليهم. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾. أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [عز وجل] والإقرار له بوحدانيته. و "الحكمة" هنا: كتاب الله [سبحانه]. و "الموعظة الحسنة": العبر التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه. ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: جادلهم بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها، وهي الصفح عنهم. وقال الزجاج: "الحكمة" هنا: النبوة و "الموعظة": القرآن. ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن لهم جناحك، وهي منسوخة عند جماعة من العلماء نسخها الأمر بالقتال. وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [عز وجل] به، وهذا لا ينسخ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾. أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ أي: بمن يسلك الطريق المستقيم.

النحل 16:125

قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾. أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلاً عن كل الأديان إلا عنه. ثم قال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾. [أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه]. فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [الــ]ـيوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء. واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ثم استحلوه. قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة. وقال قتادة: "اختلفوا فيه": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول: ابن جبير. وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيداً فخالفوا، وقالوا: نريد يوم السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات. وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة عيداً فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد. ويروى أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم تعبدونه ولا تعملون فيه شيئاً من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم موسى [ﷺ] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [عز وجل] عليهم. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾. أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [عز وجل] والإقرار له بوحدانيته. و "الحكمة" هنا: كتاب الله [سبحانه]. و "الموعظة الحسنة": العبر التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه. ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: جادلهم بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها، وهي الصفح عنهم. وقال الزجاج: "الحكمة" هنا: النبوة و "الموعظة": القرآن. ﴿وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن لهم جناحك، وهي منسوخة عند جماعة من العلماء نسخها الأمر بالقتال. وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [عز وجل] به، وهذا لا ينسخ. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾. أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ أي: بمن يسلك الطريق المستقيم.

النحل 16:126

قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة. المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بهم مثل ما فعلوا بكم ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [عز وجل] ما نالكم منهم للصبر خير للصابرين. وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة. نزلت حين أقسم النبي ﷺ وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم كما فعل المشركون بحمزة وغير[ه] يوم أحد من التمثيل [بهم. وروي عن النبي ﷺ لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل]. قال: "لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم". فلما سمع ذلك المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأمرهم الله [عز وجل] أن يفعلوا بهم مثل ما فعلوا، ولا يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة خير وأحسن. وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾ وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا خبر أمر الله [عز وجل] نبيه [ﷺ] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم. فقال المسلمون إن قاتلونا وأظهرنا الله عز وجل عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهذا القول: مروي عن ابن عباس. ومن قال: إن هذه الآية محكمة، قال: عني بقوله ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾ نبي الله [عز وجل] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد. وعن ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من حقه. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ونظر إليه، قد مثل به، فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى. أما والله، مع ذلك، لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل [والنبي صلى الله عليهما] واقف بخواتم النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُواْ]﴾ الآية. فصبر النبي ﷺ، وكفر عن يمينه، ولم يمثل بأحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾. أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله [لك] وتوفيقه إياك لذلك. ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ويمثلون بالمسلمين. ﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا يضيق صدرك من قولهم فيما جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ [أي: الذين اتقوا] محارمه ﴿وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ أي: الذين احسنوا فيما فرض الله عليهم.

النحل 16:127

قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة. المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بهم مثل ما فعلوا بكم ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [عز وجل] ما نالكم منهم للصبر خير للصابرين. وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة. نزلت حين أقسم النبي ﷺ وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم كما فعل المشركون بحمزة وغير[ه] يوم أحد من التمثيل [بهم. وروي عن النبي ﷺ لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل]. قال: "لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم". فلما سمع ذلك المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأمرهم الله [عز وجل] أن يفعلوا بهم مثل ما فعلوا، ولا يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة خير وأحسن. وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾ وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا خبر أمر الله [عز وجل] نبيه [ﷺ] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم. فقال المسلمون إن قاتلونا وأظهرنا الله عز وجل عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهذا القول: مروي عن ابن عباس. ومن قال: إن هذه الآية محكمة، قال: عني بقوله ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾ نبي الله [عز وجل] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد. وعن ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من حقه. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ونظر إليه، قد مثل به، فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى. أما والله، مع ذلك، لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل [والنبي صلى الله عليهما] واقف بخواتم النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُواْ]﴾ الآية. فصبر النبي ﷺ، وكفر عن يمينه، ولم يمثل بأحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾. أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله [لك] وتوفيقه إياك لذلك. ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ويمثلون بالمسلمين. ﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا يضيق صدرك من قولهم فيما جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ [أي: الذين اتقوا] محارمه ﴿وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ أي: الذين احسنوا فيما فرض الله عليهم.

النحل 16:128

قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة. المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بهم مثل ما فعلوا بكم ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [عز وجل] ما نالكم منهم للصبر خير للصابرين. وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة. نزلت حين أقسم النبي ﷺ وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم كما فعل المشركون بحمزة وغير[ه] يوم أحد من التمثيل [بهم. وروي عن النبي ﷺ لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل]. قال: "لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم". فلما سمع ذلك المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأمرهم الله [عز وجل] أن يفعلوا بهم مثل ما فعلوا، ولا يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة خير وأحسن. وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾ وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا خبر أمر الله [عز وجل] نبيه [ﷺ] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم. فقال المسلمون إن قاتلونا وأظهرنا الله عز وجل عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهذا القول: مروي عن ابن عباس. ومن قال: إن هذه الآية محكمة، قال: عني بقوله ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾ نبي الله [عز وجل] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد. وعن ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من حقه. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ونظر إليه، قد مثل به، فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى. أما والله، مع ذلك، لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل [والنبي صلى الله عليهما] واقف بخواتم النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُواْ]﴾ الآية. فصبر النبي ﷺ، وكفر عن يمينه، ولم يمثل بأحد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾. أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله [لك] وتوفيقه إياك لذلك. ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ويمثلون بالمسلمين. ﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا يضيق صدرك من قولهم فيما جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ [أي: الذين اتقوا] محارمه ﴿وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ أي: الذين احسنوا فيما فرض الله عليهم.

الإسراء 17:1

قوله: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ إلى قوله: ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ﴾. "سبحان" عند الخليل وسيبويه منصوب على المصدر، إلا أنه لا ينصرف لأنه معرفة في آخر[ه] زائدتان. وحكى سيبويه: أن من العرب من ينكره فيصرفه. وقال أبو عبيدة: هو منصوب على النداء. وقال بعضهم. هو موضوع موضع المصدر فنصب لوقوعه موقعه، فهو موضع تسبيح. والتسبيح: يكون [بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي: من المصلين. وفي لغة لبعض أهل [اليمن]، يستعملونه في معنى الاستثناء، ومنه قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] أي: تستثنون إذا أقسمتم ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] ولم يستثنوا. فإنما ذكر[هم] بتركهم الاستثناء. ويستعمل في معنى النور. ومنه حديث النبي ﷺ: "لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه..."، أي نور وجهه. ومعنى "سبحان الله": براءة الله من السوء. كذلك فسره النبي ﷺ حين سئل عن معنى التسبيح. وروي عنه أنه سئل عن معنى سبحان [الله]، فقال: تنزيه لله من كل سوء. وسئل عنها علي [رضي الله عنه] فقال: هي كلمة رضيها الله لنفسه. وعنه أيضاً أنه قال: هي كلمة أحبها الله ورضيها لنفسه فأحب أن تقال. ومعنى المسجد الحرام [أي]: المسجد الممنوع من الصيد فيه، لأن الحرم ممنع. والحرم كله مسجد. عن أم هانئ أنها قالت: ما أسري برسول الله [ﷺ] إلا وهو [في بيتي]. وقيل: إنما أسري به من المسجد. عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة [وهو رجل من قومه، قال: قال نبي الله ﷺ: بينا [أنا] عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول أحد الثلاثة: فأوتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، قال: فشرح صدري فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم [ثم] أعيد مكانه ثم خشى إيماناً وحكمة، ثم أتيت بدابة بيضاء يقال لها البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه أقصى طرفه، فحملت عليه. ثم انطلقنا حتى [أ]تيت السماء الدنيا. ثم ذكر الحديث بطوله قال ابن شهاب، أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن،أن النبي ﷺ أسري به على البراق وهي دابة إبراهيم خليل الرحمن التي كان يزور عليها البيت الحرام يقع حافرها موقع طرفها. قال: فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية فنفرت العير، حتى أتى رسول الله ﷺ إيلياء فأتي بقدحين: قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله [ﷺ] قدح اللبن، فقال له جبريل [ﷺ]: هديت إلى الفطرة لو أخذت قدح الخمر [لـ]ـغوت أمتك. [و] قال ابن شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله [ﷺ] لقي هنالك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله [ﷺ]. فقال: أما موسى فَضَرْب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة. وأما عيسى [فهو] فهو رجل أحمر كأنه خرج من ديماس وأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي. وأما إبراهيم فإنه أشبه ولده به. فلما رجع رسول الله ﷺ حدث قريشاً أنه أُسريَ به، قال عبد الله: فارتد ناس كثير بعدما أسلموا، فأتى أبو بكر الصديق [رضي الله عنه] فقيل له: صاحبكم يزعم أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة. قال أبو بكر: [أ]و قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فاشهد[وا] إن كان كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ فقال إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: :لما كذبتني قريش قمت فمثل الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه وقال أبو العالية: جاء جبريل [إلى النبي] ﷺ ومعه ميكائيل فقال جبريل لميكائيل إيتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح له صدره. فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسس من ماء زمزم فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملاه حلماً وإيماناً وعلماً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوءة، ثم أتاه بدابة فحمل عليه، كل خطوة [منها] منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل. فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد [كما كان] فقال النبي ﷺ: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما أرضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال من هؤلاء يا جبريل؟ [فقال] هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع وعلى إدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً وما الله بظلام للعبيد. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ [قال]: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تكون عند الرجل [الطيب] فتأتي رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تصبح، قال: ثم أتى على خشبة من الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا حرقته فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، قال من هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عليه آمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: من هؤلاء [يا جبريل؟ قال: هؤلاء] خطباء الفتنة. ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة، وريح المسك وسمع صوتاً. فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وريح المسك؟ وما هذا الصوت؟ فقال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ايتني ما وعدتني فقد كثر زخرفي، واستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي [ومرجاني]، وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، ولبني، وخمري فأين ما وعدتني؟ فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين. قالت: قد رضيت. ثم أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ وما هذا الصوت؟ فقال: هذا صوت جهنم، تقول: يا رب، ايتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي. [وقد] بعد قعري، واشتد حري، فأتني ما وعدتني، فقال لها: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت. ثم أتى بحديث الإسراء بطوله، وفيه اختلاف بين الرواة. فمذهب من قدمنا ذكره أن النبي ﷺ [أسرى] بجسمه وعليه أكثر الناس. وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: كانت رؤيا من الله صادقة: وروي ذلك عن عائشة أيضاً [رضي الله عنها]. واستدل الحسن على صحة ذلك بقوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فالوحي يأتي للأنبياء في [النوم] وفي اليقظة ودليل ذلك قول إبراهيم [ﷺ]: ﴿إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي [أَذْبَحُكَ]﴾ [الصافات: ١٠٢] ثم مضى لذلك ليفعل ما أمر به في النوم. والاختيار عند أهل النظر: أن يكون أسرى الله [عز وجل] بجسمه وليست برؤيا في المنام. والدليل على صحة ذلك: أنها لو كانت رؤيا رآها في منامه لم يكن في ذلك دليل ولا حجة على نبوته، لأن كل إنسان يرى أنه ببلد بعيد وهو في بلد آخر. فقد يرى الإنسان أنه في الصين و [هو]. بقانة، وبينهما سيرة نحو السنتين وأكثر. وقد قال الله [تعالى]: ﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ ولم يقل: بروح عبده، فلا يتعدى ما قاله الله [عز وجل] إلى غيره إلا بدليل قاطع. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا﴾ يعني مسجد بيت المقدس. * * وقوله: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. أي: جعلنا حوله البَركَة لسكانه في معايشهم وكثرة ثمارهم وطيبها. وقيل معناه: أن الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى كلهم كانوا ببيت المقدس فمعنى البركة فيه أنه طهر من الشرك وبوعد منه وخص بالأنبياء. * * وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾. أي: أسري بمحمد [ﷺ] لكي يرى من آيات الله [عز وجل] وعجائبه [سبحانه] وذلك ما رآه [في] طريقه مما ذكرنا بعضه. وروي: أن أهل مكة قالوا للنبي عليه السلام: إن لنا في طريق الشام إبلاً، فأخبرنا خبرها ومتى تقدم. فأخبرهم أنها تقدم عليهم في يوم سماه لهم مع شروق الشمس، وأنه فقد منها جمل أورق فخرجوا في ذلك اليوم فقال أحدهم: هذه الشمس قد أشرقت وقال: هذه الإبل قد [أقبلت]. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ﴾ معناه السميع لما يقول هؤلاء المشركون من تكذيب محمد ﷺ وغير ذلك. البصير بما يعملون. لا يخفى عليه شيء من ذلك. وكسرت "إن" في قوله: "إنه" لأن معنى الكلام: قل يا محمد سبحان الذي أسرى بعبده، وقل [يا محمد] إنه هو. ويروى:أن النبي ﷺ لما أعلم قريشاً بالإسراء كذبوه، وقالوا له: نسألك عن عير لنا، هل رأيتها في الطريق؟ فقال: نعم. فقالوا: أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالرواح، قد أضلوا ناقة لهم، وهم في طلبها. فمررت على [ر]حالهم وليس بها منهم أحد. فوجدت في إناء من آنيتهم ماء فشربته فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء [في] الإناء أم لا؟ فقالوا: هذه آية. قال: ومررت على عير بني فلان فنفرت مني الإبل فانكسر منها جمل أحمر عليه أبناء فلان. فقالوا: هذه آية أخرى. [قال ومررت على عير بني فلان] بالتنعيم حين انشق الفجر. قالوا: فإن كنت صادقاً، فإنها تقدم الآن. قال أجل. قالوا: فحدثنا بعدتها، وأحمالها، ومن فيها. قال: كنت مشغولاً عنها. فمثل ذلك لرسول الله [ﷺ] فقال هي منحدرة من الثنية يقدمها جمل أورق عدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا وكذا، فيها فلان وفلان، يسمي الرهط الذين فيها، وخرج رهط من قريش يسعون إلى الثنية فإذا هم بها حين انحدرت على ما [وصفها] لهم [النبي] ﷺ وأخبار الإسراء كثيرة مختلفة الألفاظ، منها المطول، ومنها المختصر، والمعاني متقاربة، فاقتصرنا على ما ذكرنا اختصاراً.

الإسراء 17:2

قوله: ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿عَبْداً شَكُوراً﴾. ذرية نصب على النداء، أو على البدل من وكيل، لأنه بمعنى الجميع، وعلى أنه مفعول ثان ليتخذوا. أو على إضمار أعني. هذا كله على قراءة من قرأ [يتخذ[وا] بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فذرية نصب على النداء أو على البدل من وكيل وفيه بعد في المعنى. والمعنى: سبحان الذي أسرى بعبده وأتى موسى الكتاب وهو التوراة. لكنه خرج من الغيبة إلى الأخبار وذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى [لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ]﴾. [أي]: بياناً لهم ودليلاً إلى الحق لئلا يتخذوا من دوني شريكاً. وقيل: وكيل رب. وقيل: كفيل. وقيل: وكيلاً كافياً. وقيل معناه: لئلا يتخذوا من دوني رباً. وعني بالذرية هنا جميع من احتج عليهم بهذا القول من جميع الأمم لأن من على وجه الأرض من جميع بني آدم كلهم ذرية من أنجى الله [عز وجل] في السفينة مع نوح [ﷺ]. وهو نوح وثلاثة بنون وامرأته وثلاث نسوة لبنيه. وبنوه هم سام وحام ويافث. أما سام فأبو العرب وأما حام فأبو الحبش وأما يافث فأبو الروم. وقد تقدم ذكر هذا بأوعب من هذا البيان. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾. يعني: نوحاً [ﷺ]. قال سلمان الفارسي: إنما سمي نوحاً عبداً شكوراً، لأنه كان إذا لبس ثوباً حمد الله، وإذا أكل طعاماً حمد الله، وهو قول مجاهد. وقيل: إنه كان يقول إذا أكل [طعاماً] الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا لبس ثوباً قال: الحمد لله الذي أكساني، ولو شاء أعراني. وإذا لبس نعلاً، قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه. وقيل: سمي "شكوراً" لأنه كان يقول: إذا خرج البراز منه: الحمد لله الذي سوغنيك طيباً وأخرج مني أذاك وأبقى منفعتك. وقيل: سمي بذلك لأنه كان إذا لبس ثوباً جديداً قال: الحمد لله، وإذا أخلقه قال الحمد لله. وقال القرظي: كان [يقول] إذا أكل أو شرب أو ركب دابة أو لبس ثوباً [الـ]ـحمد لله. و [روي] عن سلمان أيضاً مثله. فالحمد لله والشكر له والإقرار له بالحمد على نعمه يعني: بالشكر. وروي عن بعض الصحابة أو بعض التابعين أنه قال: لو جمع نعم الدنيا كلها في قشرة بيضة ثم لحسه مؤمن، وقال الحمد لله لأدى شكر[ه] ذلك. وروى مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة [أنه] قال: قال رسول الله ﷺ: إذا مرض العبد، يعني: المؤمن بعث الله [عز وجل] إليه ملكين فيقول: انظرا ما يقول لعواده. فإن هو إذا دخلوا عليه حمدا لله رفعوا ذلك إلى الله [عز وجل]، وهو أعلم، فيقول الله عز وجل: لعبدي، إن أنا توفيته، أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته وروى مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربه [عز وجل قال]: "إذا ابتليت عبدي [بلاء] فصبر أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وإن أنا قبضته في علّته تلك قبضته إلى رحمتي وكرامتي

الإسراء 17:3

قوله: ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿عَبْداً شَكُوراً﴾. ذرية نصب على النداء، أو على البدل من وكيل، لأنه بمعنى الجميع، وعلى أنه مفعول ثان ليتخذوا. أو على إضمار أعني. هذا كله على قراءة من قرأ [يتخذ[وا] بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فذرية نصب على النداء أو على البدل من وكيل وفيه بعد في المعنى. والمعنى: سبحان الذي أسرى بعبده وأتى موسى الكتاب وهو التوراة. لكنه خرج من الغيبة إلى الأخبار وذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى [لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ]﴾. [أي]: بياناً لهم ودليلاً إلى الحق لئلا يتخذوا من دوني شريكاً. وقيل: وكيل رب. وقيل: كفيل. وقيل: وكيلاً كافياً. وقيل معناه: لئلا يتخذوا من دوني رباً. وعني بالذرية هنا جميع من احتج عليهم بهذا القول من جميع الأمم لأن من على وجه الأرض من جميع بني آدم كلهم ذرية من أنجى الله [عز وجل] في السفينة مع نوح [ﷺ]. وهو نوح وثلاثة بنون وامرأته وثلاث نسوة لبنيه. وبنوه هم سام وحام ويافث. أما سام فأبو العرب وأما حام فأبو الحبش وأما يافث فأبو الروم. وقد تقدم ذكر هذا بأوعب من هذا البيان. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾. يعني: نوحاً [ﷺ]. قال سلمان الفارسي: إنما سمي نوحاً عبداً شكوراً، لأنه كان إذا لبس ثوباً حمد الله، وإذا أكل طعاماً حمد الله، وهو قول مجاهد. وقيل: إنه كان يقول إذا أكل [طعاماً] الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا لبس ثوباً قال: الحمد لله الذي أكساني، ولو شاء أعراني. وإذا لبس نعلاً، قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه. وقيل: سمي "شكوراً" لأنه كان يقول: إذا خرج البراز منه: الحمد لله الذي سوغنيك طيباً وأخرج مني أذاك وأبقى منفعتك. وقيل: سمي بذلك لأنه كان إذا لبس ثوباً جديداً قال: الحمد لله، وإذا أخلقه قال الحمد لله. وقال القرظي: كان [يقول] إذا أكل أو شرب أو ركب دابة أو لبس ثوباً [الـ]ـحمد لله. و [روي] عن سلمان أيضاً مثله. فالحمد لله والشكر له والإقرار له بالحمد على نعمه يعني: بالشكر. وروي عن بعض الصحابة أو بعض التابعين أنه قال: لو جمع نعم الدنيا كلها في قشرة بيضة ثم لحسه مؤمن، وقال الحمد لله لأدى شكر[ه] ذلك. وروى مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة [أنه] قال: قال رسول الله ﷺ: إذا مرض العبد، يعني: المؤمن بعث الله [عز وجل] إليه ملكين فيقول: انظرا ما يقول لعواده. فإن هو إذا دخلوا عليه حمدا لله رفعوا ذلك إلى الله [عز وجل]، وهو أعلم، فيقول الله عز وجل: لعبدي، إن أنا توفيته، أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته وروى مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربه [عز وجل قال]: "إذا ابتليت عبدي [بلاء] فصبر أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وإن أنا قبضته في علّته تلك قبضته إلى رحمتي وكرامتي

الإسراء 17:4

قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيراً﴾. معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه. فمعنى الآية: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [ﷺ] إنكم يا بني إسرائيل تعصون الله وتخـ[ـا]لفون أمره وتستكبرون عليه استكباراً شديداً مرة بعد مرة. قال ابن عباس وابن زيد: ﴿وَقَضَيْنَآ [إِلَىٰ بَنِي] إِسْرَائِيلَ﴾ أعلمناهم بذلك في كتابهم. وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين. قاله قتادة. وروي [ذلك] أيضاً عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [عز وجل] على القوم كما تسمعون. قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على الباب رجل يقول في القدر. فقال: ادخلوه علي. فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول الله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علواً كبيراً قبل أن يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه. قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول مرة قتل زكرياء [ﷺ] فبعث الله [عز وجل] عليهم ملك [الــ]ـنبط. فبعث إليهم الجنود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد. فتحصنت بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، خرج يستطعـ[ـم] وتلطف حتى دخل المدينة. فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية: ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم فاستنفدوا ما في أيديهم، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. و "نفيراً" معناه عدداً. وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى. فسلط الله عليهم سابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، وسلط عليهم بختنصر في قتل يحيى. وقال قتادة: بعث عليهم أول مرة جالوت والثانية بختنصر. ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أي: أول المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل، أي أو[ل]. الفسادين. * * وقوله: ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ﴾. أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا. وقال ابن عباس: "جاسوا" مشوا. وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء باستقصاء. فمعناه: طلبوا هل يجدون أحداً. وقال بعض أهل اللغة: معنى "جاسوا" قتلوا. * * وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾. أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعداً من الله [عز وجل]، لا يخلف. قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل. فسألوا الله [عز وجل] أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله. فبعث الله طالوت. فقاتلوا جالوت، فنصره الله، وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [عز وجل] إلى بني إسرائيل ملكهم. وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر[و]هم تدميراً، وجلوهم عن بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة. وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ولم يكن قتال. وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء. ويروى: أن يحيى كان قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل. فذبحوه واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب. فوقعت منه نقطة في الأرض فما زالت تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر. فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فهدأ الدم. وسبى بني إسرائيل حتى سبى أبناءهم وخرج بهم إلى أرض العراق. ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة. فأرسل عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه. فلم يزل الذين ظهروا عليهم ببيت المقدس حتى فتحه الله عز وجل في زمان عمر رضي الله عنه وفيه الروم فقتلوا وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين. * * وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾. قال السدي: هي ما نصر الله عز وجل بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقدوا ما في أيديهم. وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان أصاب من أموالهم من غير قتال، سخره الله عز وجل لذلك فهو رد الكرة لبني إسرائيل. وقيل: هي نصر الله عز وجل إياهم على جالوت حتى قتلوه. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾. أي: عدد[اً]، وذلك في أيام داود.

