Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — البقرة 2:275 – النساء 4:101

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. البقرة 2:275
  2. البقرة 2:276
  3. البقرة 2:282
  4. البقرة 2:284
  5. البقرة 2:286
  6. آل عمران 3:7
  7. آل عمران 3:10
  8. آل عمران 3:11
  9. آل عمران 3:13
  10. آل عمران 3:14
  11. آل عمران 3:28
  12. آل عمران 3:31
  13. آل عمران 3:38
  14. آل عمران 3:40
  15. آل عمران 3:41
  16. آل عمران 3:45
  17. آل عمران 3:46
  18. آل عمران 3:47
  19. آل عمران 3:49
  20. آل عمران 3:52
  21. آل عمران 3:54
  22. آل عمران 3:55
  23. آل عمران 3:65
  24. آل عمران 3:67
  25. آل عمران 3:90
  26. آل عمران 3:91
  27. آل عمران 3:97
  28. آل عمران 3:102
  29. آل عمران 3:103
  30. آل عمران 3:106
  31. آل عمران 3:113
  32. آل عمران 3:119
  33. آل عمران 3:123
  34. آل عمران 3:124
  35. آل عمران 3:133
  36. آل عمران 3:140
  37. آل عمران 3:142
  38. آل عمران 3:146
  39. آل عمران 3:153
  40. آل عمران 3:156
  41. آل عمران 3:157
  42. آل عمران 3:159
  43. آل عمران 3:162
  44. آل عمران 3:165
  45. آل عمران 3:169
  46. آل عمران 3:173
  47. آل عمران 3:178
  48. آل عمران 3:186
  49. آل عمران 3:191
  50. آل عمران 3:198
  51. النساء 4:2
  52. النساء 4:3
  53. النساء 4:7
  54. النساء 4:11
  55. النساء 4:12
  56. النساء 4:15
  57. النساء 4:22
  58. النساء 4:23
  59. النساء 4:24
  60. النساء 4:25
  61. النساء 4:26
  62. النساء 4:33
  63. النساء 4:34
  64. النساء 4:40
  65. النساء 4:42
  66. النساء 4:43
  67. النساء 4:44
  68. النساء 4:47
  69. النساء 4:48
  70. النساء 4:49
  71. النساء 4:57
  72. النساء 4:59
  73. النساء 4:61
  74. النساء 4:65
  75. النساء 4:72
  76. النساء 4:73
  77. النساء 4:74
  78. النساء 4:78
  79. النساء 4:84
  80. النساء 4:88
  81. النساء 4:93
  82. النساء 4:95
  83. النساء 4:101

البقرة 2:275

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ الآيَةَ، مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ يَزْجُرُهُ بِها عَنْ أكْلِ الرِّبا فانْتَهى أيْ: تَرَكَ المُعامَلَةَ بِالرِّبا؛ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وامْتِثالًا لِأمْرِهِ فَلَهُ ما سَلَفَ أيْ: ما مَضى قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ مِن أمْوالِ الرِّبا، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ الإنْسانَ بِفِعْلِ أمْرٍ إلّا بَعْدَ أنْ يُحَرِّمَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، فَقَدْ قالَ في الَّذِينَ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ مالَ المَيْسِرِ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٣] . (p-١٦٠)وَقالَ في الَّذِينَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ أزْواجَ آبائِهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، أيْ: لَكِنْ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٣] . وَقالَ في الصَّيْدِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ الآيَةَ [المائدة: ٩٥] . وَقالَ في الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ: صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ النَّسْخِ. وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في هَذا المَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ لَمّا اسْتَغْفَرُوا لِقُرَبائِهِمُ المَوْتى مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، ونَدِمُوا عَلى اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فَصَرَّحَ بِأنَّهُ لا يُضِلُّهم بِفِعْلِ أمْرٍ إلّا بَعْدَ بَيانِ اتِّقائِهِ.

البقرة 2:276

[ مَبْحَثٌ في الرِّبا ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ يَمْحَقُ الرِّبا أيْ: يُذْهِبُهُ بِالكُلِّيَّةِ مِن يَدِ صاحِبِهِ أوْ يَحْرِمُهُ بَرَكَةَ مالِهِ فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، وما ذَكَرَ هُنا مِن مَحْقِ الرِّبا، أشارَ إلَيْهِ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الرِّبا بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وصَرَّحَ بِأنَّ المُتَعامِلَ بِالرِّبا مُحارِبُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] . وَصَرَّحَ بِأنَّ آكِلَ الرِّبا لا يَقُومُ أيْ: مِن قَبْرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (p-١٦١)والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. واعْلَمْ أنَّ الرِّبا مِنهُ ما أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى مَنعِهِ ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ أحَدٌ وذَلِكَ كَرِبا الجاهِلِيَّةِ، وهو أنْ يَزِيدَهُ في الأجَلِ عَلى أنْ يَزِيدَهُ الآخَرُ في قَدْرِ الدَّيْنِ، ورِبا النَّساءِ بَيْنَ الذَّهَبِ والذَّهَبِ، والفِضَّةِ والفِضَّةِ، وبَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وبَيْنَ البُرِّ والبُرِّ، وبَيْنَ الشَّعِيرِ والشَّعِيرِ، وبَيْنَ التَّمْرِ والتَّمْرِ، وبَيْنَ المِلْحِ والمِلْحِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ. وَكَذَلِكَ حَكى غَيْرُ واحِدٍ الإجْماعَ عَلى تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ، بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ فَلا يَجُوزُ الفَضْلُ بَيْنَ الذَّهَبِ والذَّهَبِ، ولا بَيْنَ الفِضَّةِ والفِضَّةِ، ولا بَيْنَ البُرِّ والبُرِّ، ولا بَيْنَ الشَّعِيرِ والشَّعِيرِ، ولا بَيْنَ التَّمْرِ والتَّمْرِ، ولا بَيْنَ المِلْحِ والمِلْحِ، ولَوْ يَدًا بِيَدٍ. والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ مَنعُ رِبا الفَضْلِ في النَّوْعِ الواحِدِ مِنَ الأصْنافِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، فَإنْ قِيلَ: ثَبَتَ في ”الصَّحِيحِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا رِبا إلّا في النَّسِيئَةِ» وثَبَتَ في ”الصَّحِيحِ «عَنْ أبِي المِنهالِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ البَراءَ بْنَ عازِبٍ، وزَيْدَ بْنَ أرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ فَقالا: كُنّا تاجِرَيْنِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ، فَقالَ:“ ما كانَ مِنهُ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وما كانَ مِنهُ نَسِيئَةً فَلا»، فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مُرادَ النَّبِيِّ ﷺ بِجَوازِ الفَضْلِ ومَنعِ النَّسِيئَةِ فِيما رَواهُ عَنْهُ أُسامَةُ، والبَراءُ، وزَيْدٌ، إنَّما هو في جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، بِدَلِيلِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ ذَلِكَ هو مَحَلُّ جَوازِ التَّفاضُلِ، وأنَّهُ في الجِنْسِ الواحِدِ مَمْنُوعٌ. واخْتارَ هَذا الوَجْهَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“، فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ ساقَ الحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنا آنِفًا عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، ما نَصُّهُ: رَواهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي عاصِمٍ، دُونَ ذِكْرِ عامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ، وأخْرَجَهُ مِن حَدِيثِ حَجّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، مَعَ ذِكْرِ عامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ، وأخْرَجَهُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ أبِي المِنهالِ، قالَ: باعَ شَرِيكٌ لِي ورِقًا بِنَسِيئَةٍ إلى المَوْسِمِ أوْ إلى الحَجِّ، فَذَكَرَهُ وبِمَعْناهُ رَواهُ البُخارِيُّ (p-١٦٢)عَنْ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيانَ، وكَذَلِكَ رَواهُ أحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ عَنْ سُفْيانَ، ورُوِيَ عَنِ الحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ أبِي المِنهالِ، قالَ: باعَ شَرِيكٌ لِي بِالكُوفَةِ دَراهِمَ بِدَراهِمَ بَيْنَهُما فَضْلٌ. عِنْدِي أنَّ هَذا خَطَأٌ، والصَّحِيحُ ما رَواهُ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ومُحَمَّدُ بْنُ حاتِمٍ، وهو المُرادُ بِما أُطْلِقَ في رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَيَكُونُ الخَبَرُ وارِدًا في بَيْعِ الجِنْسَيْنِ، أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَقالَ: ”ما كانَ مِنهُ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وما كانَ مِنهُ نَسِيئَةً فَلا“، وهو المُرادُ بِحَدِيثِ أُسامَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما أخْبَرَنا بِهِ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَضْلِ القَطّانُ بِبَغْدادَ: أنا أبُو سَهْلِ بْنُ زِيادٍ القَطّانُ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى البِرْتِيُّ، حَدَّثَنا أبُو عُمَرَ، حَدَّثْنا شُعْبَةُ، أخْبَرَنِي حَبِيبٌ هو ابْنُ أبِي ثابِتٍ، قالَ: «سَمِعْتُ أبا المِنهالِ قالَ: سَألْتُ البَراءَ وزَيْدَ بْنَ أرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ فَكِلاهُما يَقُولُ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا»، رَواهُ البُخارِيُّ في ”الصَّحِيحِ“ عَنْ أبِي عُمَرَ حَفَصِ بْنِ عُمَرَ، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ اهـ مِنَ البَيْهَقِيِّ بِلَفْظِهِ، وهو واضِحٌ جِدًّا فِيما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ بِجَوازِ الفَضْلِ المَذْكُورِ كَوْنُهُ في جِنْسَيْنِ لا جِنْسٍ واحِدٍ. وَفِي تَكْمِلَةِ ”المَجْمُوعِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ الكَلامَ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ البَيْهَقِيِّ ما نَصُّهُ: ولا حُجَّةَ لِمُتَعَلِّقٍ فِيهِما؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيْعَ دَراهِمَ بِشَيْءٍ لَيْسَ رِبَوِيًّا، ويَكُونُ الفَسادُ لِأجْلِ التَّأْجِيلِ بِالمَوْسِمِ أوِ الحَجِّ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّرٍ ولا سِيَّما عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ. والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ الجِنْسِ ويَدُلُّ لَهُ رِوايَةٌ أُخْرى «عَنْ أبِي المِنهالِ، قالَ: سَألْتُ البَراءَ بْنَ عازِبٍ وزَيْدَ بْنَ أرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ فَكِلاهُما يَقُولُ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا»، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهَذا لَفَظُ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ بِمَعْناهُ. وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ عَنْ بَيْعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا، فَهو يُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ صَرْفُ الجِنْسِ بِجِنْسٍ آخَرَ. وَهَذِهِ الرِّوايَةُ ثابِتَةٌ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي المِنهالِ، والرِّواياتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ رِوايَةُ الحُمَيْدِيِّ، واللَّتانِ في ”الصَّحِيحِ“ وكُلُّها أسانِيدُها في غايَةِ الجَوْدَةِ. (p-١٦٣)وَلَكِنْ حَصَلَ الِاخْتِلافُ في سُفْيانَ فَخالَفَ الحُمَيْدِيُّ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ، ومُحَمَّدَ بْنَ حاتِمٍ، ومُحَمَّدَ بْنَ مَنصُورٍ، وكُلٌّ مِنَ الحُمَيْدِيِّ وعَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ في غايَةِ الثَّبْتِ. ويَتَرَجَّحُ ابْنُ المَدِينِيِّ هُنا بِمُتابَعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حاتِمٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ مَنصُورٍ لَهُ، وشَهادَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ لِرِوايَتِهِ، وشَهادَةِ رِوايَةِ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ لِرِوايَةِ شَيْخِهِ، ولِأجْلٍ ذَلِكَ قالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ رِوايَةَ مَن قالَ إنَّهُ باعَ دَراهِمَ بِدَراهِمَ خَطَأٌ عِنْدَهُ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ ما نَصُّهُ: وقالَ الطَّبَرَيُّ مَعْنى حَدِيثِ أُسامَةَ: «لا رِبا إلّا في النَّسِيئَةِ» إذا اخْتَلَفَتْ أنْواعُ البَيْعِ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو مُوافِقٌ لِما ذُكِرَ. وقالَ في ”فَتْحِ البارِي“ أيْضًا ما نَصُّهُ: * * تَنْبِيهٌ وَقَعَ في نُسْخَةِ الصَّغانِيِّ هُنا قالَ أبُو عَبْدُ اللَّهِ: يَعْنِي البُخارِيَّ سَمِعْتُ سُلَيْمانَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ: لا رِبا إلّا في النَّسِيئَةِ، هَذا عِنْدَنا في الذَّهَبِ بِالوَرِقِ، والحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، مُتَفاضِلًا ولا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ، ولا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً. قُلْتُ: وهَذا مُوافِقٌ. ا هـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَعَلى هامِشِ النُّسْخَةِ أنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: وهَذا مُوافِقٌ بَياضًا بِالأصْلِ، وبِهَذا الجَوابِ الَّذِي ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ حَدِيثَ البَراءِ وزَيْدٍ لا يَحْتاجُ بَعْدَ هَذا الجَوابِ إلى شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحِ“ عَنْهُما تَصْرِيحُهُما بِاخْتِلافِ الجِنْسِ فارْتَفَعَ الإشْكالُ، والرِّواياتُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا، فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَكْفِي في الحُكْمِ عَلى الرِّوايَةِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ بِجَوازِ التَّفاضُلِ بَيْنَ الدَّراهِمِ والدَّراهِمِ أنَّها خَطَأٌ؛ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لا مُنافاةَ بَيْنَ الرِّواياتِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ مِنها ما أُطْلِقَ فِيهِ الصَّرْفُ ومِنها ما بَيَّنَ أنَّها دَراهِمُ بِدَراهِمَ، فَيَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ، جَمْعًا بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ، فَإنَّ إحْداهُما بَيَّنَتْ ما أبْهَمَتْهُ الأُخْرى، ويَكُونُ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ حَدِيثًا آخَرَ وارِدًا في الجِنْسَيْنِ، وتَحْرِيمُ النَّساءِ فِيهِما، ولا تَنافِي في ذَلِكَ ولا تُعارِضٌ. فالجَوابُ عَلى تَسْلِيمِ هَذا بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إباحَةَ رِبا الفَضْلِ مَنسُوخَةٌ. والثّانِي: أنَّ أحادِيثَ تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ أرْجَحُ، وأوْلى بِالِاعْتِبارِ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّسْخِ مِن أحادِيثَ إباحَتِهِ. (p-١٦٤)وَمِمّا يَدُلُّ عَلى النَّسْخِ ما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحِ“ «عَنْ أبِي المِنهالِ قالَ: باعَ شَرِيكٌ لِي ورِقًا بِنَسِيئَةٍ إلى المَوْسِمِ أوْ إلى الحَجِّ، فَجاءَ إلَيَّ فَأخْبَرَنِي فَقُلْتُ: هَذا أمْرٌ لا يَصِحُّ، قالَ: قَدْ بِعْتُهُ في السُّوقِ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أحَدٌ، فَأتَيْتُ البَراءَ بْنَ عازِبٍ فَسَألْتُهُ فَقالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ ونَحْنُ نَبِيعُ هَذا البَيْعَ، فَقالَ: ”ما كانَ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ بِهِ، وما كانَ نَسِيئَةً فَهو رِبًا“، وأتَيْتُ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ فَإنَّهُ أعْظَمُ تِجارَةً مِنِّي، فَأتَيْتُهُ فَسَألْتُهُ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ» . هَذا لَفَظَ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ إباحَةَ رِبا الفَضْلِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ كانَتْ مُقارَنَةً لِقُدُومِهِ ﷺ المَدِينَةَ مُهاجِرًا. وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ في يَوْمِ خَيْبَرَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ تَحْرِيمُ رِبا الفَضْلِ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ أيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحِ“ مِن حَدِيثِ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو بِخَيْبَرَ بِقِلادَةٍ فِيها خَرَزٌ وذَهَبٌ، وهي مِنَ المَغانِمِ تُباعُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي في القِلادَةِ فَنُزِعَ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وزْنًا بِوَزْنٍ»“ هَذا لَفَظُ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“، وفي لَفْظٍ لَهُ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا «عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا فِيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ فَفَصَلْتُها، فَوَجَدْتُ فِيها أكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”لا تُباعُ حَتّى تُفْصَلَ»“، وفي لَفْظٍ لَهُ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا «عَنْ فَضالَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ نُبايِعُ اليَهُودَ الوُقِيَّةَ الذَّهَبَ بِالدِّينارَيْنِ والثَّلاثَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إلّا وزْنًا بِوَزْنٍ»“ . وقَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أخا بَنِي عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ فاسْتَعْمَلَهُ عَلى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟“ قالَ: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إنّا لَنَشْتَرِي الصّاعَ بِالصّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أوْ بِيعُوا هَذا واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِن هَذا، وكَذَلِكَ المِيزانُ»“ هَذا لَفَظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، وفي لَفْظٍ لَهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ أيْضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلى خَيْبَرَ فَجاءَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟“ قالَ: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا لَنَأْخُذُ الصّاعَ مِن هَذا بِالصّاعَيْنِ، والصّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَلا تَفْعَلْ بِعِ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا»“ والأحادِيثُ بِمِثْلِهِ كَثِيرَةٌ، وهي نَصٌّ صَرِيحٌ في (p-١٦٥)تَصْرِيحِهِ ﷺ بِتَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، فَقَدِ اتَّضَحَ لَكَ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في ”الصَّحِيحِ“: أنَّ إباحَةَ رِبا الفَضْلِ كانَتْ زَمَنَ قُدُومِهِ ﷺ المَدِينَةَ مُهاجِرًا، وأنَّ الرِّواياتِ المُصَرِّحَةَ بِالمَنعِ صَرَّحَتْ بِهِ في يَوْمِ خَيْبَرَ وبَعْدَهُ، فَتَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِتَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ بِنَحْوِ سِتِّ سِنِينَ وأكْثَرَ مِنها، يَدُلُّ دَلالَةً لا لَبْسَ فِيها عَلى النَّسْخِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالعِبْرَةُ بِالمُتَأخِّرِ، وقَدْ كانُوا يَأْخُذُونَ بِالأحْدَثِ فالأحْدَثِ. وَأيْضًا فالبَراءُ، وزَيْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - كانا غَيْرَ بالِغَيْنِ في وقْتِ تَحَمُّلِهِما الحَدِيثَ المَذْكُورَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلافِ الجَماعَةِ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ تَحْرِيمَ رِبا الفَضْلِ؛ فَإنَّهم بالِغُونَ وقْتَ التَّحَمُّلِ، ورِوايَةُ البالِغِ وقْتَ التَّحَمُّلِ أرْجَحُ مِن رِوايَةِ مَن تَحَمَّلَ وهو صَبِيٌّ؛ لِلْخِلافِ فِيها دُونَ رِوايَةِ المُتَحَمِّلِ بالِغًا، وسِنُّ البَراءِ وزَيْدٍ وقْتَ قُدُومِهِ ﷺ المَدِينَةَ، نَحْوُ عَشْرِ سِنِينَ؛ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ مَنصُورِ بْنِ سَلَمَةَ الخُزاعِيِّ: أنَّهُ رَوى بِإسْنادِهِ إلى زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَصْغَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، والبَراءَ بْنَ عازِبٍ، وزَيْدَ بْنَ أرْقَمَ، وأبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، وسَعْدَ بْنَ حَبْتَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وعَنِ الواقِدِيِّ أنَّ أوَّلَ غَزْوَةٍ شَهِداها يَوْمَ الخَنْدَقِ. وَمِمَّنْ قالَ: بِأنَّ حَدِيثَ البَراءِ وزَيْدٍ مَنسُوخٌ، راوِيهِ الحُمَيْدِيِّ. وناهِيكَ بِهِ عِلْمًا واطِّلاعًا. وقَوْلُ راوِي الحَدِيثِ: إنَّهُ مَنسُوخٌ، في كَوْنِهِ يَكْفِي في النَّسْخِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ، وأكْثَرُ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ لا يَكْفِي عِنْدَهم. فَإنْ قِيلَ: ما قَدَّمْتُمْ مِن كَوْنِ تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ واقِعًا بَعْدَ إباحَتِهِ، يَدُلُّ عَلى النَّسْخِ في حَدِيثِ البَراءِ وزَيْدٍ، لِعِلْمِ التّارِيخِ فِيهِما، وأنَّ حَدِيثَ التَّحْرِيمِ هو المُتَأخِّرُ، ولَكِنْ أيْنَ لَكم مَعْرِفَةُ ذَلِكَ في حَدِيثِ أُسامَةَ ؟ ومَوْلِدُ أُسامَةَ مُقارِبٌ لِمَوْلِدِ البَراءِ وزَيْدٍ؛ لِأنَّ سِنَّ أُسامَةَ وقْتَ وفاتِهِ ﷺ عِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِ عَشْرَةَ، وسِنُّ البَراءِ وزَيْدٍ وقْتَ وفاتِهِ ﷺ نَحْوُ العِشْرِينَ، كَما قَدَّمْنا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. فالجَوابُ: أنَّهُ يَكْفِي في النَّسْخِ مَعْرِفَةُ أنَّ إباحَةَ رِبا الفَضْلِ وقَعَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، والمُتَأخِّرُ يَقْضِي عَلى المُتَقَدِّمِ. الجَوابُ الثّانِي: عَنْ حَدِيثِ أُسامَةَ أنَّهُ رِوايَةُ صَحابِيٍّ واحِدٍ، ورِواياتُ مَنعِ رِبا الفَضْلِ عَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَوْها صَرِيحَةً عَنْهُ ﷺ، ناطِقَةً بِمَنعِ رِبا الفَضْلِ، مِنهم: أبُو سَعِيدٍ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وهِشامُ بْنُ عامِرٍ، وفَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وأبُو بَكْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو الدَّرْداءِ، وبِلالٌ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، (p-١٦٦)وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وغَيْرُهم ورِواياتُ جُلِّ مَن ذَكَرْنا ثابِتَةٌ في ”الصَّحِيحِ“ كَرِوايَةِ: أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وفَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وأبِي بَكْرَةَ، وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، ومَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وغَيْرِهِمْ. وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَرِوايَةُ الجَماعَةِ مِنَ العُدُولِ أقْوى وأثْبَتُ وأبْعَدُ مِنَ الخَطَأِ مِن رِوايَةِ الواحِدِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ كَثْرَةَ الرُّواةِ مِنَ المُرَجِّحاتِ، وكَذَلِكَ كَثْرَةُ الأدِلَّةِ كَما عَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، في مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ، بِاعْتِبارِ حالِ المَرْوِيِّ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] ؎وَكَثْرَةُ الدَّلِيلِ والرِّوايَةِ مُرَجَّحٌ لَدى ذَوِي الدِّرايَةِ والقَوْلُ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ بِالكَثْرَةِ ضَعِيفٌ، وقَدْ ذَكَرَ سُلَيْمٌ الدّارِيُّ أنَّ الشّافِعِيَّ أوْمَأ إلَيْهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ. الجَوابُ الثّالِثُ: عَنْ حَدِيثِ أُسامَةَ أنَّهُ دَلَّ عَلى إباحَةِ رِبا الفَضْلِ، وأحادِيثُ الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ دَلَّتْ عَلى مَنعِهِ في الجِنْسِ الواحِدِ مِنَ المَذْكُوراتِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى المَنعِ مُقَدَّمٌ عَلى الدّالِ عَلى الإباحَةِ؛ لِأنَّ تَرْكَ مُباحٍ أهْوَنُ مِنِ ارْتِكابِ حَرامٍ، وقَدْ قَدَّمْناهُ عَنْ صاحِبِ ”المَراقِي“، وهو الحَقُّ خِلافًا لِلْغَزالِيِّ، وعِيسى بْنِ أبانٍ وأبِي هاشِمٍ، وجَماعَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قالُوا: هُما سَواءٌ. الجَوابُ الرّابِعُ: عَنْ حَدِيثِ أُسامَةَ أنَّهُ عامٌّ بِظاهِرِهِ في الجِنْسِ والجِنْسَيْنِ، وأحادِيثُ الجَماعَةِ أخَصُّ مِنهُ؛ لِأنَّها مُصَرِّحَةٌ بِالمَنعِ مَعَ اتِّحادِ الجِنْسِ، وبِالجَوازِ مَعَ اخْتِلافِ الجِنْسِ، والأخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلى الأعَمِّ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لَهُ ولا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. ومِن مُرَجِّحاتِ أحادِيثِ مَنعِ رِبا الفَضْلِ عَلى حَدِيثِ أُسامَةَ الحِفْظُ؛ فَإنَّ في رُواتِهِ أبا هُرَيْرَةَ، وأبا سَعِيدٍ، وغَيْرَهُما، مِمَّنْ هو مَشْهُورٌ بِالحِفْظِ، ومِنها غَيْرُ ذَلِكَ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ ما نَصُّهُ: واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى صِحَّةِ حَدِيثِ أُسامَةَ، واخْتَلَفُوا في الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، فَقِيلَ: مَنسُوخٌ لَكِنَّ النَّسْخَ لا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمالِ، وقِيلَ: المَعْنى في قَوْلِهِ: ”لا رِبا“، الرِّبا الأغْلَظُ الشَّدِيدُ التَّحْرِيمُ، المُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالعِقابِ الشَّدِيدِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: لا عالِمَ في البَلَدِ إلّا زَيْدًا، مَعَ أنَّ فِيها عُلَماءَ غَيْرَهُ وإنَّما القَصْدُ نَفْيُ الأكْمَلِ لا نَفْيُ الأصْلِ، وأيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ مِن حَدِيثِ أُسامَةَ إنَّما هو بِالمَفْهُومِ. فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ؛ لِأنَّ دَلالَتَهُ بِالمَنطُوقِ. (p-١٦٧)وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أُسامَةَ عَلى الرِّبا الأكْبَرِ كَما تَقَدَّمَ، واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ مِنهُ. وَقَوْلُهُ: النَّسْخُ لا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمالِ مَرْدُودٌ بِما قَدَّمْنا مِنَ الرِّواياتِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ بَعْدَ الإباحَةِ ومَعْرِفَةِ المُتَأخِّرِ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى النَّسْخِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُما رَجَعا عَنِ القَوْلِ بِإباحَةِ رِبا الفَضْلِ، قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ ما نَصُّهُ: ”بابُ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى رُجُوعِ مَن قالَ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ لا رِبا إلّا في النَّسِيئَةِ عَنْ قَوْلِهِ ونُزُوعِهِ عَنْهُ“ أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ: أنا أبُو الفَضْلِ بْنُ إبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، أنا عَبْدُ الأعْلى، حَدَّثْنا داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ، «عَنْ أبِي نَضْرَةَ، قالَ: سَألْتَ ابْنَ عُمَرَ وابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيا بِهِ بَأْسًا، وإنِّي لِقاعِدٌ عِنْدَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَسَألْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقالَ: ما زادَ فَهو رِبا، فَأنْكَرْتُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِما، فَقالَ: لا أُحَدِّثُكم إلّا ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جاءَهُ صاحِبُ نَخْلَةٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ طَيِّبٍ، وكانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هو الدُّونَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”أنّى لَكَ هَذا ؟“ قالَ: انْطَلَقْتُ بِصاعَيْنِ واشْتَرَيْتُ بِهِ هَذا الصّاعَ؛ فَإنَّ سِعْرَ هَذا بِالسُّوقِ كَذا، وسِعْرَ هَذا بِالسُّوقِ كَذا فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أرَبِّيتَ ؟ إذا أرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أيَّ تَمْرٍ شِئْتَ“، فَقالَ أبُو سَعِيدٍ: فالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أحَقُّ أنْ يَكُونَ رِبًا، أمِ الفِضَّةُ بِالفِضَّةِ ؟ قالَ: فَأتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ فَنَهانِي، ولَمْ آتِ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: فَحَدَّثَنِي أبُو الصَّهْباءِ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ فَكَرِهَهُ»، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”الصَّحِيحِ“ عَنْ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وقالَ: وكانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذا اللَّوْنَ. أخْبَرْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ أبُو عَلِيٌّ الماسَرْجِسِيُّ، حَدَّثَنا جَدِّي أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وهو ابْنُ بِنْتِ الحَسَنِ بْنِ عِيسى، حَدَّثَنا جَدِّي الحَسَنُ بْنُ عِيسى، أنا ابْنُ المُبارَكِ، أنا يَعْقُوبُ بْنُ أبِي القَعْقاعِ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ سَعْدٍ، «أنَّهُ سَمِعَ أبا الجَوْزاءِ يَقُولُ: كُنْتُ أخْدِمُ ابْنَ عَبّاسٍ تِسْعَ سِنِينَ إذْ جاءَ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، فَصاحَ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: إنَّ هَذا يَأْمُرُنِي أنْ أُطْعِمَهُ الرِّبا، فَقالَ ناسٌ حَوْلَهُ: إنْ كُنّا لَنَعْمَلُ هَذا بِفُتْياكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ كُنْتُ أُفْتِي بِذَلِكَ حَتّى حَدَّثَنِي أبُو سَعِيدٍ، وابْنُ عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْهُ فَأنا أنْهاكم عَنْهُ»، وفي نُسْخَتِنا مِن ”سُنَنِ البَيْهَقِيِّ“ في هَذا الإسْنادِ ابْنُ المُبارَكِ، والظّاهِرُ: أنَّ الأصْلَ أبُو المُبارَكِ كَما يَأْتِي. أخْبَرْنا أبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَضْلِ القَطّانُ بِبَغْدادَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، (p-١٦٨)حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إياسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي شَمَخِ بْنِ فَزارَةَ، سَألَهُ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَرَأى أُمَّها فَأعْجَبَتْهُ، فَطَلَّقَ امْرَأتَهُ؛ لِيَتَزَوَّجَ أُمَّها، قالَ: لا بَأْسَ فَتَزَوَّجَها الرَّجُلُ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ عَلى بَيْتِ المالِ، وكانَ يَبِيعُ نُفايَةَ بَيْتِ المالِ يُعْطِي الكَثِيرَ، ويَأْخُذُ القَلِيلَ، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَسَألَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالُوا: لا يَحِلُّ لِهَذا الرَّجُلِ هَذِهِ المَرْأةُ، ولا تَصِحُّ الفِضَّةُ إلّا وزْنًا بِوَزْنٍ؛ فَلَمّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ انْطَلَقَ إلى الرَّجُلِ فَلَمْ يَجِدْهُ، ووَجَدَ قَوْمَهُ فَقالَ: إنِ الَّذِي أفْتَيْتَ بِهِ صاحِبَكم لا يَحِلُّ، فَقالُوا: إنَّها قَدْ نَثَرَتْ لَهُ بَطْنَها قالَ: وإنْ كانَ، وأتى الصَّيارِفَةَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الصَّيارِفَةِ، إنَّ الَّذِي كُنْتُ أُبايِعُكم لا يَحِلُّ، لا تَحِلُّ الفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، إلّا وزِنا بِوَزْنٍ. اهـ مِنَ البَيْهَقِيِّ بِلَفْظِهِ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِرُجُوعِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ القَوْلِ بِإباحَةِ رِبا الفَضْلِ. * * وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ أُسامَةَ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: وخالَفَ فِيهِ يَعْنِي: مَنَعَ رِبا الفَضْلِ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ رَجَعَ، وابْنُ عَبّاسٍ، واخْتُلِفَ في رُجُوعِهِ، وقَدْ رَوى الحاكِمُ مِن طَرِيقِ حَيّانَ العَدَوِيِّ وهو بِالمُهْمَلَةِ والتَّحْتانِيَّةِ، سَألَتْ أبا مِجْلَزٍ عَنِ الصَّرْفِ فَقالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ لا يَرى بِهِ بَأْسًا زَمانًا مِن عُمُرِهِ، ما كانَ مِنهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وكانَ يَقُولُ: إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ، فَلَقِيَهُ أبُو سَعِيدٍ فَذَكَرَ القِصَّةَ والحَدِيثَ، وفِيهِ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، يَدًا بِيَدٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَما زادَ فَهو رِبًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ، فَكانَ يَنْهى عَنْهُ أشَدَّ النَّهْيِ. ا هـ مِن ”فَتْحِ البارِي“ بِلَفْظِهِ. وفي ”تَكْمِلَةِ المَجْمُوعِ“ لِتَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ حَيّانَ هَذا ما نَصُّهُ: رَواهُ الحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ بِهَذِهِ السِّياقَةِ، وفي حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ حَيّانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ المَذْكُورَ، قالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عامَّةُ ما يَرْوِيهِ إفْراداتٌ يَتَفَرَّدُ بِها، وذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ في تَرْجَمَتِهِ حَدِيثَهُ في الصَّرْفِ هَذا بِسِياقِهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الحَدِيثُ مِن حَدِيثِ أبِي مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، تَفَرَّدَ بِهِ حَيّانُ، قالَ البَيْهَقِيُّ: وحَيّانُ تَكَلَّمُوا فِيهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِأمْرِهِ، وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ مِن سَقَمِهِ؛ لِأمْرٍ غَيْرِ ما نَحْنُ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ ما يُكالُ ويُوزَنُ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الكَلامِ أحَدُهُما تَضْعِيفُ الحَدِيثِ جُمْلَةً، وإلَيْهِ أشارَ البَيْهَقِيُّ، (p-١٦٩)وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ، أعَلَّهُ بِشَيْءٍ أُنَبِّهُ عَلَيْهِ، لِئَلّا يُغْتَرَّ بِهِ: وهو أنَّهُ أعَلَّهُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: أحَدُها: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ أبا مِجْلَزٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِي سَعِيدٍ، ولا مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لِذِكْرِهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَجَعَ، واعْتِقادِ ابْنِ حَزْمٍ: أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ؛ لِمُخالَفَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ حَيّانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ. فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ أبا مِجْلَزٍ أدْرَكَ ابْنَ عَبّاسٍ، وسَمِعَ مِنهُ، وأدْرَكَ أبا سَعِيدٍ ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ لا تُسْمَعُ دَعْوى عَدَمِ السَّماعِ إلّا بِثَبَتٍ، وأمّا مُخالَفَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْها في هَذا الفَصْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ إنَّ حَيّانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، فَإنْ أرادَ مَجْهُولَ العَيْنِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هو رَجُلٌ مَشْهُورٌ، رَوى عَنْهُ حَدِيثَ الصَّرْفِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ عُبادَةَ، ومِن جِهَتِهِ أخْرَجَهُ الحاكِمُ، وذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وإبْراهِيمُ بْنُ الحَجّاجِ الشّامِيُّ، ومِن جِهَتِهِ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ، ويُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومِن جِهَتِهِ رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وهو حَيّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَيّانَ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَدِيٍّ، بَصْرِيٌّ سَمِعَ أبا مِجْلَزٍ لاحِقَ بْنَ حُمَيْدٍ والضَّحّاكَ، وعَنْ أبِيهِ، ورَوى عَنْ عَطاءٍ، وابْنِ بُرَيْدَةَ، رَوى عَنْهُ مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ومُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ، وأبُو داوُدَ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَقَدَ لَهُ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ تَرْجَمَةً، فَذَكَرَ كُلٌّ مِنهُما بَعْضَ ما ذَكَرْتُهُ، ولَهُ تَرْجَمَةٌ في كِتابِ ابْنِ عَدِيٍّ أيْضًا، كَما أشَرْتُ إلَيْهِ، فَزالَ عَنْهُ جَهالَةُ العَيْنِ، وإنْ أرادَ جَهالَةَ الحالِ فَهو قَدْ رَواهُ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ. فَقالَ في إسْنادِهِ: أخْبَرْنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا حَيّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وكانَ رَجُلَ صِدْقٍ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الشَّهادَةُ لَهُ بِالصِّدْقِ مِن رَوْحِ بْنِ عُبادَةَ، فَرَوْحٌ مُحَدِّثٌ، نَشَأ في الحَدِيثِ عارِفٌ بِهِ، مُصَنِّفٌ مُتَّفَقٌ عَلى الِاحْتِجاجِ بِهِ، بَصْرِيٌّ بَلَدِيٌّ المَشْهُودُ لَهُ فَتُقْبَلُ شَهادَتُهُ لَهُ، وإنَّ كانَ هَذا القَوْلُ مِن إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ فَناهِيكَ بِهِ، ومَن يُثْنِي عَلَيْهِ إسْحاقُ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ حَيّانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذا. وَذَكَرَ جَماعَةً مِنَ المَشاهِيرِ مِمَّنْ رَوَوْا عَنْهُ ومِمَّنْ رَوى عَنْهم، وقالَ: إنَّهُ سَألَ أباهُ عَنْهُ فَقالَ: صَدُوقٌ، ثُمَّ قالَ: وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّبَعِيِّ، عَنْ أبِي الجَوْزاءِ أوْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيِّ، قالَ سَمِعْتُهُ يَأْمُرُ بِالصَّرْفِ، يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ، وتُحُدِّثَ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ (p-١٧٠)بَلَغَنِي أنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَلَقِيتُهُ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ رَجَعْتَ، قالَ: نَعَمْ، إنَّما كانَ ذَلِكَ رَأْيًا مِنِّي، وهَذا أبُو سَعِيدٍ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ نَهى عَنِ الصَّرْفِ، رُوِّيناهُ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ، ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ، بِإسْنادِ رِجالِهِ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، إلى سُلَيْمانَ بْنِ عَلِيٍّ، وسُلَيْمانُ بْنُ عَلِيٍّ رَوى لَهُ مُسْلِمٌ. وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّهُ مَجْهُولٌ لا يُدْرى مَن هو ؟ وهو غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ؛ لِما تَبَيَّنَ. ثُمَّ قالَ: وعَنْ أبِي الجَوْزاءِ قالَ: كُنْتُ أخْدِمُ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، الَّذِي قَدَّمْنا عَنِ البَيْهَقِيِّ، ثُمَّ قالَ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ بِإسْنادٍ فِيهِ أبُو المُبارَكِ، وهو مَجْهُولٌ. ثُمَّ قالَ: ورُوِّينا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي نُعْمٍ، بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ: أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ لَقِيَ ابْنَ عَبّاسٍ، فَشَهِدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَن زادٍ فَقَدَ أرْبى» فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنْتُ أُفْتِي بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ. رَواهُ الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي نُعْمٍ تابِعِيٌّ، ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مَعْرُوفٌ بِالرِّوايَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وابْنِ عُمَرَ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ، وعَنْ أبِي الجَوْزاءِ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ عَنِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، يَدًا بِيَدٍ، فَقالَ: لا أرى فِيما كانَ يَدًا بِيَدٍ بَأْسًا، ثُمَّ قَدِمْتُ مَكَّةَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ وقَدْ نَهى عَنْهُ، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ. وعَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ مِنَ الصَّرْفِ؛ إنَّما هَذا مِن رَأْيِي، وهَذا أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ ورِجالُهُ ثِقاتٌ، مَشْهُورُونَ مُصَرِّحُونَ بِالتَّحْدِيثِ فِيهِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ. عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ بِإسْكانِ الواوِ وبِالفاءِ قالَ: قالَ أبُو سَعِيدٍ لِابْنِ عَبّاسٍ: تُبْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ، قالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهى عَنِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ»، وقالَ: «إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ الرِّبا»، قالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ: قُلْتُ لِعَطِيَّةَ: ما الرِّبا ؟ قالَ: الزِّيادَةُ والفَضْلُ بَيْنَهُما، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، إلى عَطِيَّةَ. وعَطِيَّةُ مِن رِجالِ السُّنَنِ. قالَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: صالِحٌ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، فالإسْنادُ بِسَبَبِهِ لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزْنِيِّ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ جاءَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ وجِئْتُ مَعَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ بِالصَّرْفِ، ما كانَ مِنهُ يَدًا (p-١٧١)بِيَدٍ إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ، فَطارَتْ كَلِمَتُهُ في أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، حَتّى إذا انْقَضى المَوْسِمُ دَخَلَ عَلَيْهِ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وقالَ لَهُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ أكَلْتَ الرِّبا وأطْعَمْتَهُ ؟ قالَ: أوَفَعَلْتُ ؟ ! قالَ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ: تِبْرُهُ وعَيْنُهُ. فَمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أرْبى، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أرْبى»، حَتّى إذا كانَ العامُ المُقْبِلُ جاءَ ابْنُ عَبّاسٍ وجِئْتُ مَعَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، «إنِّي تَكَلَّمْتُ عامَ أوَّلٍ بِكَلِمَةٍ مِن رَأْيِي، وإنِّي أسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى مِنهُ، وأتُوبُ إلَيْهِ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وزِنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، تِبْرُهُ وعَيْنُهُ، فَمَن زادَ واسْتَزادَ فَقَدْ أرْبى»“، وأعادَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأنْواعَ السِّتَّةَ، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ، وإنَّما ذَكَرْناهُ مُتابَعَةً لِما تَقَدَّمَ. وهَكَذا وقَعَ في رِوايَتِنا: فَمَن زادَ واسْتَزادَ بِالواوِ لا بَأوْ واللَّهُ أعْلَمُ. وَرَوى أبُو جابِرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلامَةَ الطَّحاوِيُّ في كِتابِ ”المَعانِي والآثارِ“ بِإسْنادٍ حَسَنٍ إلى أبِي سَعِيدٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ الَّذِي يَقُولُ الدِّينارُ بِالدِّينارِ ؟ وذَكَرَ الحَدِيثَ، ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو سَعِيدٍ ونَزَعَ عَنْها ابْنُ عَبّاسٍ ورَوى الطَّحاوِيُّ أيْضًا عَنْ نَصْرِ بْنِ مَرْزُوقٍ بِإسْنادٍ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نَزَلَ عَنِ الصَّرْفِ وهَذا أصْرَحُ مِن رِوايَةِ مُسْلِمٍ، ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي أُمَيَّةَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ: أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ العِراقِ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ وهو عَلَيْنا أمِيرٌ: مَن أعْطى بِالدِّرْهَمِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلْيَأْخُذْها وذَكَرَ حَدِيثًا إلى أنْ قالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما قالَ ابْنُ عُمَرَ ؟ قالَ: فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وقالَ: إنَّما هو رَأْيٌ مِنِّي. وَعَنْ أبِي هاشِمٍ الواسِطِيِّ واسْمُهُ يَحْيى بْنُ دِينارٍ عَنْ زِيادٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبّاسٍ بِالطّائِفِ فَرَجَعَ عَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِسَبْعِينَ يَوْمًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”الِاسْتِذْكارِ“، وذَكَرَ أيْضًا عَنْ أبِي حُرَّةَ قالَ: سَألَ رَجُلٌ ابْنَ سِيرِينَ عَنْ شَيْءٍ فَقالَ: لا عِلْمَ لِي بِهِ. فَقالَ الرَّجُلُ: أنْ يَكُونَ فِيهِ بِرَأْيِكَ. فَقالَ: إنِّي أكْرَهُ أنْ أقُولَ فِيهِ بِرَأْيِي ثُمَّ يَبْدُو لِي غَيْرُهُ فَأطْلُبُكَ فَلا أجِدُكَ، إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ رَأى في الصَّرْفِ رَأْيًا، ثُمَّ رَجَعَ، وذُكِرَ أيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنِ الهُذَيْلِ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ابْنِ أُخْتِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَرَجَعَ عَنْهُ فَقُلْتُ: إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ فَقالَ: النّاسُ يَقُولُونَ ما شاءُوا. اهـ مِن ”تَكْمِلَةِ المَجْمُوعِ“، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: فَهَذِهِ عِدَّةُ رِواياتٍ صَحِيحَةٍ وحَسَنَةٍ مِن جِهَةِ خَلْقٍ مِن أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ تَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ، وقَدْ رُوِيَ في (p-١٧٢)رُجُوعِهِ أيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ، وفِيما ذَكَرْتُهُ غَنِيَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَفِي ”تَكْمِلَةِ المَجْمُوعِ“ أيْضًا قَبْلَ هَذا ما نَصُّهُ: ورَوى «عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ المَكِّيِّ، واسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ تَدْرُسَ بِفَتْحِ التّاءِ ودالٍّ ساكِنَةٍ وراءٍ مَضْمُومَةٍ وسِينٍ مُهْمَلَةٍ، قالَ: سَمِعْتُ أبا أُسَيْدٍ السّاعِدِيَّ، وابْنَ عَبّاسٍ يُفْتِي الدِّينارَ بِالدِّينارَيْنِ فَقالَ لَهُ أبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيُّ وأغْلَظَ لَهُ قالَ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَعْرِفُ قَرابَتِي مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مِثْلَ هَذا يا أبا أُسَيْدٍ ؟ فَقالَ أبُو أُسَيْدٍ: أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الدِّينارُ بِالدِّينارِ، وصاعُ حِنْطَةٍ بِصاعِ حِنْطَةٍ، وصاعُ شَعِيرٍ بِصاعِ شَعِيرٍ، وصاعُ مِلْحٍ بِصاعِ مِلْحٍ لا فَضْلَ بَيْنَهُما في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ“ . فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما هَذا شَيْءٌ كُنْتُ أقُولُهُ بِرَأْيِي ولَمْ أسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ»، رَواهُ الحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، وقالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وفي سَنَدِهِ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّ، قالَ الحاكِمُ: إنَّهُ شَيْخٌ قُرَشِيٌّ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وأبُو أُسَيْدٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ. وَرَوَيْنا في ”مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ“ مِن حَدِيثِ أبِي صالِحٍ ذَكْوانَ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَقالَ: هو حَلالٌ بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ إذا كانَ يَدًا بِيَدٍ، قالَ أبُو صالِحٍ: فَسَألْتُ أبا سَعِيدٍ بِما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأخْبَرْتُ ابْنَ عَبّاسٍ بِما قالَ أبُو سَعِيدٍ، والتَقَيا وأنا مَعَهُما فابْتَدَأهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ ما هَذِهِ الفُتْيا الَّتِي تُفْتِي بِها النّاسَ في بَيْعِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ تَأْمُرُهم أنْ يَشْتَرُوهُ بِنُقْصانٍ أوْ بِزِيادَةٍ يَدًا بِيَدٍ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما أنا بِأقْدَمِكم صُحْبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ يَقُولانِ: سَمِعْنا النَّبِيَّ ﷺ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ وقَدْ قَدَّمْنا رُجُوعَ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَمّا رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وثَبَتَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرْجِعْ وهي شَهادَةٌ عَلى نَفْيِ مُطْلَقٍ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي؛ لِأنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ النّافِي، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: رَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ لَمْ يَرْجِعْ، في السُّنَةِ كِفايَةٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ واحِدٍ، ومَن خالَفَها رُدَّ إلَيْها، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رُدُّوا الجَهالاتِ إلى السُّنَّةِ. اهـ. وَقالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ ما نَصُّهُ: وأمّا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا رِبا فِيما كانَ يَدًا بِيَدٍ كَما تَقَدَّمَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَرْوِيًّا عَنْ (p-١٧٣)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى تَكُونَ دَلالَتُهُ عَلى نَفْيِ رِبا الفَضْلِ مَنطُوقَةً، ولَوْ كانَ مَرْفُوعًا، لَما رَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَغْفَرَ، لَمّا حَدَّثَهُ أبُو سَعِيدٍ بِذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ رَوى الحازِمِيُّ رُجُوعَ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتِغْفارَهُ عِنْدَ أنْ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ يُحَدِّثانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ، وقالَ: حَفِظْتُما مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما لَمْ أحْفَظْ، ورَوى عَنْهُ الحازِمِيُّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: كانَ ذَلِكَ بِرَأْيِي. وَهَذا أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يُحَدِّثُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكْتُ رَأْيِي إلى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى تَسْلِيمِ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعٌ فَهو عامٌّ مُخَصَّصٌ بِأحادِيثِ البابِ؛ لِأنَّها أخَصُّ مِنهُ مُطْلَقًا. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ بَعْدَ هَذا الخِلافِ عَلى مَنعِ رِبا الفَضْلِ. قالَ: في ”تَكْمِلَةِ المَجْمُوعِ“ ما نَصُّهُ: الفَصْلُ الثّالِثُ في بَيانِ انْقِراضِ الخِلافِ في ذَلِكَ ودَعْوى الإجْماعِ فِيهِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ ومَن تَبِعَهُ مَن أهْلِ المَدِينَةِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ العِراقِ، والأوْزاعِيُّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ مَن أهْلِ الشّامِ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ مِصْرَ، والشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ، وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ والنُّعْمانُ ويَعْقُوبُ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ، ولا فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، ولا بُرٍّ بِبُرٍّ، ولا شَعِيرٍ بِشَعِيرٍ، ولا تَمْرٍ بِتَمْرٍ، ولا مِلْحٍ بِمِلْحٍ، مُتَفاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، ولا نَسِيئَةً، وأنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أرْبى والبَيْعُ مَفْسُوخٌ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ إجْماعَ المُسْلِمِينَ عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِظاهِرٍ حَدِيثِ أُسامَةَ قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى نَسْخِهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَلى صِحَّةِ تَأْوِيلِهِ لِحَدِيثِ أُسامَةَ بِإجْماعِ النّاسِ، ما عَدا ابْنَ عَبّاسٍ عَلَيْهِ. اهـ، وعَلى فَرْضِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَنْعَقِدُ الإجْماعُ مَعَ مُخالَفَتِهِ ؟ فِيهِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، هَلْ يُلْغِي الواحِدُ والِاثْنانِ أوْ لا بُدَّ مِنَ اتِّفاقِ كُلٍّ وهو المَشْهُورُ، وهَلْ إذا ماتَ وهو مُخالِفٌ ثُمَّ انْعَقَدَ الإجْماعُ بَعْدَهُ يَكُونُ إجْماعًا ؟ وهو الظّاهِرُ، أوْ لا يَكُونُ إجْماعًا؛ لِأنَّ المُخالِفَ المَيِّتَ لا يَسْقُطُ قَوْلُهُ بِمَوْتِهِ، خِلافٌ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ أيْضًا. * * وَإذا عَرَفْتَ أنَّ مَن قالَ بِإباحَةِ رِبا الفَضْلِ رَجَعَ عَنْها، وعَلِمْتَ أنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ المُتَّفَقَ عَلَيْها مُصَرِّحَةٌ بِكَثْرَةٍ بِمَنعِهِ، عَلِمْتَ أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ تَحْرِيمُ رِبا الفَضْلِ بَيْنَ كُلِّ جِنْسٍ واحِدٍ مِنَ السِّتَّةِ مَعَ نَفْسِهِ، وجَوازُ الفَضْلِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ (p-١٧٤)يَدًا بِيَدٍ، ومَنعُ النَّساءِ بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مُطْلَقًا، وبَيْنَ التَّمْرِ والبُرِّ، والشَّعِيرِ والمِلْحِ مُطْلَقًا، ولا يُمْنَعُ طَعامٌ بِنَقْدٍ نَسِيئَةً كالعَكْسِ، وحَكى بَعْضُ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ الإجْماعَ، ويَبْقى غَيْرُ هَذِهِ الأصْنافِ السِّتَّةِ المَنصُوصِ عَلَيْها في الحَدِيثِ، فَجَماهِيرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرِّبا لا يَخْتَصُّ بِالسِّتَّةِ المَذْكُورَةِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في النَّقْدَيْنِ كَوْنُهُما جَوْهَرَيْنِ نَفِيسَيْنِ. هُما ثَمَنُ الأشْياءِ غالِبًا في جَمِيعِ أقْطارِ الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، والعِلَّةُ فِيهِما قاصِرَةٌ عَلَيْهِما عِنْدَهُما، وأشْهَرُ الرِّواياتِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ العِلَّةَ فِيهِما كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما مَوْزُونٌ جِنْسٌ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا البُرُّ والشَّعِيرُ والتَّمْرُ والمِلْحُ فَعِلَّةُ الرِّبا فِيها عِنْدَ مالِكٍ الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ، وقِيلَ وغَلَبَةُ العَيْشِ فَلا يُمْنَعُ رِبا الفَضْلِ عِنْدَ مالِكٍ وعامَّةِ أصْحابِهِ إلّا في الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، والطَّعامِ المُقْتاتِ المُدَّخَرِ بِالطَّعامِ المُقْتاتِ المُدَّخَرِ، وقِيلَ يُشْتَرَطُ مَعَ الِاقْتِياتِ والِادِّخارِ غَلَبَةُ العَيْشِ، وإنَّما جَعَلَ مالِكٌ العِلَّةَ ما ذَكَرَ؛ لِأنَّهُ أخَصُّ أوْصافِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، ونَظَّمَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ ما فِيهِ رِبا النَّساءِ ورِبا الفَضْلِ عِنْدَ مالِكٍ في بَيْتَيْنِ وهُما: [ الطَّوِيلِ ] ؎رِباءُ نَسا في النَّقْدِ حَرُمَ ومِثْلُهُ طَعامٌ وإنْ جِنْساهُما قَدْ تَعَدَّدا ؎وَخُصَّ رِبا فَضْلٍ بِنَقْدٍ ومِثْلُهُ ∗∗∗ طَعامُ الرِّبا إنْ جِنْسُ كُلٍّ تَوَحَّدا وَقَدْ كُنْتُ حَرَّرْتُ مَذْهَبَ مالِكٍ في ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى الرِّبا في الأطْعِمَةِ في نَظْمٍ لِي طَوِيلٍ في فُرُوعِ مالِكٍ بِقَوْلِي: [ الرَّجَزِ ] ؎وَكُلُّ ما يُذاقُ مِن طَعامِ ∗∗∗ رِبا النَّسا فِيهِ مِنَ الحَرامِ ؎مُقْتاتًا أوْ مُدَّخَرًا أوْ لا اخْتَلَفَ ∗∗∗ ذاكَ الطَّعامُ جِنْسُهُ أوِ ائْتَلَفَ ؎وَإنْ يَكُنْ يُطْعِمُ لِلدَّواءِ ∗∗∗ مُجَرَّدًا فالمَنعُ ذُو انْتِفاءٍ ؎وَلِرِبا الفَضْلِ شُرُوطٌ يُحَرَّمُ ∗∗∗ بِها وبِانْعِدامِها يَنْعَدِمُ ؎هِيَ اتِّحادُ الجِنْسِ فِيما ذَكَرا ∗∗∗ مَعَ اقْتِياتِهِ وأنْ يَدَّخِرا ؎وَما لِحَدِّ الِادِّخارِ مُدَّةً ∗∗∗ والتّادِلِيِ بِسِتَّةٍ قَدْ حَدَّهُ ؎والخَلْفُ في اشْتِراطِ كَوْنِهِ اتَّخَذَ ∗∗∗ لِلْعَيْشِ عُرْفًا، وبِالإسْقاطِ أخَذَ ؎تَظْهَرُ فائِدَتُهُ في أرْبَعٍ ∗∗∗ غَلَبَةُ العَيْشِ بِها لَمْ تَقَعْ ؎والأرْبَعُ الَّتِي حَوى ذا البَيْتِ ∗∗∗ بَيْضٌ وتِينٌ وجَرادٌ زَيْتٌ ؎فِي البَيْضِ والزَّيْتِ الرِّبا قَدِ انْحَظَرْ ∗∗∗ رَعْيًا لِكَوْنِ شَرْطِها لَمْ يُعْتَبَرْ ؎(p-١٧٥)وَقَدْ رُعِيَ اشْتِراطُها في المُخْتَصَرِ ∗∗∗ في التِّينِ وحْدَهُ فَفِيهِ ما حَظَرَ ؎وَرُعِيَ خَلْفٌ في الجَرادِ ∗∗∗ بادٍ لِذِكْرِهِ الخِلافَ في الجَرادِ ؎وَحَبَّةٌ بِحَبَّتَيْنِ تُحَرَّمُ ∗∗∗ إذِ الرِّبا قَلِيلُهُ مُحَرَّمُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ الخِلافَ في رِبَوِيَّةِ البِيضِ بِقَوْلِي: [ الرَّجَزِ ] ؎وَقَوْلُ إنَّ البَيْضَ ما فِيهِ الرِّبا ∗∗∗ إلى ابْنِ شَعْبانَ الإمامِ نُسِبا وَأصَحُّ الرِّواياتِ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الأرْبَعَةِ الطَّعْمُ، فَكُلُّ مَطْعُومٍ يُحَرَّمُ فِيهِ عِنْدَهُ الرِّبا كالأقْواتِ، والإدامِ، والحَلاواتِ، والفَواكِهِ، والأدْوِيَةِ. واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الطَّعامُ بِالطَّعامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» الحَدِيثَ. والطَّعامُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُؤْكَلُ، قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩٣]، وقالَ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا﴾ الآيَةَ [عبس: ٢٤ \ ٢٨]، وقالَ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمُرادُ: ذَبائِحُهم. وَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَكَثْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةً ما لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدانِ التَّمْرُ والماءُ»، وعَنْ أبِي ذَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ في قَصِّهِ إسْلامِهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَن كانَ يُطْعِمُكَ ؟ ”قُلْتُ: ما كانَ لِي طَعامٌ إلّا ماءُ زَمْزَمَ فَسَمِنتُ حَتّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، قالَ:“ إنَّها مُبارَكَةٌ، إنَّها طَعامُ طُعْمٍ» رَواهُ مُسْلِمٌ. وَقالَ لَبِيَدٌ: [ الكامِلِ ] ؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنازَعَ شِلْوَهُ ∗∗∗ غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها يَعْنِي بِطَعامِها الفَرِيسَةَ، قالُوا: والنَّبِيُّ ﷺ عَلَّقَ في هَذا الحَدِيثِ الرِّبا عَلى اسْمِ الطَّعامِ، والحُكْمُ إذا عُلِّقَ عَلى اسْمٍ مُشْتَقٍّ دَلَّ عَلى أنَّهُ عِلَّتُهُ، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٨]، قالُوا: ولِأنَّ الحَبَّ ما دامَ مَطْعُومًا يَحْرُمُ فِيهِ الرِّبا، فَإذا زُرِعَ وخَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ مَطْعُومًا لَمْ يُحَرَّمْ فِيهِ الرِّبا، فَإذا انْعَقَدَ الحَبُّ وصارَ مَطْعُومًا حَرُمَ فِيهِ الرِّبا، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلَّةَ فِيهِ كَوْنُهُ مَطْعُومًا، ولِذا كانَ الماءُ يَحْرُمُ فِيهِ الرِّبا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (p-١٧٦)وَلِقَوْلِ عائِشَةَ المُتَقَدِّمِ: ما لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدانِ الماءُ والتَّمْرُ، ولِقَوْلِ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلِ ] ؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعِمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا والنُّقاخُ: الماءُ البارِدُ، هَذا هو حُجَّةُ الشّافِعِيَّةِ في أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الأرْبَعَةِ الطَّعْمُ، فَألْحَقُوا بِها كُلَّ مَطْعُومٍ؛ لِلْعِلَّةِ الجامِعَةِ بَيْنَهُما. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلالُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ المَذْكُورِ عَلى أنَّ عِلَّةَ الرِّبا الطَّعْمُ لا يَخْلُو عِنْدِي مِن نَظَرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ؛ لِأنَّ مَعْمَرًا المَذْكُورَ لَمّا قالَ: قَدْ كُنْتُ أسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعامُ بِالطَّعامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . قالَ عَقِبَهُ: وكانَ طَعامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ كَما رَواهُ عَنْهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الطَّعامَ في عُرْفِهِمْ يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ العُرْفَ المُقارَنَ لِلْخِطابِ مِن مُخَصَّصاتِ النَّصِّ العامِّ، وعَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَبْحَثِ المُخَصَّصِ المُنْفَصِلِ عاطِفًا عَلى ما يُخَصِّصُ العُمُومَ: [ الرَّجَزِ ] ؎والعُرْفُ حَيْثُ قارَنَ الخِطابا ∗∗∗ ودَعْ ضَمِيرَ البَعْضِ والأسْبابا وَأشْهَرُ الرِّواياتِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الأرْبَعَةِ كَوْنُها مَكِيلَةَ جِنْسٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وعَلَيْهِ يُحَرَّمُ الرِّبا في كُلِّ مَكِيلٍ، ولَوْ غَيْرَ طَعامٍ كالجِصِّ والنَّوْرَةِ والأُشْنانِ. واسْتَدَلُّوا بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عُبادَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما وُزِنَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذا كانَ نَوْعًا واحِدًا وما كِيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإذا اخْتَلَفَ النَّوْعانِ فَلا بَأْسَ بِهِ»، قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: حَدِيثُ أنَسٍ وعُبادَةَ أشارَ إلَيْهِ في ”التَّلْخِيصِ“ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وفي إسْنادِهِ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ وثَّقَهُ أبُو زُرْعَةَ وغَيْرُهُ، وضَعَّفَهُ جَماعَةٌ، وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ البَزّارُ أيْضًا، ويَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ عُبادَةَ المَذْكُورُ أوَّلًا وغَيْرُهُ مِنَ الأحادِيثِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلى خَيْبَرَ، فَجاءَهم بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقالَ: ”أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا“ قالَ: إنّا لَنَأْخُذَ الصّاعَ مِن هَذا بِالصّاعَيْنِ، والصّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، فَقالَ: ”لا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا»“، وقالَ: في المِيزانِ مِثْلُ ذَلِكَ، ووَجْهُ (p-١٧٧)الدَّلالَةِ مِنهُ، أنَّ قَوْلَهُ في المِيزانِ، يَعْنِي في المَوْزُونِ؛ لِأنَّ نَفْسَ المِيزانِ لَيْسَتْ مِن أمْوالِ الرِّبا، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ المُتَقَدِّمِ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ حَيّانَ بْنِ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَإنَّ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، يَدًا بِيَدٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَن زادَ فَهو رِبا»، ثُمَّ قالَ: ”وَكَذَلِكَ ما يُكالُ أوْ يُوزَنُ أيْضًا“ وأُجِيبَ مِن جِهَةِ المانِعِينَ بِأنَّ حَدِيثَ الدّارَقُطْنِيِّ لَمْ يَثْبُتْ، وكَذَلِكَ حَدِيثُ الحاكِمِ، وقَدْ بَيَّنّا سابِقًا ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ حَدِيثِ حَيّانَ المَذْكُورِ، وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا كَلامَ الشَّوْكانِيِّ في أنَّ حَدِيثَ الدّارَقُطْنِيِّ أخْرَجَهُ البَزّارُ أيْضًا، وأنَّهُ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وغَيْرِهِ مِنَ الأحادِيثِ، وأنَّ الرَّبِيعَ بْنَ صُبَيْحٍ وثَّقَهُ أبُو زُرْعَةَ وغَيْرُهُ، وضَعَّفَهُ جَماعَةٌ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ سَيْئُ الحِفْظِ، وكانَ عابِدًا مُجاهِدًا، ومُرادُ الشَّوْكانِيِّ بِحَدِيثِ عُبادَةَ المَذْكُورِ، هو ما أخْرَجَهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ، والإمامُ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو داوُدَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، والبُرُّ بِالبُرِّ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإذا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأصْنافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» اهـ. فَإنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ”«سَواءً بِسَواءٍ، مِثْلًا بِمَثَلٍ“» يَدُلُّ عَلى الضَّبْطِ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وهَذا القَوْلُ أظْهَرُها دَلِيلًا. وَأجابُوا عَنْ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ: جَوابُ البَيْهَقِيِّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ وكَذَلِكَ المِيزانُ، مِن كَلامِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. الثّانِي: جَوابُ القاضِي أبِي الطَّيِّبِ وآخَرِينَ أنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ غَيْرُ مُرادٍ؛ لِأنَّ المِيزانَ نَفْسَهُ لا رِبا فِيهِ، وأضْمَرْتُمْ فِيهِ المَوْزُونَ، ودَعْوى العُمُومِ في المُضْمِراتِ لا تَصِحُّ. الثّالِثُ: حَمْلُ المَوْزُونِ عَلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الإجاباتِ لا تَنْهَضُ؛ لِأنَّ وقْفَهُ عَلى أبِي سَعِيدٍ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَصْدُ ما يُوزَنُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ المِيزانُ لا لَبْسَ فِيهِ، وحَمْلُ المَوْزُونِ عَلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَقَطْ خِلافُ الظّاهِرِ، واللَّهِ تَعالى أعْلَمُ. وَفِي عِلَّةِ الرِّبا في الأرْبَعَةِ مَذاهِبُ أُخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا عَنِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ ومَن (p-١٧٨)وافَقَهم: الأوَّلُ: مَذْهَبُ أهْلِ الظّاهِرِ ومَن وافَقَهم أنَّهُ لا رِبا أصْلًا في غَيْرِ السِّتَّةِ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ طاوُسٍ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ. الثّانِي: مَذْهَبُ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسانَ الأصَمِّ أنَّ العِلَّةَ فِيها كَوْنُها مُنْتَفِعًا بِها، حَكاهُ عَنْهُ القاضِي حُسَيْنٌ. الثّالِثُ: مَذْهَبُ ابْنِ سِيرِينَ، وأبِي بَكْرٍ الأوْدَنِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ العِلَّةَ الجِنْسِيَّةَ؛ فَيُحَرَّمُ الرِّبا في كُلِّ شَيْءٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ كالتُّرابِ بِالتُّرابِ مُتَفاضِلًا، والثَّوْبِ بِالثَّوْبَيْنِ، والشّاةُ بِالشّاتَيْنِ. الرّابِعُ: مَذْهَبُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ العِلَّةَ المَنفَعَةُ في الجِنْسِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ دِينارٌ بِثَوْبَيْنِ قِيمَتُهُما دِينارٌ، ويُحَرَّمُ بَيْعُ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ دِينارٌ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ دِينارَيْنِ. الخامِسُ: مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ العِلَّةَ تَقارُبُ المَنفَعَةِ في الجِنْسِ، فَحَرَّمَ التَّفاضُلَ في الحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، والباقِلِيِّ بِالحِمَّصِ، والدُّخْنِ بِالذُّرَّةِ مِثْلًا. السّادِسُ: مَذْهَبُ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ العِلَّةَ كَوْنُهُ جِنْسًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ؛ فَحَرَّمَ الرِّبا في كُلِّ جِنْسٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ كالمَواشِي والزَّرْعِ وغَيْرِها. السّابِعُ: مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَوْلُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ: إنَّ العِلَّةَ كَوْنُهُ مَطْعُومًا يُكالُ أوْ يُوزَنُ ونَفاهُ عَمّا سِواهُ، وهو كُلُّ ما لا يُؤْكَلُ ولا يُشْرَبُ، أوْ يُؤْكَلُ ولا يُكالُ ولا يُوزَنُ كالسَّفَرْجَلِ والبِطِّيخِ، وقَدْ تَرَكْنا الِاسْتِدْلالَ لِهَذِهِ المَذاهِبِ والمُناقَشَةَ فِيها خَوْفَ الإطالَةِ المُمِلَّةِ. * * فُرُوعٌ الفَرْعُ الأوَّلُ: الشَّكُّ في المُماثَلَةِ كَتَحَقُّقِ المُفاضَلَةِ، فَهو حَرامٌ في كُلِّ ما يَحْرُمُ فِيهِ رِبا الفَضْلِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصَّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ كَيْلُها بِالكَيْلِ المُسَمّى مِنَ التَّمْرِ» . الفَرْعُ الثّانِي: لا يَجُوزُ التَّراخِي في قَبْضِ ما يُحَرَّمُ فِيهِ رِبا النَّساءِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ: ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ «مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: أقْبَلْتُ ؟ أقُولُ: مَن يَصْطَرِفُ الدَّراهِمَ، فَقالَ طَلْحَةُ: أرِنا الذَّهَبَ حَتّى يَأْتِيَ الخازِنُ، ثُمَّ تَعالٍ فَخُذْ (p-١٧٩)وَرَقَكَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلّا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرُدَّنَّ إلَيْهِ ذَهَبَهُ، أوْ لَتَنْقُدَنَّهُ ورَقَهُ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الذَّهَبُ بِالوَرِقِ رِبًا إلّا ها وها، والبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إلّا ها وها، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلّا ها وها، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلّا ها وها»“ . الفَرْعُ الثّالِثُ: لا يَجُوزُ أنْ يُباعَ رِبَوِيٍّ بِرِبَوِيٍّ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، ومَعَ أحَدِهِما شَيْءٌ آخَرُ. ودَلِيلُ ذَلِكَ: ما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ أبِي الطّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ، مِن حَدِيثِ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأنْصارِيِّ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو بِخَيْبَرَ بِقِلادَةٍ فِيها خَرَزٌ وذَهَبٌ، وهي مِنَ المَغانِمِ تُباعُ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي في القِلادَةِ فَنُزِعَ، ثُمَّ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وزْنًا بِوَزْنٍ»“ . وَرَوى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ شَيْبَةَ، وقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ مِن حَدِيثِ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ونَحْوَهُ. أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ. وَقالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في ”نَيْلِ الأوْطارِ“، عِنْدَ ذِكْرِ صاحِبِ ”المُنْتَقى“: لِحَدِيثِ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ، الحَدِيثَ. قالَ في ”التَّلْخِيصِ“: لَهُ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ في الكَبِيرِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا في بَعْضِها قِلادَةٌ فِيها خَرَزٌ وذَهَبٌ، وفي بَعْضِها ذَهَبٌ وجَوْهَرٌ، وفي بَعْضِها خَرَزٌ مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ، وفي بَعْضِها بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، وفي بَعْضِها بِتِسْعَةِ دَنانِيرَ، وفي أُخْرى بِسَبْعَةِ دَنانِيرَ. وأجابَ البَيْهَقِيُّ عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ، بِأنَّها كانَتْ بُيُوعًا شَهِدَها فَضالَةُ. قالَ الحافِظُ: والجَوابُ المُسَدَّدُ عِنْدِي أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ لا يُوجِبُ ضَعْفًا، بَلِ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مَحْفُوظٌ لا اخْتِلافَ فِيهِ، وهو النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ ما لَمْ يُفْصَلْ، وأمّا جِنْسُها وقَدْرُ ثَمَنِها فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ في هَذِهِ الحالِ ما يُوجِبُ الحُكْمَ بِالِاضْطِرابِ. وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي التَّرْجِيحُ بَيْنَ رُواتِها وإنْ كانَ الجَمِيعُ ثِقاتٍ فَيَحْكُمُ بِصِحَّةِ رِوايَةِ أحْفَظِهِمْ وأضْبَطِهِمْ، فَتَكُونُ رِوايَةُ الباقِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ شاذَّةً، وبَعْضُ هَذِهِ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرَها الطَّبَرانِيُّ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ و ”سُنَنِ أبِي داوُدَ“، اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ رِواياتِ مُسْلِمٍ. الفَرْعُ الرّابِعُ: لا يَجُوزُ بَيْعُ المَصُوغِ مِنَ الذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ بِجِنْسِهِ بِأكْثَرَ مِن وزْنِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ: ما صَحَّ عَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ (p-١٨٠)الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، والذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وأنَّ مَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أرْبى» . وَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أطُوفُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَجاءَهُ صائِغٌ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنِّي أصُوغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ أبِيعُ الشَّيْءَ مِن ذَلِكَ بِأكْثَرَ مِن وزْنِهِ، فَأسْتَفْضِلُ في ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي فِيهِ، فَنَهاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ الصّائِغُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ المَسْألَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَنْهاهُ، حَتّى انْتَهى إلى بابِ المَسْجِدِ أوْ إلى دابَّتِهِ يُرِيدُ أنْ يَرْكَبَها. ثُمَّ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «الدِّينارُ بِالدِّينارِ، والدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لا فَضْلَ بَيْنِهِما، هَذا عَهْدُ نَبِيِّنا ﷺ إلَيْنا وعَهْدُنا إلَيْكم» . ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ: وقَدْ مَضى حَدِيثُ مُعاوِيَةَ حَيْثُ باعَ سِقايَةَ ذَهَبٍ أوْ ورِقٍ بِأكْثَرَ مِن وزْنِها، فَنَهاهُ أبُو الدَّرْداءِ، وما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. وَرَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي رافِعٍ، أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إنِّي أصُوغُ الذَّهَبَ فَأبِيعُهُ بِوَزْنِهِ وآخُذُ لِعِمالَةَ يَدِي أجْرًا، قالَ: لا تَبِعِ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلّا وزْنًا بِوَزْنٍ، ولا الفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إلّا وزْنًا بِوَزْنٍ، ولا تَأْخُذْ فَضْلًا " ا هـ مِنهُ. وَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ ما قَدَّمَهُ مِن نَهْيِ أبِي الدَّرْداءِ وعُمَرَ لِمُعاوِيَةَ، هو قَوْلُهُ: أخْبَرَنا أبُو زَكَرِيّا بْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو بَكْرِ بْنُ الحَسَنِ وغَيْرُهُما، قالُوا: حَدَّثَنا أبُو العَبّاسِ الأصَمُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنْبَأنا الشّافِعِيُّ، أنا مالِكٌ، وأخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَبْدانَ، أنا أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفّارُ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي القَعْنَبِيَّ عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ باعَ سِقايَةً مِن ذَهَبٍ أوْ ورِقٍ بِأكْثَرَ مِن وزْنِها، فَقالَ لَهُ أبُو الدَّرْداءِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهى عَنْ مَثْلِ هَذا إلّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» . فَقالَ مُعاوِيَةُ: ما أرى بِهَذا بَأْسًا. فَقالَ لَهُ أبُو الدَّرْداءِ: مَن يَعْذُرُنِي مِن مُعاوِيَةَ أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ لا أُساكِنُكَ بِأرْضٍ أنْتَ بِها، ثُمَّ قَدِمَ أبُو الدَّرْداءِ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ عُمَرُ إلى مُعاوِيَةَ أنْ لا يَبِيعَ ذَلِكَ إلّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ووَزْنًا بِوَزْنٍ، ولَمْ يَذْكَرِ الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ في هَذا قُدُومَ أبِي الدَّرْداءِ عَلى عُمَرَ، وقَدْ ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ في رِوايَةِ المُزْنِي. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَنَحْوُ هَذا أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”الصَّحِيحِ“ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ (p-١٨١)عَنْهُ - مِن رِوايَةِ أبِي الأشْعَثِ قالَ: غَزَوْنا غَزاةً وعَلى النّاسِ مُعاوِيَةُ، فَغَنِمْنا غَنائِمَ كَثِيرَةً، فَكانَ فِيما غَنِمْنا آنِيَةٌ مِن فِضَّةٍ فَأمَرَ مُعاوِيَةُ رَجُلًا أنْ يَبِيعَها في أُعْطِيّاتِ النّاسِ، فَتَسارَعَ النّاسُ في ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ، فَقامَ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَنْهى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، والبُرِّ بِالبُرِّ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والمِلْحُ بِالمِلْحِ، إلّا سَواءً بِسَواءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أرْبى» . فَرَدَّ النّاسُ ما أخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاوِيَةَ فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: ألا ما بالُ رِجالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحادِيثَ قَدْ كُنّا نَشْهَدُهُ ونَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْها مِنهُ، فَقامَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ فَأعادَ القِصَّةَ ثُمَّ قالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِما سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ كَرِهَ مُعاوِيَةُ أوْ قالَ: وإنْ رَغِمَ ما أُبالِي ألّا أصْحَبَهُ في جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْداءَ. قالَ حَمّادٌ هَذا أوْ نَحْوَهُ. اهـ. هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ وهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّناعَةَ الواقِعَةَ في الذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ لا أثَرَ لَها، ولا تُبِيحُ المُفاضَلَةَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصِّناعَةِ كَما ذَكَرْنا. وهَذا هو مَذْهَبُ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. وأجازَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - لِلْمُسافِرِ أنْ يُعْطِيَ دارَ الضَّرْبِ نَقْدًا وأُجْرَةَ صِياغَتِهِ ويَأْخُذَ عَنْهُما حُلِيًّا قَدْرَ وزْنِ النَّقْدِ بِدُونِ الأُجْرَةِ؛ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ كَما أشارَ إلَيْهِ خَلِيلُ بْنُ إسِحاقَ في ”مُخْتَصَرِهِ“ بِقَوْلِهِ: بِخِلافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ المُسافِرُ وأُجْرَتُهُ دارُ الضَّرْبِ لِيَأْخُذَ زِنَتَهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ مِن نُصُوصِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أنَّ هَذا لا يَجُوزُ؛ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ كَما اسْتَظْهَرَ عَدَمَ جَوازِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”المُخْتَصَرِ“: والأظْهَرُ خِلافُهُ يَعْنِي: ولَوِ اشْتَدَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ إلّا لِضَرَرٍ يُبِيحُ المَيْتَةَ، كَما قَرَّرَهُ شُرّاحُ ”المُخْتَصَرِ“ . الفَرْعُ الخامِسُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الأوْراقِ المُتَعامَلِ بِها هَلْ يَمْنَعُ الرِّبا بَيْنَها وبَيْنَ النَّقْدَيْنِ نَظَرًا إلى أنَّها سَنَدٌ، وأنَّ المَبِيعَ الفِضَّةُ الَّتِي هي سَنَدٌ بِها فَيُمْنَعُ بَيْعُها ولَوْ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، ويُمْنَعُ بَيْعُها بِالذَّهَبِ أيْضًا ولَوْ يَدًا بِيَدٍ؛ لِأنَّهُ صَرْفُ ذَهَبٍ مَوْجُودٍ أوْ فِضَّةٍ مَوْجُودَةٍ بِالفِضَّةِ غائِبَةً، وإنَّما المَوْجُودُ سَنَدٌ بِها فَقَطْ فَيُمْنَعُ فِيها لِعَدَمِ المُناجَزَةِ؛ بِسَبَبِ عَدَمِ حُضُورِ أحَدِ النَّقْدَيْنِ أوْ لا يُمْنَعُ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ نَظَرًا إلى أنَّها بِمَثابَةِ عُرُوضِ التِّجارَةِ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ إلى أنَّها كَعُرُوضِ التِّجارَةِ، فَيَجُوزُ الفَضْلُ والنَّساءُ بَيْنَها وبَيْنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، ومِمَّنْ أفْتى بِأنَّها كَعُرُوضِ التِّجارَةِ العالِمُ المَشْهُورُ عُلَيْشٌ المِصْرِيُّ صاحِبُ ”النَّوازِلِ“، و ”شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ“، وتَبِعَهُ في فَتْواهُ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِن مُتَأخِّرِي (p-١٨٢)عُلَماءِ المالِكِيَّةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّها لَيْسَتْ كَعُرُوضِ التِّجارَةِ، وأنَّها سَنَدٌ بِفِضَّةٍ وأنَّ المَبِيعَ الفِضَّةُ الَّتِي هي سَنَدٌ بِها. ومَن قَرَأ المَكْتُوبَ عَلَيْها فَهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ فَلا يَجُوزُ بَيْعُها بِذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ ولَوْ يَدًا بِيَدٍ؛ لِعَدَمِ المُناجَزَةِ بِسَبَبِ غَيْبَةِ الفِضَّةِ المَدْفُوعِ سَنَدُها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مُتَمَوِّلَةً ولا مُنَفِّعَةً في ذاتِها أصْلًا. فَإنَّ قِيلَ لا فَرْقَ بَيْنَ الأوْراقِ وبَيْنَ فُلُوسِ الحَدِيدِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لَيْسَ مُتَمَوِّلًا في ذاتِهِ مَعَ أنَّهُ رائِجٌ بِحَسْبِ ما جَعَلَهُ لَهُ السُّلْطانُ مِنَ المُعامَلَةِ فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنّا إذا حَقَّقْنا أنِ الفُلُوسَ الحَدِيدِيَّةَ الحالِيَّةَ لا مَنفَعَةَ فِيها أصْلًا، وأنَّ حَقِيقَتَها سَنَدٌ بِفِضَّةٍ، فَما المانِعُ مِن أنْ نَمْنَعَ فِيها الرِّبا مَعَ النَّقْدِ، والنُّصُوصُ صَرِيحَةٌ في مَنعِهِ بَيْنَ النَّقْدَيْنِ، ولَيْسَ هُناكَ إجْماعٌ يَمْنَعُ إجْراءَ النُّصُوصِ عَلى ظَواهِرِها بَلْ مَذْهَبُ مالِكٍ أنَّ فُلُوسَ الحَدِيدِ لا تَجُوزُ بِأحَدِ النَّقْدَيْنِ نَسِيئَةً، فَسَلَّمَ الدَّراهِمَ في الفُلُوسِ كالعَكْسِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم. وَما ورَدَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِبا بَيْنَ النَّقْدَيْنِ وبَيْنَ فُلُوسِ الحَدِيدِ فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحَدِيدَ الَّذِي مِنهُ تِلْكَ الفُلُوسُ فِيهِ مَنافِعُ الحَدِيدِ المَعْرُوفَةُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فَلَوْ جُمِعَتْ تِلْكَ الفُلُوسُ وجُعِلَتْ في النّارِ لَعُمِلَ مِنها ما يُعْمَلُ مِنَ الحَدِيدِ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، ولَوْ كانَتْ كَفُلُوسِنا الحالِيَةَ عَلى تَسْلِيمِ أنَّها لا مَنفَعَةَ فِيها أصْلًا، لِما قالُوا بِالجَوازِ؛ لِأنَّ ما هو سَنَدٌ لا شَكَّ أنَّ المَبِيعَ فِيهِ ما هو سَنَدٌ بِهِ لا نَفْسُ السَّنَدِ. ولِذا لَمْ يَخْتَلِفِ الصَّدْرُ الأوَّلُ في أنَّ المَبِيعَ في بَيْعِ الصِّكاكِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في ”الصَّحِيحِ“ وغَيْرِهِ أنَّهُ الرِّزْقُ المَكْتُوبُ فِيها لا نَفْسَ الصِّكاكِ الَّتِي هي الأوْراقُ الَّتِي هي سَنَدٌ بِالأرْزاقِ. الثّانِي: أنَّ هُناكَ فَرْقًا بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ وهو أنَّ الفُلُوسَ الحَدِيدِيَّةَ لا يَتَعامَلُ بِها بِالعُرْفِ الجارِي قَدِيمًا وحَدِيثًا، إلّا في المُحَقَّراتِ فَلا يُشْتَرى بِها شَيْءٌ لَهُ بالٌ بِخِلافِ الأوْراقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أقْرَبُ لِلْفِضَّةِ مِنَ الفُلُوسِ. الثّالِثُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا أنَّ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ فالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكُ»، ويَقُولُ: «فَمَن تَرَكَ الشُّبَهاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ»، ويَقُولُ: (p-١٨٣)«والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ» الحَدِيثَ. وقالَ النّاظِمُ ؎وَذُو احْتِياطٍ في أُمُورِ الدِّينِ مَن فَرَّ مِن شَكٍّ إلى يَقِينِ وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ ما دَلَّ عَلى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمٌ عَلى ما دَلَّ عَلى الإباحَةِ؛ لِأنَّ تَرْكَ مُباحٍ أهْوَنُ مِنِ ارْتِكابِ حَرامٍ، ولا سِيَّما تَحْرِيمُ الرِّبا الَّذِي صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ مُرْتَكِبَهُ مُحارِبُ اللَّهِ، وثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعْنُهُ. ومِن أنْواعِ الرِّبا ما اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَنعِهِ، كَما إذا كانَ البَيْعُ ظاهِرُهُ الحِلْيَةُ، ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِهِ التَّوَصُّلُ إلى الرِّبا الحَرامِ عَنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ المُباحَةِ في الظّاهِرِ كَما لَوْ باعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إلى أجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرى تِلْكَ السِّلْعَةَ بِعَيْنِها بِثَمَنٍ أقَلَّ مِنَ الأوَّلِ نَقْدًا، أوْ لِأقْرَبَ مِنَ الأجَلِ الأوَّلِ، أوْ بِأكْثَرَ لِأبْعَدَ فَظاهِرُ العَقْدَيْنِ الإباحَةُ؛ لِأنَّهُ بَيْعُ سِلْعَةٍ بِدَراهِمَ إلى أجَلٍ في كُلٍّ مِنهُما وهَذا لا مانِعَ مِنهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُ المُتَعاقِدَيْنِ دَفْعَ دَراهِمَ وأخْذَ دَراهِمَ أكْثَرَ مِنها لِأجْلِ أنِ السِّلْعَةَ الخارِجَةَ مِنَ اليَدِ العائِدَةِ إلَيْها مُلْغاةٌ، فَيَئُولُ الأمْرُ إلى أنَّهُ دَفْعُ دَراهِمَ وأخْذُ أكْثَرَ مِنها لِأجَلٍ، وهو عَيْنُ الرِّبا الحَرامِ ومِثْلُ هَذا مَمْنُوعٌ عِنْدَ مالِكٍ، وأحْمَدَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ والحَكَمِ وحَمّادٍ كَما في ”الِاسْتِذْكارِ“، وأجازَهُ الشّافِعِيُّ. واسْتَدَلَّ المانِعُونَ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها أنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلى زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وقالَتْ: أبْلِغِي زَيْدًا أنَّهُ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتُبْ. وَقالَ الشّافِعِيُّ: إنَّ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ مُخالِفٌ لِعائِشَةَ، وإذا اخْتَلَفَ صَحابِيّانِ في شَيْءٍ رَجَّحْنا مِنهُما مَن يُوافِقُهُ القِياسُ، والقِياسُ هُنا مُوافِقٌ لِزَيْدٍ؛ لِأنَّهُما عَقْدانِ كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ في نَفْسِهِ. وَقالَ الشّافِعِيُّ أيْضًا: لَوْ كانَ هَذا ثابِتًا عَنْ عائِشَةَ فَإنَّها إنَّما عابَتِ التَّأْجِيلَ بِالعَطاءِ؛ لِأنَّهُ أجَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ والبَيْعُ إلَيْهِ لا يَجُوزُ. واعْتَرَضَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِأنَّ ابْنَ أبِي شَيْبَةَ ذَكَرَ في مُصَنَّفِهِ أنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ كُنْ يَشْتَرِينَ إلى العَطاءِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وبِأنَّ عائِشَةَ لا تَدَّعِي بُطْلانَ الجِهادِ بِمُخالَفَةِ رَأْيِها، وإنَّما تَدَّعِيهِ بِأمْرٍ عَلِمَتْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَذا البَيْعُ الَّذِي ذَكَرْنا تَحْرِيمَهُ هو المُرادُ عِنْدَ العُلَماءِ بِبَيْعِ العَيِّنَةِ ويُسَمِّيهِ المالِكِيَّةُ بُيُوعَ الآجالِ، وقَدْ نَظَّمْتُ ضابِطَهُ في نَظْمِي الطَّوِيلِ في فُرُوعِ مالِكٍ بِقَوْلِي: [ الرَّجَزِ ] (p-١٨٤) ؎بُيُوعُ الآجالِ إذا كانَ الأجَلُ ∗∗∗ أوْ ثَمَنٌ كَأخَوَيْهِما تَحِلُّ ؎وَإنْ يَكُ الثَّمَنُ غَيْرَ الأوَّلِ ∗∗∗ وخالَفَ الأجَلَ وقْتَ الأجَلِ ؎فانْظُرْ إلى السّابِقِ بِالإعْطاءِ ∗∗∗ هَلْ عادَ لَهُ أكْثَرُ أوْ عادَ أقَلُّ ؎فَإنْ يَكُنْ أكْثَرَ مِمّا دَفَعَهُ ∗∗∗ فَإنَّ ذاكَ سَلَفٌ بِمَنفَعَةِ ؎وَإنْ يَكُنْ كَشَيْئِهِ أوْ قَلّا ∗∗∗ عَنْ شَيْئِهِ المَدْفُوعِ قَبْلُ حَلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ تَعالى ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا الإرْباءَ مُضاعَفَةُ الأجْرِ، وأنَّهُ يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ إخْلاصُ النِّيَّةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] .

