Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — النور 24:8 – النور 24:64

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. النور 24:8
  2. النور 24:21
  3. النور 24:22
  4. النور 24:24
  5. النور 24:25
  6. النور 24:27
  7. النور 24:30
  8. النور 24:31
  9. النور 24:32
  10. النور 24:33
  11. النور 24:34
  12. النور 24:36
  13. النور 24:37
  14. النور 24:38
  15. النور 24:39
  16. النور 24:41
  17. النور 24:55
  18. النور 24:56
  19. النور 24:57
  20. النور 24:62
  21. النور 24:63
  22. النور 24:64

النور 24:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، مَعْنى: ويَدْرَأُ: يَدْفَعُ، والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا: الحَدُّ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: العَذابَ أنْ تَشْهَدَ فاعِلُ يَدْرَأُ، أيْ: يَدْفَعُ عَنْها الحَدَّ شَهادَتُها أرْبَعَ شَهاداتٍ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الحَدُّ مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: مِنها سِياقُ الآيَةِ، فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ الَّذِي تَدْرَؤُهُ عَنْها شَهاداتُها هو الحَدُّ. والثّانِي: أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ العَذابِ في مَواضِعَ أُخَرَ، عَلى الحَدِّ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ فِيها عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ فِيها الحَدُّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ أيْ: حَدَّهُما بِلا نِزاعٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الإماءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أيْ: نِصْفُ ما عَلى الحَرائِرِ مِنَ الجَلْدِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ إذا رَمى زَوْجَتَهُ وشَهِدَ شَهاداتِهِ الخَمْسَ المُبَيَّنَةَ في الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْها الحَدُّ بِشَهاداتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ الحَدَّ المُتَوَجِّهَ إلَيْها بِشَهاداتِ الزَّوْجِ تَدْفَعُهُ عَنْها شَهاداتُها هي المُوَضَّحَةُ في الآيَةِ. وَمَفْهُومُ مُخالَفَةِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَوْ نَكَلَتْ عَنْ شَهاداتِها، لَزِمَها الحَدُّ بِسَبَبِ نُكُولِها مَعَ شَهاداتِ الزَّوْجِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، فَشَهاداتُ الزَّوْجِ القاذِفِ تَدْرَأُ عَنْهُ هو حَدَّ القَذْفِ، وتُوَجِّهُ إلَيْها هي حَدَّ الزِّنى، وتَدْفَعُهُ عَنْها شَهاداتُها. وَظاهِرُ القُرْآنِ أيْضًا أنَّهُ لَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ، وامْتَنَعَ مِنَ اللِّعانِ أنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَذْفِ، فَكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الشَّهاداتِ الخَمْسِ وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ الآياتِ (p-٤٦٥)القُرْآنِيَّةِ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ القاذِفَ داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]؛ ولَكِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ خُرُوجَ الزَّوْجِ مِن هَذا العُمُومِ بِشَهاداتِهِ، حَيْثُ قالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٦ - ٧]، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِن جَلْدِ ثَمانِينَ، وعَدَمِ قَبُولِ الشَّهادَةِ، والحُكْمِ بِالفِسْقِ إلّا بِشَهاداتِهِ الَّتِي قامَتْ لَهُ مَقامَ البَيِّنَةِ المُبَرِّئَةِ لَهُ مِنَ الحَدِّ، فَإنْ نَكَلَ عَنْ شَهاداتِهِ فالظّاهِرُ وُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَدْرَأْ عَنْهُ أرْبَعَةٌ عُدُولٌ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ، ولا شَهاداتٌ تَنُوبُ عَنِ الشُّهُودِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ يُحَدُّ لِأنَّهُ قاذِفٌ، ولَمْ يَأْتِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ حَدَّ القَذْفِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ إذا نَكَلَتْ عَنْ أيْمانِها فَعَلَيْها الحَدُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى أنَّ الَّذِي يَدْرَأُ عَنْها الحَدَّ هو شَهاداتُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الآيَةَ، ومِمَّنْ قالَ إنَّ الزَّوْجَ يَلْزَمُهُ الحَدُّ إنْ نَكَلَ عَنِ الشَّهاداتِ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِأنَّهُ يُحْبَسُ حَتّى يُلاعِنَ، أوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ، ومَن قالَ بِأنَّها إنْ شَهِدَ هو، ونَكَلَتْ هي أنَّها تُحَدُّ بِشَهاداتِهِ ونُكُولِها: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ؛ كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ ”المُغْنِي“ . وَهَذا القَوْلُ أصْوَبُ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ: لا حَدَّ عَلَيْها بِنُكُولِها عَنِ الشَّهاداتِ، وتُحْبَسُ أيْضًا حَتّى تُلاعِنَ أوْ تُقِرَّ فَيُقامُ عَلَيْها الحَدُّ. قالَ في ”المُغْنِي“: وبِهَذا قالَ الحَسَنُ، والأوْزاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحارِثِ العُكْلِيِّ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِحُجَجٍ يَرْجِعُ جَمِيعُها إلى أنَّ المانِعَ مِن حَدِّها أنَّ زِناها لَمْ يَتَحَقَّقْ ثُبُوتُهُ؛ لِأنَّ شَهاداتِ الزَّوْجِ ونُكُولَها هي لا يَتَحَقَّقُ بِواحِدٍ مِنهُما، ولا بِهِما مُجْتَمِعِينَ ثُبُوتُ الزِّنى عَلَيْها. وَقَوْلُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ ومَن وافَقَهُما في هَذِهِ المَسْألَةِ أظْهَرُ عِنْدَنا؛ لِأنَّ مَسْألَةَ اللِّعانِ أصْلٌ مُسْتَقِلٌّ لا يَدْخُلُهُ القِياسُ عَلى غَيْرِهِ، فَلا يُعْدَلُ فِيهِ عَنْ ظاهِرِ النَّصِّ إلى القِياسِ عَلى مَسْألَةٍ أُخْرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * (p-٤٦٦)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللِّعانَ لا يَلْزَمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إلّا بِقَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ قَذْفًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الحَدَّ لَوْ قالَهُ لِغَيْرِ زَوْجَةٍ كَرَمْيِها بِالزِّنى، ونَفْيِ ولَدِها عَنْهُ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ هُنا: إنَّهُ يَكْفِي في وُجُوبِ اللِّعانِ قَذْفُها بِالزِّنى مِن غَيْرِ اشْتِراطِ أنْ يَقُولَ: رَأيْتُ بِعَيْنِي، أظْهَرُ عِنْدِي مِمّا رُوِيَ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ لا يَلْزَمُ اللِّعانُ، حَتّى يُصَرِّحَ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ؛ لِأنَّ القَذْفَ بِالزِّنى كافٍ دُونَ التَّصْرِيحِ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ. وَقَوْلُ المَلاعِنِ في زَمَنِهِ ﷺ: «رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي»، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى أنَّها زَنَتْ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِي، دُونَ اشْتِراطِ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وسَماعِ الأُذُنِ كَما لا يَخْفى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في شَهاداتِ اللِّعانِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] إلى آخِرِ الآياتِ، هَلْ هي شَهاداتٌ أوْ أيْمانٌ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها شَهاداتٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ سَمّاها في الآيَةِ شَهاداتٍ. والثّانِي: أنَّها أيْمانٌ. والثّالِثُ: أنَّها أيْمانٌ مُؤَكَّدَةٌ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ. والرّابِعُ: عَكْسُهُ، ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: إنَّها شَهاداتٌ لا يَصِحُّ عِنْدَهُ اللِّعانُ، إلّا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهادَتُهُ، فَيُشْتَرَطُ في المُلاعِنِ والمُلاعِنَةِ العَدالَةُ وغَيْرُها مِن شُرُوطِ قَبُولِ الشَّهادَةِ، ومَن قالَ: إنَّها أيْمانٌ صَحَّ عِنْدَهُ اللِّعانُ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، ولَوْ كانا لا تَصِحُّ شَهادَتُهُما لِفِسْقٍ أوْ غَيْرِهِ مِن مُسْقِطاتِ قَبُولِ الشَّهادَةِ، ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ ما لَوْ شَهِدَ مَعَ الزَّوْجِ ثَلاثَةٌ عُدُولٌ، فَعَلى أنَّها شَهادَةٌ يَكُونُ الزَّوْجُ رابِعَ الشُّهُودِ، فَيَجِبُ عَلَيْها حَدُّ الزِّنى، وعَلى أنَّها أيْمانٌ يُحَدُّ الثَّلاثَةُ ويُلاعِنُ الزَّوْجُ، وقِيلَ: لا يُحَدُّونَ، ومِمَّنْ قالَ: بِأنَّها شَهاداتٌ وأنَّ اللِّعّانَ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وأنَّها تُحَدُّ بِشَهادَةِ الثَّلاثَةِ مَعَ الزَّوْجِ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومَن تَبِعَهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها أيْمانٌ مُؤَكَّدَةٌ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي: أنَّها أيْمانٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالشَّهادَةِ، وأنَّ لَفْظَ الشَّهادَةِ رُبَّما أُطْلِقُ في القُرْآنِ، مُرادًا بِها اليَمِينُ، مَعَ دَلالَةِ القَرائِنِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما اسْتَظْهَرْنا أنَّها أيْمانٌ لِأُمُورٍ: الأوَّلُ: التَّصْرِيحُ في الآيَةِ بِصِيغَةِ اليَمِينِ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ (p-٤٦٧)لِأنَّ لَفْظَةَ بِاللَّهِ يَمِينٌ فَدَلَّ قَوْلُهُ: بِاللَّهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ اليَمِينُ لِلتَّصْرِيحِ بِنَصِّ اليَمِينِ، فَقَوْلُهُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ في مَعْنى: أُقْسِمُ بِاللَّهِ. الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ جاءَ فِيهِ إطْلاقُ الشَّهادَةِ وإرادَةُ اليَمِينِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ [المائدة: ١٠٧]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الشَّهادَةِ اليَمِينُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ في الآيَةِ اليَمِينُ، وهو واضِحٌ كَما تَرى. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِشَهادَتِهِمُ الأيْمانُ، هَكَذا قالَ، ولا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، قالَ: والفَيْصَلُ أنَّها يَمِينٌ لا شَهادَةٌ أنَّ الزَّوْجَ يَحْلِفُ لِنَفْسِهِ في إثْباتِ دَعْواهُ وتَخْلِيصِهِ مِنَ العَذابِ، وكَيْفَ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنَّ يَدَّعِيَ في الشَّرِيعَةِ أنَّ شاهِدًا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِما يُوجِبُ حُكْمًا عَلى غَيْرِهِ هَذا بَعِيدٌ في الأصْلِ، مَعْدُومٌ في النَّظَرِ، اهـ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ. وَحاصِلُ اسْتِدْلالِهِ هَذا: أنَّ اسْتِقْراءَ الشَّرِيعَةِ اسْتِقْراءً تامًّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيها شَهادَةُ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ بِما يُوجِبُ حُكْمًا عَلى غَيْرِهِ، وهو اسْتِدْلالٌ قَوِيٌّ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الِاسْتِقْراءَ التّامَّ حُجَّةٌ؛ كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، ودَعْوى الحَنَفِيَّةِ ومَن وافَقَهم أنَّ الزَّوْجَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ لا يُسَوِّغُ شَهادَتَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِإطْلاقِ ظَواهِرِ النُّصُوصِ في عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ مُطْلَقًا. الرّابِعُ: ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ «حَدِيثِ اللِّعّانِ أنَّهُ ﷺ قالَ لَمّا جاءَتِ المُلاعَنَةُ بِالوَلَدِ شَبِيهًا بِالَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ”: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“»، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ، وقَدْ سَمّى ﷺ في هَذِهِ الرِّوايَةِ شَهاداتِ اللِّعانِ أيْمانًا، وفي إسْنادِ الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ قَدَرِيًّا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أدِلَّتِهِمْ. وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها شَهاداتٌ لا أيْمانٌ، فاحْتَجُّوا بِأنَّ اللَّهَ سَمّاها شَهاداتٍ في قَوْلِهِ: (p-٤٦٨)﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ﴾ الآيَةَ، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ ”: «أرْبَعَةٌ لا لِعانَ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمُ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ، والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ، والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ»“، اهـ، قالُوا: إنَّما مُنِعَ لِعانُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والعَبْدِ والأمَةِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، ولَوْ كانَتْ شَهاداتُ اللِّعانِ أيْمانًا لَصَحَّ لِعانُهم؛ لِأنَّهم مِمَّنْ تُقْبَلُ يَمِينُهُ، وقالَ الزَّيْلَعِيُّ في ”نَصْبِ الرّايَةِ“، في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: قُلْتُ: أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: «أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لا مُلاعَنَةَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ: النَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ، واليَهُودِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ، والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ، والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ»“، انْتَهى. وَأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الوَقّاصِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وقالَ: عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا ”: «أرْبَعَةٌ لَيْسَ بَيْنَهم لِعانٌ: لَيْسَ بَيْنَ الحُرِّ والأمَةِ لِعانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ والحُرَّةِ لِعانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ واليَهُودِيَّةِ لِعانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ والنَّصْرانِيَّةِ لِعانٌ»“، انْتَهى، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: والوَقّاصِيُّ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، قالَ: وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ ضَعِيفُ الحَدِيثِ جِدًّا، وتابَعَهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عَطاءٍ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ وهُما إمامانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَوْلُهُ، ولَمْ يَرْفَعاهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ كَذَلِكَ مَوْقُوفًا، ثُمَّ أخْرَجَهُ عَنْ عَمّارِ بْنِ مَطَرٍ، ثَنا حَمّادُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ ”: ألّا لِعانَ بَيْنَ أرْبَعٍ»“ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قالَ: وعَمّارُ بْنُ مَطَرٍ، وحَمّادُ بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدُ بْنُ رُفَيْعٍ ضُعَفاءُ، انْتَهى، وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”المَعْرِفَةِ“: هَذا حَدِيثٌ رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ، ويَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ الرَّمْلِيُّ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”: «أرْبَعَةٌ لا مُلاعَنَةَ بَيْنَهُمُ: النَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ»“ إلى آخِرِهِ، قالَ: وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ مَعْرُوفٌ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ، وابْنُهُ عُثْمانُ وابْنُ زَرَيْعٍ ضَعِيفانِ، ورَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الوَقّاصِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، ورَواهُ عَمّارُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ حَمّادِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وعَمّارُ بْنُ مَطَرٍ، وحَمّادُ بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدُ بْنُ رُفَيْعٍ ضُعَفاءُ. (p-٤٦٩)وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والأوْزاعِيِّ، وهُما إمامانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَوْقُوفًا، وفي ثُبُوتِهِ مَوْقُوفًا أيْضًا نَظَرٌ، فَإنَّ راوِيَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والأوْزاعِيِّ عَمْرُو بْنُ هارُونَ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، ورَواهُ يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ أيْضًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ مَوْقُوفًا، وهو مَتْرُوكٌ، ونَحْنُ إنَّما نَحْتَجُّ بِرِواياتِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، إذا كانَ الرّاوِي عَنْهُ ثِقَةً وانْضَمَّ إلَيْهِ ما يُؤَكِّدُهُ، ولَمْ نَجِدْ لِهَذا الحَدِيثِ طَرِيقًا صَحِيحًا إلى عَمْرٍو، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”نَصْبِ الرّايَةِ“ . وَقالَ صاحِبُ ”الجَوْهَرِ النَّقِيِّ“: إنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ جَيِّدُ الإسْنادِ، ولَوْ فَرَضْنا جَوْدَةَ إسْنادِهِ كَما ذَكَرَهُ لَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنَّ شَهاداتِ اللِّعانِ شَهاداتٌ لا أيْمانٌ؛ لِاحْتِمالِ كَوْنِ عَدَمِ المُلاعَنَةِ مِن بَيْنِ مَن ذُكِرَ في الحَدِيثِ لِعَدَمِ المُكافَأةِ. والأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّها أيْمانٌ أُكِّدَتْ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ في اللِّعانِ، الِاعْتِمادُ عَلى إتْيانِ المَرْأةِ بِالوَلَدِ أسْوَدَ، وإنْ كانَتْ بَيْضاءَ وزَوْجُها أبْيَضَ؛ لِقِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا أسْوَدَ، وأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ كَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْيِ الوَلَدِ الأسْوَدِ بِاللِّعانِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ”: «هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ”: ما ألْوانُها“ ؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ ”: هَلْ فِيها مِن أوْرَقَ“ ؟ قالَ: إنَّ فِيها لَوُرْقًا، قالَ ”: ومِن أيْنَ جاءَتْها الوُرْقَةُ“ ؟ قالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَها، قالَ ”: وهَذا الغُلامُ الأسْوَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ“»، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ، وقَدْ قَدَّمْناها مِرارًا، وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ سَوادَ الوَلَدِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلرَّجُلِ في اللِّعانِ، كَما تَرى. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَن قَذَفَ امْرَأةً بِالزِّنى قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها ثُمَّ تَزَوَّجَها أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عَلى زِناها أنَّهُ يُجْلَدُ حَدَّ القَذْفِ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ اللِّعانُ؛ لِأنَّها وقْتَ القَذْفِ أجْنَبِيَّةٌ مُحْصَنَةٌ داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ الآيَةَ [النور: ٤]، والزَّواجُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ الثّابِتَ قَبْلَهُ، فَما يُرْوى عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أنَّهُ إنْ قَذَفَها قَبْلَ الزَّواجِ، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ القَذْفِ أنَّهُما يَلْتَعِنانِ، خِلافُ الظّاهِرِ عِنْدَنا مِن نَصِّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الزَّوْجَ إنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وأُمَّها بِالزِّنا، ولَمْ يَأْتِ (p-٤٧٠)بِالبَيِّنَةِ أنَّهُ يُحَدُّ لِلْأُمِّ حَدَّ القَذْفِ؛ لِأنَّهُ قَذَفَها بِالزِّنى وهي مُحْصَنَةٌ غَيْرُ زَوْجَةٍ، فَهي داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، وأمّا البِنْتُ فَإنَّهُ يُلاعِنُها؛ لِأنَّهُ قَذَفَها، وهي زَوْجَةٌ لَهُ، فَتَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ آياتِ اللِّعانِ. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ الأئِمَّةِ: إنَّهُ إنْ حُدَّ لِلْأُمِّ سَقَطَ حَدُّ البِنْتِ، وإنْ لاعَنَ البِنْتَ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الأُمِّ، أنَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ، وقَدْ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في القَوْلِ المَذْكُورِ: وهَذا باطِلٌ جِدًّا، فَإنَّهُ خَصَّصَ عُمُومَ الآيَةِ في البِنْتِ وهي زَوْجَةٌ بِحَدِّ الأُمِّ مِن غَيْرِ أثَرٍ ولا أصْلٍ قاسَهُ عَلَيْهِ، اهـ، وهو ظاهِرٌ. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ الصَّوابُ: أنَّ مَن قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنى، ثُمَّ زَنَتْ قَبْلَ لِعانِهِ لَها أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ ولا لِعانَ؛ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ بِزِناها قَبْلَ اللِّعانِ أنَّها غَيْرُ مُحْصَنَةٍ، ولا لِعانَ في قَذْفِ غَيْرِ المُحْصَنَةِ، كَما قَدَّمْنا أنَّهُ إنْ قَذَفَ أجْنَبِيَّةً بِالزِّنى، ثُمَّ زَنَتْ قَبْلَ أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ أنَّ الظّاهِرَ لَنا سُقُوطُ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِزِناها أنَّها غَيْرُ مُحْصَنَةٍ قَبْلَ اسْتِيفاءِ الحَدِّ، فَلا يُحَدُّ بِقَذْفِ مَن ظَهَرَ أنَّها غَيْرُ مُحْصَنَةٍ، وذَكَرْنا الخِلافَ في ذَلِكَ. وَحُجَّةُ مَن قالَ: يُحَدُّ إنْ كانَتْ أجْنَبِيَّةً ويُلاعِنُ إنْ كانَتْ زَوْجَةً أنَّ الحَدَّ واللِّعانَ قَدْ وجَبا وقْتَ القَذْفِ فَلا يَسْقُطانِ بِالزِّنى الطّارِئِ، وبَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ سُقُوطُ الحَدِّ واللِّعانِ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الإحْصانِ قَبْلَ الحَدِّ وقَبْلَ اللِّعانِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن رَمى زَوْجَتَهُ الكَبِيرَةَ الَّتِي لا تَحْمِلُ لِكِبَرِ سِنِّها أنَّهُما يَلْتَعِنانِ هو لِدَفْعِ الحَدِّ، وهي لِدَرْءِ العَذابِ، وأمّا إنْ رَمى زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لا تَحْمِلُ لِصِغَرِها، فَقَدْ قَدَّمْنا خِلافَ العُلَماءِ: هَلْ يَلْزَمُهُ حَدُّ القَذْفِ إنْ كانَتْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الوَطْءَ، ولَمْ تَبْلُغْ ؟ فَعَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُ الحَدُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَلْتَعِنَ لِدَفْعِ الحَدِّ، وأمّا عَلى القَوْلِ: بِأنَّهُ لا حَدَّ في قَذْفِ الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا فَلا لِعانَ عَلَيْهِ في قَذْفِها، وقَدْ قَدَّمْنا الأظْهَرَ عِنْدَنا في ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ نَفى حَمْلَ زَوْجَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ لَهُ أنْ يُلاعِنَها، وهي حامِلٌ لِنَفْيِ ما في بَطْنِها، أوْ لا يَجُوزُ لَهُ اللِّعانُ حَتّى تَضَعَ الوَلَدَ ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: إلى أنَّهُ يُلاعِنُها وهي حامِلٌ ويَنْتَفِي عَنْهُ حَمْلُها بِاللِّعانِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ (p-٤٧١)فِي ”الفَتْحِ“، بَعْدَ أنْ ساقَ أحادِيثَ اللِّعانِ، وفِيهِ أنَّ الحامِلَ تُلاعَنَ قَبْلَ الوَضْعِ؛ لِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ ”: «انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ»“ إلَخْ، كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ سَهْلٍ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَجاءَ، يَعْنِي الرَّجُلَ هو وامْرَأتُهُ فَتَلاعَنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ”: «لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا»“، فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، خِلافًا لِمَن أبى ذَلِكَ مِن أهْلِ الرَّأْيِ مُعْتَلًّا بِأنَّ الحَمْلَ لا يُعْلَمُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَفْخَةً. وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ: أنَّ اللِّعانَ شُرِعَ لِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عَنِ الرَّجُلِ، ودَفْعِ حَدِّ الرَّجْمِ عَنِ المَرْأةِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ حامِلًا أوْ حائِلًا، ولِذَلِكَ شُرِعَ اللِّعانُ مَعَ الآيِسَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ في الصَّغِيرَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا قَذَفَها فَلَهُ أنْ يَلْتَعِنَ لِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عَنْهُ دُونَها، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التِعانَ قاذِفِ الصَّغِيرَةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يُحَدُّ لِقَذْفِها، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ واخْتِلافَهم في حَدِّ قاذِفِ الصَّغِيرَةِ المُطِيقَةِ لِلْوَطْءِ، وذَكَرْنا ما يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ مِن ذَلِكَ. وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: لا تُلاعَنُ الحامِلُ حَتّى تَضَعَ ولَدَها، فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَمْلَ لا يَتَيَقَّنُ وُجُودُهُ قَبْلَ الوَضْعِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ انْتِفاخًا وقَدْ يَكُونُ رِيحًا. والثّانِي: هو ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في أحادِيثِ اللِّعانِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ أخَّرَ لِعانَ الحامِلِ حَتّى وضَعَتْ. فَفي البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما نَصُّهُ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ“، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أنَّهُ وجَدَهُ عِنْدَها فَلاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما،» الحَدِيثَ. قالُوا: فَتَرْتِيبُهُ فَلاعَنَ بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ: فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ، إلَخْ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللِّعانَ كانَ بَعْدَ الوَضْعِ كَما هو مَدْلُولُ الفاءِ، وأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الرِّوايَةِ بِما ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، فَإنَّهُ قالَ في كَلامِهِ عَلى الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ: ظاهِرُهُ أنَّ المُلاعَنَةَ تَأخَّرَتْ إلى وضْعِ المَرْأةِ لَكِنْ أوْضَحَتْ أنَّ رِوايَةَ ابْنِ عَبّاسٍ هَذِهِ هي في القِصَّةِ في حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وتَقَدَّمَ قَبْلُ مِن حَدِيثِ سَهْلٍ أنَّ اللِّعانَ وقَعَ بَيْنَهُما قَبْلَ أنْ تَضَعَ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: فَلاعَنَ مُعَقِّبَةً لِقَوْلِهِ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي وجَدَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ جُمْلَةَ ”فَلاعَنَ“ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها مَذْكُورَةٌ (p-٤٧٢)فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنا مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّ الحامِلَ تُلاعِنُ قَبْلَ الوَضْعِ لِتَصْرِيحِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ، ولِما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في كَلامِهِ الَّذِي نَقَلْناهُ آنِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنْ أظْهَرَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ قَذَفَها بَعْدَ الطَّلاقِ، أنَّهُ إنْ كانَ قَذْفُهُ لَها بِنَفْيِ حَمْلٍ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ إلّا بَعْدَ الطَّلاقِ، أنَّهُ يُلاعِنُها لِنَفْيِ ذَلِكَ الحَمْلِ عَنْهُ، وإنْ كانَتْ بائِنًا، وأنَّهُ إنْ قَذَفَها بِالزِّنى بَعْدَ الطَّلاقِ حُدَّ، ولَمْ يُلاعَنْ لِأنَّ تَأْخِيرَهُ القَذْفَ واللِّعانَ إلى زَمَنٍ بَعْدَ الطَّلاقِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قاذِفٌ، والأظْهَرُ ولَوْ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ، وإنْ كانَتِ الرَّجْعِيَّةُ في حُكْمِ الزَّوْجَةِ؛ لِأنَّ طَلاقَهُ إيّاها قَبْلَ القَذْفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ اللِّعانَ ويُجْلَدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: يُلاعِنُ الرَّجْعِيَّةَ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، لِأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجَةِ، وهو مَذْهَبُ أحْمَدَ المَشْهُورُ، ورِوايَةُ أبِي طالِبٍ عَنْهُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وزَيْدٌ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: لا مُلاعَنَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وزَوْجَتِهِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ إلّا في مَسْألَةٍ واحِدَةٍ، وهي أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ غائِبًا فَتَأْتِيَ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ في مَغِيبِهِ، وهو لا يَعْلَمُ فَيُطَلِّقَها فَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها ثُمَّ يَقْدَمُ فَيَنْفِيَهُ، فَلَهُ أنْ يُلاعِنَها هُنا بَعْدَ العِدَّةِ، وكَذَلِكَ لَوْ قَدِمَ بَعْدَ وفاتِها ونَفى الوَلَدَ لاعَنَ لِنَفْسِهِ وهي مَيِّتَةٌ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ العِدَّةِ ويَرِثُها؛ لِأنَّها ماتَتْ قَبْلَ وُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما، اهـ مِنهُ، ولا نَصَّ فِيهِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: إذا قَذَفَها بَعْدَ الطَّلاقِ نَظَرَتْ، فَإنْ كانَ هُناكَ نَسَبٌ يُرِيدُ أنْ يَنْفِيَهُ، أوْ حَمْلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَبَرَّأ مِنهُ لاعَنَ، وإلّا لَمْ يُلاعِنْ، وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا يُلاعِنُ بِحالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُلاعِنُ في الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وهَذا يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِالقَذْفِ قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا بَلْ هَذا أوْلى؛ لِأنَّ النِّكاحَ قَدْ تَقَدَّمَ، وهو يُرِيدُ الِانْتِفاءَ مِنَ النَّسَبِ، وتَبْرِئَتَهُ مِن ولَدٍ يَلْحَقُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ اللِّعانِ، وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَمْلٌ يُرْجى، ولا نَسَبٌ يُخافُ تَعَلُّقُهُ لَمْ يَكُنْ لِلِّعانِ فائِدَةٌ فَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ، وكانَ قَذْفًا مُطْلَقًا داخِلًا تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وبَطَلَ ما قالَهُ البَتِّيُّ لِظُهُورِ فَسادِهِ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القَوْلَ بِلَعانِ الرَّجْعِيَّةِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّها في حُكْمِ (p-٤٧٣)الزَّوْجَةِ، وذَكَرْنا ما يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ أظْهَرُ الأقْوالِ في ذَلِكَ، وأقْوالَ العُلَماءِ، وفائِدَةُ لَعانِهِ أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَدَّ القَذْفِ، وكَوْنُ الرَّجْعِيَّةِ كالزَّوْجَةِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ فَيَتَوارَثانِ، ولا يَجُوزُ لَهُ تُزَوُّجُ أُخْتِها، قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، ولا تَزْوِيجُ رابِعَةٍ غَيْرِها؛ لِأنَّها تَكُونُ كالخامِسَةِ نَظَرًا إلى أنَّ الرَّجْعِيَّةَ كالزَّوْجَةِ، يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ بِلِعانِ الرَّجْعِيَّةِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ رَأيْتُ كَثْرَةَ مَن قالَ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، ووَجْهُ القَوْلِ بِعَدَمِهِ أنَّهُ لَمّا طَلَّقَها عالِمًا بِزِناها في زَعْمِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تارِكٌ لِلِّعانِ، ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، ما لَوِ ادَّعى أنَّها زَنَتْ بَعْدَ الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، وقَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قاذِفٌ؛ لِأنَّهُ رَماها بِزِنًى واقِعٍ بَعْدَ الفِراقِ أوْ لَهُ أنْ يُلاعِنَها لِنَفْيِ الحَدِّ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ الرَّجْعِيَّةَ في حُكْمِ الزَّوْجَةِ. أمّا إنْ قَذَفَها قَبْلَ أنْ يُطَلِّقَها ثُمَّ طَلَّقَها بَعْدَ القَذْفِ، فالأظْهَرُ أنَّ لَهُ لِعانَها مُطْلَقًا، ولَوْ كانَ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لِأنَّ القَذْفَ وقَعَ وهي زَوْجَةٌ غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وقالَ الحارِثُ العُكْلِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ والحَكَمُ: يُجْلَدُ، وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ولَيْسَ هَذانَ بِزَوْجَيْنِ، ولا يُحَدُّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أجْنَبِيَّةً. * * المَسْألَةُ العاشِرَةُ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن ظَهَرَ بِامْرَأتِهِ حَمْلٌ، وهو قائِلٌ إنَّهُ لَيْسَ مِنهُ إذا سَكَتَ عَنْ نَفْيِ ذَلِكَ الحَمْلِ حَتّى وضَعَتْهُ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ إنَّما سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ مُدَّةَ الحَمْلِ رَجاءَ أنْ يَكُونَ رِيحًا أوِ انْتِفاخًا فَيَنْفَشُّ أوْ يَسْقُطَ مَيِّتًا، فَيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ مِنَ اللِّعانِ أنَّهُ يُمَكَّنُ مِن نَفْيِهِ بِلِعانٍ بَعْدَ الوَضْعِ؛ لِأنَّ العُذْرَ الَّذِي أبْدى وجِيهٌ جَدِيرٌ بِالقَبُولِ، فَإنْ بادَرَ بِنَفْيهِ فَوْرًا عِنْدَ وضْعِهِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في أنَّ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ بِلِعانٍ، وإنْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ بَعْدَ الوَضْعِ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ السُّكُوتِ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أوْ لَيْسَ لَهُ ؟ لِأنَّ سُكُوتَهُ بَعْدَ الوَضْعِ يُعَدُّ رِضًى مِنهُ بِالوَلَدِ، فَلا يُمَكَّنُ مِنَ اللِّعانِ بَعْدَهُ. لَمْ أعْلَمْ في هَذِهِ المَسْألَةِ نَصًّا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ ونَحْنُ نَقُولُ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ في سُكُوتِهِ حَتّى مَضَتْ ثَلاثَةُ أيّامٍ، فَهو راضٍ بِهِ ولَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ أيْضًا: مَتى أمْكَنَهُ نَفْيُهُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن تَمَكُّنِهِ مِنَ الحاكِمِ، فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا أعْتَبِرُ مُدَّةً، وقالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ فِيهِ أرْبَعُونَ يَوْمًا مُدَّةَ النِّفاسِ، قالَ (p-٤٧٤)ابْنُ القَصّارِ: والدَّلِيلُ لِقَوْلِنا هو أنَّ نَفْيَ ولَدِهِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ واسْتِلْحاقُ ولَدٍ لَيْسَ مِنهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، فَلا بُدَّ أنْ يُوَسَّعَ عَلَيْهِ لِكَيْ يَنْظُرَ فِيهِ، ويُفَكِّرَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ نَفْيُهُ أوْ لا ؟ وإنَّما جَعَلْنا الحَدَّ ثَلاثَةً؛ لِأنَّهُ أوَّلُ حَدِّ الكَثْرَةِ، وآخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، وقَدْ جُعِلَتْ ثَلاثَةُ أيّامٍ يُخْتَبَرُ فِيها حالُ المُصَرّاةِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هُنا. وَأمّا أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ فَلَيْسَ اعْتِبارُهُما بِأوْلى مِنَ اعْتِبارِ مُدَّةِ الوِلادَةِ والرِّضاعِ، إذْ لا شاهِدَ لَهُما في الشَّرِيعَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا نَحْنُ شاهِدًا في الشَّرِيعَةِ مِن مُدَّةِ المُصَرّاةِ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، ولا يَخْفى ضَعْفُ ما اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ القَصّارِ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ لِلتَّحْدِيدِ بِثَلاثَةٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الِاخْتِلافِ في قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وهي: هَلْ يُنَزَّلُ السُّكُوتُ مَنزِلَةَ الإقْرارِ أوْ لا ؟ وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ: ؎وَجَعْلُ مَن سَكَتَ مِثْلَ مَن أقَرْ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَهم قَدِ اشْتُهِرَ ؎فالِاحْتِجاجُ بِالسُّكُوتِيِّ نَمى ∗∗∗ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ مَن تَقَدَّما ؎وَهُوَ بِفَقْدِ السُّخْطِ والضِّدِّ حَرِي ∗∗∗ مَعَ مُضِيِّ مُهْلَةٍ لِلنَّظَرِ فَمَن قالَ: إنَّ السُّكُوتَ لا يُعَدُّ رِضًى، قالَ: لِأنَّ السّاكِتَ قَدْ يَسْكُتُ عَنِ الإنْكارِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ راضٍ، ومَن قالَ: إنَّهُ يُعَدُّ رِضًى، قالَ: لِأنَّ سُكُوتَهُ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى رِضاهُ واسْتَأْنَسُوا «بِقَوْلِهِ ﷺ في البِكْرِ ”: إذْنُها صِماتُها“»، وبَعْضُهم يَقُولُ: تَخْصِيصُ البِكْرِ بِذَلِكَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَها لَيْسَ كَذَلِكَ، والخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ في فُرُوعِ الأئِمَّةِ وأُصُولِهِمْ، ومَن تَتَبَّعَ فُرُوعَهم وجَدَهم في بَعْضِ الصُّوَرِ يَجْعَلُونَ السُّكُوتَ كالرِّضى، كالسُّكُوتِ عَنِ اللِّعانِ زَمَنًا بَعْدَ العِلْمِ بِمُوجِبِهِ، وكالسُّكُوتِ عَنِ القِيامِ بِالشُّفْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَكْثُرُ في فُرُوعِ مَذْهَبِ مالِكٍ جَعْلُ السُّكُوتِ كالرِّضى. وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ ما قالَهُ ابْنُ عاصِمٍ في رَجَزِهِ في أحْكامِ القَضاءِ في مَذْهَبِ مالِكٍ: ؎وَحاضِرٌ لِواهِبٍ مِن مالِهِ ∗∗∗ ولَمْ يُغَيِّرْ ما رَأى مِن حالِهِ ؎الحُكْمُ مَنعُهُ القِيامَ بِانْقِضا ∗∗∗ مَجْلِسِهِ إذْ صَمْتُهُ عَيْنُ الرِّضى وَلِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا في مَسْألَةِ السُّكُوتِ عَنِ اللِّعانِ أنَّهُ إنْ سَكَتَ زَمَنًا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ فِيهِ (p-٤٧٥)عادَةً أنَّهُ لا يَسْكُتُ فِيهِ إلّا راضٍ عُدَّ رِضًى، وإلّا فَلا؛ لِأنَّ العُرْفَ مُحَكَّمٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ النِّكاحُ فاسِدًا، وقَذَفَها زَوْجُها بِالزِّنى إنْ كانَ لِنَفْيِ نَسَبٍ يَلْحَقُ بِهِ في ذَلِكَ النِّكاحِ الفاسِدِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في أنَّهُ يُلاعَنُ لِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْهُ، وإنْ كانَ النِّكاحُ الفاسِدُ يُلْحَقُ فِيهِ الوَلَدُ ولَكِنَّهُ قَذَفَها بِالزِّنى، وأرادَ اللِّعانَ لِنَفْيِ الحَدِّ عَنْهُ، فالأظْهَرُ أنَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّها لَمّا صارَتْ يُلْحَقُ بِهِ ولَدُها صارَتْ في حُكْمِ الفِراشِ، قالَهُ مالِكٌ في ”المُدَوَّنَةِ“ . وَقالَ القُرْطُبِيُّ: يُلاعِنُ في النِّكاحِ الفاسِدِ زَوْجَتَهُ، لِأنَّها صارَتْ فِراشًا ويَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ مَجْرى اللِّعانِ فِيهِ، اهـ مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ إنْ كانَ مُجْمَعًا عَلى فَسادِهِ ولا يُلْحَقُ الوَلَدُ فِيهِ أنَّ الزَّوْجَ القاذِفَ فِيهِ لا يُمَكَّنُ مِنَ اللِّعانِ، بَلْ يُحَدُّ حَدَّ القَذْفِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، وهَذا ظاهِرٌ لا يَخْفى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي في الَّذِي يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ الحامِلَ بِالزِّنى، ثُمَّ يَأْتِي بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عَلى زِناها أنَّ لَهُ أنْ يُلاعِنَ لِنَفْيِ الحَمْلِ مَعَ الشُّهُودِ؛ لِأنَّ شَهادَةَ البَيِّنَةِ لا تُفِيدُ الزَّوْجَ إلّا دَرْأ الحَدِّ عَنْهُ، أمّا رَفْعُ الفِراشِ ونَفْيُ الوَلَدِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ اللِّعانِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اخْتَلَفُوا أيْضًا هَلْ لِلزَّوْجِ أنْ يُلاعِنَ مَعَ شُهُودِهِ ؟ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُلاعِنُ كانَ لَهُ شُهُودٌ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ لَيْسَ لَهم عَمَلٌ في غَيْرِ دَرْءِ الحَدِّ، وأمّا رَفْعُ الفِراشِ ونَفْيُ الوَلَدِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ اللِّعانِ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ: إنَّما جُعِلَ اللِّعانُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهُودٌ غَيْرَ نَفْسِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ اهـ مِنهُ. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا في تَفْسِيرِهِ: يَفْتَقِرُ اللِّعانُ إلى أرْبَعَةِ أشْياءَ: عَدَدُ الألْفاظِ، وهو أرْبَعُ شَهاداتٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمَكانُ: وهو أنْ يُقْصَدَ بِهِ أشْرَفُ البِقاعِ بِالبُلْدانِ، إنْ كانَ بِمَكَّةَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وإنْ كانَ بِالمَدِينَةِ فَعِنْدَ المِنبَرِ، وإنْ كانَتْ بِبَيْتِ المَقْدِسِ فَعِنْدَ الصَّخْرَةِ، وإنْ كانَ في سائِرِ البُلْدانِ فَفي مَساجِدِها، وإنْ كانا كافِرَيْنِ بُعِثَ بِهِما إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَعْتَقِدانِ تَعْظِيمَهُ، إنْ كانا يَهُودِيَّيْنِ فالكَنِيسَةُ، وإنْ كانا مَجُوسِيَّيْنِ فَفي (p-٤٧٦)بَيْتِ النّارِ، وإنْ كانا لا دِينَ لَهُما مِثْلَ الوَثَنِيِّينَ، فَإنَّهُ يُلاعِنُ بَيْنَهُما في مَجْلِسِ حُكْمِهِ، والوَقْتُ: وذَلِكَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، وجَمْعُ النّاسِ: وذَلِكَ أنْ يَكُونَ هُناكَ أرْبَعَةُ أنْفُسٍ فَصاعِدًا، فاللَّفْظُ وجَمْعُ النّاسِ مَشْرُوطانِ، والزَّمانُ والمَكانُ مُسْتَحَبّانِ، اهـ مِنهُ، مَعَ أنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ الَّذِي هو مَذْهَبُ القُرْطُبِيِّ أنَّهُ لا مُلاعَنَةَ بَيْنَ كافِرِينَ وبَعْضُ ما ذَكَرَهُ لا يَخْلُو مِن خِلافٍ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ الزَّوْجَ لا يَجُوزُ لَهُ نَفْيُ الوَلَدِ بِلِعانٍ، إلّا بِمُوجِبٍ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ لَيْسَ مِنهُ كَأنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ زَنَتْ، قَبْلَ أنْ يَمَسَّها الزَّوْجُ أصْلًا، أوْ زَنَتْ بَعْدَ أنْ وضَعَتْ، ولَمْ يَمَسَّها الزَّوْجُ بَعْدَ الوَضْعِ حَتّى زَنَتْ، أوْ زَنَتْ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ؛ لِأنَّ الحَيْضَةَ قَبْلَ الزِّنى تَدُلُّ عَلى أنَّ الحَمْلَ مِنَ الزِّنى الواقِعِ بَعْدَ الحَيْضِ، ولا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمادُ في نَفْيِ الحَمْلِ بِاللِّعانِ عَلى شَبَهِ الوَلَدِ بِغَيْرِهِ ولا بِسَوادِ الوَلَدِ؛ كَما قَدَّمْنا، ولا بِعَزْلٍ لِأنَّ الماءَ قَدْ يَسْبِقُ نَزْعَهُ فَتَحْبَلُ مِنهُ، ولا بِوَطْءٍ في فَخِذَيْنِ؛ لِأنَّ الماءَ يَسِيلُ إلى الفَرَجِ فَتَحْمِلُ مِنهُ، كَما قَدَّمْنا. * * المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ولَدَيْنِ بَيْنَهُما أقَلُّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ فَهُما تَوْأمانِ، فَلا يَجُوزُ نَفْيُ أحَدِهِما، دُونَ الآخَرِ، فَإنْ أقَرَّ الزَّوْجُ بِأحَدِهِما لَزِمَهُ قَبُولُ الآخَرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إنْ نَفى أحَدَهُما مَعَ اعْتِرافِهِ بِالثّانِي حُدَّ لِقَذْفِهِ؛ كَما قالَهُ مالِكٌ وأصْحابُهُ، ومَن وافَقَهم. وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]، أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ ولَدَيْنِ بَيْنَهُما أقَلُّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، فَهُما تَوْأمانِ. وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ تَوْأمَيْنِ وهو أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما دُونَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فاسْتَحْلَقَ أحَدَهُما، ونَفى الآخَرَ لَحِقا بِهِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ الواحِدَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنهُ، وبَعْضُهُ مِن غَيْرِهِ، فَإذا ثَبَتَ نَسَبُ أحَدِهِما مِنهُ ثَبَتَ نَسَبُ الآخَرِ ضَرُورَةً، فَجَعَلْنا ما نَفاهُ تابِعًا لِما اسْتَلْحَقَهُ، ولَمْ نَجْعَلْ ما أقَرَّ بِهِ تابِعًا لِما نَفاهُ؛ لِأنَّ النَّسَبَ يُحْتاطُ لِإثْباتِهِ لا لِنَفْيِهِ، ولِهَذا لَوْ أتَتِ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِهِ ألْحَقْناهُ بِهِ احْتِياطًا، ولَمْ نَقْطَعْهُ عَنْهُ احْتِياطًا لِنَفْيِهِ، إلى أنْ قالَ: وإنِ اسْتَلْحَقَ أحَدَ التَّوْأمَيْنِ، وسَكَتَ عَنِ الآخَرِ لَحِقَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ نَفاهُ لَلَحِقَهُ، فَإذا سَكَتَ عَنْهُ كانَ أوْلى، ولِأنَّ امْرَأتَهُ مَتى (p-٤٧٧)أتَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ ما لَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ بِلِعانٍ، وإنْ نَفى أحَدَهُما وسَكَتَ عَنِ الآخَرِ، لَحِقاهُ جَمِيعًا. فَإنْ قِيلَ: ألا نَفَيْتُمُ المَسْكُوتَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ نَفى أخاهُ، وهُما حَمْلٌ واحِدٌ. قُلْنا: لُحُوقُ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّغْلِيبِ، وهو يَثْبُتُ لِمُجَرَّدِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ لَمْ يَثْبُتِ الوَطْءُ ولا يَنْتَفِي الإمْكانُ لِلنَّفْيِ فافْتَرَقا، فَإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ فَنَفاهُ ولاعَنَ لِنَفْيِهِ، ثُمَّ ولَدَتْ آخَرَ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ لَمْ يَنْتَفِ الثّانِي بِاللِّعانِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ اللِّعانَ تَناوَلَ الأوَّلَ وحْدَهُ، ويُحْتاجُ في نَفْيِ الثّانِي إلى لِعانٍ ثانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَفِيَ بِنَفْيِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى لِعانٍ ثانٍ؛ لِأنَّهُما حَمْلٌ واحِدٌ وقَدْ لاعَنْ لِنَفْيِهِ مَرَّةً، فَلا يُحْتاجُ إلى لِعانٍ ثانٍ، ذَكَرَهُ القاضِي، اهـ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا الأخِيرُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ الحَمْلَ الواحِدَ لا يَحْتاجُ إلى لِعانَيْنِ، ثُمَّ قالَ في ”المُغْنِي“ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ الأوَّلِ: فَإنْ أقَرَّ بِالثّانِي لَحِقَهُ هو والأوَّلُ لِما ذَكَرْناهُ، وإنْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ لَحِقاهُ أيْضًا، فَأمّا إنْ نَفى الوَلَدَ بِاللِّعانِ ثُمَّ أتَتْ بِوَلَدٍ آخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ فَهَذا مِن حَمْلٍ آخَرَ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ ولَدَيْنِ مِن حَمْلٍ واحِدٍ مُدَّةُ الحَمْلِ، ولَوْ أمْكَنَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مُدَّةَ حَمْلٍ كامِلٍ، فَإنْ نَفى هَذا الوَلَدَ بِاللِّعانِ انْتَفى، ولا يَنْتَفِي بِغَيْرِ اللِّعانِ؛ لِأنَّهُ حَمْلٌ مُنْفَرِدٌ، وإنِ اسْتَلْحَقَهُ أوْ تَرَكَ نَفْيَهُ لَحِقَهُ، وإنْ كانَتْ قَدْ بانَتْ بِاللِّعانِ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ وطِئَها بَعْدَ وضْعِ الأوَّلِ، وإنْ لاعَنَها قَبْلَ وضْعِ الأوَّلِ، فَأتَتْ بِوَلَدٍ ثُمَّ ولَدَتْ آخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْهُ الثّانِي؛ لِأنَّها بانَتْ بِاللِّعانِ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بِوَضْعِ الأوَّلِ، وكانَ حَمْلُها الثّانِي بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ في غَيْرِ نِكاحٍ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى نَفْيِهِ، ثُمَّ قالَ في ”المُغْنِي“ أيْضًا: وإنْ ماتَ أحَدُ التَّوْأمَيْنِ فَلَهُ أنْ يُلاعِنَ لِنَفْيِ نَسَبِهِما، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ نَسَبُ الحَيِّ، ولا يُلاعِنُ إلّا لِنَفْيِ الحَدِّ؛ لِأنَّ المَيِّتَ لا يَصِحُّ نَفْيُهُ بِاللِّعانِ، فَإنَّ نَسَبَهُ قَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ، فَلا حاجَةَ إلى نَفْيِهِ بِاللِّعانِ، كَما لَوْ ماتَتِ امْرَأتُهُ فَإنَّهُ لا يُلاعِنُها بَعْدَ مَوْتِها لِكَوْنِ النِّكاحِ قَدِ انْقَطَعَ، وإذا لَمْ يَنْتَفِ المَيِّتُ لَمْ يَنْتَفِ الحَيُّ؛ لِأنَّهُما حَمْلٌ واحِدٌ ولَنا أنَّ المَيِّتَ يُنْسَبُ إلَيْهِ، ويُقالُ ابْنُ فُلانٍ ويَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهُ وتَكْفِينُهُ، فَكانَ لَهُ نَفْيُ نَسَبِهِ وإسْقاطُ مُؤْنَتِهِ كالحَيِّ، وكَما لَوْ كانَ لِلْمَيِّتِ ولَدٌ، اهـ كَلامُ صاحِبِ ”المُغْنِي“ . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الأظْهَرُ أنَّهُ إنْ كانَ لِلْوَلَدِ المَيِّتِ الَّذِي يُرادُ نَفْيُهُ بَعْدَ المَوْتِ ولَدٌ كانَ حُكْمُهُ في اللِّعانِ كَحُكْمِ الحَيِّ؛ لِأنَّ ولَدَهُ الحَيَّ لا يَنْتَفِي إلّا بِنَفْيِ أبِيهِ، فَلَهُ اللِّعانُ لِنَفْيِ نَسَبِ المَيِّتِ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ ولَدُهُ، وهَذا إنْ قُلْنا إنَّ لَهُ أنْ يُلاعِنَ بَعْدَ هَذِهِ (p-٤٧٨)المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْفِ الوَلَدَ المَيِّتَ إلّا بَعْدَ أنْ عاشَ عُمْرًا يُولَدُ لَهُ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا بِالغَيْبَةِ زَمَنًا طَوِيلًا، وكَذَلِكَ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ السُّكُوتَ لا يُسْقِطُ اللِّعانَ مُطْلَقًا كَما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ إلْزامُهُ بِتَكْفِينِ الوَلَدِ المَيِّتِ وتَجْهِيزِهِ، فالأظْهَرُ أنَّ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ عَنْهُ بِلِعانٍ لِيَتَخَلَّصَ مِن مَئُونَةِ تَجْهِيزِهِ وتَكْفِينِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إنْ نَفى ولَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإنْ كانَتْ أُمُّهُ حَيَّةً فَلا بُدَّ مِنَ اللِّعانِ؛ لِأنَّهُ قاذِفُ أُمِّهِ، وإنْ كانَتِ الأُمُّ مَيِّتَةً جَرى عَلى الخِلافِ في حَدِّ مَن قَذَفَ مَيِّتَةً، فَعَلى القَوْلِ بِالحَدِّ فَلَهُ اللِّعانُ، وعَلى القَوْلِ بِعَدَمِهِ فَلا لِعانَ، وقَدْ قَدَّمْنا الخِلافَ في ذَلِكَ، ويُعْتَضَدُ ما ذَكَرْنا بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن أنَّ لَهُ اللِّعانَ لِنَفْيِ الوَلَدِ؛ لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ بِهِ مُوجِبانِ لِلَعّانِ، وهُما إسْقاطُ الحَدِّ ونَفْيُ الوَلَدِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ عَدَمُ النَّظَرِ إلى الوَلَدِ المَيِّتِ هَلْ تَرَكَ مالًا أوْ لا ؟ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في تَوْأمَيِ المُلاعَنَةِ المَنفِيَّيْنِ بِاللِّعانِ، هَلْ يَتَوارَثانِ تَوارُثَ الشَّقِيقَيْنِ أوِ الأخَوَيْنِ لِأُمٍّ ؟ وقالَ ابْنُ الحاجِبِ مِنَ المالِكِيَّةِ: هُما شَقِيقانِ، وقالَ خَلِيلٌ في ”التَّوْضِيحِ“، وهو شَرْحُهُ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ في الفِقْهِ المالِكِيِّ: إنَّ كَوْنَهُما شَقِيقَيْنِ هو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وقالَ المُغِيرَةُ مِنَ المالِكِيَّةِ: يَتَوارَثانِ تَوارُثَ الأخَوَيْنِ لِأُمٍّ، كالمَشْهُورِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ في تَوْأمَيِ الزّانِيَةِ والمُغْتَصَبَةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّ تَوْأمَيِ المُلاعَنَةِ يَتَوارَثانِ تَوارُثَ الأخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وأنَّهُما لا يُحْكَمُ لَهُما بِحُكْمِ الشَّقِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُما لا يُلْحَقانِ بِأبٍّ مَعْرُوفٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُما أبٌّ مَعْرُوفٌ فَلا وجْهَ لِكَوْنِهِما شَقِيقَيْنِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُما إنَّما يُنْسَبانِ لِأُمِّهِما، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافُ الأظْهَرِ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ نافِعٍ مِنَ المالِكِيَّةِ: إنَّ تَوْأمَيِ الزّانِيَةِ شَقِيقانِ، فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الزّانِيَ لا يُلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ حَتّى يَكُونَ أبًا لِابْنِهِ مِنَ الزِّنى، والرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ القاسِمِ بِنَحْوِ قَوْلِ ابْنِ نافِعٍ ظاهِرُها السُّقُوطُ، كَما تَرى. وأمّا ما قالَهُ ابْنُ رُشْدٍ في ”البَيانِ“ مِن أنَّ تَوْأمَيِ المَسْبِيَّةِ، والمُسْتَأْمَنَةِ شَقِيقانِ، فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ تَزَوَّجَها ثُمَّ قَذَفَها بَعْدَ النِّكاحِ قائِلًا: إنَّها زَنَتْ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها. فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا هَلْ لَهُ لِعانُها نَظَرًا إلى أنَّ القَذْفَ وقَعَ وهي زَوْجَتُهُ أوْ (p-٤٧٩)يُحَدُّ لِقَذْفِها ولا يُمَكَّنُ مِنَ اللِّعانِ نَظَرًا إلى أنَّها وقْتَ الزِّنى الَّذِي قَذَفَها بِهِ أجْنَبِيَّةٌ مِنهُ، ولَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإنْ قَذَفَها بَعْدَ تَزَوُّجِها بِزِنًى أضافَهُ إلى ما قَبْلَ النِّكاحِ حُدَّ ولَمْ يُلاعَنْ، سَواءٌ كانَ ثَمَّ ولَدٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي ثَوْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيِّ، وقالَ الحَسَنُ وزُرارَةُ بْنُ أبِي أوْفى وأصْحابُ الرَّأْيِ: لَهُ أنْ يُلاعِنَ؛ لِأنَّهُ قَذَفَ امْرَأتَهُ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ الآيَةَ، ولِأنَّهُ قَذَفَ امْرَأتَهُ فَأشْبَهَ ما لَوْ قَذَفَها ولَمْ يُضِفْهُ إلى ما قَبْلَ النِّكاحِ، وحَكى الشَّرِيفُ أبُو جَعْفَرٍ عَنْ أحْمَدَ رِوايَةً أُخْرى كَذَلِكَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ولَدٌ لَمْ يُلاعِنْ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما ولَدٌ فَفِيهِ وجْهانِ، ولَنا أنَّهُ قَذَفَها قَذْفًا مُضافًا إلى حالِ البَيْنُونَةِ فَأشْبَهَ ما لَوْ قَذَفَها وهي بائِنٌ وفارَقَ قَذْفَ الزَّوْجَةِ؛ لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، لِأنَّها غاظَتْهُ وخانَتْهُ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما ولَدٌ فَهو مُحْتاجٌ إلى نَفْيِهِ، وهاهُنا إذا تَزَوَّجَها وهو يَعْلَمُ زِناها فَهو المُفَرِّطُ في نِكاحِ حامِلٍ مِنَ الزِّنى، فَلا يُشْرَعُ لَهُ طَرِيقٌ إلى نَفْيِهِ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“ . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدٌ، فَلا يُمَكَّنِ الزَّوْجُ مِنَ اللِّعانِ، ويُحَدُّ لِقَذْفِها إنْ لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؛ لِأنَّهُ قَذَفَها وهي أجْنَبِيَّةٌ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ، لِأنَّهُ قاذِفُ مُحْصَنَةٍ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، والنِّكاحُ الطّارِئُ لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ الَّذِي تَقَرَّرَ قَبْلَهُ كَما تَرى، وإنْ كانَ هُناكَ ولَدٌ يَلْحَقُ بِهِ لَوْ سَكَتَ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ اسْتِنادًا إلى بَعْضِ الأُمُورِ المُسَوِّغَةِ لِنَفْيِ الوَلَدِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّ لَهُ أنْ يُلاعِنَ لِنَفْيِ الوَلَدِ. والحاصِلُ: أنَّهُ لَهُ اللِّعانُ لِنَفْيِ الوَلَدِ لا لِدَفْعِ الحَدِّ فِيما يَظْهَرُ لَنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: فِيما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا يا زانِيَةُ، فَقِيلَ: يُلاعِنُ، وقِيلَ: لا يُلاعِنُ؛ لِأنَّ القَذْفَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ البَيْنُونَةِ بِالثَّلاثِ عَلى القَوْلِ بِالبَيْنُونَةِ بِها، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ وأصْحابُهم. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: نَقَلَ مُهَنَّأٌ قالَ: سَألْتُ أحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ يا زانِيَةُ ثَلاثًا، فَقالَ: يُلاعِنُ، قُلْتُ: إنَّهم يَقُولُونَ يُحَدُّ، ولا يَلْزَمُها إلّا واحِدَةٌ، قالَ: بِئْسَ ما يَقُولُونَ فَهَذا يُلاعِنُ؛ لِأنَّهُ قَذَفَها قَبْلَ الحُكْمِ بِبَيْنُونَتِها، فَأشْبَهَ قَذْفَ الرَّجْعِيَّةِ، اهـ مِنهُ (p-٤٨٠)وَلَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: فِيما لَوْ جاءَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ فَنَفاهُ فَصَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ في أنَّ الوَلَدَ مِن غَيْرِهِ، فَعَلى الزَّوْجَةِ حَدُّ الزِّنى. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ يَنْتَفِي نَسَبُ الوَلَدِ بِتَصادُقِهِما بِدُونِ لِعانٍ، أوْ لا يَنْتَفِي إلّا بِلِعانٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ مالِكٍ، وأكْثَرُ الرُّواةِ عَنْهُ أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا بِلِعانٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أنَّهُ لا يَنْتَفِي عَنِ الزَّوْجِ إلّا بِلِعانِهِ، ولا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِن لُحُوقِ نَسَبِهِ بِتَصْدِيقِ أُمِّهِ لِلزَّوْجِ؛ لِأنَّ لِلْوَلَدِ حَقًّا في لُحُوقِ نَسَبِهِ فَلا يَسْقُطُ إلّا بِلِعانِ الزَّوْجِ، وأمّا الزَّوْجَةُ فَلا يَصِحُّ مِنها اللِّعانُ في هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأنَّها مُقِرَّةٌ بِصِدْقِ الزَّوْجِ في دَعْواهُ. * * المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ عِنْدَنا فِيمَن قَذَفَ امْرَأتَهُ فَطالَبَتْ بِحَدِّهِ لِقَذْفِها فَأقامَ شاهِدَيْنِ عَلى إقْرارِها بِالزِّنى الَّذِي قَذَفَها بِهِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ المَسْألَةِ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في الإقْرارِ بِالزِّنى، هَلْ يَثْبُتُ بِشاهِدَيْنِ كَغَيْرِهِ مِن سائِرِ الأقارِيرِ أوْ لا يَثْبُتُ إلّا بِأرْبَعَةِ شُهُودٍ، فَمَن قالَ: يَثْبُتُ بِشاهِدَيْنِ يَلْزَمُ قَوْلَهُ: أنَّ الرَّجُلَ لا يُحَدُّ لِقَذْفِها؛ لِأنَّ إقْرارَها بِالزِّنى ثَبَتَ بِالشّاهِدَيْنِ، وعَلى القَوْلِ الآخَرِ يُحَدُّ؛ لِأنَّ إقْرارَها لَمْ يَثْبُتْ، هَذا هو الأظْهَرُ عِنْدَنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُما إنْ شَهِدا عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَذَفَ امْرَأتَهُ وقَذَفَهُما أعْنِي الشّاهِدَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُما بِقَذْفِ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُما لَمّا ادَّعَيا عَلَيْهِ أنَّهُ قَذَفَهُما صارا لَهُ عَدُوَّيْنِ؛ لِأنَّ القَذْفَ يَسْتَوْجِبُ العَداوَةَ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: فَإنْ شَهِدَ شاهِدانِ أنَّهُ قَذَفَ فُلانَةَ، وقَذَفَنا لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُما لِاعْتِرافِهِما بِعَداوَتِهِ لَهُما، وشَهادَةُ العَدُوِّ لا تُقْبَلُ عَلى عَدُوِّهِ، فَإنْ أبْرَآهُ وزالَتِ العَداوَةُ ثُمَّ شَهِدا عَلَيْهِ بِذَلِكَ القَذْفِ لَمْ تُقْبَلْ لِأنَّها رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ، فَلَمْ تُقْبَلْ بَعْدُ كالفاسِقِ إذا شَهِدَ فَرُدَّتْ شَهادَتُهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ تابَ وأعادَها، ولَوْ أنَّهُما ادَّعَيا عَلَيْهِ أنَّهُ قَذَفَهُما، ثُمَّ أبْرَآهُ وزالَتِ العَداوَةُ، ثُمَّ شَهِدا عَلَيْهِ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ قُبِلَتْ شَهادَتُهُما؛ لِأنَّهُما لَمْ يُرَدّا في هَذِهِ الشَّهادَةِ، ولَوْ شَهِدا أنَّهُ قَذَفَ امْرَأتَهُ، ثُمَّ ادَّعَيا بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ قَذَفَهُما فَإنْ أضافا دَعَواهُما إلى ما قَبْلَ شَهادَتِهِما، بَطَلَتْ شَهادَتُهُما لِاعْتِرافِهِما أنَّهُ كانَ عَدُوًّا لَهُما حِينَ شَهِدا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُضِيفاها إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الحُكْمِ بِشَهادَتِهِما لَمْ يُحْكَمْ بِها؛ لِأنَّهُ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَهادَةِ عَدُوَّيْنِ، وإنْ كانَتْ بَعْدَ الحُكْمِ لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأنَّ الحُكْمَ تَمَّ قَبْلَ (p-٤٨١)وُجُودِ المانِعِ كَظُهُورِ الفِسْقِ، وإنْ شَهِدا أنَّهُ قَذَفَ امْرَأتَهُ وأُمَّنا لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُما، لِأنَّها رُدَّتْ في البَعْضِ لِلتُّهْمَةِ، فَوَجَبَ أنْ تُرَدَّ لِلْكُلِّ، وإنْ شَهِدا عَلى أبِيهِما أنَّهُ قَذَفَ ضَرَّةَ أُمِّهِما قُبِلَتْ شَهادَتُهُما، وبِهَذا قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ، وقالَ في القَدِيمِ: لا تُقْبَلُ؛ لِأنَّهُما يَجُرّانِ إلى أُمِّهِما نَفْعًا، وهو أنَّهُ يُلاعِنُها فَتَبِينُ ويَتَوَفَّرُ عَلى أُمِّهِما ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لِعانَهُ لَها يَنْبَنِي عَلى مَعْرِفَتِهِ بِزِناها لا عَلى الشَّهادَةِ عَلَيْهِ بِما لا يَعْتَرِفُ بِهِ، وإنْ شَهِدا بِطَلاقِ الضَّرَّةِ، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُقْبَلُ؛ لِأنَّهُما يَجُرّانِ إلى أُمِّهِما نَفْعًا وهو تَوْفِيرُهُ عَلى أُمِّهِما. والثّانِي: تُقْبَلُ؛ لِأنَّهُما لا يَجُرّانِ إلى نَفْسِهِما نَفْعًا، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“، وكُلُّهُ لا نَصَّ فِيهِ ولا يَخْلُو بَعْضُهُ مِن خِلافٍ، والأظْهَرُ عَدَمُ قَبُولِ شَهادَتِهِما بِطَلاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِما؛ لِأنَّهُما مُتَّهَمانِ بِجَرِّ النَّفْعِ لِأُمِّهِما، لِأنَّ طَلاقَ الضَّرَّةِ فِيهِ نَفْعٌ لِضَرَّتِها كَما لا يَخْفى وشَهادَةُ الإنْسانِ بِما يَنْفَعُ أُمَّهُ لا تَخْلُو مِن تُهْمَةٍ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ العِشْرُونَ: في اخْتِلافِ اللُّغاتِ أوِ الأزْمِنَةِ في القَذْفِ أوِ الإقْرارِ بِهِ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولَوْ شَهِدَ شاهِدٌ أنَّهُ أقَرَّ بِالعَرَبِيَّةِ أنَّهُ قَذَفَها وشَهِدَ آخَرُ أنَّهُ أقَرَّ بِذَلِكَ بِالعَجَمِيَّةِ، تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ في العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ عائِدٌ إلى الإقْرارِ دُونَ القَذْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَذْفُ واحِدًا والإقْرارُ بِهِ في مَرَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ أقَرَّ يَوْمَ الخَمِيسَ بِقَذْفِها، وشَهِدَ آخَرُ أنَّهُ أقَرَّ بِذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَمَّتِ الشَّهادَةُ لِما ذَكَرْناهُ، وإنْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ قَذَفَها بِالعَرَبِيَّةِ وشَهِدَ الآخَرُ أنَّهُ قَذَفَها بِالعَجَمِيَّةِ، أوْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ قَذَفَها يَوْمَ الخَمِيسَ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّهُ قَذَفَها يَوْمَ الجُمُعَةِ أوْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ أقَرَّ أنَّهُ قَذَفَها بِالعَرَبِيَّةِ أوْ بِالعَجَمِيَّةِ، أوْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ أقَرَّ بِأنَّهُ قَذَفَها بِالعَرَبِيَّةِ، أوْ يَوْمَ الخَمِيسِ وشَهِدَ الآخَرُ أنَّهُ أقَرَّ أنَّهُ قَذَفَها بِالعَجَمِيَّةِ أوْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أوْ يَوْمَ الخَمِيسِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّهُ قَذَفَها يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكْمُلُ الشَّهادَةُ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّ الوَقْتَ لَيْسَ ذِكْرُهُ شَرْطًا في الشَّهادَةِ، وكَذَلِكَ اللِّسانُ فَلَمْ يُؤَثِّرِ الِاخْتِلافُ؛ كَما لَوْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ أقَرَّ بِقَذْفِها يَوْمَ الخَمِيسِ بِالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّهُ أقَرَّ بِقَذْفِها يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالعَجَمِيَّةِ، والآخَرُ: لا تَكْمُلُ الشَّهادَةُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُما قَذْفانِ لَمْ تَتِمَّ الشَّهادَةُ عَلى واحِدٍ مِنهُما فَلَمْ يَثْبُتْ، كَما لَوْ شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ تَزَوَّجَها يَوْمَ الخَمِيسِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّهُ تَزَوَّجَها يَوْمَ الجُمُعَةِ (p-٤٨٢)وَفارَقَ الإقْرارُ بِالقَذْفِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُقِرُّ بِهِ واحِدًا أقَرَّ بِهِ في وقْتَيْنِ بِلِسانَيْنِ، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“ . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ المَسْألَةُ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العُلَماءِ بِالشَّهادَةِ هَلْ تُلَفَّقُ في الأفْعالِ والأقْوالِ، أوْ لا تُلَفَّقُ ؟ وبَعْضُهم يَقُولُ تُلَفَّقُ في الأقْوالِ دُونَ الأفْعالِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: تُلَفَّقُ فِيهِما، والفَرْقُ بَيْنَهُما لَيْسَ بِظاهِرٍ، وقَوْلُهم: هُما قَذْفانِ لَمْ تَتِمَّ الشَّهادَةُ عَلى واحِدٍ مِنهُما قَدْ يُقالُ فِيهِ، وكَذَلِكَ الإقْرارُ المُخْتَلِفُ وقْتُهُ أوْ لِسانُهُ هُما إقْرارانِ لَمْ تَتِمَّ الشَّهادَةُ عَلى واحِدٍ مِنهُما، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا نَصَّ فِيها وكُلٌّ مِنَ الأقْوالِ فِيها لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والخِلافُ المَذْكُورُ وعَدَمُ النَّصِّ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الواحِدَةُ والعِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ الصَّوابُ أنَّ مَن نَفى حَمْلَ امْرَأتِهِ بِلِعانٍ أنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ، ولا يَلْزَمُهُ لِعانٌ آخَرُ بَعْدَ وضْعِهِ، وهَذا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ الكُوفَةِ، وقَوْلَ الخِرَقِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الحَنابِلَةِ أنَّ الحَمْلَ لا يَصِحُّ نَفْيُهُ بِاللِّعانِ، فَلا بُدَّ مِنَ اللِّعانِ بَعْدَ الوَضْعِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ قَبْلَ الوَضْعِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ رِيحًا خِلافَ التَّحْقِيقِ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ انْتِفاءِ الحَمْلِ بِاللِّعانِ، كَما هو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهم مِن أهْلِ الحِجازِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقِصَّةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَرِيحَةٌ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفى عَنْهُ حَمْلَ امْرَأتِهِ بِاللِّعانِ، ولَمْ يُلْزِمْهُ بِإعادَةِ اللِّعانِ بَعْدَ الوَضْعِ، والرِّوايَةُ الَّتِي تُوهِمُ أنَّ لِعانَهُ كانَ بَعْدَ الوَضْعِ أوْضَحْنا الجَوابَ عَنْها فِيما تَقَدَّمَ بِما أجابَ بِهِ عَنْها ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: في حُكْمِ مَن قَذَفَ امْرَأتَهُ بِاللِّواطِ، وقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في عُقُوبَةِ اللّائِطِ وبَيَّنّا أنَّ أقْواها دَلِيلًا قَتْلُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وعَلَيْهِ فَلا حَدَّ بِالقَذْفِ بِاللِّواطِ وإنَّما فِيهِ التَّعْزِيرُ، وذَكَرْنا قَوْلَ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللِّواطَ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنى وعَلى هَذا القَوْلِ يُلاعِنُ القاذِفُ بِاللِّواطِ، وإنِ امْتَنَعَ مِنَ اللِّعانِ حُدَّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ: في حُكْمِ مَن ولَدَتِ امْرَأتُهُ ولَدًا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَإنَّ الوَلَدَ لا يَلْحَقُهُ ولا يُحْتاجُ إلى نَفْيِهِ بِلِعانٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ كَما لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأةً (p-٤٨٣)فَجاءَتْ بِوَلَدٍ كامِلٍ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ أقَلَّ أمَدِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وكَكَوْنِ الزَّوْجِ صَبِيًّا لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عادَةً لِصِغَرِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ هو الصَّوابُ أنَّ كُلَّ ولَدٍ جاءَتْ بِهِ امْرَأةُ الصَّغِيرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ أنَّهُ لا يُلْحَقُ بِهِ، ولا يُحْتاجُ إلى لِعانٍ، وبِهِ تَعْل مُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ مِنَ الحَنابِلَةِ، ومَن وافَقَهم: إنَّ الزَّوْجَ إنْ كانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ لَحِقَهُ الوَلَدُ وكَذَلِكَ تِسْعِ سِنِينَ ونِصْفٍ، كَما قالَهُ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ أنَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ، واسْتِدْلالُهم عَلى لُحُوقِ الوَلَدِ بِالزَّوْجِ الَّذِي هو ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ بِحَدِيثِ ”: «واضْرِبُوهم عَلى الصَّلاةِ لِعَشَرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ»“ ظاهِرُ السُّقُوطِ، وإنِ اعْتَمَدَهُ ابْنُ قُدامَةَ مَعَ عِلْمِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ الحَنابِلَةِ. فالتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هو ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ الحَنابِلَةِ مِن أنَّهُ لا يُلْحَقُ بِهِ الوَلَدُ حَتّى يَبْلُغَ وهو ظاهِرٌ لا يَخْفى، وكَما لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأةً في مَجْلِسٍ، ثُمَّ طَلَّقَها فِيهِ قَبْلَ غَيْبَتِهِ عَنْهم، ثُمَّ أتَتِ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ العَقْدِ، أوْ تَزَوَّجَ مَشْرِقِيٌّ مَغْرِبِيَّةً، أوْ عَكْسُهُ، ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ وأتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وبِذَلِكَ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ إنَّما يَلْحَقُهُ بِالعَقْدِ ومُدَّةِ الحَمْلِ ألا تَرى أنَّكم قُلْتُمْ إذا مَضى زَمانُ الإمْكانِ لَحِقَ الوَلَدُ، وإنْ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ الوَطْءُ، انْتَهى مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ عَدَمُ لُحُوقِ الوَلَدِ فِيما ذُكِرَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنهُ ولا حاجَةَ لِنَفْيِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ والعِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ الأقْوالِ وأقْواها دَلِيلًا، أنَّ المُتَلاعِنَيْنِ يَتَأبَّدُ التَّحْرِيمُ بَيْنَهُما، فَلا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وقَدْ جاءَتْ بِذَلِكَ أحادِيثُ مِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وفِيهِ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما، ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، انْتَهى. وَقالَ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في هَذا الحَدِيثِ: سَكَتَ عَنْهُ أبُو داوُدَ، والمُنْذِرِيُّ، ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ، ومِنها ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَهْلٍ أيْضًا، وفِيهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقالَ ”: لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“، انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ المَجْدِ في ”المُنْتَقى“، وقالَ فِيهِ (p-٤٨٤)صاحِبُ ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وفي إسْنادِهِ عِياضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ في ”التَّقْرِيبِ“: فِيهِ لِينٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ أخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، اهـ. وَمِنها ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «: المُتَلاعِنانِ إذا تَفَرَّقا لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا»، انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ المَجْدِ أيْضًا. وَمِنها ما رَواهُ الدَّراقُطْنِيُّ أيْضًا، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ لا يَجْتَمِعا أبَدًا، وما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا، عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، قالا: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ لا يَجْتَمِعَ المُتَلاعِنانِ، وقالَ صاحِبُ ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: أخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو داوُدَ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وفي إسْنادِها عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ وفِيهِ مَقالٌ، وقالَ في حَدِيثِ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: أخْرَجَهُما أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، انْتَهى مِنهُ. وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ أصْوَبُ مِن قَوْلِ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ، ولا يَتَأبَّدُ تَحْرِيمُها عَلَيْهِ، ويَكُونُ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، والأظْهَرُ أنَّهُ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بِهِ الوَلَدُ وحُدَّ خِلافًا لِعَطاءٍ القائِلِ: إنَّهُ لا يُحَدُّ. تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ أنَّ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في فُرْقَةِ اللِّعانِ قَدَّمْناها مُسْتَوْفاةً في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . فِي كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى آيَةِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٩]، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ واخْتِلافَهم في لِعانِ الأخْرَسِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، ولْنَكْتَفِ بِما ذَكَرْنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ومَن أرادَ اسْتِقْصاءَ مَسائِلِ اللِّعانِ فَلْيَنْظُرْ كُتُبَ فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ،

