Adwa' Al-Bayan — الفاتحة 1:2 – البقرة 2:273
المحتويات
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:3
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:15
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:27
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:33
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:37
- البقرة 2:40
- البقرة 2:41
- البقرة 2:42
- البقرة 2:45
- البقرة 2:46
- البقرة 2:47
- البقرة 2:48
- البقرة 2:49
- البقرة 2:50
- البقرة 2:51
- البقرة 2:53
- البقرة 2:54
- البقرة 2:57
- البقرة 2:63
- البقرة 2:65
- البقرة 2:68
- البقرة 2:72
- البقرة 2:73
- البقرة 2:74
- البقرة 2:78
- البقرة 2:85
- البقرة 2:87
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:99
- البقرة 2:101
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:118
- البقرة 2:124
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:130
- البقرة 2:132
- البقرة 2:136
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:154
- البقرة 2:159
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:180
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:194
- البقرة 2:196
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:212
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:219
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:225
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:231
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:241
- البقرة 2:243
- البقرة 2:245
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:264
- البقرة 2:273
الفاتحة 1:2
(p-٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفاتِحَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
لَمْ يَذْكُرْ لِحَمْدِهِ هُنا ظَرْفًا مَكانِيًّا ولا زَمانِيًّا، وذَكَرَ في سُورَةِ الرُّومِ أنَّ مِن ظُرُوفِهِ المَكانِيَّةِ السَّماواتِ والأرْضَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وذَكَرَ في سُورَةِ القَصَصِ أنَّ مِن ظُرُوفِهِ الزَّمانِيَّةِ: الدُّنْيا والآخِرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾، والألِفُ واللّامُ في (الحَمْدُ) لِاسْتِغْراقِ جَمِيعِ المَحامِدِ. وهو ثَناءٌ أثْنى بِهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما العالَمُونَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اشْتِقاقُ العالَمِ مِنَ العَلامَةِ؛ لِأنَّ وُجُودَ العالَمِ عَلامَةٌ لا شَكَّ فِيها عَلى وُجُودِ خالِقِهِ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، والآيَةُ في اللُّغَةِ: العَلامَةُ.
الفاتحة 1:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
هُما وصْفانِ لِلَّهِ تَعالى، واسْمانِ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى، مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، والرَّحْمَنُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَنَ هو ذُو الرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ في الدُّنْيا، ولِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، والرَّحِيمُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. وعَلى هَذا أكْثَرُ العُلَماءِ. وفي كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ ما يُفْهَمُ مِنهُ حِكايَةُ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا. وفي تَفْسِيرِ بَعْضِ السَّلَفِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَدُلُّ لَهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عِيسى كَما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، إنَّهُ قالَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: الرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والرَّحِيمُ رَحِيمُ (p-٦)الآخِرَةِ. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا الَّذِي ذَكَرْنا حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾، فَذَكَرَ الِاسْتِواءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنُ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِرَحْمَتِهِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ أيْ: ومِن رَحْمانِيَّتِهِ: لُطْفُهُ بِالطَّيْرِ، وإمْساكُهُ إيّاها صافّاتٍ وقابِضاتٍ في جَوِّ السَّماءِ. ومِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، وقالَ: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَخَصَّهم بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ ما قَرَّرْتُمْ، وبَيْنَ ما جاءَ في الدُّعاءِ المَأْثُورِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «رَحْمانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما» . فالظّاهِرُ في الجَوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ الرَّحِيمَ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ كَما ذَكَرْنا، لَكِنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ؛ بَلْ يَشْمَلُ رَحْمَتَهم في الدُّنْيا أيْضًا، فَيَكُونُ مَعْنى: ”رَحِيمُهُما“ رَحْمَتُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فِيهِما.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا أيْضًا: أنَّ ذَلِكَ هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ لِأنَّ صَلاتَهُ عَلَيْهِمْ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ وإخْراجَهُ إيّاهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ رَحْمَةٌ بِهِمْ في الدُّنْيا. وإنْ كانَتْ سَبَبَ الرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ أيْضًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] فَإنَّهُ جاءَ فِيهِ بِالباءِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرَّحِمِ الجارَّةِ لِلضَّمِيرِ الواقِعِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ سَبَبَ رَحْمَةِ الآخِرَةِ أيْضًا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الفاتحة 1:4
وَقَوْلُهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنا، وبَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [الإنفطار: ١٧، ١٨، ١٩] .
والمُرادُ بِالدِّينِ في الآيَةِ الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ: جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِالعَدْلِ.
الفاتحة 1:5
(p-٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾
أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى تَحْقِيقِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ مَعْناها مُرَكَّبٌ مِن أمْرَيْنِ: نَفْيٌ وإثْباتٌ. فالنَّفْيُ: خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ. والإثْباتُ: إفْرادُ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وحْدَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ. وقَدْ أشارَ إلى النَّفْيِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ الَّذِي هو (إيّاكَ) وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَبْحَثِ دَلِيلِ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ. وفي المَعانِي في مَبْحَثِ القَصْرِ: أنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مِن صِيَغِ الحَصْرِ. وأشارَ إلى الإثْباتِ مِنها بِقَوْلِهِ: (نَعْبُدُ) .
وَقَدْ بَيَّنَ مَعْناها المُشارَ إلَيْهِ هُنا مُفَصَّلًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]، فَصَرَّحَ بِالإثْباتِ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وصَرَّحَ بِالنَّفْيِ مِنها في آخِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَصَرَّحَ بِالإثْباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وبِالنَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] فَصَرَّحَ بِالنَّفْيِ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾، وبِالإثْباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيْ: لا نَطْلُبُ العَوْنَ إلّا مِنكَ وحْدَكَ؛ لِأنَّ الأمْرَ كُلُّهُ بِيَدِكَ وحْدَكَ لا يَمْلِكُ أحَدٌ مِنهُ مَعَكَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. وإتْيانُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَكَّلَ إلّا عَلى مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِيَدِهِ الأمْرُ. وهَذا المَعْنى المُشارُ إلَيْهِ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا واضِحًا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]
وقَوْلِهِ:
(p-٨)﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] وإلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الفاتحة 1:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ صِحَّةُ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ داخِلٌ فِيمَن أمَرَنا اللَّهُ في السَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ - أعْنِي الفاتِحَةَ - بِأنْ نَسْألَهُ أنْ يَهْدِيَنا صِراطَهم. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ صِراطَهم هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.
وَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وقَدْ بَيَّنَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَعَدَّ مِنهُمُ الصِّدِّيقِينَ. وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الصِّدِّيقِينَ، فاتَّضَحَ أنَّهُ داخِلٌ في الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، الَّذِينَ أمَرَنا اللَّهُ أنْ نَسْألَهُ الهِدايَةَ إلى صِراطِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ لَبْسٌ في أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأنَّ إمامَتَهُ حَقٌّ.
الثّانِي: قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ صِدِّيقَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] وإذَنْ فَهَلْ تَدْخُلُ مَرْيَمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ لا ؟
الجَوابُ: أنَّ دُخُولَها فِيهِمْ يَتَفَرَّعُ عَلى قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِيها مَعْرُوفَةٍ، وهي: هَلْ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ مِنَ الجُمُوعِ الصَّحِيحَةِ المُذَكَّرَةِ ونَحْوِها مِمّا يَخْتَصُّ بِجَماعَةِ الذُّكُورِ تَدْخُلُ فِيهِ الإناثُ أوْ لا يَدْخُلْنَ فِيهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُنَّ يَدْخُلْنَ في ذَلِكَ، وعَلَيْهِ: فَمَرْيَمُ داخِلَةٌ في الآيَةِ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إجْماعُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى تَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ في الجَمْعِ.
والثّانِي: وُرُودُ آياتٍ تَدُلُّ عَلى دُخُولِهِنَّ في الجُمُوعِ الصَّحِيحَةِ المُذَكَّرَةِ ونَحْوِها،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في مَرْيَمَ نَفْسِها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]،
• وقَوْلِهِ في امْرَأةِ العَزِيزِ: (p-٩)﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ في بِلْقِيسَ: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ فِيما كالجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٣٨]؛
فَإنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ حَوّاءُ إجْماعًا.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُنَّ لا يَدْخُلْنَ في ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِآياتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهُمْ﴾ [النور: ٣١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآيَةَ [النور: ٣١]، فَعَطْفُهُنَّ عَلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ دُخُولِهِنَّ. وأجابُوا عَنْ حُجَّةِ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ تَغْلِيبَ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ في الجَمْعِ لَيْسَ مَحَلَّ نِزاعٍ. وإنَّما النِّزاعُ في الَّذِي يَتَبادَرُ مِنَ الجَمْعِ المُذَكَّرِ ونَحْوِهِ عِنْدَ الإطْلاقِ. وعَنِ الآياتِ بِأنَّ دُخُولَ الإناثِ فِيها إنَّما عُلِمَ مِن قَرِينَةِ السِّياقِ ودَلالَةِ اللَّفْظِ، ودُخُولُهُنَّ في حالَةِ الِاقْتِرانِ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: فَمَرْيَمُ غَيْرُ داخِلَةٍ في الآيَةِ وإلى هَذا الخِلافِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] وما شُمُولُ مَن لِلْأُنْثى جَنَفُ وفي شَبِيهِ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ جَماهِيرُ مِن عُلَماءِ التَّفْسِيرِ: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليَهُودُ، و ”الضّالُّونَ“ النَّصارى. وقَدْ جاءَ الخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. واليَهُودُ والنَّصارى وإنْ كانُوا ضالِّينَ جَمِيعًا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَإنَّ الغَضَبَ إنَّما خُصَّ بِهِ اليَهُودُ، وإنْ شارَكَهُمُ النَّصارى فِيهِ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَ الحَقَّ ويُنْكِرُونَهُ، ويَأْتُونَ الباطِلَ عَمْدًا، فَكانَ الغَضَبُ أخَصَّ صِفاتِهِمْ. والنَّصارى جَهَلَةٌ لا يَعْرِفُونَ الحَقَّ، فَكانَ الضَّلالُ أخَصَّ صِفاتِهِمْ.
وَعَلى هَذا فَقَدَ يُبَيِّنُ أنَّ ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليَهُودَ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٠]، وقَوْلُهُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٠]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٢]، وقَدْ يُبَيِّنُ أنَّ ﴿الضّالِّينَ﴾ النَّصارى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
البقرة 2:1
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-١٩٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَقَرَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ﴾ .
أشارَ اللَّهُ تَعالى إلى القُرْءانِ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةَ البَعِيدِ، وقَدْ أشارَ لَهُ في آياتٍ أُخَرَ إشارَةَ القَرِيبِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [نوح: ٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٧٦] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ أوْجُهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: ما حَرَّرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ البَلاغَةِ مِن أنَّ وجْهَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِإشارَةِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أنَّ هَذا القُرْءانِ قَرِيبٌ حاضِرٌ في الأسْماعِ والألْسِنَةِ والقُلُوبِ، ووَجْهُ الإشارَةِ إلَيْهِ بِإشارَةِ البَعِيدِ هو بُعْدُ مَكانَتِهِ ومَنزِلَتِهِ مِن مُشابَهَةِ كَلامِ الخَلْقِ، وعَمّا يَزْعُمُهُ الكُفّارُ مِن أنَّهُ سِحْرٌ أوْ شِعْرٌ أوْ كِهانَةٌ أوْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ مِن أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾، وأنَّهُ أشارَ إلَيْهِ إشارَةَ البَعِيدِ لِأنَّ الكَلامَ المُشارَ إلَيْهِ مُنْقَضٍ، ومَعْناهُ في الحَقِيقَةِ القَرِيبُ لِقُرْبِ انْقِضائِهِ، وضَرَبَ لَهُ مَثَلًا بِالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ مَرَّةً: واللَّهِ إنَّ ذَلِكَ لَكَما قُلْتُ، ومَرَّةً يَقُولُ: واللَّهِ إنَّ هَذا لَكَما قُلْتُ، فَإشارَةُ البَعِيدِ نَظَرًا إلى أنَّ الكَلامَ مَضى وانْقَضى، وإشارَةُ القَرِيبِ نَظَرًا إلى قُرْبِ انْقِضائِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ رُبَّما أشارَتْ إلى القَرِيبِ إشارَةَ البَعِيدِ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى (p-٢٠٠)أُسْلُوبٍ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ خُفافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَمِيِّ، لَمّا قُتِلَ مالِكُ بْنُ حَرْمَلَةَ الفَزارِيُّ:
؎فَإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها فَعَمْدًا عَلى عَيْنِي تَيَمَّمْتُ مالِكًا
؎أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنُهُ ∗∗∗ تَأمَّلْ خِفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا
يَعْنِي أنا هَذا، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ حَكاهُ البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ المُثَنّى أبِي عُبَيْدَةَ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكِتابُ بِمَعْنى هَذا الكِتابُ.
البقرة 2:2
(p-١٠)﷽
سُورَةُ البَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ الآيَةِ - أعْنِي مَفْهُومَ المُخالَفَةِ المَعْرُوفِ بِدَلِيلِ الخِطابِ - أنَّ غَيْرَ المُتَّقِينَ لَيْسَ هَذا القُرْآنُ هُدًى لَهم، وصَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ الآيَتَيْنِ [المائدة: ٦٤، ٦٨] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِالهُدى في هَذِهِ الآيَةِ الهُدى الخاصُّ؛ الَّذِي هو التَّفَضُّلُ بِالتَّوْفِيقِ إلى دِينِ الحَقِّ، لا الهُدى العامُّ؛ الَّذِي هو إيضاحُ الحَقِّ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .
هَذِهِ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ رُكِّبَتْ مَعَ ”لا“، فَبُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ.
والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي نَصٌّ في العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ و ”لا“ هَذِهِ الَّتِي هي نَصٌّ في العُمُومِ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: ”لا“ الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، أمّا ”لا“ العامِلَةُ عَمَلَ لَيْسَ فَهي ظاهِرَةٌ في العُمُومِ لا نَصٌّ فِيهِ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ نَصٌّ في نَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الرَّيْبِ عَنْ هَذا القُرْءانِ العَظِيمِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الرَّيْبِ فِيهِ لِبَعْضٍ مِنَ النّاسِ، كالكُفّارِ الشّاكِّينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [ ٢ ] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] .
وَوَجْهُ الجَمْعِ في ذَلِكَ أنَّ القُرْءانَ بالَغَ مِن وُضُوحِ الأدِلَّةِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ ما يَنْفِي تَطَرُّقَ أيِّ رَيْبٍ إلَيْهِ، ورَيْبُ الكُفّارِ فِيهِ إنَّما هو لِعَمى بَصائِرِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩]، فَصَرَّحَ بِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ الحَقُّ أنَّ ذَلِكَ إنَّما جاءَهُ مِن قِبَلِ عَماهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ عَدَمَ رُؤْيَةِ الأعْمى لِلشَّمْسِ لا يُنافِي كَوْنَها لا رَيْبَ فِيها لِظُهُورِها:
؎إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلا غَرْوَ أنْ يَرْتابَ والصُّبْحُ مُسْفِرٌ
وَأجابَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الإنْشاءُ، أيْ: لا تَرْتابُوا فِيهِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
**
(p-٢٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
خَصَّصَ في هَذِهِ الآيَةِ هُدى هَذا الكِتابِ بِالمُتَّقِينَ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هُداهُ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما أنَّ الهُدى يُسْتَعْمَلُ في القُرْءانِ اسْتِعْمالَيْنِ: أحَدُهُما عامٌّ، والثّانِي خاصٌّ، أمّا الهُدى العامُّ فَمَعْناهُ إبانَةُ طَرِيقِ الحَقِّ وإيضاحُ المَحَجَّةِ، سَواءٌ سَلَكَها المُبَيَّنَ لَهُ أمْ لا، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أيْ بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الحَقِّ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا صالِحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ أنَّهم لَمْ يَسْلُكُوها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
وَمِنهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، أيْ بَيَّنّا لَهُ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] .
وَأمّا الهُدى الخاصُّ فَهو تَفَضُّلُ اللَّهِ بِالتَّوْفِيقِ عَلى العَبْدِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ الآيَةَ [ ٦ ] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ الهُدى الخاصَّ بِالمُتَّقِينَ هو الهُدى الخاصُّ، وهو التَّفَضُّلُ بِالتَّوْفِيقِ عَلَيْهِمْ، والهُدى العامُّ لِلنّاسِ هو الهُدى العامُّ، وهو إبانَةُ الطَّرِيقِ وإيضاحُ المَحَجَّةِ، وبِهَذا يَرْتَفِعُ الإشْكالُ أيْضًا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، لِأنَّ الهُدى المَنفِيَّ عَنْهُ ﷺ هو الهُدى الخاصُّ، لِأنَّ التَّوْفِيقَ بِيَدِ اللَّهِ وحْدَهُ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة: ٤١] .
والهُدى المُثْبَتُ لَهُ هو الهُدى العامُّ الَّذِي هو إبانَةُ الطَّرِيقِ، وقَدْ بَيَّنَها ﷺ حَتّى تَرَكَها مَحَجَّةً بَيْضاءَ لَيْلُها كَنَهارِها: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] .
البقرة 2:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”بِمَن“ التَّبْعِيضِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يُنْفِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْضَ مالِهِ لا كُلِّهِ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ، والَّذِي يَنْبَغِي إمْساكُهُ. ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ: هو الزّائِدُ عَلى الحاجَةِ وسَدِّ الخَلَّةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما﴾ [البقرة: ٢١٩]، والمُرادُ بِالعَفْوِ: الزّائِدُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أيْ: كَثُرُوا، وكَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم.
(p-١١)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: العَفْوُ نَقِيضُ الجَهْدِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما لا يَبْلُغُ إنْفاقُهُ مِنهُ الجَهْدَ واسْتِفْراغَ الوُسْعِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وَهَذا القَوْلُ راجِحٌ إلى ما ذَكَرْنا، وبَقِيَّةُ الأقْوالِ ضَعِيفَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] فَنَهاهُ عَنِ البُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ ونَهاهُ عَنِ الإسْرافِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، فَيَتَعَيَّنُ الوَسَطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَيَجِبُ عَلى المُنْفِقِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الجُودِ والتَّبْذِيرِ، وبَيْنَ البُخْلِ والِاقْتِصادِ. فالجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، والِاقْتِصادُ غَيْرُ البُخْلِ. فالمَنعُ في مَحَلِّ الإعْطاءِ مَذْمُومٌ. وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، والإعْطاءُ في مَحَلِّ المَنعِ مَذْمُومٌ أيْضًا وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ . وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: [ البَسِيطُ ]
؎لا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عَبّادٍ وإنْ هَطَلَتْ ∗∗∗ يَداهُ كالمُزْنِ حَتّى تَخْجَلَ الدِّيَما ∗∗∗ فَإنَّها فَلَتاتٌ مِن وساوِسِهِ ∗∗∗ يُعْطِي ويَمْنَعُ لا بُخْلًا ولا كَرَما
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، إلّا إذا كانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥] وصَرَّحَ بِأنَّ الإنْفاقَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلى صاحِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٦] وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تُعَدُّ صَنِيعَةً ∗∗∗ حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ
فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ هو إنْفاقُ ما زادَ عَلى الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ بِالإنْفاقِ وهم في حاجَةٍ إلى ما أنْفَقُوا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
(p-١٢)فالظّاهِرُ في الجَوابِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَفي بَعْضِ الأحْوالِ يَكُونُ الإيثارُ مَمْنُوعًا. وذَلِكَ كَما إذا كانَتْ عَلى المُنْفِقِ نَفَقاتٌ واجِبَةٌ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجاتِ ونَحْوِها فَتَبَرَّعَ بِالإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبٍ، وتَرَكَ الفَرْضَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ» وكَأنْ يَكُونَ لا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤالِ النّاسِ فَيُنْفِقُ مالَهُ ويَرْجِعُ إلى النّاسِ يَسْألُهم مالَهم، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، والإيثارُ فِيما إذا كانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً واجِبَةً وكانَ واثِقًا مِن نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ والتَّعَفُّفِ وعَدَمِ السُّؤالِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ الزَّكاةَ، فالأمْرُ واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:6
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
(p-٢٠٢)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى عَدَمِ إيمانِ الكُفّارِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] .
وَوَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الآيَةَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، لِأنَّها في خُصُوصِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ الشَّقاوَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، ويَدُلُّ لِهَذا التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧] .
وَأجابَ البَعْضُ بِأنَّ المَعْنى لا يُؤْمِنُونَ، ما دامَ الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ وأسْماعِهِمْ والغِشاوَةُ عَلى أبْصارِهِمْ، فَإنْ أزالَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِفَضْلِهِ آمَنُوا.
البقرة 2:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ الآيَةَ، لا يَخْفى أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ:
﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ مُحْتَمِلَةٌ في الحَرْفَيْنِ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى ما قَبْلِها، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافِيَّةً، ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ هُنا، ولَكِنْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿غِشاوَةٌ﴾ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ فِيهِ اعْتِمادُها عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَها، ولِذَلِكَ يَجِبُ تَقْدِيمُ هَذا الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالمُبْتَدَأِ كَما عَقَدَهُ في [ الخُلاصَةِ ] بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَنَحْوَ عِنْدِي دِرْهَمٌ ولِي وطَرْ مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقُدُّمُ الخَبَرْ
فَتَحَصَّلَ أنَّ الخَتْمَ عَلى القُلُوبِ والأسْماعِ، وأنَّ الغِشاوَةَ عَلى الأبْصارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، والخَتْمُ: الِاسْتِيثاقُ مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَخْرُجَ مِنهُ داخِلٌ فِيهِ ولا يَدْخُلَ فِيهِ خارِجٌ عَنْهُ، والغِشاوَةُ: الغِطاءُ عَلى العَيْنِ يَمْنَعُها مِنَ الرُّؤْيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ خالِدِ بْنِ العاصِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎هَوَيْتُكِ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي ألُومُها
وَعَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ ”غِشاوَةٌ“ فَهي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، كَما في سُورَةِ ”الجاثِيَةِ“ وهو كَقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها
(p-١٣)وَقَوْلِ الآخَرِ: [ مُرَفَّلُ الكامِلِ ]
؎وَرَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
وَقَوْلِ الآخَرِ: [ الوافِرُ ]
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا
كَما هو مَعْرُوفٌ في النَّحْوِ، وأجازَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ المَجْرُورِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ الطَّبْعُ عَلى الأبْصارِ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [ الآيَةَ ١٠٨ ] .
فالجَوابُ: أنَّ الطَّبْعَ عَلى الأبْصارِ المَذْكُورَ في آيَةِ النَّحْلِ: هو الغِشاوَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ والجاثِيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّهم مَجْبُورُونَ لِأنَّ مَن خُتِمَ عَلى قَلْبِهِ وجُعِلَتِ الغِشاوَةُ عَلى بَصَرِهِ سُلِبَتْ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى الإيمانِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩]، وكَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٢] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٠] .
والجَوابُ أنَّ الخَتْمَ والطَّبْعَ والغِشاوَةَ المَجْعُولَةَ عَلى أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ لَهم عَلى مُبادَرَتِهِمْ لِلْكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بِاخْتِيارِهِمْ ومَشِيئَتِهِمْ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ جَزاءً وِفاقًا، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
(p-٢٠٣)وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] .
وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ لَمْ يَذْكُرْ هُنا بَيانًا عَنْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وصَرَّحَ بِذِكْرِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] .
البقرة 2:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِنِ اسْتِهْزائِهِ بِهِمْ، وذَكَرَ بَعْضَهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] .
البقرة 2:17
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآيَةَ.
أفْرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: اسْتَوْقَدَ وفي ما حَوْلَهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، مَعَ أنَّ مَرْجِعَ كُلِّ هَذِهِ الضَّمائِرِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو لَفْظَةُ ”الَّذِي“ مِن قَوْلِهِ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي.
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ لَفْظَةَ: ”الَّذِي“ مُفْرَدٌ ومَعْناها عامٌّ لِكُلِّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُها وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ الأسْماءَ المَوْصُولَةَ كُلَّها مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإذا حَقَّقَتْ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظَةِ: ”الَّذِي“ وجَمْعَهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، ولِهَذا المَعْنى جَرى عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ أنَّ: ”الَّذِي“ تَأْتِي بِمَعْنى الَّذِينَ، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أيْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أيْ كالَّذِينَ يُنْفِقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [ ٩ ]، بِناءٌ عَلى الصَّحِيحِ، مِن أنَّ: ”الَّذِي“ فِيها مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ، ونَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا رَبَّ عَبْسٍ لا تُبارِكْ في أحَدْ في قائِمٍ مِنهم ولا في مَن قَعَدْ
؎إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ
(p-٢٠٤)وَقَوْلُ الشّاعِرِ وهو أشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ، وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِإطْلاقِ الَّذِي وإرادَةِ الَّذِينَ:
؎وَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ
وَزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ لَفْظَةَ الَّذِي في بَيْتِ أشْهَبَ جَمْعٌ ألْذٍ بِالسُّكُونِ، وأنْ ”الَّذِي“ في الآيَةِ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:
؎وَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِيَ الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيِّي ورُشْدُهُمُ رُشْدِي
وَقالَ بَعْضُهُمُ: المُسْتَوْقِدُ واحِدٌ لِجَماعَةٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.
البقرة 2:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ مُتَّصِفُونَ بِالصَّمَمِ، والبُكْمِ، والعَمى. ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَعْنى صَمَمِهِمْ، وبُكُمِهِمْ، وعِماهم، هو عَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِأسْماعِهِمْ، وقُلُوبِهِمْ، وأبْصارِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْمَعُونَ، ولا يَتَكَلَّمُونَ، ولا يُبْصِرُونَ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ٤]، أيْ لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ.
وَقَوْلِهِ ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ، وهو أنَّهم بُكْمٌ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ، وإنْ تَكَلَّمُوا بِغَيْرِهِ، صُمٌّ عَنْ سَماعِ الحَقِّ وإنْ سَمِعُوا غَيْرَهُ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ وإنَّ رَأوْا غَيْرَهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا الجَمْعَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٦]، لِأنَّ ما لا يُغْنِي شَيْئًا فَهو كالمَعْدُومِ، والعَرَبُ رُبَّما أطْلَقَتِ الصَّمَمَ عَلى السَّماعِ الَّذِي لا أثَرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وَقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أصَمُّ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ ∗∗∗ وأُسْمِعُ خَلْقَ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ
وَقَوْلُ الآخَرَ:
؎فأصْمَمْتُ عَمْرًا وأعْمَيْتُهُ ∗∗∗ عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخّارِ
(p-٢٠٥)وَكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ.
قالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ:
؎وَإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ لَكالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها
البقرة 2:19
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ، الصَّيِّبُ: المَطَرُ، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَثَلًا لِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الهُدى، والعِلْمِ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّ بِالعِلْمِ والهُدى حَياةَ الأرْواحِ، كَما أنَّ بِالمَطَرِ حَياةَ الأجْسامِ.
وَأشارَ إلى وجْهِ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] .
(p-١٤)وَقَدْ أوْضَحَ ﷺ هَذا المَثَلَ المُشارَ إلَيْهِ في الآيَتَيْنِ في حَدِيثِ أبِي مُوسى المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، حَيْثُ قالَ ﷺ: «إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا. فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادَبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها، وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةٌ أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ اللَّهُ بِما بَعَثَنِي بِهِ؛ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المَثَلَ لِما يَعْتَرِي الكُفّارَ والمُنافِقِينَ مِنَ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في القُرْآنِ، بِظُلُماتِ المَطَرِ المَضْرُوبِ مَثَلًا لَلْقُرْآنِ، وبَيَّنَ بَعْضَ المَواضِعِ الَّتِي هي كالظُّلْمَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّها تَزِيدُهم عَمًى في آياتٍ أُخَرَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ لِأنَّ نَسْخَ القِبْلَةِ يَظُنُّ بِسَبَبِهِ ضِعافُ اليَقِينِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ حَيْثُ يَسْتَقْبِلُ يَوْمًا جِهَةً، ويَوْمًا آخَرَ جِهَةً أُخْرى، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] .
وَصَرَّحَ تَعالى بِأنَّ نَسْخَ القِبْلَةِ كَبِيرٌ عَلى غَيْرِ مَن هَداهُ اللَّهُ، وقَوّى يَقِينَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ لِأنَّ ما رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ، كانَ سَبَبًا لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّهُ ﷺ كاذِبٌ؛ لِزَعْمِهِمْ أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَ بِهِ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ. فَهو سَبَبٌ لِزِيادَةِ الضّالِّينَ ضَلالًا. وكَذَلِكَ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ الَّتِي هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فَهي سَبَبٌ أيْضًا لِزِيادَةِ ضَلالِ الضّالِّينَ مِنهم؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] قالُوا: ظَهَرَ كَذِبُهُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ لا يَنْبُتُ في الأرْضِ اليابِسَةِ فَكَيْفَ يَنْبُتُ في أصْلِ النّارِ ؟ !
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١]؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣١] .
(p-١٥)قالَ بَعْضُ رِجالِ قُرَيْشٍ: هَذا عَدَدٌ قَلِيلٌ فَنَحْنُ قادِرُونَ عَلى قَتْلِهِمْ، واحْتِلالِ الجَنَّةِ بِالقُوَّةِ؛ لِقِلَّةِ القائِمِينَ عَلى النّارِ الَّتِي يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنّا سَنَدْخُلُها. واللَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ اخْتِبارًا وابْتِلاءً، ولَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في ذَلِكَ كُلِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِالرَّعْدِ لِما في القُرْآنِ مِنَ الزَّواجِرِ الَّتِي تَقْرَعُ الآذانَ، وتُزْعِجُ القُلُوبَ. وذَكَرَ بَعْضًا مِنها في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ مِن حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿المُسَيْطِرُونَ﴾ كادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن قَوارِعِ القُرْآنِ وزَواجِرِهِ الَّتِي خَوَّفَتِ المُنافِقِينَ حَتّى قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]، والآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها وإنْ كانَتْ في المُنافِقِينَ، فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرْقٌ﴾ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ بِالبَرْقِ؛ لِما في القُرْآنِ مِن نُورِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ القُرْآنَ نُورٌ يَكْشِفُ اللَّهُ بِهِ ظُلُماتِ الجَهْلِ والشَّكِّ والشِّرْكِ، كَما تُكْشَفُ بِالنُّورِ الحِسِّيِّ ظُلُماتُ الدُّجى
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُهْلِكُهم، ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أيْ: تُهْلَكُوا عَنْ آخِرِكم. وقِيلَ: تُغْلَبُوا. والمَعْنى مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ الهالِكَ لا يَهْلَكُ حَتّى يُحاطَ بِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مَنفَذٌ لِلسَّلامَةِ يَنْفُذُ (p-١٦)مِنهُ وكَذَلِكَ المَغْلُوبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎أحَطْنا بِهِمْ حَتّى إذا ما تَيَقَّنُوا بِما قَدْ رَأوْا مالُوا جَمِيعًا إلى السِّلْمِ
وَمِنهُ أيْضًا: بِمَعْنى الهَلاكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٢] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ الآيَةَ [يونس: ٢٢] .
البقرة 2:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾
أيْ: يَكادُ نُورُ القُرْآنِ لِشِدَّةِ ضَوْئِهِ يُعْمِي بَصائِرَهم، كَما أنَّ البَرْقَ الخاطِفَ الشَّدِيدَ النُّورِ يَكادُ يَخْطَفُ بَصَرَ ناظِرِهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ البَصَرُ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ البَصَرَ كُلَّما كانَ أضْعَفَ كانَ النُّورُ أشَدَّ إذْهابًا لَهُ. كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الكامِلُ ]
؎مِثْلَ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرى نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ
وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎خَفافِيشُ أعْماها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ∗∗∗ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ
وَبَصائِرُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في غايَةِ الضَّعْفِ. فَشِدَّةُ ضَوْءِ النُّورِ تَزِيدُها عَمًى. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا العَمى في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم؛ أيْ: يَكادُ مُحْكَمُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى عَوْراتِ المُنافِقِينَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ ضَرَبَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَثَلَ لِلْمُنافِقِينَ بِأصْحابِ هَذا المَطَرِ إذا أضاءَ لَهم مَشَوْا في ضَوْئِهِ، وإذا أظْلَمَ وقَفُوا، كَما أنَّ المُنافِقِينَ إذا كانَ القُرْآنُ مُوافِقًا لِهَواهم ورَغْبَتِهِمْ عَمِلُوا بِهِ، كَمُناكَحَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وإرْثِهِمْ لَهم، والقَسْمِ لَهم مِن غَنائِمِ المُسْلِمِينَ، وعِصْمَتِهِمْ بِهِ مِنَ القَتْلِ مَعَ كُفْرِهِمْ في الباطِنِ، وإذا كانَ غَيْرَ مُوافِقٍ لِهَواهم كَبَذْلِ الأنْفُسِ، والأمْوالِ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ المَأْمُورِ بِهِ فِيهِ وقَفُوا وتَأخَّرُوا. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨، ٤٩] .
(p-١٧)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ أيْ: إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالمالِ والعافِيَةِ قالُوا: هَذا الدِّينُ حَقٌّ، ما أصابَنا مُنْذُ تَمَسَّكْنا بِهِ إلّا الخَيْرَ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أيْ: وإنْ أصابَهم فَقْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ وُلِدَتْ لَهُمُ البَناتُ دُونَ الذُّكُورِ قالُوا: ما أصابَنا هَذا إلّا مِن شُؤْمِ هَذا الدِّينِ وارْتَدُّوا عَنْهُ. وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إضاءَتُهُ لَهم مَعْرِفَتَهم بَعْضَ الحَقِّ مِنهُ، وإظْلامُهُ عَلَيْهِمْ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ الشَّكِّ فِيهِ.
البقرة 2:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾
أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى ثَلاثَةِ بَراهِينَ مِن بَراهِينِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وبَيَّنَها مُفَصَّلَةً في آياتٍ أُخَرَ: الأوَّلُ: خَلْقُ النّاسِ أوَّلًا المُشارُ إلَيْهِ بُقُولِهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ لِأنَّ الإيجادَ الأوَّلَ أعْظَمُ بُرْهانٍ عَلى الإيجادِ الثّانِي، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ﴾ الآيَةَ [ق: ١٥]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٦٢] .
وَلِذا ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ فَقَدْ نَسِيَ الإيجادَ الأوَّلَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧، ٦٨]، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآيَةَ [مريم: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البُرْهانُ الثّانِي: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ (p-١٨)لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ، ومَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الأعْظَمِ فَهو عَلى غَيْرِهِ قادِرٌ مِن بابٍ أحْرى. وأوْضَحَ اللَّهُ تَعالى هَذا البُرْهانَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى﴾ [الأحقاف: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ الآيَةَ [النازعات: ٢٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البُرْهانُ الثّالِثُ: إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها؛ فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، كَما أشارَ لَهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وأوْضَحَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، يَعْنِي: خُرُوجُكم مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عِظامًا رَمِيمًا.
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ لَمْ يُصَرِّحْ هَنا باسِمِ هَذا العَبْدِ الكَرِيمِ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، وصَرَّحَ بِاسْمِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
البقرة 2:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾
هَذِهِ الحِجارَةُ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وهَذا القَوْلُ يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ النّارَ كانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهم؛ بِدَلِيلِ ألِ العَهْدِيَّةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] .
فَتَنْكِيرُ النّارِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أنَّ مِن صِفاتِها كَوْنَ النّاسِ والحِجارَةِ وقُودًا لَها فَنَزَلَتْ آيَةُ ”التَّحْرِيمِ“ فَعَرَفُوا مِنها ذَلِكَ مِن صِفاتِ النّارِ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهم نَزَلَتْ آيَةُ ”البَقَرَةِ“، فَعُرِّفَتْ فِيها النّارُ بِألِ العَهْدِيَّةِ لِأنَّها مَعْهُودَةٌ عِنْدَهم في آيَةِ ”التَّحْرِيمِ“ .
ذَكَرَ هَذا الجَمْعَ البَيْضاوِيُّ والخَطِيبُ في تَفْسِيرَيْهِما، وزَعَما أنَّ آيَةَ ”التَّحْرِيمِ“ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وظاهِرُ القُرْءانِ يَدُلُّ عَلى هَذا الجَمْعِ لِأنَّ تَعْرِيفَ النّارِ هُنا بِألِ العَهْدِيَّةِ يَدُلُّ عَلى عَهْدٍ سابِقٍ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ دَلِيلٌ عَلى العَهْدِ وعَدَمِ قَصْدِ الجِنْسِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّ سُورَةَ ”التَّحْرِيمِ“ مَدَنِيَّةٌ، وأنَّ الظّاهِرَ نُزُولُها بَعْدَ ”البَقَرَةِ“ .
كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِجَوازِ كَوْنِ الآيَةِ مَكِّيَّةً في سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ كالعَكْسِ.
البقرة 2:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾
(p-١٩)لَمْ يُبَيِّنْ هُنا أنْواعَ هَذِهِ الأنْهارِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا صِفاتِ تِلْكَ الأزْواجِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ صِفاتِهِنَّ الجَمِيلَةَ في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢، ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَواعِبَ أتْرابًا﴾ [النبإ: ٣٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِجَمِيلِ صِفاتِهِنَّ، والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ بِلا هاءٍ في اللُّغَةِ الفُصْحى، والزَّوْجَةُ بِالهاءِ لُغَةٌ: لا لَحْنَ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.
وَفِي حَدِيثِ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّها زَوْجَتِي“ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَمِن شَواهِدِهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎وَإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَساعٍ إلى أسَدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها
وَقَوْلُ الآخَرِ: [ الكامِلُ ]
؎فَبَكى بَناتِي شَجْوُهُنَّ وزَوْجَتِي ∗∗∗ والظّاعِنُونَ إلَيَّ ثُمَّ تَصَدَّعُوا
البقرة 2:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي أمَرَ بِهِ أنْ يُوصَلَ، وقَدْ أشارَ إلى أنَّ مِنهُ الأرْحامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] .
وَأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ مِنهُ الإيمانَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، فَلا يَجُوزُ قَطْعُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ في ذَلِكَ بِأنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضِهِمُ الآخَرِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] .
البقرة 2:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ ظاهِرُهُ: أنَّ ما في الأرْضِ جَمِيعًا خُلِقَ بِالفِعْلِ قَبْلَ السَّماءِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ المُرادَ بِخَلْقِهِ قَبْلَ السَّماءِ، تَقْدِيرُهُ، والعَرَبُ تُسَمِّي التَّقْدِيرَ خَلْقًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
(p-٢٠)وَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١٠]، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ بِدَلِيلِ لَفْظَةِ: ”ثُمَّ“ الَّتِي هي لِلتَّرْتِيبِ والِانْفِصالِ، وكَذَلِكَ آيَةُ ”حم السَّجْدَةِ“، تَدُلُّ أيْضًا عَلى خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ لِأنَّهُ قالَ فِيها: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١١] . مَعَ أنَّ آيَةَ ”النّازِعاتِ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ دَحْوَ الأرْضِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، لِأنَّهُ قالَ فِيها: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [القيامة: ٢٧] . (p-٢٠٦)ثُمَّ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [ ٧٩ ] .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما سُئِلَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ ”السَّجْدَةِ“ وآيَةِ ”النّازِعاتِ“، فَأجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا قَبْلَ السَّماءِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعًا في يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والأنْهارَ وغَيْرَ ذَلِكَ، فَأصْلُ خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ ودَحْوِها بِجِبالِها وأشْجارِها ونَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ قالَ: والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ولَمْ يَقُلْ خَلَقَها، ثُمَّ فَسَّرَ دَحْوَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها مَآءَها ومَرْعاها﴾ الآيَةَ [النازعات: ٣١] . وهَذا الجَمْعُ الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، مَفْهُومٌ مِن ظاهِرِ القُرْءانِ العَظِيمِ، إلّا أنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ مِن آيَةِ ”البَقَرَةِ“ هَذِهِ، وإيضاحُهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ جَمَعَ بِأنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوَها بِما فِيها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ لِأنَّهُ قالَ فِيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٢٩] . وقَدْ مَكَثْتُ زَمَنًا طَوِيلًا أُفَكِّرُ في حَلِّ هَذا الإشْكالِ، حَتّى هَدانِي اللَّهُ إلَيْهِ ذاتَ يَوْمٍ فَفَهِمْتُهُ مِنَ القُرْءانِ العَظِيمِ، وإيضاحُهُ أنَّ هَذا الإشْكالَ مَرْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ، كُلٌّ مِنهُما تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ القُرْءانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِخَلْقِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ: الخَلْقُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هو التَّقْدِيرُ لا الخَلْقُ بِالفِعْلِ الَّذِي هو الإبْرازُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، والعَرَبُ تُسَمِّي التَّقْدِيرَ خَلْقًا ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الخَلْقِ التَّقْدِيرُ، أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ حَيْثُ قالَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١١]، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١١] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، وهي أصْلٌ لِكُلِّ ما فِيها كانَ كُلُّ ما فِيها كَأنَّهُ خَلْقٌ بِالفِعْلِ لِوُجُودِ أصْلِهِ فِعْلًا، والدَّلِيلُ مِنَ القُرْءانِ عَلى أنَّ وُجُودَ الأصْلِ يُمْكِنُ بِهِ إطْلاقُ الخَلْقِ عَلى الفَرْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ.
(p-٢٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ [الأعراف: ١١] .
قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ بِخَلْقِنا وتَصْوِيرِنا لِأبِيكم آدَمَ الَّذِي هو أصْلُكم.
وَجَمَعَ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [ ٧٩ ]، أيْ مَعَ ذَلِكَ، فَلَفْظَةُ ”بَعْدَ“ بِمَعْنى مَعَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] .
وَعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا القَوْلِ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ، وبِها قَرَأ مُجاهِدٌ: ”والأرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحاها“، وجَمَعَ بَعْضُهم بِأوْجُهٍ ضَعِيفَةٍ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ الأرْضِ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ مِنها أنَّ ”ثُمَّ“ بِمَعْنى الواوِ، ومِنها أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٧] .
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ الآيَةَ.
أفْرَدَ هُنا تَعالى لَفْظَ ”السَّماءِ“، ورَدَّ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، في قَوْلِهِ: ”فَسَوّاهُنَّ“، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ ضَمِيرِ الجَمْعِ ومُفَسَّرِهِ المُفْرَدِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ جِنْسُها الصّادِقُ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وعَلَيْهِ فَألْ جِنْسِيَّةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ في وُقُوعِ إطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ مَعَ تَعْرِيفِ المُفْرَدِ وتَنْكِيرِهِ وإضافَتِهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْءانِ العَظِيمِ وفي كَلامِ العَرَبِ. فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ واللَّفْظُ مُعَرَّفٌ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أيْ بِالكُتُبِ كُلِّها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]،
• وقَوْلِهِ ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥]، قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، [القمر: ٤٥]، يَعْنِي الأدْبارَ، كَما هو ظاهِرٌ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ [ ٢٥ ]، يَعْنِي الغُرَفَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾، [سبإ: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، [الفجر: ٢٢]، أيِ المَلائِكَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾، [البقرة: ٢١٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾، الآيَةَ [النور: ٣١]، يَعْنِي الأطْفالَ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ (p-٢٠٨)الآيَةَ [المنافقون: ٤]،
يَعْنِي الأعْداءَ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ واللَّفْظُ مُنَكَّرٌ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] يَعْنِي وأنْهارٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [ ٢٥ ]، يَعْنِي أئِمَّةً،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ يَعْنِي سامِرِينَ،
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، يَعْنِي أطْفالًا،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أيْ بَيْنَهم،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [ ٤ ] أيْ رُفَقاءَ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أيْ جُنُبَيْنِ أوْ أجْنابًا،
• وقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، أيْ مُظاهِرُونَ لِدَلالَةِ السِّياقِ فِيها كُلِّها عَلى الجَمْعِ. واسْتَدَلَّ سِيبَوَيْهِ لِهَذا
• بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]
أيْ أنْفُسًا.
وَمِن أمْثِلَتِهِ واللَّفْظُ مُضافٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨] الآيَةَ، يَعْنِي أضْيافِي، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ الآيَةَ [النور: ٦٣]، أيْ أوامِرِهِ.
وَأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِإطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ قَوْلَ الشّاعِرِ، وهو عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ التَّمِيمِيُّ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يَعْنِي وأمّا جُلُودُها فَصَلِيبَةٌ.
وَأنْشَدَ لَهُ أيْضًا قَوْلَ الآخَرِ:
؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعَفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصٌ
يَعْنِي في بَعْضِ بُطُونِكم.
وَمِن شَواهِدِهِ قَوْلُ عَقِيلِ بْنِ عُلَّفَةَ المُرِّيِّ:
؎وَكانَ بَنُو فَزارَةَ شَرَّ عَمٍّ ∗∗∗ وكُنْتُ لَهم كَشَرِّ بَنِي الأخِينا
يَعْنِي شَرَّ أعْمامٍ، وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ:
؎فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم ∗∗∗ وقَدْ سَلِمَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ
(p-٢٠٩)يَعْنِي إنّا إخْوانُكم، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عاذِلاتِي لا تُرِدْنَ مَلامَةً ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَيْسَ لِي بِأمِيرِ
يَعْنِي لَسْنَ لِي بِأُمَراءَ.
وَهَذا في النَّعْتِ بِالمَصْدَرِ مُطَّرِدٌ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎مَتى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَواتُهم ∗∗∗ هُمُ بَيْنَنا هُمُ رِضًى وهُمُ عَدْلُ
وَلِأجْلِ مُراعاةِ هَذا لَمْ يُجْمَعْ في القُرْءانِ السَّمْعُ والطَّرْفُ والضَّيْفُ لِأنَّ أصْلَها مَصادِرُ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾، [إبراهيم: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨] .
البقرة 2:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآيَةَ في قَوْلِهِ: (خَلِيفَةً) وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ أبُونا آدَمُ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ في تَنْفِيذِ أوامِرِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ صارَ خَلَفًا مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا يَسْكُنُونَ الأرْضَ قَبْلَهُ، وعَلَيْهِ فالخَلِيفَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ إذا ماتَ يَخْلُفُهُ مَن بَعْدَهُ، وعَلَيْهِ فَهو مِن فَعِيلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وكَوْنُ الخَلِيفَةِ هو آدَمُ هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِن سِياقِ الآيَةِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (خَلِيفَةً) مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ؛ أيْ: خَلائِفُ، وهو اخْتِيارُ ابْنُ كَثِيرٍ. والمُفْرَدُ إنْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ يَكْثُرُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُهُ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] يَعْنِي ”وَأنْهارٍ“ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٥] .
• وقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]
ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَقِيلِ بْنِ عُلَّفَةَ المُرِّيِّ: [ الوافِرُ ]
؎وَكانَ بَنُو فَزارَةَ شَرَّ عَمٍّ وكُنْتَ لَهم كَشَرٍّ بَنِي الأخِينا
وَقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ: [ الوافِرُ ]
؎فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم ∗∗∗ وقَدْ سَلَمَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ
وَأنْشَدَ لَهُ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ التَّمِيمِيِّ: [ الطَّوِيلُ ]
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأما جِلْدُها فَصَلِيبُ
وَقَوْلَ الآخَرِ: [ الوافِرُ ]
؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعُفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنُ خَمِيصُ
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، وهو أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ: الخَلائِفُ مِن آدَمَ وبَنِيهِ لا آدَمُ (p-٢١)نَفْسُهُ وحْدَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٣٠] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِمَّنْ يُفْسِدُ فِيها ولا مِمَّنْ يَسْفِكُ الدِّماءَ،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٦٢] .
ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ آدَمُ، وأنَّ اللَّهَ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ الفَسادَ، وسَفْكَ الدِّماءِ. فَقالُوا ما قالُوا، وأنَّ المُرادَ بِخِلافَةِ آدَمَ الخِلافَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وبِخِلافَةِ ذُرِّيَّتِهِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو أنَّهم يَذْهَبُ مِنهم قَرْنٌ ويَخْلُفُهُ قَرْنٌ آخَرُ.
* *
تَنْبِيهٌ
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في نَصْبِ إمامٍ وخَلِيفَةٍ؛ يُسْمَعُ لَهُ ويُطاعُ؛ لِتَجْتَمِعَ بِهِ الكَلِمَةُ وتُنَفَّذَ بِهِ أحْكامُ الخَلِيفَةِ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ ذَلِكَ بَيْنَ الأُمَّةِ، ولا بَيْنَ الأئِمَّةِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الأصَمِّ؛ حَيْثُ كانَ عَنِ الشَّرِيعَةِ أصَمَّ. إلى أنْ قالَ: ودَلِيلُنا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] . وقالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] أيْ: يَجْعَلُ مِنهم خُلَفاءَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ.
وَأجْمَعَتِ الصَّحابَةُ عَلى تَقْدِيمِ الصِّدِّيقِ بَعْدَ اخْتِلافٍ وقَعَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ في التَّعْيِينِ حَتّى قالَتِ الأنْصارُ: مِنّا أمِيرٌ ومِنكم أمِيرٌ، فَدَفَعَهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ والمُهاجِرُونَ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا لَهم: إنَّ العَرَبَ لا تَدِينُ إلّا لِهَذا الحَيِّ مِن قُرَيْشٍ، ورَوُوا لَهُمُ الخَبَرَ في ذَلِكَ فَرَجَعُوا وأطاعُوا لِقُرَيْشٍ. فَلَوْ كانَ فَرْضُ الإمامَةِ غَيْرَ واجِبٍ لا في قُرَيْشٍ ولا في غَيْرِهِمْ، لَما ساغَتْ هَذِهِ المُناظَرَةُ والمُحاوَرَةُ عَلَيْها. ولَقالَ قائِلٌ: إنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لا في قُرَيْشٍ ولا في غَيْرِهِمْ. فَما لِتَنازُعِكم وجْهٌ ولا فائِدَةَ في أمْرٍ لَيْسَ بِواجِبٍ، ثُمَّ إنَّ الصَّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ عَهِدَ إلى عُمَرَ في الإمامَةِ، ولَمْ يَقُلْ لَهُ أحَدٌ: هَذا أمْرٌ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْنا ولا (p-٢٢)عَلَيْكَ. فَدَلَّ عَلى وُجُوبِها، وأنَّها رُكْنٌ مِن أرْكانِ الدِّينِ الَّذِي بِهِ قَوامُ المُسْلِمِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى مِنَ القُرْطُبِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ الواضِحِ المَعْلُومِ مِن ضَرُورَةِ الدِّينِ أنَّ المُسْلِمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَصْبُ إمامٍ تَجْتَمِعُ بِهِ الكَلِمَةُ، وتُنَفَّذُ بِهِ أحْكامُ اللَّهِ في أرْضِهِ، ولَمْ يُخالِفْ في هَذا إلّا مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ كَأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ المُعْتَزِلِيِّ، الَّذِي تَقَدَّمَ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ، وكَضِرارٍ وهِشامٍ الفُوَطِيِّ ونَحْوِهِمْ.
وَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ وُجُوبَ الإمامَةِ الكُبْرى بِطَرِيقِ الشَّرْعِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وأشْباهُها وإجْماعُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى إعْمالِ السَّيْفِ عِنْدَ الإباءِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ.
وَقالَتِ الإمامِيَّةُ: إنَّ الإمامَةَ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ لا بِالشَّرْعِ.
وَعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ والجاحِظِ والبَلْخِيِّ: أنَّها تَجِبُ بِالعَقْلِ والشَّرْعِ مَعًا، واعْلَمْ أنَّما تَتَقَوَّلُهُ الإمامِيَّةُ مِنَ المُفْتَرِياتِ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأمْثالِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ، وما تَتَقَوَّلُهُ في الِاثْنَيْ عَشَرَ إمامًا، وفي الإمامِ المُنْتَظَرِ المَعْصُومِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن خُرافاتِهِمْ، وأكاذِيبِهِمُ الباطِلَةِ كُلُّهُ باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
وَإذا أرَدْتَ الوُقُوفَ عَلى تَحْقِيقِ ذَلِكَ: فَعَلَيْكَ بِكِتابِ ”مِنهاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ في نَقْضِ كَلامِ الشِّيعَةِ القَدَرِيَّةِ“ لِلْعَلّامَةِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أبِي العَبّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، فَإنَّهُ جاءَ فِيهِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ، والبَراهِينِ السّاطِعَةِ عَلى إبْطالِ جَمِيعِ تِلْكَ الخُرافاتِ المُخْتَلَقَةِ، فَإذا حَقَّقْتَ وُجُوبَ نَصْبِ الإمامِ الأعْظَمِ عَلى المُسْلِمِينَ، فاعْلَمْ أنَّ الإمامَةَ تَنْعَقِدُ لَهُ بِأحَدِ أُمُورٍ: الأوَّلُ: ما لَوْ نَصَّ ﷺ عَلى أنَّ فُلانًا هو الإمامُ فَإنَّها تَنْعَقِدُ لَهُ بِذَلِكَ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ إمامَةَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا القَبِيلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ النَّبِيِّ ﷺ في إمامَةِ الصَّلاةِ وهي أهَمُّ شَيْءٍ، فِيهِ الإشارَةُ إلى التَّقْدِيمِ لِلْإمامَةِ الكُبْرى وهو ظاهِرٌ. (p-٢٣)الثّانِي: هو اتِّفاقُ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ عَلى بَيْعَتِهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ إمامَةَ أبِي بَكْرٍ مِنهُ؛ لِإجْماعِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ عَلَيْها بَعْدَ الخِلافِ، ولا عِبْرَةَ بِعَدَمِ رِضى بَعْضِهِمْ، كَما وقَعَ مِن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن عَدَمِ قَبُولِهِ بَيْعَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَعْهَدَ إلَيْهِ الخَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ، كَما وقَعَ مِن أبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَمِن هَذا القَبِيلِ جَعْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الخِلافَةَ شُورى بَيْنَ سِتَّةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ماتَ وهو عَنْهم راضٍ.