البقرة 2:282

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كِتابَةَ الدَّيْنِ واجِبَةٌ؛ لِأنَّ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ ولَكِنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ أمْرُ إرْشادٍ لا إيجابٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ الرَّهْنَ لا يَجِبُ إجْماعًا وهو بَدَلٌ مِنَ الكِتابَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِها في الآيَةِ فَلَوْ كانَتِ الكِتابَةُ واجِبَةً لَكانَ بَدَلُها واجِبًا وصَرَّحَ بِعَدَمِ الوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ الآيَةَ، فالتَّحْقِيقُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ لِلنَّدْبِ والإرْشادِ؛ لِأنَّ لِرَبِّ الدَّيْنِ أنْ يَهَبَهُ ويَتْرُكَهُ إجْماعًا، فالنَّدْبُ إلى الكِتابَةِ فِيهِ إنَّما هو عَلى جِهَةِ الحَيْطَةِ لِلنّاسِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وَقالَ بَعْضُهم: إنْ أشْهَدْتَ فَحَزْمٌ، وإنِ ائْتَمَنتَ فَفي حِلٍّ وسَعَةِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ قالَهُ القُرْطُبِيُّ أيْضًا. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ﴾ ناسِخٌ لِأمْرِهِ بِالكَتْبِ، وحَكى نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وذَهَبَ الرَّبِيعُ إلى أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ ثُمَّ خَفَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، وتَمَسَّكَ جَماعَةٌ بِظاهِرِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فاكْتُبُوهُ، فَقالُوا: إنَّ كَتْبَ الدَّيْنِ واجِبٌ فَرْضٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيْعًا كانَ أوْ قَرْضًا؛ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ نِسْيانٌ أوْ جُحُودٌ وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ في ”تَفْسِيرِهِ“ . (p-١٨٥)وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَن أدانَ فَلْيَكْتُبْ ومَن باعَ فَلْيُشْهِدْ. اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ بَيانٍ إنْ شاءَ اللَّهُ قَرِيبًا. تَنْبِيهٌ: أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ الآيَةَ. أنَّ الرَّهْنَ لا يَكُونُ مَشْرُوعًا إلّا في السَّفَرِ كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وداوُدُ والتَّحْقِيقُ جَوازُهُ في الحَضَرِ. وَقَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ ﷺ «تُوُفِّيَ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاثِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . وفي ”الصَّحِيحَيْنِ“ أنَّها دِرْعٌ مِن حَدِيدٍ. وَرَوى البُخارِيُّ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ «أنَّهُ ﷺ رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالمَدِينَةِ، وأخَذَ مِنهُ شَعِيرًا لِأهْلِهِ» . ولِأحْمَدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُ حَدِيثِ عائِشَةَ فَدَلَّ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾، لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ؛ لِأنَّهُ جَرى عَلى الأمْرِ الغالِبِ، إذِ الغالِبُ أنَّ الكاتِبَ لا يَتَعَذَّرُ في الحَضَرِ وإنَّما يَتَعَذَّرُ غالِبًا في السَّفَرِ، والجَرْيُ عَلى الغالِبِ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ كَما ذَكَرْناهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾، ظاهِرُ هَذا الأمْرِ الوُجُوبُ أيْضًا فَيَجِبُ عَلى مَن باعَ أنْ يُشْهِدَ وبِهَذا قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُهُ أبُو بَكْرٍ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وانْتَصَرَ لَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ غايَةَ الِانْتِصارِ، وصَرَّحَ بِأنَّ مَن لَمْ يُشْهِدْ مُخالِفٌ لِكِتابِ اللَّهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الإشْهادَ عَلى المُبايَعَةِ وكِتابِ الدَّيْنِ أمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ لا واجِبٌ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ. وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: إنَّ هَذا قَوْلُ الكافَّةِ قالَ: وهو الصَّحِيحُ ولَمْ يُحْكَ عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ قالَ بِالوُجُوبِ إلّا الضَّحّاكُ قالَ: وقَدْ باعَ النَّبِيُّ ﷺ وكَتَبَ قالَ: ونُسْخَةُ كِتابِهِ: ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذا ما اشْتَرى العَدّاءُ بْنُ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَرى مِنهُ عَبْدًا أوْ أمَةً لا داءَ، ولا غائِلَةَ، ولا خِبْثَةَ، بَيْعُ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ“ . وقَدْ باعَ ولَمْ يُشْهِدْ، واشْتَرى ورَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ ولَمْ يُشْهِدْ، ولَوْ كانَ الإشْهادُ أمْرًا واجِبًا لَوَجَبَ مَعَ الرَّهْنِ لِخَوْفِ المُنازَعَةِ. اهـ. (p-١٨٦)قالَ القُرْطُبِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَ كَلامَ ابْنِ العَرَبِيِّ هَذا ما نَصُّهُ: قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنا الوُجُوبَ عَنْ غَيْرِ الضَّحّاكِ وحَدِيثُ العَدّاءِ هَذا أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وأبُو داوُدَ وكانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الفَتْحِ وحُنَيْنٍ، وهو القائِلُ: قاتَلْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَمْ يُظْهِرْنا اللَّهُ ولَمْ يَنْصُرْنا. ثُمَّ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ. ذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ وذَكَرَ حَدِيثَهُ هَذا. وَقالَ في آخِرِهِ: قالَ الأصْمَعِيُّ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ أبِي عَرُوبَةَ عَنِ الغائِلَةِ فَقالَ: الإباقُ، والسَّرِقَةُ، والزِّنا، وسَألْتُهُ عَنِ الخِبْثَةِ فَقالَ: بَيْعُ أهْلِ عَهْدِ المُسْلِمِينَ. وَقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: والوُجُوبُ في ذَلِكَ قَلَقٌ أمّا في الوَثائِقِ فَصَعْبٌ شاقٌّ، وأمّا ما كَثُرَ فَرُبَّما يَقْصِدُ التّاجِرُ الاسْتِئْلافَ بِتَرْكِ الإشْهادِ، وقَدْ يَكُونُ عادَةً في بَعْضِ البِلادِ، وقَدْ يُسْتَحى مِنَ العالِمِ والرَّجُلِ الكَبِيرِ المُوَقَّرِ فَلا يُشْهِدُ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ في الِائْتِمانِ، ويَبْقى الأمْرُ بِالإشْهادِ نَدْبًا لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في الأغْلَبِ ما لَمْ يَقَعْ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنهُ كَما ذَكَرْنا، وحَكى المَهْدَوِيُّ، والنَّحّاسُ، ومَكِّيٌّ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾، مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، وأسْنَدَهُ النَّحّاسُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأنَّهُ تَلا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾، قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ ما قَبْلَها. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والحَكَمِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وهَذا لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ هَذا حُكْمٌ غَيْرُ الأوَّلِ وإنَّما هَذا حُكْمُ مَن لَمْ يَجِدْ كاتِبًا. * * قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، أيْ فَلَمْ يُطالِبْهُ بِرَهْنٍ، ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾، قالَ: ولَوْ جازَ أنَّ يَكُونَ هَذا ناسِخًا لِلْأوَّلِ، لَجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣]، ناسِخًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦]، ولَجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، ناسِخًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، لَمْ يَتَبَيَّنْ بِآخِرِ (p-١٨٧)نُزُولِهِ عَنْ صَدْرِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأمْرِ بِالإشْهادِ بَلْ ورَدا مَعًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَرِدَ النّاسِخُ والمَنسُوخُ مَعًا جَمِيعًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مَنسُوخَةٌ قالَ: لا واللَّهِ إنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ لَيْسَ فِيها نَسْخٌ، قالَ: والإشْهادُ إنَّما جُعِلَ لِلطُّمَأْنِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِتَوْثِيقِ الدَّيْنِ طُرُقًا مِنها الكِتابُ، ومِنها الرَّهْنُ، ومِنها الإشْهادُ، ولا خِلافَ بَيْنِ عُلَماءِ الأمْصارِ أنَّ الرَّهْنَ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ النَّدْبِ لا بِطْرِيقَ الوُجُوبِ، فَيُعْلَمُ مِن ذَلِكَ مِثْلُهُ في الإشْهادِ، وما زالَ النّاسُ يَتَبايَعُونَ حَضَرًا وسَفَرًا، وبَرًّا وبَحْرًا، وسَهْلًا وجَبَلًا مِن غَيْرِ إشْهادٍ، مَعَ عِلْمِ النّاسِ بِذَلِكَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ. ولَوْ وجَبَ الإشْهادُ ما تَرَكُوا النَّكِيرَ عَلى تارِكِهِ، قُلْتُ: هَذا كُلُّهُ اسْتِدْلالٌ حَسَنٌ وأحْسَنُ مِنهُ ما جاءَ في صَرِيحِ السُّنَّةِ في تَرْكِ الإشْهادِ، وهو ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ طارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُحارِبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أقْبَلْنا في رَكْبٍ مِنَ الرَّبْذَةِ وجَنُوبِ الرَّبْذَةِ حَتّى نَزَلْنا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ ومَعَنا ظَعِينَةٌ لَنا، فَبَيْنَما نَحْنُ قُعُودٌ إذْ أتانا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبانِ أبْيَضانِ فَسَلَّمَ فَرَدَدْنا عَلَيْهِ فَقالَ: ”مِن أيْنَ القَوْمُ ؟“ فَقُلْنا: مِنَ الرَّبْذَةِ وجَنُوبِ الرَّبْذَةِ، قالَ: ومَعَنا جَمَلٌ أحْمَرُ، فَقالَ: ”تَبِيعُونِي جَمَلَكم هَذا ؟“ فَقُلْنا: نَعَمْ، قالَ: ”بِكم ؟“ قُلْنا: بِكَذا وكَذا صاعًا مِن تَمْرٍ، قالَ: فَما اسْتَوْضَعَنا شَيْئًا، وقالَ: ”قَدْ أخَذْتُهُ“، ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ الجَمَلِ حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ، فَتَوارى عَنّا فَتَلاوَمْنا بَيْنَنا وقُلْنا: أعْطَيْتُمْ جَمَلَكم مَن لا تَعْرِفُونَهُ، فَقالَتِ الظَّعِينَةُ: لا تَلاوَمُوا فَقَدْ رَأيْتُ وجْهَ رَجُلٍ ما كانَ لِيَخْفِرَكم ما رَأيْتُ وجْهَ رَجُلٍ أشْبَهَ بِالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ مِن وجْهِهِ، فَلَمّا كانَ العَشاءُ أتانا رَجُلٌ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أنا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْكم وإنَّهُ أمَرَكم أنَّ تَأْكُلُوا مِن هَذا حَتّى تَشْبَعُوا، وتَكْتالُوا، حَتّى تَسْتَوْفُوا قالَ: فَأكَلْنا حَتّى شَبِعْنا، واكْتَلْنا حَتّى اسْتَوْفَيْنا» . وذَكَرَ الحَدِيثَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُمارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ وهو مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتاعَ فَرَسًا مِن أعْرابِيٍّ الحَدِيثَ وفِيهِ: فَطَفِقَ الأعْرابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شاهِدًا يَشْهَدُ أنِّي بِعْتُكَ، قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ: أنا أشْهَدُ أنَّكَ بِعْتَهُ، فَأقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى خُزَيْمَةَ فَقالَ: ”بِمَ تَشْهَدُ ؟“ قالَ: بِتَصْدِيقِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ» . أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وفِيما نَقَلْنا الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ الإشْهادَ والكِتابَةَ مَندُوبٌ إلَيْهِما لا فَرْضانِ واجِبانِ كَما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أعْنِي: قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾، اشْتِراطَ العَدالَةِ في الشُّهُودِ، (p-١٨٨)وَلَكِنَّهُ بَيَنَّهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [ ٦٥ ] . وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ كَما بَيَّناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

البقرة 2:284

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الوَسْوَسَةَ وخَواطِرَ القُلُوبِ يُؤاخَذُ بِها الإنْسانُ مَعَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِها، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يُكَلَّفُ إلّا بِما يُطِيقُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . والجَوابُ أنَّ آيَةَ: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ أوْ تُخْفُوهُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.