الإسراء 17:5

قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيراً﴾. معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه. فمعنى الآية: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [ﷺ] إنكم يا بني إسرائيل تعصون الله وتخـ[ـا]لفون أمره وتستكبرون عليه استكباراً شديداً مرة بعد مرة. قال ابن عباس وابن زيد: ﴿وَقَضَيْنَآ [إِلَىٰ بَنِي] إِسْرَائِيلَ﴾ أعلمناهم بذلك في كتابهم. وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين. قاله قتادة. وروي [ذلك] أيضاً عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [عز وجل] على القوم كما تسمعون. قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على الباب رجل يقول في القدر. فقال: ادخلوه علي. فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول الله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علواً كبيراً قبل أن يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه. قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول مرة قتل زكرياء [ﷺ] فبعث الله [عز وجل] عليهم ملك [الــ]ـنبط. فبعث إليهم الجنود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد. فتحصنت بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، خرج يستطعـ[ـم] وتلطف حتى دخل المدينة. فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية: ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم فاستنفدوا ما في أيديهم، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. و "نفيراً" معناه عدداً. وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى. فسلط الله عليهم سابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، وسلط عليهم بختنصر في قتل يحيى. وقال قتادة: بعث عليهم أول مرة جالوت والثانية بختنصر. ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أي: أول المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل، أي أو[ل]. الفسادين. * * وقوله: ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ﴾. أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا. وقال ابن عباس: "جاسوا" مشوا. وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء باستقصاء. فمعناه: طلبوا هل يجدون أحداً. وقال بعض أهل اللغة: معنى "جاسوا" قتلوا. * * وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾. أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعداً من الله [عز وجل]، لا يخلف. قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل. فسألوا الله [عز وجل] أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله. فبعث الله طالوت. فقاتلوا جالوت، فنصره الله، وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [عز وجل] إلى بني إسرائيل ملكهم. وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر[و]هم تدميراً، وجلوهم عن بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة. وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ولم يكن قتال. وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء. ويروى: أن يحيى كان قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل. فذبحوه واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب. فوقعت منه نقطة في الأرض فما زالت تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر. فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فهدأ الدم. وسبى بني إسرائيل حتى سبى أبناءهم وخرج بهم إلى أرض العراق. ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة. فأرسل عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه. فلم يزل الذين ظهروا عليهم ببيت المقدس حتى فتحه الله عز وجل في زمان عمر رضي الله عنه وفيه الروم فقتلوا وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين. * * وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾. قال السدي: هي ما نصر الله عز وجل بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقدوا ما في أيديهم. وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان أصاب من أموالهم من غير قتال، سخره الله عز وجل لذلك فهو رد الكرة لبني إسرائيل. وقيل: هي نصر الله عز وجل إياهم على جالوت حتى قتلوه. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾. أي: عدد[اً]، وذلك في أيام داود.

الإسراء 17:6

قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيراً﴾. معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه. فمعنى الآية: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [ﷺ] إنكم يا بني إسرائيل تعصون الله وتخـ[ـا]لفون أمره وتستكبرون عليه استكباراً شديداً مرة بعد مرة. قال ابن عباس وابن زيد: ﴿وَقَضَيْنَآ [إِلَىٰ بَنِي] إِسْرَائِيلَ﴾ أعلمناهم بذلك في كتابهم. وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين. قاله قتادة. وروي [ذلك] أيضاً عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [عز وجل] على القوم كما تسمعون. قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على الباب رجل يقول في القدر. فقال: ادخلوه علي. فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول الله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علواً كبيراً قبل أن يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه. قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول مرة قتل زكرياء [ﷺ] فبعث الله [عز وجل] عليهم ملك [الــ]ـنبط. فبعث إليهم الجنود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد. فتحصنت بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، خرج يستطعـ[ـم] وتلطف حتى دخل المدينة. فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية: ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم فاستنفدوا ما في أيديهم، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. و "نفيراً" معناه عدداً. وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى. فسلط الله عليهم سابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، وسلط عليهم بختنصر في قتل يحيى. وقال قتادة: بعث عليهم أول مرة جالوت والثانية بختنصر. ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أي: أول المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل، أي أو[ل]. الفسادين. * * وقوله: ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ﴾. أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا. وقال ابن عباس: "جاسوا" مشوا. وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء باستقصاء. فمعناه: طلبوا هل يجدون أحداً. وقال بعض أهل اللغة: معنى "جاسوا" قتلوا. * * وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾. أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعداً من الله [عز وجل]، لا يخلف. قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل. فسألوا الله [عز وجل] أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله. فبعث الله طالوت. فقاتلوا جالوت، فنصره الله، وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [عز وجل] إلى بني إسرائيل ملكهم. وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر[و]هم تدميراً، وجلوهم عن بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة. وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ولم يكن قتال. وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء. ويروى: أن يحيى كان قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل. فذبحوه واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب. فوقعت منه نقطة في الأرض فما زالت تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر. فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فهدأ الدم. وسبى بني إسرائيل حتى سبى أبناءهم وخرج بهم إلى أرض العراق. ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة. فأرسل عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه. فلم يزل الذين ظهروا عليهم ببيت المقدس حتى فتحه الله عز وجل في زمان عمر رضي الله عنه وفيه الروم فقتلوا وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين. * * وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾. قال السدي: هي ما نصر الله عز وجل بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقدوا ما في أيديهم. وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان أصاب من أموالهم من غير قتال، سخره الله عز وجل لذلك فهو رد الكرة لبني إسرائيل. وقيل: هي نصر الله عز وجل إياهم على جالوت حتى قتلوه. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾. أي: عدد[اً]، وذلك في أيام داود.

الإسراء 17:7

وقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾. المعنى: أن الله أخبرنا عما قال لبني إسرائيل في التوراة لنتأسى بذلك ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾، يا بني إسرائيل أي: [إن] أطعتم الله فيما أمركم به على نعمه عندكم إذا دلكم من عدوكم ﴿أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما فعلتم من ذلك لأنفسكم تفعلوه، وعليكم يعود نفعه. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أي: عصيتم الله [عز وجل] ﴿فَلَهَا﴾ أي: فإلى أنفسكم تسيئون. لأن ضرره عليكم يعود. وقيل: معنى ﴿فَلَهَا﴾ أي: إليها. كما قال: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها. أي: فإلى أنفسكم يعود الضرر. وقيل: اللام على بابها [على معنى] فلها يكون العقاب على الإساء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. والمعنى: فإذا جاء الفساد الثاني من فسادكم يا بني إسرائيل، وهو قتلهم يحيى على ما ذكرنا ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أي: خلينا بينكم وبينهم، ولم نمنعهم منكم. فبعث الله عليهم بختنصر فقتل المقاتلة وسبى الذراري وأخذ ما وجد من الأموال ودخلوا بين المقدس. وهو قوله: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ [ٱلْمَسْجِدَ] كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فتبروه وخربوه وألقوا فيه الجيف والعذرة. وقيل: [ليسوءا] معناه: أمرناهم بغزوكم بما عصيتم وأفسدتم. ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [أي]: ليسوء المبعوثون عليكم وجوهكم. ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعنى: "ليسوء" الوعد بسوء الله. أو ليسوء العذاب. ومن قرأ بالنون فهو على الأخبار عن الله جل ذكره. * * وقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. أي: كما دخلوه في الانتقام منكم في فسادكم الأول. * * وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ . قال قتادة معناه: ما علوا عليه. وقيل معناه: ويتبروا ما داموا عالين. وحقيقة أن ما، وما بعدها في موضع نصب على الظرف. والتقدير: وليتبروا وقت غلبتهم. والتتبير التدمير. * * وقوله: ﴿مَا عَلَوْاْ﴾ عند الزجاج [ما] في موضع الحال. أي: وليدمروا في حال علوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾. المعنى: لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم الذين يبعثهم عليكم. و ﴿عَسَىٰ﴾ من الله واجبة وقد فعل بهم ذلك فكثر عددهم وجعل منهم الملوك والأنبياء. * * ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾. أي: [و]إن عدتم [لـ]ـمخالفة أمري، وقتل أنبيائي عدنا عليكم بالقتل والسباء والذلة والصغار. فعادوا، فعاد الله عليهم بذلك. إذ بعث محمداً ﷺ. قال ابن عباس: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. فسلط الله عليهم ثلاثة ملوك فارس. وعنه: عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. وقال قتادة: عادوا فسلط الله عليهم محمداً [ﷺ] يعطونه الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك: الرحمة هنا بعث محمد ﷺ. وقال الأخفش: المعنى: عسى ربكم أن يرحمكم إن فعلتم ذلك. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾. أي: سجناً يسجنون فيها. قاله قتادة وغيره. وقال ابن عباس: ﴿حَصِيراً﴾ مأوى. وقال الحسن: ﴿حَصِيراً﴾ بساطاً ومهاداً كما قال: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. ويقال للملك: ﴿حَصِيراً﴾ بمعنى محصوراً لأنه محجوب عن الناس. ويقال للبخيل: حصوراً وحصيراً لمنعه ما عنده، ومنه الحصر في المنطق لأنه يمتنع عليه الكلام. ومنه الحصور عن النساء لامتناع الجماع عليه، ومنه الحصر في الغائط إذا احتبس عليه. وقيل للحصير المنسوج حصيراً، لأنه حُصِرت جوانبه عن أن تنفلت. وقيل: لأنه حصرت طاقـ[ـا]ته بعضها من بعض.

الإسراء 17:8

وقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾. المعنى: أن الله أخبرنا عما قال لبني إسرائيل في التوراة لنتأسى بذلك ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾، يا بني إسرائيل أي: [إن] أطعتم الله فيما أمركم به على نعمه عندكم إذا دلكم من عدوكم ﴿أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما فعلتم من ذلك لأنفسكم تفعلوه، وعليكم يعود نفعه. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أي: عصيتم الله [عز وجل] ﴿فَلَهَا﴾ أي: فإلى أنفسكم تسيئون. لأن ضرره عليكم يعود. وقيل: معنى ﴿فَلَهَا﴾ أي: إليها. كما قال: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها. أي: فإلى أنفسكم يعود الضرر. وقيل: اللام على بابها [على معنى] فلها يكون العقاب على الإساء. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. والمعنى: فإذا جاء الفساد الثاني من فسادكم يا بني إسرائيل، وهو قتلهم يحيى على ما ذكرنا ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أي: خلينا بينكم وبينهم، ولم نمنعهم منكم. فبعث الله عليهم بختنصر فقتل المقاتلة وسبى الذراري وأخذ ما وجد من الأموال ودخلوا بين المقدس. وهو قوله: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ [ٱلْمَسْجِدَ] كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فتبروه وخربوه وألقوا فيه الجيف والعذرة. وقيل: [ليسوءا] معناه: أمرناهم بغزوكم بما عصيتم وأفسدتم. ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [أي]: ليسوء المبعوثون عليكم وجوهكم. ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعنى: "ليسوء" الوعد بسوء الله. أو ليسوء العذاب. ومن قرأ بالنون فهو على الأخبار عن الله جل ذكره. * * وقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. أي: كما دخلوه في الانتقام منكم في فسادكم الأول. * * وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ . قال قتادة معناه: ما علوا عليه. وقيل معناه: ويتبروا ما داموا عالين. وحقيقة أن ما، وما بعدها في موضع نصب على الظرف. والتقدير: وليتبروا وقت غلبتهم. والتتبير التدمير. * * وقوله: ﴿مَا عَلَوْاْ﴾ عند الزجاج [ما] في موضع الحال. أي: وليدمروا في حال علوهم. * * ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾. المعنى: لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم الذين يبعثهم عليكم. و ﴿عَسَىٰ﴾ من الله واجبة وقد فعل بهم ذلك فكثر عددهم وجعل منهم الملوك والأنبياء. * * ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾. أي: [و]إن عدتم [لـ]ـمخالفة أمري، وقتل أنبيائي عدنا عليكم بالقتل والسباء والذلة والصغار. فعادوا، فعاد الله عليهم بذلك. إذ بعث محمداً ﷺ. قال ابن عباس: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. فسلط الله عليهم ثلاثة ملوك فارس. وعنه: عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. وقال قتادة: عادوا فسلط الله عليهم محمداً [ﷺ] يعطونه الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك: الرحمة هنا بعث محمد ﷺ. وقال الأخفش: المعنى: عسى ربكم أن يرحمكم إن فعلتم ذلك. * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾. أي: سجناً يسجنون فيها. قاله قتادة وغيره. وقال ابن عباس: ﴿حَصِيراً﴾ مأوى. وقال الحسن: ﴿حَصِيراً﴾ بساطاً ومهاداً كما قال: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. ويقال للملك: ﴿حَصِيراً﴾ بمعنى محصوراً لأنه محجوب عن الناس. ويقال للبخيل: حصوراً وحصيراً لمنعه ما عنده، ومنه الحصر في المنطق لأنه يمتنع عليه الكلام. ومنه الحصور عن النساء لامتناع الجماع عليه، ومنه الحصر في الغائط إذا احتبس عليه. وقيل للحصير المنسوج حصيراً، لأنه حُصِرت جوانبه عن أن تنفلت. وقيل: لأنه حصرت طاقـ[ـا]ته بعضها من بعض.

الإسراء 17:9

قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ إلى [قوله]: ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة أن لهم أجراً كبيراً وهو الجنة . وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل: المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر الله [عز وجل]، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى هذا أكثر المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من العذاب. ثم قال [تعالى]: ﴿وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾. أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذاباً أليماً، أي: مؤلم وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. * * ثم قال: ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ﴾. المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائـ[ـه] ربه [عز وجل] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما يسأل أن يحييه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما يستجيب له في الخير لأهلكه. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾. أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [عز وجل] عليه بالإجابة. وروي أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم حين نهض [قبل] أن يجري فيه كله. وقال ابن عباس: لما نفخ الله [عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحماً [ودماً]. فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ فالإنسان هنا في موضع الناس. وروى أن النبي ﷺ دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فجعل يئن من الليل. فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي [ﷺ] دعا به، فأعلم شأنه. فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها. فقال النبي ﷺ: إني سألت [الله] أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، فلترد سودة يدها * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾. معناه: أن الله [عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، فمن نعمه [أن] جعل الليل مخالفاً للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل والنهار. * * ومعنى ﴿آيَتَيْنِ﴾ أي: جعلنا الليل والنهار علامتين. فعلامة النها[ر] الشمس وعلامة الليل القمر ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. أي: بيناه [تبييناً] بياناً شافياً. * * وقوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونوراً كالشمس وقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة، وهي: الشمس. والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمرَّ بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: خلق الله [عز وجل] شمسين من نور عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمراً فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمرَّ جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الآية. فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر.

الإسراء 17:10

قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ إلى [قوله]: ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة أن لهم أجراً كبيراً وهو الجنة . وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل: المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر الله [عز وجل]، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى هذا أكثر المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من العذاب. ثم قال [تعالى]: ﴿وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾. أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذاباً أليماً، أي: مؤلم وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. * * ثم قال: ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ﴾. المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائـ[ـه] ربه [عز وجل] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما يسأل أن يحييه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما يستجيب له في الخير لأهلكه. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾. أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [عز وجل] عليه بالإجابة. وروي أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم حين نهض [قبل] أن يجري فيه كله. وقال ابن عباس: لما نفخ الله [عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحماً [ودماً]. فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ فالإنسان هنا في موضع الناس. وروى أن النبي ﷺ دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فجعل يئن من الليل. فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي [ﷺ] دعا به، فأعلم شأنه. فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها. فقال النبي ﷺ: إني سألت [الله] أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، فلترد سودة يدها * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾. معناه: أن الله [عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، فمن نعمه [أن] جعل الليل مخالفاً للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل والنهار. * * ومعنى ﴿آيَتَيْنِ﴾ أي: جعلنا الليل والنهار علامتين. فعلامة النها[ر] الشمس وعلامة الليل القمر ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. أي: بيناه [تبييناً] بياناً شافياً. * * وقوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونوراً كالشمس وقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة، وهي: الشمس. والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمرَّ بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: خلق الله [عز وجل] شمسين من نور عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمراً فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمرَّ جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الآية. فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر.

الإسراء 17:11

قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ إلى [قوله]: ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة أن لهم أجراً كبيراً وهو الجنة . وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل: المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر الله [عز وجل]، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى هذا أكثر المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من العذاب. ثم قال [تعالى]: ﴿وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾. أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذاباً أليماً، أي: مؤلم وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. * * ثم قال: ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ﴾. المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائـ[ـه] ربه [عز وجل] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما يسأل أن يحييه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما يستجيب له في الخير لأهلكه. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾. أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [عز وجل] عليه بالإجابة. وروي أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم حين نهض [قبل] أن يجري فيه كله. وقال ابن عباس: لما نفخ الله [عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحماً [ودماً]. فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ فالإنسان هنا في موضع الناس. وروى أن النبي ﷺ دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فجعل يئن من الليل. فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي [ﷺ] دعا به، فأعلم شأنه. فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها. فقال النبي ﷺ: إني سألت [الله] أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، فلترد سودة يدها * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾. معناه: أن الله [عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، فمن نعمه [أن] جعل الليل مخالفاً للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل والنهار. * * ومعنى ﴿آيَتَيْنِ﴾ أي: جعلنا الليل والنهار علامتين. فعلامة النها[ر] الشمس وعلامة الليل القمر ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. أي: بيناه [تبييناً] بياناً شافياً. * * وقوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونوراً كالشمس وقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة، وهي: الشمس. والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمرَّ بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: خلق الله [عز وجل] شمسين من نور عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمراً فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمرَّ جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الآية. فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر.

الإسراء 17:12

قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ إلى [قوله]: ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة أن لهم أجراً كبيراً وهو الجنة . وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل: المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر الله [عز وجل]، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى هذا أكثر المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من العذاب. ثم قال [تعالى]: ﴿وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾. أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذاباً أليماً، أي: مؤلم وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. * * ثم قال: ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ﴾. المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائـ[ـه] ربه [عز وجل] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما يسأل أن يحييه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما يستجيب له في الخير لأهلكه. * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾. أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [عز وجل] عليه بالإجابة. وروي أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم حين نهض [قبل] أن يجري فيه كله. وقال ابن عباس: لما نفخ الله [عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحماً [ودماً]. فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ فالإنسان هنا في موضع الناس. وروى أن النبي ﷺ دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فجعل يئن من الليل. فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي [ﷺ] دعا به، فأعلم شأنه. فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها. فقال النبي ﷺ: إني سألت [الله] أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، فلترد سودة يدها * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾. معناه: أن الله [عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، فمن نعمه [أن] جعل الليل مخالفاً للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل والنهار. * * ومعنى ﴿آيَتَيْنِ﴾ أي: جعلنا الليل والنهار علامتين. فعلامة النها[ر] الشمس وعلامة الليل القمر ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾. أي: بيناه [تبييناً] بياناً شافياً. * * وقوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ﴾، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونوراً كالشمس وقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة، وهي: الشمس. والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمرَّ بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: خلق الله [عز وجل] شمسين من نور عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمراً فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمرَّ جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الآية. فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر.