الرّابِعُ: أنْ يَتَغَلَّبَ عَلى النّاسِ بِسَيْفِهِ، ويَنْزِعَ الخِلافَةَ بِالقُوَّةِ حَتّى يَسْتَتِبَّ لَهُ الأمْرُ، وتَدِينَ لَهُ النّاسُ لِما في الخُرُوجِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِن شَقِّ عَصا المُسْلِمِينَ، وإراقَةِ دِمائِهِمْ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ومِن هَذا القَبِيلِ قِيامُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وقَتْلِهِ إيّاهُ في مَكَّةَ عَلى يَدِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فاسْتَتَبَّ الأمْرُ لَهُ. كَما قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
وَمِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: تَنْعَقِدُ لَهُ الإمامَةُ بِبَيْعَةِ واحِدٍ، وجَعَلُوا مِنهُ مُبايَعَةَ عُمَرَ لِأبِي بَكْرٍ في سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ، ومالَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ. وحَكى عَلَيْهِ إمامُ الحَرَمَيْنِ الإجْماعَ وقِيلَ: بِبَيْعَةِ أرْبَعَةٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
هَذا مُلَخَّصُ كَلامِ العُلَماءِ فِيما تَنْعَقِدُ بِهِ الإمامَةُ الكُبْرى. ومُقْتَضى كَلامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أبِي العَبّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ في ”المِنهاجِ“ أنَّها إنَّما تَنْعَقِدُ بِمُبايَعَةِ مَن تَقْوى بِهِ شَوْكَتُهُ، ويَقْدِرُ بِهِ عَلى تَنْفِيذِ أحْكامِ الإمامَةِ؛ لِأنَّ مَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ كَآحادِ النّاسِ لَيْسَ بِإمامٍ.
* *
واعْلَمْ أنَّ الإمامَ الأعْظَمَ تُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا، وقُرَيْشٌ أوْلادُ فِهْرِ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: أوْلادُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. فالفِهْرِيُّ قُرَشِيٌّ بِلا نِزاعٍ، ومَن كانَ مِن أوْلادِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ أوْ أوْلادِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ؛ فِيهِ خِلافٌ هَلْ هو قُرَشِيٌّ أوْ لا ؟ وما كانَ مِن أوْلادِ كِنانَةَ مِن غَيْرِ النَّضْرِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ بِلا نِزاعٍ.
(p-٢٤)قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في ذِكْرِ شَرائِطِ الإمامِ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِن صَمِيمِ قُرَيْشٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الأئِمَّةُ مِن قُرَيْشٍ» وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاخْتِلافُ الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في اشْتِراطِ كَوْنِ الإمامِ الأعْظَمِ قُرَشِيًّا ضَعِيفٌ. وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلى تَقْدِيمِ قُرَيْشٍ في الإمامَةِ عَلى غَيْرِهِمْ، وأطْبَقَ عَلَيْهِ جَماهِيرُ العُلَماءِ مِنَ المُسْلِمِينَ.
وَحَكى غَيْرُ واحِدٍ عَلَيْهِ الإجْماعَ، ودَعْوى الإجْماعِ تَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عُمَرَ؛ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ أنَّهُ قالَ: ”إنْ أدْرَكَنِي أجَلِي وأبُو عُبَيْدَةَ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ“ . فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ: ”فَإنْ أدْرَكَنِي أجَلِي وقَدْ ماتَ أبُو عُبَيْدَةَ اسْتَخْلَفْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ“ .
وَمَعْلُومٌ أنَّ مُعاذًا غَيْرَ قُرَشِيٍّ وتَأْوِيلُهُ بِدَعْوى انْعِقادِ الإجْماعِ بَعْدَ عُمَرَ أوْ تَغْيِيرِ رَأْيِهِ إلى مُوافَقَةِ الجُمْهُورِ. فاشْتِراطُ كَوْنِهِ قُرَشِيًّا هو الحَقُّ، ولَكِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ الواجِبَ لَهم في الإمامَةِ مَشْرُوطٌ بِإقامَتِهِمُ الدِّينَ وإطاعَتِهِمْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنْ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ فَغَيْرُهم مِمَّنْ يُطِيعُ اللَّهَ تَعالى ويُنَفِّذُ أوامِرَهُ أوْلى مِنهم.
فَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ مُعاوِيَةَ حَيْثُ قالَ: بابُ الأُمَراءِ مِن قُرَيْشٍ. حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «كانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أنَّهُ بَلَغَ مُعاوِيَةَ وهو عِنْدَهُ في وفْدٍ مِن قُرَيْشٍ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثُ أنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِن قَحْطانَ فَغَضِبَ، فَقامَ فَأثْنى عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّ رِجالًا مِنكم يُحَدِّثُونَ أحادِيثَ لَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، ولا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُولَئِكَ جُهّالُكم، فَإيّاكم والأمانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أهْلَها؛ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ لا يُعادِيهِمْ أحَدٌ إلّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ ما أقامُوا الدِّينَ»“ . انْتَهى مِن ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“ بِلَفْظِهِ.
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”ما أقامُوا الدِّينَ“ لِأنَّ لَفْظَةَ ”ما“ فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، مُقَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ”إنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ“، وتَقْرِيرُ المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ مُدَّةَ إقامَتِهِمُ الدِّينَ، ومَفْهُومُهُ: أنَّهم إنْ لَمْ يُقِيمُوهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ. وهَذا هو التَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ في مَعْنى الحَدِيثِ.
* *
(p-٢٥)وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ مُعاوِيَةَ هَذا ما نَصُّهُ: وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَظِيرَ ما وقَعَ في حَدِيثِ مُعاوِيَةَ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في الكِتابِ الكَبِيرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ سَقِيفَةَ بَنِي ساعِدَةَ وبَيْعَةَ أبِي بَكْرٍ، وفِيها: فَقالَ أبُو بَكْرٍ: وإنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ ما أطاعُوا اللَّهَ، واسْتَقامُوا عَلى أمْرِهِ. وقَدْ جاءَتِ الأحادِيثُ الَّتِي أشَرْتُ إلَيْها عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: الأوَّلُ: وعِيدُهم بِاللَّعْنِ إذا لَمْ يُحافِظُوا عَلى المَأْمُورِ بِهِ. كَما في الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْتُها في البابِ الَّذِي قَبْلَهُ حَيْثُ قالَ: «الأُمَراءُ مِن قُرَيْشٍ ما فَعَلُوا ثَلاثًا: ما حَكَمُوا فَعَدَلُوا»، الحَدِيثَ، وفِيهِ: «فَمَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنهم فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» ولَيْسَ في هَذا ما يَقْتَضِي خُرُوجُ الأمْرِ عَنْهم.
الثّانِي: وعِيدُهم بِأنْ يُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَن يُبالِغُ في أذِيَّتِهِمْ. فَعِنْدَ أحْمَدَ وأبِي يَعْلى مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: «إنَّكم أهْلُ هَذا الأمْرِ ما لَمْ تُحْدِثُوا، فَإذا غَيَّرْتُمْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْكم مَن يَلْحاكم كَما يُلْحى القَضِيبُ» . ورِجالُهُ ثِقاتٌ إلّا أنَّهُ مِن رِوايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَمِّ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ولَمْ يُدْرِكْهُ، هَذِهِ رِوايَةُ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وخالَفَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، فَرَواهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ ولَفْظُهُ: «لا يَزالُ هَذا الأمْرُ فِيكم وأنْتُمْ وُلاتُهُ» الحَدِيثَ.
وَفِي سَماعِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِن أبِي مَسْعُودٍ نَظَرٌ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في سَنَةِ وفاتِهِ، ولَهُ شاهِدٌ مِن مُرْسَلِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلى عَطاءٍ، ولَفْظُهُ: قالَ لِقُرَيْشٍ: «أنْتُمْ أوْلى بِهَذا الأمْرِ ما كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ إلّا أنْ تَعْدِلُوا عَنْهُ فَتُلْحَوْنَ كَما تُلْحى هَذِهِ الجَرِيدَةُ» ولَيْسَ في هَذا تَصْرِيحٌ بِخُرُوجِ الأمْرِ عَنْهم، وإنْ كانَ فِيهِ إشْعارٌ بِهِ.
الثّالِثُ: الإذْنُ في القِيامِ عَلَيْهِمْ وقِتالِهِمْ، والإيذانُ بِخُرُوجِ الأمْرِ عَنْهم كَما أخْرَجَهُ الطَّيالِسِيُّ، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ رَفَعَهُ: «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ ما اسْتَقامُوا لَكم، فَإنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَعُوا سُيُوفَكم عَلى عَواتِقِكم، فَأبِيدُوا خَضْراءَهم، فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَكُونُوا زَرّاعِينَ أشْقِياءَ» . ورِجالُهُ ثِقاتٌ، إلّا أنَّ فِيهِ انْقِطاعًا؛ لِأنَّ رِوايَةَ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ لَمْ يَسْمَعْ مِن ثَوْبانَ، ولَهُ شاهِدٌ في الطَّبَرانِيِّ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ بِمَعْناهُ.
(p-٢٦)وَأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ بَعْدَهُما راءٌ - وهو ابْنُ أخِي النَّجاشِيِّ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”كانَ هَذا الأمْرُ في حِمْيَرَ فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنهم، وصَيَّرَهُ في قُرَيْشٍ، وسَيَعُودُ لَهم»“ وسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وهو شاهِدٌ قَوِيٌّ لِحَدِيثِ القَحْطانِيِّ؛ فَإنَّ حِمْيَرَ يَرْجِعُ نَسَبُها إلى قَحْطانَ، وبِهِ يَقْوى أنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ مُعاوِيَةَ: ”ما أقامُوا الدِّينَ“ أنَّهم إذا لَمْ يُقِيمُوا الدِّينَ خَرَجَ الأمْرُ عَنْهم. انْتَهى.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، الَّذِي أنْكَرَهُ عَلَيْهِ مُعاوِيَةُ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ، إنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِن قَحْطانَ إذا كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يَعْنِي بِهِ القَحْطانِيَّ الَّذِي صَحَّتِ الرِّوايَةُ بِمُلْكِهِ، فَلا وجْهَ لِإنْكارِهِ لِثُبُوتِ أمْرِهِ في الصَّحِيحِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِن قَحْطانَ يَسُوقُ النّاسَ بِعَصاهُ» . أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في ”كِتابِ الفِتَنِ“ في ”بابِ تَغَيُّرِ الزَّمانِ حَتّى يَعْبُدُوا الأوْثانَ“، وفي ”كِتابِ المَناقِبِ“ في ”بابِ ذِكْرِ قَحْطانَ“، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”كِتابِ الفِتَنِ وأشْراطِ السّاعَةِ“ في «بابٍ لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَتَمَنّى أنْ يَكُونَ مَكانَ المَيِّتِ مِنَ البَلاءِ» وهَذا القَحْطانِيُّ لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اسْمُهُ جَهْجاهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ صالِحٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ القَحْطانِيِّ هَذا ما نَصُّهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَجِّ أنَّ البَيْتَ يُحَجُّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: وتَقَدَّمَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُحَجَّ البَيْتُ، وأنَّ الكَعْبَةَ يُخَرِّبُها ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ» فَيَنْتَظِمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الحَبَشَةَ إذا خَرَّبَتِ البَيْتَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ القَحْطانِيُّ فَأهْلَكَهم، وأنَّ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ ذَلِكَ يَحُجُّونَ في زَمَنِ عِيسى بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهَلاكِهِمْ، وأنَّ الرِّيحَ الَّتِي تَقْبِضُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ تَبْدَأُ بِمَن بَقِيَ بَعْدَ عِيسى ويَتَأخَّرُ أهْلُ اليَمَنِ بَعْدَها.
وَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا يُفَسِّرُ بِهِ قَوْلُهُ: «الإيمانُ يَمانٌ» أيْ: يَتَأخَّرُ الإيمانُ بِها بَعْدَ فَقْدِهِ مِن جَمِيعِ الأرْضِ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ القَحْطانِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ رَمَزَ إلى هَذا. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ واللَّهُ أعْلَمُ، ونِسْبَةُ العِلْمِ إلَيْهِ أسْلَمُ.
الثّانِي: مِن شُرُوطِ الإمامِ الأعْظَمِ: كَوْنُهُ ذَكَرًا ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ، (p-٢٧)وَيَدُلُّ لَهُ ما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ فارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرى قالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً» .
الثّالِثُ: مِن شُرُوطِ الإمامِ الأعْظَمِ كَوْنُهُ حُرًّا. فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا، ولا خِلافَ في هَذا بَيْنَ العُلَماءِ.
فَإنْ قِيلَ: ورَدَ في الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ إمامَةِ العَبْدِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في [ صَحِيحِهِ ] مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْمَعُوا وأطِيعُوا، وإنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكم عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» .
وَلِمُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أُمِّ الحُصَيْنِ: «اسْمَعُوا وأطِيعُوا، ولَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكم عَبْدٌ يَقُودُكم بِكِتابِ اللَّهِ» .
وَلِمُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أوْصانِي خَلِيلِي أنْ أُطِيعَ وأسْمَعَ، وإنْ كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الأطْرافِ» . فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُضْرَبُ المَثَلُ بِما لا يَقَعُ في الوُجُودِ، فَإطْلاقُ العَبْدِ الحَبَشِيِّ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالطّاعَةِ، وإنْ كانَ لا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا أنْ يَلِيَ ذَلِكَ، ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ هَذا الجَوابَ عَنِ الخَطّابِيِّ، ويُشْبِهُ هَذا الوَجْهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] عَلى أحَدِ التَّفْسِيراتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاسْتِعْمالِ العَبْدِ الحَبَشِيِّ أنْ يَكُونَ مُؤَمَّرًا مِن جِهَةِ الإمامِ الأعْظَمِ عَلى بَعْضِ البِلادِ وهو أظْهَرُها، فَلَيْسَ هو الإمامُ الأعْظَمُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ العَبْدِ؛ نَظَرًا لِاتِّصافِهِ بِذَلِكَ سابِقًا مَعَ أنَّهُ وقْتَ التَّوْلِيَةِ حُرٌّ، ونَظِيرُهُ إطْلاقُ اليُتْمِ عَلى البالِغِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِهِ سابِقًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢]، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاخْتِيارِ. أمّا لَوْ تَغَلَّبَ عَبْدٌ حَقِيقَةً بِالقُوَّةِ فَإنَّ طاعَتَهُ تَجِبُ؛ إخْمادًا لِلْفِتْنَةِ، وصَوْنًا لِلدِّماءِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
والمُرادُ بِالزَّبِيبَةِ في هَذا الحَدِيثِ واحِدَةُ الزَّبِيبِ المَأْكُولِ المَعْرُوفِ الكائِنِ مِنَ العِنَبِ إذا جَفَّ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ: التَّحْقِيرُ وتَقْبِيحُ الصُّورَةِ؛ لِأنَّ السَّمْعَ والطّاعَةَ إذا وجَبا لِمَن كانَ كَذَلِكَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا في المَعْصِيَةِ كَما (p-٢٨)يَأْتِي، ويُشْبِهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”كَأنَّهُ زَبِيبَةٌ“ قَوْلَ الشّاعِرِ يَهْجُو شَخْصًا أسْوَدَ:
؎دَنِسُ الثِّيابِ كَأنَّ فَرْوَةَ رَأْسِهِ غُرِسَتْ فَأنْبَتَ جانِباها فُلْفُلا
الرّابِعُ: مِن شُرُوطِهِ أنْ يَكُونَ بالِغًا، فَلا تَجُوزُ إمامَةُ الصَّبِيِّ إجْماعًا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى القِيامِ بِأعْباءِ الخِلافَةِ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ عاقِلًا، فَلا تَجُوزُ إمامَةُ المَجْنُونِ، ولا المَعْتُوهِ، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ.
السّادِسُ: أنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَلا تَجُوزُ إمامَةُ فاسِقٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ويَدْخُلُ في اشْتِراطِ العَدالَةِ اشْتِراطُ الإسْلامِ؛ لِأنَّ العَدْلَ لا يَكُونُ غَيْرَ مُسْلِمٍ.
السّابِعُ: أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قاضِيًا مِن قُضاةِ المُسْلِمِينَ، مُجْتَهِدًا يُمْكِنُهُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اسْتِفْتاءِ غَيْرِهِ في الحَوادِثِ.
الثّامِنُ: أنْ يَكُونَ سَلِيمَ الأعْضاءِ غَيْرَ زَمِنٍ ولا أعْمى ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ لِهَذَيْنَ الشَّرْطَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أعْنِي: العِلْمَ وسَلامَةَ الجِسْمِ؛ قَوْلُهُ تَعالى في طالُوتَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] .
التّاسِعُ: أنْ يَكُونَ ذا خِبْرَةٍ ورَأْيٍ حَصِيفٍ بِأمْرِ الحَرْبِ، وتَدْبِيرِ الجُيُوشِ، وسَدِّ الثُّغُورِ، وحِمايَةِ بَيْضَةِ المُسْلِمِينَ، ورَدْعِ الأُمَّةِ، والِانْتِقامِ مِنَ الظّالِمِ، والأخْذِ لِلْمَظْلُومِ. كَما قالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ: [ البَسِيطُ ]
؎وَقَلِّدُوا أمْرَكم لِلَّهِ دَرُّكم ∗∗∗ رَحْبَ الذِّراعِ بِأمْرِ الحَرْبِ مُطَّلِعا
العاشِرُ: أنْ يَكُونَ مِمَّنْ لا تَلْحَقُهُ رِقَّةٌ في إقامَةِ الحُدُودِ، ولا فَزَعَ مِن ضَرْبِ الرِّقابِ ولا قَطْعِ الأعْضاءِ، ويَدُلُّ ذَلِكَ إجْماعُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عَلى أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
* *
مَسائِلُ:
الأُولى: إذا طَرَأ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ فِسْقٌ، أوْ دَعْوَةٌ إلى بِدْعَةٍ. هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ (p-٢٩)سَبَبًا لِعَزْلِهِ والقِيامِ عَلَيْهِ أوْ لا ؟ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا صارَ فاسِقًا، أوْ داعِيًا إلى بِدْعَةٍ جازَ القِيامُ عَلَيْهِ لِخَلْعِهِ. والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ القِيامُ عَلَيْهِ لِخَلْعِهِ إلّا إذا ارْتَكَبَ كُفْرًا بَواحًا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهانٌ.
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في مَنشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وأثَرَةٍ عَلَيْنا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، قالَ: ”إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكم فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهانٌ“ .»
وَفِي ”صَحِيحٍ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خِيارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهم ويُحِبُّونَكم، وتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ ويُصَلُّونَ عَلَيْكم، وشِرارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهم ويُبْغِضُونَكم، وتَلْعَنُونَهم ويَلْعَنُونَكم ”قالُوا: قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نُنابِذُهم عِنْدَ ذَلِكَ ؟ قالَ:“ لا ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، إلّا مِن ولِيَ عَلَيْهِ والٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ ما يَأْتِي مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِن طاعَةٍ» .
وَفِي ”صَحِيحٍ مُسْلِمٍ“ أيْضًا: مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”سَتَكُونُ أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَن عَرَفَ بَرِئَ، ومَن أنْكَرَ سَلِمَ، ولَكِنْ مِن رِضِيَ وتابَعَ“ . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نُقاتِلُهم ؟ قالَ: ”لا ما صَلَّوْا“ .»
وَأخْرَجَ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن رَأى مِن أمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُفارِقُ الجَماعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ، إلّا ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً» .
وَأخْرَجَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن خَلَعَ يَدًا مِن طاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ، ومَن ماتَ ولَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً» والأحادِيثُ في هَذا كَثِيرَةٌ.
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلى مَنعِ القِيامِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ مُرْتَكِبًا لِما لا يَجُوزُ، إلّا إذا ارْتَكَبَ الكُفْرَ الصَّرِيحَ الَّذِي قامَ البُرْهانُ الشَّرْعِيُّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أنَّهُ (p-٣٠)كُفْرٌ بَواحٌ؛ أيْ: ظاهِرٌ بادٍ لا لَبْسَ فِيهِ.
وَقَدْ دَعا المَأْمُونُ والمُعْتَصِمُ والواثِقُ إلى بِدْعَةِ القَوْلِ: بِخَلْقِ القُرْآنِ، وعاقَبُوا العُلَماءَ مِن أجْلِها بِالقَتْلِ، والضَّرْبِ، والحَبْسِ، وأنْواعِ الإهانَةِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِوُجُوبِ الخُرُوجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ودامَ الأمْرُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ حَتّى ولِيَ المُتَوَكِّلُ الخِلافَةَ، فَأبْطَلَ المِحْنَةَ، وأمَرَ بِإظْهارِ السُّنَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ لِإمامٍ ولا غَيْرِهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ جاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها، ولا مَطْعَنَ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «السَّمْعُ والطّاعَةُ عَلى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيما أحَبَّ وكَرِهَ، ما لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ ولا طاعَةَ» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أمَرَهم أمِيرُهم أنْ يَدْخُلُوا في النّارِ: «لَوْ دَخَلُوها ما خَرَجُوا مِنها أبَدًا؛ إنَّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ» وفي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ يَجُوزُ نَصْبُ خَلِيفَتَيْنِ كِلاهُما مُسْتَقِلٌّ دُونَ الآخَرِ ؟ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ بِجَوازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا مُحْتَجِّينَ بِأنَّ عَلِيًّا ومُعاوِيَةَ كانا إمامَيْنِ واجِبَيِ الطّاعَةِ كِلاهُما عَلى مَن مَعَهُ، وبِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أقْوَمَ بِما لَدَيْهِ وأضْبَطَ لِما يَلِيهِ. وبِأنَّهُ لَمّا جازَ بَعْثُ نَبِيَّيْنِ في عَصْرٍ واحِدٍ، ولَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلى إبْطالِ النُّبُوَّةِ كانَتِ الإمامَةُ أوْلى.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ جَماهِيرِ العُلَماءِ مِنَ المُسْلِمِينَ: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَعَدُّدُ الإمامِ الأعْظَمِ، بَلْ يَجِبُ كَوْنُهُ واحِدًا، وأنْ لا يَتَوَلّى عَلى قُطْرٍ مِنَ الأقْطارِ إلّا أُمَراؤُهُ المُوَلَّوْنَ مِن قَبَلِهِ، مُحْتَجِّينَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فاقْتُلُوا الآخَرَ مِنهُما» .
وَلِمُسْلِمٍ أيْضًا: مِن حَدِيثِ عَرْفَجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن أتاكم وأمْرُكم جَمِيعٌ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ يُرِيدُ أنْ يَشُقَّ عَصاكم أوْ يُفَرِّقَ (p-٣١)جَماعَتَكم فاقْتُلُوهُ» . وفي رِوايَةٍ: «فاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كائِنًا مَن كانَ» .
وَلِمُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «”وَمَن بايَعَ إمامًا فَأعْطاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إنِ اسْتَطاعَ، فَإنْ جاءَ آخَرُ يُنازِعُهُ فاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ“ ثُمَّ قالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنايَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَعاهُ قَلْبِي» .
وَأبْطَلُوا احْتِجاجَ الكَرّامِيَّةِ بِأنَّ مُعاوِيَةَ أيّامَ نِزاعِهِ مَعَ عَلِيٍّ لَمْ يَدَّعِ الإمامَةَ لِنَفْسِهِ، وإنَّما ادَّعى وِلايَةَ الشّامِ بِتَوْلِيَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأئِمَّةِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ: إجْماعُ الأُمَّةِ في عَصْرِهِما عَلى أنَّ الإمامَ أحَدُهُما فَقَطْ لا كُلٌّ مِنهُما. وأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما أقَوْمَ بِما لَدَيْهِ، وأضْبَطَ لِما يَلِيهِ، وبِجَوازِ بَعْثِ نَبِيَّيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: «فاقْتُلُوا الآخَرَ مِنهُما»؛ ولِأنَّ نَصْبَ خَلِيفَتَيْنِ يُؤَدِّي إلى الشِّقاقِ وحُدُوثِ الفِتَنِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: التَّفْصِيلُ، فَيُمْنَعُ نَصْبُ إمامَيْنِ في البَلَدِ الواحِدِ والبِلادِ المُتَقارِبَةِ، ويَجُوزُ في الأقْطارِ المُتَنائِيَةِ كالأنْدَلُسِ وخُراسانَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: لَكِنْ إنْ تَباعَدَتِ الأقْطارُ وتَبايَنَتْ كالأنْدَلُسِ وخُراسانَ، جازَ ذَلِكَ عَلى ما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
والمُشارُ إلَيْهِ في كَلامِهِ: نَصْبُ خَلِيفَتَيْنِ، ومِمَّنْ قالَ بِجَوازِ ذَلِكَ: الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ، ونَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ، والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْتُ: وهَذا يُشْبِهُ حالَ الخُلَفاءِ؛ بَنِي العَبّاسِ بِالعِراقِ، والفاطِمِيِّينَ بِمِصْرَ، والأُمَوِيِّينَ بِالمَغْرِبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ لِلْإمامِ أنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ ؟
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَهُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَهُ عَزْلَ نَفْسِهِ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أقِيلُونِي أقِيلُونِي، وقَوْلُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: لا نُقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ. قَدَّمَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنا فَمَن ذا يُؤَخِّرُكَ، رَضِيَكَ (p-٣٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنا أفَلا نَرْضاكَ ؟
قالَ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَأنْكَرَتِ الصَّحابَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولَقالَتْ لَهُ: لَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ هَذا.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ تَقَلَّدَ حُقُوقَ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُ التَّخَلِّي عَنْها.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إنْ كانَ عَزْلُهُ لِنَفْسِهِ لِمُوجَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَإخْمادِ فِتْنَةٍ كانَتْ سَتَشْتَعِلُ لَوْ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ، أوْ لِعِلْمِهِ مِن نَفْسِهِ العَجْزَ عَنِ القِيامِ بِأعْباءِ الخِلافَةِ، فَلا نِزاعَ في جَوازِ عَزْلِ نَفْسِهِ. ولِذا أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى الثَّناءِ عَلى سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِعَزْلِ نَفْسِهِ وتَسْلِيمِهِ الأمْرَ إلى مُعاوِيَةَ، بَعْدَ أنْ بايَعَهُ أهْلُ العِراقِ؛ حَقْنًا لِدِماءِ المُسْلِمِينَ وأثْنى عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ يَجِبُ الإشْهادُ عَلى عَقْدِ الإمامَةِ ؟
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَجِبُ؛ لِأنَّ إيجابَ الإشْهادِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مِنَ النَّقْلِ. وهَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنهُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَجِبُ الإشْهادُ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أنَّ الإمامَةَ عُقِدَتْ لَهُ سِرًّا، فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى الشِّقاقِ والفِتْنَةِ.
والَّذِينَ قالُوا بِوُجُوبِ الإشْهادِ عَلى عَقْدِ الإمامَةِ، قالُوا: يَكْفِي شاهِدانِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ في اشْتِراطِهِ أرْبَعَةَ شُهُودٍ وعاقِدًا ومَعْقُودًا لَهُ، مُسْتَنْبِطًا ذَلِكَ مِن تَرْكِ عُمَرَ الأمْرَ شُورى بَيْنَ سِتَّةٍ فَوَقَعَ الأمْرُ عَلى عاقِدٍ، وهو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ومَعْقُودٍ لَهُ، وهو عُثْمانُ وبَقِيَ الأرْبَعَةُ الآخَرُونَ شُهُودًا، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا الِاسْتِنْباطِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ يَعْنِي مُسَمَّياتِ الأسْماءِ لا الأسْماءَ كَما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ.
وَقَدْ أشارَ إلى أنَّها المُسَمَّياتُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ، كَما هو ظاهِرٌ.
البقرة 2:33
(p-٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي كانُوا يَكْتُمُونَ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو ما كانَ يُضْمِرُهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ .
البقرة 2:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ أوْ بَعْدَ خَلْقِهِ ؟ وقَدْ صَرَّحَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ و ”ص“ بِأنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ. فَقالَ في ”الحِجْرِ“: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ الآيَةَ ٢٨، ٢٩ ]، وقالَ في سُورَةِ ”ص“: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ الآيَةَ ٧١، ٧٢ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مُوجِبَ اسْتِكْبارِهِ في زَعْمِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] .
تَنْبِيهٌ
مِثْلُ قِياسِ إبْلِيسَ نَفْسَهُ عَلى عُنْصُرِهِ، الَّذِي هو النّارُ وقِياسِهِ آدَمَ عَلى عُنْصُرِهِ، الَّذِي هو الطِّينُ واسْتِنْتاجُهُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ خَيْرٌ مِن آدَمَ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُؤْمَرَ بِالسُّجُودِ لِمَن هو خَيْرٌ مِنهُ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الصَّرِيحِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ يُسَمّى في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ فاسِدُ الِاعْتِبارِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎والخُلْفُ لِلنَّصِّ أوْ إجْماعٍ دَعا فَسادَ الِاعْتِبارِ كُلُّ مَن وعى
فَكُلُّ مَن رَدَّ نُصُوصَ الوَحْيِ بِالأقْيِسَةِ فَسَلَفُهُ في ذَلِكَ إبْلِيسُ، وقِياسُ إبْلِيسَ هَذا لَعَنَهُ اللَّهُ باطِلٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ فاسِدُ الِاعْتِبارِ؛ لِمُخالَفَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ، بَلِ الطِّينُ خَيْرٌ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها الخِفَّةُ والطَّيْشُ والإفْسادُ والتَّفْرِيقُ، وطَبِيعَتَهُ الرَّزانَةُ والإصْلاحُ فَتُودِعُهُ الحَبَّةَ (p-٣٤)فَيُعْطِيكَها سُنْبُلَةً، والنَّواةَ فَيُعْطِيكَها نَخْلَةً.
وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ قَدْرَ الطِّينِ فانْظُرْ إلى الرِّياضِ النّاضِرَةِ، وما فِيها مِنَ الثِّمارِ اللَّذِيذَةِ، والأزْهارِ الجَمِيلَةِ، والرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ تَعْلَمُ أنَّ الطِّينَ خَيْرٌ مِنَ النّارِ.
الثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ خَيْرٌ مِن آدَمَ؛ لِأنَّ شَرَفَ الأصْلِ لا يَقْتَضِي شَرَفَ الفَرْعِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الأصْلُ رَفِيعَ الفَرْعِ وضِيعًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: [ البَسِيطُ ]
؎إذا افْتَخَرْتَ بِآباءٍ لَهم شَرَفٌ ∗∗∗ قُلْنا صَدَقْتَ ولَكِنْ بِئْسَ ما ولَدُوا
وَقالَ الآخَرُ: [ المُتَقارِبُ ]
؎وَما يَنْفَعُ الأصْلُ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ إذا كانَتِ النَّفْسُ مِن باهِلَهْ
البقرة 2:35
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ الآيَةَ.
يُتَوَهَّمُ مُعارَضَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ: حَيْثُ شِئْتُما [البقرة: ٣٥] .
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ”اسْكُنْ“ أمْرٌ بِالسُّكْنى لا بِالسُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، فالأمْرُ بِاتِّخاذِ الجَنَّةِ مَسْكَنًا لا يُنافِي التَّحَرُّكَ فِيها وأكْلَهُما مِن حَيْثُ شاءا.
البقرة 2:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٌ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ الكَلِماتُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، بِقَوْلِهِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ الآيَةَ ٢٣ ] .
البقرة 2:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ الآيَةَ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما عَهْدُهُ وما عَهْدُهم، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] فَعَهْدُهم هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وعَهْدُهُ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ .
(p-٣٥)وَأشارَ إلى عَهْدِهِمْ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:41
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ.
جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِيغَةِ خِطابِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ و ”لا تَشْتَرُوا“ .
وَقَدْ أفْرَدَ لَفْظَةَ ”كافِرٍ“، ولَمْ يَقُلْ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرِينَ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الإفْرادِ والجَمْعِ في شَيْءٍ واحِدٍ، أنَّ مَعْنى: ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ﴾ أيْ أوَّلَ فَرِيقٍ كافِرٍ، فاللَّفْظُ مُفْرَدٌ والمَعْنى جَمْعٌ، فَيَجُوزُ مُراعاةُ كُلٍّ مِنها، وقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعٍ
وَقِيلَ: هو مِن إطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ، كَقَوْلِ ابْنِ عُلَّفَةَ:
؎وَكانَ بَنُو فَزارَةَ شَرَّ عَمٍّ
. . . . . . . . كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
البقرة 2:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ بِالباطِلِ هو إيمانُهم بِبَعْضِ ما في التَّوْراةِ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوا بِهِ الحَقَّ هو كُفْرُهم بِبَعْضِ ما في التَّوْراةِ، وجَحْدُهم لَهُ، كَصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَيْرِها مِمّا كَتَمُوهُ وجَحَدُوهُ، وهَذا يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥] والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ كَما تَقَدَّمَ.
البقرة 2:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ الِاسْتِعانَةُ بِالصَّبْرِ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا إشْكالَ فِيها، وأمّا نَتِيجَةُ الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ، فَقَدْ أشارَ لَها تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ، فَذَكَرَ أنَّ مِن نَتائِجِ الِاسْتِعانَةِ بِها النَّهْيَ عَمّا لا يَلِيقُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وأنَّها تَجْلِبُ الرِّزْقَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾، ولِذا كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ بادَرَ إلى الصَّلاةِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ العَبْدَ إذا قامَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يُناجِيهِ، ويَتْلُو كِتابَهُ هانَ عَلَيْهِ كُلُّ ما في الدُّنْيا رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ ورَهْبَةً مِنهُ، فَيَتَباعَدُ عَنْ كُلِّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ فَيَرْزُقُهُ اللَّهُ ويَهْدِيهِ.
البقرة 2:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾، المُرادُ بِالظَّنِّ هُنا: اليَقِينُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ . (p-٢١٠)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الظَّنَّ يَكْفِي في أُمُورِ المَعادِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ والعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ ومَعْنى الشَّكِّ، وإتْيانُ الظَّنِّ بِمَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ في القُرْءانِ وفي كَلامِ العَرَبِ. فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ . . . . . . الآيَةَ [البقرة: ٢٤٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]، أيْ أيْقَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، أيْ أيْقَنْتُ.
وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عُمَيْرَةَ بْنِ طارِقٍ:
؎بِأنْ تَغْتَرُوا قَوْمِي وأقْعُدَ فِيكُمُ وأجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما
أيْ أجْعَلُ مِنِّي اليَقِينَ غَيْبًا.
وَقَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
فَقَوْلُهُ: ظُنُّوا أيْ أيْقِنُوا.
البقرة 2:47
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ .
لا يُعارِضُ قَوْلَهُ تَعالى في تَفْضِيلِ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٠]، لِأنَّ المُرادَ بِالعالَمِينَ عالَمُو زَمانِهِمْ بِدَلِيلِ الآياتِ والأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أفْضَلُ مِنهم، كَحَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ في المَسانِيدِ والسُّنَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ» .
ألا تَرى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ المُقْتَصِدَ مِنهم هو أعْلاهم مَنزِلَةً حَيْثُ قالَ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]، وجَعَلَ في هَذِهِ الأُمَّةِ دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَةِ المُقْتَصِدَةِ وهي دَرَجَةُ السّابِقِ بِالخَيْراتِ، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ الآيَةَ [ ٣٥ ] .
البقرة 2:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ عَدَمُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ مُطْلَقًا يَوْمَ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الشَّفاعَةَ المَنفِيَّةَ هي الشَّفاعَةُ لِلْكُفّارِ، والشَّفاعَةُ لِغَيْرِهِمْ بِدُونِ إذْنِ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ.
أمّا الشَّفاعَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإذْنِهِ فَهي ثابِتَةٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ. فَنَصَّ عَلى عَدَمِ الشَّفاعَةِ لِلْكَفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقَدْ قالَ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقالَ تَعالى عَنْهم مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] (p-٣٦)وَقالَ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في الشَّفاعَةِ بِدُونِ إذْنِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقالَ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]، وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وادِّعاءُ شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ أوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن أنْواعِ الكُفْرِ بِهِ جَلَّ وعَلا، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا﴾ [يونس: ١٨] .
تَنْبِيهٌ
هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْكُفّارِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا مُطْلَقًا، يُسْتَثْنى مِنهُ شَفاعَتُهُ ﷺ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ في نَقْلِهِ مِن مَحَلٍّ مِنَ النّارِ إلى مَحَلٍّ آخَرَ مِنها، كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الصَّحِيحِ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرْنا مِن تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ.
البقرة 2:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ الآيَةَ.
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْياءَ النِّساءِ مِن جُمْلَةِ العَذابِ الَّذِي كانَ يَسُومُهم فِرْعَوْنُ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإناثَ هِبَةٌ مِن هِباتِ اللَّهِ لِمَن أعْطاهُنَّ لَهُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فَبَقاءُ بَعْضِ الأوْلادِ عَلى هَذا خَيْرٌ مِن مَوْتِهِمْ كُلِّهِمْ، كَما قالَ الهُذَيْلُ:
؎حَمِدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إذْ نَجا خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ
والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ الإناثَ وإنْ كُنَّ هِبَةً مِنَ اللَّهِ لِمَن أعْطاهُنَّ لَهُ، فَبَقاؤُهُنَّ تَحْتَ يَدِ العَدُوِّ يَفْعَلُ بِهِنَّ ما يَشاءُ مِنَ الفاحِشَةِ والعارِ، ويَسْتَخْدِمُهُنَّ في الأعْمالِ الشّاقَّةِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ، ومَوْتُهُنَّ راحَةٌ مِن هَذا العَذابِ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ الإناثِ خَوْفًا مِن مِثْلِ هَذا.
قالَ بَعْضُ شُعَراءِ العَرَبِ في ابْنَةٍ لَهُ تُسَمّى مَوَدَّةَ:
؎مَوَدَّةُ تَهْوى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ ∗∗∗ لَها المَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أنَّها تَدْرِي
؎يَخافُ عَلَيْها جَفْوَةَ النّاسِ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا خَتَنَ يُرْجى أوَدُّ مِنَ القَبْرِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا ∗∗∗ والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ
وَقالَ بَعْضُ راجِزِيهِمْ:
؎إنِّي وإنْ سِيقَ إلَيَّ المَهْرُ
؎عَبْدٌ وألْفانِ وذَوْدٌ عَشْرُ ∗∗∗ أحَبُّ أصْهارِي إلَيَّ القَبْرُ
وَقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: وفي القُرْءانِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإنْسانَ يَسُوءُهُ إهانَةُ ذُرِّيَّتِهِ الضِّعافِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] .
البقرة 2:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ فَرْقِ البَحْرِ بِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ الآيَةَ [طه: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إغْراقِهِمْ ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [ ٢٦ \ ٦٠ إلى ٦٦ ]، وقَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿رَهْوًا﴾، (p-٣٧)أيْ: ساكِنًا عَلى حالَةِ انْفِلاقِهِ حَتّى يَدْخُلُوا فِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ واعَدَهُ إيّاها مُجْتَمِعَةً أوْ مُتَفَرِّقَةً ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّها مُتَفَرِّقَةٌ، وأنَّهُ واعَدَهُ أوَّلًا ثَلاثِينَ، ثُمَّ أتَمَّها بِعَشْرٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٢٤] .
البقرة 2:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
لظّاهِرُ في مَعْناهُ: أنَّ الفُرْقانَ هو الكِتابُ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى، وأنَّما عَطَفَ عَلى نَفْسِهِ تَنْزِيلًا لِتَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكِتابَ الَّذِي هو التَّوْراةُ مَوْصُوفٌ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَكْتُوبٌ كَتَبَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ فُرْقانٌ؛ أيْ: فارَقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَعَطَفَ الفُرْقانَ عَلى الكِتابِ، مَعَ أنَّهُ هو نَفْسُهُ نَظَرًا لِتَغايُرِ الصِّفَتَيْنِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: [ المُتَقارِبُ ]
؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ
بَلْ رُبَّما عَطَفَتِ العَرَبُ الشَّيْءَ عَلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ فَقَطْ، فاكْتَفُوا بِالمُغايَرَةِ في اللَّفْظِ. كَقَوْلِ الشّاعِرِ: [ البَسِيطُ ]
؎إنِّي لَأعْظُمُ في صَدْرِ الكَمِيِّ عَلى ∗∗∗ ما كانَ فِيَّ مِنَ التَّجْدِيرِ والقِصَرِ
القِصَرُ: هو التَّجْدِيرُ بِعَيْنِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الوافِرُ ]
؎وَقَدَّدْتُ الأدِيمَ لِراهِشِيهِ ∗∗∗ وألْفى قَوْلُها كَذِبًا ومَيْنا
والمَيْنُ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎ألا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدٌ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ
والبُعْدُ: هو النَّأْيُ بِعَيْنِهِ، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: [ الكامِلُ ]
؎حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والإقْفارُ: هو الإقْواءُ بِعَيْنِهِ.
والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ الفُرْقانَ هو ما أُوتِيَهُ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٨] .
البقرة 2:54
(p-٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مِن أيِّ شَيْءٍ هَذا العِجْلُ المَعْبُودُ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٧، ٨٨] ولَمْ يَذْكُرِ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلِاتِّخاذِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وتَقْدِيرُهُ: بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ إلَهًا، كَما أشارَ لَهُ في سُورَةِ ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [الأعلى: ٨٨]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]، أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
البقرة 2:57
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بِنَوْعَيْنِ مِن أنْواعِ الطَّعامِ، وهُما المَنُّ والسَّلْوى، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا طَعامٌ واحِدٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، ولِلْجَمْعِ بَيْنَهُما أوْجُهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَنَّ وهو التَّرَنْجَبِينُ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ مِن جِنْسِ الشَّرابِ، والطَّعامُ الواحِدُ هو السَّلْوى، وهو عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ السُّمانى أوْ طائِرٌ يُشْبِهُهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَجْعُولَ عَلى المائِدَةِ الواحِدَةِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ طَعامًا واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: أكَلْنا طَعامَ فُلانٍ، وإنْ كانَ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً. والَّذِي يُظْهِرُ أنَّ هَذا الوَجْهَ أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّ تَفْسِيرَ المَنِّ بِخُصُوصِ التَّرَنْجَبِينَ يَرُدُّهُ الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ» . . . الحَدِيثَ.
الثّالِثُ: أنَّهم سَمَّوْهُ طَعامًا واحِدًا لِأنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَهو مَأْكَلٌ واحِدٌ وهو ظاهِرٌ.
البقرة 2:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي آتاهم ما هو، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ الكِتابُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] .
البقرة 2:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ أجْمَلَ قِصَّتَهم هُنا وفَصَّلَها في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [ الآياتِ ١٦٣ ] .
البقرة 2:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنُ لَنا ما هِيَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ مَقْصُودَهم بِقَوْلِهِمْ: (ما هي) إلّا أنَّ جَوابَ سُؤالِهِمْ دَلَّ عَلى أنَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ في المَوْضِعِ الأوَّلِ (ما هي) أيْ: ما سِنُّها ؟ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ الآيَةَ. وأنَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ (ما هي) في المَوْضِعِ الآخَرِ هَلْ هي عامِلَةٌ أوْ لا ؟ وهَلْ فِيها عَيْبٌ أوْ لا ؟ وهَلْ فِيها وشْيٌ مُخالِفٌ لِلَوْنِها أوْ لا ؟ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ [البقرة: ٧١] .
البقرة 2:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ لَمْ يُصَرِّحْ هَلْ هَذِهِ النَّفْسُ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى ؟ وقَدْ أشارَ إلى أنَّها ذَكَرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة: ٧٣] .
البقرة 2:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ﴾
الآيَةَ، أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ إحْياءَ قَتِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ عَلى بَعْثِ النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ؛ لِأنَّ مَن أحْيا نَفْسًا (p-٣٩)واحِدَةً بَعْدَ مَوْتِها قادِرٌ عَلى إحْياءِ جَمِيعِ النُّفُوسِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا في قَوْلِهِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] .
البقرة 2:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ [الحديد: ١٦] .
البقرة 2:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ (بِالأمانِيِّ) هُنا عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالأُمْنِيَةِ القِراءَةُ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ مِنَ الكِتابِ إلّا قِراءَةَ ألْفاظٍ دُونَ إدْراكِ مَعانِيها. وهَذا القَوْلُ لا يَتَناسَبُ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ﴾؛ لِأنَّ الأُمِّيَّ لا يَقْرَأُ.
الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ، لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أمانِيَّ باطِلَةً، ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، وقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣] .
البقرة 2:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: تَقْتُلُونَ إخْوانَكم، ويُبَيِّنُ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ، كَثْرَةُ وُرُودِهِ كَذَلِكَ في القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أيْ: لا يَلْمِزْ أحَدُكم أخاهُ
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] أيْ: بِإخْوانِهِمْ
• وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]
أيْ: بِأنْ يَقْتُلَ البَرِيءُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ مَن عَبَدَهُ مِنهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ مَثَلَ المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ الواحِدِ إذا أُصِيبَ مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾
يَتَبَيَّنُ مِمّا قَبْلَهُ أنَّ البَعْضَ الَّذِي آمَنُوا بِهِ هو فِداءُ الأسارى مِنهم، والبَعْضَ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ هو إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ وقَتْلِهِمْ ومُظاهَرَةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، وإنْ كَفَرُوا بِغَيْرِ هَذا مِنَ الكِتابِ وآمَنُوا بِغَيْرِهِ مِنهُ.
البقرة 2:87
(p-٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ البَيِّناتُ ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ هو جِبْرِيلُ عَلى الأصَحِّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ١٧] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم قَتَلُوا بَعْضَ الرُّسُلِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] .
وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّسُلَ غالِبُونَ مَنصُورُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا النَّصْرَ في دارِ الدُّنْيا أيْضًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وكَما في (p-٢١٣)قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١] .
والَّذِي يَظْهَرُ في الجَوابِ مِن هَذا أنَّ الرُّسُلَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أُمِرُوا بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقِسْمٌ أُمِرُوا بِالصَّبْرِ والكَفِّ عَنِ النّاسِ، فالَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ وعَدَهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، والَّذِينَ أُمِرُوا بِالكَفِّ والصَّبْرِ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا لِيَزِيدَ اللَّهُ رَفْعَ دَرَجاتِهِمُ العَلِيَّةَ بِقَتْلِهِمْ مَظْلُومِينَ، وهَذا الجَمْعُ مَفْهُومٌ مِنَ الآياتِ لِأنَّ النَّصْرَ والغَلَبَةَ فِيهِ الدَّلالَةُ بِالِالتِزامِ عَلى جِهادٍ ومُقاتَلَةٍ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا الجَمْعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٦] .
وَأمّا عَلى قِراءَةِ ”قاتَلَ“ بِصِيغَةِ الماضِي مِن فاعَلَ فالأمْرُ واضِحٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ”قُتِلَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَنائِبُ الفاعِلِ قَوْلُهُ: ”رِبِّيُّونَ“ لا ضَمِيرُ ”نَبِيٍّ“ وتَطَرُّقُ الِاحْتِمالِ يَرُدُّ الِاسْتِدْلالَ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ غَلَبَةَ الرُّسُلِ ونُصْرَتَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ البَيِّناتُ وبَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ٣٢ - ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ٦٣] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو مِنَ السَّمْعِ بِمَعْنى الإجابَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَمْعًا وطاعَةً؛ أيْ: إجابَةً وطاعَةً، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ - في الصَّلاةِ - أيْ: أجابَ دُعاءَ مَن حَمِدَهُ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ (واسْمَعُوا) أيْ: بِآذانِكم ولا تَمْتَنِعُوا مِن أصْلِ الِاسْتِماعِ.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ: أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ رُبَّما امْتَنَعَ مِن أصْلِ الِاسْتِماعِ خَوْفَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ الأنْبِياءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ: ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] .
وَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ نَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] (p-٤١)وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣]؛ لِأنَّ السَّمْعَ الَّذِي لا يُنافِي العِصْيانَ هو السَّمْعُ بِالآذانِ دُونَ السَّمْعِ بِمَعْنى الإجابَةِ.
البقرة 2:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾
مَعْنى الآيَةِ: أنَّ أحَدَ المَذْكُورِينَ يَتَمَنّى أنْ يَعِيشَ ألْفَ سَنَةٍ، وطُولُ عُمُرِهِ لا يُزَحْزِحُهُ، أيْ: لا يُبْعِدُهُ عَنِ العَذابِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنَّ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلُ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو مُزَحْزِحُهُ عَلى أصَحِّ الأعارِيبِ، وفي ”لَوْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾، وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ، وهي وصِلَتُها في تَأْوِيلِ مَفْعُولٍ بِهِ لِـ ”يَوَدُّ“ والمَعْنى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ أيْ: يَتَمَنّى تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ، و ”لَوْ“: قَدْ تَكُونُ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا لِقَوْلِ قَتِيلَةَ بِنْتِ الحارِثِ:
؎ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَّنَتْ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ
أيْ: ما كانَ ضَرَّكَ مِنهُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ (لَوْ) هُنا هي الشَّرْطِيَّةُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: لَوْ يُعَمَّرْ ألْفَ سَنَةٍ، لَكانَ ذَلِكَ أحَبَّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وحُذِفَ جَوابُ (لَوْ) مَعَ دَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ واقِعٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] أيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَما ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] أيْ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ أوْ لَكَفَرْتُمْ بِالرَّحْمَنِ، ومِنهُ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ ∗∗∗ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
أيْ: لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ لَدَفَعْناهُ. إذا عَرَفْتَ مَعْنى الآيَةِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى مُبَيِّنًا أنَّ الإنْسانَ لَوْ مُتِّعَ ما مُتِّعَ مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ انْقَضى ذَلِكَ المَتاعُ وجاءَهُ العَذابُ أنَّ ذَلِكَ المَتاعَ الفائِتَ لا يَنْفَعُهُ، ولا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا بَعْدَ انْقِضائِهِ وحُلُولِ العَذابِ مَحِلَّهُ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧] وهَذِهِ هي (p-٤٢)أعْظَمُ آيَةٍ في إزالَةِ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي هو طُولُ الأمَلِ. كَفانا اللَّهُ والمُؤْمِنِينَ شَرَّهُ.
البقرة 2:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقى القُرْآنَ في قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِن غَيْرِ سَماعِ قِراءَةٍ، ونَظِيرُها في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّ المَلَكَ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ حَتّى يَسْمَعَهُ مِنهُ، فَتَصِلُ مَعانِيهِ إلى قَلْبِهِ بَعْدَ سَماعِهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى تَنْزِيلِهِ عَلى قَلْبِهِ، وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .
البقرة 2:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الفاسِقُونَ أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هو المُعاهِدُ لَهم وأنَّهم يُنْقِضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥، ٥٦]، وصَرَّحَ في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّهم أهْلُ خِيانَةٍ إلّا القَلِيلَ مِنهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] .
البقرة 2:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالكِتابِ هُمُ الأكْثَرُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
البقرة 2:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ما هو ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٣] .
البقرة 2:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ كَما (p-٤٣)هُوَ واضِحٌ مِنَ السِّياقِ، والأمْرُ في قَوْلِهِ (بِأمْرِهِ) .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو واحِدُ الأوامِرِ، وقالَ بَعْضُهم: هو واحِدُ الأُمُورِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ؛ فَإنَّ الأمْرَ المَذْكُورَ هو المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ واحِدُ الأُمُورِ: فَهو ما صَرَّحَ اللَّهُ بِهِ في الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ما أوْقَعَ بِاليَهُودِ مِنَ القَتْلِ والتَّشْرِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٢، ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، والآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ عَلى التَّحْقِيقِ.
البقرة 2:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ . الآيَةَ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَزَلَتْ في صَدِّ المُشْرِكِينَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ عامَ سِتٍّ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: فالخَرابُ مَعْنَوِيٌّ، وهو خَرابُ المَساجِدِ بِمَنعِ العِبادَةِ فِيها. وهَذا القَوْلُ يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٢٥] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الخَرابُ المَذْكُورُ هو الخَرابُ الحِسِّيُّ. والآيَةُ نَزَلَتْ فِيمَن خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهو بُخْتَنَصَّرُ أوْ غَيْرُهُ وهَذا القَوْلُ يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ الآيَةَ.
الِاسْتِفْهامُ في هَذِهِ الآيَةِ إنْكارِيٌّ ومَعْناهُ النَّفْيُ، فالمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ يُفْهَمُ مِنها خِلافُ هَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ [ ٣٩ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ . . . . . . الآيَةَ [الكهف: ٥٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ أوْجُهٌ:
مِنها تَخْصِيصُ كُلِّ مَوْضِعٍ بِمَعْنى صِلَتِهِ، أيْ لا أحَدَ مِنَ المانِعِينَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، ولا أحَدَ مِنَ المُفْتَرِينَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وإذا تَخَصَّصَتْ بِصِلاتِها زالَ الإشْكالُ.
وَمِنها أنَّ التَّخْصِيصَ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّبْقِ، أيْ لَمّا لَمْ يَسْبِقْهم أحَدٌ إلى مِثْلِهِ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أظْلَمُ مِمَّنْ جاءَ بُعْدَهم سالِكًا طَرِيقَهم، وهَذا يَؤُولُ مَعْناهُ إلى ما قَبْلَهُ، لِأنَّ المُرادَ السَّبْقُ إلى المانِعِيَّةِ والِافْتِرائِيَّةِ مَثَلًا.
(p-٢١٤)وَمِنها، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّهُ الصَّوابُ، هو ما حاصِلُهُ أنَّ نَفْيَ التَّفْضِيلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ المُساواةِ، فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ وُصِفَ بِذَلِكَ يَزِيدُ عَلى الآخَرِ، لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ في الأظْلَمِيَّةِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، ومَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ومَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ، ولا إشْكالَ في تَساوِي هَؤُلاءِ في الأظْلَمِيَّةِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهم أظْلَمُ مِنَ الآخَرِ، كَما إذا قُلْتَ: لا أحَدَ أفْقَهُ مِن فُلانٍ وفُلانٍ مَثَلًا. ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ صاحِبُ الإتْقانِ.
وَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ: " ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ التَّهْوِيلُ والتَّفْظِيعُ مِن غَيْرِ قَصْدِ إثْباتِ الأظْلَمِيَّةِ لِلْمَذْكُورِ حَقِيقَةً ولا نَفْيِها عَنْ غَيْرِهِ، كَما ذَكَرَهُ عَنْهُ صاحِبُ الإتْقانِ، يَظْهَرُ ضَعْفُهُ لِأنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ القُرْءانِ.
البقرة 2:115
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ . . . . . الآيَةَ.
أفْرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ وثَنّاهُما في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، وجَمَعَهُما في سُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وجَمَعَ المَشارِقَ في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ [الصافات: ٥] .
والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ المُرادُ بِهِ جِنْسُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَهو صادِقٌ بِكُلِّ مَشْرِقٍ مِن مَشارِقِ الشَّمْسِ الَّتِي هي ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ، وكُلِّ مَغْرِبٍ مِن مَغارِبِها الَّتِي هي كَذَلِكَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ:
وَإنَّما مَعْنى ذَلِكَ: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ﴾ الَّذِي تَشْرُقُ مِنهُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ ”والمَغْرِبُ“ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَتَأْوِيلُهُ إذا كانَ ذَلِكَ مَعْناهُ: واللَّهُ ما بَيْنَ قُطْرَيِ المَشْرِقِ وقُطْرَيِ المَغْرِبِ إذا كانَ شُرُوقُ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَوْضِعٍ مِنهُ لا تَعُودُ لِشُرُوقِها مِنهُ إلى الحُلُولِ الَّذِي بَعْدَهُ وكَذَلِكَ غُرُوبُها، انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ يَعْنِي مَشْرِقَ الشِّتاءِ ومَشْرِقَ الصَّيْفِ ومَغْرِبَهُما، كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَشْرِقُ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبُهُما، وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾: (p-٢١٥)أيْ مَشارِقِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ مَشارِقُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ ومَغارِبُها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ هَذا الوَلَدُ المَزْعُومُ عَلى زاعِمِهِ لَعائِنُ اللَّهِ، قَدْ جاءَ مُفَصَّلًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٧] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ .
عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِـ: ”ما“ المَوْصُولَةِ الدّالَّةِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ، ثُمَّ عَبَّرَ في قَوْلِهِ: ”قانِتُونَ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُذَكَّرِ الخاصِّ بِالعُقَلاءِ.
وَوَجْهُ الجَمْعِ أنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الخَلْقِ مِنهُ العاقِلُ وغَيْرُ العاقِلِ، فَغَلَبَ في الِاسْمِ المَوْصُولِ غَيْرُ العاقِلِ، وغَلَبَ في صِيغَةِ الجَمْعِ العاقِلُ، والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وجَمِيعُ الخَلائِقِ بِالنِّسْبَةِ لِمُلْكِ اللَّهِ إيّاهم سَواءٌ عاقِلُهم وغَيْرُهُ، فالعاقِلُ في ضَعْفِهِ وعَجْزِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُلْكِ اللَّهِ كَغَيْرِ العاقِلِ، ولَمّا ذُكِرَ القُنُوتُ، وهو الطّاعَةُ وكانَ أظْهَرَ في العُقَلاءِ مِن غَيْرِهِمْ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى العُقَلاءِ تَغْلِيبًا لَهم.
البقرة 2:118
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ البَيانَ خاصٌّ بِالمُوقِنِينَ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ البَيانَ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ البَيانَ عامٌّ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِهِ خاصًّا بِالمُتَّقِينَ، خُصَّ في هَذِهِ الآيَةِ بِهِمْ لِأنَّ ما لا نَفْعَ فِيهِ كالعَدَمِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ الآيَةَ [يس: ١١]، مَعَ أنَّهُ مُنْذِرٌ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ، وإنَّما خَصَّ الإنْذارَ بِمَن يَخْشى ومَن يَتَّبِعُ الذِّكْرِ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِهِ.
البقرة 2:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدَيِ الظّالِمِينَ﴾ يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ مِن (p-٤٤)ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ظالِمِينَ. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ بِأنَّ مِنهم ظالِمًا وغَيْرَ ظالِمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢٨] .
البقرة 2:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ رَفْعُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ لِقَواعِدِ البَيْتِ، وبَيَّنَ في سُورَةِ ”الحَجِّ“ أنَّهُ أراهُ مَوْضِعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] أيْ: عَيَّنّا لَهُ مَحِلَّهُ وعَرَّفْناهُ بِهِ. قِيلَ: دَلَّهُ عَلَيْهِ بِمُزْنَةٍ كانَ ظِلُّها قَدْرَ مِساحَتِهِ. وقِيلَ: دَلَّهُ عَلَيْهِ بِرِيحٍ تُسَمّى الخُجُوجُ كَنَسَتْ عَنْهُ حَتّى ظَهَرَ اسْمُهُ القَدِيمُ فَبَنى عَلَيْهِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
البقرة 2:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هَذِهِ الأُمَّةُ الَّتِي أجابَ اللَّهُ بِها دُعاءَ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أيْضًا هَذا الرَّسُولَ المَسْؤُولَ بَعَثَهُ فِيهِمْ مَن هو ؟ ولَكِنَّهُ يُبَيِّنُ في سُورَةِ الجُمُعَةِ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ العَرَبُ، والرَّسُولَ هو سَيِّدُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٢، ٣]؛ لِأنَّ الأُمِّيِّينَ العَرَبُ بِالإجْماعِ، والرَّسُولَ المَذْكُورَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ إجْماعًا، ولَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ إلّا نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ وحْدَهُ.
وَثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ هو الرَّسُولُ الَّذِي دَعا بِهِ إبْراهِيمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ عُمُومَ رِسالَتِهِ ﷺ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ.
البقرة 2:130
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وبَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] فَصَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها دِينُ الإسْلامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ . وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٣] .
البقرة 2:132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾
أشارَ إلى أنَّهُ دِينُ الإسْلامِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وصَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ (p-٤٥)[آل عمران: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
البقرة 2:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”الأعْلى“ أنَّهُ صُحُفٌ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ ما في تِلْكَ الصُّحُفِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩] .
وَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما أُوتِيَهُ مُوسى وعِيسى، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَذَكَرَ أنَّ ما أُوتِيَهُ مُوسى هو التَّوْراةُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالصُّحُفِ في قَوْلِهِ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وهو التَّوْراةُ بِالإجْماعِ، وذَكَرَ أنَّ ما أُوتِيَهُ عِيسى هو الإنْجِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أمَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُؤْمِنُوا بِما أُوتِيَهُ جَمِيعُ النَّبِيِّينَ، وأنْ لا يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم، حَيْثُ قالَ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ هُنا هَلْ فَعَلُوا ذَلِكَ أوْ لا ؟ ولَمْ يَذْكُرْ جَزاءَهم إذا فَعَلُوهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَصَرَّحَ بِأنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وذَكَرَ جَزاءَهم عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢] .
البقرة 2:142
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
البقرة 2:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ الآيَةَ؛ أيْ: خِيارًا عُدُولًا، ويَدُلُّ لِأنَّ الوَسَطَ الخِيارُ العُدُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وذَلِكَ (p-٤٦)مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎هُمُ وسْطٌ يَرْضى الأنامُ لِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْظَمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هو شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤١، ٤٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنهُ الجاهِلُ أنَّهُ تَعالى يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - بَلْ هو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، وقَدْ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: (لِيَبْتَلِيَ) دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالِاخْتِبارِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ لِأنَّ العَلِيمَ بِذاتِ الصُّدُورِغَنِيٌّ عَنِ الِاخْتِبارِ وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ عَظِيمٌ لِجَمِيعِ الآياتِ الَّتِي يَذْكُرُ اللَّهُ فِيها اخْتِبارَهُ لِخَلْقِهِ، ومَعْنى ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ فَلا يُنافِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وفائِدَةُ الِاخْتِبارِ ظُهُورُ الأمْرِ لِلنّاسِ. أمّا عالِمُ السِّرِّ والنَّجْوى فَهو عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ كَما لا يَخْفى.
وَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أشارَ إلى أنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لَهُ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَهُ إجْماعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ أيْ: صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى الأصَحِّ، ويَسْتَرْوِحُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِ دَلالَةِ الِاقْتِرانِ، والخِلافُ فِيها مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ”إلّا لِنَعْلَمَ“ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عالَمًا بِمَن يَتَّبَعُ الرَّسُولَ (p-٢١٦)مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَهو يَعْلَمُ ما سَيَعْمَلُهُ الخَلْقُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [ ٥٣ ]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]: والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ”إلّا لِنَعْلَمَ“ أيْ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ عالِمًا بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا جَدِيدًا لِأنَّهُ عالِمٌ بِما سَيَكُونُ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ”لِيَبْتَلِيَ“: دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُهُ الِاخْتِبارُ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ، بَلْ هو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَعْمَلُهُ خَلْقُهُ وعالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، كَما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣] .
البقرة 2:144
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٤] .
البقرة 2:154
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ غَيْرُ أمْواتٍ، وقَدْ قالَ في آيَةٍ أُخْرى لِمَن هو أفْضَلُ مِن كُلِّ الشُّهَداءِ ﷺ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [ ٣٩ ] .
والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ الشُّهَداءَ يَمُوتُونَ المَوْتَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ فَتُورَثُ أمْوالُهم وتُنْكَحُ نِساؤُهم بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ المَوْتَةُ هي الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّهُ يَمُوتُها ﷺ .
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ صاحِبِهِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَمّا تُوُفِّيَ ﷺ: ”بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، واللَّهِ لا يَجْمَعُ عَلَيْكَ اللَّهُ مَوْتَتَيْنِ، أمّا المَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها“، وقالَ: ”مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ“، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالقُرْآنِ، ورَجَعَ إلَيْهِ جَمِيعُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأمّا الحَياةُ الَّتِي أثْبَتَها اللَّهُ لِلشُّهَداءِ في القُرْءانِ، وحَياتُهُ ﷺ الَّتِي ثَبَتَ في الحَدِيثِ أنَّهُ يَرُدُّ بِها السَّلامَ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ فَكِلْتاهُما حَياةٌ بَرْزَخِيَّةٌ لَيْسَتْ مَعْقُولَةً لِأهْلِ الدُّنْيا.
ما في الشُّهَداءِ فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]، وقَدْ فَسَّرَها النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهم «تُجْعَلُ أرْواحُهم في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْتَعُ في الجَنَّةِ وتَأْوِي (p-٢١٧)إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ فَهم يَتَنَعَّمُونَ بِذَلِكَ» .
وَأمّا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن أنَّهُ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رَوْحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، وأنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَةً يُبْلِغُونَهُ سَلامَ أُمَّتِهِ، فَإنَّ تِلْكَ الحَياةَ أيْضًا لا يَعْقِلُ حَقِيقَتُها أهْلُ الدُّنْيا لِأنَّها ثابِتَةٌ لَهُ ﷺ، مَعَ أنَّ رُوحَهُ الكَرِيمَةَ في أعْلى عِلِّيِّينَ مَعَ الرَّفِيقِ الأعْلى فَوْقَ أرْواحِ الشُّهَداءِ، فَتَعَلُّقُ هَذِهِ الرُّوحِ الطّاهِرَةِ الَّتِي هي في أعْلى عِلِّيِّينَ بِهَذا البَدَنِ الشَّرِيفِ الَّذِي لا تَأْكُلُهُ الأرْضُ يَعْلَمُ اللَّهُ حَقِيقَتَهُ ولا يَعْلَمُها الخَلْقُ.
كَما قالَ في جِنْسِ ذَلِكَ: ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ولَوْ كانَتْ كالحَياةِ الَّتِي يَعْرِفُها أهْلُ الدُّنْيا لَما قالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ ماتَ، ولَما جازَ دَفْنُهُ ولا نَصْبُ خَلِيفَةٍ غَيْرِهِ، ولا قُتِلَ عُثْمانُ ولا اخْتَلَفَ أصْحابُهُ ولا جَرى عَلى عائِشَةَ ما جَرى، ولَسَألُوهُ عَنِ الأحْكامِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها بَعْدَهُ كالعَوْلِ، ومِيراثِ الجَدِّ والإخْوَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَإذا صَرَّحَ القُرْءانُ بِأنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾، وصَرَّحَ بِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لا يَعْرِفُ حَقِيقَتَها أهْلُ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أثْبَتَ حَياتَهُ في القَبْرِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ السَّلامَ ويَرُدُّهُ، وأصْحابُهُ الَّذِينَ دَفَنُوهُ ﷺ لا تَشْعُرُ حَواسُّهم بِتِلْكَ الحَياةِ، عَرَفْنا أنَّها حَياةٌ لا يَعْقِلُها أهْلُ الدُّنْيا أيْضًا، ومِمّا يُقَرِّبُ هَذا لِلذِّهْنِ حَياةُ النّائِمِ، فَإنَّهُ يُخالِفُ الحَيَّ في جَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ مَعَ أنَّهُ يُدْرِكُ الرُّؤْيا، ويَعْقِلُ المَعانِيَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ ما نَصُّهُ: ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ جَسَدَهُ ﷺ في الأرْضِ طَرِيٌّ مُطَرًّا، وقَدْ سَألَهُ الصَّحابَةُ: «كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عَلَيْكَ وقَدْ أرَمْتَ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أنْ تَأْكُلَ أجْسادَ الأنْبِياءِ» ولَوْ لَمْ يَكُنْ جَسَدُهُ في ضَرِيحِهِ، لَما أجابَ بِهَذا الجَوابِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ وكَلَ بِقَبْرِهِ مَلائِكَةً يُبْلِغُونَهُ عَنْ أُمَّتِهِ السَّلامَ.
وَصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ خَرَجَ بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وقالَ: هَكَذا نُبْعَثُ، هَذا مَعَ القَطْعِ بِأنَّ رُوحَهُ الكَرِيمَةَ في الرَّفِيقِ الأعْلى في أعْلى عِلِّيِّينَ مَعَ أرْواحِ الأنْبِياءِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ رَأى مُوسى يُصَلِّي في قَبْرِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ ورَآهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ أوِ السّابِعَةِ، فالرُّوحُ كانَتْ هُناكَ ولَها اتِّصالٌ بِالبَدَنِ في القَبْرِ وإشْرافٌ عَلَيْهِ، وتَعَلُّقٌ بِهِ بِحَيْثُ (p-٢١٨)يُصَلِّي في قَبْرِهِ ويَرُدُّ سَلامَ مَن يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وهي في الرَّفِيقِ الأعْلى ولا تَنافِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّ شَأْنَ الأرْواحِ غَيْرَ شَأْنِ الأبْدانِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ بِلَفْظِهِ. وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَياةَ المَذْكُورَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الحَقِيقَةَ لِأهْلِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
البقرة 2:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَئِكَ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنَهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما اللّاعِنُونَ، (p-٤٧)وَلَكِنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] .
البقرة 2:164
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا وجْهَ كَوْنِهِما آيَةً، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦، ٧، ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٣، ٤، ٥]،
• وقَوْلِهِ في الأرْضِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا وجْهَ كَوْنِ اخْتِلافِهِما آيَةً، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١، ٧٢، ٧٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ تَسْخِيرِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] .
البقرة 2:165
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا الكُفّارُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [ ١٦٧ ] ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ لُقْمانَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ٣١] .
(p-٤٨)قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
البقرة 2:166
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الآيَةَ، أشارَ هُنا إلى تَخاصُمِ أهْلِ النّارِ، وقَدْ بَيَّنَ مِنهُ غَيْرَ ما ذُكِرَ هُنا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣١، ٣٢، ٣٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:168
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لَمْ يَذْكُرْ هُنا ما يَتَرَتَّبُ عَلى اتِّباعِ خُطُواتِهِ مِنَ الضَّرَرِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”النُّورِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ الآيَةَ [النور: ٢١] .
البقرة 2:169
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي يَقُولُونَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ولَكِنَّهُ فَصَّلَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَقُولُونَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ هو أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ ونَحْوَها، وأنَّ لَهُ أوْلادًا، وأنَّ لَهُ شُرَكاءَ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَصَرَّحَ بِأنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ الآيَةَ [يونس: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ونَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومَةِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ونَحْوَها مِنَ الآياتِ ونَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الأوْلادِ المَزْعُومَةِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]
ونَحْوَها مِنَ الآياتِ فَظَهَرَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَفْصِيلُ (ما) أُجْمِلَ في اسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي هو (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .
البقرة 2:170
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الكُفّارَ لا عُقُولَ لَهم أصْلًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”شَيْئًا“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهي تَدُلُّ عَلى العُمُومِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ لَهم عُقُولٌ يَعْقِلُونَ بِها في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
والجَوابُ أنَّهم يَعْقِلُونَ أُمُورَ الدُّنْيا دُونَ أُمُورِ الآخِرَةِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧] .
البقرة 2:173
(p-٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ المَيْتَةِ والدَّمِ حَرامٌ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَيْتَةَ البَحْرِ خارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٦]، إذْ لَيْسَ لِلْبَحْرِ طَعامٌ غَيْرُ الصَّيْدِ إلّا مَيْتَتُهُ. وما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ المُرادَ بِطَعامِهِ قَدِيدُهُ المُجَفَّفُ بِالمِلْحِ مَثَلًا، وأنَّ المُرادَ بِصَيْدِهِ الطَّرِيُّ مِنهُ، فَهو خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ القَدِيدَ مِن صَيْدِهِ فَهو صَيْدٌ جُعِلَ قَدِيدًا، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِطَعامِهِ مَيْتَتُهُ مِنهم: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أجْمَعِينَ وعِكْرِمَةُ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ غَيْرَ المَسْفُوحِ مِنَ الدِّماءِ لَيْسَ بِحَرامٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ غَيْرَ المَسْفُوحِ كالحُمْرَةِ الَّتِي تَعْلُو القِدْرَ مِن أثَرِ تَقْطِيعِ اللَّحْمِ لَيْسَ بِحَرامٍ، إذْ لَوْ كانَ كالمَسْفُوحِ لَما كانَ في التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَسْفُوحًا﴾ .
* *
فائِدَةٌ
وَقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ أحَلَّ لَهُ ولِأُمَّتِهِ مَيْتَتَيْنِ ودَمَيْنِ، أمّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ»، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الحَدِيثِ في الأنْعامِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَعَنْهُ ﷺ في البَحْرِ «هُوَ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أخْرَجَهُ مالِكٌ وأصْحابُ ”السُّنَنِ“ والإمامُ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِما، والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، وابْنُ الجارُودِ في ”المُنْتَقى“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والبُخارِيُّ.
وَظاهِرُ عُمُومِ هَذا الحَدِيثِ وعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَطَعامُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ مَيْتَةِ البَحْرِ مُطْلَقًا، وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّهُ أكَلَ مِنَ العَنْبَرِ، وهو حُوتٌ ألْقاهُ البَحْرُ مَيْتًا وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ.
وَحاصِلُ تَحْرِيرِ فِقْهِ هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ مَيْتَةَ البَحْرِ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، وإنْ أُخْرِجَ مِنهُ ماتَ كالحُوتِ، وقِسْمٌ يَعِيشُ في البَرِّ، كالضَّفادِعِ ونَحْوِها.
أمّا الَّذِي لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ كالحُوتِ فَمَيْتَتُهُ حَلالٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَماءِ، (p-٥٠)وَخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما ماتَ مِنهُ في البَحْرِ، وطَفا عَلى وجْهِ الماءِ فَقالَ فِيهِ: هو مَكْرُوهُ الأكْلِ، بِخِلافِ ما قَتَلَهُ إنْسانٌ أوْ حَسِرَ عَنْهُ البَحْرُ فَماتَ، فَإنَّهُ مُباحُ الأكْلِ عِنْدَهُ.
وَأمّا الَّذِي يَعِيشُ في البَرِّ مِن حَيَوانِ البَحْرِ: كالضَّفادِعِ والسُّلَحْفاةِ والسَّرَطانِ وتُرْسِ الماءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ؛ فَذَهَبَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ إلى أنَّ مَيْتَةَ البَحْرِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ مُباحَةُ الأكْلِ، وسَواءٌ ماتَ بِنَفْسِهِ أوْ وُجِدَ طافِيًا أوْ بِاصْطِيادٍ، أوْ أُخْرِجَ حَيًّا، أوْ أُلْقِيَ في النّارِ، أوْ دُسَّ في طِينٍ.
وَقالَ ابْنُ نافِعٍ، وابْنُ دِينارٍ: مَيْتَةُ البَحْرِ مِمّا يَعِيشُ في البَرِّ نَجِسَةٌ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلًا ثالِثًا بِالفَرْقِ بَيْنَ أنْ يَمُوتَ في الماءِ، فَيَكُونُ طاهِرًا، أوْ في البَرِّ فَيَكُونُ نَجِسًا، وعَزاهُ لِعِيسى، عَنِ ابْنِ القاسِمِ. والضَّفادِعُ البَحْرِيَّةُ عِنْدَ مالِكٍ مُباحَةُ الأكْلِ، وإنْ ماتَتْ فِيهِ.
وَفِي ”المُدَوَّنَةِ“: ولا بَأْسَ بِأكْلِ الضَّفادِعِ وإنْ ماتَتْ؛ لِأنَّها مِن صَيْدِ الماءِ. ا ه.
أمّا مَيْتَةُ الضَّفادِعِ البَرِّيَّةِ فَهي حَرامٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ العُلَماءِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ مَنعُ الضَّفادِعِ مُطْلَقًا ولَوْ ذُكِّيَتْ، لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
أمّا كَلْبُ الماءِ وخِنْزِيرُهُ فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ فِيهِما الكَراهَةُ.
قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“ عاطِفًا عَلى ما يُكْرَهُ، وكَلْبُ ماءٍ وخِنْزِيرُهُ.
وَقالَ الباجِيُّ: أمّا كَلْبُ البَحْرِ وخِنْزِيرُهُ، فَرَوى ابْنُ شَعْبانَ أنَّهُ مَكْرُوهٌ، وقالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقالَ ابْنُ القاسِمِ في ”المُدَوَّنَةِ“: لَمْ يَكُنْ مالِكٌ يُجِيبُنا في خِنْزِيرِ الماءِ بِشَيْءٍ، ويَقُولُ: أنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرًا.
وَقالَ ابْنُ القاسِمِ: وأنا أتَّقِيهِ ولَوْ أكَلَهُ رَجُلٌ لَمْ أرَهُ حَرامًا، هَذا هو حاصِلُ مَذْهَبِ مالِكٍ في المَسْألَةِ، وحُجَّتَهُ في إباحَةِ مَيْتَةِ الحَيَوانِ البَحْرِيِّ كانَ يَعِيشُ في البَرِّ أوْ لا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] ولا طَعامَ لَهُ غَيْرُ صَيْدِهِ إلّا مَيْتَتُهُ، كَما قالَهُ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وهو الحَقُّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ في البَحْرِ: (p-٥١)«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» وقَدْ قَدَّمْنا ثُبُوتَ هَذا الحَدِيثِ وفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ مَيْتَةَ البَحْرِ حَلالٌ، وهو فَصْلٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُفْرَدَ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ كانَ مِن صِيَغِ العُمُومِ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
وَإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى صِيَغِ العُمُومِ: [ الرَّجَزُ ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
؎وَما مُعَرَّفًا بِألْ قَدْ وُجِدا
أوْ بِإضافَةٍ إلى مُعَرَّفٍ إذا تَحَقَّقَ الخُصُوصُ قَدْ نَفى
وَبِهِ نَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ ﷺ ”مَيْتَتُهُ“ يَعُمُّ بِظاهِرِهِ كُلَّ مَيْتَةٍ مِمّا في البَحْرِ.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هَذِهِ المَسْألَةِ هو أنَّ ما لا يَعِيشُ إلّا في البَحْرِ فَمَيْتَتُهُ حَلالٌ بِلا خِلافٍ، سَواءً كانَ طافِيًا عَلى الماءِ أمْ لا.
* *
وَأمّا الَّذِي يَعِيشُ في البَرِّ مِن حَيَوانِ البَحْرِ فَأصَحُّ الأقْوالِ فِيهِ وهو المَنصُوصُ عَنِ الشّافِعِيِّ في ”الأُمِّ“ و ”مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ“، واخْتِلافِ العِراقِيِّينِ: أنَّ مَيْتَتَهُ كُلَّهُ حَلالٌ؛ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنا آنِفًا، ومُقابِلُهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنعُ مَيْتَةِ البَحْرِيِّ الَّذِي يَعِيشُ في البَرِّ مُطْلَقًا.
الثّانِي: التَّفْصِيلُ بَيْنَ ما يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ في البَرِّ، كالبَقَرَةِ والشّاةِ فَتُباحُ مَيْتَةُ البَحْرِيِّ مِنهُ، وبَيْنَ ما لا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ في البَرِّ كالخِنْزِيرِ والكَلْبِ فَتُحْرَمُ مَيْتَةُ البَحْرِيِّ مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّ حُجَّةَ الأوَّلِ أظْهَرُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» وقَوْلِهِ تَعالى: (وطَعامُهُ) كَما تَقَدَّمَ.
وَأمّا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَهو أنْ كُلَّ ما لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ فَمَيْتَتُهُ حَلالٌ، والطّافِي مِنهُ وغَيْرُهُ سَواءٌ، وأمّا ما يَعِيشُ في البَرِّ مِن حَيَوانِ البَحْرِ فَمَيْتَتُهُ عِنْدَهُ حَرامٌ، فَلا بُدَّ مِن ذَكاتِهِ إلّا ما لا دَمَ فِيهِ، كالسَّرَطانِ فَإنَّهُ يُباحُ عِنْدَهُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ، واحْتَجَّ لِعَدَمِ إباحَةِ مَيْتَةِ ما يَعِيشُ في البَرِّ؛ بِأنَّهُ حَيَوانٌ يَعِيشُ في البَرِّ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ فَلَمْ يَبُحْ بِغَيْرِ ذَكاةٍ، كالطَّيْرِ. وحَمَلَ الأدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا عَلى خُصُوصِ ما لا يَعِيشُ إلّا في البَحْرِ. ا ه.
وَكَلْبُ الماءِ عِنْدَهُ إذا ذُكِّيَ حَلالٌ، ولا يُخْفى أنَّ تَخْصِيصَ الأدِلَّةِ العامَّةِ يَحْتاجُ (p-٥٢)إلى نَصٍّ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ أظْهَرُ دَلِيلًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَمَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ كُلَّ ما يَعِيشُ في البَرِّ لا يُؤْكَلُ البَحْرِيُّ مِنهُ أصْلًا؛ لِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ، وأمّا ما لا يَعِيشُ إلّا في البَحْرِ وهو الحُوتُ بِأنْواعِهِ فَمَيْتَتُهُ عِنْدَهُ حَلالٌ، إلّا إذا ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ في البَحْرِ وطَفا عَلى وجْهِ الماءِ، فَإنَّهُ يُكْرَهُ أكْلُهُ عِنْدَهُ، فَما قَتَلَهُ إنْسانٌ، أوْ حَسَرَ عَنْهُ البَحْرُ فَماتَ؛ حَلالٌ عِنْدَهُ، بِخِلافِ الطّافِي عَلى وجْهِ الماءِ، وحُجَّتُهُ فِيما يَعِيشُ في البَرِّ مِنهُ: أنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وحُجَّتُهُ في كَراهَةِ السَّمَكِ الطّافِي ما رَواهُ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سُلَيْمٍ الطّائِفِيُّ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما ألْقى البَحْرُ أوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وما ماتَ فِيهِ وطَفا فَلا تَأْكُلُوهُ» ا ه.
قالَ أبُو داوُدَ: رَوى هَذا الحَدِيثَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأيُّوبُ، وحَمّادٌ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أوْقَفُوهُ عَلى جابِرٍ. وقَدْ أُسْنِدَ هَذا الحَدِيثُ أيْضًا مِن وجْهٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ا ه.
وَأجابَ الجُمْهُورُ عَنِ الِاحْتِجاجِ الأوَّلِ بِأنَّ ألْفاظَ النُّصُوصِ عامَّةٌ في مَيْتَةِ البَحْرِ، وأنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ العامِّ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ، كَما تَقَدَّمَ.
وَمُطْلَقُ ادِّعاءِ أنَّهُ خَبِيثٌ لا يَرُدُّ بِهِ عُمُومَ الأدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ في عُمُومِ مَيْتَةِ البَحْرِ، وعَنِ الِاحْتِجاجِ الثّانِي بِتَضْعِيفِ حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ.
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: وأمّا الجَوابُ عَنْ حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الأوَّلُونَ، فَهو أنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفاقِ الحُفّاظِ، لا يَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ لَوْ لَمْ يُعارِضْهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ وهو مُعارَضٌ بِما ذَكَرْناهُ مِن دَلائِلِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأقاوِيلِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - المُنْتَشِرَةِ ؟
وَهَذا الحَدِيثُ مِن رِوايَةِ يَحْيى بْنُ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ.
قالَ البَيْهَقِيُّ: يَحْيى بْنُ سُلَيْمٍ الطّائِفِيُّ كَثِيرُ الوَهْمِ سَيِّئُ الحِفْظِ، قالَ: وقَدْ رَواهُ (p-٥٣)غَيْرُهُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ مَوْقُوفًا عَلى جابِرٍ قالَ: وقالَ التِّرْمِذِيُّ: سَألْتُ البُخارِيَّ عَنْ هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ: لَيْسَ هو بِمَحْفُوظٍ، ويُرْوى عَنْ جابِرٍ خِلافُهُ قالَ: ولا أعْرِفُ لِأثَرِ ابْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ شَيْئًا.
قالَ البَيْهَقِيُّ: وقَدْ رَواهُ أيْضًا يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا، ويَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ مَتْرُوكٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ، قالَ: ورَواهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا، وعَبْدُ العَزِيزِ ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ، قالَ: ورَواهُ بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا، ولا يُحْتَجُّ بِما يَنْفَرِدُ بِهِ بَقِيَّةُ، فَكَيْفَ بِما يُخالِفُ ؟ قالَ: وقَوْلُ الجَماعَةِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى خِلافِ قَوْلِ جابِرٍ مَعَ ما رَوَيْناهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» ا ه.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ ”مَن كَرِهَ أكْلَ الطّافِي“ ما نَصُّهُ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ الفَقِيهُ، أنْبَأنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ فَيْرُوزَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ الحَسّانِيُّ، حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ”ما ضَرَبَ بِهِ البَحْرُ، أوْ جَزَرَ عَنْهُ، أوْ صِيدَ فِيهِ فَكُلْ، وما ماتَ فِيهِ، ثُمَّ طَفا فَلا تَأْكُلْ“ وبِمَعْناهُ رَواهُ أبُو أيُّوبَ السَّخْتِيانِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وزُهَيْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ مَوْقُوفًا، وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الوَلِيدِ العَدَنِيُّ، وأبُو عاصِمٍ، ومُؤَمَّلُ بْنُ إسْماعِيلَ، وغَيْرُهم عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ مَوْقُوفًا، وخالَفَهم أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ فَرَواهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ مَرْفُوعًا وهو واهِمٌ فِيهِ، أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ عَبْدانَ، أنْبَأ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ إسْحاقَ الأصْبَهانِيُّ، حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا طَفا السَّمَكُ عَلى الماءِ فَلا تَأْكُلْهُ، وإذا جَزَرَ عَنْهُ البَحْرُ فَكُلْهُ، وما كانَ عَلى حافَّتِهِ فَكُلْهُ» قالَ سُلَيْمانُ: لَمْ يَرْفَعْ هَذا الحَدِيثَ عَنْ سُفْيانَ إلّا أبُو أحْمَدَ، ثُمَّ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَدِيثَ أبِي داوُدَ الَّذِي قَدَّمْنا، والكَلامُ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ النَّوَوِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ - فَتَحَصَّلَ: أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِ السَّمَكِ الطّافِي ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى تَضْعِيفِهِ وعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ. وحَكى النَّوَوِيُّ اتِّفاقَ الحُفّاظِ عَلى ضَعْفِهِ كَما قَدَّمْنا عَنْهُ، وحَكَمُوا بِأنَّ وقْفَهُ عَلى جابِرٍ أثْبَتُ. وإذَنْ فَهو قَوْلُ صَحابِيٍّ مُعارَضٌ بِأقْوالِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٥٤)وَبِالآيَةِ والحَدِيثِ المُتَقَدِّمَيْنِ. وقَدْ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ أنَّ صِناعَةَ عِلْمِ الحَدِيثِ والأُصُولِ لا تَقْتَضِي الحُكْمَ بَرَدِّ حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ رَفْعَهُ جاءَ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وبَعْضِها صَحِيحٌ، فَرِوايَةُ أبِي داوُدَ لَهُ مَرْفُوعًا الَّتِي قَدَّمْنا ضَعَّفُوها بِأنَّ في إسْنادِها يَحْيى بْنَ سُلَيْمٍ الطّائِفِيَّ، وأنَّهُ سَيِّئُ الحِفْظِ.
وَقَدْ رَواهُ غَيْرُهُ مَرْفُوعًا مَعَ أنَّ يَحْيى بْنَ سُلَيْمٍ المَذْكُورَ مِن رِجالِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ في ”صَحِيحَيْهِما“، ورِوايَةُ أبِي أحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ لَهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ مَرْفُوعًا عِنْدَ البَيْهَقِيِّ والدّارْقُطْنِيِّ، ضَعَّفُوها بِأنَّهُ واهِمٌ فِيها، قالُوا: خالَفَهُ فِيها وكِيعٌ وغَيْرُهُ، فَرَوَوْهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ مَوْقُوفًا.
وَمَعْلُومٌ أنَّ أبا أحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ المَذْكُورَ وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ دِرْهَمٍ الأسْدِيُّ ثِقَةٌ ثَبَتٌ، وإنْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: إنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ في حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ فَهاتانِ الرِّوايَتانِ بِرَفْعِهِ تُعَضِّدانِ بِرِوايَةِ بَقِيَّةِ بْنِ الوَلِيدِ لَهُ مَرْفُوعًا عِنْدَ البَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِ، وبَقِيَّةُ المَذْكُورُ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ وإنْ تَكَلَّمَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ. ويَعْتَضِدُ ذَلِكَ أيْضًا بِرِوايَةِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لَهُ، عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا.
وَرِوايَةُ يَحْيى بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ لَهُ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا، وإنْ كانَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ويَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ المَذْكُورانِ ضَعِيفَيْنِ؛ لِاعْتِضادِ رِوايَتِهِما بِرِوايَةِ الثِّقَةِ، ويَعْتَضِدُ ذَلِكَ أيْضًا بِرِوايَةِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ لَهُ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْكُمَ عَلى حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ بِأنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ؛ لِما رَأيْتَ مِن طُرُقِ الرَّفْعِ الَّتِي رُوِيَ بِها وبَعْضِها صَحِيحٌ، كَرِوايَةِ أبِي أحْمَدَ المَذْكُورَةِ، والرَّفْعُ زِيادَةٌ، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ.
قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزِيدَ اللَّفْظُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ
إلَخْ. . . نَعَمْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هو مُعارَضٌ بِما هو أقْوى مِنهُ؛ لِأنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾، وقَوْلِهِ ﷺ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أقْوى مِن حَدِيثِ جابِرٍ هَذا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ اعْتِضادُهُ بِالقِياسِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ في القِياسِ بَيْنَ الطّافِي وغَيْرِهِ. وقَدْ يُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ، (p-٥٥)وَحَدِيثُ جابِرٍ في خُصُوصِ الطّافِي فَهو مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ أدِلَّةِ الإباحَةِ.
فالدَّلِيلُ عَلى كَراهَةِ أكْلِ السَّمَكِ الطّافِي لا يَخْلُو مِن بَعْضِ قُوَّةٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والمُرادُ بِالسَّمَكِ الطّافِي هو الَّذِي يَمُوتُ في البَحْرِ، فَيَطْفُو عَلى وجْهِ الماءِ وكُلُّ ما عَلا عَلى وجْهِ الماءِ، ولَمْ يَرْسُبْ فِيهِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ طافِيًا. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [ الوافِرُ ]
؎وَأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ
وَيُحْكى في نَوادِرِ المَجانِينِ أنَّ مَجْنُونًا مَرَّ بِهِ جَماعَةٌ مِن بَنِي راسِبٍ، وجَماعَةٌ مِن بَنِي طُفاوَةَ يَخْتَصِمُونَ في غُلامٍ، فَقالَ لَهُمُ المَجْنُونُ: ألْقُوا الغُلامَ في البَحْرِ فَإنْ رَسَبَ فِيهِ فَهو مِن بَنِي راسِبٍ، وإنْ طَفا عَلى وجْهِهِ فَهو مِن بَنِي طُفاوَةَ.
وَقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] . قالَ عُمَرُ: صَيْدُهُ ما اصْطِيدَ، وطَعامُهُ ما رَمى بِهِ.
وَقالَ أبُو بَكْرٍ: الطّافِي حَلالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ إلّا ما قَذُرَتْ مِنها، والجَرِّيُّ لا تَأْكُلُهُ اليَهُودُ ونَحْنُ نَأْكُلُهُ.
وَقالَ شُرَيْحٌ صاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ: كُلُّ شَيْءٍ في البَحْرِ مَذْبُوحٌ، وقالَ عَطاءٌ: أمّا الطَّيْرُ فَأرى أنْ نَذْبَحَهُ.
وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: صَيْدُ الأنْهارِ وقِلاتُ السَّيْلِ أصَيْدُ بَحْرٍ هو ؟ قالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلا: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] ورَكِبَ الحَسَنُ عَلى سَرْجٍ مِن جُلُودِ كِلابِ الماءِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أنَّ أهْلِي أكَلُوا الضَّفادِعَ لَأطْعَمْتُهم. ولَمْ يَرَ الحَسَنُ بِالسُّلَحْفاةِ بَأْسًا.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلْ مِن صَيْدِ البَحْرِ نَصْرانِيٍّ أوْ يَهُودِيٍّ أوْ مَجُوسِيٍّ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ في المُرِيِّ: ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينانُ والشَّمْسُ. انْتَهى مِنَ البُخارِيِّ بِلَفْظِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ البُخارِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ إلّا ما كانَ صَحِيحًا ثابِتًا عِنْدَهُ.
وَقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ المُعَلَّقاتِ الَّتِي ذَكَرَها البُخارِيُّ ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ: قالَ عُمَرُ - هو ابْنُ الخَطّابِ - ”صَيْدُهُ“ ما اصْطِيدَ، و ”طَعامُهُ“ ما رَمى بِهِ. وصَلَهُ المُصَنِّفُ في ”التّارِيخِ“ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ (p-٥٦)عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا قَدِمْتُ البَحْرَيْنِ سَألَنِي أهْلُها عَمّا قَذَفَ البَحْرُ ؟ فَأمَرْتُهم أنْ يَأْكُلُوهُ، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى عُمَرَ فَذَكَرَ قِصَّةً قالَ: فَقالَ عُمَرُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] فَصَيْدُهُ: ما صِيدَ، وطَعامُهُ: ما قَذَفَ بِهِ. قَوْلُهُ: وقالَ أبُو بَكْرٍ - هو الصَّدِّيقُ -: الطّافِي حَلالٌ، وصَلَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّحاوِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ مِن رِوايَةِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي بَشِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: السَّمَكَةُ الطّافِيَةُ حَلالٌ. زادَ الطَّحاوِيُّ: لِمَن أرادَ أكْلَهُ، وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وكَذا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرِيُّ مِنها. وفي بَعْضِها أشْهَدُ عَلى أبِي بَكْرٍ أنَّهُ أكَلَ السَّمَكَ الطّافِي عَلى الماءِ، ولِلدّارَقُطْنِيِّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ: أنَّ اللَّهَ ذَبَحَ لَكم ما في البَحْرِ فَكُلُوهُ كُلُّهُ فَإنَّهُ ذَكِيٌّ.
قَوْلُهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ إلّا ما قَذِرْتَ مِنها، وصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾، قالَ طَعامُهُ: مَيْتَتُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ صَيْدَ البَحْرِ: لا تَأْكُلْ مِنهُ طافِيًا، في سَنَدِهِ الأجْلَحُ وهو لَيِّنٌ، ويُوَهِّنُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ الماضِي قَبْلَهُ، قَوْلُهُ: والجَرِّيُّ لا تَأْكُلُهُ اليَهُودُ ونَحْنُ نَأْكُلُهُ، وصَلَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَرِّيِّ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، إنَّما هو شَيْءٌ كَرِهَتْهُ اليَهُودُ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ وكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهِ، وقالَ في رِوايَتِهِ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الجَرِّيِّ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ؛ إنَّما تُحَرِّمُهُ اليَهُودُ ونَحْنُ نَأْكُلُهُ، وهَذا عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وأخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ وطائِفَةٍ نَحْوَهُ. والجَرِّيُّ بِفَتْحِ الجِيمِ قالَ ابْنُ التِّينِ: وفي نُسْخَةٍ بِالكَسْرِ، وهو ضَبْطُ الصِّحاحِ، وكَسْرُ الرّاءِ الثَّقِيلَةِ قالَ: ويُقالُ لَهُ أيْضًا: الجَرِّيتُ وهو ما لا قِشْرَ لَهُ.
وَقالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ: إنَّما أكْرَهُهُ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ مِنَ المَمْسُوخِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الجَرِّيتُ نَوْعٌ مِنَ السَّمَكِ يُشْبِهُ الحَيّاتِ. وقِيلَ: سَمَكٌ لا قِشْرَ لَهُ، ويُقالُ لَهُ أيْضًا: المَرْماهِيُّ، والسَّلُّورُ مِثْلُهُ. وقالَ الخَطّابِيُّ: هو ضَرْبٌ مِنَ السَّمَكِ يُشْبِهُ الحَيّاتِ، وقالَ غَيْرُهُ: نَوْعٌ عَرِيضُ الوَسَطِ، دَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ. قَوْلُهُ: وقالَ شُرَيْحٌ صاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ: كُلُّ شَيْءٍ في البَحْرِ مَذْبُوحٌ، وقالَ عَطاءٌ: أمّا الطَّيْرُ فَأرى أنْ تَذْبَحَهُ، وصَلَهُ المُصَنِّفُ في ”التّارِيخِ“ وابْنُ مَندَهْ في (p-٥٧)”المَعْرِفَةِ“ مِن رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وأبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُما سَمِعا شُرَيْحًا صاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ في البَحْرِ مَذْبُوحٌ. قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ. فَقالَ: أمّا الطَّيْرُ فَأرى أنْ تَذْبَحَهُ، وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في ”الصَّحابَةِ“ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ شُرَيْحٍ، والمَوْقُوفُ أصَحُّ.
وَأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي عاصِمٍ في الأطْعِمَةِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، سَمِعْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما في البَحْرِ دابَّةٌ إلّا قَدْ ذَبَحَها اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ، وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ رَفَعَهُ: «أنَّ اللَّهَ قَدْ ذَبَحَ كُلَّ ما في البَحْرِ لِبَنِي آدَمَ» وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ نَحْوَهُ، وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أيْضًا، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ بِسَنَدَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ: الحُوتُ ذَكِيٌّ كُلُّهُ، قَوْلُهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: صَيْدُ الأنْهارِ وقِلاتُ السَّيْلِ أصَيْدُ بَحْرٍ هو ؟ قالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلا: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]، وصَلَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”التَّفْسِيرِ“ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذا سَواءٌ، وأخْرَجَهُ الفاكِهِيُّ في كِتابِ ”مَكَّةَ“ مِن رِوايَةِ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ أبِي رَوّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أتَمَّ مِن هَذا، وفِيهِ: وسَألْتُهُ عَنْ حِيتانِ بِرْكَةِ القُشَيْرِيِّ - وهي بِئْرٌ عَظِيمَةٌ في الحَرَمِ - أتُصادُ ؟ قالَ: نَعَمْ، وسَألْتُهُ عَنِ ابْنِ الماءِ وأشْباهِهِ أصَيْدُ بَحْرٍ أمْ صَيْدُ بَرٍّ ؟ فَقالَ: حَيْثُ يَكُونُ أكْثَرَ فَهو صَيْدٌ.
وَقِلاتٌ: بِكَسْرِ القافِ وتَخْفِيفِ اللّامِ وآخِرُهُ مُثَنّاةٌ، ووَقَعَ في رِوايَةِ الأصِيلِيِّ مُثَلَّثَةٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ: جَمْعُ قَلْتٍ بِفَتْحِ أوَّلِهِ مِثْلَ: بَحْرٌ وبِحارٌ، وهو النَّقْرَةُ في الصَّخْرَةِ، يُسْتَنْقَعُ فِيها الماءُ. قَوْلُهُ: ورَكِبَ الحَسَنُ عَلى سَرْجٍ مِن جُلُودِ كِلابِ الماءِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أنَّ أهْلِي أكَلُوا الضَّفادِعَ لَأطْعَمْتُهم، ولَمْ يَرَ الحَسَنُ بِالسُّلَحْفاةِ بَأْسًا. أمّا قَوْلُ الحَسَنِ الأوَّلِ فَقِيلَ إنَّهُ ابْنُ عَلِيٍّ، وقِيلَ: البَصْرِيُّ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلُ أنَّهُ وقَعَ في رِوايَةٍ: ورَكِبَ الحَسَنُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلِهِ: عَلى سَرْجٍ مِن جُلُودٍ، أيْ: مُتَّخَذٍ مِن جُلُودِ كِلابِ الماءِ. وأمّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: فالضَّفادِعُ جَمْعُ ضِفْدَعٍ، بِكَسْرِ أوَّلِهِ وفَتَحِ الدّالِ وبِكَسْرِها أيْضًا، وحُكِيَ ضَمُّ أوَّلِهِ مَعَ فَتْحِ الدّالِ، والضَّفادِي بِغَيْرِ عَيْنٍ لُغَةٌ فِيهِ، قالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُبَيِّنِ الشَّعْبِيُّ هَلْ تُذَكّى أمْ لا ؟ ومَذْهَبُ مالِكٍ أنَّها تُؤْكَلُ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ، ومِنهم مَن فَصَلَ بَيْنَ ما مَأْواهُ الماءُ وغَيْرُهُ، وعَنِ الحَنَفِيَّةِ ورِوايَةٌ عَنِ الشّافِعِيِّ: لا بُدَّ مِنَ التَّذْكِيَةِ.
* *
(p-٥٨)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مَيْتَةُ الضَّفادِعِ البَرِّيَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في نَجاسَتِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهي لَيْسَتْ مِن حَيَوانِ البَحْرِ؛ لِأنَّها بَرِّيَّةٌ، كَما صَرَّحَ عَبْدُ الحَقِّ بِأنَّ مَيْتَتَها نَجِسَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ الحَطّابُ والمَوّاقُ وغَيْرُهُما في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ: والبَحْرِيُّ ولَوْ طالَتْ حَياتُهُ بِبَرٍّ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ السّابِقِ: وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ في السُّلَحْفاةِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ ابْنِ طاوُسَ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ كانَ لا يَرى بِأكْلِ السُّلَحْفاةِ بَأْسًا، ومِن طَرِيقِ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا بَأْسَ بِأكْلِها، والسُّلَحْفاةُ بِضَمِّ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المُهْمَلَةِ بَعْدَها فاءٌ ثُمَّ ألِفٌ ثُمَّ هاءٌ، ويَجُوزُ بَدَلُ الهاءِ هَمْزَةً حَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ، وهي رِوايَةُ عَبْدُوسٍ.
وَحُكِيَ أيْضًا في المُحْكَمِ: بِسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ الحاءِ.
وَحُكِيَ أيْضًا: سُلَحْفِيَةٌ كالأوَّلِ لَكِنْ بِكَسْرِ الفاءِ بَعْدَها تَحْتانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ.
قَوْلُهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلْ مِن صَيْدِ البَحْرِ نَصْرانِيٌّ أوْ يَهُودِيٌّ أوْ مَجُوسِيٌّ.
قالَ الكِرْمانِيُّ: كَذا في النُّسَخِ القَدِيمَةِ وفي بَعْضِها ”ما صادَهُ“ قَبْلَ لَفْظِ ”نَصْرانِيٌّ“ . قُلْتُ: وهَذا التَّعْلِيقُ وصَلَهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: كُلْ ما ألْقى البَحْرُ وما صِيدَ مِنهُ؛ صادَهُ يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ أوْ مَجُوسِيٌّ.
قالَ ابْنُ التِّينِ: مَفْهُومُهُ أنَّ صَيْدَ البَحْرِ لا يُؤْكَلُ إنْ صادَهُ غَيْرُ هَؤُلاءِ وهو كَذَلِكَ عِنْدَ قَوْمٍ.
وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطاءٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِسَنَدٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ كَراهِيَةَ صَيْدِ المَجُوسِيِّ السَّمَكَ. انْتَهى مِن ”فَتْحِ البارِي“ بِلَفْظِهِ.
وَقَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ: في المُرْيِ ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينانُ والشَّمْسُ في لَفْظِهِ أنَّ ذَبَحَ فِعْلٌ ماضٍ، والخَمْرَ مَفْعُولٌ بِهِ، والنِّينانُ فاعِلُ ذَبَحَ، والشَّمْسُ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلى الفاعِلِ الَّذِي هو النِّينانُ، وهي جَمْعُ نُونٍ وهو: الحُوتُ والمُرْيُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها تَحْتانِيَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ، خِلافًا لِصاحِبِ ”الصِّحاحِ“ و ”النِّهايَةِ“ فَقَدْ ضَبَطاهُ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ نِسْبَةً إلى المُرِّ وهو الطَّعْمُ المَشْهُورُ، والمُرْيُ المَذْكُورُ طَعامٌ كانَ يُعْمَلُ بِالشّامِ، يُؤْخَذُ الخَمْرُ فَيُجْعَلُ فِيهِ المِلْحُ والسَّمَكُ، ويُوضَعُ في (p-٥٩)الشَّمْسِ فَيَتَغَيَّرُ عَنْ طَعْمِ الخَمْرِ ويَصِيرُ خَلًّا، وتَغْيِيرُ الحُوتِ والمِلْحِ والشَّمْسِ لَهُ عَنْ طَعْمِ الخَمْرِ إزالَةُ الإسْكارِ عَنْهُ، هو مُرادُ أبِي الدَّرْداءِ بِذَبْحِ الحِيتانِ والشَّمْسِ لَهُ، فاسْتَعارَ الذَّبْحَ لِإذْهابِ الشِّدَّةِ المُطْرِبَةِ الَّتِي بِها الإسْكارُ، وأثَرُ أبِي الدَّرْداءِ هَذا وصَلَهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ في غَرِيبِ الحَدِيثِ لَهُ، مِن طَرِيقِ أبِي الزّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، فَذَكَرَهُ سَواءً.
وَكانَ أبُو الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرى إباحَةَ تَخْلِيلِ الخَمْرِ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يَرَوْنَ مَنعَ تَخْلِيلِها، فَإنْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِها مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ لَها في ذَلِكَ فَهي حَلالٌ إجْماعًا، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: وكانَ أبُو الدَّرْداءِ وجَماعَةٌ يَأْكُلُونَ هَذا المُرْيَ المَعْمُولَ بِالخَمْرِ. وأدْخَلَهُ البُخارِيُّ في طَهارَةِ صَيْدِ البَحْرِ، يُرِيدُ أنَّ السَّمَكَ طاهِرٌ حَلالٌ، وأنَّ طَهارَتَهُ وحِلَّهُ يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ كالمِلْحِ حَتّى يَصِيرَ الحَرامُ النَّجِسُ بِإضافَتِها إلَيْهِ طاهِرًا حَلالًا، وهَذا رَأْيُ مَن يُجَوِّزُ تَخْلِيلَ الخَمْرِ وهو قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ وجَماعَةٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ مَنعُ أكْلِ الضَّفادِعِ مُطْلَقًا؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ: «أنَّ طَبِيبًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُها في دَواءٍ فَنَهاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِها» .
وَقالَ النَّسائِيُّ في ”سُنَنِهِ“: أخْبَرَنا قُتَيْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ، «أنَّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضِفْدَعًا في دَواءٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ» .
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وأمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ فَرَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، والنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن رِوايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الصَّحابِيِّ وهو ابْنُ أخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَ: «سَألَ طَبِيبٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُها في دَواءٍ فَنَهاهُ عَنْ قَتْلِها»، وسَيَأْتِي لِتَحْرِيمِ أكْلِ الضِّفْدَعِ زِيادَةُ بَيانٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] .
وَما ذَكَرْنا مِن تَحْرِيمِ الضِّفْدَعِ مُطْلَقًا قالَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، ونَقَلَ العَبْدَرِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ (p-٦٠)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ جَمِيعَ مَيْتاتِ البَحْرِ كُلَّها حَلالٌ إلّا الضِّفْدَعَ، قالَهُ النَّوَوِيُّ.
وَنُقِلَ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يَدُلُّ عَلى أنَّ التِّمْساحَ لا يُؤْكَلُ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: لا بَأْسَ بِهِ لِمَنِ اشْتَهاهُ.
وَقالَ ابْنُ حامِدٍ: لا يُؤْكَلُ التِّمْساحُ ولا الكَوْسَجُ؛ لِأنَّهُما يَأْكُلانِ النّاسَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّهُ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ سِباعَ البَحْرِ كَما يَكْرَهُونَ سِباعَ البَرِّ، وذَلِكَ «لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ» .
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ النَّجّادُ: ما حَرُمَ نَظِيرُهُ في البَرِّ فَهو حَرامٌ في البَحْرِ كَكَلْبِ الماءِ وخِنْزِيرِهِ وإنْسانِهِ، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ إلّا في الكَلْبِ؛ فَإنَّهُ يَرى إباحَةَ كَلْبِ البَرِّ والبَحْرِ قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ ومَنَعَ بَعْضُ العُلَماءِ أكْلَ السُّلَحْفاةِ البَحْرِيَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ
الدَّمُ أصْلُهُ دَمِيَ، يائِيُّ اللّامِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي حَذَفَتِ العَرَبُ لامَها، ولَمْ تُعَوِّضْ عَنْها شَيْئًا، وأعْرَبَتْها عَلى العَيْنِ، ولامُهُ تَرْجِعُ عِنْدَ التَّصْغِيرِ، فَتَقُولُ: دُمَيٌّ بِإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ في ياءِ لامِ الكَلِمَةِ، وتَرْجِعُ أيْضًا في جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فالهَمْزَةُ في الدِّماءِ مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، ورُبَّما ثَبَتَتْ أيْضًا في التَّثْنِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ الرِّياحِيِّ: [ الوافِرِ ]
؎وَلَوْ أنّا عَلى حَجَرٍ ذَبَحْنا جَرى الدَّمَيانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ
وَكَذَلِكَ تَثْبُتُ لامُهُ في الماضِي والمُضارِعِ، والوَصْفِ في حالَةِ الِاشْتِقاقِ مِنهُ فَتَقُولُ: في الماضِي دَمِيَتْ يَدُهُ كَرَضِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: [ الرَّجَزِ ]
؎هَلْ أنْتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
وَتَقُولُ في المُضارِعِ: يَدْمى بِإبْدالِ الياءِ ألِفًا كَما في يَرْضى، ويَسْعى، ويَخْشى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَلَسْنا عَلى الأعْقابِ تَدْمى كُلُومُنا ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى أقْدامِنا تَقْطُرُ الدَّما
وَتَقُولُ في الوَصْفِ: أصْبَحَ جُرْحُهُ دامِيًا، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: [ الرّاجِزِ ]
؎نَرُدُّ أُولاها عَلى أُخْراها ∗∗∗ نَرُدُّها دامِيَةً كُلاها
(p-٦١)والتَّحْقِيقُ أنَّ لامَهُ أصْلُها ياءٌ، وقِيلَ أصْلُها: واوٌ وإنَّما أُبْدِلَتْ ياءً في الماضِي؛ لِتَطَرُّفِها بَعْدَ الكَسْرِ كَما في قَوِيَ، ورَضِيَ، وشَجِيَ، الَّتِي هي واوِيّاتُ اللّامِ في الأصْلِ؛ لِأنَّها مِنَ الرِّضْوانِ، والقُوَّةِ، والشَّجْوِ.
وَقالَ بَعْضُهُمُ: الأصْلُ فِيهِ دَمى بِفَتْحِ المِيمِ، وقِيلَ: بِإسْكانِها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ اضْطِرارِهِ، ولَمْ يُبَيِّنِ المُرادَ بِالباغِي والعادِي، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ سَبَبَ الِاضْطِرارِ المَذْكُورَ المَخْمَصَةُ، وهي الجُوعُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] وأشارَ إلى أنَّ المُرادَ بِالباغِي والعادِي المُتَجانِفُ لِلْإثْمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ . والمُتَجانِفُ: المائِلُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: [ الطَّوِيلِ ]
؎تَجانَفُ عَنْ حَجَرِ اليَمامَةِ ناقَتِي ∗∗∗ وما قَصَدَتْ مِن أهْلِها لِسِوائِكا
فَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الباغِي والعادِي كِلاهُما مُتَجانِفٌ لِإثْمٍ، وهَذا غايَةُ ما يُفْهَمُ مِنها.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الإثْمُ الَّذِي تَجانَفَ إلَيْهِ الباغِي: هو الخُرُوجُ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ البَغْيِ عَلى مُخالَفَةِ الإمامِ، والإثْمُ الَّذِي تَجانَفَ إلَيْهِ العادِي: هو إخافَةُ الطَّرِيقِ وقَطْعُها عَلى المُسْلِمِينَ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ كُلُّ سَفَرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. ا ه.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إثْمُ الباغِي والعادِي أكْلُهُما المُحَرَّمَ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ فَهو كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَجُوزُ لِقاطِعِ الطَّرِيقِ والخارِجِ عَلى الإمامِ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ، وإنْ خافا الهَلاكَ ما لَمْ يَتُوبا، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ لَهُما لِقاطِعِ الطَّرِيقِ والخارِجِ عَلى الإمامِ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ، وإنْ خافا الهَلاكَ ما لَمْ يَتُوبا، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ لَهُما أكْلُ المَيْتَةِ إنْ خافا الهَلاكَ، وإنْ لَمْ يَتُوبا.
وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ وعِكْرِمَةَ أنَّ المَعْنى ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ ﴿وَلا عادٍ﴾، بِأنْ يَجِدَ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَندُوحَةً ويَأْكُلُها.
وَنَقَلَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في أكْلِها شَهْوَةً وتَلَذُّذًا (ولا عادٍ) (p-٦٢)بِاسْتِيفاءِ الأكْلِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما: المَعْنى ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ، (ولا عادٍ) عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والعادِي قُطّاعُ الطَّرِيقِ، والخارِجُ عَلى السُّلْطانِ، والمُسافِرُ في قَطْعِ الرَّحِمِ، والغارَةُ عَلى المُسْلِمِينَ، وما شاكَلَهُ، وهَذا صَحِيحٌ؛ فَإنَّ أصْلَ البَغْيِ في اللُّغَةِ قَصْدُ الفَسادِ، يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا فَجَرَتْ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] ورُبَّما اسْتُعْمِلَ البَغْيُ في طَلَبِ غَيْرِ الفَسادِ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ الرَّجُلُ في بِغاءِ إبِلٍ لَهُ؛ أيْ: في طَلَبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ مُرَفَّلِ الكامِلِ ]
؎لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغا ءِ ∗∗∗ الخَيْرِ تَعْقادُ الرَّتائِمْ ∗∗∗ إنَّ الأشائِمَ كالأيا ∗∗∗ مِنِ والأيامِنَ كالأشائِمْ
وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ المُرادَ بِالِاضْطِرارِ في هَذِهِ الآيَةِ: الإكْراهُ عَلى أكْلِ المُحَرَّمِ، كالرَّجُلِ يَأْخُذُهُ العَدُوُّ، فَيُكْرِهُونَهُ عَلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ وغَيْرِهِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ المَخْمَصَةُ الَّتِي هي الجُوعُ كَما ذَكَرْنا.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ آيَةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]، مُبَيِّنَةٌ لِذَلِكَ، وحُكْمُ الإكْراهِ عَلى أكْلِ ما ذُكِرَ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] بِطَرِيقِ الأوْلى، وحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالِاضْطِرارِ إلى أكْلِ المَيْتَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُضْطَرَّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِنَ المَيْتَةِ ما يَسُدُّ رَمَقَهُ ويُمْسِكُ حَبّاتِهِ، وأجْمَعُوا أيْضًا عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ما زادَ عَلى الشِّبَعِ، واخْتَلَفُوا في نَفْسِ الشِّبَعِ هَلْ لَهُ أنْ يَشْبَعَ مِنَ المَيْتَةِ أوْ لَيْسَ لَهُ مُجاوَزَةُ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ، ويَأْمَنُ مَعَهُ المَوْتَ.
(p-٦٣)فَذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - إلى أنَّ لَهُ أنْ يَشْبَعَ مِنَ المَيْتَةِ، ويَتَزَوَّدَ مِنها، قالَ في ”مُوَطَّئِهِ“: إنَّ أحَسَنَ ما سُمِعَ في الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ، أنَّهُ يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدُ مِنها، فَإنْ وجَدَ عَنْها غِنًى طَرَحَها.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: حُجَّةُ مالِكٍ أنَّ المُضْطَرَّ لَيْسَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ المَيْتَةُ، فَإذا كانَتْ حَلالًا لَهُ أكَلَ مِنها ما شاءَ حَتّى يَجِدَ غَيْرَها فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ، وذَهَبَ ابْنُ الماجِشُونِ، وابْنُ حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ إلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِنها إلّا قَدْرَ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ ويُمْسِكُ الحَياةَ، وحُجَّتُهُما: أنَّ المَيْتَةَ لا تُباحُ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وإذا حَصَلَ سَدُّ الرَّمَقِ انْتَفَتِ الضَّرُورَةُ في الزّائِدِ عَلى ذَلِكَ.
وَعَلى قَوْلِهِما دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“ حَيْثُ قالَ: ولِلضَّرُورَةِ ما يَسُدُّ غَيْرُ آدَمِيٍّ.
وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ومَحَلٌّ هَذا الخِلافِ بَيْنَ المالِكِيَّةِ فِيما إذا كانَتِ المَخْمَصَةُ نادِرَةً، وأمّا إذا كانَتْ دائِمَةً فَلا خِلافَ في جَوازِ الشِّبَعِ مِنها.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَنِ المالِكِيَّةِ، وحُجَّتُهُما في القَوْلَيْنِ كَحُجَّةِ المالِكِيَّةِ فِيهِما، وقَدْ بَيَّنّاها. والقَوْلانِ المَذْكُورانِ مَشْهُورانِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ.
واخْتارَ المُزَنِيُّ أنَّهُ لا يُجاوِزُ سَدَّ الرَّمَقِ، ورَجَّحَهُ القَفّالُ وكَثِيرُونَ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ في الإفْصاحِ، والرُّويانِيُّ وغَيْرُهُما حِلَّ الشِّبَعِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ أيْضًا.
وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ لِلشّافِعِيَّةِ وهو: أنَّهُ إنْ كانَ بَعِيدًا مِنَ العُمْرانِ حَلَّ الشِّبَعُ وإلّا فَلا، وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، والغَزالِيُّ تَفْصِيلًا في المَسْألَةِ، وهو: أنَّهُ إنْ كانَ في بادِيَةٍ وخافَ إنْ تَرَكَ الشِّبَعَ ألّا يَقْطَعَها ويَهْلَكَ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ يَشْبَعُ، وإنْ كانَ في بَلَدٍ وتَوَقَّعَ طَعامًا طاهِرًا قَبْلَ عَوْدِ الضَّرُورَةِ وجَبَ القَطْعُ بِالِاقْتِصارِ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ، وإنْ كانَ لا يَظْهَرُ حُصُولُ طَعامٍ طاهِرٍ وأمْكَنَ الحاجَةُ إلى العَوْدِ إلى أكْلِ المَيْتَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إنْ لَمْ يَجِدِ الطّاهِرَ، فَهَذا مَحَلُّ الخِلافِ.
قالَ النَّوَوِيُّ: وهَذا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ والغَزالِيُّ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وهو الرّاجِحُ، وعَنِ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هَذِهِ المَسْألَةِ رِوايَتانِ أيْضًا.
(p-٦٤)قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وفي الشِّبَعِ رِوايَتانِ: أظْهَرُهُما: لا يُباحُ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، وأحَدِ القَوْلَيْنِ لِلشّافِعِيِّ.
قالَ الحَسَنُ: يَأْكُلُ قَدْرَ ما يُقِيمُهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، واسْتَثْنى ما اضْطُرَّ إلَيْهِ فَإذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الأكْلُ كَحالَةِ الِابْتِداءِ. ولِأنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الأكْلُ لِلْآيَةِ. يُحَقِّقُهُ: أنَّهُ بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ كَهو قَبْلَ أنْ يَضْطَرَّ، وثَمَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الأكْلُ كَذا هاهُنا.
والثّانِيَةُ: يُباحُ لَهُ الشِّبَعُ. اخْتارَها أبُو بَكْرٍ؛ لِما رَوى جابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «أنَّ رَجُلًا نَزَلَ الحَرَّةَ، فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ ناقَةٌ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: أسْلُخُها حَتّى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها ونَأْكُلَهُ. فَقالَ: حَتّى أسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَهُ فَقالَ: ”هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ“ ؟ قالَ: لا. قالَ: ”فَكُلُوها“»، ولَمْ يُفَرِّقْ رَواهُ أبُو داوُدَ.
وَيَدُلُّ لَهُ أيْضًا حَدِيثُ الفُجَيْعِ العامِرِيِّ عِنْدَهُ: أنَّ النَّبِيَّ أذِنَ لَهُ في المَيْتَةِ مَعَ أنَّهُ يَغْتَبِقُ ويَصْطَبِحُ، فَدَلَّ عَلى أخْذِ النَّفْسِ حاجَتَها مِنَ القُوتِ مِنها؛ ولِأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنهُ جازَ الشِّبَعُ مِنهُ كالمُباحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ما إذا كانَتِ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً، وبَيْنَ ما إذا كانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوالِ، فَما كانَتْ مُسْتَمِرَّةً كَحالَةِ الأعْرابِيِّ الَّذِي سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جازَ الشِّبَعُ؛ لِأنَّهُ إذا اقْتَصَرَ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ عادَتِ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ، ولا يَتَمَكَّنُ مِنَ البُعْدِ عَنِ المَيْتَةِ مَخافَةَ الضَّرُورَةِ المُسْتَقْبِلَةِ ويُفْضِي إلى ضَعْفِ بَدَنِهِ، ورُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى تَلَفِهِ، بِخِلافِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً، فَإنَّهُ يَرْجُو الغِنى عَنْها بِما يَحِلُّ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِنَ المَعْنى بِلَفْظِهِ.
وَقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: ولَيْسَ مَعْنى الشِّبَعِ أنْ يَمْتَلِئَ حَتّى لا يَجِدَ مُساغًا، ولَكِنْ إذا انْكَسَرَتْ سَوْرَةُ الجُوعِ بِحَيْثُ لا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ جائِعٍ أمْسَكَ. ا ه. قالَهُ النَّوَوِيُّ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَدُّ الِاضْطِرارِ المُبِيحِ لِأكْلِ المَيْتَةِ، وهو الخَوْفُ مِنَ الهَلاكِ عِلْمًا أوْ ظَنًّا.
قالَ الزُّرْقانِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ مالِكٍ في ”المُوَطَّأِ“ فِيمَن يُضْطَرُّ إلى أكْلِ المَيْتَةِ ا ه.
وَحَدُّ الِاضْطِرارِ أنْ يَخافَ عَلى نَفْسِهِ الهَلاكَ عِلْمًا أوْ ظَنًّا، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَصِيرَ إلى حالٍ يُشْرِفُ مَعَها عَلى المَوْتِ، فَإنَّ الأكْلَ عِنْدَ ذَلِكَ يُفِيدُ.
(p-٦٥)وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: الثّانِيَةُ في حَدِّ الضَّرُورَةِ.
قالَ أصْحابُنا: لا خِلافَ أنَّ الجُوعَ القَوِيَّ لا يَكْفِي لِتَناوُلِ المَيْتَةِ ونَحْوِها، قالُوا: ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجِبُ الِامْتِناعُ إلى الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ؛ فَإنَّ الأكْلَ حِينَئِذٍ لا يَنْفَعُ، ولَوِ انْتَهى إلى تِلْكَ الحالِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أكْلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، واتَّفَقُوا عَلى جَوازِ الأكْلِ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ مِن جُوعٍ أوْ ضَعْفٍ عَنِ المَشْيِ أوْ عَنِ الرُّكُوبِ، ويَنْقَطِعُ عَنْ رُفْقَتِهِ ويَضِيعُ ونَحْوُ ذَلِكَ.
فَلَوْ خافَ حُدُوثَ مَرَضٍ مُخَوِّفٍ في جِنْسِهِ فَهو كَخَوْفِ المَوْتِ، وإنْ خافَ طُولَ المَرَضِ فَكَذَلِكَ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُما قَوْلانِ، ولَوْ عِيلَ صَبْرُهُ، وأجْهَدَهُ الجُوعُ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ المَيْتَةُ ونَحْوُها أمْ لا يَحِلُّ حَتّى يَصِلَ إلى أدْنى الرَّمَقِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ، أصَحُّهُما: الحِلُّ.
قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهُ: ولا يُشْتَرَطُ فِيما يَخافُهُ تَيَقُّنُ وُقُوعِهِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ، بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إذا ثَبَتَ هَذا فَإنَّ الضَّرُورَةَ المُبِيحَةَ هي الَّتِي يَخافُ التَّلَفَ بِها إنْ تَرَكَ الأكْلَ، قالَ أحْمَدُ: إذا كانَ يَخْشى عَلى نَفْسِهِ سَواءً كانَ مِنَ الجُوعِ أوْ يَخافُ إنْ تَرَكَ الأكْلَ عَجَزَ عَنِ المَشْيِ، وانْقَطَعَ عَنِ الرُّفْقَةِ فَهَلَكَ، أوْ يَعْجِزُ عَنِ الرُّكُوبِ فَيَهْلِكُ، ولا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَحْصُورٍ.
وَحَدُّ الِاضْطِرارِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ هو: أنْ يَخافَ الهَلاكَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ يَقِينًا كانَ أوْ ظَنًّا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَجِبُ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ ونَحْوِها إنْ خافَ الهَلاكَ، أوْ يُباحُ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ ؟ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ الوُجُوبُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .
وَمِن هُنا قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: إنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ واجِبَةً، كَأكْلِ المَيْتَةِ عِنْدَ خَوْفِ الهَلاكِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ مِنها، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِلشّافِعِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ أيْضًا، وهو اخْتِيارُ ابْنِ حامِدٍ، وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وقالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ المَيْتَةِ، والدَّمِ، ولَحْمِ (p-٦٦)الخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ، إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقالَ أبُو الحَسَنِ الطَّبَرِيُّ المَعْرُوفُ بِالكِيا: ولَيْسَ أكْلُ المَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رُخْصَةً بَلْ هو عَزِيمَةٌ واجِبَةٌ، ولَوِ امْتَنَعَ مِن أكْلِ المَيْتَةِ كانَ عاصِيًا، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ.
وَمِمَّنِ اخْتارَ عَدَمَ الوُجُوبِ ولَوْ أدّى عَدَمُ الأكْلِ إلى الهَلاكِ أبُو إسْحاقَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وأبُو يُوسُفَ صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وغَيْرُهم، واحْتَجُّوا بِأنَّ لَهُ غَرَضًا صَحِيحًا في تَرْكِهِ وهو اجْتِنابُ النَّجاسَةِ، والأخْذُ بِالعَزِيمَةِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في وجْهِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ، ما نَصُّهُ: وهَلْ يَجِبُ الأكْلُ مِنَ المَيْتَةِ عَلى المُضْطَرِّ؛ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَجِبُ وهو قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ.
قالَ الأثْرَمُ: سُئِلَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ المُضْطَرِّ يَجِدُ المَيْتَةَ ولَمْ يَأْكُلْ، فَذَكَرَ قَوْلَ مَسْرُوقٍ: مَنِ اضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ دَخَلَ النّارَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ حامِدٍ، وذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وتَرْكُ الأكْلِ مَعَ إمْكانِهِ في هَذا الحالِ إلْقاءٌ بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ولِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْياءِ نَفْسِهِ بِما أحَلَّهُ اللَّهُ فَلَزِمَهُ، كَما لَوْ كانَ مَعَهُ طَعامٌ حَلالٌ.
والثّانِي: لا يَلْزَمُهُ؛ لِما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ طاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ في بَيْتٍ، وجَعَلَ مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِماءٍ، ولَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى مالَ رَأْسُهُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وخَشَوْا مَوْتَهُ، فَأخْرَجُوهُ فَقالَ: قَدْ كانَ اللَّهُ أحَلَّهُ لِي؛ لِأنِّي مُضْطَرٌّ، ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتُكَ بِدِينِ الإسْلامِ؛ ولِأنَّ إباحَةَ الأكْلِ رُخْصَةٌ فَلا تَجِبُ عَلَيْهِ كَسائِرِ الرُّخَصِ؛ ولِأنَّ لَهُ غَرَضًا في اجْتِنابِ النَّجاسَةِ والأخْذِ بِالعَزِيمَةِ، ورُبَّما لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَناوُلِ المَيْتَةِ وفارَقَ الحَلالَ في الأصْلِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنْ أظْهَرَ القَوْلَيْنِ دَلِيلًا؛ وُجُوبُ تَناوُلِ ما يُمْسِكُ الحَياةَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ إهْلاكُ نَفْسِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ يُقَدِّمُ المُضْطَرُّ المَيْتَةَ أوْ مالَ الغَيْرِ ؟
(p-٦٧)اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ: فَذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّهُ يُقَدِّمُ مالَ الغَيْرِ إنْ لَمْ يَخَفْ أنْ يُجْعَلَ سارِقًا ويُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالقَطْعِ. فَفي ”مُوَطَّئِهِ“ ما نَصُّهُ: وسُئِلَ مالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ أيَأْكُلُ مِنها وهو يَجِدُ ثَمَرًا لِقَوْمٍ، أوْ زَرْعًا، أوْ غَنَمًا بِمَكانِهِ ذَلِكَ ؟ قالَ مالِكٌ: إنْ ظَنَّ أنَّ أهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ، أوِ الزَّرْعِ، أوِ الغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتّى لا يُعَدَّ سارِقًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ، رَأيْتُ أنْ يَأْكُلَ مِن أيِّ ذَلِكَ وجَدَ ما يَرُدُّ جُوعَهُ، ولا يَحْمِلُ مِنهُ شَيْئًا، وذَلِكَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ. وإنْ هو خَشِيَ ألّا يُصَدِّقُوهُ، وأنْ يُعَدَّ سارِقًا بِما أصابَ مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ أكْلَ المَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي، ولَهُ في أكْلِ المَيْتَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ سَعَةٌ، مَعَ أنِّي أخافُ أنْ يَعْدُوَ عادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إلى المَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجازَةَ أمْوالِ النّاسِ وزُرُوعِهِمْ، وثِمارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرارٍ. قالَ مالِكٌ: وهَذا أحْسَنُ ما سَمِعْتُ. ا ه.
وَقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ حَضَرَ صاحِبُ المالِ فَحَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الأكْلِ، فَإنْ مَنَعَهُ فَجائِزٌ لِلَّذِي خافَ المَوْتَ أنْ يُقاتِلَهُ؛ حَتّى يَصِلَ إلى أكْلِ ما يَرُدُّ نَفْسَهُ.
الباجِيُّ: يُرِيدُ أنَّهُ يَدْعُوهُ أوَّلًا إلى أنْ يَبِيعَهُ بِثَمَنٍ في ذِمَّتِهِ، فَإنْ أبى اسْتَطْعَمَهُ، فَإنْ أبى، أعْلَمَهُ أنَّهُ يُقاتِلُهُ عَلَيْهِ.
وَقالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“ الَّذِي قالَ فِيهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى عاطِفًا عَلى ما يُقْدِمُ المُضْطَرُّ عَلى المَيْتَةِ وطَعامِ غَيْرٍ إنْ لَمْ يَخَفِ القَطْعَ وقاتَلَ عَلَيْهِ. هَذا هو حاصِلُ المَذْهَبِ المالِكِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فِيها: هو ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بِقَوْلِهِ: المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا وجَدَ المُضْطَرُّ مَيْتَةً وطَعامَ الغَيْرِ، وهو غائِبٌ فَثَلاثَةُ أوْجُهٍ، وقِيلَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أصَحُّها يَجِبُ أكْلُ المَيْتَةِ، والثّانِي: يَجِبُ أكْلُ الطَّعامِ، والثّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُما.
وَأشارَ إمامُ الحَرَمَيْنِ إلى أنَّ هَذا الخِلافَ مَأْخُوذٌ مِنَ الخِلافِ في اجْتِماعِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وحَقِّ الآدَمِيِّ ولَوْ كانَ صاحِبُ الطَّعامِ حاضِرًا، فَإنْ بَذَلَهُ بِلا عِوَضٍ، أوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أوْ بِزِيادَةٍ يَتَغابَنُ النّاسُ بِمِثْلِها ومَعَهُ ثَمَنُهُ، أوْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ لَزِمَهُ القَبُولُ، ولَمْ يَجُزْ أكْلُ المَيْتَةِ، فَإنْ لَمْ يَبِعْهُ إلّا بِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فالمَذْهَبُ والَّذِي قَطَعَ بِهِ العِراقِيُّونَ، والطَّبَرِيُّونَ، وغَيْرُهم: أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وإذا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّراءُ فَهو كَما إذا لَمْ يَبْذُلْهُ أصْلًا، وإذا لَمْ (p-٦٨)يَبْذُلْهُ لَمْ يُقاتِلْهُ عَلَيْهِ المُضْطَرُّ إنْ خافَ مِنَ المُقاتَلَةِ عَلى نَفْسِهِ، أوْ خافَ هَلاكَ المالِكِ في المُقاتَلَةِ، بَلْ يَعْدِلُ إلى المَيْتَةِ، وإنْ كانَ لا يَخافُ؛ لِضَعْفِ المالِكِ، وسُهُولَةِ دَفْعِهِ فَهو عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ فِيما إذا كانَ غائِبًا، هَذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ.
وَقالَ البَغَوِيُّ: يَشْتَرِيهِ بِالثَّمَنِ الغالِي، ولا يَأْكُلُ المَيْتَةَ، ثُمَّ يَجِيءُ الخِلافُ السّابِقُ في أنَّهُ يَلْزَمُهُ المُسَمّى أوْ ثَمَنُ المِثْلِ، قالَ: وإذا لَمْ يَبْذُلْ أصْلًا وقُلْنا طَعامُ الغَيْرِ أوْلى مِنَ المَيْتَةِ يَجُوزُ أنْ يُقاتِلَهُ، ويَأْخُذَهُ قَهْرًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
حاصِلُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ يُقَدِّمُ المَيْتَةَ عَلى طَعامِ الغَيْرِ.
قالَ الخِرَقِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“: ومَنِ اضْطُرَّ فَأصابَ المَيْتَةَ وخُبْزًا لا يَعْرِفُ مالِكَهُ أكَلَ المَيْتَةَ. اه.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في شَرْحِهِ لِهَذا الكَلامِ ما نَصُّهُ: وبِهَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
وَقالَ مالِكٌ: إنْ كانُوا يُصَدِّقُونَهُ أنَّهُ مُضْطَرٌّ أكَلَ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، وشَرِبَ اللَّبَنَ، وإنْ خافَ أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ أوْ لا يُقْبَلَ مِنهُ أكَلَ المَيْتَةَ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَأْكُلُ الطَّعامَ وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الطَّعامِ الحَلالِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أكْلُ المَيْتَةِ كَما لَوْ بَذَلَهُ لَهُ صاحِبُهُ.
وَلَنا أنَّ أكْلَ المَيْتَةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، ومالُ الآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، والعُدُولُ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ أوْلى؛ ولِأنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْنِيَّةٌ عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقُ الآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلى الشُّحِّ والتَّضْيِيقِ؛ ولِأنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ تَلْزَمُهُ غَرامَتَهُ، وحَقُّ اللَّهِ لا عِوَضَ لَهُ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا كانَ المُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ مُحْرِمًا وأمْكَنَهُ الصَّيْدُ فَهَلْ يُقَدِّمَ المَيْتَةَ أوِ الصَّيْدَ ؟
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، والشّافِعِيُّ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ: إلى أنَّهُ يُقَدِّمُ المَيْتَةَ.
وَعَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قَوْلٌ بِتَقْدِيمِ الصَّيْدِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ: بِأنَّ المُحْرِمَ إنْ ذَكّى صَيْدًا لَمْ يَكُنْ مَيْتَةً.
(p-٦٩)والصَّحِيحُ أنَّ ذَكاةَ المُحْرِمِ لِلصَّيْدِ لَغْوٌ ويَكُونُ مَيْتَةً، والمَيْتَةُ أخَفُّ مِنَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأنَّهُ يُشارِكُها في اسْمِ المَيْتَةِ ويَزِيدُ بِحُرْمَةِ الِاصْطِيادِ، وحُرْمَةِ القَتْلِ، وسَيَأْتِي لِهَذِهِ المَسْألَةِ زِيادَةُ بَيانٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
وَمِمَّنْ قالَ بِتَقْدِيمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلى المَيْتَةِ أبُو يُوسُفَ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الصَّيْدَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ومَعَ جَوازِهِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَنْتَفِي الضَّرُورَةُ فَلا تَحِلُّ المَيْتَةُ.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِأنَّ حِلَّ أكْلِ المَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، وإباحَةَ الصَّيْدِ لِلضَّرُورَةِ مُجْتَهَدٌ فِيها، والمَنصُوصُ عَلَيْهِ أوْلى، فَإنْ لَمْ يَجِدِ المُضْطَرُّ إلّا صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ فَلَهُ ذَبْحُهُ وأكْلُهُ، ولَهُ الشِّبَعُ مِنهُ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّهُ بِالضَّرُورَةِ وعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ صارَ مُذَكًّى ذَكاةً شَرْعِيَّةً طاهِرًا حَلالًا فَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ، ولِذا تَجِبُ ذَكاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، ولا يَجُوزُ قَتْلُهُ والأكْلُ مِنهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.
وَلَوْ وجَدَ المُضْطَرُّ مَيْتَةً، ولَحْمَ خِنْزِيرٍ أوْ لَحْمَ إنْسانٍ مَيِّتٍ، فالظّاهِرُ تَقْدِيمُ المَيْتَةِ عَلى الخِنْزِيرِ ولَحْمِ الآدَمِيِّ.
قالَ الباجِيُّ: إنْ وجَدَ المُضْطَرُّ مَيْتَةً، وخِنْزِيرًا فالأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ؛ لِأنَّ الخِنْزِيرَ مَيْتَةٌ ولا يُباحُ بِوَجْهٍ، وكَذَلِكَ يُقَدِّمُ الصَّيْدَ عَلى الخِنْزِيرِ والإنْسانِ عَلى الظّاهِرِ، ولَمْ يَجُزْ عِنْدَ المالِكِيَّةِ أكْلُ الإنْسانِ لِلضَّرُورَةِ مُطْلَقًا وقَتْلُ الإنْسانِ الحَيِّ المَعْصُومِ الدَّمِ لِأكْلِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَرامٌ إجْماعًا، سَواءٌ كانَ مُسْلِمًا أوْ ذِمِّيًّا. وإنْ وُجِدَ إنْسانٌ مَعْصُومٌ مَيِّتًا فَهَلْ يَجُوزُ لَحْمُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أوْ لا يَجُوزُ ؟ مَنَعَهُ المالِكِيَّةُ والحَنابِلَةُ، وأجازَهُ الشّافِعِيَّةُ وبَعْضُ الحَنَفِيَّةِ.
واحْتَجَّ الحَنابِلَةُ لِمَنعِهِ لِحَدِيثِ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ» واخْتارَ أبُو الخَطّابِ مِنهم جَوازَ أكْلِهِ، وقالَ: لا حُجَّةَ في الحَدِيثِ هاهُنا؛ لِأنَّ الأكْلَ مِنَ اللَّحْمِ لا مِنَ العَظْمِ، والمُرادُ بِالحَدِيثِ التَّشْبِيهُ في أصْلِ الحُرْمَةِ لا في مِقْدارِها بِدَلِيلِ اخْتِلافِهِما في الضَّمانِ والقِصاصِ، ووُجُوبُ صِيانَةِ الحَيِّ بِما لا يَجِبُ بِهِ صِيانَةُ المَيِّتِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ .
وَلَوْ وجَدَ المُضْطَرُّ آدَمِيًّا غَيْرَ مَعْصُومٍ كالحَرْبِيِّ، والمُرْتَدِّ فَلَهُ قَتْلُهُ، والأكْلُ مِنهُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وبِهِ قالَ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ فَهو بِمَنزِلَةِ السِّباعِ. واللَّهُ (p-٧٠)تَعالى أعْلَمُ.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أنْ يَدْفَعَ ضَرُورَتَهُ بِشُرْبِ الخَمْرِ ؟ فِيهِ لِلْعُلَماءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: المَنعُ مُطْلَقًا.
الثّانِي: الإباحَةُ مُطْلَقًا.
الثّالِثُ: الإباحَةُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ إلى التَّداوِي بِها دُونَ العَطَشِ.
الرّابِعُ: عَكْسُهُ.
وَأصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ المَنعُ مُطْلَقًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ التَّداوِيَ بِالخَمْرِ لا يَجُوزُ؛ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَهُ طارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ الجُعْفِيُّ عَنِ الخَمْرِ فَنَهاهُ، أوْ كَرِهَ أنْ يَصْنَعَها فَقالَ: إنَّما أصْنَعُها لِلدَّواءِ، فَقالَ: ”إنَّهُ لَيْسَ بِدَواءٍ ولَكِنَّهُ داءٌ“» والظّاهِرُ إباحَتُها؛ لِإساغَةِ غُصَّةٍ خِيفَ بِها الهَلاكُ؛ وعَلَيْهِ جُلُّ أهْلِ العِلْمِ، والفَرْقُ بَيْنَ إساغَةِ الغُصَّةِ وبَيْنَ شُرْبِها لِلْجُوعِ أوِ العَطَشِ أنَّ إزالَتَها لِلْغُصَّةِ مَعْلُومَةٌ، وأنَّها لا يَتَيَقَّنُ إزالَتُها لِلْجُوعِ أوِ العَطَشِ.
قالَ الباجِيُّ: وهَلْ لِمَن يَجُوزُ لَهُ أكْلُ المَيْتَةِ أنْ يَشْرَبَ لِجُوعِهِ أوْ عَطَشِهِ الخَمْرَ ؟ قالَ مالِكٌ: لا يَشْرَبُها ولَنْ تَزِيدَهُ إلّا عَطَشًا.
وَقالَ ابْنُ القاسِمِ: يَشْرَبُ المُضْطَرُّ الدَّمَ ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَأْكُلُ المَيْتَةَ ولا يَقْرُبُ ضَوالَّ الإبِلِ، وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ.
وَقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَن غُصَّ بِطَعامٍ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّ لَهُ أنْ يُجَوِّزَهُ بِالخَمْرِ، وقالَهُ أبُو الفَرَجِ.
أمّا التَّداوِي بِها فَمَشْهُورُ المَذْهَبِ أنَّهُ لا يَحِلُّ: وإذا قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ التَّداوِي بِها، ويَجُوزُ اسْتِعْمالُها لِإساغَةِ الغُصَّةِ فالفَرْقُ أنَّ التَّداوِيَ بِها لا يَتَيَقَّنُ بِهِ البُرْءُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ. اه. بِنَقْلِ المَوّاقِ في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ: وخَمْرٌ لِغُصَّةٍ، وما نَقَلْنا عَنْ مالِكٍ مِن أنَّ الخَمْرَ لا تَزِيدُ إلّا عَطَشًا، نَقَلَ نَحْوَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ، قالَ: وقَدْ نَقَلَ الرُّويانِيُّ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلى المَنعِ مِن شُرْبِها (p-٧١)لِلْعَطَشِ؛ مُعَلِّلًا بِأنَّها تُجِيعُ وتُعَطِّشُ.
وَقالَ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ: سَألْتُ مَن يَعْرِفُ ذَلِكَ فَقالَ: الأمْرُ كَما قالَ الشّافِعِيُّ: إنَّها تَرْوِي في الحالِ، ثُمَّ تُثِيرُ عَطَشًا عَظِيمًا.
وَقالَ القاضِي حُسَيْنٌ في ”تَعْلِيقِهِ“: قالَتِ الأطِبّاءُ: الخَمْرُ تَزِيدُ في العَطَشِ وأهْلُ الشُّرْبِ يَحْرِصُونَ عَلى الماءِ البارِدِ، فَجَعَلَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّها لا تَنْفَعُ في دَفْعِ العَطَشِ.
وَحَصَلَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ السّابِقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّها لا تَنْفَعُ في الدَّواءِ فَثَبَتَ تَحْرِيمُها مُطْلَقًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ا ه مِن ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ .
وَبِهِ تَعَلَمُ أنَّ ما اخْتارَهُ الغَزالِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، والأبْهَرِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ مِن جَوازِها لِلْعَطَشِ خِلافَ الصَّوابِ، وما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ والأبْهَرِيُّ مِن أنَّها تَنْفَعُ في العَطَشِ خِلافَ الصَّوابِ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَمَن مَرَّ بِبُسْتانٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ ثِمارٌ وزَرْعٌ، أوْ بِماشِيَةٍ فِيها لَبَنٌ، فَإنْ كانَ مُضْطَرًّا اضْطِرارًا يُبِيحُ المَيْتَةَ فَلَهُ الأكْلُ بِقَدْرِ ما يَرُدُّ جُوعَهُ إجْماعًا، ولا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ أكْلِهِ مِنهُ.
فَقِيلَ: لَهُ أنْ يَأْكُلَ في بَطْنِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَحْمِلَ مِنهُ شَيْئًا، وقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُحَوَّطِ عَلَيْهِ فَيُمْنَعُ، وبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ، وحُجَّةُ مَن قالَ بِالمَنعِ مُطْلَقًا ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا» وعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِالإباحَةِ مُطْلَقًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا أتى أحَدُكم عَلى ماشِيَةٍ، فَإنْ كانَ فِيها صاحِبُها فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أذِنَ فَلْيَحْتَلِبْ ولْيَشْرَبْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها فَلْيُصَوِّتْ ثَلاثًا، فَإنْ أجابَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أذِنَ لَهُ وإلّا فَلْيَحْتَلِبْ ولْيَشْرَبْ، ولا يَحْمِلْ» ا ه.
وَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن دَخَلَ حائِطًا فَلْيَأْكُلْ، ولا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» قالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ. وما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ فَقالَ: ”مَن أصابَ مِنهُ مِن ذِي (p-٧٢)حاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ»“ قالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ”إذا مَرَّ أحَدُكم بِحائِطٍ فَلْيَأْكُلْ مِنهُ، ولا يَتَّخِذْ ثِبانًا“ .
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قالَ أبُو عَمْرٍو: هو يَحْمِلُ الوِعاءَ الَّذِي يَحْمِلُ فِيهِ الشَّيْءَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَهو ثِبانٌ، يُقالُ: قَدْ تَثَبَّنْتَ ثِبانًا، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى ظَهْرِكَ فَهو الحالُ، يُقالُ: مِنهُ قَدْ تَحَوَّلَتْ كِسائِي، إذا جَعَلْتَ فِيهِ شَيْئًا ثُمَّ حَمَلْتَهُ عَلى ظَهْرِكَ، فَإنْ جَعَلْتَهُ في حِضْنِكَ فَهو خُبْنَةٌ، ومِنهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ المَرْفُوعُ: ”وَلا يَتَّخِذُ خُبْنَةً“ يُقالُ: فِيهِ خَبَنْتُ أخْبِنُ خَبْنا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
وَما رُوِيَ عَنْ أبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ، قالَ: سافَرْتُ مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وأبِي بُرْدَةَ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمارِ، فَيَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، وحَمَلَ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ هَذِهِ الأحادِيثَ والآثارَ عَلى حالِ الضَّرُورَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُابْنُ ماجَهْ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَبّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ اليَشْكُرِيِّ الغُبَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: أصابَتْنا عامًا مَخْمَصَةٌ فَأتَيْتُ المَدِينَةَ، فَأتَيْتُ حائِطًا مِن حِيطانِها، فَأخَذْتُ سُنْبُلًا فَفَرَكْتُهُ وأكَلْتُهُ، وجَعَلْتُهُ في كِسائِي، فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ فَضَرَبَنِي، وأخَذَ ثَوْبِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: ”ما أطْعَمْتُهُ إذْ كانَ جائِعًا أوْ ساغِبًا ولا عَلَّمْتُهُ إذْ كانَ جاهِلًا“، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَرَدَّ إلَيْهِ ثَوْبَهُ، وأمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِن طَعامٍ، أوْ نِصْفِ وسْقٍ»، فَإنَّ في هَذا الحَدِيثِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ نَفْيَ القَطْعِ والأدَبِ إنَّما هو مِن أجْلِ المَخْمَصَةِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَقِبَ نَقْلِهِ لِما قَدَّمْنا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وإنَّما يُوَجِّهُ هَذا الحَدِيثَ أنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ لِلْجائِعِ المُضْطَرِّ، الَّذِي لا شَيْءَ مَعَهُ يَشْتَرِي بِهِ، ألا يَحْمِلَ إلّا ما كانَ في بَطْنِهِ قَدْرَ قُوُتِهِ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: لِأنَّ الأصْلَ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ مالِ الغَيْرِ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ.
فَإنْ كانَتْ هُناكَ عادَةٌ بِعَمَلِ ذَلِكَ كَما كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ أوْ كَما هو الآنَ في بَعْضِ البُلْدانِ فَذَلِكَ جائِزٌ. ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أوْقاتِ المَجاعَةِ والضَّرُورَةِ، كَما تَقَدَّمَ، واللَّهُ أعْلَمُ. ا ه مِنهُ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُحَوَّطِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، أنَّ إحْرازَهُ بِالحائِطِ دَلِيلٌ عَلى شُحِّ (p-٧٣)صاحِبِهِ بِهِ وعَدَمِ مُسامَحَتِهِ فِيهِ، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ عَلَيْها حائِطٌ فَهو حَرامٌ فَلا تَأْكُلْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حائِطٌ فَلا بَأْسَ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ وغَيْرُهُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ مالِ المُسْلِمِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وبَيْنَ مالِ الكِتابِيِّ (الذِّمِّيِّ) فَلا يَجُوزُ بِحالٍ غَيْرِ ظاهِرٍ.
وَيَجِبُ حَمْلُ حَدِيثِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ الوارِدِ في المَنعِ مِن دُخُولِ بُيُوتِ أهْلِ الكِتابِ، ومَنعِ الأكْلِ مِن ثِمارِهِمْ إلّا بِإذْنٍ عَلى عَدَمِ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ إلى أكْلِ المَيْتَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ الدَّمِ حَرامٌ، ومَثَلُها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٥] .
وَقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّمَ لا يَحْرُمُ إلّا إذا كانَ مَسْفُوحًا، وهي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] .
والجَوابُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن مَسائِلِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، والجارِي عَلى أُصُولِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ لا سِيَّما مَعَ اتِّحادِ الحُكْمِ والسَّبَبِ، كَما هُنا، وسَواءٌ عِنْدَهم تَأخَّرَ المُطْلَقُ عَنِ المُقَيَّدِ كَما هُنا أوْ تَقَدَّمَ، وإنَّما قُلْنا هُنا إنَّ المُطْلَقَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُقَيَّدِ، لِأنَّ القَيْدَ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، وهي نَزَلَتْ قَبْلَ ”النَّحْلِ“ مَعَ أنَّهُما مَكِّيَّتانِ إلّا آياتٍ مَعْرُوفَةً، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ”الأنْعامَ“ قَبْلَ ”النَّحْلِ“، قَوْلُهُ تَعالى في ”النَّحْلِ“: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٨]، والمُرادُ بِهِ ما قَصَّ (p-٢١٩)عَلَيْهِ في ”الأنْعامِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٦] .
وَأمّا كَوْنُ ”الأنْعامِ“ نَزَلَتْ قَبْلَ ”البَقَرَةِ“ و ”المائِدَةِ“ فَواضِحٌ، لِأنَّ ”الأنْعامَ“ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ إلّا آياتٍ مِنها، و ”البَقَرَةُ“ مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ و ”المائِدَةُ“ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ لِتَأخُّرِها.
وَعَلى هَذا فالدَّمُ إذا كانَ غَيْرَ مَسْفُوحٍ كالحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في القِدْرِ مِن أثَرِ تَقْطِيعِ اللَّحْمِ فَهو لَيْسَ بِحَرامٍ لِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وعَلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وما ذَكَرْنا مِن عَدَمِ النَّسْخِ في ”المائِدَةِ“، قالَ بِهِ جَماعَةٌ وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] غَيْرُ مَنسُوخَيْنِ صَحِيحٌ، وعَلى القَوْلِ بِنَسْخِهِما لا يَصِحُّ عَلى الإطْلاقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:174
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وسَواءٌ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا أوْ لازِمًا عَلى التَّحْقِيقِ، خِلافًا لِلْغَزالِيِّ القائِلِ بِعُمُومِهِ في المُتَعَدِّي دُونَ اللّازِمِ، وخِلافُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ خِلافٌ في حالٍ لا في حَقِيقَةٍ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ لَيْسَ صِيغَةً لِلْعُمُومِ، ولَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالتِزامِ، أيْ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحَقِيقَةِ ونَفْيُها يَلْزَمُهُ نَفْيُ جَمِيعِ الأفْرادِ.
فَقَوْلُهُ: لا أكَلْتُ مَثَلًا يَنْفِي حَقِيقَةَ أكْلٍ فَيَلْزَمُهُ نَفْيُ جَمِيعِ أفْرادِهِ، وإيضاحُ عُمُومِ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ أنَّ الفِعْلَ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وعَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ونِسْبَةٍ عِنْدَ بَعْضِ البَلاغِيِّينَ، فالمَصْدَرُ داخِلٌ في مَعْناهُ إجْماعًا، فالنَّفْيُ داخِلٌ عَلى الفِعْلِ يَنْفِي المَصْدَرَ الكامِنَ في الفِعْلِ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ.
وَمِنَ العَجِيبِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُوافِقُ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ إنْ أُكِّدَ بِمَصْدَرٍ نَحْوَ لا شَرِبْتُ شُرْبًا مَثَلًا أفادَ العُمُومَ، مَعَ أنَّهُ لا يُوافِقُ عَلى إفادَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ.
(p-٢٢٠)وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو الحَقُّ، أنَّ الكَلامَ الَّذِي نَفى اللَّهُ أنَّهُ يُكَلِّمُهم بِهِ هو الكَلامُ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ، وأمّا التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ والإهانَةُ، فَكَلامُ اللَّهِ لَهم بِهِ مِن جِنْسِ عَذابِهِ لَهم، ولَمْ يَقْصِدْ بِالنَّفْيِ في قَوْلِهِ: ”وَلا يُكَلِّمُهُمُ“ .
الثّانِي: أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم أصْلًا وإنَّما تُكَلِّمُهُمُ المَلائِكَةُ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ.
البقرة 2:177
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هَذا المَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (مَن أتى المالَ)، والمَفْعُولُ مَحْذُوفًا، أوْ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المالِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، وأنَّ المَعْنى ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: حُبِّ مُؤْتِي المالَ لِذَلِكَ المالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ولا يَخْفى أنَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ تَلازُمًا في المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما المُرادُ بِالبَأْسِ ؟ ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ البَأْسَ القِتالُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] كَما هو ظاهِرٌ مِن سِياقِ الكَلامِ.
البقرة 2:178
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ القِصاصَ أمْرٌ حَتْمٌ لا بُدَّ مِنهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ فُرِضَ وحُتِمَ عَلَيْكم، مَعَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أيْضًا أنَّ القِصاصَ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، لِأنَّ ولِيَّ الدَّمِ بِالخِيارِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨] .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ فَرْضَ القِصاصِ وإلْزامَهُ فِيما إذا لَمْ يَعْفُ أوْلِياءُ الدَّمِ أوْ بَعْضُهم، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣٣] .
البقرة 2:180
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تُعارِضُ آياتِ المَوارِيثِ بِضَمِيمَةِ بَيانِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها إبْطالُ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِينَ مِنهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ آيَةَ الوَصِيَّةِ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ المَوارِيثِ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ بَيانٌ لِلنّاسِخِ، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ لا مَنسُوخَةٌ، وانْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ ابْنُ حَزْمٍ غايَةَ الِانْتِصارِ ؟ وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مُحْكَمَةٌ فَهي مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فالوالِدانِ والأقْرَبُونَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ لا وصِيَّةَ لَهم، بِدَلِيلِ آياتِ المَوارِيثِ والحَدِيثِ، وأمّا (p-٢٢١)الوالِدانِ اللَّذانِ لا مِيراثَ لَهُما كالرَّقِيقَيْنِ، والأقارِبِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ فَتَجِبُ لَهُمُ الوَصِيَّةُ عَلى هَذا القَوْلِ، ولَكِنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ خِلافُهُ.
وَحَكى العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ الإجْماعَ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ، مَعَ أنَّ جَماعَةً مِنَ العُلَماءِ قالُوا بِعَدَمِ النَّسْخِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أنَّ النَّسْخَ واقِعٌ فِيها يَقِينًا في البَعْضِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ الوارِثَيْنِ والأقارِبِ الوارِثِينَ رُفِعَ حُكْمُها بَعْدَ تُقَرُّرِهِ إجْماعًا، وذَلِكَ نَسْخٌ في البَعْضِ لا تَخْصِيصٌ، لِأنَّ التَّخْصِيصَ قَصْرُ العامِّ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ الدَّلِيلَ، أمّا رَفْعُ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ فَهو نَسْخٌ لا تَخْصِيصٌ كَما هو ظاهِرٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ العَمَلِ بِالعامِّ نَسْخٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَإنْ أتى ما خُصَّ بَعْدَ العَمَلِ نُسِخَ والغَيْرُ مُخَصِّصًا جَلى
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
البقرة 2:183
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ هي ثَلاثَةٌ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وعاشُوراءُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ هي رَمَضانُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ بَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
البقرة 2:184
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ القادِرَ عَلى صَوْمِ رَمَضانَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ والإطْعامِ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ وُجُوبِ الصَّوْمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: وهو الحَقُّ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى ”يُطِيقُونَهُ“ لا يُطِيقُونَهُ بِتَقْدِيرِ لا النّافِيَةِ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الآيَةُ مُحْكَمَةً، ويَكُونُ وُجُوبُ الإطْعامِ عَلى العاجِزِ عَنِ الصَّوْمِ كالهَرِمِ والزَّمِنِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا القَوْلِ بِقِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ ”يُطَّوَّقُونَهُ“ بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والواوِ المَفْتُوحَتَيْنِ بِمَعْنى يَتَكَلَّفُونَهُ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْهُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَيَجِبُ عَلى الهَرِمِ ونَحْوِهِ الفِدْيَةُ وهو اخْتِيارُ البُخارِيِّ، مُسْتَدِلًّا بِفِعْلِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
البقرة 2:185
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ أُنْزِلَ في اللَّيْلِ مِنهُ أوِ النَّهارِ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ أُنْزِلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِن رَمَضانَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ (p-٧٤)[الدخان: ٣]؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ القَدْرِ عَلى التَّحْقِيقِ، وفي مَعْنى إنْزالِهِ وجْهانِ:
لْأوَّلُ: أنَّهُ أُنْزِلَ فِيها جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا، كَما ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى إنْزالِهِ فِيها ابْتِداءُ نُزُولِهِ كَما قالَ بِهِ بَعْضُهم.
البقرة 2:186
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا قَرِيبٌ يُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي وبَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى تَعْلِيقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤١] .
وَقالَ بَعْضُهُمُ: التَّعْلِيقُ بِالمَشِيئَةِ في دُعاءِ الكُفّارِ كَما هو ظاهِرُ سِياقِ الآيَةِ، والوَعْدُ المُطْلَقُ في دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَيْهِ فَدُعاؤُهم لا يُرَدُّ، إمّا أنْ يُعْطُوا ما سَألُوا أوْ يُدَّخَرَ لَهم خَيْرٌ مِنهُ أوْ يُدْفَعَ عَنْهم مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، وبِالإجابَةِ الثَّوابُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾، بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والعَرَبُ تُسَمِّي ضَوْءَ الصُّبْحِ خَيْطًا، وظَلامَ اللَّيْلِ المُخْتَلِطَ بِهِ خَيْطًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُوادَ الإيادِيِّ: [ المُتَقارِبِ ]
؎فَلَمّا أضاءَتْ لَنا سُدْفَةٌ ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارا
وَقَوْلُ الآخَرِ: [ البَسِيطِ ]
؎الخَيْطُ الأبَيْضُ ضَوْءُ الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ ∗∗∗ والخَيْطُ الأسْوَدُ جُنْحُ اللَّيْلِ مَكْتُومُ
البقرة 2:189
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾
لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِالمُرادِ بِمَنِ اتَّقى، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] والكَلامُ في الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ولَكِنَّ ذا البِرِّ مَنِ اتَّقى، وقِيلَ ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى، ونَظِيرُ الآيَةِ في ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الخَنْساءِ: [ البَسِيطِ ] (p-٧٥)
؎لا تَسْأمِ الدَّهْرَ مِنهُ كُلَّما ذَكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
أيْ: ذاتُ إقْبالٍ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: [ المُتَقارِبِ ]
؎وَكَيْفَ تُواصِلُ مَن ∗∗∗ أصْبَحَتْ خِلالَتُهُ كَأبِي مَرْحَبِ
أيْ: كَخِلالَةِ أبِي مَرْحَبٍ. وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلِ ] لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أنْ تَنْبُتَ ∗∗∗ اللِّحى ولَكِنَّما الفِتْيانُ كُلُّ فَتًى نَدى
أيْ: لَيْسَ الفِتْيانُ فِتْيانَ نَباتِ اللِّحى.
البقرة 2:190
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ لِلْعُلَماءِ:
لْأوَّلُ: أنَّ المُرادَ - بِالَّذِينَ يُقاتِلُونَكم مِن شَأْنِهِمُ القِتالُ؛ أيْ: دُونَ غَيْرِهِمْ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والشُّيُوخِ الفانِيَةِ وأصْحابِ الصَّوامِعِ.
الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ الدّالَّةِ عَلى قِتالِهِمْ مُطْلَقًا.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ تَهْيِيجُ المُسْلِمِينَ وتَحْرِيضُهم عَلى قِتالِ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِقِتالِهِمْ، هم خُصُومُكم وأعْداؤُكُمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم، وأظْهَرُها الأوَّلُ، وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ فالمَعْنى يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ.
(p-٢٢٢)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ إلّا إذا قاتَلُوهم، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قِتالِ الكُفّارِ مُطْلَقًا قاتَلُوا أمْ لا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ٦] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: وهو أحْسَنُها وأقْرَبُها، أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ تَهْيِيجُ المُسْلِمِينَ وتَحْرِيضُهم عَلى قِتالِ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِقِتالِهِمْ هم خُصُومُكم وأعْداؤُكُمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهَذا مِن جِهَةِ النَّظَرِ ظاهِرٌ حَسَنٌ جِدًّا، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ البالِغَةِ في التَّشْرِيعِ، أنَّهُ إذا أرادَ تَشْرِيعَ أمْرٍ عَظِيمٍ عَلى النُّفُوسِ رُبَّما يَشْرَعُهُ تَدْرِيجًا لِتَخِفَّ صُعُوبَتُهُ بِالتَّدْرِيجِ، فالخَمْرُ مَثَلًا لَمّا كانَ تَرْكُها شاقًّا عَلى النُّفُوسِ الَّتِي اعْتادَتْها، ذَكَرَ أوَّلًا بَعْضَ مَعائِبِها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] .
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَها في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٣] .
ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتِ النُّفُوسُ بِتَحْرِيمِها في الجُمْلَةِ حَرَّمَها تَحْرِيمًا باتًّا بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ لَمّا كانَ شاقًّا عَلى النُّفُوسِ شَرَعَهُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإطْعامِ ثُمَّ رَغَّبَ في الصَّوْمِ مَعَ التَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ: وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم [البقرة: ١٨٤]، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ بِهِ النُّفُوسُ أوْجَبَهُ إيجابًا حَتْمًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
(p-٢٢٣)وَكَذَلِكَ القِتالُ عَلى هَذا القَوْلِ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، أذِنَ فِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ إيجابٍ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٩] .
ثُمَّ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ مَن قاتَلَهم دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ .
ثُمَّ اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِالقِتالِ أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ إيجابًا عامًّا بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهُمْ﴾ الآيَةَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ الصَّوابُ، أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ وأنَّ مَعْناها: قاتِلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم، أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُقاتِلُوكم.
أمّا الكافِرُ الَّذِي لَيْسَ مِن شَأْنِهِ القِتالُ كالنِّساءِ والذَّرارِيِّ والشُّيُوخِ الفانِيَةِ والرُّهْبانِ وأصْحابِ الصَّوامِعِ، ومَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَلا تَعْتَدُوا بِقِتالِهِمْ لِأنَّهم لا يُقاتِلُونَكم، ويَدُلُّ لِهَذا الأحادِيثُ المُصَرِّحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصَّبِيِّ، وأصْحابِ الصَّوامِعِ، والمَرْأةِ والشَّيْخِ الهَرِمِ إذا لَمْ يُسْتَعَنْ بِرَأْيِهِ.
وَأمّا صاحِبُ الرَّأْيِ فَيُقْتَلُ كَدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ، وقَدْ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا المَعْنى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ.
البقرة 2:194
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى طَلَبِ الِانْتِقامِ، وقَدْ أذِنَ اللَّهُ في الِانْتِقامِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤١] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] .
وَكَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
(p-٢٢٤)وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى العَفْوِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ مَشْرُوعِيَّةَ الِانْتِقامِ، ثُمَّ أرْشَدَ إلى أفْضَلِيَّةِ العَفْوِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، فَأذِنَ في الِانْتِقامِ بِقَوْلِهِ: ”إلّا مَن ظُلِمَ“ .
ثُمَّ أرْشَدَ إلى العَفْوِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِانْتِقامَ لَهُ مَوْضِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ، والعَفْوُ لَهُ مَوْضِعٌ كَذَلِكَ، وإيضاحُهُ أنَّ مِنَ المَظالِمِ ما يَكُونُ في الصَّبْرِ عَلَيْهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّ مَن غُصِبَتْ مِنهُ جارِيَتُهُ مَثَلًا إذا كانَ الغاصِبُ يَزْنِي بِها فَسُكُوتُهُ وعَفْوُهُ عَنْ هَذِهِ المَظْلَمَةِ قَبِيحٌ وضَعْفٌ وخَوْرٌ تُنْتَهَكُ بِهِ حُرُماتُ اللَّهِ، فالِانْتِقامُ في مِثْلِ هَذا واجِبٌ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: فاعْتَدُوا الآيَةَ.
أيْ كَما إذا بَدَأ الكُفّارُ بِالقِتالِ فَقِتالُهم واجِبٌ، بِخِلافِ مَن أساءَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوانِهِ المُسْلِمِينَ بِكَلامٍ قَبِيحٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَعَفْوُهُ أحْسَنُ وأفْضَلُ، وقَدْ قالَ أبُو الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي:
؎إذا قِيلَ حِلْمٌ فَلِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ وحِلْمُ الفَتى في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ
البقرة 2:196
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالإحْصارِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ قَوْمٌ: هو صَدُّ العَدُوِّ المُحْرِمِ، ومَنعُهُ إيّاهُ مِنَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ.
وَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهِ حَبْسُ المُحْرِمِ بِسَبَبِ مَرَضٍ ونَحْوِهِ.
وَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُ الجَمِيعَ مِن عَدُوٍّ ومَرَضٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] يُشِيرُ إلى أنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ هُنا صَدُّ العَدُوِّ المُحْرِمِ؛ لِأنَّ الأمْنَ إذا أُطْلِقَ في لُغَةِ العَرَبِ انْصَرَفَ إلى الأمْنِ مِنَ الخَوْفِ لا إلى الشِّفاءِ مِنَ المَرَضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرِ الشَّيْءُ الَّذِي مِنهُ الأمْنُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإحْصارِ، فَثَبَتَ أنَّهُ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، فَما أجابَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ الأمْنَ يُطْلَقُ عَلى الأمْنِ مِنَ المَرَضِ، كَما في حَدِيثِ «مَن (p-٧٦)سَبَقَ العاطِسَ بِالحَمْدِ أمِنَ مِنَ الشَّوْصِ، واللَّوْصِ، والعِلَّوْصِ» أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ الأمْنَ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ مِنَ المَرَضِ، فَلَوْ أُطْلِقَ لانْصَرَفَ إلى الأمْنِ مِنَ الخَوْفِ. وقَدْ يُجابُ أيْضًا بِأنَّهُ يَخافُ وُقُوعَ المَذْكُورِ مِنَ الشَّوْصِ الَّذِي هو وجَعُ السِّنِّ، واللَّوْصِ الَّذِي هو وجَعُ الأُذُنِ، والعِلَّوْصِ الَّذِي هو وجَعُ البَطْنِ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ وُقُوعِها بِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خائِفٌ مِن وُقُوعِها، فَإذا أمِنَ مِن وُقُوعِها بِهِ فَقَدْ أمِنَ مِن خَوْفٍ.
أمّا لَوْ كانَتْ وقَعَتْ بِهِ بِالفِعْلِ فَلا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ أمِنَ مِنها؛ لَأنَّ الخَوْفَ في لُغَةِ العَرَبِ هو الغَمُّ مِن أمْرٍ مُسْتَقْبِلٍ لا واقِعٍ بِالفِعْلِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ زَعْمَ إمْكانِ إطْلاقِ الأمْنِ عَلى الشِّفاءِ مِنَ المَرَضِ خِلافُ الظّاهِرِ. وحاصِلُ تَحْرِيرِ هَذِهِ المَسْألَةِ في مَبْحَثَيْنِ: الأوَّلُ: في مَعْنى الإحْصارِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
الثّانِي: في تَحْقِيقِ المُرادِ بِهِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأقْوالِ العُلَماءِ وأدِلَّتِها في ذَلِكَ، ونَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ الإحْصارَ هو ما كانَ عَنْ مَرَضٍ أوْ نَحْوِهِ، قالُوا: تَقُولُ العَرَبُ: أحْصَرَهُ المَرَضُ يُحْصِرُهُ بِضَمِّ الياءِ، وكَسْرِ الصّادِ إحْصارًا، وأمّا ما كانَ مِنَ العَدُوِّ فَهو الحَصْرُ، تَقُولُ العَرَبُ: حَصَرَ العَدُوُّ يَحْصُرُهُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ حَصْرًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، ومِن إطْلاقِ الحَصْرِ في القُرْآنِ عَلى ما كانَ مِنَ العَدُوِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُذُوهم واحْصُرُوهُمْ﴾ ومِن إطْلاقِ الإحْصارِ عَلى غَيْرِ العَدُوِّ كَما ذَكَرْنا عَنْ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٣] وقَوْلُ ابْنِ مَيّادَةَ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شَغُولُ
وَعَكَسَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ. فَقالَ: الإحْصارُ مِنَ العَدُوِّ، والحَصْرُ مِنَ المَرَضِ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ في ”المُجْمَلِ“ نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، ونَقَلَ البَغَوِيُّ نَحْوَهُ عَنْ ثَعْلَبٍ.
وَقالَ جَماعَةٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ الإحْصارَ يُسْتَعْمَلُ في الجَمِيعِ، وكَذَلِكَ الحَصْرُ، ومِمَّنْ قالَ بِاسْتِعْمالِ الإحْصارِ في الجَمِيعِ الفَرّاءُ، ومِمَّنْ قالَ: بِأنَّ الحَصْرَ (p-٧٧)والإحْصارَ يُسْتَعْمَلانِ في الجَمِيعِ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ.
* *
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا شَكَّ في جَوازِ إطْلاقِ الإحْصارِ عَلى ما كانَ مِنَ العَدُوِّ كَما سَتَرى تَحْقِيقَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، هَذا حاصِلُ كَلامِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في مَعْنى الإحْصارِ. وأمّا المُرادُ بِهِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ حَصْرُ العَدُوِّ خاصَّةً دُونَ المَرَضِ ونَحْوِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وبِهِ قالَ مَرْوانُ، وإسْحاقُ وهو الرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ ما كانَ مِنَ العَدُوِّ خاصَّةً، فَمَن أُحْصِرَ بِمَرَضٍ ونَحْوِهِ لا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتّى يَبْرَأ مِن مَرَضِهِ، ويَطُوفَ بِالبَيْتِ ويَسْعى، فَيَكُونُ مُتَحَلِّلًا بِعُمْرَةٍ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ مُتَرَكِّبَةٌ مِن أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نَزَلَتْ في صَدِّ المُشْرِكِينَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ وهم مُحْرِمُونَ بِعُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عامَ سِتٍّ بِإطْباقِ العُلَماءِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ فَلا يُمْكِنُ إخْراجُها بِمُخَصَّصٍ، فَشُمُولُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِإحْصارِ العَدُوِّ، الَّذِي هو سَبَبُ نُزُولِها قَطْعِيٌّ، فَلا يُمْكِنُ إخْراجُهُ مِنَ الآيَةِ بِوَجْهٍ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ ظَنِّيَّةُ الدُّخُولِ لا قَطْعِيَّتُهُ، وهو خِلافُ قَوْلِ الجُمْهُورِ وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎واجْزِمْ بِإدْخالِ ذَواتِ السَّبَبِ وارْوِ عَنِ الإمامِ ظَنًّا تُصِبِ
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ الإحْصارِ بِصِيغَةِ الرُّباعِيِّ عَلى ما كانَ مِن عَدُوٍّ صَحِيحٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِلا شَكَّ كَما تَرى، وأنَّهُ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي هو في أعْلى دَرَجاتِ الفَصاحَةِ والإعْجازِ.
الأمْرُ الثّانِي: ما ورَدَ مِنَ الآثارِ في أنَّ المُحْصَرَ بِمَرَضٍ ونَحْوِهِ لا يَتَحَلَّلُ إلّا بِالطَّوافِ والسَّعْيِ، فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ الشّافِعِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لا حَصْرَ إلّا حَصْرَ العَدُوِّ.
(p-٧٨)قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، وصَحَّحَهُ أيْضًا ابْنُ حَجَرٍ، ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «ألَيْسَ حَسْبُكم سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ حُبِسَ أحَدُكم عَنِ الحَجِّ طافَ بِالبَيْتِ، وبِالصَّفا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَحُجَّ عامًا قابِلًا فَيُهْدِي أوْ يَصُومُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”المُحْصَرُ بِمَرَضٍ لا يَحِلُّ حَتّى يَطُوفَ بِالبَيْتِ، ويَسْعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَإذا اضْطُرَّ إلى لُبْسِ شَيْءٍ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنها أوِ الدَّواءِ صَنَعَ ذَلِكَ وافْتَدى“ ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ والبَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أيُّوبَ السِّخْتِيانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ البَصْرَةِ كانَ قَدِيمًا أنَّهُ قالَ: خَرَجْتُ إلى مَكَّةَ حَتّى إذا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي، فَأرْسَلْتُ إلى مَكَّةَ وبِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والنّاسُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أحَدٌ أنْ أُحِلَّ، فَأقَمْتُ عَلى ذَلِكَ الماءِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ حَتّى أحْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. والرَّجُلُ البَصْرِيُّ المَذْكُورُ الَّذِي أبْهَمَهُ مالِكٌ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو أبُو قِلابَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الجَرْمِيُّ شَيْخُ أيُّوبَ، ومُعَلِّمُهُ كَما رَواهُ حَمّادُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرَقٍ، وسَمّى الرَّجُلَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ.
وَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ والبَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ: ”أنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزابَةَ المَخْزُومِيَّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ، فَسَألَ عَلى الماءِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ عَنِ العُلَماءِ، فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، ومَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ، فَذَكَرَ لَهُمُ الَّذِي عَرَضَ لَهُ فَكُلُّهم أمَرَهُ أنْ يَتَداوى بِما لا بُدَّ لَهُ مِنهُ، ويَفْتَدِيَ فَإذا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِن إحْرامِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قابِلُ، ويَهْدِي ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ“ .
قالَ مالِكٌ: وعَلى هَذا الأمْرِ عِنْدَنا فِيمَن أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ، وقَدْ أمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ وهَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ حِينَ فاتَهُما الحَجُّ وأتَيا يَوْمَ النَّحْرِ أنْ يَحِلّا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَرْجِعا حَلالًا، ثُمَّ يَحُجّانِ عامًا قابِلًا ويَهْدِيانِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ.
وَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ والبَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها كانَتْ تَقُولُ: ”المُحْرِمُ لا يُحِلُّهُ إلّا البَيْتُ“ والظّاهِرُ أنَّها تَعْنِي غَيْرَ المُحْصَرِ بِعَدُوٍّ، كَما جَزَمَ بِهِ الزَّرْقانِيُّ في ”شَرْحِ المُوَطَّأِ“ هَذا هو حاصِلُ أدِلَّةِ القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ في الآيَةِ هو ما كانَ مِن خُصُوصِ العَدُوِّ دُونَ ما كانَ مِن مَرَضٍ ونَحْوِهِ.
* *
(p-٧٩)القَوْلُ الثّانِي: في المُرادِ بِالإحْصارِ أنَّهُ يَشْمَلُ ما كانَ مِن عَدُوٍّ ونَحْوِهِ، وما كانَ مِن مَرَضٍ ونَحْوِهِ، مِن جَمِيعِ العَوائِقِ المانِعَةِ مِنَ الوُصُولِ إلى الحَرَمِ. ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وقَتادَةُ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وعَلْقَمَةُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ وأبُو ثَوْرٍ وداوُدُ وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ شُمُولِهِ لِإحْصارِ العَدُوِّ قَدْ تَقَدَّمَتْ في حُجَّةِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَأمّا مِن جِهَةِ شُمُولِهِ لِلْإحْصارِ بِمَرَضٍ فَهي ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن كُسِرَ أوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى» فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ فَقالا: صَدَقَ.
وَفِي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ: ”مَن عَرِجَ، أوْ كُسِرَ، أوْ مَرِضَ“ فَذَكَرَ مَعْناهُ.
وَفِي رِوايَةٍ ذَكَرَها أحْمَدُ في رِوايَةِ المَرْوَزِيِّ: ”مَن حُبِسَ بِكَسْرٍ أوْ مَرَضٍ“ هَذا الحَدِيثُ سَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ، والمُنْذِرِيُّ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ هَذا: رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ قُوَّةَ حُجَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ، ورَدَّ المُخالِفُونَ الِاحْتِجاجَ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ هَذا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ قالَ: وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إنْ صَحَّ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ بَعْدَ فَواتِهِ بِما يَحِلُّ بِهِ مَن يَفُوتُهُ الحَجُّ بِغَيْرِ مَرَضٍ. فَقَدْ رُوِّينا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ثابِتًا عَنْهُ، قالَ: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ عَدُوٍّ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو حَمْلُ حِلِّهِ المَذْكُورِ في الحَدِيثِ عَلى ما إذا اشْتَرَطَ في إحْرامِهِ أنَّهُ يَحِلُّ حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّهُ بِالعُذْرِ، والتَّحْقِيقُ: جَوازُ الِاشْتِراطِ في الحَجِّ بِأنْ يُحْرِمَ ويَشْتَرِطَ أنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّهُ، ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَن مَنَعَ الِاشْتِراطَ؛ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقالَ لَها: ”لَعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ ؟“ قالَتْ: واللَّهِ ما أجِدُنِي إلّا وجِعَةً. فَقالَ لَها: ”حُجِّي واشْتَرِطِي، وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»“ وكانَتْ تَحْتَ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ.
(p-٨٠)وَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ وأحْمَدُ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنْ ضُباعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأةٌ ثَقِيلَةٌ، وإنِّي أُرِيدُ الحَجَّ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أأُهِلُّ ؟ قالَ: ”أهِلِّي واشْتَرِطِي أنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي“، قالَ: فَأدْرَكَتْ» .
وَلِلنَّسائِيِّ في رِوايَةٍ: وقالَ: ”فَإنَّ لَكَ عَلى رَبِّكِ ما اسْتَثْنَيْتِ“ .
* *
القَوْلُ الثّالِثُ: في المُرادِ بِالإحْصارِ أنَّهُ ما كانَ مِنَ المَرَضِ ونَحْوِهِ خاصَّةً، دُونَ ما كانَ مِنَ العَدُوِّ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ المَنقُولُ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، وإنَّما جازَ التَّحَلُّلُ مِن إحْصارِ العَدُوِّ عِنْدَ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ مِن إلْغاءِ الفارِقِ وأخْذِ حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ، فَإحْصارُ العَدُوِّ عِنْدَهم مُلْحَقٌ بِإحْصارِ المَرَضِ بِنَفْيِ الفارِقِ.
وَلا يَخْفى سُقُوطُ هَذا القَوْلِ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في إحْصارِ العَدُوِّ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو الحَقُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ في الآيَةِ إحْصارُ العَدُوِّ، وأنَّ مَن أصابَهُ مَرَضٌ أوْ نَحْوُهُ لا يَحِلُّ إلّا بِعُمْرَةٍ؛ لِأنَّ هَذا هو الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَلا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الرُّخْصَةَ لا تَتَعَدّى مَحِلَّها، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وَأمّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ الَّذِي رَواهُ عَنِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَلا تَنْهَضُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِتَعَيُّنِ حَمْلِهِ عَلى ما إذا اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الإحْرامِ؛ بِدَلِيلِ ما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وأصْحابِ السُّنَنِ، وغَيْرِهِمْ مِن «أنَّهُ ﷺ قالَ لِضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلَبِ: ”حُجِّي واشْتَرِطِي“» ولَوْ كانَ التَّحَلُّلُ جائِزًا دُونَ شَرْطٍ كَما يُفْهَمُ مِن حَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو لَما كانَ لِلِاشْتِراطِ فائِدَةٌ، وحَدِيثُ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ بِالِاشْتِراطِ أصَحُّ مِن حَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو، والجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ واجِبٌ إذا أمْكَنَ، وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] (p-٨١)
؎والجَمْعُ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنا إلّا فَلِلْأخِيرِ نَسْخٌ بَيِّنا
وَهُوَ مُمْكِنٌ في الحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ حَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو عَلى ما إذا اشْتَرَطَ ذَلِكَ في الإحْرامِ، فَيَتَّفِقُ مَعَ الحَدِيثَيْنِ الثّابِتَيْنِ في الصَّحِيحِ، فَإنْ قِيلَ: يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الأحادِيثِ بِغَيْرِ هَذا، وهو حَمْلُ أحادِيثِ الِاشْتِراطِ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ مِن غَيْرِ أنْ تَلْزَمَهُ حُجَّةً أُخْرى، وحُمِلَ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ، وعَلَيْهِ حُجَّةٌ أُخْرى، ويَدُلُّ لِهَذا الجَمْعِ أنَّ أحادِيثَ الِاشْتِراطِ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ حَجَّةٍ أُخْرى.
وَحَدِيثُ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى» .
فالجَوابُ أنَّ وُجُوبَ البَدَلِ بِحَجَّةٍ أُخْرى أوْ عُمْرَةٍ أُخْرى لَوْ كانَ يَلْزَمُ، لَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ أنْ يَقْضُوا عُمْرَتَهُمُ الَّتِي صَدَّهم عَنْها المُشْرِكُونَ.
قالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ في بابِ ”مَن قالَ لَيْسَ عَلى المُحْصَرِ بَدَلٌ“ ما نَصُّهُ: وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، ويَحْلِقُ في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ، ولا قَضاءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وحَلَقُوا وحَلُّوا مِن كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوافِ، وقَبْلَ أنْ يَصِلَ الهَدْيُ إلى البَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أحَدًا أنْ يَقْضُوا شَيْئًا، ولا يَعُودُوا لَهُ والحُدَيْبِيَةُ خارِجٌ مِنَ الحَرَمِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ قالَ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ إنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَّ هو وأصْحابُهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرُوا الهَدْيَ، وحَلَقُوا رُءُوسَهم، وحَلُّوا مِن كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ، وقَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ الهَدْيُ، ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أحَدًا مِن أصْحابِهِ، ولا مِمَّنْ كانَ مَعَهُ أنْ يَقْضُوا شَيْئًا، ولا يَعُودُوا لِشَيْءٍ. انْتَهى بِلَفْظِهِ مِنَ [ المُوَطَّأِ ] . ولا يُعارَضُ ما ذَكَرْنا بِما رَواهُ الواقِدِيُّ في المَغازِي مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، ومِن طَرِيقِ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِما، قالُوا: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ أنْ يَعْتَمِرُوا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم إلّا مَن قُتِلَ بِخَيْبَرَ، أوْ ماتَ، وخَرَجَ مَعَهُ جَماعَةٌ مُعْتَمِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدُوا الحُدَيْبِيَةَ، وكانَتْ عِدَّتُهم ألْفَيْنِ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قالَ: والَّذِي أعْقِلُهُ في أخْبارِ أهْلِ المَغازِي شَبِيهٌ بِما ذَكَرْتُ؛ لِأنّا عَلِمْنا مِن مُتَواطِئِ أحادِيثِهِمْ أنَّهُ كانَ مَعَهُ عامُ الحُدَيْبِيَةِ رِجالٌ مَعْرُوفُونَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، فَتَخَلَّفَ بَعْضُهم بِالمَدِينَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ في نَفْسٍ ولا مالٍ، ا ه.
فَهَذا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَزَمَ بِأنَّهم تَخَلَّفَ مِنهم رِجالٌ مَعْرُوفُونَ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ في نَفْسٍ ولا مالٍ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي.
(p-٨٢)وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: ويُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا إنْ صَحَّ وبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ، بِأنَّ الأمْرَ كانَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْبابِ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ جازِمٌ بِأنَّ جَماعَةً تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ في عُمْرَةِ القَضاءِ: إنَّما سُمِّيَتْ عُمْرَةُ القَضاءِ والقَضِيَّةِ لِلْمُقاضاةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، لا عَلى أنَّهم وجَبَ عَلَيْهِمْ قَضاءُ تِلْكَ العُمْرَةِ، ا ه.
وَرَوى الواقِدِيُّ نَحْوَ هَذا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ في البابِ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: ”وَقالَ رَوْحٌ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّما البَدَلُ عَلى مَن نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأمّا مَن حَبَسَهُ عُذْرٌ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَحِلُّ، ولا يَرْجِعُ“ . انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ هَذا بِإسْنادٍ آخَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وفِيهِ: فَإنْ كانَتْ حَجَّةَ الإسْلامِ فَعَلَيْهِ قَضاؤُها، وإنْ كانَتْ غَيْرَ الفَرِيضَةِ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، ا ه. فَإذا عَلِمْتَ هَذا وعَلِمْتَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِمَّنْ رَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ الحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو، وأنَّ راوِيَ الحَدِيثِ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِهِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ ابْنُ عَبّاسٍ الَّذِي دَعا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ، وهو مُصَرِّحٌ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو وعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى، مَحِلُّهُ فِيما إذا كانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، تَعْلَمُ أنَّ الجَمْعَ الأوَّلَ الَّذِي ذَكَرْنا هو المُتَعَيِّنُ، واخْتارَهُ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن عُلَماءِ الشّافِعِيَّةِ، وأنَّ الجَمْعَ الأخِيرَ لا يَصِحُّ؛ لِتَعَيُّنِ حَمْلِ الحَجَّةِ المَذْكُورَةِ عَلى حَجَّةِ الإسْلامِ، ا ه.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ لا إحْصارَ إلّا بِالعَدُوِّ خاصَّةً، وأنَّ المُحْصَرَ بِمَرَضٍ لا يَحِلُّ حَتّى يَبْرَأ، ويَطُوفَ بِالبَيْتِ وبِالصَّفا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَحُجَّ عامًا قابِلًا، فَيَهْدِي أوْ يَصُومُ، إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا كَما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَما تَقَدَّمَ.
فَهُوَ مِن حَيْثُ أنَّ المَرِيضَ عِنْدَهم غَيْرُ مُحْصَرٍ، فَهو كَمَن أحْرَمَ وفاتَهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ يَطُوفُ ويَسْعى ويَحُجُّ مِن قابِلٍ، ويَهْدِي أوْ يَصُومُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، ا ه.
* *
وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ رابِعٌ: وهو أنَّهُ لا إحْصارَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِعُذْرٍ كائِنًا ما كانَ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، ولا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ عِنْدَ العُلَماءِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الإحْصارِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في (p-٨٣)القُرْآنِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يَرِدْ فِيهِ نَسْخٌ، فادِّعاءُ دَفْعِهِ بِلا دَلِيلٍ واضِحُ السُّقُوطِ كَما تَرى، هَذا هو خُلاصَةُ البَحْثِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ شاةٌ فَما فَوْقَها، وهو مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ورَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.
وَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ إنَّما هو الإبِلُ والبَقَرُ دُونَ الغَنَمِ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عُمَرَ، وسالِمٍ، والقاسِمِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والظّاهِرُ أنَّ مُسْتَنَدَ هَؤُلاءِ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ قِصَّةُ الحُدَيْبِيَةِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ ذَبَحَ في تَحَلُّلِهِ ذَلِكَ شاةً، وإنَّما ذَبَحُوا الإبِلَ والبَقَرَ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَقَرَةٍ» .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ المُرادَ بِما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ما تَيَسَّرَ مِمّا يُسَمّى هَدْيًا، وذَلِكَ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأنْعامِ: مِن إبِلٍ، وبَقَرٍ، وغَنَمٍ، فَإنْ تَيَسَّرَتْ شاةٌ أجْزَأتْ، والنّاقَةُ والبَقَرَةُ أوْلى بِالإجْزاءِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «أهْدى ﷺ مَرَّةً غَنَمًا» .
* *
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ
الفَرْعُ الأوَّلِ: إذا كانَ مَعَ المُحْصَرِ هَدْيٌ لَزِمَهُ نَحْرُهُ إجْماعًا، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ يَنْحَرُهُ في المَحِلِّ الَّذِي حُصِرَ فِيهِ، حِلًّا كانَ أوْ حَرَما، وقَدْ نَحَرَ ﷺ هو وأصْحابُهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وجَزَمَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ المَوْضِعَ الَّذِي نَحَرُوا فِيهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الحِلِّ لا مِنَ الحَرَمِ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِدَلِيلٍ واضِحٍ مِنَ القُرْآنِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فَهو نَصٌّ (p-٨٤)صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ الهَدْيَ لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ، ولَوْ كانَ في الحَرَمِ لَكانَ بالِغًا مَحِلَّهُ، ورَوى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ مِن طَرِيقِ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «لَمّا حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ نَحَرُوا بِالحُدَيْبِيَةِ، وبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَحَمَلَتْ شُعُورَهم، فَألْقَتْها في الحَرَمِ» وعَقَدَهُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَنَحَرُوا وحَلَّقُوا وحَمَلَتْ شُعُورَهم لِلْبَيْتِ رِيحٌ قَدْ غَلَتْ
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”الِاسْتِذْكارِ“: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَحَرُوا في الحِلِّ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا أرْسَلُوا هَدْيَهم مَعَ مَن يَنْحَرُهُ في الحَرَمِ، قالَ: وقَدْ ورَدَ في ذَلِكَ «حَدِيثُ ابْنِ جُنْدَبِ بْنِ جُنْدَبٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ مَعِي الهَدْيَ حَتّى أنْحَرَهُ في الحَرَمِ» . أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ إسْرائِيلَ، عَنْ مَجْزَأةَ بْنِ زاهِرٍ، عَنْ ناجِيَةَ، وأخْرَجَهُ الطَّحاوِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ إسْرائِيلَ، لَكِنْ قالَ عَنْ ناجِيَةَ، عَنْ أبِيهِ: لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ هَذا وُجُوبُهُ، بَلْ ظاهِرُ القِصَّةِ أنَّ أكْثَرَهم نَحَرَ في مَكانِهِ وكانُوا في الحِلِّ، وذَلِكَ دالٌّ عَلى الجَوازِ واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وخالَفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الجُمْهُورَ، وقالَ: لا يَنْحَرُ المُحْصَرُ هَدْيَهُ إلّا في الحَرَمِ، فَيَلْزَمُهُ أنْ يَبْعَثَ بِهِ إلى الحَرَمِ، فَإذا بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ حَلَّ، وقالَ: إنَّ المَوْضِعَ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مِن طَرَفِ الحَرَمِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ورُدَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِما قَدَّمْنا مِن أنَّهُ نَحَرَ في الحِلِّ، وأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، لا عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ أوْ أنَّ المُرادَ بِمَحِلِّهِ المَحِلُّ الَّذِي يَجُوزُ نَحْرَهُ فِيهِ، وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُحْصَرِ حَيْثُ أُحْصِرَ، ولَوْ كانَ في الحِلِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وهو أنَّهُ إنِ اسْتَطاعَ إرْسالَ الهَدْيِ إلى الحَرَمِ أرْسَلَهُ ولا يَحِلُّ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، إذْ لا وجْهَ لِنَحْرِ الهَدْيِ في الحِلِّ مَعَ تَيَسُّرِ الحَرَمِ، وإنْ كانَ لا يَسْتَطِيعُ إرْسالَهُ إلى الحَرَمِ نَحَرَهُ في المَكانِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ مِنَ الحِلِّ.
قالَ البُخارِيُّ في [ صَحِيحِهِ ] في ”بابِ مَن قالَ لَيْسَ عَلى المُحْصَرِ بَدَلٌ“ ما نَصُّهُ: (p-٨٥)وَقالَ رَوْحٌ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”إنَّما البَدَلُ عَلى مَن نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأمّا مَن حَبَسَهُ عُذْرٌ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَحِلُّ، ولا يَرْجِعُ“ وإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ وهو مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إنْ كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَبْعَثَ بِهِ، وإنِ اسْتَطاعَ أنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، ا ه، مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ؛ لِظُهُورِ وجْهِهِ كَما تَرى.
* *
الفَرْعُ الثّانِي: إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُحْصَرِ هَدْيٌ، فَهَلْ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَرِيَ الهَدْيَ ولا يَحِلَّ حَتّى يَهْدِيَ، أوْ لَهُ أنْ يَحِلَّ بِدُونِ هَدْيٍ ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ الهَدْيَ واجِبٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَلا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِدُونِهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، ووافَقَ الجُمْهُورَ أشْهَبُ مِن أصْحابِ مالِكٍ، وخالَفَ مالِكٌ، وابْنُ القاسِمِ الجُمْهُورَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالا: لا هَدْيَ عَلى المُحْصَرِ إنْ لَمْ يَكُنْ ساقَهُ مَعَهُ قَبْلَ الإحْصارِ.
وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ واضِحَةٌ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَتَعْلِيقُهُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ عَلى الإحْصارِ تَعْلِيقُ الجَزاءِ عَلى شَرْطِهِ، يَدُلُّ عَلى لُزُومِ الهَدْيِ بِالإحْصارِ لِمَن أرادَ التَّحَلُّلَ بِهِ، دَلالَةٌ واضِحَةٌ كَما تَرى، فَإنْ عَجَزَ المُحْصَرُ عَنِ الهَدْيِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَلٌ عَنْهُ أوْ لا ؟
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا بَدَلَ إنْ عَجَزَ عَنْهُ، ومِمَّنْ قالَ لا بَدَلَ لِهَدْيِ المُحْصَرِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ فَإنَّ المُحْصَرَ عِنْدَهُ إذا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يَبْقى مُحْرِمًا حَتّى يَجِدَ هَدْيًا، أوْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ.
وَقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِأنَّهُ لا بَدَلَ لَهُ: إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا حَلَّ بِدُونِهِ، وإنْ تَيَسَّرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَدْيٌ أهْداهُ.
وَقالَ جَماعَةٌ: إنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ فَلَهُ بَدَلٌ، واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في بَدَلِ الهَدْيِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو صَوْمُ عَشَرَةِ أيّامٍ قِياسًا عَلى مَن عَجَزَ عَمّا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ في التَّمَتُّعِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، وهو إحْدى الرِّواياتِ عَنِ الشّافِعِيِّ، وأصَحُّ الرِّواياتِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ في بَدَلِ هَدْيِ المُحْصَرِ أنَّهُ بِالإطْعامِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ في ”كِتابِ الأوْسَطِ“ فَتُقَوَّمُ الشّاةُ ويَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِها طَعامًا، فَإنْ عَجَزَ صامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وقِيلَ إطْعامٌ كَإطْعامِ فِدْيَةِ الأذى وهو ثَلاثَةُ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَساكِينَ، وقِيلَ: بَدَلُهُ صَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، (p-٨٦)وَقِيلَ: بَدَلُهُ صَوْمٌ بِالتَّعْدِيلِ، تُقَوَّمُ الشّاةُ ويُعْرَفُ قَدْرُ ما تُساوِي قِيمَتُها مِنَ الأمْدادِ، فَيَصُومُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ دَلِيلٌ واضِحٌ، وأقْرَبُها قِياسُهُ عَلى التَّمَتُّعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
الفَرْعُ الثّالِثُ: هَلْ يَلْزَمُ المُحْصَرُ إذا أرادَ التَّحَلُّلَ حَلْقٌ أوْ تَقْصِيرٌ، أوْ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ؟
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا، فَذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومُحَمَّدٌ إلى أنَّهُ لا حَلْقَ عَلَيْهِ ولا تَقْصِيرَ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الحَلْقَ ولَوْ كانَ لازِمًا لَبَيَّنَهُ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ لِعَدَمِ لُزُومِ الحَلْقِ؛ بِأنَّ الحَلْقَ لَمْ يُعْرَفْ كَوْنُهُ نُسُكًا إلّا بَعْدَ أداءِ الأفْعالِ، وقَبْلُهُ جِنايَةٌ، فَلا يُؤْمَرُ بِهِ، ولِهَذا العَبْدُ والمَرْأةُ إذا مَنَعَهُما السَّيِّدُ والزَّوْجُ لا يُؤْمَرانِ بِالحَلْقِ إجْماعًا.
وَعَنِ الشّافِعِيِّ في حَلْقِ المُحْصَرِ رِوايَتانِ مَبْنِيَّتانِ عَلى الخِلافِ في الحَلْقِ، هَلْ هو نُسُكٌ أوْ إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ ؟ وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ: إلى أنَّ المُحْصَرَ عَلَيْهِ أنْ يَحْلِقَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ: هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ وأصْحابُهُ مِن لُزُومِ الحَلْقِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .
وَلِما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ ﷺ، «أنَّهُ حَلَقَ لَمّا صَدَّهُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وهو مُحْرِمٌ، وأمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَحْلِقُوا، وقالَ: ”اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ“ قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ“ قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”والمُقَصِّرِينَ“ .»
فَهَذِهِ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ عَلى عَدَمِ سُقُوطِ الحَلْقِ عَنِ المُحْصَرِ. وقِياسُ مَن قالَ بِعَدَمِ اللُّزُومِ الحَلْقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْعالِ النُّسُكِ الَّتِي صُدَّ عَنْها ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ، والسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مَثَلًا، كُلُّ ذَلِكَ مُنِعَ مِنهُ المُحْصَرُ وصُدَّ عَنْهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ومُنِعَ مِنهُ.
وَأمّا الحِلاقُ فَلَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ وهو قادِرٌ عَلى أنْ يَفْعَلَهُ؛ فَلا وجْهَ لِسُقُوطِهِ، ولا (p-٨٧)شَكَّ أنَّ الَّذِي تَدُلُّ نُصُوصُ الشَّرْعِ عَلى رُجْحانِهِ، أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ عَلى مَن أتَمَّ نُسُكَهُ، وعَلى مَن فاتَهُ الحَجُّ، وعَلى المُحْصَرِ بِعَدُوٍّ، وعَلى المُحْصَرِ بِمَرَضٍ.
وَعَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ مِن أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ، فالمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي النِّيَّةُ، وذَبْحُ الهَدْيِ، والحِلاقُ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ والذَّبْحِ.
* *
الفَرْعُ الرّابِعُ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ نَحَرَ قَبْلَ أنْ يَحْلِقَ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، وفي حَجَّةِ الوَداعِ، ودَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الحَلْقِ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [ الآيَةَ: ٢٨ ] .
فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٤] ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى عِنْدَ نَحْرِ البُدْنِ إجْماعًا، وقَدْ قالَ تَعالى بَعْدَهُ عاطِفًا بِثُمَّ الَّتِي هي لِلتَّرْتِيبِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] . وقَضاءُ التَّفَثِ يَدْخُلُ فِيهِ بِلا نِزاعٍ إزالَةُ الشَّعْرِ بِالحَلْقِ، فَهو نَصٌّ صَرِيحٌ في الأمْرِ بِتَقْدِيمِ النَّحْرِ عَلى الحَلَقِ، ومِن إطْلاقِ التَّفَثِ عَلى الشَّعْرِ ونَحْوِهِ، قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: [ البَسِيطِ ]
؎حَفُّوا رُؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ولَمْ يَسَلُّوا لَهم قَمْلًا وصِئْبانًا
وَرَوى بَعْضُهم بَيْتَ أُمَيَّةَ المَذْكُورِ هَكَذا: [ البَسِيطِ ]
؎ساخِينَ آباطِهِمْ لَمْ يَقْذِفُوا تَفَثًا ∗∗∗ ويَنْزِعُوا عَنْهم قَمْلًا وصِئْبانًا
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: [ الوافِرِ ]
؎قَضَوْا تَفَثًا ونَحْبًا ثُمَّ سارُوا ∗∗∗ إلى نَجْدٍ وما انْتَظَرُوا عَلِيًّا
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ دَلالَةً لا لَبْسَ فِيها عَلى أنَّ الحَلْقَ بَعْدَ النَّحْرِ، ولَكِنْ إذا عَكَسَ الحاجُّ أوِ المُعْتَمِرُ، فَحَلَقَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ أنَّ ذَلِكَ لا حَرَجَ فِيهِ، والتَّعْبِيرُ بِنَفْيِ الحَرَجِ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلى سُقُوطِ الإثْمِ والدَّمِ مَعًا، وقِيلَ فِيمَن حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَنْحِرَ مُحْصَرًا كانَ أوْ غَيْرَهُ: إنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ، فَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ الأعْمَشِ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قالَ: عَلَيْهِ دَمٌ. قالَ إبْراهِيمُ وحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. ذَكَرَهُ في المُحْصَرِ.
(p-٨٨)قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: والظّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ: أنَّ الدَّلِيلَ عِنْدَ مَن قالَ بِذَلِكَ هو الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِأنَّهُ ﷺ، لَمّا صَدَّهُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ نَحَرَ قَبْلَ الحَلْقِ، وأمَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، عَنِ المِسْوَرِ ومَرْوانَ في حَدِيثِ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ والصُّلْحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن قَضِيَّةِ الكِتابِ قالَ لِأصْحابِهِ: «قُومُوا فانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» .
وَلِلْبُخارِيِّ عَنِ المِسْوَرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أنْ يَحْلِقَ، وأمَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ»، ا هـ. فَدَلَّ فِعْلُهُ وأمْرُهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو اللّازِمُ لِلْمُحْصَرِ، ومَن قَدَّمَ الحَلْقَ عَلى النَّحْرِ فَقَدْ عَكَسَ ما أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، ومَن أخَلَّ بِنُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ نُصُوصُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أنَّ النَّحْرَ مُقَدَّمٌ عَلى الحَلْقِ، ولَكِنْ مَن حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ مِن إثْمٍ ولا دَمٍ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أجابَ مَن سَألَهُ، بِأنَّهُ ظَنَّ الحَلْقَ قَبْلَ النَّحْرِ فَنَحَرَ قَبْلَ أنْ يَحْلِقَ، بِأنْ قالَ لَهُ: ”افْعَلْ ولا حَرَجَ“» .
وَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ في الذَّبْحِ، والحَلْقِ، والرَّمْيِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فَقالَ: ”لا حَرَجَ“» .
وَفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ، وأبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وابْنِ ماجَهْ «سَألَهُ رَجُلٌ فَقالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: ”اذْبَحْ ولا حَرَجَ“، وقالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ ما أمْسَيْتُ، فَقالَ: ”افْعَلْ ولا حَرَجَ“» .
وَفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ، «قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قالَ: ”لا حَرَجَ“، قالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: ”لا حَرَجَ»“، والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ. وهي تَدُلُّ دَلالَةً لا لَبْسَ فِيها عَلى أنَّ مَن حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ لا شَيْءَ عَلَيْهِ مِن إثْمٍ ولا فِدْيَةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”لا حَرَجَ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ رُكِّبَتْ مَعَ لا فَبُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ، والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي نَصٌّ صَرِيحٌ في العُمُومِ، فالأحادِيثُ إذَنْ نَصٌّ صَرِيحٌ في عُمُومِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ أنْواعِ الحَرَجِ مِن إثْمٍ وفِدْيَةٍ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلا يَتَّضِحُ حَمْلُ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ عَلى مَن قَدَّمَ الحَلْقَ جاهِلًا أوْ ناسِيًا، وإنْ كانَ سِياقُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو المُتَّفَقِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّائِلَ جاهِلٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ (p-٨٩)تِلْكَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في الصَّحِيحِ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ النِّسْيانِ ولا الجَهْلِ، فَيَجِبُ اسْتِصْحابُ عُمُومِها حَتّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى التَّخْصِيصِ بِالنِّسْيانِ والجَهْلِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أيْضًا في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ جَوابَ المَسْئُولِ لِمَن سَألَهُ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ المَنطُوطِ بِالذِّكْرِ لِمُطابَقَةِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ لِإخْراجِ المَفْهُومِ عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ، وقَدْ أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ في مَبْحَثِ مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يَمْنَعُ اعْتِبارَهُ: [ الرَّجَزِ ]
؎أوْ جَهْلُ الحُكْمِ أوِ النُّطْقِ انْجَلَبْ ∗∗∗ لِلسُّؤْلِ أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبْ
كَما يَأْتِي بَيانُهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٩] وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ وصْفَ عَدَمِ الشُّعُورِ الوارِدِ في السُّؤالِ لا مَفْهُومَ لَهُ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: وتَعْلِيقُ سُؤالِ بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ الشُّعُورِ لا يَسْتَلْزِمُ سُؤالَ غَيْرِهِ بِهِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ الحُكْمَ بِحالَةِ عَدَمِ الشُّعُورِ، ولا يَجُوزُ اطِّراحُها بِإلْحاقِ العَمْدِ بِها.
وَلِهَذا يُعْلَمُ أنَّ التَّعْوِيلَ في التَّخْصِيصِ عَلى وصْفِ عَدَمِ الشُّعُورِ المَذْكُورِ في سُؤالِ بَعْضِ السّائِلِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمَطْلُوبِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
البقرة 2:198
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذا الفَضْلُ الَّذِي لا جُناحَ في ابْتِغائِهِ أثْناءَ الحَجِّ. وأشارَ في آياتٍ أُخَرَ إلى أنَّهُ رِبْحُ التِّجارَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] لِأنَّ الضَّرْبَ في الأرْضِ عِبارَةٌ عَنِ السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ، فَمَعْنى الآيَةِ يُسافِرُونَ يَطْلُبُونَ رِبْحَ التِّجارَةِ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أيْ: بِالبَيْعِ والتِّجارَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ [الليل: ٩] أيْ: فَإذا انْقَضَتْ صَلاةُ الجُمُعَةِ فاطْلُبُوا الرِّبْحَ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكم عِنْدَ النِّداءِ لَها.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ أنَّ غَلَبَةَ إرادَةِ المَعْنى المُعَيَّنِ في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ؛ لِأنَّ الحَمْلَ عَلى الغالِبِ أوْلى، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ رِبْحُ التِّجارَةِ كَما ذَكَرْنا.
البقرة 2:199
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ)﴾ [البقرة: ١٩٩] لَمْ يُبَيِّنْ هُنا المَكانَ المَأْمُورَ بِالإفاضَةِ مِنهُ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظَةِ (p-٩٠)(حَيْثُ) الَّتِي هي كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المَكانِ، كَما تَدُلُّ ”حِينَ“ عَلى الزَّمانِ.
وَلَكِنَّهُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿(فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ)﴾ [البقرة: ١٩٨] وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقِفُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِالمُزْدَلِفَةِ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ قُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ، ولا يَنْبَغِي لَنا أنْ نَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ؛ لِأنَّ عَرَفاتَ خارِجٌ عَنِ الحَرَمِ وعامَّةُ النّاسِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، «فَأمَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ، أنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ»، وهو عَرَفاتٌ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ كَفِعْلِ قُرَيْشٍ.
وَهَذا هو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيْهِ الإجْماعَ، وعَلَيْهِ فَلَفْظَةُ ”ثُمَّ“ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ بِمَعْنى عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وتَرْتِيبِها عَلَيْها في مُطْلَقِ الذِّكْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧] .
وَقَوْلُ الشّاعِرِ: [ الخَفِيفِ ]
؎إنَّ مَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ الآيَةَ؛ أيْ: مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في هَذا القَوْلِ: ولَوْلا إجْماعُ الحُجَّةِ عَلى خِلافِهِ لَكانَ هو الأرْجَحَ.
البقرة 2:212
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ [البقرة: ٢١٢] لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سُخْرِيَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مِن هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها الضَّحِكُ مِنهم والتَّغامُزُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ)﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا فَوْقِيَّةَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] .
البقرة 2:216
(p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم)﴾ لَمْ يَصِفْ هَذا الخَيْرَ هُنا بِالكَثْرَةِ وقَدْ وصَفَهُ بِها في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
البقرة 2:217
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا)﴾ [البقرة: ٢١٧]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ أوْ لا ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وأنَّهم حَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ مِن رَدِّ المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣] . وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ مُظْهِرٌ دِينَ الإسْلامِ عَلى كُلِّ دِينٍ كَقَوْلِهِ في ”بَراءَةٌ“ و ”الصَّفِّ“، و ”الفَتْحِ“ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحْبِطُ العَمَلَ إلّا بِقَيْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ العَمَلَ مُطْلَقًا، ولَوْ رَجَعَ إلى الإسْلامِ فَكُلُّ ما عَمِلَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أحْبَطَتْهُ الرِّدَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ هَذِهِ مِن مَسائِلِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، فَتُقَيَّدُ الآياتُ المُطْلَقَةُ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ وهَذا مُقْتَضى الأُصُولِ، وعَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ، وخالَفَ مالِكٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ وقَدَّمَ آياتَ الإطْلاقِ، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ أجْرى عَلى الأُصُولِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:219
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ)﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذا الإثْمُ الكَبِيرُ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ إيقاعُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَهم، والصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] .
البقرة 2:221
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ)﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ عُمُومِهِ شُمُولُ الكِتابِيّاتِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ الكِتابِيّاتِ لَسْنَ داخِلاتٍ في هَذا التَّحْرِيمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥] فَإنْ قِيلَ: الكِتابِيّاتُ لا يَدْخُلْنَ في اسْمِ المُشْرِكاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، فالجَوابُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ داخِلُونَ في اسْمِ المُشْرِكِينَ كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠، ٣١] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ كُلِّ كافِرَةٍ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى جَوازِ نِكاحِ بَعْضِ الكافِراتِ وهُنَّ الحَرائِرُ والكِتابِيّاتُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥] .
والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تُخَصِّصُ قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ أيْ ما لَمْ يَكُنَّ كِتابِيّاتٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الإجْماعَ عَلى هَذا.
وَأمّا ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِن إنْكارِهِ عَلى طَلْحَةَ تَزْوِيجَ يَهُودِيَّةٍ وعَلى حُذَيْفَةَ تَزْوِيجَ (p-٢٢٦)نَصْرانِيَّةٍ، فَإنَّهُ إنَّما كَرِهَ نِكاحَ الكِتابِيّاتِ لِئَلّا يَزْهَدَ النّاسُ في المُسْلِماتِ، أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
البقرة 2:222
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ)﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا المَكانَ (p-٩٢)المَأْمُورَ بِالإتْيانِ مِنهُ، المُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظَةِ ”حَيْثُ“ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ الإتْيانُ في القُبُلِ في آيَتَيْنِ:
إحْداهُما: هي قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَأْتُوا) أمْرٌ بِالإتْيانِ بِمَعْنى الجِماعِ، وقَوْلِهِ: (حَرْثَكم)، يُبَيِّنُ أنَّ الإتْيانَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو في مَحَلِّ الحَرْثِ يَعْنِي بَذْرَ الوَلَدِ بِالنُّطْفَةِ، وذَلِكَ هو القُبُلُ دُونَ الدُّبُرِ كَما لا يَخْفى؛ لِأنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلُّ بَذْرٍ لِلْأوْلادِ، كَما هو ضَرُورِيٌّ.
الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] لِأنَّ المُرادَ بِما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمُ الوَلَدُ، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وقَدْ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَكَمِ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ ابْتِغاءَ الوَلَدِ إنَّما هو بِالجِماعِ في القُبُلِ. فالقُبُلُ إذَنْ هو المَأْمُورُ بِالمُباشَرَةِ فِيهِ بِمَعْنى الجِماعِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ فالآنَ باشِرُوهُنَّ ولْتَكُنْ تِلْكَ المُباشَرَةُ في مَحَلِّ ابْتِغاءِ الوَلَدِ، الَّذِي هو القُبُلُ دُونَ غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، يَعْنِي الوَلَدَ.
وَيَتَّضِحُ لَكَ مِن هَذا أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] يَعْنِي أنْ يَكُونَ الإتْيانُ في مَحَلِّ الحَرْثِ عَلى أيِّ حالَةٍ شاءَ الرَّجُلُ، سَواءٌ كانَتِ المَرْأةُ مُسْتَلْقِيَةً، أوْ بارِكَةً، أوْ عَلى جَنْبٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذا جامَعَها مِن ورائِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَتْ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾» .
فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ جابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَأْتُوهُنَّ في القُبُلِ عَلى أيَّةِ حالَةٍ شِئْتُمْ، ولَوْ كانَ مِن ورائِها.
والمُقَرَّرُ في عُلُومِ الحَدِيثِ أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِسَبَبِ النُّزُولِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ كَما عَقَدَهُ صاحِبُ ”طَلْعَةِ الأنْوارِ“، بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎تَفْسِيرُ صاحِبٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالسَّبَبِ الرَّفْعُ لَهُ مُحَقِّقٌ
وَقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ ما نَصُّهُ: وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُخالِفُ مِن أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ شامِلٌ لِلْمَسالِكِ بِحُكْمِ عُمُومِها، فَلا حُجَّةَ فِيها؛ إذْ هي مُخَصَّصَةٌ بِما ذَكَرْناهُ، وبِأحادِيثَ صَحِيحَةٍ حِسانٍ (p-٩٣)شَهِيرَةٍ، رَواها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنا عَشَرَ صَحابِيًّا، بِمُتُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّها مُتَوارِدَةٌ عَلى تَحْرِيمِ إتْيانِ النِّساءِ في الأدْبارِ، ذَكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في ”مُسْنَدِهِ“ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم.
وَقَدْ جَمَعَها أبُو الفَرَجِ الجَوْزِيُّ بِطُرُقِها في جُزْءٍ سَمّاهُ ”تَحْرِيمُ المَحَلِّ المَكْرُوهِ“ .
وَلِشَيْخِنا أبِي العَبّاسِ أيْضًا في ذَلِكَ جُزْءٌ سَمّاهُ ”إظْهارُ إدْبارِ مَن أجازَ الوَطْءَ في الأدْبارِ“ قُلْتُ: وهَذا هو الحَقُّ المُتَّبَعُ، والصَّحِيحُ في المَسْألَةِ.
وَلا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَعْرُجَ في هَذِهِ النّازِلَةِ عَلى زَلَّةِ عالِمٍ بَعْدَ أنْ تَصِحَّ عَنْهُ، وقَدْ حَذَّرْنا مِن زَلَّةِ العالِمِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خِلافُ هَذا، وتَكْفِيرُ مَن فَعَلَهُ وهَذا هو اللّائِقُ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكَذَلِكَ كَذَّبَ نافِعٌ مَن أخْبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، كَما ذَكَرَ النَّسائِيُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأنْكَرَ ذَلِكَ مالِكٌ واسْتَعْظَمَهُ، وكَذَّبَ مَن نَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، ورَوى الدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ أبِي الحُبابِ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: ما تَقُولُ في الجَوارِي حِينَ أُحَمِّضُ لَهُنَّ ؟ قالَ: وما التَّحْمِيضُ ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ الدُّبُرَ. فَقالَ: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ وأسْنَدَ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، لا تَأْتُوا النِّساءَ في أعْجازِهِنَّ» ومِثْلَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، وأسْنَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وَرُوِيَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى» يَعْنِي إتْيانَ المَرْأةِ في دُبُرِها. ورُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ بِدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وإذا ثَبَتَ الشَّيْءُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَغْنى بِهِ عَمّا سِواهُ، مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا ما نَصُّهُ: وقالَ مالِكٌ لِابْنِ وهْبٍ، وعَلِيِّ بْنِ زِيادٍ، لَمّا أخْبَراهُ أنَّ ناسًا بِمِصْرَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ أنَّهُ يُجِيزُ ذَلِكَ، فَنَفَرَ مِن ذَلِكَ وبادَرَ إلى تَكْذِيبِ النّاقِلِ، فَقالَ: كَذَبُوا عَلَيَّ، كَذَبُوا عَلَيَّ، كَذَبُوا عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: ألَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ؟ ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وهَلْ يَكُونُ الحَرْثُ إلّا في مَوْضِعِ المَنبَتِ ؟ مِنهُ بِلَفْظِهِ أيْضًا.
(p-٩٤)وَمِمّا يُؤَيِّدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ إتْيانُ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الفَرْجَ في الحَيْضِ؛ لِأجْلِ القَذَرِ العارِضِ لَهُ، مُبَيِّنًا أنَّ ذَلِكَ القَذَرَ هو عِلَّةُ المَنعِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَمِن بابِ أوْلى تَحْرِيمُ الدُّبُرِ لِلْقَذَرِ والنَّجاسَةِ اللّازِمَةِ، ولا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ بِجَوازِ وطْءِ المُسْتَحاضَةِ؛ لِأنَّ دَمَ الِاسْتِحاضَةِ لَيْسَ في الِاسْتِقْذارِ كَدَمِ الحَيْضِ، ولا كَنَجاسَةِ الدُّبُرِ؛ لِأنَّهُ دَمُ انْفِجارِ العِرْقِ فَهو كَدَمِ الجُرْحِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ مَنعَ الوَطْءِ في الدُّبُرِ إطْباقُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرَّتْقاءَ الَّتِي لا يُوصَلُ إلى وطْئِها مَعِيبَةٌ تُرَدُّ بِذَلِكَ العَيْبِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في ذَلِكَ، إلّا شَيْئًا جاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِن وجْهٍ لَيْسَ بِالقَوِيِّ أنَّ الرَّتْقاءَ لا تُرَدُّ بِالرَّتْقِ. والفُقَهاءُ كُلُّهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ وطْءٍ ولَوْ كانَ مَوْضِعًا لِلْوَطْءِ ما رُدَّتْ مَن لا يُوصَلُ إلى وطْئِها في الفَرْجِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ رَدُّ الرَّتْقاءِ لِعِلَّةِ عَدَمِ النَّسْلِ فَلا يُنافِي أنَّها تُوطَأُ في الدُّبُرِ، فالجَوابُ أنَّ العُقْمَ لا يُرَدُّ بِهِ، ولَوْ كانَتْ عِلَّةُ رَدِّ الرَّتْقاءِ عَدَمَ النَّسْلِ لَكانَ العُقْمُ مُوجِبًا لِلرَّدِّ.
وَقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ العُقْمَ لا يُرَدُّ بِهِ، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فَإذا تَحَقَّقَتْ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ أنَّ وطْءَ المَرْأةِ في دُبُرِها حَرامٌ فاعْلَمْ أنَّ مَن رُوِيَ عَنْهُ جَوازُ ذَلِكَ كابْنِ عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ وجَماعاتٍ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ، يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أنَّ مَرادَهم بِالإتْيانِ في الدُّبُرِ إتْيانُها في الفَرْجِ مِن جِهَةِ الدُّبُرِ، كَما يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ جابِرٍ، والجَمْعُ واجِبٌ إذا أمْكَنَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ ما نَصُّهُ: قالَ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنِ الحارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ أبِي الحُبابِ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: ما تَقُولُ في الجَوارِي أيُحَمَّضُ لَهُنَّ ؟ قالَ: وما التَّحْمِيضُ ؟ فَذَكَرَ الدُّبُرَ، فَقالَ: وهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ وكَذا رَواهُ ابْنُ وهْبٌ، وقُتَيْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ.
وَهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ ونَصٌّ صَرِيحٌ مِنهُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَكُلُّ ما ورَدَ عَنْهُ مِمّا يُحْتَمَلُ، ويُحْتَمَلُ فَهو مَرْدُودٌ إلى هَذا المُحْكَمِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾، (p-٩٥)لا دَلِيلَ فِيهِ لِلْوَطْءِ في الدُّبُرِ؛ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ، عَلى قَوْلِهِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلَّ حَرْثٍ، ولا يَنْتَقِضُ هَذا بِجَوازِ الجِماعِ في عُكَنِ البَطْنِ، وفي الفَخِذَيْنِ، والسّاقَيْنِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الكُلَّ لَيْسَ مَحَلَّ حَرْثٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى اسْتِمْناءً لا جِماعًا. والكَلامُ في الجِماعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالإتْيانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الجِماعُ، والفارِقُ مَوْجُودٌ؛ لِأنَّ عُكَنَ البَطْنِ ونَحْوَها لا قَذَرَ فِيها، والدُّبُرُ فِيهِ القَذَرُ الدّائِمُ، والنَّجَسُ المُلازِمُ.
وَقَدْ عَرَفْنا مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أنَّ الوَطْءَ في مَحَلِّ الأذى لا يَجُوزُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَجَنُّبِهِ؛ لِعارِضِ الأذى وهو الفَرْجُ ولا تَعْدُوهُ إلى غَيْرِهِ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ وغَيْرِهِمْ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يُبَيِّنُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَحَلَّ الأذى الَّذِي هو الحَيْضُ إنَّما هو القُبُلُ، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ في المَعْنى إلى ما ذَكَرْنا، وهَذا القَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ؛ لِأنَّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ أمَرَ بِضِدِّهِ، ولِذا تَصِحُّ الإحالَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ عَلى النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ والخِلافُ في النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ هو أمْرٌ بِضِدِّهِ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، وقَدْ أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎والنَّهْيُ فِيهِ غابِرُ الخِلافِ ∗∗∗ أوْ أنَّهُ أمْرٌ بِالِائْتِلافِ ∗∗∗ وَقِيلَ لا قَطْعًا كَما في المُخْتَصَرْ ∗∗∗ وهو لَدى السُّبْكِيِّ رَأْيٌ ما انْتَصَرَ
وَمُرادُهُ بِغابِرِ الخِلافِ: هو ما ذُكِرَ قَبْلَ هَذا مِنَ الخِلافِ في الأمْرِ بِالشَّيْءِ، هَلْ هو عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ أوْ لَيْسَ عَيْنَهُ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ ؟ يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ الخِلافَ أيْضًا في النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ هَلْ هو عَيْنُ الأمْرِ بِضِدِّهِ ؟ أوْ ضِدٌّ مِن أضْدادِهِ إنْ تَعَدَّدَتْ ؟ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ ؟ أوْ لَيْسَ عَيْنَهُ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ ؟ وزادَ في النَّهْيِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالضِّدِّ اتِّفاقًا.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ أمْرًا بِهِ قَطْعًا، وعَزا الأخِيرَ لِابْنِ الحاجِبِ في ”مُخْتَصَرِهِ“، وأشارَ إلى أنَّ السُّبْكِيَّ في ”جَمْعِ الجَوامِعِ“ ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ القَوْلَ لِغَيْرِ ابْنِ الحاجِبِ.
(p-٩٦)وَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ الجِهاتِ الَّتِي يَحِلُّ فِيها أنْ تُقْرَبَ المَرْأةُ، ولا تَقْرَبُوهُنَّ مِن حَيْثُ لا يَحِلُّ، كَما إذا كُنَّ صائِماتٍ، أوْ مُحْرِماتٍ، أوْ مُعْتَكِفاتٍ.
وَقالَ أبُو رَزِينٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يَعْنِي طاهِراتٍ غَيْرِ حُيَّضٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:225
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم)﴾
لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِالمُرادِ بِما كَسَبَتْهُ قُلُوبُهم، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إذا حَنِثَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ أنَّ المُرادَ بِما كَسَبَتِ القُلُوبُ، هو عَقْدُ اليَمِينِ بِالنِّيَّةِ والقَصْدِ، وبَيَّنَ أنَّ اللّازِمَ في ذَلِكَ إذا حَنِثَ كَفّارَةٌ، هي: إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، ومَن عَجَزَ عَنْ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ فَصَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٩] .
البقرة 2:228
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ شُمُولُها لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ خُرُوجَ بَعْضِ المُطَلَّقاتِ مِن هَذا العُمُومِ، كالحَوامِلِ المَنصُوصِ عَلى أنَّ عِدَّتَهُنَّ وضْعُ الحَمْلِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكالمُطَلَّقاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ المَنصُوصِ عَلى أنَّهُنَّ لا عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ أصْلًا، بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] .
أمّا اللَّواتِي لا يَحِضْنَ، لِكِبَرٍ أوْ صِغَرٍ فَقَدْ بَيَّنَ أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فِيهِ إجْمالٌ؛ لِأنَّ القُرْءَ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى الحَيْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» . ويُطْلَقُ القُرْءُ لُغَةً أيْضًا عَلى الطُّهْرِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: [ الطَّوِيلِ ]
؎أفِي كُلِّ يَوْمٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا(p-٩٧)
؎مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةً ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وَمَعْلُومٌ أنَّ القَرْءَ الَّذِي يَضِيعُ عَلى الغازِي مِن نِسائِهِ هو الطُّهْرُ دُونَ الحَيْضِ، وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالقُرُوءِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، هَلْ هو الأطْهارُ أوِ الحَيْضاتُ ؟
وَسَبَبُ الخِلافِ اشْتِراكُ القَرْءِ بَيْنَ الطُّهْرِ والحَيْضِ كَما ذَكَرْنا، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْءِ في الآيَةِ الطُّهْرُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، والزُّهْرِيُّ، وعامَّةُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، ومِمَّنْ قالَ: بِأنَّ القُرُوءَ الحَيْضاتُ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ الأرْبَعَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مُوسى، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعَيْنِ وغَيْرُهم، وهو الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أحْمَدَ.
واحْتَجَّ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِكِتابٍ وسُنَّةٍ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ أنَّنا في مِثْلِ ذَلِكَ نُرَجِّحُ ما يَظْهَرُ لَنا أنَّ دَلِيلَهُ أرْجَحُ أمّا الَّذِينَ قالُوا القُرُوءُ الحَيْضاتُ، فاحْتَجُّوا بِأدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قالُوا: فَتَرْتِيبُ العِدَّةِ بِالأشْهُرِ عَلى عَدَمِ الحَيْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ العِدَّةِ بِالحَيْضِ، والأشْهُرُ بَدَلٌ مِنَ الحَيْضاتِ عِنْدَ عَدَمِها، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
قالُوا: هو الوَلَدُ أوِ الحَيْضُ، واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» قالُوا: إنَّهُ ﷺ هو مُبَيِّنُ الوَحْيِ وقَدْ أطْلَقَ القَرْءَ عَلى الحَيْضِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ المُرادُ في الآيَةِ، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ اعْتِدادِ الأمَةِ بِحَيْضَتَيْنِ، وحَدِيثِ اسْتِبْرائِها بِحَيْضَةٍ.
وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: القُرُوءُ الأطْهارُ، فاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قالُوا: عِدَّتُهُنَّ المَأْمُورُ بِطَلاقِهِنَّ لَها، الطُّهْرُ لا الحَيْضُ كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ، ويَزِيدُهُ إيضاحًا قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةُ كَما أمَرَ اللَّهُ» قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ في هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، بِأنَّ الطُّهْرَ هو العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ، مُبَيِّنًا أنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهو نَصٌّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ في مَحَلِّ النِّزاعِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ دَلِيلَ هَؤُلاءِ هَذا - فَصْلٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ - (p-٩٨)لِأنَّ مَدارَ الخِلافِ هَلِ القُرُوءُ الحَيْضاتُ أوِ الأطْهارُ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ وهَذا الحَدِيثُ دَلّا عَلى أنَّها الأطْهارُ.
وَلا يُوجَدُ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ شَيْءٌ يُقاوِمُ هَذا الدَّلِيلَ، لا مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ، ولا مِن جِهَةِ الصَّراحَةِ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّهُ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ بَيانِ مَعْنى آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، بِأنَّ الطُّهْرَ هو العِدَّةُ مُبَيِّنًا أنَّ ذَلِكَ هو مُرادُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فالإشارَةُ في قَوْلِهِ ﷺ: «فَتِلْكَ العِدَّةُ» راجِعَةٌ إلى حالِ الطُّهْرِ الواقِعِ فِيهِ الطَّلاقُ؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ”فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا“ أيْ: في حالِ كَوْنِها طاهِرًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الحالَ الَّذِي هو الطُّهْرُ هو العِدَّةُ مُصَرِّحًا بِأنَّ ذَلِكَ هو مُرادُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ العِدَّةَ بِالطُّهْرِ. وأنَّثَ بِالإشارَةِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، ولا تَخَلُّصَ مِن هَذا الدَّلِيلِ لِمَن يَقُولُ هي الحَيْضاتُ إلّا إذا قالَ: العِدَّةُ غَيْرُ القُرُوءِ، والنِّزاعُ في خُصُوصِ القُرُوءِ كَما قالَ بِهَذا بَعْضُ العُلَماءِ.
وَهَذا القَوْلُ يَرُدُّهُ إجْماعُ أهْلِ العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وإجْماعُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ، عَلى أنَّ عِدَّةَ مَن تَعْتَدُّ بِالقُرُوءِ هي نَفْسُ القُرُوءِ لا شَيْءَ آخَرَ زائِدٌ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] وهي زَمَنُ التَّرَبُّصِ إجْماعًا، وذَلِكَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِثَلاثَةِ قُرُوءٍ، الَّتِي هي مَعْمُولُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في هَذِهِ الآيَةِ فَلا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ عَلى المُطَلَّقَةِ الَّتِي تَعْتَدُّ بِالأقْراءِ شَيْئًا يُسَمّى العِدَّةَ زائِدًا عَلى ثَلاثَةِ القُرُوءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ البَتَّةَ، كَما هو مَعْلُومٌ.
* *
وَفِي القامُوسِ: وعِدَّةُ المَرْأةِ أيّامُ أقْرائِها، وأيّامُ إحْدادِها عَلى الزَّوْجِ، وهو تَصْرِيحٌ مِنهُ بِأنَّ العِدَّةَ هي نَفْسُ القُرُوءِ لا شَيْءَ زائِدٌ عَلَيْها، وفي اللِّسانِ: وعِدَّةُ المَرْأةِ أيّامُ أقْرائِها، وعِدَّتُها أيْضًا أيّامُ إحْدادِها عَلى بَعْلِها، وإمْساكُها عَنِ الزِّينَةِ شُهُورًا كانَ أوْ أقْراءً أوْ وضْعُ حَمْلٍ حَمَلَتْهُ مِن زَوْجِها.
فَهَذا بَيانٌ بالِغٌ مِنَ الصِّحَّةِ والوُضُوحِ والصَّراحَةِ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ما لا حاجَةَ مَعَهُ إلى كَلامٍ آخَرَ. وتُؤَيِّدُهُ قَرِينَةُ زِيادَةِ التّاءِ في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لِدَلالَتِها عَلى تَذْكِيرِ المَعْدُودِ وهو الأطْهارُ؛ لِأنَّها مُذَكَّرَةٌ والحَيْضاتُ مُؤَنَّثَةٌ.
وَجَوابُ بَعْضِ العُلَماءِ عَنْ هَذا بِأنَّ لَفْظَ القُرْءِ مُذَكَّرٌ ومُسَمّاهُ مُؤَنَّثٌ وهو الحَيْضَةُ، (p-٩٩)وَأنَّ التّاءَ إنَّما جِيءَ بِها مُراعاةً لِلَّفْظِ وهو مُذَكَّرٌ لا لِلْمَعْنى المُؤَنَّثِ.
يُقالُ فِيهِ: إنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ مُذَكَّرًا، ومَعْناهُ مُؤَنَّثًا لا تَلْزَمُ التّاءُ في عَدَدِهِ، بَلْ تَجُوزُ فِيهِ مُراعاةُ المَعْنى، فَيُجَرَّدُ العَدَدُ مِنَ التّاءِ كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَكانَ مِجَنِّي دُونَ مَن كُنْتُ أتَّقِي ثَلاثُ شُخُوصٍ كاعِبانِ ومَعْصِرُ
فَجَرَّدَ لَفْظَ الثَّلاثِ مِنَ التّاءِ؛ نَظَرًا إلى أنَّ مُسَمّى العَدَدِ نِساءً، مَعَ أنَّ لَفْظَ الشَّخْصِ الَّذِي أطْلَقَهُ عَلى الأُنْثى مُذَكَّرٌ، وقَوْلِ الآخَرِ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
فَمُجَرَّدُ العَدَدِ مِنَ التّاءِ مَعَ أنَّ البَطْنَ مُذَكَّرٌ؛ نَظَرًا إلى مَعْنى القَبِيلَةِ، وكَذَلِكَ العَكْسُ، كَقَوْلِهِ: [ الوافِرِ ]
؎ثَلاثَةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ ∗∗∗ لَقَدْ عالَ الزَّمانُ عَلى عِيالِي
فَإنَّهُ قَدْ ذَكَرَ لَفْظَ الثَّلاثَةِ مَعَ أنَّ الأنْفُسَ مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا؛ نَظَرًا إلى أنَّ المُرادَ بِها أنْفُسُ ذُكُورٍ، وتَجُوزُ مُراعاةُ اللَّفْظِ فَيُجَرَّدُ مِنَ التّاءِ في الأخِيرِ، وتَلْحَقُهُ التّاءُ في الأوَّلِ، ولُحُوقُها إذَنْ مُطْلَقُ احْتِمالٍ، ولا يَصِحُّ الحَمْلُ عَلَيْهِ دُونَ قَرِينَةٍ تُعِينُهُ، بِخِلافِ عَدَدِ المُذَكَّرِ لَفْظًا ومَعْنًى، كالقُرْءِ بِمَعْنى الطُّهْرِ، فَلُحُوقُها لَهُ لازِمٌ بِلا شَكٍّ، واللّازِمُ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِنَ المُحْتَمَلِ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ بَدَلًا عَنْهُ، ولَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَما تَرى.
فَإنْ قِيلَ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّ العِبْرَةَ في تَذْكِيرِ واحِدِ المَعْدُودِ وتَأْنِيثِهِ إنَّما هي بِاللَّفْظِ، ولا تَجُوزُ مُراعاةُ المَعْنى إلّا إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ، أوْ كانَ قَصَدَ ذَلِكَ المَعْنى كَثِيرًا، والآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها لَيْسَ فِيها أحَدُ الأمْرَيْنِ، قالَ الأشْمُونِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ: [ الرَّجَزِ ]
؎ثَلاثَةٌ بِالتّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ∗∗∗ في عَدِّ ما آحادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ إلَخْ. . . ما نَصُّهُ: الثّانِي اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ في واحِدِ المَعْدُودِ إنْ كانَ اسْمًا فَبِلَفْظِهِ، تَقُولُ: ثَلاثَةُ أشْخُصٍ، قاصِدًا ”نِسْوَةٍ“، وثَلاثُ أعْيُنٍ قاصِدًا ”رِجالٍ“؛ لِأنَّ لَفْظَ شَخْصٍ مُذَكَّرٌ، ولَفْظُ عَيْنٍ مُؤَنَّثٌ، هَذا ما لَمْ يَتَّصِلُ بِالكَلامِ ما يُقَوِّي المَعْنى؛ أوْ يَكْثُرْ فِيهِ قَصْدُ المَعْنى. فَإنِ اتَّصَلَ بِهِ ذَلِكَ جازَ مُراعاةُ المَعْنى، فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ: (p-١٠٠)
؎ثَلاثُ شُخُوصٍ كاعِبانِ ومُعْصِرُ
وَكَقَوْلِهِ: وإنَّ كِلابًا. . البَيْتَ.
والثّانِي كَقَوْلِهِ:
؎ثَلاثَةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ
. ا هـ مِنهُ.
وَقالَ الصَّبّانُ في ”حاشِيَتِهِ“ عَلَيْهِ: وبِما ذَكَرَهُ الشّارِحُ يَرُدُّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ﴿بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] عَلى أنَّ الأقْراءَ الأطْهارُ لا الحَيْضُ، وعَلى أنَّ شَهادَةَ النِّساءِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأنَّ الحَيْضَ جَمْعُ حَيْضَةٍ؛ فَلَوْ أُرِيدَ الحَيْضُ لَقِيلَ ثَلاثٌ، ولَوْ أُرِيدَ النِّساءُ لَقِيلَ بِأرْبَعٍ.
وَوَجْهُ الرَّدِّ أنَّ المُعْتَبَرَ هُنا اللَّفْظُ، ولَفْظُ قُرْءٍ وشَهِيدٍ مُذَكَّرَيْنَ، مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فالجَوابُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ هَذا خِلافَ التَّحْقِيقِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِقْراءُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ جَوازُ مُراعاةِ المَعْنى مُطْلَقًا، وجَزَمَ بِجَوازِ مُراعاةِ المَعْنى في لَفْظِ العَدَدِ ابْنُ هِشامٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ السُّيُوطِيُّ، بَلْ جَزَمَ صاحِبُ ”التَّسْهِيلِ“ وشارِحُهُ الدَّمامِينِيُّ: بِأنَّ مُراعاةَ المَعْنى في واحِدِ المَعْدُودِ مُتَعَيِّنَةٌ.
قالَ الصَّبّانُ في ”حاشِيَتِهِ“، ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ فَبِلَفْظِهِ ظاهِرُهُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، ويُخالِفُهُ ما نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ عَنِ ابْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِ مِن أنَّ ما كانَ لَفْظُهُ مُذَكَّرًا، ومَعْناهُ مُؤَنَّثًا، أوْ بِالعَكْسِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ ا ه.
وَيُخالِفُهُ أيْضًا ما في ”التَّسْهِيلِ“ وشَرْحِهِ لِلدَّمامِينِيِّ. وعِبارَةُ ”التَّسْهِيلِ“ تَحْذِفُ تاءَ الثَّلاثَةِ وأخَواتِها، إنْ كانَ واحِدُ المَعْدُودِ مُؤَنَّثَ المَعْنى حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.
قالَ الدَّمامِينِيُّ: اسْتُفِيدَ مِنهُ أنَّ الِاعْتِبارَ في الواحِدِ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ، فَلِهَذا يُقالُ: ثَلاثَةُ طَلَحاتٍ، ثُمَّ قالَ في ”التَّسْهِيلِ“ ورُبَّما أُوِّلَ مُذَكَّرٌ بِمُؤَنَّثٍ، ومُؤَنَّثٌ بِمُذَكَّرٍ، فَجِيءَ بِالعَدَدِ عَلى حَسَبِ التَّأْوِيلِ، ومَثَّلَ الدَّمامِينِيُّ الأوَّلَ بِنَحْوِ ثَلاثِ شُخُوصٍ، يُرِيدُ نِسْوَةً وعَشْرِ وأبْطُنَ يُرِيدُ قَبائِلَ.
والثّانِي بِنَحْوِ ثَلاثَةِ أنْفُسٍ؛ أيْ: أشْخاصٍ وتِسْعَةِ وقائِعَ أيْ: مَشاهِدَ، فَتَأمَّلْ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ. وما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ ”التَّسْهِيلِ“ وشارِحُهُ، مِن تَعَيُّنِ مُراعاةِ المَعْنى، يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَيُّنُ كَوْنِ القُرْءِ في الآيَةِ هو الطُّهْرُ، كَما ذَكَرْنا.
وَفِي ”حاشِيَةِ الصَّبّانِ“ أيْضًا ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ جازَ مُراعاةُ المَعْنى في التَّوْضِيحِ أنَّ (p-١٠١)ذَلِكَ لَيْسَ قِياسِيًّا، وهو خِلافُ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِ، مِن أنَّ ما كانَ لَفْظُهُ مُذَكَّرًا ومَعْناهُ مُؤَنَّثًا أوْ بِالعَكْسِ، يَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ؛ أيْ: ولَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُرَجِّحٌ لِلْمَعْنى، وهو خِلافُ ما تَقَدَّمَ عَنْ [ التَّسْهِيلِ ] وشَرْحِهِ أنَّ العِبْرَةَ بِالمَعْنى، فَتَأمَّلْ. ا ه مِنهُ.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّها الحَيْضاتُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٤]، فَيُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُعَيِّنُ أنَّ القُرُوءَ الحَيْضاتُ؛ لِأنَّ الأقْراءَ لا تُقالُ في الأطْهارِ إلّا في الأطْهارِ الَّتِي يَتَخَلَّلُها حَيْضٌ، فَإنْ عُدِمَ الحَيْضُ عُدِمَ مَعَهُ اسْمُ الأطْهارِ، ولا مانِعَ إذَنْ مِن تَرْتِيبِ الِاعْتِدادِ بِالأشْهَرِ عَلى عَدَمِ الحَيْضِ مَعَ كَوْنِ العِدَّةِ بِالطُّهْرِ؛ لِأنَّ الطُّهْرَ المُرادَ يَلْزَمُهُ وُجُودُ الحَيْضِ وإذا انْتَفى اللّازِمُ انْتَفى المَلْزُومُ، فانْتِفاءُ الحَيْضِ يَلْزَمُهُ انْتِفاءُ الأطْهارِ فَكَأنَّ العِدَّةَ بِالأشْهُرِ مُرَتَّبَةٌ أيْضًا عَلى انْتِفاءِ الأطْهارِ، المَدْلُولُ عَلَّهُ بِانْتِفاءِ الحَيْضِ. وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِآيَةٍ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ كَوْنَ القُرُوءِ الأطْهارُ لا يُبِيحُ لِلْمُعْتَدَّةِ كَتْمَ الحَيْضِ؛ لِأنَّ العِدَّةَ بِالأطْهارِ لا تُمَكَّنُ إلّا بِتَخَلُّلِ الحَيْضِ لَها، فَلَوْ كَتَمَتِ الحَيْضَ لَكانَتْ كاتِمَةً انْقِضاءَ الطُّهْرِ، ولَوِ ادَّعَتْ حَيْضًا لَمْ يَكُنْ كانَتْ كاتِمَةً؛ لِعَدَمِ انْقِضاءِ الطُّهْرِ كَما هو واضِحٌ.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِحَدِيثِ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» فَيُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لا دَلِيلَ في الحَدِيثِ البَتَّةَ عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ شَيْئًا زائِدًا عَلى أنَّ القُرْءَ يُطْلَقُ عَلى الحَيْضِ، وهَذا مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ.
أمّا كَوْنُهُ يَدُلُّ عَلى مَنعِ إطْلاقِ القُرْءِ في مَوْضِعٍ آخَرَ عَلى الطُّهْرِ فَهَذا باطِلٌ بِلا نِزاعٍ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ القائِلِينَ: بِوُقُوعِ الِاشْتِراكِ في: أنَّ إطْلاقَ المُشْتَرَكِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْهِ في مَوْضِعٍ، لا يُفْهَمُ مِنهُ مَنعُ إطْلاقِهِ عَلى مَعْناهُ الآخَرِ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
ألا تَرى أنَّ لَفْظَ العَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الباصِرَةِ والجارِيَةِ مَثَلًا، فَهَلْ تَقُولُ إنَّ إطْلاقَهُ تَعالى لَفْظَ العَيْنِ عَلى الباصِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥] يَمْنَعُ إطْلاقَ العَيْنِ في مَوْضِعٍ آخَرَ عَلى الجارِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] .
والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ المُشْتَرَكَ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن مَعْنَيَيْهِ، أوْ مَعانِيهِ في الحالِ المُناسِبَةِ لِذَلِكَ، والقُرْءُ في حَدِيثِ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» مُناسِبٌ لِلْحَيْضِ (p-١٠٢)دُونَ الطُّهْرِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ إنَّما تُتْرَكُ في وقْتِ الحَيْضِ دُونَ وقْتِ الطُّهْرِ.
وَلَوْ كانَ إطْلاقُ المُشْتَرَكِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْهِ يُفِيدُ مَنعَ إطْلاقِهِ عَلى مَعْناهُ الآخَرِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لَمْ يَكُنْ في اللُّغَةِ اشْتَراكٌ أصْلًا؛ لِأنَّهُ كُلُّ ما أطْلَقَهُ عَلى أحَدِهِما مَنَعَ إطْلاقَهُ لَهُ عَلى الآخَرِ، فَيُبْطِلُ اسْمَ الِاشْتِراكِ مِن أصْلِهِ مَعَ أنّا قَدَّمْنا تَصْرِيحَ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ”بِأنَّ الطُّهْرَ هو العِدَّةُ“ وكُلُّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حَدِيثِ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» لِأنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن ضَعَّفَهُ، ومِنهم مَن صَحَّحَهُ.
والظّاهِرُ أنَّ بَعْضَ طُرُقِهِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ، إلّا أنَّهُ لا دَلِيلَ فِيهِ لِمَحَلِّ النِّزاعِ.
وَلَوْ كانَ فِيهِ لَكانَ مَرْدُودًا بِما هو أقْوى مِنهُ وأصْرَحُ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وهو ما قَدَّمْنا. وكَذَلِكَ اعْتِدادُ الأمَةِ بِحَيْضَتَيْنِ عَلى تَقْرِيرِ ثُبُوتِهِ عَنْهُ ﷺ، لا يُعارِضُ ما قَدَّمْنا؛ لِأنَّهُ أصَحُّ مِنهُ وأصْرَحُ في مَحَلِّ النِّزاعِ، واسْتِبْراؤُها بِحَيْضَةٍ مَسْألَةٌ أُخْرى؛ لِأنَّ الكَلامَ في العِدَّةِ لا في الِاسْتِبْراءِ. ورَدَّ بَعْضُ العُلَماءِ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ والحَدِيثِ الدّالَّيْنِ عَلى أنَّها الأطْهارُ، بِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ الِاعْتِدادُ بِالطُّهْرِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الطَّلاقُ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ القائِلِينَ: بِأنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ العِدَّةِ قُرْءَيْنِ وكَسْرًا مِنَ الثّالِثِ، وذَلِكَ خِلافَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن أنَّها ثَلاثَةُ قُرُوءٍ كامِلَةٍ مَرْدُودٌ بِأنَّ مِثْلَ هَذا لا تُعارَضُ بِهِ نُصُوصُ الوَحْيِ الصَّرِيحَةُ، وغايَةُ ما في البابِ إطْلاقُ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ عَلى اثْنَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ والمُرادُ شَهْرانِ وكَسْرٍ.
وادِّعاءُ أنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ في أسْماءِ العَدَدِ يُقالُ فِيهِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ هو الَّذِي ذَكَرَ إنَّ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ الواقِعِ فِيهِ الطَّلاقُ عِدَّةٌ، مُبَيِّنًا أنَّ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ في كِتابِهِ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أجِلّاءِ العُلَماءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مِن أنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ المَذْكُورَيْنِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ الأقْراءَ الحَيْضاتُ بَعِيدٌ جِدًّا مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ كَما تَرى.
بَلْ لَفْظُ الآيَةِ والحَدِيثِ المَذْكُورَيْنِ صَرِيحٌ في نَقِيضِهِ، هَذا هو ما ظَهَرَ لَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ونِسْبَةُ العِلْمُ إلَيْهِ أسْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أزْواجَ كَلِّ المُطَلَّقاتِ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ رَجْعِيَّةٍ وغَيْرِها.
(p-١٠٣)وَلَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ البائِنَ لا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] .
وَذَلِكَ لِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بائِنٌ، كَما أنَّهُ أشارَ هُنا إلى أنَّها إذا بانَتْ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ لا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) راجِعَةٌ إلى زَمَنِ العِدَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في الآيَةِ بِـ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ .
واشْتَرَطَ هُنا في كَوْنِ بُعُولَةِ الرَّجْعِيّاتِ أحَقَّ بِرَدِّهِنَّ إرادَتَهُمُ الإصْلاحَ بِتِلْكَ الرَّجْعَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَفْهُومِ هَذا الشَّرْطِ هُنا، ولَكِنَّهُ صَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذا ارْتَجَعَها لا بِنْيَةَ الإصْلاحِ بَلْ بِقَصْدِ الإضْرارِ بِها؛ لِتُخالِعَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أنَّ رَجْعَتَها حَرامٌ عَلَيْهِ، كَما هو مَدْلُولُ النَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] .
فالرَّجْعَةُ بِقَصْدِ الإضْرارِ حَرامٌ إجْماعًا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ المُصَرَّحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ الآيَةَ، وصِحَّةُ رَجَعَتِهِ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ ظاهِرِ الأمْرِ، فَلَوْ صَرَّحَ لِلْحاكِمِ بِأنَّهُ ارْتَجَعَها بِقَصْدِ الضَّرَرِ، لَأبْطَلَ رَجَعَتَهُ كَما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ الدَّرَجَةُ الَّتِي لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ، ولَكِنَّهُ أشارَ لَها في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] فَأشارَ إلى أنَّ الرَّجُلَ أفْضَلُ مِنَ المَرْأةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الذُّكُورَةَ شَرَفٌ وكَمالٌ، والأُنُوثَةَ نَقْصٌ خَلْقِيٌّ طَبِيعِيٌّ، والخَلْقُ كَأنَّهُ مُجْمِعٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأُنْثى يَجْعَلُ لَها جَمِيعُ النّاسِ أنْواعَ الزِّينَةِ والحُلِيِّ، وذَلِكَ إنَّما هو لِجَبْرِ النَّقْصِ الخُلُقِيِّ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي هو الأُنُوثَةُ، بِخِلافِ الذَّكَرِ فَجَمالُ ذُكُورَتَهِ يَكْفِيهِ عَنِ الحُلِيِّ ونَحْوِهِ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى نَقْصِ المَرْأةِ وضَعْفِها الخُلُقِيَّيْنِ الطَّبِيعِيَّيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] (p-١٠٤)لِأنَّ نَشْأتَها في الحِلْيَةِ دَلِيلٌ عَلى نَقْصِها المُرادُ جَبْرُهُ والتَّغْطِيَةُ عَلَيْهِ بِالحُلِيِّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَما الحَلْيُ إلّا زِينَةً مِن نَقِيصَةٍ يُتَمِّمُ مِن حُسْنٍ إذا الحَسَنُ قَصَّرا
وَأمّا إذا كانَ الجَمالُ مُوَفَّرًا كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُزَوَّرا
وَلِأنَّ عَدَمَ إبانَتِها في الخِصامِ إذا ظُلِمَتْ دَلِيلٌ عَلى الضَّعْفِ الخَلْقِيِّ، كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الطَّوِيلِ ]
؎بِنَفْسِي وأهْلِي مَن إذا عَرَضُوا لَهُ ∗∗∗ بِبَعْضِ الأذى لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ ∗∗∗ فَلَمْ يَعْتَذِرْ عُذْرَ البَرِيءِ ولَمْ تَزَلْ ∗∗∗ بِهِ سَكْتَةٌ حَتّى يُقالَ مُرِيبٌ
وَلا عِبْرَةَ بِنَوادِرِ النِّساءِ؛ لِأنَّ النّادِرَ لا حُكْمَ لَهُ.
وَأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ إلى أنَّ الكامِلَ في وصْفِهِ وقُوَّتِهِ وخِلْقَتِهِ يُناسِبُ حالَهُ، أنْ يَكُونَ قائِمًا عَلى الضَّعِيفِ النّاقِصِ خِلْقَةً.
وَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها جُعِلَ مِيراثُهُ مُضاعَفًا عَلى مِيراثِها؛ لِأنَّ مَن يَقُومُ عَلى غَيْرِهِ مُتَرَقِّبٌ لِلنَّقْصِ، ومَن يَقُومُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُتَرَقِّبٌ لِلزِّيادَةِ، وإيثارُ مُتَرَقِّبِ النَّقْصِ عَلى مُتَرَقِّبِ الزِّيادَةِ ظاهِرُ الحِكْمَةِ.
كَما أنَّهُ أشارَ إلى حِكْمَةِ كَوْنِ الطَّلاقِ بِيَدِ الرَّجُلِ دُونَ إذْنِ المَرْأةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّ حَقْلَهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلزِّراعَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْغَمَ عَلى الِازْدِراعِ في حَقْلٍ لا يُناسِبُ الزِّراعَةَ. ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى أنَّ آلَةَ الِازْدِراعِ بِيَدِ الرَّجُلِ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلى البَقاءِ مَعَ مَن لا حاجَةَ لَهُ فِيها حَتّى تَرْضى بِذَلِكَ، فَإنَّها إنْ أرادَتْ أنْ تُجامِعَهُ لا يَقُومُ ذَكَرُهُ ولا يَنْتَشِرُ إلَيْها، فَلَمْ تَقْدِرْ عَلى تَحْصِيلِ النَّسْلِ مِنهُ، الَّذِي هو أعْظَمُ الغَرَضِ مِنَ النِّكاحِ بِخِلافِ الرَّجُلِ؛ فَإنَّهُ يُوَلِّدُها وهي كارِهَةٌ كَما هو ضَرُورِيٌّ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ تَعْتَدُّ بِالأقْراءِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ بَعْضَ المُطَلَّقاتِ يَعْتَدُّ بِغَيْرِ الأقْراءِ، كالعَجائِزِ والصَّغائِرِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وكالحَوامِلِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، مَعَ أنَّهُ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ بَعْضَ المُطَلَّقاتِ لا عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ أصْلًا، وهُنَّ المُطَلَّقاتُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٩] .
والجَوابُ عَنْ هَذا ظاهِرٌ وهو أنَّ آيَةَ: ”والمُطَلَّقاتُ“ عامَّةٌ، وهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ أخَصُّ مِنها فَهي مُخَصِّصَةٌ لَها، فَهي إذًا مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.
البقرة 2:229
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(الطَّلاقُ مَرَّتانِ)﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الطَّلاقَ كُلَّهُ مُنْحَصِرٌ في المَرَّتَيْنِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُنْحَصِرَ في المَرَّتَيْنِ هو الطَّلاقُ الَّذِي تُمْلَكُ بَعْدَهُ الرَّجْعَةُ لا مُطْلَقًا، وذَلِكَ بِذِكْرِهِ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةُ الَّتِي لا تَحِلُّ بَعْدَها المُراجَعَةُ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٠]، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَعْنِي بِهِ عَدَمَ الرَّجْعَةِ.
(p-١٠٥)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا إلَيْهِ ﷺ .
* *
تَنْبِيهٌ
ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ يُؤْخَذُ مِنها وُقُوعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في لَفْظٍ واحِدٍ، وأشارَ البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ: " بابُ مَن جَوَّزَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ)﴾ .
والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ الدَّلالَةِ المُرادَ عِنْدَ البُخارِيِّ هو ما قالَهُ الكِرْمانِيُّ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عَلِمْنا أنَّ إحْدى المَرَّتَيْنِ جَمَعَ فِيها بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وإذا جازَ جَمْعُ التَّطْلِيقَتَيْنِ دَفْعَةً، جازَ جَمْعُ الثَّلاثِ، ورَدَّ ابْنُ حَجَرٍ هَذا بِأنَّهُ قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ، وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا لِنَقِيضِ ذَلِكَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ غَيْرُ ناهِضٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حَصْرَ الطَّلاقِ كُلَّهُ في المَرَّتَيْنِ حَتّى يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ في إحْدى التَّطْلِيقَتَيِنِ كَما ذَكَرَ، بَلِ المُرادُ بِالطَّلاقِ المَحْصُورِ هو خُصُوصُ الطَّلاقِ الَّذِي تُمْلَكُ بَعْدَهُ الرَّجْعَةُ كَما ذَكَرْنا، وكَما فَسَّرَ بِهِ الآيَةَ جَماهِيرُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ وجْهُ الدَّلِيلِ في الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ إيقاعَ الثَّلاثِ دَفْعَةً واحِدَةً، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِهِ، ولَكِنَّ كَوْنَ الآيَةِ لا دَلِيلَ فِيها عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، لا يُنافِي أنْ تَقُومَ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةٌ، وسَنَذْكُرُ أدِلَّةَ ذَلِكَ وأدِلَّةَ مَن خالَفَ فِيهِ، والرّاجِحُ عِنْدَنا في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَعَ إيضاحِ خُلاصَةِ البَحْثِ كُلِّهِ في آخِرِ الكَلامِ إيضاحًا تامًّا.
فَنَقُولُ وبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ: اعْلَمْ أنَّ مِن أدِلَّةِ القائِلِينَ بِلُزُومِ الثَّلاثِ مُجْتَمِعَةً حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ، الثّابِتُ في الصَّحِيحِ في قِصَّةِ لِعانِ عُوَيْمِرٍ العَجْلانِيِّ وزَوْجِهِ؛ فَإنَّ فِيهِ: «فَلَمّا فَرَغا قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَكانَتْ سُنَّةُ المُتَلاعِنَيْنِ» .
أخْرَجَ البُخارِيُّ هَذا الحَدِيثَ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْهُ، ووَجْهُ الدَّلِيلِ مِنهُ: أنَّهُ أوْقَعَ الثَّلاثَ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَرَدَّ المُخالِفُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ؛ بِأنَّ المُفارَقَةَ وقَعَتْ بِنَفْسِ اللِّعانِ فَلَمْ (p-١٠٦)يُصادِفْ تَطْلِيقَهُ الثَّلاثَ مَحَلًّا، ورَدَّ هَذا الِاعْتِراضَ؛ بِأنَّ الِاحْتِجاجَ بِالحَدِيثِ مِن حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إيقاعَ الثَّلاثِ مَجْمُوعَةً، فَلَوْ كانَ مَمْنُوعًا لَأنْكَرَهُ، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ وبِأنَّ الفُرْقَةَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّها بِنَفْسِ اللِّعانِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ صَرِيحَةٌ ولا إجْماعٌ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ.
فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ، وإنَّما تَتَحَقَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ، وتَقَعُ عِنْدَ فَراغِ الزَّوْجِ مِن أيْمانِهِ قَبْلَ لِعانِ المَرْأةِ، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأتْباعُهُما إلى أنَّها لا تَقَعُ حَتّى يُوقِعَها الحاكِمُ؛ واحْتَجُّوا بِظاهِرِ ما وقَعَ في أحادِيثِ اللِّعانِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ قَذَفَها، وأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» . وأخْرَجَ أيْضًا في ”صَحِيحِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن وجْهٍ آخَرَ إنَّهُ قالَ: «لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما» ورَواهُ باقِي الجَماعَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ: إنَّ الرِّوايَةَ بِلَفْظِ ”فَرَّقَ“ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ خَطَأٌ، يَعْنِي في خُصُوصِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ المُتَقَدِّمِ، لا مُطْلَقًا، بِدَلِيلِ ثُبُوتِها في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَما تَرى. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنْ أرادَ مِن حَدِيثِ سَهْلٍ فَسَهْلٌ، وإلّا فَمَرْدُودٌ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ ما نَصُّهُ: ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ إطْلاقَ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ وغَيْرِهِ تَخْطِئَةَ الرِّوايَةِ بِلَفْظِ «فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ» إنَّما المُرادُ بِهِ في حَدِيثِ سَهْلٍ بِخُصُوصِهِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ، وقالَ بَعْدَهُ لَمْ يُتابِعِ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ، ثُمَّ أخْرَجَ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي العَجْلانِ» ا ه، مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظٍ، وقَدْ قَدَّمْنا في حَدِيثِ سَهْلٍ: «فَكانَتْ سُنَةُ المُتَلاعِنَيْنِ» .
واخْتُلِفَ في هَذا اللَّفْظِ هَلْ هو مُدْرَجٌ مِن كَلامِ الزُّهْرِيِّ فَيَكُونُ مُرْسَلًا، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ ؟ أوْ هو مِن كَلامِ سَهْلٍ فَهو مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ ؟ ويُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مِن كَلامِ سَهْلٍ ما وقَعَ في حَدِيثِ أبِي داوُدَ مِن طَرِيقِ عِياضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سَهْلٍ قالَ: «فَطَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وكانَ ما صُنِعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً.
قالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ، أنْ (p-١٠٧)يُفَرَّقَ بَيْنَهُما، ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا» .
قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومَعْلُومٌ أنَّ ما سَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ عِنْدَهُ الحَسَنُ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ ظاهِرَةٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وبِها تَعْلَمُ أنَّ احْتِجاجَ البُخارِيِّ لِوُقُوعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً بِحَدِيثِ سَهْلٍ المَذْكُورِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ؛ لِأنَّ المُطَّلِعَ عَلى غَوامِضِ إشاراتِ البُخارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَفْهَمُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ الثّابِتَ في ”سُنَنِ أبِي داوُدَ“ مُطابِقٌ لِتَرْجَمَةِ البُخارِيِّ، وأنَّهُ أشارَ بِالتَّرْجَمَةِ إلى هَذِهِ الرِّوايَةِ ولَمْ يُخَرِّجْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ عَلى شَرْطِهِ، فَتَصْرِيحُ هَذا الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ في هَذِهِ الرِّوايَةِ الثّابِتَةِ: «بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنْفَذَ طَلاقَ الثَّلاثِ دَفْعَةً» يَبْطُلُ بِإيضاحٍ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِسُكُوتِهِ ﷺ وتَقْرِيرِهِ لَهُ؛ بِناءً عَلى أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ كَما تَرى.
وَذَهَبَ عُثْمانُ البَتِّيُّ، وأبُو الشَّعْثاءِ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ البَصْرِيُّ، أحَدُ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن فُقَهاءِ التّابِعِينَ إلى أنَّ الفُرْقَةَ لا تَقَعُ حَتّى يُوقِعَها الزَّوْجُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ إلى أنَّها تَقَعُ بِنَفْسِ القَذْفِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الفُرْقَةِ بِنَفْسِ اللِّعانِ لَيْسَ أمْرًا قَطْعِيًّا، حَتّى تَرِدَ بِهِ دَلالَةُ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ، عَلى إيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، الثّابِتُ في الصَّحِيحِ، لا سِيَّما وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ بَعْضَ الرِّواياتِ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ أنْفَذَ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ قَدْ وقَعَ في حَدِيثٍ لِأبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَضى أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قُوتٌ ولا سُكْنى، مِن أجْلِ أنَّهُما يَفْتَرِقانِ بِغَيْرِ طَلاقٍ ولا مُتَوَفًّى عَنْها.
فالجَوابُ أنَّ هَذا التَّعْلِيلَ لِعَدَمِ إيجابِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى؛ لِلْمُلاعَنَةِ بِعَدَمِ طَلاقٍ أوْ وفاةٍ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ مَرْفُوعًا إلَيْهِ ﷺ .
وَهَذا هو الظّاهِرُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ العِلَّةَ لِما قَضى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عَدَمِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، وأراهُ اجْتِهادَهُ أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ عَدَمُ الطَّلاقِ والوَفاةِ.
والظّاهِرُ أنَّ العِلَّةَ الصَّحِيحَةَ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى هي البَيْنُونَةُ بِمَعْناها الَّذِي هو أعَمُّ مِن وُقُوعِها بِالطَّلاقِ أوْ بِالفَسْخِ، بِدَلِيلِ أنَّ البائِنَ بِالطَّلاقِ لا تَجِبُ لَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى عَلى أصَحِّ الأقْوالِ دَلِيلًا.
فَعُلِمَ أنَّ عَدَمَ النَّفَقَةِ والسُّكْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عَدَمِ الطَّلاقِ.
وَأوْضَحُ دَلِيلٍ في ذَلِكَ ما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن «حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-١٠٨)عَنْها: ”أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ فَلَمْ يَجْعَلْ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَقَةً ولا سُكْنى“» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ والإمامُ أحْمَدُ وأصْحابُ السُّنَنِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ في أنَّ البائِنَ بِالطَّلاقِ لا نَفَقَةَ لَها ولا سُكْنى، وهَذا الحَدِيثُ أصَحُّ مِن حَدِيثِابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ.
وَصَرَّحَ الأئِمَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنَ السُّنَّةِ ما يُخالِفُ حَدِيثَ فاطِمَةَ هَذا، وما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَها: ”السُّكْنى والنَّفَقَةُ»“ . فَقالَ: قالَ الإمامُ أحْمَدُ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.
وَقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: السُّنَّةُ بِيَدِ فاطِمَةَ قَطْعًا، وأيْضًا تِلْكَ الرِّوايَةُ عَنْ عُمَرَ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، ومَوْلِدُهُ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِسَنَتَيْنِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: ونَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ شَهادَةً نُسْألُ عَنْها إذا لَقِيناهُ، أنَّها كَذِبٌ عَلى عُمَرَ، وكَذِبٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا حُقِّقَتْ أنَّ السُّنَّةَ مَعَها وأنَّها صاحِبَةُ القِصَّةِ، فاعْلَمْ أنَّها لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ عُمَرَ لا نَتْرُكُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأةٍ، لا نَدْرِي لَعَلَّها حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ، قالَتْ: بَيْنِي وبَيْنَكم كِتابُ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، حَتّى قالَ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] . فَأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ، رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ بِمَعْناهُ. فَتَحَصَّلَ أنَّ السُّنَّةَ بِيَدِها وكِتابَ اللَّهِ مَعَها.
وَهَذا المَذْهَبُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ هو أوْضَحُ المَذاهِبِ وأصْوَبُها. ولِلْعُلَماءِ في نَفَقَةِ البائِنِ وسُكْناها أقْوالٌ غَيْرُ هَذا فَمِنهم مَن أوْجَبَهُما مَعًا، ومِنهم مَن أوْجَبَ السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، ومِنهم مَن عَكَسَ.
فالحاصِلُ أنَّ حَدِيثَ فاطِمَةَ هَذا يَرُدُّ تَعْلِيلَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ، وأنَّهُ أصَحُّ مِن حَدِيثِهِ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ سُقُوطَ النَّفَقَةِ والسُّكْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عَدَمِ الطَّلاقِ، بَلْ يَكُونُ مَعَ الطَّلاقِ البائِنِ، وأيْضًا فالتَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ أنْفَذَ الثَّلاثَ دَفْعَةً في الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وهَذا الصَّحابِيُّ حَفِظَ إنْفاذَ الثَّلاثِ، والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي.
فَإنْ قِيلَ: إنْفاذُهُ ﷺ الثَّلاثَ دَفْعَةً مِنَ المُلاعِنِ عَلى الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ لا يَكُونُ حُجَّةً في غَيْرِ اللِّعانِ؛ لِأنَّ اللِّعانَ تَجِبُ فِيهِ الفُرْقَةُ الأبَدِيَّةُ. فَإنْفاذُ الثَّلاثِ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ الأمْرِ الواجِبِ (p-١٠٩)بِخِلافِ الواقِعِ في غَيْرِ اللِّعانِ.
وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ مِن إيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً في غَيْرِ اللِّعانِ، وقالَ: «أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ !» كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: الكَلامُ في حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ تَكَلَّمَ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: أنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَماعٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ كانَتْ وِلادَتُهُ في عَهْدِهِ ﷺ، وذِكْرُهُ في الصَّحابَةِ مِن أجْلِ الرُّؤْيَةِ، وقَدْ تَرْجَمَ لَهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وأخْرَجَ لَهُ عِدَّةَ أحادِيثَ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ صَرَّحَ فِيهِ بِالسَّماعِ.
الثّانِيَةُ: أنَّ النَّسائِيَّ قالَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ لِهَذا الحَدِيثِ لا أعْلَمُ أحَدًا رَواهُ غَيْرُ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ يَعْنِي ابْنَ الأشَجِّ، عَنْ أبِيهِ، ورِوايَةُ مَخْرَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، وِجادَةٌ مِن كِتابِهِ، قالَهُ أحْمَدُ وابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُما.
وَقالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: سَمِعَ مِن أبِيهِ قَلِيلًا، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: رِوايَتُهُ عَنْ أبِيهِ وِجادَةٌ مِن كِتابِهِ، قالَ أحْمَدُ وابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: سَمِعَ مِن أبِيهِ قَلِيلًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا الإعْلالُ الأوَّلُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّهُ مُرْسَلُ صَحابِيٍّ ومَراسِيلُ الصَّحابَةِ لَها حُكْمُ الوَصْلِ، ومَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ المَذْكُورُ جُلُّ رِوايَتِهِ عَنِ الصَّحابَةِ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ وغَيْرِهِ.
والإعْلالُ الثّانِي بِأنَّ رِوايَةَ مَخْرَمَةَ عَنْ أبِيهِ وِجادَةٌ مِن كِتابِهِ فِيهِ أنَّ مُسْلِمًا أخْرَجَ في ”صَحِيحِهِ“ عِدَّةَ أحادِيثَ مِن رِوايَةِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى قَبُولِ أحادِيثِ مُسْلِمٍ إلّا بِمُوجِبٍ صَرِيحٍ يَقْتَضِي الرَّدَّ، فالحَقُّ أنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ إلّا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهِ يَرُدُّهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ حَدِيثَ مَحْمُودٍ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ أنْفَذَ الثَّلاثَ، ولا أنَّهُ لَمْ يُنْفِذْها، وحَدِيثُ سَهْلٍ عَلى الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ أنْفَذَها، والمُبَيَّنُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ بَلْ بَعْضُ العُلَماءِ احْتَجَّ لِإيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، بِحَدِيثِ مَحْمُودٍ هَذا.
وَوَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِهِ أنَّهُ طَلَّقَ ثَلاثًا يَظُنُّ لُزُومَها، فَلَوْ كانَتْ غَيْرَ لازِمَةٍ لِبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ (p-١١٠)أنَّها غَيْرُ لازِمَةٍ؛ لِأنَّ البَيانَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إمامَ المُحَدِّثِينَ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أخْرَجَ حَدِيثَ سَهْلٍ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ”بابُ مَن جَوَّزَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ“ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَرى عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَ اللِّعانِ وغَيْرِهِ في الِاحْتِجاجِ بِإنْفاذِ الثَّلاثِ دَفْعَةً.
الوَجْهُ الرّابِعُ: هو ما سَيَأْتِي مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وحَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وإنْ كانَ الكُلُّ لا يَخْلُو مِن كَلامٍ. ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ اللِّعانَ طَلاقٌ لا فَسْخٌ: أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وحَمّادٌ، وصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، كَما نَقَلَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ وعَنِ الضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ: إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ رُدَّتْ إلَيْهِ امْرَأتُهُ.
وَبِهَذا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ رَدَّ الِاحْتِجاجِ بِتَقْرِيرِهِ ﷺ عُوَيْمِرَ العَجْلانِيَّ، عَلى إيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً، بِأنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ لا يَخْلُو مِن نَظَرٍ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّ الفُرْقَةَ بِنَفْسِ اللِّعانِ فَإنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ سُكُوتَهُ ﷺ لا دَلِيلَ فِيهِ، بَلْ نَقُولُ: لَوْ كانَتْ لا تَقَعُ دَفْعَةً لَبَيَّنَ أنَّها لا تَقَعُ دَفْعَةً، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ، كَما تَقَدَّمَ.
* *
وَمِن أدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ عائِشَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ في قِصَّةِ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ وامْرَأتِهِ، فَإنَّ فِيهِ: «فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنْ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي» الحَدِيثَ. وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ قَوْلَها ”فَبَتَّ طَلاقِي“ ظاهِرٌ في أنَّهُ قالَ لَها: أنْتِ طالِقٌ البَتَّةَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذا الحَدِيثِ غَيْرُ ناهِضٍ فِيما يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مُرادَها بِقَوْلِها: فَبَتَّ طَلاقِي؛ أيْ: بِحُصُولِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ.
وَيُبَيِّنُهُ أنَّ البُخارِيَّ ذَكَرَ في كِتابِ الأدَبِ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّها قالَتْ: «طَلَّقَنِي آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ»، وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ مِن قَوْلِها فَبَتَّ طَلاقِي، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَفْعَةً واحِدَةً، ومِن أدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ عائِشَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ. وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا: «أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ فَطَلَّقَ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أتَحِلُّ لِلْأوَّلِ ؟ قالَ: " لا، حَتّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها كَما ذاقَ الأوَّلُ» فَإنَّ قَوْلَهُ ثَلاثًا ظاهِرٌ في كَوْنِها مَجْمُوعَةً، واعْتَرَضَ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ بِأنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِن قِصَّةِ رِفاعَةَ، وقَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا أنَّ بَعْضَ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ دَلَّ عَلى أنَّها ثَلاثٌ مُفَرَّقَةٌ لا مَجْمُوعَةٌ، ورَدَّ هَذا (p-١١١)الِاعْتِراضَ بِأنَّ غَيْرَ رِفاعَةَ قَدْ وقَعَ لَهُ مَعَ امْرَأتِهِ نَظِيرُ ما وقَعَ لِرِفاعَةَ، فَلا مانِعَ مِنَ التَّعَدُّدِ، وكَوْنُ الحَدِيثِ الأخِيرِ في قِصَّةٍ أُخْرى كَما ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجْرٍ في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ رِفاعَةَ، فَإنَّهُ قالَ فِيها ما نَصُّهُ: وهَذا الحَدِيثُ إنْ كانَ مَحْفُوظًا فالواضِحُ مِن سِياقِهِ أنَّها قِصَّةٌ أُخْرى، وأنَّ كُلًّا مِن رِفاعَةَ القُرَظِيِّ، ورِفاعَةَ النَّضْرِيِّ وقَعَ لَهُ مَعَ زَوْجَةٍ لَهُ طَلاقٌ، فَتَزَوَّجَ كُلًّا مِنهُما عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فالحُكْمُ في قِصَّتِهِما مُتَّحِدٌ مَعَ تَغايُرِ الأشْخاصِ. وبِهَذا يَتَبَيَّنُ خَطَأُ مَن وحَّدَ بَيْنَهُما ظَنًّا مِنهُ أنَّ رِفاعَةَ بْنَ سَمَوْألٍ هو رَفاعَةُ بْنُ وهْبٍ. ا ه، مَحَلُّ الحاجَةِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ جَمِيعًا، فَقامَ مُغْضَبًا، فَقالَ: " أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ !» وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ مِنهُ: أنَّ المُطَلِّقَ يَظُنُّ الثَّلاثَ المَجْمُوعَةَ واقِعَةً، فَلَوْ كانَتْ لا تَقَعُ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لا تَقَعُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في حَقِّهِ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ إلَيْهِ.
وَقَدْ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِ مَحْمُودٍ هَذا: إنَّ إسْنادَهُ جَيِّدٌ، وقالَ الحافِظُ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: رُواتُهُ مُوَثَّقُونَ، وقالَ في ”الفَتْحِ“: رِجالُهُ ثِقاتٌ، فَإنْ قِيلَ: غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ، وتَصْرِيحُهُ بِأنَّ ذَلِكَ الجَمْعَ لِلطَّلَقاتِ لَعِبٌ بِكِتابِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَقَعُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ»، وفي رِوايَةِ «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»، فالجَوابُ أنَّ كَوْنَهُ مَمْنُوعًا ابْتِداءً لا يُنافِي وُقُوعَهُ بَعْدَ الإيقاعِ، ويَدُلُّ لَهُ ما سَيَأْتِي قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ لِمَن سَألَهُ: وإنْ كُنْتَ طَلَّقْتَها ثَلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وعَصَيْتَ اللَّهَ فِيما أمَرَكَ بِهِ مِن طَلاقِ امْرَأتِكِ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الحاكِمِ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ، وهَذا ثابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الصَّحِيحِ، ويُؤَيِّدُهُ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ قَرِيبًا مِن حَدِيثِهِ المَرْفُوعِ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «كانَتْ تَبِينُ مِنكَ وتَكُونُ مَعْصِيَةٌ» ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّهُ قالَ لِمَن سَألَهُ عَنْ ثَلاثٍ أوْقَعَها دَفْعَةً: ”إنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ“ .
وَبِالجُمْلَةِ فالمُناسِبُ لِمُرْتَكِبِ المَعْصِيَةِ التَّشْدِيدُ لا التَّخْفِيفُ بِعَدَمِ الإلْزامِ، ومِن أدِلَّتِهِمْ ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ قالَ: «فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها ثَلاثًا أكانَ يَحِلُّ لِي أنْ أُراجِعَها ؟ قالَ: ”لا، كانَتْ (p-١١٢)تَبِينُ مِنكَ وتَكُونُ مَعْصِيَةٌ»“ وفي إسْنادِهِ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وهو مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ وثَّقَهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ النَّسائِيُّ، وأبُو حاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ، وكَذَّبَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ البُخارِيُّ: لَيْسَ فِيمَن رُوِيَ عَنْ مالِكٍ مَن يَسْتَحِقُّ التَّرْكَ غَيْرُهُ، وقالَ شُعْبَةُ: كانَ نَسِيًّا، وقالَ ابْنُ حِبّانَ: كانَ مِن خِيارِ عِبادِ اللَّهِ، غَيْرَ أنَّهُ كَثِيرُ الوَهْمِ سَيِّئُ الحِفْظِ، يُخْطِئُ ولا يَدْرِي، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ في رِوايَتِهِ بَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِهِ. وأيْضًا الزِّيادَةُ الَّتِي هي مَحَلُّ الحُجَّةِ مِنَ الحَدِيثِ أعْنِي قَوْلَهُ: «أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها» إلَخْ، مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عَطاءٌ المَذْكُورُ. وقَدْ شارَكَهُ الحُفّاظُ في أصْلِ الحَدِيثِ، ولَمْ يَذْكُرُوا الزِّيادَةَ المَذْكُورَةَ. وفي إسْنادِها شُعَيْبُ بْنُ زُرَيْقٍ الشّامِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وأعَلَّ عَبْدُ الحَقِّ في أحْكامِهِ هَذا الحَدِيثَ، بِأنَّ في إسِنادِهِ مُعَلّى بْنَ مَنصُورٍ، وقالَ: رَماهُ أحْمَدُ بِالكَذِبِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا عَطاءٌ الخُراسانِيُّ المَذْكُورُ فَهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ وأمّا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ فَقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ثِقَةٌ سُنِّيٌّ فَقِيهٌ طُلِبَ لِلْقَضاءِ فامْتَنَعَ، أخْطَأ مَن زَعَمَ أنَّ أحْمَدَ رَماهُ بِالكَذِبِ، أخْرَجَ لَهُ الشَّيْخانِ وباقِي الجَماعَةِ. وأمّا شُعَيْبُ بْنُ زُرَيْقٍ أبُو شَيْبَةَ الشّامِيِّ فَقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ يُخْطِئُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مَرْدُودَ الحَدِيثِ، لا سِيَّما وقَدِ اعْتَضَدَتْ رِوايَتُهُ بِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ سَهْلٍ، وبِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فَإنَّهُ قالَ في [ السُّنَنِ الكُبْرى ] ما نَصُّهُ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدانَ: أنا أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفّارِ، أنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرّازِيُّ، أنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي قَيْسٍ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قالَ: كانَتْ عائِشَةُ الخَثْعَمِيَّةُ عِنْدَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَلَمّا قُتِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَتْ: لِتَهْنِكَ الخِلافَةُ، قالَ: بِقَتْلِ عَلِيٍّ تُظْهِرِينَ الشَّماتَةَ، اذْهَبِي فَأنْتِ طالِقٌ، يَعْنِي ثَلاثًا قالَ: فَتَلَفَّعَتْ بِثِيابِها، وقَعَدَتْ حَتّى قَضَتْ عِدَّتَها، فَبَعَثَ إلَيْها بِبَقِيَّةٍ بَقِيَتْ لَها مِن صَداقِها وعَشَرَةِ آلافٍ صَدَقَةً، فَلَمّا جاءَها الرَّسُولُ قالَتْ: مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ، فَلَمّا بَلَغَهُ قَوْلُها بَكى، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ جَدِّي أوْ حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: «أيُّما رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا عِنْدَ الأقْراءِ ”أوْ“ ثَلاثًا مُبْهَمَةً لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» لَراجَعْتُها.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ مُسْلِمٍ، وإبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ. ا ه مِنهُ بِلَفْظِهِ. وضِعْفُ هَذا الإسْنادِ بِأنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ (p-١١٣)حُمَيْدِ بْنِ حَيّانَ الرّازِيَّ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: حافِظٌ ضَعِيفٌ، وكانَ ابْنُ مَعِينٍ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ، أنَّ فِيهِ أيْضًا سَلَمَةَ بْنَ الفَضْلِ الأبْرَشَ، مَوْلى الأنْصارِ قاضِي الرَّيِّ قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ كَثِيرُ الخَطَأِ ورُوِيَ مِن غَيْرِ هَذا الوَجْهِ ورَوى نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، وضَعَّفَ الحَدِيثَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورَ أيْضًا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن إنَّهُ قالَ: ”وَإنْ كُنْتَ طَلَّقْتَها ثَلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وعَصَيْتَ اللَّهَ فِيما أمَرَكَ بِهِ مِن طَلاقِ امْرَأتِكَ“ . ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الحاكِمِ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ، وعَلى ثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورِ، فَهو ظاهِرٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ.
فَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ بِناءً عَلى حَمْلِهِ عَلى كَوْنِ الثَّلاثِ مُفَرَّقَةً لا مُجْتَمِعَةً، فَهو بَعِيدٌ. والحَدِيثُ ظاهِرٌ في كَوْنِها مُجْتَمِعَةً؛ لِأنَّ ابْنَ عُمَرَ لا يَسْألُ عَنِ الثَّلاثِ المُتَفَرِّقَةِ إذْ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ، ولَيْسَ مَحَلُّ نِزاعٍ. ومِن أدِلَّتِهِمْ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”مُصَنَّفِهِ“، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قالَ: «طَلَّقَ جَدِّي امْرَأةً لَهُ ألْفَ تَطْلِيقَةٍ، فانْطَلَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ما اتَّقى اللَّهَ جَدُّكَ، أمّا ثَلاثٌ فَلَهُ، وأمّا تِسْعُمِائَةٍ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ فَعُدْوانٌ وظُلْمٌ، إنْ شاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ» . وفي رِوايَةٍ: «إنَّ أباكَ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا، بانَتْ مِنهُ بِثَلاثٍ عَلى غَيْرِ السُّنَّةِ، وتِسْعُمِائَةٍ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ إثْمٌ في عُنُقِهِ» وفي إسْنادِهِ يَحْيى بْنُ العَلاءِ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الوَلِيدِ، وإبْراهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ولا يُحْتَجُّ بِواحِدٍ مِنهم.
وَقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ صَدَقَةَ بْنِ أبِي عِمْرانَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. ومِن أدِلَّتِهِمْ ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: حَدِّثِينِي عَنْ طَلاقِكِ، قالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاثًا، وهو خارِجٌ إلى اليَمَنِ، فَأجازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» .
وَفِي رِوايَةِ أبِي أُسامَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوِّجِي طَلَّقَنِي ثَلاثًا، فَأخافُ أنْ يَقْتَحِمَ عَلَيَّ فَأمَرَها فَتَحَوَّلَتْ» .
وَفِي مُسْلِمٍ مِن رِوايَةِ أبِي سَلَمَةَ، أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أخْبَرَتْهُ «أنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ طَلَّقَها ثَلاثًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى اليَمَنِ» إلَخْ. . . وفِيهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ أيْضًا أنَّها قالَتْ: «فَطَلَّقَنِي البَتَّةَ» .
قالُوا: فَهَذِهِ الرِّواياتُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الطَّلاقَ كانَ بِالثَّلاثِ المُجْتَمِعَةِ، ولا سِيَّما (p-١١٤)حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ؛ لِقَوْلِها فِيهِ: فَأجازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذْ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِإجازَتِهِ إلّا الثَّلاثَ المُجْتَمِعَةَ، ورَدَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ بِما ثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، كَما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي سَلَمَةَ أيْضًا: أنَّ فاطِمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها كانَتْ تَحْتَ أبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ.
فَهَذِهِ الرِّوايَةُ تُفَسِّرُ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وتُظْهِرُ أنَّ المَقْصُودَ مِنها أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مُفَرَّقًا لا دَفْعَةً، ورَدَّ بَعْضُهم هَذا الِاعْتِراضَ بِأنَّ الرِّواياتِ المَذْكُورَةَ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَفْرِيقِ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ بَيْنَ صِيَغِ البَيْنُونَةِ الثَّلاثِ، يَعْنُونَ لَفْظَ البَتَّةَ والثَّلاثِ المُجْتَمِعَةِ، والثَّلاثِ المُتَفَرِّقَةِ؛ لِتَعْبِيرِها في بَعْضِ الرِّواياتِ بِلَفْظِ طَلَّقَنِي ثَلاثًا، وفي بَعْضِها بِلَفْظِ: طَلَّقَنِي البَتَّةَ، وفي بَعْضِها بِلَفْظٍ: فَطَلَّقَنِي آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ. فَلَمْ تَخُصَّ لَفْظًا مِنها عَنْ لَفْظٍ؛ لِعِلْمِها بِتَساوِي الصِّيَغِ.
وَلَوْ عَلِمْتَ أنَّ بَعْضَها لا يَحْرُمُ لاحْتَرَزَتْ مِنهُ.
قالُوا: والشَّعْبِيُّ قالَ لَها: حَدِّثِينِي عَنْ طَلاقِكِ، أيْ: عَنْ كَيْفِيَّتِهِ وحالِهِ. فَكَيْفَ يَسْألُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ ويَقْبَلُ الجَوابَ بِما فِيهِ عِنْدَهُ إجْمالٌ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَفْسِرَ عَنْهُ، وأبُو سَلَمَةَ رَوى عَنْها الصِّيَغَ الثَّلاثَ، فَلَوْ كانَ بَيْنَهُ عِنْدَهُ تَفاوُتٌ لاعْتَرَضَ عَلَيْها بِاخْتِلافِ ألْفاظِها، وتَثَبَّتَ حَتّى يَعْلَمَ مِنها بِأيِّ الصِّيَغِ وقَعَتْ بَيْنُونَتُها، فَتَرْكُهُ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَساوِي الصِّيَغِ المَذْكُورَةِ عِنْدَهُ هَكَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ الأجِلّاءِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّ الرِّواياتِ الَّتِي فِيها إجْمالٌ بَيَّنَتْها الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ الأُخْرى كَما هو ظاهِرٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، والدّارَقُطْنِيُّ وقالَ: قالَ أبُو داوُدَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والشّافِعِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ «عَنْ رُكانَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ سُهَيْمَةَ البَتَّةَ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ. فَقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا واحِدَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”واللَّهِ ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً“ ؟ فَقالَ رُكانَةُ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا واحِدَةً، فَرَدَّها إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وطَلَّقَها الثّانِيَةَ في زَمانِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والثّالِثَةَ في زَمَنِ عُثْمانَ»، فَهَذا الحَدِيثُ صَحَّحَهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ ماجَهْ: سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الطَّنافِسِيَّ يَقُولُ: ما أشْرَفَ هَذا الحَدِيثِ.
(p-١١٥)وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ مِن وجْهٍ آخَرَ، ولَهُ طُرُقٌ أُخَرُ، فَهو حَسَنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. وهو نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَهُ ﷺ لِرُكانَةَ ما أرادَ بِلَفْظِ البَتَّةَ إلّا واحِدَةً دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْ أرادَ بِها أكْثَرَ مِنَ الواحِدَةِ لَوَقَعَ، والثَّلاثُ أصْرَحُ في ذَلِكَ في لَفْظِ البَتَّةَ؛ لِأنَّ البَتَّةَ كِنايَةٌ والثَّلاثَ صَرِيحٌ، ولَوْ كانَ لا يَقَعُ أكْثَرُ مِن واحِدَةٍ، لَما كانَ لِتَحْلِيفِهِ مَعْنًى مَعَ اعْتِضادِ هَذا الحَدِيثِ بِما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ، وبِما سَنَذْكُرُهُ بَعْدَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ الكُلُّ لا يَخْلُو مِن كَلامٍ، مَعَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ تَكَلَّمَ فِيهِ: بِأنَّ في إسْنادِهِ الزُّبَيْرَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ الهاشِمِيَّ.
قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: لَيِّنُ الحَدِيثِ، وقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مَتْرُوكٌ، والحَقُّ ما قالَهُ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ مِن أنَّهُ لَيِّنُ الحَدِيثِ.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخارِيِّ أنَّهُ مُضْطَرِبٌ فِيهِ. يُقالُ ثَلاثًا، وتارَةً قِيلَ واحِدَةً. وأصَحُّها أنَّهُ طَلَّقَها البَتَّةَ، وأنَّ الثَّلاثَ ذُكِرَتْ فِيهِ عَلى المَعْنى.
وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“: تَكَلَّمُوا في هَذا الحَدِيثِ، وقَدْ قَدَّمْنا آنِفًا تَصْحِيحَ أبِي داوُدَ، وابْنِ حِبّانَ، والحاكِمِ لَهُ، وأنَّ ابْنَ كَثِيرٍ قالَ: إنَّهُ حَسَنٌ، وإنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِالأحادِيثِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ، وحَدِيثِ الحَسَنِ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ، وحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السّاعِدِيِّ في لِعانِ عُوَيْمِرٍ وزَوْجِهِ، ولا سِيَّما عَلى رِوايَةِ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي الثَّلاثَ بِلَفْظٍ واحِدٍ كَما تَقَدَّمَ.
وَيَعْتَضِدُ أيْضًا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ عَنْ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ: قُلْتُ لِأيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أحَدًا قالَ في أمْرِكَ بِيَدِكَ إنَّها ثَلاثٌ غَيْرَ الحَسَنِ ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا إلّا ما حَدَّثَنِي قَتادَةُ عَنْ كَثِيرٍ - مَوْلى ابْنِ سَمُرَةَ - عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ» . فَلَقِيتُ كَثِيرًا فَسَألْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَرَجَعْتُ إلى قَتادَةَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: نَسِيَ.
وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ سُلَيْمانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، وتَكَلَّمَ في هَذا الحَدِيثِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الأُولى: أنَّ البُخارِيَّ لَمْ يَعْرِفْهُ مَرْفُوعًا، وقالَ إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى أبِي هُرَيْرَةَ ويُجابُ عَنْ هَذا: بِأنَّ الرَّفْعَ زِيادَةٌ، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ (p-١١٦)حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا، وجَلالَتُهُما مَعْرُوفَةٌ.
قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزِ ]
؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزِيدَ اللَّفْظُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ
الثّانِيَةُ: أنَّ كَثِيرًا نَسِيَهُ، ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ نِسْيانَ الشَّيْخِ لا يُبْطِلُ رِوايَةَ مَن رَوى عَنْهُ؛ لِأنَّهُ يَقِلُّ راوٍ يَحْفَظُ طُولَ الزَّمانِ ما يَرْوِيهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقَدْ رَوى سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى بِالشّاهِدِ واليَمِينِ» ونَسِيَهُ، فَكانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وأشارَ إلَيْهِ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَإنْ يُرِدْهُ بِلا أذْكُرُ أوْ ∗∗∗ ما يَقْتَضِي نِسْيانَهُ فَقَدْ رَأوْا ∗∗∗ الحُكْمَ لِلذّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ ∗∗∗ وحُكِيَ الإسْقاطُ عَنْ بَعْضِهِمُ ∗∗∗ كَقِصَّةِ الشّاهِدِ واليَمِينِ إذْ ∗∗∗ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ الَّذِي أخَذْ ∗∗∗ عَنْهُ فَكانَ بَعْدُ عَنْ رَبِيعِهِ ∗∗∗ عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيهِ لَنْ يُضِيعَهُ
الثّالِثَةُ: تَضْعِيفُهُ بِكَثِيرٍ مَوْلى ابْنِ سَمُرَةَ، كَما قالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّهُ مَجْهُولٌ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ ابْنَ حَجَرٍ قالَ في ”التَّقْرِيبِ“: إنَّهُ مَقْبُولٌ، ومِن أدِلَّتِهِمْ ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ زاذانَ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا طَلَّقَ البَتَّةَ فَغَضِبَ، وقالَ: ”أتَتَّخِذُونَ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ؟ أوْ دِينَ اللَّهِ هُزُوًا، أوْ لَعِبًا ؟ مَن طَلَّقَ البَتَّةَ ألْزَمْناهُ ثَلاثًا لا تَحِلُّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»“ وفِيهِ إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، قالَ فِيهِ الدّارَقُطْنِيُّ: كُوفِيٌّ ضَعِيفٌ.
* *
وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يا مُعاذُ مَن طَلَّقَ لِلْبِدْعَةِ واحِدَةً أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ألْزَمْناهُ بِدَعَتَهُ» وفي إسْنادِهِ إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ الذّارِعُ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا. فَهَذِهِ الأحادِيثُ وإنْ كانَتْ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن مَقالٍ فَإنَّ كَثْرَتَها واخْتِلافَ طُرُقِها، وتَبايُنَ مَخارِجِها يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها أصْلًا، والضِّعافُ المُعْتَبَرُ بِها إذا تَبايَنَتْ مَخارِجُها شَدَّ بَعْضُها بَعْضًا فَصَلَحَ مَجْمُوعَها لِلِاحْتِجاجِ، ولا سِيَّما أنَّ مِنها ما صَحَّحَهُ بَعْضُ العُلَماءِ كَحَدِيثِ طَلاقِ رُكانَةَ البَتَّةَ، وحَسَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ومِنها ما هو صَحِيحٌ، وهو رِوايَةُ إنْفاذِهِ ﷺ طَلاقَ عُوَيْمِرٍ ثَلاثًا، (p-١١٧)مَجْمُوعَةً عِنْدٍ أبِي داوُدَ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مُعارَضَةَ تَضْعِيفِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ مِن جِهَةِ عَطاءِ الخُراسانِيِّ، ومُعَلّى بْنِ مَنصُورٍ، وشُعَيْبِ بْنِ زُرَيْقٍ، إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ: [ الخَفِيفِ ]
؎لا تُخاصِمْ بِواحِدٍ أهْلَ بَيْتٍ فَضَعِيفانِ يَغْلِبانِ قَوِيًّا
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ ما نَصُّهُ: واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] .
قالُوا: مَعْناهُ أنَّ المُطَلِّقَ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ نَدَمٌ فَلا يُمْكِنُهُ تَدارُكَهُ؛ لِوُقُوعِ البَيْنُونَةِ، فَلَوْ كانَتِ الثَّلاثُ لا تَقَعُ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ هَذا إلّا رَجْعِيًّا، فَلا يَنْدَمُ. ا ه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ القُرْآنِيَّ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَسَكَتَ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيَرُدُّها إلَيْهِ، فَقالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ يا ابْنَ عَبّاسٍ، إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، فَلا أجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ. وأخْرَجَ لَهُ أبُو داوُدَ مُتابَعاتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَذا تَفْسِيرٌ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْآيَةِ بِأنَّها يَدْخُلُ في مَعْناها ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ ولَمْ يَجْمَعِ الطَّلاقَ في لَفْظَةٍ واحِدَةٍ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا بِالرَّجْعَةِ، ومَن لَمْ يَتَّقِهِ في ذَلِكَ بِأنْ جَمَعَ الطَّلَقاتِ في لَفْظٍ واحِدٍ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا بِالرَّجْعَةِ؛ لِوُقُوعِ البَيْنُونَةِ بِها مُجْتَمِعَةً، هَذا هو مَعْنى كَلامِهِ، الَّذِي لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. وهو قَوِيٌّ جِدًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّهُ مُفَسِّرٌ بِهِ قُرْآنًا، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ وقَدْ قالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وعَلى هَذا القَوْلِ جُلُّ الصَّحابَةِ وأكْثَرُ العُلَماءِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةِ. وحَكى غَيْرُ واحِدٍ عَلَيْهِ الإجْماعَ، واحْتَجَّ المُخالِفُونَ بِأرْبَعَةِ أحادِيثَ؛ الأوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي يَعْلى، وصَحَّحَهُ بَعْضُهم قالَ: «طَلَّقَ رُكانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا فَسَألَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَيْفَ طَلَّقْتَها“ ؟ قالَ: ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ، فارْتَجِعْها إنْ شِئْتَ“ فارْتَجَعَها» .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذا الحَدِيثِ مَرْدُودٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: (p-١١٨)الأوَّلُ: أنَّهُ لا دَلِيلَ فِيهِ البَتَّةَ عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ، لا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ، ولا بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ، ولا بِدَلالَةِ الِالتِزامِ؛ لِأنَّ لَفْظَ المَتْنِ أنَّ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ واقِعَةٌ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَها في مَجْلِسٍ واحِدٍ لا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُها بِلَفْظٍ واحِدٍ، فادِّعاءُ أنَّها لَمّا كانَتْ في مَجْلِسٍ واحِدٍ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ بِلَفْظٍ واحِدٍ في غايَةِ البُطْلانِ كَما تَرى؛ إذْ لَمْ يَدُلَّ كَوْنُها في مَجْلِسٍ واحِدٍ عَلى كَوْنِها بِلَفْظٍ واحِدٍ بِنَقْلٍ ولا عَقْلٍ ولا لُغَةٍ، كَما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، بَلِ الحَدِيثُ أظْهَرُ في كَوْنِها لَيْسَتْ بِلَفْظٍ واحِدٍ، إذْ لَوْ كانَتْ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لَقالَ بِلَفْظٍ واحِدٍ وتَرَكَ ذِكْرَ المَجْلِسِ؛ إذْ لا داعِيَ لِتَرْكِ الأخَصِّ والتَّعْبِيرِ بِالأعَمِّ بِلا مُوجِبٍ كَما تَرى.
وَبِالجُمْلَةِ فَهَذا الدَّلِيلُ يُقْدَحُ فِيهِ بِالقادِحِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ بِالقَوْلِ بِالمُوجِبِ، فَيُقالُ: سَلَّمْنا أنَّها في مَجْلِسٍ واحِدٍ، ولَكِنَّ مِن أيْنَ لَكَ أنَّها بِلَفْظٍ واحِدٍ فافْهَمْ. وسَتَرى تَمامَ هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ طاوُسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
الثّانِي: أنَّ داوُدَ بْنَ الحُصَيْنِ الَّذِي هو راوِي هَذا الحَدِيثِ عَنْ عِكْرِمَةَ لَيْسَ بِثِقَةٍ في عِكْرِمَةَ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: داوُدُ بْنُ الحُصَيْنِ الأُمَوِيُّ مَوْلاهم أبُو سُلَيْمانَ المَدَنِيُّ ثِقَةٌ إلّا في عِكْرِمَةَ، ورُمِيَ بِرَأْيِ الخَوارِجِ ا ه. وإذا كانَ غَيْرَ ثِقَةٍ في عِكْرِمَةَ كانَ الحَدِيثُ المَذْكُورُ مِن رِوايَةِ غَيْرِ ثِقَةٍ. مَعَ أنَّهُ قَدَّمْنا أنَّهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا لَما كانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ.
الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ فَإنَّهُ قالَ فِيهِ ما نَصُّهُ: الثّالِثُ: أنَّ أبا داوُدَ رَجَّحَ أنَّ رُكانَةَ إنَّما طَلَّقَ امْرَأتَهُ البَتَّةَ كَما أخْرَجَهُ هو مِن طَرِيقِ آلِ بَيْتِ رُكانَةَ، وهو تَعْلِيلٌ قَوِيٌّ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ رُواتِهِ حَمَلَ البَتَّةَ عَلى الثَّلاثِ، فَقالَ طَلَّقَها ثَلاثًا، فَبِهَذِهِ النُّكْتَةِ يَقِفُ الِاسْتِدْلالُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. ا ه مِنهُ بِلَفْظِهِ.
يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ المَذْكُورِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَعَ أنّا قَدَّمْنا أنَّ الحَدِيثَ لا دَلِيلَ فِيهِ أصْلًا عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ. وبِما ذَكَرْنا يَظْهَرُ سُقُوطُ الِاسْتِدْلالِ بِحَدِيثِ ابْنِ إسْحاقَ المَذْكُورِ.
* *
الحَدِيثُ الثّانِي مِنَ الأحادِيثِ الأرْبَعَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها مَن جَعَلَ الثَّلاثَ واحِدَةً: هو (p-١١٩)ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، مِن أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ في الحَيْضِ ثَلاثًا، فاحْتُسِبَ بِواحِدَةٍ، ولا يَخْفى سُقُوطُ هَذا الِاسْتِدْلالِ، وأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ إنَّما طَلَّقَها واحِدَةً، كَما جاءَ في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ ما نَصُّهُ: وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فالرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرَها مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ أنَّهُ طَلَّقَها واحِدَةً.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ ما نَصُّهُ: والمَحْفُوظُ أنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ واحِدَةً في الحَيْضِ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وكانَ تَطْلِيقُهُ إيّاها في الحَيْضِ واحِدَةً غَيْرَ أنَّهُ خالَفَ السُّنَّةَ. وكَذَلِكَ قالَ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ، ومُوسى بْنُ عُقْبَةَ، وإسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، ولَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي ذِئْبٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وجابِرٌ، وإسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نافِعٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ تَطْلِيقَةً واحِدَةً.
وَكَذا قالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ، ويُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيِّ والحَسَنِ. اه مِنهُ بِلَفْظِهِ. فَسُقُوطُ الِاسْتِدْلالِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في غايَةِ الظُّهُورِ.
* *
الحَدِيثُ الثّالِثُ مِن أدِلَّتِهِمْ: هو ما رَواهُ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أخْبَرْنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: أخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أبِي رافِعٍ مَوْلى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أبُو رُكانَةَ وإخْوَتُهُ أُمَّ رُكانَةَ، ونَكَحَ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ، فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: ما يُغْنِي عَنِّي إلّا كَما تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ - لِشَعْرَةٍ أخَذَتْها مِن رَأْسِها - فَفَرِّقْ بَيْنِي وبَيْنَهُ. فَأخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ، فَدَعا بِرُكانَةَ وإخْوَتِهِ، ثُمَّ قالَ لِجُلَسائِهِ: ”أتَرَوْنَ فُلانًا يُشْبِهُ مِنهُ كَذا وكَذا مِن عَبْدِ يَزِيدَ ؟ وفُلانًا يُشْبِهُ مِنهُ كَذا وكَذا“ ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”طَلِّقْها“ فَفَعَلَ، فَقالَ: ”راجِعِ امْرَأتَكَ أُمَّ رُكانَةَ“ فَقالَ: إنِّي طَلَّقْتُها ثَلاثًا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ”قَدْ عَلِمْتُ راجِعْها“ وتَلا: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] "» .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والِاسْتِدْلالُ بِهَذا الحَدِيثِ ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أبِي رافِعٍ، وهي رِوايَةٌ عَنْ مَجْهُولٍ لا يُدْرى مَن هو، فَسُقُوطُها كَما تَرى. ولا شَكَّ أنَّ حَدِيثَ أبِي داوُدَ المُتَقَدِّمَ أوْلى بِالقَبُولِ مِن هَذا الَّذِي لا خِلافَ في (p-١٢٠)ضَعْفِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ فِيهِ أنَّهُ طَلَّقَها البَتَّةَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أحْلَفَهُ ما أرادَ إلّا واحِدَةً، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى نُفُوذِ الطَّلَقاتِ المُجْتَمِعَةِ كَما تَقَدَّمَ.
* *
الحَدِيثُ الرّابِعُ هو ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ، واللَّفْظُ لِابْنِ رافِعٍ، قالَ إسْحاقُ: أخْبَرَنا وقالَ ابْنُ رافِعٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طاوُسٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ الطَّلاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقُ الثَّلاثِ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ، فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ»، حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، أخْبَرَنا رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ، أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَدَّثَنا ابْنُ رافِعٍ واللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أخْبَرَنِي ابْنُ طاوُسٍ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أتَعْلَمُ إنَّما كانَتِ الثَّلاثُ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وثَلاثًا مِن إمارَةِ عُمَرَ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَعَمْ» .
وَحَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، أخْبَرَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طاوُسٍ، «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: هاتِ مِن هَناتِكَ، ألَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ واحِدَةً ؟ فَقالَ: قَدْ كانَ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ في عَهْدِ عُمَرَ تَتايَعَ النّاسُ في الطَّلاقِ فَأجازَهُ عَلَيْهِمْ»، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ .
وَهَذِهِ الطَّرِيقُ الأخِيرَةُ أخْرَجَها أبُو داوُدَ ولَكِنْ لَمْ يُسَمِّ إبْراهِيمَ بْنَ مَيْسَرَةَ.
وَقالَ بَدَلَهُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، ولَفْظُ المَتْنِ: «أما عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ ؟
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى، كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ، فَلَمّا رَأى النّاسَ - يَعْنِي عُمَرَ - قَدْ تَتايَعُوا فِيها، قالَ: أجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ»، ولِلْجُمْهُورِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا عِدَّةُ أجْوِبَةٍ:
(p-١٢١)الأوَّلُ: أنَّ الثَّلاثَ المَذْكُورَةَ فِيهِ الَّتِي كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً، لَيْسَ في شَيْءٍ مِن رِواياتِ الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأنَّها واقِعَةٌ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَفْظُ طَلاقِ الثَّلاثِ لا يَلْزَمُ مِنهُ لُغَةً ولا عَقْلًا ولا شَرْعًا أنْ تَكُونَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَمَن قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، ثَلاثَ مَرّاتٍ في وقْتٍ واحِدٍ، فَطَلاقُهُ هَذا طَلاقُ الثَّلاثِ؛ لِأنَّهُ صَرَّحَ بِالطَّلاقِ فِيهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وإذا قِيلَ لِمَن جَزَمَ بِأنَّ المُرادَ في الحَدِيثِ إيقاعُ الثَّلاثِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، مِن أيْنَ أخَذْتَ كَوْنَها بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ ؟ فَهَلْ في لَفْظٍ مِن ألْفاظِ الحَدِيثِ أنَّها بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ ؟ وهَلْ يَمْنَعُ إطْلاقُ الطَّلاقَ الثَّلاثَ عَلى الطَّلاقِ بِكَلِماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ؟ فَإنْ قالَ: لا. يُقالُ لَهُ طَلاقُ الثَّلاثِ إلّا إذا كانَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَلا شَكَّ في أنَّ دَعْواهُ هَذِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وإنِ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ وقالَ: يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى ما أوْقَعَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وعَلى ما أوْقَعَ بِكَلِماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وهو أشَدُّ بِظاهِرِ اللَّفْظِ، قِيلَ لَهُ: وإذَنْ فَجَزْمُكَ بِكَوْنِهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ لا وجْهَ لَهُ، وإذا لَمْ يَتَعَيَّنْ في الحَدِيثِ كَوْنُ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن أصْلِهِ في مَحَلِّ النِّزاعِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن لَفْظِ طَلاقِ الثَّلاثِ في هَذا الحَدِيثِ كَوْنُها بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، أنَّ الإمامَ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسائِيَّ مَعَ جَلالَتِهِ وعِلْمِهِ وشِدَّةِ فَهْمِهِ ما فَهِمَ مِن هَذا الحَدِيثِ إلّا أنَّ المُرادَ بِطَلاقِ الثَّلاثِ فِيهِ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، بِتَفْرِيقِ الطَّلَقاتِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الثَّلاثِ أظْهَرُ في إيقاعِ الطَّلاقِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولِذا تَرْجَمَ في ”سُنَنِهِ“ لِرِوايَةِ أبِي داوُدَ المَذْكُورَةِ في هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ: ”بابُ طَلاقِ الثَّلاثِ المُتَفَرِّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ“ ثُمَّ قالَ: أخْبَرَنا أبُو داوُدَ سُلَيْمانُ بْنُ سَيْفٍ قالَ: حَدَّثْنا أبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ طاوُسٍ، عَنْ أبِيهِ: أنَّ أبا الصَّهْباءِ جاءَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ تُرَدُّ إلى الواحِدَةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَتَرى هَذا الإمامَ الجَلِيلَ صَرَّحَ بِأنَّ طَلاقَ الثَّلاثِ في هَذا الحَدِيثِ لَيْسَ بِلَفْظٍ واحِدٍ بَلْ بِألْفاظٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما فَهِمَهُ النَّسائِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الحَدِيثِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ في الرَّدِّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ لِوُقُوعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً بِحَدِيثِ عائِشَةَ: «أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا فَتَزَوَّجَتْ» . الحَدِيثَ. فَإنَّهُ قالَ فِيهِ ما نَصُّهُ: ولَكِنْ أيْنَ في الحَدِيثِ أنَّهُ طَلَّقَ الثَّلاثَ بِفَمٍ واحِدٍ ؟ بَلِ الحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنا فَإنَّهُ لا يُقالُ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا وقالَ: ثَلاثًا، إلّا مَن فَعَلَ وقالَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وهَذا هو المَعْقُولُ في لُغاتِ الأُمَمِ عَرِبِهِمْ وعَجَمِهِمْ، كَما يُقالُ قَذَفَهُ ثَلاثًا وشَتَمَهُ ثَلاثًا وسَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلاثًا. ا ه مِنهُ بِلَفْظِهِ.
(p-١٢٢)وَهُوَ دَلِيلٌ واضِحٌ لِصِحَّةِ ما فَهِمَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسائِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الحَدِيثِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الثَّلاثِ في جَمِيعِ رِواياتِهِ أظْهَرُ في أنَّها طَلَقاتٌ ثَلاثٌ واقِعَةٌ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما أوْضَحَهُ ابْنُ القَيِّمِ في حَدِيثِ عائِشَةَ المَذْكُورِ آنِفًا.
وَمِمَّنْ قالَ: بِأنَّ المُرادَ بِالثَّلاثِ في حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ، الثَّلاثُ المُفَرَّقَةُ بِألْفاظٍ نَحْوَ أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، ابْنُ سُرَيْجٍ فَإنَّهُ قالَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ورَدَ في تَكْرِيرِ اللَّفْظِ، كَأنْ يَقُولَ: أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ. وكانُوا أوَّلًا عَلى سَلامَةِ صُدُورِهِمْ، يُقْبَلُ مِنهم أنَّهم أرادُوا التَّأْكِيدَ، فَلَمّا كَثُرَ النّاسُ في زَمَنِ عُمَرَ، وكَثُرَ فِيهِمُ الخِداعُ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَمْنَعُ قَبُولُ مَنِ ادَّعى التَّأْكِيدَ حَمَلَ عُمَرُ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِ التَّكْرارِ فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ وقالَ: إنَّ هَذا الجَوابَ ارْتَضاهُ القُرْطُبِيُّ، وقَوّاهُ بِقَوْلِ عُمَرَ: إنَّ النّاسَ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٌ“ ما نَصُّهُ: وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ فاخْتَلَفَ النّاسُ في جَوابِهِ وتَأْوِيلِهِ، فالأصَحُّ أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ إذا قالَ لَها: أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، ولَمْ يَنْوِ تَأْكِيدًا ولا اسْتِئْنافًا يَحْكُمُ بِوُقُوعِ طَلْقَةٍ؛ لِقِلَّةِ إرادَتِهِمُ الِاسْتِئْنافَ بِذَلِكَ، فَحَمَلَ عَلى الغالِبِ الَّذِي هو إرادَةُ التَّأْكِيدِ. فَلَمّا كانَ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكَثُرَ اسْتِعْمالُ النّاسِ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ، وغَلَبَ مِنهم إرادَةُ الِاسْتِئْنافِ بِها، حُمِلَتْ عِنْدَ الإطْلاقِ عَلى الثَّلاثِ؛ عَمَلًا بِالغالِبِ السّابِقِ إلى الفَهْمِ في ذَلِكَ العَصْرِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا الوَجْهُ لا إشْكالَ فِيهِ؛ لِجَوازِ تَغَيُّرِ الحالِ عِنْدَ تَغَيُّرِ القَصْدِ؛ لِأنَّ ”الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ“ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى " وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ لِهَذا كَما قَدَّمْنا.
وَعَلى كُلِّ حالٍ، فادِّعاءُ الجَزْمِ بِأنَّ مَعْنى حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ أنَّ الثَّلاثَ بِلَفْظٍ واحِدٍ ادِّعاءٌ خالٍ مِن دَلِيلٍ كَما رَأيْتَ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ مَن تَجَرَّأ عَلى عَزْوِ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن رِواياتِ حَدِيثِ طاوُسٍ كَوْنُ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ، ولا مِنَ الشَّرْعِ، ولا مِنَ العَقْلِ كَما تَرى.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ويَدُلُّ لِكَوْنِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ لَيْسَتْ بِلَفْظٍ واحِدٍ ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ ابْنِ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أحْمَدَ، وأبِي يَعْلى مِن قَوْلِهِ: «طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، وقَوْلِهِ ﷺ: ”كَيْفَ طَلَّقْتَها“ ؟ (p-١٢٣)قالَ: ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ»؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِلَفْظِ المَجْلِسِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها لَيْسَتْ بِلَفْظٍ واحِدٍ، إذْ لَوْ كانَ اللَّفْظُ واحِدًا لَقالَ بِلَفْظٍ واحِدٍ ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ المَجْلِسِ، إذْ لا داعِيَ لِذِكْرِ الوَصْفِ الأعَمِّ وتَرْكِ الأخَصِّ بِلا مُوجِبٍ، كَما هو ظاهِرُ الجَوابِ الثّانِي عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ هو: أنَّ مَعْنى الحَدِيثِ أنَّ الطَّلاقَ الواقِعَ في زَمَنِ عُمَرَ ثَلاثًا كانَ يَقَعُ قَبْلَ ذَلِكَ واحِدَةً؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَعْمِلُونَ الثَّلاثَ أصْلًا، أوْ يَسْتَعْمِلُونَها نادِرًا. وأمّا في عَهْدِ عُمَرَ فَكَثُرَ اسْتِعْمالُهم لَها.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ، أنَّهُ صَنَعَ فِيهِ مِنَ الحُكْمِ بِإيقاعِ الطَّلاقِ ما كانَ يُصْنَعُ قَبْلَهُ، ورَجَّحَ هَذا التَّأْوِيلَ ابْنُ العَرَبِيِّ، ونَسَبَهُ إلى أبِي زُرْعَةَ الرّازِيِّ. وكَذا أوْرَدَهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ الصَّحِيحِ إلى أبِي زُرْعَةَ أنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذا الحَدِيثِ عِنْدِي إنَّما تُطَلِّقُونَ أنْتُمْ ثَلاثًا، كانُوا يُطَلِّقُونَ واحِدَةً. قالَ النَّوَوِيُّ: وعَلى هَذا فَيَكُونُ الخَبَرُ وقَعَ عَنِ اخْتِلافِ عادَةِ النّاسِ خاصَّةً، لا عَنْ تَغْيِيرِ الحُكْمِ في المَسْألَةِ الواحِدَةِ، وهَذا الجَوابُ نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عَنِ المُحَقِّقِ القاضِي أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، والقاضِي عَبْدِ الوَهّابِ، والكِيا الطَّبَرِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ولا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ مِنَ التَّعَسُّفِ، وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ أجِلّاءِ العُلَماءِ.
* *
الجَوابُ الثّالِثُ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هو القَوْلُ بِأنَّهُ مَنسُوخٌ، وأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى النَّسْخِ إلّا في عَهْدِ عُمَرَ، فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ مَن جَعَلَ الثَّلاثَ واحِدَةً عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ ما نَصُّهُ: قالَ الشّافِعِيُّ: فَإنْ كانَ مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُحْسَبُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واحِدَةً؛ يَعْنِي أنَّهُ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فالَّذِي يُشْبِهُ واللَّهُ أعْلَمُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلِمَ أنْ كانَ شَيْئًا فَنُسِخَ، فَإنْ قِيلَ: فَما دَلَّ عَلى ما وصَفْتَ ؟ قِيلَ: لا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا ثُمَّ يُخالِفُهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْهُ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلافٌ. قالَ الشَّيْخُ: ورِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَدْ مَضَتْ في النَّسْخِ وفِيها تَأْكِيدٌ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ. قالَ الشّافِعِيُّ: فَإنْ قِيلَ: فَلَعَلَّ هَذا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، فَقالَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قِيلَ: قَدْ عَلِمْنا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُخالِفُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في نِكاحِ المُتْعَةِ، وفي بَيْعِ الدِّينارِ بِالدِّينارَيْنِ، وفي بَيْعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ وغَيْرِهِ، فَكَيْفَ يُوافِقُهُ في شَيْءٍ يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلافُهُ ؟ ا ه (p-١٢٤)مَحَلُّ الحاجَةِ مِنَ البَيْهَقِيِّ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ ما نَصُّهُ: الجَوابُ الثّالِثُ دَعْوى النَّسْخِ، فَنَقَلَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلِمَ شَيْئًا نَسَخَ ذَلِكَ، قالَ البَيْهَقِيُّ: ويُقَوِّيهِ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها، وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ. والتَّرْجَمَةُ الَّتِي ذَكَرَ تَحْتَها أبُو داوُدَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ هي قَوْلُهُ: ”بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ“ .
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ، بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أبِي داوُدَ المَذْكُورَ آنِفًا ما نَصُّهُ: ورَواهُ النَّسائِيُّ عَنْ زَكَرِيّا بْنِ يَحْيى، عَنْ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بِهِ، وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ إسْحاقَ، حَدَّثَنا عَبْدَةُ يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمانَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِامْرَأتِهِ: لا أُطَلِّقُكِ أبَدًا، ولا آوِيكِ أبَدًا، قالَتْ: وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: أُطَلِّقُ حَتّى إذا دَنا أجَلُكِ راجَعْتُكِ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قالَ: فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ مَن كانَ طَلَّقَ ومَن لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ»، وقَدْ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَبِيبٍ مَوْلى الزُّبَيْرِ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ: فَذَكَرَهُ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَبِيبٍ بِهِ، ثُمَّ رَواهُ عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ إدْرِيسَ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ مُرْسَلًا وقالَ: هَذا أصَحُّ. ورَواهُ الحاكِمُ في ”مُسْتَدْرَكِهِ“ مِن طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَبِيبٍ بِهِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمْ يَكُنْ لِلطَّلاقِ وقْتٌ، يُطَلِّقُ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُراجِعُها، ما لَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ، وكانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وبَيْنَ أهْلِهِ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأتْرُكَنَّكِ لا أيِّمًا، ولا ذاتَ زَوْجٍ، فَجَعَلَ يُطَلِّقُها حَتّى إذا كادَتِ العِدَّةُ أنْ تَنْقَضِيَ راجَعَها، فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فَوَقَّتَ الطَّلاقَ ثَلاثًا لا رَجْعَةَ فِيهِ بَعْدَ الثّالِثَةِ، حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» . وهَكَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مُرْسَلًا، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ (p-١٢٥)وابْنُ جَرِيرٍ كَذَلِكَ واخْتارَ أنَّ هَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. ا ه مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ.
وَفِي هَذِهِ الرِّواياتِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ لِنَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الثَّلاثِ، وإنْكارُ المازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ادِّعاءَ النَّسْخِ مَرْدُودٌ بِما رَدَّهُ بِهِ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ فَإنَّهُ لَمّا نَقَلَ عَنِ المازَرِيِّ إنْكارَهُ لِلنَّسْخِ مِن أوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، قالَ بَعْدَهُ ما نَصُّهُ: قُلْتُ: نَقَلَ النَّوَوِيُّ هَذا الفَصْلَ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ وأقَرَّهُ، وهو مُتَعَقَّبٌ في مَواضِعَ: أحُدُها: أنَّ الَّذِي ادَّعى نَسْخَ الحُكْمِ لَمْ يَقُلْ: إنَّ عُمَرَ هو الَّذِي نَسَخَ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ ما ذَكَرَ، وإنَّما قالَ ما تَقَدَّمَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ عَلِمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ نُسِخَ؛ أيِ: اطَّلَعَ عَلى ناسِخٍ لِلْحُكْمِ الَّذِي رَواهُ مَرْفُوعًا، ولِذَلِكَ أفْتى بِخِلافِهِ، وقَدْ سَلَّمَ المازَرِيُّ في أثْناءِ كَلامِهِ أنَّ إجْماعَهم يَدُلُّ عَلى ناسِخٍ، وهَذا هو مُرادُ مَنِ ادَّعى النَّسْخَ.