البقرة 2:286

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ أجابَ دُعاءَهم هَذا أوْ لا ؟ وأشارَ إلى أنَّهُ أجابَهُ بِقَوْلِهِ في الخَطَأِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥]، وأشارَ إلى أنَّهُ أجابَهُ في النِّسْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ قَبْلَ الذِّكْرى لا إثْمَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، ولا يَقْدَحُ في هَذا أنَّ آيَةَ: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ مَكِّيَّةٌ؛ وآيَةَ: ﴿لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾، مَدَنِيَّةٌ إذْ لا مانِعَ مِن بَيانِ المَدَنِيِّ بِالمَكِّيِّ كَعَكْسِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾، قالَ اللَّهُ تَعالى: نَعَمْ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ أجابَ دُعاءَهم هَذا أوْ لا ؟ ولَمْ يُبَيِّنِ الإصْرَ الَّذِي كانَ مَحْمُولًا عَلى مَن قَبْلَنا، وبَيَّنَ أنَّهُ أجابَ دُعاءَهم هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأشارَ إلى بَعْضِ الإصْرِ الَّذِي حُمِلَ عَلى مَن قَبْلَنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ لِأنَّ اشْتِراطَ قَتْلِ النَّفْسِ في قَبُولِ التَّوْبَةِ مِن أعْظَمِ الإصْرِ، والإصْرُ الثِّقْلُ في التَّكْلِيفِ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: [ البَسِيطِ ] ؎يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ يَغْشى سَراتَهم والحامِلُ الإصْرَ عَنْهم بَعْدَما عَرَفُوا

آل عمران 3:7

(p-١٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾، يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالتَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّفْسِيرُ وإدْراكُ المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ أمْرِهِ الَّتِي يَئُولُ إلَيْها وقَدْ قَدَّمْنا في مُقَدِّمَةِ هَذا الكِتابِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّ كَوْنَ أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ هو الغالِبُ في القُرْآنِ. يُبَيِّنُ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ الغالِبَ هو المُرادُ؛ لِأنَّ الحَمْلَ عَلى الأغْلَبِ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى غَيْرِهِ. وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ الَّتِي يَئُولُ إلَيْها • كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وأصْلُ التَّأْوِيلُ مِن آلَ الشَّيْءُ إلى كَذا إذا صارَ إلَيْهِ، ورَجَعَ يَئُولُ أوْ لا، وأوَّلْتُهُ أنا صَيَّرْتُهُ إلَيْهِ، وقالَ: وقَدْ أنْشَدَ بَعْضُ الرُّواةِ بَيْتَ الأعْشى: [ الطَّوِيلِ ] ؎عَلى أنَّها كانَتْ تَأوُّلُ حُبِّها تَأوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأصْحَبا قالَ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: تَأوُّلُ حُبِّها مَصِيرُ حُبِّها ومَرْجِعُهُ، وإنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ حُبَّها كانَ صَغِيرًا في قَلْبِهِ فَآلَ مِنَ الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فَلَمْ يَزَلْ يَنْبُتُ حَتّى أصْحَبَ فَصارَ قَدِيمًا كالسَّقْبِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَشِبُّ حَتّى أصْحَبَ، فَصارَ كَبِيرًا مِثْلَ أُمِّهِ. قالَ وقَدْ يُنْشَدُ هَذا البَيْتَ: [ الطَّوِيلِ ] ؎عَلى أنَّها كانَتْ تَوابِعُ حُبِّها ∗∗∗ تَوالِي رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأصْحَبا اهـ. وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ فِيهِ، والرِّبْعِيُّ السَّقْبُ الَّذِي وُلِدَ في أوَّلِ النِّتاجِ، ومَعْنى أصْحَبُ انْقادَ لِكُلِّ مَن يَقُودُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ المُتَقارِبِ ] ؎وَلَسْتُ بِذِي رَثْيَةٍ إمَّرٍ ∗∗∗ إذا قِيدَ مُسْتَكْرَهًا أصْحَبا (p-١٩٠)والرَّثْيَةُ: وجَعُ المَفاصِلِ، والإمَّرُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَفْتُوحَةً بَعْدَها راءٌ، هو الَّذِي يَأْتَمِرُ لِكُلِّ أحَدٍ؛ لِضَعْفِهِ. وأنْشَدَ بَيْتَ الأعْشى المَذْكُورَ الأزْهَرِيُّ و ”صاحِبُ اللِّسانِ“: [ الطَّوِيلِ ] ؎وَلَكِنَّها كانَتْ نَوى أجْنَبَيْهِ ∗∗∗ تَوالِي رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأصْحَبا وَأطالا في شَرْحِهِ وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ فِيهِ أيْضًا. * * تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ يُطْلَقُ ثَلاثَةَ إطْلاقاتٍ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ الحَقِيقَةُ الَّتِي يَئُولُ إلَيْها الأمْرُ، وهَذا هو مَعْناهُ في القُرْآنِ. الثّانِي: يُرادُ بِهِ التَّفْسِيرُ والبَيانُ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ في ابْنِ عَبّاسٍ: ”اللَّهُمَّ «فَقِّهْهُ في الدِّينِ، وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»“ . وقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ، القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: كَذا وكَذا أيْ: تَفْسِيرُهُ وبَيانُهُ. وقَوْلُ عائِشَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»“ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ تَعْنِي يَمْتَثِلُهُ ويَعْمَلُ بِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الثّالِثُ: هو مَعْناهُ المُتَعارَفُ في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ، وهو صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ المُتَبادَرِ مِنهُ إلى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وحاصِلُ تَحْرِيرِ مَسْألَةِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن واحِدَةٍ مِن ثَلاثِ حالاتٍ بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ: الأُولى: أنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ في نَفْسِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو التَّأْوِيلُ المُسَمّى عِنْدَهم بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، والتَّأْوِيلِ القَرِيبِ كَقَوْلِهِ ﷺ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ: «الجارُ أحَقُّ بِصَقْبِهِ»، فَإنَّ ظاهِرَهُ المُتَبادَرَ مِنهُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ لِلْجارِ، وحَمْلُ الجارِ في هَذا الحَدِيثِ عَلى خُصُوصِ الشَّرِيكِ المُقاسِمِ حَمْلٌ لَهُ عَلى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ، إلّا أنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ المُصَرِّحُ بِأنَّهُ إذا صُرِّفَتِ الطُّرُقُ وضُرِبَتِ الحُدُودُ، فَلا شُفْعَةَ. الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ لِأمْرٍ يَظُنُّهُ الصّارِفُ دَلِيلًا ولَيْسَ بِدَلِيلٍ في نَفْسِ الأمْرِ، وهَذا هو المُسَمّى عِنْدَهم بِالتَّأْوِيلِ الفاسِدِ، والتَّأْوِيلِ البَعِيدِ، ومَثَّلَ (p-١٩١)لَهُ الشّافِعِيَّةُ، والمالِكِيَّةُ، والحَنابِلَةُ بِحَمْلِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - المَرْأةَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أيُّما امْرَأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها فَنِكاحُها باطِلٌ، باطِلٌ» عَلى المُكاتَبَةِ، والصَّغِيرَةِ، وحَمْلِهِ أيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمِسْكِينٍ في قَوْلِهِ: سِتِّينَ مِسْكِينًا عَلى المُدِّ، فَأجازَ إعْطاءَ سِتِّينَ مُدًّا لِمِسْكِينٍ واحِدٍ. الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ لا لِدَلِيلٍ أصْلًا، وهَذا يُسَمّى في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ لَعِبًا، كَقَوْلِ بَعْضِ الشِّيعَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، يَعْنِي عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى حَدِّ التَّأْوِيلِ، وبَيانِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِقَوْلِهِ مُعَرِّفًا لِلتَّأْوِيلِ: [ الرَّجَزِ ] ؎حَمْلٌ لِظاهِرٍ عَلى المَرْجُوحِ ∗∗∗ واقْسِمْهُ لِلْفاسِدِ والصَّحِيحِ ؎صَحِيحُهُ وهو القَرِيبُ ما حَمَلَ ∗∗∗ مَعَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ عِنْدَ المُسْتَدِلِّ ؎وَغَيْرُهُ الفاسِدُ والبَعِيدُ ∗∗∗ وما خَلا فَلَعِبًا يُفِيدُ إلى أنْ قالَ: [ الرَّجَزِ ] ؎فَجَعْلُ مِسْكِينٍ بِمَعْنى المُدِّ ∗∗∗ عَلَيْهِ لائِحُ سِماتِ البُعْدِ ؎كَحَمْلِ امَرْأةٍ عَلى الصَّغِيرَةِ ∗∗∗ وما يُنافِي الحُرَّةَ الكَبِيرَةَ ؎وَحَمْلُ ما ورَدَ في الصِّيامِ ∗∗∗ عَلى القَضاءِ مَعَ الِالتِزامِ أمّا التَّأْوِيلُ في اصْطِلاحِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ المالِكِيِّ الخاصِّ بِهِ في ”مُخْتَصَرِهِ“، فَهو عِبارَةٌ عَنِ اخْتِلافِ شُرُوحِ ”المُدَوَّنَةِ“ في المُرادِ عِنْدَ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وأشارَ لَهُ في ”المَراقِي“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] ؎والخَلْفُ في فَهْمِ الكِتابِ صَيَّرَ ∗∗∗ إيّاهُ تَأْوِيلًا لَدى المُخْتَصَرِ والكِتابُ في اصْطِلاحِ فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ ”المُدَوَّنَةُ“ . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧]، لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الواوَ مُحْتَمِلَةٌ لِلِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ يَقُولُونَ، وعَلَيْهِ فالمُتَشابِهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، والوَقْفُ عَلى هَذا تامٌّ عَلى لَفْظَةِ الجَلالَةِ ومُحْتَمَلَةٌ لِأنْ تَكُونَ عاطِفَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ، وعَلَيْهِ فالمُتَشابِهُ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: ﴿الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أيْضًا، وفي الآيَةِ إشاراتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ اسْتِئْنافِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ. (p-١٩٢)قالَ ابْنُ قُدامَةَ في رَوْضَةِ النّاظِرِ ما نَصُّهُ: ولِأنَّ في الآيَةِ قَرائِنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مُتَفَرِّدٌ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ، وأنَّ الوَقْفَ الصَّحِيحَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّهُ لَوْ أرادَ عَطْفَ الرّاسِخِينَ لَقالَ: ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ بِالواوِ، أمّا المَعْنى فَلِأنَّهُ ذَمُّ مُبْتَغِي التَّأْوِيلِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِلرّاسِخِينَ مَعْلُومًا لَكانَ مُبْتَغِيهِ مَمْدُوحًا لا مَذْمُومًا؛ ولِأنَّ قَوْلَهم آمَنّا بِهِ يَدُلُّ عَلى نَوْعِ تَفْوِيضٍ وتَسْلِيمٍ لِشَيْءٍ لَمْ يَقِفُوا عَلى مَعْناهُ سِيَّما إذا تَبِعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فَذِكْرُهم رَبَّهم هاهُنا يُعْطِي الثِّقَةَ بِهِ والتَّسْلِيمَ لِأمْرِهِ، وأنَّهُ صَدَرَ مِن عِنْدِهِ، كَما جاءَ مِن عِنْدِهِ المُحْكَمُ؛ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌وَلِأنَّ لَفْظَةَ أمّا لِتَفْصِيلِ الجُمَلِ فَذِكْرُهُ لَها في ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ مَعَ وصْفِهِ إيّاهم بِاتِّباعِ المُتَشابِهِ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى قِسْمٍ آخَرَ يُخالِفُهم في هَذِهِ الصِّفَةِ، وهُمُ الرّاسِخُونَ. ولَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ لَمْ يُخالِفُوا القِسْمَ الأوَّلَ في ابْتِغاءِ التَّأْوِيلِ، وإذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ التَّأْوِيلِ لِأحَدٍ فَلا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ ما ذَكَرْنا. اهـ مِن ”الرَّوْضَةِ“ بِلَفْظِهِ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ الواوَ اسْتِئْنافِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ، دَلالَةُ الِاسْتِقْراءِ في القُرْآنِ أنَّهُ تَعالى إذا نَفى عَنِ الخَلْقِ شَيْئًا وأثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ في ذَلِكَ الإثْباتِ شَرِيكٌ • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فالمُطابِقُ لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾، مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو وحْدَهُ كَما قالَهُ الخَطّابِيُّ وقالَ: لَوْ كانَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ لِلنَّسَقِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فائِدَةٌ: والقَوْلُ بِأنَّ الوَقْفَ تامٌّ عَلى قَوْلِهِ: إلّا اللَّهُ، وأنَّ قَوْلَهُ: والرّاسِخُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ هو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ لِلْأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا. وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ، عَنْ أشْهَبَ، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ والفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدٍ. وَقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ وما انْتَهى عِلْمُ الرّاسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾، والقَوْلُ بِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ مَرْوِيُّ (p-١٩٣)أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وغَيْرُهم. ومِمَّنِ انْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ وأطالَ فِيهِ ابْنُ فُورَكٍ ونَظِيرُ الآيَةِ في احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ والعَطْفِ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ مُرَفَّلِ الكامِلِ ] ؎الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَها والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ والبَرْقُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ يَلْمَعُ كالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الرِّيحِ، ويَلْمَعُ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي أيْ: لامِعًا. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مَدَحَهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ فَكَيْفَ يَمْدَحُهم بِذَلِكَ وهم جُهّالٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ شَيْخُنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو: هَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ فَإنَّ تَسْمِيَتَهم راسِخِينَ يَقْتَضِي أنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: يُجابُ عَنْ كَلامِ شَيْخِ القُرْطُبِيِّ المَذْكُورِ بِأنَّ رُسُوخَهم في العِلْمِ هو السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهم يَنْتَهُونَ حَيْثُ انْتَهى عِلْمُهم ويَقُولُونَ فِيما لَمْ يَقِفُوا عَلى عِلْمِ حَقِيقَتِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ بِخِلافِ غَيْرِ الرّاسِخِينَ فَإنَّهم يَتَّبِعُونَ ﴿ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، وهَذا ظاهِرٌ. وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ ”الكَشّافِ“ . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ونِسْبَةُ العِلْمِ إلَيْهِ أسْلَمُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: هي عاطِفَةٌ جَعَلُوا مَعْنى التَّأْوِيلِ التَّفْسِيرَ وفَهْمَ المَعْنى كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، أيِ: التَّفْسِيرَ وفَهْمَ مَعانِي القُرْآنِ، والرّاسِخُونَ يَفْهَمُونَ ما خُوطِبُوا بِهِ وإنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى كُنْهِ ما هي عَلَيْهِ. والَّذِينَ قالُوا: هي اسْتِئْنافِيَّةٌ جَعَلُوا مَعْنى التَّأْوِيلَ حَقِيقَةَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ وذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهو تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ ولَكِنَّهُ يُشْكَلُ عَلَيْهِ أمْرانِ: الأوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التَّفْسِيرُ عَلى أرْبَعَةِ أنْحاءٍ: تَفْسِيرُ: لا (p-١٩٤)يُعْذَرُ أحَدٌ في فَهْمِهِ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ مِن لُغاتِها، وتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. فَهَذا تَصْرِيحٌ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ لا ما تَئُولُ إلَيْهِ حَقِيقَةُ الأمْرِ. وَقَوْلُهُ هَذا يُنافِي التَّفْصِيلَ المَذْكُورَ. الثّانِيَ: أنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ في أوائِلِ السُّورِ لا يَعْلَمُ المُرادَ بِها إلّا اللَّهُ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أنَّهُ هو المُرادُ بِها مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ ولا مِن لُغَةِ العَرَبِ. فالجَزْمُ بِأنَّ مَعْناها كَذا عَلى التَّعْيِينِ تَحَكُّمٌ بِلا دَلِيلٍ. * * تَنْبِيهانِ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ فَإنَّ إعْرابَ جُمْلَةِ ”يَقُولُونَ“ مُسْتَشْكَلٌ مِن ثَلاثِ جِهاتِ: الأُولى أنَّها حالٌ مِنَ المَعْطُوفِ وهو الرّاسِخُونَ، دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو لَفْظُ الجَلالَةِ. والمَعْرُوفُ إتْيانُ الحالِ مِنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَعًا كَقَوْلِكِ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو راكِبَيْنِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] . وَهَذا الإشْكالُ ساقِطٌ؛ لِجَوازِ إتْيانِ الحالِ مِنَ المَعْطُوفِ فَقَطْ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ومِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، فَقَوْلُهُ صَفًّا حالٌ مِنَ المَعْطُوفِ وهو المَلَكُ، دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو لَفْظَةُ: رَبُّكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٠]، فَجُمْلَةُ يَقُولُونَ حالٌ مِن واوِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: الَّذِينَ جاءُوا، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩]، فَهو حالٌ مِنَ المَعْطُوفِ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما بَيَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ. الجِهَةُ الثّانِيَةُ مِن جِهاتِ الإشْكالِ المَذْكُورَةِ هي ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الخَطّابِيِّ قالَ عَنْهُ: واحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، فَقالَ مَعْناهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَهُ قائِلِينَ: (p-١٩٥)آمَنّا، وزَعَمَ أنَّ مَوْضِعَ يَقُولُونَ نَصْبٌ عَلى الحالِ، وعامَّةُ أهْلِ اللُّغَةِ يُنْكِرُونَهُ ويَسْتَبْعِدُونَهُ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تُضْمِرُ الفِعْلَ والمَفْعُولَ مَعًا، ولا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ، فَإذا لَمْ يَظْهَرْ فِعْلٌ فَلا يَكُونُ حالٌ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا يَعْنِي: أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ عَبْدُ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، فَكانَ يُصْلِحُ حالًا لَهُ كَقَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَنِيهِ أبُو عُمَرَ قالَ: أنْشَدَنا أبُو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ: [ الرَّجَزِ ] ؎أرْسَلْتُ فِيها قَطِمًا لُكالِكًا يُقَصِّرُ يَمْشِي ويَطُولُ بارِكًا أيْ يَقْصُرُ ماشِيًا وهَذا الإشْكالُ أيْضًا ساقِطٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ العامِلَ في الحالِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ مُضْمَرٍ؛ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ يَعْلَمُ ولَكِنَّ الحالَ مِنَ المَعْطُوفِ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما بَيَّنَهُ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ وهو واضِحٌ. الجِهَةُ الثّالِثَةُ مِن جِهاتِ الإشْكالِ المَذْكُورَةِ هي: أنَّ المَعْرُوفَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها ووَصْفٌ لِصاحِبِها، فَيُشْكَلُ تَقْيِيدُ هَذا العامِلِ الَّذِي هو يَعْلَمُ بِهَذِهِ الحالِ الَّتِي هي ﴿يَقُولُونَ آمَنّا﴾؛ إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ عِلْمِ الرّاسِخِينَ بِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِهِ﴾؛ لِأنَّ مَفْهُومَهُ أنَّهم في حالِ عَدَمِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وهو باطِلٌ، وهَذا الإشْكالُ قَوِيٌّ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى مَنعِ الحالِيَّةِ في جُمْلَةٍ يَقُولُونَ عَلى القَوْلِ بِالعَطْفِ. التَّنْبِيهُ الثّانِي: إذا كانَتْ جُمْلَةُ يَقُولُونَ: لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ حالًا لِما ذَكَرْنا فَما وجْهُ إعْرابِها عَلى القَوْلِ بِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ. الجَوابُ: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّها مَعْطُوفَةٌ بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ والعَطْفُ بِالحَرْفِ المَحْذُوفِ، أجازَهُ ابْنُ مالِكٍ وجَماعَةٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ. والتَّحْقِيقُ جَوازُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، والدَّلِيلِ عَلى جَوازِهِ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ. فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ الآيَةَ [الغاشية: ٨]، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ بِلا شَكٍّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [ ٨٨ ]، بِالحَرْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو الواوُ ويَدُلُّ لَهُ إثْباتُ الواوِ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”القِيامَةِ“: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ الآيَةَ [الحج:، ٢٤]، وقَوْلُهُ تَعالى في ”عَبَسَ“: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ الآيَةَ [غافر: ٣٨] . وَجَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ﴾ (p-١٩٦)الآيَةَ [التوبة: ٩٢]، قالَ: يَعْنِي وقُلْتَ: بِالعَطْفِ بِواوٍ مَحْذُوفَةٍ وهو أحَدُ احْتِمالاتٍ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ في [ المُغْنِي ]، وجَعَلَ بَعْضُهم مِنهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، عَلى قِراءَةِ فَتْحِ هَمْزَةِ إنْ قالَ: هو مَعْطُوفٌ بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، أيْ: وشَهِدَ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وهو أحَدُ احْتِمالاتٍ ذَكَرَها صاحِبُ ”المُغْنِي“ أيْضًا ومِنهُ حَدِيثُ: «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينارِهِ مِن دِرْهَمِهِ مِن صاعِ بُرِّهِ مِن صاعِ تَمْرِهِ» يَعْنِي ومِن دِرْهَمِهِ ومِن صاعٍ إلَخْ. حَكاهُ الأشْمُونِيُّ وغَيْرُهُ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ ومِن شَواهِدِ حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الخَفِيفِ ] ؎كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمّا ∗∗∗ يَغْرِسُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيمِ يَعْنِي: وكَيْفَ أمْسَيْتَ وقَوْلُ الحُطَيْئَةِ: [ البَسِيطِ ] إنَّ امْرَأً رَهْطُهُ بِالشّامِ مَنزِلُهُ بِرَمْلِ يَبْرِينَ جارٌ شَدَّ ما اغْتَرَبا أيْ: ومَنزِلُهُ بِرَمْلٍ يَبْرِينَ. وَقِيلَ: الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لا مَعْطُوفَةٌ وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ، ومِمَّنْ أجازَ العَطْفَ بِالحَرْفِ المَحْذُوفِ الفارِسِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ خِلافًا لِابْنِ جِنِّيِّ والسُّهَيْلِيِّ. وَلا شَكَّ أنَّ في القُرْآنِ أشْياءَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٥]، وكَمَفاتِحِ الغَيْبِ الَّتِي نَصَّ عَلى أنَّها لا يَعْلَمُها إلّا هو بِقَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٩] . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ الآيَةَ [ ٣١ ] . وكالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ وكَنَعِيمِ الجَنَّةِ • لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٧]، وفِيهِ أشْياءُ يَعْلَمُها الرّاسِخُونَ في العِلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، • وكَقَوْلِهِ: ﴿وَرُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]، والرُّسُوخُ والثُّبُوتُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلِ ] (p-١٩٧) ؎لَقَدْ رَسَخَتْ في القَلْبِ مِنِّي مَوَدَّةٌ ∗∗∗ لِلَيْلى أبَتْ آياتُها أنْ تُغَيَّرا ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٢٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِنَ القُرْآنِ مُحْكَمًا ومِنهُ مُتَشابِهًا. وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّهُ مُحْكَمٌ وآيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، أمّا الَّتِي تَدُلُّ عَلى إحْكامِهِ كُلِّهِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وأمّا الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ كُلِّهِ مُحْكَمًا، أنَّهُ في غايَةِ الإحْكامِ أيِ الإتْقانِ في ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ وإعْجازِهِ، أخْبارُهُ صِدْقٌ وأحْكامُهُ عَدْلٌ، لا تَعْتَرِيهِ وصْمَةٌ ولا عَيْبٌ، لا في الألْفاظِ ولا في المَعانِي. وَمَعْنى كَوْنِهِ مُتَشابِهًا، أنَّ آياتِهِ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا في الحُسْنِ والصِّدْقِ، والإعْجازِ والسَّلامَةِ مِن جَمِيعِ العُيُوبِ، ومَعْنى كَوْنِ بَعْضِهِ مُحْكَمًا وبَعْضِهِ مُتَشابِهًا، أنَّ المُحْكَمَ مِنهُ هو واضِحُ المَعْنى لِكُلِّ النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [ ١٧ ]، ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] . والمُتَشابِهُ هو ما خَفِيَ عَلِمُهُ عَلى غَيْرِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، بِناءً عَلى أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، عاطِفَةٌ أوْ هو ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، كَمَعانِي الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورِ بِناءً عَلى أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ.

آل عمران 3:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ لا تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم شَيْئًا، وذَكَرَ أنَّهم وقُودُ النّارِ أيْ: حَطَبُها الَّذِي تَتَّقِدُ فِيهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ نَفْيُهُ لِذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِدَعْواهم أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم تَنْفَعُهم، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُمُ ادَّعَوْا ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ ما أعْطاهُمُ الأمْوالَ والأوْلادَ في الدُّنْيا إلّا لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، وأنَّ الآخِرَةَ كالدُّنْيا يَسْتَحِقُّونَ فِيها ذَلِكَ أيْضًا فَكَذَّبَهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُمُ ادَّعَوْا ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ [مريم: ٧٧]، وقالَ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾، يَعْنِي في الآخِرَةِ كَما أُوتِيتُهُ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، أيْ: بِدَلِيلٍ ما أعْطانِي في الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، قِياسًا مِنهُ لِلْآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ كَوْنَهم وقُودَ النّارِ المَذْكُورَ هُنا عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦] .

آل عمران 3:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ذُنُوبُهُمُ الَّتِي أخَذَهُمُ اللَّهُ بِها. وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مِنهم قَوْمَ نُوحٍ، وقَوْمَ هُودٍ، وقَوْمَ صالِحٍ، وقَوْمَ لُوطٍ، (p-١٩٨)وَقَوْمَ شُعَيْبٍ؛ وأنَّ ذُنُوبَهُمُ الَّتِي أخَذَهم بِها هي الكُفْرُ بِاللَّهِ، وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي، كَعَقْرِ ثَمُودَ لِلنّاقَةِ، وكَلِواطِ قَوْمِ لُوطٍ، وكَتَطْفِيفِ قَوْمِ شُعَيْبٍ لِلْمِكْيالِ والمِيزانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ كَما جاءَ مُفَصَّلًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ في نُوحٍ وقَوْمِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ وكَقَوْلِهِ في قَوْمِ هُودٍ: ﴿إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤١]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وكَقَوْلِهِ في قَوْمِ صالِحٍ: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ الآيَةَ [هود: ٦٧]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وكَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ الآيَةَ [ ١٥ ]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وكَقَوْلِهِ في قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

آل عمران 3:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ آيَةٌ أيْ: عَلامَةٌ عَلى صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ إذْ لَوْ كانَ غَيْرَ حَقٍّ لَما غَلَبَتِ الفِئَةُ القَلِيلَةُ الضَّعِيفَةُ المُتَمَسِّكَةُ بِهِ الفِئَةَ الكَثِيرَةَ القَوِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَتَمَسَّكْ بِهِ. وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ بَيِّنَةٌ أيْ: لا لَبْسَ في الحَقِّ مَعَها وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . وَصَرَّحَ أيْضًا بِأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ فُرْقانٌ فارِقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١] .

آل عمران 3:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَمْ يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ الأنْعامِ مِنَ الأصْنافِ. وَلَكِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّها ثَمانِيَةُ أصْنافٍ هي الجَمَلُ، والنّاقَةُ، والثَّوْرُ، والبَقَرَةُ، والكَبْشُ، والنَّعْجَةُ، والتَّيْسُ، والعَنْزُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ثُمَّ بَيَّنَ الأنْعامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، يَعْنِي الكَبْشَ والنَّعْجَةَ: ﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾، يَعْنِي: التَّيْسَ والعَنْزَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] يَعْنِي: الجَمَلَ والنّاقَةَ، ﴿وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾، يَعْنِي: الثَّوْرَ والبَقَرَةَ وهَذِهِ الثَّمانِيَةُ هي المُرادَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ (p-١٩٩)الآيَةَ [الشورى: ١١] . تَنْبِيهٌ: رُبَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ لَفْظَ النَّعَمِ عَلى خُصُوصِ الإبِلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «مِن حُمُرِ النَّعَمِ» يَعْنِي: الإبِلَ. وقَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [ الوافِرِ ] ؎وَكانَتْ لا يَزالُ بِها أنِيسٌ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وشاءُ أيْ: إبِلٌ وشاءُ.

آل عمران 3:28

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ. (p-٢٣٠)هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُوهِمُ أنَّ اتِّخاذَ الكُفّارِ أوْلِياءَ، إذا لَمْ يَكُنْ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، لا بَأْسَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ . وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى مَنعِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥٧] . والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لا مَفْهُومَ لَهُ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ دَلِيلَ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ لَهُ مَوانِعُ تَمْنَعُ اعْتِبارَهُ، مِنها كَوْنُ تَخْصِيصِ المَنطُوقِ بِالذِّكْرِ لِأجْلِ مُوافَقَتِهِ لِلْواقِعِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ والَوُا اليَهُودَ دُونَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ناهِيَةً عَنِ الصُّورَةِ الواقِعَةِ مِن غَيْرِ قَصْدِ التَّخْصِيصِ بِها، بَلْ مُوالاةُ الكُفّارِ حَرامٌ مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اتِّباعَ نَبِيِّهِ مُوجِبٌ لِمَحَبَّتِهِ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ المُتَّبِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ هي عَيْنُ طاعَتِهِ تَعالى، وصَرَّحَ بِهَذا المَدْلُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عَلامَةَ المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ هي اتِّباعُهُ ﷺ، فالَّذِي يُخالِفُهُ ويَدَّعِي أنَّهُ يُحِبُّهُ فَهو كاذِبٌ مُفْتَرٍ؛ إذْ لَوْ كانَ مُحِبًّا لَهُ لَأطاعَهُ، ومِنَ المَعْلُومِ عِنْدَ العامَّةِ أنَّ المَحَبَّةَ تَسْتَجْلِبُ الطّاعَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الكامِلِ ] ؎لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ وَقَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: [ المُتَقارِبِ ] ؎وَمَن لَوْ نَهانِي مِن حُبِّهِ ∗∗∗ عَنِ الماءِ عَطْشانَ لَمْ أشْرَبِ وَقَدْ أجادَ مَن قالَ: [ البَسِيطِ ] ؎قالَتْ: وقَدْ سَألَتْ عَنْ حالِ عاشِقِها ∗∗∗ بِاللَّهِ صِفْهُ ولا تَنْقُصْ ولا تَزِدِ ؎فَقُلْتُ: لَوْ كانَ رَهْنَ المَوْتِ مِن ظَمَأٍ ∗∗∗ وقُلْتِ: قِفْ عَنْ وُرُودِ الماءِ لَمْ يَرِدِ

آل عمران 3:38

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَكٌّ في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُرْزُقَهُ الوَلَدَ عَلى ما كانَ مِنهُ مِن كِبَرِ السِّنِّ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي﴾ عاقِرٌ الآيَةَ [آل عمران: ٤٠] . والجَوابُ عَنْ هَذا بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ مِن أنَّ زَكَرِيّا لَمّا نادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ: أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، قالَ لَهُ الشَّيْطانُ لَيْسَ هَذا نِداءُ المَلائِكَةِ، وإنَّما هو نِداءُ الشَّيْطانِ فَداخَلَ زَكَرِيّا الشَّكُّ في أنَّ النِّداءَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النّاشِئِ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ قَبْلَ أنْ يَتَيَقَّنَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ولِذا طَلَبَ الآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤١] . الثّانِي: أنَّ اسْتِفْهامَهُ اسْتِفْهامُ اسْتِعْلامٍ واسْتِخْبارٍ، لِأنَّهُ لا يَدْرِي هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالوَلَدِ مِن زَوْجِهِ العَجُوزِ أمْ يَأْمُرُهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَ شابَّةً أوْ يَرُدُّهُما شابَّيْنِ. (p-٢٣١)الثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِفْهامُ اسْتِعْظامٍ وتَعَجُّبٍ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

آل عمران 3:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَدْرَ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ أنَّهُ بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، والعِتِيُّ: اليُبْسُ والقُحُولُ في المَفاصِلِ (p-٢٠٠)والعِظامِ مِن شِدَّةِ الكِبَرِ. وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“: وكُلُّ مُتَناهٍ إلى غايَتِهِ في كِبْرٍ أوْ فَسادٍ أوْ كُفْرٍ فَهو عاتٍ، وعاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى عَنْ زَكَرِيّا: ﴿امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ كانَتْ كَذَلِكَ أيّامَ شَبابِها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ أنَّها كانَتْ كَذَلِكَ قَبْلَ كِبَرِها بِقَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ الآيَةَ.

آل عمران 3:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هَلِ المانِعُ لَهُ مِن كَلامِ النّاسِ بُكْمٌ طَرَأ لَهُ، أوْ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ، أوْ لا مانِعَ لَهُ إلّا اللَّهُ وهو صَحِيحٌ لا عِلَّةَ لَهُ. وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ وأنَّ انْتِفاءَ التَّكَلُّمِ عَنْهُ لا لِبُكْمٍ، ولا مَرَضٍ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ سَوِيًّا حالٌ مِن فاعِلِ تُكَلِّمَ مُفِيدٌ لِكَوْنِ انْتِفاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الإعْجازِ وخَرْقِ العادَةِ، لا لِاعْتِقالِ اللِّسانِ بِمَرَضٍ، أيْ: يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ تَكْلِيمُهم ولا تُطِيقُهُ، في حالِ كَوْنِكَ سَوِيَّ الخَلْقِ سَلِيمَ الجَوارِحِ، ما بِكَ شائِبَةٌ بُكْمٌ ولا خَرَسٌ، وهَذا ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١] . وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ سَوِيًّا عائِدٌ إلى اللَّيالِي. أيْ: كامِلاتٍ مُسْتَوِياتٍ، فَيَكُونُ صِفَةَ الثَّلاثِ، وعَلَيْهِ فَلا بَيانَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِآيَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .

آل عمران 3:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي أُطْلِقَتْ عَلى عِيسى؛ لِأنَّها هي السَّبَبُ في وُجُودِهِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ مُسَبِّبِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها لَفْظَةُ كُنْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقِيلَ: الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لَها بِأنَّها سَتَلِدُهُ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والأوَّلُ قَوْلُ الجُمْهُورِ.

آل عمران 3:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما كَلَّمَهم بِهِ في المَهْدِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ‎وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ \ ٣٣] .

آل عمران 3:47

(p-٢٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى قِصَّةِ حَمْلِها بِعِيسى وبَسْطِها مُبَيَّنَةً في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ الآيَةَ [النحل: ١٧] . إلى آخَرِ القِصَّةِ وبَيَّنَ النَّفْخَ فِيها في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ و ”الأنْبِياءِ“، مُعَبِّرًا في التَّحْرِيمِ بِالنَّفْخِ في فَرْجِها، وفي ”الأنْبِياءِ“ بِالنَّفْخِ فِيها.

آل عمران 3:49

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ يُوهِمُ ظاهِرُها أنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ رُبَّما خَلَقَ بَعْضُهم، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٧] . وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ مَعْنى خَلْقِ عِيسى كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ هو: أخْذُهُ شَيْئًا مِنَ الطِّينِ وجَعْلُهُ إيّاهُ عَلى هَيْئَةِ - أيْ صُورَةِ - الطَّيْرِ ولَيْسَ المُرادُ الخَلْقَ الحَقِيقِيَّ لِأنَّ اللَّهَ مُتَفَرِّدٌ بِهِ جَلَّ وعَلا، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾: مَعْناهُ تَكْذِبُونَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الآياتِ كَما هو ظاهِرٌ.

آل عمران 3:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الحِكْمَةَ في ذِكْرِ قِصَّةِ الحَوارِيِّينَ مَعَ عِيسى، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”الصَّفِّ“ أنَّ حِكْمَةَ ذِكْرِ قِصَّتِهِمْ هي أنْ تَتَأسّى بِهِمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ في نُصْرَةِ اللَّهِ ودِينِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [ ١٤ ] .

آل عمران 3:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَكْرَ اليَهُودِ بِعِيسى، ولا مَكْرَ اللَّهِ بِاليَهُودِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ مَكْرَهم بِهِ مُحاوَلَتُهم قَتْلَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]، وبَيَّنَ أنَّ مَكْرَهُ بِهِمْ إلْقاؤُهُ الشَّبَهُ عَلى غَيْرِ عِيسى وإنْجاؤُهُ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] .

آل عمران 3:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أيْ مُنْجِيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ في تِلْكَ النَّوْمَةِ ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا التَّفْسِيرِ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها إطْلاقُ الوَفاةِ عَلى النَّوْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٠]، وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِها وفاةُ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ. وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٩] . عَلى ما فَسَّرَها بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ وأبُو مالِكٍ والحُسْنُ وقَتادَةُ وابْنُ. . . . . . وأبُو هُرَيْرَةَ، ودَلَّتْ عَلى صِدْقِهِ الأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ، بِأنَّهُ الحَقُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ مَوْتِ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ. والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الوَقْتِ، ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قَدْ مَضى وهو مُتَوَفِّيهِ قَطْعًا يَوْمًا ما، ولَكِنْ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ قَدْ مَضى، وأمّا (p-٢٣٢)عَطْفُهُ: ”وَرافِعُكَ“ إلى قَوْلِهِ: ”مُتَوَفِّيكَ“، فَلا دَلِيلَ فِيهِ لِإطْباقِ جُمْهُورِ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ولا الجَمْعَ، وإنَّما تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ. وَقَدِ ادَّعى السِّيرافِيُّ والسُّهَيْلِيُّ إجْماعَ النُّحاةِ عَلى ذَلِكَ، وعَزاهُ الأكْثَرُ لِلْمُحَقِّقِينَ وهو الحَقُّ. خِلافًا لِما قالَهُ قُطْرُبٌ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ وأبُو عُمَرَ والزّاهِدُ وهُشامٌ والشّافِعِيُّ مِن أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها فِيهِ. وَقَدْ أنْكَرَ السِّيرافِيُّ ثُبُوتَ هَذا القَوْلِ عَنِ الفَرّاءِ وقالَ: لَمْ أجِدْهُ في كِتابِهِ. وَقالَ ولِيُّ الدِّينِ: أنْكَرَ أصْحابُنا نِسْبَةَ هَذا القَوْلِ إلى الشّافِعِيِّ، حَكاهُ عَنْهُ صاحِبُ الضِّياءِ اللّامِعِ. وَقَوْلُهُ ﷺ: «ابْدَأْ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» يَعْنِي الصَّفا لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى اقْتِضائِها التَّرْتِيبَ، وبَيانُ ذَلِكَ هو ما قالَهُ الفِهْرِيُّ كَما ذَكَرَ عَنْهُ صاحِبُ الضِّياءِ اللّامِعِ وهو أنَّها كَما أنَّها لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ولا المَعِيَّةَ فَكَذَلِكَ لا تَقْتَضِي المَنعَ مِنهُما، فَقَدْ يَكُونُ العَطْفُ بِها مَعَ قَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨] . بِدَلِيلِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، وقَدْ يَكُونُ المَعْطُوفُ بِها مُرَتَّبًا كَقَوْلِ حَسّانَ: ؎هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ عَلى رِوايَةِ الواوِ وقَدْ يُرادُ بِها المَعِيَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ولَكِنْ لا تُحْمَلُ عَلى التَّرْتِيبِ ولا عَلى المَعِيَّةِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى ”مُتَوَفِّيكَ“ أيْ: مُنِيمُكَ ”وَرافِعُكَ إلَيَّ“، أيْ: في تِلْكَ النَّوْمَةِ. وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الوَفاةِ عَلى النَّوْمِ في قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] . وَعَزا ابْنُ كَثِيرٍ هَذا القَوْلَ لِلْأكْثَرِينَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ وقَوْلِهِ ﷺ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحْيانا بَعْدَما أماتَنا» . . . . . الحَدِيثَ. (p-٢٣٣)الوَجْهُ الثّالِثُ: إنَّ ”مُتَوَفِّيكَ“ اسْمُ فاعِلٍ تَوَفّاهُ إذا قَبَضَهُ وحازَهُ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: تَوَفّى فَلانٌ دَيْنَهُ، إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَعْنى ”مُتَوَفِّيكَ“ عَلى هَذا قابِضُكَ مِنهم إلَيَّ حَيًّا. وَهَذا القَوْلُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وأمّا الجَمْعُ بِأنَّهُ تَوَفّاهُ ساعاتٍ أوْ أيّامًا، ثُمَّ أحْياهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ، وقَدْ نَهى ﷺ عَنْ تَصْدِيقِها وتَكْذِيبِها.

آل عمران 3:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما وجْهُ مَحاجَّتِهِمْ في إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ مَحاجَّتَهم في إبْراهِيمَ هي قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّهُ يَهُودِيٌّ، والنَّصارى: إنَّهُ نَصْرانِيٌّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، (p-٢٠٢)وَأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٦٦ \ ٦٧] .

آل عمران 3:67

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا يَوْمًا ما، لِأنَّ نَفْيَ الكَوْنِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الزَّمَنِ الماضِي كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٥] . وَقَدْ جاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: - ٧٨] . وَمَن ظَنَّ رُبُوبِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ فَهو مُشْرِكٌ بِاللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ مُناظِرٌ لا ناظِرٌ ومَقْصُودُهُ التَّسْلِيمُ الجَدَلِيُّ أيْ: هَذا رَبِّي عَلى زَعْمِكُمُ الباطِلِ، والمُناظِرُ قَدْ يُسَلِّمُ المُقَدِّمَةَ الباطِلَةَ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا لِيُفْحِمَ بِذَلِكَ خَصْمَهُ. فَلَوْ قالَ لَهم إبْراهِيمُ في أوَّلِ الأمْرِ: الكَوْكَبُ مَخْلُوقٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رَبًّا، لَقالُوا لَهُ، كَذَبْتَ، بَلِ الكَوْكَبُ رَبٌّ ومِمّا يَدُلُّ لِكَوْنِهِ مُناظِرًا لا ناظِرًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] . وَهَذا الوَجْهُ هو الأظْهَرُ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُناظِرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٣٤)﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] . لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى التَّحْقِيقِ لِأنَّ الرُّسُلَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ تَواضُعًا وإظْهارًا لِالتِجائِهِمْ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقَوْلِهِ هو وإسْماعِيلُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٨] . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ حَذْفَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْها جائِزٌ، وهو قِياسِيٌّ عِنْدَ الأخْفَشِ مَعَ أمْ ودُونَها ذَكَرَ الجَوابَ أمْ لا، فَمِن أمْثِلَتِهِ دُونَ أمْ ودُونَ ذِكْرِ الجَوابِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ ولا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ يَعْنِي أوَ ذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ ؟ وقَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ واسْمُهُ خُوَيْلِدٌ: ؎رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ يَعْنِي أهم هم، كَما هو الصَّحِيحُ، وجَزَمَ بِهِ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ. وَمِن أمْثِلَتِهِ دُونَ أمْ مَعَ ذِكْرِ الجَوابِ، قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا ∗∗∗ عَدَدَ النَجْمِ والحَصى والتُّرابِ يَعْنِي أتُحِبُّها عَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ وهو مَعَ أمْ كَثِيرٌ جِدًّا، ومِن أمْثِلَتِهِ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ التَّمِيمِيِّ وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِذَلِكَ: ؎لَعَمْرُكِ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيا ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ يَعْنِي أشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ ؟ وقَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎بَدا لِيَ مِنها مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ∗∗∗ وكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنانِ ؎فَواللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لِحاسِبٌ ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ يَعْنِي أبِسَبْعٍ، وقَوْلُ الأخْطَلِ: ؎كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ ∗∗∗ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا (p-٢٣٥)يَعْنِي أكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ ؟ كَما نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في بَيْتِ الأخْطَلِ هَذا وإنْ خالَفَ الخَلِيلَ زاعِمًا أنَّ كَذَبَتْكَ صِيغَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وأنَّ أمْ بِمَعْنى بَلْ، فَفي البَيْتِ عَلى قَوْلِ الخَلِيلِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ، يُسَمّى بِالرُّجُوعِ عِنْدَ البَلاغِيِّينَ. وَقَوْلُ الخَنْساءِ: ؎قَذًى بِعَيْنَيْكَ أمْ بِالعَيْنِ عُوّارُ ∗∗∗ أمْ خَلَتْ إذْ أقْفَرَتْ مِن أهْلِها الدّارُ تَعْنِي أقَذًى بِعَيْنَيْكَ ؟ وقَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ الأنْصارِيِّ: ؎وَما تَدْرِي وإنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ∗∗∗ لِغَيْرِكَ أمْ يَكُونُ لَكَ الفَصِيلُ يَعْنِي ألِغَيْرِكَ ؟ وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ∗∗∗ وماذا عَلَيْكَ بِأنْ تَنْتَظِرْ يَعْنِي أتَرُوحُ ؟ . وَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَرِينَةُ الِاسْتِفْهامِ المَحْذُوفِ عُلُوُّ مَقامِ إبْراهِيمَ عَنْ ظَنِّ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ وشَهادَةُ القُرْآنِ لَهُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ، والآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ تُشْبِهُ قِراءَةَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَظِيرُها عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [ ٢١ ] يَعْنِي أفْهُمُ الخالِدُونَ ؟ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها﴾ [الشعراء: ٢٢]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ. وَما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ غَيْرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَهو راجِعٌ إلَيْهِما كالقَوْلِ بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ يَقُولُ الكُفّارُ هَذا رَبِّي، فَإنَّهُ راجِعٌ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ. وَأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ونَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ إبْراهِيمَ كانَ ناظِرًا يَظُنُّ رُبُوبِيَّةَ الكَوْكَبِ فَهو ظاهِرُ الضَّعْفِ، لِأنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ تَرُدُّهُ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] . • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . (p-٢٣٦) وَقَدْ بَيَّنَ المُحَقِّقُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ رَدَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِهَذِهِ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وأمْثالِها، والأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى مُقْتَضاها كَقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» الحَدِيثَ.