النور 24:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بَيِّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ لَوْلا فَضْلُهُ ورَحْمَتُهُ، ما زَكا أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ولَكِنَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِن خَلَقَهُ. وَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يُمَكِّنُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٨٥)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . والزَّكاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: هي الطَّهارَةُ مِن أنْجاسِ الشِّرْكِ، والمَعاصِي. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٢١] أيْ يُطَهِّرُهُ مِن أدْناسِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ إلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ النَّصُوحِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. وَهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ولا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى تَزَكّى تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الكُفْرِ والمَعاصِي، لا عَلى أنَّ المُرادَ بِها خُصُوصُ زَكاةِ الفِطْرِ، ووَجْهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: مَن زَكّاها أنَّهُ لا يُزَكِّيها إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ إيّاهُ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، وقَبُولِهِ مِنهُ. وَكَذَلِكَ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ كَما لا يَخْفى. والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٢١]: جَوابُ لَوْلا الَّتِي تَلِيهِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٠] وقَدْ تَكَرَّرَ في الآياتِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفُ جَوابِ لَوْلا، لِدَلالَةِ القَرائِنِ عَلَيْهِ،

النور 24:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ المُطَّلِبِ، وكانَ مِسْطَحٌ المَذْكُورُ مِنَ المُهاجِرِينَ وهو فَقِيرٌ، وكانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أبُو بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ وقَرابَتِهِ وهِجْرَتِهِ، وكانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِالإفْكِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ١١]، وهو ما رَمَوْها بِهِ مِن أنَّها فَجَرَتْ مَعَ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ السُّلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . (p-٤٨٦)وَقِصَّةُ الإفْكِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ في عَشْرِ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وفي الأحادِيثِ الصِّحاحِ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في الآياتِ المَذْكُورَةِ، حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ، ولا يَنْفَعَهُ بِنافِعَةٍ بَعْدَ ما رَمى عائِشَةَ بِالإفْكِ ظُلْمًا وافْتِراءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ أيْ: لا يَحْلِفْ، فَقَوْلُهُ: ”يَأْتَلِ“ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألِيَّةِ وهي اليَمِينُ، تَقُولُ العَرَبُ آلى يُؤْلِي وائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أيْ: يَحْلِفُونَ مُضارِعُ آلى يُؤْلِي إذا حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وَيَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلْ أيْ حَلَفَتْ حَلْفَةً، وقَوْلُ عاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدٍ العَدَوِيَّةِ تَرْثِي زَوْجَها عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: ؎فَآلَيْتُ لا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً ∗∗∗ عَلَيْكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أغْبَرا والألِيَّةُ اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ: ؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ أيْ: لا يَحْلِفُ أصْحابُ الفَضْلِ والسِّعَةِ، أيِ: الغِنى كَأبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ، وقَوْلُهُ: أنْ يُؤْتُوا، أيْ: لا يَحْلِفُوا عَنْ أنْ يُؤْتُوا، أوْ لا يَحْلِفُوا ألّا يُؤْتُوا وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ قَبْلَ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ وصْلَتِهِما مُطَّرِدٌ. وكَذَلِكَ حَذْفُ لا النّافِيَةِ قَبْلَ المُضارِعِ بَعْدَ القَسَمِ، ولا يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ هُنا كَوْنُ القَسَمِ مَنهِيًّا عَنْهُ، ومَفْعُولُ يُؤْتُوا الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى النَّفَقَةَ والإحْسانَ، كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قَوْلُهُ: ولا يَأْتِلِ، أيْ: لا يُقَصِّرُ أصْحابُ الفَضْلِ، والسِّعَةِ كَأبِي بَكْرٍ في إيتاءِ أُولى القُرْبى كَمِسْطَحٍ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ يَأْتَلِ يَفْتَعِلُ مِن ألا يَأْلُو في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ وأبْطَأ. وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ (p-٤٨٧)[آل عمران: ١١٨]، أيْ لا: يُقَصِّرُونَ في مَضَرَّتِكم، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ الجَعْدِيِّ: ؎وَأشْمَطَ عُرْيانًا يَشُدُّ كِتافَهُ ∗∗∗ يُلامُ عَلى جَهْدِ القِتالِ وما ائْتَلا وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎وَإنَّ كَنائِنِي لَنِساءُ صِدْقٍ ∗∗∗ فَما آلى بَنِيَّ ولا أساءُوا فَقَوْلُهُ: فَما آلى بَنِيَّ: يَعْنِي ما قَصَّرُوا، ولا أبَطئُوا والأوَّلُ هو الأصَحُّ، لِأنَّ حَلِفَ أبِي بَكْرٍ ألّا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنافِعَةٍ، ونُزُولَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في ذَلِكَ الحَلِفِ مَعْرُوفٌ. وهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ عَنْ فِعْلِ البِرِّ مِن إيتاءِ أُولى القُرْبى والمَساكِينِ والمُهاجِرِينَ، جاءَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أيْ: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ، فَإذا قِيلَ لَكُمُ: اتَّقُوا وبَرُّوا، وأصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ قُلْتُمْ: حَلَفْنا بِاللَّهِ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَتَجْعَلُوا الحَلِفَ بِاللَّهِ سَبَبًا لِلِامْتِناعِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ عَلى الأصَحِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنا دَلالَةَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ، وذَكَرْنا ما يُوَضِّحُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٩] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ فِيهِ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا أساءَ إلَيْهِمْ بَعْضُ إخْوانِهِمُ المُسْلِمِينَ أنْ يَعْفُوا عَنْ إساءَتِهِمْ ويَصْفَحُوا وأصْلُ العَفْوِ: مِن عَفَتِ الرِّيحُ الأثَرَ إذا طَمَسَتْهُ. والمَعْنى: فَلْيَطْمِسُوا آثارَ الإساءَةِ بِحِلْمِهِمْ وتَجاوُزِهِمْ، والصَّفْحُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مُشْتَقٌّ مِن صَفْحَةِ العُنُقِ، أيْ: أعْرِضُوا عَنْ مُكافَأةِ إساءَتِهِمْ حَتّى كَأنَّكم تَوَلَّوْنَها بِصَفْحَةِ العُنُقِ، مُعْرِضِينَ عَنْها. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَظْمَ الغَيْطِ والعَفْوَ عَنِ النّاسِ مِن صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، وكَفى بِذَلِكَ حَثًّا عَلى ذَلِكَ، ودَلَّتْ أيْضًا: عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ المُتَّصِفِينَ بِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى (p-٤٨٨)﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذا الآيَةِ أنَّ العَفْوَ مَعَ القُدْرَةِ مِن صِفاتِهِ تَعالى، وكَفى بِذَلِكَ حَثًّا عَلَيْهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَفْوَ والصَّفْحَ عَلى المُسِيءِ المُسْلِمِ مِن مُوجِباتِ غُفْرانِ الذُّنُوبِ، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، ولِذا لَمّا نَزَلَتْ قالَ أبُو بَكْرٍ: بَلى واللَّهِ نُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا، ورَجَعَ لِلْإنْفاقِ في مِسْطَحٍ، ومَفْعُولُ ”أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ“ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ: أيْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أُولِي القُرْبى﴾ أيْ: أصْحابُ القَرابَةِ، ولَفْظَةُ أُولى اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ يُعْرَبُ إعْرابَ الجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ. * * فائِدَةٌ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَبائِرَ الذُّنُوبِ لا تُحْبِطُ العَمَلَ الصّالِحَ؛ لِأنَّ هِجْرَةَ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، وقَذْفَهُ لِعائِشَةَ مِنَ الكَبائِرِ ولَمْ يُبْطِلْ هِجْرَتَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ فِيهِ بَعْدَ قَذْفِهِ لَها ﴿والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هِجْرَتَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَمْ يُحْبِطْها قَذْفُهُ لِعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - . قالَ القُرْطُبِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَذْفَ وإنْ كانَ كَبِيرًا لا يُحْبِطُ الأعْمالَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ مِسْطَحًا بَعْدَ قَوْلِهِ بِالهِجْرَةِ والإيمانِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الكَبائِرِ، ولا يُحْبِطُ الأعْمالَ غَيْرُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] اهـ. وَما ذُكِرَ مِن أنَّ في الآيَةِ وصْفَ مِسْطَحٍ بِالإيمانِ لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الآيَةِ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا. وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ، هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لُطْفِ اللَّهِ بِالقَذَفَةِ العُصاةِ بِهَذا اللَّفْظِ. وقِيلَ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ (p-٤٨٩)[الشورى: ٢٢] فَشَرَحَ الفَضْلَ الكَبِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَشَّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ في تِلْكَ. وَمِن آياتِ الرَّجاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] . وقالَ بَعْضُهم: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَرْضى بِبَقاءِ أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - آيَةُ الدَّيْنِ: وهي أطْوَلُ آيَةٍ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيها الطُّرُقَ الكَفِيلَةَ بِصِيانَةِ الدَّيْنِ مِنَ الضَّياعِ، ولَوْ كانَ الدَّيْنُ حَقِيرًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيها: ﴿وَلا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، قالُوا: هَذا مِنَ المُحافَظَةِ في آيَةِ الدَّيْنِ عَلى صِيانَةِ مالِ المُسْلِمِ، وعَدَمِ ضَياعِهِ، ولَوْ قَلِيلًا يَدُلُّ عَلى العِنايَةِ التّامَّةِ بِمَصالِحِ المُسْلِمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ لا يُضَيِّعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ اشْتِدادِ الهَوْلِ، وشِدَّةِ حاجَتِهِ إلى رَبِّهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ وغَفَرَ لَهُ: مِن أرْجى آياتِ القُرْآنِ العَظِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٥] . فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إيراثَ هَذِهِ الأُمَّةِ لِهَذا الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ اصْطَفاها في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وبَيَّنَ أنَّهم ثَلاثَةُ أقْسامٍ: الأوَّلُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ وهو الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ، ولَكِنَّهُ يَعْصِيهِ أيْضًا فَهو الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] . (p-٤٩٠)والثّانِي: المُقْتَصِدُ وهو الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ، ولا يَعْصِيهِ، ولَكِنَّهُ لا يَتَقَرَّبُ بِالنَّوافِلِ مِنَ الطّاعاتِ. والثّالِثُ: السّابِقُ بِالخَيْراتِ: وهو الَّذِي يَأْتِي بِالواجِباتِ ويَجْتَنِبُ المُحَرَّماتِ ويَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِالطّاعاتِ والقُرُباتِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ، وهَذا عَلى أصَحِّ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ، والمُقْتَصِدِ والسّابِقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إيراثَهُمُ الكِتابَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ مِنهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وعَدَ الجَمِيعَ بِجَنّاتِ عَدْنٍ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ والواوُ في يَدْخُلُونَها شامِلَةٌ لِلظّالِمِ، والمُقْتَصِدِ والسّابِقِ عَلى التَّحْقِيقِ، ولِذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: حُقَّ لِهَذِهِ الواوِ أنَّ تُكْتَبَ بِماءِ العَيْنَيْنِ، فَوَعْدُهُ الصّادِقُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ لِجَمِيعِ أقْسامِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأوَّلُهُمُ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أرْجى آياتِ القُرْآنِ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ المُسْلِمِينَ أحَدٌ خارِجٌ عَنِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، فالوَعْدُ الصّادِقُ بِالجَنَّةِ في الآيَةِ شامِلٌ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ؛ ولِذا قالَ بَعْدَها مُتَّصِلًا بِها ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧] . واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في سَبَبِ تَقْدِيمِ الظّالِمِ في الوَعْدِ بِالجَنَّةِ عَلى المُقْتَصِدِ والسّابِقِ، فَقالَ بَعْضُهم: قَدَّمَ الظّالِمَ لِئَلّا يَقْنُطَ، وأخَّرَ السّابِقَ بِالخَيْرِ لِئَلّا يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ فَيَحْبَطَ، وقالَ بَعْضُهم: قَدَّمَ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أهْلِ الجَنَّةِ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ تَقَعْ مِنهم مَعْصِيَةٌ أقَلُّ مِن غَيْرِهِمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] .

النور 24:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ، أنَّهم مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم، وأيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ بَعْضَ أجْزاءِ الكافِرِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرَ اللِّسانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (p-٤٩١)إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢٣] .

النور 24:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ المُرادُ بِالدِّينِ هُنا الجَزاءُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: يُوَفِّيهِمْ؛ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَدُلُّ عَلى الجَزاءِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] • وقَوْلِهِ، ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ: ”دِينَهُمُ“، أيْ: جَزاءَهُمُ الَّذِي هو في غايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دِينَهُمُ الحَقَّ، أيْ: جَزاءَهُمُ الواجِبَ الَّذِي هم أهْلُهُ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ بِإنْصافٍ تامٍّ، وعَدْلٍ كامِلٍ، والآياتُ القُرْآنِيَّةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، ومِن إتْيانِ الدِّينِ بِمَعْنى الجَزاءِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .

النور 24:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ أشْكَلَتْ عَلى كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وذَلِكَ مِن أجْلِ التَّعْبِيرِ عَنِ الِاسْتِئْذانِ بِالِاسْتِئْناسِ، مَعَ أنَّهُما مُخْتَلِفانِ في المادَّةِ والمَعْنى. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: وحَكى الطَّحاوِيُّ: أنَّ الِاسْتِئْناسَ في لُغَةِ اليَمَنِ: الِاسْتِئْذانُ. وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما يُناسِبُ لَفْظَها وجْهانِ، ولِكُلٍّ مِنهُما شاهِدٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ الِاسْتِئْناسِ الظّاهِرِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَقْرَعُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا فَهو كالمُسْتَوْحِشِ مِن خَفاءِ الحالِ عَلَيْهِ، فَإذا أُذِنَ لَهُ (p-٤٩٢)اسْتَأْنَسَ وزالَ عَنْهُ الِاسْتِيحاشُ، ولَمّا كانَ الِاسْتِئْناسُ لازِمًا لِلْإذْنِ أُطْلِقَ اللّازِمُ، وأُرِيدَ مَلْزُومُهُ الَّذِي هو الإذْنُ، وإطْلاقُ اللّازِمِ، وإرادَةُ المَلْزُومِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، والقائِلُونَ بِالمَجازِ يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ، وعَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُطْلِقَ فِيها اللّازِمُ الَّذِي هو الِاسْتِئْناسُ وأُرِيدَ مَلْزُومُهُ الَّذِي هو الإذْنُ يَصِيرُ المَعْنى: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا الوَجْهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَهُ: وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، والإرْدافِ؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِئْناسِ يَرْدِفُ الإذْنَ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الإذْنِ. الوَجْهُ الثّانِي في الآيَةِ: هو أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْناسُ بِمَعْنى الِاسْتِعْلامِ، والِاسْتِكْشافِ، فَهو اسْتِفْعالٌ مَن آنَسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا أوْ عَلِمَهُ. والمَعْنى: حَتّى تَسْتَعْمِلُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ، هَلْ يُؤْذَنُ لَكم أوْ لا ؟ وتَقُولُ العَرَبُ: اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا، واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، أيْ: تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، أيْ: عَلِمْتُمْ رُشْدَهم وظَهَرَ لَكم، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٩] فَمَعْنى آنَسَ نارًا: رَآها مَكْشُوفَةً، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ ؎مِن وحْشِ وجْرَةَ مَوْشِيٍّ أكارِعُهُ ∗∗∗ طاوِي المُصَيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرَدِ فَقَوْلُهُ عَلى مُسْتَأْنِسٍ، يَعْنِي: حِمارَ وحْشٍ شَبَّهَ بِهِ ناقَتَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ مُسْتَأْنِسًا أنَّهُ يَسْتَكْشِفُ، ويَسْتَعْمِلُ القانِصِينَ بِشَمِّهِ رِيحَهم وحِدَّةِ بَصَرِهِ في نَظَرِهِ إلَيْهِمْ، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ يَصِفُ نَعامَةً شَبَّهَ بِها ناقَتَهُ: ؎آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنّا ∗∗∗ صُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ فَقَوْلُهُ: آنَسَتْ نَبْأةً، أيْ: أحَسَّتْ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي هو أنَّ مَعْنى تَسْتَأْنِسُوا تَسْتَكْشِفُوا وتَسْتَعْلُوا، هَلْ يُؤْذَنُ لَكم، وذَلِكَ الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِكْشافُ إنَّما يَكُونُ (p-٤٩٣)بِالِاسْتِئْذانِ أظْهَرَ عِنْدِي، وإنِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الوَجْهَ الأوَّلَ، وهُناكَ وجْهٌ ثالِثٌ في تَفْسِيرِ الآيَةِ تَرَكْناهُ لِعَدَمِ اتِّجاهِهِ عِنْدَنا. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن أنَّ أصْلَ الآيَةِ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا وأنَّ الكاتِبِينَ غَلِطُوا في كِتابَتِهِمْ، فَكَتَبُوا تَسْتَأْنِسُوا غَلَطًا بَدَلَ تَسْتَأْذِنُوا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنْ صَحَّحَ سَنَدَهُ عَنْهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ فَرَضْنا صِحَّتَهُ فَهو مِنَ القِراءاتِ الَّتِي نُسِخَتْ وتُرِكَتْ، ولَعَلَّ القارِئَ بِها لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أجْمَعُوا عَلى كِتابَةِ تَسْتَأْنِسُوا في جَمِيعِ نُسَخِ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ، وعَلى تِلاوَتِها بِلَفْظِ: تَسْتَأْنِسُوا، ومَضى عَلى ذَلِكَ إجْماعُ المُسْلِمِينَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها في مَصاحِفِهِمْ وتِلاوَتِهِمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، والقُرْآنُ العَظِيمُ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى حِفْظَهُ مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقالَ فِيهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ الآيَةَ [القيامة: ١٦ - ١٧] . * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ دَلَّتْ بِظاهِرِها عَلى أنَّ دُخُولَ الإنْسانِ بَيْتَ غَيْرِهِ بِدُونِ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٧]، نَهْيٌ صَرِيحٌ، والنَّهْيُ المُتَجَرِّدُ عَنِ القَرائِنِ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ عَلى الأصَحِّ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِئْذانَ ثَلاثُ مَرّاتٍ، يَقُولُ المُسْتَأْذِنُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟ فَإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ عِنْدَ الثّالِثَةِ، فَلْيَرْجِعْ، ولا يَزِدْ عَلى الثَّلاثِ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ إذْ جاءَ أبُو مُوسى كَأنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلى عُمَرَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، قالَ: ما مَنَعَكَ ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وقالَ (p-٤٩٤)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ“ فَقالَ: واللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أمِنكم أحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: واللَّهِ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أصْغَرَ القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأخْبَرْتُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ» . وَقالَ ابْنُ المُبارَكِ: أخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرٍ، سَمِعْتُ أبا سَعِيدٍ بِهَذا، اهـ بِلَفْظِهِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ الِاسْتِئْذانَ ثَلاثُ مَرّاتٍ، فَإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بَعْدَ الثّالِثَةِ رَجَعَ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النّاقِدُ، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنا واللَّهِ يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: «كُنْتُ جالِسًا بِالمَدِينَةِ في مَجْلِسِ الأنْصارِ، فَأتانا أبُو مُوسى فَزِعًا أوْ مَذْعُورًا قُلْنا: ما شَأْنُكَ ؟ قالَ: إنَّ عُمَرَ أرْسَلَ إلَيَّ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُ بابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنا ؟ فَقُلْتُ: إنَّنِي أتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلى بابِكَ ثَلاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ“ فَقالَ عُمَرُ: أقِمْ عَلَيْها البَيِّنَةَ، وإلّا أوْجَعْتُكَ، فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لا يَقُومُ مَعَهُ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أنا أصْغَرُ القَوْمِ، قالَ: فاذْهَبْ بِهِ» . حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وابْنُ أبِي عُمَرَ قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ بِهَذا الإسْنادِ، وزادَ ابْنُ أبِي عُمَرَ في حَدِيثِهِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَذَهَبْتُ إلى عُمَرَ فَشَهِدْتُ، اهـ بِلَفْظِهِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «فَواللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وبَطْنَكَ أوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَن يَشْهَدُ لَكَ عَلى هَذا، فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَواللَّهِ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أحْدَثُنا سِنًّا، قُمْ يا أبا سَعِيدٍ فَقُمْتُ حَتّى أتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذا» . وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ فَقالَ: «إنْ كانَ هَذا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَها، وإلّا فَلْأجْعَلَنَّكَ عِظَةً، قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَأتانا فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ، قالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، قالَ فَقُلْتُ: أتاكم أخُوكُمُ المُسْلِمُ قَدْ أُفْزِعَ، تَضْحَكُونَ انْطَلِقْ فَأنا شَرِيكُكَ في هَذِهِ العُقُوبَةِ فَأتاهُ، فَقالَ هَذا أبُو سَعِيدٍ» . وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ أبا مُوسى اسْتَأْذَنَ عَلى عُمَرَ ثَلاثًا إلى قَوْلِهِ: قالَ لَتُقِيمَنَّ عَلى هَذا بَيِّنَةً، أوْ لَأفْعَلَنَّ فَخَرَجَ فانْطَلَقَ إلى مَجْلِسٍ مِنَ الأنْصارِ، (p-٤٩٥)فَقالُوا: لا يَشْهَدُ لَكَ عَلى هَذا إلّا أصْغَرُنا، فَقامَ أبُو سَعِيدٍ، فَقالَ: كُنّا نُؤْمَرُ بِهَذا، فَقالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذا مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألْهانِي عَنْهُ الصَّفْقُ في الأسْواقِ»، وفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «لَتَأْتِيَنِّي عَلى هَذا وإلّا فَعَلْتُ وفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أبُو مُوسى قالَ عُمَرُ: إنْ وجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ المِنبَرِ عَشِيَّةً، وإنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمّا أنْ جاءَ العَشِيُّ وجَدُوهُ، قالَ يا أبا مُوسى: ما تَقُولُ أقَدْ وجَدْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ عَدْلٌ، يا أبا الطُّفَيْلِ ما يَقُولُ هَذا ؟ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يا ابْنَ الخَطّابِ فَلا تَكُونَنَّ عَذابًا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ سُبْحانَ اللَّهِ: إنَّما سَمِعْتُ شَيْئًا فَأحْبَبْتُ أنْ أتَثَبَّتَ»، وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: أنَّ عُمَرَ قالَ لِأُبَيٍّ: يا أبا المُنْذِرِ آنْتَ سَمِعْتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَلا تَكُنْ يا ابْنَ الخَطّابِ عَذابًا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ قَوْلُ عُمَرَ: سُبْحانَ اللَّهِ، وما بَعْدَهُ. فَهَذِهِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي مُوسى، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - تَدُلُّ دَلالَةً صَحِيحَةً صَرِيحَةً عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ ثَلاثٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: وأمّا قَوْلُهُ لا يَقُومُ مَعَهُ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَمَعْناهُ أنَّ هَذا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ بَيْنَنا مَعْرُوفٌ لِكِبارِنا، وصِغارِنا، حَتّى إنَّ أصْغَرَنا يَحْفَظُهُ وسَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ مِنهُ، والظّاهِرُ مِنهُ كَما قالَ، وهَذِهِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تُبَيِّنُ أنَّ هَذا الِاسْتِئْذانَ المُعَبَّرَ عَنْهُ في الآيَةِ بِالِاسْتِئْناسِ، والسَّلامَ المَذْكُورَ فِيها لا يُزادُ فِيهِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ، وأنَّ الِاسْتِئْناسَ المَذْكُورَ في الآيَةِ، هو الِاسْتِئْذانُ المُكَرَّرُ ثَلاثًا؛ لِأنَّ خَيْرَ ما يُفَسَّرُ بِهِ كِتابُ اللَّهِ بَعْدَ كِتابِ اللَّهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثّابِتَةُ عَنْهُ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي: مِن أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِئْناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: الِاسْتِئْذانُ بِتَنَحْنُحٍ، ونَحْوِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافَ التَّحْقِيقِ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ لِذَلِكَ مِن رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذُكِرَ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ مِنَ الأدِلَّةِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأنَّ الحَقَّ هو ما جاءَتْ بِهِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الِاسْتِئْذانِ والتَّسْلِيمِ ثَلاثًا كَما رَأيْتَ. وَأنَّ الصَّوابَ في ذَلِكَ هو ما نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الطَّبَرِيِّ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ قالَ: الِاسْتِئْناسُ هو الِاسْتِئْذانُ ثَلاثًا إلى آخِرِهِ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ» يُؤَيِّدُها أنَّهُ ﷺ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: وفي رِوايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، الَّتِي أشَرْتُ إلَيْها في الأدَبِ المُفْرَدِ، زِيادَةٌ مُفِيدَةٌ، وهي أنَّ أبا سَعِيدٍ، أوْ أبا (p-٤٩٦)مَسْعُودٍ قالَ لِعُمَرَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو يُرِيدُ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، حَتّى أتاهُ فَسَلَّمَ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثّانِيَةَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثّالِثَةَ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقالَ: ”قَضَيْنا ما عَلَيْنا“، ثُمَّ رَجَعَ فَأذِنَ لَهُ سَعْدٌ»، الحَدِيثَ، فَثَبَتَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﷺ ومِن فِعْلِهِ، وقِصَّةُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ هَذِهِ أخْرَجَها أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ مُطَوَّلَةً بِمَعْناهُ، وأحْمَدُ مِن طَرِيقِ ثابِتٍ، عَنْ أنَسٍ أوْ غَيْرِهِ كَذا فِيهِ، وأخْرَجَهُ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ أُمِّ طارِقٍ مَوْلاةِ سَعْدٍ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: فَثَبَتَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﷺ ومِن فِعْلِهِ: يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ اسْتِئْذانِهِ ﷺ عَلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ صَحِيحَةٌ ثابِتَةٌ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا عُمَرُ عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أنَسٍ أوْ غَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَأْذَنَ عَلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَقالَ: ”السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ“، فَقالَ سَعْدٌ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، ولَمْ يَسْمَعِ النَّبِيَّ ﷺ حَتّى سَلَّمَ ثَلاثًا ورَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلاثًا ولَمْ يَسْمَعْهُ فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، ما سَلَّمْتَ تَسْيلِمَةً إلّا وهي بِأُذُنِي ولَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ ولَمْ أُسْمِعْكَ، وأرَدْتُ أنْ أسْتَكْثِرَ مِن سَلامِكَ ومِنَ البَرَكَةِ، ثُمَّ أدْخَلَهُ البَيْتَ فَقَرَّبَ إلَيْهِ زَبِيبًا فَأكَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا فَرَغَ قالَ ”: أكَلَ طَعامَكُمُ الأبْرارُ وصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ وأفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصّائِمُونَ» وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي عَمْرٍو الأوْزاعِيِّ، سَمِعْتُ يَحْيى بْنَ أبِي كَثِيرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - هو ابْنُ عُبادَةَ - قالَ“: «زارَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَنزِلِنا فَقالَ: ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ“ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا فَقَلْتُ ألا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: دَعْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنا مِنَ السَّلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ“، فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ“، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أسْمَعُ سَلامَكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنا مِنَ السَّلامِ فانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "»، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ القِصَّةَ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: وقَدْ رَوى هَذا مِن وُجُوهٍ أُخْرى، فَهو حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ واللَّهُ أعْلَمُ. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِئْناسَ في الآيَةِ الِاسْتِئْذانُ ثَلاثًا، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّنَحْنُحَ ونَحْوُهُ، كَما عَزاهُ في فَتْحِ البارِي لِلْجُمْهُورِ، واخْتُلِفَ هَلْ يُقَدَّمُ السَّلامُ أوِ الِاسْتِئْذانُ ؟ وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ مَشْرُوعٌ، وتَظاهَرَتْ بِهِ دَلائِلُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ وإجْماعُ الأُمَّةِ، والسُّنَّةُ: أنْ يُسَلِّمَ ويَسْتَأْذِنَ ثَلاثًا فَيَجْمَعُ بَيْنَ السَّلامِ (p-٤٩٧)والِاسْتِئْذانِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في القُرْآنِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ السَّلامِ، ثُمَّ الِاسْتِئْذانُ أوْ تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذانِ ثُمَّ السَّلامُ والصَّحِيحُ الَّذِي جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وقالَهُ المُحَقِّقُونَ: أنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلامَ، فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟ والثّانِي يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ، والثّالِثُ وهو اخْتِيارُ الماوَرْدِيِّ مِن أصْحابِنا إنْ وقَعَتْ عَيْنُ المُسْتَأْذِنِ عَلى صاحِبِ المَنزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلامَ، وإلّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذانَ، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثانِ في تَقْدِيمِ السَّلامِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. ولا يَخْفى أنَّ ما صَحَّ فِيهِ حَدِيثانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلى غَيْرِهِ، فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْ تَقْدِيمِ السَّلامِ عَلى الِاسْتِئْذانِ، وتَقْدِيمِ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو الِاسْتِئْذانُ عَلى السَّلامِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا﴾ [النور: ٢٧] لا يَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذانِ؛ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وإنَّما يَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ، فَيَجُوزُ عَطْفُ الأوَّلِ عَلى الأخِيرِ بِالواوِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] والرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧] ونُوحٌ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وهَذا مَعْرُوفٌ ولا يُنافِي ما ذَكَرْنا أنَّ الواوَ رُبَّما عُطِفَ بِها مُرادًا بِها التَّرْتِيبُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨] وقَدْ قالَ ﷺ «: أبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» وفي رِوايَةٍ «ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» بِصِيغَةِ الأمْرِ، وكَقَوْلِ حَسّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ وعِنْدَ اللَّهِ في ذاكَ الجَزاءُ عَلى رِوايَةِ الواوِ في هَذا البَيْتِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ الواوَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ مِنَ القَرائِنِ والأدِلَّةِ الخارِجِيَّةِ لا تَقْتَضِي إلّا مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ بَيْنَ المَعْطُوفِ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ إنْ قامَ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ التَّرْتِيبِ في العَطْفِ، كالحَدِيثِ المَذْكُورِ في البَدْءِ بِالصَّفا، أوْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ قَرِينَةٌ كالبَيْتِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ جَوابَ الهِجاءِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَهُ، أنَّها تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ أوِ القَرِينَةِ عَلى ذَلِكَ، والآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ راجِحٌ، ولا قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ التَّرْتِيبِ فِيها بِالواوِ، اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أحادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في السُّنَنِ وغَيْرِها تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَرَّرَ مِنهُ تَعْلِيمُ الِاسْتِئْذانِ لِمَن لا يَعْلَمُهُ، بِأنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم، أأدْخُلُ ؟ فانْظُرْهُ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّوَوِيَّ ذَكَرَ أنَّهُ صَحَّ فِيهِ حَدِيثانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والمُخْتارُ أنَّ (p-٤٩٨)صِيغَةَ الِاسْتِئْذانِ الَّتِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْها أنْ يَقُولَ المُسْتَأْذِنُ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟ فَإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بَعْدَ الثّالِثَةِ انْصَرَفَ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ. واعْلَمْ أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في قِصَّةِ عُمَرَ مَعَ أبِي مُوسى في الصَّحِيحِ في سِياقِها تَغايُرٌ؛ لِأنَّ في بَعْضِها: أنَّ عُمَرَ أرْسَلَ إلى أبِي مُوسى بَعْدَ انْصِرافِهِ، فَرَدَّهُ مِن حِينِهِ، وفي بَعْضِها أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ إلّا في اليَوْمِ الثّانِي، وجَمَعَ بَيْنَها ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ قالَ: وظاهِرُ هَذَيْنِ السِّياقَيْنِ التَّغايُرُ، فَإنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلى عُمَرَ إلّا في اليَوْمِ الثّانِي، وفي الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِ في الحالِ إلى أنْ قالَ ويُجْمَعُ بَيْنَهُما: بِأنَّ عُمَرَ لَمّا فَرَغَ مِنَ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ فِيهِ تَذَكَّرَهُ فَسَألَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِرُجُوعِهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ الرَّسُولُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وجاءَ هو إلى عُمَرَ في اليَوْمِ الثّانِي، اهـ. مِنهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تَنْبِيهاتٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ المُسْتَأْذِنَ إنْ تَحَقَّقَ أنَّ أهْلَ البَيْتِ سَمِعُوهُ لَزِمَهُ الِانْصِرافُ بَعْدَ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوهُ، ولَمْ يَأْذَنُوا لَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ الإذْنِ، وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَدَمَ الزِّيادَةِ عَلى الثَّلاثَةِ، خِلافًا لِمَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ لَهُ أنْ يَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ مُطْلَقًا، وكَذَلِكَ إذا لَمْ يَدْرِ هَلْ سَمِعُوهُ أوْ لا، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الِانْصِرافُ بَعْدَ الثّالِثَةِ، كَما أوْضَحْنا أدِلَّتَهُ ولَمْ يُقَيَّدْ شَيْءٌ مِنها بِعِلْمِهِ بِأنَّهم سَمِعُوهُ. التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ مِنَ الأدِلَّةِ، أنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّ أهْلَ البَيْتِ، لَمْ يَسْمَعُوا اسْتِئْذانَهُ لا يَزِيدُ عَلى الثّالِثَةِ، بَلْ يَنْصَرِفُ بَعْدَها لِعُمُومِ الأدِلَّةِ، وعَدَمِ تَقْيِيدِ شَيْءٍ مِنها بِكَوْنِهِمْ لَمْ يَسْمَعُوهُ خِلافًا لِمَن قالَ لَهُ الزِّيادَةَ، ومَن فَصَّلَ في ذَلِكَ، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: أمّا إذا اسْتَأْذَنَ ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ أشْهَرُها أنَّهُ يَنْصَرِفُ، ولا يُعِيدُ الِاسْتِئْذانَ. والثّانِي: يَزِيدُ فِيهِ. والثّالِثُ: إنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِئْذانِ المُتَقَدِّمِ لَمْ يُعِدْهُ، وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ أعادَهُ، فَمَن قالَ بِالأظْهَرِ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ ﷺ «: فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» ومَن قالَ بِالثّانِي حَمَلَ الحَدِيثَ عَلى مَن عَلِمَ، أوْ ظَنَّ أنَّهُ سَمِعَهُ، فَلَمْ يَأْذَنْ واللَّهُ أعْلَمُ. والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هو ما قَدَّمْنا مِن عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى الثَّلاثِ؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ النُّصُوصِ ولا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ ظاهِرِ النَّصِّ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ. (p-٤٩٩)التَّنْبِيهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُسْتَأْذِنَ يَنْبَغِي لَهُ ألّا يَقِفَ تِلْقاءَ البابِ بِوَجْهِهِ ولَكِنَّهُ يَقِفُ جاعِلًا البابَ عَنْ يَمِينِهِ أوْ يَسارِهِ، ويَسْتَأْذِنُ وهو كَذَلِكَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ لِيُعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلى أهْلِ المَنزِلِ ألّا يَقِفَ تِلْقاءَ البابِ بِوَجْهِهِ، ولَكِنْ لِيَكُنِ البابُ عَنْ يَمِينِهِ، أوْ يَسارِهِ لِما رَواهُ أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا مُؤَمِّلُ بْنُ الفَضْلِ الحَرّانِيُّ في آخَرِينَ، قالُوا: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ قالَ «: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ، ولَكِنْ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ، ويَقُولُ " السَّلامُ عَلَيْكُمُ: السَّلامُ عَلَيْكم» وذَلِكَ أنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ، انْفَرَدَ بِهِ أبُو داوُدَ. وقالَ أبُو داوُدَ أيْضًا: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ثَنا جَرِيرٌ، ح، وثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ثَنا حَفْصٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ طَلْحَةَ عَنْ هُزَيْلٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ قالَ عُثْمانُ: سَعْدُ [ بْنُ أبِي وقّاصٍ ]، فَوَقَفَ عَلى بابِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ فَقامَ عَلى البابِ، قالَ عُثْمانُ: مُسْتَقْبِلَ البابِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «: هَكَذا عَنْكَ أوْ هَكَذا فَإنَّما الِاسْتِئْذانُ مِنَ النَّظَرِ» ورَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ أبُو داوُدَ، مِن حَدِيثِهِ انْتَهى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والحَدِيثانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما عَنْ أبِي داوُدَ نَقَلْناهُما مِن سُنَنِ أبِي داوُدَ لِأنَّ نُسْخَةَ ابْنِ كَثِيرٍ الَّتِي عِنْدَنا فِيها تَحْرِيفٌ فِيهِما. وَفِيما ذَكَرْنا دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُسْتَأْذِنَ لا يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ البابِ خَوْفًا أنْ يُفْتَحَ لَهُ البابُ، فَيَرى مِن أهْلِ المَنزِلِ ما لا يُحِبُّونَ أنْ يَراهُ، بِخِلافِ ما لَوْ كانَ البابُ عَنْ يَمِينِهِ أوْ يَسارِهِ فَإنَّهُ وقْتَ فَتْحِ البابِ لا يَرى ما في داخِلِ البَيْتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ المُسْتَأْذِنَ إذا قالَ لَهُ رَبُّ المَنزِلِ: مَن أنْتَ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: أنا بَلْ يُفْصِحُ بِاسْمِهِ وكُنْيَتِهِ إنْ كانَ مَشْهُورًا بِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ أنا يُعَبِّرُ بِها كُلُّ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ فَلا تَحْصُلُ بِها مَعْرِفَةُ المُسْتَأْذِنِ، وقَدْ ثَبَتَ مَعْنى هَذا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قالَ: سَمِعْتُ جابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ «: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في دَيْنٍ كانَ عَلى أبِي، فَدَقَقْتُ البابَ، فَقالَ مَن ذا ؟ فَقُلْتُ: أنا، فَقالَ: ”أنا أنا“، كَأنَّهُ كَرِهَها» انْتَهى مِنهُ، وتَكْرِيرُهُ ﷺ لَفْظَةَ أنا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرْضَها مِن جابِرٍ؛ لِأنَّها لا يُعْرَفُ بِها المُسْتَأْذِنُ فَهي جَوابٌ لَهُ ﷺ بِما لا يُطابِقُ سُؤالَهُ، وظاهِرُ الحَدِيثِ أنَّ جَوابَ (p-٥٠٠)المُسْتَأْذِنِ بِأنا، لا يَجُوزُ لِكَراهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ وعَدَمِ رِضاهُ بِهِ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ كَراهَةَ تَنْزِيهٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ «: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَوْتُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن هَذا ؟ قُلْتُ أنا فَخَرَجَ وهو يَقُولُ: أنا أنا» . حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، واللَّفْظُ لِأبِي بَكْرٍ قالَ: قالَ يَحْيى: أخْبَرَنا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «: اسْتَأْذَنْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: أنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أنا أنا» . وَحَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، حَدَّثَنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وأبُو عامِرٍ العَقَدِيُّ ”ح“ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنِي وهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ”ح“ وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنا بَهْزٌ كُلُّهم عَنْ شُعْبَةَ بِهَذا الإسْنادِ، وفي حَدِيثِهِمْ كَأنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ انْتَهى مِنهُ. وقَوْلُ جابِرٍ، كَأنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فِيهِ أنَّهُ لا يَخْفى مِن تَكْرِيرِهِ ﷺ لَفْظَةَ أنا أنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ولَمْ يَرْضَهُ، وحَدِيثُ جابِرٍ هَذا أخْرَجَهُ غَيْرُ الشَّيْخَيْنِ مِن باقِي الجَماعَةِ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ الرَّجُلَ يَلْزَمُهُ أنْ يَسْتَأْذِنَ عَلى أُمِّهِ وأُخْتِهِ، وبَنِيهِ وبَناتِهِ البالِغِينَ؛ لِأنَّهُ إنْ دَخَلَ عَلى مَن ذَكَرَ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ فَقَدْ تَقَعُ عَيْنُهُ عَلى عَوْراتِ مَن ذُكِرَ، وذَلِكَ لا يَحِلُّ لَهُ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في شَرْحِهِ لِحَدِيثِ: «إنَّما جُعِلُ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ» ما نَصُّهُ: ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّهُ يُشْرَعُ الِاسْتِئْذانُ عَلى كُلِّ أحَدٍ حَتّى المَحارِمِ؛ لِئَلّا تَكُونَ مُنْكَشِفَةَ العَوْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ عَنْ نافِعٍ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا بَلَغَ بَعْضُ ولَدِهِ الحُلُمَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إلّا بِإذْنٍ، ومِن طَرِيقِ عَلْقَمَةَ جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ فَقالَ ما عَلى كُلِّ أحْيانِها تُرِيدُ أنْ تَراها. ومِن طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ بِالنُّونِ مُصَغَّرًا: سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ فَقالَ: إنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْها رَأيْتَ ما تَكْرَهُ، ومِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ، دَخَلْتُ مَعَ أبِي عَلى أُمِّي فَدَخَلَ، واتَّبَعْتُهُ فَدَفَعَ في صَدْرِي، وقالَ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ إذْنٍ ؟ ومِن طَرِيقِ عَطاءٍ سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ اسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ (p-٥٠١)قالَ نَعَمْ، قُلْتُ إنَّها في حِجْرِي ؟ قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ وأسانِيدُ هَذِهِ الآثارِ كُلُّها صَحِيحَةٌ، انْتَهى مِن فَتْحِ البارِي. وَهَذِهِ الآثارُ عَنْ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ تُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِئْذانِ عَلى مَن ذَكَرْنا، ويُفْهَمُ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «: إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ»، فَوُقُوعُ البَصَرِ عَلى عَوْراتِ مَن ذُكِرَ لا يَحِلُّ، كَما تَرى، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: وقالَ هُشَيْمٌ: أخْبَرَنا أشْعَثُ بْنُ سَوّارٍ، عَنْ كُرْدُوسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: عَلَيْكم أنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلى أُمَّهاتِكم وأخَواتِكم. وقالَ أشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ: «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنِّي أكُونُ في مَنزِلِي عَلى الحالِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي أحَدٌ عَلَيْها لا والِدٌ ولا ولَدٌ، وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِي، وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الآيَةَ»، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ النّاسُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قالَ ويَقُولُونَ: إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُكم بَيْتًا، إلى أنْ قالَ: والأدَبُ كُلُّهُ قَدْ جَحَدَهُ النّاسُ، قالَ: قُلْتُ: أسْتَأْذِنُ عَلى أخَواتِي أيْتامٍ في حِجْرِي مَعِي في بَيْتٍ واحِدٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ لِيُرَخِّصَ لِي فَأبى، فَقالَ: تُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ، قالَ: فَراجَعْتُهُ، فَقالَ: أتُحِبُّ أنْ تُطِيعَ اللَّهَ ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فاسْتَأْذِنْ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وأخْبَرَنِي ابْنُ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: ما مِنِ امْرَأةٍ أكْرَهُ إلَيَّ أنْ أرى عَوْرَتَها مِن ذاتِ مَحْرَمٍ، قالَ: وكانَ يُشَدِّدُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ الأوْدِيَّ الأعْمى أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَيْكُمُ الإذْنَ عَلى أُمَّهاتِكم، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وهو يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِئْذانِ عَلى مَن ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ إلّا امْرَأتُهُ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ لا يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها، وذَلِكَ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ولِأنَّهُ لا حِشْمَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ، ويَجُوزُ بَيْنَهُما مِنَ الأحْوالِ والمُلابَساتِ ما لا يَجُوزُ لِأحَدٍ غَيْرِهِما، ولَوْ كانَ أبًّا أوْ أُمًّا أوِ ابْنًا، كَما لا يَخْفى، ويَدُلُّ لَهُ الأثَرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ: أنَّهُ دَخَلَ مَعَ أبِيهِ طَلْحَةَ عَلى أُمِّهِ فَزَجَرَهُ طَلْحَةُ عَنْ أنْ يَدْخُلَ عَلى أُمِّهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، مَعَ أنَّ طَلْحَةَ زَوْجَها دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ. (p-٥٠٢)وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“: وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وإلّا فالأوْلى أنْ يُعْلِمَها بِدُخُولِهِ ولا يُفاجِئَها بِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ عَلى هَيْئَةٍ لا تُحِبُّ أنْ يَراها عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَتْ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ إذا جاءَ مِن حاجَةٍ، فانْتَهى إلى البابِ تَنَحْنَحَ وبَزَقَ كَراهَةَ أنْ يَهْجُمَ مِنّا عَلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، قالَ: وإسْنادُهُ صَحِيحٌ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. والأوَّلُ أظْهَرُ ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَرى إباحَةَ نَظَرِ الزَّوْجِ إلى فَرْجِ امْرَأتِهِ كَمالِكٍ وأصْحابِهِ ومَن وافَقَهم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إذا قالَ أهْلُ المَنزِلِ لِلْمُسْتَأْذِنِ: ارْجِعْ، وجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَتَمَنّى إذا اسْتَأْذَنَ عَلى بَعْضِ أصْدِقائِهِ أنْ يَقُولُوا لَهُ: ارْجِعْ، لِيَرْجِعَ، فَيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُ الرُّجُوعِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾؛ لِأنَّ ما قالَ اللَّهُ إنَّهُ أزْكى لَنا لا شَكَّ أنَّ لَنا فِيهِ خَيْرًا وأجْرًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ أقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا وأرْجَحَها فِيمَن نَظَرَ مِن كُوَّةٍ إلى داخِلِ مَنزِلِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ الَّتِي نَظَرَ إلَيْهِمْ بِها، لِيَطَّلِعَ عَلى عَوْراتِهِمْ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِن إثْمٍ ولا غُرْمِ دِيَةِ العَيْنِ ولا قِصاصٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ، ولِذا لَمْ نَذْكُرْ هُنا أقْوالَ مَن خالَفَ في ذَلِكَ مِن أهْلِ العِلْمِ لِسُقُوطِها عِنْدَنا، لِمُعارَضَتِها النَّصَّ الثّابِتَ عَنْهُ ﷺ قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”صَحِيحِهِ“: بابُ مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلا دِيَةَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أحادِيثِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ أبُو القاسِمِ ﷺ «: لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُناحٌ»، اهـ مِنهُ، والجُناحُ الحَرَجُ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «: لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُناحٌ»، لَفْظُ جُناحٍ فِيهِ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ رَفْعَ كُلِّ حَرَجٍ مِن إثْمٍ ودِيَةٍ وقِصاصٍ، كَما تَرى. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «: مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهم أنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ»، اهـ مِنهُ. (p-٥٠٣)وَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنهُ ﷺ أنَّهم يَحِلُّ لَهم أنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ حَلالًا لَهم مُسْتَلْزِمٌ أنَّهم لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شَيْءٌ مِن إثْمٍ، ولا دِيَةٍ، ولا قِصاصٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أحَلَّهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ لا مُؤاخَذَةَ عَلى فِعْلِهِ البَتَّةَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ المُؤاخَذَةِ، كَما لا يَخْفى. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعالى في ”صَحِيحِهِ“ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ هَذا الَّذِي نَقَلْنا عَنْهُ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «: لَوْ أنَّ رجلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، ما كانَ عَلَيْكَ مِن جُناحٍ»، اهـ مِنهُ. وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ دَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ في عَيْنِ المَذْكُورِ، وثُبُوتُ هَذا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَما رَأيْتَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا تَعَدّى وانْتَهَكَ الحُرْمَةَ، ونَظَرَ إلى بَيْتِ غَيْرِهِ دُونَ اسْتِئْذانٍ، أنَّ اللَّهَ أذِنَ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ في أخْذِ عَيْنِهِ الخائِنَةِ، وأنَّها هَدْرٌ لا عَقْلَ فِيها، ولا قَوَدَ، ولا إثْمَ، ويَزِيدُ ما ذَكَرْنا تَوْكِيدًا وإيضاحًا ما جاءَ عَنْهُ ﷺ مِنهُ أنَّهُ هَمَّ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، وهي قَوْلُهُ: بابُ مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلا دِيَةَ لَهُ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ في بَعْضِ جُحَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أوْ مَشاقِصَ، وجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ» . حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أخْبَرَهُ «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ في جُحَرٍ في بابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنَيْكَ“، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن قِبَلِ البَصَرِ“»، اهـ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ هَذِهِ الأحادِيثَ الَّتِي ذَكَرْناها عَنْهُ هُنا في كِتابِ الدِّياتِ. وَقَدْ قالَ في كِتابِ الِاسْتِئْذانِ: بابُ الِاسْتِئْذانِ مِن أجْلِ البَصَرِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، قالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَما أنَّكَ هاهُنا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، فَقالَ ”: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ“» . (p-٥٠٤)حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَصٍ أوْ بِمَشاقِصَ، فَكَأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ»، وهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا، فَلا التِفاتَ لِمَن خالَفَها مِن أهْلِ العِلْمِ، ومَن أوَّلَها؛ لِأنَّ النَّصَّ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ المِشْقَصَ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وسُكُونِ ثانِيهِ، وفَتْحِ ثالِثِهِ هو نَصْلُ السَّهْمِ إذا كانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: مِن جُحْرٍ في حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ الجُحْرُ الأوَّلُ: بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وهو كُلُّ ثُقْبٍ مُسْتَدِيرٍ في أرْضٍ أوْ حائِطٍ، والثّانِي: بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ الجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ: وهي ناحِيَةُ البَيْتِ. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، وأبُو كامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ الحُسَيْنِ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، واللَّفْظُ لِيَحْيى، وأبِي كامِلٍ، قالَ يَحْيى: أخْبَرَنا، وقالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أوْ مَشاقِصَ، فَكَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ»، وفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ في جُحْرٍ في بابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنِكَ“، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ“»، وفي مُسْلِمٍ رِواياتٌ أُخَرُ بِهَذا المَعْنى قَدِ اكْتَفَيْنا مِنها بِما ذَكَرْنا. وَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْها، ولا تَأْوِيلُها بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، ولِذَلِكَ اخْتَرْنا ما جاءَ فِيها مِن أنَّ تِلْكَ العَيْنَ الخائِنَةَ يَحِلُّ أخْذُها، وتَكُونُ هَدْرًا، ولَمْ نَلْتَفِتْ إلى قَوْلٍ مِن أقْوالِ مَن خالَفَ ذَلِكَ، ولا لِتَأْوِيلِهِمْ لِلنُّصُوصِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ صاحِبَ المَنزِلِ إذا أرْسَلَ رَسُولًا إلى شَخْصٍ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَكُونُ الإرْسالُ إلَيْهِ إذْنًا؛ لِأنَّهُ طَلَبَ حُضُورَهُ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ إذا جاءَ مُنْزِلَ مَن أرْسَلَ إلَيْهِ فَلَهُ الدُّخُولُ بِلا إذْنٍ جَدِيدٍ اكْتِفاءً بِالإرْسالِ إلَيْهِ، أوْ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَأْذِنَ إذا أتى المَنزِلَ اسْتِئْذانًا جَدِيدًا، ولا يَكْتَفِي بِالإرْسالِ ؟ وكُلٌّ مِنَ (p-٥٠٥)القَوْلَيْنِ قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ الإرْسالَ إلَيْهِ إذْنٌ يَكْفِي عَنِ الِاسْتِئْذانِ عِنْدَ إتْيانِ المَنزِلِ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا حَمّادٌ، عَنْ حَبِيبٍ، وهُشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «: رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ»، حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ مُعاذٍ، ثَنا عَبْدُ الأعْلى، ثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبِي رافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «: إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى طَعامٍ فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ»، قالَ أبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ: سَمِعْتُ أبا داوُدَ يَقُولُ: قَتادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِي رافِعٍ شَيْئًا، اهـ مِن أبِي داوُدَ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: وقَدْ ثَبَتَ سَماعُهُ مِنهُ في الحَدِيثِ الَّذِي سَيَأْتِي في البُخارِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ مِن رِوايَةِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّ أبا رافِعٍ حَدَّثَهُ، اهـ. وَيَدُلُّ لِصِحَّةِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، ورَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا: بابُ إذا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجاءَ هَلْ يَسْتَأْذِنُ ؟ وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبِي رافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ”: هو إذْنُهُ“ اهـ، ومَعْلُومٌ أنَّ البُخارِيَّ لا يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ، إلّا ما هو صَحِيحٌ عِنْدَهُ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: في حَدِيثِ كَوْنِ «رَسُولِ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ»، ولَهُ مُتابِعٌ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، بِلَفْظِ «: رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ»، وأخْرَجَ لَهُ شاهِدًا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ «: إذا دُعِيَ الرَّجُلُ فَهو إذْنُهُ»، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ أدِلَّةِ مَن قالُوا: بِأنَّ مَن دُعِيَ لا يَسْتَأْذِنُ إذا قَدِمَ. وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: يَسْتَأْذِنُ إذا قَدِمَ إلى مَنزِلِ المُرْسِلِ، ولا يَكْتَفِي بِإرْسالِ الرَّسُولِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِما رَواهُ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ، أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أخْبَرَنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، أخْبَرَنا مُجاهِدٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا في قَدَحٍ، فَقالَ ”: أبا هِرٍّ الحَقْ أهْلَ الصُّفَّةِ فادْعُهم إلَيَّ“، قالَ: فَأتَيْتُهم فَدَعَوْتُهم، فَأقْبَلُوا فاسْتَأْذَنُوا فَأذِنَ لَهم فَدَخَلُوا»، اهـ مِنهُ، قالَ: هَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ أرْسَلَ أبا هِرٍّ لِأهْلِ الصُّفَّةِ، ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإرْسالِ عَنِ الِاسْتِئْذانِ ولَوْ كانَ يَكْفِي عَنْهُ لَبَيَّنَهُ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يُؤَخِّرُ البَيانَ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ. وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٠٦)﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَشْمَلُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وغَيْرَهُ، وقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بَيْنَ أدِلَّةِ القَوْلَيْنِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: وجَمَعَ المُهَلَّبُ وغَيْرُهُ بِتَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ حالَيْنِ إنْ طالَ العَهْدُ بَيْنَ الطَّلَبِ والمَجِيءِ احْتاجَ إلى اسْتِئْنافِ الِاسْتِئْذانِ، وكَذا إنْ لَمْ يَطُلْ لَكِنْ كانَ المُسْتَدْعِي في مَكانٍ يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإذْنِ في العادَةِ، وإلّا لَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِئْنافِ إذْنٍ، وقالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ الأوَّلَ فِيمَن عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَن يَسْتَأْذِنُ لِأجْلِهِ، والثّانِي بِخِلافِهِ. قالَ: والِاسْتِئْذانُ عَلى كُلِّ حالٍ أحْوَطُ. وقالَ غَيْرُهُ: إنْ حَضَرَ صُحْبَةَ الرَّسُولِ أغْناهُ اسْتِئْذانُ الرَّسُولِ، ويَكْفِيهِ سَلامُ المُلاقاةِ، وإنْ تَأخَّرَ عَنِ الرَّسُولِ احْتاجَ إلى الِاسْتِئْذانِ، وبِهَذا جَمَعَ الطَّحاوِيُّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ ”: فَأقْبَلُوا فاسْتَأْذَنُوا“ فَدَلَّ عَلى أنَّ أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ مَعَهم، وإلّا لَقالَ: فَأقْبَلْنا، كَذا قالَ، اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وأقْرَبُها عِنْدِي الجَمْعُ الأخِيرُ، ويَدُلُّ لَهُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ فِيهِ، وقَوْلُهُ في حَدِيثِ أبِي داوُدَ المُتَقَدِّمِ: فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَضِّ البَصَرِ، وحِفْظِ الفَرْجِ، ويَدْخُلُ في حِفْظِ الفَرْجِ: حِفْظُهُ مِنَ الزِّنى، واللِّواطِ، والمُساحَقَةِ، وحِفْظُهُ مِنَ الإبْداءِ لِلنّاسِ والِانْكِشافِ لَهم، وقَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ حِفْظَهُ مِنَ المُباشَرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ يَلْزَمُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلّا الزَّوْجَةَ والسُّرِّيَّةَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ و ”سَألَ سائِلٌ“، ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] و [المعارج: ٢٩ - ٣٠] . فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ حِفْظَ الفَرْجِ مِنَ الزِّنى، واللِّواطِ لازِمٌ، وأنَّهُ لا يَلْزَمُ حِفْظُهُ عَنِ الزَّوْجَةِ والمَوْطُوءَةِ بِالمِلْكِ. وَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ فَرْجِهِ عَنْ وطْءِ زَوْجَتِهِ في الدُّبُرِ، وذَكَرْنا لِذَلِكَ أدِلَّةً كَثِيرَةً، وقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى آيَةِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥]، في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَنِ امْتَثَلَ أمْرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ بِالمَغْفِرَةِ والأجْرِ العَظِيمِ، إذا عَمِلَ مَعَها الخِصالَ المَذْكُورَةَ مَعَها في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى (p-٥٠٧)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وأوْضَحَ تَأْكِيدَ حِفْظِ الفَرْجِ عَنِ الزِّنى في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وأوْضَحَ لُزُومَ حِفْظِ الفَرْجِ عَنِ اللِّواطِ، وبَيَّنَ أنَّهُ عُدْوانٌ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٨ - ٢٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ أوْضَحْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ وأدِلَّتَهم في عُقُوبَةِ فاعِلِ فاحِشَةِ اللِّواطِ في سُورَةِ ”هُودٍ“، وعُقُوبَةَ الزّانِي في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. واعْلَمْ أنَّ الأمْرَ بِحِفْظِ الفَرْجِ يَتَناوَلُ حِفْظَهُ مِنَ انْكِشافِهِ لِلنّاسِ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وحِفْظُ الفَرْجِ تارَةً يَكُونُ بِمَنعِهِ مِنَ الزِّنى؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥]، وتارَةً يَكُونُ بِحِفْظِهِ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ في مُسْنَدِ أحْمَدَ والسُّنَنِ «: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلّا مِن زَوْجَتِكَ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ»، اهـ مِنهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: مِن لِلتَّبْعِيضِ والمُرادُ غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ، والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً، وأباهُ سِيبَوَيْهِ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ دَخَلَتْ في غَضِّ البَصَرِ دُونَ حِفْظِ الفَرْجِ ؟ قُلْتُ: دَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ النَّظَرِ أوْسَعُ، ألا تَرى أنَّ المَحارِمَ لا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلى شُعُورِهِنَّ، وصُدُورِهِنَّ، وثُدِيِّهِنَّ، وأعْضادِهِنَّ، وأسْوُقِهِنَّ، وأقْدامِهِنَّ، وكَذَلِكَ الجَوارِي المُسْتَعْرَضاتُ، والأجْنَبِيَّةُ يُنْظَرُ إلى وجْهِها وكَفَّيْها وقَدَمَيْها في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وأمّا أمْرُ الفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ، وكَفاكَ فَرْقًا أنْ أُبِيحَ النَّظَرَ إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ، وحُظِرَ الجِماعُ إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَعَ حِفْظِها مِنَ الإفْضاءِ إلى ما لا يَحِلُّ حِفْظُها عَنِ الإبْداءِ. (p-٥٠٨)وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن حِفْظِ الفَرْجِ فَهو عَنِ الزِّنى إلّا هَذا فَإنَّهُ أرادَ بِهِ الِاسْتِتارَ، اهـ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِن أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الفَرْجِ في هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِتارُ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا حِفْظُهُ مِنَ الزِّنى واللِّواطِ، ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ الأمْرَ بِغَضِّ البَصَرِ عَلى الأمْرِ بِحِفْظِ الفَرْجِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنى، كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وما ذُكِرَ جَوازُ النَّظَرِ إلَيْهِ مِنَ المَحارِمِ لا يَخْلُو بَعْضُهُ مِن نَظَرٍ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَفْصِيلُهُ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، كَما وعَدْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، أنّا نُوَضِّحُ مَسْألَةَ الحِجابِ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“ . وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيَّ: إنَّ مِن في قَوْلِهِ: ﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، قالَهُ غَيْرُهُ، وقَوّاهُ القُرْطُبِيُّ بِالأحادِيثِ الوارِدَةِ في أنَّ نَظْرَةَ الفُجاءَةِ لا حَرَجَ فِيها، وعَلَيْهِ أنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ بَعْدَها، ولا يَنْظُرَ نَظَرًا عَمْدًا إلى ما لا يَحِلُّ، وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الأخْفَشِ، وذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما مِن أنَّ مِن زائِدَةٌ، لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وقِيلَ الغَضُّ: النُّقْصانُ، يُقالُ: غَضَّ فَلانٌ مِن فُلانٍ، أيْ: وضَعَ مِنهُ، فالبَصَرُ إذا لَمْ يُمَكَّنْ مِن عَمَلِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ مِنهُ ومَنقُوصٌ، فَـ مِن صِلَةٌ لِلْغَضِّ، ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ، ولا لِلزِّيادَةِ، اهـ مِنهُ. والأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّ مادَّةَ الغَضِّ تَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفَسِها وتَتَعَدّى إلَيْهِ أيْضًا بِالحَرْفِ الَّذِي هو مِن ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِن أُمْثِلَةِ تَعَدِّي الغَضِّ لِلْمَعْقُولِ بِنَفْسِهِ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابًا وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وَأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎وَما كانَ غَضُّ الطَّرْفِ مِنّا سَجِيَّةً ∗∗∗ ولَكِنَّنا في مُذْحِجٍ غِرْبانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: غَضُّ الطَّرْفِ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ بِدُونِ حَرْفٍ. (p-٥٠٩)وَمِن أمْثِلَةِ تَعَدِّي الغَضِّ بِـ مِن قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ و ﴿يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ وما ذَكَرَهُ هُنا مِنَ الأمْرِ بِغَضِّ البَصَرِ قَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى تَهْدِيدُ مَن لَمْ يَمْتَثِلْهُ، ولَمْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنِ الحَرامِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] . وَقَدْ قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وقالَ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، لِلْحَسَنِ: إنَّ نِساءَ العَجَمِ يَكْشِفْنَ صَدْرَهُنَّ ورُءُوسَهُنَّ، قالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُنَّ، يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: عَمًّا لا يَحِلُّ لَهم، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائِنَةُ الأعْيُنِ النَّظَرُ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ فِيهِ الوَعِيدُ لِمَن يَخُونُ بِعَيْنِهِ بِالنَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ، وهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَتانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ جاءَ مُوَضَّحًا في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ. مِنها: ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «: إيّاكم والجُلُوسَ بِالطُّرُقاتِ ”، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا مِن مَجالِسِنا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيها، قالَ“: فَإذا أبَيْتُمْ إلّا المَجْلِسَ فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ”، قالُوا: وما حَقُّ الطَّرِيقِ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ“: غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ»، انْتَهى، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في ”صَحِيحِهِ“ . وَمِنها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ الفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلى عَجُزِ راحِلَتِهِ، وكانَ الفَضْلُ رَجُلًا وضِيئًا فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنّاسِ يُفْتِيهِمْ، وأقْبَلَتِ امْرَأةٌ مِن خَثْعَمَ وضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها وأعْجَبَهُ حُسْنُها، فالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ والفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها، فَأخْلَفَ بِيَدِهِ، فَأخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ فَعَدَلَ وجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلَيْها»، الحَدِيثَ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ: أنَّهُ ﷺ صَرَفَ وجْهَ الفَضْلِ عَنِ النَّظَرِ إلَيْها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَظَرَهُ إلَيْها لا يَجُوزُ، واسْتِدْلالُ مَن يَرى أنَّ لِلْمَرْأةِ الكَشْفَ عَنْ وجْهِها بِحَضْرَةِ الرِّجالِ الأجانِبِ بِكَشْفِ الخَثْعَمِيَّةِ وجْهَها في هَذا الحَدِيثِ، سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ الجَوابُ عَنْهُ في (p-٥١٠)الكَلامِ عَلى مَسْألَةِ الحِجابِ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“ . وَمِنها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما: مِن أنَّ نَظَرَ العَيْنِ إلى ما لا يَحِلُّ لَها تَكُونُ بِهِ زانِيَةً، فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنى أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنِ: النَّظَرُ، وزِنى اللِّسانِ: المَنطِقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُكَذِّبُهُ»، اهـ، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ، والحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ عَلى ما ذَكَرْنا هُنا. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «: فَزِنى العَيْنِ النَّظَرُ»، فَإطْلاقُ اسْمِ الزِّنى عَلى نَظَرِ العَيْنِ إلى ما لا يَحِلُّ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى تَحْرِيمِهِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ، والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَمَعْلُومٌ أنَّ النَّظَرَ سَبَبُ الزِّنى فَإنَّ مَن أكْثَرَ مِنَ النَّظَرِ إلى جَمالِ امْرَأةٍ مَثَلًا قَدْ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ حُبُّها مِن قَلْبِهِ تَمَكُّنًا يَكُونُ سَبَبَ هَلاكِهِ، والعِياذُ بِاللَّهِ، فالنَّظَرُ بَرِيدُ الزِّنى، وقالَ مُسْلِمُ بْنُ الوَلِيدِ الأنْصارِيُّ: ؎كَسَبَتْ لِقَلْبِي نَظْرَةً لِتَسُرَّهُ ∗∗∗ عَيْنِي فَكانَتْ شِقْوَةً ووَبالًا ؎ما مَرَّ بِي شَيْءٌ أشَدُّ مِنَ الهَوى ∗∗∗ سُبْحانَ مَن خَلَقَ الهَوى وتَعالى وَقالَ آخَرُ: ؎ألَمْ تَرَ أنَّ العَيْنَ لِلْقَلْبِ رائِدٌ ∗∗∗ فَما تَأْلَفُ العَيْنانِ فالقَلْبُ آلِفُ وَقالَ آخَرُ: ؎وَأنْتَ إذا أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رائِدًا ∗∗∗ لِقَلْبِكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المُناظِرُ ؎رَأيْتَ الَّذِي لا كُلَّهُ أنْتَ قادِرٌ ∗∗∗ عَلَيْهِ ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صابِرُ وَقالَ أبُو الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي: ؎وَأنا الَّذِي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُهُ ∗∗∗ فَمَنِ المُطالِبُ والقَتِيلُ القاتِلُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِهِ ”ذَمِّ الهَوى“ فُصُولًا جَيِّدَةً نافِعَةً أوْضَحَ فِيها الآفاتِ الَّتِي يُسَبِّبُها النَّظَرُ وحَذَّرَ فِيها مِنهُ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِن أشْعارِ الشُّعَراءِ، والحِكَمِ النَّثْرِيَّةِ (p-٥١١)فِي ذَلِكَ وكُلُّهُ مَعْلُومٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:31

