Lafzullah

Tafsir Makhi — الزمر 39:50 – غافر 40:29

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الزمر 39:50
  2. الزمر 39:51
  3. الزمر 39:52
  4. الزمر 39:53
  5. الزمر 39:54
  6. الزمر 39:55
  7. الزمر 39:56
  8. الزمر 39:57
  9. الزمر 39:58
  10. الزمر 39:59
  11. الزمر 39:60
  12. الزمر 39:61
  13. الزمر 39:62
  14. الزمر 39:63
  15. الزمر 39:64
  16. الزمر 39:65
  17. الزمر 39:66
  18. الزمر 39:67
  19. الزمر 39:68
  20. الزمر 39:69
  21. الزمر 39:70
  22. الزمر 39:71
  23. الزمر 39:72
  24. الزمر 39:73
  25. الزمر 39:74
  26. الزمر 39:75
  27. غافر 40:1
  28. غافر 40:2
  29. غافر 40:3
  30. غافر 40:4
  31. غافر 40:5
  32. غافر 40:6
  33. غافر 40:7
  34. غافر 40:8
  35. غافر 40:9
  36. غافر 40:10
  37. غافر 40:11
  38. غافر 40:12
  39. غافر 40:13
  40. غافر 40:14
  41. غافر 40:15
  42. غافر 40:16
  43. غافر 40:17
  44. غافر 40:18
  45. غافر 40:19
  46. غافر 40:20
  47. غافر 40:21
  48. غافر 40:22
  49. غافر 40:23
  50. غافر 40:24
  51. غافر 40:25
  52. غافر 40:26
  53. غافر 40:27
  54. غافر 40:28
  55. غافر 40:29

الزمر 39:50

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:51

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:52

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:53

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:54

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:55

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:56

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:57

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:58

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:59

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون. عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت". وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة. وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة". وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا. وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. * * ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص". * * وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً. ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية. وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم وقال القرظي هي للناس أجمع. وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا. * * وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه. وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء". وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين. ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله. وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ. * * وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ. * * ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها. ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا. قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله. وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به". وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه. قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة. قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد. * * ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني). ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء. وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

الزمر 39:60

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:61

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:62

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:63

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:64

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:65

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:66

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:67

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً. ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ. * * ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم. قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم * * ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم. قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. وقال ابن زيد: "بأعمالهم". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾. "غير" نصب "بأعبد". قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟! ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته. قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره. قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة. (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم. قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها. قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب: "يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة" ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم. وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله. وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب" وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق * * ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