آل عمران 3:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَعْنِي إذا أخَّرُوا التَّوْبَةَ إلى حُضُورِ المَوْتِ فَتابُوا حِينَئِذٍ، وهَذا التَّفْسِيرُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] . وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، ولا سِيَّما إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ كَما هُنا. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم لَنْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ حَتّى تُقْبَلَ مِنهم ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَعَدَمُ غُفْرانِهِ لَهم لِعَدَمِ هِدايَتِهِمُ السَّبِيلَ الَّذِي يَغْفِرُ لِصاحِبِهِ ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ إيمانِهِمُ المُزْدادِينَ كُفْرًا لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهم إذا تابُوا لِأنَّهُ عَبَّرَ بِلَنِ الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ كُلِّ تائِبٍ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . فَإنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ مَقْبُولَةٌ مِن كَلِّ تائِبٍ، وصَرَّحَ تَعالى بِدُخُولِ المُرْتَدِّينَ في قَبُولِ التَّوْبَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مُباشَرَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] . فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ راجِعٌ إلى المُرْتَدِّينَ بَعْدَ الإيمانِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ واللَّعْنَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٧] . لِأنَّ مَفْهُومَهُ أنَّهُ تابَ قَبْلَ المَوْتِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا، والجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ ونَقَلَهُ عَنْ رُفَيْعٍ أبِي العالِيَةِ أنَّ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اليَهُودِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِما أصابُوا مِنَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أصابُوها في كُفْرِهِمْ حَتّى يَتُوبُوا مِن كُفْرِهِمْ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَتَهم مَعَ بَقائِهِما عَلى ارْتِكابِ الضَّلالِ وعَدَمُ قَبُولِها حِينَئِذٍ ظاهِرٌ. (p-٢٣٧)الثّانِي: وهو أقْرَبُها عِنْدِي، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ يَعْنِي إذْ تابُوا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الكافِرَ الَّذِي لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ هو الَّذِي يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ حَتّى يَحْضُرَهُ المَوْتُ فَيَتُوبُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] . فَجُعِلَ التّائِبُ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ والمَيِّتُ عَلى كُفْرِهِ سَواءً. وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٥] . وَقَوْلِهِ في فِرْعَوْنَ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] . فالإطْلاقُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ يُقَيَّدُ بِقَيْدِ تَأْخِيرِ التَّوْبَةِ إلى حُضُورِ المَوْتِ لِوُجُوبِ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ في وقْتِ نَفْعِها ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا الوَجْهَ الثّانِي الَّذِي هو التَّقْيِيدُ بِحُضُورِ المَوْتِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ. الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أيْ إيمانُهُمُ الأوَّلُ، لِبُطْلانِهِ بِالرِّدَّةِ بَعْدَهُ، ونَقْلٌ خَرَّجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ ولا يَخْفى ضِعْفُ هَذا القَوْلِ وبُعْدُهُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ. الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَتّى تُقْبَلَ مِنهم، ويَدُلَّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] . فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ غُفْرانِهِ لَهم لِعَدَمِ تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ والهُدى. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨] . (p-٢٣٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦] . وَنَظِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أيْ لا شَفاعَةَ لَهم أصْلًا حَتّى تَنْفَعَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١١٧] . لِأنَّ الإلَهَ الآخَرَ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ أصْلًا، حَتّى يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ أوْ لا يَقُومَ عَلَيْهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مِثْلُ هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ النُّظّارِ، بِقَوْلِهِمُ السّالِبَةُ لا تَقْضِي بِوُجُودِ المَوْضُوعِ، وإيضاحُهُ أنَّ القَضِيَّةَ السّالِبَةَ عِنْدَهم صادِقَةٌ في صُورَتَيْنِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها عَدَمُ اتِّصافِ المَوْضُوعِ بِالمَحْمُولِ وعَدَمُ اتِّصافِهِ بِهِ يَتَحَقَّقُ في صُورَتَيْنِ: الأُولى: أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ مَوْجُودًا إلّا أنَّ المَحْمُولَ مُنْتَفٍ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ الإنْسانُ بِحَجَرٍ، فالإنْسانُ مَوْجُودٌ والحَجَرِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ. والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ مِن أصْلِهِ مَعْدُومًا لِأنَّهُ إذا عَدِمَ تَحَقَّقَ عَدَمُ اتِّصافِهِ بِالمَحْمُولِ المَوْجُودِيِّ، لِأنَّ العَدَمَ لا يَتَّصِفُ بِالوُجُودِ كَقَوْلِكَ: لا نَظِيرَ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فَإنَّ المَوْضُوعَ الَّذِي هو النَّظِيرُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا مِن أصْلِهِ، وإذا تَحَقَّقَ عَدَمُهُ تَحَقَّقَ انْتِفاءُ اتِّصافِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ضَرُورَةً وهَذا النَّوْعُ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ومِن شَواهِدِهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ إذا سافَهُ العَوْدُ النُّباطِيُّ جَرْجَرا لِأنَّ المَعْنى عَلى لاحِبٍ لا مَنارَ لَهُ أصْلًا حَتّى يُهْتَدى بِهِ. وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ لِأنَّهُ يَصِفُ فَلاةً بِأنَّها لَيْسَ فِيها أرانِبُ ولا ضِبابٌ حَتّى تُفْزِعَ أهْوالُها الأرْنَبَ، أوْ يَنْجَحِرَ فِيها الضَّبُّ أيْ يَدْخُلُ الجُحْرَ أوْ يَتَّخِذُهُ، وقَدْ أوْضَحْتُ مَسْألَةَ أنَّ السّالِبَةَ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ في أُرْجُوزَتِي في المَنطِقِ في مَبْحَثِ انْحِرافِ السُّوَرِ، وأوْضَحْتُ فِيها أيْضًا في مَبْحَثِ التَّحْصِيلِ والعُدُولِ أنَّ مِنَ المُوجِباتِ ما لا يَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ نَحْوَ: بَحْرٌ مِن زِئْبَقٍ مُمْكِنٌ، والمُسْتَحِيلُ مَعْدُومٌ فَإنَّها مُوجِبَتانِ ومَوْضُوعُ كُلٍّ مِنهُما مَعْدُومٌ، وحَرَّرْنا (p-٢٣٩)هُناكَ التَّفْصِيلَ فِيما يَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ وما لا يَقْتَضِيهِ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْنا مِن أنَّ المُرْتَدَّ إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ولَوْ بَعْدَ تَكَرُّرِ الرِّدَّةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ أوْ أكْثَرَ، لا مُنافاةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ: مِن أنَّ المُرْتَدَّ إذا تَكَرَّرَ مِنهُ ذَلِكَ يُقْتَلُ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هَذا الخِلافَ في تَحْقِيقِ المَناطِ مَعَ اتِّفاقِهِما عَلى أصْلِ المَناطِ، وإيضاحُهُ أنَّ المَناطَ مَكانُ النَّوْطِ وهو التَّعْلِيقُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والمُرادُ بِهِ مَكانُ تَعْلِيقِ الحُكْمِ، وهو العِلَّةُ فالمَناطُ والعِلَّةُ مُتَرادِفانِ اصْطِلاحًا إلّا أنَّهُ غَلَبَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ المَناطِ في المَسْلَكِ الخامِسِ مِن مَسالِكَ العِلَّةِ، الَّذِي هو المُناسَبَةُ والإحالَةُ فَإنَّهُ يُسَمّى تَخْرِيجَ المَناطِ وكَذَلِكَ في المَسْلَكِ التّاسِعِ الَّذِي هو تَنْقِيحُ المَناطِ، فَتَخْرِيجُ المَناطِ هو اسْتِخْراجُ العِلَّةِ بِمَسْلَكِ المُناسَبَةِ والإحالَةِ، وتَنْقِيحُ المَناطِ هو تَصْفِيَةُ العِلَّةِ وتَهْذِيبُها حَتّى لا يَخْرُجَ شَيْءٌ صالِحٌ لَها ولا يَدْخُلَ شَيْءٌ غَيْرُ صالِحٍ لَها، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ، وأمّا تَحْقِيقُ المَناطِ وهو الغَرَضُ هُنا فَهو أنْ يَكُونَ مَناطُ الحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ. إلّا أنَّ أحَدَهُما يَقُولُ هو مَوْجُودٌ في هَذا الفَرْعِ. والثّانِي: يَقُولُ: لا ومِثالُهُ الِاخْتِلافُ في قَطْعِ النَّبّاشِ، فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يُوافِقُ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ هي مُناطُ القَطْعِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَناطُ في النَّبّاشِ لِأنَّهُ غَيْرُ سارِقٍ، بَلْ هو آخِذُ مالٍ عارِضٍ لِلضَّياعِ كالمُلْتَقَطِ مِن غَيْرِ حِرْزٍ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ مُرادَ القائِلِينَ أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، أنَّ أفْعالَهُ دالَّةٌ عَلى خُبْثِ نِيَّتِهِ وفَسادِ عَقِيدَتِهِ وأنَّهُ لَيْسَ تائِبًا في الباطِلِ تَوْبَةً نَصُوحًا فَهم مُوافِقُونَ عَلى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَناطِ القَبُولَ كَما ذَكَرْنا، ولَكِنْ يَقُولُونَ أفْعالُ هَذا الخَبِيثِ دَلَّتْ عَلى عَدَمِ تَحْقِيقِ المَناطِ. وَمِن هُنا اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ أعْنِي المُسْتَسِرَّ بِالكُفْرِ، فَمِن قائِلٍ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ومِن قائِلٍ تُقْبَلُ ومِن مُفَرِّقٍ بَيْنَ إتْيانِهِ تائِبًا قَبْلَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وبَيْنَ الِاطِّلاعِ عَلى نِفاقِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في فُرُوعِ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ يُقْتَلُ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ يَرَوْنَ أنَّ نِفاقَهُ الباطِلَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ تَقِيَّةٌ لا حَقِيقَةٌ واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] . (p-٢٤٠)فَقالُوا: الإصْلاحُ شَرْطٌ والزِّنْدِيقُ لا يُطَّلَعُ عَلى إصْلاحِهِ، لِأنَّ الفَسادَ إنَّما أتى مِمّا أسَرَّهُ فَإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ وأظْهَرَ الإقْلاعَ لَمْ يَزَلْ في الباطِنِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أدِلَّةَ القائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ مُطْلَقًا أظْهَرُ وأقْوى، كَقَوْلِهِ ﷺ لِأُسامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»، وقَوْلِهِ لِلَّذِي سارَّهُ في قَتْلِ رَجُلٍ قالَ: «ألَيْسَ يُصَلِّي ؟ قالَ: بَلى. قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِهِمْ»، وقَوْلِهِ لِخالِدٍ لَمّا اسْتَأْذَنَهُ في قَتْلِ الَّذِي أنْكَرَ القِسْمَةَ: «إنِّي لِمَ أُومَرْ بِأنْ أنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ» وهَذِهِ الأحادِيثُ في الصَّحِيحِ ويَدُلُّكَ لِذَلِكَ أيْضًا إجْماعُهم عَلى أنَّ أحْكامَ الدُّنْيا عَلى الظّاهِرِ، واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ. وَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّ الأيْمانَ الكاذِبَةَ جُنَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ في الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥] . • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥٦] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم مِن قَتْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِابْنِ النَّوّاحَةِ صاحِبِ مُسَيْلِمَةَ فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَتَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ جاءَهُ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةَ: «لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ» فَقَتَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ ﷺ . فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قَتَلَهُ لِذَلِكَ فَإنْ قِيلَ هَذِهِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ أخَصُّ مِن غَيْرِها لِأنَّ فِيها القَيْدَ بِالرِّدَّةِ وازْدِيادِ الكُفْرِ، فالَّذِي تَكَرَّرَتْ مِنهُ الرِّدَّةُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ المُرْتَدِّ، والدَّلِيلُ عَلى الأعَمِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلى الأخَصِّ لِأنَّ وُجُودَ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الأخَصِّ. فالجَوابُ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الكُفْرُ، إذا أخْلَصَ في الإنابَةِ إلى اللَّهِ، ووَجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٧] . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُنافِقِينَ داخِلُونَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٨] . وَدَلالَةُ الِاقْتِرانِ وإنْ ضَعَّفَها الأُصُولِيُّونَ فَقَدْ صَحَّحَتْها جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ولا سِيَّما إذا اعْتَضَدَتْ بِالأدِلَّةِ القَرِينَةُ عَلَيْها كَما هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٤١)﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى دُخُولِهِمْ في المُرادِ بِالآيَةِ، بَلْ كَوْنُها في خُصُوصِهِمْ قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، فَإذا حَقَّقَتْ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ مَن أخْلَصَ التَّوْبَةَ مِنَ المُنافِقِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٧] . وَقَدْ كانَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] . فَتابَ إلى اللَّهِ بِإخْلاصٍ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٦]، فَتَحَصَّلَ أنَّ القائِلِينَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ الرِّدَّةُ، يَعْنُونَ الأحْكامَ الدُّنْيَوِيَّةَ ولا يُخالِفُونَ في أنَّهُ إذا أخْلَصَ التَّوْبَةَ إلى اللَّهِ قَبِلَها مِنهُ، لِأنَّ اخْتِلافَهم في تَحْقِيقِ المَناطِ كَما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ الآيَةَ، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُقْبَلُ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ. وَصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ لَوْ زِيدَ بِمِثْلِهِ لا يُقْبَلُ مِنهُ أيْضًا • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّهُ لا يُقْبَلُ فِداءٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنهم بَتاتًا • كَقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، والعَدْلُ: الفِداءُ.

آل عمران 3:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وأنَّ كُفْرَ مَن كَفَرَ مِنهم لا يَضُرُّهُ شَيْئًا، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، • كَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّهِ مُوسى: ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، (p-٢٠٣) • وَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فاللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَأْمُرُ الخَلْقَ ويَنْهاهم لا لِأنَّهُ تَضُرُّهُ مَعْصِيَتُهم، ولا تَنْفَعُهُ طاعَتُهم، بَلْ نَفْعُ طاعَتِهِمْ لَهم وضَرَرُ مَعْصِيَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]، وقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] . وَثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «يا عِبادِي، لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنكم ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا، يا عِبادِي، لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» الحَدِيثَ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَحُجَّ كافِرٌ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ. وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أوْجُهٌ لِلْعُلَماءِ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيْ: ومَن جَحَدَ فَرِيضَةَ الحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وبِهِ قالَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُ واحِدٍ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ مِن أنَّهُما قالا لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالَتِ اليَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَقالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنا، وأبَوْا أنْ يَحُجُّوا» . قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] . (p-٢٠٤)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، أيْ: ومَن لَمْ يَحُجَّ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ البالِغِ في الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدادِ الثّابِتِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ حِينَ سَألَهُ عَنْ قَتْلِ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ قَطَعَ يَدَهُ في الحَرْبِ: «لا تَقْتُلْهُ، فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وإنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ» . الوَجْهُ الثّالِثُ: حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها وأنَّ مَن لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً، ولَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَلا يَضُرُّهُ، ماتَ يَهُودِيًّا، أوْ نَصْرانِيًّا؛ وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾» [آل عمران: ٩٧] . رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ في إسْنادِهِ هِلالَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الباهِلِيِّ، وهِلالٌ هَذا. قالَ التِّرْمِذِيُّ: مَجْهُولٌ، وقالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وفي إسْنادِهِ أيْضًا الحارِثُ الَّذِي رَواهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ. وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هَذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. انْتَهى بِالمَعْنى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ: في ”الكافِي الشّافِ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ“: في هَذا الحَدِيثِ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن رِوايَةِ هِلالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الباهِلِيِّ، حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: «مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلى بَيْتِ اللَّهِ، ولَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» . وَقالَ: غَرِيبٌ وفي إسْنادِهِ مَقالٌ، وهِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، والحارِثُ يُضَعَّفُ، وأخْرَجَهُ البَزّارُ مِن هَذا الوَجْهِ، وقالَ: لا نَعْلَمُهُ عَنْ عَلِيٍّ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، والعَقِيلِيُّ في تَرْجَمَةِ هِلالٍ، ونَقْلًا عَنِ البُخارِيِّ أنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“: تَفَرَّدَ بِهِ هِلالٌ ولَهُ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ، أخْرَجَهُ الدّارِمِيُّ بِلَفْظِ: ”«مَن لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الحَجِّ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ، أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ، أوْ مَرَضٌ حابِسٌ، فَماتَ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا، أوْ إنْ شاءَ نَصْرانِيًّا“، أخْرَجَهُ» مِن رِوايَةِ شَرِيكٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ عَنْهُ، ومِن هَذا الوَجْهِ أخْرَجَهُ (p-٢٠٥)البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ أبا أُمامَةَ وأوْرَدَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في ”المَوْضُوعاتِ“ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ، وابْنُ عَدِيٍّ وأوْرَدَهُ في ”الكامِلِ“ في تَرْجَمَةِ أبِي المَهْزُومِ يَزِيدَ بْنِ سُفْيانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، ونَقَلَ عَنِ القَلّاسِ أنَّهُ كَذَّبَ أبا المَهْزُومِ، وهَذا مِن غَلَطِ ابْنِ الجَوْزِيِّ في تَصَرُّفِهِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى أبِي أُمامَةَ لَيْسَ فِيها مَنِ اتُّهِمَ بِالكَذِبِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: مَن أطاقَ الحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَواءٌ ماتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ الآيَةَ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وَقالَ بَعْضُهم: هي مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ مِنها فَقَوْلُهُ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾، أيْ: بِقَدْرِ الطّاقَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى التَّشْدِيدِ البالِغِ في تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، والجَوابُ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ آيَةَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾، ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةَ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وقَتادَةُ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. الثّانِي: أنَّها مُبَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ بِها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما بَلَغَتْهُ مُعاداتُهم مِنَ الشِّدَّةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مُعاداتَهم بَلَغَتْ مِنَ الشِّدَّةِ أمْرًا عَظِيمًا حَتّى لَوْ أنْفَقَ ما في الأرْضِ كُلِّهِ؛ لِإزالَتِها ولِلتَّأْلِيفِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ \ ٦٣] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْصارَ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النّارِ إلّا أنْ يَمُوتُوا مَعَ أنَّهم (p-٢٤٢)كانُوا أهْلَ فَتْرَةِ، واللَّهِ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . وَيَقُولُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٥]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذِهِ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ ”طه“: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] . والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ. والَّذِي يَظْهَرُ في الجَوابِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّهُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَبْقَ عُذْرٌ لِأحَدٍ، فَكُلُّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ إلّا أنْ يَمُوتَ. كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآيَةَ [هود: ١٧]، وما أجابَ بِهِ بَعْضُهم مِن أنَّ عِنْدَهم بَقِيَّةً مِن إنْذارِ الرُّسُلِ الماضِينَ، تَلْزَمُهم بِها الحُجَّةُ فَهو جَوابٌ باطِلٌ، لِأنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٩] . وَقَوْلِهِ تَعالى. ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤] .

آل عمران 3:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ بَيِّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مِن أسْبابِ اسْوِدادِ الوُجُوهِ يَوْمَ القِيامَةِ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٠٦] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن أسْبابِ ذَلِكَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] . وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن أسْبابِ ذَلِكَ اكْتِسابَ السَّيِّئاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن أسْبابِ ذَلِكَ الكُفْرَ والفُجُورَ وهو (p-٢٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠ \ ٤٢] . وَهَذِهِ الأسْبابُ في الحَقِيقَةِ شَيْءٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وهو الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ شِدَّةَ تَشْوِيهِ وُجُوهِهِمْ بِزُرْقَةِ العُيُونِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وأقْبَحُ صُورَةً أنْ تَكُونَ الوُجُوهُ سُودًا والعُيُونُ زُرْقًا، ألا تَرى الشّاعِرَ لَمّا أرادَ أنْ يُصَوِّرَ عِلَلَ البَخِيلِ في أقْبَحِ صُورَةٍ، وأشْوَهِها اقْتَرَحَ لَها زُرْقَةَ العُيُونِ، واسْوِدادَ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: وَلِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ

آل عمران 3:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾، ذَكَرَ هُنا مِن صِفاتِ هَذِهِ الطّائِفَةِ المُؤْمِنَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّها قائِمَةٌ، أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ عَلى الحَقِّ وأنَّها تَتْلُو آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ، وتُصَلِي، وتُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ. وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها تَتْلُو الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ وتُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، وأنَّهم خاشِعُونَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩] . وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِإنْزالِ القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦] . وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ حَقٌّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٤]، وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ خَرُّوا لِأذْقانِهِمْ سُجَّدًا، وسَبَّحُوا رَبَّهم، وبَكَوْا، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ \ ١٠٩] . وَقالَ في بُكائِهِمْ عِنْدَ سَماعِهِ أيْضًا: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، (p-٢٠٧)وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ، تُؤْتى أجْرُها مَرَّتَيْنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥١ \ ٥٤] .

آل عمران 3:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: وتُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ كُلِّها كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٥] .

آل عمران 3:123

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ . وَصَفَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِمْ أذِلَّةً حالَ نَصْرِهِ لَهم بِبَدْرٍ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى وصْفُهُ تَعالى لَهم بِأنَّ لَهُمُ العِزَّةَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ولا يَخْفى ما بَيْنَ العِزَّةِ والذِّلَّةِ مِنَ التَّنافِي والتَّضادِّ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ مَعْنى وصْفِهِمْ بِالذِّلَّةِ هو قِلَّةُ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، (p-٢٤٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ وكَثُرَ عَدَدُهم وعِدَدُهم مَعَ أنَّ العِزَّةَ والذِّلَّةَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِاعْتِبارٍ آخَرَ، وهو أنَّ الذِّلَّةَ بِاعْتِبارِ حالِ المُسْلِمِينَ مِن قِلَّةِ العَدَدِ والعُدَدِ، والعِزَّةَ بِاعْتِبارِ نَصْرِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ كَما يُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فَإنَّ زَمانَ الحالِ هو زَمانُ عامِلِها، فَزَمانُ النَّصْرِ هو زَمانُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً، فَظَهَرَ أنَّ وصْفَ الذِّلَّةِ بِاعْتِبارٍ، ووَصْفَ النَّصْرِ والعِزَّةِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، فانْفَكَّتِ الجِهَةُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:124

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَدَدَ مِنَ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ مِن ثَلاثَةِ آلافٍ إلى خَمْسَةِ آلافٍ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ أنَّ هَذا المَدَدَ ألْفٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ وعَدَهم بِألْفٍ أوَّلًا ثُمَّ صارَتْ ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ صارَتْ خَمْسَةً، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ آيَةَ ”الأنْفالِ“ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلى الألْفِ بَلْ أشارَتْ إلى الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ في ”آلِ عِمْرانَ“ ولا سِيَّما في قِراءَةِ نافِعٍ: ”بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ“ [الأنفال: ٩]، بِفَتْحِ الدّالِ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ لِأنَّ مَعْنى ”مُرْدَفِينَ“ مَتْبُوعِينَ بِغَيْرِهِمْ، وهَذا هو الحَقُّ. وَأمّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المَدَدَ المَذْكُورَ في ”آلِ عِمْرانَ“ في يَوْمِ أُحُدٍ، والمَذْكُورَ (p-٣٤٤)فِي ”الأنْفالِ“ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَلا إشْكالَ عَلى قَوْلِهِ، إلّا في أنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ لَمْ يَأْتِ فِيها مَدَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ. والجَوابُ: أنَّ إتْيانَ المَدَدِ فِيها عَلى القَوْلِ بِهِ مَشْرُوطٌ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في قَوْلِهِ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٢٥]، ولَمّا لَمْ يَصْبِرُوا ويَتَّقُوا لَمْ يَأْتِ المَدَدُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ والزُّهْرِيِّ ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ وغَيْرِهِمْ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

آل عمران 3:133

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ يَعْنِي: عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، وآيَةُ ”آلِ عِمْرانَ“ هَذِهِ تُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ في آيَةِ ”الحَدِيدِ“ جِنْسُها الصّادِقُ بِجَمِيعِ السَّماواتِ كَما هو ظاهِرٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، المُرادُ بِالقَرْحِ الَّذِي مَسَّ المُسْلِمِينَ هو ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ، كَما أشارَ لَهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٠]، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأمّا المُرادُ بِالقَرْحِ الَّذِي مَسَّ القَوْمَ المُشْرِكِينَ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ هو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وعَلَيْهِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ١٢ \ ١٣] . (p-٢٠٨)وَيُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ أوَّلًا يَوْمَ أُحُدٍ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ أشارَ إلى القَرْحَيْنِ مَعًا بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فالمُرادُ بِمُصِيبَةِ المُسْلِمِينَ القَرْحُ الَّذِي مَسَّهم يَوْمَ أُحُدٍ، والمُرادُ بِمُصِيبَةِ الكُفّارِ بِمِثْلَيْها قَبْلَ القَرْحِ الَّذِي مَسَّهم يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، والكُفّارُ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وأُسِرَ سَبْعُونَ. وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ المُصِيبَةَ الَّتِي أصابَتِ المُشْرِكِينَ هي ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلٍ وهَزِيمَةٍ، حَيْثُ قُتِلَ حَمَلَةُ اللِّواءِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ في أوَّلِ الأمْرِ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وبَقِيَ لِواؤُهم ساقِطًا حَتّى رَفَعَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الحارِثِيَّةُ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ حَسّانُ: [ الطَّوِيلِ ] ؎فَلَوْلا لِواءُ الحارِثِيَّةِ أصْبَحُوا يُباعُونَ في الأسْواقِ بَيْعَ الجَلائِبِ وَعَلى هَذا الوَجْهِ: فالقَرْحُ الَّذِي أصابَ القَوْمَ المُشْرِكِينَ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٥٢] . ومَعْنى تَحُسُّونَهم: تَقْتُلُونَهم، وتَسْتَأْصِلُونَهم، وأصْلُهُ مِنَ الحِسِّ الَّذِي هو الإدْراكُ بِالحاسَّةِ، فَمَعْنى حَسَّهُ أذْهَبَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [ الوافِرِ ] ؎تَحُسُّهُمُ السُّيُوفُ كَما تَسامى ∗∗∗ حَرِيقُ النّارِ في أجَمِ الحَصِيدِ وَقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلِ ] ؎حَسَسْناهم بِالسَّيْفِ حَسًّا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ بَقِيَّتُهم قَدْ شَرَدُوا وتَبَدَّدُوا وَقَوْلُ رُؤْبَةَ: [ الرَّجَزِ ] ؎إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسًا ∗∗∗ تَأْكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ اليَبِيسا يَعْنِي بِالسَّنَةِ الحَسُوسِ: السَّنَةَ المُجْدِبَةَ الَّتِي تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها احْتِمالانِ، وكُلٌّ مِنهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، وكِلاهُما حَقٌّ فَنَذْكُرُهُما مَعًا، وما يَشْهَدُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وقَرِينَةُ السِّياقِ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَرْحَ الَّذِي أصابَ المُشْرِكِينَ ما وقَعَ بِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ في وقْعَةِ أُحُدٍ ولَكِنَّ التَّثْنِيَةَ في قَوْلِهِ: مِثْلَيْها تَدُلُّ عَلى أنَّ القَرْحَ الَّذِي أصابَ المُشْرِكِينَ ما وقَعَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ (p-٢٠٩)أُحُدٍ أُصِيبُوا بِمِثْلَيْ ما أُصِيبَ بِهِ المُسْلِمُونَ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِ: تَحُسُّونَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ الحِسَّ والِاسْتِئْصالَ في خُصُوصِ الَّذِي قُتِلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، وهم أقَلُّ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، كَما هو مَعْلُومٌ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وبَيْنَ التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾، فالجَوابُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِالتَّثْنِيَةِ قَتْلُ سَبْعِينَ وأسْرُ سَبْعِينَ يَوْمَ بَدْرٍ في مُقابَلَةِ سَبْعِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. والمُرادُ بِإفْرادِ المِثْلِ: تَشْبِيهُ القَرْحِ بِالقَرْحِ في مُطْلَقِ النِّكايَةِ والألَمِ، والقِراءَتانِ السَبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، بِفَتْحِ القافِ وضَمِّها في الحَرْفَيْنِ مَعْناهُما واحِدٌ فَهُما لُغَتانِ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ. وَقالَ الفَرّاءُ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجُرْحُ وبِالضَّمِّ ألَمُهُ اهـ. ومِن إطْلاقِ العَرَبِ القَرْحِ عَلى الجُرْحِ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ: [ الطَّوِيلِ ] ؎قَعِيدُكَ ألا تُسْمِعِينِي مَلامَةً ∗∗∗ ولا تَنْكَئِي قَرْحَ الفُؤادِ فَيَيْجَعا

آل عمران 3:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾، أنْكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَن ظَنَّ أنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ دُونَ أنْ يُبْتَلى بِشَدائِدِ التَّكالِيفِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَرْقُ بَيْنَ الصّابِرِ المُخْلِصِ في دِينِهِ، وبَيْنَ غَيْرِهِ وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ:﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]، وقَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [ ٢٩ ] . وَفِي هَذِهِ الآياتِ سِرٌّ لَطِيفٌ وعِبْرَةٌ وحِكْمَةٌ، وذَلِكَ أنَّ أبانا آدَمَ كانَ في الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنها رَغَدًا حَيْثُ شاءَ في أتَمِّ نِعْمَةٍ وأكْمَلِ سُرُورٍ، وأرْغَدِ عَيْشٍ. كَما قالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٨ \ ١١٩]، ولَوْ (p-٢١٠)تَناسَلْنا فِيها لَكُنّا في أرْغَدِ عَيْشٍ وأتَمِّ نِعْمَةٍ، ولَكِنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ لَعائِنُ اللَّهِ احْتالَ بِمَكْرِهِ وخِداعِهِ عَلى أبَوَيْنا حَتّى أخْرَجَهُما مِنَ الجَنَّةِ، إلى دارِ الشَّقاءِ والتَّعَبِ. وَحِينَئِذٍ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ جَنَّتَهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ إلّا بَعْدَ الِابْتِلاءِ بِالشَّدائِدِ وصُعُوبَةِ التَّكالِيفِ. فَعَلى العاقِلِ مِنّا مَعاشِرَ بَنِي آدَمَ أنْ يَتَصَوَّرَ الواقِعَ ويَعْلَمَ أنَّنا في الحَقِيقَةِ سَبْيٌ سَباهُ إبْلِيسُ بِمَكْرِهِ وخِداعِهِ مِن وطَنِهِ الكَرِيمِ إلى دارِ الشَّقاءِ والبَلاءِ، فَيُجاهِدُ عَدُوَّهُ إبْلِيسَ ونَفْسَهُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ حَتّى يَرْجِعَ إلى الوَطَنِ الأوَّلِ الكَرِيمِ، كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ: [ الطَّوِيلِ ] ؎وَلَكِنَّنا سَبْيُ العَدُوُّ فَهَلْ تُرى نُرَدُّ إلى أوْطانِنا ونَسْلَمُ وَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ آدَمَ لِتَكُونَ نُصْبَ أعْيُنِنا دائِمًا.

آل عمران 3:146

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآيَةَ، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ قُتِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ نائِبُ الفاعِلِ فِيها أنْ يَكُونَ لَفْظَةَ رِبِيُّونَ وعَلَيْهِ فَلَيْسَ في قُتِلَ ضَمِيرٌ أصْلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرًا عائِدًا إلى النَّبِيِّ، وعَلَيْهِ فَمَعَهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ورِبِيُّونَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ اعْتِمادُهُ عَلى الظَّرْفِ قَبْلَهُ ووَصْفُهُ بِما بَعْدَهُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ والرّابِطُ الضَّمِيرُ، وسَوَّغَ إتْيانَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هي نَبِيٌّ وصْفُهُ بِالقَتْلِ ظُلْمًا، وهَذا هو أجْوَدُ الأعارِيبِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، وبِهَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ في نائِبِ الفاعِلِ المَذْكُورِ يَظْهَرُ أنَّ في الآيَةِ إجْمالًا. والآياتُ القُرْآنِيَّةُ مُبَيِّنَةٌ أنَّ النَّبِيَّ المُقاتِلَ غَيْرُ مَغْلُوبٍ بَلْ هو غالِبٌ، كَما صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقالَ قَبْلَ هَذا: ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠]، وقالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . وَأغْلَبُ مَعانِي الغَلَبَةِ في القُرْآنِ الغَلَبَةُ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩]، • وقَوْلِهِ: قُلْ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. (p-٢١١)وَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِغالِبٍ بَلْ هو قِسْمٌ مُقابِلٌ لِلْغالِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، فاتَّضَحَ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ القَتْلَ لَيْسَ واقِعًا عَلى النَّبِيِّ المُقاتِلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ كَتَبَ وقَضى لَهُ في أزَلِهِ أنَّهُ غالِبٌ، وصَرَّحَ بِأنَّ المَقْتُولَ غَيْرُ غالِبً. وَقَدْ حَقَّقَ العُلَماءُ أنَّ غَلَبَةَ الأنْبِياءِ عَلى قِسْمَيْنِ: غَلَبَةٌ بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وهي ثابِتَةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وغَلَبَةٌ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، وهي ثابِتَةٌ لِخُصُوصِ الَّذِينَ أُمِرُوا مِنهم بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِالقِتالِ لَيْسَ بِغالِبٍ ولا مَغْلُوبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُغالِبْ في شَيْءٍ وتَصْرِيحُهُ تَعالى، بِأنَّهُ كَتَبَ إنَّ رُسُلَهُ غالِبُونَ شامِلٌ لِغَلَبَتِهِمْ مَن غالَبَهم بِالسَّيْفِ، كَما بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى الغَلَبَةِ في القُرْآنِ، وشامِلٌ أيْضًا لِغَلَبَتِهِمْ بِالحُجَّةِ والبَيانِ، فَهو مُبِينٌ أنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ \ ١٧٢]، أنَّهُ نَصْرُ غَلَبَةٍ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ لِلَّذِينَ أُمِرُوا مِنهم بِالجِهادِ؛ لِأنَّ الغَلَبَةَ الَّتِي بَيَّنَ أنَّها كَتَبَها لَهم أخَصُّ مِن مُطْلَقِ النَّصْرِ؛ لِأنَّها نَصْرٌ خاصٌّ، والغَلَبَةُ لُغَةً القَهْرُ والنَّصْرُ لُغَةً إعانَةُ المَظْلُومِ، فَيَجِبُ بَيانُ هَذا الأعَمِّ بِذَلِكَ الأخَصِّ. وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ما قالَهُ الإمامُ الكَبِيرُ ابْنُ جَرِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومَن تَبِعَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ﴾ الآيَةَ، مِن أنَّهُ لا مانِعَ مَن قَتْلِ الرَّسُولِ المَأْمُورِ بِالجِهادِ، وأنَّ نَصْرَهُ المَنصُوصَ في الآيَةِ، حِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ بَعْدَ المَوْتِ، بِأنْ يُسَلِّطَ عَلى مَن قَتَلَهُ مَن يَنْتَقِمُ مِنهُ، كَما فَعَلَ بِالَّذِينَ قَتَلُوا يَحْيى وزَكَرِيّاءَ وشَعْيا مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ عَلَيْهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ. الثّانِي: حَمْلُ الرُّسُلِ في قَوْلِهِ: إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا عَلى خُصُوصِ نَبِيِّنا ﷺ وحْدَهُ، أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خُرُوجٌ بِكِتابِ اللَّهِ عَنْ ظاهِرِهِ المُتَبادَرِ مِنهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ، والحُكْمُ بِأنَّ المَقْتُولَ مِنَ المُتَقاتِلِينَ هو المَنصُورُ بَعِيدٌ جِدًّا، غَيْرُ مَعْرُوفٍ في لِسانِ العَرَبِ، فَحَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ بِلا دَلِيلٍ غَلَطٌ ظاهِرٌ، وكَذَلِكَ حَمْلُ الرُّسُلِ عَلى نَبِيِّنا وحْدَهُ ﷺ فَهو بَعِيدٌ جِدًّا أيْضًا، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى عُمُومِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ كَثِيرَةٌ، لا نِزاعَ فِيها. (p-٢١٢)الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْتَصِرْ في كِتابِهِ عَلى مُطْلَقِ النَّصْرِ الَّذِي هو في اللُّغَةِ إعانَةُ المَظْلُومِ، بَلْ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ المَذْكُورَ لِلرُّسُلِ نَصْرُ غَلَبَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ الآيَةَ، وقَدْ رَأيْتَ مَعْنى الغَلَبَةِ في القُرْآنِ ومَرَّ عَلَيْكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ المَقْتُولَ قِسْمًا مُقابِلًا لِلْغالِبِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾، وصَرَّحَ تَعالى بِأنَّ ما وعَدَ بِهِ رُسُلَهُ لا يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [ ٢١ ]، مِن كَلِماتِهِ الَّتِي صَرَّحَ بِأنَّها لا مُبَدِّلَ لَها وقَدْ نَفى جَلَّ وعَلا عَنِ المَنصُورِ أنْ يَكُونَ مَغْلُوبًا نَفْيًا باتًّا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٢١] أنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: أيَظُنُّ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنْ يَغْلِبُوا الرُّومَ وفارِسَ، كَما غَلَبُوا العَرَبَ زاعِمًا أنَّ الرُّومَ وفارِسَ لا يَغْلِبُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِكَثْرَتِهِمْ، وقُوَّتِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الغَلَبَةَ المَذْكُورَةَ فِيها غَلَبَةٌ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ؛ لِأنَّ صُورَةَ السَّبَبِ لا يُمْكِنُ إخْراجُها، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠]، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ أنَّنا نَسْتَشْهِدُ لِلْبَيانِ بِالقِراءَةِ السَبْعِيَّةِ بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ، فَيَشْهَدُ لِلْبَيانِ الَّذِي بَيَّنّا بِهِ، أنَّ نائِبَ الفاعِلِ رِبِيُّونَ، وأنَّ بَعْضَ القُرّاءِ غَيْرَ السَّبْعَةِ قَرَأ قُتِّلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأنَّ التَّكْثِيرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالتَّشْدِيدِ يَقْتَضِي أنَّ القَتْلَ واقِعٌ عَلى الرِّبِيِّينَ. وَلِهَذِهِ القِراءَةِ رَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ، والبَيْضاوِيُّ، وابْنُ جِنِّيٍّ؛ أنَّ نائِبَ الفاعِلِ رِبِيُّونَ، ومالَ إلى ذَلِكَ الألُوسِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ مُبَيِّنًا أنَّ دَعْوى كَوْنِ التَّشْدِيدِ لا يُنافِي وُقُوعَ القَتْلِ عَلى النَّبِيِّ؛ لِأنَّ: كَأيِّنْ إخْبارٌ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ أيْ: كَثِيرٍ مِن أفْرادِ النَّبِيِّ قُتِلَ خِلافَ الظّاهِرِ، وهو كَما قالَ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ عَرَفْنا أنَّ نائِبَ الفاعِلِ المَذْكُورَ مُحْتَمِلٌ لِأمْرَيْنِ، وقَدِ ادَّعَيْتُمْ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّهُ رِبِيُّونَ لا ضَمِيرُ النَّبِيِّ لِتَصْرِيحِهِ بِأنَّ الرُّسُلَ غالِبُونَ، والمَقْتُولَ غَيْرُ غالِبٍ، ونَحْنُ نَقُولُ دَلَّ القُرْآنُ في آياتٍ أُخَرَ، عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ النَّبِيِّ، لِتَصْرِيحِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِقَتْلِ بَعْضِ الرُّسُلِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ (p-٢١٣)الآيَةَ [آل عمران: ١٨٣]، فَما وجْهُ تَرْجِيحِ ما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ عَلى أنَّ النّائِبَ رِبِيُّونَ، عَلى ما اسْتَدْلَلْنا بِهِ عَلى أنَّ النّائِبَ ضَمِيرُ النَّبِيِّ فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ما اسْتَدْلَلْنا بِهِ أخَصُّ مِمّا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ، والأخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلى الأعَمِّ، ولا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وإيضاحُهُ أنَّ دَلِيلَنا في خُصُوصِ نَبِيٍّ أمْرٌ بِالمُغالَبَةِ في شَيْءٍ، فَنَحْنُ نَجْزِمُ بِأنَّهُ غالِبٌ فِيهِ تَصْدِيقًا لِرَبِّنا في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، سَواءٌ أكانَتْ تِلْكَ المُغالَبَةُ في الحُجَّةِ والبَيانِ، أمْ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، ودَلِيلُكم فِيما هو أعَمُّ مِن هَذا؛ لِأنَّ الآياتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَتْلِ بَعْضِ الرُّسُلِ، لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّهُ في خُصُوصِ جِهادٍ، بَلْ ظاهِرُها أنَّهُ في غَيْرِ جِهادٍ، كَما يُوَضِّحُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ قَتَلَهم أعْداءُ اللَّهِ كُلُّها في قَتْلِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْبِياءَهم، في غَيْرِ جِهادٍ، ومُقاتَلَةٍ إلّا مَوْضِعَ النِّزاعِ وحْدَهُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ ما رَجَّحْناهُ مِن أنَّ نائِبَ الفاعِلِ رِبِيُّونَ، تَتَّفِقُ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ اتِّفاقًا واضِحًا، لا لَبْسَ فِيهِ عَلى مُقْتَضى اللِّسانِ العَرَبِيِّ في أفْصَحِ لُغاتِهِ، ولَمْ تَتَصادَمْ مِنهُ آيَتانِ، حَيْثُ حَمَلْنا الرَّسُولَ المَقْتُولَ عَلى الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِالجِهادِ، فَقَتْلُهُ إذَنْ لا إشْكالَ فِيهِ، ولا يُؤَدِّي إلى مُعارَضَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَكَمَ لِلرُّسُلِ بِالغَلَبَةِ، والغَلَبَةُ لا تَكُونُ إلّا مَعَ مُغالَبَةٍ، وهَذا لَمْ يُؤْمَرْ بِالمُغالَبَةِ في شَيْءٍ، ولَوْ أُمِرَ بِها في شَيْءٍ لَغَلَبَ فِيهِ، ولَوْ قُلْنا بِأنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ النَّبِيِّ لَصارَ المَعْنى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ المُقاتِلِينَ قُتِلُوا في مَيْدانِ الحَرْبِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ وكَأيِّنْ المُمَيَّزَةُ بِقَوْلِهِ: مِن نَبِيٍّ، وقَتْلُ الأعْداءِ هَذا العَدَدَ الكَثِيرَ مِنَ الأنْبِياءِ المُقاتِلِينَ في مَيْدانِ الحَرْبِ مُناقِضٌ مُناقِضَةً صَرِيحَةً لِقَوْلِهِ: كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي، وقَدْ عَرَفْتَ مَعْنى الغَلَبَةِ في القُرْآنِ، وعَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المَقْتُولَ غَيْرُ الغالِبِ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا الكِتابُ العَزِيزُ ما أُنْزِلَ لِيَضْرِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولَكِنْ أُنْزِلَ؛ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فاتَّضَحَ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ رِبِيُّونَ، وأنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ رَسُولٌ في جِهادٍ، كَما جَزَمَ بِهِ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُ واحِدٍ، وقَصَدْنا في هَذا الكِتابِ البَيانَ بِالقُرْآنِ، لا بِأقْوالِ العُلَماءِ، ولِذا لَمْ نَنْقُلْ أقْوالَ مَن رَجَّحَ ما ذَكَرْنا. وَما رَجَّحَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ كَوْنَ نائِبِ الفاعِلِ ضَمِيرَ النَّبِيِّ مِن أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ الصّائِحَ صاحَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ (p-٢١٤)[آل عمران: ١٤٤]، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّبِيِّينَ لَمْ يُقْتَلُوا؛ لِأنَّهم لَوْ قُتِلُوا لَما قالَ عَنْهم: فَما وهَنُوا لِما أصابَهم الآيَةَ، فَهو كَلامٌ كُلُّهُ ساقِطٌ وتَرْجِيحاتٌ لا مُعَوَّلَ عَلَيْها فالتَّرْجِيحُ بِسَبَبِ النُّزُولِ فِيهِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لَوْ كانَ يَقْتَضِي تَعْيِينَ ذِكْرِ قَتْلِ النَّبِيِّ لَكانَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ قاتَلَ بِصِيغَةِ الماضِي مِنَ المُفاعَلَةِ جارِيَةً عَلى خِلافِ المُتَعَيِّنِ وهو ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى والتَّرْجِيحِ بِقَوْلِهِ: أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ، ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّهُما مُعَلَّقانِ بِأداةِ الشَّرْطِ والمُعَلَّقُ بِها لا بَدَلَ عَلى وُقُوعِ نِسْبَةٍ أصْلًا لا إيجابًا، لا سَلْبًا حَتّى يُرَجِّحَ بِها غَيْرُها. وَإذا نَظَرْنا إلى الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ وجَدْنا نَبِيَّهم ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يَمُتْ والتَّرْجِيحُ بِقَوْلِهِ: فَما وهَنُوا، سُقُوطُهُ كالشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ وأعْظَمُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلى سُقُوطِهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، كُلُّ الأفْعالِ مِنَ القَتْلِ لا مِنَ القِتالِ، وهَذِهِ القِراءَةُ السَّبْعِيَّةُ المُتَواتِرَةُ فِيها. فَإنَّ قَتَلُوكم بِلا ألِفٍ بَعْدَ القافِ فِعْلٌ ماضٍ مِنَ القَتْلِ فاقْتُلُوهم أفَتَقُولُونَ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَقْتُولَ لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمَرَ بِقَتْلِ قاتِلِهِ. بَلِ المَعْنى قَتَلُوا بَعْضُكم وهو مَعْنًى مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ: قَتَلُونا وقَتَلْناهم، يَعْنُونَ وُقُوعَ القَتْلِ عَلى البَعْضِ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا البَيانِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:153

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أيْ غَمًّا عَلى غَمٍّ يَعْنِي حُزْنًا عَلى حُزْنٍ أوْ أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمِّكم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعِصْيانِ أمْرِهِ، والمُناسِبُ لِهَذا الغَمِّ بِحَسَبِ ما يَسْبِقُ الذِّهْنُ أنْ يَقُولَ لِكَيْ تَحْزَنُوا. أمّا قَوْلُهُ: ”لِكَيْلا تَحْزَنُوا“ فَهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الغَمَّ سَبَبٌ لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ. والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَفا عَنْكم لِتَكُونَ حَلاوَةُ عَفْوِهِ تُزِيلُ عَنْكم ما نالَكم مِن غَمِّ القَتْلِ والجِراحِ، وفَوْتِ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والجَزَعِ مِن إشاعَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَهُ المُشْرِكُونَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى غَمَّكم هَذا الغَمَّ لِكَيْ تَتَمَرَّنُوا عَلى نَوائِبِ الدَّهْرِ، فَلا يَحْصُلُ لَكُمُ الحُزْنُ في المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّ مَنِ اعْتادَ الحَوادِثَ لا تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ ”لا“ وصْلَةٌ وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى زِيادَتِها بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [ ٩٠ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .

آل عمران 3:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ إذا ماتَ بَعْضُ إخْوانِهِمْ يَقُولُونَ: لَوْ أطاعُونا فَلَمْ يَخْرُجُوا إلى الغَزْوِ ما قُتِلُوا، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ يَقُولُونَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ السَّفَرِ إلى الغَزْوِ لِيُثَبِّطُوهم أوْ لا ؟ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّهم يَقُولُونَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ الغَزْوِ لِيُثَبِّطُوهم كَقَوْلِهِ: وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ الآيَةَ [التوبة: ٨١]، وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [ ٤ ]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

آل عمران 3:157

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المَقْتُولَ في الجِهادِ والمَيِّتَ كِلاهُما يَنالُ (p-٢١٥)مَغْفِرَةً مِنَ اللَّهِ، ورَحْمَةً خَيْرًا لَهُ مِمّا يَجْمَعُهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا، وأوْضَحُ وجْهٍ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى بَيَّنَ فِيها أنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنهُ حَياةً قَصِيرَةً فانِيَةً مُنَغَّصَةً بِالمَصائِبِ، والآلامِ بِحَياةٍ أبَدِيَّةٍ لَذِيذَةٍ لا تَنْقَطِعُ ولا يَتَأذّى صاحِبُها بِشَيْءٍ واشْتَرى مِنهُ مالًا قَلِيلًا فانِيًا بِمُلْكٍ لا يَنْفَدُ ولا يَنْقَضِي أبَدًا، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وبَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ فَضْلَ اللَّهِ، ورَحْمَتَهُ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُهُ أهْلُ الدُّنْيا مِن حُطامِها وزادَ فِيها الأمْرَ بِالفَرَحِ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ دُونَ حُطامِ الدُّنْيا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالحَصْرِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، أيْ: دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَفْرَحُوا بِحُطامِ الدُّنْيا الَّذِي يَجْمَعُونَهُ. وَقالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [ ٤٣ ] .

آل عمران 3:159

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، أنَّ الجُمُوعَ المُذَكَّرَةَ ونَحْوَها مِمّا يَخْتَصُّ بِجَماعَةِ العُقَلاءِ مِنَ الذُّكُورِ إذا ورَدَتْ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها هَلْ يَدْخُلُ النِّساءُ أوْ لا يَدْخُلْنَ ؟ إلّا بِدَلِيلٍ عَلى دُخُولِهِنَّ وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ دُخُولَ النِّساءِ فِيهِ وعَدَمَ دُخُولِهِنَّ بِناءً عَلى الِاخْتِلافِ المَذْكُورِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُنَّ داخِلاتٌ في جُمْلَةٍ مِن أمْرِهِ ﷺ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] .

آل عمران 3:162

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ لَيْسَ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنهُ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ بِمَعْنى النَّفْيِ ولَمْ يَذْكُرْ هُنا صِفَةَ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، ولَكِنْ أشارَ إلى بَعْضِها في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (p-٢١٦)[آل عمران: ١٧٣ \ ١٧٤] . وَأشارَ إلى بَعْضِ صِفاتِ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠]، وبِقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦١] .

آل عمران 3:165

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ما أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما جاءَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يُبَيِّنْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ هُنا ولَكِنَّهُ فَصَّلَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وهَذا هو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَ ما يُبَيَّنُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. وَأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَلا بَيانَ بِالآيَةِ، وهو أنَّ مَعْنى: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾، أنَّهم خُيِّرُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ قَتْلِ أُسارى بَدْرٍ، وبَيْنَ أسْرِهِمْ وأخَذِ الفِداءِ عَلى أنْ يَسْتَشْهِدَ مِنهم في العامِ القابِلِ قَدْرَ الأُسارى، فاخْتارُوا الفِداءَ عَلى أنْ يَسْتَشْهِدَ مِنهم في العامِ القابِلِ سَبْعُونَ قَدْرَ أُسارى بَدْرٍ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَقَدَهُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] ؎والمُسْلِمُونَ خُيِّرُوا بَيْنَ الفِدا وقَدْرُهم في قابِلٍ يَسْتَشْهِدا ؎وَبَيْنَ قَتْلِهِمْ فَمالُوا لِلْفِدا ∗∗∗ لِأنَّهُ عَلى القِتالِ عَضُدا ؎وَأنَّهُ أدّى إلى الشَّهادَةِ ∗∗∗ وهي قُصارى الفَوْزِ والسَّعادَةِ وَنَظْمُهُ هَذا لِلْمَغازِي جُلُّ اعْتِمادِهِ فِيهِ عَلى ”عُيُونِ الأثَرِ“ لِابْنِ سَيِّدِ النّاسِ اليَعْمَرِيِّ، قالَ في مُقَدِّمَتِهِ: [ الرَّجَزِ ] ؎أُرْجُوزَةٌ عَلى عُيُونِ الأثَرِ ∗∗∗ جُلُّ اعْتِمادِ نَظْمِها في السِّيَرِ وَذَكَرَ شارِحُهُ أنَّ الألِفَ في قَوْلِهِ يَسْتَشْهِدا مُبْدَلَةٌ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ وأنَّها في البَيْتِ كَقَوْلِهِ: [ المَدِيدِ ] رُبَّما أوْفَيْتُ في عَلَمٍ تَرْفَعَنْ ثَوْبِي شَمالاتُ (p-٢١٧)وَعَلى هَذا القَوْلِ: فالمَعْنى قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَيْثُ اخْتَرْتُمُ الفِداءَ واسْتِشْهادَ قَدْرِ الأُسارى مِنكم.

آل عمران 3:169

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ الآيَةَ. نَهى اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ ظَنِّ المَوْتِ بِالشُّهَداءِ، وصَرَّحَ بِأنَّهم ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وأنَّهم فَرِحُونَ ﴿بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ حَياتُهم هَذِهِ في البَرْزَخِ يُدْرِكُ أهْلُ الدُّنْيا حَقِيقَتَها أوْ لا ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أنَّهم لا يُدْرِكُونَها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]؛ لِأنَّ نَفْيَ الشُّعُورِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإدْراكِ مِن بابٍ أوْلى كَما هو ظاهِرٌ.