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ كَلامَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ الزِّينَةَ هُنا نَفْسُ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ؛ كَوَجْهِها وكَفَّيْها. الثّانِي: أنَّ الزِّينَةَ هي ما يُتَزَيَّنُ بِهِ خارِجًا عَنْ بَدَنِها. وَعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الزِّينَةِ المَذْكُورَةِ الخارِجَةِ عَنْ بَدَنِ المَرْأةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزِّينَةُ الَّتِي لا يَتَضَمَّنُ إبْداؤُها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنَ البَدَنِ؛ كالمُلاءَةِ الَّتِي تَلْبَسُها المَرْأةُ فَوْقَ القَمِيصِ والخِمارِ والإزارِ. والثّانِي: أنَّها الزِّينَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُ إبْداؤُها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنَ البَدَنِ كالكُحْلِ في العَيْنِ. فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ الوَجْهِ أوْ بَعْضِهِ، وكالخِضابِ والخاتَمِ، فَإنَّ رُؤْيَتَهُما تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ اليَدِ، وكالقُرْطِ والقِلادَةِ والسِّوارِ، فَإنَّ رُؤْيَةَ ذَلِكَ تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ مَحَلِّهِ مِنَ البَدَنِ؛ كَما لا يَخْفى. وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ، ثُمَّ نُبَيِّنُ ما يُفْهَمُ مِن آياتِ القُرْآنِ رُجْحانُهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ أيْ: لا يُظْهِرْنَ شَيْئًا مِنَ الزِّينَةِ لِلْأجانِبِ، إلّا ما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كالرِّداءِ والثِّيابِ، يَعْنِي عَلى ما كانَ يَتَعاطاهُ نِساءُ العَرَبِ مِنَ المِقْنَعَةِ الَّتِي تُجَلِّلُ ثِيابَها، وما يَبْدُو مِن أسافِلِ الثِّيابِ، فَلا حَرَجَ عَلَيْها فِيهِ لِأنَّ هَذا لا يُمْكِنُها إخْفاؤُهُ ونَظِيرُهُ في زِيِّ النِّساءِ ما يَظْهَرُ مِن إزارِها، وما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ، وقالَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وغَيْرُهم، وقالَ الأعْمَشُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: وجْهَها وكَفَّيْها والخاتَمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي الشَّعْثاءِ، والضَّحّاكِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وغَيْرِهِمْ نَحْوُ ذَلِكَ. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ الَّتِي نُهِينَ عَنْ إبْدائِها؛ كَما قالَ أبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّينَةُ: القُرْطُ، والدُّمْلُوجُ، والخَلْخالُ، والقِلادَةُ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ بِهَذا الإسْنادِ، قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ، فَزِينَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ الخاتَمُ والسِّوارُ، وزِينَةٌ يَراها (p-٥١٢)الأجانِبُ، وهي الظّاهِرُ مِنَ الثِّيابِ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: لا يَبْدُو لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّى اللَّهُ مِمَّنْ لا تَحِلُّ لَهُ إلّا الأسْوِرَةُ والأخْمِرَةُ والأقْرِطَةُ مِن غَيْرِ حَسْرٍ، وأمّا عامَّةُ النّاسِ، فَلا يَبْدُو مِنها إلّا الخَواتِمُ. وقالَ مالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾: الخاتَمُ والخَلْخالُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ، ومَن تابَعَهُ أرادُوا تَفْسِيرَ ما ظَهَرَ مِنها: بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وهَذا هو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الأنْطاكِيُّ، ومُؤَمِّلُ بْنُ الفَضْلِ الحَرّانِيُّ، قالا: حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ فَأعْرَضَ عَنْها، وقالَ ”: يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا“، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ»، لَكِنْ قالَ أبُو داوُدَ، وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هو مُرْسَلٌ، خالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - واللَّهُ أعْلَمُ، اهـ كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾: واخْتَلَفَ النّاسُ في قَدْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الثِّيابُ، وزادَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الوَجْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وعَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ والثِّيابُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الكُحْلُ والسِّوارُ والخِضابُ إلى نِصْفِ الذِّراعِ والقِرَطَةُ والفَتَخُ ونَحْوُ هَذا، فَمُباحٌ أنْ تُبْدِيَهُ المَرْأةُ لِكُلِّ مَن دَخَلَ عَلَيْها مِنَ النّاسِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ في مَعْنى نِصْفِ الذِّراعِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ آخَرَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ ”: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ إذا عَرَكَتْ أنْ تُظْهِرَ إلّا وجْهَها ويَدَيْها إلى هاهُنا»“، وقَبَضَ عَلى نِصْفِ الذِّراعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ لِي بِحُكْمِ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ مَأْمُورَةٌ بِأنْ لا تُبْدِيَ وأنْ تَجْتَهِدَ في الإخْفاءِ لِكُلِّ ما هو زِينَةٌ، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ فِيما يَظْهَرُ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ حَرَكَةٍ فِيما لا بُدَّ مِنهُ، أوْ إصْلاحِ شَأْنٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَما ظَهَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِمّا تُؤَدِّي إلَيْهِ الضَّرُورَةُ في النِّساءِ، فَهو المَعْفُوُّ عَنْهُ. قُلْتُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ ظُهُورُهُما عادَةً، وعِبادَةً وذَلِكَ في الصَّلاةِ والحَجِّ، فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلَيْهِما يَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - ثُمَّ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ حَدِيثَ عائِشَةَ المَذْكُورَ الَّذِي (p-٥١٣)قَدَّمْناهُ قَرِيبًا، ثُمَّ قالَ: وقَدْ قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ مِن عُلَمائِنا: إنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ جَمِيلَةً، وخِيفَ مِن وجْهِها وكَفَّيْها الفِتْنَةُ، فَعَلَيْها سَتْرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ عَجُوزًا أوْ مُقَبَّحَةً جازَ أنْ تَكْشِفَ وجْهَها وكَفَّيْها، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الزِّينَةُ ما تَزَيَّنَتْ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ، فَما كانَ ظاهِرًا مِنها كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، وما خَفِيَ مِنها كالسِّوارِ، والخَلْخالِ، والدُّمْلُجِ، والقِلادَةِ، والإكْلِيلِ، والوِشاحِ، والقُرْطِ، فَلا تُبْدِيهِ إلّا لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وذَكَرَ الزِّينَةَ دُونَ مَواقِعِها لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالتَّصَوُّنِ والتَّسَتُّرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الزِّينَةَ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، وهي الذِّراعُ، والسّاقُ، والعَضُدُ، والعُنُقُ، والرَّأْسُ، والصَّدْرُ، والأُذُنُ، فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ نَفْسِها لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ إذا لَمْ يَحِلَّ إلَيْها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعَ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّظَرَ إلَيْها غَيْرَ مُلابَسَةٍ لَها لا مَقالَ في حِلِّهِ، كانَ النَّظَرُ إلى المَواقِعِ أنْفُسِها مُتَمَكِّنًا في الحَظْرِ، ثابِتَ القَدَمِ في الحُرْمَةِ، شاهِدًا عَلى أنَّ النِّساءَ حَقُّهُنَّ أنْ يَحْتَطْنَ في سَتْرِها ويَتَّقِينَ اللَّهَ في الكَشْفِ عَنْها، إلى آخِرِ كَلامِهِ. وَقالَ صاحِبُ ”الدُّرِّ المَنثُورِ“: وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قالَ: الزِّينَةُ السِّوارُ والدُّمْلُجُ والخَلْخالُ، والقُرْطُ، والقِلادَةُ ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الثِّيابُ والجِلْبابُ. وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ،، زِينَةٌ ظاهِرَةٌ، وزِينَةٌ باطِنَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ. فَأمّا الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: فالثِّيابُ، وأمّا الزِّينَةُ الباطِنَةُ: فالكُحْلُ، والسِّوارُ والخاتَمُ، ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: فالظّاهِرَةُ مِنها الثِّيابُ، وما يَخْفى: فالخَلْخالانِ والقُرْطانِ والسِّوارانِ. وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ. وَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ والقُرْطُ والقِلادَةُ. (p-٥١٤)وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: هو خِضابُ الكَفِّ، والخاتَمُ. وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: وجْهُها، وكَفّاها والخاتَمُ. وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: رُقْعَةُ الوَجْهِ، وباطِنُ الكَفِّ. وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أنَّها سُئِلَتْ عَنِ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ ؟ فَقالَتِ: القَلْبُ والفَتَخُ، وضَمَّتْ طَرَفَ كُمِّها. وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الوَجْهُ وثُغْرَةُ النَّحْرِ. وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الوَجْهُ والكَفُّ. وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكَفّانِ والوَجْهُ. وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: المُسْكَتانِ والخاتَمُ والكُحْلُ. قالَ قَتادَةُ: وبَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ”: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ إلّا إلى هاهُنا“ ويَقْبِضُ نِصْفَ الذِّراعِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: القُلْبَيْنِ، يَعْنِي السِّوارَ والخاتَمَ والكُحْلَ. وَأخْرَجَ سَعِيدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الخاتَمُ والمَسَكَةُ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: القُلْبُ والفَتْخَةُ، «قالَتْ عائِشَةُ: دَخَلَتْ عَلَيَّ ابْنَةُ أخِي لِأُمِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فَدَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأعْرَضَ، فَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنَّها ابْنَةُ أخِي وجارِيَةٌ، فَقالَ ”: إذا عَرَكَتِ المَرْأةُ لَمْ يَحِلَّ لَها أنْ تُظْهِرَ إلّا وجْهَها وإلّا ما دُونَ (p-٥١٥)هَذا“، وقَبَضَ عَلى ذِراعِهِ نَفْسِهِ، فَتَرَكَ بَيْنَ قَبْضَتِهِ وبَيْنَ الكَفِّ مِثْلَ قَبْضَةٍ أُخْرى»، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ صاحِبِ ”الدُّرِّ المَنثُورِ“ . وَقَدْ رَأيْتَ في هَذِهِ النُّقُولِ المَذْكُورَةِ عَنِ السَّلَفِ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ والزِّينَةِ الباطِنَةِ، وأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ راجِعٌ في الجُمْلَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ كَما ذَكَرْنا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ خارِجًا عَنْ أصْلٍ خِلْقَتِها، ولا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إلَيْهِ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِها؛ كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَن وافَقَهُ: إنَّها ظاهِرُ الثِّيابِ؛ لِأنَّ الثِّيابَ زِينَةٌ لَها خارِجَةٌ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِها وهي ظاهِرَةٌ بِحُكْمِ الِاضْطِرارِ، كَما تَرى. وَهَذا القَوْلُ هو أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدَنا وأحْوَطُها، وأبْعَدُها مِنَ الرِّيبَةِ وأسْبابِ الفِتْنَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ: ما تَتَزَيَّنُ بِهِ، ولَيْسَ مِن أصْلِ خِلْقَتِها أيْضًا، لَكِنَّ النَّظَرَ إلى تِلْكَ الزِّينَةِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ، وذَلِكَ كالخِضابِ والكُحْلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ إلى ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ المَوْضِعِ المُلابِسِ لَهُ مِنَ البَدَنِ، كَما لا يَخْفى. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الظّاهِرَةِ بَعْضُ بَدَنِ المَرْأةِ الَّذِي هو مِن أصْلِ خِلْقَتِها؛ كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِما ظَهَرَ مِنها الوَجْهُ والكَفّانِ، وما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. وَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّنا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، وتَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وقَدَّمْنا أيْضًا في تَرْجَمَتِهِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَكُونَ الغالِبُ في القُرْآنِ إرادَةَ مَعْنًى مُعَيَّنٍ في اللَّفْظِ، مَعَ تَكَرُّرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ في القُرْآنِ، فَكَوْنُ ذَلِكَ المَعْنى هو المُرادُ مِنَ اللَّفْظِ في الغالِبِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو المُرادُ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِدَلالَةِ غَلَبَةِ إرادَتِهِ في القُرْآنِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، وذَكَرْنا لَهُ بَعْضَ الأمْثِلَةِ في التَّرْجَمَةِ. وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِن أنْواعِ البَيانِ لِلَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ومَثَّلْنا لَهُما بِأمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ كِلاهُما مَوْجُودٌ في هَذِهِ الآيَةِ، الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها. أمّا الأوَّلُ مِنهُما، فَبَيانُهُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ في مَعْنى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ: الوَجْهُ والكَفّانِ مَثَلًا، تُوجَدُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ (p-٥١٦)هَذا القَوْلِ، وهي أنَّ الزِّينَةَ في لُغَةِ العَرَبِ، هي ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِها: كالحُلِيِّ، والحُلَلِ. فَتَفْسِيرُ الزِّينَةِ بِبَعْضِ بَدَنِ المَرْأةِ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ الحَمْلُ عَلَيْهِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوَجْهُ، والكَفّانِ خِلافُ ظاهِرِ مَعْنى لَفْظِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ، فَلا يَجُوزُ الحَمْلُ عَلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. وَأمّا نَوْعُ البَيانِ الثّانِي المَذْكُورِ، فَإيضاحُهُ: أنَّ لَفْظَ الزِّينَةِ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ مُرادًا بِهِ الزِّينَةُ الخارِجَةُ عَنْ أصْلِ المُزَيَّنِ بِها، ولا يُرادُ بِها بَعْضُ أجْزاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ المُزَيَّنِ بِها؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُوسى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فَلَفْظُ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها يُرادُ بِهِ ما يُزَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وهو لَيْسَ مِن أصْلِ خِلْقَتِهِ، كَما تَرى، وكَوْنُ هَذا المَعْنى هو الغالِبُ في لَفْظِ الزِّينَةِ في القُرْآنِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ الزِّينَةِ في مَحَلِّ النِّزاعِ يُرادُ بِهِ هَذا المَعْنى، الَّذِي غَلَبَتْ إرادَتُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وهو المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَأْخُذْنَ زِينَتَهُنَّ أحْسَنَ ما تَرى وإذا عَطَلْنَ فَهُنَّ خَيْرُ عَواطِلِ وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الزِّينَةِ في الآيَةِ بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ، فِيهِ نَظَرٌ. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ في القُرْآنِ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ أصْلِ الخِلْقَةِ، وأنَّ مَن فَسَّرُوها مِنَ العُلَماءِ بِهَذا اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ، فَقالَ بَعْضُهم: هي زِينَةٌ لا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إلَيْها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ كَظاهِرِ الثِّيابِ. وقالَ بَعْضُهم: هي زِينَةٌ يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ (p-٥١٧)إلَيْها رُؤْيَةَ مَوْضِعِها مِن بَدَنِ المَرْأةِ؛ كالكُحْلِ والخِضابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ هي ما لا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إلَيْها رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِن بَدَنِ المَرْأةِ الأجْنَبِيَّةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا القَوْلَ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ هو أحْوَطُ الأقْوالِ، وأبْعَدُها عَنْ أسْبابِ الفِتْنَةِ، وأطْهَرُها لِقُلُوبِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولا يَخْفى أنَّ وجْهَ المَرْأةِ هو أصْلُ جَمالِها ورُؤْيَتَهُ مِن أعْظَمَ أسْبابِ الِافْتِتانِ بِها؛ كَما هو مَعْلُومٌ والجارِي عَلى قَواعِدِ الشَّرْعِ الكَرِيمِ، هو تَمامُ المُحافَظَةِ، والِابْتِعادُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي. واعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الحِجابِ وإيضاحَ كَوْنِ الرَّجُلِ لا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ مِن بَدَنِ الأجْنَبِيَّةِ، سَواءٌ كانَ الوَجْهَ والكَفَّيْنِ أوْ غَيْرَهُما قَدْ وعَدْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ وغَيْرِها مِنَ المَواضِعِ، بِأنَّنا سَنُوَضِّحُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، في الكَلامِ عَلى آيَةِ الحِجابِ، وسَنَفِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِالوَعْدِ في ذَلِكَ بِما يَظْهَرُ بِهِ لِلْمُنْصِفِ ما ذَكَرْنا. واعْلَمْ أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنا في كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وهو حَدِيثُ عائِشَةَ في دُخُولِ أسْماءَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في ثِيابٍ رِقاقٍ، وأنَّهُ قالَ لَها ”: «إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا“، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ»، حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ؛ كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ فِيهِ: قالَ أبُو داوُدَ، وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هو مُرْسَلٌ، وخالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ. والأمْرُ كَما قالَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَسَنُبَيِّنُ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَيانًا شافِيًا مَعَ مُناقَشَةِ أدِلَّةِ الجَمِيعِ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، ولِذَلِكَ لَمْ نُطِلِ الكَلامَ فِيها هاهُنا. * * تَنْبِيهٌ. قَدْ ذَكَرْنا في كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في الزِّينَةِ أسْماءَ كَثِيرٍ مِن أنْواعِ الزِّينَةِ، ولَعَلَّ بَعْضَ النّاظِرِينَ في هَذا الكِتابِ، لا يَعْرِفُ مَعْنى تِلْكَ الأنْواعِ مِنَ الزِّينَةِ، فَأرَدْنا أنْ نُبَيِّنَها هاهُنا تَكْمِيلًا لِلْفائِدَةِ. أمّا الكُحْلُ والخِضابُ فَمَعْرُوفانِ، وأشْهَرُ أنْواعِ خِضابِ النِّساءِ الحِنّاءُ، والقُرْطُ ما يُعَلَّقُ في شَحْمَةِ الأُذُنِ، ويُجْمَعُ عَلى قِرَطَةٍ كَقِرَدَةٍ، وقِراطٍ، وقُرُوطٍ، وأقْراطٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٥١٨) ؎أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكَ بِضَرَّةٍ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ والخاتَمُ مَعْرُوفٌ، وهو حِلْيَةُ الأصابِعِ، والفَتَخُ: جَمْعُ فَتْخَةٍ بِفَتَخاتٍ وهي حَلْقَةٌ مِن فِضَّةٍ لا فَصَّ فِيها، فَإذا كانَ فِيها فَصٌّ، فَهو الخاتَمُ، وقِيلَ: قَدْ يَكُونُ لِلْفَتْخَةِ فَصٌّ، وعَلَيْهِ فَهي نَوْعٌ مِنَ الخَواتِمِ، والفَتْخَةُ تَلْبَسُها النِّساءُ في أصابِعِ أيْدِيهِنَّ، ورُبَّما جَعَلَتْها المَرْأةُ في أصابِعِ رِجْلَيْها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الرّاجِزَةِ، وهي الدَّهْناءُ بِنْتُ مِسْحَلٍ زَوْجَةُ العَجّاجِ: ؎واللَّهِ لا تَخْدَعُنِي بِضَمِّ ∗∗∗ ولا بِتَقْبِيلٍ ولا بِشَمِّ ؎إلّا بِزِعْزاعٍ يُسَلِّي هَمِّي ∗∗∗ تَسْقُطُ مِنهُ فَتَخِي في كُمِّي والخَلْخالُ، ويُقالُ لَهُ: الخُلْخُلُ حِلْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَلْبَسُها النِّساءُ في أرْجُلِهِنَّ كالسِّوارِ في المِعْصَمِ، والمُخَلْخَلُ: مَوْضِعُ الخَلْخالِ مِنَ السّاقِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎إذا قُلْتُ هاتِي نَوَّلِينِي تَمايَلَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيّا المُخَلْخَلِ والدُّمْلُجُ: ويُقالُ لَهُ الدُّمْلُوجُ: هو المُعَضَّدُ، وهو ما شُدَّ في عَضُدِ المَرْأةِ مِنَ الخَرَزِ وغَيْرِهِ، والعَضُدُ مِنَ المِرْفَقِ إلى المَنكِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ما مَرْكَبٌ ورُكُوبُ الخَيْلِ يُعْجِبُنِي ∗∗∗ كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وخَلْخالِ والسِّوارُ: حِلْيَةٌ مِنَ الذَّهَبِ، أوِ الفِضَّةِ مُسْتَدِيرَةٌ كالحَلْقَةِ تَلْبَسُها المَرْأةُ في مِعْصَمِها، وهو ما بَيْنَ مَفْصِلِ اليَدِ والمِرْفَقِ، وهو القُلْبُ بِضَمِّ القافِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ القُلْبَ هو السِّوارُ المَفْتُولُ مِن طاقٍ واحِدٍ لا مِن طاقَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ في زَوْجَتِهِ رَمْلَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎تَجُولُ خَلاخِيلُ النِّساءِ ولا أرى ∗∗∗ لِرَمْلَةَ خَلْخالًا يَجُولُ ولا قُلْبًا ؎أُحِبُّ بَنِي العَوّامِّ مِن أجْلِ حُبِّها ∗∗∗ ومِن أجْلِها أحْبَبْتُ أخْوالَها كَلْبًا. والمَسَكَةُ بِفَتْحاتٍ: السِّوارُ مِن عاجٍ أوْ ذَبْلٍ، والعاجُ سِنُّ الفِيلِ، والذَّبْلُ بِالفَتْحِ شَيْءٌ كالعاجِ، وهو ظَهْرُ السُّلَحْفاةِ البَحْرِيَّةِ، يُتَّخَذُ مِنهُ السِّوارُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَصِفُ امْرَأةً: ؎تَرى العَبَسَ الحَوْلِيَّ جَوْنًا بِكُوعِها ∗∗∗ لَها مَسَكًا في غَيْرِ عاجٍ ولا ذَبَلْ (p-٥١٩)قالَهُ الجَوْهَرِيُّ في ”صِحاحِهِ“، والمَسَكُ بِفَتْحَتَيْنِ: جَمْعُ مَسَكَةٍ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: المَسَكُ أسْوِرَةٌ مِن عاجٍ أوْ قُرُونٍ أوْ ذَبَلٍ، ومُقْتَضى كَلامِهِمْ أنَّها لا تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، ولا الفِضَّةِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٤]، في مَبْحَثِ زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عِنْدَ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ: «أنَّ امْرَأةً أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَعَها ابْنَتُها وفي يَدِ ابْنَتِها مَسَكَتانِ غَلِيظَتانِ مِن ذَهَبٍ»، الحَدِيثَ. وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَسَكَةَ تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، كَما تَكُونُ مِنَ العاجِ، والقُرُونِ، والذَّبَلِ، وهَذا هو الأظْهَرُ خِلافًا لِكَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ المَسَكَ لا يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والقِلادَةُ مَعْرُوفَةٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآدابِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وكانَ التَّقْصِيرُ في امْتِثالِ تِلْكَ الأوامِرِ قَدْ يَحْصُلُ عِلْمُ خَلْقِهِ ما يَتَدارَكُونَ بِهِ، ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّقْصِيرِ في امْتِثالِ الأمْرِ، واجْتِنابِ النَّهْيِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ، وهي الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والإنابَةُ إلى اللَّهِ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ، وهي ثَلاثَةُ أرْكانٍ: الأوَّلُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ إنْ كانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ. والثّانِي: النَّدَمُ عَلى ما وقَعَ مِنهُ مِنَ المَعْصِيَةِ. والثّالِثُ: النِّيَّةُ ألّا يَعُودَ إلى الذَّنْبِ أبَدًا، والأمْرُ في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ وهو كَذَلِكَ، فالتَّوْبَةُ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، مِن كُلِّ ذَنْبٍ اقْتَرَفَهُ، وتَأْخِيرُها لا يَجُوزُ فَتَجِبُ مِنهُ التَّوْبَةُ أيْضًا. وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ أشْهَرَ مَعانِي لَعَلَّ في القُرْآنِ اثْنانِ: الأوَّلُ: أنَّها عَلى بابِها مِنَ التَّرَجِّي، أيْ: تُوبُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ تُفْلِحُوا، وعَلى هَذا فالرَّجاءُ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ، أمّا اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - فَهو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَجُوزُ في حَقِّهِ إطْلاقُ الرَّجاءِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ في مُخاطَبَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] (p-٥٢٠)وَهُوَ - جَلَّ وعَلا - عالِمٌ بِما سَبَقَ في الأزَلِ مِن أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى. مَعْناهُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا رَجاءً مِنكُما بِحَسَبِ عَدَمِ عِلْمِكُما بِالغَيْبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى. والثّانِي: هو ما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مِن أنَّ كُلَّ لَعَلَّ في القُرْآنِ لِلتَّعْلِيلِ، إلّا الَّتِي في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، قالُوا: فَهي بِمَعْنى كَأنَّكم، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ إطْلاقَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعْلُومٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ أيْ: كَفُّوا الحُرُوبَ، لِأجْلِ أنْ نَكُفَّ؛ كَما تَقَدَّمَ. وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالمَعْنى: وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ، لِأجْلِ أنْ تُفْلِحُوا، أيْ: تَنالُوا الفَلاحَ، والفَلاحُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: الأوَّلُ: الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ الأعْظَمِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي ∗∗∗ ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلَ أيْ: فازَ بِالمَطْلُوبِ الأعْظَمِ مِن رَزَقَهُ اللَّهُ العَقْلَ. المَعْنى الثّانِي: هو البَقاءُ الدّائِمُ في النَّعِيمِ والسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ، وقِيلَ: كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والمِسا والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ يَعْنِي: أنَّهُ لا بَقاءَ لِأحَدٍ في الدُّنْيا مَعَ تَعاقُبِ المَساءِ والصَّباحِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ أيْضًا: ؎لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ ∗∗∗ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ يَعْنِي: لَوْ كانَ أحَدٌ يُدْرِكُ البَقاءَ، ولا يَمُوتُ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ، وهو عَمُّهُ عامِرُ بْنُ (p-٥٢١)مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ المَعْرُوفُ بِمُلاعِبِ الأسِنَّةِ، وقَدْ قالَ فِيهِ الشّاعِرُ يَمْدَحُهُ، ويَذُمُّ أخاهُ الطُّفَيْلَ والِدَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ المَشْهُورِ: ؎فَرَرْتَ وأسْلَمْتَ ابْنَ أُمِّكَ عامِرًا ∗∗∗ يُلاعِبُ أطْرافَ الوَشِيجِ المُزَعْزَعِ وَبِكُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما في الفَلاحِ فُسِّرَ حَدِيثُ الأذانِ والإقامَةِ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ؛ كَما هو مَعْرُوفٌ. ومَن تابَ إلى اللَّهِ - كَما أمَرَهُ اللَّهُ - نالَ الفَلاحَ بِمَعْنَيَيْهِ، فَإنَّهُ يَفُوزُ بِالمَطْلُوبِ الأعْظَمِ وهو الجَنَّةُ، ورِضا اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ يَنالُ البَقاءَ الأبَدِيَّ في النَّعِيمِ والسُّرُورِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أمْرِهِ - جَلَّ وعَلا - لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِالتَّوْبَةِ، مُشِيرًا إلى أنَّها تُؤَدِّي إلى فَلاحِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وبَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ الَّتِي يَمْحُو اللَّهُ بِها الذُّنُوبَ، ويُكَفِّرُ بِها السَّيِّئاتِ، أنَّها التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وبَيَّنَ أنَّها يَتَرَتَّبُ عَلَيْها تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَوّادٌ كَرِيمٌ، رَحِيمٌ غَفُورٌ، فَإذا أطْمَعَ عَبْدَهُ في شَيْءٍ مِن فَضْلِهِ، فَجُودُهُ وكَرَمُهُ تَعالى وسَعَةُ رَحْمَتِهِ يَجْعَلُ ذَلِكَ الإنْسانَ الَّذِي أطْمَعَهُ رَبُّهُ في ذَلِكَ الفَضْلِ يَثِقُ بِأنَّهُ ما أطْمَعَهُ فِيهِ إلّا لِيَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ. وَمِنَ الآياتِ الَّتِي بَيَّنَتْ هَذا المَعْنى هُنا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [التحريم: ٨]، فَقَوْلُهُ في آيَةِ ”التَّحْرِيمِ“ هَذِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ كَقَوْلِهِ في آيَةِ ”النُّورِ“: ﴿أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ مَن كُفِّرَتْ عَنْهُ سَيِّئاتُهُ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ، فَقَدْ نالَ الفَلاحَ بِمَعْنَيَيْهِ، وقَوْلُهُ في آيَةِ ”التَّحْرِيمِ“: ﴿تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ مُوَضِّحٌ لِقَوْلِهِ في ”النُّورِ“: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ونِداؤُهُ لَهم بِوَصْفِ الإيمانِ في الآيَتَيْنِ فِيهِ تَهْيِيجٌ لَهم، وحَثٌّ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ؛ لِأنَّ الِاتِّصافَ بِصِفَةِ الإيمانِ بِمَعْناهُ الصَّحِيحِ، يَقْتَضِي المُسارَعَةَ إلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والرَّجاءُ المَفْهُومُ مِن لَفْظَةِ عَسى في آيَةِ ”التَّحْرِيمِ“، هو المَفْهُومُ مِن لَفْظَةِ لَعَلَّ في آيَةِ ”النُّورِ“، كَما لا يَخْفى. * * تَنْبِيهاتٌ. الأوَّلُ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: هي التَّوْبَةُ الصّادِقَةُ. وَحاصِلُها أنْ يَأْتِيَ بِأرْكانِها الثَّلاثَةِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، بِأنْ يُقْلِعَ عَنِ الذَّنْبِ إنْ كانَ (p-٥٢٢)مُلْتَبِسًا بِهِ، ويَنْدَمُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ مِن مُخالَفَةِ أمْرِ رَبِّهِ - جَلَّ وعَلا - ويَنْوِي نِيَّةً جازِمَةً ألّا يَعُودَ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ أبَدًا. وَأظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ إنْ تابَ تَوْبَةً نَصُوحًا وكَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ بِتِلْكَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، ثُمَّ عادَ إلى الذَّنْبِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ تَوْبَتَهُ الأُولى الواقِعَةَ عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ لا يُبْطِلُها الرُّجُوعُ إلى الذَّنْبِ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِن جَدِيدٍ لِذَنْبِهِ الجَدِيدِ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ عَوْدَهُ لِلذَّنْبِ نَقْضٌ لِتَوْبَتِهِ الأُولى. الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في أنَّهُ لا تَصِحُّ تَوْبَةٌ مِن ذَنْبٍ إلّا بِالنَّدَمِ عَلى فِعْلِ الذَّنْبِ، والإقْلاعِ عَنْهُ، إنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِهِ كَما قَدَّمْنا أنَّهُما مِن أرْكانِ التَّوْبَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما فِيهِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وإيضاحُهُ في الأوَّلِ الَّذِي هو النَّدَمُ أنَّ النَّدَمَ لَيْسَ فِعْلًا، وإنَّما هو انْفِعالٌ، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُ أحَدًا إلّا بِفِعْلٍ يَقَعُ بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ، ولا يُكَلِّفُ أحَدًا بِشَيْءٍ إلّا شَيْئًا هو في طاقَتِهِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ النَّدَمَ انْفِعالٌ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ قُدْرَةِ العَبْدِ، فَلَيْسَ بِفِعْلٍ أصْلًا، ولَيْسَ في وُسْعِ المُكَلَّفِ فِعْلُهُ، والتَّكْلِيفُ لا يَقَعُ بِغَيْرِ الفِعْلِ، ولا بِما لا يُطاقُ، كَما بَيَّنّا، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: ؎وَلا يُكَلِّفُ بِغَيْرِ الفِعْلِ باعِثُ الأنْبِيا ورَبُّ الفَضْلِ وَقالَ أيْضًا: ؎والعِلْمُ والوُسْعُ عَلى المَعْرُوفِ ∗∗∗ شَرْطٌ يَعُمُّ كُلَّ ذِي تَكْلِيفِ واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الأُصُولِيِّينَ في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، واخْتِلافَهم في ذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى الجِوارِ العَقْلِيِّ، والمَعْنى هَلْ يُجِيزُهُ العَقْلُ أوْ يَمْنَعُهُ ؟ . أمّا وُقُوعُهُ بِالفِعْلِ فَهم مُجْمِعُونَ عَلى مَنعِهِ؛ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ، وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ يُعَبِّرُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بِالتَّكْلِيفِ بِالمُحالِ هَلْ يَجُوزُ عَقْلًا، أوْ لا ؟ أمّا وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ عَقْلًا، أوْ عادَةً، فَكُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى مَنعِهِ إنْ كانَتِ الِاسْتِحالَةُ لِغَيْرِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ أزَلًا، ومِثالُ المُسْتَحِيلِ عَقْلًا أنْ يُكَلَّفَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ كالبَياضِ والسَّوادِ، أوِ النَّقِيضَيْنِ كالعَدَمِ والوُجُودِ، والمُسْتَحِيلِ عادَةً كَتَكْلِيفِ المُقْعَدِ (p-٥٢٣)بِالمَشْيِ وتَكْلِيفِ الإنْسانِ بِالطَّيَرانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَمِثْلُ هَذا لا يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ إجْماعًا. وَأمّا المُسْتَحِيلُ لِأجْلِ عِلْمِ اللَّهِ في الأزَلِ بِأنَّهُ لا يَقَعُ، فَهو جائِزٌ عَقْلًا ولا خِلافَ في التَّكْلِيفِ بِهِ فَإيمانُ أبِي لَهَبٍ مَثَلًا كانَ اللَّهُ عالِمًا في الأزَلِ بِأنَّهُ لا يَقَعُ؛ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [هود: ٣]، فَوُقُوعُهُ مُحالٌ عَقْلًا لِعِلْمِ اللَّهِ في الأزَلِ، بِأنَّهُ لا يُوجَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ لاسْتَحالَ العِلْمُ بِعَدَمِهِ جَهْلًا، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِ تَعالى، ولَكِنَّ هَذا المُسْتَحِيلَ لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ جائِزٌ عَقْلًا، إذْ لا يَمْنَعُ العَقْلُ إيمانَ أبِي لَهَبٍ، ولَوْ كانَ مُسْتَحِيلًا لَما كَلَّفَهُ اللَّهُ بِالإيمانِ، عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ فالإمْكانُ عامٌّ، والدَّعْوَةُ عامَّةٌ، والتَّوْفِيقُ خاصٌّ. وَإيضاحُ مَسْألَةِ الحُكْمِ العَقْلِيِّ أنَّهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّظّارِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: الأوَّلُ: الواجِبُ عَقْلًا. الثّانِي: المُسْتَحِيلُ عَقْلًا. الثّالِثُ: الجائِزُ عَقْلًا، وبُرْهانُ الحَصْرِ الحُكْمُ العَقْلِيُّ في الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، أنَّ الشَّيْءَ مِن حَيْثُ هو شَيْءٌ، لا يَخْلُو مِن واحِدَةٍ مِن ثَلاثِ حالاتٍ: إمّا أنْ يَكُونَ العَقْلُ يَقْبَلُ وُجُودَهُ، ولا يَقْبَلُ عَدَمَهُ بِحالٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ يَقْبَلُ عَدَمَهُ ولا يَقْبَلُ وُجُودَهُ بِحالٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ يَقْبَلُ وُجُودَهُ وعَدَمَهُ مَعًا، فَإنْ كانَ العَقْلُ يَقْبَلُ وُجُودَهُ دُونَ عَدَمِهِ، فَهو الواجِبُ عَقْلًا، وذَلِكَ كَوُجُودِ اللَّهِ تَعالى مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، فَإنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ وُجُودُ خالِقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَقَبِلَهُ، ولَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ عَدَمُهُ وأنَّها خُلِقَتْ بِلا خالِقٍ، لَمْ يَقْبَلْهُ، فَهو واجِبٌ عَقْلًا، وأمّا إنْ كانَ يَقْبَلُ عَدَمَهُ، دُونَ وُجُودِهِ، فَهو المُسْتَحِيلُ عَقْلًا؛ كَشَرِيكِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَلَوْ عُرِضَ عَلى العَقْلِ السَّلِيمِ عَدَمُ شَرِيكٍ لِلَّهِ في مُلْكِهِ، وعِبادَتِهِ لَقَبِلَهُ، ولَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ وجُودُهُ لَمْ يَقْبَلْهُ بِحالٍ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقالَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فَهو مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا. وأمّا إنْ كانَ العَقْلُ يَقْبَلُ وُجُودَهُ وعَدَمَهُ مَعًا، فَهو الجائِزُ العَقْلِيُّ، ويُقالُ لَهُ الجائِزُ الذّاتِيُّ، وذَلِكَ كَإيمانِ أبِي لَهَبٍ، فَإنَّهُ لَوْ عُرِضَ وُجُودُهُ عَلى العَقْلِ السَّلِيمِ لَقَبِلَهُ، ولَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ عَدَمُهُ بَدَلَ وجُودِهِ لَقَبِلَهُ أيْضًا، كَما لا يَخْفى، فَهو جائِزٌ عَقْلًا جَوازًا ذاتِيًّا، ولا خِلافَ في التَّكْلِيفِ بِهَذا النَّوْعِ الَّذِي هو الجائِزُ العَقْلِيُّ الذّاتِيُّ. (p-٥٢٤)وَقالَتْ جَماعاتٌ مِن أهْلِ الأهْواءِ: إنَّ الحُكْمَ العَقْلِيَّ قِسْمانِ فَقَطْ، وهُما: الواجِبُ عَقْلًا، والمُسْتَحِيلُ عَقْلًا، قالُوا: والجائِزُ عَقْلًا لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا، وزَعَمُوا أنَّ دَلِيلَ الحَصْرِ في الواجِبِ والمُسْتَحِيلِ أنَّ الأمْرَ إمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ عالِمًا في أزَلَهِ، بِأنَّهُ سَيُوجَدُ فَهو الواجِبُ الوُجُودِ لِاسْتِحالَةِ عَدَمِ وُجُودِهِ مَعَ سَبْقِ العِلْمِ الأزَلِيِّ بِوُجُودِهِ، كَإيمانِ أبِي بَكْرٍ فَهو واجِبٌ عِنْدَهم عَقْلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيَقَعُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقَعْ لَكانَ عِلْمُهُ جَهْلًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وذَلِكَ مُحالٌ. وَإمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ عالِمًا في أزَلِهِ، بِأنَّهُ لا يُوجَدُ كَإيمانِ أبِي لَهَبٍ، فَهو مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، إذْ لَوْ وُجِدَ لانْقَلَبَ العِلْمُ جَهْلًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وهَذا القَوْلُ لا يَخْفى بُطْلانُهُ، ولا يَخْفى أنَّ إيمانَ أبِي لَهَبٍ، وأبِي بَكْرٍ كِلاهُما يُجِيزُ العَقْلُ وُجُودَهُ وعَدَمَهُ، فَكِلاهُما جائِزٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ وُجُودَ أحَدِ هَذَيْنِ الجائِزَيْنِ فَأوْجَدَهُ، وشاءَ عَدَمَ الآخَرِ، فَلَمْ يُوجِدْهُ. والحاصِلُ أنَّ المُسْتَحِيلَ لِغَيْرِ عِلْمِ اللَّهِ السّابِقِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ اسْتِحالَةً ذاتِيَّةً كالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ لا يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ إجْماعًا، وكَذَلِكَ المُسْتَحِيلُ عادَةً، كَما لا يَخْفى. أمّا الجائِزُ الذّاتِيُّ فالتَّكْلِيفُ بِهِ جائِزٌ، وواقِعٌ إجْماعًا كَإيمانِ أبِي لَهَبٍ فَإنَّهُ جائِزٌ عَقْلًا، وإنِ اسْتَحالَ مِن جِهَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، وهم يُسَمُّونَ هَذا الجائِزَ الذّاتِيَّ مُسْتَحِيلًا عَرَضِيًّا، ونَحْنُ نُنَزِّهُ صِفَةَ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ أنْ نَقُولَ إنَّ الِاسْتِحالَةَ بِسَبَبِها عَرَضِيَّةٌ. فَإذا عَلِمْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ وجَمِيعَ أهْلِ العِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلى وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالجائِزِ العَقْلِيِّ الذّاتِيِّ، كَإيمانِ أبِي لَهَبٍ، وإنْ كانَ وُقُوعُهُ مُسْتَحِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يَقَعُ. أمّا المُسْتَحِيلُ عَقْلًا لِذاتِهِ كالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، والمُسْتَحِيلُ عادَةً كَمَشْيِ المُقْعَدِ، وطَيَرانِ الإنْسانِ بِغَيْرِ آلَةٍ، فَلا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في مَنعِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقالَ ﷺ ”: «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»“ . وَأمّا المُسْتَحِيلُ العَقْلِيُّ: فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالمُسْتَحِيلِ الذّاتِيِّ عادَةً وعَقْلًا، وبِالمُسْتَحِيلِ عادَةً، وقالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ عَقْلًا مَعَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّهُ (p-٥٢٥)لا يَصِحُّ وُقُوعُهُ بِالفِعْلِ، وحُجَّةُ مَن يَمْنَعُهُ عَقْلًا أنَّهُ عَبَثٌ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ بِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ بِحالٍ، فَتَكْلِيفُهُ بِما هو عاجِزٌ عَنْهُ مُحَقَّقًا عَبَثٌ لا فائِدَةَ فِيهِ، قالُوا فَهو مُسْتَحِيلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ خَبِيرٌ. وحُجَّةُ مَن قالَ بِجَوازِهِ أنَّ فائِدَتَهُ امْتِحانُ المُكَلَّفِ، هَلْ يَتَأسَّفُ عَلى عَدَمِ القُدْرَةِ، ويُظْهِرُ أنَّهُ لَوْ كانَ قادِرًا لامْتَثَلَ، والِامْتِحانُ سَبَبٌ مِن أسْبابِ التَّكْلِيفِ، كَما كَلَّفَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِذَبْحِ ولَدِهِ، وهو عالِمٌ أنَّهُ لا يَذْبَحُهُ، وبَيَّنَ أنَّ حِكْمَةَ هَذا التَّكْلِيفِ هي ابْتِلاءُ إبْراهِيمَ، أيِ: اخْتِبارُهُ، هَلْ يَمْتَثِلُ ؟ فَلَمّا شَرَعَ في الِامْتِثالِ فَداهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٧] . وَقَدْ أشارَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ، وأقْوالِ الأُصُولِيِّينَ فِيها، وهي اخْتِلافُهم في جَوازِ ذَلِكَ عَقْلًا، مَعَ إجْماعِهِمْ عَلى مَنعِهِ إنْ كانَتِ الِاسْتِحالَةُ لِغَيْرِ عِلْمِ اللَّهِ، بِعَدَمِ الوُقُوعِ كالِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: ؎وَجَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ ∗∗∗ في الكُلِّ مِن ثَلاثَةِ الأحْوالِ ؎وَقِيلَ بِالمَنعِ لِما قَدِ امْتَنَعْ ∗∗∗ لِغَيْرِ عِلْمِ اللَّهِ أنْ لَيْسَ يَقَعْ ؎وَلَيْسَ واقِعًا إذا اسْتَحالا ∗∗∗ لِغَيْرِ عِلْمِ رَبِّنا تَعالى وَقَوْلُهُ: وجَوَّزَ التَّكْلِيفَ، يَعْنِي: الجَوازَ العَقْلِيَّ. وَقَوْلُهُ: وقِيلَ بِالمَنعِ، أيْ: عَقْلًا، ومُرادُهُ بِالثَّلاثَةِ الأحْوالِ ما اسْتَحالَ عَقْلًا وعادَةً، كالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وما اسْتَحالَ عادَةً كَمَشْيِ المُقْعَدِ، وطَيَرانِ الإنْسانِ، وإبْصارِ الأعْمى، وما اسْتَحالَ لِعِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ. وَإذا عَرَفْتَ كَلامَ أهْلِ الأُصُولِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فاعْلَمْ أنَّ التَّوْبَةَ تَجِبُ كِتابًا وسُنَّةً وإجْماعًا مِن كُلِّ ذَنْبٍ اقْتَرَفَهُ الإنْسانُ فَوْرًا، وأنَّ النَّدَمَ رُكْنٌ مِن أرْكانِها، ورُكْنُ الواجِبِ واجِبٌ، والنَّدَمُ لَيْسَ بِفِعْلٍ، ولَيْسَ بِاسْتِطاعَةِ المُكَلَّفِ؛ لِأنَّهُ انْفِعالٌ لا فِعْلٌ، والِانْفِعالاتُ لَيْسَتْ بِالِاخْتِيارِ، فَما وجْهُ التَّكْلِيفِ بِالنَّدَمِ، وهو غَيْرُ فِعْلٍ لِلْمُكَلَّفِ، ولا مَقْدُورٍ عَلَيْهِ. والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ: هو أنَّ المُرادَ بِالتَّكْلِيفِ بِالنَّدَمِ التَّكْلِيفُ بِأسْبابِهِ الَّتِي يُوجَدُ بِها، وهي في طَوْقِ المُكَلَّفِ، فَلَوْ راجَعَ صاحِبُ المَعْصِيَةِ نَفْسَهُ مُراجَعَةً صَحِيحَةً، (p-٥٢٦)وَلَمْ يُحابِها في مَعْصِيَةِ اللَّهِ لَعَلِمَ أنَّ لَذَّةَ المَعاصِي كَلَذَّةِ الشَّرابِ الحُلْوِ الَّذِي فِيهِ السُّمُّ القاتِلُ، والشَّرابُ الَّذِي فِيهِ السُّمُّ القاتِلُ لا يَسْتَلِذُّهُ عاقِلٌ لِما يَتْبَعُ لَذَّتَهُ مِن عَظِيمِ الضَّرَرِ، وحَلاوَةُ المَعاصِي فِيها ما هو أشَدُّ مِنَ السُّمِّ القاتِلِ، وهو ما تَسْتَلْزِمُهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - مِن سَخَطِهِ عَلى العاصِي، وتَعْذِيبِهِ لَهُ أشَدَّ العَذابِ، وعِقابِهِ عَلى المَعاصِي قَدْ يَأْتِيهِ في الدُّنْيا فَيُهْلِكُهُ، ويُنَغِّصُ عَلَيْهِ لَذَّةَ الحَياةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن جَعَلَ أسْبابَ النَّدَمِ عَلى المَعْصِيَةِ وسِيلَةً إلى النَّدَمِ، أنَّهُ يَتَوَصَّلُ إلى حُصُولِ النَّدَمِ عَلى المَعْصِيَةِ، بِسَبَبِ اسْتِعْمالِهِ الأسْبابَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها. فالحاصِلُ أنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالأسْبابِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلنَّدَمِ، وأنَّهُ إنِ اسْتَعْمَلَها حَصَلَ لَهُ النَّدَمُ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ مُكَلَّفًا بِالنَّدَمِ، مَعَ أنَّهُ انْفِعالٌ لا فِعْلٌ. وَمِن أمْثِلَةِ اسْتِعْمالِ الأسْبابِ المُؤَدِّيَةِ إلى النَّدَمِ عَلى المَعْصِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو الحُسَيْنُ بْنُ مُطَيْرٍ: ؎فَلا تَقْرَبِ الأمْرَ الحَرامَ فَإنَّهُ ∗∗∗ حَلاوَتُهُ تَفْنى ويَبْقى مَرِيرُها وَنُقِلَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ كانَ كَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَفْنى اللَّذاذَةُ مِمَّنْ نالَ صَفْوَتَها ∗∗∗ مِنَ الحَرامِ ويَبْقى الإثْمُ والعارُ ؎تَبْقى عَواقِبُ سُوءٍ في مَغَبَّتِها ∗∗∗ لا خَيْرَ في لَذَّةٍ مِن بَعْدِها النّارُ وَأمّا الإشْكالُ الَّذِي في الإقْلاعِ عَنِ الذَّنْبِ، فَحاصِلُهُ أنَّ مَن تابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ، مَعَ بَقاءِ فَسادِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، أيْ: أثَرُهُ السَّيِّئُ هَلْ تَكُونُ تَوْبَتُهُ صَحِيحَةً، نَظَرًا إلى أنَّهُ فَعَلَ في تَوْبَتِهِ كُلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ، وإنْ كانَ الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِلْعَجْزِ عَنْ إزالَةِ فَسادِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوَ لا تَكُونُ تَوْبَتُهُ صَحِيحَةً؛ لِأنَّ الإقْلاعَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي هو رُكْنُ التَّوْبَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ. وَمِن أمْثِلَةِ هَذا مَن كانَ عَلى بِدْعَةٍ مِنَ البِدَعِ السَّيِّئَةِ المُخالِفَةِ لِلشَّرْعِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْعَذابِ إذا بَثَّ بِدْعَتَهُ، وانْتَشَرَتْ في أقْطارِ الدُّنْيا، ثُمَّ تابَ مِنَ ارْتِكابِ تِلْكَ البِدْعَةِ، فَنَدِمَ عَلى ذَلِكَ ونَوى ألّا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا، مَعَ أنَّ إقْلاعَهُ عَنْ بِدْعَتِهِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لِانْتِشارِها في أقْطارِ الدُّنْيا؛ ولِأنَّ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَفَسادُ بِدْعَتِهِ باقٍ. (p-٥٢٧)وَمِن أمْثِلَتِهِ: مَن غَصَبَ أرْضًا، ثُمَّ سَكَنَ في وسَطِها، ثُمَّ تابَ مِن ذَلِكَ الغَصْبِ نادِمًا عَلَيْهِ، ناوِيًا ألّا يَعُودَ إلَيْهِ، وخَرَجَ مِنَ الأرْضِ المَغْصُوبَةِ بِسُرْعَةٍ، وسَلَكَ أقْرَبَ طَرِيقٍ لِلْخُرُوجِ مِنها، فَهَلْ تَكُونُ تَوْبَتُهُ صَحِيحَةً، في وقْتِ سَيْرِهِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنها؛ لِأنَّهُ فَعَلَ في تَوْبَتِهِ كُلَّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ لا تَكُونُ صَحِيحَةً؛ لِأنَّ إقْلاعَهُ عَنِ الغَصْبِ، لَمْ يَتِمَّ ما دامَ مَوْجُودًا في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ، ولَوْ كانَ يَسِيرُ فِيها، لِيَخْرُجَ مِنها. وَمِن أمْثِلَتِهِ: مَن رَمى مُسْلِمًا بِسَهْمٍ، ثُمَّ تابَ فَنَدِمَ عَلى ذَلِكَ، ونَوى ألّا يَعُودَ قَبْلَ إصابَةِ السَّهْمِ لِلْإنْسانِ الَّذِي رَماهُ بِهِ بِأنْ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ والسَّهْمُ في الهَواءِ في طَرِيقِهِ إلى المَرْمِيِّ، هَلْ تَكُونُ تَوْبَتُهُ صَحِيحَةً؛ لِأنَّهُ فَعَلَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ لا تَكُونُ صَحِيحَةً؛ لِأنَّ إقْلاعَهُ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وقْتَ التَّوْبَةِ، لِأنَّ سَهْمَهُ في طَرِيقِهِ إلى إصابَةِ مُسْلِمٍ، فَجُمْهُورُ أهْلِ الأُصُولِ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ في كُلِّ الأمْثِلَةِ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، وقَدْ فَعَلَ مِن هَذا الواجِبِ كُلَّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مَعْذُورٌ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إلى آخِرِ الأدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْناها قَرِيبًا. وَقالَ أبُو هاشِمٍ، وهو مِن أكابِرِ المُعْتَزِلَةِ كابْنِهِ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ: إنَّ التّائِبَ الخارِجَ مِنَ الأرْضِ المَغْصُوبَةِ آتٍ بِحَرامٍ؛ لِأنَّ ما أتى بِهِ مِنَ الخُرُوجِ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنٍ، كالمُكْثِ، والتَّوْبَةُ إنَّما تَحَقَّقُ عِنْدَ انْتِهائِهِ إذْ لا إقْلاعَ إلّا حِينَئِذٍ، والإقْلاعُ تَرْكُ المَنهِيِّ عَنْهُ، فالخُرُوجُ عِنْدَهُ قَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وهو مُنافٍ لِلْإقْلاعِ، فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، مَعَ أنَّ الخُرُوجَ المَذْكُورَ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَهُ أيْضًا، لِأنَّهُ انْفِصالٌ عَنِ المُكْثِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ، وهَذا بِناهُ عَلى أصْلِهِ الفاسِدِ، وهو القُبْحُ العَقْلِيُّ، لَكِنَّهُ أخَلَّ بِأصْلٍ لَهُ آخَرَ، وهو مَنعُ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ فَإنَّهُ قالَ: إنْ خَرَجَ عَصى، وإنْ مَكَثَ عَصى، فَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الضِّدَّيْنِ كِلَيْهِما، اهـ، قالَهُ في ”نَشْرِ البُنُودِ“ . وَإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ مُقْتَصِرًا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، بِقَوْلِهِ: ؎مَن تابَ بَعْدَ أنْ تَعاطى السَّبَبا ∗∗∗ فَقَدْ أتى بِما عَلَيْهِ وجَبا ؎وَإنْ بَقِي فَسادُهُ كَمَن رَجَعَ ∗∗∗ عَنْ بَثِّ بِدْعَةٍ عَلَيْها يُتَّبَعْ ؎أوْ تابَ خارِجًا مَكانَ الغَصْبِ ∗∗∗ أوْ تابَ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الضَّرْبِ