الزمر 39:68

قوله تعالى ذكره ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: ونفخ إسرافيل في القرن فمات من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وهذه هي النفخة الثانية. وقيل: الصور جمع صورة. فالمعنى: ونفخ إسرافيل في صورة بني آدم فماتوا. والأول أكثر. * * وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾. قال السدي وغيره: هو جبريل وميكائيل وملك الموت. وكذلك روى أنس عن النبي ﷺ: "لا يموتون في هذه النفخة (صلوات الله عليهم) ثم يموتون بعد ذلك، فلا يبقى إلا الله الحيّ القيوم، ثم يحيي الله تعالى إسرافيل عليه السلام ويأمره أن ينفخ في القرن لإحياء الخلق بإذن الله عز وجل. والله المميت للخلق بالنفخة التي هي نفخة الصعق وهو المحيي للخلق بالنفخة التي هي نفخة الأحياء قال ابن جبير: عنى بذلك (شهداءهم) حول العرش (متقلدو السيوف). وقيل: استثناء الشهداء، إنما هو في [نفخة الفزع. وهي الأولى. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ينفخ في الصور ثلاث نفخات]: النفخة الأولى، نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله جل ذكره إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾؟ قال: أولئك الشهداء. (وإن ما يصير) الفزع إلى الأحياء. أولئك أحياء عند ربهم يرزقون (ووقاهم الله) فزع ذلك اليوم وأمنهم. ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل بنفخة الصعق فيقول: نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب، قد مات أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: من بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل. (وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!). فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي. ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي (لا تموت وبقي) حملة عرشك وبقيت أنا، فيقول له: فليمت حملة عرشي، فيموتون، ويأمر الله عز وجل العرش فيقبض الصور. ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك، فيقول: ومن بقي؟ - وهو أعلم - فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خُلِقْتَ لما رأيت فمَتْ، فيموت وروي أن النبي ﷺ قال: أتاني ملك الموت فقال: يا محمد، اختر: نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً. فأومأ إليَّ جبريل أن تواضع. قال: فقلت: نبياً عبداً. فأعطيت خصلتين: جعلت أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، فأرفع رأسي فأجد (موسى آخذاً) بالعرش فالله أعلم، بعد الصعقة الأولى أم لا وفي حديث آخر: "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من يرفع رأسه. فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل وفي حديث آخر: "فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا [أدري، أممن استثنى] الله جل ثناؤه ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ﴾، يعني: نفخة البعث. ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة عن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: "ما بين النفختين [أربعون]، ثم ينزل الله جل ذكره من السماء ماء فينبتون كما يَنْبُتُ البقْلُ. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عَظْم واحد وهو عَجْبُ الذَّنَب ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة وكان أصحاب النبي ﷺ يتأولون الأربعين أربعين سنة. وقال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهراً، أم أربعون ليلة، أم أربعون ساعة. قال قتادة: ذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مَطَر يُقَالُ له مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه الثالثة فإذا هم قيام ينظرون. قال النبي ﷺ: "يبعث الله المؤمنين يوم القيامة جُرْداً مُرْداً بنو ثلاثين سنة وقال أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله بين السماوات والأرض - إلا من شاء الله - إلا مات. ثم يرسل الله من تحت العرش مَنَيَّاً كمني الرجال فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك كما تنبت الأرض، ثم قرأ عبد الله ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ [فاطر: ٩] - إلى قوله - ﴿كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] قال: ويكون بين النفختين ما شاء الله ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، أي: أضاءت. يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وَصَفَت، وَشَرَقَت إذا طلعت. وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه. وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر. والمعنى: أضاءت الأرض بنور (خلقه الله). فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ تبارك وتعالى. وقيل: معناه: أشرقت بعد الله عز وجل وحُكمه الحق تبارك وتعالى لأن له نوراً كنور الشمس وضياء القمر، هو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا كقوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، أي: بِهُدَاه يهتدي أهل السماوات والأرض. لم يُرِدِ النُّور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل والنهار. وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: "تنظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه: - لا تُضامُون - مُخَفَّفاً -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر إلى الملوك. - والوجه الثاني: لا تُضامُّون - مشدداً -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ليسأله أن يريه إياه. - والوجه الثالث: (لا تُضارُون) - مخففاً -، أي: لا يلحقكم ضير في رؤيته، من ضارَه يضيرُه. - والوجه الرابع: (لا تُضارُّون) - مشدداً، أي: لا يخالف بعضكم بعضاً في صحة رؤيته. يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ﴾، يعني: كتاب أعمال العباد وحسابهم. وقيل: هو اللوح المحفوظ. ﴿وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾، أي: جيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابت به] أممهم وردت عليهم في الدنيا. والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدلاً ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: عنى بالشهداء هنا: الذي قتلوا في سبيل الله. والأول (أولى وأبين). وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل. وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم. * * وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: قضى بين النبيئين وأممهم بالحق؛ فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله. ثم قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾، أي: جزاء عملها من خير وشر. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من طاعة له أو معصية. فيثيب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئاً.