الإسراء 17:13

قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إلى قوله: ﴿تَدْمِيراً﴾. المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. * * وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله [عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً. قال ابن عباس: "طائره" عمله وما قدره الله [عز وجل] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: "ذلك بما كسبت يداك". وإن كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. وقيل: "طائره" حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء. * * وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً﴾. قرأه مجاهد والحسن وابن محيصن "ويخَرج" بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً. وقرأ أبو جعفر "ويُخرج" بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و "كتاباً" منصوب أيضاً على الحال، و "كتاباً" على قراءة الجماعة مفعول بـ "نخرج". وقال قتادة: "طائره" عمله. والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل ﴿كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ قال معمر: وتلى الحسن ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فـ[ـيـ]حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً. فيقال لك ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. ومعنى: ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ﴾. أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها. * * ثم قال: ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾. أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [عز وجل] ودخول جنته. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. وتقديره من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [وهو] مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. ويروى أنها نزلت في أبي سلمة بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل الله، جل ذكره: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. وقال "وازرة" بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [عز وجل] ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [عز وجل] بينة. وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [عز وجل] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. فأما عذاب الآخرة فإنه يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. ومعناها: عند ابن عباس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. وقيل: "المترفون" هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصا فيحق عليه القول بعصيانه. وعن قتادة: أن معنى "أمرنا" أكثرنا. وقال الكسائي: يجوز أن يكون "أمرنا" من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد "أمرنا" مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، والإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] أي: عظيماً. * * وقوله: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها وعد الله [عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً.

الإسراء 17:14

قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إلى قوله: ﴿تَدْمِيراً﴾. المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. * * وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله [عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً. قال ابن عباس: "طائره" عمله وما قدره الله [عز وجل] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: "ذلك بما كسبت يداك". وإن كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. وقيل: "طائره" حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء. * * وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً﴾. قرأه مجاهد والحسن وابن محيصن "ويخَرج" بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً. وقرأ أبو جعفر "ويُخرج" بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و "كتاباً" منصوب أيضاً على الحال، و "كتاباً" على قراءة الجماعة مفعول بـ "نخرج". وقال قتادة: "طائره" عمله. والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل ﴿كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ قال معمر: وتلى الحسن ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فـ[ـيـ]حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً. فيقال لك ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. ومعنى: ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ﴾. أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها. * * ثم قال: ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾. أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [عز وجل] ودخول جنته. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. وتقديره من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [وهو] مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. ويروى أنها نزلت في أبي سلمة بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل الله، جل ذكره: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. وقال "وازرة" بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [عز وجل] ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [عز وجل] بينة. وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [عز وجل] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. فأما عذاب الآخرة فإنه يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. ومعناها: عند ابن عباس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. وقيل: "المترفون" هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصا فيحق عليه القول بعصيانه. وعن قتادة: أن معنى "أمرنا" أكثرنا. وقال الكسائي: يجوز أن يكون "أمرنا" من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد "أمرنا" مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، والإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] أي: عظيماً. * * وقوله: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها وعد الله [عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً.

الإسراء 17:15

قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إلى قوله: ﴿تَدْمِيراً﴾. المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. * * وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله [عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً. قال ابن عباس: "طائره" عمله وما قدره الله [عز وجل] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: "ذلك بما كسبت يداك". وإن كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. وقيل: "طائره" حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء. * * وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً﴾. قرأه مجاهد والحسن وابن محيصن "ويخَرج" بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً. وقرأ أبو جعفر "ويُخرج" بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و "كتاباً" منصوب أيضاً على الحال، و "كتاباً" على قراءة الجماعة مفعول بـ "نخرج". وقال قتادة: "طائره" عمله. والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل ﴿كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ قال معمر: وتلى الحسن ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فـ[ـيـ]حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً. فيقال لك ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. ومعنى: ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ﴾. أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها. * * ثم قال: ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾. أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [عز وجل] ودخول جنته. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. وتقديره من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [وهو] مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. ويروى أنها نزلت في أبي سلمة بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل الله، جل ذكره: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. وقال "وازرة" بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [عز وجل] ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [عز وجل] بينة. وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [عز وجل] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. فأما عذاب الآخرة فإنه يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. ومعناها: عند ابن عباس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. وقيل: "المترفون" هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصا فيحق عليه القول بعصيانه. وعن قتادة: أن معنى "أمرنا" أكثرنا. وقال الكسائي: يجوز أن يكون "أمرنا" من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد "أمرنا" مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، والإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] أي: عظيماً. * * وقوله: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها وعد الله [عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً.

الإسراء 17:16

قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إلى قوله: ﴿تَدْمِيراً﴾. المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. * * وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله [عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً. قال ابن عباس: "طائره" عمله وما قدره الله [عز وجل] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: "ذلك بما كسبت يداك". وإن كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. وقيل: "طائره" حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء. * * وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً﴾. قرأه مجاهد والحسن وابن محيصن "ويخَرج" بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً. وقرأ أبو جعفر "ويُخرج" بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و "كتاباً" منصوب أيضاً على الحال، و "كتاباً" على قراءة الجماعة مفعول بـ "نخرج". وقال قتادة: "طائره" عمله. والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل ﴿كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ قال معمر: وتلى الحسن ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فـ[ـيـ]حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً. فيقال لك ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. ومعنى: ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ﴾. أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها. * * ثم قال: ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾. أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [عز وجل] ودخول جنته. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. وتقديره من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [وهو] مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. ويروى أنها نزلت في أبي سلمة بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل الله، جل ذكره: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. وقال "وازرة" بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [عز وجل] ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [عز وجل] بينة. وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [عز وجل] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. فأما عذاب الآخرة فإنه يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. ومعناها: عند ابن عباس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. وقيل: "المترفون" هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصا فيحق عليه القول بعصيانه. وعن قتادة: أن معنى "أمرنا" أكثرنا. وقال الكسائي: يجوز أن يكون "أمرنا" من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد "أمرنا" مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، والإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] أي: عظيماً. * * وقوله: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها وعد الله [عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً.

الإسراء 17:17

قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾. هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾. أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. ودخلت الباء في "كفى بربك" و "كفى بالله" لأن في الكلام معنى المدح. فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلاً. وناهيك به صاحباً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ من توسيع أو تقتير لمن نريد. وقرئت "ما شاء" بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً. وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: "مذموماً": ملوماً. [ثم قال تعالى] ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله "وهو مؤمن" أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [عز وجل] ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ وشكر الله [عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. * * ثم قال: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾. "كلا" منصوب بنمد و "هؤلاء" بدل من كل. والمعنى: أن الله [عز وجل] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بعد الممات. وتفترق بهم الورود يوم القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾. أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [عز وجل] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً. وقال في معنى الآية: إن الله [عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين. ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً. وقيل: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي ﷺ "بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها"قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه.

الإسراء 17:18

قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾. هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾. أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. ودخلت الباء في "كفى بربك" و "كفى بالله" لأن في الكلام معنى المدح. فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلاً. وناهيك به صاحباً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ من توسيع أو تقتير لمن نريد. وقرئت "ما شاء" بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً. وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: "مذموماً": ملوماً. [ثم قال تعالى] ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله "وهو مؤمن" أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [عز وجل] ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ وشكر الله [عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. * * ثم قال: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾. "كلا" منصوب بنمد و "هؤلاء" بدل من كل. والمعنى: أن الله [عز وجل] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بعد الممات. وتفترق بهم الورود يوم القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾. أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [عز وجل] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً. وقال في معنى الآية: إن الله [عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين. ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً. وقيل: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي ﷺ "بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها"قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه.

الإسراء 17:19

قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾. هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾. أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. ودخلت الباء في "كفى بربك" و "كفى بالله" لأن في الكلام معنى المدح. فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلاً. وناهيك به صاحباً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ من توسيع أو تقتير لمن نريد. وقرئت "ما شاء" بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً. وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: "مذموماً": ملوماً. [ثم قال تعالى] ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله "وهو مؤمن" أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [عز وجل] ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ وشكر الله [عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. * * ثم قال: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾. "كلا" منصوب بنمد و "هؤلاء" بدل من كل. والمعنى: أن الله [عز وجل] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بعد الممات. وتفترق بهم الورود يوم القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾. أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [عز وجل] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً. وقال في معنى الآية: إن الله [عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين. ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً. وقيل: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي ﷺ "بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها"قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه.

الإسراء 17:20

قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾. هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾. أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. ودخلت الباء في "كفى بربك" و "كفى بالله" لأن في الكلام معنى المدح. فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلاً. وناهيك به صاحباً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ من توسيع أو تقتير لمن نريد. وقرئت "ما شاء" بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً. وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: "مذموماً": ملوماً. [ثم قال تعالى] ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله "وهو مؤمن" أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [عز وجل] ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ وشكر الله [عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. * * ثم قال: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾. "كلا" منصوب بنمد و "هؤلاء" بدل من كل. والمعنى: أن الله [عز وجل] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بعد الممات. وتفترق بهم الورود يوم القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾. أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [عز وجل] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً. وقال في معنى الآية: إن الله [عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين. ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً. وقيل: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي ﷺ "بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها"قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه.

الإسراء 17:21

قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾. هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾. أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. ودخلت الباء في "كفى بربك" و "كفى بالله" لأن في الكلام معنى المدح. فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلاً. وناهيك به صاحباً. * * ثم قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ من توسيع أو تقتير لمن نريد. وقرئت "ما شاء" بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً. وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: "مذموماً": ملوماً. [ثم قال تعالى] ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله "وهو مؤمن" أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [عز وجل] ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ وشكر الله [عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. * * ثم قال: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾. "كلا" منصوب بنمد و "هؤلاء" بدل من كل. والمعنى: أن الله [عز وجل] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بعد الممات. وتفترق بهم الورود يوم القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد. * * ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾. أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [عز وجل] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً. وقال في معنى الآية: إن الله [عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين. ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً. وقيل: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي ﷺ "بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها"قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه.

الإسراء 17:22

ثم قال تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، والمعنى لا تجعلوا مع الله شريكاً فيقعد كل واحد منكم مذموماً، أي: ملوماً على ما صنع "مخذولاً" أي: قد أسلمه ربه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. قال ابن عباس: قضى معناه: أمر. وفي حرف عبد الله: "ووصى ربك" وكذلك قرأها الضحاك و [الـ]ـمعنى أمر أن تفردوه بالعبادة فلا تجعلوا له شريكاً. * * ثم قال: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحساناً ومعنى "بالوالدين" إلى الوالدين. * * وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾. من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله ﴿أَحَدُهُمَا﴾. ومن أظهر ضمير اثنين فلأنه تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل. ويكون أحدهما مبتدأ وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف. وقيل: أن أحدهما أو كلاهما بدل من المضمر في يبلغن. ثم قال [تعالى]: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ . في "أف" سبعُ لغات: أفَّ بالفتح وأفِّ بالكسر، [و "أف"، بالكسر] والتنوين. فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفّاً بالنصب والتنوين وأفٌّ بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون. وحكى الأخفش: "أفي" بالياء. فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين. ومن فتح ونون اعمل الفعل فيه كما تقول: ما قتلت أفاً ولا تفاً. ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين وشبهه بالأصوات فنونه. وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحاً من القول. ومن لم ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول. وقيل [المنَوَّن] منه وغير المُنَوَّن سواء، وإنما يكون التنوين فرقاً بين المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصاً على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا بما جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من التعريف والتنكير. ومن ضم حركة لالتقاء الساكنين. و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد. وقيل: ضم على الاتباع لضمة الهمزة كما تقول: مُدَّ. فتضم الدال اتباعاً لضمة الميم. ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق بين المعرفة والنكرة. واستبعد الأخفش التنوين مع الضم. قال: لأنه ليس معه لام. كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعاً بالابتداء. كما يقال: قيل: ويل له. وقال في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعساً له. ومعنى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما يحدثان عندك من الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى. ولكن تمـ[ـيـ]ـط عنهما ذلك كما كانا يميطانـ[ـه] عنك صغيراً، قاله مجاهد. وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما. و[أ]صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: "أف" وقيل الأف: وسخ الأظفار. والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن. والأول أشهر وأعرف. * * وقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾. [أي]: ولا تضجر عليهما وتصح. وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك. ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول. وعن عمر ابن الخطاب [رضي الله عنه] أنه قال: لا تمتنع من شيء يريدانه. وقال قتادة: ﴿قَوْلاً كَرِيماً﴾ سهلاً ليناً. وقال ابن المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. * * ثم قال: ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾. أي: كن لهما ذليلاً، رحمة منك لهما وتعظيماً فيما أمر[ا]ك به مما ليس معصية [لله عز وجل]. هذا قول عروة بن الزبير. وعنه أيضاً أن معناه: لا تمتنع من شيء أحباه. والذل والذلة: مصدر الذليل. والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول. نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة. ومنه قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ [الملك: ١٥]. وقرأ ابن جبير والجحدري "الذِل" بكسر الذال، بمعنى: ألِنْ لهما جانبك واسمح لهما. يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحاً لينا مواتياً. ومنه ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا عليّ في صغر[ي] فرحماني وربياني صغيراً. وروى عن النبي ﷺ أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: "من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه". وكانوا يرون أن من بر والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم بالخير. و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: ﴿رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ منسوخ بالنهي عن الاستغفار للمشركين. وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة. وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، فلا يستغفر له. فأما إذا كانا مشركين حَيَّيْنِ، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [ﷺ] خليل الرحمن [عز وجل]. ويروى أن رجلاً قال: يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما [به] بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإكرام صديقهما، وإنفاد عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما

الإسراء 17:23

ثم قال تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، والمعنى لا تجعلوا مع الله شريكاً فيقعد كل واحد منكم مذموماً، أي: ملوماً على ما صنع "مخذولاً" أي: قد أسلمه ربه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. قال ابن عباس: قضى معناه: أمر. وفي حرف عبد الله: "ووصى ربك" وكذلك قرأها الضحاك و [الـ]ـمعنى أمر أن تفردوه بالعبادة فلا تجعلوا له شريكاً. * * ثم قال: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحساناً ومعنى "بالوالدين" إلى الوالدين. * * وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾. من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله ﴿أَحَدُهُمَا﴾. ومن أظهر ضمير اثنين فلأنه تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل. ويكون أحدهما مبتدأ وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف. وقيل: أن أحدهما أو كلاهما بدل من المضمر في يبلغن. ثم قال [تعالى]: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ . في "أف" سبعُ لغات: أفَّ بالفتح وأفِّ بالكسر، [و "أف"، بالكسر] والتنوين. فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفّاً بالنصب والتنوين وأفٌّ بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون. وحكى الأخفش: "أفي" بالياء. فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين. ومن فتح ونون اعمل الفعل فيه كما تقول: ما قتلت أفاً ولا تفاً. ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين وشبهه بالأصوات فنونه. وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحاً من القول. ومن لم ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول. وقيل [المنَوَّن] منه وغير المُنَوَّن سواء، وإنما يكون التنوين فرقاً بين المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصاً على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا بما جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من التعريف والتنكير. ومن ضم حركة لالتقاء الساكنين. و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد. وقيل: ضم على الاتباع لضمة الهمزة كما تقول: مُدَّ. فتضم الدال اتباعاً لضمة الميم. ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق بين المعرفة والنكرة. واستبعد الأخفش التنوين مع الضم. قال: لأنه ليس معه لام. كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعاً بالابتداء. كما يقال: قيل: ويل له. وقال في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعساً له. ومعنى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما يحدثان عندك من الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى. ولكن تمـ[ـيـ]ـط عنهما ذلك كما كانا يميطانـ[ـه] عنك صغيراً، قاله مجاهد. وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما. و[أ]صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: "أف" وقيل الأف: وسخ الأظفار. والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن. والأول أشهر وأعرف. * * وقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾. [أي]: ولا تضجر عليهما وتصح. وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك. ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول. وعن عمر ابن الخطاب [رضي الله عنه] أنه قال: لا تمتنع من شيء يريدانه. وقال قتادة: ﴿قَوْلاً كَرِيماً﴾ سهلاً ليناً. وقال ابن المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. * * ثم قال: ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾. أي: كن لهما ذليلاً، رحمة منك لهما وتعظيماً فيما أمر[ا]ك به مما ليس معصية [لله عز وجل]. هذا قول عروة بن الزبير. وعنه أيضاً أن معناه: لا تمتنع من شيء أحباه. والذل والذلة: مصدر الذليل. والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول. نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة. ومنه قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ [الملك: ١٥]. وقرأ ابن جبير والجحدري "الذِل" بكسر الذال، بمعنى: ألِنْ لهما جانبك واسمح لهما. يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحاً لينا مواتياً. ومنه ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا عليّ في صغر[ي] فرحماني وربياني صغيراً. وروى عن النبي ﷺ أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: "من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه". وكانوا يرون أن من بر والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم بالخير. و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: ﴿رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ منسوخ بالنهي عن الاستغفار للمشركين. وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة. وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، فلا يستغفر له. فأما إذا كانا مشركين حَيَّيْنِ، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [ﷺ] خليل الرحمن [عز وجل]. ويروى أن رجلاً قال: يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما [به] بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإكرام صديقهما، وإنفاد عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما

الإسراء 17:24

ثم قال تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، والمعنى لا تجعلوا مع الله شريكاً فيقعد كل واحد منكم مذموماً، أي: ملوماً على ما صنع "مخذولاً" أي: قد أسلمه ربه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. قال ابن عباس: قضى معناه: أمر. وفي حرف عبد الله: "ووصى ربك" وكذلك قرأها الضحاك و [الـ]ـمعنى أمر أن تفردوه بالعبادة فلا تجعلوا له شريكاً. * * ثم قال: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحساناً ومعنى "بالوالدين" إلى الوالدين. * * وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾. من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله ﴿أَحَدُهُمَا﴾. ومن أظهر ضمير اثنين فلأنه تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل. ويكون أحدهما مبتدأ وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف. وقيل: أن أحدهما أو كلاهما بدل من المضمر في يبلغن. ثم قال [تعالى]: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ . في "أف" سبعُ لغات: أفَّ بالفتح وأفِّ بالكسر، [و "أف"، بالكسر] والتنوين. فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفّاً بالنصب والتنوين وأفٌّ بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون. وحكى الأخفش: "أفي" بالياء. فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين. ومن فتح ونون اعمل الفعل فيه كما تقول: ما قتلت أفاً ولا تفاً. ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين وشبهه بالأصوات فنونه. وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحاً من القول. ومن لم ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول. وقيل [المنَوَّن] منه وغير المُنَوَّن سواء، وإنما يكون التنوين فرقاً بين المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصاً على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا بما جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من التعريف والتنكير. ومن ضم حركة لالتقاء الساكنين. و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد. وقيل: ضم على الاتباع لضمة الهمزة كما تقول: مُدَّ. فتضم الدال اتباعاً لضمة الميم. ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق بين المعرفة والنكرة. واستبعد الأخفش التنوين مع الضم. قال: لأنه ليس معه لام. كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعاً بالابتداء. كما يقال: قيل: ويل له. وقال في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعساً له. ومعنى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما يحدثان عندك من الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى. ولكن تمـ[ـيـ]ـط عنهما ذلك كما كانا يميطانـ[ـه] عنك صغيراً، قاله مجاهد. وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما. و[أ]صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: "أف" وقيل الأف: وسخ الأظفار. والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن. والأول أشهر وأعرف. * * وقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾. [أي]: ولا تضجر عليهما وتصح. وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك. ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول. وعن عمر ابن الخطاب [رضي الله عنه] أنه قال: لا تمتنع من شيء يريدانه. وقال قتادة: ﴿قَوْلاً كَرِيماً﴾ سهلاً ليناً. وقال ابن المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. * * ثم قال: ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾. أي: كن لهما ذليلاً، رحمة منك لهما وتعظيماً فيما أمر[ا]ك به مما ليس معصية [لله عز وجل]. هذا قول عروة بن الزبير. وعنه أيضاً أن معناه: لا تمتنع من شيء أحباه. والذل والذلة: مصدر الذليل. والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول. نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة. ومنه قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ [الملك: ١٥]. وقرأ ابن جبير والجحدري "الذِل" بكسر الذال، بمعنى: ألِنْ لهما جانبك واسمح لهما. يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحاً لينا مواتياً. ومنه ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا عليّ في صغر[ي] فرحماني وربياني صغيراً. وروى عن النبي ﷺ أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: "من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه". وكانوا يرون أن من بر والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم بالخير. و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: ﴿رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ منسوخ بالنهي عن الاستغفار للمشركين. وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة. وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، فلا يستغفر له. فأما إذا كانا مشركين حَيَّيْنِ، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [ﷺ] خليل الرحمن [عز وجل]. ويروى أن رجلاً قال: يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما [به] بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإكرام صديقهما، وإنفاد عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما

الإسراء 17:25

قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾. معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. [ومعنى ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ﴾ أي: للثوابين بعد الهفوة "غفوراً" أي: ساتراً لذنوبهم إذا تابوا منها. قال ابن جبير في قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾: هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير. وقال ابن عباس: "للأوابين" المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلّون بين المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلّون صلاة الضحى. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [عز وجل] إلى طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع. وأوّاب فعّال من أب. والأوبة الرجعة منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله [عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. أي: لا تمحق ما أعطاك الله [عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق. وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قول حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء للشياطين]. * * ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾. أي: لنعمة ربه [عز وجل] جاحداً لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم. وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخاً. فلذلك قال: ﴿كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولاً ميسوراً، أي: عدوهم وعداً جميلاً. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم... وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في معاصي الله [عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولاً ميسوراً، أي: قولاً جميلاً: رزقك الله، ووفّقك الله ونحوه. وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [عز وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول يرزقنا الله وإياكم من فضله. وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي ﷺ فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ أي: عدهم وعداً حسناً.