النور 24:32

(p-٥٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الإنْكاحُ هُنا مَعْناهُ: التَّزْوِيجُ، ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ أيْ: زَوِّجُوهم، والأيامى: جَمْعُ أيِّمٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ المَكْسُورَةِ، والأيِّمُ: هو مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، سَواءٌ كانَ قَدْ تَزَوَّجَ قَبْلَ ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ، يُقالُ: رَجُلٌ أيِّمٌ، وامْرَأةٌ أيِّمٌ، وقَدْ فَسَّرَ الشَّمّاخُ بْنُ ضِرارٍ في شِعْرِهِ: الأيِّمَ الأُنْثى بِأنَّها الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ في حالَتِها الرّاهِنَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ؎يُقِرُّ بِعَيْنِي أنْ أُنَبَّأ أنَّها وإنْ لَمْ أنَلْها أيِّمٌ لَمْ تَزَوَّجِ فَقَوْلُهُ: ”لَمْ تَزَوَّجِ“ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أنَّها أيِّمٌ، ومِن إطْلاقِ الأيِّمِ عَلى الذَّكَرِ الَّذِي لا زَوْجَ لَهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ: ؎لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ ∗∗∗ أيِّمٌ مِنهم وناكِحْ وَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأُنْثى قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أُحِبُّ الأيامى إذْ بُثَيْنَةُ أيِّمُ ∗∗∗ وأحْبَبْتُ لَمّا أنْ غَنِيتُ الغَوانِيا والعَرَبُ تَقُولُ: آمَ الرَّجُلُ يَئِيمُ، وآمَتِ المَرْأةُ تَئِيمُ، إذا صارَ الواحِدُ مِنهُما أيِّمًا، وكَذَلِكَ تَقُولُ: تَأيَّمَ إذا كانَ أيِّمًا. وَمِثالُهُ في الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ إمْتُ حَتّى لامَنِي كُلُّ صاحِبِ ∗∗∗ رَجاءَ بِسَلْمى أنْ تَئِيمَ كَما إمْتُ وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: ؎فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكُمُ أتَأيَّمُ وَمِنَ الأوَّلِ أيْضًا، قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ الحَكَمِ الثَّقَفِيِّ: ؎كُلُّ امْرِئٍ سَتَئِيمُ مِنهُ ∗∗∗ العُرْسُ أوْ مِنها يَئِيمُ وَقَوْلُ الآخَرِ:(p-٥٢٩) ؎نَجَوْتَ بِقَوْفِ نَفْسِكَ غَيْرَ أنِّي ∗∗∗ إخالُ بِأنْ سَيَيْتِمُ أوْ تَئِيمُ يَعْنِي: يَيْتِمُ ابْنُكَ وتَئِيمُ امْرَأتُكَ. فَإذا عَلِمْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: مِنكم أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ، ويُفْهَمُ مِن دَلِيلِ الخِطابِ أيْ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: مِنكم أنَّ الأيامى مِن غَيْرِكم، أيْ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهُمُ الكُفّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ. وَهَذا المَفْهُومُ الَّذِي فُهِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في أيامى الكُفّارِ الذُّكُورِ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقَوْلُهُ في أياماهُمُ الإناثِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقَوْلُهُ فِيهِما جَمِيعًا: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ الصَّرِيحَةِ المُوَضِّحَةِ لِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ، تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُسْلِمَةِ لِلْكافِرِ مُطْلَقًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُسْلِمِ لِلْكافِرَةِ إلّا أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الآياتِ خَصَّصَتْهُ آيَةُ ”المائِدَةِ“، فَأبانَتْ أنَّ المُسْلِمَ يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُ المُحْصَنَةِ الكِتابِيَّةِ خاصَّةً؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَقَوْلُهُ تَعالى عاطِفًا عَلى ما يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ صَرِيحٌ في إباحَةِ تَزْوِيجِ المُسْلِمِ لِلْمُحْصَنَةِ الكِتابِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها الحُرَّةُ العَفِيفَةُ. فالحاصِلُ أنَّ التَّزْوِيجَ بَيْنَ الكُفّارِ والمُسْلِمِينَ مَمْنُوعٌ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، إلّا صُورَةً واحِدَةً، وهي تُزَوُّجُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ بِالمَرْأةِ المُحْصَنَةِ الكِتابِيَّةِ، والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ قُرْآنِيَّةٌ، كَما رَأيْتَ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى لُزُومِ تَزْوِيجِ الأيامى مِنَ المَمْلُوكِينَ الصّالِحِينَ، والإماءِ المَمْلُوكاتِ، وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الوُجُوبُ؛ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. (p-٥٣٠)وَقَدْ بَيَّنّا مِرارًا مِن أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الخالِيَةَ مِن زَوْجٍ إذا خَطَبَها كُفْءٌ ورَضِيَتْهُ، وجَبَ عَلى ولِيِّها تَزْوِيجُها إيّاهُ، وأنَّ ما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المالِكِيَّةِ ومَن وافَقَهم، مِن أنَّ السَّيِّدَ لَهُ مَنعُ عَبْدِهِ وأمَتِهِ مِنَ التَّزْوِيجِ مُطْلَقًا غَيْرُ صَوابٍ لِمُخالَفَتِهِ لِنَصِّ القُرْآنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وإمائِكم بَيَّنَتْ آيَةُ ”النِّساءِ“ أنَّ الأمَةَ لا تُزَوَّجُ لِلْحُرِّ إلّا بِالشُّرُوطِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ، فَآيَةُ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةُ مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِ آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإماءِ، وآيَةُ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، فَدَلَّتْ آيَةُ ”النِّساءِ“ هَذِهِ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ المَمْلُوكَةَ المُؤْمِنَةَ، إلّا إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ تَزْوِيجَ حُرَّةٍ لِعَدَمِ الطَّوْلِ عِنْدَهُ، وقَدْ خافَ الزِّنى فَلَهُ حِينَئِذٍ تَزَوُّجُ الأمَةِ بِإذْنِ أهْلِها المالِكِينَ لَها، ويَلْزَمُهُ دَفْعُ مَهْرِها، وهي مُؤْمِنَةٌ عَفِيفَةٌ لَيْسَتْ مِنَ الزّانِياتِ ولا مُتَّخِذاتِ الأخْدانِ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ فَصَبْرُهُ عَنْ تَزْوِيجِها خَيْرٌ لَهُ، وإذا كانَ الصَّبْرُ عَنْ تَزْوِيجِها مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاضْطِرارِ خَيْرًا لَهُ فَمَعَ عَدَمِهِ أوْلى بِالمَنعِ، وبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ الصَّوابَ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن مَنعِ تَزْوِيجِ الحُرِّ الأمَةَ، إلّا بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، أيِ: الزِّنى إلى آخِرِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِجَوازِ نِكاحِها مُطْلَقًا، إلّا إذا تَزَوَّجَها عَلى حُرَّةٍ. والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ: وإمائِكم خَصَّصَتْ عُمُومَهُ آيَةُ ”النِّساءِ“ كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا، والعُلَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ عِلَّةَ مَنعِ تَزْوِيجِ الحُرِّ الأُمَّةَ، أنَّها إنْ ولَدَتْ مِنهُ كانَ ولَدُها مَمْلُوكًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُها بِمَنزِلَتِها، فَيَلْزَمُهُ ألّا يَتَسَبَّبَ في رِقِّ أوْلادِهِ ما اسْتَطاعَ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ كَما تَرى. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فِيهِ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُتَزَوِّجِ الفَقِيرِ مِنَ الأحْرارِ، والعَبِيدِ بِأنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الفُقَراءَ بِاليُسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ العُسْرِ، وأنْجَزَ لَهم ذَلِكَ، وذَلِكم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ إلى قَوْلِهِ (p-٥٣١)تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، وهَذا الوَعْدُ مِنهُ - جَلَّ وعَلا - وعَدَ بِهِ مَنِ اتَّقاهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٢ - ٣]، ووَعَدَ بِالرِّزْقِ أيْضًا مَن يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ ويَصْطَبِرُ عَلَيْها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]، وقَدْ وعَدَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالرِّزْقِ الكَثِيرِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ نُوحٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: فَقُلْتُ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ هُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢]، وعَلى لِسانِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِما جَمِيعًا وسُلَّمَ -: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] . وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِلرِّزْقِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]، ومِن بَرَكاتِ السَّماءِ المَطَرُ، ومِن بَرَكاتِ الأرْضِ النَّباتُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، أيْ: في الدُّنْيا؛ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، وكَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ في جَزائِهِ في الآخِرَةِ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - وعَدَ بِالغِنى عِنْدَ التَّزْوِيجِ وعِنْدَ الطَّلاقِ. أمّا التَّزْوِيجُ، فَفي قَوْلِهِ هُنا: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . وَأمّا الطَّلاقُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٠]، والظّاهِرُ أنَّ المُتَزَوِّجَ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِالغِنى، هو الَّذِي يُرِيدُ بِتَزْوِيجِهِ الإعانَةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِغَضِّ البَصَرِ، وحِفْظِ الفَرْجِ؛ كَما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ»“ الحَدِيثَ، وإذا كانَ قَصْدُهُ بِالتَّزْوِيجِ طاعَةَ اللَّهِ بِغَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ، فالوَعْدُ بِالغِنى إنَّما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِذَلِكَ. (p-٥٣٢)وَقَدْ رَأيْتَ ما ذَكَرْنا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وعْدِ اللَّهِ بِالرِّزْقِ مَن أطاعَهُ سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - ما أكْرَمَهُ، فَإنَّهُ يَجْزِي بِالعَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما قالَهُ أهْلُ الظّاهِرِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ مالَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى وصْفِ العَبِيدِ بِالفَقْرِ والغِنى، ولا يُطْلَقُ الغِنى إلّا عَلى مَن يَمْلِكُ المالَ الَّذِي بِهِ صارَ غَنِيًّا، ووَجْهُهُ قَوِيٌّ ولا يُنافِي أنَّ لِسَيِّدِهِ أنْ يَنْتَزِعَ مِنهم ذَلِكَ المالَ الَّذِي مَلَكَ لَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . هَذا الِاسْتِعْفافُ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قِيلَ: غَفُورٌ لَهُنَّ، وقِيلَ: غَفُورٌ لَهم، وقِيلَ: غَفُورٌ لَهُنَّ ولَهم. وَأظْهَرُها أنَّ المَعْنى غَفُورٌ لَهُنَّ لِأنَّ المُكْرَهَ لا يُؤاخَذُ بِما أُكْرِهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهُ لِعُذْرِهِ بِالإكْراهِ؛ كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٦]، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ذَكَرَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَمِيعًا - . وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنّا لا نُبَيِّنُ القُرْآنَ بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ، ورُبَّما ذَكَرْنا القِراءَةَ الشّاذَّةَ اسْتِشْهادًا بِها لِقِراءَةٍ سَبْعِيَّةٍ كَما هُنا، فَزِيادَةُ لَفْظَةِ لَهُنَّ في قِراءَةِ مَن ذَكَرْنا اسْتِشْهادٌ بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ لِبَيانٍ بِقِراءَةٍ غَيْرِ شاذَّةٍ أنَّ المَوْعُودَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، هو المَعْذُورُ بِالإكْراهِ دُونَ المُكْرَهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في فِعْلِهِ القَبِيحِ، وذَلِكَ بَيانُ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . (p-٥٣٣)وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ لا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ المَغْفِرَةِ بِهِنَّ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنى، بِخِلافِ المُكْرِهِ عَلَيْهِ في أنَّها غَيْرُ آثِمَةٍ. قُلْتُ: لَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن إكْراهٍ بِقَتْلٍ، أوْ بِما يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ، أوْ ذَهابُ العُضْوِ مِن ضَرْبٍ عَنِيفٍ أوْ غَيْرِهِ، حَتّى يَسْلَمَ مِنَ الإثْمِ، ورُبَّما قَصُرَتْ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تَعَذَّرَ فِيهِ فَتَكُونُ آثِمَةً، انْتَهى مِنهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، لِأنَّ إسْقاطَ المُؤاخَذَةِ بِالإكْراهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ غُفْرانٌ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعَبْدِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلا وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أنْزَلَ إلَيْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ آياتٍ مُبَيِّناتٍ، ويَدْخُلُ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا الآياتُ الَّتِي بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وأوْضَحَتْ في مَعانِي الأحْكامِ والحُدُودِ، ودَلِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُبَيِّناتِ المُصَرَّحَ بِنُزُولِها في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، داخِلَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ الآيَةَ. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى هُنا ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ مَعْناهُ: أنْزَلْناها إلَيْكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، أيْ: تَتَّعِظُونَ بِما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والمَواعِظِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَقَدْ صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِها، أنْ يَتَذَكَّرَ النّاسُ، ويَتَّعِظُوا بِما فِيها، ويَدُلَّ لِذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آياتٍ، أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ، وأنْزَلْنا إلَيْكم مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم. (p-٥٣٤)قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: ومَثَلًا مَعْطُوفٌ عَلى آياتٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ومَثَلًا مِن أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ: قِصَّةً غَرِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ، ومَرْيَمَ في بَراءَتِهِما. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَثَلًا مِن أمْثالِ مَن قَبْلَكم، أيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ، ومَرْيَمَ يَعْنِي قِصَّةَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وما ذَكَرْنا عَنْ أبِي حَيّانَ والزَّمَخْشَرِيِّ ذِكْرَهُ غَيْرُهُما. وَإيضاحُهُ: أنَّ المَعْنى: وأنْزَلْنا إلَيْكم مَثَلًا، أيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً غَرِيبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وتِلْكَ القِصَّةُ العَجِيبَةُ مِن أمْثالِ ”الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم“، أيْ: مِن جِنْسِ قِصَصِهِمُ العَجِيبَةِ، وعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرْنا فالمُرادُ بِالقِصَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي أنْزَلَ إلَيْنا، وعَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ومَثَلًا هي بَراءَةُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مِمّا رَماها بِهِ أهْلُ الإفْكِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٦]، فَقَدْ بَيَّنَ في الآياتِ العَشْرِ المُشارِ إلَيْها أنَّ أهْلَ الإفْكِ رَمَوْا عائِشَةَ، وأنَّ اللَّهَ بَرَّأها في كِتابِهِ مِمّا رَمَوْها بِهِ، وعَلى هَذا: فَمِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِبَعْضِ أمْثالِ مَن قَبْلَنا قَوْلُهُ تَعالى في رَمْيِ امْرَأةِ العَزِيزِ يُوسُفَ بِأنَّهُ أرادَ بِها سُوءًا تَعْنِي الفاحِشَةَ قالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]؛ لِأنَّهم سَجَنُوهُ بِضْعَ سِنِينَ، بِدَعْوى أنَّهُ كانَ أرادَ الفاحِشَةَ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقَدْ بَرَّأهُ اللَّهُ مِن تِلْكَ الفِرْيَةِ الَّتِي افْتُرِيَتْ عَلَيْهِ بِإقْرارِ النِّسْوَةِ وامْرَأةِ العَزِيزِ نَفْسِها وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥١]، وقالَ تَعالى عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ في كَلامِها مَعَ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٣٢] . فَقِصَّةُ يُوسُفَ هَذِهِ مَثَلٌ مِن أمْثالِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّهُ رَمى بِإرادَةِ الفاحِشَةِ وبَرَّأهُ اللَّهُ مِن (p-٥٣٥)ذَلِكَ، والمَثَلُ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، شَبِيهٌ بِقِصَّةِ يُوسُفَ؛ لِأنَّهُ هو وعائِشَةُ كِلاهُما رُمِيَ بِما لا يَلِيقُ، وكِلاهُما بَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى، وبَراءَةُ كُلٍّ مِنهُما نَزَلَ بِها هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، وإنْ كانَتْ بَراءَةُ يُوسُفَ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِإقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والنِّسْوَةِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا بِشَهادَةِ الشّاهِدِ مِن أهْلِها، ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢٦ - ٢٨] . وَمِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِبَعْضِ أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ما ذَكَّرَنا تَعالى عَنْ قَوْمِ مَرْيَمَ مِن أنَّهم رَمَوْها بِالفاحِشَةِ، لَمّا ولَدَتْ عِيسى مِن غَيْرِ زَوْجٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] يَعْنِي فاحِشَةَ الزِّنى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] يَعْنُونَ الفاحِشَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَها مِمّا رَمَوْها بِهِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٣] فَكَلامُ عِيسى، وهو رَضِيعٌ بِبَراءَتِها، يَدُلُّ عَلى أنَّها بَرِيئَةٌ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ بَراءَتَها مَعَ بَيانِ سَبَبِ حَمْلِها بِعِيسى، مِن غَيْرِ زَوْجٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ١٦ - ٢٢] إلى آخِرِ الآياتِ. وَمِنَ الآياتِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهِ فِيها بَراءَتَها قَوْلُهُ تَعالى في الأنْبِياءِ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقَوْلُهُ تَعالى في التَّحْرِيمِ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ . فَهَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَذْفِ يُوسُفَ وبَراءَتِهِ وقَذْفِ مَرْيَمَ وبَراءَتِها (p-٥٣٦)مِن أمْثالِ مَن قَبْلَنا فَهي ما يُبَيِّنُ بَعْضُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ . والآياتُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَذْفِ عائِشَةَ وبَراءَتِها بَيَّنَتِ المَثَلَ الَّذِي أُنْزِلُ إلَيْنا، وكَوْنُهُ مِن نَوْعِ أمْثالِ مَن قَبْلَنا واضِحٌ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن عائِشَةَ، ومَرْيَمَ، ويُوسُفَ رُمِيَ بِما لا يَلِيقُ، وكُلٌّ مِنهم بَرَّأهُ اللَّهُ، وقِصَّةُ كُلٍّ مِنهم عَجِيبَةٌ، ولِذا أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و ”مَوْعِظَةً“ ما وُعِظَ بِهِ في الآياتِ والمَثَلِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢]، ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦]، ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧]، اهـ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ خُصُوصِ المَوْعِظَةِ بِالمُتَّقِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها. وَنَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] فَخَصَّ الإنْذارَ بِمَن ذَكَرَ في الآياتِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ مَعَ أنَّهُ ﷺ في الحَقِيقَةِ مُنْذِرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وشُعْبَةُ بْنُ عاصِمٍ: مُبَيَّناتٍ بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مُبَيِّناتٍ بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ: فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَها، وأوْضَحَها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ مُبَيِّناتٍ بِكَسْرِ الياءِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَفي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ مَعْرُوفًا. أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: مُبَيِّناتٍ: اسْمُ فاعِلِ بَيَّنَ المُتَعَدِّيَةِ وعَلَيْهِ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُبَيِّناتٍ الأحْكامَ والحُدُودَ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: مُبَيِّناتٍ: وصْفٌ مِن ”بَيَّنَ“ اللّازِمَةِ، وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وعَلَيْهِ (p-٥٣٧)فالمَعْنى آياتٌ مُبَيِّناتٌ أيْ بَيِّناتٌ واضِحاتٌ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الأخِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا﴾ [النور: ١]، وذَكَرَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو حَيّانَ وغَيْرُهُما ومَثَّلُوا لِبَيَّنَ اللّازِمَةِ بِالمَثَلِ المَعْرُوفِ، وهو قَوْلُ العَرَبِ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: مِنَ المَعْرُوفِ في العَرَبِيَّةِ أنْ بَيَّنَ مُضَعَّفًا، وأبانَ كِلْتاهُما تَأْتِي مُتَعَدِّيَةً لِلْمَفْعُولِ ولازِمَةً، فَتَعَدِّي بَيَّنَ لِلْمَفْعُولِ مَشْهُورٌ واضِحٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] وتَعَدِّي أبانَ لِلْمَفْعُولِ مَشْهُودٌ واضِحٌ أيْضًا كَقَوْلِهِمْ: أبانَ لَهُ الطَّرِيقَ، أيْ: بَيَّنَها لَهُ، وأوْضَحَها، وأمّا وُرُودُ بَيَّنَ لازِمَةً بِمَعْنى تَبَيَّنَ ووَضُحَ فَمِنهُ المَثَلُ المَذْكُورُ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، أيْ: تَبَيَّنَ وظَهَرَ، ومِنهُ قَوْلُجَرِيرٍ: ؎وُجُوهُ مُجاشِعٍ طُلِيَتْ بِلُؤْمٍ يُبَيِّنُ في المُقَلَّدِ والعِذارِ فَقَوْلُهُ: يُبَيِّنُ بِكَسْرِ الياءِ بِمَعْنى: يَظْهَرُ، ويَتَّضِحُ وقَوْلُ جَرِيرٍ أيْضًا: ؎رَأى النّاسُ البَصِيرَةَ فاسْتَقامُوا ؎وَبَيَّنَتِ المِراضَ مِنَ الصِّحاحِ ∗∗∗ . وَمِنهُ أيْضًا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ: ؎وَلِلْحُبِّ آياتٌ تُبَيِّنُ بِالفَتى ∗∗∗ شُحُوبٌ وتَعْرى مِن يَدَيْهِ الأشاجِعُ عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ بِرَفْعِ ”شُحُوبٌ“ . والمَعْنى: لِلْحُبِّ عَلاماتٌ تُبَيِّنُ بِالكَسْرِ، أيْ: تَظْهَرُ وتَتَّضِحُ بِالفَتى، وهي شُحُوبٌ إلَخْ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ هَذا البَيْتَ، فَقالَ: شُحُوبًا بِالنَّصْبِ، وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ؛ لِأنَّ شُحُوبًا عَلى هَذا مَفْعُولُ تُبَيِّنُ فَهو عَلى هَذا مِن بَيَّنَ المُتَعَدِّيَةِ، وأمّا وُرُودُ أبانَ لازِمَةً بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ، فَهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عُدُّوا ∗∗∗ أبانَ المُقْرَفاتُ مِنَ العِرابِ أيْ: ظَهَرَتِ المُقْرَفاتُ وتَبَيَّنَتْ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضاحِي جِلْدِها ∗∗∗ لَأبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُودُ أيْ: لَظَهَرَ وبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُودٌ، أيْ: ورَمٌ، وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:(p-٥٣٨) ؎قَنْواءُ في حُرَّتَيْها لِلْبَصِيرِ بِها ∗∗∗ عِتْقٌ مُبِينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ فَقَوْلُهُ: مُبِينٌ وصْفٌ مِن أبانَتِ اللّازِمَةِ: أيْ عِتْقٌ بَيِّنٌ واضِحٌ، أيْ كَرَمٌ ظاهِرٌ.

النور 24:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ جَمِيعُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ، وشُعْبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ المُشَدَّدَةِ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ رِجالٌ والمَعْنى واضِحٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وشُعْبَةُ، عَنْ عاصِمٍ: يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ المُشَدَّدَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالفاعِلُ المَحْذُوفُ قَدْ دَلَّتِ القِراءَةُ الأُولى عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ: رِجالٌ فَكَأنَّهُ لَمّا قالَ يُسَبَّحُ لَهُ فِيها، قِيلَ: ومَن يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ؟ قالَ رِجالٌ، أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها رِجالٌ. وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ ما لَفْظُهُ، وقَدِ التَزَمْنا أنّا لا نُبَيِّنُ القُرْآنَ إلّا بِقِراءَةٍ سَبْعِيَّةٍ، سَواءٌ كانَتْ قِراءَةً أُخْرى في الآيَةِ المُبَيِّنَةِ نَفْسِها، أوْ آيَةٍ أُخْرى غَيْرِها إلى آخِرِهِ، وإنَّما ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ يُبَيِّنُ بَعْضُ القِراءاتِ فِيها مَعْنى بَعْضٍ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ القِراءَتَيْنِ في الآيَةِ الواحِدَةِ كالآيَتَيْنِ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ: يُسَبِّحُ بِكَسْرِ الباءِ وفاعِلُهُ رِجالٌ مُبَيِّنَةٌ أنَّ الفاعِلَ المَحْذُوفَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وشُعْبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: يُسَبَّحُ بِفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِحَذْفِ الفاعِلِ هو رِجالٌ كَما لا يَخْفى. والآيَةُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حُذِفَ فِيها الفاعِلُ لِـ ”يُسَبِّحُ“، وحُذِفَ أيْضًا الفِعْلُ الرّافِعُ لِلْفاعِلِ الَّذِي هو رِجالٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَيَرْفَعُ الفاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرا ∗∗∗ كَمِثْلِ زَيْدٍ في جَوابِ مَن قَرا وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ نَهْشَلٍ يَرْثِي أخاهُ يَزِيدَ أوْ غَيْرَهُ: ؎لِيُبْكَ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ وَمُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ فَقَوْلُهُ: لِيُبْكَ يَزِيدُ بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ، وفَتْحِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن (p-٥٣٩)يَبْكِيهِ ؟ فَقالَ: يَبْكِيهِ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ إلَخْ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وشُعْبَةَ هُنا كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ: كَذَلِكَ يُوحى إلَيْكَ بِفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ: اللَّهُ فاعِلُ يُوحى المَحْذُوفَةِ، ووَصْفُهُ تَعالى لِهَؤُلاءِ الرِّجالِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالغُدُوِّ والآصالِ، بِكَوْنِهِمْ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ عَلى سَبِيلِ مَدْحِهِمْ، والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ لا يَنْبَغِي التَّساهُلُ فِيها بِحالٍ؛ لِأنَّ ثَناءَ اللَّهِ عَلى المُتَّصِفِ بِها يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِها يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ الَّذِي هو ضِدُّ الثَّناءِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ نَهى عَنِ الإخْلالِ بِها نَهْيًا جازِمًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وشُعْبَةَ: يُسَبَّحُ سُنَّ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: بِالآصالِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُسَبِّحُ بِالكَسْرِ، فَلا يَنْبَغِي الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: بِالآصالِ؛ لِأنَّ فاعِلَ يُسَبِّحُ رِجالٌ، والوَقْفُ دُونَ الفاعِلِ لا يَنْبَغِي كَما لا يَخْفى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ المُؤَنَّثَ في قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ راجِعٌ إلى المَساجِدِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالبُيُوتِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ والتَّحْقِيقُ: أنَّ البُيُوتَ المَذْكُورَةَ، هي المَساجِدُ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ تَخْصِيصَهُ مَن يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالرِّجالِ في قَوْلِهِ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ النِّساءَ يُسَبِّحْنَ لَهُ في بُيُوتِهِنَّ لا في المَساجِدِ، وقَدْ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: رِجالٌ مَفْهُومُ لَقَبٍ، والتَّحْقِيقُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أنَّهُ لا يُحْتَجُّ بِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: لا شَكَّ أنَّ مَفْهُومَ لَفْظِ الرِّجالِ، مَفْهُومُ لَقَبٍ بِالنَّظَرِ إلى مُجَرَّدِ لَفْظِهِ، وأنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلى التَّحْقِيقِ، كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولَكِنَّ مَفْهُومَ الرِّجالِ هُنا مُعْتَبَرٌ، ولَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ عَلى التَّحْقِيقِ، وذَلِكَ لِأنَّ (p-٥٤٠)لَفْظِ الرِّجالِ، وإنْ كانَ بِالنَّظَرِ إلى مُجَرَّدِهِ اسْمَ جِنْسٍ جامِدٍ وهو لَقَبٌ بِلا نِزاعٍ، فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مِن صِفاتِ الذُّكُورَةِ ما هو مُناسِبٌ لِإناطَةِ الحُكْمِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النِّساءِ؛ لِأنَّ الرِّجالَ لا تُخْشى مِنهُمُ الفِتْنَةُ، ولَيْسُوا بِعَوْرَةٍ بِخِلافِ النِّساءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ وصْفَ الذُّكُورَةِ وصْفٌ صالِحٌ لِإناطَةِ الحُكْمِ بِهِ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ في المَساجِدِ، والخُرُوجُ إلَيْها دُونَ وصْفِ الأُنُوثَةِ. والحاصِلُ: أنَّ لَفْظَ الرِّجالِ في الآيَةِ، وإنْ كانَ في الِاصْطِلاحِ لَقَبًا فَإنَّما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن أوْصافِ الذُّكُورَةِ المُناسِبَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ، يَقْتَضِي اعْتِبارَ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ في لَفْظِ رِجالٍ، فَهو في الحَقِيقَةِ مَفْهُومُ صِفَةٍ لا مَفْهُومَ لَقَبٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ الرِّجالِ مُسْتَلْزِمٌ لِأوْصافٍ صالِحَةٍ لِإناطَةِ الحُكْمِ بِهِ، والفَرْقُ في ذَلِكَ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ كَما لا يَخْفى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: رِجالٌ، مَفْهُومُ صِفَةٍ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن صِفاتِ الذُّكُورَةِ المُناسِبَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ، في حُكْمِ الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ لا مَفْهُومُ لَقَبٍ، وأنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. فاعْلَمْ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ هُنا: رِجالٌ فِيهِ إجْمالٌ؛ لِأنَّ غايَةَ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ النِّساءَ لَسْنَ كالرِّجالِ في الخُرُوجِ لِلْمَساجِدِ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ البَيانَ القُرْآنِيَّ إذا كانَ غَيْرَ وافٍ بِالمَقْصُودِ مِن تَمامِ البَيانِ، فَإنّا نُتَمِّمُ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَفْسِيرٌ لِلْمُبَيِّنِ بِاسْمِ الفاعِلِ، وتَقَدَّمَتْ أمْثِلَةٌ لِذَلِكَ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ بَيَّنَتْ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: رِجالٌ، فَبَيَّنَتْ أنَّ المَفْهُومَ المَذْكُورَ مُعْتَبَرٌ، وأنَّ النِّساءَ لَسْنَ كالرِّجالِ في حُكْمِ الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ، وأوْضَحَتْ أنَّ صَلاتَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ أفْضَلُ لَهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ والصَّلاةِ فِيها في الجَماعَةِ، بِخِلافِ الرِّجالِ، وبَيَّنَتْ أيْضًا أنَّهُنَّ يَجُوزُ لَهُنَّ الخُرُوجُ إلى المَساجِدِ بِشُرُوطٍ سَيَأْتِي إيضاحُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُنَّ إذا اسْتَأْذَنَّ أزْواجَهُنَّ في الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ فَهم مَأْمُورُونَ شَرْعًا بِالإذْنِ لَهُنَّ في ذَلِكَ مَعَ التِزامِ الشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ. أمّا أمْرُ أزْواجِهِنَّ بِالإذْنِ لَهُنَّ في الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ في كِتابِ النِّكاحِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا الزُّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إذا اسْتَأْذَنَتِ (p-٥٤١)امْرَأةُ أحَدِكم إلى المَسْجِدِ فَلا يَمْنَعْها» وقالَ البُخارِيُّ أيْضًا في صَحِيحِهِ في كِتابِ الصَّلاةِ: بابُ اسْتِئْذانِ المَرْأةِ زَوْجَها بِالخُرُوجِ إلى المَسْجِدِ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”: «إذا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأةُ أحَدِكم فَلا يَمْنَعْها»“ وقالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ أيْضًا، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ”: «إذا اسْتَأْذَنَكم نِساؤُكم بِاللَّيْلِ إلى المَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ»“ تابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو النّاقِدُ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ سالِمًا يُحَدِّثُ عَنْ أبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ”: «إذا اسْتَأْذَنَتْ أحَدَكُمُ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ فَلا يَمْنَعْها»“ وفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَمْنَعُوا نِساءَكُمُ المَساجِدَ إذا اسْتَأْذَنَّكم إلَيْها» ”وَفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ“: «لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ» ”وَفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ“: «إذا اسْتَأْذَنَكم نِساؤُكم إلى المَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» ”وَفي لَفْظٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“: «لا تَمْنَعُوا النِّساءَ مِنَ الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ بِاللَّيْلِ» ”وَفي رِوايَةٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“: «ائْذَنُوا لِلنِّساءِ بِاللَّيْلِ إلى المَساجِدِ» ”وَفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“: «لا تَمْنَعُوا النِّساءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ المَساجِدِ إذا اسْتَأْذَنَّكم» " وفي رِوايَةٍ «إذا اسْتَأْذَنُوكم»، قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: وهو صَحِيحٌ وعُومِلْنَ مُعامَلَةَ الذُّكُورِ لِطَلَبِهِنَّ الخُرُوجَ إلى مَجْلِسِ الذُّكُورِ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنِ الشَّيْخَيْنِ بِرِواياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أخْرَجَهُ أيْضًا غَيْرُهُما وهو صَرِيحٌ في أنَّ أزْواجَ النِّساءِ مَأْمُورُونَ عَلى لِسانِهِ ﷺ بِالإذْنِ لَهُنَّ في الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ، إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ، ومَنهِيُّونَ عَنْ مَنعِهِنَّ مِنَ الخُرُوجِ إلَيْها. وَذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ أمْرَ الأزْواجِ بِالإذْنِ لَهُنَّ في الرِّواياتِ المَذْكُورَةِ لَيْسَ لِلْإيجابِ، وإنَّما هو لِلنَّدْبِ، وكَذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ مَنعِهِنَّ، قالُوا: هو لِكَراهَةِ التَّنْزِيهِ لا لِلتَّحْرِيمِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإذْنَ المَذْكُورَ لِغَيْرِ الوُجُوبِ؛ (p-٥٤٢)لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لانْتَفى مَعْنى الِاسْتِئْذانِ؛ لَأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ إذا كانَ المُسْتَأْذِنُ مُخَيَّرًا في الإجابَةِ أوِ الرَّدِّ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المَذْهَبِ: فَإنْ مَنَعَها لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ، هَذا مَذْهَبُنا، قالَ البَيْهَقِيُّ: وبِهِ قالَ عامَّةُ العُلَماءِ، ويُجابُ عَنْ حَدِيثِ «لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ» بِأنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ؛ لِأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ في مُلازَمَةِ المَسْكَنِ واجِبٌ، فَلا تَتْرُكُهُ لِفَضِيلَةٍ اهـ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ الزَّوْجَ إذا اسْتَأْذَنَتْهُ امْرَأتُهُ في الخُرُوجِ إلى المَسْجِدِ، وكانَتْ غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، ولا مُتَلَبِّسَةٍ بِشَيْءٍ يَسْتَوْجِبُ الفِتْنَةَ مِمّا سَيَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإذْنُ لَها، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنعُها لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ مِنهُ ﷺ عَنْ مَنعِها مِن ذَلِكَ، ولِلْأمْرِ الصَّرِيحِ بِالإذْنِ لَها وصِيغَةُ الأمْرِ المُجَرَّدَةُ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ، كَما أوْضَحْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، وصِيغَةُ النَّهْيِ كَذَلِكَ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وقالَ ﷺ ”: «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ»“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، كَما قَدَّمْنا. وقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ الإذْنَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ المُسْتَأْذَنُ مُخَيَّرًا في الإجابَةِ، والرَّدُّ غَيْرَ مُسَلِّمٍ، إذْ لا مانِعَ عَقْلًا، ولا شَرْعًا ولا عادَةً مِن أنْ يُوجِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الإذْنَ لِامْرَأتِهِ في الخُرُوجِ إلى المَسْجِدِ مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ، فَإيجابُ الإذْنِ لا مانِعَ مِنهُ، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ المَنعِ. وقَدْ دَلَّ النَّصُّ الصَّحِيحُ عَلى إيجابِهِ فَلا وجْهَ لِرَدِّهِ بِأمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَما تَرى. وقَوْلُ النَّوَوِيِّ: لِأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ في مُلازَمَةِ المَسْكَنِ واجِبٌ، فَلا تَتْرُكُهُ لِلْفَضِيلَةِ لا يَصْلُحُ؛ لِأنْ يَرِدَ بِهِ النَّصُّ الصَّرِيحُ مِنهُ ﷺ فَأمْرُهُ ﷺ الزَّوْجَ بِالإذْنِ لَها يُلْزِمُهُ ذَلِكَ، ويُوجِبُهُ عَلَيْهِ، فَلا يُعارَضُ بِما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ كَما تَرى. وما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ البَيْهَقِيِّ: مِن أنَّ عَدَمَ الوُجُوبِ قالَ بِهِ عامَّةُ العُلَماءِ غَيْرَ مُسْلّمٍ أيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ لَمّا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنا عَنْهُ في أمْرِ الأزْواجِ بِالإذْنِ لِلنِّساءِ في الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُهُ: لا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ، غَضِبَ وشَتَمَهُ ودَفَعَ في صَدْرِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُخالَفَتَهُ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى اعْتِقادِهِ وُجُوبَ امْتِثالِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالإذْنِ لَهُنَّ. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى، أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ (p-٥٤٣)عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ”: «لا تَمْنَعُوا نِساءَكُمُ المَساجِدَ إذا اسْتَأْذَنَّكم إلَيْها“ فَقالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: واللَّهِ لَنَمْنَعْهُنَّ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا ما سَمِعْتُهُ سَبَّهَ مِثْلَهُ قَطُّ، وقالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَقُولُ: واللَّهِ لَنَمْنَعْهُنَّ»، وفي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وقالَ: أقُولُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَقُولُ: لا نَدَعُهُنَّ، وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ أيْضًا: فَضَرَبَ في صَدْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالإذْنِ لِلنِّساءِ إلى المَساجِدِ جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَفِي رِوايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أنَّهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والحَقُّ تَعَدُّدُ ذَلِكَ فَقَدْ قالَهُ كُلٌّ مِن بِلالٍ، وواقِدٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وقَدْ أنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلى كُلٍّ مِنهُما، كَما جاءَتْ بِهِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، فَكَوْنُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أقْبَلَ عَلى ابْنِهِ بِلالٍ وسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا وقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ، أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَقُولُ: لَنَمْنَعْهُنَّ فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ أنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرى لُزُومَ الإذْنِ لَهُنَّ، وأنَّ مَنعَهُنَّ لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ يَراهُ جائِزًا ما شَدَّدَ النَّكِيرَ عَلى ابْنَيْهِ كَما لا يَخْفى. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ: فَأقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، وفي رِوايَةٍ فَزَبَرَهُ، وفي رِوايَةٍ: فَضَرَبَ في صَدْرِهِ، فِيهِ تَعْزِيرُ المُعْتَرِضِ عَلى السُّنَّةِ والمَعارِضِ لَها بِرَأْيِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وكَلامُ النَّوَوِيِّ هَذا الَّذِي رَأيْتَ اعْتِرافٌ مِنهُ بِأنَّ مَذْهَبَهُ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، كَما نُقِلَ عَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهُ قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ، أنَّ جَمِيعَ القائِلِينَ بِذَلِكَ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّعْزِيرِ، مُعْتَرِضُونَ عَلى السُّنَّةِ، مُعارِضُونَ لَها بِرَأْيِهِمْ، والعَجَبُ مِنهُ كَيْفَ يُقِرُّ بِأنَّ بِلالَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْزِيرِ لِاعْتِراضِهِ عَلى السُّنَّةِ، ومُعارَضَتِهِ لَها بِرَأْيِهِ، مَعَ أنَّ مَذْهَبَهُ الَّذِي يَنْصُرُهُ ويَنْقُلُ أنَّهُ قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ عَنِ البَيْهَقِيِّ هو بِعَيْنِهِ قَوْلُ بِلالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي صَرَّحَ هو بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ، وأنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى السُّنَّةِ ومُعارَضَةٌ لَها بِالرَّأْيِ، وقالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: فَزَبَرَهُ، أيْ: نَهَرَهُ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي: فَفي رِوايَةِ بِلالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا شَدِيدًا ما سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وفَسَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ السَّبَّ المَذْكُورَ بِاللَّعْنِ ثَلاثَ مَرّاتٍ وفي رِوايَةٍ زائِدَةٍ عَنِ الأعْمَشِ: فانْتَهَرَهُ وقالَ: أُفٍّ لَكَ، ولَهُ عَنِ ابْنِ (p-٥٤٤)الأعْمَشِ: فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وفَعَلَ، ومِثْلُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِن رِوايَةِ عِيسى بْنِ يُونُسَ، ولِمُسْلِمٍ مِن رِوايَةِ أبِي مُعاوِيَةَ: فَزَبَرَهُ، ولِأبِي داوُدَ مِن رِوايَةِ جَرِيرٍ: فَسَبَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ، إلى أنْ قالَ: وأُخِذَ مِن إنْكارِ عَبْدِ اللَّهِ عَلى ولَدِهِ تَأْدِيبُ المُعْتَرِضِ عَلى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ، وهو اعْتِرافٌ مِنهُ أيْضًا بِأنَّ مَن خالَفَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ مُعْتَرِضٌ عَلى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ. وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما قَدَّمْنا عَنْهُ مِن كَوْنِ الأمْرِ بِالإذْنِ لَهُنَّ إلى المَساجِدِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ اعْتِراضٌ عَلى السُّنَنِ بِالرَّأْيِ كَما تَرى. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ عَلى وُجُوبِ الإذْنِ لِلنِّساءِ في الخُرُوجِ إلى المَساجِدِ كَما ذَكَرْنا، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ تَشْنِيعَهُ عَلى ولَدَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ ما ذَكَرْنا مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ في الأمْرِ بِالإذْنِ لَهُنَّ يَقْتَضِي جَوازَ خُرُوجِهِنَّ إلى المَساجِدِ، فاعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُنَّ كُنْ يَخْرُجْنَ إلى المَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ قالَ: أخْبَرَنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أخْبَرَتْهُ قالَتْ: «كُنَّ نِساءُ المُؤْمِناتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الفَجْرِ مُتَلَفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاةَ لا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ» اهـ، وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما دالَّةٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عائِشَةَ هَذا المُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ النِّساءِ كُنَّ يَشْهَدْنَ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ مَعَهُ ﷺ تَنْبِيهٌ. قَدْ عَلِمْنا مِمّا ذَكَرْنا في رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أنَّ في بَعْضِ رِواياتِهِ المُتَّفَقِ عَلَيْها تَقْيِيدَ أمْرِ الرِّجالِ بِالإذْنِ لِلنِّساءِ في الخُرُوجِ إلى المَسْجِدِ بِاللَّيْلِ، وفي بَعْضِها الإطْلاقُ وعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، وهو أكْثَرُ الرِّواياتِ كَما أشارَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ. وَقَدْ يَتَبادَرُ لِلنّاظِرِ أنَّ الأزْواجَ لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِالإذْنِ لِلنِّساءِ إلّا في خُصُوصِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ أسْتَرُ، ويَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ هَذا بِما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، فَتُحْمَلُ رِواياتُ الإطْلاقِ عَلى التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، فَيَخْتَصُّ الإذْنُ المَذْكُورُ بِاللَّيْلِ. (p-٥٤٥)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الأظْهَرُ عِنْدِي تَقْدِيمُ رِواياتِ الإطْلاقِ وعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى حُضُورِ النِّساءِ الصَّلاةَ مَعَهُ ﷺ في غَيْرِ اللَّيْلِ، كَحَدِيثِ عائِشَةَ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ المَذْكُورِ آنِفًا الدّالِّ عَلى حُضُورِهِنَّ مَعَهُ ﷺ الصُّبْحَ، وهي صَلاةُ نَهارٍ لا لَيْلٍ، ولا يَكُونُ لَها حُكْمُ صَلاةِ اللَّيْلِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِنَّ يَرْجِعْنَ لِبُيُوتِهِنَّ، لا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ مِنَ النَّهارِ قَطْعًا، لا مِنَ اللَّيْلِ، وكَوْنُهُ مِنَ النَّهارِ مانِعٌ مِنَ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا ما يُشْتَرَطُ في جَوازِ خُرُوجِ النِّساءِ إلى المَساجِدِ فَهو: * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ خُرُوجَ المَرْأةِ إلى المَسْجِدِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ شُرُوطٌ يَرْجِعُ جَمِيعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو كَوْنُ المَرْأةِ وقْتَ خُرُوجِها لِلْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مُتَلَبِّسَةً بِما يَدْعُو إلى الفِتْنَةِ مَعَ الأمْنِ مِنَ الفَسادِ. قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﷺ ”: «لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ»“ ما نَصُّهُ: هَذا وما أشْبَهَهُ مِن أحادِيثِ البابِ ظاهِرٌ في أنَّها لا تُمْنَعُ المَسْجِدَ، ولَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَها العُلَماءُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأحادِيثِ، وهي ألّا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً، ولا مُتَزَيِّنَةً، ولا ذاتَ خَلاخِلَ يُسْمَعُ صَوْتُها، ولا ثِيابٍ فاخِرَةٍ، ولا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجالِ، ولا شابَّةً ونَحْوَها، مِمَّنْ يُفْتَنُ بِها، وألّا يَكُونَ في الطَّرِيقِ ما يُخافُ مِنهُ مَفْسَدَةٌ ونَحْوُها، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرَها النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنها ما هو ثابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ومِنها ما لا نَصَّ فِيهِ، ولَكِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالنُّصُوصِ لِمُشارَكَتِهِ لَهُ في عِلَّتِهِ، وإلْحاقُ بَعْضِها لا يَخْلُو مِن مُناقَشَةٍ؛ كَما سَتَرى إيضاحَ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ شاءَ تَعالى، أمّا ما هو ثابِتٌ عِنْهُ ﷺ مِن تِلْكَ الشُّرُوطِ، فَهو عَدَمُ التَّطَيُّبِ، فَشَرْطُ جَوازِ خُرُوجِ المَرْأةِ إلى المَسْجِدِ ألّا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أبِيهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ ”: «إذا شَهِدَتْ إحْداكُنَّ العِشاءَ، فَلا تَطَيَّبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ»“ . حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ (p-٥٤٦)حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللَّهِ قالَتْ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: إذا شَهِدَتْ إحْداكُنَّ المَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا»“ . حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ يَحْيى: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: «أيُّما امْرَأةٍ أصابَتْ بَخُورًا فَلا تَشْهَدَنَّ مَعَنا العِشاءَ الآخِرَةَ»“ اهـ. فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ صَحابِيَّيْنِ، وهَما: أبُو هُرَيْرَةَ، وزَيْنَبُ امْرَأةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الجَمِيعِ - صَرِيحٌ في أنَّ المُتَطَيِّبَةَ لَيْسَ لَها الخُرُوجُ إلى المَسْجِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا حَمّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: «لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ ولَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وهُنَّ تَفِلاتٌ»“ اهـ، وقَوْلُهُ: وهُنَّ تَفِلاتٌ، أيْ: غَيْرُ مُتَطَيِّباتٍ، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، في هَذا الحَدِيثِ رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، وتَفِلاتٌ بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ فَوْقَ وكَسْرِ الفاءِ، أيْ: تارِكاتٌ الطِّيبِ اهـ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ابْتَزَّها مِن ثِيابِها ∗∗∗ تَمِيلُ عَلَيْهِ هَوْنَةَ غَيْرِ مِتْفالِي وَهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ، قالَهُ الشَّوْكانِيُّ وغَيْرُهُ. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الأحادِيثَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَطَيِّبَةَ لَيْسَ لَها الخُرُوجُ إلى المَسْجِدِ؛ لِأنَّها تُحَرِّكُ شَهْوَةَ الرِّجالِ بِرِيحِ طِيبِها. فاعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ ألْحَقُوا بِالطِّيبِ ما في مَعْناهُ كالزِّينَةِ الظّاهِرَةِ، وصَوْتِ الخَلْخالِ والثِّيابِ الفاخِرَةِ، والِاخْتِلاطِ بِالرِّجالِ، ونَحْوِ ذَلِكَ بِجامِعِ أنَّ الجَمِيعَ سَبَبُ الفِتْنَةِ بِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الرِّجالِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ كَما تَرى. وألْحَقَ الشّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ الشّابَّةَ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ الشّابَّ مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ، وخَصَّصُوا الخُرُوجَ إلى المَساجِدِ بِالعَجائِزِ، والأظْهَرُ أنَّ الشّابَّةَ إذا خَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، ولا مُتَلَبِّسَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِن أسْبابِ الفِتْنَةِ أنَّ لَها الخُرُوجَ إلى المَسْجِدِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ المُتَقَدِّمَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-٥٤٧)المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ صَلاةَ النِّساءِ في بُيُوتِهِنَّ أفْضَلُ لَهُنَّ مِنَ الصَّلاةِ في المَساجِدِ، ولَوْ كانَ المَسْجِدُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ ﷺ ”: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ»“ خاصٌّ بِالرِّجالِ، أمّا النِّساءُ فَصَلاتُهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ مِنَ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ في المَسْجِدِ. قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أخْبَرَنا العَوّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: «لا تَمْنَعُوا نِساءَكُمُ المَساجِدَ وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»“ وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ في هَذا الحَدِيثِ: وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَواهُ أبُو داوُدَ بِلَفْظِهِ هَذا، بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ اهـ. وَهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي: وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ وغَيْرِهِ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّ صَلاةَ المَرْأةِ في بَيْتِها أفْضَلُ مِن صَلاتِها في المَسْجِدِ، وذَلِكَ في رِوايَةِ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ ”: «لا تَمْنَعُوا نِساءَكُمُ المَساجِدَ وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»“ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، ولِأحْمَدَ والطَّبَرانِيِّ مِن حَدِيثِ أُمِّ حُمَيْدٍ السّاعِدِيَّةِ أنَّها جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ الصَّلاةَ مَعَكَ، فَقالَ ”: قَدْ عَلِمْتُ، وصَلاتُكِ في بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِن صَلاتِكِ في حُجْرَتِكِ، وصَلاتُكِ في حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِن صَلاتِكِ في دارِكِ، وصَلاتُكِ في دارِكِ خَيْرٌ مِن صَلاتِكِ في مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وصَلاتُكِ في مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِن صَلاتِكِ في مَسْجِدِ الجَماعَةِ»“ وإسْنادُ أحْمَدَ حَسَنٌ ولَهُ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، ووَجْهُ كَوْنِ صَلاتِها في الإخْفاءِ أفْضَلُ تَحَقُّقُ الأمْنِ فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أشارَ لَهُ هو ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا ابْنُ المُثَنّى، أنَّ عَمْرَو بْنَ عاصِمٍ حَدَّثَهم قالَ: ثَنا هَمّامٌ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ”: «صَلاةُ المَرْأةِ في بَيْتِها أفْضَلُ مِن صَلاتِها في حُجْرَتِها وصَلاتُها في مَخْدَعِها أفْضَلُ مِن صَلاتِها في بَيْتِها»“، اهـ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقَدْ رَوى أحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ ﷺ ”: «خَيْرُ مَساجِدِ النِّساءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ»“ . (p-٥٤٨)وَبِما ذَكَرْنا مِنَ النُّصُوصِ تَعْلَمُ أنَّ صَلاةَ النِّساءِ في بُيُوتِهِنَّ أفْضَلُ لَهُنَّ مِن صَلاتِهِنَّ في الجَماعَةِ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِمّا يُؤَكِّدُ صَلاتَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ ما أحْدَثْنَهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ في ثِيابٍ قَصِيرَةٍ هي مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ، ومُزاحَمَتُهُنَّ لِلرِّجالِ في أبْوابِ المَسْجِدِ عِنْدَ الدُّخُولِ والخُرُوجِ، وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: لَوْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى مِنَ النِّساءِ ما رَأيْنا، لَمَنَعَهُنَّ مِنَ المَسْجِدِ كَما مَنَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ نِساءَها. وَقَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا مِنَ الأحادِيثِ أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ الآيَةَ، مُعْتَبَرٌ وأنَّهُ لَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ، وقَدْ أوْضَحْنا المَفْهُومَ المَذْكُورَ بِالسُّنَّةِ كَما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الرِّجالَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ لَهُ في المَساجِدِ بِالغُدُوِّ والآصالِ، إلى آخِرِ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمْ: أنَّهم يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن عِظَمِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمَ، وتَأْثِيرُهُ في القُلُوبِ والأبْصارِ، جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ العَظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٨ - ٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ الآيَةَ [المزمل: ١٧ - ١٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٩ - ١٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وفي مَعْنى تُقَلِّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ، ذَكَرَها القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ. وَأظْهَرُها عِنْدِي: أنَّ تُقَلُّبَ القُلُوبِ هو حَرَكَتُها مِن أماكِنِها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ وأنَّ تُقَلَّبَ الأبْصارِ هو زَيْغُوغَتُها ودَوَرانُها بِالنَّظَرِ في جَمِيعِ الجِهاتِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، كَما قالَ تَعالى (p-٥٤٩)﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٩]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] فالدَّوَرانُ والزَّيْغُوغَةُ المَذْكُورانِ يُعْلَمُ بِهِما مَعْنى تُقَلِّبِ الأبْصارِ، وإنْ كانا مَذْكُورَيْنِ في الخَوْفِ مِنَ المَكْرُوهِ في الدُّنْيا.