الزمر 39:69

قوله تعالى ذكره ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: ونفخ إسرافيل في القرن فمات من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وهذه هي النفخة الثانية. وقيل: الصور جمع صورة. فالمعنى: ونفخ إسرافيل في صورة بني آدم فماتوا. والأول أكثر. * * وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾. قال السدي وغيره: هو جبريل وميكائيل وملك الموت. وكذلك روى أنس عن النبي ﷺ: "لا يموتون في هذه النفخة (صلوات الله عليهم) ثم يموتون بعد ذلك، فلا يبقى إلا الله الحيّ القيوم، ثم يحيي الله تعالى إسرافيل عليه السلام ويأمره أن ينفخ في القرن لإحياء الخلق بإذن الله عز وجل. والله المميت للخلق بالنفخة التي هي نفخة الصعق وهو المحيي للخلق بالنفخة التي هي نفخة الأحياء قال ابن جبير: عنى بذلك (شهداءهم) حول العرش (متقلدو السيوف). وقيل: استثناء الشهداء، إنما هو في [نفخة الفزع. وهي الأولى. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ينفخ في الصور ثلاث نفخات]: النفخة الأولى، نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله جل ذكره إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾؟ قال: أولئك الشهداء. (وإن ما يصير) الفزع إلى الأحياء. أولئك أحياء عند ربهم يرزقون (ووقاهم الله) فزع ذلك اليوم وأمنهم. ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل بنفخة الصعق فيقول: نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب، قد مات أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: من بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل. (وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!). فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي. ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي (لا تموت وبقي) حملة عرشك وبقيت أنا، فيقول له: فليمت حملة عرشي، فيموتون، ويأمر الله عز وجل العرش فيقبض الصور. ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك، فيقول: ومن بقي؟ - وهو أعلم - فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خُلِقْتَ لما رأيت فمَتْ، فيموت وروي أن النبي ﷺ قال: أتاني ملك الموت فقال: يا محمد، اختر: نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً. فأومأ إليَّ جبريل أن تواضع. قال: فقلت: نبياً عبداً. فأعطيت خصلتين: جعلت أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، فأرفع رأسي فأجد (موسى آخذاً) بالعرش فالله أعلم، بعد الصعقة الأولى أم لا وفي حديث آخر: "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من يرفع رأسه. فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل وفي حديث آخر: "فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا [أدري، أممن استثنى] الله جل ثناؤه ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ﴾، يعني: نفخة البعث. ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة عن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: "ما بين النفختين [أربعون]، ثم ينزل الله جل ذكره من السماء ماء فينبتون كما يَنْبُتُ البقْلُ. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عَظْم واحد وهو عَجْبُ الذَّنَب ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة وكان أصحاب النبي ﷺ يتأولون الأربعين أربعين سنة. وقال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهراً، أم أربعون ليلة، أم أربعون ساعة. قال قتادة: ذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مَطَر يُقَالُ له مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه الثالثة فإذا هم قيام ينظرون. قال النبي ﷺ: "يبعث الله المؤمنين يوم القيامة جُرْداً مُرْداً بنو ثلاثين سنة وقال أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله بين السماوات والأرض - إلا من شاء الله - إلا مات. ثم يرسل الله من تحت العرش مَنَيَّاً كمني الرجال فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك كما تنبت الأرض، ثم قرأ عبد الله ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ [فاطر: ٩] - إلى قوله - ﴿كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] قال: ويكون بين النفختين ما شاء الله ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، أي: أضاءت. يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وَصَفَت، وَشَرَقَت إذا طلعت. وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه. وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر. والمعنى: أضاءت الأرض بنور (خلقه الله). فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ تبارك وتعالى. وقيل: معناه: أشرقت بعد الله عز وجل وحُكمه الحق تبارك وتعالى لأن له نوراً كنور الشمس وضياء القمر، هو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا كقوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، أي: بِهُدَاه يهتدي أهل السماوات والأرض. لم يُرِدِ النُّور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل والنهار. وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: "تنظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه: - لا تُضامُون - مُخَفَّفاً -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر إلى الملوك. - والوجه الثاني: لا تُضامُّون - مشدداً -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ليسأله أن يريه إياه. - والوجه الثالث: (لا تُضارُون) - مخففاً -، أي: لا يلحقكم ضير في رؤيته، من ضارَه يضيرُه. - والوجه الرابع: (لا تُضارُّون) - مشدداً، أي: لا يخالف بعضكم بعضاً في صحة رؤيته. يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ﴾، يعني: كتاب أعمال العباد وحسابهم. وقيل: هو اللوح المحفوظ. ﴿وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾، أي: جيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابت به] أممهم وردت عليهم في الدنيا. والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدلاً ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: عنى بالشهداء هنا: الذي قتلوا في سبيل الله. والأول (أولى وأبين). وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل. وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم. * * وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: قضى بين النبيئين وأممهم بالحق؛ فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله. ثم قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾، أي: جزاء عملها من خير وشر. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من طاعة له أو معصية. فيثيب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئاً.