الإسراء 17:26

قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾. معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. [ومعنى ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ﴾ أي: للثوابين بعد الهفوة "غفوراً" أي: ساتراً لذنوبهم إذا تابوا منها. قال ابن جبير في قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾: هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير. وقال ابن عباس: "للأوابين" المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلّون بين المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلّون صلاة الضحى. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [عز وجل] إلى طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع. وأوّاب فعّال من أب. والأوبة الرجعة منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله [عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. أي: لا تمحق ما أعطاك الله [عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق. وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قول حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء للشياطين]. * * ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾. أي: لنعمة ربه [عز وجل] جاحداً لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم. وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخاً. فلذلك قال: ﴿كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولاً ميسوراً، أي: عدوهم وعداً جميلاً. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم... وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في معاصي الله [عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولاً ميسوراً، أي: قولاً جميلاً: رزقك الله، ووفّقك الله ونحوه. وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [عز وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول يرزقنا الله وإياكم من فضله. وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي ﷺ فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ أي: عدهم وعداً حسناً.

الإسراء 17:27

قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾. معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. [ومعنى ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ﴾ أي: للثوابين بعد الهفوة "غفوراً" أي: ساتراً لذنوبهم إذا تابوا منها. قال ابن جبير في قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾: هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير. وقال ابن عباس: "للأوابين" المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلّون بين المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلّون صلاة الضحى. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [عز وجل] إلى طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع. وأوّاب فعّال من أب. والأوبة الرجعة منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله [عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. أي: لا تمحق ما أعطاك الله [عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق. وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قول حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء للشياطين]. * * ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾. أي: لنعمة ربه [عز وجل] جاحداً لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم. وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخاً. فلذلك قال: ﴿كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولاً ميسوراً، أي: عدوهم وعداً جميلاً. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم... وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في معاصي الله [عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولاً ميسوراً، أي: قولاً جميلاً: رزقك الله، ووفّقك الله ونحوه. وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [عز وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول يرزقنا الله وإياكم من فضله. وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي ﷺ فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ أي: عدهم وعداً حسناً.

الإسراء 17:28

قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾. معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. [ومعنى ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ﴾ أي: للثوابين بعد الهفوة "غفوراً" أي: ساتراً لذنوبهم إذا تابوا منها. قال ابن جبير في قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾: هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير. وقال ابن عباس: "للأوابين" المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلّون بين المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلّون صلاة الضحى. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [عز وجل] إلى طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع. وأوّاب فعّال من أب. والأوبة الرجعة منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله [عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ. وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. أي: لا تمحق ما أعطاك الله [عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق. وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قول حسن. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء للشياطين]. * * ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾. أي: لنعمة ربه [عز وجل] جاحداً لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم. وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخاً. فلذلك قال: ﴿كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولاً ميسوراً، أي: عدوهم وعداً جميلاً. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم... وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في معاصي الله [عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولاً ميسوراً، أي: قولاً جميلاً: رزقك الله، ووفّقك الله ونحوه. وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [عز وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول يرزقنا الله وإياكم من فضله. وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي ﷺ فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ أي: عدهم وعداً حسناً.

الإسراء 17:29

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾. هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [عز وجل] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. والخطاب للنبي [ﷺ] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بالنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. * * ومعنى ﴿مَّحْسُوراً﴾ أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، "فتقعد ملوماً" مذنباً "محسوراً" منقطعاً بك. وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل، فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني. وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك الناس الذين فاتهم العطاء "محسوراً" أي منقطعاً ليس معك ما تعطي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. وروي عن قالون: "كل البصط" بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفقر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [عز وجل]. وتقتلوا في موضع نصب عطف على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا تقتلوا". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٢٣]. "ولا تقتلوا": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ وينقض عليه هذا التقدير قوله: "ولا تقف" وقوله: "ولا تمش"، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [عز وجل]. ومعنى "كان خِطئاً": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً. لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خـ[ـا]طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ. وقراءة ابن ذكوان: "خَطَأ" بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد. والخطأ الاسم منه. وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً. وقرأ ابن كثير "خطاءً" بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: ؎ لها وثبات كصَرُبِ السحاب ∗∗∗ فواد خطاء وواد مُهْر ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة "فواد خطيط". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. وقال ابن الإعرابي: "فواد خطا" أي يخطو وادياً، وواد مطر. أي تعدو [وا]دياً. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع نصب. ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [عز وجل] تورد صاحبه نار جهنم.

الإسراء 17:30

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾. هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [عز وجل] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. والخطاب للنبي [ﷺ] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بالنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. * * ومعنى ﴿مَّحْسُوراً﴾ أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، "فتقعد ملوماً" مذنباً "محسوراً" منقطعاً بك. وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل، فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني. وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك الناس الذين فاتهم العطاء "محسوراً" أي منقطعاً ليس معك ما تعطي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. وروي عن قالون: "كل البصط" بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفقر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [عز وجل]. وتقتلوا في موضع نصب عطف على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا تقتلوا". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٢٣]. "ولا تقتلوا": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ وينقض عليه هذا التقدير قوله: "ولا تقف" وقوله: "ولا تمش"، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [عز وجل]. ومعنى "كان خِطئاً": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً. لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خـ[ـا]طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ. وقراءة ابن ذكوان: "خَطَأ" بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد. والخطأ الاسم منه. وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً. وقرأ ابن كثير "خطاءً" بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: ؎ لها وثبات كصَرُبِ السحاب ∗∗∗ فواد خطاء وواد مُهْر ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة "فواد خطيط". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. وقال ابن الإعرابي: "فواد خطا" أي يخطو وادياً، وواد مطر. أي تعدو [وا]دياً. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع نصب. ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [عز وجل] تورد صاحبه نار جهنم.

الإسراء 17:31

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾. هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [عز وجل] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. والخطاب للنبي [ﷺ] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بالنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. * * ومعنى ﴿مَّحْسُوراً﴾ أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، "فتقعد ملوماً" مذنباً "محسوراً" منقطعاً بك. وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل، فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني. وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك الناس الذين فاتهم العطاء "محسوراً" أي منقطعاً ليس معك ما تعطي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. وروي عن قالون: "كل البصط" بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفقر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [عز وجل]. وتقتلوا في موضع نصب عطف على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا تقتلوا". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٢٣]. "ولا تقتلوا": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ وينقض عليه هذا التقدير قوله: "ولا تقف" وقوله: "ولا تمش"، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [عز وجل]. ومعنى "كان خِطئاً": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً. لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خـ[ـا]طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ. وقراءة ابن ذكوان: "خَطَأ" بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد. والخطأ الاسم منه. وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً. وقرأ ابن كثير "خطاءً" بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: ؎ لها وثبات كصَرُبِ السحاب ∗∗∗ فواد خطاء وواد مُهْر ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة "فواد خطيط". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. وقال ابن الإعرابي: "فواد خطا" أي يخطو وادياً، وواد مطر. أي تعدو [وا]دياً. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع نصب. ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [عز وجل] تورد صاحبه نار جهنم.

الإسراء 17:32

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾. هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [عز وجل] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. والخطاب للنبي [ﷺ] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بالنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. * * ومعنى ﴿مَّحْسُوراً﴾ أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، "فتقعد ملوماً" مذنباً "محسوراً" منقطعاً بك. وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل، فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني. وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك الناس الذين فاتهم العطاء "محسوراً" أي منقطعاً ليس معك ما تعطي. * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. وروي عن قالون: "كل البصط" بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفقر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [عز وجل]. وتقتلوا في موضع نصب عطف على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا تقتلوا". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٢٣]. "ولا تقتلوا": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ وينقض عليه هذا التقدير قوله: "ولا تقف" وقوله: "ولا تمش"، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [عز وجل]. ومعنى "كان خِطئاً": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً. لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خـ[ـا]طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ. وقراءة ابن ذكوان: "خَطَأ" بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد. والخطأ الاسم منه. وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً. وقرأ ابن كثير "خطاءً" بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: ؎ لها وثبات كصَرُبِ السحاب ∗∗∗ فواد خطاء وواد مُهْر ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة "فواد خطيط". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. وقال ابن الإعرابي: "فواد خطا" أي يخطو وادياً، وواد مطر. أي تعدو [وا]دياً. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع نصب. ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [عز وجل] تورد صاحبه نار جهنم.

الإسراء 17:33

قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ مَسْؤُولاً﴾. أي: لا تقتلوا نفساً قد حرّم الله [عز وجل] قتلها. "إلا بالحق" أي: إلا أن تكفر بعد إسلام، أو تزنى بعد إحصان، أو قوداً بنفس. * * وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾. أي: جعلنا له نصراً وحجة على أخذ الثأر ممن قتل وليّه فإن شاء عفا وإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية. فإذا عفا بعض الورثة لم يقتل القاتل. والمرأة في ذلك والرجل سواء إذا كانا وارثين، هذا قول الشعبي وعطاء وطاووس والنخعي والثوري والشافعي وابن حنبل. فإن كان في الورثة صغيراً استوني بالقتل حتى يبلغ، فإن عفا لم يقتل وإن لم يعف قتل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى. وابن شبرمة. والثوري وأحمد وإسحاق. وقال الحسن البصري وقتادة: لا عفو للنساء وإن كن وارثات. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة اختلاف، وروي عنه أنه قال: لا عفو للزوج، وعنه: لا عفو للمرأة في الدم. وقال الليث وربيعة والأوزاعي ليس للنساء عفو في دم ولا قسامة. وقال مالك إذا كان ورثة المقتول بنين وبنات فعفت إحدى البنات لم يجز عفوها، فإن عفا أحد البنين جاز العفو وأخذت الدية ويرثها الورثة على قدر موارثهم من الميت، ويقضي عن الميت من الدية دين إن كان عليه. وقوله ﴿وَلِيِّهِ﴾ يحتمل واحداً وجماعة، كما قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. ومعنى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ أي: من قتل على غير المعاني المتقدم ذكرها. وقال الشافعي: إذا عفا الولي استحق أخذ الدية. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾. أي: لا يقتل الولي غير قاتل وليه. لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك: يقتل الرجل الرجل فيقتل أولياء المقتول أشرف من القاتل ويتركون القاتل، فنهى الله [عز وجل] عند ذلك بقوله: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾ أي لا يسرف الولي. ومن قرأ بالتاء، جعله مخاطبة للنبي ﷺ والأئمة بعده. وقيل هو مخاطبة للقاتل ألا يقتل غيره فيسرف في ذلك فيناله القتل. وقيل: معنى ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾ لا يمثل ولي المقتول بالقاتل، بل يقتله كما قتل وليه، قاله قتادة. وقيل: معناه لا يقتل اثنان بواحد. والهاء في "أنه" تعود على المقتول، فتعود الهاء على "من" قاله مجاهد. فيكون المعنى: إن المقتول كان منصوراً بوليه. وقال قتادة: الهاء للولي. أي: [بأن الولي] كان منصوراً. وقيل: الهاء تعود على الدم. أي: [إن] دم المقتول كان منصوراً على القاتل. وقال الفراء: الهاء تعود على القتل أي القتل كان منصوراً. وقال أبو عبيدة الهاء للقاتل [أي]: إن القاتل كان منصوراً إذا قيد منه في الدنيا وسلم من عذاب الآخرة بقتله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. أي: لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبداراً أن يكبروا ولكن أقربوها بالإصلاح والتثمير لها. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ. فكانوا لا يخالطوهم في طعام ولا أكل ولا غيره. فأنزل الله [عز وجل]. ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ [البقر: ٢٢٠] فكانت هذه رخصة لهم في المخالطة. وقال مجاهد: معنى الآية: لا تقربوا مال اليتيم فتستقرضوا منه ﴿إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ التجارة لهم فيها. * * وقوله: ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد: الحلم. ومعناه في اللغة: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه. وأن يكون مع ذلك في غير ذي عاهة في عقل وأن يكون حاز ما في ماله. وكذلك الأشد في قصة يوسف [عليه السلام] هو الحلم، فأما الأشد في [قصة] موسى [عليه السلام] فقيل: هو بضع وثلاثين سنة. و "استوى" بلغ أربعين سنة. و [قيل]: الأشد هنا ثمان عشرة سنة. والأشد، عند سيبويه، جمع واحد[ه]: شَد كقَد وأقدُ. وهو عند غيره اسم مفرد. ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾. أي: مسؤولاً عنه من نقضه. أي: أوفوا بما عاهدتم عليه الناس من صلح أو بيع أو شراء. إن الله سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، وقيل: مسؤولاً: مطلوباً. ومن العهد الذي أمر الله [عز وجل] بوفائه الوقوف عند أمره ونهيه والعمل بطاعته ومنه جميع ما أمر الله [عز وجل] به في هذه الآية قبله ونهى عنه.

الإسراء 17:34

قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ مَسْؤُولاً﴾. أي: لا تقتلوا نفساً قد حرّم الله [عز وجل] قتلها. "إلا بالحق" أي: إلا أن تكفر بعد إسلام، أو تزنى بعد إحصان، أو قوداً بنفس. * * وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾. أي: جعلنا له نصراً وحجة على أخذ الثأر ممن قتل وليّه فإن شاء عفا وإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية. فإذا عفا بعض الورثة لم يقتل القاتل. والمرأة في ذلك والرجل سواء إذا كانا وارثين، هذا قول الشعبي وعطاء وطاووس والنخعي والثوري والشافعي وابن حنبل. فإن كان في الورثة صغيراً استوني بالقتل حتى يبلغ، فإن عفا لم يقتل وإن لم يعف قتل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى. وابن شبرمة. والثوري وأحمد وإسحاق. وقال الحسن البصري وقتادة: لا عفو للنساء وإن كن وارثات. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة اختلاف، وروي عنه أنه قال: لا عفو للزوج، وعنه: لا عفو للمرأة في الدم. وقال الليث وربيعة والأوزاعي ليس للنساء عفو في دم ولا قسامة. وقال مالك إذا كان ورثة المقتول بنين وبنات فعفت إحدى البنات لم يجز عفوها، فإن عفا أحد البنين جاز العفو وأخذت الدية ويرثها الورثة على قدر موارثهم من الميت، ويقضي عن الميت من الدية دين إن كان عليه. وقوله ﴿وَلِيِّهِ﴾ يحتمل واحداً وجماعة، كما قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. ومعنى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ أي: من قتل على غير المعاني المتقدم ذكرها. وقال الشافعي: إذا عفا الولي استحق أخذ الدية. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾. أي: لا يقتل الولي غير قاتل وليه. لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك: يقتل الرجل الرجل فيقتل أولياء المقتول أشرف من القاتل ويتركون القاتل، فنهى الله [عز وجل] عند ذلك بقوله: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾ أي لا يسرف الولي. ومن قرأ بالتاء، جعله مخاطبة للنبي ﷺ والأئمة بعده. وقيل هو مخاطبة للقاتل ألا يقتل غيره فيسرف في ذلك فيناله القتل. وقيل: معنى ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾ لا يمثل ولي المقتول بالقاتل، بل يقتله كما قتل وليه، قاله قتادة. وقيل: معناه لا يقتل اثنان بواحد. والهاء في "أنه" تعود على المقتول، فتعود الهاء على "من" قاله مجاهد. فيكون المعنى: إن المقتول كان منصوراً بوليه. وقال قتادة: الهاء للولي. أي: [بأن الولي] كان منصوراً. وقيل: الهاء تعود على الدم. أي: [إن] دم المقتول كان منصوراً على القاتل. وقال الفراء: الهاء تعود على القتل أي القتل كان منصوراً. وقال أبو عبيدة الهاء للقاتل [أي]: إن القاتل كان منصوراً إذا قيد منه في الدنيا وسلم من عذاب الآخرة بقتله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. أي: لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبداراً أن يكبروا ولكن أقربوها بالإصلاح والتثمير لها. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ. فكانوا لا يخالطوهم في طعام ولا أكل ولا غيره. فأنزل الله [عز وجل]. ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾ [البقر: ٢٢٠] فكانت هذه رخصة لهم في المخالطة. وقال مجاهد: معنى الآية: لا تقربوا مال اليتيم فتستقرضوا منه ﴿إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ التجارة لهم فيها. * * وقوله: ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد: الحلم. ومعناه في اللغة: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه. وأن يكون مع ذلك في غير ذي عاهة في عقل وأن يكون حاز ما في ماله. وكذلك الأشد في قصة يوسف [عليه السلام] هو الحلم، فأما الأشد في [قصة] موسى [عليه السلام] فقيل: هو بضع وثلاثين سنة. و "استوى" بلغ أربعين سنة. و [قيل]: الأشد هنا ثمان عشرة سنة. والأشد، عند سيبويه، جمع واحد[ه]: شَد كقَد وأقدُ. وهو عند غيره اسم مفرد. ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾. أي: مسؤولاً عنه من نقضه. أي: أوفوا بما عاهدتم عليه الناس من صلح أو بيع أو شراء. إن الله سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، وقيل: مسؤولاً: مطلوباً. ومن العهد الذي أمر الله [عز وجل] بوفائه الوقوف عند أمره ونهيه والعمل بطاعته ومنه جميع ما أمر الله [عز وجل] به في هذه الآية قبله ونهى عنه.

الإسراء 17:35

قوله: ﴿وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. وقال الحسن: هو القبان. وروى الأعمش عن أبي بكر: "القصطاس" بالصاد في السورتين. * * ثم قال: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [عز وجل] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال قتادة: "وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً" وأحسن ثواباً وعاقبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد. فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا] أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. وقرأ بعضهم: "ولا تقف" مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. فأما قوله: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ﴾ فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. وأصل القفو في اللغة التتبع. ومنه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، "ولا تَقْفُ مَا لَيْس" لا تتبع ما ليس لك به علم. وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على القلب مثل قول الشاعر: ؎ ولو أني رميتك من بعيد ∗∗∗ لعاقك من دعاء الذنب عاق يريد عائق، فقلب. وقوله: "كُلُّ أُولَئِكَ" ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن "أولئك" و "هؤلاء" للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكير. و "هذه" و "تلك" للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك. وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً. ونصب "مرحاً" على الحال وهو مصدر في موضع الحال. وقرأ بعضهم: "مَرِحاً" بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. ثم قال [تعالى]" ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ﴾. أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء. * * ثم قال: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أي: كل ما نهى الله [عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. وقرأ الكوفيون وابن عامر "سيئة" بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه القراءة أن الله [عز وجل] قدّم ذكر أشياء أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها. ولو كان "سيئه" غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً. وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضاً لها بقوله: "مكروهاً" ولم يقل "مكروهة" فوجب تذكير "السيء" وإضافته لذلك. وهذا لا يلزم من قرأ "سيئة" غير مضاف لأن الله [عز وجل] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت "كل ذلك [في قوله: "كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر "مكروهاً" وعلى لفظ "كل" و "كل" مضمر في "كان" و "مكروهاً" خبر عن ذلك المضمر. و "سيئة" خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث. وقال إنما ذكر "مكروهاً" في قراءة من قرأ "سيئة" لأن تأنيث السيئة غير حقيقي. وقيل: "السيء" و "السيئة" واحد فأجرى "مكروهاً" على "السيء" كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. وقيل: "السيئة" و "السوء" واحد فذكر "مكروهاً" حملاً على "السوء". وقيل إن من قرأ "سيئة" بالإضافة، إنما إضافة على معنى "السيء" كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان.

الإسراء 17:36

قوله: ﴿وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. وقال الحسن: هو القبان. وروى الأعمش عن أبي بكر: "القصطاس" بالصاد في السورتين. * * ثم قال: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [عز وجل] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال قتادة: "وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً" وأحسن ثواباً وعاقبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد. فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا] أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. وقرأ بعضهم: "ولا تقف" مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. فأما قوله: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ﴾ فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. وأصل القفو في اللغة التتبع. ومنه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، "ولا تَقْفُ مَا لَيْس" لا تتبع ما ليس لك به علم. وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على القلب مثل قول الشاعر: ؎ ولو أني رميتك من بعيد ∗∗∗ لعاقك من دعاء الذنب عاق يريد عائق، فقلب. وقوله: "كُلُّ أُولَئِكَ" ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن "أولئك" و "هؤلاء" للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكير. و "هذه" و "تلك" للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك. وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً. ونصب "مرحاً" على الحال وهو مصدر في موضع الحال. وقرأ بعضهم: "مَرِحاً" بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. ثم قال [تعالى]" ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ﴾. أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء. * * ثم قال: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أي: كل ما نهى الله [عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. وقرأ الكوفيون وابن عامر "سيئة" بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه القراءة أن الله [عز وجل] قدّم ذكر أشياء أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها. ولو كان "سيئه" غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً. وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضاً لها بقوله: "مكروهاً" ولم يقل "مكروهة" فوجب تذكير "السيء" وإضافته لذلك. وهذا لا يلزم من قرأ "سيئة" غير مضاف لأن الله [عز وجل] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت "كل ذلك [في قوله: "كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر "مكروهاً" وعلى لفظ "كل" و "كل" مضمر في "كان" و "مكروهاً" خبر عن ذلك المضمر. و "سيئة" خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث. وقال إنما ذكر "مكروهاً" في قراءة من قرأ "سيئة" لأن تأنيث السيئة غير حقيقي. وقيل: "السيء" و "السيئة" واحد فأجرى "مكروهاً" على "السيء" كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. وقيل: "السيئة" و "السوء" واحد فذكر "مكروهاً" حملاً على "السوء". وقيل إن من قرأ "سيئة" بالإضافة، إنما إضافة على معنى "السيء" كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان.