الثّانِي: إنْكارُهُ الخُرُوجَ عَنِ الظّاهِرِ عَجِيبٌ؛ فَإنَّ الَّذِي يُحاوِلُ الجَمْعَ بِالتَّأْوِيلِ يَرْتَكِبُ خِلافَ الظّاهِرِ حَتْمًا.
الثّالِثُ: أنَّ تَغْلِيطَهُ مَن قالَ: المُرادُ ظُهُورُ النَّسْخِ عَجِيبٌ أيْضًا؛ لِأنَّ المُرادَ بِظُهُورِهِ انْتِشارُهُ، وكَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُفْعَلُ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَ مِن إجْماعِهِمْ عَلى الخَطَأِ. ا ه مَحَلُّ الحاجَةِ مِن ”فَتْحِ البارِي“ بِلَفْظِهِ، ولا إشْكالَ فِيهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحابَةِ اطَّلَعَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، فَأبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مِيراثِ الجَدَّةِ حَتّى أخْبَرَهُ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وعُمَرُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دِيَةِ الجَنِينِ حَتّى أخْبَرَهُ المَذْكُورانِ قَبْلُ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن أخْذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ حَتّى أخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، ولا مِنَ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، حَتّى أخْبَرَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعُثْمانُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْجَبَ السُّكْنى لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَمَنَ العِدَّةِ، حَتّى أخْبَرَتْهُ فُرَيْعَةُ بِنْتُ مالِكٍ.
والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وفاطِمَةُ الزَّهْراءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُما عِلْمٌ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّا مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» الحَدِيثَ، حَتّى طَلَبا مِيراثَهُما مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وأوْضَحُ دَلِيلٍ يُزِيلُ الإشْكالَ عَنِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ المَذْكُورِ وُقُوعُ مِثْلِهِ، واعْتِرافُ المُخالِفِ بِهِ في نِكاحِ المُتْعَةِ، فَإنَّ مُسْلِمًا رَوى عَنْ جابِرٍ (p-١٢٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ مُتْعَةَ النِّساءِ كانَتْ تُفْعَلُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، قالَ: ثُمَّ نَهانا عُمَرُ عَنْها فانْتَهَيْنا وهَذا مِثْلُ ما وقَعَ في طَلاقِ الثَّلاثِ طِبْقًا» ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ": [ الطَّوِيلِ ]
؎فَإلّا يَكُنْها أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ أخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبانِها
فَمِنَ الغَرِيبِ أنْ يُسَلِّمَ مُنْصِفٌ إمْكانَ النَّسْخِ في إحْداهُما، ويَدَّعِي اسْتِحالَتَهُ في الأُخْرى، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما رَوى مُسْلِمٌ فِيها عَنْ صَحابِيٍّ جَلِيلٍ: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ يُفْعَلُ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، في مَسْألَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ثُمَّ غَيَّرَهُ عُمَرُ.
وَمَن أجازَ نَسْخَ نِكاحِ المُتْعَةِ، وأحالَ نَسْخَ جَعْلِ الثَّلاثِ واحِدَةً، يُقالُ لَهُ: ما لِبائِكَ تَجُرُّ وبائِي لا تَجُرُّ ؟ فَإنْ قِيلَ: نِكاحُ المُتْعَةِ صَحَّ النَّصُّ بِنَسْخِهِ قُلْنا: قَدْ رَأيْتَ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةَ بِنَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الثَّلاثِ، ومِمَّنْ جَزَمَ بِنَسْخِ جَعْلِ الثَّلاثِ واحِدَةً، الإمامُ أبُو داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - ورَأى أنَّ جَعْلَها واحِدَةً إنَّما هو في الزَّمَنِ الَّذِي كانَ يَرْتَجِعُ فِيهِ بَعْدَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ وأكْثَرَ، قالَ في ”سُنَنِهِ“: ”بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ“ ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٨] وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ، وقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسائِيُّ وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ يَهِمُ، ورَوى مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ، ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ، وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا أشْرَفَتْ عَلى انْقِضاءِ عِدَّتِها راجَعَها، ثُمَّ قالَ: لا آوِيكِ ولا أُطَلِّقُكِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ جَدِيدًا مِن يَوْمِئِذٍ، مَن كانَ طَلَّقَ مِنهم أوْ لَمْ يُطَلِّقْ» .
وَيُؤَيِّدُ هَذا أنَّ عُمَرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيقاعَ الثَّلاثِ دَفْعَةً مَعَ كَثْرَتِهِمْ وعِلْمِهِمْ، ووَرَعِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ: أنَّ كَثِيرًا جِدًّا مِنَ الصَّحابَةِ الأجِلّاءِ العُلَماءِ صَحَّ عَنْهُمُ القَوْلُ بِذَلِكَ، كابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وخَلْقٍ لا يُحْصى.
(p-١٢٧)والنّاسِخُ الَّذِي نَسَخَ المُراجَعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ كَما جاءَ مُبَيَّنًا في الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولا مانِعَ عَقْلًا ولا عادَةً مِن أنْ يَجْهَلَ مِثْلَ هَذا النّاسِخِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى خِلافَةِ عُمَرَ، مَعَ أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَسْخِها وتَحْرِيمِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، وفي حَجَّةِ الوَداعِ أيْضًا، كَما جاءَ في رِوايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَمَعَ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى تَحْرِيمِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] ومَعْلُومٌ أنَّ المَرْأةَ المُتَمَتَّعَ بِها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ولا سُرِّيَّةٍ كَما يَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤] والَّذِينَ قالُوا: بِالنَّسْخِ قالُوا: في مَعْنى قَوْلِ عُمَرَ: إنَّ النّاسَ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ، أنَّ المُرادَ بِالأناةِ أنَّهم كانُوا يَتَأنَّوْنَ في الطَّلاقِ فَلا يُوقِعُونَ الثَّلاثَ في وقْتٍ واحِدٍ. ومَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ أنَّهم صارُوا يُوقِعُونَها بِلَفْظٍ واحِدٍ، عَلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ هو مَعْناهُ، وإمْضاؤُهُ لَهُ عَلَيْهِمْ إذَنْ هو اللّازِمُ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي ألْزَمْناهم بِمُقْتَضى ما قالُوا، ونَظِيرُهُ: قَوْلُ جابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ في نِكاحِ المُتْعَةِ: فَنَهانا عَنْها عُمَرُ. فَظاهِرُ كُلٍّ مِنهُما أنَّهُ اجْتِهادٌ مِن عُمَرَ، والنَّسْخُ ثابِتٌ فِيهِما مَعًا كَما رَأيْتَ، ولَيْسَتِ الأناةُ في المَنسُوخِ، وإنَّما هي في عَدَمِ الِاسْتِعْجالِ بِإيقاعِ الثَّلاثِ دَفْعَةً. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: إنَّ المُرادَ بِالثَّلاثِ الَّتِي كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ. فالظّاهِرُ في إمْضائِهِ لَها عَلَيْهِمْ أنَّهُ مِن حَيْثُ تَغَيَّرَ قَصْدُهم مِنَ التَّأْكِيدِ إلى التَّأْسِيسِ كَما تَقَدَّمَ، ولا إشْكالَ في ذَلِكَ.
أمّا كَوْنُ عُمَرَ كانَ يَعْلَمُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجْعَلُ الثَّلاثَ بِلَفْظٍ واحِدٍ واحِدَةً»، فَتَعَمَّدَ مُخالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَعَلَها ثَلاثًا، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلا يَخْفى بُعْدُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الجَوابُ الرّابِعُ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رِوايَةَ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُخالِفَةٌ لِما رَواهُ عَنْهُ الحُفّاظُ مِن أصْحابِهِ، فَقَدْ رَوى عَنْهُ لُزُومَ الثَّلاثِ دَفْعَةً سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، ومالِكُ بْنُ الحارِثِ، ومُحَمَّدُ بْنُ إياسِ بْنِ البُكَيْرِ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي عَيّاشٍ الأنْصارِيُّ، كَما نَقَلَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
(p-١٢٨)وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: إنَّ البُخارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ هَذا الحَدِيثَ؛ لِمُخالَفَةِ هَؤُلاءِ لِرِوايَةِ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَقالَ الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - طَلاقُ الثَّلاثِ واحِدَةً»، بِأيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ ؟ قالَ: بِرِوايَةِ النّاسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وُجُوهٍ خِلافَهُ، وكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنصُورٍ، قالَهُ ابْنُ القَيِّمِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: فَهَذا إمامُ المُحَدِّثِينَ وسَيِّدُ المُسْلِمِينَ في عَصْرِهِ الَّذِي تَدارَكَ اللَّهُ بِهِ الإسْلامَ بَعْدَ ما كادَ تَتَزَلْزَلُ قَواعِدُهُ، وتُغَيَّرُ عَقائِدُهُ، أبُو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ لِلْأثْرَمِ وابْنِ مَنصُورٍ: إنَّهُ رَفَضَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ قَصْدًا؛ لِأنَّهُ يَرى عَدَمَ الِاحْتِجاجِ بِهِ في لُزُومِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِرِوايَةِ الحُفّاظِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، وهَذا الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ، وهو هو، ذَكَرَ عَنْهُ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ أنَّهُ تَرَكَ هَذا الحَدِيثَ عَمْدًا؛ لِذَلِكَ المُوجِبِ الَّذِي تَرَكَهُ مِن أجْلِهِ الإمامُ أحْمَدُ. ولا شَكَّ أنَّهُما ما تَرَكاهُ إلّا لِمُوجِبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: رِوايَةُ طاوُسٍ في حُكْمِ المَرْفُوعِ، ورِوايَةُ الجَماعَةِ المَذْكُورِينَ مَوْقُوفَةٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، والمَرْفُوعُ لا يُعارَضُ بِالمَوْقُوفِ.
فالجَوابُ أنَّ الصَّحابِيَّ إذا خالَفَ ما رُوِيَ، فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ: وهُما رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأُولى: أنَّهُ لا يُحْتَجُّ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِهِ راوِيهِ وقَدْ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ، وهو عَدْلٌ عارِفٌ، وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ فَلا إشْكالَ.
وَعَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى الَّتِي هي المَشْهُورَةُ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ العِبْرَةَ بِرِوايَتِهِ لا بِقَوْلِهِ. فَإنَّهُ لا تُقَدَّمُ رِوايَتُهُ إلّا إذا كانَتْ صَرِيحَةَ المَعْنى، أوْ ظاهِرَةً فِيهِ ظُهُورًا يَضْعُفُ مَعَهُ احْتِمالُ مُقابِلِهِ، أمّا إذا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِغَيْرِ ذَلِكَ المَعْنى احْتِمالًا قَوِيًّا فَإنَّ مُخالَفَةَ الرّاوِي لِما رَوى تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُحْتَمَلَ الَّذِي تُرِكَ لَيْسَ هو مَعْنى ما رَوى، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ لَفْظَ طَلاقِ الثَّلاثِ في حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ مُحْتَمِلٌ احْتِمالًا قَوِيًّا لِأنْ تَكُونَ الطَّلَقاتُ مُفَرَّقَةً، كَما جَزَمَ بِهِ النَّسائِيُّ وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ سُرَيْجٍ، فالحاصِلُ أنَّ تَرْكَ ابْنِ عَبّاسٍ لِجَعْلِ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ واحِدَةً؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ لَيْسَ (p-١٢٩)كَوْنَها بِلَفْظٍ واحِدٍ كَما سَتَرى بَيانَهُ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ في المُفْهِمِ في الجَوابِ الَّذِي بَعْدَ هَذا.
واعْلَمْ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أنَّهُ أفْتى في الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ أنَّها واحِدَةٌ، وما رَوى عَنْهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إذا قالَ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا بِفَمٍ واحِدٍ فَهي واحِدَةٌ، فَهو مُعارَضٌ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ نَفْسُهُ مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ لا مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتُرَجَّحُ رِوايَةُ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلى رِوايَةِ حَمّادٍ بِمُوافَقَةِ الحُفّاظِ لِإسْماعِيلَ، في أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ يَجْعَلُها ثَلاثًا لا واحِدَةً.
* *
الجَوابُ الخامِسُ: هو ادِّعاءُ ضَعْفِهِ ومِمَّنْ حاوَلَ تَضْعِيفَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، والقُرْطُبِيُّ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ: زَلَّ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمانِ فَقالُوا: إنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في كَلِمَةٍ لا يَلْزَمُ، وجَعَلُوهُ واحِدَةً ونَسَبُوهُ إلى السَّلَفِ الأوَّلِ فَحَكَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ، والزُّبَيْرِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَزَوْهُ إلى الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ الضَّعِيفِ المَنزِلَةِ، المَغْمُورِ المَرْتَبَةِ، ورَوَوْا في ذَلِكَ حَدِيثًا لَيْسَ لَهُ أصْلٌ، وغَوى قَوْمٌ مِن أهْلِ المَسائِلِ فَتَتَبَّعُوا الأهْواءَ المُبْتَدَعَةَ فِيهِ وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا كَذِبٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلاثًا، كَما لَوْ قالَ: طَلَّقْتُ ثَلاثًا ولَمْ يُطَلِّقْ إلّا واحِدَةً، وكَما لَوْ قالَ: أحْلِفُ ثَلاثًا كانَتْ يَمِينًا واحِدَةً.
وَلَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ، ولَقِيتُ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ، وأرْبابِ المَذاهِبِ كُلَّ صادِقٍ، فَما سَمِعْتُ لِهَذِهِ المَسْألَةِ بِخَبَرٍ، ولا أحْسَسْتُ لَها بِأثَرٍ، إلّا الشِّيعَةَ الَّذِينَ يَرَوْنَ نِكاحَ المُتْعَةِ جائِزًا، ولا يَرَوْنَ الطَّلاقَ واقِعًا، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِمُ ابْنُ سُكَّرَةَ الهاشِمِيُّ: [ السَّرِيعِ ]
؎يا مَن يَرى المُتْعَةَ في دِينِهِ حِلًّا وإنْ كانَتْ بِلا مَهْرٍ
؎وَلا يَرى تِسْعِينَ تَطْلِيقَةً ∗∗∗ تُبِينُ مِنهُ رَبَّةُ الخِدْرِ
؎مِن هاهُنا طابَتْ مَوالِيدُكم ∗∗∗ فاغْتَنِمُوها يا بَنِي الفِطْرِ
وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ، وأرْبابُ الحَلِّ والعَقْدِ في الأحْكامِ عَلى أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في كَلِمَةٍ، وإنْ كانَ حَرامًا في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وبِدْعَةً في قَوْلِ الآخَرِينَ، لازِمٌ. وأيْنَ هَؤُلاءِ البُؤَساءُ مِن عالِمِ الدِّينِ، وعَلَمِ الإسْلامِ، مُحَمَّدِ بْنِ إسْماعِيلَ البُخارِيِّ، وقَدْ قالَ في (p-١٣٠)”صَحِيحِهِ“: ”بابُ جَوازِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ“، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ .
وَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعانِ: «فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ» ولا يُقِرُّ عَلى الباطِلِ؛ ولِأنَّهُ جَمَعَ ما فَسَحَ لَهُ في تَفْرِيقِهِ، فَألْزَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ حُكْمَهُ وما نَسَبُوهُ إلى الصَّحابَةِ كَذِبٌ بَحْتٌ، لا أصْلَ لَهُ في كِتابٍ ولا رِوايَةَ لَهُ عَنْ أحَدٍ.
وَقَدْ أدْخَلَ مالِكٌ في ”مُوَطَّئِهِ“ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ الحَرامَ ثَلاثٌ لازِمَةٌ في كَلِمَةٍ، فَهَذا في مَعْناها، فَكَيْفَ إذا صَرَّحَ بِها. وأمّا حَدِيثُ الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ في المِلَّةِ، ولا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، فَإنْ قِيلَ: فَفي ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الصَّهْباءِ المَذْكُورِ، قُلْنا: هَذا لا مُتَعَلِّقَ فِيهِ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ في صِحَّتِهِ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلى إجْماعِ الأُمَّةِ ؟ ولَمْ يُعْرَفْ لَها في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ إلّا عَنْ قَوْمٍ انْحَطُّوا عَنْ رُتْبَةِ التّابِعِينَ وقَدْ سَبَقَ العَصْرانِ الكَرِيمانِ والِاتِّفاقُ عَلى لُزُومِ الثَّلاثِ، فَإنْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنهم فَلا تَقْبَلُوا مِنهم إلّا ما يَقْبَلُونَ مِنكم: نَقْلُ العَدْلِ عَنِ العَدْلِ. ولا تَجِدْ هَذِهِ المَسْألَةَ مَنسُوبَةً إلى أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أبَدًا.
الثّانِي: أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ إلّا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُرْوَ عَنْهُ إلّا مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ ما لَمْ يَرْوِهِ مِنَ الصَّحابَةِ إلّا واحِدٌ وما لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ذَلِكَ الصَّحابِيِّ إلّا واحِدٌ ؟ وكَيْفَ خَفِيَ عَلى جَمِيعِ الصَّحابَةِ وسَكَتُوا عَنْهُ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ وكَيْفَ خَفِيَ عَلى أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا طاوُسًا ؟ اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ورِوايَةُ طاوُسٍ وهْمٌ وغَلَطٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها أحَدٌ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ بِالحِجازِ، والشّامِ، والعِراقِ، والمَشْرِقِ، والمَغْرِبِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ أبا الصَّهْباءِ لا يُعْرَفُ في مَوالِي ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا لا يَثْبُتُ بِهِ تَضْعِيفُ هَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الأئِمَّةَ كَمَعْمَرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو إمامٌ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ عَنْ طاوُسٍ أيْضًا إبْراهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وهو ثِقَةٌ حافِظٌ. وانْفِرادُ الصَّحابِيِّ لا يَضُرُّ ولَوْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أصْلًا إلّا واحِدٌ، كَما أشارَ إلَيْهِ العِراقِيُّ في ”ألْفِيَّتِهِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎فِي الصَّحِيحِ أخْرَجا المُسَيَّبا ∗∗∗ وأخْرَجَ الجُعْفِيُّ لِابْنِ تَغْلِبا
(p-١٣١)يَعْنِي: أنَّ الشَّيْخَيْنِ أخْرَجا حَدِيثَ المُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ، ولَمْ يَرْوِ عَنْهُ أحَدٌ غَيْرُ ابْنِهِ سَعِيدٍ.
وَأخْرَجَ البُخارِيُّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ النَّمَرِيِّ، ويُقالُ العَبْدِيُّ ولَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ هَذا مُرادُهُ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عَمْرَو بْنَ تَغْلِبَ رَوى عَنْهُ أيْضًا الحَكَمُ بْنُ الأعْرَجِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُما.
والحاصِلُ أنَّ حَدِيثَ طاوُسٍ ثابِتٌ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَضْعِيفُهُ إلّا بِأمْرٍ واضِحٍ، نَعَمْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ خَبَرَ الآحادِ إذا كانَتِ الدَّواعِي مُتَوَفِّرَةً إلى نَقْلِهِ ولَمْ يَنْقُلْهُ إلّا واحِدٌ ونَحْوُهُ، أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ. ووَجْهُهُ أنَّ تَوَفُّرَ الدَّواعِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ النَّقْلَ تَواتُرًا والِاشْتِهارَ، فَإنْ لَمْ يَشْتَهِرْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ اللّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ المَلْزُومِ، وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ في الأُصُولِ، أشارَ إلَيْها في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُحْكَمُ فِيهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ: [ الرَجَزِ ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
؎وَخَبَرُ الآحادِ في السُّنِّيِّ
؎حَيْثُ دَواعِي نَقْلِهِ تَواتُرًا ∗∗∗ نَرى لَها لَوْ قالَهُ تَقَرُّرا
وَجَزَمَ بِها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وقالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“ عاطِفًا عَلى ما يُجْزَمُ فِيهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ. والمَنقُولُ آحادًا فِيما تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ خِلافًا لِلرّافِضَةِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَمُرادُهُ أنَّ مِمّا يُجْزَمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ الخَبَرُ المَنقُولُ آحادًا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ.
وَقالَ ابْنُ الحاجِبِ في ”مُخْتَصَرِهِ الأُصُولِيِّ“ مَسْألَةٌ: إذا انْفَرَدَ واحِدٌ فِيما يَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ، وقَدْ شارَكَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. كَما لَوِ انْفَرَدَ واحِدٌ بِقَتْلِ خَطِيبٍ عَلى المِنبَرِ في مَدِينَةٍ فَهو كاذِبٌ قَطْعًا خِلافًا لِلشِّيعَةِ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وفي المَسْألَةِ مُناقَشاتٌ وأجْوِبَةٌ عَنْها مَعْرُوفَةٌ في الأُصُولِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ أنَّ الثَّلاثَ بِلَفْظٍ واحِدٍ كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ غَيَّرَ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ، وعامَّةُ الصَّحابَةِ أوْ جُلُّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. فالدَّواعِي إلى نَقْلٍ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مِن بَعْدِهِ، مُتَوَفِّرَةٌ تَوَفُّرًا لا يُمْكِنُ إنْكارُهُ، لِأنْ يَرُدَّ بِذَلِكَ التَّغْيِيرِ الَّذِي أحْدَثَهُ (p-١٣٣)عُمَرُ فَسُكُوتُ جَمِيعِ الصَّحابَةِ عَنْهُ وكَوْنُ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ مِنهُ حَرْفٌ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حَدِيثَ طاوُسٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ مَعْناهُ أنَّها بِلَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ بِثَلاثَةِ ألْفاظٍ في وقْتٍ واحِدٍ كَما قَدَّمْنا، وكَما جَزَمَ بِهِ النَّسائِيُّ، وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ سُرَيْجٍ. وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ؛ لِأنَّ تَغْيِيرَ عُمَرَ لِلْحُكْمِ مَبْنِيٌّ عَلى تَغْيِيرِ قَصْدِهِمْ، والنَّبِيُّ ﷺ قالَ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» فَمَن قالَ أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، أنْتِ طالِقٌ، ونَوى التَّأْكِيدَ فَواحِدَةٌ، وإنْ نَوى الِاسْتِئْنافَ بِكُلِّ واحِدَةٍ فَثَلاثٌ. واخْتِلافُ مَحامِلِ اللَّفْظِ الواحِدِ لِاخْتِلافِ نِيّاتِ اللّافِظِينَ بِهِ لا إشْكالَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِصِحَّتِهِ لِنَقْلِهِ آحادًا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ، والأوَّلُ أوْلى وأخَفُّ مِنَ الثّانِي، وقالَ القُرْطُبِيُّ في المُفْهِمِ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ طاوُسٍ المَذْكُورِ: وظاهِرُ سِياقِهِ يَقْتَضِي عَنْ جَمِيعِهِمْ أنَّ مُعْظَمَهم كانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ، والعادَةُ في مِثْلِ هَذا أنْ يَفْشُوَ الحُكْمُ ويَنْتَشِرَ فَكَيْفَ يَنْفَرِدُ بِهِ واحِدٌ عَنْ واحِدٍ ؟ قالَ: فَهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنِ العَمَلِ بِظاهِرِهِ، إنْ لَمْ يَقْتَضِ القَطْعَ بِبُطْلانِهِ. اهـ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ عَنْهُ، وهو قَوِيٌّ جِدًّا بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ كَما تَرى.
* *
الجَوابُ السّادِسُ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هو حَمْلُ لَفْظِ الثَّلاثِ في الحَدِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها البَتَّةَ كَما قَدَّمْنا في حَدِيثِ رُكانَةَ، وهو مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ما نَصُّهُ: وهو قَوِيٌّ ويُؤَيِّدُهُ إدْخالُ البُخارِيِّ في هَذا البابِ، الآثارَ الَّتِي فِيها البَتَّةَ، والأحادِيثَ الَّتِي فِيها التَّصْرِيحُ بِالثَّلاثِ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، وأنَّ البَتَّةَ إذا أُطْلِقَتْ حُمِلَ عَلى الثَّلاثِ إلّا إنْ أرادَ المُطَلِّقُ واحِدَةً فَيُقْبَلُ، فَكَأنَّ بَعْضَ رُواتِهِ حَمَلَ لَفْظَ البَتَّةَ عَلى الثَّلاثِ؛ لِاشْتِهارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، فَرَواها بِلَفْظِ الثَّلاثِ. وإنَّما المُرادُ لَفْظَةُ البَتَّةَ، وكانُوا في العَصْرِ الأوَّلِ يَقْبَلُونَ مِمَّنْ قالَ أرَدْتُ بِالبَتَّةِ واحِدَةً، فَلَمّا كانَ عَهْدُ عُمَرَ أمْضى الثَّلاثَ في ظاهِرِ الحُكْمِ. اهـ مِن ”فَتْحِ البارِي“ بِلَفْظِهِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ كَما لا يَخْفى، وما يَذْكُرُهُ كُلٌّ مِمَّنْ قالَ بِلُزُومِ الثَّلاثِ دُفْعَةً، ومَن قالَ بِعَدَمِ لُزُومِها مِنَ الأُمُورِ النَّظَرِيَّةِ لِيُصَحِّحَ بِهِ كُلٌّ مَذْهَبَهُ، لَمْ نُطِلْ بِهِ الكَلامَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ سُقُوطُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ لَمْ يُمْكِنْ (p-١٣٣)تَحْقِيقُها مِن جِهَةِ النَّقْلِ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ مِن جِهَةِ العَقْلِ، وقِياسُ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا عَلى أيْمانِ اللِّعانِ في أنَّهُ لَوْ حَلَفَها بِلَفْظٍ واحِدٍ لَمْ تَجُزْ، قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ؛ لَأنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى واحِدَةٍ مِنَ الشَّهاداتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ اللِّعانِ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَما لَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنها أصْلًا، بِخِلافِ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلى واحِدَةٍ مِنها اعْتُبِرَتْ إجْماعًا، وحَصَلَتْ بِها البَيْنُونَةُ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ إجْماعًا.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
البقرة 2:231
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، انْقِضاءُ عِدَّتِهِنَّ بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ إلّا في زَمَنِ العِدَّةِ خاصَّةً، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ لِأنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى زَمَنِ العِدَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِثَلاثَةِ قُرُوءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٨] . فاتَّضَحَ مِن تِلْكَ الآيَةِ أنَّ مَعْنى ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ . أيْ: قارَبْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ، وأشْرَفْنَ عَلى بُلُوغِ أجَلِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ. صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالنَّهْيِ عَنْ إمْساكِ المَرْأةِ مُضارَّةً لَها؛ لِأجْلِ الاعْتِداءِ عَلَيْها بِأخْذِهِ ما أعْطاها؛ لِأنَّها إذا طالَ عَلَيْها الإضْرارُ افْتَدَتْ مِنهُ؛ ابْتِغاءَ السَّلامَةِ مِن ضَرَرِهِ. وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّها إذا أتَتْ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ جازَ لَهُ عَضْلُها، حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ.
فَقالَ جَماعَةٌ مِنهم هي: الزِّنا، وقالَ قَوْمٌ هي: النُّشُوزُ والعِصْيانُ وبَذاءُ اللِّسانِ. والظّاهِرُ شُمُولُ الآيَةِ لِلْكُلِّ كَما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ جَيِّدٌ، فَإذا زَنَتْ أوْ أساءَتْ بِلِسانِها، أوْ نَشَزَتْ جازَتْ مُضاجَرَتُها؛ لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِما أعْطاها عَلى ما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ الآيَةِ.
البقرة 2:233
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الرَّجُلَ إذا أرادَ أنْ يَطْلُبَ لِوَلَدِهِ مُرْضِعَةً غَيْرَ أُمِّهِ لا جُناحَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، إذا سَلَّمَ الأُجْرَةَ المُعَيَّنَةَ في العَقْدِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الوَجْهَ المُوجِبَ لِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في سُورَةِ الطَّلاقِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦]، والمُرادُ بِتَعاسُرِهِمْ: امْتِناعُ الرَّجُلِ مِن دَفْعِ ما تَطْلُبُهُ المَرْأةُ، وامْتِناعُ المَرْأةِ مِن قَبُولِ الإرْضاعِ بِما (p-١٥٠)يَبْذُلُهُ الرَّجُلُ ويَرْضى بِهِ.
البقرة 2:234
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُلَّ مُتَوَفّى عَنْها تَعْتَدُّ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ مَحَلَّ ذَلِكَ ما لَمْ تَكُنْ حامِلًا، فَإنْ كانَتْ حامِلًا كانَتْ عِدَّتُها وضْعَ حَمْلِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ويَزِيدُهُ إيضاحًا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن إذْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةَ في الزَّواجِ بِوَضْعِ حَمْلِها بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِأيّامٍ، وكَوْنُ عِدَّةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها بِوَضْعِ حَمْلِها هو الحَقُّ، كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ خِلافًا لِمَن قالَ: «تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ» . ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: هاتانِ الآيَتانِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾، وقَوْلَهُ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ مِن بابِ تَعارُضِ الأعَمَّيْنِ مِن وجْهٍ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما، والرّاجِحُ مِنهُما يُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ المَرْجُوحِ كَما عَقَدَهُ في ”المَراقِي“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] وإنْ يَكِ العُمُومُ مِن وجْهٍ ظَهَرْ فالحُكْمُ بِالتَّرْجِيحِ حَتْمًا مُعْتَبَرْ
وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ عُمُومَ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ﴾ مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. مَعَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأُصُولِيِّينَ ذَكَرُوا أنَّ الجُمُوعَ المُنْكَرَةَ لا عُمُومَ لَها، وعَلَيْهِ فَلا عُمُومَ في آيَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَذَرُونَ أزْواجًا﴾ جَمْعُ مُنْكَرٍ فَلا يَعُمُّ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ﴾، فَإنَّهُ مُضافٌ إلى مُعَرَّفٍ بِألْ، والمُضافُ إلى المُعَرَّفِ بِها مِن صِيَغِ العُمُومِ، كَما عَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى صِيَغِ العُمُومِ: [ الرَّجَزِ ]
؎. . . . . . . . وما مُعَرَّفًا بِألْ قَدْ وُجِدا
؎أوْ بِإضافَةٍ إلى مُعَرَّفٍ ∗∗∗ إذا تَحَقَّقَ الخُصُوصُ قَدْ نَفى
الثّانِي: الضَّمِيرُ الرّابِطُ لِلْجُمْلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ أيْ: والَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذْرُوَنَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا كَقَوْلِ العَرَبِ: (p-١٥١)السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ تَعارُضُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، والجَوابُ ظاهِرٌ وهو أنَّ الأُولى ناسِخَةٌ لِهَذِهِ، وإنْ كانَتْ قَبْلَها في المُصْحَفِ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنْها في النُّزُولِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ هي الأُولى في المُصْحَفِ وهي ناسِخَةٌ لِآيَةٍ بَعْدَها فِيهِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما هَذا المَوْضِعُ، الثّانِي آيَةُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، هي الأُولى في المُصْحَفِ وهي ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢]، لِأنَّها وإنْ تَقَدَّمَتْ في المُصْحَفِ فَهي مُتَأخِّرَةٌ في النُّزُولِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِالنَّسْخِ ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَحْرِيرُ المَقامِ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“ .
البقرة 2:241
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُتْعَةَ حَقٌّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ عَلى مُطَلَّقِها المُتَّقِي، سَواءٌ أطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ أمْ لا ؟ فَرَضَ لَها صَداقٌ أمْ لا ؟ ويَدُلُّ لِهَذا العُمُومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢١]، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِهِ ﷺ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الأمَةِ إلّا بِدَلِيلٍ عَلى الخُصُوصِ كَما عَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَما بِهِ قَدْ خُوطِبَ النَّبِيُّ تَعْمِيمُهُ في المَذْهَبِ السُّنِّيِّ
وَهُوَ مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ القائِلِ بِخُصُوصِهِ بِهِ ﷺ إلّا بِدَلِيلٍ عَلى العُمُومِ، كَما بَيَّناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ: أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ مَفْرُوضٌ لَهُنَّ ومَدْخُولٌ بِهِنَّ، وقَدْ يُفْهَمُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ المُتْعَةَ لِخُصُوصِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وفَرْضِ الصَّداقِ مَعًا؛ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ تَسْتَحِقُّ الصَّداقَ، والمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَ فَرْضِ الصَّداقِ تَسْتَحِقُّ نِصْفَ الصَّداقِ. والمُطَلَّقَةُ قَبْلَهُما لا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا، فالمُتْعَةُ لَها خاصَّةً لِجَبْرِ كَسْرِها وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فَهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في هَذا التَّفْصِيلِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ مَعْقُولٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وإنْ كانَ مَفْرُوضًا لَها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ لِأنَّ ظاهِرَ عُمُومِها يَشْمَلُ المَفْرُوضَ لَها الصَّداقُ وغَيْرَها، وبِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ الثَّلاثِ أخَذَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، والأحْوَطُ الأخْذُ بِالعُمُومِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى الأمْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الدّالِ عَلى الإباحَةِ، وعَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] (p-١٥٢)
؎وَناقِلٌ ومُثْبِتٌ والآمِرُ ∗∗∗ بَعْدَ النَّواهِي ثُمَّ هَذا الآخَرِ
عَلى إباحَةٍ إلَخْ. . .
فَقَوْلُهُ ثُمَّ هَذا الآخَرُ عَلى إباحَةِ، يَعْنِي: أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى أمْرٍ مُقَدَّمٍ عَلى النَّصِّ الدّالِّ عَلى إباحَةٍ، لِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الطَّلَبِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ قَدْرَ المُتْعَةِ لا تَحْدِيدَ فِيهِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، فَإنْ تَوافَقا عَلى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ فالأمْرُ واضِحٌ، وإنِ اخْتَلَفا فالحاكِمُ يَجْتَهِدُ في تَحْقِيقِ المَناطِ، فَيُعَيِّنُ القَدْرَ عَلى ضَوْءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الآيَةَ، هَذا هو الظّاهِرُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]، يَقْتَضِي وُجُوبَ المُتْعَةِ في الجُمْلَةِ خِلافًا لِمالِكٍ ومَن وافَقَهُ في عَدَمِ وُجُوبِ المُتْعَةِ أصْلًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ المُتْعَةِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقالَ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، قالُوا: فَلَوْ كانَتْ واجِبَةً لَكانَتْ حَقًّا عَلى كُلِّ أحَدٍ، وبِأنَّها لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَعَيَّنَ فِيها القَدْرَ الواجِبَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى عَدَمِ وُجُوبِها لا يَنْهَضُ فِيما يَظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ و ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوُجُوبِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ لَسْتُ مُتَّقِيًا مَثَلًا؛ لِوُجُوبِ التَّقْوى عَلى جَمِيعِ النّاسِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآيَةَ ما نَصُّهُ: وقَوْلُهُ ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِإيجابِها؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ في الإشْراكِ بِهِ، ومَعاصِيهِ وقَدْ قالَ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [ ٢ ]، وقَوْلُهم لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَعَيَّنَ القَدْرَ الواجِبَ فِيها، ظاهِرُ السُّقُوطِ. فَنَفَقَةُ الأزْواجِ والأقارِبِ واجِبَةٌ ولَمْ يُعَيِّنْ فِيها القَدْرَ اللّازِمَ، وذَلِكَ النَّوْعُ مِن تَحْقِيقِ المَناطِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ كَما هو مَعْلُومٌ.
البقرة 2:243
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾، المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، تَشْجِيعُ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ بِإعْلامِهِمْ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ لا يُنْجِي، فَإذا عَلِمَ الإنْسانُ أنَّ فِرارَهُ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ لا يُنْجِيهِ، هانَتْ عَلَيْهِ مُبارَزَةُ الأقْرانِ، والتَّقَدُّمُ في المَيْدانِ. وقَدْ أشارَ تَعالى أنَّ هَذا هو مُرادُهُ بِالآيَةِ (p-١٥٣)حَيْثُ أتْبَعَها بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٤٤]، وصَرَّحَ بِما أشارَ إلَيْهِ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]، وهَذِهِ أعْظَمُ آيَةٍ في التَّشْجِيعِ عَلى القِتالِ؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ أنَّ الفِرارَ مِنَ القَتْلِ لا يُنْجِي مِنهُ، ولَوْ فُرِضَ نَجاتُهُ مِنهُ فَهو مَيِّتٌ عَنْ قَرِيبٍ، كَما قالَ قُعْنُبُ ابْنُ أُمِّ صاحِبٍ: [ المُتَقارِبِ ]
؎إذا أنْتَ لاقَيْتَ في نَجْدَةٍ فَلا تَتَهَيَّبْكَ أنْ تُقْدِما
؎فَإنَّ المَنِيَّةَ مَن يَخْشَها ∗∗∗ فَسَوْفَ تُصادِفُهُ أيْنَما
؎وَإنْ تَتَخَطَّكَ أسْبابُها ∗∗∗ فَإنَّ قُصاراكَ أنْ تَهْرَما
وَقالَ زُهَيْرٌ: [ الطَّوِيلِ ]
؎رَأيْتُ المَنايا خَبْطَ عَشْواءَ مَن تُصِبْ ∗∗∗ تُمِتْهُ ومَن تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ
وَقالَ أبُو الطِّيبِ: [ الخَفِيفِ ]
؎وَإذا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ ∗∗∗ فَمِنَ العَجْزِ أنْ تَكُونَ جَبانًا
وَلَقَدْ أجادَ مَن قالَ: [ البَسِيطِ ]
؎فِي الجُبْنِ عارٌ وفي الإقْدامِ مَكْرُمَةٌ ∗∗∗ والمَرْءُ في الجُبْنِ لا يَنْجُو مِنَ القَدَرِ
وَهَذا هو المُرادُ بِالآياتِ المَذْكُورَةِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَدَمُ جَوازِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ إذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتِ فِيها، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنِ القُدُومِ عَلى الأرْضِ الَّتِي هو فِيها إذا كُنْتَ خارِجًا عَنْها.
تَنْبِيهٌ
لَمْ تَأْتِ لَفْظَةُ ألَمْ تَرَ ونَحْوُها في القُرْآنِ مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظُ ألَمْ، مُعَدّاةً إلّا بِالحَرْفِ الَّذِي هو إلى. وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ، والتَّحْقِيقُ عَدَمُ لُزُومِهِ وجَوازُ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ، كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلِ ]
؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ
البقرة 2:245
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا قَدْرَ هَذِهِ الأضْعافِ الكَثِيرَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها تَبْلُغُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ وتَزِيدُ (p-١٥٤)عَنْ ذَلِكَ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ [البقرة: ١٦٢] .
البقرة 2:251
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِمّا عَلَّمَهُ، وقَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مِمّا عَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبإ: ١١، ١٠] .
البقرة 2:252
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، وإنَّكَ لِمَنَ المُرْسَلِينَ يُفْهَمُ مِن تَأْكِيدِهِ هُنا بَأنَّ واللّامِ أنَّ الكُفّارَ يُنْكِرُونَ رِسالَتَهُ كَما تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] .
البقرة 2:253
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم وقَدْ بَيَّنَ أنَّ مِنهم مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾، يَعْنِي مُوسى ومُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، وكَذَلِكَ آدَمُ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ في ”صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ“ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: تَكْلِيمُ آدَمَ الوارِدُ في ”صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ“ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وأمْثالُها مِنَ الآياتِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ بِغَيْرِ واسِطَةِ المَلَكِ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ حَوّاءَ عَنِ الشَّجَرَةِ عَلى لِسانِهِ، فَهو رَسُولٌ إلَيْها بِذَلِكَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾، ما نَصُّهُ: «وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ آدَمَ أنَبِيٌّ مُرْسَلٌ هو ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ»“، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ تَكْلِيمَ آدَمَ كانَ في الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا تَبْقى خاصِّيَّةُ مُوسى اهـ.
وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]، في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ ما نَصُّهُ: لِأنَّ آدَمَ كانَ هو النَّبِيَّ ﷺ أيّامَ حَياتِهِ، بَعْدَ أنْ أُهْبِطَ إلى (p-١٥٥)الأرْضِ، والرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إلى ولَدِهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا وهو، الرَّسُولُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾، أيْ: رُسُلٌ اهـ مَحَلُّ الحُجَّةِ مِنهُ بِلَفْظِهِ وفِيهِ وفي كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ المُتَقَدِّمِ عَنْ ”صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ“ التَّصْرِيحُ بِأنَّ آدَمَ رَسُولٌ وهو مُشْكِلٌ مَعَ ما ثَبَتَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ الرُّسُلِ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ لا طَرِيقَ لِلْجَمْعِ إلّا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ آدَمَ أُرْسِلَ لِزَوْجِهِ وذُرِّيَّتِهِ في الجَنَّةِ، ونُوحٌ أوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ في الأرْضِ، ويَدُلُّ لِهَذا الجَمْعِ ما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما، ويَقُولُ: «وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَإنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ»، الحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ: ”إلى أهْلِ“ الأرْضِ، لَوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الِاحْتِرازُ عَنْ رَسُولٍ بُعِثَ لِغَيْرِ أهْلِ الأرْضِ، لَكانَ ذَلِكَ الكَلامُ حَشْوًا، بَلْ يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ ما ذَكَرْنا. ويَتَأنَّسُ لَهُ بِكَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ الَّذِي قَدَّمْنا نَقْلَ القُرْطُبِيِّ لَهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ آدَمَ أُرْسِلَ إلى ذُرِّيَّتِهِ وهم عَلى الفِطْرَةِ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم كُفْرٌ فَأطاعُوهُ، ونُوحٌ هو أوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ لِقَوْمٍ كافِرِينَ يَنْهاهم عَنِ الإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى، ويَأْمُرُهم بِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ [يونس: ١٩] . أيْ: عَلى الدِّينِ الحَنِيفِ، أيْ حَتّى كَفَرَ قَوْمُ نُوحٍ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٣] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾، أشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ إلى أنَّ مِنهم مُحَمَّدًا ﷺ
• كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أوْ قَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ ٢٥ ]، وأشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ إلى أنَّ مِنهم إبْراهِيمَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ مِنهم داوُدَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [ ١٧ ]، وأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ مِنهم إدْرِيسَ (p-١٥٦)وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، وأشارَ هُنا إلى أنَّ مِنهم عِيسى بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٨٧] .
* *
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ، إشْكالٌ قَوِيٌّ مَعْرُوفٌ. ووَجْهُهُ: أنَّهُ ثَبَتَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «لا تُخَيِّرُونِي عَلى مُوسى؛ فَإنَّ النّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يَفِيقُ، فَإذا مُوسى باطِشٌ بِجانِبِ العَرْشِ، فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ»، وثَبَتَ أيْضًا في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ؛ فَإنَّ النّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ، وفي رِوايَةٍ: «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أنْبِياءِ اللَّهِ»، وفي رِوايَةٍ: «لا تُخَيِّرُونِي مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ» .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: وهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، والأحادِيثُ ثابِتَةٌ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ ولا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أنْبِياءِ اللَّهِ»، رَواها الأئِمَّةُ الثِّقاتُ، أيْ: لا تَقُولُوا فُلانٌ خَيْرٌ مِن فُلانٍ، ولا فُلانٌ أفْضَلُ مِن فُلانٍ، اهـ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في الجَوابِ عَنْ هَذا الإشْكالِ ما نَصُّهُ: والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يُعْلَمَ بِالتَّفْضِيلِ، وفي هَذا نَظَرٌ.
الثّانِي: أنَّ هَذا قالَهُ مِن بابِ الهَضْمِ والتَّواضُعِ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا نَهْيٌ عَنِ التَّفْضِيلِ في مِثْلِ هَذا الحالِ الَّتِي تَحاكَمُوا فِيها عِنْدَ التَّخاصُمِ والتَّشاجُرِ.
الرّابِعُ: لا تُفَضِّلُوا بِمُجَرَّدِ الآراءِ والعَصَبِيَّةِ.
الخامِسُ: لَيْسَ مَقامُ التَّفْضِيلِ إلَيْكم، وإنَّما هو إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلَيْكُمُ الِانْقِيادُ والتَّسْلِيمُ لَهُ والإيمانُ بِهِ، اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ أجْوِبَةً كَثِيرَةً عَنْ هَذا الإشْكالِ، واخْتارَ أنَّ مَنعَ التَّفْضِيلِ في خُصُوصِ النُّبُوَّةِ، وجَوازَهُ في غَيْرِها مِن زِيادَةِ الأحْوالِ، والخُصُوصِ، والكَراماتِ فَقَدْ قالَ ما نَصُّهُ: قُلْتُ: وأحْسَنُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَنعَ مِنَ التَّفْضِيلِ إنَّما هو مِن جِهَةِ النُّبُوَّةِ هو الَّتِي هي خَصْلَةٌ واحِدَةٌ لا تَفاضُلَ فِيها، وإنَّما التَّفْضِيلُ (p-١٥٧)فِي زِيادَةِ الأحْوالِ والخُصُوصِ، والكَراماتِ، والألْطافِ، والمُعْجِزاتِ المُتَبايِناتِ.
وَأمّا النُّبُوَّةُ في نَفْسِها فَلا تَتَفاضَلُ، وإنَّما تَتَفاضَلُ بِأُمُورٍ أُخَرَ زائِدَةٍ عَلَيْها، ولِذَلِكَ مِنهم رُسُلٌ وأُولُو عَزْمٍ، ومِنهم مَنِ اتُّخِذَ خَلِيلًا، ومِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [ ١٧ ]، قُلْتُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الآيِ والأحادِيثِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ، والقَوْلُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، إنَّما هو بِما مَنَحَ مِنَ الفَضائِلِ وأعْطى مِنَ الوَسائِلِ، وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى هَذا فَقالَ: إنِ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى الأنْبِياءِ وعَلى أهْلِ السَّماءِ، فَقالُوا: بِمَ يا ابْنَ عَبّاسٍ فَضَّلَهُ عَلى أهْلِ السَّماءِ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [ ٤٨ ]، قالُوا: فَما فَضْلُهُ عَلى الأنْبِياءِ ؟ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]، فَأرْسَلَهُ إلى الجِنِّ والإنْسِ، ذَكَرَهُ أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: خَيْرُ بَنِي آدَمَ نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى ومُحَمَّدٌ ﷺ وهم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وهَذا نَصٌّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في التَّعْيِينِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن أُرْسِلَ أفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يُرْسَلْ؛ فَإنَّ مَن أُرْسِلَ فَضُلَ عَلى غَيْرِهِ بِالرِّسالَةِ، واسْتَوُوا في النُّبُوَّةِ إلى ما يَلْقاهُ الرُّسُلُ مِن تَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ وقَتْلِهِمْ إيّاهم، وهَذا مِمّا لا خَفاءَ بِهِ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ أنَّ وجْهَ الجَمْعِ جَوازُ التَّفْضِيلِ إجْمالًا كَقَوْلِهِ ﷺ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»، ولَمْ يُعَيِّنْ ومَنَعَ التَّفْضِيلَ عَلى طَرِيقِ الخُصُوصِ كَقَوْلِهِ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى»، وقَوْلِهِ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى»، ونَحْوِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أتْبَعَ إنْفاقَهُ المَنَّ والأذى لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذا الثَّوابَ المَذْكُورَ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] . وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا المَفْهُومِ في (p-١٥٨)قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٤] .
البقرة 2:256
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّهُ لا يُكْرِهُ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] .
(p-٢٢٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ ما يَدُلُّ عَلى إكْراهِ الكُفّارِ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِالسَّيْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أيْ شِرْكٌ.
وَيَدُلُّ لِهَذا التَّفْسِيرِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» الحَدِيثَ، والجَوابُ عَنْ هَذا بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في خُصُوصِ أهْلِ الكِتابِ، والمَعْنى أنَّهم قَبْلَ نُزُولِ قِتالِهِمْ لا يُكْرَهُونَ عَلى الدِّينِ مُطْلَقًا وبَعْدَ نُزُولِ قِتالِهِمْ لا يُكْرَهُونَ عَلَيْهِ إذا أعْطَوُا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
والدَّلِيلُ عَلى خُصُوصِها بِهِمْ ما رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَكُونُ مِقْلاةً فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ، كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ .
المِقْلاةُ: الَّتِي لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، وفي المَثَلِ: أحَرُّ مِن دَمْعِ المِقْلاةِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ نَزَلَتْ: لا إكْراهَ في الدِّينِ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقالُ لَهُ: الحُصَيْنُ، كانَ لَهُ ابْنانِ نَصْرانِيّانِ وكانَ هو مُسْلِمًا، فَقالَ لِلنَّبِيِّ: ألا أسْتَكْرِهُهُما فَإنَّهُما قَدْ أبَيا إلّا النَّصْرانِيَّةَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ.
وَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَألَهُ أبُو بِشْرٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، فَقالَ: خاصَّةً ؟ قالَ: خاصَّةً.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ بِإسْنادَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قالَ: أُكْرِهَ عَلَيْهِ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً لَيْسَ لَهم كِتابٌ يَعْرِفُونَهُ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنهم غَيْرُ الإسْلامِ، ولا يُكْرَهْ عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ إذا أقَرُّوا بِالجِزْيَةِ أوْ بِالخَراجِ ولَمْ يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ فَيُخَلّى سَبِيلُهم.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ أوْ قالَ: أُمِرَ (p-٢٢٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقاتِلَ جَزِيرَةَ العَرَبِ مِن أهْلِ الأوْثانِ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهم إلّا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أوِ السَّيْفَ، ثُمَّ أُمِرَ فِيمَن سِواهم أنْ يَقْبَلَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قالَ: وذَلِكَ لَمّا دَخَلَ النّاسُ في الإسْلامِ وأعْطى أهْلُ الكِتابِ الجِزْيَةَ، فَهَذِهِ النُّقُولُ تَدُلُّ عَلى خُصُوصِها بِأهْلِ الكِتابِ المُعْطِينَ الجِزْيَةَ ومَن في حُكْمِهِمْ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ فِيها عُرِفَ بِالنَّقْلِ عَنْ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ لا بِمُطْلَقِ خُصُوصِ السَّبَبِ، ومِمّا يَدُلُّ لِلْخُصُوصِ أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: «عَجِبَ رَبُّكَ مِن قَوْمٍ يُقادُونَ إلى الجَنَّةِ في السَّلاسِلِ» .
الأمْرُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥]، ومَعْلُومٌ أنَّ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وسُورَةُ ”بَراءَةَ“ مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِها، والقَوْلُ بِالنَّسْخِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَآياتُ السَّيْفِ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ الَّتِي فِيها: ﴿لا إكْراهَ﴾ الآيَةَ، والمُتَأخِّرُ أوْلى مِنَ المُتَقَدِّمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:257
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، وصَرَّحَ في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّهُ ولِيُّهم، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ولِيُّهم، وأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [ ٥ ]، وقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِخُصُوصِ هَذِهِ الوِلايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ الكافِرِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّ نَبِيَّهُ ﷺ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وبَيَّنَ في آيَةِ ”البَقَرَةِ“ هَذِهِ، ثَمَرَةَ وِلايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي إخْراجُهُ لَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن ثَمَرَةِ وِلايَتِهِ إذْهابَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْ أوْلِيائِهِ، وبَيَّنَ أنَّ وِلايَتَهم لَهُ تَعالى بِإيمانِهِنَّ وتَقْواهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ تَعالى ولِيُّ نَبِيِّهِ ﷺ، وأنَّهُ أيْضًا يَتَوَلّى الصّالِحِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ المُرادُ بِالظُّلُماتِ الضَّلالَةُ، وبِالنُّورِ الهُدى، وهَذِهِ الآيَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ طُرُقَ الضَّلالِ مُتَعَدِّدَةٌ؛ لِجَمْعِهِ الظُّلُماتِ وأنَّ طَرِيقَ الحَقِّ واحِدَةٌ؛ لِإفْرادِهِ النُّورَ، وهَذا المَعْنى المُشارُ إلَيْهِ هُنا بَيَّنَهُ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ما نَصُّهُ: ولِهَذا وحَّدَ تَعالى لَفْظَ النُّورِ وجَمَعَ الظُّلُماتِ؛ لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ والكُفْرَ أجْناسٌ كَثِيرَةٌ وكُلُّها باطِلَةٌ كَما قالَ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [ ٦ ]، وقالَ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي في لَفْظِها إشْعارٌ بِتَفَرُّدِ (p-١٥٩)الحَقِّ وانْتِشارِ الباطِلِ وتَعَدُّدِهِ وتَشَعُّبِهِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الطّاغُوتُ الشَّيْطانُ ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أيْ يُخَوِّفُكم مِن أوْلِيائِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [ ٤ ]، وقَوْلُهُ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٠]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ [ ٧ ]، والتَّحْقِيقُ أنَّ كُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ والحَظُّ الأكْبَرُ مِن ذَلِكَ لِلشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠]، وقالَ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وقالَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٤]، وقالَ: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
البقرة 2:264
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ بَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِـ الَّذِي الَّذِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
البقرة 2:273
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ﴾ اللَّهِ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٣] لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ فَقْرِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ أنَّ سَبَبَ فَقْرِهِمْ هو إخْراجُ الكُفّارِ لَهم مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٨] .