الزمر 39:70

قوله تعالى ذكره ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: ونفخ إسرافيل في القرن فمات من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وهذه هي النفخة الثانية. وقيل: الصور جمع صورة. فالمعنى: ونفخ إسرافيل في صورة بني آدم فماتوا. والأول أكثر. * * وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾. قال السدي وغيره: هو جبريل وميكائيل وملك الموت. وكذلك روى أنس عن النبي ﷺ: "لا يموتون في هذه النفخة (صلوات الله عليهم) ثم يموتون بعد ذلك، فلا يبقى إلا الله الحيّ القيوم، ثم يحيي الله تعالى إسرافيل عليه السلام ويأمره أن ينفخ في القرن لإحياء الخلق بإذن الله عز وجل. والله المميت للخلق بالنفخة التي هي نفخة الصعق وهو المحيي للخلق بالنفخة التي هي نفخة الأحياء قال ابن جبير: عنى بذلك (شهداءهم) حول العرش (متقلدو السيوف). وقيل: استثناء الشهداء، إنما هو في [نفخة الفزع. وهي الأولى. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ينفخ في الصور ثلاث نفخات]: النفخة الأولى، نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله جل ذكره إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾؟ قال: أولئك الشهداء. (وإن ما يصير) الفزع إلى الأحياء. أولئك أحياء عند ربهم يرزقون (ووقاهم الله) فزع ذلك اليوم وأمنهم. ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل بنفخة الصعق فيقول: نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب، قد مات أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: من بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل. (وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!). فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي. ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي (لا تموت وبقي) حملة عرشك وبقيت أنا، فيقول له: فليمت حملة عرشي، فيموتون، ويأمر الله عز وجل العرش فيقبض الصور. ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك، فيقول: ومن بقي؟ - وهو أعلم - فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خُلِقْتَ لما رأيت فمَتْ، فيموت وروي أن النبي ﷺ قال: أتاني ملك الموت فقال: يا محمد، اختر: نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً. فأومأ إليَّ جبريل أن تواضع. قال: فقلت: نبياً عبداً. فأعطيت خصلتين: جعلت أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، فأرفع رأسي فأجد (موسى آخذاً) بالعرش فالله أعلم، بعد الصعقة الأولى أم لا وفي حديث آخر: "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من يرفع رأسه. فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل وفي حديث آخر: "فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا [أدري، أممن استثنى] الله جل ثناؤه ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ﴾، يعني: نفخة البعث. ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة عن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: "ما بين النفختين [أربعون]، ثم ينزل الله جل ذكره من السماء ماء فينبتون كما يَنْبُتُ البقْلُ. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عَظْم واحد وهو عَجْبُ الذَّنَب ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة وكان أصحاب النبي ﷺ يتأولون الأربعين أربعين سنة. وقال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهراً، أم أربعون ليلة، أم أربعون ساعة. قال قتادة: ذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مَطَر يُقَالُ له مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه الثالثة فإذا هم قيام ينظرون. قال النبي ﷺ: "يبعث الله المؤمنين يوم القيامة جُرْداً مُرْداً بنو ثلاثين سنة وقال أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله بين السماوات والأرض - إلا من شاء الله - إلا مات. ثم يرسل الله من تحت العرش مَنَيَّاً كمني الرجال فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك كما تنبت الأرض، ثم قرأ عبد الله ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ [فاطر: ٩] - إلى قوله - ﴿كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] قال: ويكون بين النفختين ما شاء الله ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، أي: أضاءت. يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وَصَفَت، وَشَرَقَت إذا طلعت. وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه. وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر. والمعنى: أضاءت الأرض بنور (خلقه الله). فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ تبارك وتعالى. وقيل: معناه: أشرقت بعد الله عز وجل وحُكمه الحق تبارك وتعالى لأن له نوراً كنور الشمس وضياء القمر، هو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا كقوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، أي: بِهُدَاه يهتدي أهل السماوات والأرض. لم يُرِدِ النُّور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل والنهار. وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: "تنظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه: - لا تُضامُون - مُخَفَّفاً -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر إلى الملوك. - والوجه الثاني: لا تُضامُّون - مشدداً -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ليسأله أن يريه إياه. - والوجه الثالث: (لا تُضارُون) - مخففاً -، أي: لا يلحقكم ضير في رؤيته، من ضارَه يضيرُه. - والوجه الرابع: (لا تُضارُّون) - مشدداً، أي: لا يخالف بعضكم بعضاً في صحة رؤيته. يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ﴾، يعني: كتاب أعمال العباد وحسابهم. وقيل: هو اللوح المحفوظ. ﴿وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾، أي: جيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابت به] أممهم وردت عليهم في الدنيا. والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدلاً ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: عنى بالشهداء هنا: الذي قتلوا في سبيل الله. والأول (أولى وأبين). وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل. وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم. * * وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي: قضى بين النبيئين وأممهم بالحق؛ فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله. ثم قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾، أي: جزاء عملها من خير وشر. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من طاعة له أو معصية. فيثيب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئاً.