الإسراء 17:37

قوله: ﴿وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. وقال الحسن: هو القبان. وروى الأعمش عن أبي بكر: "القصطاس" بالصاد في السورتين. * * ثم قال: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [عز وجل] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال قتادة: "وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً" وأحسن ثواباً وعاقبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد. فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا] أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. وقرأ بعضهم: "ولا تقف" مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. فأما قوله: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ﴾ فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. وأصل القفو في اللغة التتبع. ومنه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، "ولا تَقْفُ مَا لَيْس" لا تتبع ما ليس لك به علم. وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على القلب مثل قول الشاعر: ؎ ولو أني رميتك من بعيد ∗∗∗ لعاقك من دعاء الذنب عاق يريد عائق، فقلب. وقوله: "كُلُّ أُولَئِكَ" ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن "أولئك" و "هؤلاء" للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكير. و "هذه" و "تلك" للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك. وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً. ونصب "مرحاً" على الحال وهو مصدر في موضع الحال. وقرأ بعضهم: "مَرِحاً" بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. ثم قال [تعالى]" ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ﴾. أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء. * * ثم قال: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أي: كل ما نهى الله [عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. وقرأ الكوفيون وابن عامر "سيئة" بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه القراءة أن الله [عز وجل] قدّم ذكر أشياء أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها. ولو كان "سيئه" غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً. وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضاً لها بقوله: "مكروهاً" ولم يقل "مكروهة" فوجب تذكير "السيء" وإضافته لذلك. وهذا لا يلزم من قرأ "سيئة" غير مضاف لأن الله [عز وجل] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت "كل ذلك [في قوله: "كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر "مكروهاً" وعلى لفظ "كل" و "كل" مضمر في "كان" و "مكروهاً" خبر عن ذلك المضمر. و "سيئة" خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث. وقال إنما ذكر "مكروهاً" في قراءة من قرأ "سيئة" لأن تأنيث السيئة غير حقيقي. وقيل: "السيء" و "السيئة" واحد فأجرى "مكروهاً" على "السيء" كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. وقيل: "السيئة" و "السوء" واحد فذكر "مكروهاً" حملاً على "السوء". وقيل إن من قرأ "سيئة" بالإضافة، إنما إضافة على معنى "السيء" كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان.

الإسراء 17:38

قوله: ﴿وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. وقال الحسن: هو القبان. وروى الأعمش عن أبي بكر: "القصطاس" بالصاد في السورتين. * * ثم قال: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [عز وجل] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال قتادة: "وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً" وأحسن ثواباً وعاقبة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد. فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا] أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. وقرأ بعضهم: "ولا تقف" مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. فأما قوله: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ﴾ فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. وأصل القفو في اللغة التتبع. ومنه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، "ولا تَقْفُ مَا لَيْس" لا تتبع ما ليس لك به علم. وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على القلب مثل قول الشاعر: ؎ ولو أني رميتك من بعيد ∗∗∗ لعاقك من دعاء الذنب عاق يريد عائق، فقلب. وقوله: "كُلُّ أُولَئِكَ" ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن "أولئك" و "هؤلاء" للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكير. و "هذه" و "تلك" للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك. وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً. ونصب "مرحاً" على الحال وهو مصدر في موضع الحال. وقرأ بعضهم: "مَرِحاً" بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. ثم قال [تعالى]" ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ﴾. أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء. * * ثم قال: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أي: كل ما نهى الله [عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. وقرأ الكوفيون وابن عامر "سيئة" بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه القراءة أن الله [عز وجل] قدّم ذكر أشياء أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها. ولو كان "سيئه" غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً. وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضاً لها بقوله: "مكروهاً" ولم يقل "مكروهة" فوجب تذكير "السيء" وإضافته لذلك. وهذا لا يلزم من قرأ "سيئة" غير مضاف لأن الله [عز وجل] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت "كل ذلك [في قوله: "كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر "مكروهاً" وعلى لفظ "كل" و "كل" مضمر في "كان" و "مكروهاً" خبر عن ذلك المضمر. و "سيئة" خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث. وقال إنما ذكر "مكروهاً" في قراءة من قرأ "سيئة" لأن تأنيث السيئة غير حقيقي. وقيل: "السيء" و "السيئة" واحد فأجرى "مكروهاً" على "السيء" كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. وقيل: "السيئة" و "السوء" واحد فذكر "مكروهاً" حملاً على "السوء". وقيل إن من قرأ "سيئة" بالإضافة، إنما إضافة على معنى "السيء" كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان.

الإسراء 17:39

قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.

الإسراء 17:40

قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.

الإسراء 17:41

قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.

الإسراء 17:42

قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.

الإسراء 17:43

قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.

الإسراء 17:44

قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.

الإسراء 17:45

قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجاباً يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على كفرهم. ومستوراً هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا الطبع على قلوبهم. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبّون النبي ﷺ بمكة إذا سمعوه يقرأ ليشتدَّ على الناس فأعلمه الله [عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم حتى لا يفهمون ما يقول. ثم قال : ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾. أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. والأكنة: جمع كنان: "أن يفقهوه": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا]لا يفقهوه. و ﴿فِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾. أي: جعلنا في ءاذانهم صمماً لئلا يسمعوه. * * ثم قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾. [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان ﴿وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً﴾ أي: انفضوا عنك وذهبوا نفوراً من قولك واستعظاماً من توحيد الله جل ذكره. وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد "نفوراً" بغضاً لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ﷺ] من الاستغفار والأمر بالتوحيد. وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [عز وجل] وحده في القرءان هربوا. ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافاً ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه بمجيئه إليّ إفراداً. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم. فمعناه: أفردتهم برؤيتي لهم أفراداً. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه. فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل المنفرد برأيه. وهو مأخود من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره]. وكذلك قولهم: هو عُيير وحدِه وجُحيش وحدِه أتى مخفوضاً مضافاً إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها. فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثاً وخمستهم تخميساً. وبعضهم يجر[يـ]ـه على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. وخمستنا تخفض على التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر المرفوع. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾. أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ﴾ [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم "قوم رضى" ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي ﷺ. والعامل في "إذ": من قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ "نجوى" أي: يتناجون في هذا الوقت. والعامل في إذ الأول "يستمعون" الأول. والمعنى: نحن يا محمد لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في وقت قولهم بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. ومعنى "مسحوراً": أي: له سَحَر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً﴾ مثلكم. وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. ثم قال [تعالى]: ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور وهو شاعر وهو مجنون. "فضلوا" أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه قاله: مجاهد.

الإسراء 17:46

قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجاباً يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على كفرهم. ومستوراً هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا الطبع على قلوبهم. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبّون النبي ﷺ بمكة إذا سمعوه يقرأ ليشتدَّ على الناس فأعلمه الله [عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم حتى لا يفهمون ما يقول. ثم قال : ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾. أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. والأكنة: جمع كنان: "أن يفقهوه": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا]لا يفقهوه. و ﴿فِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾. أي: جعلنا في ءاذانهم صمماً لئلا يسمعوه. * * ثم قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾. [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان ﴿وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً﴾ أي: انفضوا عنك وذهبوا نفوراً من قولك واستعظاماً من توحيد الله جل ذكره. وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد "نفوراً" بغضاً لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ﷺ] من الاستغفار والأمر بالتوحيد. وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [عز وجل] وحده في القرءان هربوا. ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافاً ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه بمجيئه إليّ إفراداً. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم. فمعناه: أفردتهم برؤيتي لهم أفراداً. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه. فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل المنفرد برأيه. وهو مأخود من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره]. وكذلك قولهم: هو عُيير وحدِه وجُحيش وحدِه أتى مخفوضاً مضافاً إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها. فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثاً وخمستهم تخميساً. وبعضهم يجر[يـ]ـه على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. وخمستنا تخفض على التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر المرفوع. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾. أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ﴾ [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم "قوم رضى" ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي ﷺ. والعامل في "إذ": من قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ "نجوى" أي: يتناجون في هذا الوقت. والعامل في إذ الأول "يستمعون" الأول. والمعنى: نحن يا محمد لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في وقت قولهم بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. ومعنى "مسحوراً": أي: له سَحَر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً﴾ مثلكم. وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. ثم قال [تعالى]: ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور وهو شاعر وهو مجنون. "فضلوا" أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه قاله: مجاهد.

الإسراء 17:47

قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجاباً يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على كفرهم. ومستوراً هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا الطبع على قلوبهم. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبّون النبي ﷺ بمكة إذا سمعوه يقرأ ليشتدَّ على الناس فأعلمه الله [عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم حتى لا يفهمون ما يقول. ثم قال : ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾. أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. والأكنة: جمع كنان: "أن يفقهوه": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا]لا يفقهوه. و ﴿فِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾. أي: جعلنا في ءاذانهم صمماً لئلا يسمعوه. * * ثم قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾. [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان ﴿وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً﴾ أي: انفضوا عنك وذهبوا نفوراً من قولك واستعظاماً من توحيد الله جل ذكره. وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد "نفوراً" بغضاً لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ﷺ] من الاستغفار والأمر بالتوحيد. وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [عز وجل] وحده في القرءان هربوا. ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافاً ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه بمجيئه إليّ إفراداً. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم. فمعناه: أفردتهم برؤيتي لهم أفراداً. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه. فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل المنفرد برأيه. وهو مأخود من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره]. وكذلك قولهم: هو عُيير وحدِه وجُحيش وحدِه أتى مخفوضاً مضافاً إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها. فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثاً وخمستهم تخميساً. وبعضهم يجر[يـ]ـه على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. وخمستنا تخفض على التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر المرفوع. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾. أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ﴾ [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم "قوم رضى" ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي ﷺ. والعامل في "إذ": من قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ "نجوى" أي: يتناجون في هذا الوقت. والعامل في إذ الأول "يستمعون" الأول. والمعنى: نحن يا محمد لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في وقت قولهم بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. ومعنى "مسحوراً": أي: له سَحَر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً﴾ مثلكم. وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. ثم قال [تعالى]: ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور وهو شاعر وهو مجنون. "فضلوا" أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه قاله: مجاهد.

الإسراء 17:48

قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجاباً يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على كفرهم. ومستوراً هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا الطبع على قلوبهم. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبّون النبي ﷺ بمكة إذا سمعوه يقرأ ليشتدَّ على الناس فأعلمه الله [عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم حتى لا يفهمون ما يقول. ثم قال : ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾. أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. والأكنة: جمع كنان: "أن يفقهوه": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا]لا يفقهوه. و ﴿فِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾. أي: جعلنا في ءاذانهم صمماً لئلا يسمعوه. * * ثم قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾. [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان ﴿وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً﴾ أي: انفضوا عنك وذهبوا نفوراً من قولك واستعظاماً من توحيد الله جل ذكره. وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد "نفوراً" بغضاً لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ﷺ] من الاستغفار والأمر بالتوحيد. وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [عز وجل] وحده في القرءان هربوا. ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافاً ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه بمجيئه إليّ إفراداً. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم. فمعناه: أفردتهم برؤيتي لهم أفراداً. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه. فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل المنفرد برأيه. وهو مأخود من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره]. وكذلك قولهم: هو عُيير وحدِه وجُحيش وحدِه أتى مخفوضاً مضافاً إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها. فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثاً وخمستهم تخميساً. وبعضهم يجر[يـ]ـه على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. وخمستنا تخفض على التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر المرفوع. ثم قال [تعالى ذكره]: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾. أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ﴾ [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم "قوم رضى" ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي ﷺ. والعامل في "إذ": من قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ "نجوى" أي: يتناجون في هذا الوقت. والعامل في إذ الأول "يستمعون" الأول. والمعنى: نحن يا محمد لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في وقت قولهم بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. ومعنى "مسحوراً": أي: له سَحَر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً﴾ مثلكم. وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. ثم قال [تعالى]: ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور وهو شاعر وهو مجنون. "فضلوا" أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾. أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه قاله: مجاهد.

الإسراء 17:49

قوله: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً [أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ]﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾. المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنُبعَث بعد أن كنّا عظاماً وتراباً في قبورنا. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي: الرفات الحطام. والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتاً إذا حطم. ولا واحد له كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبداً محل فعال. نحو الفتات والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت والبعث أي: استشعروا ما شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا بد أن يميتكم الله [عز وجل] ثم يحييكم. وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو الموت. أي: لو كنتم الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. وقال مجاهد قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو السماء والأرض والجبال. ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ﷺ] إذ قالوا له "من يعيدنا" أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً، فقل لهم يا محمد يعيدكم ﴿ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً. ثم قال الله [عز وجل] لنبيه [عليه السلام] ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾. أي: يحركونها استهزاء واستبعاداً للبعث. و النغض في كلام العرب حركة بارتفاع وانخفاض. ﴿[وَيَقُولُونَ] مَتَىٰ هُوَ﴾ أي: متى البعث، فقل لهم يا محمد ﴿عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي: هو قريب. لأن عسى من الله [تعالى] واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾. أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، قاله: ابن عباس. وقال قتادة: "بحمده" بمعرفته. وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال. وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ [قَلِيلاً]﴾ يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [عز وجل] عنهم في يٰس أنهم يقولون: ﴿يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن قاتل نبياً، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة نبي. ثم قال [تعالى] ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في الأرض إلا وقتاً قليلاً كما قال ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٣]. قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلّت حين عاينوا يوم القيامة.

الإسراء 17:50

قوله: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً [أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ]﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾. المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنُبعَث بعد أن كنّا عظاماً وتراباً في قبورنا. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي: الرفات الحطام. والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتاً إذا حطم. ولا واحد له كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبداً محل فعال. نحو الفتات والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت والبعث أي: استشعروا ما شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا بد أن يميتكم الله [عز وجل] ثم يحييكم. وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو الموت. أي: لو كنتم الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. وقال مجاهد قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو السماء والأرض والجبال. ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ﷺ] إذ قالوا له "من يعيدنا" أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً، فقل لهم يا محمد يعيدكم ﴿ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً. ثم قال الله [عز وجل] لنبيه [عليه السلام] ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾. أي: يحركونها استهزاء واستبعاداً للبعث. و النغض في كلام العرب حركة بارتفاع وانخفاض. ﴿[وَيَقُولُونَ] مَتَىٰ هُوَ﴾ أي: متى البعث، فقل لهم يا محمد ﴿عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي: هو قريب. لأن عسى من الله [تعالى] واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾. أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، قاله: ابن عباس. وقال قتادة: "بحمده" بمعرفته. وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال. وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ [قَلِيلاً]﴾ يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [عز وجل] عنهم في يٰس أنهم يقولون: ﴿يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن قاتل نبياً، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة نبي. ثم قال [تعالى] ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في الأرض إلا وقتاً قليلاً كما قال ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٣]. قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلّت حين عاينوا يوم القيامة.

الإسراء 17:51

قوله: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً [أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ]﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾. المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنُبعَث بعد أن كنّا عظاماً وتراباً في قبورنا. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي: الرفات الحطام. والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتاً إذا حطم. ولا واحد له كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبداً محل فعال. نحو الفتات والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت والبعث أي: استشعروا ما شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا بد أن يميتكم الله [عز وجل] ثم يحييكم. وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو الموت. أي: لو كنتم الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. وقال مجاهد قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو السماء والأرض والجبال. ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ﷺ] إذ قالوا له "من يعيدنا" أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً، فقل لهم يا محمد يعيدكم ﴿ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً. ثم قال الله [عز وجل] لنبيه [عليه السلام] ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾. أي: يحركونها استهزاء واستبعاداً للبعث. و النغض في كلام العرب حركة بارتفاع وانخفاض. ﴿[وَيَقُولُونَ] مَتَىٰ هُوَ﴾ أي: متى البعث، فقل لهم يا محمد ﴿عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي: هو قريب. لأن عسى من الله [تعالى] واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾. أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، قاله: ابن عباس. وقال قتادة: "بحمده" بمعرفته. وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال. وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ [قَلِيلاً]﴾ يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [عز وجل] عنهم في يٰس أنهم يقولون: ﴿يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن قاتل نبياً، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة نبي. ثم قال [تعالى] ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في الأرض إلا وقتاً قليلاً كما قال ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٣]. قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلّت حين عاينوا يوم القيامة.

الإسراء 17:52

قوله: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً [أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ]﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾. المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنُبعَث بعد أن كنّا عظاماً وتراباً في قبورنا. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي: الرفات الحطام. والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتاً إذا حطم. ولا واحد له كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبداً محل فعال. نحو الفتات والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت والبعث أي: استشعروا ما شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا بد أن يميتكم الله [عز وجل] ثم يحييكم. وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو الموت. أي: لو كنتم الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. وقال مجاهد قوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ هو السماء والأرض والجبال. ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ﷺ] إذ قالوا له "من يعيدنا" أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً، فقل لهم يا محمد يعيدكم ﴿ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً. ثم قال الله [عز وجل] لنبيه [عليه السلام] ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾. أي: يحركونها استهزاء واستبعاداً للبعث. و النغض في كلام العرب حركة بارتفاع وانخفاض. ﴿[وَيَقُولُونَ] مَتَىٰ هُوَ﴾ أي: متى البعث، فقل لهم يا محمد ﴿عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي: هو قريب. لأن عسى من الله [تعالى] واجبة. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾. أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، قاله: ابن عباس. وقال قتادة: "بحمده" بمعرفته. وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال. وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ [قَلِيلاً]﴾ يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [عز وجل] عنهم في يٰس أنهم يقولون: ﴿يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن قاتل نبياً، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة نبي. ثم قال [تعالى] ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في الأرض إلا وقتاً قليلاً كما قال ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٣]. قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلّت حين عاينوا يوم القيامة.

الإسراء 17:53

قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله ﴿كَانَ مَحْذُوراً﴾. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: "ربكم" أيها المشركون "أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. * * ثم قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وهو اتخاده لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيئين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ﷺ] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ادعـ[ـوا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ﷺ] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.

الإسراء 17:54

قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله ﴿كَانَ مَحْذُوراً﴾. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: "ربكم" أيها المشركون "أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. * * ثم قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وهو اتخاده لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيئين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ﷺ] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ادعـ[ـوا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ﷺ] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.

الإسراء 17:55

قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله ﴿كَانَ مَحْذُوراً﴾. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: "ربكم" أيها المشركون "أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. * * ثم قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وهو اتخاده لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيئين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ﷺ] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ادعـ[ـوا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ﷺ] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.

الإسراء 17:56

قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله ﴿كَانَ مَحْذُوراً﴾. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: "ربكم" أيها المشركون "أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. * * ثم قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وهو اتخاده لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيئين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ﷺ] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ادعـ[ـوا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ﷺ] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.

الإسراء 17:57

قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله ﴿كَانَ مَحْذُوراً﴾. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: "ربكم" أيها المشركون "أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. * * ثم قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وهو اتخاده لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيئين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ﷺ] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ادعـ[ـوا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ﷺ] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.

الإسراء 17:58

قوله: ﴿وَإِن [مِّن] قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾. المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت. وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلكوها. [وهو قول حسن] دليله [قوله تعالى]. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وله في القرآن نظائر. * * ﴿ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [عز وجل] للملائكة فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلّت عظمته]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ﴾. المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش ﴿إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ﴾ فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [عز وجل] بهم في ترك مجيء الآيات التي سألوها فيه الصلاح. وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخَّر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخّر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات فكفروا فأهلكوا. وأخّر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت آيات على عهد النبي ﷺ. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ﷺ] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا. وهو قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فالنبي ﷺ رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخّر عذابهم واصطلامهم إلى الآخرة. قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: "إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية. وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. ثم قال [تعالى] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. أي: وقد سألـ[ـت] الآيات من قبل محمد [ﷺ] ثمود فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] أي: مضيئاً. وقيل: معنى مبصرة مبينة. أي: تبين لهم صدق صالح عليه السلام. وقال مجاهد مبصرة [آية]. * * ثم قال: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾. أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جاءتهم فصار ظلمهم من أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. * * ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾. أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفاً للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معهـ[ـمـ]ـا النظرة، ومنه قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ما جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه ﷺ أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً. ومعنى: ﴿أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾ أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ]﴾. يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي ﷺ بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول الله ﷺ، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك. والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي ﷺ أصبح - غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [عز وجل]. ويروى أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنه] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، قال النبي ﷺ: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ﷺ] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] حتى إذا انتهى، قال النبي ﷺ لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق. وأنزل الله [عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه في ذلك الوقت الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية. وقيل: إنها رؤيا رآها النبي ﷺ بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات. والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضاً فإن السورة مكية، والرؤيا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. * * وقوله: ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ﴾. قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك. وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [عز وجل] لهم في "والصافات". قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [الـ]ـشجرة. وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين. وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. * * ثم قال ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾. أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا طغياناً أي: تمادياً في كفرهم كبيراً لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالثمر الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾. المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ﷺ]. فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن كان ابن نبيين.