آل عمران 3:173

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِالنّاسِ القائِلِينَ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ أوْ أعْرابِيٌّ مِن خُزاعَةَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي رافِعٍ ويَدُلُّ لِهَذا تَوْحِيدُ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٥] . قالَ صاحِبُ ”الإتْقانِ“ قالَ الفارِسِيُّ: ومِمّا يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِهِ واحِدٌ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”ذَلِكم“ إلى واحِدٍ بِعَيْنِهِ، ولَوْ كانَ المَعْنى جَمْعًا لَقالَ: إنَّما أُوْلَئِكُمُ الشَّيْطانُ. فَهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ في اللَّفْظِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

آل عمران 3:178

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُمْلِي لِلْكافِرِينَ ويُمْهِلُهم لِزِيادَةِ الإثْمِ عَلَيْهِمْ، وشِدَّةِ العَذابِ. وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ لا يُمْهِلُهم مُتَنَعِّمِينَ هَذا الإمْهالَ إلّا بَعْدَ أنْ يَبْتَلِيَهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَإذا لَمْ يَتَضَرَّعُوا أفاضَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وأمْهَلَهم حَتّى يَأْخُذَهم بَغْتَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . (p-٢١٨)وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِدْراجَ مِن كَيْدِهِ المَتِينِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الدخان: ٤٥ \ ٦٨] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ الكُفّارَ يَغْتَرُّونَ بِذَلِكَ الِاسْتِدْراجِ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ المُسارَعَةِ لَهم في الخَيْراتِ، وأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُؤْتَوْنَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ الَّذِي أُوتُوهُ في الدُّنْيا، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ \ ٥٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٥] . كَما تَقَدَّمَ، والبَأْساءُ: الفَقْرُ والفاقَةُ، والضَّرّاءُ: المَرَضُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهُما مَصْدَرانِ مُؤَنَّثانِ لَفَظًا بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ.

آل عمران 3:186

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ سَيُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، وسَيَسْمَعُونَ الأذى الكَثِيرَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وأنَّهم إنْ صَبَرُوا عَلى ذَلِكَ البَلاءِ والأذى واتَّقَوُا اللَّهَ، فَإنَّ صَبْرَهم وتُقاهم ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي العَزْمُ والتَّصْمِيمُ عَلَيْها لِوُجُوبِها. وَقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ هَذا البَلاءِ: الخَوْفُ والجُوعُ وأنَّ البَلاءَ في الأنْفُسِ والأمْوالِ هو النَّقْصُ فِيها، وأوْضَحَ فِيهِ نَتِيجَةَ الصَّبْرِ المُشارِ إلَيْها هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو قَوْلُهُ تَعالى:: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ \ ١٥٧]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، ويَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾، الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأوْلى، بَلْ فَسَرَّهُ بِخُصُوصِ ذَلِكَ بَعْضُ العُلَماءِ، ويَدُلُّ عَلى دُخُولِهِ فِيهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . (p-٢١٩)وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ خَصْلَةَ الصَّبْرِ لا يُعْطاها إلّا صاحِبُ حَظٍّ عَظِيمٍ وبَخْتٍ كَبِيرٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ جَزاءَ الصَّبْرِ لا حِسابَ لَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] .

آل عمران 3:191

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَقُولُهُ أُولُو الألْبابِ تَنْزِيهُ رَبِّهِمْ عَنْ كَوْنِهِ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ باطِلًا لا لِحِكْمَةٍ، سُبْحانَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ ذَلِكَ هُمُ الكُفّارُ، وهَدَّدَهم عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ السَّيِّئِ بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] .

آل عمران 3:198

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما عِنْدَهُ لِلْأبْرارِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ النَّعِيمُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ النَّعِيمِ الشُّرْبَ مِن كَأْسٍ مَمْزُوجَةٍ بِالكافُورِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] .

النساء 4:2

(p-٢٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النِّساءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ. أمَرَ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِإيتاءِ اليَتامى أمْوالَهم، ولَمْ يَشْتَرِطْ هُنا في ذَلِكَ شَرْطًا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ هَذا أنَّ هَذا الإيتاءَ المَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطَيْنِ: الأوَّلُ: بُلُوغُ اليَتامى. والثّانِي: إيناسُ الرُّشْدِ مِنهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . وَتَسْمِيَتُهم يَتامى في المَوْضِعَيْنِ، إنَّما هي بِاعْتِبارِ يُتْمِهِمُ الَّذِي كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ البُلُوغِ، إذْ لا يُتْمَ بَعْدَ البُلُوغِ إجْماعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، يَعْنِي الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً، إذْ لا سِحْرَ مَعَ السُّجُودِ لِلَّهِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى إيتائِهِمْ أمْوالَهم إجْراءَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ زَمَنَ الوِلايَةِ عَلَيْهِمْ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً أُعْطِيَ مالَهُ عَلى كُلِّ حالٍ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ جِدًّا، ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أكْلَ أمْوالِ اليَتامى حُوبٌ كَبِيرٌ، أيْ: إثْمٌ عَظِيمٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ مَبْلَغَ هَذا الحُوبِ مِنَ العِظَمِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] .

النساء 4:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن عَدَمِ ظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ هَذا الشَّرْطِ، وهَذا الجَزاءِ، وعَلَيْهِ، فَفي الآيَةِ نَوْعُ إجْمالٍ، والمَعْنى كَما قالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ (p-٢٢١)عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ في حِجْرِهِ، فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً، تَزَوَّجَها مِن غَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً رَغِبَ عَنْ نِكاحِها وعَضَلَها أنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ؛ لِئَلّا يُشارِكَهُ في مالِها، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا إلَيْهِنَّ ويُبَلِّغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ، وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، أيْ: كَما أنَّهُ يَرْغَبُ عَنْ نِكاحِها إنْ كانَتْ قَلِيلَةَ المالِ، والجِمالِ، فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إنْ كانَتْ ذاتَ مالٍ وجِمالٍ إلّا بِالإقْساطِ إلَيْها، والقِيامِ بِحُقُوقِها كامِلَةً غَيْرَ مَنقُوصَةٍ، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، وقالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: إنَّ المُرادَ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ الآيَةَ، فَتُبَيِّنُ أنَّها يَتامى النِّساءِ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ الآيَةَ، فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ المَعْنى وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في زَواجِ اليَتِيماتِ فَدَعُوهُنَّ، وانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، وجَوابُ الشَّرْطِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ يَقْتَضِيهِ، وهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ؛ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فاليَتامى جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ، كَما قِيلَ أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ لِما عُرِفَ أنَّ جَمْعَ الفِعْلِيَّةِ فَعائِلُ، وهَذا القَلْبُ يَطَّرِدُ في مُعْتَلِّ اللّامِ كَقَضِيَّةٍ، ومَطِيَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ ويُقْصَرُ عَلى السَّماعِ فِيما سِوى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ اشْتِراءِ الوَصِيِّ وبَيْعِهِ مِن مالِ اليَتِيمِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ مُحاباةٍ، ولِلسُّلْطانِ النَّظَرُ فِيما وقَعَ مِن ذَلِكَ، وأخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الوَلِيَّ إذا أرادَ نِكاحَ مَن هو ولِيُّها جازَ أنْ يَكُونَ هو النّاكِحَ والمُنْكِحَ وإلَيْهِ ذَهَبَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وقالَهُ مِنَ التّابِعِينَ: الحَسَنُ، ورَبِيعَةُ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ. وَقالَ زُفَرُ، والشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إلّا بِإذْنِ السُّلْطانِ، أوْ يُزَوِّجَها ولِيٌ آخَرُ أقْرَبُ مِنهُ أوْ مُساوٍ لَهُ. وَقالَ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: يُوكِلُ رَجُلًا غَيْرَهُ فَيُزَوِّجُها مِنهُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، كَما نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ، وغَيْرُهُ. وَأخَذَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ مِن تَفْسِيرِ عائِشَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ، كَما ذَكَرْنا الرَّدَّ إلى صَداقِ المِثْلِ (p-٢٢٢)فِيما فَسَدَ مِنَ الصَّداقِ، أوْ وقَعَ الغَبْنُ في مِقْدارِهِ؛ لِأنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: ”وَيُبَلِّغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ“، فَدَلَّ عَلى أنَّ لِلصَّداقِ سُنَّةٌ مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ النّاسِ عَلى قَدْرِ أحْوالِهِمْ، وقَدْ قالَ مالِكٌ: لِلنّاسِ مَناكِحُ عُرِفَتْ لَهم، وعَرَفُوا لَها يَعْنِي مُهُورًا وأكْفاءً. وَيُؤْخَذُ أيْضًا مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ إذا أُعْطِيَتْ حُقُوقَها وافِيَةً، وما قالَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِن أنَّ اليَتِيمَةَ لا تُزَوَّجُ حَتّى تَبْلُغَ، مُحْتَجِّينَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾، اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلى الكِبارِ دُونَ الصِّغارِ، فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهُنَّ يَتامى، بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾، وهَذا الِاسْمُ أيْضًا قَدْ يُطْلَقُ عَلى الصِّغارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، وهُنَّ إذْ ذاكَ رَضِيعاتٌ فالظّاهِرُ المُتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ نِكاحِ اليَتِيمَةِ مَعَ الإقْساطِ في الصَّداقِ، وغَيْرِهِ مِنَ الحُقُوقِ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّها لا تُجْبَرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها، وإنْ خالَفَ في تَزْوِيجِها خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ. * * تَنْبِيهٌ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: واتَّفَقَ كُلُّ مَن يُعانِي العُلُومَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾، لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ إذْ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَخَفِ القِسْطَ في اليَتامى لَهُ أنْ يَنْكِحَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، اثْنَتَيْنِ، أوْ ثَلاثًا، أوْ أرْبَعًا، كَمَن خافَ فَدَلَّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ جَوابًا لِمَن خافَ ذَلِكَ وأنَّ حُكْمَها أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ا هـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ في الآيَةِ عَلى ما فَسَّرَتْها بِهِ عائِشَةُ، وارْتَضاهُ القُرْطُبِيُّ، وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ودَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: أنْ لَها مَفْهُومًا مُعْتَبَرًا؛ لِأنَّ مَعْناها: وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتِيماتِ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِن سِواهُنَّ، ومَفْهُومُهُ أنَّهم إنْ لَمْ يَخافُوا عَدَمَ القِسْطِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِمُجاوَزَتِهِنَّ إلى غَيْرِهِنَّ، بَلْ يَجُوزُ لَهم حِينَئِذٍ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِنَّ وهو واضِحٌ كَما تَرى، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِمُجاوَزَتِهِنَّ إلى غَيْرِهِنَّ عِنْدَ خَوْفِهِمْ أنْ لا يُقْسِطُوا فِيهِنَّ، أشارَ إلى القَدْرِ الجائِزِ مِن تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، ولا إشْكالَ في (p-٢٢٣)ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى الآيَةِ ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾، أيْ: إنْ خَشِيتُمْ ذَلِكَ فَتَحَرَّجْتُمْ مِن ظُلْمِ اليَتامى، فاخْشَوْا أيْضًا وتَحَرَّجُوا مِن ظُلْمِ النِّساءِ بِعَدَمِ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وعَدَمِ القِيامِ بِحُقُوقِهِنَّ، فَقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ ولا تَزِيدُوا عَلى أرْبَعٍ، وإنْ خِفْتُمْ عَدَمَ إمْكانِ ذَلِكَ مَعَ التَّعَدُّدِ فاقْتَصِرُوا عَلى الواحِدَةِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ شَبِيهَةٌ بِاليَتِيمِ، لِضَعْفِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى المُدافَعَةِ عَنْ حَقِّهِ فَكَما خَشِيتُمْ مِن ظُلْمِهِ فاخْشَوْا مِن ظُلْمِها. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتِيمِ ولا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِّنى، فَقِيلَ لَهم في الآيَةِ: إنْ خِفْتُمُ الذَّنْبَ في مالِ اليَتِيمِ فَخافُوا ذَنْبَ الزِّنى، فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ولا تَقْرَبُوا الزِّنا. وهَذا أبْعَدُ الأقْوالِ فِيما يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَيُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا: أنَّ مَن كانَ في حِجْرِهِ يَتِيمَةٌ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها إلّا بِتَوْفِيَتِهِ حُقُوقَها كامِلَةً، وأنَّهُ يَجُوزُ نِكاحُ أرْبَعٍ ويُحَرَّمُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا إجْماعُ المُسْلِمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِ الضّالِّ، وقَوْلُهُ ﷺ لِغَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ: «اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ» . وكَذا قالَ لِلْحارِثِ بْنِ قَيْسٍ الأسَدِيِّ وأنَّهُ مَعَ خَشْيَةِ عَدَمِ العَدْلِ لا يَجُوزُ نِكاحُ غَيْرِ واحِدَةٍ، والخَوْفُ في الآيَةِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ الخَشْيَةُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ العِلْمُ، أيْ: وإنْ عَلِمْتُمْ ﴿ألّا تُقْسِطُوا﴾ الآيَةَ، ومِن إطْلاقِ الخَوْفِ بِمَعْنى العِلْمِ قَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ: [ الطَّوِيلِ ] ؎إذا مُتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظامِي في المَماتِ عُرُوقُها ؎وَلا تَدْفِنَّنِي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ ألّا أذُوقَها فَقَوْلُهُ أخافُ: يَعْنِي أعْلَمُ. تَنْبِيهٌ عَبَّرَ تَعالى عَنِ النِّساءِ في هَذِهِ الآيَةِ بِما الَّتِي هي لِغَيْرِ العاقِلِ في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ولَمْ يَقُلْ مَن طابَ؛ لِأنَّها هُنا أُرِيدَ بِها الصِّفاتُ لا الذَّواتُ. أيْ: ما طابَ لَكم مِن بِكْرٍ أوْ ثَيِّبٍ، أوْ ما طابَ لَكم لِكَوْنِهِ حَلالًا، وإذا كانَ المُرادُ الوَصْفَ عُبِّرَ عَنِ العاقِلِ بِما كَقَوْلِكَ ما زَيْدٌ في الِاسْتِفْهامِ تَعْنِي أفاضِلٌ ؟ . (p-٢٢٤)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِـ (ما) إشارَةً إلى نُقْصانِهِنَّ وشَبَّهَهُنَّ بِما لا يَعْقِلُ حَيْثُ يُؤْخَذُ بِالعِوَضِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٢٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النِّساءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجاتِ مُمْكِنٌ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٩] . والجَوابُ عَنْ هَذا: أنَّ العَدْلَ بَيْنَهُنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ مُمْكِنٌ هو العَدْلُ في تَوْفِيَةِ الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ. والعَدْلَ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ هو المُساواةُ في المَحَبَّةِ والمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ، لِأنَّ هَذا انْفِعالٌ لا فِعْلٌ فَلَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ، والمَقْصُودُ أنَّ مَن كانَ أمْيَلَ بِالطَّبْعِ إلى إحْدى الزَّوْجاتِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولْيَعْدِلْ في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٩] . وَهَذا الجَمْعُ رُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ والضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ. وَرَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ آيَةَ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ نَزَلَتْ في عائِشَةَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَمِيلُ إلَيْها بِالطَّبْعِ أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ»، يَعْنِي القَلْبَ، انْتَهى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

النساء 4:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا قَدْرَ هَذا النَّصِيبِ الَّذِي هو لِلرِّجالِ والنِّساءِ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في آياتِ المَوارِيثِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ [النساء: ١١]، وقَوْلِهِ في خاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧٦] .

النساء 4:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا حِكْمَةَ تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ مَعَ أنَّهُما سَواءٌ في القَرابَةِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [ ٤ ]؛ لِأنَّ القائِمَ عَلى غَيْرِهِ المُنْفِقَ مالَهُ عَلَيْهِ مُتَرَقِّبٌ لِلنَّقْصِ دائِمًا، والمُقَوَّمَ عَلَيْهِ المُنْفَقَ عَلَيْهِ المالُ مُتَرَقِّبٌ لِلزِّيادَةِ دائِمًا، والحِكْمَةُ في إيثارِ مُتَرَقِّبِ النَّقْصِ عَلى مُتَرَقِّبِ الزِّيادَةِ جَبْرٌ لِنَقْصَةِ المُتَرَقِّبَةِ ظاهِرَةٌ جِدًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ الآيَةَ، صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ البَناتِ إنْ كُنَّ ثَلاثًا فَصاعِدًا، فَلَهُنَّ الثُّلْثانِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يُوهِمُ أنَّ الِاثْنَتَيْنِ لَيْسَتا كَذَلِكَ، وصَرَّحَ بِأنَّ الواحِدَةَ لَها النِّصْفُ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الِاثْنَتَيْنِ لَيْسَتا كَذَلِكَ أيْضًا، وعَلَيْهِ فَفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى قَدْرِ مِيراثِ البِنْتَيْنِ إجْمالٌ. وَقَدْ أشارَ تَعالى في مَوْضِعَيْنِ إلى أنَّ هَذا الظَّرْفَ لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، وأنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أيْضًا: الأوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، إذِ الذَّكَرُ يَرِثُ مَعَ الواحِدَةِ الثُّلُثَيْنِ بِلا نِزاعٍ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثانِ في صُورَةٍ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَيْنِ لَيْسا بِحَظٍّ لَهُما أصْلًا، لَكِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ الِاجْتِماعِ، إذْ ما مِن صُورَةٍ يَجْتَمِعُ فِيها الِابْنَتانِ مَعَ الذَّكَرِ ويَكُونُ لَهُما الثُّلُثانِ، فَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ صُورَةَ انْفِرادِهِما عَنِ الذَّكَرِ. واعْتِراضُ بَعْضِهِمْ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِلُزُومِ الدَّوْرِ قائِلًا: إنَّ مَعْرِفَةَ أنَّ لِلذَّكَرِ الثُّلُثَيْنِ في الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ تَتَوَقَّفُ عَلى مَعْرِفَةِ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ لِأنَّهُ ما عُلِمَ مِنَ (p-٢٢٥)الآيَةِ إلّا أنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَتَيْنِ، فَلَوْ كانَتْ مَعْرِفَةُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مُسْتَخْرَجَةً مِن حَظِّ الذَّكَرِ لَزِمَ الدَّوْرَ ساقِطٌ؛ لِأنَّ المُسْتَخْرَجَ هو الحَظُّ المُعَيَّنُ لِلْأُنْثَيَيْنِ وهو الثُّلُثانِ، والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ حَظِّ الذَّكَرِ هو مَعْرِفَةُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا، فَلا دَوْرَ لِانْفِكاكِ الجِهَةِ، واعْتَرَضَهُ بَعْضُهم أيْضًا بِأنَّ لِلِابْنِ مَعَ البِنْتَيْنِ النِّصْفَ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ فَرْضَهُما النِّصْفُ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّ البِنْتَيْنِ لَمّا اسْتَحَقَّتا مَعَ الذَّكَرِ النِّصْفَ عُلِمَ أنَّهُما إنِ انْفَرَدَتا عَنْهُ، اسْتَحَقَّتا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الواحِدَةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتِ النِّصْفَ بَعْدَما كانَتْ مَعَهُ تَأْخُذُ الثُّلُثَ، ويَزِيدُهُ إيضاحًا أنَّ البِنْتَ تَأْخُذُ مَعَ الِابْنِ الذَّكَرِ الثُّلُثَ بِلا نِزاعٍ، فَلِأنْ تَأْخُذَهُ مَعَ الِابْنَةِ الأُنْثى أوْلى. فَبِهَذا يَظْهَرُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا أشارَ إلى مِيراثِ البِنْتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، كَما بَيَّنّا، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الجَماعَةِ مِنَ البَناتِ، وحُكْمَ الواحِدَةِ مِنهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾، ومِمّا يَزِيدُهُ إيضاحًا، أنَّهُ تَعالى فَرَّعَهُ عَلَيْهِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ﴾، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيما قَبْلَهُ ما يَدُلُّ عَلى سَهْمِ الإناثِ لَمْ تَقَعِ الفاءُ مَوْقِعَها كَما هو ظاهِرٌ. المَوْضِعُ الثّانِي: هو قَوْلُهُ تَعالى في الأُخْتَيْنِ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ لِأنَّ البِنْتَ أمَسُّ رَحِمًا، وأقْوى سَبَبًا في المِيراثِ مِنَ الأُخْتِ بِلا نِزاعٍ. فَإذا صَرَّحَ تَعالى: بِأنَّ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، عُلِمَ أنَّ البِنْتَيْنِ كَذَلِكَ مِن بابٍ أوْلى، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ فَحْوى الخِطابِ، أعْنِي: مَفْهُومَ المُوافَقَةِ الَّذِي المَسْكُوتُ فِيهِ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ، مِن قَبِيلِ دَلالَةِ اللَّفْظِ لا مِن قَبِيلِ القِياسِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ وقَوْمٍ، كَما عُلِمَ في الأُصُولِ فاللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ البِنْتَيْنِ كَذَلِكَ مِن بابِ أوْلى. وَكَذَلِكَ لَمّا صَرَّحَ أنَّ لِما زادَ عَلى الِاثْنَتَيْنِ مِنَ البَناتِ الثُّلُثَيْنِ فَقَطْ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ ما زادَ عَلى الِاثْنَتَيْنِ مِنَ الأخَواتِ، أفْهَمَ أيْضًا مِن بابٍ أوْلى أنَّهُ لَيْسَ لِما زادَ مِنَ الأخَواتِ غَيْرُ الثُّلُثَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يُعْطِ لِلْبَناتِ عُلِمَ أنَّهُ لا تَسْتَحِقُّهُ الأخَواتُ، فالمَسْكُوتُ عَنْهُ في الأمْرَيْنِ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَصَدَ أخْذَهُ مِنهُ، ويَزِيدُ ما ذَكَرْنا إيضاحًا ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (p-٢٢٦)عَنْهُ - قالَ: «جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هاتانِ ابْنَتا سَعْدٍ قُتِلَ أبُوهُما يَوْمَ أُحُدٍ، وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما، ولَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا، ولا يُنْكَحانِ إلّا ولَهُما مالٌ فَقالَ ﷺ: ”يَقْضِي اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ“ فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَمِّهِما، فَقالَ: ”أعْطِ ابْنَتِي سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ، وما بَقِيَ فَهو لَكَ»“ . وَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّهُ قالَ: لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾، فَصَرَّحَ بِأنَّ الثُّلُثَيْنِ إنَّما هُما لِما فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ فِيهِ أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَرْدُودٌ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ أيْضًا: ﴿وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾، فَصَرَّحَ بِأنَّ النِّصْفَ لِلْواحِدَةِ جاعِلًا كَوْنَها واحِدَةً شَرْطًا مُعَلَّقًا عَلَيْهِ فَرْضُ النِّصْفِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المَفاهِيمَ إذا تَعارَضَتْ قُدِّمَ الأقْوى مِنها، ومَعْلُومٌ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ أقْوى مِن مَفْهُومِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ مِنَ المَفاهِيمِ، إلّا ما قالَ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ مَنطُوقٌ لا مَفْهُومٌ وهو النَّفْيُ والإثْباتُ، وإنَّما مِن صِيَغِ الحَصْرِ والغايَةِ، وغَيْرُ هَذا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ مُبَيِّنًا مَراتِبَ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزِ ] ؎أعْلاهُ لا يُرْشَدُ إلّا العِلْما فَما لِمَنطُوقٍ بِضَعْفٍ انْتَمى ؎فالشَّرْطُ فالوَصْفُ الَّذِي يُناسِبُ ∗∗∗ فَمُطْلَقُ الوَصْفِ الَّذِي يُقارِبُ ؎فَعَدَدٌ ثَمَّتَ تَقْدِيمٌ يَلِي ∗∗∗ وهو حُجَّةٌ عَلى النَّهْجِ الجَلِيِّ وَقالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“ ما نَصُّهُ: مَسْألَةُ الغايَةِ قِيلَ: مَنطُوقٌ والحَقُّ مَفْهُومٌ يَتْلُوهُ الشَّرْطُ، فالصِّفَةُ المُناسِبَةُ، فَمُطْلَقُ الصِّفَةِ غَيْرُ العَدَدِ، فالعَدَدُ، فَتَقْدِيمُ المَعْمُولِ إلَخْ. وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ أقْوى مِن مَفْهُومِ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ . الثّانِي: دَلالَةُ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ. الثّالِثُ: تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ في حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ آنِفًا. (p-٢٢٧)الرّابِعُ: أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الألُوسِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ ما نَصُّهُ: وفي ”شَرْحِ اليَنْبُوعِ“ نَقْلًا عَنِ الشَّرِيفِ شَمْسِ الدِّينِ الأرْمُونِيِّ أنَّهُ قالَ في ”شَرْحِ فَرائِضِ الوَسِيطِ“: صَحَّ رُجُوعُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ ذَلِكَ فَصارَ إجْماعًا. ا هـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. * * تَنْبِيهانِ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ وجَزَمَ بِهِ الألُوسِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ مِن أنَّ المَفْهُومَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ مَفْهُومُ عَدَدٍ غَلَطٌ. والتَّحْقِيقُ هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ مَفْهُومُ شَرْطٍ، وهو أقْوى مِن مَفْهُومِ العَدَدِ بِدَرَجاتٍ كَما رَأيْتَ فِيما تَقَدَّمَ. قالَ في ”نَشْرِ البُنُودِ عَلى مَراقِي السُّعُودِ“ في شَرْحِ قَوْلِهِ: ؎وَهُوَ ظَرْفُ عِلَّةٍ وعَدَدُ ومِنهُ شَرْطُ غايَةٍ تُعْتَمَدُ ما نَصَّهُ: والمُرادُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ ما فُهِمَ مِن تَعْلِيقِ حُكْمٍ عَلى شَيْءٍ بِأداةِ شَرْطٍ كَإنْ وإذا، وقالَ في شَرْحِ هَذا البَيْتِ أيْضًا قَبْلَ هَذا ما نَصُّهُ: ومِنها الشَّرْطُ نَحْوَ: ﴿وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، مَفْهُومُ انْتِفاءِ المَشْرُوطِ عِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ، أيْ: فَغَيْرُ أُولاتِ حَمْلٍ لا يَجِبُ الإنْفاقُ عَلَيْهِنَّ ونَحْوَ: مَن تَطَهَّرْ صَحَّتْ صِلاتُهُ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾، عُلِّقَ فِيهِ فَرْضُ النِّصْفِ عَلى شَرْطٍ هو كَوْنُ البِنْتِ واحِدَةً، ومَفْهُومُهُ أنَّهُ إنِ انْتَفى الشَّرْطُ الَّذِي هو كَوْنُها واحِدَةً انْتَفى المَشْرُوطُ الَّذِي هو فَرْضُ النِّصْفِ كَما هو ظاهِرٌ، فَإنْ قِيلَ: كَذَلِكَ المَفْهُومُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ لِتَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ حَقِيقَةَ الشَّرْطِ كَوْنَهُنَّ نِساءً، وقَوْلُهُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وصْفٌ زائِدٌ، وكَوْنُها واحِدَةً هو نَفْسُ الشَّرْطِ لا وصْفٌ زائِدٌ، وقَدْ عَرَفْتَ تَقْدِيمَ مَفْهُومِ الشَّرْطِ عَلى مَفْهُومِ الصِّفَةِ ظَرْفًا كانَتْ أوْ غَيْرَهُ. الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا جَدَلِيًّا أنَّهُ مَفْهُومُ شَرْطٍ لَتَساقَطَ المَفْهُومانِ لِاسْتِوائِهِما ويُطْلَبُ الدَّلِيلُ مِن خارِجٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الأدِلَّةَ عَلى كَوْنِ البِنْتَيْنِ تَرِثانِ الثُّلُثَيْنِ كَما تَقَدَّمَ. الثّانِي: إنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في لَفْظَةِ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ إذا كانَتِ الِاثْنَتانِ كَذَلِكَ ؟ (p-٢٢٨)فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ حُكْمَ الِاثْنَتَيْنِ أُخِذَ مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، كَما تَقَدَّمَ وإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى حُكْمِ الثَّلاثِ فَصاعِدًا كَما تَقَدَّمَ. الثّانِي: أنَّ لَفْظَةَ فَوْقَ ذُكِرَتْ؛ لِإفادَةِ أنَّ البَناتِ لا يَزِدْنَ عَلى الثُّلُثَيْنِ ولَوْ بَلَغَ عَدَدُهُنَّ ما بَلَغَ. وَأمّا ادِّعاءُ أنَّ لَفْظَةَ فَوْقَ زائِدَةٌ وادِّعاءُ أنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ مَعْناهُ اثْنَتانِ فَما فَوْقَهُما فَكُلُّهُ ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى، والقُرْآنُ يُنَزَّهُ عَنْ مِثْلِهِ وإنْ قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

النساء 4:12

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإخْوَةِ الَّذِينَ يَأْخُذُ المُنْفَرِدُ مِنهُمُ السُّدُسَ وعِنْدَ التَّعَدُّدِ يَشْتَرِكُونَ في الثُّلُثِ ذَكَرُهم وأُنْثاهم، سَواءٌ أُخُوَّةَ الأُمِّ بِدَلِيلِ بَيانِهِ تَعالى أنَّ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ أشِقّاءُ أوْ لا، يَرِثُ الواحِدُ مِنهم كُلَّ المالِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ يَرْثُونَ المالَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وَقالَ في المُنْفَرِدِ مِنهم وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، وقالَ في جَماعَتِهِمْ: ﴿وَإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ . وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ، كانُوا أشِقّاءَ أوْ لِأبٍ. كَما أجْمَعُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الآيَةَ، أنَّها في إخْوَةِ الأُمِّ، وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِن أُمٍّ. والتَّحْقِيقُ أنَّ المُرادَ بِالكَلالَةِ عَدَمُ الأُصُولِ والفُرُوعِ، كَما قالَ النّاظِمُ: [ الرَّجَزِ ] ؎وَيَسْألُونَكَ عَنِ الكَلالَةِ هي انْقِطاعُ النَّسْلِ لا مَحالَةَ ؎لا والِدَ يَبْقى ولا مَوْلُودَ ∗∗∗ فانْقَطَعَ الأبْناءُ والجُدُودُ وَهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأكْثَرِ الصَّحابَةِ وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ الكَلالَةَ تُطْلَقُ عَلى القَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوَلَدِ والوالِدِ، وعَلى المَيِّتِ الَّذِي لَمْ يُخْلِفْ والِدًا ولا ولَدًا، وعَلى الوارِثِ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ، وعَلى المالِ المَوْرُوثِ عَمَّنْ لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ؛ إلّا أنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ شائِعٍ واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ الكَلالَةِ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّ أصْلَها مَن تَكَلَّلَهُ إذا أحاطَ بِهِ ومِنهُ الإكْلِيلُ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ، والكُلُّ لِإحاطَتِهِ (p-٢٢٩)بِالرَأْسِ، والكُلُّ لِإحاطَتِهِ بِالعَدَدِ؛ لِأنَّ الوَرَثَةَ فِيها مُحِيطَةٌ بِالمَيِّتِ مِن جَوانِبِهِ لا مِن أصْلِهِ ولا فَرْعِهِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُها مِنَ الكَلالِ بِمَعْنى الإعْياءِ؛ لِأنَّ الكَلالَةَ أضْعَفُ مِن قَرابَةِ الآباءِ والأبْناءِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُها مِنَ الكُلِّ بِمَعْنى الظَّهْرِ وعَلَيْهِ فَهي ما تَرَكَهُ المَيِّتُ وراءَ ظَهْرِهِ، واخْتُلِفَ في إعْرابِ قَوْلِهِ كَلالَةً. فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي حالٌ مِن نائِبِ فاعِلِ يُورَثُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: يُورَثُ في حالِ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ أيْ قَرابَةِ غَيْرِ الآباءِ والأبْناءِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: هي مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: يُورَثُ لِأجْلِ الكَلالَةِ أيِ القَرابَةِ، وقِيلَ: هي خَبَرُ كانَ، ويُورَثُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، أيْ: كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ ذا كَلالَةٍ لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النساء 4:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا أوْ لا ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ جَعَلَ لَهُنَّ السَّبِيلَ بِالحَدِّ كَقَوْلِهِ في البِكْرِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ الآيَةَ [النور: ٢]،، وقَوْلِهِ في الثَّيِّبِ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ باقِيَةُ الحُكْمِ كَما صَحَّ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرْضاهُ وإنْ كانَتْ مَنسُوخَةَ التِّلاوَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ مَأْخُوذٌ أيْضًا مِن آيَةٍ أُخْرى مُحْكَمَةٍ غَيْرِ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، فَإنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِيِّ واليَهُودِيَّةِ اللَّذَيْنِ زَنَيا وهُما مُحْصَنانِ ورَجَمَهُما النَّبِيُّ ﷺ فَذَمُّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ لِلْمُعْرِضِ عَمّا في التَّوْراةِ مِن رَجْمِ الزّانِي المُحْصِنِ، دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ واضِحٌ عَلى بَقاءِ حُكْمِ الرَّجْمِ، ويُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَهُنَّ السَّبِيلَ بِالحَدِّ، قَوْلُهُ ﷺ في الصَّحِيحِ: «خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» الحَدِيثَ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ الآيَةَ. (p-٢٤٦)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الزّانِيَةَ لا تُجْلَدُ بَلْ تُحْبَسُ إلى المَوْتِ أوْ إلى جَعْلِ اللَّهِ لَها سَبِيلًا. وَقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تُحْبَسُ بَلْ تُجْلَدُ مِائَةً إنْ كانَتْ بِكْرًا، وجاءَ في آيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ باقِيَةِ الحُكْمِ أنَّها إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً تُرْجَمُ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنْ حَبْسُ الزَّوانِي في البُيُوتِ مَنسُوخٌ بِالجَلْدِ والرَّجْمِ، أوْ أنَّهُ كانَتْ لَهُ غايَةٌ يُنْتَهى إلَيْها هي جَعْلُ اللَّهِ لَهُنَّ السَّبِيلَ، فَجَعَلَ اللَّهُ السَّبِيلَ بِالحَدِّ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» الحَدِيثَ.