الزمر 39:71

قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة. أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. ﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم. ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه. ﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم). ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله. * * ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال الكوفيون: "فتحت" جواب "إذا" والواو زائدة. وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في "وقال" زائدة. وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سَعِدُوا. وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: "طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. ودلت الواو في "وفتحت" أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها. (ودل حذف الواو في قصة أهل النار من "فتحت" أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم. وقوله ﴿طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم. وقال مجاهد: معناه: "كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها. ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان. ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحَفِهُّا الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر ... قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤-١٦]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم. وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. ﴿وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾، أي: أرض الجنة. وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش. والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا يفرد. ودخلت "من" في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥، والشورى: ٣]. وقال بعض البصريين: دخلت "من" في الموضعين توكيداً. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ. والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. كما قال: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: وقضى الله بين النبيئين والأمم والشهداء بالعدل. ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.

الزمر 39:72

قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة. أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. ﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم. ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه. ﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم). ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله. * * ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال الكوفيون: "فتحت" جواب "إذا" والواو زائدة. وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في "وقال" زائدة. وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سَعِدُوا. وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: "طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. ودلت الواو في "وفتحت" أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها. (ودل حذف الواو في قصة أهل النار من "فتحت" أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم. وقوله ﴿طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم. وقال مجاهد: معناه: "كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها. ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان. ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحَفِهُّا الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر ... قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤-١٦]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم. وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. ﴿وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾، أي: أرض الجنة. وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش. والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا يفرد. ودخلت "من" في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥، والشورى: ٣]. وقال بعض البصريين: دخلت "من" في الموضعين توكيداً. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ. والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. كما قال: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: وقضى الله بين النبيئين والأمم والشهداء بالعدل. ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.

الزمر 39:73

قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة. أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. ﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم. ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه. ﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم). ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله. * * ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال الكوفيون: "فتحت" جواب "إذا" والواو زائدة. وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في "وقال" زائدة. وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سَعِدُوا. وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: "طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. ودلت الواو في "وفتحت" أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها. (ودل حذف الواو في قصة أهل النار من "فتحت" أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم. وقوله ﴿طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم. وقال مجاهد: معناه: "كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها. ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان. ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحَفِهُّا الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر ... قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤-١٦]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم. وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. ﴿وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾، أي: أرض الجنة. وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش. والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا يفرد. ودخلت "من" في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥، والشورى: ٣]. وقال بعض البصريين: دخلت "من" في الموضعين توكيداً. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ. والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. كما قال: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: وقضى الله بين النبيئين والأمم والشهداء بالعدل. ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.

الزمر 39:74

قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة. أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. ﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم. ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه. ﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم). ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله. * * ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال الكوفيون: "فتحت" جواب "إذا" والواو زائدة. وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في "وقال" زائدة. وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سَعِدُوا. وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: "طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. ودلت الواو في "وفتحت" أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها. (ودل حذف الواو في قصة أهل النار من "فتحت" أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم. وقوله ﴿طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم. وقال مجاهد: معناه: "كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها. ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان. ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحَفِهُّا الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر ... قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤-١٦]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم. وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. ﴿وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾، أي: أرض الجنة. وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش. والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا يفرد. ودخلت "من" في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥، والشورى: ٣]. وقال بعض البصريين: دخلت "من" في الموضعين توكيداً. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ. والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. كما قال: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: وقضى الله بين النبيئين والأمم والشهداء بالعدل. ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.

الزمر 39:75

قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة. أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. ﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم. ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه. ﴿قَالُواْ بَلَىٰ﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم). ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله. * * ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة. ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال الكوفيون: "فتحت" جواب "إذا" والواو زائدة. وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في "وقال" زائدة. وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها سَعِدُوا. وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: "طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. ودلت الواو في "وفتحت" أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها. (ودل حذف الواو في قصة أهل النار من "فتحت" أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم. وقوله ﴿طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم. وقال مجاهد: معناه: "كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها. ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان. ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحَفِهُّا الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر ... قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤-١٦]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم. وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. ﴿وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾، أي: أرض الجنة. وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. * * وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش. والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا يفرد. ودخلت "من" في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥، والشورى: ٣]. وقال بعض البصريين: دخلت "من" في الموضعين توكيداً. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ. والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. كما قال: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ﴾ [الأعلى: ١] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ و ٩٦]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: وقضى الله بين النبيئين والأمم والشهداء بالعدل. ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.