الإسراء 17:59

قوله: ﴿وَإِن [مِّن] قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾. المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت. وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلكوها. [وهو قول حسن] دليله [قوله تعالى]. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وله في القرآن نظائر. * * ﴿ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [عز وجل] للملائكة فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلّت عظمته]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ﴾. المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش ﴿إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ﴾ فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [عز وجل] بهم في ترك مجيء الآيات التي سألوها فيه الصلاح. وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخَّر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخّر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات فكفروا فأهلكوا. وأخّر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت آيات على عهد النبي ﷺ. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ﷺ] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا. وهو قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فالنبي ﷺ رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخّر عذابهم واصطلامهم إلى الآخرة. قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: "إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية. وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. ثم قال [تعالى] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. أي: وقد سألـ[ـت] الآيات من قبل محمد [ﷺ] ثمود فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] أي: مضيئاً. وقيل: معنى مبصرة مبينة. أي: تبين لهم صدق صالح عليه السلام. وقال مجاهد مبصرة [آية]. * * ثم قال: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾. أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جاءتهم فصار ظلمهم من أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. * * ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾. أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفاً للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معهـ[ـمـ]ـا النظرة، ومنه قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ما جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه ﷺ أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً. ومعنى: ﴿أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾ أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ]﴾. يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي ﷺ بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول الله ﷺ، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك. والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي ﷺ أصبح - غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [عز وجل]. ويروى أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنه] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، قال النبي ﷺ: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ﷺ] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] حتى إذا انتهى، قال النبي ﷺ لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق. وأنزل الله [عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه في ذلك الوقت الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية. وقيل: إنها رؤيا رآها النبي ﷺ بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات. والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضاً فإن السورة مكية، والرؤيا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. * * وقوله: ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ﴾. قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك. وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [عز وجل] لهم في "والصافات". قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [الـ]ـشجرة. وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين. وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. * * ثم قال ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾. أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا طغياناً أي: تمادياً في كفرهم كبيراً لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالثمر الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾. المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ﷺ]. فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن كان ابن نبيين.

الإسراء 17:60

قوله: ﴿وَإِن [مِّن] قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾. المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت. وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلكوها. [وهو قول حسن] دليله [قوله تعالى]. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وله في القرآن نظائر. * * ﴿ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [عز وجل] للملائكة فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلّت عظمته]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ﴾. المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش ﴿إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ﴾ فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [عز وجل] بهم في ترك مجيء الآيات التي سألوها فيه الصلاح. وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخَّر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخّر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات فكفروا فأهلكوا. وأخّر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت آيات على عهد النبي ﷺ. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ﷺ] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا. وهو قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فالنبي ﷺ رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخّر عذابهم واصطلامهم إلى الآخرة. قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: "إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية. وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. ثم قال [تعالى] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. أي: وقد سألـ[ـت] الآيات من قبل محمد [ﷺ] ثمود فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] أي: مضيئاً. وقيل: معنى مبصرة مبينة. أي: تبين لهم صدق صالح عليه السلام. وقال مجاهد مبصرة [آية]. * * ثم قال: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾. أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جاءتهم فصار ظلمهم من أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. * * ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾. أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفاً للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معهـ[ـمـ]ـا النظرة، ومنه قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ما جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه ﷺ أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً. ومعنى: ﴿أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾ أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ]﴾. يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي ﷺ بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول الله ﷺ، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك. والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي ﷺ أصبح - غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [عز وجل]. ويروى أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنه] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، قال النبي ﷺ: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ﷺ] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] حتى إذا انتهى، قال النبي ﷺ لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق. وأنزل الله [عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه في ذلك الوقت الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية. وقيل: إنها رؤيا رآها النبي ﷺ بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات. والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضاً فإن السورة مكية، والرؤيا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. * * وقوله: ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ﴾. قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك. وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [عز وجل] لهم في "والصافات". قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [الـ]ـشجرة. وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين. وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. * * ثم قال ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾. أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا طغياناً أي: تمادياً في كفرهم كبيراً لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالثمر الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾. المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ﷺ]. فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن كان ابن نبيين.

الإسراء 17:61

قوله: ﴿وَإِن [مِّن] قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾. المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت. وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلكوها. [وهو قول حسن] دليله [قوله تعالى]. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وله في القرآن نظائر. * * ﴿ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾. أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [عز وجل] للملائكة فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلّت عظمته]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ﴾. المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش ﴿إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ﴾ فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [عز وجل] بهم في ترك مجيء الآيات التي سألوها فيه الصلاح. وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخَّر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخّر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات فكفروا فأهلكوا. وأخّر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت آيات على عهد النبي ﷺ. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ﷺ] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا. وهو قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فالنبي ﷺ رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخّر عذابهم واصطلامهم إلى الآخرة. قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: "إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية. وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. ثم قال [تعالى] ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. أي: وقد سألـ[ـت] الآيات من قبل محمد [ﷺ] ثمود فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: ﴿وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] أي: مضيئاً. وقيل: معنى مبصرة مبينة. أي: تبين لهم صدق صالح عليه السلام. وقال مجاهد مبصرة [آية]. * * ثم قال: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾. أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جاءتهم فصار ظلمهم من أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. * * ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾. أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفاً للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معهـ[ـمـ]ـا النظرة، ومنه قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ما جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره وعد نبيه ﷺ أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما قد قال له أولاً. ومعنى: ﴿أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾ أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. * * ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ [إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ]﴾. يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفاً في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. وأيضاً فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي ﷺ بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول الله ﷺ، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك. والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي ﷺ أصبح - غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [عز وجل]. ويروى أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنه] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، قال النبي ﷺ: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ﷺ] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت أشهد أنك رسول الله [ﷺ] حتى إذا انتهى، قال النبي ﷺ لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق. وأنزل الله [عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه في ذلك الوقت الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية. وقيل: إنها رؤيا رآها النبي ﷺ بالمدينة فغمته: رأى أن بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات. والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضاً فإن السورة مكية، والرؤيا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. * * وقوله: ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ﴾. قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير والنخعي ومجاهد والضحاك. وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم فوصفها الله [عز وجل] لهم في "والصافات". قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [الـ]ـشجرة. وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين. وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. * * ثم قال ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾. أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا طغياناً أي: تمادياً في كفرهم كبيراً لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالثمر الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾. المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ﷺ]. فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن كان ابن نبيين.

الإسراء 17:62

قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت علىّ. أي: فضلته علي وأمرتني بالسجود له ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأتى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك ﴿مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧-٣٨] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. وبين النفختين أربعون سنة. * * قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلاً في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [عز وجل] ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾. أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك ﴿جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ أي: مكملاً. وقال مجاهد: "موفوراً" [أي] موفراً. وقيل موفوراً مكملاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى "بصوتك": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. وقيل: صوت المزمار. وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. وقيل معنى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي: أجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلاباً إذا صاح عليه، والجلبة الصوت. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجلاً جنوداً من الجن والإنس يطيعونه. وقال ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله [تعالى]. ثم قال [تعالى] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ﴾. يعني: الأموال التي أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [عز وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من أموالهم يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس، أيضاً: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزيز. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: عِدْهُمُ النَّصْرَ على من أرادهم بسوء * * ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [عز وجل] من شيء. وهذا كله من الله وعيد وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها[ون] بإبليس وبمن اتبعه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾" أي: حجة. وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن يقبل منه، هذا قول: ابن جبير. وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. أي: وكفى بربك يا محمد حافظاً لك. وقال قتادة: "وكيلاً": كافياً عباده المؤمنين. وقيل: معناه منجياً مخلصاً من الشيطان.

الإسراء 17:63

قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت علىّ. أي: فضلته علي وأمرتني بالسجود له ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأتى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك ﴿مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧-٣٨] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. وبين النفختين أربعون سنة. * * قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلاً في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [عز وجل] ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾. أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك ﴿جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ أي: مكملاً. وقال مجاهد: "موفوراً" [أي] موفراً. وقيل موفوراً مكملاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى "بصوتك": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. وقيل: صوت المزمار. وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. وقيل معنى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي: أجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلاباً إذا صاح عليه، والجلبة الصوت. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجلاً جنوداً من الجن والإنس يطيعونه. وقال ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله [تعالى]. ثم قال [تعالى] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ﴾. يعني: الأموال التي أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [عز وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من أموالهم يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس، أيضاً: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزيز. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: عِدْهُمُ النَّصْرَ على من أرادهم بسوء * * ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [عز وجل] من شيء. وهذا كله من الله وعيد وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها[ون] بإبليس وبمن اتبعه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾" أي: حجة. وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن يقبل منه، هذا قول: ابن جبير. وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. أي: وكفى بربك يا محمد حافظاً لك. وقال قتادة: "وكيلاً": كافياً عباده المؤمنين. وقيل: معناه منجياً مخلصاً من الشيطان.

الإسراء 17:64

قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت علىّ. أي: فضلته علي وأمرتني بالسجود له ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأتى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك ﴿مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧-٣٨] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. وبين النفختين أربعون سنة. * * قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلاً في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [عز وجل] ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾. أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك ﴿جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ أي: مكملاً. وقال مجاهد: "موفوراً" [أي] موفراً. وقيل موفوراً مكملاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى "بصوتك": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. وقيل: صوت المزمار. وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. وقيل معنى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي: أجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلاباً إذا صاح عليه، والجلبة الصوت. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجلاً جنوداً من الجن والإنس يطيعونه. وقال ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله [تعالى]. ثم قال [تعالى] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ﴾. يعني: الأموال التي أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [عز وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من أموالهم يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس، أيضاً: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزيز. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: عِدْهُمُ النَّصْرَ على من أرادهم بسوء * * ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [عز وجل] من شيء. وهذا كله من الله وعيد وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها[ون] بإبليس وبمن اتبعه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾" أي: حجة. وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن يقبل منه، هذا قول: ابن جبير. وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. أي: وكفى بربك يا محمد حافظاً لك. وقال قتادة: "وكيلاً": كافياً عباده المؤمنين. وقيل: معناه منجياً مخلصاً من الشيطان.

الإسراء 17:65

قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت علىّ. أي: فضلته علي وأمرتني بالسجود له ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأتى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك ﴿مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧-٣٨] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. وبين النفختين أربعون سنة. * * قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلاً في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [عز وجل] ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾. أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ﴾، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك ﴿جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ أي: مكملاً. وقال مجاهد: "موفوراً" [أي] موفراً. وقيل موفوراً مكملاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى "بصوتك": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. وقيل: صوت المزمار. وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. وقيل معنى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي: أجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلاباً إذا صاح عليه، والجلبة الصوت. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجلاً جنوداً من الجن والإنس يطيعونه. وقال ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله [تعالى]. ثم قال [تعالى] ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ﴾. يعني: الأموال التي أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [عز وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من أموالهم يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس، أيضاً: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزيز. * * ثم قال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: عِدْهُمُ النَّصْرَ على من أرادهم بسوء * * ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾. أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [عز وجل] من شيء. وهذا كله من الله وعيد وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها[ون] بإبليس وبمن اتبعه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾" أي: حجة. وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن يقبل منه، هذا قول: ابن جبير. وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾. أي: وكفى بربك يا محمد حافظاً لك. وقال قتادة: "وكيلاً": كافياً عباده المؤمنين. وقيل: معناه منجياً مخلصاً من الشيطان.

الإسراء 17:66

قوله: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو ﴿ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن ﴿فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [عز وجل] مغيثاً إذا دعوتموه. * * ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ أي: كفوراً لنعم ربه [عز وجل]. فالإنسان هنا يراد به الكافرين خاصة. * * ثم قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ﴾. المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [عز وجل] "ولا ناصراً". وقال أبو عبيدة: "حاصباً" هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾. [أي: في البحر] "تارة أخرى" أي: مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾. أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، يدل عليه قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾. * * ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن والعسل. وهو قول شاذ. * * ثم قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. فقوله: "على كثير" ولم يقل: "على كل من خلقنا" يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. وقيل: تفضيل بني آدم هنا هو أن الإنسان يمشي قائماً وكل الحيوان يمشي مكباً. وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. وفضل وفضل بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها.

الإسراء 17:67

قوله: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو ﴿ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن ﴿فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [عز وجل] مغيثاً إذا دعوتموه. * * ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ أي: كفوراً لنعم ربه [عز وجل]. فالإنسان هنا يراد به الكافرين خاصة. * * ثم قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ﴾. المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [عز وجل] "ولا ناصراً". وقال أبو عبيدة: "حاصباً" هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾. [أي: في البحر] "تارة أخرى" أي: مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾. أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، يدل عليه قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾. * * ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن والعسل. وهو قول شاذ. * * ثم قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. فقوله: "على كثير" ولم يقل: "على كل من خلقنا" يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. وقيل: تفضيل بني آدم هنا هو أن الإنسان يمشي قائماً وكل الحيوان يمشي مكباً. وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. وفضل وفضل بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها.

الإسراء 17:68

قوله: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو ﴿ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن ﴿فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [عز وجل] مغيثاً إذا دعوتموه. * * ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ أي: كفوراً لنعم ربه [عز وجل]. فالإنسان هنا يراد به الكافرين خاصة. * * ثم قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ﴾. المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [عز وجل] "ولا ناصراً". وقال أبو عبيدة: "حاصباً" هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾. [أي: في البحر] "تارة أخرى" أي: مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾. أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، يدل عليه قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾. * * ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن والعسل. وهو قول شاذ. * * ثم قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. فقوله: "على كثير" ولم يقل: "على كل من خلقنا" يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. وقيل: تفضيل بني آدم هنا هو أن الإنسان يمشي قائماً وكل الحيوان يمشي مكباً. وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. وفضل وفضل بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها.

الإسراء 17:69

قوله: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو ﴿ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن ﴿فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [عز وجل] مغيثاً إذا دعوتموه. * * ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ أي: كفوراً لنعم ربه [عز وجل]. فالإنسان هنا يراد به الكافرين خاصة. * * ثم قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ﴾. المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [عز وجل] "ولا ناصراً". وقال أبو عبيدة: "حاصباً" هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾. [أي: في البحر] "تارة أخرى" أي: مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾. أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، يدل عليه قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾. * * ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن والعسل. وهو قول شاذ. * * ثم قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. فقوله: "على كثير" ولم يقل: "على كل من خلقنا" يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. وقيل: تفضيل بني آدم هنا هو أن الإنسان يمشي قائماً وكل الحيوان يمشي مكباً. وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. وفضل وفضل بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها.

الإسراء 17:70

قوله: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها القوم، هو ﴿ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن ﴿فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [عز وجل] مغيثاً إذا دعوتموه. * * ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته. ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ أي: كفوراً لنعم ربه [عز وجل]. فالإنسان هنا يراد به الكافرين خاصة. * * ثم قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ﴾. المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [عز وجل] "ولا ناصراً". وقال أبو عبيدة: "حاصباً" هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. * * ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾. [أي: في البحر] "تارة أخرى" أي: مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾. أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، يدل عليه قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾. * * ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن والعسل. وهو قول شاذ. * * ثم قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾. فقوله: "على كثير" ولم يقل: "على كل من خلقنا" يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. وقيل: تفضيل بني آدم هنا هو أن الإنسان يمشي قائماً وكل الحيوان يمشي مكباً. وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. وفضل وفضل بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها.

الإسراء 17:71

قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم ندعو. ومعنى "[بـ]ـإمامهم: نبيئهم الذي أرسل إليهم. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة. وعن ابن عباس أيضاً: [أن] الإمام هنا، كتاب عمل الإنسان مثل قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]" وكذلك قال الحسن وأبو صالح وأبو العالية. وقال ابن زيد: "بإمامهم" بكتابهم الذي أنزل إليهم. وعن ابن عباس: "بإمامهم" بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة. [و] قال أبو العالية: "بإمامهم" بأعمالهم. * * ثم قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. أي: من أعطي كتاب عمله بيمينه لم يظلم من جزاء عمله الصالح مقدار فتيل. وهو الخيط الذي في وسط النواة. . واختار الطبري أن يكون الإمام هنا: الذي كانوا يعبدونه في الدنيا. وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله، يدعون بنبيهم، فيقال: أين أمة محمد؟ وبكتابهم، فيقال: أين أمة القرآن؟ وبعملهم، فيقال: أين أصحاب الورع؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون؟ وأين أصحاب الربا؟ وفي هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين. وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلاً، ويتناول كتابه بالسهولة، وأن المشرك يمد يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله. ثم قال [تعالى]: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ﴾. أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا [يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب. وعلله أبو عمرو في إمالته الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق بين المعنين: فأمال عمى العين وفتح عمى القلب للفرق. وكان عمى القلب بالفتح أولى، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسطـ[ـة] إذ تقديره: أعمى: منه في الدنيا. وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا افعل منك لأن منك من تمامه، وهو مذهب الكوفيين، فلما كانت منك من تمامه صارت بمنزلة المضاف إليه، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع [افعل] منك من الصرف لذلك. ويدل على أن الثاني من عمى القلب. أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب. ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى للتعجب فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول. قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه، من عمى العين، لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فكما لا يقال: ما إيداه، لا يقال: ما أعماه. وقال الأخفش: لم يقل ذلك، لأن فعله على أكثر من ثلاثة. والأصل فيه "اعماي. ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه. لا بد من: "أشد" و "أبين" ونحوه. لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه الهمزة. فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب. وقيل: إنما لم يقل: "ما أعماه" من عمى العين، ليفرق ما بينه وبين "ما أعماه" من عمى القلب. وكذلك لم يقولوا: ما أسوده. من اللون، للفرق بينه وبين ما اسوده من السؤدد، ثم اتبع سائر الباب على ذلك، لئلا يختلف. وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و [ما] أعشاه من عمى العين، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي. وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام. فهو في الآخرة أشد عمى عن الرشد، وما يكسبه رضى ربه [عز وجل] والوصول إلى جنته [تبارك وتعالى]. وقيل المعنى: من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي تقدم ذكرها: من تفضيل بني آدم وغير ذلك، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. لأنه إذا عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم، فهو مما يعاينه من نعم الآخرة أعمى أيضاً، وأضل سبيلاً. وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة الله في هذه الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى. وكذلك قال: مجاهد. وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [عز وجل] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [عز وجل] وعجائبه وما أراه الله [عز وجل] من خلق السماوات والأرض والجبال [والنجوم]، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى وأضل سبيلاً. وهو قول ابن زيد. ومعنى: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وأضل طريقاً منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورءاها. وهذا القول حسن مختار. لأن من لم يؤمن في الدنيا [بالله عز وجل] مع ما يرى من الآيات الظاهرة الدالات على توحيد الله [سبحانه] فهو أحرى ألا يؤمن بالآخرة التي لم يعاين أمرها وإنما هو خبر غائب عنه دعي [إلى] التصديق به.