النساء 4:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ نَهى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نِكاحِ المَرْأةِ الَّتِي نَكَحَها الأبُ، ولَمْ يُبَيِّنْ ما المُرادُ بِنِكاحِ الأبِ (p-٢٣٠)هَلْ هو العَقْدُ أوِ الوَطْءُ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ اسْمَ النِّكاحِ يُطْلَقُ عَلى العَقْدِ وحْدَهُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ مَسِيسٌ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فَصَرَّحَ بِأنَّهُ نِكاحٌ وأنَّهُ لا مَسِيسَ فِيهِ. وَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ عَلَيْها الأبُ حَرُمَتْ عَلى ابْنِهِ، وإنْ لَمْ يَمَسَّها الأبُ، وكَذَلِكَ عَقْدُ الِابْنِ مُحَرَّمٌ عَلى الأبِ إجْماعًا، وإنْ لَمْ يَمَسَّها وقَدْ أطْلَقَ تَعالى النِّكاحَ في آيَةٍ أُخْرى مُرِيدًا بِهِ الجِماعَ بَعْدَ العَقْدِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لِأنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ هُنا لَيْسَ مُجَرَّدَ العَقْدِ، بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ الوَطْءِ، كَما قالَ ﷺ لِامْرَأةِ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ: «لا، حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» يَعْنِي الجِماعَ ولا عِبْرَةَ بِما يُرْوى مِنَ المُخالَفَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ لِوُضُوحِ النَّصِّ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ في عَيْنِ المَسْألَةِ. وَمِن هُنا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَفْظُ النِّكاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ العَقْدِ والجِماعِ، وقالَ بَعْضُهم: هو حَقِيقَةٌ في الجِماعِ مَجازٌ في العَقْدِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ وقالَ بَعْضُهم بِالعَكْسِ. تَنْبِيهٌ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ لَفْظَةَ ما مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، مَصْدَرِيَّةٌ وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مِنَ النِّساءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تَنْكِحُوا لا بِقَوْلِهِ نَكَحَ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ ولا تَنْكِحُوا مِنَ النِّساءِ نِكاحَ آبائِكم، أيْ: لا تَفْعَلُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ آباؤُكم مِنَ النِّكاحِ الفاسِدِ، وهَذا القَوْلُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، والَّذِي يَظْهَرُ وجَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ واقِعَةٌ عَلى النِّساءِ الَّتِي نَكَحَها الآباءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْكِحُونَ نِساءَ آبائِهِمْ كَما يَدُلُّ لَهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أبِي حاتِمٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ خَطَبَ ابْنُهُ امْرَأتَهُ، فاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ فَقالَ: ”ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ“، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الآيَةَ» . قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: نِكاحُ زَوْجاتِ الآباءِ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، ومِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ المَذْكُورُ، فَقَدْ تَزَوَّجَ أمَّ عُبَيْدِ اللَّهِ وكانَتْ تَحْتَ الأسْلَتِ أبِيهِ، (p-٢٣١)وَتَزَوَّجَ الأسْوَدُ بْنُ خَلَفٍ ابْنَةَ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وكانَتْ تَحْتَ أبِيهِ خَلَفٍ، وتَزَوَّجَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ فاخِتَةَ ابْنَةَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتْ تَحْتَ أبِيهِ أُمَيَّةَ، كَما نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قائِلًا: إنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، وتَزَوَّجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ زَوْجَةَ أبِيهِ بَعْدَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُسافِرًا وأبا مُعَيْطٍ، وكانَ لَها مِن أُمَيَّةَ أبُو العِيصِ وغَيْرُهُ، فَكانُوا إخْوَةَ مُسافِرٍ وأبِي مُعَيْطٍ وأعْمامِهِما، وتَزَوَّجَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانِ بْنِ سَيّارٍ الفَزارِيُّ زَوْجَةَ أبِيهِ مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، كَما نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، ومُلَيْكَةُ هَذِهِ هي الَّتِي قالَ فِيها مَنظُورٌ المَذْكُورُ بَعْدَ أنْ فَسَخَ نِكاحَها مِنهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [ الطَّوِيلِ ] ؎ألّا لا أُبالِي اليَوْمَ ما فَعَلَ الدَّهْرُ إذا مُنِعَتْ مِنِّي مُلَيْكَةُ والخَمْرُ ؎فَإنْ تَكُ قَدْ أمْسَتْ بَعِيدًا مَزارُها ∗∗∗ فَحَيِّ ابْنَةَ المُرِّيِّ ما طَلَعَ الفَجْرُ وَأشارَ إلى تَزْوِيجِ مَنظُورٍ هَذا زَوْجَةَ أبِيهِ ناظِمُ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ في ذِكْرِ مَشاهِيرِ فَزارَةَ: [ الرَّجَزِ ] ؎مَنظُورٌ النّاكِحُ مَقْتًا وحَلَفَ ∗∗∗ خَمْسِينَ ما لَهُ عَلى مَنعٍ وقَفَ وَقَوْلُهُ: وحَلَفَ إلَخْ. قالَ شارِحُهُ: إنَّ مَعْناهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ حَلَّفَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا بَعْدَ العَصْرِ في المَسْجِدِ أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نَسْخُ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نِكاحِ أزْواجِ الآباءِ، وذَكَرُ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ كِنانَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ أبِيهِ خُزَيْمَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ النَّضْرَ بْنَ كِنانَةَ، قالَ: وقَدْ قالَ ﷺ: «وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ لا مِن سِفاحٍ» فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ سائِغًا لَهم. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وفِيما نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ مِن قِصَّةِ كِنانَةَ نَظَرٌ، وأشارَ إلى تَضْعِيفِ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ ناظِمُ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] ؎وَهِنْدُ بِنْتُ مُرٍّ أمُّ حارِثَةَ ∗∗∗ شَخِيصَةٌ وأُمُّ عَنْزٍ ثالِثَةْ ؎بَرَّةُ أُخْتُها عَلَيْها خَلَفا ∗∗∗ كِنانَةَ خُزَيْمَةَ وضِعْفا ؎أُخْتُهُما عاتِكَةُ ونَسْلُها ∗∗∗ عُذْرَةُ الَّتِي الهَوى يَقْتُلُها وَذَكَرَ شارِحُهُ أنَّ الَّذِي ضَعَّفَ ذَلِكَ هو السُّهَيْلِيُّ نَفْسُهُ، خِلافًا لِظاهِرِ كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ ومَعْنى الأبْياتِ أنَّ هِنْدَ بِنْتَ مُرٍّ أُخْتَ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أدْبَنَ طابِخَةَ بْنِ إلْياسَ هي أمُّ ثَلاثَةٍ (p-٢٣٢)مِن أوْلادِ وائِلِ بْنِ قاسِطٍ وهُمُ الحارِثُ وشَخِيصٌ وعَنْزٌ، وأنَّ أُخْتَها بَرَّةَ بِنْتَ مُرٍّ كانَتْ زَوْجَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، فَتَزَوَّجَها بَعْدَ ابْنِهِ كِنانَةَ، وأنَّ ذَلِكَ مُضَعَّفٌ، وأنَّ أُخْتَهُما عاتِكَةَ بِنْتَ مُرٍّ هي أمُّ عُذْرَةَ أبِي القَبِيلَةِ المَشْهُورَةِ بِأنَّ الهَوى يَقْتُلُها، وقَدْ كانَ مِن مُخْتَلَقاتِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ إرْثُ الأقارِبِ أزْواجَ أقارِبِهِمْ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا ماتَ وألْقى ابْنُهُ أوْ أخُوهُ مَثَلًا ثَوْبًا عَلى زَوْجَتِهِ ورِثَها وصارَ أحَقَّ بِها مِن نَفْسِها، إنْ شاءَ نَكَحَها بِلا مَهْرٍ وإنْ شاءَ أنْكَحَها غَيْرَهُ وأخَذَ مَهْرَها، وإنْ شاءَ عَضَلَها حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ، إلى أنْ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٩]، وأشارَ إلى هَذا ناظِمُ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ] ؎القَوْلُ فِيما اخْتَلَفُوا واخْتَرَقُوا ∗∗∗ ولَمْ يَقُدْ إلَيْهِ إلّا النَّزَقُ ثُمَّ شَرَعَ يُعَدِّدُ مُخْتَلَقاتِهِمْ، إلى أنْ قالَ: [ الرَّجَزِ ] ؎وَأنَّ مَن ألْقى عَلى زَوْجِ أبِيهِ ونَحْوَهُ ∗∗∗ بَعْدَ التَوى ثَوْبًا يُرِيهِ ؎أوْلى بِها مِن نَفْسِها إنْ شاءَ ∗∗∗ نَكَحَ أوْ أنْكَحَ أوْ أساءَ ؎بِالعَضْلِ كَيْ يَرِثَها أوْ تُفْتَدى ∗∗∗ ومَهْرُها في النَّكْحَتَيْنِ لِلرَّدى وَأظْهَرُ الأقْوالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ ما مَضى مِنَ ارْتِكابِ هَذا الفِعْلِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَهو مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ حَلِيلَةَ دَعِيِّهِ الَّذِي تَبَنّاهُ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وهَذا المَفْهُومُ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٠] . أمّا تَحْرِيمُ مَنكُوحَةِ الِابْنِ مِنَ الرِّضاعِ فَهو مَأْخُوذٌ مِن دَلِيلِ خارِجٍ وهو تَصْرِيحُهُ ﷺ «بِأنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرِّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى مَنعِ الجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ أُخْتَيْنِ سَواءٌ كانَتا بِعَقْدٍ أمْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى جَوازِ جَمْعِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وهي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ“ وسُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] . فَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ اسْمٌ مُثَنّى مُحَلّى بِألْ والمُحَلّى بِها مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما تَقَرَّرَ خَرَّجَهُ في عِلْمِ الأُصُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ وهو أيْضًا مِن صِيَغِ العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أيْضًا. فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ يَتَعارَضانِ بِحَسَبَ ما يَظْهَرُ في صُورَةٍ هي جَمْعُ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَيَدُلُّ عُمُومُ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ عَلى التَّحْرِيمِ، وعُمُومُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى الإباحَةِ، كَما قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما أُخْرى. وَحاصِلُ تَحْرِيرِ الجَوابِ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُما لا بُدَّ أنْ يُخَصَّصَ عُمُومُ إحْداهُما بِعُمُومِ الأُخْرى، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ العُمُومَيْنِ، والرّاجِحُ مِنهُما يُقَدَّمُ ويُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الآخَرِ لِوُجُوبِ العَمَلِ بِالرّاجِحِ إجْماعًا، وعَلَيْهِ فَعُمُومُ: وأنْ ﴿تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، أرْجَحُ مِن عُمُومِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عُمُومَ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ نَصٌّ في مَحَلِّ المُدْرَكِ المَقْصُودِ (p-٢٤٧)بِالذّاتِ لِأنَّ السُّورَةَ سُورَةُ ”النِّساءِ“ وهي الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيها مَن تَحِلُّ مِنهُنَّ ومَن تَحْرُمُ، وآيَةُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ لَمْ تُذْكَرْ مِن أجْلِ تَحْرِيمِ النِّساءِ ولا تَحْلِيلِهِنَّ، بَلْ ذَكَرَ اللَّهُ صِفاتَ المُتَّقِينَ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَتِها حِفْظَ الفَرْجِ، فاسْتَطْرَدَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ حِفْظُهُ عَنِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ أخْذَ الأحْكامِ مِن مَظانِّها أوْلى مِن أخْذِها لا مِن مَظانِّها. الثّانِي: أنَّ آيَةَ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ لَيْسَتْ باقِيَةً عَلى عُمُومِها بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ الأُخْتَ مِنَ الرّاضِعِ لا تَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ إجْماعًا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ عُمُومَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ يُخَصِّصُهُ عُمُومُ: ﴿وَأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ومَوْطُوءَةُ الأبِ لا تَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ إجْماعًا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ عُمُومَ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ يُخَصِّصُهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٢] . والأصَحُّ عَنِ الأُصُولِيِّينَ في تَعارُضِ العامِّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مَعَ العامِّ الَّذِي لَمْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ هو تَقْدِيمُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ. الثّالِثُ: أنَّ عُمُومَ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ غَيْرُ وارِدٍ في مَعْرِضِ مَدْحٍ ولا ذَمٍّ، وعُمُومَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وارِدٌ في مَعْرِضِ مَدْحِ المُتَّقِينَ. والعامُّ الوارِدُ في مَعْرِضِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ اخْتَلَفَتِ العُلَماءُ في اعْتِبارِ عُمُومِهِ، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ عُمُومَهُ مُعْتَبَرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤]، فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ بَرٍّ مَعَ أنَّهُ لِلْمَدْحِ، وكُلَّ فاجِرٍ مَعَ أنَّهُ لِلذَّمِّ. وَخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنهُمُ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قائِلًا: إنَّ العامَّ الوارِدَ في مَعْرِضِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ لا عُمُومَ لَهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الحَثُّ في المَدْحِ والزَّجْرُ في الذَّمِّ. وَلِذا لَمْ يَأْخُذِ الإمامُ الشّافِعِيُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ ٩ ]، في الحُلِيِّ المُباحِ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِلذَّمِّ فَلا تَعُمُّ عِنْدَهُ الحُلِيَّ المُباحَ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ العامَّ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِما يَمْنَعُ اعْتِبارَ عُمُومِهِ أوْلى مِنَ المُقْتَرِنِ بِما يَمْنَعُ اعْتِبارَ عُمُومِهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ. الرّابِعُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا المُعارَضَةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فالأصْلُ في الفُرُوجِ التَّحْرِيمُ، حَتّى يَدُلَّ دَلِيلٌ لا مَعارِضَ لَهُ عَلى الإباحَةِ. (p-٢٤٨)الخامِسُ: أنَّ العُمُومَ المُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ أوْلى مِنَ المُقْتَضِي لِلْإباحَةِ لِأنَّ تَرْكَ مُباحٍ أهْوَنُ مِنِ ارْتِكابِ حَرامٍ كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فَهَذِهِ الأوْجُهُ الخَمْسَةُ الَّتِي بَيَّنّا يُرَدُّ بِها اسْتِدْلالُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى جَمْعِ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ولَكِنَّهُ يَحْتَجُّ بِآيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فَإنَّهُ يَقُولُ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ أيْضًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى قَوْلِهِ: وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم، فَإنَّهُ لا يَحْرُمُ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. وَرُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ لِكُلِّ ما قَبْلُهُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ جُمَلًا كانَتْ أوْ مُفْرِداتٍ هو الجارِي عَلى أُصُولِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ [ الرَّجَزِ ]: ؎وَكُلُّ ما يَكُونُ فِيهِ العَطْفُ مِن قَبْلِ الِاسْتِثْناءِ فَكُلًّا يَقِفُ دُونَ دَلِيلِ العَقْلِ أوْ ذِي السَّمْعِ. خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، ولِذَلِكَ لا يَرى قَبُولَ شَهادَةِ القاذِفِ ولَوْ تابَ وأصْلَحَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥]، يَرْجِعُ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فَقَطْ أيْ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾، فَقَدْ زالَ فِسْقُهم بِالتَّوْبَةِ ولا يَقُولُ بِرُجُوعِهِ لِقَوْلِهِ: ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً إلّا الَّذِينَ تابُوا فاقْبَلُوا شَهادَتَهم، بَلْ يَقُولُ: لا تَقْبَلُوها لَهم مُطْلَقًا لِاخْتِصاصِ الِاسْتِثْناءِ بِالأخِيرَةِ عِنْدَهُ. وَلَمْ يُخالِفْ أبُو حَنِيفَةَ أصْلَهُ في قَوْلِهِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، لِجَمِيعِ الجُمَلِ قَبْلَهُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الجُمَلِ مَعْناها في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، لِأنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ”ذَلِكَ“ شامِلَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنى، فَبِرُجُوعِهِ لِلْأخِيرَةِ رَجَعَ لِلْكُلِّ، فَظَهَرَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ لَمْ يُخالِفْ فِيها أصْلَهُ. (p-٢٤٩)وَلِأجْلِ هَذا الأصْلِ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ لَوْ قالَ رَجُلٌ: هَذِهِ الدّارُ حَبْسٌ عَلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ وبَنِي زُهْرَةَ وبَنِي تَمِيمٍ إلّا الفاسِقَ مِنهم، فَإنَّهُ يَخْرُجُ فاسِقُ الكُلِّ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ القائِلِينَ يَخْرُجُ فاسِقُ الأخِيرَةِ فَقَطْ. وَعَلى هَذا، فاحْتِجاجُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ جارٍ عَلى أُصُولِ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو ما حَقَّقَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ كابْنِ الحاجِبِ مِنَ المالِكِيَّةِ والغَزالِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ والآمِدِيِّ مِنَ الحَنابِلَةِ مِن أنَّ الحُكْمَ في الِاسْتِثْناءِ الآتِي بَعْدَ مُتَعاطِفاتٍ هو الوَقْفُ، وأنْ لا يُحْكَمَ بِرُجُوعِهِ إلى الجَمِيعِ ولا إلى الأخِيرَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩] . وَإذا رَدَدْنا هَذا النِّزاعَ إلى اللَّهِ وجَدْنا القُرْآنَ دالًّا عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ، الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ هو التَّحْقِيقُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فالِاسْتِثْناءُ راجِعٌ لِلدِّيَةِ فَهي تَسْقُطُ بِتَصَدُّقِ مُسْتَحِقِّها بِها ولا يَرْجِعُ لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ قَوْلًا واحِدًا لِأنَّ تَصَدُّقَ مُسْتَحِقِّ الدِّيَةِ بِها لا يُسْقِطُ كَفّارَةَ القَتْلِ خَطَأً، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] . فالِاسْتِثْناءُ لا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ لِأنَّ القاذِفَ إذا تابَ لا تُسْقِطُ تَوْبَتُهُ حَدَّ القَذْفِ. وَمِنها أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٥] . فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ لا يَرْجِعُ قَوْلًا واحِدًا إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ الجُمَلِ إلَيْهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ إذْ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ مِنَ الكُفّارِ، ولَوْ وصَلُوا إلى قَوْمٍ (p-٢٥٠)بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، بَلِ الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ لِلْأخْذِ والقَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ والمَعْنى فَخُذُوهم بِالأسْرِ واقْتُلُوهم إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَلَيْسَ لَكم أخْذُهم بِأسْرٍ ولا قَتْلُهم لِأنَّ المِيثاقَ الكائِنَ لِمَن وصَلُوا إلَيْهِمْ يَمْنَعُ مَن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ، كَما اشْتَرَطَهُ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ في صُلْحِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وفي سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ وفي بَنِي جُذَيْمَةَ بْنِ عامِرٍ. وَإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ رُبَّما لَمْ يَرْجِعْ لِأقْرَبِ الجُمَلِ إلَيْهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي هو في الطَّرَفِ الأعْلى مِنَ الإعْجازِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في الرُّجُوعِ إلى غَيْرِها. وَمِنها أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] . فالِاسْتِثْناءُ لَيْسَ راجِعًا لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي يَلِيها أعْنِي: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلًّا ولَمْ يَنْجُ مِن ذَلِكَ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ حَتّى يَخْرُجَ بِالِاسْتِثْناءِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَرْجِعِ هَذا الِاسْتِثْناءِ فَقِيلَ راجِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] . وقِيلَ راجِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وإذا لَمْ يَرْجِعْ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها فَلا يَكُونُ نَصًّا في رُجُوعِهِ لِغَيْرِها، وقِيلَ إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها فَلا يَكُونُ نَصًّا في رُجُوعِهِ لِغَيْرِها وقِيلَ إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها. وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ في مِلَّةِ آبائِكم مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ إلّا قَلِيلًا. كَمَن كانَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ كَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وزَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ وقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ وأضْرابِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ عَبْدَ الرَّزّاقِ رَوى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ أنَّ مَعْناهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلًّا. قالَ: والعَرَبُ تُطْلِقُ القِلَّةَ وتُرِيدُ بِها العَدَمَ. واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ الطِّرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ يَمْدَحُ يَزِيدَ بْنَ المُهَلَّبِ [ المُتَقارِبِ ]: ؎أشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوادِي ∗∗∗ قَلِيلُ المَثالِبِ والقادِحَهْ يَعْنِي لا مَثْلَبَةَ فِيهِ ولا قادِحَةَ. (p-٢٥١)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إطْلاقُ القِلَّةِ وإرادَةُ العَدَمِ كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ∗∗∗ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها يَعْنِي أنَّهُ لا صَوْتَ في تِلْكَ الفَلاةِ غَيْرَ بُغامِ راحِلَتِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَما بَأْسُ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنا تَحِيَّةً ∗∗∗ قَلِيلًا لَدى مَن يَعْرِفُ الحَقَّ عابَها يَعْنِي لا عابَ فِيها عِنْدَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَلا شاهِدَ في الآيَةِ. وبِهَذا التَّحْقِيقِ الَّذِي حَرَّرْنا يُرَدُّ اسْتِدْلالُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَفْظَ المُحْصَناتِ أُطْلِقَ في القُرْآنِ ثَلاثَةَ إطْلاقاتٍ: (p-٢٣٣)الأوَّلُ: المُحْصَناتُ العَفائِفُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتِ. الثّانِي: المُحْصَناتُ الحَرائِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، أيْ: عَلى الإماءِ نِصْفُ ما عَلى الحَرائِرِ مِنَ الجَلْدِ. الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِالإحْصانِ التَّزَوُّجُ، ومِنهُ عَلى التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ الآيَةَ، أيْ: فَإذا تَزَوَّجْنَ. وقَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ الإسْلامُ خِلافَ الظّاهِرِ مِن سِياقِ الآيَةِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ حَيْثُ قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: والأظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ هاهُنا التَّزْوِيجُ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، واللَّهِ أعْلَمُ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ سِياقُها في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: تَزَوَّجْنَ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ، أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ هي أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ، والقُرْآنُ يُفْهَمُ مِنهُ تَرْجِيحُ واحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنها. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا أعَمُّ مِنَ العَفائِفِ والحَرائِرِ والمُتَزَوِّجاتِ أيْ: حَرُمَتْ عَلَيْكم جَمِيعُ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أوْ مِلْكٍ شَرْعِيٍّ بِالرِّقِّ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ تَحْرِيمُ النِّساءِ كُلُّهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ تَسَرٍّ شَرْعِيٍّ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ واخْتارَهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ في الآيَةِ الحَرائِرُ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ غَيْرُ الأرْبَعِ، وأُحِلَّ لَكم ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، وعَلَيْهِ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: المُتَزَوِّجاتُ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى الآيَةِ (p-٢٣٤)وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُتَزَوِّجاتُ؛ لِأنَّ ذاتَ الزَّوْجِ لا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مِنَ الكُفّارِ، فَإنَّ السَّبْيَ يَرْفَعُ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ الأُولى في الكُفْرِ وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ لِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ فِيهِ حَمْلُ مِلْكِ اليَمِينِ عَلى ما يَشْمَلُ مِلْكَ النِّكاحِ، ومِلْكُ اليَمِينِ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا بِمَعْنى المِلْكِ بِالرِّقِّ، • كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، في المَوْضِعَيْنِ، فَجَعَلَ مِلْكَ اليَمِينِ قِسْمًا آخَرَ غَيْرَ الزَّوْجِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَلَكَتْ أيْمانُكُمُ الإماءُ دُونَ المَنكُوحاتِ كَما هو ظاهِرٌ، وكَذَلِكَ الوَجْهُ الثّانِي غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ مِن مَعْنى لَفْظِ الآيَةِ كَما تَرى. وَصَرَّحَ ابْنُ القَيِّمِ بِأنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَظَهَرَ أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى المَعْنى الَّذِي اخْتَرْنا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ الأُخَرُ الَّتِي ذَكَرْنا، ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِها كَما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أصَبْنا سَبْيًا مِن سَبْيِ أُوطاسٍ ولَهُنَّ أزْواجٌ فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فاسْتَحْلَلْنا فُرُوجَهُنَّ» . وَرَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في سَبايا خَيْبَرَ، ونَظِيرُ هَذا التَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: [ الطَّوِيلِ ] ؎وَذاتُ حَلِيلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقْ * * تَنْبِيهٌ فَإنْ قِيلَ: عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾، لا يَخْتَصُّ بِالمَسْبِيّاتِ، بَلْ ظاهِرُ هَذا العُمُومِ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ إذا مَلَكَها رَجُلٌ آخَرُ فَهي تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ اليَمِينِ ويَرْتَفِعُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بِذَلِكَ المِلْكِ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في خُصُوصِ المَسْبِيّاتِ كَما ذَكَرْنا، (p-٢٣٥)فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، فالجَوابُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ السَّلَفِ قالُوا بِظاهِرِ هَذا العُمُومِ، فَحَكَمُوا بِأنَّ بَيْعَ الأمَةِ مَثَلًا يَكُونُ طَلاقًا لَها مِن زَوْجِها أخْذًا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ ومَعْمَرٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو ما ذَكَرْنا مِنِ اخْتِصاصِ هَذا الحُكْمِ بِالمَسْبِيّاتِ دُونَ غَيْرِها مِنَ المَمْلُوكاتِ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبْيِ، كالبَيْعِ مَثَلًا ولَيْسَ مِن تَخْصِيصِ العامِّ بِصُورَةِ سَبَبِهِ. وأوْضَحُ دَلِيلٍ في ذَلِكَ قِصَّةُ بِرَيْرَةَ المَشْهُورَةُ مَعَ زَوْجِها مُغِيثٌ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أقْوالَ الجَماعَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في أنَّ البَيْعَ طَلاقٌ، ما نَصُّهُ: وقَدْ خالَفَهُمُ الجُمْهُورُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَرَأوْا أنَّ بَيْعَ الأمَةِ لَيْسَ طَلاقًا لَها؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ نائِبٌ عَنِ البائِعِ، والبائِعُ كانَ قَدْ أخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ هَذِهِ المَنفَعَةَ، وباعِها مَسْلُوبَةً عَنْهُ، واعْتَمَدُوا في ذَلِكَ عَلى «حَدِيثِ بِرَيْرَةَ المُخَرَّجِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما، فَإنَّ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْها، وأعْتَقَتْها ولَمْ يَنْفَسِخْ نِكاحُها مِن زَوْجِها مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الفَسْخِ والبَقاءِ، فاخْتارَتِ الفَسْخَ» وقِصَّتُها مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كانَ بَيْعُ الأمَةِ طَلاقَها كَما قالَ هَؤُلاءِ ما خَيَّرَها النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا خَيَّرَها دَلَّ عَلى بَقاءِ النِّكاحِ، وأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ المَسْبِيّاتُ فَقَطْ، واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ مِنهُ لَفْظُهُ. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ المُشْتَرِي امْرَأةً لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكاحُ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ الِاسْتِمْتاعَ بِبُضْعِ الأمَةِ، بِخِلافِ الرَّجُلِ، ومِلْكُ اليَمِينِ أقْوى مِن مِلْكِ النِّكاحِ، كَما قالَ بِهَذا جَماعَةٌ، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ حَدِيثُ بِرَيْرَةَ، فالجَوابُ هو ما حَرَّرَهُ ابْنُ القَيِّمِ، وهو أنَّها إنْ لَمْ تَمْلِكِ الِاسْتِمْتاعَ بِبُضْعِ أمَتِها، فَهي تَمْلِكُ المُعاوَضَةَ عَلَيْهِ وتَزْوِيجَها وأخْذَ مَهْرِها، وذَلِكَ كَمِلْكِ الرَّجُلِ وإنْ لَمْ تَسْتَمْتِعْ بِالبُضْعِ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ في مَعْنى الآيَةِ وحُرِّمَتْ عَلَيْكم المُحْصَناتُ أيْ: المُتَزَوِّجاتُ، إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مِنَ الكَفّارِ، فَلا مَنعَ في وطْئِهِنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ؛ لِانْهِدامِ الزَّوْجِيَّةِ الأُولى بِالسَّبْيِ كَما قَرَّرْنا، وكانَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مُتَزَوِّجَةً بِرَجُلٍ اسْمُهُ مُسافِعٌ، فَسُبِيَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ وقِصَّتُها مَعْرُوفَةٌ. قالَ ناظِمُ قُرَّةِ الأبْصارِ في جُوَيْرِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: [ الرَّجَزِ ] ؎وَقَدْ سَباها في غُزاةِ المُصْطَلِقِ مِن بَعْلِها مُسافِعٌ بِالمُنْزَلَقِ وَمُرادُهُ بِالمُنْزَلَقِ السَّيْفُ، ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في السَّبْيِ، هَلْ يُبْطِلُ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ (p-٢٣٦)الأُولى مُطْلَقًا ولَوْ سُبِيَ الزَّوْجُ مَعَها، وهو ظاهِرُ الآيَةِ أوْ لا يُبْطِلُهُ إلّا إذا سُبِيَتْ وحْدَها دُونَهُ ؟ فَإنْ سُبِيَ مَعَها فَحُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ باقٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ أحْمَدَ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: كَما أنَّكم تَسْتَمْتِعُونَ بِالمَنكُوحاتِ فَأعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى تَدُلُّ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢١]، فَإفْضاءُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ المُصَرَّحُ بِأنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِ الصَّداقِ كامِلًا، هو بِعَيْنِهِ الِاسْتِمْتاعُ المَذْكُورُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٩] . فالآيَةُ في عَقْدِ النِّكاحِ، لا في نِكاحِ المُتْعَةِ كَما قالَ بِهِ مَن لا يَعْلَمُ مَعْناها، فَإنْ قِيلَ: التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الأُجُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأُجْرَةُ في نِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ الصَّداقَ لا يُسَمّى أجْرًا، فالجَوابُ أنَّ القُرْآنَ جاءَ في تَسْمِيَةِ الصَّداقِ أجْرًا في مَوْضِعٍ لا نِزاعَ فِيهِ؛ لِأنَّ الصَّداقَ لِما كانَ في مُقابَلَةِ الِاسْتِمْتاعِ بِالزَّوْجَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ الآيَةَ، صارَ لَهُ شَبَهٌ قَوِيٌّ بِأثْمانِ المَنافِعِ فَسُمِّيَ أجْرًا، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٥]، أيْ: مُهُورَهُنَّ بِلا نِزاعٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥] . أيْ: مُهُورَهُنَّ فاتَّضَحَ أنَّ الآيَةَ في النِّكاحِ لا في نِكاحِ المُتْعَةِ، فَإنْ قِيلَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ يَقْرَءُونَ: فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في نِكاحِ المُتْعَةِ، فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهم إلى أجَلٍ مُسَمّى لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا؛ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى عَدَمِ كَتْبِهِ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، وأكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ عَلى أنَّ ما قَرَأهُ الصَّحابِيُّ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ، ولَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا لا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ باطِلٌ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْقُلْهُ إلّا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ فَبَطَلَ كَوْنُهُ قُرْآنًا ظَهَرَ بُطْلانُهُ مِن أصْلِهِ. الثّانِي: أنّا لَوْ مَشَيْنا عَلى أنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ كالِاحْتِجاجِ بِخَبَرِ الآحادِ كَما قالَ بِهِ قَوْمٌ، أوْ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنهم لِلْآيَةِ بِذَلِكَ، فَهو مُعارَضٌ بِأقْوى مِنهُ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى (p-٢٣٧)خِلافِهِ؛ ولِأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ قاطِعَةٌ بِكَثْرَةٍ بِتَحْرِيمِ نِكاحِ المُتْعَةِ، وصَرَّحَ ﷺ بِأنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ دائِمٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كَما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن «حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ غَزا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أذِنْتُ لَكم في الِاسْتِمْتاعِ في النِّساءِ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا“» . وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ في حَجَّةِ الوَداعِ: ولا تَعارُضَ في ذَلِكَ؛ لِإمْكانِ أنَّهُ ﷺ قالَ ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وفي حَجَّةِ الوَداعِ أيْضًا والجَمْعُ واجِبٌ إذا أمْكَنَ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ وعُلُومِ الحَدِيثِ. الثّالِثُ: أنا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ نِكاحِ المُتْعَةِ فَإنَّ إباحَتَها مَنسُوخَةٌ كَما صَحَّ نَسْخُ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْها عَنْهُ ﷺ وقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ الأُولى يَوْمَ خَيْبَرَ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، والآخِرَةُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نُسِخَتْ مَرَّةً واحِدَةً يَوْمَ الفَتْحِ، والَّذِي وقَعَ في خَيْبَرَ تَحْرِيمُ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَقَطْ، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّواةِ أنَّ يَوْمَ خَيْبَرَ ظَرْفٌ أيْضًا لِتَحْرِيمِ المُتْعَةِ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ القَيِّمِ، ولَكِنْ بَعْضَ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، صَرِيحَةٌ في تَحْرِيمِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ أيْضًا، فالظّاهِرُ أنَّها حُرِّمَتْ مَرَّتَيْنِ كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وصَحَّتِ الرِّوايَةُ بِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الفَرْجِ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والسَّرِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، في المَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّ المُبْتَغى وراءَ ذَلِكَ مِنَ العادِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧] . وَمَعْلُومٌ أنَّ المُسْتَمْتِعَ بِها لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً ولا زَوْجَةً، فَمُبْتَغِيها إذَنْ مِنَ العادِينَ بِنَصِّ القُرْآنِ، أمّا كَوْنُها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَواضِحٌ، وأمّا كَوْنُها غَيْرَ زَوْجَةٍ فَلِانْتِفاءِ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْها كالمِيراثِ، والعِدَّةِ، والطَّلاقِ، والنَّفَقَةِ، ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَوَرِثَتْ واعْتَدَّتْ ووَقَعَ عَلَيْها الطَّلاقُ ووَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ، كَما هو ظاهِرٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي هي: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (p-٢٣٨)[المؤمنون: ٧٥ - ٢٩، ٣١]، صَرِيحَةٌ في مَنعِ الِاسْتِمْتاعِ بِالنِّساءِ الَّذِي نُسِخَ. وسِياقُ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ الآيَةَ في عَقْدِ النِّكاحِ كَما بَيَّنّا لا في نِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحَرَّماتِ الَّتِي لا يَجُوزُ نِكاحُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الخَ. . . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ غَيْرَ تِلْكَ المُحَرَّماتِ حَلالٌ بِالنِّكاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن نَكَحْتُمْ مِنهُنَّ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها يَلْزَمُكم أنْ تُعْطُوها مَهْرَها، مُرَتَّبًا لِذَلِكَ بِالفاءِ عَلى النِّكاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤]، كَما بَيَّناهُ واضِحًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأمَةَ لا يَجُوزُ نِكاحُها، ولَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلّا إذا كانَتْ مُؤْمِنَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فَمَفْهُومُ مُخالَفَتِهِ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِناتِ مِنَ الإماءِ لا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذا المَفْهُومُ يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، فَإنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ فِيها الحَرائِرُ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإماءَ الكَوافِرَ لا يَحِلُّ نِكاحُهُنَّ ولَوْ كُنَّ كِتابِيّاتٍ، وخالَفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأجازَ نِكاحَ الأمَةِ الكافِرَةِ، وأجازَ نِكاحَ الإماءِ لِمَن عِنْدَهُ طَوْلٌ يَنْكِحُ بِهِ الحَرائِرَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ كَما عُرِفَ في أُصُولِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. أمّا وطْءُ الأمَةِ الكافِرَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَإنَّها إنْ كانَتْ كِتابِيَّةٌ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى إباحَةِ وطْئِها بِالمِلْكِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٦]، ولِجَوازِ نِكاحِ حَرائِرِهِمْ فَيَحِلُّ التَّسَرِّي بِالإماءِ مِنهم. وأمّا إنْ كانَتِ الأمَةُ المَمْلُوكَةُ لَهُ مَجُوسِيَّةً أوْ عابِدَةَ وثَنٍ مِمَّنْ لا يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهِمْ؛ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى مَنعِ وطْئِها بِمِلْكِ اليَمِينِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وعَلَيْهِ جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، وما خالَفَهُ فَهو شُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولَمْ يَبْلُغْنا إباحَةُ ذَلِكَ إلّا عَنْ طاوُسٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ جَوازُ وطْءِ الأمَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وإنْ كانَتْ عابِدَةَ وثَنٍ أوْ مَجُوسِيَّةً؛ لِأنَّ أكْثَرَ السَّبايا في عَصْرِهِ ﷺ مِن (p-٢٣٩)كُفّارِ العَرَبِ وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ حَرَّمَ وطْأهُنَّ بِالمِلْكِ لِكُفْرِهِنَّ ولَوْ كانَ حَرامًا لَبَيَّنَهُ، بَلْ قالَ ﷺ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا غَيْرُ ذاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً»، ولَمْ يَقُلْ حَتّى يُسْلِمْنَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَقالَهُ وقَدْ أخَذَ الصَّحابَةُ سَبايا فارِسَ وهُنَّ مَجُوسٌ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُمُ اجْتَنَبُوهُنَّ حَتّى أسْلَمْنَ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: ودَلَّ هَذا القَضاءُ النَّبَوِيُّ عَلى جَوازِ وطْءِ الإماءِ الوَثَنِيّاتِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَإنَّ سَبايا أُوطاسٍ لَمْ يَكُنْ كِتابِيّاتٍ، ولَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وطْئِهِنَّ إسْلامَهُنَّ، ولَمْ يَجْعَلِ المانِعَ مِنهُ إلّا الِاسْتِبْراءَ فَقَطْ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ مُمْتَنِعٌ مَعَ أنَّهم حَدِيثُو عَهْدٍ بِالإسْلامِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ حُكْمُ هَذِهِ المَسْألَةِ وحُصُولُ الإسْلامِ مِن جَمِيعِ السَّبايا، وكُنَّ عِدَّةَ آلافٍ بِحَيْثُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهُنَّ عَنِ الإسْلامِ جارِيَةٌ واحِدَةٌ مِمّا يُعْلَمُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يُكْرَهْنَ عَلى الإسْلامِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مِنَ البَصِيرَةِ والرَّغْبَةِ والمَحَبَّةِ في الإسْلامِ ما يَقْتَضِي مُبادَرَتَهُنَّ إلَيْهِ جَمِيعًا، فَمُقْتَضى السُّنَّةِ وعَمَلِ الصَّحابَةِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ جَوازُ وطْءِ المَمْلُوكاتِ عَلى أيِّ دِينٍ كُنَّ، وهَذا مَذْهَبُ طاوُسٍ وغَيْرِهِ، وقَوّاهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ فِيهِ ورَجَّحَ أدِلَّتَهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ا هـ كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ بِلَفْظِهِ وهو واضِحٌ جِدًّا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا العَذابَ الَّذِي عَلى المُحْصَناتِ وهُنَّ الحَرائِرُ الَّذِي نِصْفُهُ عَلى الإماءِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ جِلْدٌ مِائَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ عَلى الأمَةِ الزّانِيَةِ خَمْسِينَ جَلْدَةً ويَلْحَقُ بِها العَبْدُ الزّانِي فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ، فَعُمُومُ الزّانِيَةِ مَخْصُوصٌ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وعُمُومُ الزّانِي مَخْصُوصٌ بِالقِياسِ عَلى المَنصُوصِ؛ لِأنَّهُ لا فارِقَ البَتَّةَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ إلّا الرِّقَّ، فَعُلِمَ أنَّهُ سَبَبُ تَشْطِيرِ الجَلْدِ فَأجْرى في العَبْدِ لِاتِّصافِهِ بِالرِّقِّ الَّذِي هو مَناطُ تَشْطِيرِ الجَلْدِ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ مِن أمْثِلَةِ تَخْصِيصِ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ، بِناءً عَلى أنَّ نَوْعَ تَنْقِيحِ المَناطِ المَعْرُوفِ بِإلْغاءِ الفارِقِ يُسَمّى قِياسًا، والخِلافُ في كَوْنِهِ قِياسًا مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ. أمّا الرَّجْمُ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَتَشَطَّرُ، فَلَمْ يَدْخُلْ في المُرادِ بِالآيَةِ. تَنْبِيهٌ قَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ التَّحْقِيقَ في مَعْنى أُحْصِنَّ أنَّ المُرادَ بِهِ تَزَوَّجْنَ، وذَلِكَ هو (p-٢٤٠)مَعْناهُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ قِراءَتُهُ بِالبِناةِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، خِلافًا لِما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن أنَّ مَعْنى قِراءَةِ أحْصَنَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والصّادِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أسْلَمْنَ، وأنَّ مَعْنى أُحْصِنَّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ زُوِّجْنَ، وعَلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] أنَّ الأمَةَ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ لا حَدَّ عَلَيْها إذا زَنَتْ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حَدَّها في الآيَةِ بِالإحْصانِ، وتَمَسَّكَ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ في رِوايَةٍ فَقالُوا: لا حَدَّ عَلى مَمْلُوكَةٍ حَتّى تَتَزَوَّجَ، والجَوابُ عَنْ هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ مَفْهُومَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ إجْمالٌ وقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وإيضاحُهُ أنَّ تَعْلِيقَ جَلْدِ الخَمْسِينَ المَذْكُورَ في الآيَةِ عَلى إحْصانِ الأمَةِ، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الأمَةَ الَّتِي لَمْ تُحْصَنْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَقَطْ، فَيُحْتَمَلُ أنَّها لا تُجْلَدُ، ويُحْتَمَلُ أنَّها تُجْلَدُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أوْ أقَلَّ أوْ تُرْجَمُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحْتَمَلاتِ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ غَيْرَ المُحْصَنَةِ مِنَ الإماءِ كَذَلِكَ، لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ المُحْصَنَةِ، والحِكْمَةُ في التَّعْبِيرِ بِخُصُوصِ المُحْصَنَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّها تُرْجَمُ كالحُرَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالا: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ قالَ: ”إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ»“ . قالَ ابْنُ شِهابٍ: لا أدْرِي أبْعَدَ الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ، وحَمْلُ الجَلْدِ في الحَدِيثِ عَلى التَّأْدِيبِ غَيْرُ ظاهِرٍ، لا سِيَّما وفي بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِالحَدِّ، فَمَفْهُومُ هَذِهِ الآيَةِ هو بِعَيْنِهِ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وأجابَ فِيهِ بِالأمْرِ بِالجَلْدِ في هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ السّائِلَ ما سَألَهُ إلّا لِأنَّهُ أُشْكِلَ عَلَيْهِ مَفْهُومُ هَذِهِ الآيَةِ فالحَدِيثُ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولَوْ كانَ جَلْدُ غَيْرِ المُحْصَنَةِ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ مِن جَلْدِ المُحْصَنَةِ لَبَيَّنَهُ ﷺ . وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الأقْوالَ المُخالِفَةَ لِهَذا لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن وافَقَهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا، وكالقَوْلِ بِأنَّ غَيْرَ المُحْصَنَةِ تُجْلَدُ مِائَةً، وهو المَشْهُورُ عَنْ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظّاهِرِيِّ، ولا يَخْفى بَعْدَهُ وكالقَوْلِ بِأنَّ الأمَةَ المُحْصَنَةَ تُرْجَمُ وغَيْرُ المُحْصَنَةِ تُجْلَدُ خَمْسِينَ، وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، ولا يَخْفى شِدَّةُ بُعْدِهِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإماءَ إذا زَنَيْنَ جُلِدْنَ خَمْسِينَ جَلْدَةً وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى أنَّ كُلَّ زانِيَةٍ تُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ ”النُّورِ“، لِأنَّهُ لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ.

النساء 4:26

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ] . وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٨]، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلافًا مُبِينًا عَلى الِاخْتِلافِ في حُكْمِ هَذِهِ المَسْألَةِ. فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنا فَهو شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِن شَرْعِنا عَلى نَسْخِهِ، لِأنَّهُ ما ذُكِرَ لَنا في شَرْعِنا إلّا لِأجْلِ الِاعْتِبارِ والعَمَلِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ أنَّ شَرائِعَ الرُّسُلِ رُبَّما يُنْسَخُ في بَعْضِها حُكْمٌ كانَ في غَيْرِها أوْ يُزادُ في بَعْضِها حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها. (p-٢٥٢)فالشِّرْعَةُ إذَنْ إمّا بِزِيادَةِ أحْكامٍ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً قَبْلُ وإمّا بِنَسْخِ شَيْءٍ كانَ مَشْرُوعًا قَبْلُ، فَتَكُونُ الآيَةُ لا دَلِيلَ فِيها عَلى أنَّ ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يُنْسَخْ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْعِنا لِأنَّ زِيادَةَ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ أوْ نَسْخَ ما كانَ مِن قَبْلُ كِلاهُما لَيْسَ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ. وَأمّا عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لَيْسَ شَرْعًا لَنا إلّا بِنَصٍّ مِن شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا. فَوَجْهُ الجَمْعِ أنَّ المُرادَ بِسُنَنِ مَن قَبْلَنا وبِالهُدى في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أُصُولُ الدِّينِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ لا الفُرُوعُ العِلْمِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الآيَةَ. وَلَكِنَّ هَذا الجَمْعَ الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”ص“ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ «سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ السَّجْدَةَ في ”ص“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَسَجَدَها داوُدُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، ومَعْلُومٌ أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ مِنَ الفُرُوعِ لا مِنَ الأُصُولِ، وقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَها اقْتِداءٍ بِداوُدَ، وقَدْ بَيَّنْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بَيانًا شافِيًا في رِحْلَتِي، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها هُنا.

النساء 4:33

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى إرْثِ الحُلَفاءِ مِن حُلَفائِهِمْ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] . والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ. ونَسْخُها لَها هو الحَقُّ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ في القَوْلِ بِإرْثِ الحُلَفاءِ اليَوْمَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ. وَقَدْ أجابَ بَعْضُهم بِأنَّ مَعْنى: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾، أيْ مِنَ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ، وعَلَيْهِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَهُما، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النُّشُوزَ قَدْ يَحْصُلُ مِنَ النِّساءِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هَلْ يَحْصُلُ مِنَ الرِّجالِ نُشُوزٌ أوْ لا ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ (p-٢٤١)أنَّ النُّشُوزَ أيْضًا قَدْ يَحْصُلُ مِنَ الرِّجالِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٨]، وأصْلُ النُّشُوزِ في اللُّغَةِ الِارْتِفاعُ، فالمَرْأةُ النّاشِزُ كَأنَّها تَرْتَفِعُ عَنِ المَكانِ الَّذِي يُضاجِعُها فِيهِ زَوْجُها، وهو في اصْطِلاحِ الفُقَهاءِ الخُرُوجُ عَنْ طاعَةِ الزَّوْجِ، وكَأنَّ نُشُوزَ الرَّجُلِ ارْتِفاعُهُ أيْضًا عَنِ المَحَلِّ الَّذِي فِيهِ الزَّوْجَةُ وتَرْكُهُ مُضاجَعَتَها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقَلَّ ما تُضاعَفُ بِهِ الحَسَنَةُ ولا أكْثَرَهُ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ أقَلَّ ما تُضاعَفُ بِهِ عَشْرُ أمْثالِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ المُضاعَفَةَ رُبَّما بَلَغَتْ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ إلى ما شاءَ اللَّهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦١] كَما تَقَدَّمَ.

النساء 4:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ الآيَةَ، عَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ مَعْناهُ أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنَّ يَسْتُوُوا بِالأرْضِ، فَيَكُونُوا تُرابًا مِثْلَها عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ بَيِّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ عَدَمَ الكَتْمِ المَذْكُورِ هُنا، إنَّما هو بِاعْتِبارِ إخْبارِ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِكُلِّ ما عَمِلُوا عِنْدَ الخَتْمِ عَلى أفْواهِهِمْ إذا أنْكَرُوا شِرْكَهم ومَعاصِيَهم وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، فَلا يَتَنافى قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، مَعَ قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ عَنْهم أيْضًا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [ ٤٠ ]، لِلْبَيانِ الَّذِي ذَكَرْنا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ . (p-٢٥٣)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَكْتُمُونَ مِن خَبَرِهِمْ شَيْئًا يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [ ٤٠ ] . وَوَجْهُ الجَمْعِ في ذَلِكَ هو ما بَيَّنَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وهو أنَّ ألْسِنَتَهم تَقُولُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَشْهَدُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَكَتَمَ الحَقَّ بِاعْتِبارِ اللِّسانِ وعَدِمَهُ بِاعْتِبارِ الأيْدِي والأرْجُلِ، وهَذا الجَمْعُ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . وَأجابَ بَعْضُ العُلَماءِ بِتَعَدُّدِ الأماكِنِ فَيَكْتُمُونَ في وقْتٍ ولا يَكْتُمُونَ في وقْتٍ آخَرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ بَيِّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ زَوالَ السُّكْرِ بِأنَّهُ هو أنْ يَثُوبَ لِلسَّكْرانِ عَقْلُهُ، حَتّى يَعْلَمَ مَعْنى الكَلامِ الَّذِي يَصْدُرُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .

النساء 4:44

(p-٢٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَعَ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ يُرِيدُونَ إضْلالَ المُسْلِمِينَ أيْضًا. وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم كَثِيرٌ، وأنَّهم يَتَمَنَّوْنَ رِدَّةَ المُسْلِمِينَ، وأنَّ السَّبَبَ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ إنَّما هو الحَسَدُ وأنَّهم ما صَدَرَ مِنهم ذَلِكَ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمُ الحَقَّ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ [البقرة: ١٠٩] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا الإضْلالَ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لا يَقَعُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وإنَّما يَقَعُ مِنهم أعْنِي المُتَمَنِّينَ الضَّلالَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [ ٣ ] .

النساء 4:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ لَعْنِهِ لِأصْحابِ السَّبْتِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ لَعْنَهُ لَهم هو مَسْخُهم قِرَدَةً ومَن مَسَخَهُ اللَّهُ قِرْدًا غَضَبًا عَلَيْهِ مَلْعُونٌ بِلا شَكٍّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، والِاسْتِدْلالُ عَلى مُغايَرَةِ اللَّعْنِ لِلْمَسْخِ بِعَطْفِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]، لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُغايَرَتِهِ لِلْمَسْخِ في تِلْكَ الآيَةِ، كَما قالَهُ الألُوسِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ وهو ظاهِرٌ واللَّعْنَةُ في اللُّغَةِ: الطَّرْدُ والإبْعادُ، والرَّجُلُ الَّذِي طَرَدَهُ قَوْمُهُ وأبْعَدُوهُ لِجِناياتِهِ تَقُولُ لَهُ العَرَبَ رَجُلٌ لَعِينٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الوافِرِ ] ؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ مَقامَ الذِئْبِ كالرَجُلِ اللَّعِينِ وَفِي اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: اللَّعْنَةُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَسْخَ مِن أكْبَرِ أنْواعِ الطَّرْدِ والإبْعادِ.

النساء 4:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ (p-٢٤٣)ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ الإشْراكَ بِهِ وأنَّهُ يَغْفِرُ غَيْرَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ وأنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا. وَذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِ لا يَغْفِرُ الإشْراكَ بِهِ إذا لَمْ يَتُبِ المُشْرِكُ مِن ذَلِكَ، فَإنْ تابَ غَفَرَ لَهُ • كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٠]، فَإنَّ الاسْتِثِّناءَ راجِعٌ • لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى الكُلِّ جُمِعَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨] • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ قَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وصَرَّحَ بِأنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ ومَأْواهُ النّارُ • بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ [ ٥ ]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ المُشْرِكَ لا يُرْجى لَهُ خَلاصٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: بِأنَّ الإشْراكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ بِقَوْلِهِ عَنْ لُقْمانَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ الأمْنَ التّامَّ والِاهْتِداءَ، إنَّما هُما لِمَن لَمْ يَلْبِسْ إيمانَهُ بِشِرْكٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ مَعْنى بِظُلْمٍ بِشِرْكٍ.

النساء 4:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ، أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [النساء: ٤٩]، وبِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠]، وصَرَّحَ بِالنَّهْيِ العامِّ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وأحْرى نَفْسَ الكافِرِ الَّتِي هي أخَسُّ شَيْءٍ وأنْجَسُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [ ٥٣ ]، (p-٢٤٤)وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم. وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النساء 4:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾، وصَفَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ظِلَّ الجَنَّةِ بِأنَّهُ ظَلِيلٌ، ووَصَفَهُ في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّهُ دائِمٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥]، ووَصَفَهُ في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّهُ مَمْدُودٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [ ٥٦ ]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها ظِلالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ الآيَةَ [المرسلات: ٤١] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم في تِلْكَ الظِّلالِ مُتَّكِئُونَ مَعَ أزْواجِهِمْ عَلى الأرائِكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ، والحَجَلَةُ بَيْتٌ يُزَيَّنُ لِلْعَرُوسِ بِجَمِيعِ أنْواعِ الزِّينَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ظِلَّ أهْلِ النّارِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١، ٤٤] .

النساء 4:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ أمَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنازَعَ فِيهِ النّاسُ مِن أُصُولِ الدِّينِ، وفُرُوعِهِ أنْ يُرَدَّ التَّنازُعُ في ذَلِكَ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأوْضَحَ هَذا المَأْمُورَ بِهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، ويُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَفْهُومَ مُوَبِّخًا لِلْمُتَحاكِمِينَ إلى غَيْرِ كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مُبَيِّنًا أنَّ الشَّيْطانَ أضَلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، وأشارَ إلى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَتّى يَكْفُرَ بِالطّاغُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] . (p-٢٤٥)وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّ مَن لَمْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وهو كَذَلِكَ، ومَن لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ هو العُرْوَةُ الوُثْقى، والإيمانُ بِالطّاغُوتِ يَسْتَحِيلُ اجْتِماعُهُ مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ شَرْطٌ في الإيمانِ بِاللَّهِ أوْ رُكْنٌ مِنهُ، كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٦] . تَنْبِيهٌ اسْتَدَلَّ مُنَكِرُو القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ، عَلى بُطْلانِ القِياسِ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الرَّدَّ إلى خُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ، وأجابَ الجُمْهُورُ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم في الآيَةِ؛ لِأنَّ إلْحاقَ غَيْرِ المَنصُوصِ بِالمَنصُوصِ لِوُجُودِ مَعْنى النَّصِّ فِيهِ لا يَخْرَجُ عَنِ الرَّدِّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، بَلْ قالَ بَعْضُهم: الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فالمُرادُ بِإطاعَةِ اللَّهِ العَمَلُ بِالكِتابِ، وبِإطاعَةِ الرَّسُولِ العَمَلُ بِالسُّنَّةِ، وبِالرَّدِّ إلَيْهِما القِياسُ؛ لِأنَّ رَدَّ المُخْتَلَفِ فِيهِ غَيْرِ المَعْلُومِ مِنَ النَّصِّ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ، إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ القِياسُ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ. وَقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ أنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّزاعِ يُعْمَلُ بِالمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وهو الإجْماعُ قالَهُ الألُوسِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ .

النساء 4:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ إذا دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ، وإلى الرَّسُولِ ﷺ يَصُدُّونَ عَنْ ذَلِكَ صُدُودًا أيْ: يُعْرِضُونَ إعْراضًا. وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم إذا دُعُوا إلَيْهِ ﷺ؛ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم لَوَّوْا رُءُوسَهم، وصَدُّوا واسْتَكْبَرُوا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] .

النساء 4:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أقْسَمَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِنَفْسِهِ (p-٢٤٦)الكَرِيمَةِ المُقَدِّسَةِ، أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَتّى يُحَكِّمَ رَسُولَهُ ﷺ في جَمِيعِ الأُمُورِ، ثُمَّ يَنْقادَ لِما حَكَمَ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا ويُسَلِّمَهُ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ ولا مُدافَعَةٍ ولا مُنازَعَةٍ، وبَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ مَحْصُورٌ في هَذا التَّسْلِيمِ الكُلِّيِّ، والِانْقِيادِ التّامِّ ظاهِرًا وباطِنًا لِما حَكَمَ بِهِ ﷺ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ الآيَةَ [النور: ٥١] .

النساء 4:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ إذا سَمِعُوا بِأنَّ المُسْلِمِينَ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ أيْ: مِن قَتْلِ الأعْداءِ لَهم، أوْ جِراحٍ أصابَتْهم، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ عَدَمَ حُضُورِهِمْ مَعَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِالسُّوءِ الَّذِي أصابَ المُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠] .

النساء 4:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ المُنافِقِينَ إذا سَمِعُوا أنَّ المُسْلِمِينَ أصابَهم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: نَصْرٌ وظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا مَعَهم؛ لِيَفُوزُوا بِسِهامِهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ. وَذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ الَّذِي يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ يَسُوءُهم لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمُ الباطِنَةِ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠] .

النساء 4:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ سَوْفَ يُؤْتِي المُجاهِدَ في سَبِيلِهِ أجْرًا عَظِيمًا سَواءٌ أقُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أمْ غَلَبَ عَدُوَّهُ، وظَفِرَ بِهِ. وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ كِلْتا الحالَتَيْنِ حُسْنى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]، والحُسْنى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّها تَأْنِيثُ الأحْسَنِ.

النساء 4:78

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . لا تَعارُضَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] . والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ أيْ مَطَرٌ وخِصْبٌ وأرْزاقٌ وعافِيَةٌ يَقُولُوا هَذا أكْرَمَنا اللَّهُ بِهِ، ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ جَدْبٌ وقَحْطٌ وفَقْرٌ وأمْراضٌ، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ مِن شُؤْمِكَ يا مُحَمَّدُ وشُؤْمِ ما جِئْتَ بِهِ. قُلْ لَهم: كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَأْتِي بِالمَطَرِ والرِّزْقِ والعافِيَةِ، كَما أنَّهُ يَأْتِي بِالجَدْبِ والقَحْطِ والفَقْرِ والأمْراضِ والبَلايا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ اللَّهِ في فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ مَعَ (p-٢٥٤)مُوسى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . وَقَوْلُهُ تَعالى في قَوْمِ صالِحٍ مَعَ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٧]، وقَوْلُ أصْحابِ القَرْيَةِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ: قالُوا ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ [يس: ١٨] . وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ هو المُتَفَضِّلُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ أيْ مِن قِبَلِكَ ومِن قِبَلِ عَمَلِكَ أنْتِ إذْ لا تُصِيبُ الإنْسانَ سَيِّئَةٌ إلّا بِما كَسَبَتْ يَداهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [ ٤٢ ] . وَسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَحْرِيرُ المَقامِ في قَضِيَّةِ أفْعالِ العِبادِ بِما يَرْفَعُ الإشْكالَ في سُورَةِ ”الشَّمْسِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قَيَّدَ في هَذِهِ الآيَةِ الرَّقَبَةَ المُعْتَقَةَ في كَفّارَةِ القَتْلِ خَطَأً بِالإيمانِ، وأطْلَقَ الرَّقَبَةَ الَّتِي في كَفّارَةِ الظِّهارِ واليَمِينِ عَنْ قَيْدِ الإيمانِ، حَيْثُ قالَ في كُلٍّ مِنهُما: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُؤْمِنَةٍ. وَهَذِهِ المَسْألَةُ مِن مَسائِلِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ وحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ فِيها أنَّ المُطْلَقَ والمُقَيَّدَ لَهُما أرْبَعُ حالاتٍ: الأُولى: أنَّهُ يَتَّفِقُ حُكْمُهُما وسَبَبُهُما كَآيَةِ الدَّمِ الَّتِي تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، فَجُمْهُورُ العُلَماءِ يَحْمِلُونَ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ في هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي هي اتِّحادُ السَّبَبِ والحُكْمِ مَعًا، وهو أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ ثُمَّ يَحْذِفُونَ اتِّكالًا عَلى المُثْبَتِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ وهو قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ فَحَذَفَ راضُونَ لِدَلالَةِ راضٍ عَلَيْها، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارَثِ البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارًا بِها لَغَرِيبُ(p-٢٥٥) ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ حَمْلَ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ بِالقِياسِ، وقِيلَ بِالعَقْلِ وهو أضْعَفُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ يَتَّحِدَ الحُكْمُ ويَخْتَلِفَ السَّبَبُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ الحُكْمَ مُتَّحِدٌ وهو عِتْقُ رَقَبَةٍ، والسَّبَبُ مُخْتَلِفٌ وهو قَتْلُ خَطَأٍ وظِهارٌ مَثَلًا، ومِثْلُ هَذا المُطْلَقِ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ وكَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولِذا أوْجَبُوا الإيمانَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ويَدُلُّ لِحَمْلِ هَذا المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، قَوْلُهُ ﷺ في قِصَّةِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ: «أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» ولَمْ يَسْتَفْصِلْهُ عَنْها هَلْ هي كَفّارَةٌ أوْ لا، وتَرْكُ الِاسْتِفْصالِ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ: ؎وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ ∗∗∗ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ الحالَةُ الثّالِثَةُ: عَكْسُ هَذِهِ، وهي الِاتِّحادُ في السَّبَبِ مَعَ الِاخْتِلافِ في الحُكْمِ، فَقِيلَ: يُحْمَلُ فِيها المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، وقِيلَ: لا، وهو أكْثَرُ العُلَماءِ، ومِثالُهُ صَوْمُ الظِّهارِ وإطْعامُهُ فَسَبَبُهُما واحِدٌ وهو الظِّهارُ، وحُكْمُهُما مُخْتَلِفٌ لِأنَّ هَذا صَوْمٌ وهَذا إطْعامٌ، وأحَدُهُما مُقَيَّدٌ بِالتَّتابُعِ وهو الصَّوْمُ، والثّانِي مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتابُعِ وهو الإطْعامُ، فَلا يُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى هَذا المُقَيَّدِ. والقائِلُونَ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في هَذِهِ الحالَةِ مَثَّلُوا لَهُ بِإطْعامِ الظِّهارِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِهِ قَبْلَ أنْ يَتَماسّا، مَعَ أنَّ عِتْقَهُ وصَوْمَهُ قُيِّدا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣]، فَيُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ فَيَجِبُ كَوْنُ الإطْعامِ قَبْلَ المَسِيسِ. وَمَثَّلَ لَهُ اللَّخْمِيُّ بِالإطْعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ حَيْثُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَأطْلَقَ الكُسْوَةَ عَنِ القَيْدِ بِذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ فَيُشْتَرَطُ في الكُسْوَةِ أنْ تَكُونَ مِن أوْسَطِ ما تَكْسُونَ أهْلِيكم. الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَخْتَلِفا في الحُكْمِ والسَّبَبِ مَعًا ولا حَمْلَ فِيها إجْماعًا وهو واضِحٌ، وهَذا فِيما إذا كانَ المُقَيَّدُ واحِدًا. (p-٢٥٦)أمّا إذا ورَدَ مُقَيَّدانِ بِقَيْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى كِلَيْهِما لِتَنافِي قَيْدَيْهِما، ولَكِنَّهُ يَنْظُرُ فِيهِما، فَإنْ كانَ أحَدُهُما أقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ حُمِلَ المُطْلَقُ عَلى الأقْرَبِ لَهُ مِنهُما عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ فَيُقَيَّدُ بِقَيْدِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أقْرَبَ لَهُ فَلا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ واحِدٍ مِنهُما، ويَبْقى عَلى إطْلاقِهِ لِاسْتِحالَةِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ. مِثالُ كَوْنِ أحَدِهِما أقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ صَوْمُ كَفّارَةِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتابُعِ والتَّفْرِيقِ، مَعَ أنَّ صَوْمَ الظِّهارِ مُقَيَّدٌ بِالتَّتابُعِ، وصَوْمَ التَّمَتُّعِ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ، واليَمِينُ أقْرَبُ إلى الظِّهارِ مِنَ التَّمَتُّعِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ اليَمِينِ والظِّهارِ صَوْمُ كَفّارَةٍ بِخِلافِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، فَيُقَيَّدُ صَوْمُ كَفّارَةِ اليَمِينِ بِالتَّتابُعِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، ولا يُقَيَّدُ بِالتَّفْرِيقِ الَّذِي في صَوْمِ التَّمَتُّعِ. وَقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ“ لَمْ تَثْبُتْ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى عَدَمِ كَتْبِ ”مُتَتابِعاتٍ“ في المُصْحَفِ، ومِثالُ كَوْنِهِما لَيْسَ أحَدُهُما أقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ صَوْمُ قَضاءِ رَمَضانَ، فَإنَّ اللَّهَ قالَ فِيهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ٨٤]، ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتابُعٍ ولا تَفْرِيقٍ مَعَ أنَّهُ قَيَّدَ صَوْمَ الظِّهارِ بِالتَّتابُعِ وصَوْمَ التَّمَتُّعِ بِالتَّفْرِيقِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أقْرَبَ إلى قَضاءِ رَمَضانَ مِنَ الآخَرِ، فَلا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ واحِدٍ مِنهُما، بَلْ يَبْقى عَلى الِاخْتِيارِ إنْ شاءَ تابَعَهُ وإنْ شاءَ فَرَّقَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٤]، لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِالَّذِي يُحَرِّضُ عَلَيْهِ (p-٢٤٧)المُؤْمِنِينَ ما هو، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّهُ القِتالُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾، وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِ في آخِرِها: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ.

النساء 4:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، أنْكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى مَن أرادَ أنْ يَهْدِيَ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وصَرَّحَ فِيها بِأنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا يُوجَدُ سَبِيلٌ إلى هُداهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ كَثْرَةُ التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ ولا يُضِلَّهُ؛ فَإنَّ مَن هَداهُ اللَّهُ لا يَضِلُّ، ومَن أضَلَّهُ لا هادِيَ لَهُ، ولِذا ذَكَرَ عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٨] .

النساء 4:93

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا لا تَوْبَةَ لَهُ وأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النّارِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٠] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] . (p-٢٥٧)وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٨٢] . وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ أوْجَهٌ مِنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ أيْ إذا كانَ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا لِأنَّ مُسْتَحِلَّ ذَلِكَ كافِرٌ. قالَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّها نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، فَإنَّهُ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ وكانا بِالمَدِينَةِ فَوَجَدَ مِقْيَسٌ أخاهُ قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ ولَمْ يَعْرِفْ قاتِلَهُ، فَأمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدِّيَةِ فَأعْطَتْها لَهُ الأنْصارُ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وقَدْ أرْسَلَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ، فَعَمَدَ مِقْيَسٌ إلى الفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، ورَكِبَ جَمَلًا مِنَ الدِّيَةِ، وساقَ مَعَهُ البَقِيَّةَ، ولَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا، وهو يَقُولُ في شِعْرٍ لَهُ: ؎قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ ؎وَأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضَّجَعْتُ مُوَسَّدًا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ وَمِقْيَسٌ هَذا هو الَّذِي قالَ فِيهِ ﷺ: «لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا حَرَمٍ» وقُتِلَ مُتَعَلِّقًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، فالقاتِلُ الَّذِي هو كَمِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ المُسْتَحِلُّ لِلْقَتْلِ المُرْتَدُّ عَنِ الإسْلامِ، لا إشْكالَ في خُلُودِهِ في النّارِ. وَعَلى هَذا فالآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِما يُماثِلُ سَبَبُ نُزُولِها بِدَلِيلِ النُّصُوصِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ لا يُخَلَّدُ أحَدٌ مِنهم في النّارِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: ”فَجَزاؤُهُ“ أنْ جُوزِيَ مَعَ إمْكانِ ألّا يُجازى إذا تابَ أوْ كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يُرَجَّحُ بِعَمَلِهِ السَّيِّئِ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي مِجْلَزٍ وأبِي صالِحٍ وجَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ لِلتَّغْلِيظِ في الزَّجْرِ ذَكَرَ هَذا الوَجْهَ الخَطِيبُ والألُوسِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما، وعَزاهُ الألُوسِيُّ لِبَعْضِ المُحَقِّقِينَ واسْتَدَلّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْناهُ ومَن لَمْ يَحُجَّ. وَبِقَوْلِهِ ﷺ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ لِلْمِقْدادِ حِينَ سَألَهُ عَنْ قَتْلِ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ بَعْدَ (p-٢٥٨)أنْ قَطَعَ يَدَهُ في الحَرْبِ: «لا تَقْتُلْهُ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ وإنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ» . وَهَذا الوَجْهُ مِن قَبِيلِ كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ، وخُلُودٍ دُونَ خُلُودٍ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ أنَّ مَعْنى الخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ، والعَرَبُ رُبَّما تُطْلِقُ اسْمَ الخُلُودِ عَلى المُكْثِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎فَوَقَفْتُ أسْألُها وكَيْفَ سُؤالُنا ∗∗∗ صُمًّا خَوالِدَ ما يَبِينُ كَلامُها إلّا أنَّ الصَّحِيحَ في مَعْنى الآيَةِ الوَجْهُ الثّانِي والأوَّلُ، وعَلى التَّغْلِيظِ في الزَّجْرِ، حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ كَلامَ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما سِواها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ القاتِلَ عَمْدًا مُؤْمِنٌ عاصٍ لَهُ تَوْبَةٌ، كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ، وهو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ﴾ الآيَةَ وادِّعاءُ تَخْصِيصِها بِالكُفّارِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ . وَقَدْ تَوافَرَتِ الأحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ. وَصَرَّحَ تَعالى بِأنَّ القاتِلَ أخُو المَقْتُولِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨]، ولَيْسَ أخُو المُؤْمِنِ إلّا المُؤْمِنَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمّاهم مُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ بَعْضَهم يَقْتُلُ بَعْضًا. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ في قِصَّةِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أوْلى بِالتَّخْفِيفِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْها الآصارَ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ.

النساء 4:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ فَضَّلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ، وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وأجْرًا عَظِيمًا، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَفْضِيلِ بَعْضِ المُجاهِدِينَ عَلى بَعْضٍ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ أنَّ مَن خَلَّفَهُ العُذْرُ إذا كانَتْ نِيَّتُهُ صالِحَةً يُحَصِّلُ ثَوابَ المُجاهِدِ. وَهَذا المَفْهُومُ صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ أنَسٍ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ، ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا وهم مَعَكم فِيهِ ”، قالُوا وهم بِالمَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ نَعَمْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»، وفي هَذا المَعْنى قالَ الشّاعِرُ: [ البَسِيطِ ] ؎يا ظاعِنِينَ إلى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسُومًا وسِرْنا نَحْنُ أرْواحًا ؎إنّا أقَمْنا عَلى عُذْرٍ وعَنْ قَدْرٍ ∗∗∗ ومَن أقامَ عَلى عُذْرٍ فَقَدْ راحا (p-٢٤٨)تَنْبِيهٌ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾، أنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ لا فَرْضُ عَيْنٍ؛ لِأنَّ القاعِدِينَ لَوْ كانُوا تارِكِينَ فَرْضًا لَما ناسَبَ ذَلِكَ وعْدَهُ لَهُمُ الصّادِقَ بِالحُسْنى؛ وهي الجَنَّةُ والثَّوابُ الجَزِيلُ.

النساء 4:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالقَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ قَصْرُ كَيْفِيَّتِها لا كَمِّيَّتِها، ومَعْنى قَصْرِ كَيْفِيَّتِها أنْ يَجُوزَ فِيها مِنَ الأُمُورِ ما لا يَجُوزُ في صَلاةِ الأمْنِ، كَأنْ يُصَلِّيَ بَعْضُهم مَعَ الإمامِ رَكْعَةً واحِدَةً، ويَقِفُ الإمامُ حَتّى يَأْتِيَ البَعْضُ الآخَرُ فَيُصَلِّي مَعَهُمُ الرَّكْعَةَ الأُخْرى، وكَصَلاتِهِمْ إيماءً رِجالًا ورُكْبانًا وغَيْرَ مُتَوَجِّهِينَ إلى القِبْلَةِ، فَكُلُّ هَذا مِن قَصْرِ كَيْفِيَّتِها ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو هَذا القَصْرُ مِن كَيْفِيَّتِها. قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ يَلِيهِ مُبَيِّنًا لَهُ: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، ويَزِيدُهُ إيضاحًا أنَّهُ قالَ هُنا: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [ ٤ ]، وقالَ في آيَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَإذا أمِنتُمْ فَأتِمُّوا كَيْفِيَّتَها بِرُكُوعِها وسُجُودِها وجَمِيعِ ما يَلْزَمُ فِيها مِمّا يَتَعَذَّرُ وقْتَ الخَوْفِ. وَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي دَلَّ لَهُ القُرْآنُ فَشَرْطُ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، مُعْتَبَرٌ أيْ: وإنْ لَمْ تَخافُوا مِنهم أنْ يَفْتِنُوكم فَلا تَقْصُرُوا مِن كَيْفِيَّتِها، بَلْ صَلُّوها عَلى أكْمَلِ الهَيْئاتِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [ ٤ ]، وصَرَّحَ بِاشْتِراطِ الخَوْفِ أيْضًا لِقَصْرِ كَيْفِيَّتِها بِأنْ يُصَلِّيَها الماشِي والرّاكِبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي: فَإذا أمِنتُمْ فَأقِيمُوا صَلاتَكم كَما أمَرْتُكم بِرُكُوعِها وسُجُودِها، وقِيامِها وقُعُودِها عَلى أكْمَلِ هَيْئَةٍ وأتَمِّها، وخَيْرُ ما يُبَيِّنُ القُرْآنَ القُرْآنُ، (p-٢٤٩)وَيَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَصْرِ في هَذِهِ الآيَةِ القَصْرُ مِن كَيْفِيَّتِها كَما ذَكَرْنا، أنَّ البُخارِيَّ صَدَّرَ بابَ صَلاةِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِ: بابُ صَلاةِ الخَوْفِ، وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكم إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١، ١٠٢]، وما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُ مِن أنَّ البُخارِيَّ ساقَ الآيَتَيْنِ في التَّرْجَمَةِ؛ لِيُشِيرَ إلى خُرُوجِ صَلاةِ الخَوْفِ عَنْ هَيْئَةِ بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ بِالكِتابِ قَوْلًا، وبِالسُّنَّةِ فِعْلًا، لا يُنافِي ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّهُ ساقَ الآيَتَيْنِ في التَّرْجَمَةِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ قَصْرَ الكَيْفِيَّةِ الوارِدَ في أحادِيثِ البابِ هو المُرادُ بِقَصْرِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا أنَّ قَصْرَ عَدَدِها لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الخَوْفُ، وقَدْ كانَ ﷺ يَقْصُرُ هو وأصْحابُهُ في السَّفَرِ وهم في غايَةِ الأمْنِ، كَما وقَعَ في حَجَّةِ الوَداعِ وغَيْرُها، وكَما «قالَ ﷺ لِأهْلِ مَكَّةَ»: ”أتِمُّوا فَإنّا قَوْمٌ سَفْرٌ“ . وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ المُرادَ بِالقَصْرِ في هَذِهِ الآيَةِ قَصْرُ الكَيْفِيَّةِ لا الكَمِّيَّةِ: مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ الحَنَفِيِّ. ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ولَمّا نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذا القَوْلَ عَمَّنْ ذَكَرْنا قالَ: واعْتَضَدُوا بِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: ”فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في السَّفْرِ والحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ“ . وَقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ التِّنِيسِيِّ، ومُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، وأبُو داوُدَ عَنِ القَعْنَبِيِّ، والنَّسائِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ أرْبَعَتُهم عَنْ مالِكٍ بِهِ قالُوا: " فَإذا كانَ أصْلُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ اثْنَتَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ المُرادُ بِالقَصْرِ هُنا قَصْرَ الكَمِّيَّةِ ؟ لِأنَّ ما هو الأصْلُ لا يُقالُ فِيهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ . وَأصْرَحُ مِن ذَلِكَ دَلالَةً عَلى هَذا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، حَدَّثَنا وكِيعٌ، وسُفْيانُ، (p-٢٥٠)وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ زُبَيْدٍ اليامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ، وصَلاةُ الأضْحى رَكْعَتانِ، وصَلاةُ الفِطْرِ رَكْعَتانِ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ» . وَهَكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ في ”صَحِيحِهِ“ مِن طُرُقٍ عَنْ زُبَيْدٍ اليامِيِّ بِهِ، وهَذا إسْنادٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ بِسَماعِ ابْنِ أبِي لَيْلى عَنْ عُمَرَ، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في هَذا الحَدِيثِ وغَيْرِهِ وهو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأبُو حاتِمٍ، والنَّسائِيُّ قَدْ قالُوا: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ. وَعَلى هَذا أيْضًا فَقالَ: فَقَدْ وقَعَ في بَعْضِ طُرُقِ أبِي يَعْلى المَوْصِلِيِّ، مِن طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنِ الثِّقَةِ عَنْ عُمَرَ فَذَكَرَهُ، وعِنْدَ ابْنِ ماجَهْ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زِيادِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عُمَرَ فاللَّهُ أعْلَمُ. وَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي عَوانَةَ الوَضّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اليَشْكُرِيِّ زادَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وأيُّوبُ بْنُ عائِذٍ، كِلاهُما عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأخْنَسِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم مُحَمَّدٍ ﷺ في الحَضَرِ أرْبَعًا وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً فَكَما يُصَلّى في الحَضَرِ قَبْلَها وبَعْدَها فَكَذَلِكَ يُصَلّى في السَّفَرِ» . وَرَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ طاوُسٍ نَفْسِهِ فَهَذا ثابِتٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ولا يُنافِي ما تَقَدَّمَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها؛ لِأنَّها أخْبَرَتْ ”أنَّ أصْلَ الصَّلاةِ رَكْعَتانِ، ولَكِنْ زِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ فَلَمّا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَرْضَ صَلاةِ الحَضَرِ أرْبَعٌ“، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَلَكِنِ اتَّفَقَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ عَلى أنَّ صَلاةَ السَّفَرِ رَكْعَتانِ، وأنَّها تامَّةٌ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ كَما هو مُصَرَّحٌ بِهِ في حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واعْلَمْ أنَّ حَدِيثَ عائِشَةَ المَذْكُورَ تُكُلِّمَ فِيهِ مِن ثَمانِ جِهاتٍ: الأُولى: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالإجْماعِ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ في كِتابِهِ المُسَمّى ”بِالقَبَسِ“ . قالَ عُلَماؤُنا هَذا الحَدِيثُ مَرْدُودٌ بِالإجْماعِ. الثّانِيَةُ: أنَّها هي خالَفَتْهُ، والرّاوِي مِن أعْلَمِ النّاسِ بِما رَوى فَهي رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (p-٢٥١)كانَتْ تُتِمُّ في السَّفَرِ، قالُوا: ومُخالَفَتُها لِرِوايَتِها تُوهِنُ الحَدِيثَ. الثّالِثَةُ: إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأصْلٍ يُعْتَبَرُ في صَلاةِ المُسافِرِ خَلْفَ المُقِيمِ. الرّابِعَةُ: أنَّ غَيْرَها مِنَ الصَّحابَةِ خالَفَها، كَعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَقالُوا: ”إنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً“، وقَدْ قَدَّمْنا رِوايَةَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الخامِسَةُ: دَعْوى أنَّهُ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّهُ رَواهُ ابْنُ عَجْلانَ، عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ»، وقالَ فِيهِ الأوْزاعِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» الحَدِيثَ. قالُوا: فَهَذا اضْطِرابٌ. السّادِسَةُ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ المَغْرِبَ، والصُّبْحَ لَمْ يُزَدْ فِيهِما، ولَمْ يُنْقَصْ. السّابِعَةُ: أنَّهُ مِن قَوْلِ عائِشَةَ لا مَرْفُوعٍ. الثّامِنَةُ: قَوْلُ إمامِ الحَرَمَيْنِ: لَوْ صَحَّ لَنُقِلَ مُتَواتِرًا. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذِهِ الِاعْتِراضاتُ المُورَدَةُ عَلى حَدِيثِ عائِشَةَ المَذْكُورِ كُلُّها ساقِطَةٌ، أمّا مُعارَضَتُهُ بِالإجْماعِ فَلا يَخْفى سُقُوطُها؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ فِيهِ إجْماعٌ وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ نَفْسُهُ الخِلافَ فِيهِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ دَعْوى ابْنِ العَرَبِيِّ الإجْماعَ المَذْكُورَ قُلْتُ: وهَذا لا يَصِحُّ، وقَدْ ذَكَرَ هو وغَيْرُهُ الخِلافَ والنِّزاعَ فَلَمْ يَصِحَّ ما ادَّعَوْهُ مِنَ الإجْماعِ. وَأمّا مُعارَضَتُهُ بِمُخالَفَةِ عائِشَةَ لَهُ فَهي أيْضًا ظاهِرَةُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِرِوايَتِها لا بِرَأْيِها كَما هو التَّحْقِيقُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ طاوُسٍ المُتَقَدِّمِ في الطَّلاقِ. وَأمّا مُعارَضَتُهُ بِإجْماعِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأصْلٍ يُعْتَبَرُ في صَلاةِ المُسافِرِ خَلْفَ المُقِيمِ، فَجَوابُهُ أنَّ فُقَهاءَ الأمْصارِ لَمْ يُجْمِعُوا عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُسافِرَ لا يَصِحُّ اقْتِداؤُهُ بِالمُقِيمِ لِمُخالَفَتِهِما في العَدَدِ، والنِّيَّةِ، واحْتَجُّوا (p-٢٥٢)بِحَدِيثِ: «لا تَخْتَلِفُوا عَلى إمامِكم» ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ وطاوُسٌ وداوُدُ الظّاهِرِيُّ وغَيْرُهم. وَأمّا مُعارَضَتُهُ بِمُخالَفَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ لَها كابْنِ عَبّاسٍ، فَجَوابُهُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن أنَّ صَلاةَ الحَضَرِ لَمّا زِيدَ فِيها واسْتَقَرَّ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَرْضَ صَلاةِ الحَضَرِ أرْبَعٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. وَأمّا تَضْعِيفُهُ بِالِاضْطِرابِ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اضْطِرابٌ أصْلًا، ومَعْنى فَرَضَ اللَّهُ وفَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ واحِدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الشّارِعُ والرَّسُولُ هو المُبِيِّنُ، فَإذا قِيلَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ كَذا فالمُرادُ أنَّهُ مُبَلِّغٌ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ فَلا يُنافِي أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي فَرَضَ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ونَظِيرُهُ حَدِيثُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» مَعَ حَدِيثِ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللَّهُ» الحَدِيثَ. وَأمّا رَدُّهُ بِأنَّ المَغْرِبَ والصُّبْحَ لَمْ يُزَدْ فِيهِما فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ الصَّلَواتُ الَّتِي تُقْصَرُ خاصَّةً كَما هو ظاهِرٌ، مَعَ أنَّ بَعْضَ الرِّواياتِ عَنْ عائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وابْنِ حِبّانَ، والبَيْهَقِيِّ. قالَتْ: «فُرِضَتْ صَلاةُ السَّفَرِ والحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ واطْمَأنَّ زِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ رَكْعَتانِ رَكْعَتانِ، وتُرِكَتْ صَلاةُ الفَجْرِ لِطُولِ القِراءَةِ وصَلاةُ المَغْرِبِ؛ لِأنَّها وتْرُ النَّهارِ» وعِنْدَ أحْمَدَ مِن طَرِيقِ ابْنِ كَيْسانَ في حَدِيثِ عائِشَةَ المَذْكُورِ ”إلّا المَغْرِبَ فَإنَّها كانَتْ ثَلاثًا“ . وَهَذِهِ الرِّواياتُ تُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ خُصُوصُ الصَّلَواتِ الَّتِي تُقْصَرُ، وأمّا رَدُّهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لا مَجالَ فِيهِ لِلرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّ عائِشَةَ لَمْ تَحْضُرْ فَرْضَ الصَّلاةِ فَإنَّها يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في زَمَنِها مَعَهُ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّها لَمْ تَسْمَعْهُ مِنهُ فَهو مُرْسَلُ صَحابِيٍّ ومَراسِيلُ الصَّحابَةِ لَها حُكْمُ الوَصْلِ. وَأمّا قَوْلُ إمامِ الحَرَمَيْنِ إنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَنُقِلَ مُتَواتِرًا فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يُرَدُّ بِعَدَمِ التَّواتُرِ، فَإذا عَرَفْتَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ صَلاةَ السَّفَرِ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ كَما صَحَّ بِهِ الحَدِيثُ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فاعْلَمْ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ الحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ قالَ ما نَصُّهُ: وَإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ [النساء: ١٠١]، أنْ (p-٢٥٣)تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ قَصْرَ الكَيْفِيَّةِ كَما في صَلاةِ الخَوْفِ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. ولِهَذا قالَ بَعْدَها: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الأيَّةَ [النساء: ١٠٢] . فَبَيَّنَ المَقْصُودَ مِنَ القَصْرِ هاهُنا، وذَكَرَ صِفَتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ وهو واضِحٌ جِدًّا فِيما ذَكَرْنا وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. * * وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالآيَةُ في صَلاةِ الخَوْفِ وقَصْرِ الصَّلاةِ في السَّفَرِ عَلَيْهِ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ لا مِنَ القُرْآنِ، وفي مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالٌ أُخَرُ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، الِاقْتِصارُ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ في صَلاةِ الخَوْفِ كَما قَدَّمْنا آنِفًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، والنَّسائِيِّ، وأبِي داوُدَ، وابْنِ ماجَهْ، وقَدَّمْنا أنَّهُ رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ طاوُسٍ. وَقَدْ رَوى نَحْوَهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قالَ: «فَصَلّى بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً، وهَؤُلاءِ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» ورَواهُ النَّسائِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِمَّنْ قالَ بِالِاقْتِصارِ في الخَوْفِ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، الثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ ومَن تَبِعَهُما. ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وعَطاءٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وقَتادَةَ، وحَمّادٍ، والضَّحّاكِ. وَقالَ بَعْضُهم: يُصَلّى الصُّبْحُ في الخَوْفِ رَكْعَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ، ويُحْكى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ وبِالِاقْتِصارِ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ في الخَوْفِ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ التّابِعِينَ ومِنهم مَن قَيَّدَهُ بِشِدَّةِ الخَوْفِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالقَصْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، قَصْرُ كَمِّيَّةٍ. وَقالَ جَماعَةٌ: إنَّ المُرادَ بِالقَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، هو قَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ. قالُوا: ولا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لِلشَّرْطِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ حالَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ في مَبْدَأِ (p-٢٥٤)الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ كانَ غالِبُ أسْفارِهِمْ مَخُوفَةً. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، أنَّ مِنَ المَوانِعِ لِاعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ خُرُوجُ المَنطُوقِ مَخْرَجَ الغالِبِ، ولِذا لَمْ يَعْتَبِرِ الجُمْهُورُ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لِجَرَيانِهِ عَلى الغالِبِ. قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: في ذِكْرِ مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزُ ] ؎أوْ جَهِلَ الحُكْمَ أوِ النُّطْقَ انْجَلَبْ لِلسُّؤْلِ أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبْ واسْتَدَلَّ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالآيَةِ قَصْرُ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَقَدْ أمِنَ النّاسُ، قالَ: عَجِبْتُ ما عَجِبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: ”صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»“ . فَهَذا الحَدِيثُ الثّابِتُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“، وغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْلى بْنَ أُمَيَّةَ، وعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - كانا يَعْتَقِدانِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ قَصْرُ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقَرَّ عُمَرَ عَلى فَهْمِهِ لِذَلِكَ، وهو دَلِيلٌ قَوِيٌّ، ولَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِما تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ مِن أنَّهُ قالَ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ» ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عائِشَةَ، وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمانِ. وَظاهِرُ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ قَصْرَ الكَيْفِيَّةِ في صَلاةِ الخَوْفِ، كَما قَدَّمْنا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وهَيْئاتُ صَلاةِ الخَوْفِ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ العَدُوَّ تارَةً يَكُونُ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، وتارَةً إلى غَيْرِها، والصَّلاةُ قَدْ تَكُونُ رُباعِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ ثُلاثِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ ثُنائِيَّةً، ثُمَّ تارَةً يُصَلُّونَ جَماعَةً، وتارَةً يَلْتَحِمُ القِتالُ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الجَماعَةِ بَلْ يُصَلُّونَ فُرادى رِجالًا، ورُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ، وغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها، وكُلُّ هَيْئاتِ صَلاةِ الخَوْفِ الوارِدَةِ في الصَّحِيحِ جائِزَةٌ، وهَيْئاتُها، وكَيْفِيّاتُها مُفَصَّلَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفُرُوعِ، وسَنَذْكُرُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ. أمّا مالِكُ بْنُ أنَسٍ، فالصُّورَةُ الَّتِي أخَذَ بِها مِنها هي أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى تُصَلِّي مَعَ الإمامِ رَكْعَةً في الثُّنائِيَّةِ، ورَكْعَتَيْنِ في الرُّباعِيَّةِ والثُّلاثِيَّةِ، ثُمَّ تُتِمُّ باقِيَ الصَّلاةِ، وهو اثْنَتانِ في الرُّباعِيَّةِ، وواحِدَةٌ في الثُّنائِيَّةِ والثُّلاثِيَّةِ، ثُمَّ يُسَلِّمُونَ ويَقِفُونَ وِجاهَ العَدُوِّ، وتَأتِي (p-٢٥٥)الطّائِفَةُ الأُخْرى فَيَجِدُونَ الإمامَ قائِمًا يَنْتَظِرُهم، وهو مُخَيَّرٌ في قِيامِهِ بَيْنَ القِراءَةِ، والدُّعاءِ، والسُّكُوتِ إنْ كانَتْ ثُنائِيَّةً، وبَيْنَ الدُّعاءِ والسُّكُوتِ إنْ كانَتْ رُباعِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً، وقِيلَ: يَنْتَظِرُهم في الرُّباعِيَّةِ والثُّلاثِيَّةِ جالِسًا فَيُصَلِّي بِهِمْ باقِيَ الصَّلاةِ، وهو رَكْعَةٌ في الثُّنائِيَّةِ، والثُّلاثِيَّةِ، ورَكْعَتانِ في الرُّباعِيَّةِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ ويَقْضُونَ ما فاتَهم بَعْدَ سَلامِهِ، وهو رَكْعَةٌ في الثُّنائِيَّةِ، ورَكْعَتانِ في الرُّباعِيَّةِ والثُّلاثِيَّةِ. فَتَحَصَّلَ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ، أنَّهُ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً أوِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ يُتِمُّونَ لِأنْفُسِهِمْ ويُسَلِّمُونَ، ويَقِفُونَ في وجْهِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِي الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمُ الباقِيَ، ويُسَلِّمُ ويُتِمُّونَ لِأنْفُسِهِمْ. قالَ ابْنُ يُونُسَ في هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنا: وحَدِيثُ القاسِمِ أشْبَهُ بِالقُرْآنِ، وإلى الأخْذِ بِهِ رَجَعَ مالِكٌ. اهـ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: مُرادُ ابْنِ يُونُسَ، أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ، بِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، هو الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مالِكٌ، ورَجَّحَهُ أخِيرًا عَلى ما رَواهُ، أعْنِي مالِكًا، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَمَّنْ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صَلاةَ الخَوْفِ. الحَدِيثَ، والفَرْقُ بَيْنَ رِوايَةِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وبَيْنَ رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، أنَّ رِوايَةَ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ فِيها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُخْرى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ رِوايَةَ القاسِمِ عِنْدَ مالِكٍ في ”المُوَطَّأِ“، أنَّهُ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الأُخْرى الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيُتِمُّونَ بَعْدَ سَلامِهِ لِأنْفُسِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُشِيرًا إلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وهي رِوايَةُ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عِنْدَ مالِكٍ، وهَذا الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مالِكٌ بَعْدَ أنْ قالَ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، وإنَّما اخْتارَهُ ورَجَعَ إلَيْهِ لِلْقِياسِ عَلى سائِرِ الصَّلَواتِ: إنَّ الإمامَ لا يَنْتَظِرُ المَأْمُومَ، وإنَّ المَأْمُومَ إنَّما يَقْضِي بَعْدَ سَلامِ الإمامِ، وحَدِيثُ القاسِمِ هَذا الَّذِي أخْرَجَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ) مَوْقُوفٌ عَلى سَهْلٍ، إلّا أنَّ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ والتَّحْقِيقُ أنَّهُ مُرْسَلُ صَحابِيٍّ؛ لِأنَّ سَهْلًا كانَ صَغِيرًا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وجَزَمَ الطَّبَرَيُّ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ السَّكَنِ، وغَيْرُهم بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وسَهْلٌ المَذْكُورُ ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، وزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ القَوْلُ بِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّها رَجَعَ إلَيْها مالِكٌ، ورَواها في ”مُوَطَّئِهِ“ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، هَذا هو حاصِلُ مَذْهَبِ مالِكٍ في كَيْفِيَّةِ صَلاةِ الخَوْفِ. (p-٢٥٦)قالَ أوَّلًا: بِأنَّ الإمامَ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الأُولى، ثُمَّ تُتِمُّ لِأنْفُسِها، ثُمَّ تُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي بَقِيَّةَ الصَّلاةِ بِالطّائِفَةِ الأُخْرى ويَنْتَظِرُها حَتّى تُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِها ورَجَعَ إلى أنَّ الإمامَ يُسَلِّمُ إذا صَلّى بَقِيَّةَ صَلاتِهِ مَعَ الطّائِفَةِ الأُخْرى، ولا يَنْتَظِرُهم حَتّى يُسَلِّمَ بِهِمْ بَلْ يُتِمُّونَ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ سَلامِهِ، كَما بَيَّنّا. والظّاهِرُ أنَّ المُبْهَمَ في رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ في قَوْلِ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَمَّنْ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحَدِيثَ، أنَّهُ أبُوهُ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ الصَّحابِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لا سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ، كَما قالَهُ بَعْضُهم. قالَ الحافِظُ في ”الفَتْحِ“: ولَكِنَّ الرّاجِحَ أنَّهُ أبُوهُ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ لِأنَّ أبا أُوَيْسٍ، رَوى هَذا الحَدِيثَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ شَيْخِ مالِكٍ فِيهِ فَقالَ: عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَنْ أبِيهِ، أخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“ مِن طَرِيقِهِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَنْ أبِيهِ، وجَزَمَ النَّوَوِيُّ في ”تَهْذِيبِهِ“ بِأنَّهُ أبَوْهُ خَوّاتٌ، وقالَ: إنَّهُ مُحَقَّقٌ مِن رِوايَةِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، قُلْتُ: وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الغَزّالِيُّ، فَقالَ إنَّ صَلاةَ ذاتِ الرِّقاعِ في رِوايَةِ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَلَمْ يُفَرِّقِ المالِكِيَّةُ بَيْنَ كَوْنِ العَدُوِّ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ إلى غَيْرِها، وأمّا إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ والتَحَمَ القِتالُ، ولَمْ يُمْكِنْ لِأحَدٍ مِنهم تَرَكُ القِتالَ فَإنَّهم يُصَلُّونَها رِجالًا ورُكْبانًا إيماءً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةَ وغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها، كَما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٩] . * * وَأمّا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ اخْتارَ مِن هَيْئاتِ صَلاةِ الخَوْفِ أرْبَعًا: إحْداها: هي الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا عِنْدَ اشْتِدادِ الخَوْفِ والتِحامِ القِتالِ، حَتّى لا يُمْكِنَ لِأحَدٍ مِنهم تَرْكُ القِتالِ، فَإنَّهم يُصَلُّونَ كَما ذَكَرْنا رِجالًا ورُكْبانًا إلَخِ الهَيْئَةَ. الثّانِيَةُ: هي الَّتِي صَلّاها ﷺ بِبَطْنِ نَخْلٍ، وهي أنْ يُصَلِّيَ بِالطّائِفَةِ الأُولى صَلاتَهم كامِلَةً ثُمَّ يُسَلِّمُونَ جَمِيعُهم: الإمامُ والمَأْمُومُونَ ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ في وجْهِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي بِهِمْ مَرَّةً أُخْرى هي لَهم فَرِيضَةٌ ولَهُ نافِلَةٌ، وصَلاةُ بَطْنِ نَخْلٍ هَذِهِ رَواها جابِرٌ وأبُو بَكْرَةَ، فَأمّا حَدِيثُ جابِرٍ فَرَواهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُخْرى رَكْعَتَيْنِ، فَصَلّى (p-٢٥٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وصَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ. وَذَكَرَهُ البُخارِيُّ مُخْتَصَرًا ورَواهُ الشّافِعِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ جابِرٍ وفِيهِ أنَّهُ سَلَّمَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ أوَّلًا ثُمَّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ بِالطّائِفَةِ الأُخْرى. وَأمّا حَدِيثُ أبِي بَكْرَةَ فَرَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ والدّارَقُطْنِيُّ، وفي رِوايَةِ بَعْضِهِمْ أنَّها الظُّهْرُ، وفي رِوايَةِ بَعْضِهِمْ أنَّها المَغْرِبُ، وإعْلالُ ابْنِ القَطّانِ لِحَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ هَذا بِأنَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ وُقُوعِ صَلاةِ الخَوْفِ بِمُدَّةٍ، مَرْدُودٌ بِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ صَلاةَ الخَوْفِ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلُ صَحابِيٍّ ومَراسِيلُ الصَّحابَةِ لَهم حُكْمُ الوَصْلِ كَما هو مَعْلُومٌ، واعْلَمْ أنَّ حَدِيثَ أبِي بَكْرَةَ لَيْسَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِبَطْنِ نَخْلٍ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِصَلاةِ بَطْنِ نَخْلٍ هَذِهِ عَلى جَوازِ صَلاةِ المُفْتَرِضِ خَلْفَ المُتَنَفِّلِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّها هي كَيْفِيَّةُ صَلاةِ بَطْنِ نَخْلٍ كَما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُما، قَدْ دَلَّ بَعْضُ الرِّواياتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ والبُخارِيِّ وغَيْرِهِما، عَلى أنَّها هي صَلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ، وجَزَمَ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُما صَلاتانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَدْ دَلَّ بَعْضُ الرِّواياتِ عَلى أنَّ صَلاةَ نَخْلٍ هي صَلاةُ عُسْفانَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الهَيْئَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ: صَلاةُ عُسْفانَ، وكَيْفِيَّتُها كَما قالَ جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَفَّنا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والعَدُوُّ بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وكَبَّرْنا جَمِيعًا ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ورَفَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ والصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، وقامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وقامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وقامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ وتَأخَّرَ الصَّفُّ المُتَقَدِّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ورَكَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ورَفَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ والصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كانَ مُؤَخَّرًا في الرَّكْعَةِ الأُولى، وقامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نُحُورِ العَدُوِّ فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ والصَّفَّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وسَلَّمْنا جَمِيعًا»، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“، وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن رِوايَةِ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصّامِتِ وهو صَحابِيٌّ. (p-٢٥٨)وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ في الكُنى: إنَّهُ تابِعِيٌّ، الظّاهِرُ أنَّهُ سَهْوٌ مِنهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ مَعَ أنَّها مُخالِفَةٌ لِلصُّورَةِ الَّتِي صَحَّتْ عَنْهُ في صَلاةِ عُسْفانَ؛ لِأنَّهُ أوْصى عَلى العَمَلِ بِالحَدِيثِ إذا صَحَّ، وأنَّهُ مَذْهَبُهُ، والصُّورَةُ الَّتِي صَحَّتْ عَنِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ“ ”والأُمِّ“ أنَّهُ قالَ: صَلّى بِهِمُ الإمامُ ورَكَعَ وسَجَدَ بِهِمْ جَمِيعًا إلّا صَفًّا يَلِيهِ أوْ بَعْضَ صَفٍّ يَنْتَظِرُونَ العَدُوَّ، فَإذا قامُوا بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي حَرَسَهم، فَإذا رَكَعَ رَكَعَ بِهِمْ جَمِيعًا وإذا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الَّذِينَ حَرَسُوا أوَّلًا إلّا صَفًّا أوْ بَعْضَ صَفٍّ يَحْرُسُهُ مِنهم، فَإذا سَجَدُوا سَجْدَتَيْنِ وجَلَسُوا سَجَدَ الَّذِينَ حَرَسُوا ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا مَعًا، وهَذا نَحْوُ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفانَ، قالَ: ولَوْ تَأخَّرَ الصَّفُّ الَّذِي حَرَسَ إلى الصَّفِّ الثّانِي وتَقَدَّمَ الثّانِي فَحَرَسَ فَلا بَأْسَ. انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرى أنَّ الصُّورَتَيْنِ أعْنِي: الَّتِي ذَكَرْنا في حَدِيثِ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ والَّتِي نَقَلْناها عَنِ الشّافِعِيِّ كِلْتاهُما جائِزَةٌ واتِّباعُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ، وصَلاةُ عُسْفانَ المَذْكُورَةُ صَلاةُ العَصْرِ. وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عِنْدَ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ أنَّ مِثْلَ صَلاةِ عُسْفانَ الَّتِي ذَكَرْنا صَلّاها أيْضًا ﷺ يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ. الرّابِعَةُ: مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هي: صَلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ، والكَيْفِيَّةُ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ مِنها هي الَّتِي قَدَّمْنا رِوايَةَ مالِكٍ لَها عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، وهي أنْ يُصَلِّيَ بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً ثُمَّ يُفارِقُونَهُ ويُتِمُّونَ لِأنْفُسِهِمْ ويُسَلِّمُونَ، ويَذْهَبُونَ إلى وُجُوهِ العَدُوِّ وهو قائِمٌ في الثّانِيَةِ يُطِيلُ القِراءَةَ حَتّى يَأْتِيَ الآخَرُونَ فَيُصَلِّي بِهِمُ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ ويَجْلِسُ يَنْتَظِرُهم حَتّى يُصَلُّوا رَكْعَتَهُمُ الباقِيَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وهَذِهِ الكَيْفِيَّةُ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مالِكًا رَواها عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ، وأخْرَجَها الشَّيْخانِ مِن طَرِيقِهِ، فَقَدْ رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مالِكٍ ومُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى عَنْ مالِكٍ نَحْوَ ما ذَكَرْنا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مالِكًا قالَ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ أوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْها إلى أنَّ الإمامَ يُسَلِّمُ ولا يَنْتَظِرُ إتْمامَ الطّائِفَةِ الثّانِيَةِ صَلاتَهم حَتّى يُسَلِّمَ بِهِمْ. وصَلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ لَها كَيْفِيَّةٌ أُخْرى غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي اخْتارَ الشّافِعِيُّ وهي ثابِتَةٌ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُواجَهَةَ العَدُوِّ، (p-٢٥٩)ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ، مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وجاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً وهَؤُلاءِ رَكْعَةً» . وَهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ ولَفْظُ البُخارِيِّ بِمَعْناهُ، ولَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في هَذا، وظاهِرُهُ أنَّهم أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ في حالَةٍ واحِدَةٍ ويُحْتَمَلُ أنَّهم أتَمُّوا عَلى التَّعاقُبِ، وهو الرّاجِحُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ إتْمامَهم في حالَةٍ واحِدَةٍ يَسْتَلْزِمُ تَضْيِيعَ الحِراسَةِ المَطْلُوبَةِ وإفْرادَ الإمامِ وحْدَهُ، ويُرَجِّحُهُ ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَفْظُهُ: «ثُمَّ سَلَّمَ فَقامَ هَؤُلاءِ أيْ: الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا ثُمَّ ذَهَبُوا ورَجَعَ أُولَئِكَ إلى مَقامِهِمْ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» . وظاهِرُهُ أنَّ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ والَتْ بَيْنَ رَكْعَتَيْها ثُمَّ أتَمَّتِ الطّائِفَةُ الأُولى بَعْدَها، واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ الرّافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن كُتُبِ الفِقْهِ مِن أنَّ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذا أنَّ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ تَأخَّرَتْ وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُولى فَأتَمُّوا رَكْعَةً ثُمَّ تَأخَّرُوا وعادَتِ الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ فَأتَمُّوا - مُخالِفٌ لِلرِّواياتِ الثّابِتَةِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): إنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وأمّا الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ جَمِيعَ أنْواعِ صَلاةِ الخَوْفِ الثّابِتَةِ عَنْهُ ﷺ جائِزَةٌ عِنْدَهُ، والمُخْتارُ مِنها عِنْدَهُ صَلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ الَّتِي قَدَّمْنا اخْتِيارَ الشّافِعِيِّ لَها أيْضًا، وهي أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً ثُمَّ يُتِمُّونَ لِأنْفُسِهِمْ ويُسَلِّمُونَ ويَذْهَبُونَ إلى وُجُوهِ العَدُوِّ؛ ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمُ الرَّكْعَةَ الأُخْرى ثُمَّ يُصَلُّونَ رَكْعَةً فَإذا أتَمُّوها وتَشَهَّدُوا سَلَّمَ بِهِمْ. * * وَأمّا الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فالمُخْتارُ مِنها عِنْدَهُ، أنَّ الإمامَ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً إنْ كانَ مُسافِرًا، أوْ كانَتْ صُبْحًا مَثَلًا، واثْنَتَيْنِ إنْ كانَ مُقِيمًا، ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطّائِفَةُ الأُولى إلى وُجُوهِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَجِيءُ الطّائِفَةُ الأُخْرى ويُصَلِّي بِهِمْ ما بَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ ويُسَلِّمُ، وتَذْهَبُ هَذِهِ الطّائِفَةُ الأخِيرَةُ إلى وُجُوهِ العَدُوِّ، وتَجِيءُ الطّائِفَةُ الأُولى، وتُتِمُّ بَقِيَّةَ صَلاتِها بِلا قِراءَةٍ؛ لِأنَّهم لاحِقُونَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى وُجُوهِ العَدُوِّ، وتَجِيءُ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَيُتِمُّونَ بَقِيَّةَ صَلاتِهِمْ بِقِراءَةٍ؛ لِأنَّهم مَسْبُوقُونَ، واحْتَجُّوا لِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمِ وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ لَيْسَتْ في رِوايَةِ ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَدْ قَدَّمْنا أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ أنَّ الطّائِفَةَ الأُخْرى لَمّا صَلَّوْا (p-٢٦٠)مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الرَّكْعَةَ الأُخْرى أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ فَوالَوْا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَهَبُوا إلى وُجُوهِ العَدُوِّ فَجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُولى فَصَلَّوْا رَكْعَتَهُمُ الباقِيَةَ، هَذا هو حاصِلُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ في صَلاةِ الخَوْفِ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ صَلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ بَطْنِ نَخْلٍ عَلى أصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّها أعْدَلُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ؛ ولِأنَّها صَحِيحَةٌ بِالإجْماعِ وتِلْكَ صَلاةُ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُتَنَفِّلٍ وفِيها خِلافٌ لِلْعُلَماءِ. والثّانِي، وهو قَوْلُ أبِي إسْحاقَ صَلاةُ بَطْنِ نَخْلٍ أفْضَلُ لِتَحَصُّلِ كُلِّ طائِفَةٍ فَضِيلَةَ جَماعَةٍ تامَّةٍ. واعْلَمْ أنَّ الإمامَ في الحَضَرِيَّةِ يُصَلِّي بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وفي السَّفَرِيَّةِ رَكْعَةً رَكْعَةً، ويُصَلِّي في المَغْرِبِ بِالأُولى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الأكْثَرِ. وَقالَ بَعْضُهم: يُصَلِّي بِالأُولى في المَغْرِبِ رَكْعَةً، واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ بَعْدَ خَيْبَرَ، وإنْ جَزَمَ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُؤَرِّخِينَ بِأنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ قَبْلَ خَيْبَرَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ أنَّ قُدُومَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ مَعَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ أبا مُوسى شَهِدَ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ. قالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ، حَدَّثَنا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي بُرْدَةَ؛ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَلَغَنا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْنُ بِاليَمَنِ، فَخَرَجْنا مُهاجِرِينَ إلَيْهِ أنا وأخَوانِ لِي أنا أصْغَرُهم، أحَدُهُما أبُو بُرْدَةَ، والآخَرُ أبُو رُهْمٍ، إمّا قالَ في بِضْعٍ، وإمّا قالَ في ثَلاثَةٍ وخَمْسِينَ، أوِ اثْنَيْنِ وخَمْسِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِي، فَرَكِبْنا سَفِينَةً فَألْقَتْنا سَفِينَتُنا إلى النَّجاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوافَقْنا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ فَأقَمْنا مَعَهُ حَتّى قَدِمْنا جَمِيعًا، فَوافَقْنا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ» الحَدِيثَ. . .، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ قُدُومَ أبِي مُوسى حِينَ افْتِتاحِ خَيْبَرَ. وَقَدْ قالَ البُخارِيُّ أيْضًا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ ونَحْنُ في سِتَّةِ نَفَرٍ بَيْنَنا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ فَنَقِبَتْ أقْدامُنا ونَقِبَتْ قَدَمايَ وسَقَطَتْ أظْفارِي، وكُنّا نَلُفُّ عَلى أرْجُلِنا الخِرَقَ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ» الحَدِيثَ. فَهَذانَ الحَدِيثانِ الصَّحِيحانِ فِيهِما الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى تَأخُّرِ ذاتِ الرِّقاعِ عَنْ خَيْبَرَ، وقَدْ قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: بابُ غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ وهي غَزْوَةُ مُحارِبِ خَصَفَةَ مِن بَنِي ثَعْلَبَةَ مِن غَطْفانَ فَنَزَلَ نَخْلًا وهي بَعْدَ خَيْبَرَ؛ لِأنَّ أبا مُوسى جاءَ بَعْدَ خَيْبَرَ الَخْ. وإنَّما بَيَّنّا هَذا لِيُعْلَمَ بِهِ أنَّهُ (p-٢٦١)لا حُجَّةَ في عَدَمِ صَلاةِ الخَوْفِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ عَلى أنْها مَشْرُوعَةٌ في الحَضَرِ بِدَعْوى أنَّ ذاتَ الرِّقاعِ قَبْلَ الخَنْدَقِ وأنَّ صَلاةَ الخَوْفِ كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ غَزْوَةِ الأحْزابِ الَّتِي هي غَزْوَةُ الخَنْدَقِ، وأنَّهُ ﷺ ما تَرَكَها مَعَ أنَّهم شَغَلُوهُ وأصْحابَهُ عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ إلى اللَّيْلِ إلّا لِأنَّها لَمْ تُشْرَعْ في الحَضَرِ، بَلِ التَّحْقِيقُ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ ما شُرِعَتْ إلّا بَعْدَ الخَنْدَقِ وأشارَ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي إلى غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎ثُمَّ إلى مُحارِبٍ وثَعْلَبَهْ ذاتِ الرِّقاعِناهَزُوا المُضارِبَهْ ؎وَلَمْ يَكُنْ حَرْبٌ وغَوْرَثٌ جَرى ∗∗∗ بِها لَهُ الَّذِي لِدَعْثَوْرٍ جَرى ؎مَعَ النَّبِيِّ وعَلى المُعْتَمَدِ ∗∗∗ جَرَتْ لِواحِدٍ بِلا تَعَدُّدِ والنّاظِمُ هَذا يَرى أنَّها قَبْلَ خَيْبَرَ تَبَعًا لِابْنِ سَيِّدِ النّاسِ ومَن وافَقَهُ، ومِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ مِن كَيْفِيّاتِ صَلاةِ الخَوْفِ صَلاةُ ذِي قَرَدٍ، وهي أنْ تُصَلِّيَ كُلُّ واحِدَةٍ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً واحِدَةً وتَقْتَصِرَ عَلَيْها، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وأبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وابْنِ ماجَهْ. ومِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وهَذِهِ الكَيْفِيَّةُ هي الَّتِي صَلّاها حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ لَمّا قالَ سَعِيدُ بْنُ العاصِ بَطَبَرِسْتانَ: أيُّكم صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا، وصَلّى بِهِمْ مِثْلَ ما ذَكَرْنا كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنْهُ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ورَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ وهو الَّذِي رَواهُ مِن طَرِيقِهِ النَّسائِيُّ، ولَفْظُ أبِي داوُدَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، قالَ: «كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقامَ فَقالَ: أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا. فَصَلّى بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً وبِهَؤُلاءِ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . قالَ أبُو داوُدَ: وكَذا رَواهُ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ويَزِيدُ الفَقِيرُ، وأبُو مُوسى. قالَ أبُو داوُدَ: رَجُلٌ مِنَ التّابِعِينَ لَيْسَ بِالأشْعَرِيِّ جَمِيعًا عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ قالَ بَعْضُهم عَنْ شُعْبَةَ في حَدِيثِ يَزِيدَ الفَقِيرِ إنَّهم قَضَوْا رَكْعَةً أُخْرى، وكَذَلِكَ رَواهُ سِماكٌ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذَلِكَ رَواهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: فَكانَتْ لِلْقَوْمِ رَكْعَةً رَكْعَةً، ولِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ ما نَصُّهُ: قالَ السُّدِّيُّ إذا صَلَّيْتَ في السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ (p-٢٦٢)فَهُوَ تَمامٌ، والقَصْرُ لا يَحِلُّ إلّا أنْ تَخافَ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ أنْ تُصَلِيَ كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها شَيْئًا؛ ويَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وكَعْبٍ وفَعَلَهُ حُذَيْفَةُ بِطَبَرِسْتانَ، وقَدْ سَألَهُ الأمِيرُ سَعِيدُ بْنُ العاصِ عَنْ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى كَذَلِكَ في غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ رَكْعَةً لِكُلِّ طائِفَةٍ ولَمْ يَقْضُوا، ورُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِأصْحابِهِ كَذَلِكَ يَوْمَ غَزْوَةِ مُحارِبِ خَصْفَةَ وبَنِي ثَعْلَبَةَ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى كَذَلِكَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ، وبِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَقْتَصِرُ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ. قالَ أيْضًا إسْحاقُ: ورُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وجُمْهُورِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ في الخَوْفِ لا يَجُوزُ، وأجابُوا عَنِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا ذَلِكَ ولَمْ يَقْضُوا أنَّهم بَعْدَما أمِنُوا وزالَ الخَوْفُ، لَمْ يَقْضُوا تِلْكَ الصَّلاةَ الَّتِي صَلُّوها في حالَةِ الخَوْفِ وتَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ أنَّ الخائِفَ إذا أمِنَ لا يَقْضِي ما صَلّى عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ المُخالِفَةِ لِهَيْئَةِ صَلاةِ الأمْنِ ولِهَذا القَوْلِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهم في الحَدِيثِ ولَمْ يَقْضُوا، أيْ في عِلْمِ مَن رَوى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ رَوى أنَّهم قَضَوْا رَكْعَةً في تِلْكَ الصَّلاةِ بِعَيْنِها، ورِوايَةُ مَن زادَ أوْلى قالَهُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، ويَدُلُّ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن رِوايَةِ يَزِيدَ الفَقِيرِ عَنْ جابِرٍ مِن طَرِيقِ شُعْبَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ، أنَّهم قَضَوْا رَكْعَةً أُخْرى والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ويُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوايَةَ كَثْرَةُ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ بِعَدَمِ الِاقْتِصارِ عَلى واحِدَةٍ في كَيْفِيّاتِ صَلاةِ الخَوْفِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * وَحاصِلُ ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِن كَيْفِيّاتِ صَلاةِ الخَوْفِ خَمْسٌ، وهي صَلاةُ المُسايَفَةِ الثّابِتَةُ في صَرِيحِ القُرْآنِ، وصَلاةُ بَطْنِ نَخْلٍ، وصَلاةُ عُسْفانَ، وصَلاةُ ذاتِ الرِّقاعِ، وصَلاةُ ذِي قَرَدٍ. وقَدْ أشارَ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي إلى غَزْوَةِ ذاتِ قَرَدٍ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎فَغَزْوَةُ الغابَةِ وهْيَ ذُو قَرَدْ خَرَجَ في إثْرِ لِقاحِهِ وجَدْ ؎وَناشَها سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ ؎وَهْوَ يَقُولُ اليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ ∗∗∗ وفَرَضَ الهادِي لَهُ سَهْمَيْنِ ؎لِسَبْقِهِ الخَيْلَ عَلى الرِّجْلَيْنِ ∗∗∗ واسْتَنْقَذُوا مِنِ ابْنِ حِصْنٍ ؎عَشْرًا وقَسَمَ النَّبِيُّ فِيهِمْ جُزْرًا (p-٢٦٣)وَقَدْ جَزَمَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ بِأنَّ غَزْوَةَ ذاتِ قَرَدٍ قَبْلَ خَيْبَرَ بِثَلاثَةِ لَيالٍ، وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ قالَ: فَرَجَعْنا مِنَ الغَزْوَةِ إلى المَدِينَةِ، فَواللَّهِ ما لَبِثْنا بِالمَدِينَةِ إلّا ثَلاثَ لَيالٍ حَتّى خَرَجْنا إلى خَيْبَرَ، فَما في الصَّحِيحِ أثْبَتُ مِمّا يَذْكُرُهُ أهْلُ السِّيَرِ مِمّا يُخالِفُ ذَلِكَ، كَقَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ: إنَّها كانَتْ في رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ، وكَقَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّها كانَتْ في شَعْبانَ مِن سَنَةِ سِتٍّ بَعْدَ غَزْوَةِ لَحْيانَ بِأيّامٍ. وَمالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ إلى الجَمْعِ بَيْنَ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وبَيْنَ ما ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ بِتَكَرُّرِ الخُرُوجِ إلى ذِي قَرَدٍ، وقَرَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ في رِوايَةِ الحَدِيثِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَذْكُرُونَ أنَّهُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أوْ بِضَمَّتَيْنِ، وقَدْ ورَدَتْ صَلاةُ الخَوْفِ عَلى كَيْفِيّاتٍ أُخَرَ غَيْرِ ما ذَكَرْنا. قالَ ابْنُ القَصّارِ المالِكِيُّ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّاها في عَشَرَةِ مَواضِعَ. وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ: رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً» . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، إنَّ أفْضَلَ الكَيْفِيّاتِ الثّابِتَةِ عَنْهُ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ، ما كانَ أبْلَغُ في الِاحْتِياطِ لِلصَّلاةِ والتَّحَفُّظِ مِنَ العَدُوِّ. * * تَنْبِيهانِ الأوَّلُ: آيَةُ صَلاةِ الخَوْفِ هَذِهِ مِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى وُجُوبِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِها في هَذا الوَقْتِ الحَرِجِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّها أمْرٌ لازِمٌ؛ إذْ لَوْ كانَتْ غَيْرَ لازِمَةٍ لَما أمَرَ بِها في وقْتِ الخَوْفِ؛ لِأنَّهُ عُذْرٌ ظاهِرٌ. الثّانِي: لا تَخْتَصُّ صَلاةُ الخَوْفِ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَلْ مَشْرُوعِيَّتُها باقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى خُصُوصِها بِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٢]، اسْتِدْلالٌ ساقِطٌ، وقَدْ أجْمَعَ الصَّحابَةُ وجَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى رَدِّ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٣]، واشْتِراطُ كَوْنِهِ ﷺ فِيهِمْ، إنَّما ورَدَ لِبَيانِ الحُكْمِ لا لِوُجُودِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَيِّنْ لَهم بِفِعْلِكَ لِكَوْنِهِ أوْضَحَ مِنَ القَوْلِ كَما قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ وغَيْرُهُ، وشَذَّ عَنِ الجُمْهُورِ أبُو يُوسُفَ والمُزَنِيُّ وقالَ بِقَوْلِهِما الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ (p-٢٦٤)والُلُؤْلُؤِيُّ وإبْراهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ فَقالُوا: إنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لَمْ تُشْرَعْ بَعْدَهُ ﷺ واحْتَجُّوا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، ورُدَّ عَلَيْهِمْ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلَيْها بَعْدَهُ ﷺ وبِقَوْلِهِ ﷺ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وعُمُومُ مَنطُوقِ هَذا الحَدِيثِ مُقَدَّمٌ عَلى ذَلِكَ المَفْهُومِ. * * تَنْبِيهٌ قَدْ قَرَّرْتُمْ تَرْجِيحَ أنَّ آيَةَ: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١١٠] في صَلاةِ الخَوْفِ لا صَلاةِ السَّفَرِ، وإذَنْ فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا تُشْرَعُ في الحَضَرِ. فالجَوابُ: أنَّ هَذا المَفْهُومَ قالَ بِهِ ابْنُ الماجِشُونِ، فَمَنَعَ صَلاةَ الخَوْفِ في الحَضَرِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم أيْضًا لِمَنعِها فِيهِ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّها يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفاتَ عَلَيْهِ العَصْرانِ وقَضاهُما بَعْدَ المَغْرِبِ، وبِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّها إلّا في سَفَرٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّها تُصَلّى في الحَضَرِ أيْضًا، وأجابُوا بِأنَّ الشَّرْطَ لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ أيْضًا لِجَرْيِهِ عَلى الغالِبِ كَما تَقَدَّمَ، أوْ لِأنَّهُ نَزَلَ في حادِثَةٍ واقِعَةٍ مُبَيِّنًا حُكْمَها. كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ بِعُسْفانَ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ، فَتَوافَقُوا، فَصَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ صَلاةً تامَّةً بِرُكُوعِها وسُجُودِها، فَهَمَّ بِهِمُ المُشْرِكُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلى أمْتِعَتِهِمْ وأثْقالِهِمْ» فَنَزَلَتْ، وهَذِهِ الحادِثَةُ وقَعَتْ وهم مُسافِرُونَ ضارِبُونَ في الأرْضِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ كَوْنُ المَنطُوقِ نازِلًا عَلى حادِثَةٍ واقِعَةٍ، ولِذا لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [سبإ: ٣٣]، ولا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما نَزَلَ عَلى حادِثَةٍ واقِعَةٍ: فالأوَّلُ: نَزَلَ في إكْراهِ ابْنِ أُبَيٍّ جَوارِيَهُ عَلى الزِّنا، وهُنَّ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ مِن ذَلِكَ. والثّانِي: نَزَلَ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ والَوُا اليَهُودَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ في كُلٍّ مِنهُما ناهِيًا عَنِ الصُّورَةِ الواقِعَةِ مِن غَيْرِ إرادَةِ التَّخْصِيصِ بِها، وأشارَ إلَيْهِ في ”المَراقِي“ بِقَوْلِهِ في تَعْدادِ مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزُ ] ؎أوِ امْتِنانٌ أوْ وِفاقُ الواقِعِ والجَهْلُ والتَّأْكِيدُ عِنْدَ السّامِعِ (p-٢٦٥)وَأجابُوا عَنْ كَوْنِهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّها يَوْمَ الخَنْدَقِ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلاةِ الخَوْفِ، كَما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والشّافِعِيُّ، وبِهِ تَعْلَمُ عَدَمَ صِحَّةِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ الَّتِي صَلّى فِيها النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ كانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ، وأجابُوا عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّها إلّا في السَّفَرِ بِأنَّ السَّفَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى صَلاةِ الخَوْفِ وصْفٌ طَرْدِيٌّ، وعِلَّتُها هي الخَوْفُ لا السَّفَرُ، فَمَتى وُجِدَ الخَوْفُ وُجِدَ حُكْمُها، كَما هو ظاهِرٌ. * * نُكْتَةٌ فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا تَكُونُ كُلُّ هَيْئَةٍ مِن هَيْئاتِ صَلاةِ الخَوْفِ ناسِخَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِالأحْدَثِ فالأحْدَثِ، فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ العَدُوَّ تارَةً يَكُونُونَ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ وتارَةً إلى غَيْرِ جِهَتِها إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ، وكُلُّ حالَةٍ تُفْعَلُ فِيها الهَيْئَةُ المُناسِبَةُ لَها كَما هو ظاهِرٌ. الثّانِي: هو ما حَقَّقَهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ كابْنِ الحاجِبِ والرَّهُونِيِّ وغَيْرِهِما مِن أنَّ الأفْعالَ لا تَعارُضَ بَيْنَها أصْلًا، إذِ الفِعْلُ لا يَقَعُ في الخارِجِ إلّا شَخْصِيًّا لا كُلِّيًّا حَتّى يُنافِيَ فِعْلًا آخَرَ، فَلَيْسَ لِلْفِعْلِ الواقِعِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَقَعَ الفِعْلُ واجِبًا في وقْتٍ، وفي وقْتٍ آخَرَ بِخِلافِهِ، وإذَنْ فَلا مانِعَ مِن جَوازِ الفِعْلَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في الهَيْئَةِ لِعِبادَةٍ واحِدَةٍ وعَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: ؎وَلَمْ يَكُنْ تَعارُضُ الأفْعالِ في كُلِّ حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ وَما ذَكَرَهُ المَحَلِّيُّ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ عَلى الجَوازِ المُسْتَمِرِّ دُونَ القَوْلِ بَحَثَ فِيهِ صاحِبُ (نَشْرِ البُنُودِ) في شَرْحِ البَيْتِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَعْناهُ: يَنالُونَكم بِسُوءٍ. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّها في قَصْرِ الرُّباعِيَّةِ كَما يُفْهَمُ مِن حَدِيثِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأحْمَدَ وأصْحابِ السُّنَنِ كَما تَقَدَّمَ. الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ قَصْرِ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ خِلافًا لِمَن شَذَّ وقالَ: لا قَصْرَ إلّا في حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، ومَن قالَ: لا قَصْرَ إلّا في خَوْفٍ، ومَن قالَ: لا قَصْرَ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ خاصَّةً، فَإنَّها أقْوالٌ لا مُعَوَّلَ عَلَيْها عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، واخْتَلَفَ (p-٢٦٦)العُلَماءُ في الإتْمامِ في السَّفَرِ، هَلْ يَجُوزُ أوْ لا ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ القَصْرَ في السَّفَرِ واجِبٌ. وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ وعَزاهُ الخَطّابِيُّ في المَعالِمِ لِأكْثَرِ عُلَماءِ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، ونَسَبَهُ إلى عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةَ والحَسَنِ قالَ: وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: يُعِيدُ مَن صَلّى في السَّفَرِ أرْبَعًا. اهـ. مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ الشَّوْكانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ الَّذِي هو وُجُوبُ القَصْرِ ما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ، ودَلِيلُ هَؤُلاءِ واضِحٌ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ الإتْمامِ والقَصْرِ، كَما يَجُوزُ الصَّوْمُ والإفْطارُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلِ القَصْرُ أوِ الإتْمامُ أفْضَلُ ؟ وبِهَذا قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ وحَكاهُ العَبْدَرِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ يَعْنِي مَن ذَكَرْنا وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ وأبِي ثَوْرٍ وداوُدَ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ العُلَماءِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ في اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الصَّحابَةِ. وعَنْ أنَسٍ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ وابْنِ المُسَيَّبِ وأبِي قِلابَةَ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠١]؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِرَفْعِ الجُناحِ دَلِيلٌ لِعَدَمِ اللُّزُومِ. الأمْرُ الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا في حَدِيثِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِن «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في القَصْرِ في السَّفَرِ: ”صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم»“ . الحَدِيثَ، فَكَوْنُهُ صَدَقَةً وتَخْفِيفًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اللُّزُومِ. الأمْرُ الثّالِثُ: هو ما رَواهُ النَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأفْطَرَ هو ﷺ وقَصَرَ الصَّلاةَ وصامَتْ هي وأتَمَّتِ الصَّلاةَ، فَأخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، فَقالَ لَها: ”أحْسَنْتِ“» . قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ النَّسائِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ (p-٢٦٧)بِإسْنادٍ حَسَنٍ أوْ صَحِيحٍ، قالَ: وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: قالَ الدّارَقُطْنِيُّ إسْنادُهُ حَسَنٌ، وقالَ في ”مَعْرِفَةِ السُّنَنِ والآثارِ“: هو إسْنادٌ صَحِيحٌ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ أنَّ ما جاءَ في هَذا الحَدِيثِ مِن أنَّ عُمْرَةَ عائِشَةَ المَذْكُورَةَ في رَمَضانَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَحْفُوظَ الثّابِتَ بِالرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ في رَمَضانَ قَطُّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ إلّا أرْبَعَ عُمَرٍ: الأُولى: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صَدَّهُ فِيها المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، عامَ سِتٍّ. الثّانِيَةُ: عُمْرَةُ القَضاءِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها عَقْدُ الصُّلْحِ في الحُدَيْبِيَةِ، وهي عامُ سَبْعٍ. الثّالِثَةُ: عُمْرَةُ الجِعْرانَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، عامَ ثَمانٍ وكُلُّ هَذِهِ العُمَرِ الثَّلاثِ في شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ بِالإجْماعِ وبِالرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ. الرّابِعَةُ: عُمْرَتُهُ مَعَ حَجِّهِ في حَجَّةِ الوَداعِ، ورِوايَةُ النَّسائِيِّ لَيْسَ فِيها أنَّ العُمْرَةَ المَذْكُورَةَ في رَمَضانَ ولَفْظُهُ: أخْبَرَنِي أحْمَدُ بْنُ يَحْيى الصُّوفِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا العَلاءُ بْنُ زُهَيْرٍ الأزْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّها اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ حَتّى إذا قَدِمَتْ مَكَّةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي قَصَرْتَ وأتْمَمْتُ وأفْطَرْتَ وصُمْتُ. قالَ: ”أحْسَنْتِ يا عائِشَةَ“، وما عابَ عَلَيَّ» . اهـ. الأمْرُ الرّابِعُ: ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ ويُتِمُّ، ويُفْطِرُ ويَصُومُ» . قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما. قالَ البَيْهَقِيُّ: قالَ الدّارَقُطْنِيُّ إسْنادُهُ صَحِيحٌ وضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ بِلَفْظِ يَقْصُرُ بِالياءِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وتُتِمُّ بِتائَيْنِ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى عائِشَةَ فَيَكُونُ بِمَعْنى الحَدِيثِ الأوَّلِ، ولَكِنْ جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِإسْنادِ الإتْمامِ المَذْكُورِ لِلنَّبِيِّ ﷺ . قالَ البَيْهَقِيُّ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ الفَقِيهُ، أنْبَأنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، حَدَّثَنا المَحامِلِيُّ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوابٍ، حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ وعَنْ (p-٢٦٨)عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْصُرُ في الصَّلاةِ ويُتِمُّ ويُفْطِرُ ويَصُومُ» . قالَ عَلِيٌّ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ. اهـ. قالَ البَيْهَقِيُّ: ولَهُ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ دَلْهَمِ بْنِ صالِحٍ، والمُغِيرَةِ بْنِ زِيادٍ، وطَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو وكُلُّهم ضَعِيفٌ. الخامِسُ: إجْماعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُسافِرَ إذا اقْتَدى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ الإتْمامُ، ولَوْ كانَ القَصْرُ واجِبًا حَتْمًا لَما جازَ صَلاةُ أرْبَعٍ خَلْفَ الإمامِ. وَأجابَ أهْلُ هَذا القَوْلِ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ وعائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ بِأنَّ المُرادَ بِكَوْنِ صَلاةِ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أيْ: لِمَن أرادَ ذَلِكَ، وعَنْ قَوْلِ عَمَرَ في الحَدِيثِ: تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ بِأنَّ مَعْناهُ أنَّها تامَّةٌ في الأجْرِ قالَهُ النَّوَوِيُّ، ولا يَخْلُو مِن تَعَسُّفٍ وأجابَ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ عَنْ حُجَجِ هَؤُلاءِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] في صَلاةِ الخَوْفِ كَما قَدَّمْنا، فَلا دَلِيلَ فِيهِ لِقَصْرِ الرُّباعِيَّةِ، قالُوا: ولَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ في قَصْرِ الرُّباعِيَّةِ فالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، لا يُنافِي الوُجُوبَ كَما اعْتَرَفْتُمْ بِنَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] لِأنَّ السَّعْيَ فَرْضٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وعَنْ قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم» بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَبُولِها في قَوْلِهِ: «فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ فَلَيْسَ لَنا عَدَمُ قَبُولِها مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: ”فاقْبَلُوها“، وأجابُوا عَنِ الثّالِثِ والرّابِعِ بِأنَّ حَدِيثَيْ عائِشَةَ المَذْكُورَيْنِ لا يَصِحُّ واحِدٌ مِنها واسْتَدَلُّوا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُرْوَةَ أنَّها تَأوَّلَتْ في إتْمامِها ما تَأوَّلَ عُثْمانُ، فَلَوْ كانَ عِنْدَها في ذَلِكَ رِوايَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقُلْ عَنْها عُرْوَةُ أنَّها تَأوَّلَتْ. وَقالَ ابْنُ القَيَّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: وسَمِعْتُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: هَذا الحَدِيثُ كَذِبٌ عَلى عائِشَةَ، ولَمْ تَكُنْ عائِشَةُ لِتُصَلِّيَ بِخِلافِ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ وسائِرِ الصَّحابَةِ، وهي تُشاهِدُهم يَقْصُرُونَ ثُمَّ تُتِمُّ هي وحْدَها بِلا مُوجِبٍ، كَيْفَ وهي القائِلَةُ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ، وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ فَكَيْفَ يُظَنُّ أنَّها تَزِيدُ عَلى ما فَرَضَ اللَّهُ وتُخالِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ. وَقالَ الزُّهْرِيُّ لِهِشامِ بْنِ عُرْوَةَ لَمّا حَدَّثَهُ عَنْ أبِيهِ عَنْها بِذَلِكَ، فَما شَأْنُها كانَتْ تُتِمُّ (p-٢٦٩)الصَّلاةَ فَقالَ: تَأوَّلَتْ كَما تَأوَّلَ عُثْمانُ فَإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَسَّنَ فِعْلَها وأقَرَّها عَلَيْهِ، فَما لِلتَّأْوِيلِ حِينَئِذٍ وجْهٌ، ولا يَصِحُّ أنَّ يُضافَ إتْمامُها إلى التَّأْوِيلِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وقَدْ أخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ في السَّفَرِ عَلى رَكْعَتَيْنِ ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ، أفَيُظَنُّ بِعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ مُخالَفَتُهم وهي تَراهم يَقْصُرُونَ. وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ فَإنَّها أتَمَّتْ كَما أتَمَّ عُثْمانُ، وكِلاهُما تَأوَّلَ تَأْوِيلًا. والحُجَّةُ في رِوايَتِهِمْ لا في تَأْوِيلِ الواحِدِ مِنهم مَعَ مُخالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا اسْتِبْعادُ مُخالَفَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِلنَّبِيِّ ﷺ في حَياتِهِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِمُخالَفَتِها لَهُ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ، فَإنَّهُ يُوهِمُ أنَّ مُخالَفَتَهُ بَعْدَ وفاتِهِ سائِغَةٌ، ولا شَكَّ أنَّ المَنعَ مِن مُخالَفَتِهِ في حَياتِهِ باقٍ بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ البَتَّةَ مُخالَفَةُ ما جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى إلى يَوْمِ القِيامَةِ: فِعْلًا كانَ أوْ قَوْلًا أوْ تَقْرِيرًا، ولا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ أنَّ عائِشَةَ تُخالِفُ هَدْيَ الرَّسُولِ ﷺ بِاجْتِهادٍ ورِوايَةُ مَن رَوى أنَّها تَأوَّلَتْ تَقْتَضِي نَفْيَ رِوايَتِها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا في ذَلِكَ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ فِيهِ إثْباتُ أنَّها رَوَتْ عَنْهُ ذَلِكَ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، فَبِهَذا يَعْتَضِدُ الحَدِيثَ الَّذِي صَحَّحَهُ بَعْضُهم وحَسَّنَهُ بَعْضُهم كَما تَقَدَّمَ. والتَّحْقِيقُ أنَّ سَنَدَ النَّسائِيِّ المُتَقَدِّمَ الَّذِي رَوى بِهِ هَذا الحَدِيثَ صَحِيحٌ، وإعْلالَ ابْنِ حِبّانَ لَهُ بِأنَّ فِيهِ العَلاءَ بْنَ زُهَيْرٍ الأزْدِيَّ، وقالَ فِيهِ: إنَّهُ يَرْوِي عَنِ الثِّقاتِ ما لا يُشْبِهُ حَدِيثَ الإثْباتِ فَبَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِهِ، مَرْدُودٌ بِأنَّ العَلاءَ المَذْكُورَ ثِقَةٌ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ وغَيْرِهِ وإعْلالُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ لَمْ يُدْرِكْ عائِشَةَ مَرْدُودٌ بِأنَّهُ أدْرَكَها. قالَ الدّارَقُطْنِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ أدْرَكَ عائِشَةَ فَدَخَلَ عَلَيْها وهو مُراهِقٌ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ بِالِاسْتِئْذانِ بَعْدَ احْتِلامِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَمالِ“ أنَّهُ سَمِعَ مِنها، وذَكَرَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وإعْلالُ الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِأنَّهُ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ الرُّواةِ يَقُولُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ، وبَعْضَهم يَقُولُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ مَرْدُودٌ أيْضًا، بِأنَّ رِوايَةَ مَن قالَ عَنْ أبِيهِ خَطَأٌ والصَّوابُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ. قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَ أسانِيدَ الرِّوايَتَيْنِ: قالَ أبُو بَكْرٍ النَّيْسابُورِيُّ: هَكَذا قالَ (p-٢٧٠)أبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ، ومَن قالَ عَنْ أبِيهِ في هَذا الحَدِيثِ فَقَدْ أخْطَأ. اهـ. فالظّاهِرُ ثُبُوتُ هَذا الحَدِيثِ وهو يُقَوِّي حُجَّةَ مَن لَمْ يَمْنَعْ إتْمامَ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ وهم أكْثَرُ العُلَماءِ، وذَهَبَ الإمامُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ إلى أنَّ قَصْرَ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ سُنَّةٌ، وأنَّ مَن أتَمَّ أعادَ في الوَقْتِ؛ لِأنَّ الثّابِتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُواظِبُ عَلى القَصْرِ في أسْفارِهِ وكَذَلِكَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ في غَيْرِ أيّامِ مِنًى ولَمْ يَمْنَعْ مالِكٌ الإتْمامَ؛ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * الفَرْعُ الثّانِي: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْدِيدِ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَّلاةُ. فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: هي أرْبَعَةُ بُرُدٍ، والبَرِيدُ أرْبَعَةُ فَراسِخَ، والفَرْسَخُ ثَلاثَةُ أمْيالٍ، وتَقْرِيبُهُ بِالزَّمانِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ سَيْرًا مُعْتَدِلًا، وعِنْدَهُمُ اخْتِلافٌ في قَدْرِ المِيلِ مَعْرُوفٌ واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ بِما رَواهُ مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ رَكِبَ إلى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلاةَ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ. قالَ مالِكٌ: وذَلِكَ نَحْوٌ مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ، ورِيمٌ مَوْضِعٌ. قالَ بَعْضُ شُعَراءِ المَدِينَةِ: [ الوافِرُ ] فَكَمْ مِن حَرَّةٍ بَيْنَ المُنَقّى إلى أُحُدٍ إلى جَنَباتِ رِيمِ وَبِما رَواهُ مالِكٌ عَنْ نافِعٍ عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَكِبَ إلى ذاتِ النُّصُبِ فَقَصَرَ الصَّلاةَ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ. قالَ مالِكٌ: وبَيْنَ ذاتِ النُّصُبِ والمَدِينَةِ أرْبَعَةُ بُرُدٍ، وبِما قالَ مالِكٌ: إنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ في مِثْلِ ما بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وفي مِثْلِ ما بَيْنَ مَكَّةَ وعُسْفانَ، وفي مِثْلِ ما بَيْنَ مَكَّةَ وجُدَّةَ. قالَ مالِكٌ: وذَلِكَ أرْبَعَةُ بُرُدٍ وذَلِكَ أحَبُّ ما تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ إلَيَّ، وبِما رَواهُ مالِكٌ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ كانَ يُسافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ البَرِيدَ فَلا يَقْصُرُ الصَّلاةَ. كُلُّ هَذِهِ الآثارِ المَذْكُورَةِ في ”المُوَطَّأِ“، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ كَما ذَكَرْناهُ عَنْهُما. وَقالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”صَحِيحِهِ“: وكانَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَقْصُرانِ ويُفْطِرانِ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ، وهي سِتَّةُ عَشَرَ فَرْسَخًا. اهـ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ والزُّهْرِيُّ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ القَصْرُ في أقَلَّ مِن مَسافَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ أبُو (p-٢٧١)حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وسُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، والثَّوْرِيِّ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا يَوْمانِ وأكْثَرُ الثّالِثِ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الثّابِتَيْنِ في الصَّحِيحِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُسافِرِ المَرْأةُ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا ومَعَها ذُو مَحْرَمٍ»، وبِحَدِيثِ: «مَسْحُ المُسافِرِ عَلى الخُفِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ»، ووَجْهُ الِاحْتِجاجِ بِهَذا الحَدِيثِ الأخِيرِ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مُسافِرٍ يُشْرَعُ لَهُ مَسْحُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولا يَصِحُّ العُمُومُ في ذَلِكَ إلّا إذا قَدَّرَ أقَلَّ مُدَّةِ السَّفَرِ بِثَلاثَةِ أيّامٍ؛ لِأنَّها لَوْ قُدِّرَتْ بِأقَلَّ مِن ذَلِكَ لا يُمْكِنُهُ اسْتِيفاءُ مُدَّتِهِ؛ لِانْتِهاءِ سَفَرِهِ فاقْتَضى ذَلِكَ تَقْدِيرُهُ بِالثَّلاثَةِ وإلّا لَخَرَجَ بَعْضُ المُسافِرِينَ عَنْهُ. اهـ. والِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثَيْنِ غَيْرُ ظاهِرٍ فِيما يَظْهَرُ لِي؛ لِأنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ الأوَّلِ: أنَّ المَرْأةَ لا يَحِلُّ لَها سَفَرُ مَسافَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى تَحْدِيدِ أقَلِّ ما يُسَمّى سَفَرًا، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ لا تُسافِرِ المَرْأةُ يَوْمَيْنِ إلّا ومَعَها زَوْجُها أوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَها حُرْمَةٌ» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ ”مَسِيرَةَ يَوْمٍ“، وفي رِوايَةٍ لَهُ ”لَيْلَةٍ“، وفي رِوايَةِ أبِي داوُدَ لا ”تُسافِرْ بَرِيدًا“، ورَواهُ الحاكِمُ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: وهَذِهِ الرِّوايَةُ في الثَّلاثَةِ واليَوْمَيْنِ واليَوْمِ صَحِيحَةٌ، «وَكَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ: سُئِلَ عَنِ المَرْأةِ تُسافِرُ ثَلاثًا مِن غَيْرِ مَحْرَمٍ، فَقالَ: ”لا“، وسُئِلَ عَنْها تُسافِرُ يَوْمَيْنِ مِن غَيْرِ مَحْرَمٍ، فَقالَ: ”لا“، ويَوْمًا فَقالَ: ”لا“ فَأدّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم ما حَفِظَ ولا يَكُونُ عَدَدٌ مِن هَذِهِ الأعْدادِ حَدًّا لِلسَّفَرِ» . اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. فَظَهْرَ مِن هَذا أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى أقَلِّ السَّفَرِ بِالحَدِيثِ غَيْرُ مُتَّجِهٍ كَما تَرى لا سِيَّما أنَّ ابْنَ عُمَرَ راوِيهِ قَدْ خالَفَهُ كَما تَقَدَّمَ، والقاعِدَةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ أنَّ العِبْرَةَ بِما رَأى الصَّحابِيُّ لا بِما رَوى. وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِحَدِيثِ تَوْقِيتِ مَسْحِ المُسافِرِ بِثَلاثَةِ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ فَهو أيْضًا غَيْرُ مُتَّجِهٍ، لِأنَّهُ إذا انْتَهى سَفَرُهُ قَبْلَها صارَ مُقِيمًا وزالَ عَنْهُ اسْمُ السَّفَرِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يُسافِرَ ثَلاثَةٌ بَلْ غايَةُ ما يُفِيدُهُ الحَدِيثُ أنَّ المُسافِرَ لَهُ في المَسْحِ عَلى الخُفِّ (p-٢٧٢)مُدَّةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ مَكَثَها مُسافِرًا فَذَلِكَ، وإنْ أتَمَّ سَفَرَهُ قَبْلَها صارَ غَيْرَ مُسافِرٍ ولا إشْكالَ في ذَلِكَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إلى أنَّ القَصْرَ يَجُوزُ في مَسِيرَةِ يَوْمٍ تامٍّ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ الأوْزاعِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ واحْتَجُّوا بِما تَقَدَّمَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أطْلَقَ اسْمَ السَّفَرِ عَلى مَسافَةِ يَوْمٍ والسَّفَرُ هو مَناطُ القَصْرِ، وبِما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التّامِّ، وظاهِرُ صَنِيعِ البُخارِيِّ أنَّهُ يَخْتارُ أنَّها يَوْمٌ ولَيْلَةٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: ”بابٌ في كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاةَ وسَمّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا ولَيْلَةً سَفَرًا“؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: وسَمّى النَّبِيُّ الخَ. . . بَعْدَ قَوْلِهِ: ”في كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاةَ“، يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو مَناطُ القَصْرِ عِنْدَهُ كَما هو ظاهِرٌ. وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى جَوازِ القَصْرِ في قَصِيرِ السَّفَرِ وطَوِيلِهِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا داوُدُ الظّاهِرِيُّ، قالَ عَنْهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: حَتّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلى بُسْتانٍ خارِجَ البَلَدِ قَصَرَ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِإطْلاقِ الكِتابِ والسُّنَّةِ جَوازَ القَصْرِ بِلا تَقْيِيدٍ لِلْمَسافَةِ، وبِما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ يَحْيى بْنِ يَزِيدَ الهَنائِيِّ قالَ: سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلاةِ فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ أوْ ثَلاثَةِ فَراسِخَ - شُعْبَةُ الشّاكُّ - صَلّى رَكْعَتَيْنِ»، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ وبِما رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا في ”الصَّحِيحِ“ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: ”خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إلى قَرْيَةٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ. فَقالَ: رَأيْتُ عُمَرَ صَلّى بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: إنَّما أفْعَلُ كَما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ“، وأُجِيبَ مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ في حَدِيثَيْ مُسْلِمٍ المَذْكُورَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِما أنَّ تِلْكَ المَسافَةُ المَذْكُورَةُ فِيهِما هي غايَةُ السَّفَرِ، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا فَتَباعَدَ ثَلاثَةَ أمْيالٍ قَصَرَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ ﷺ كانَ لا يُسافِرُ عِنْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ إلّا بَعْدَ أنْ يُصَلِّيَها فَلا تُدْرِكُهُ الصَّلاةُ الأُخْرى إلّا وقَدْ تَباعَدَ مِنَ المَدِينَةِ، وكَذَلِكَ حَدِيثُ شُرَحْبِيلَ المَذْكُورُ. فَقَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلّى بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أنَسٍ وهو أنَّهُ كانَ مُسافِرًا إلى مَكَّةَ أوْ غَيْرِها فَمَرَّ بِذِي الحُلَيْفَةِ وأدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ لا أنَّ ذا الحُلَيْفَةِ غايَةُ سَفَرِهِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ ولَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ القَصْرَ صَرِيحًا فِيما دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ كَما جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ - قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”تَلْخِيصِ الحَبِيرِ“: ورَوى سَعِيدُ بْنُ (p-٢٧٣)مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سافَرَ فَرْسَخًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ وسَكَتَ عَلَيْهِ»، فَإنْ كانَ صَحِيحًا فَهو ظاهِرٌ في قَصْرِ الصَّلاةِ في المَسافَةِ القَصِيرَةِ ظُهُورًا أقْوى مِن دَلالَةِ حَدِيثَيْ مُسْلِمٍ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: هَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ في تَحْدِيدِ مَسافَةِ القَصْرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ في تَحْدِيدِها نَصٌّ صَرِيحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها عَلى نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ قَوْلًا، وما رَواهُ البَيْهَقِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«يا أهْلَ مَكَّةَ» لا تَقْصُرُوا في أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ“ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ في إسْنادِهِ عَبْدَ الوَهّابِ بْنَ مُجاهِدٍ وهو مَتْرُوكٌ، وكَذَّبَهُ الثَّوْرِيُّ. وَقالَ الأزْدِيُّ: لا تَحِلُّ الرِّوايَةُ عَنْهُ وراوِيهِ عَنْهُ إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ، ورِوايَتُهُ عَنْ غَيْرِ الشّامِيِّينَ ضَعِيفَةٌ وعَبْدُ الوَهّابِ المَذْكُورُ حِجازِيٌّ لا شامِيٌّ، والصَّحِيحُ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَواهُ عَنْهُ الشّافِعِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، ورَواهُ عَنْهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ بَلاغًا، وقَدْ قَدَّمْناهُ. والظّاهِرُ أنَّ الِاخْتِلافَ في تَحْدِيدِ المَسافَةِ مِن نَوْعِ الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ، فَكُلُّ ما كانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ في لُغَةِ العَرَبِ يَجُوزُ القَصْرُ فِيهِ؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ النُّصُوصِ ولَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صارِفٌ مِن نَقْلٍ صَحِيحٍ ومُطْلَقُ الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ لا يُسَمّى سَفَرًا، وقَدْ كانَ ﷺ يَذْهَبُ إلى قُباءٍ وإلى أُحُدٍ ولَمْ يَقْصُرِ الصَّلاةَ، والحَدِيثانِ اللَّذانِ قَدَّمْنا عَنْ مُسْلِمٍ مُحْتَمَلانِ وحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ المُتَقَدِّمُ لا نَعْلَمُ أصَحِيحٌ هو أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ صَحِيحًا كانَ نَصًّا قَوِيًّا في قَصْرِ الصَّلاةِ في المَسافَةِ القَصِيرَةِ والطَّوِيلَةِ، وقَصْرُ أهْلِ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ دَلِيلٌ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ عَلى القَصْرِ في المَسافَةِ غَيْرِ الطَّوِيلَةِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: القَصْرُ في مُزْدَلِفَةَ، ومِنًى، وعَرَفاتٍ، مِن مَناسِكِ الحَجِّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أقْوى الأقْوالِ فِيما يَظْهَرُ لِي حُجَّةً، هو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ كُلَّ ما يُسَمّى سَفَرًا ولَوْ قَصِيرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ؛ لِإطْلاقِ السَّفَرِ في النُّصُوصِ، ولِحَدِيثَيْ مُسْلِمٍ المُتَقَدِّمَيْنِ، وحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ، ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ وكِيعٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحارِبٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «إنِّي لَأُسافِرُ السّاعَةَ مِنَ النَّهارِ فَأقْصُرُ» . وَقالَ الثَّوْرِيُّ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ”لَوْ خَرَجْتُ (p-٢٧٤)مِيلًا قَصَرْتُ الصَّلاةَ“ . قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: إسْنادُ كُلٍّ مِنهُما صَحِيحٌ. اهـ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * الفَرْعُ الثّالِثُ: يَبْتَدِئُ المُسافِرُ القَصْرَ، إذا جاوَزَ بُيُوتَ بَلَدِهِ بِأنْ خَرَجَ مِنَ البَلَدِ كُلِّهِ، ولا يَقْصُرُ في بَيْتِهِ إذا نَوى السَّفَرَ، ولا في وسَطِ البَلَدِ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، وأكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَصَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وعَنْ مالِكٍ أنَّهُ إذا كانَ في البَلَدِ بَساتِينُ مَسْكُونَةٌ أنَّ حُكْمَها حُكْمُ البَلَدِ، فَلا يَقْصُرُ حَتّى يُجاوِزَها، واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ؛ عَلى أنَّهُ لا يُقْصُرُ إلّا إذا خَرَجَ مِنَ البَلَدِ، بِأنَّ القَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ البَلَدِ لَمْ يَضْرِبْ في الأرْضِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ إنْ أرادَ السَّفَرَ قَصَرَ وهو في مَنزِلِهِ، وذَكَرَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّهُ أرادَ سَفَرًا فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ وفِيهِمُ الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ورَوَيْنا مَعْناهُ عَنْ عَطاءٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى قالَ: وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْصُرُ المُسافِرُ نَهارًا حَتّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ، وإنْ خَرَجَ بِاللَّيْلِ لَمْ يَقْصُرْ حَتّى يَدْخُلَ النَّهارُ، وعَنْ عَطاءٍ، أنَّهُ قالَ: إذا جاوَزَ حِيطانَ دارِهِ فَلَهُ القَصْرُ. قالَ النَّوَوِيُّ: فَهَذانَ المَذْهَبانِ فاسِدانِ فَمَذْهَبُ مُجاهِدٍ مُنابِذٌ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في قَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ، حِينَ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ، ومَذْهَبُ عَطاءٍ، ومُوافِقِيهِ مُنابِذٌ لِلسَّفَرِ. اهـ. مِنهُ، وهو ظاهِرٌ كَما تَرى. * * الفَرْعُ الرّابِعُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي إذا نَوى المُسافِرُ إقامَتَها لَزِمَهُ الإتْمامُ، فَذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ إلى أنَّها أرْبَعَةُ أيّامٍ، والشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: لا يَحْسِبُ فِيها يَوْمَ الدُّخُولِ، ولا يَوْمَ الخُرُوجِ، ومالَكٌ يَقُولُ: إذا نَوى إقامَةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ صِحاحٍ أتَمَّ. وَقالَ ابْنُ القاسِمِ: في العُتَيْبَةِ يُلْغى يَوْمُ دُخُولِهِ ولا يَحْسِبُهُ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ أحْمَدَ، أنَّها ما زادَ عَلى إحْدى وعِشْرِينَ صَلاةً. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هي نِصْفُ شَهْرٍ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّها أرْبَعَةُ أيّامٍ، بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «ثَلاثُ لَيالٍ يَمْكُثُهُنَّ المُهاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدْرِ»، هَذا لَفَظُ مُسْلِمٍ، وفي رِوايَةٍ لَهُ عَنْهُ: «لِلْمُهاجِرِ إقامَةُ ثَلاثِ لَيالٍ بَعْدَ الصَّدْرِ بِمَكَّةَ»، وفي رِوايَةٍ لَهُ عَنْهُ: «يُقِيمُ (p-٢٧٥)المُهاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا»، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في المَناقِبِ، عَنِ العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ أيْضًا بِلَفْظِ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاثٌ لِلْمُهاجِرِ بَعْدَ الصَّدْرِ» اهـ. قالُوا فَأذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُهاجِرِينَ في ثَلاثَةِ أيّامٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أقامَها في حُكْمِ المُسافِرِ، وأنَّ ما زادَ عَلَيْها يَكُونُ إقامَةً والمُقِيمُ عَلَيْهِ الإتْمامُ، وبِما أخْرَجَهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ أجْلى اليَهُودَ مِنَ الحِجازِ، ثُمَّ أذِنَ لِمَن قَدِمَ مِنهم تاجِرًا أنَّ يُقِيمَ ثَلاثًا "، وأُجِيبَ عَنْ هَذا الدَّلِيلِ مِن جِهَةِ المُخالِفِ، بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما رَخَّصَ لَهم في الثَّلاثِ؛ لِأنَّها مَظِنَّةُ قَضاءِ حَوائِجِهِمْ، وتَهْيِئَةُ أحْوالِهِمْ لِلسَّفَرِ، وكَذَلِكَ تَرْخِيصُ عُمَرَ لِلْيَهُودِ في إقامَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ يَعْتَضِدُ بِالقِياسِ؛ لِأنَّ القَصْرَ شُرِعَ لِأجْلِ تَخْفِيفِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، ومَن أقامَ أرْبَعَةَ أيّامٍ، فَإنَّها مَظِنَّةٌ لِإذْهابِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ عَنْهُ، واحْتَجَّ الإمامُ أحْمَدُ، عَلى أنَّها ما زادَ عَلى إحْدى وعِشْرِينَ صَلاةً بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَدِمَ مَكَّةَ في حَجَّةِ الوَداعِ صُبْحَ رابِعَةٍ، فَأقامَ النَّبِيُّ ﷺ اليَوْمَ الرّابِعَ، والخامِسَ، والسّادِسَ، والسّابِعَ، وصَلّى الفَجْرَ بِالأبْطُحِ يَوْمَ الثّامِنِ، فَكانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ في هَذِهِ الأيّامِ، وقَدْ أجْمَعَ عَلى إقامَتِها، وهي إحْدى وعِشْرُونَ صَلاةً؛ لِأنَّها أرْبَعَةُ أيّامٍ كامِلَةٍ، وصَلاةُ الصُّبْحِ مِنَ الثّامِنِ»، قالَ: فَإذا أجْمَعَ أنْ يُقِيمَ، كَما أقامَ النَّبِيُّ ﷺ قَصَرَ، وإذا أجْمَعَ عَلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أتَمَّ. وَرَوى الأثْرَمُ، عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ هَذا الِاحْتِجاجَ كَلامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ النّاسِ، وحَمَلَ الإمامُ أحْمَدُ حَدِيثَ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ بِمَكَّةَ في حَجَّةِ الوَداعِ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» عَلى هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا عَنْهُ، وأنَّ أنَسًا أرادَ مُدَّةَ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ ومِنًى ومُزْدَلِفَةَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ لِظُهُورِ وجْهِهِ، ووُضُوحِ أنَّهُ الحَقُّ. تَنْبِيهٌ حَدِيثُ أنَسٍ هَذا الثّابِتُ في الصَّحِيحِ، لا يُعارِضُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أقامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ»، فَنَحْنُ إذا سافَرْنا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنا، وإنْ زِدْنا أتْمَمْنا؛ لِأنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في غَزْوَةِ الفَتْحِ، وحَدِيثَ أنَسٍ، في حَجَّةِ الوَداعِ، وحَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، مَحْمُولٌ عَلى (p-٢٧٦)أنَّهُ ﷺ، ما كانَ ناوِيًا الإقامَةَ؛ والإقامَةُ المُجَرَّدَةُ عَنْ نِيَّةٍ لا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأنَّها نِصْفُ شَهْرٍ، بِما رَوى أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ، يَقْصُرُ الصَّلاةَ» وضَعَّفَ النَّوَوِيُّ في الخُلاصَةِ، رِوايَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ رُواتَها ثِقاتٌ، ولَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ إسْحاقَ، فَقَدْ أخْرَجَها النَّسائِيُّ، مِن رِوايَةِ عِراكِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَذَلِكَ، واخْتارَ أبُو حَنِيفَةَ رِوايَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ، عَنْ رِوايَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ، ورِوايَةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، ورِوايَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ؛ لِأنَّها أقَلُّ ما ورَدَ فَيُحْمَلُ غَيْرُها عَلى أنَّهُ وقَعَ اتِّفاقًا، وأرْجَحُ الرِّواياتِ، وأكْثَرُها وُرُودًا في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ رِوايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ وبِها أخَذَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وجَمَعَ البَيْهَقِيُّ بَيْنَ الرِّواياتِ، بِأنَّ مَن قالَ: تِسْعَةَ عَشَرَ، عَدَّ يَوْمَ الدُّخُولِ، ويَوْمَ الخُرُوجِ، ومَن قالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ حَذَفَهُما، ومَن قالَ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ حَذَفَ أحَدَهُما. أمّا رِوايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فالظّاهِرُ فِيها أنَّ الرّاوِيَ ظَنَّ، أنَّ الأصْلَ رِوايَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَحَذَفَ مِنها، يَوْمَ الدُّخُولِ، ويَوْمَ الخُرُوجِ، فَصارَ الباقِي خَمْسَةَ عَشَرَ، واعْلَمْ أنَّ الإقامَةَ المُجَرَّدَةَ عَنِ النِّيَّةِ فِيها أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ: أحَدُها: أنَّهُ يُتِمُّ بَعْدَ أرْبَعَةِ أيّامٍ. والثّانِي: بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. والثّالِثُ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ. والرّابِعُ: تِسْعَةَ عَشَرَ. والخامِسُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. والسّادِسُ: يَقْصُرُ أبَدًا حَتّى يُجْمِعَ عَلى الإقامَةِ. والسّابِعُ: لِلْمُحارِبِ أنْ يَقْصُرَ، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ القَصْرُ بَعْدَ إقامَةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ. وَأظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ لا يَقْصُرُ حَتّى يَنْوِيَ الإقامَةَ ولَوْ طالَ مَقامُهُ مِن غَيْرِ نِيَّةِ الإقامَةِ، ويَدُلُّ لَهُ قَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ مُدَّةَ إقامَتِهِ في مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، وما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقامَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» . وقَدْ صَحَّحَ هَذا الحَدِيثَ النَّوَوِيُّ وابْنُ حَزْمٍ، وأعَلَّهُ (p-٢٧٧)الدّارَقُطْنِيُّ في العِلَلِ بِالإرْسالِ والِانْقِطاعِ، وأنَّ عَلِيَّ بْنَ المُبارَكِ وغَيْرَهُ مِنَ الحُفّاظِ رَوَوْهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ مُرْسَلًا، وأنَّ الأوْزاعِيَّ رَواهُ عَنْ يَحْيى عَنْ أنَسٍ فَقالَ: ”بِضْعَ عَشْرَةَ“ وبِهَذا اللَّفْظِ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وهو ضَعِيفٌ. قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ لَهُ: ولا أراهُ مَحْفُوظًا، وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ جابِرٍ: ”بِضْعَ عَشْرَةَ“ . اهـ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى الأوْزاعِيِّ ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في العِلَلِ وقالَ: الصَّحِيحُ عَنِ الأوْزاعِيِّ عَنْ يَحْيى أنَّ أنَسًا كانَ يَفْعَلُهُ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ويَحْيى لَمْ يَسْمَعْ مِن أنَسٍ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: قُلْتُ ورِوايَةُ المُسْنَدِ تَفَرَّدَ بِها مَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ وهو إمامٌ مُجْمَعٌ عَلى جَلالَتِهِ وباقِي الإسْنادِ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، فالحَدِيثُ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ إذا تَعارَضَ في الحَدِيثِ إرْسالٌ وإسْنادٌ حُكِمَ بِالمُسْنَدِ. اهـ. مِنهُ وعَقَدَهُ صاحِبُ ”المَراقِي“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] والرَّفْعُ والوُصُولُ وزَيْدُ اللَّفْظِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ الَخْ. . . واسْتَدَلَّ أيْضًا مَن قالَ بِأنَّ الإقامَةَ المُجَرَّدَةَ عَنِ النِّيَّةِ لا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ بِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حَصِينٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وشَهِدْتُ مَعَهُ الفَتْحَ فَأقامَ بِمَكَّةَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُصَلِّي إلّا رَكْعَتَيْنِ يَقُولُ: ”يا أهْلَ البَلْدَةِ صَلُّوا أرْبَعًا فَإنّا سَفْرٌ»، فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ“ فَإنّا سَفْرٌ " مَعَ إقامَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ المُقِيمَ مِن غَيْرِ نِيَّةِ الإقامَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُسافِرِ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وهَذا الحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ وهو ضَعِيفٌ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وإنَّما حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ لِشَواهِدِهِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الِاخْتِلافَ في المُدَّةِ كَما عُلِمَ مِن عادَةِ المُحَدِّثِينَ مِنِ اعْتِبارِهِمُ الِاتِّفاقَ عَلى الأسانِيدِ دُونَ السِّياقِ. اهـ. وعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ المَذْكُورُ أخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ في حَدِيثِهِ في السَّفَرِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقالَ: صَدُوقٌ رُبَّما رَفَعَ المَوْقُوفَ ووَثَّقَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: اخْتَلَطَ في كِبَرِهِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ شُعْبَةُ، والثَّوْرِيُّ، (p-٢٧٨)وَعَبْدُ الوارِثِ، وخَلْقٌ. وَقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما فِيهِ لِينٌ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الدّارَقُطْنِيِّ هَذا أقْرَبُ لِلصَّوابِ فِيهِ، لَكِنْ يُتَّقى مِنهُ ما كانَ بَعْدَ الِاخْتِلاطِ. اهـ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الإقامَةَ دُونَ نِيَّتِها لا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ، ”وَقَدْ أقامَ الصَّحابَةُ بِرامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلاةَ“ . رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وتَضْعِيفُهُ بِعِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ مَرْدُودٌ بِأنَّ عِكْرِمَةَ المَذْكُورَ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“ . وَقَدْ رَوى أحْمَدُ في ”مَسْنَدِهِ“ عَنْ ثُمامَةَ بْنِ شَراحِيلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”كُنْتُ بِأذْرَبِيجانَ لا أدْرِي قالَ: أرْبَعَةَ أشْهُرٍ أوْ شَهْرَيْنِ فَرَأيْتُهم يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ“، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ. اهـ. وَمَذْهَبُ مالِكٍ الفَرْقُ بَيْنَ العَسْكَرِ بِدارِ الحَرْبِ فَلا يَقْصُرُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَقْصُرُ بِنِيَّةِ إقامَةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ صِحاحٍ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]