غافر 40:1

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:2

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:3

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:4

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:5

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:6

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:7

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:8

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:9

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:10

قوله (تعالى ذكره): ﴿حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: "لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم". ويقال: من ديباج القرآن. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم. من رواية ابن وهب. قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم. وعنه أن حَم اسم الله الأعظم. وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن. جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب. والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. ﴿ٱلْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿ٱلْعَلِيمِ﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. ﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾. فإن جعلتهما. لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً. والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً. فأما قوله ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً. فأما قوله: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً. * * وقوله: ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت. * * ومعنى ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. * * ومعنى ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: "ذِي السَّعةَ والغنى". وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: "لا إله إلا الله" ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. وقال قتادة: "ذي الطول: ذي النعم". وقال ابن زيد: الطول: القدرة. * * ومعنى ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحيده (ورسالتك). ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم. * * ثم قال تعالى: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. ﴿وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. قال قتادة: ليقتلوه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. وأصل الدحض، الزلق. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد. ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. * * ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك. ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء. وأئمة العدل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية. * * وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. ﴿وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: النجاة من النار. وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. فمعنى: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطَّيروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، ثم تلا الآية ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم. قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة، لأن بعضهم يمقت بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة. وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو "أكبر" وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.

غافر 40:11

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:12

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:13

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:14

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:15

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:16

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:17

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:18

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:19

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:20

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾. قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان. وقال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. وقوله تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾. في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ الآية. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] - إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، قال: فيراجعهم: ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك. قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ﴾. أي فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته. * * ثم قال: ﴿فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. * * ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. ﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: "من" بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال (ميت في) التمثيل. قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. وقال ابن عباس: الروح: النبوة. وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من أنزل عليه. فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. والضمير في "لينذر" يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي. وقد قرأ الحسن "لتنذر" بالتاء على المخاطبة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، والأولون والآخرون. * * ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ "يوم" بدل من "يوم" الأول. وقيل العامل فيه: "لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾. والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. وقيل معناه: بارزون من قبورهم. * * ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟. فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ﴾، أي: المنفرد بالوحدانية والقدرة. ﴿ٱلْقَهَّارِ﴾ لكل شيء سواه. وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ﴾ الآية. أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. * * ثم قال: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة. فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند. ﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. ومعنى "خائنة الأعين" هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه. قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. "وما تخفي الصدور"، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرِي القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. وعن ابن عباس أنه قال في "خائنة الأعين": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره). قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به. قال الفراء: "خائنة الأعين": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾ النظرة الأولى" ﴿وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. قال الزجاج: "خائنة الأعين" نظر ونيّته الخيانة. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. ﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿ٱلسَّمِيعُ﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.

غافر 40:21

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:22

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:23

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:24

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:25

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:26

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:27

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:28

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.

غافر 40:29

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث. ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم. * * ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي ﷺ أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي ﷺ من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. ﴿وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول الذي كان". * * وقوله: ﴿وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ بما أتاكم به. ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾، أي: أخاف هذين الأمرين. ومن قرأه "أو"، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. وقيل: إنَّ "أو" بمعنى الواو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء. وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. قاله السدي. وقيل: بل كان الرجل (إسرائيلياً، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. "فمن" متعلقة بـ "يكتم" في موضع مفعول ثان "ليكتم"، فهو في موضع نصب. وعلى القول الأول "من" متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم. والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك. والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. * * ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. و "بعض" عند أبي عبيدة في موضع "كل"، لأن كل ما واعدوا به كائن لا بعضه. وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم موسى هلكتم فضلاً عن الكل. وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً. وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخراً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. ثم قال لهم المؤمن: ﴿يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قوله: "يا قوم" يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله. وقرأ معاذ بن جبل: "سبيل الرشاد" بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" وإنما يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت "بمفعال". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.