الإسراء 17:72

قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم ندعو. ومعنى "[بـ]ـإمامهم: نبيئهم الذي أرسل إليهم. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة. وعن ابن عباس أيضاً: [أن] الإمام هنا، كتاب عمل الإنسان مثل قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]" وكذلك قال الحسن وأبو صالح وأبو العالية. وقال ابن زيد: "بإمامهم" بكتابهم الذي أنزل إليهم. وعن ابن عباس: "بإمامهم" بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة. [و] قال أبو العالية: "بإمامهم" بأعمالهم. * * ثم قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. أي: من أعطي كتاب عمله بيمينه لم يظلم من جزاء عمله الصالح مقدار فتيل. وهو الخيط الذي في وسط النواة. . واختار الطبري أن يكون الإمام هنا: الذي كانوا يعبدونه في الدنيا. وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله، يدعون بنبيهم، فيقال: أين أمة محمد؟ وبكتابهم، فيقال: أين أمة القرآن؟ وبعملهم، فيقال: أين أصحاب الورع؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون؟ وأين أصحاب الربا؟ وفي هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين. وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلاً، ويتناول كتابه بالسهولة، وأن المشرك يمد يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله. ثم قال [تعالى]: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ﴾. أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا [يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب. وعلله أبو عمرو في إمالته الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق بين المعنين: فأمال عمى العين وفتح عمى القلب للفرق. وكان عمى القلب بالفتح أولى، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسطـ[ـة] إذ تقديره: أعمى: منه في الدنيا. وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا افعل منك لأن منك من تمامه، وهو مذهب الكوفيين، فلما كانت منك من تمامه صارت بمنزلة المضاف إليه، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع [افعل] منك من الصرف لذلك. ويدل على أن الثاني من عمى القلب. أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب. ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى للتعجب فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول. قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه، من عمى العين، لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فكما لا يقال: ما إيداه، لا يقال: ما أعماه. وقال الأخفش: لم يقل ذلك، لأن فعله على أكثر من ثلاثة. والأصل فيه "اعماي. ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه. لا بد من: "أشد" و "أبين" ونحوه. لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه الهمزة. فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب. وقيل: إنما لم يقل: "ما أعماه" من عمى العين، ليفرق ما بينه وبين "ما أعماه" من عمى القلب. وكذلك لم يقولوا: ما أسوده. من اللون، للفرق بينه وبين ما اسوده من السؤدد، ثم اتبع سائر الباب على ذلك، لئلا يختلف. وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و [ما] أعشاه من عمى العين، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي. وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام. فهو في الآخرة أشد عمى عن الرشد، وما يكسبه رضى ربه [عز وجل] والوصول إلى جنته [تبارك وتعالى]. وقيل المعنى: من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي تقدم ذكرها: من تفضيل بني آدم وغير ذلك، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. لأنه إذا عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم، فهو مما يعاينه من نعم الآخرة أعمى أيضاً، وأضل سبيلاً. وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة الله في هذه الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى. وكذلك قال: مجاهد. وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [عز وجل] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [عز وجل] وعجائبه وما أراه الله [عز وجل] من خلق السماوات والأرض والجبال [والنجوم]، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى وأضل سبيلاً. وهو قول ابن زيد. ومعنى: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وأضل طريقاً منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورءاها. وهذا القول حسن مختار. لأن من لم يؤمن في الدنيا [بالله عز وجل] مع ما يرى من الآيات الظاهرة الدالات على توحيد الله [سبحانه] فهو أحرى ألا يؤمن بالآخرة التي لم يعاين أمرها وإنما هو خبر غائب عنه دعي [إلى] التصديق به.

الإسراء 17:73

قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى ﴿خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. هذه الفتنة، التي ذكرها الله [عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ﷺ من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه النبي ﷺ بذلك وقال [عز وجل] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [عز وجل] فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقال مجاهد: قالوا له إيتِ آلهتنا فامسسها فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقيل: إنما ذلك أن النبي ﷺ هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ]سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي ﷺ أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [عز وجل] الآية. وقيل: إنما قالوا للنبي ﷺ: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالـ[ـى] الذين آمنوا بك حتى نجـ[لـ]س معك ونستمع منك. فهم النبي [ﷺ]. بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [عز وجل] الآية. * * وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]﴾. أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء. والوقف على "إذا" بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً. ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله ﷺ إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: "كدت تركن إليهم" ظاهره خطاب للرسول ﷺ وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي ﷺ فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. ثم قال [تعالى] ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾. أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾. أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. وقد قال في نساء النبي ﷺ ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾. أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منها لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً. قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي ﷺ في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه. وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ﷺ] من مكة قاله قتادة. و [قال]: قد فعلوا ذلك بعد، فأهلكهم الله [عز وجل] يوم بدر: وكانت سنة الله [عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي ﷺ من مكة فأراد الله [عز وجل] نفي قريش فأمره الله [عز وجل] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. * * وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: [إلا] وقتاً قليلاً. وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. و "خلفك": معناه: بعدك. ومن قرأ "خلافك" فهي لغة فيه. وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء. وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في "لبثوا". وفي مصحف عبد الله "وإذا: لا يلبثون خلفك" اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه. ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير.

الإسراء 17:74

قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى ﴿خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. هذه الفتنة، التي ذكرها الله [عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ﷺ من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه النبي ﷺ بذلك وقال [عز وجل] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [عز وجل] فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقال مجاهد: قالوا له إيتِ آلهتنا فامسسها فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقيل: إنما ذلك أن النبي ﷺ هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ]سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي ﷺ أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [عز وجل] الآية. وقيل: إنما قالوا للنبي ﷺ: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالـ[ـى] الذين آمنوا بك حتى نجـ[لـ]س معك ونستمع منك. فهم النبي [ﷺ]. بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [عز وجل] الآية. * * وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]﴾. أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء. والوقف على "إذا" بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً. ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله ﷺ إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: "كدت تركن إليهم" ظاهره خطاب للرسول ﷺ وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي ﷺ فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. ثم قال [تعالى] ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾. أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾. أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. وقد قال في نساء النبي ﷺ ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾. أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منها لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً. قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي ﷺ في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه. وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ﷺ] من مكة قاله قتادة. و [قال]: قد فعلوا ذلك بعد، فأهلكهم الله [عز وجل] يوم بدر: وكانت سنة الله [عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي ﷺ من مكة فأراد الله [عز وجل] نفي قريش فأمره الله [عز وجل] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. * * وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: [إلا] وقتاً قليلاً. وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. و "خلفك": معناه: بعدك. ومن قرأ "خلافك" فهي لغة فيه. وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء. وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في "لبثوا". وفي مصحف عبد الله "وإذا: لا يلبثون خلفك" اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه. ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير.

الإسراء 17:75

قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى ﴿خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. هذه الفتنة، التي ذكرها الله [عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ﷺ من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه النبي ﷺ بذلك وقال [عز وجل] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [عز وجل] فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقال مجاهد: قالوا له إيتِ آلهتنا فامسسها فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقيل: إنما ذلك أن النبي ﷺ هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ]سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي ﷺ أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [عز وجل] الآية. وقيل: إنما قالوا للنبي ﷺ: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالـ[ـى] الذين آمنوا بك حتى نجـ[لـ]س معك ونستمع منك. فهم النبي [ﷺ]. بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [عز وجل] الآية. * * وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]﴾. أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء. والوقف على "إذا" بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً. ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله ﷺ إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: "كدت تركن إليهم" ظاهره خطاب للرسول ﷺ وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي ﷺ فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. ثم قال [تعالى] ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾. أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾. أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. وقد قال في نساء النبي ﷺ ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾. أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منها لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً. قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي ﷺ في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه. وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ﷺ] من مكة قاله قتادة. و [قال]: قد فعلوا ذلك بعد، فأهلكهم الله [عز وجل] يوم بدر: وكانت سنة الله [عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي ﷺ من مكة فأراد الله [عز وجل] نفي قريش فأمره الله [عز وجل] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. * * وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: [إلا] وقتاً قليلاً. وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. و "خلفك": معناه: بعدك. ومن قرأ "خلافك" فهي لغة فيه. وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء. وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في "لبثوا". وفي مصحف عبد الله "وإذا: لا يلبثون خلفك" اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه. ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير.

الإسراء 17:76

قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى ﴿خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. هذه الفتنة، التي ذكرها الله [عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ﷺ من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه النبي ﷺ بذلك وقال [عز وجل] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [عز وجل] فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقال مجاهد: قالوا له إيتِ آلهتنا فامسسها فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقيل: إنما ذلك أن النبي ﷺ هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ]سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي ﷺ أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [عز وجل] الآية. وقيل: إنما قالوا للنبي ﷺ: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالـ[ـى] الذين آمنوا بك حتى نجـ[لـ]س معك ونستمع منك. فهم النبي [ﷺ]. بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [عز وجل] الآية. * * وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]﴾. أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء. والوقف على "إذا" بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً. ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله ﷺ إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: "كدت تركن إليهم" ظاهره خطاب للرسول ﷺ وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي ﷺ فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. ثم قال [تعالى] ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾. أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾. أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. وقد قال في نساء النبي ﷺ ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. * * ثم قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾. أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منها لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً. قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي ﷺ في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه. وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ﷺ] من مكة قاله قتادة. و [قال]: قد فعلوا ذلك بعد، فأهلكهم الله [عز وجل] يوم بدر: وكانت سنة الله [عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي ﷺ من مكة فأراد الله [عز وجل] نفي قريش فأمره الله [عز وجل] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. * * وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: [إلا] وقتاً قليلاً. وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. و "خلفك": معناه: بعدك. ومن قرأ "خلافك" فهي لغة فيه. وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء. وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في "لبثوا". وفي مصحف عبد الله "وإذا: لا يلبثون خلفك" اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه. ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير.

الإسراء 17:77

قوله: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ مَشْهُوداً﴾. سنة منصوب على المصدر، أي: سن الله [عز وجل] أن من أخرج نبياً من مكان لا يلبث فيه خلفه إلا قليلاً سنة. قال قتادة: معناه: سُنَّةَ أمم الرسل قبلك، كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم لم يمهلوا حتى بعث الله [عز وجل] عليهم عذابه. وقال الفراء: معناه: لا يلبثون خلفك إلا قليلاً كسنة من قد أرسلنا. فلما حذف الكاف نصب، فعلى القول الأول: يجوز الابتداء بها، وعلى قول الفراء: لا يحسن الابتداء بها. * * ثم قال: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾. قال ابن مسعود: هي صلاة المغرب، ودلوك الشمس وقت غروبها. وكذلك روي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وكذلك روى ابن زيد عن أبي. وروى الشعبي عن ابن عباس: [أن] دلوك الشمس ميلها للزوال والصلاة. صلاة الظهر. وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهو قول: الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد. وروي ذلك عن أبي هريرة. والدلوك في اللغة الميل. وقال أبو عبيدة: دلوكها من حين تزول إلى أن تغيب. وقال القتبي: العرب تقول دلك النجم إذا غاب. فاختياره [هو] قول من قال: هو غروب الشمس. واختيار الطبري قول من قال: دلوكها ميلها للزوال. وقد روي: أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت: فصلى بي الظهر وقيل معنى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ عني بذلك: الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾. غسق الليل إقباله ودنوه بظلامه. قالـ[ـه] ابن عباس وعكرمة ومجاهد. وقال قتادة: غسق الليل صلاة المغرب. وقال الضحاك غسق الليل إظلامه؟ فيدخل تحت دلوك الشمس صلاة [الظهر] والعصر وتحت غسق الليل صلاة العشاء. * * ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾. أي: وألزم قرآن الفجر. فهو منصوب على الإغراء، وهو مذهب الأخفش. وقيل معناه: وأقم قرآن الفجر. فمن نصب بإلزام حسن الابتداء به. ومن نصب بأقم جعله معطوفاً على ما قبله وهو أقم الصلاة. فلا يحسن الابتداء به لأنه معطوف على ما قبله. "وقرآن الفجر" صلاة الصبح، "كان مشهوداً" أي تشهده ملائكة الليل والنهار. وسميت الصلاة قرآناً لأنها لا تكون إلا بقرآن. وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وأنه فرض في الصلاة لأنه كله مأمور به في هذه الآية. والنهار عند الخليل: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

الإسراء 17:78

قوله: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ مَشْهُوداً﴾. سنة منصوب على المصدر، أي: سن الله [عز وجل] أن من أخرج نبياً من مكان لا يلبث فيه خلفه إلا قليلاً سنة. قال قتادة: معناه: سُنَّةَ أمم الرسل قبلك، كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم لم يمهلوا حتى بعث الله [عز وجل] عليهم عذابه. وقال الفراء: معناه: لا يلبثون خلفك إلا قليلاً كسنة من قد أرسلنا. فلما حذف الكاف نصب، فعلى القول الأول: يجوز الابتداء بها، وعلى قول الفراء: لا يحسن الابتداء بها. * * ثم قال: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾. قال ابن مسعود: هي صلاة المغرب، ودلوك الشمس وقت غروبها. وكذلك روي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وكذلك روى ابن زيد عن أبي. وروى الشعبي عن ابن عباس: [أن] دلوك الشمس ميلها للزوال والصلاة. صلاة الظهر. وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهو قول: الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد. وروي ذلك عن أبي هريرة. والدلوك في اللغة الميل. وقال أبو عبيدة: دلوكها من حين تزول إلى أن تغيب. وقال القتبي: العرب تقول دلك النجم إذا غاب. فاختياره [هو] قول من قال: هو غروب الشمس. واختيار الطبري قول من قال: دلوكها ميلها للزوال. وقد روي: أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت: فصلى بي الظهر وقيل معنى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ عني بذلك: الظهر والعصر. * * وقوله: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾. غسق الليل إقباله ودنوه بظلامه. قالـ[ـه] ابن عباس وعكرمة ومجاهد. وقال قتادة: غسق الليل صلاة المغرب. وقال الضحاك غسق الليل إظلامه؟ فيدخل تحت دلوك الشمس صلاة [الظهر] والعصر وتحت غسق الليل صلاة العشاء. * * ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾. أي: وألزم قرآن الفجر. فهو منصوب على الإغراء، وهو مذهب الأخفش. وقيل معناه: وأقم قرآن الفجر. فمن نصب بإلزام حسن الابتداء به. ومن نصب بأقم جعله معطوفاً على ما قبله وهو أقم الصلاة. فلا يحسن الابتداء به لأنه معطوف على ما قبله. "وقرآن الفجر" صلاة الصبح، "كان مشهوداً" أي تشهده ملائكة الليل والنهار. وسميت الصلاة قرآناً لأنها لا تكون إلا بقرآن. وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وأنه فرض في الصلاة لأنه كله مأمور به في هذه الآية. والنهار عند الخليل: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

الإسراء 17:79

قوله: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾. معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: خاصة لك دون أمتك. والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: النوم. يقال: تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام. قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة. وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة. قال ابن عباس معنى: "نافلة لك": فرضاً عليك. فرض الله ذلك على النبي ﷺ. وقيل: إنما قيل له: "نافلة لك" لأنه لم يكن فعله ذلك ليكفر عنه شيئاً من الذنوب. فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر بنوافله، وهو لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد. وقول ابن عباس: أولى. لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله [عز وجل] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فواجب أن يكون ذلك فرضاً عليه خاصة. خصّه الله [عز وجل] به، لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير فَحَضَّ الله [سبحانه] نبيه ﷺ على أفضل الأعمال. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة الصلاة بالليل وقال عليه السلام: عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى الله [عز وجل]، وكفارة للسيئات وعنه ﷺ أنه قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً وقال [النبي] عليه السلام: "صلوا بالليل ولو ركعتين. ما من أهل بيت تعرف لهم صلاة إلا ناداهم مناديا أهل الدار: قوموا إلى صلاتكم وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال ﷺ: "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيراً وهو يصلي إلا أعطاه وهي في كل ليلة ثم قال [تعالى]: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾. وعسى من الله واجبة، لأن الله [عز وجل] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته. والمقام المحمود: هو الشفاعة. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج والحسن. وقال حذيفة: يجمع الله [عز وجل] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادي محمداً ﷺ فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت". قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره. وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [عز وجل] في قلوبنا من الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [عز وجل] وصاحوا بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم. فيأبى عليهم. ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمداً ﷺ [فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على عرشه. و [عن] النبي عليه السلام في قوله: "مقاماً محموداً" أنه قال: "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي" رواه أبو هريرة عنه. وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: "يحشر الناس يوم القيامة [فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: "إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك. ثم بموسى فيقول: كذلك. ثم بمحمد فيمشي بين الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود وروي: عن عبد الله بن سلام أنه قال: "إن محمداً عليه السلام يوم القيامة على كرسي للرب بين [يدي] الرب جل وعز. فهذا قول مجاهد. وقيل المقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون يشرف فيه على جميع الخلائق: يسأل فيعطى ويشفع، ليس أحد يوم القيامة إلا تحت لواء محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ]﴾. يعني: مدخله المدينة حين هاجر إليها وخروجه من مكة. قال ذلك: ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد. ودل على هذا ما تقدم من قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أمتني إماتة صدق وأخرجني بعد الممات مخرج صدق. وقال مجاهد: يعني به: أدخلني فيما أرسلتني به مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق من الدنيا. وعن الحسن أيضاً: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الجنة، وأخرجني مخرج صدق مكة. وقال الضحاك: معناه أخرجني من مكة آمناً، وأدخلني إياها آمناً وهو يوم الفتح. وقال أبو صالح: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الإسلام. وقيل معناه: أدخلني مكة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت وأخرجني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمناً ومجيباً. ومعنى ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: [مدخل] سلامة وحسن عاقبة. فجعل الصدق موضع الأشياء الجميلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾. أي: حجة تنصرني بها على من ناوأني، وعزاً أقيم به دينك، وملكاً تقوى به أمتي. قاله: الحسن، قال: يوعده الله [عز وجل] لننزعن ملك فارس عن فارس ولنجعلنه لك، وعن الروم ولنجعلنه لك، أي لأمتك. وقيل معناه: حجة بينة، قاله مجاهد. قال ابن زيد: نصيراً ينصرني.

الإسراء 17:80

قوله: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾. معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: خاصة لك دون أمتك. والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: النوم. يقال: تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام. قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة. وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة. قال ابن عباس معنى: "نافلة لك": فرضاً عليك. فرض الله ذلك على النبي ﷺ. وقيل: إنما قيل له: "نافلة لك" لأنه لم يكن فعله ذلك ليكفر عنه شيئاً من الذنوب. فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر بنوافله، وهو لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد. وقول ابن عباس: أولى. لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله [عز وجل] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فواجب أن يكون ذلك فرضاً عليه خاصة. خصّه الله [عز وجل] به، لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير فَحَضَّ الله [سبحانه] نبيه ﷺ على أفضل الأعمال. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة الصلاة بالليل وقال عليه السلام: عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى الله [عز وجل]، وكفارة للسيئات وعنه ﷺ أنه قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً وقال [النبي] عليه السلام: "صلوا بالليل ولو ركعتين. ما من أهل بيت تعرف لهم صلاة إلا ناداهم مناديا أهل الدار: قوموا إلى صلاتكم وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال ﷺ: "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيراً وهو يصلي إلا أعطاه وهي في كل ليلة ثم قال [تعالى]: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾. وعسى من الله واجبة، لأن الله [عز وجل] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته. والمقام المحمود: هو الشفاعة. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج والحسن. وقال حذيفة: يجمع الله [عز وجل] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادي محمداً ﷺ فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت". قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره. وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [عز وجل] في قلوبنا من الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [عز وجل] وصاحوا بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم. فيأبى عليهم. ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمداً ﷺ [فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على عرشه. و [عن] النبي عليه السلام في قوله: "مقاماً محموداً" أنه قال: "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي" رواه أبو هريرة عنه. وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: "يحشر الناس يوم القيامة [فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: "إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك. ثم بموسى فيقول: كذلك. ثم بمحمد فيمشي بين الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود وروي: عن عبد الله بن سلام أنه قال: "إن محمداً عليه السلام يوم القيامة على كرسي للرب بين [يدي] الرب جل وعز. فهذا قول مجاهد. وقيل المقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون يشرف فيه على جميع الخلائق: يسأل فيعطى ويشفع، ليس أحد يوم القيامة إلا تحت لواء محمد ﷺ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ]﴾. يعني: مدخله المدينة حين هاجر إليها وخروجه من مكة. قال ذلك: ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد. ودل على هذا ما تقدم من قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أمتني إماتة صدق وأخرجني بعد الممات مخرج صدق. وقال مجاهد: يعني به: أدخلني فيما أرسلتني به مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق من الدنيا. وعن الحسن أيضاً: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الجنة، وأخرجني مخرج صدق مكة. وقال الضحاك: معناه أخرجني من مكة آمناً، وأدخلني إياها آمناً وهو يوم الفتح. وقال أبو صالح: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الإسلام. وقيل معناه: أدخلني مكة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت وأخرجني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمناً ومجيباً. ومعنى ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: [مدخل] سلامة وحسن عاقبة. فجعل الصدق موضع الأشياء الجميلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾. أي: حجة تنصرني بها على من ناوأني، وعزاً أقيم به دينك، وملكاً تقوى به أمتي. قاله: الحسن، قال: يوعده الله [عز وجل] لننزعن ملك فارس عن فارس ولنجعلنه لك، وعن الروم ولنجعلنه لك، أي لأمتك. وقيل معناه: حجة بينة، قاله مجاهد. قال ابن زيد: نصيراً ينصرني.

الإسراء 17:81

قوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ﴾ إلى قوله ﴿أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو الشيطان. قاله قتادة. وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك الذي هم عليه. وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي ﷺ بخرقها. وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً. فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾. ومعنى زهق ذهب. * * ثم قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد معه. و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء. * * وقوله: ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾. أي: إلا هلاكاً لأنهم يكفرون به فيزدادون خساراً. * * ثم قال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله وتباعد بناحيته. ومعنى "نأى": بعد، قال مجاهد: "نأى بجانبه": تباعد منا. ثم قال [تعالى] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ [كَانَ يَئُوساً]﴾. أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: "إذا مسه الشر" يئس وقنط، يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم هي في كل من هو مثله من الكفار. * * ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾. أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. * * ثم قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: أهدى طريقاً إلى الحق من غيره. وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقاً إلى الصواب من غيره. وقيل: يعمل على شاكلته أي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه.