النور 24:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ”لِيَجْزِيَهُمُ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”يُسِبِّحُ“، أيْ: يُسَبِّحُونَ لَهُ، ويَخافُونَ يَوْمًا لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ، الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ مِن فَضْلِهِ تَعالى، هي مُضاعَفَةُ الحَسَناتِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الزِّيادَةُ هُنا كالزِّيادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] والأصَحُّ: أنَّ الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، وذَلِكَ هو أحَدُ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] . وَقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ ونَحْوَها مِنَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُباحَ حَسَنٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”أحْسَنَ ما عَمِلُوا“ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أعْمالِهِمْ حَسَنًا لَمْ يُجْزَوْهُ وهو المُباحُ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ: ؎ما رَبُّنا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ ∗∗∗ وَغَيْرُهُ القَبِيحُ والمُسْتَهْجَنُ

النور 24:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أعْمالَ الكُفّارِ باطِلَةٌ، وأنَّها لا شَيْءَ؛ لِأنَّهُ قالَ في السَّرابِ الَّذِي مَثَّلَها بِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ (p-٥٥٠)الكَرِيمَةُ مِن بُطْلانِ أعْمالِ الكُفّارِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عَمَلَ الكافِرِ إذا كانَ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ أنَّهُ يُجْزى بِهِ في الدُّنْيا؛ كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى انْتِفاعِ الكافِرِ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا، دُونَ الآخِرَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، وهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ انْتِفاعِ الكافِرِ بِعَمَلِهِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، دُونَ الآخِرَةِ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ كَما أوْضَحْناهُ في الكَلامِ عَلى آيَةِ ”النَّحْلِ“ المَذْكُورَةِ، وهو أحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩]، أيْ:: وفّاهُ حِسابَهُ في الدُّنْيا عَلى هَذا القَوْلِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ مِنَ انْتِفاعِ الكافِرِ بِعَمَلِهِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] . تَنْبِيهٌ. فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ ذَكَرْناهُ وذَكَرْنا الجَوابَ عَنْهُ في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وذَلِكَ في قَوْلِنا فِيهِ: لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: جاءَهُ يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مَوْجُودٍ واقِعٍ عَلَيْهِ المَجِيءُ؛ لِأنَّ وُقُوعَ المَجِيءِ عَلى العَدَمِ لا يُعْقَلُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصِّفَةَ الإضافِيَّةَ لا تَتَقَوَّمُ إلّا بَيْنَ مُتَضايِفَيْنِ، فَلا تُدْرَكُ إلّا بِإدْراكِهِما، فَلا يُعْقَلُ وُقُوعُ المَجِيءِ بِالفِعْلِ، إلّا بِإدْراكِ فاعِلٍ واقِعٍ مِنهُ المَجِيءُ، ومَفْعُولٍ بِهِ (p-٥٥١)واقِعٍ عَلَيْهِ المَجِيءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ المَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: جاءَهُ. والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. قالَ: فَإنْ قالَ قائِلٌ كَيْفَ قِيلَ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنِ السَّرابُ شَيْئًا فَعَلامَ دَخَلَتِ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ ؟ قِيلَ: إنَّهُ شَيْءٌ يُرى مِن بَعِيدٍ كالضَّبابِ الَّذِي يُرى كَثِيفًا مِن بَعِيدٍ، فَإذا قَرُبَ مِنهُ رَقَّ وصارَ كالهَواءِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ حَتّى إذا جاءَ مَوْضِعَ السَّرابِ لَمْ يَجِدِ السَّرابَ شَيْئًا، فاكْتَفى بِذِكْرِ السَّرابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ، انْتَهى مِنهُ. والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي، وعِنْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ، إلَخْ، انْتَهى كَلامُنا في ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وقَدْ رَأيْتَ فِيهِ جَوابَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ عَنِ السُّؤالِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: بِقِيعَةٍ قِيلَ: جَمْعُ قاعٍ، كَجارٍ وجِيرَةٍ، وقِيلَ: القِيعَةُ والقاعُ بِمَعْنًى، وهو المُنْبَسِطُ المُسْتَوِي المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ، وعَلى هَذا فالقاعُ واحِدُ القِيعانِ، كَجارٍ وجِيرانٍ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ . لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ فِيهِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”جاءَهُ“ يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مَوْجُودٍ واقِعٍ عَلَيْهِ المَجِيءُ، لِأنَّ وُقُوعَ المَجِيءِ عَلى العَدَمِ لا يُعْقَلُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصِّفَةَ الإضافِيَّةَ لا تَتَقَوَّمُ إلّا بَيْنَ مُتَضائِفَيْنِ، فَلا تُدْرَكُ إلّا بِإدْراكِهِما، فَلا يُعْقَلُ وُقُوعُ المَجِيءِ بِالفِعْلِ إلّا بِإدْراكِ فاعِلٍ وقَعَ مِنهُ المَجِيءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ المَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”جاءَهُ“ . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: فَإنَّ قائِلَ: وكَيْفَ قِيلَ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، فَإنْ لَمْ يَكُنِ السَّرابُ شَيْئًا، فَعَلامَ (p-٣٥٥)دَخَلَتِ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ ؟ . قِيلَ: إنَّهُ شَيْءٌ يُرى مِن بَعِيدٍ كالضَّبابِ الَّذِي يُرى كَثِيفًا مِن بَعِيدٍ، والهَباءِ فَإذا قَرُبَ مِنهُ دَقَّ وصارَ كالهَواءِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: حَتّى إذا جاءَ مَوْضِعَ السَّرابِ لَمْ يَجِدِ السَّرابَ شَيْئًا، فاكْتَفى بِذِكْرِ السَّرابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ، انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ. والوَجْهُ الأوَّلُ أُظْهِرَ عِنْدِي وعِنْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ. . . إلخ.

النور 24:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ المَحْذُوفَ الَّذِي هو فاعِلُ عَلِمَ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ وعَلى هَذا فالمَعْنى كُلٌّ مِنَ المُسَبِّحِينَ والمُصَلِّينَ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الضَّمِيرَ المَذْكُورَ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: كُلٌّ أيْ: كُلٌّ مِنَ المُصَلِّينَ والمُسَبِّحِينَ، قَدْ عَلِمَ صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَ نَفْسِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، كَلامُ الأُصُولِيِّينَ في أنَّ اللَّفْظَ إنِ احْتَمَلَ التَّوْكِيدَ والتَّأْسِيسَ حُمِلَ عَلى التَّأْسِيسِ، وبَيَّنّا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ عَلى مُقْتَضى ما ذَكَرْنا عَنِ الأُصُولِيِّينَ، أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: (p-٥٥٢)كُلٌّ أيْ: كُلٌّ مِنَ المُصَلِّينَ قَدْ عَلِمَ صَلاةَ نَفْسِهِ، وكُلٌّ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَدْ عَلِمَ تَسْبِيحَ نَفْسِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ تَأْسِيسٌ لا تَأْكِيدٌ، أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى اللَّهِ، أيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ كالتَّكْرارِ مَعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّأْسِيسِ أرْجَحُ مِنَ الحَمْلِ عَلى التَّوْكِيدِ؛ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّيْرَ تُسَبِّحُ وتُصَلِّي صَلاةً وتَسْبِيحًا يَعْلَمُهُما اللَّهُ، ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُما؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لَها إدْراكٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ، قَوْلُهُ تَعالى في الحِجارَةِ: ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، فَأثْبَتَ خَشْيَتَهُ لِلْحِجارَةِ، والخَشْيَةُ تَكُونُ بِإدْراكٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧٢]، والإباءُ والإشْفاقُ إنَّما يَكُونانِ بِإدْراكٍ، والآياتُ والأحادِيثُ وارِدَةٌ بِذَلِكَ، وهو الحَقُّ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ لِلطَّيْرِ صَلاةً وتَسْبِيحًا، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ، ونَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ سُفْيانَ: أنَّ لِلطَّيْرِ صَلاةً لَيْسَ فِيها رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ، اهـ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ في اللُّغَةِ الدُّعاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَقُولُ بِنْتِي وقَدْ غَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ يا رَبِّ جَنِّبْ أبِي الأوْصابَ والوَجَعا ∗∗∗ عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَبِطِي ∗∗∗ نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مَضْطَجَعا فَقَوْلُهُ: مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ، أيْ: دَعَوْتِ، يَعْنِي قَوْلَها: يا رَبِّ جَنِّبْ أبِي الأوْصابَ والوَجَعا. وَقَوْلُهُ: صافّاتٍ أيْ: صافّاتٍ أجْنِحَتُها في الهَواءِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ إمْساكَهُ الطَّيْرَ صافّاتٍ أجْنِحَتُها في الهَواءِ وقابِضاتٍ لَها مِن آياتِ قُدْرَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وحْدَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٣)﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] .

النور 24:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ وعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ: لَيَجْعَلَنَّهم خُلَفاءَ الأرْضِ، الَّذِينَ لَهُمُ السَّيْطَرَةُ فِيها، ونُفُوذُ الكَلِمَةِ، والآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ، والعِلْمِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْقُوَّةِ والِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَبَنِي إسْرائِيلَ. وَمِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦]، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: لَيَسْتَخْلِفَنَّهم اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ، وأقْسَمَ في وعْدِهِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ هَذا الدِّينُ الَّذِي ارْتَضاهُ لَهم هو دِينُ الإسْلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٥٤)﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَمْكِينُهُ هو تَثْبِيتُهُ وتَوْطِيدُهُ.

النور 24:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزَّكاةِ، وطاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى سَواءٌ قُلْنا إنَّ لَعَلَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ حَرْفُ تَعْلِيلٍ أوْ تَرَجٍّ؛ لِأنَّها إنْ قُلْنا: إنَّها حَرْفُ تَعْلِيلٍ فَإقامَةُ الصَّلاةِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ سَبَبٌ لِرَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العِلَلَ أسْبابٌ شَرْعِيَّةٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي، أيْ: أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ عَلى رَجائِكم أنَّ اللَّهَ يَرْحَمُكم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ ما أطْمَعَهم بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ عِنْدَ عِلْمِهِمْ بِمُوجِبِها إلّا لِيَرْحَمَهم لِما هو مَعْلُومٌ مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ، وكَوْنُ لَعَلَّ هُنا لِلتَّرَجِّي، إنَّما هو بِحَسَبِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ؛ كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّهم إنْ أقامُوا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، وأطاعُوا الرَّسُولَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ جاءَ مُوَضَّحًا في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧١]، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: وأطِيعُوا الرَّسُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وإذْ أخَذْنا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ؛ لِأنَّ إقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ داخِلانِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: وأطِيعُوا الرَّسُولَ وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ عَطْفَ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَكْسَهُ كِلاهُما مِنَ الإطْنابِ المَقْبُولِ إذا كانَ في الخاصِّ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ في غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العامَّ.

النور 24:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ نَهى اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَحْسَبَ، أيْ: يُظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ومَفْعُولُ مُعَجِزِينَ مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَظُنُّهم مُعْجِزِينَ رَبَّهم، بَلْ قادِرٌ عَلى عَذابِهِمْ لا يَعْجِزُ عَنْ فِعْلِ ما أرادَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٥)﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢١ - ٢٢]، • وقَوْلِهِ في ”الشُّورى“: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النور: ٥٧]، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: لا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ: لا تَحْسَبَنَّ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِ السِّينِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها. والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ السِّينِ، وقِراءَةَ عاصِمٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ السِّينِ، وقِراءَةَ الباقِينَ مِنَ السَّبْعَةِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ السِّينِ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها؛ لِأنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: لا تَحْسَبَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وقَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ: مُعَجِزِينَ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ: تَحْسَبَنَّ وأمّا عَلى قِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَفي الآيَةِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ الجَوابَ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِ يَحْسَبَنَّ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أنْفُسُهم، و مُعَجِزِينَ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ اللَّهَ في الأرْضِ، وعَزا هَذا القَوْلَ لِلزَّجّاجِ، والمَفْعُولُ المَحْذُوفُ قَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، كَما لا يَخْفى، ومَفْعُولا الفِعْلِ القَلْبِيِّ يَجُوزُ حَذْفُهُما أوْ حَذْفُ أحَدِهِما إنْ قامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“، بِقَوْلِهِ: ؎وَلا تُجِزْ هُنا بِلا دَلِيلِ ∗∗∗ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولِ وَمِثالُ حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ مَعًا مَعَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِما، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] أيْ: تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي، وقَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ (p-٥٥٦)أيْ: وتَحْسَبُ حُبَّهم عارًا عَلَيَّ، ومِثالُ حَذْفِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ∗∗∗ مِنِّي بِمَنزِلَةِ المُحِبِّ المُكْرِمِ أيْ: لا تَظُنِّي غَيْرَهُ واقِعًا. الجَوابُ الثّانِي: أنَّ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ النَّبِيُّ ﷺ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، وعَلى هَذا فَـ: الَّذِينَ كَفَرُوا مَفْعُولٌ أوَّلُ، و مُعَجِزِينَ مَفْعُولٌ ثانٍ، وعَزا هَذا القَوْلَ لِلْفَرّاءِ، وأبِي عَلِيٍّ. الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وعَزا هَذا القَوْلَ لِعَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ، وهو كالَّذِي قَبْلَهُ، إلّا أنَّ الفاعِلَ في الأوَّلِ النَّبِيُّ ﷺ وفي الثّانِي الكافِرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ لا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ، وفِيهِ أوْجُهٌ أنْ يَكُونَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ. والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ، حَتّى يَطْمَعُوا هم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وأنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأنْ يَكُونَ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكَأنَّ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ لِشَيْءٍ واحِدٍ، اقْتُنِعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، اهـ. وَما ذَكَرَهُ النَّحّاسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُما مِن أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ: لا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ خَطَأٌ أوْ لَحْنٌ، كَلامٌ ساقِطٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ سَبْعِيَّةٌ ثابِتَةٌ ثُبُوتًا لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهِ، وقَرَأ بِها مِنَ السَّبْعَةِ: ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ؛ كَما تَقَدَّمَ. وَأظْهَرُ الأجْوِبَةِ عِنْدِي: أنَّ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مُعَجِزِينَ والمَفْعُولُ الثّانِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَحْسَبَنَّ مُعْجِزِينَ اللَّهَ مَوْجُودِينَ أوْ كائِنِينَ في الأرْضِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:62

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَهُ الإذْنُ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٣] يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ ﷺ لَهُ الإذْنُ لِمَن شاءَ مِن أصْحابِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ، كَصَلاةِ جُمُعَةٍ أوْ عِيدٍ أوْ جَماعَةٍ أوِ اجْتِماعٍ في مَشُورَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وَأمّا الإذْنُ في خُصُوصِ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، فَهو الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنَّ الأوْلى فِيهِ ألّا يُبادِرَ بِالإذْنِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقُ في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] . فَظَهَرَ أنْ لا مُنافاةَ بَيْنَ الآياتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ لِأهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ، راجِعَةٌ إلى قَوْلَيْنِ: (p-٥٥٦)أحَدُهُما: أنَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو: دُعاءَ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وهو الرَّسُولُ ﷺ وعَلى هَذا فالرَّسُولُ مَدْعُوٌّ. الثّانِي: أنَّ المَصْدَرَ المَذْكُورَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، وهو الرَّسُولُ ﷺ وعَلى هَذا: فالرَّسُولُ داعٍ. وَإيضاحُ مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَكم إلى الرَّسُولِ إذا دَعَوْتُمُوهُ كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا، فَلا تَقُولُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ مُصَرِّحِينَ بِاسْمِهِ، ولا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَهُ كَما يَفْعَلُ بَعْضُكم مَعَ بَعْضٍ، بَلْ قُولُوا لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ، مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ احْتِرامًا لَهُ ﷺ . وَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ الآيَةَ [الحجرات: ٢ - ٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٤]، وهَذا القَوْلُ في الآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ؛ كَما ذَكَرَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَهُ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ، ونَقَلَهُ أيْضًا عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذا القَوْلَ هو الظّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا. وَأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، فَفي المَعْنى وجْهانِ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“ قالَ: إذا احْتاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ فَدَعاكم فَلا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا، ورُجُوعِكم عَنِ المَجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي. والوَجْهُ الثّانِي: هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، قالَ: والقَوْلُ الثّانِي في ذَلِكَ أنَّ المَعْنى في ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا تَعْتَقِدُوا أنَّ دُعاءَهُ عَلى غَيْرِهِ كَدُعاءِ غَيْرِهِ، فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ، فاحْذَرُوا أنْ يَدْعُوَ عَلَيْكم، فَتَهْلِكُوا. (p-٥٥٨)حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَأْباهُ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، ولَوْ أرادَ دُعاءَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، لَقالَ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، فَدُعاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ودُعاءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مُتَغايِرانِ، كَما لا يَخْفى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ مِن جَعَلَ الَّتِي بِمَعْنى اعْتَقَدَ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ آنِفًا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ راجِعٌ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى اللَّهِ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ، والرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنْهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خالَفَ أمْرَهُ وخالَفَ عَنْ أمْرِهِ: وقالَ بَعْضُهم: يُخالِفُونَ: مُضَمَّنٌ مَعْنى يَصُدُّونَ، أيْ: يَصُدُّونَ عَنْ أمْرِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِها الأُصُولِيُّونَ عَلى أنَّ الأمْرَ المُجَرَّدَ عَنِ القَرائِنِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ لِأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - تَوَعَّدَ المُخالِفِينَ عَنْ أمْرِهِ بِالفِتْنَةِ أوِ العَذابِ الألِيمِ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، ما لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صارِفٌ؛ لِأنَّ غَيْرَ الواجِبِ لا يَسْتَوْجِبُ تَرْكُهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ والتَّحْذِيرَ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ اقْتِضاءِ الأمْرِ المُطْلَقِ الوُجُوبِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: ارْكَعُوا أمْرٌ مُطْلَقٌ، وذَمُّهُ تَعالى لِلَّذِينَ لَمْ يَمْتَثِلُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ امْتِثالَهُ واجِبٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَإنْكارُهُ تَعالى عَلى إبْلِيسَ مُوَبِّخًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تارِكٌ واجِبًا. وأنَّ امْتِثالَ الأمْرِ واجِبٌ مَعَ أنَّ الأمْرَ المَذْكُورَ مُطْلَقٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، فَسَمّى مُخالَفَةَ الأمْرِ مَعْصِيَةً، وأمْرُهُ المَذْكُورُ مُطْلَقٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٩)﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وإطْلاقُ اسْمِ المَعْصِيَةِ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالِفَهُ عاصٍ، ولا يَكُونُ عاصِيًا إلّا بِتَرْكِ واجِبٍ، أوِ ارْتِكابِ مُحَرَّمٍ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ، وأمْرَ رَسُولِهِ مانِعٌ مِنَ الِاخْتِيارِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اقْتِضائِهِ الوُجُوبَ، كَما تَرى، وأشارَ إلى أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] . واعْلَمْ أنَّ اللُّغَةَ تَدُلُّ عَلى اقْتِضاءِ الأمْرِ المُطْلَقِ الوُجُوبِ، بِدَلِيلِ أنَّ السَّيِّدَ لَوْ قالَ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي ماءً مَثَلًا، ولَمْ يَمْتَثِلِ العَبْدُ أمْرَ سَيِّدِهِ فَعاقَبَهُ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ عِقابُكَ لِي ظُلْمٌ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ في قَوْلِكَ: اسْقِنِي ماءً لَمْ تُوجِبْ عَلَيَّ الِامْتِثالَ، فَقَدْ عاقَبْتَنِي عَلى تَرْكِ ما لا يَلْزَمُنِي، بَلْ يُفْهَمُ مِن نَفْسِ الصِّيغَةِ أنَّ الِامْتِثالَ يَلْزَمُهُ، وأنَّ العِقابَ عَلى عَدَمِ الِامْتِثالِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، والفِتْنَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ قِيلَ: هي القَتْلُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: الزَّلازِلُ والأهْوالُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ، وقِيلَ: السُّلْطانُ الجائِرُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قالَ بَعْضُهم: هي الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فِتْنَةٌ مِحْنَةٌ في الدُّنْيا ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ أنَّ الفِتْنَةَ فِيهِ أُطْلِقَتْ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ: الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِها الإحْراقُ بِالنّارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١٠]، أيْ: أحْرَقُوهم بِنارِ الأُخْدُودِ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ. الثّانِي وهو أشْهَرُها: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى الِاخْتِبارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] . والثّالِثُ: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى نَتِيجَةِ الِاخْتِيارِ إنْ كانَتْ سَيِّئَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي ”الأنْفالِ“: (p-٥٦٠)﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَتّى لا يَبْقى شِرْكٌ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ حَتّى لا يَبْقى شِرْكٌ، كَما تَرى. ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ ”: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»“، كَما لا يَخْفى. والرّابِعُ: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى الحُجَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهم، كَما قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. والأظْهَرُ عِنْدِي: أنَّ الفِتْنَةَ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الثّالِثِ مِنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ. وَأنَّ مَعْناهُ أنْ يَفْتِنَهُمُ اللَّهُ، أيْ: يَزِيدَهم ضَلالًا بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ عَنْ أمْرِهِ، وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ . وَهَذا المَعْنى تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ • كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٥]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النور 24:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَعْلَمُ ما عَلَيْهِ خَلْقُهُ، أيْ: مِنَ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ، جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أيْ: هو شَهِيدٌ عَلى عِبادِهِ بِما هم فاعِلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. • وقَوْلِهِ (p-٥٦١)تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَفِي هَذِهِ الآياتِ وما في مَعْناها أحْسَنُ وعْدٍ لِلْمُطِيعِينَ، وأشَدُّ وعِيدٍ لِلْعُصاةِ المُجْرِمِينَ، ولَفْظَةُ قَدْ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لِلتَّحْقِيقِ، وإتْيانُ قَدْ لِلتَّحْقِيقِ مَعَ المُضارِعِ كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ [النور: ٦٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٤] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ، بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هو ما مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ويَعْلَمُ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يُنَبِّئُ الخَلائِقَ بِكُلِّ ما عَمِلُوا، أيْ: يُخْبِرُهم بِهِ ثُمَّ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِ - جَلَّ وعَلا - يُخْبِرُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلُوا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.