الإسراء 17:82

قوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ﴾ إلى قوله ﴿أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو الشيطان. قاله قتادة. وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك الذي هم عليه. وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي ﷺ بخرقها. وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً. فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾. ومعنى زهق ذهب. * * ثم قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد معه. و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء. * * وقوله: ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾. أي: إلا هلاكاً لأنهم يكفرون به فيزدادون خساراً. * * ثم قال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله وتباعد بناحيته. ومعنى "نأى": بعد، قال مجاهد: "نأى بجانبه": تباعد منا. ثم قال [تعالى] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ [كَانَ يَئُوساً]﴾. أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: "إذا مسه الشر" يئس وقنط، يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم هي في كل من هو مثله من الكفار. * * ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾. أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. * * ثم قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: أهدى طريقاً إلى الحق من غيره. وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقاً إلى الصواب من غيره. وقيل: يعمل على شاكلته أي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه.

الإسراء 17:83

قوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ﴾ إلى قوله ﴿أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو الشيطان. قاله قتادة. وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك الذي هم عليه. وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي ﷺ بخرقها. وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً. فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾. ومعنى زهق ذهب. * * ثم قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد معه. و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء. * * وقوله: ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾. أي: إلا هلاكاً لأنهم يكفرون به فيزدادون خساراً. * * ثم قال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله وتباعد بناحيته. ومعنى "نأى": بعد، قال مجاهد: "نأى بجانبه": تباعد منا. ثم قال [تعالى] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ [كَانَ يَئُوساً]﴾. أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: "إذا مسه الشر" يئس وقنط، يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم هي في كل من هو مثله من الكفار. * * ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾. أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. * * ثم قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: أهدى طريقاً إلى الحق من غيره. وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقاً إلى الصواب من غيره. وقيل: يعمل على شاكلته أي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه.

الإسراء 17:84

قوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ﴾ إلى قوله ﴿أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو الشيطان. قاله قتادة. وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك الذي هم عليه. وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي ﷺ بخرقها. وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً. فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾. ومعنى زهق ذهب. * * ثم قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد معه. و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء. * * وقوله: ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾. أي: إلا هلاكاً لأنهم يكفرون به فيزدادون خساراً. * * ثم قال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله وتباعد بناحيته. ومعنى "نأى": بعد، قال مجاهد: "نأى بجانبه": تباعد منا. ثم قال [تعالى] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ [كَانَ يَئُوساً]﴾. أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: "إذا مسه الشر" يئس وقنط، يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم هي في كل من هو مثله من الكفار. * * ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾. أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. * * ثم قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾. أي: أهدى طريقاً إلى الحق من غيره. وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقاً إلى الصواب من غيره. وقيل: يعمل على شاكلته أي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه.

الإسراء 17:85

قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ إلى قوله ﴿[كَانَ] عَلَيْكَ كَبِيراً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد الروح من أمر ربي. قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه. فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه. فسألوه عن الروح، فقام متوكئأ على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه. فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. فقال بعضهم: ألم أقل لا تسألوه. وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ الآية. فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ [وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ]﴾ [لقمان: ٢٧] الآية. وقال قتادة: لقيت اليهود النبي ﷺ فعنتوه وقالوا: إن كنت نبيأً فستعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله [عز وجل] في ذلك كله. وعن ابن عباس: أن اليهود قالوا: للنبي ﷺ أخبرنا ما الروح؟ وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله عز وجل؟ ولم يكن نزل إليه في شيء. فلم يجد إليهم فيه شيئاً. وأتاه جبريل عليه السلام فقال له: ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. الآية فأخبرهم النبي ﷺ بذلك فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي ﷺ جاء به جبريل من عند الله [عز وجل]. فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل الله [عز وجل] ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ وقال بعض أهل العلم: علم الله [عز وجل] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي. وإن لم يفسره فهو نبي. وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية. وقد روى أن قريشاً اجتمعت بمكة فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذاباً، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه. فخرجت طائفة حتى لقوا أحبار يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته. فسألهم قريش عنه: فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي. تسألوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. فقدموا مكة وسألوه عن ذلك. وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام. فقيل: لهم الروح من أمر الله، أي: هو شيء أمر الله [عز وجل] به وخلقه لا كما تقول النصارى. وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام. وعن ابن عباس: أنه ملك. وعن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] إنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله [عز وجل] بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. وقيل الروح القرآن، لقوله: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وإنما سمي القرآن روحاً لأنه حياة للقلوب والنفوس لما تصير إليه من الخير بالقرآن. وقيل إن اليهود وصوا قريشاً يسألون النبي ﷺ عن ذلك ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل. * * ومعنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من الأمر الذي يعلمه دونكم. * * وقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. يعني الذين سألوا النبي ﷺ خاصة. وقيل عني به الخلق كلهم ولكنه غلب المخاطب على الغائب. قال عطاء: نزلت بمكة ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فلما هاجر، أتى أحبار اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا له: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت. قالوا فإِنك تتلو إنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال النبي ﷺ: هي في علم الله قليل. وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم وأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ الآية ثم قال: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيماً ولا ناهراً يمنعنا من ذلك. قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه. وقال: تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم قرأ الآية ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾. وروي عنه أيضاً: أنه قال: يسري عليه ليلاً ولا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل شيء. ثم قرأ: ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾ الآية. وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم. فيكون معنى الآية على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن لا نشاء ذلك. رحمة من ربك وتفضلاً منه. ﴿[إِنَّ فَضْلَهُ] كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ باصطفائه إياك لرسالته ووحي كتابه وغير ذلك من نعمه. وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه الصلاة. وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ويذهب بما في قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية. ومعنى: ﴿بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من يتوكل [لك] برد شيء منه. وهذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته.

الإسراء 17:86

قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ إلى قوله ﴿[كَانَ] عَلَيْكَ كَبِيراً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد الروح من أمر ربي. قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه. فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه. فسألوه عن الروح، فقام متوكئأ على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه. فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. فقال بعضهم: ألم أقل لا تسألوه. وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ الآية. فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ [وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ]﴾ [لقمان: ٢٧] الآية. وقال قتادة: لقيت اليهود النبي ﷺ فعنتوه وقالوا: إن كنت نبيأً فستعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله [عز وجل] في ذلك كله. وعن ابن عباس: أن اليهود قالوا: للنبي ﷺ أخبرنا ما الروح؟ وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله عز وجل؟ ولم يكن نزل إليه في شيء. فلم يجد إليهم فيه شيئاً. وأتاه جبريل عليه السلام فقال له: ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. الآية فأخبرهم النبي ﷺ بذلك فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي ﷺ جاء به جبريل من عند الله [عز وجل]. فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل الله [عز وجل] ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ وقال بعض أهل العلم: علم الله [عز وجل] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي. وإن لم يفسره فهو نبي. وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية. وقد روى أن قريشاً اجتمعت بمكة فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذاباً، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه. فخرجت طائفة حتى لقوا أحبار يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته. فسألهم قريش عنه: فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي. تسألوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. فقدموا مكة وسألوه عن ذلك. وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام. فقيل: لهم الروح من أمر الله، أي: هو شيء أمر الله [عز وجل] به وخلقه لا كما تقول النصارى. وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام. وعن ابن عباس: أنه ملك. وعن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] إنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله [عز وجل] بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. وقيل الروح القرآن، لقوله: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وإنما سمي القرآن روحاً لأنه حياة للقلوب والنفوس لما تصير إليه من الخير بالقرآن. وقيل إن اليهود وصوا قريشاً يسألون النبي ﷺ عن ذلك ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل. * * ومعنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من الأمر الذي يعلمه دونكم. * * وقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. يعني الذين سألوا النبي ﷺ خاصة. وقيل عني به الخلق كلهم ولكنه غلب المخاطب على الغائب. قال عطاء: نزلت بمكة ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فلما هاجر، أتى أحبار اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا له: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت. قالوا فإِنك تتلو إنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال النبي ﷺ: هي في علم الله قليل. وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم وأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ الآية ثم قال: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيماً ولا ناهراً يمنعنا من ذلك. قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه. وقال: تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم قرأ الآية ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾. وروي عنه أيضاً: أنه قال: يسري عليه ليلاً ولا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل شيء. ثم قرأ: ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾ الآية. وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم. فيكون معنى الآية على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن لا نشاء ذلك. رحمة من ربك وتفضلاً منه. ﴿[إِنَّ فَضْلَهُ] كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ باصطفائه إياك لرسالته ووحي كتابه وغير ذلك من نعمه. وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه الصلاة. وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ويذهب بما في قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية. ومعنى: ﴿بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من يتوكل [لك] برد شيء منه. وهذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته.

الإسراء 17:87

قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ إلى قوله ﴿[كَانَ] عَلَيْكَ كَبِيراً﴾. المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد الروح من أمر ربي. قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه. فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه. فسألوه عن الروح، فقام متوكئأ على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه. فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. فقال بعضهم: ألم أقل لا تسألوه. وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ﴾ الآية. فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ [وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ]﴾ [لقمان: ٢٧] الآية. وقال قتادة: لقيت اليهود النبي ﷺ فعنتوه وقالوا: إن كنت نبيأً فستعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله [عز وجل] في ذلك كله. وعن ابن عباس: أن اليهود قالوا: للنبي ﷺ أخبرنا ما الروح؟ وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله عز وجل؟ ولم يكن نزل إليه في شيء. فلم يجد إليهم فيه شيئاً. وأتاه جبريل عليه السلام فقال له: ﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. الآية فأخبرهم النبي ﷺ بذلك فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي ﷺ جاء به جبريل من عند الله [عز وجل]. فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل الله [عز وجل] ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ وقال بعض أهل العلم: علم الله [عز وجل] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي. وإن لم يفسره فهو نبي. وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية. وقد روى أن قريشاً اجتمعت بمكة فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذاباً، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه. فخرجت طائفة حتى لقوا أحبار يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته. فسألهم قريش عنه: فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي. تسألوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. فقدموا مكة وسألوه عن ذلك. وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام. فقيل: لهم الروح من أمر الله، أي: هو شيء أمر الله [عز وجل] به وخلقه لا كما تقول النصارى. وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام. وعن ابن عباس: أنه ملك. وعن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] إنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله [عز وجل] بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. وقيل الروح القرآن، لقوله: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وإنما سمي القرآن روحاً لأنه حياة للقلوب والنفوس لما تصير إليه من الخير بالقرآن. وقيل إن اليهود وصوا قريشاً يسألون النبي ﷺ عن ذلك ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل. * * ومعنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من الأمر الذي يعلمه دونكم. * * وقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. يعني الذين سألوا النبي ﷺ خاصة. وقيل عني به الخلق كلهم ولكنه غلب المخاطب على الغائب. قال عطاء: نزلت بمكة ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فلما هاجر، أتى أحبار اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا له: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت. قالوا فإِنك تتلو إنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال النبي ﷺ: هي في علم الله قليل. وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم وأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ الآية ثم قال: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيماً ولا ناهراً يمنعنا من ذلك. قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه. وقال: تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم قرأ الآية ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾. وروي عنه أيضاً: أنه قال: يسري عليه ليلاً ولا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل شيء. ثم قرأ: ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾ الآية. وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم. فيكون معنى الآية على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن لا نشاء ذلك. رحمة من ربك وتفضلاً منه. ﴿[إِنَّ فَضْلَهُ] كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ باصطفائه إياك لرسالته ووحي كتابه وغير ذلك من نعمه. وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه الصلاة. وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ويذهب بما في قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية. ومعنى: ﴿بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من يتوكل [لك] برد شيء منه. وهذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته.

الإسراء 17:88

قوله: ﴿[قُل] لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ﴾ إلى قوله: ﴿ظَهِيراً﴾. المعنى: قل يا محمد للذين ادعوا بأنهم يأتون بمثل هذا القرآن ﴿[قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ] لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ أي: عويناً. وهذه الآية: نزلت في قوم من اليهود جادلوا النبي ﷺ في القرآن وسألوه آية غير القرآن تدل على نبوته وادعوا أنهم يقدرون على مثل هذا القرآن فأعجزهم الإتيان بمثله فقيل لهم: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] فأعجزهم ذلك. فقيل لهم: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] فأعجزهم ذلك وقد كان عصرهم عصر فصاحة وبلاغة. وقيل: إن الخطاب بذلك لقريش وهم الذي عجزوا عن الإتيان بسورة وبعشر سور وهم أهل الفصاحة والبلاغة والشعر والخطابة وكانوا على حرص على أن يأتوا بما يحتجون به على النبي ﷺ. فلم يقدروا على الإتيان بشيء من ذلك تقوم لهم به حجة فدل ذلك على إعجاز القرآن وأنه دليل على نبوة محمد ﷺ. فمن إعجاز القرآن تأليفه بالأمر والنهي والوعظ والتنبيه والخبر والتوبيخ وذلك لا يوجد متألفاً في كلام. ومن إعجازه الحذف والإيجاز ودلالة اليسير من اللفظ على المعاني الكثيرة. وهذا موجود بعضه في كلام العرب [لكن] لا يوجد مثل قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فقد تضمن هذا معاني، ولا يوجد مثله في كلام العرب بهذه الفصاحة ومثله كثير في القرآن. ومعنى الإيجاز هو إظهار المعاني الكثيرة باللفظ القليل ومن إعجازه ما فيه من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعد. ومنها ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في ذلك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في القرآن كخبر يوسف وإخوته. وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم الماضية والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ذلك... فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه. ودل على صحة ما أتى فيه من الأخبار أن كثيراً منها قد نزل في التوراة [كذلك]. فالتوراة مصدقة لما في القرآن والقرآن مصدق لما نزل في التوراة. وإعجازه أكثر من أن يحصى وله كتب مفردة لذلك.

الإسراء 17:89

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي إلا جحوداً للحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾. أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عيناً تنبع بالماء لنا. قاله مجاهد وقتادة. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي بأرضنا هذه ﴿[فَتُفَجِّرَ ٱلأَ]نْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ أي: قطعاً. لأنه جمع كسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾. أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة "قبيلاً" أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. وقال القتبي: "قبيلاً" [أي] ضميناً. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. * * ثم قال: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾. أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا[ه] في مصحف ابن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى بـ "في" ولو لم يكن ثم إضمار لكان "إلى السماء" ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى السماء. ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾. أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾. منشوراً: أي: كتاباً من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: "كتاباً نقرؤه" أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: "رسولاً" أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي ﷺ وبين ملأ[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا... في كلام طويل عاتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي ﷺ ذلك من قولهم، وقال: "إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه" فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي ﷺ: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك"، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقام النبي ﷺ وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية. وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله ﷺ حزيناً لما فاته مما كان طمع به من إيمان قومه حين دعوه.

الإسراء 17:90

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي إلا جحوداً للحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾. أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عيناً تنبع بالماء لنا. قاله مجاهد وقتادة. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي بأرضنا هذه ﴿[فَتُفَجِّرَ ٱلأَ]نْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ أي: قطعاً. لأنه جمع كسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾. أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة "قبيلاً" أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. وقال القتبي: "قبيلاً" [أي] ضميناً. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. * * ثم قال: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾. أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا[ه] في مصحف ابن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى بـ "في" ولو لم يكن ثم إضمار لكان "إلى السماء" ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى السماء. ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾. أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾. منشوراً: أي: كتاباً من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: "كتاباً نقرؤه" أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: "رسولاً" أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي ﷺ وبين ملأ[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا... في كلام طويل عاتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي ﷺ ذلك من قولهم، وقال: "إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه" فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي ﷺ: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك"، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقام النبي ﷺ وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية. وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله ﷺ حزيناً لما فاته مما كان طمع به من إيمان قومه حين دعوه.

الإسراء 17:91

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي إلا جحوداً للحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾. أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عيناً تنبع بالماء لنا. قاله مجاهد وقتادة. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي بأرضنا هذه ﴿[فَتُفَجِّرَ ٱلأَ]نْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ أي: قطعاً. لأنه جمع كسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾. أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة "قبيلاً" أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. وقال القتبي: "قبيلاً" [أي] ضميناً. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. * * ثم قال: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾. أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا[ه] في مصحف ابن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى بـ "في" ولو لم يكن ثم إضمار لكان "إلى السماء" ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى السماء. ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾. أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾. منشوراً: أي: كتاباً من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: "كتاباً نقرؤه" أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: "رسولاً" أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي ﷺ وبين ملأ[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا... في كلام طويل عاتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي ﷺ ذلك من قولهم، وقال: "إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه" فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي ﷺ: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك"، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقام النبي ﷺ وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية. وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله ﷺ حزيناً لما فاته مما كان طمع به من إيمان قومه حين دعوه.

الإسراء 17:92

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي إلا جحوداً للحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾. أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عيناً تنبع بالماء لنا. قاله مجاهد وقتادة. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي بأرضنا هذه ﴿[فَتُفَجِّرَ ٱلأَ]نْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ أي: قطعاً. لأنه جمع كسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾. أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة "قبيلاً" أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. وقال القتبي: "قبيلاً" [أي] ضميناً. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. * * ثم قال: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾. أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا[ه] في مصحف ابن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى بـ "في" ولو لم يكن ثم إضمار لكان "إلى السماء" ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى السماء. ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾. أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾. منشوراً: أي: كتاباً من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: "كتاباً نقرؤه" أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: "رسولاً" أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي ﷺ وبين ملأ[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا... في كلام طويل عاتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي ﷺ ذلك من قولهم، وقال: "إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه" فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي ﷺ: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك"، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقام النبي ﷺ وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية. وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله ﷺ حزيناً لما فاته مما كان طمع به من إيمان قومه حين دعوه.

الإسراء 17:93

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي إلا جحوداً للحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾. أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عيناً تنبع بالماء لنا. قاله مجاهد وقتادة. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي بأرضنا هذه ﴿[فَتُفَجِّرَ ٱلأَ]نْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ أي: قطعاً. لأنه جمع كسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾. أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة "قبيلاً" أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. وقال القتبي: "قبيلاً" [أي] ضميناً. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. * * ثم قال: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾. أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا[ه] في مصحف ابن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. * * ثم قال: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾. أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى بـ "في" ولو لم يكن ثم إضمار لكان "إلى السماء" ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى السماء. ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾. أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾. منشوراً: أي: كتاباً من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: "كتاباً نقرؤه" أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾. أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: "رسولاً" أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي ﷺ وبين ملأ[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا... في كلام طويل عاتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي ﷺ ذلك من قولهم، وقال: "إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه" فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي ﷺ: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك"، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقام النبي ﷺ وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية. وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي ﷺ: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله ﷺ حزيناً لما فاته مما كان طمع به من إيمان قومه حين دعوه.

الإسراء 17:94

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله ﴿إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلا قولهم جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾. أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [عز وجل] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. ومعنى: "مطمئنين" مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] "مطمئنين": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه نعم الكافي. و "شهيداً" حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى بالله من الشهداء. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم "بصيراً" بتدبيرهم وسياستهم. وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [عز وجل]: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ﴾. أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [عز وجل] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه]. * * ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾. أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾. أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "وبكماً" أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣]. قوله: "وصماً" أي: صماً عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [عز وجل] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾ معناه: أنهم يحشرون صاغرين. وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. * * ثم قال: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وقال مجاهد: "خبت" طفيت"، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً. ومعنى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم. وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] لا يفتر عنهم. وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم استعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب.

الإسراء 17:95

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله ﴿إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلا قولهم جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾. أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [عز وجل] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. ومعنى: "مطمئنين" مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] "مطمئنين": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه نعم الكافي. و "شهيداً" حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى بالله من الشهداء. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم "بصيراً" بتدبيرهم وسياستهم. وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [عز وجل]: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ﴾. أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [عز وجل] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه]. * * ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾. أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾. أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "وبكماً" أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣]. قوله: "وصماً" أي: صماً عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [عز وجل] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾ معناه: أنهم يحشرون صاغرين. وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. * * ثم قال: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وقال مجاهد: "خبت" طفيت"، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً. ومعنى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم. وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] لا يفتر عنهم. وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم استعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب.

الإسراء 17:96

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله ﴿إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلا قولهم جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾. أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [عز وجل] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. ومعنى: "مطمئنين" مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] "مطمئنين": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه نعم الكافي. و "شهيداً" حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى بالله من الشهداء. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم "بصيراً" بتدبيرهم وسياستهم. وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [عز وجل]: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ﴾. أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [عز وجل] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه]. * * ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾. أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾. أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "وبكماً" أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣]. قوله: "وصماً" أي: صماً عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [عز وجل] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾ معناه: أنهم يحشرون صاغرين. وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. * * ثم قال: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وقال مجاهد: "خبت" طفيت"، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً. ومعنى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم. وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] لا يفتر عنهم. وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم استعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب.

الإسراء 17:97

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله ﴿إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلا قولهم جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾. أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [عز وجل] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. ومعنى: "مطمئنين" مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] "مطمئنين": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه نعم الكافي. و "شهيداً" حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى بالله من الشهداء. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم "بصيراً" بتدبيرهم وسياستهم. وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [عز وجل]: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ﴾. أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [عز وجل] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه]. * * ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾. أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾. أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "وبكماً" أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣]. قوله: "وصماً" أي: صماً عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [عز وجل] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾ معناه: أنهم يحشرون صاغرين. وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. * * ثم قال: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وقال مجاهد: "خبت" طفيت"، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً. ومعنى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم. وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] لا يفتر عنهم. وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم استعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب.