Adwa' Al-Bayan — الحج 22:52 – النور 24:4
المحتويات
- الحج 22:52
- الحج 22:55
- الحج 22:56
- الحج 22:58
- الحج 22:61
- الحج 22:63
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:18
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:22
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:96
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:102
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:105
- المؤمنون 23:107
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:116
- المؤمنون 23:117
- المؤمنون 23:118
- النور 24:2
- النور 24:3
- النور 24:4
الحج 22:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، مَعْنى قَوْلِهِ تَمَنّى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَمَنّى بِمَعْنى: قَرَأ وتَلا ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ ∗∗∗ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رُسُلِ
فَمَعْنى تَمَنّى في البَيْتَيْنِ قَرَأ وتَلا.
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾: إذا حَدَّثَ ألْقى الشَّيْطانُ في حَدِيثِهِ، وكَوْنُ تَمَنّى بِمَعْنى: قَرَأ وتَلا، هو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ تَمَنّى في الآيَةِ مِنَ التَّمَنِّي المَعْرُوفِ، وهو تَمَنِّيهِ إسْلامَ أُمَّتِهِ وطاعَتَهم لِلَّهِ ولِرُسُلِهِ، ومَفْعُولُ ألْقى مَحْذُوفٌ فَعَلى أنْ تَمَنّى بِمَعْنى: أحَبَّ إيمانَ أُمَّتِهِ (p-٢٨٥)وَعَلَّقَ أمَلَهُ بِذَلِكَ، فَمَفْعُولُ ألْقى يَظْهَرُ أنَّهُ مِن جِنْسِ الوَساوِسِ، والصَّدِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ حَتّى لا يَتِمَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوِ الرَّسُولِ ما تَمَنّى.
وَمَعْنى كَوْنِ الإلْقاءِ في أُمْنِيَّتِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي وساوِسَهُ وشُبَهَهُ لِيَصُدَّ بِها عَمّا تَمَنّاهُ الرَّسُولُ أوِ النَّبِيُّ، فَصارَ الإلْقاءُ كَأنَّهُ واقِعٌ فِيها بِالصَّدِّ عَنْ تَمامِها والحَيْلُولَةِ دُونَ ذَلِكَ.
وَعَلى أنَّ تَمَنّى بِمَعْنى: قَرَأ، فَفي مَفْعُولِ ألْقى تَقْدِيرانِ:
أحَدُهُما: مِن جِنْسِ الأوَّلِ أيْ: ألْقى الشَّيْطانُ في قِراءَةِ الرَّسُولِ ﷺ أوِ النَّبِيِّ الشُّبَهَ والوَساوِسَ لِيَصُدَّ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ ما يَقْرَؤُهُ، ويَتْلُوهُ الرَّسُولُ أوِ النَّبِيُّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا إشْكالَ.
وَأمّا التَّقْدِيرُ الثّانِي: فَهو ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ أيْ قِراءَتِهِ ما لَيْسَ مِنها لِيَظُنَّ الكُفّارُ أنَّهُ مِنها.
وَقَوْلُهُ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذا التَّقْدِيرِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الغَرانِيقِ قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ بِمَكَّةَ، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَلَمّا بَلَغَ آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ المُشْرِكُونَ والمُسْلِمُونَ. وقالَ المُشْرِكُونَ: ما ذَكَرَ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ قَبْلَ اليَوْمِ، وشاعَ في النّاسِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أسْلَمُوا بِسَبَبِ سُجُودِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، حَتّى رَجَعَ المُهاجِرُونَ مِنَ الحَبَشَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْمَهم أسْلَمُوا، فَوَجَدُوهم عَلى كُفْرِهِمْ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ، ومَثَّلْنا لِذَلِكَ: بِأمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي زَعَمَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وهو أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ، هَذا الشِّرْكَ الأكْبَرَ والكُفْرَ البَواحَ الَّذِي هو قَوْلُهم: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، يَعْنُونَ: اللّاتَ والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى، الَّذِي لا شَكَّ في بُطْلانِهِ في نَفْسِ سِياقِ آياتِ ”النَّجْمِ“ الَّتِي تَخَلَّلَها إلْقاءُ الشَّيْطانِ المَزْعُومِ قَرِينَةً قُرْآنِيَّةً واضِحَةً عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ بَعْدَ مَوْضِعِ الإلْقاءِ المَزْعُومِ بِقَلِيلٍ قَوْلَهُ تَعالى، في اللّاتِ (p-٢٨٦)والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةِ الأُخْرى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] ولَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَسُبُّ آلِهَتَهم هَذا السَّبَّ العَظِيمَ في سُورَةِ النَّجْمِ مُتَأخِّرًا عَنْ ذِكْرِهِ لَها بِخَيْرٍ المَزْعُومِ، إلّا وغَضِبُوا، ولَمْ يَسْجُدُوا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالكَلامِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ، وهي الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّيْطانِ سُلْطانًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وإخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وأتْباعِهِمُ المُخْلِصِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠] وقَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢٢]، وعَلى القَوْلِ المَزْعُومِ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى عَلى لِسانِهِ ﷺ ذَلِكَ الكُفْرَ البَواحَ، فَأيُّ سُلْطانٍ لَهُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ المَزْعُومِ قَوْلُهُ تَعالى في النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وقَوْلُهُ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وقَوْلُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] فَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ المَزْعُومِ.
* *
مَسْألَةٌ.
اعْلَمْ: أنَّ مَسْألَةَ الغَرانِيقِ مَعَ اسْتِحالَتِها شَرْعًا، ودَلالَةِ القُرْآنِ عَلى بُطْلانِها لَمْ تَثْبُتْ مِن طَرِيقٍ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ، وصَرَّحَ بِعَدَمِ ثُبُوتِها خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الحَدِيثِ كَما هو الصَّوابُ، والمُفَسِّرُونَ يَرْوُونَ هَذِهِ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكَلْبِيَّ مَتْرُوكٌ، وقَدْ بَيَّنَ البَزّارُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّها لا تُعْرَفُ مِن طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا طَرِيقَ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وقَعَ في وصْلِهِ، وقَدِ اعْتَرَفَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ انْتِصارِهِ، لِثُبُوتِ هَذِهِ القِصَّةِ بِأنَّ طُرُقَها كُلَّها إمّا مُنْقَطِعَةٌ أوْ ضَعِيفَةٌ إلّا طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لَمْ يَرْوِها بِها أحَدٌ مُتَّصِلَةً إلّا (p-٢٨٧)أُمَيَّةَ بْنَ خالِدٍ، وهو وإنْ كانَ ثِقَةً فَقَدْ شَكَّ في وصْلِها.
فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، وقالَ البَزّارُ: لا يُرى مُتَّصِلًا إلّا بِهَذا الإسْنادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خالِدٍ، وهو ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وقالَ البَزّارُ: وإنَّما يُرْوى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ.
فَتَحَصَّلَ أنَّ قِصَّةَ الغَرانِيقِ، لَمْ تَرِدْ مُتَّصِلَةً إلّا مِن هَذا الوَجْهِ الَّذِي شَكَّ راوِيهِ في الوَصْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يُحْتَجُّ بِهِ لِظُهُورِ ضَعْفِهِ، ولِذا قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمْ يَرَها مُسْنَدَةً مِن وجْهٍ صَحِيحٍ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في هَذِهِ القِصَّةِ: ولَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِن هَذا، ولا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ، بَلْ بُطْلانِهِ فَقَدْ دَفَعَهُ المُحَقِّقُونَ بِكِتابِ اللَّهِ؛
• كَقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤]
• وقَوْلِهِ ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ الآيَةَ [النجم: ٣]،
• وقَوْلِهِ ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]
فَنَفى المُقارَبَةَ لِلرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ عَنِ البَزّارِ أنَّها لا تُرْوى بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ، وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهُ قالَ: هي غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، وذَكَرَ عَنْ إمامِ الأئِمَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ وأبْطَلَها ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ، والفَخْرُ الرّازِيُّ وجَماعاتٌ كَثِيرَةٌ، وقِراءَتُهُ ﷺ سُورَةَ النَّجْمِ وسُجُودُ المُشْرِكِينَ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِن قِصَّةِ الغَرانِيقِ، وعَلى هَذا القَوْلِ الصَّحِيحِ وهو أنَّها باطِلَةٌ فَلا إشْكالَ.
وَأمّا عَلى ثُبُوتِ القِصَّةِ كَما هو رَأْيُ الحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فَإنَّهُ قالَ في فَتْحِ البارِي:
إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ثابِتَةٌ بِثَلاثَةِ أسانِيدَ كُلُّها عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وهي مَراسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِها مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ، وكَذَلِكَ مَن لا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضادِ بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ لِأنَّ الطُّرُقَ إذا كَثُرَتْ وتَبايَنَتْ مَخارِجُها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَها أصْلًا، فَلِلْعُلَماءِ عَنْ ذَلِكَ أجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ أحْسَنُها، وأقْرَبُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ تَرْتِيلًا تَتَخَلَّلُهُ سَكَتاتٌ، فَلَمّا قَرَأ ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] قالَ الشَّيْطانُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - مُحاكِيًا لِصَوْتِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى. . . الخَ فَظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّ الصَّوْتَ صَوْتُهُ ﷺ، وهو بَرِئٌ مِن ذَلِكَ بَراءَةَ الشَّمْسِ مِنَ اللَّمْسِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في رِحْلَتِنا إيضاحًا وافِيًا، واخْتَصَرْناها هُنا، وفي كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ .
(p-٢٨٨)والحاصِلُ: أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى بُطْلانِها، ولَمْ تَثْبُتْ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، مَعَ اسْتِحالَةِ الإلْقاءِ عَلى لِسانِهِ ﷺ لِما ذُكِرَ شَرْعًا، ومَن أثْبَتَها نَسَبَ التَّلَفُّظَ بِذَلِكَ الكُفْرِ لِلشَّيْطانِ. فَتَبَيَّنَ أنَّ نُطْقَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ الكُفْرِ، ولَوْ سَهْوًا مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى بُطْلانِهِ، وهو باطِلٌ قَطْعًا عَلى كُلِّ حالٍ، والغَرانِيقُ: الطَّيْرُ البِيضُ المَعْرُوفَةُ واحِدُها: غُرْنُوقٌ كَزُنْبُورٍ وفِرْدَوْسٍ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ، يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَرْتَفِعُ إلى اللَّهِ كالطَّيْرِ البِيضِ، فَتَشْفَعُ عِنْدَهُ لِعابِدِيها قَبَّحَهُمُ اللَّهُ ما أكْفَرَهم ! ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَفْعُولَ الإلْقاءِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ:
ألْقى الشَّيْطانُ في قِراءَتِهِ ما لَيْسَ مِنها؛ لِأنَّ النَّسْخَ هُنا هو النَّسْخُ اللُّغَوِيُّ، ومَعْناهُ الإبْطالُ والإزالَةُ مِن قَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، ونَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ، وهَذا كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَنْسَخُ شَيْئًا ألْقاهُ الشَّيْطانُ، لَيْسَ مِمّا يَقْرَؤُهُ الرَّسُولُ أوِ النَّبِيُّ، فالَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ الصَّوابُ، وأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، وإنْ لَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ مَن تَكَلَّمَ عَلى الآيَةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو أنَّ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في قِراءَةِ النَّبِيِّ: الشُّكُوكُ والوَساوِسُ المانِعَةُ مِن تَصْدِيقِها وقَبُولِها، كَإلْقائِهِ عَلَيْهِمْ أنَّها سِحْرٌ أوْ شِعْرٌ، أوْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأنَّها مُفْتَراةٌ عَلى اللَّهِ لَيْسَتْ مُنَزَّلَةً مِن عِنْدِهِ.
والدَّلِيلُ عَلى هَذا المَعْنى: أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في الإلْقاءِ المَذْكُورِ امْتِحانُ الخَلْقِ، لِأنَّهُ قالَ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٢ \ ٥٣ ] ثُمَّ قالَ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤] فَقَوْلُهُ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي عَلَيْهِمْ، أنَّ الَّذِي يَقْرَؤُهُ النَّبِيُّ لَيْسَ بِحَقٍّ فَيُصَدِّقُهُ الأشْقِياءُ، ويَكُونُ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهم، ويُكَذِّبُهُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ لا الكَذِبُ؛ كَما يَزْعُمُ لَهُمُ الشَّيْطانُ في إلْقائِهِ: فَهَذا الِامْتِحانُ لا يُناسِبُ شَيْئًا زادَهُ الشَّيْطانُ مِن نَفْسِهِ في القِراءَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَمَعْنى نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ: إزالَتُهُ وإبْطالُهُ، وعَدَمُ تَأْثِيرِهِ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.
وَمَعْنى يُحْكِمُ آياتِهِ: يُتْقِنُها بِالإحْكامِ، فَيُظْهِرُ أنَّها وحْيٌ مُنَزَّلٌ مِنهُ بِحَقٍّ، ولا يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ مُحاوَلَةُ الشَّيْطانِ صَدَّ النّاسِ عَنْها بِإلْقائِهِ المَذْكُورِ، وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ يُسَلِّطُ الشَّيْطانَ فَيَلْقى في قِراءَةِ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ، فِتْنَةً لِلنّاسِ لِيَظْهَرَ مُؤْمِنُهم مِن كافِرِهِمْ.
(p-٢٨٩)بِذَلِكَ الِامْتِحانِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ قَدَّمْناها مِرارًا
• كَقَوْلِهِ ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [المدثر: ٣١]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٣]
• وقَوْلِهِ ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ أيْ: لِأنَّها فِتْنَةٌ، كَما قالَ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦٢ - ٦٤]؛ لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: ظَهَرَ كَذِبُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ الشَّجَرَ لا يَنْبُتُ في المَوْضِعِ اليابِسِ، فَكَيْفَ تَنْبُتُ شَجَرَةٌ في أصْلِ الجَحِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ الآيَةَ الأظْهَرُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ، بِألْقى أيْ: ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّةِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الإلْقاءَ فِتْنَةً لِلَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، خِلافًا لِلْحَوْفِيِّ القائِلِ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يُحْكِمُ“، وابْنِ عَطِيَّةَ القائِلِ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يَنْسَخُ“ . ومَعْنى كَوْنِهِ: فِتْنَةً لَهم أنَّهُ سَبَبٌ لِتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ والكُفْرِ، وقَدْ أوْضَحْنا مَعانِيَ الفِتْنَةِ في القُرْآنِ سابِقًا، وبَيَّنّا أنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ في اللُّغَةِ وضْعُ الذَّهَبِ في النّارِ، لِيَظْهَرَ بِسَبْكِهِ فِيها أخالِصٌ هو أمْ زائِفٌ، وأنَّها في القُرْآنِ تُطْلَقُ عَلى مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنها: الوَضْعُ في النّارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١٠] أيْ: أحْرَقُوهم بِنارِ الأُخْدُودِ عَلى أظْهَرِ التَّفْسِيرَيْنِ، ومِنها: الِاخْتِبارُ وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالاتِها في القُرْآنِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] ومِنها: نَتِيجَةُ الِابْتِلاءِ إنْ كانَتْ سَيِّئَةً كالكُفْرِ والضَّلالِ؛
• كَقَوْلِهِ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أيْ: شِرْكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]
• وقَوْلِهِ في الأنْفالِ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ومِمّا يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» الحَدِيثَ، فالغايَةُ في الحَدِيثِ مُبَيِّنَةٌ لِلْغايَةِ في الآيَةِ (p-٢٩٠)لِأنَّ خَيْرَ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ بَعْدَ القُرْآنِ السُّنَّةُ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ هُنا ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وقَدْ جاءَتِ الفِتْنَةُ في مَوْضِعٍ بِمَعْنى الحُجَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى في الأنْعامِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]
أيْ حُجَّتُهم كَما هو الظّاهِرُ.
واعْلَمْ أنَّ مَرَضَ القَلْبِ في القُرْآنِ يُطْلَقُ عَلى نَوْعَيْنِ:
أحَدُهُما: مَرَضٌ بِالنِّفاقِ والشَّكِّ والكُفْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في المُنافِقِينَ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠] وقَوْلُهُ هُنا ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] أيْ: كُفْرٌ وشَكٌّ.
والثّانِي: مِنهُما إطْلاقُ مَرَضِ القَلْبِ عَلى مَيْلِهِ لِلْفاحِشَةِ والزِّنى، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أيْ: مَيْلٌ إلى الزِّنى ونَحْوِهِ، والعَرَبُ تُسَمِّي انْطِواءَ القَلْبِ عَلى الأُمُورِ الخَبِيثَةِ: مَرَضًا وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في لُغَتِهِمْ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حافِظٌ لِلْفَرْجِ راضٍ بِالتُّقى لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضُ
وَقَوْلُهُ هُنا ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى سَبَبِ قَسْوَةِ القُلُوبِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] وآيَةُ الحَجِّ هَذِهِ تُبَيِّنُ أنَّ ما اشْتُهِرَ عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ العِلْمِ.
مِن أنَّ النَّبِيَّ هو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ وحْيٌ، ولَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، وأنَّ الرَّسُولَ هو النَّبِيُّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، وأُمِرَ بِتَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥٢]، يَدُلُّ عَلى أنْ كُلًّا مِنهُما مُرْسَلٌ، وأنَّهُما مَعَ ذَلِكَ بَيْنَهُما تَغايُرٌ واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّ النَّبِيَّ الَّذِي هو رَسُولٌ أُنْزِلَ إلَيْهِ كِتابٌ وشَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ مَعَ المُعْجِزَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِها نُبُوَّتُهُ، وأنَّ النَّبِيَّ المُرْسَلَ الَّذِي هو غَيْرُ الرَّسُولِ، هو مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلى شَرِيعَةِ رَسُولٍ قَبْلَهُ، كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُرْسَلُونَ ويُؤْمَرُونَ بِالعَمَلِ بِما في التَّوْراةِ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٤] وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تَخْشَعَ وتَخْضَعَ وتَطْمَئِنَّ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ رَسُولٍ وكُلَّ نَبِيٍّ يُلْقِي الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، أيْ تِلاوَتِهِ إذا تَلا.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ
(p-٣٤٦)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلَةٍ ∗∗∗ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ
وَمَعْنى تَمَنّى في البَيْتَيْنِ قَرَأ وتَلا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾، إذا حَدَّثَ ألْقى الشَّيْطانُ في حَدِيثِهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿إذا تَمَنّى﴾ أحَبَّ شَيْئًا وأرادَهُ، فَكُلُّ نَبِيٍّ يَتَمَنّى إيمانَ أُمَّتِهِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي عَلَيْهِمُ الوَساوِسَ والشُّبَهَ، لِيَصُدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى أنَّ تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ وتَلا، كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَمَعْنى إلْقاءِ الشَّيْطانِ في تِلاوَتِهِ، إلْقاؤُهُ الشُّبَهَ والوَساوِسَ فِيما يَتْلُوهُ النَّبِيُّ لِيَصُدَّ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، أوْ إلْقاؤُهُ في المَتْلُوِّ ما لَيْسَ مِنهُ لِيَظُنَّ الكُفّارُ أنَّهُ مِنهُ.
وَهَذِهِ الآيَةُ لا تَعارُضَ بَيْنَها وبَيْنَ الآيَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الشَّيْطانَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّ خِيارَهُمُ الأنْبِياءُ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
وَوَجْهُ كَوْنِ الآياتِ لا تَعارُضَ بَيْنَها، أنَّ سُلْطانَ الشَّيْطانِ المَنفِيَّ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ في مَعْناهُ وجْهانِ لِلْعُلَماءِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى السُّلْطانِ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، إذْ لا حُجَّةَ مَعَ الشَّيْطانِ البَتَّةَ، كَما اعْتَرَفَ بِهِ فِيما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .
الثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِإيقاعِهِمْ في ذَنْبٍ يَهْلَكُونَ بِهِ ولا يَتُوبُونَ مِنهُ، فَلا يُنافِي هَذا ما وقَعَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ وغَيْرِهِما، فَإنَّهُ ذَنْبٌ مَغْفُورٌ لِوُقُوعِ التَّوْبَةِ مِنهُ، فَإلْقاءُ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَّةِ النَّبِيِّ سَواءٌ فَسَّرْناها بِالقِراءَةِ أوِ التَّمَنِّي لِإيمانِ أُمَّتِهِ، لا يَتَضَمَّنُ (p-٣٤٧)سُلْطانًا لِلشَّيْطانِ عَلى النَّبِيِّ، بَلْ مِن جِنْسِ الوَسْوَسَةِ وإلْقاءِ الشُّبَهِ لِصَدِّ النّاسِ عَنِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآيَةَ [النمل: ٢٤] .
فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ " النَّجْمِ، بِمَكَّةَ، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْجى، فَلَمّا بَلَغَ آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ المُشْرِكُونَ والمُسْلِمُونَ، وقالَ المُشْرِكُونَ: ما ذَكَرَ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ قَبْلَ اليَوْمِ، وشاعَ في النّاسِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أسْلَمُوا بِسَبَبِ سُجُودِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى رَجَعَ المُهاجِرُونَ مِنَ الحَبَشَةِ، ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْمَهم أسْلَمُوا، فَوَجَدُوهم عَلى كُفْرِهِمْ.
وَعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، فَسُلْطانُ الشَّيْطانِ بَلَغَ إلى حَدٍّ أدْخَلَ بِهِ في القُرْآنِ، عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ الكُفْرَ البَواحَ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ القِصَّةِ المَزْعُومَةِ.
فالجَوابُ أنَّ قِصَّةَ الغَرانِيقِ مَعَ اسْتِحالَتِها شَرْعًا لَمْ تَثْبُتْ مِن طَرِيقٍ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ، وصَرَّحَ بِعَدَمِ ثُبُوتِها خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، كَما بَيَّنّاهُ بَيانًا شافِيًا في رِحْلَتِنا.
والمُفَسِّرُونَ يَرْوُونَ هَذِهِ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومَعْلُومٌ أنَّ الكَلْبِيَّ مَتْرُوكٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ البَزّارُ أنَّها لا تُعْرَفُ مِن طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا طَرِيقَ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وقَعَ في وصْلِهِ.
وَقَدِ اعْتَرَفَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ انْتِصارِهِ لِثُبُوتِ هَذِهِ القِصَّةِ، بِأنَّ طُرُقَها كُلَّها، إمّا مُنْقَطِعَةٌ أوْ ضَعِيفَةٌ، إلّا طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَمْ يَرْوِها بِها أحَدٌ مُتَّصِلَةً إلّا أُمَيَّةَ بْنَ خالِدٍ، وهو وإنْ كانَ ثِقَةً فَقَدْ شَكَّ في وصْلِها، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، وقالَ: البَزّارُ لا يُرْوى مُتَّصِلًا إلّا بِهَذا الإسْنادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خالِدٍ، وهو ثِقَةٌ مَشْهُورٌ.
وَقالَ البَزّارُ: وإنَّما يُرْوى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ (p-٣٤٨)مَتْرُوكٌ، فَتَحَصَّلَ أنَّ قِصَّةَ الغَرانِيقِ لَمْ تَرِدْ مُتَّصِلَةً إلّا مِن هَذا الطَّرِيقِ الَّذِي شَكَّ راوِيهِ في الوَصْلِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَضَعْفُهُ ظاهِرٌ.
وَلِذا قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ إنَّهُ لَمْ يَرَها مَسْنَدَةً مِن وجْهٍ صَحِيحٍ. وقالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ في هَذِهِ القِصَّةِ: ولَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِن هَذا ولا ثَبَتَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ومَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ بَلْ بُطْلانُهُ، فَقَدْ دَفَعَهُ المُحَقِّقُونَ بِكِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [ ١٧ ] .
فَنَفى المُقارَبَةَ لِلرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ عَنِ البَزّارِ أنَّها لا تُرْوى بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ، وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهُ قالَ: هي غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ.
وَذُكِرَ عَنْ إمامِ الأئِمَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ، وأبْطَلَها عِياضٌ وابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيَّيْنِ والفَخْرُ الرّازِيُّ وجَماعاتٌ كَثِيرَةٌ.
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في بُطْلانِها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ قالَ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، ثُمَّ أبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها﴾ فَكَيْفَ يَفْرَحُ المُشْرِكُونَ بَعْدَ هَذا الإبْطالِ والذَّمِّ التّامِّ لِأصْنامِهِمْ، بِأنَّها أسْماءٌ بِلا مُسَمَّياتٍ، وهَذا هو الأخِيرُ.
وَقِراءَتُهُ ﷺ سُورَةَ ”النَّجْمِ“ بِمَكَّةَ وسُجُودُ المُشْرِكِينَ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِن قِصَّةِ الغَرانِيقِ، وعَلى القَوْلِ بِبُطْلانِها فَلا إشْكالَ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِثُبُوتِ القِصَّةِ، كَما هو رَأْيُ الحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، فَإنَّهُ قالَ في فَتْحِ البارِي: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ثَبَتَتْ بِثَلاثَةِ أسانِيدَ، كُلُّها عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وهي مَراسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِها مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ وكَذا مَن لا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضادِ بَعْضِها بِبَعْضٍ لِأنَّ الطُّرُقَ إذا كَثُرَتْ وتَبايَنَتْ مَخارِجُها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَها أصْلًا.
فَلِلْعُلَماءِ عَنْ ذَلِكَ أجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ، مِن أحْسَنِها وأقْرَبِها، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ تَرْتِيلًا تَتَخَلَّلُهُ سَكَتاتٌ فَلَمّا قَرَأ: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾، قالَ الشَّيْطانُ لَعَنَهُ اللَّهُ مُحاكِيًا (p-٣٤٩)لِصَوْتِهِ ﷺ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العَلا إلخ. . . فَظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّ الصَّوْتَ صَوْتُهُ ﷺ، وهو بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ بَراءَةَ الشَّمْسِ مِنَ اللَّمْسِ.
وَقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ المَسْألَةَ بَيانًا شافِيًا في رِحْلَتِنا، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناها هُنا، فَظَهَرَ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ الآياتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الحج 22:55
(p-٢٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ لا يَزالُونَ في مِرْيَةٍ، أيْ: شَكٍّ ورَيْبٍ مِنهُ أيْ: مِن هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ كَما هو الظّاهِرُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ: في مِرْيَةٍ مِنهُ أيْ: في شَكٍّ مِمّا ألْقى الشَّيْطانُ، وذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهم لا يَزالُونَ كَذَلِكَ، حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ، أيِ: القِيامَةُ بَغْتَةً، أيْ: فَجْأةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أنَّ اليَوْمَ العَقِيمَ المَذْكُورَ يَوْمُ بَدْرٍ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ ثُمَّ قالَ: وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ عَنْهُما: هو يَوْمُ القِيامَةِ لا لَيْلَ لَهُ، وكَذا قالَ الضَّحّاكُ والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ثُمَّ قالَ: وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ، وإنْ كانَ يَوْمُ بَدْرٍ مِن جُمْلَةِ ما أُوعِدُوا بِهِ. اهـ، مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنّا بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا لِذَلِكَ أمْثِلَةً كَثِيرَةً، وبِهِ تُعْلَمُ أنَّ القَرِينَةَ القُرْآنِيَّةَ هُنا دَلَّتْ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ العَقِيمِ: يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَوْمُ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذِكْرَ اليَوْمِ العَقِيمِ، بِقَوْلِهِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥٦]، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ وقَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ أيْ: يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ، أوْ يَأْتِيهِمْ عَذابٌ عَقِيمٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. فَظَهَرَ أنَّ اليَوْمَ العَقِيمَ: يَوْمُ القِيامَةِ، وإنْ كانَ يَوْمُ بَدْرٍ عَقِيمًا عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لا خَيْرَ لَهم فِيهِ، وقَدْ أصابَهم ما أصابَهم.
الحج 22:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُلْكَ يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ، وإنْ كانَ المُلْكُ في الدُّنْيا لَهُ أيْضًا؛ لِأنَّ في الدُّنْيا مُلُوكًا مِنَ المَخْلُوقِينَ، ويَوْمُ القِيامَةِ لا يَكُونُ فِيهِ اسْمُ المَلِكِ إلّا لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - وحْدَهُ، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ المُلْكَ يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَلِكَ هو الَّذِي لَهُ الحُكْمُ بَيْنَ الخَلْقِ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
• وقَوْلِهِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٦]
• وقَوْلِهِ (p-٢٩٢)﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٧٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، إدْخالُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ الجَنَّةَ المَذْكُورُ هُنا وكَوْنُ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ لَهُمُ العَذابُ المُهِينُ: يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم في قَوْلِهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم [الحج: ٥٦] وما ذَكَرَهُ هُنا مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى مَعْناهُ مِرارًا بِكَثْرَةٍ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
الحج 22:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قُتِلُوا بِأنْ قَتْلَهُمُ الكُفّارُ في الجِهادِ؛ لِأنَّ هَذا هو الأغْلَبُ في قَتْلِ مَن قُتِلَ مِنهم، أوْ ماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ حَتْفَ أنْفِهِمْ في غَيْرِ جِهادٍ، أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ لَيَرْزُقَنَّهم رِزْقًا حَسَنًا وأنَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِمّا ذَكَرْنا جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا -: أنَّهُ يَرْزُقُهم رِزْقًا حَسَنًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي يُرْزَقُهم رِزْقٌ حَسَنٌ، وأمّا الَّذِينَ ماتُوا في قِتالِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ هُنا: أوْ ماتُوا، فَقَدْ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ولا شَكَّ أنَّ مَن وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ الرِّزْقَ الحَسَنَ كَما لا يَخْفى.
والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرَفًا مِنها والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ والباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
الحج 22:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .
(p-٢٩٣)ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى نُصْرَةِ مَن ظُلِمَ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠]، أيْ: ذَلِكَ النَّصْرُ المَذْكُورُ كائِنٌ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ لا يَعْجِزُ عَنْ نُصْرَةِ مَن شاءَ نُصْرَتَهُ، ومِن عَلاماتِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ: أنَّهُ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ، ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ أوْ بِسَبَبِ أنَّهُ خالِقُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ومُصَرِّفُهَما، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي فِيهِما عَلى أيْدِي عِبادِهِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والبَغْيِ والِانْتِصارِ، وأنَّهُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَفْعَلُونَ أيْ: وذَلِكَ الوَصْفُ بِخَلْقِ النَّهارِ واللَّيْلِ والإحاطَةِ بِما يَجْرِي فِيهِما، والإحاطَةِ بِكُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ أيِ: الثّابِتُ الإلَهِيَّةِ والِاسْتِحْقاقِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، وأنَّ كُلَّ ما يُدَّعى إلَهًا غَيْرَهُ باطِلٌ وكُفْرٌ، ووَبالٌ عَلى صاحِبِهِ، وأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - هو العَلِيُّ الكَبِيرُ، الَّذِي هو أعَلا مِن كُلِّ شَيْءٍ وأعْظَمُ وأكْبَرُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَدْ أشارَ تَعالى لِأوَّلِ ما ذَكَرْنا، بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦١]، ولِآخِرِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٢] .
والأظْهَرُ عِنْدِي: أنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ ذَلِكَ: راجِعَةٌ إلى ما هو أعَمُّ مِن نُصْرَةِ المَظْلُومِ، وأنَّها تَرْجِعُ لِقَوْلِهِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦]، إلى ما ذَكَرَهُ مِن نُصْرَةِ المَظْلُومِ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن كَوْنِ المُلْكِ لَهُ وحْدَهُ، يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّهُ الحاكِمُ وحْدَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وأنَّهُ المُدْخِلُ الصّالِحِينَ جَنّاتِ النَّعِيمِ والمُعَذِّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا العَذابَ المُهِينَ، والنّاصِرُ مَن بُغِيَ عَلَيْهِ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، بِسَبَبِ أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِن أدِلَّةِ ذَلِكَ: أنَّهُ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ إلى آخِرِ ما ذَكَرْنا. وهَذا الَّذِي وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ هُنا مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ لُقْمانَ، مُبَيِّنًا أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ النّاسِ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] .
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الخَلْقِ والبَعْثِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٢٩ - ٣٠] فَهَذِهِ الصِّفاتُ الدّالَّةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، اسْتُدِلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ في ”الحَجِّ“، وفي ”لُقْمانَ“، وإيلاجُ كُلٍّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الآخَرِ فِيهِ مَعْنَيانِ:
(p-٢٩٤)الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِ هو: أنَّ إيلاجَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، إنَّما هو بِإدْخالِ جُزْءٍ مِنهُ فِيهِ، وبِذَلِكَ يَطُولُ النَّهارُ في الصَّيْفِ؛ لِأنَّهُ أُولِجَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ ويَطُولُ اللَّيْلُ في الشِّتاءِ؛ لِأنَّهُ أُولِجَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ النَّهارِ، وهَذا مِن أدِلَّةِ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ.
المَعْنى الثّانِي: هو أنَّ إيلاجَ أحَدِهِما في الآخَرِ، هو تَحْصِيلُ ظُلْمَةِ هَذا في مَكانِ ضِياءِ ذَلِكَ، بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وضِياءِ ذَلِكَ في مَكانِ ظُلْمَةِ هَذا كَما يُضِيءُ البَيْتُ المُغْلَقُ بِالسِّراجِ، ويُظْلِمُ بِفَقْدِهِ. ذَكَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ يَمِيلُ إلَيْهِ والأوَّلُ أظْهَرُ، وأكْثَرُ قائِلًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] قَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَدْعُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأهُ الباقُونَ: بِتاءِ الخِطابِ الفَوْقِيَّةِ.
الحج 22:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، الظّاهِرُ: أنَّ ”تَرَ“ هُنا مِن رَأى بِمَعْنى: عَلِمَ؛ لِأنَّ إنْزالَ المَطَرِ وإنْ كانَ مُشاهَدًا بِالبَصَرِ فَكَوْنُ اللَّهِ هو الَّذِي أنْزَلَهُ، إنَّما يُدْرَكُ بِالعِلْمِ لا بِالبَصَرِ، فالرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ عَلى التَّحْقِيقِ.
فالمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمِ اللَّهَ مُنْزِلًا مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً أيْ: ذاتَ خُضْرَةٍ بِسَبَبِ النَّباتِ الَّذِي يُنْبِتُهُ اللَّهُ فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ الماءَ مِنَ السَّماءِ، وهَذِهِ آيَةٌ مِن آياتِهِ وبَراهِينِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا.
وَهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا مِن كَوْنِ إنْباتِ نَباتِ الأرْضِ، بِإنْزالِ الماءِ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مِن بَراهِينِ البَعْثِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]
• وكَقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مِن بَراهِينِ البَعْثِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ٩ - ١١] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مِن بَراهِينِ البَعْثِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ: (p-٢٩٥)خُرُوجُكم مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.
* *
تَنْبِيهٌ.
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالانِ مَعْرُوفانِ:
الأوَّلُ: هو ما حِكْمَةُ عَطْفِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: فَتُصْبِحُ عَلى الماضِي الَّذِي هو أنْزَلَ ؟
السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: فَتُصْبِحُ مَعَ أنَّ قَبْلَها اسْتِفْهامًا ؟
فالجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ النُّكْتَةَ في المُضارِعِ هي إفادَةُ بَقاءِ أثَرِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ كَما تَقُولُ: أنْعَمَ عَلى فُلانٍ عامَ كَذا وكَذا، فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ، ولَوْ قُلْتَ: فَغَدَوْتُ ورُحْتُ، لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَوْقِعَ، هَكَذا أجابَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ أعْلَمُ: أنَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ يُفِيدُ اسْتِحْضارَ الهَيْئَةِ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِها الأرْضُ: بَعْدَ نُزُولِ المَطَرِ، والماضِي لا يُفِيدُ دَوامَ اسْتِحْضارِها؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ انْقِطاعَ الشَّيْءِ.
أمّا الرَّفْعُ في قَوْلِهِ: فَتُصْبِحُ؛ فَلِأنَّهُ لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي مَوْضِعُ الِاسْتِفْهامِ، وإنَّما هو مُسَبَّبُ الإنْزالِ في قَوْلِهِ: أنْزَلَ، والإنْزالُ الَّذِي هو سَبَبُ إصْباحِ الأرْضِ مُخْضَرَّةً لَيْسَ فِيهِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ الفاءَ الَّتِي يُنْصَبُ بَعْدَها المُضارِعُ إنْ حُذِفَتْ جازَ جَعْلُ مَدْخُولِها جَزاءً لِلشَّرْطِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَقُولَ هُنا: إنْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، تُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لا أثَرَ لَها ألْبَتَّةَ في اخْضِرارِ الأرْضِ، بَلْ سَبَبُهُ إنْزالُ الماءِ لا رُؤْيَةُ إنْزالِهِ.
وَقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ: فَإنْ قُلْتَ: فَما لَهُ رُفِعَ ولَمْ يُنْصَبْ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ.
قُلْتُ: لَوْ نُصِبَ لَأعْطى ما هو عَكْسُ الغَرَضِ؛ لَأنَّ مَعْناهُ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ.
مِثالُهُ: أنْ تَقُولَ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُ، إنْ تَنْصِبْهُ فَأنْتَ نافٍ لِشُكْرِهِ شاكٌّ تَفْرِيطَهُ، وإنْ رَفَعْتَهُ فَأنْتَ مُثْبِتٌ لِلشُّكْرِ، وهَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يَرْغَبَ لَهُ مَنِ (p-٢٩٦)اتَّسَمَ بِالعِلْمِ في عِلْمِ الإعْرابِ، وتَوْقِيرِ أهْلِهِ، انْتَهى مِنهُ. وذَكَرَ نَحْوَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ ظانًّا أنَّهُ أوْضَحَهُ، ولا يَظْهَرُ لِي كُلَّ الظُّهُورِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: فَتُصْبِحُ مَعَ أنَّ اخْضِرارَ الأرْضِ، قَدْ يَتَأخَّرُ عَنْ صَبِيحَةِ المَطَرِ.
فالجَوابُ: أنَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً أيْ: تَصِيرُ مُخْضَرَّةً فالأمْرُ واضِحٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: أصْبَحَ فُلانٌ غَنِيًّا مَثَلًا بِمَعْنى صارَ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ بَعْضَ البِلادِ تُصْبِحُ فِيهِ الأرْضُ مُخْضَرَّةً في نَفْسِ صَبِيحَةِ المَطَرِ.
وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ وابْنُ عَطِيَّةَ وعَلِيٌّ هَذا فَلا إشْكالَ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] مَعَ أنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا كَما في الحَدِيثِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقَوْلُهُ: لَطِيفٌ خَبِيرٌ أيْ: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، ومِن لُطْفِهِ بِهِمْ إنْزالُهُ المَطَرَ وإنْباتُهُ لَهم بِهِ أقْواتَهم، خَبِيرٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
الحج 22:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لِخَلْقِهِ ما في الأرْضِ، وسَخَّرَ لَهُمُ السُّفُنَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى تَسْخِيرِ ما في السَّماءِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ وغَيْرِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ ويَمْنَعُها مِن أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ، فَتُهْلِكُ مَن فِيها، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَأذِنَ لِلسَّماءِ فَسَقَطَتْ عَلى الأرْضِ فَأهْلَكَتْ مَن عَلَيْها؛ كَما قالَ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٩]، وقَدْ أشارَ لِهَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤١]، (p-٢٩٧)وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَها: بِأنَّهُ غَيْرُ غافِلٍ عَنِ الخَلْقِ بَلْ حافِظٌ لَهم مِن سُقُوطِ السَّماواتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالطَّرائِقِ عَلَيْهِمْ.
تَنْبِيهٌ.
هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾، [النبإ: ١٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٢]،
ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً، عَلى أنَّ ما يَزْعُمُهُ مَلاحِدَةُ الكَفَرَةِ، ومَن قَلَّدَهم مِن مَطْمُوسِي البَصائِرِ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الإسْلامَ أنَّ السَّماءَ فَضاءٌ لا جُرْمٌ مَبْنِيٌّ، أنَّهُ كُفْرٌ وإلْحادٌ وزَنْدَقَةٌ، وتَكْذِيبٌ لِنُصُوصِ القُرْآنِ العَظِيمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] أيْ: ومِن رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ أنَّهُ أمْسَكَ السَّماءَ عَنْهم، ولَمْ يُسْقِطْها عَلَيْهِمْ.
الحج 22:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾، قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ﴾، أيْ: بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ أمْواتًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيكم فَهُما إحْياءَتانِ، وإماتَتانِ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١١] .
وَنَظِيرُ آيَةِ ”الحَجِّ“ المَذْكُورَةِ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى، في ”الجاثِيَةِ“: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦]، وكُفْرُ الإنْسانِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ مَعَ أنَّ اللَّهَ أحْياهُ مَرَّتَيْنِ، وأماتَهُ مَرَّتَيْنِ، هو الَّذِي دَلَّ القُرْآنُ عَلى اسْتِعْبادِهِ وإنْكارِهِ مَعَ دَلالَةِ الإماتَتَيْنِ والإحْياءَتَيْنِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ (p-٢٩٨)بِالمُحْيِي المُمِيتِ، وعَدَمِ الكُفْرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] .
الحج 22:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾، الأظْهَرُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]، أيْ: مُتَعَبَّدًا هم مُتَعَبِّدُونَ فِيهِ؛ لِأنَّ أصْلَ النُّسُكِ التَّعَبُّدُ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَنسَكَ كُلِّ أُمَّةٍ فِيهِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ بِالذَّبْحِ، فَهو فَرْدٌ مِن أفْرادِ النُّسُكِ صَرَّحَ القُرْآنُ بِدُخُولِهِ في عُمُومِهِ، وذَلِكَ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّذِي تَضَمَّنَها هَذا الكِتابُ المُبارَكُ.
والآيَةُ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيها ذَلِكَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٤] وقَوْلُهُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [ ٢٢ \ ٣٤ و ٦٧ ] في المَوْضِعَيْنِ قَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ والباقُونَ بِفَتْحِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: الأمْرِ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى﴾، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلى رَبِّهِمْ، أيْ: إلى طاعَتِهِ، وأخْبَرَهُ فِيها أنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أيْ: طَرِيقِ حَقٍّ واضِحٍ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلَيْهِ وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، جاءَ واضِحًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ في الأوَّلِ مِنهُما: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وأخْبَرَ - جَلَّ وعَلا - أنَّهُ امْتَثَلَ الأمْرَ بِدُعائِهِمْ إلى رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]
• وكَقَوْلِهِ في الأخِيرِ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ الآيَةَ [الجاثية: ١٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] .
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.
الحج 22:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ إنْ جادَلَهُ الكُفّارُ أيْ: خاصَمُوهُ (p-٢٩٩)بِالباطِلِ وكَذَّبُوهُ، أنْ يَقُولَ لَهُمُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ.
وَهَذا القَوْلُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ تَهْدِيدٌ لَهم فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُهَدِّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ، فَمُجازِيكم عَلَيْهِ أشَدَّ الجَزاءِ.
الثّانِي: الإعْراضُ عَنْهم، وقَدْ أشارَ تَعالى لِلْأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا إعْراضُهُ عَنْهم عِنْدَ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ بِالجِدالِ الباطِلِ فَمِنَ المَواضِعِ الَّتِي أُشِيرَ لَهُ فِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
وَأمّا تَهْدِيدُهم فَقَدْ أشارَ لَهُ في مَواضِعَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] فَقَوْلُهُ ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ الآيَةَ، فِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ، كَما قالَ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وهم إنَّما يُكَذِّبُونَهُ بِالجِدالِ، والخِصامِ بِالباطِلِ. وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنْ يُجادِلَهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وبَيَّنَ لَهُ أنَّهم لا يَأْتُونَهُ بِمِثْلٍ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهِ بِالباطِلِ، إلّا جاءَهُ اللَّهُ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْمَغُ ذَلِكَ الباطِلَ، مَعَ كَوْنِهِ أحْسَنَ تَفْسِيرًا وكَشْفًا وإيضاحًا لِلْحَقائِقِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] .
الحج 22:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ عَبَدُوا مَعَهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ ذُبابٍ، وهو عاجِزٌ أنْ يَسْتَرِدَّ مِنَ الذُّبابِ ما سَلَبَهُ الذُّبابُ مِنهُ، كالطِّيبِ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ عَلى أصْنامِهِمْ، إنْ سَلَبَها الذُّبابُ مِنهُ شَيْئًا لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِنْقاذِهِ مِنهُ، وكَوْنِهِمْ لَمْ يُعَظِّمُوا اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولَمْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ عَبَدُوا مَعَهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ، ولا دَفْعِ ضُرٍّ، ذَكَرَهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] وكَقَوْلِهِ في الزُّمَرِ: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
الحج 22:75
(p-٣٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾، بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَصْطَفِي، أيْ: يَخْتارُ رُسُلًا مِنَ المَلائِكَةِ، ومِنَ النّاسِ فَرُسُلُ النّاسِ لِإبْلاغِ الوَحْيِ، ورُسُلُ المَلائِكَةِ لِذَلِكَ أيْضًا، وقَدْ يُرْسِلُهم لِغَيْرِهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِنَ اصْطِفائِهِ الرُّسُلَ مِنهُما جاءَ واضِحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في رُسُلِ المَلائِكَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١] .
• وَقَوْلِهِ في جِبْرِيلَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ومِن ذِكْرِهِ إرْسالَ المَلائِكَةِ بِغَيْرِ الوَحْيِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]
• وكَقَوْلِهِ في رُسُلِ بَنِي آدَمَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٦] .
الحج 22:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾، أيِ: اصْطَفاكم، واخْتارَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، الحَرَجُ: الضِّيقُ كَما أوْضَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هَذِهِ الحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ الَّتِي جاءَ بِها سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ ﷺ، أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّخْفِيفِ والتَّيْسِيرِ، لا عَلى الضِّيقِ والحَرَجِ، وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ فِيها الآصارَ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَنا.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن (p-٣٠١)حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ خَواتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ اللَّهُ: ”قَدْ فَعَلْتُ“» في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَعَمْ. ومِن رَفْعِ الحَرَجِ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الرُّخْصَةُ في قَصْرِ الصَّلاةِ في السَّفَرِ والإفْطارُ في رَمَضانَ فِيهِ، وصَلاةُ العاجِزِ عَنِ القِيامِ قاعِدًا وإباحَةُ المَحْظُورِ لِلضَّرُورَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّخْفِيفِ والتَّيْسِيرِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا مَعَها مِن رَفْعِ الحَرَجِ، والتَّخْفِيفِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ، هو إحْدى القَواعِدِ الخَمْسِ، الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها الفِقْهُ الإسْلامِيُّ وهي هَذِهِ الخَمْسُ.
الأُولى: الضَّرَرُ يُزالُ ومِن أدِلَّتِها حَدِيثُ: «”لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ“ .»
الثّانِيَةُ: المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ: وهي الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ هُنا ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وما ذَكَرْنا في مَعْناها مِنَ الآياتِ.
الثّالِثَةُ: لا يُرْفَعُ يَقِينٌ بِشَكٍّ، ومِن أدِلَّتِها حَدِيثُ «مَن أحَسَّ بِشَيْءٍ في دُبُرِهِ في الصَّلاةِ وأنَّهُ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَشُمَّ رِيحًا»؛ لِأنَّ تِلْكَ الطَّهارَةَ المُحَقَّقَةَ لَمْ تُنْقَضْ بِتِلْكَ الرِّيحِ المَشْكُوكِ فِيها.
الرّابِعَةُ: تَحْكِيمُ عُرْفِ النّاسِ المُتَعارَفِ عِنْدَهم في صِيَغِ عُقُودِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ. واسْتَدَلَّ لِهَذِهِ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٩٩] .
الخامِسَةُ: الأُمُورُ تَبَعُ المَقاصِدِ، ودَلِيلُ هَذِهِ حَدِيثُ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» الحَدِيثَ، وقَدْ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ في كِتابِ الِاسْتِدْلالِ إلى هَذِهِ الخَمْسِ المَذْكُوراتِ بِقَوْلِهِ:
؎قَدْ أُسِّسَ الفِقْهُ عَلى رَفْعِ الضَّرَرِ وأنَّ ما يَشُقُّ يَجْلِبُ الوَطَرَ
؎وَنَفى رَفْعَ القَطْعِ بِالشَّكِّ وأنْ ∗∗∗ يَحْكُمُ العُرْفُ وزادَ مَن فَطِنَ
؎كَوْنُ الأُمُورِ تَبَعَ المَقاصِدِ ∗∗∗ مَعَ التَّكَلُّفِ بِبَعْضِ وارِدِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾، قالَ بَعْضُهم: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، ومالَ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ ما جَعَلَ عَلَيْكم في دِينِكم مِن ضِيقٍ، كَمِلَّةِ إبْراهِيمَ، وأعْرَبَهُ بَعْضُهم مَنصُوبًا بِمَحْذُوفٍ أيِ: الزَمُوا مِلَّةَ (p-٣٠٢)أبِيكم إبْراهِيمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] شامِلًا لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ في قَوْلِهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، ويُوَضِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] والدِّينُ القَيِّمُ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ: شامِلٌ لِما ذُكِرَ كُلُّهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا﴾، اخْتُلِفَ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لَفْظُ هو مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ [الحج: ٧٨] فَقالَ بَعْضُهم: اللَّهُ هو الَّذِي سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ في هَذا، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ، وقَتادَةُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقالَ بَعْضُهم هو أيْ: إبْراهِيمُ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، واسْتَدَلَّ لِهَذا بِقَوْلِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وبِهَذا قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الكِتابُ المُبارَكُ أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا وتَكُونُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وجِئْنا بِأمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ في التَّرْجَمَةِ، وفِيما مَضى مِنَ الكِتابِ، وفي هَذِهِ الآياتِ قَرِينَتانِ تَدُلّانِ عَلى أنَّ قَوْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ غَيْرُ صَوابٍ.
إحْداهُما: أنَّ اللَّهَ قالَ ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا﴾، أيِ: القُرْآنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَمِّهِمُ المُسْلِمِينَ في القُرْآنِ، لِنُزُولِهِ بَعْدَ وفاتِهِ بِأزْمانٍ طَوِيلَةٍ كَما نَبَّهَ عَلى هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الأفْعالَ كُلَّها في السِّياقِ المَذْكُورِ راجِعَةٌ إلى اللَّهِ، لا إلى إبْراهِيمَ فَقَوْلُهُ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾، أيِ: اللَّهُ وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، أيِ: اللَّهُ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ أيِ: اللَّهُ.
فَإنْ قِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وأقْرَبُ مَذْكُورٍ لِلضَّمِيرِ المَذْكُورِ: هو إبْراهِيمُ.
فالجَوابُ: أنَّ مَحَلَّ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ مَحَلُّهُ ما لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صارِفٌ، وهُنا قَدْ صَرَفَ عَنْهُ صارِفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”وَفي هَذا“ يَعْنِي القُرْآنَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ (p-٣٠٣)المُرادَ بِالَّذِي سَمّاهُمُ المُسْلِمِينَ فِيهِ: هو اللَّهُ لا إبْراهِيمُ، وكَذَلِكَ سِياقُ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ نَحْوَ ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يُناسِبُهُ أنْ يَكُونَ هو سَمّاكم أيِ: اللَّهُ، المُسْلِمِينَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ: أنَّ الَّذِي سَمّاهُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا: هو اللَّهُ، لا إبْراهِيمُ ما نَصُّهُ:
قُلْتُ: وهَذا هو الصَّوابُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ ثُمَّ حَثَّهم وأغْراهم عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ أبِيهِمُ الخَلِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِما نَوَّهَ بِهِ مِن ذِكْرِها، والثَّناءِ عَلَيْها في سالِفِ الدَّهْرِ، وقَدِيمِ الزَّمانِ في كِتابِ الأنْبِياءِ، تُتْلى عَلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ فَقالَ: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ.
وَفِي هَذا رَوى النَّسائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنْبَأنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أنْبَأنا مُعاوِيَةُ بْنُ سَلامٍ أنَّ أخاهُ زَيْدَ بْنَ سَلامٍ، أخْبَرَهُ عَنْ أبِي سَلامٍ أنَّهُ أخْبَرَهُ قالَ: أخْبَرَنِي الحارِثُ الأشْعَرِيُّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ «مَن دَعا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ مِن جُثِيِّ جَهَنَّمَ ”، قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ صامَ وإنْ صَلّى ؟ قالَ:“ نَعَمْ وإنْ صامَ وإنْ صَلّى، فادْعُوا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمّاكم بِها المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبادَ اللَّهِ» وقَدْ قَدَّمْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] اهـ مِن تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: إنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ فِيهِ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَمّاهُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، يَعْنِي: إنَّما اجْتَباكم، وفَضَّلَكم ونَوَّهَ بِاسْمِكُمُ المُسْلِمِينَ قَبْلَ نُزُولِ كِتابِكم، وزَكّاكم عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، فَسَمّاكم فِيها المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ سَمّاكم في هَذا القُرْآنِ. وقَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ أنَّكم أُمَّةٌ وسَطٌ عُدُولٌ خِيارٌ مَشْهُودٌ بِعَدالَتِكم، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، أنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهم رِسالاتِ رَبِّهِمْ، حِينَ يُنْكِرُ الكُفّارُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا، أنَّهُ بَلَّغَكم، وقِيلَ: شَهِيدًا عَلى صِدْقِكم فِيما شَهِدْتُمْ بِهِ لِلرُّسُلِ عَلى أُمَمِهِمْ مِنَ التَّبْلِيغِ.
(p-٣٠٤)وَهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالَ فِيهِ ﷺ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ الآيَةَ [الفتح: ٨]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:1
(p-٣٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ابْتَدَأ بِها أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلاماتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ فَقالَ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أيْ: فازُوا وظَفِرُوا بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وَفَلاحُ المُؤْمِنِينَ مَذْكُورٌ ذِكْرًا كَثِيرًا في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أصْلُ الخُشُوعِ: السُّكُونُ، والطُّمَأْنِينَةُ، والِانْخِفاضُ ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎رَمادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لَأْيًا أُبَيِّنُهُ ونُؤًى كَجَذْمِ الحَوْضِ أثَلَمَ خاشِعِ
وَهُوَ في الشَّرْعِ: خَشْيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَكُونُ في القَلْبِ، فَتَظْهَرُ آثارُها عَلى الجَوارِحِ.
وَقَدْ عَدَّ اللَّهُ الخُشُوعَ مِن صِفاتِ الَّذِينَ أعَدَّ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ في الأحْزابِ ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
وَقَدْ عُدَّ الخُشُوعُ في الصَّلاةِ هُنا مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ، وبَيَّنَ أنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذا الخُشُوعِ تَصْعُبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ في قَوْلِهِ ﴿وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ عَلى أنَّ مِن خُشُوعِ المُصَلِّي: أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ في صَلاتِهِ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، قالُوا: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ.
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيَهْقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى (p-٣٠٦)السَّماءِ فَنَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فَطَأْطَأ رَأْسَهُ» اهـ مِنهُ.
وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُصَلِّيَ يَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ولا يَرْفَعُ بَصَرَهُ، وخالَفَ المالِكِيَّةُ الجُمْهُورَ، فَقالُوا: إنَّ المُصَلِّيَ يَنْظُرُ أمامَهُ لا إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قالُوا: فَلَوْ نَظَرَ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ لاحْتاجَ أنْ يَتَكَلَّفَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الِانْحِناءِ، وذَلِكَ يُنافِي كَمالَ القِيامِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ لِأنَّ المُنْحَنِيَ بِوَجْهِهِ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، لَيْسَ بِمُوَلٍّ وجْهَهُ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِمْ كَما ذَكَرْنا.
واعْلَمْ أنَّ مَعْنى أفْلَحَ: نالَ الفَلاحَ، والفَلاحُ يُطْلَقُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
الأوَّلُ: الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ الأكْبَرِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي ∗∗∗ ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقِلَ
أيْ فازَ مَن رُزِقَ العَقْلَ بِالمَطْلُوبِ الأكْبَرِ.
والثّانِي: هو إطْلاقُ الفَلاحِ عَلى البَقاءِ السَّرْمَدِيِّ في النَّعِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ أيْضًا في رَجَزٍ لَهُ:
؎لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ ∗∗∗ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ
يَعْنِي: مُدْرِكَ البَقاءِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، أوِ الأضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ:
؎لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والمِسى والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ.
أيْ لا بَقاءَ مَعَهُ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ دَخَلَ الجَنَّةَ كَما هو مُصَرَّحٌ بِهِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، وأنَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ نالَ الفَلاحَ بِمَعْنَيَيْهِ المَذْكُورَيْنِ، والمَعْنَيانِ اللَّذانِ ذَكَرْنا لِلْفَلاحِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَسَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ حَدِيثَ الأذانِ والإقامَةِ في لَفْظَةِ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ.
المؤمنون 23:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ إعْراضَهم عَنِ اللَّغْوِ، وأصْلُ اللَّغْوِ ما لا فائِدَةَ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّعِبُ واللَّهْوُ والهَزْلُ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ تَرْكَهُ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] أيْ: عَنِ الباطِلِ، وهو يَشْمَلُ (p-٣٠٧)الشِّرْكَ كَما قالَ بَعْضُهم، والمَعاصِي كَما قالَهُ آخَرُونَ، وما لا فائِدَةَ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ اهـ مِنهُ.
وَما أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ومِن مُرُورِهِمْ بِهِ كِرامًا إعْراضُهم عَنْهُ، وعَدَمُ مُشارَكَتِهِمْ أصْحابَهُ فِيهِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٥] .
المؤمنون 23:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾، في المُرادِ بِالزَّكاةِ هُنا وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِها زَكاةُ الأمْوالِ، وعَزاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِلْأكْثَرِينَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزَّكاةِ هُنا: زَكاةُ النَّفْسِ أيْ: تَطْهِيرُها مِنَ الشِّرْكِ، والمَعاصِي بِالإيمانِ بِاللَّهِ، وطاعَتِهِ وطاعَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالزَّكاةِ كالمُرادِ بِها في قَوْلِهِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]
• وقَوْلِهِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ الآيَةَ [الأعلى: ١٤]،
• وقَوْلِهِ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١]
• وقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ الآيَةَ [الكهف: ٨١]
• وقَوْلِهِ ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]
عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ بِثَلاثِ قَرائِنَ:
الأُولى: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، بِلا خِلافٍ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ كَما هو مَعْلُومٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ نَزَلَ قَبْلَ فَرْضِ زَكاةِ الأمْوالِ المَعْرُوفَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُها.
القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: هي أنَّ المَعْرُوفَ في زَكاةِ الأمْوالِ: أنْ يُعَبَّرَ عَنْ أدائِها بِالإيتاءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿وَإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] ونَحْوَ ذَلِكَ. وهَذِهِ الزَّكاةُ المَذْكُورَةُ هُنا، لَمْ يُعَبَّرْ عَنْها بِالإيتاءِ، بَلْ قالَ تَعالى فِيها ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّكاةَ: أفْعالُ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ، وذَلِكَ أوْلى بِفِعْلِ الطّاعاتِ، وتَرْكِ المَعاصِي مِن أداءِ مالٍ.
الثّالِثَةُ: أنَّ زَكاةَ الأمْوالِ تَكُونُ في القُرْآنِ عادَةً مَقْرُونَةً بِالصَّلاةِ، مِن غَيْرِ فَصْلٍ (p-٣٠٨)بَيْنَهُما
• كَقَوْلِهِ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]
• وقَوْلِهِ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]
• وقَوْلِهِ ﴿وَإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] وهَذِهِ الزَّكاةُ المَذْكُورَةُ هُنا فُصِلَ بَيْنَ ذِكْرِها، وبَيْنَ ذِكْرِ الصَّلاةِ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] .
والَّذِينَ قالُوا المُرادُ بِها زَكاةُ الأمْوالِ، قالُوا: إنَّ أصْلَ الزَّكاةِ فُرِضَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأنَّ الزَّكاةَ الَّتِي فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ هي ذاتُ النُّصُبِ، والمَقادِيرِ الخاصَّةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا القَوْلَ في الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [ ١٤١ ] وقَدْ يُسْتَدَلُّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالزَّكاةِ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ الأعْمالِ الَّتِي تُزَكّى بِها النُّفُوسُ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، بِأنّا لَوْ حَمَلْنا مَعْنى الزَّكاةِ عَلى ذَلِكَ، كانَ شامِلًا لِجَمِيعِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَيَكُونُ كالتَّكْرارِ مَعَها، والحَمْلُ عَلى التَّأْسِيسِ والِاسْتِقْلالِ أوْلى مِن غَيْرِهِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٧] والَّذِينَ قالُوا: هي زَكاةُ الأمْوالِ قالُوا: فاعِلُونَ أيْ: مُؤَدُّونَ، قالُوا: وهي لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَصِيحَةٌ، ومِنها قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ
وَهُوَ واضِحٌ، بِحَمْلِ الزَّكاةِ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ بِمَعْنى التَّزْكِيَةِ لِلْمالِ؛ لِأنَّها فِعْلُ المُزَكِّي كَما هو واضِحٌ، ولا شَكَّ أنَّ تَطْهِيرَ النَّفْسِ بِأعْمالِ البِرِّ، ودَفْعِ زَكاةِ المالِ كِلاهُما مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الجَنَّةَ.
وَقَدْ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالزَّكاةِ ها هُنا: زَكاةُ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ، والدَّنَسِ إلى أنْ قالَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِلا الأمْرَيْنِ مُرادًا وهو زَكاةُ النُّفُوسِ، وزَكاةُ الأمْوالِ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ زَكاةِ النُّفُوسِ، والمُؤْمِنُ الكامِلُ هو الَّذِي يَفْعَلُ هَذا وهَذا واللَّهُ أعْلَمُ، اهـ مِنهُ.
المؤمنون 23:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ ويَخْلُدُونَ فِيها حِفْظَهم لِفُرُوجِهِمْ أيْ: مِنَ اللِّواطِ والزِّنى، ونَحْوِ ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ (p-٣٠٩)حِفْظَهم فُرُوجَهم، لا يَلْزَمُهم عَنْ نِسائِهِمُ الَّذِينَ مَلَكُوا الِاسْتِمْتاعَ بِهِنَّ بِعَقْدِ الزَّواجِ أوْ بِمِلْكِ اليَمِينِ، والمُرادُ بِهِ التَّمَتُّعُ بِالسَّرارِي، وبَيَّنَ أنَّ مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ عَنْ زَوْجِهِ أوْ سُرِّيَّتِهِ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وأنَّ مَنِ ابْتَغى تَمَتُّعًا بِفَرْجِهِ، وراءَ ذَلِكَ غَيْرَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ فَهو مِنَ العادِينَ أيِ: المُعْتَدِينَ المُتَعَدِّينَ حُدُودَ اللَّهِ، المُجاوِزِينَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ إلى ما حَرَّمَهُ.
وَبَيَّنَ مَعْنى العادِينَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا ذَكَرَهُ أيْضًا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها في الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١] .
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] مِن صِيَغِ العُمُومِ، والمُرادُ بِها مَن وهي مِن صِيغَ العُمُومِ، فَآيَةُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وآيَةُ ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ [المعارج: ١] تَدُلُّ بِعُمُومِها المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةِ ما، في قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عَلى جَوازِ جَمْعِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ في التَّسَرِّي بِهِما مَعًا لِدُخُولِهِما في عُمُومِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وبِهَذا قالَ داوُدُ الظّاهِرِيُّ، ومَن تَبِعَهُ: ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلى مَنعِ جَمْعِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في الأُخْتَيْنِ صِيغَةُ عُمُومٍ، تَشْمَلُ كُلَّ أُخْتَيْنِ، سَواءٌ كانَتا بِعَقْدٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ ولِذا قالَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَمّا سُئِلَ عَنْ جَمْعِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما أُخْرى يَعْنِي بِالآيَةِ المُحَلِّلَةِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وبِالمُحَرِّمَةِ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ .
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ وسَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ المُهِمَّ مِمّا ذَكَرْنا فِيهِ ونَزِيدُ ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى زِيادَتِهِ.
وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في ذَلِكَ: أنَّ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ بَيْنَهُما عُمُومٌ، وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ، يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ تَعارُضُهُما في الصُّورَةِ الَّتِي يَجْتَمِعانِ فِيها كَما قالَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما أُخْرى وإيضاحُهُ أنَّ آيَةَ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ تَنْفَرِدُ عَنْ آيَةِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ في الأُخْتَيْنِ المَجْمُوعِ بَيْنَهُما، بِعَقْدِ نِكاحٍ (p-٣١٠)وَتَنْفَرِدُ آيَةُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ في الأمَةِ الواحِدَةِ، أوِ الأمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَيْسَتا بِأُخْتَيْنِ، ويَجْتَمِعانِ في الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَعُمُومُ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وعُمُومُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ يَقْتَضِي إباحَتَهُ، وإذا تَعارَضَ الأعَمّانِ مِن وجْهٍ في الصُّورَةِ الَّتِي يَجْتَمِعانِ فِيها وجَبَ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما، والرّاجِحُ مِنهُما، يُقَدَّمُ ويُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الآخَرِ، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎وَإنْ يَكُ العُمُومُ مِن وجْهٍ ظَهَرْ فالحُكْمُ بِالتَّرْجِيحِ حَتْمًا مُعْتَبَرْ
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ عُمُومَ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ مُرَجَّحٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ عَلى عُمُومِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾:
الأوَّلُ: مِنها أنَّ عُمُومَ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ نَصٌّ في مَحَلِّ المُدْرَكِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ سُورَةُ النِّساءِ: وهي الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيها مَن تَحِلُّ مِنهُنَّ، ومَن لا تَحِلُّ، وآيَةُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ في المَوْضِعَيْنِ لَمْ تُذْكَرْ مِن أجْلِ تَحْرِيمِ النِّساءِ، ولا تَحْلِيلِهِنَّ بَلْ ذَكَرَ اللَّهُ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي يَدْخُلُونَ بِها الجَنَّةَ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَتِها حِفْظَ الفَرْجِ، فاسْتَطْرَدَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ حِفْظُهُ عَنِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ أخْذَ الأحْكامِ مِن مَظانِّها أوْلى مِن أخْذِها، لا مِن مَظانِّها.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ آيَةَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ لَيْسَتْ باقِيَةً عَلى عُمُومِها بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ الأُخْتَ مِنَ الرَّضاعِ لا تَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ، إجْماعًا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ عُمُومَ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم يُخَصِّصُهُ عُمُومُ ﴿وَأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ومَوْطُوءَةُ الأبِ لا تَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ إجْماعًا، لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ عُمُومَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ يُخَصِّصُهُ عُمُومُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٢]، والأصَحُّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ في تَعارُضِ العامِّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، مَعَ العامِّ الَّذِي لَمْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ: هو تَقْدِيمُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ، وهَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ الأُصُولِ، ولَمْ أعْلَمْ أحَدًا خالَفَ فِيهِ، إلّا صَفِيَّ الدِّينِ الهِنْدِيَّ، والسُّبْكِيَّ.
وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ العامَّ المُخَصَّصَ، اخْتَلَفَ في كَوْنِهِ حُجَّةً في الباقِي، بَعْدَ التَّخْصِيصِ، والَّذِينَ قالُوا: هو حُجَّةٌ في الباقِي، قالَ جَماعَةٌ مِنهم: هو مَجازٌ في الباقِي، وما اتُّفِقَ عَلى أنَّهُ حُجَّةٌ، وأنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو الَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أوْلى مِمّا اخْتُلِفَ في حُجِّيَّتِهِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ، أوْ مَجازٌ ؟ وإنْ كانَ الصَّحِيحَ: أنَّهُ حُجَّةٌ في الباقِي، وحَقِيقَةٌ فِيهِ؛ (p-٣١١)لِأنَّ مُطْلَقَ حُصُولِ الخِلافِ فِيهِ يَكْفِي في تَرْجِيحِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وأمّا حُجَّةُ صَفِيِّ الدِّينِ الهِنْدِيِّ والسُّبْكِيِّ، عَلى تَقْدِيمِ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فَهي أنَّ الغالِبَ في العامِّ التَّخْصِيصُ، والحَمْلُ عَلى الغالِبِ أوْلى، وأنَّ ما دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ يَبْعُدُ تَخْصِيصُهُ مَرَّةً أُخْرى، بِخِلافِ الباقِي عَلى عُمُومِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ عُمُومَ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ غَيْرُ وارِدٍ في مَعْرِضِ مَدْحٍ ولا ذَمٍّ وعُمُومَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وارِدٌ في مَعْرِضِ مَدْحِ المُتَّقِينَ، والعامُّ الوارِدُ في مَعْرِضِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في اعْتِبارِ عُمُومِهِ، فَأكْثَرُ العُلَماءِ: عَلى أنَّ عُمُومَهُ مُعْتَبَرٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤] فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ بَرٍّ مَعَ أنَّهُ لِلْمَدْحِ، وكُلَّ فاجِرٍ مَعَ أنَّهُ لِلذَّمِّ قالَ في مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَما أتى لِلْمَدْحِ أوْ لِلذَّمِّ ∗∗∗ يَعُمُّ عِنْدَ جُلِّ أهْلِ العِلْمِ
وَخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنهُمُ: الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قائِلًا: إنَّ العامَّ الوارِدَ في مَعْرِضِ المَدْحِ، أوِ الذَّمِّ لا عُمُومَ لَهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الحَثُّ في المَدْحِ والزَّجْرِ في الذَّمِّ، ولِذا لَمْ يَأْخُذِ الإمامُ الشّافِعِيُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] في الحُلِيِّ المُباحِ؛ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِلذَّمِّ، فَلا تَعُمُّ عِنْدَهُ الحُلِيَّ المُباحَ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ العامَّ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِما يَمْنَعُ اعْتِبارَ عُمُومِهِ أوْلى مِنَ المُقْتَرِنِ بِما يَمْنَعُ اعْتِبارَ عُمُومِهِ، عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا المُعارَضَةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فالأصْلُ في الفُرُوجِ التَّحْرِيمُ، حَتّى يَدُلُّ دَلِيلٌ لا مُعارِضَ لَهُ عَلى الإباحَةِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ العُمُومَ المُقْتَضِيَ لِلتَّحْرِيمِ أوْلى مِنَ المُقْتَضِي لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّ تَرْكَ مُباحٍ أهْوَنُ مِنَ ارْتِكابِ حَرامٍ.
فَهَذِهِ الأوْجُهُ الخَمْسَةُ يُرَدُّ بِها اسْتِدْلالُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ، ومَن تَبِعَهُ عَلى إباحَتِهِ جَمْعَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ ولَكِنَّ داوُدَ يَحْتَجُّ بِآيَةٍ أُخْرى يَعْسُرُ التَّخَلُّصُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِها، بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في أُصُولِ الفِقْهِ المالِكِيِّ والشّافِعِيِّ والحَنْبَلِيِّ، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ أنَّهُ إنْ ورَدَ اسْتِثْناءٌ (p-٣١٢)بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ، أوْ مُفْرَداتٍ مُتَعاطِفَةٍ، أنَّ الِاسْتِثْناءَ المَذْكُورَ يَرْجِعُ لِجَمِيعِها خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ يَرْجِعُ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَكُلُّ ما يَكُونُ فِيهِ العَطْفُ
؎مِن قَبْلِ الِاسْتِثْنا فَكُلًّا يَقْفُو ∗∗∗ دُونَ دَلِيلِ العَقْلِ أوْ ذِي السَّمْعِ
، إلَخْ.
وَإذا عَلِمْتَ أنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ رُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ لِكُلِّ المُتَعاطِفاتِ، وأنَّهُ لَوْ قالَ الواقِفُ في صِيغَةِ وقْفِهِ: هو وقْفٌ عَلى بَنِي تَمِيمٍ وبَنِي زُهْرَةَ والفُقَراءِ إلّا الفاسِقَ مِنهم، أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الوَقْفِ فاسِقُ الجَمِيعِ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى الجَمِيعِ، وأنَّ أبا حَنِيفَةَ وحْدَهُ هو القائِلُ بِرُجُوعِهِ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ شَهادَةَ القاذِفِ، ولَوْ تابَ وأصْلَحَ، وصارَ أعْدَلَ أهْلِ زَمانِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] يَرْجِعُ عِنْدَهُ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ لِلْأخِيرَةِ فَقَطْ وهي ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: فَقَدْ زالَ عَنْهُمُ اسْمُ الفِسْقِ، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ إلّا الَّذِينَ تابُوا، فاقْبَلُوا شَهادَتَهم بَلْ يَقُولُ: لا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا مُطْلَقًا بِلا اسْتِثْناءٍ؛ لِاخْتِصاصِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهُ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ولَمْ يُخالِفْ أبُو حَنِيفَةَ أُصُولَهُ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فَإنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ لِجَمِيعِ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ قَبْلَهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وغَيْرِهِ.
وَلَكِنَّ أبا حَنِيفَةَ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ أصْلَهُ؛ لِأنَّ الجُمَلَ الثَّلاثَ المَذْكُورَةَ جُمِعَتْ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، الَّتِي هي ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ لِأنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى الشِّرْكِ، والقَتْلِ والزِّنى في الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ قَبْلَهُ فَشَمَلَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مَعانِيَ الجُمَلِ قَبْلَها، فَصارَ رُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ لَها وحْدَها، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، عَلى أصْلِهِ المُقَرَّرِ: مُسْتَلْزِمًا لِرُجُوعِهِ لِلْجَمِيعِ.
وَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ داوُدَ يَحْتَجُّ لِجَوازِ جَمْعِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ أيْضًا (p-٣١٣)بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ فَيَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤] يَرْجِعُ لِكُلٍّ مِنهُما اسْتِثْناءٌ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى: وحَرَّمَ عَلَيْكم أنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم فَلا يُحَرَّمُ عَلَيْكم فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم، فَلا يُحَرَّمُ عَلَيْكم.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُحْصَناتِ في مَحَلِّهِ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ احْتِجاجَ داوُدَ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ جارٍ عَلى أُصُولِ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ، فَيَصْعُبُ عَلَيْهِمُ التَّخَلُّصُ مِنَ احْتِجاجِ داوُدَ هَذا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الجَوابَ عَنِ اسْتِدْلالِ داوُدَ المَذْكُورِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ في الآيَةِ نَفْسِها قَرِينَةً مانِعَةً مِن رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: بِالسَّبْيِ خاصَّةً مَعَ الكُفْرِ، وأنَّ المَعْنى والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم أيْ: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُتَزَوِّجاتُ مِنَ النِّساءِ؛ لِأنَّ المُتَزَوِّجَةَ لا تَحِلُّ لِغَيْرِ زَوْجِها إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مَعَ الكُفْرِ فَإنَّ السَّبْيَ يَرْفَعُ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ عَنِ المَسْبِيَّةِ، وتَحِلُّ لِسابِيها بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎وَذاتِ حَلِيلٍ أنَكَحَتْها رِماحُنا ∗∗∗ حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقِ
وَإذا كانَ مِلْكُ اليَمِينِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في السَّبْيِ خاصَّةً كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ كانَ ذَلِكَ مانِعًا مِن رُجُوعِهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾؛ لِأنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ في مِلْكِ اليَمِينِ مُطْلَقًا، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مُطْلَقًا، وأنَّ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقُها أنَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ، وأوْضَحْنا الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوابَ في رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِجَمِيعِ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ قَبْلَهُ أوْ بَعْضِها، يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ قَدْ يَدُلُّ عَلى (p-٣١٤)رُجُوعِهِ لِلْجَمِيعِ أوْ لِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ. ورُبَّما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ رُجُوعِهِ لِلْأخِيرَةِ الَّتِي تَلِيهِ، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ رُبَّما كانَ راجِعًا لِغَيْرِ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي تَلِيهِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِرُجُوعِهِ إلى الجَمِيعِ إلّا بَعْدَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ، ومَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنها. وهَذا القَوْلُ الَّذِي هو الوَقْفُ عَنْ رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى الجَمِيعِ أوْ بَعْضِها المُعَيَّنِ، دُونَ بَعْضٍ، إلّا بِدَلِيلٍ مَرْوِيٍّ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والغَزالِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، والآمِدِيِّ مِنَ الحَنابِلَةِ، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ هو الأصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩] وإذا رَدَدْنا هَذِهِ المَسْألَةَ إلى اللَّهِ، وجَدْنا القُرْآنَ دالًّا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ أيْضًا اسْتِدْلالُ داوُدَ.
فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فالِاسْتِثْناءُ راجِعٌ لِلدِّيَةِ، فَهي تَسْقُطُ بِتَصَدُّقِ مُسْتَحِقِّها بِها، ولا يَرْجِعُ لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ قَوْلًا واحِدًا؛ لِأنَّ تَصَدُّقَ مُسْتَحِقِّ الدِّيَةِ بِها لا يُسْقِطُ كَفّارَةَ القَتْلِ خَطَأً، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ الآيَةَ [النور: ٤ - ٥] فالِاسْتِثْناءُ لا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]؛ لِأنَّ القاذِفَ إذا تابَ لا تُسْقِطُ تَوْبَتُهُ حَدَّ القَذْفِ.
وَما يُرْوى عَنِ الشَّعْبِيِّ مِن أنَّها تُسْقِطُهُ، خِلافُ التَّحْقِيقِ الَّذِي هو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠] .
فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ الآيَةَ لا يُرْجِعُ قَوْلًا واحِدًا، إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، الَّتِي تَلِيهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ مِنَ الكُفّارِ أبَدًا، ولَوْ وصَلُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَكم، وبَيْنَهم مِيثاقٌ، بَلْ الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ لِلْأخْذِ والقَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] والمَعْنى: فَخُذُوهم بِالأسْرِ واقْتُلُوهم إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم، وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَلَيْسَ لَكم أخْذُهم بِأسْرٍ، ولا قَتْلُهم؛ لِأنَّ المِيثاقَ الكائِنَ لِمَن وصَلُوا إلَيْهِمْ يَمْنَعُ مِن أسْرِهِمْ، وقَتْلِهِمْ كَما اشْتَرَطَهُ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ في صُلْحِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كَما ذَكَرُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وفي سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلَجِيِّ، وفي بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ رُبَّما لَمْ يَرْجِعْ لِأقْرَبِ الجُمَلِ إلَيْهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ: الَّذِي هو في الطَّرَفِ الأعْلى (p-٣١٥)مِنَ الإعْجازِ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في الرُّجُوعِ إلى غَيْرِها.
وَمِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] عَلى ما قالَهُ: جَماعاتٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعُوا الشَّيْطانَ، كُلًّا بِدُونِ اسْتِثْناءٍ، قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ كَما تَرى.
واخْتَلَفُوا في مَرْجِعِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، فَقِيلَ: راجِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] وقِيلَ: راجِعٌ لِقَوْلِهِ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وإذا لَمْ يَرْجِعْ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ، لَمْ يَكُنْ نَصًّا في رُجُوعِهِ لِغَيْرِها.
وَقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ، وأنَّ المَعْنى: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ في الِاسْتِمْرارِ، عَلى مِلَّةِ آبائِكم مِنَ الكُفْرِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ إلّا قَلِيلًا كَمَن كانَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ في الجاهِلِيَّةِ، كَزَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ وقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وأمْثالِهِمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ عَبْدَ الرَّزّاقِ رَوى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْناهُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلًّا، قالَ: والعَرَبُ تُطْلِقُ القِلَّةَ، وتُرِيدُ بِها العَدَمَ، واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ الطِّرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ يَمْدَحُ يَزِيدَ بْنَ المُهَلَّبِ:
؎أشَمُّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوادِي ∗∗∗ قَلِيلُ المَثالِبِ والقادِحَهْ
يَعْنِي: لا مَثْلَبَةَ فِيهِ، ولا قادِحَةَ. وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ كُلَّ الظُّهُورِ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ تُطْلِقُ القِلَّةَ في لُغَتِها، وتُرِيدُ بِها العَدَمَ كَقَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِأرْضٍ قَلِيلٍ بِها الكُرّاثُ والبَصَلُ، يَعْنُونَ لا كُرّاثَ فِيها ولا بَصَلَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ∗∗∗ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
يُرِيدُ: أنَّ تِلْكَ الفَلاةَ لا صَوْتَ فِيها غَيْرُ بُغامِ ناقَتِهِ. وقَوْلُ الآخَرِ:
؎فَما بَأْسٌ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنا تَحِيَّةً ∗∗∗ قَلِيلًا لَدى مَن يَعْرِفُ الحَقَّ عابَها
يَعْنِي لا عابَ فِيها أيْ: لا عَيْبَ فِيها عِنْدَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ، وأمْثالُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. وبِالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا تَعْلَمُ: أنَّ الوَقْفَ عَنِ القَطْعِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِجَمِيعِ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ قَبْلَهُ إلّا لِدَلِيلٍ، هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وبِدَلالَتِها يَرُدُّ اسْتِدْلالَ داوُدَ المَذْكُورَ أيْضًا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٣١٦)المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في التَّمَتُّعِ بِمِلْكِ اليَمِينِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] خاصٌّ بِالرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَلا يَحِلُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَتَسَرّى عَبْدَها، وتَتَمَتَّعَ بِهِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الأكْثَرِينَ: أنَّ النِّساءَ لا يَدْخُلْنَ في الجُمُوعِ المُذَكَّرَةِ الصَّحِيحَةِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ؛ كَما أوْضَحْنا أدِلَّتَهُ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَها، وقالَتْ: تَأوَّلْتُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ فَأُتِيَ بِها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقالَ لَهُ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: تَأوَّلَتْ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى غَيْرِ وجْهِها، قالَ: فَضَرَبَ العَبْدَ، وجَزَّ رَأسَهُ وقالَ: أنْتِ بَعْدَهُ حَرامٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا أثَرٌ غَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ أوَّلِ سُورَةِ المائِدَةِ، وهو هَهُنا ألْيَقُ وإنَّما حَرَّمَها عَلى الرِّجالِ، مُعامَلَةً لَها بِنَقِيضِ قَصْدِها، واللَّهُ أعْلَمُ اهـ.
وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ: قَدْ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأةٌ غُلامَها، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَألَها ما حَمَلَكِ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَتْ: كُنْتُ أراهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي، كَما تَحِلُّ لِلرَّجُلِ المَرْأةُ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فاسْتَشارَ عُمَرُ في رَجْمِها أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: تَأوَّلَتْ كِتابَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ لا رَجْمَ عَلَيْها، فَقالَ عُمَرُ: لا جَرَمَ، واللَّهِ لا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ. عاقَبَها بِذَلِكَ، ودَرَأ الحَدَّ عَنْها، وأمَرَ العَبْدَ ألّا يَقْرَبَها.
وَعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ سَمِعَ أباهُ يَقُولُ: أنا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ جاءَتْهُ امْرَأةٌ بِغُلامٍ لَها وضِئٍ، فَقالَتْ: إنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ، فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما أنا بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الوَلِيدَةُ فَيَطَؤُها، فَإنَّهُ عَنى بَنِي عَمِّي فَقالَ عُمَرُ: أتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: أما واللَّهِ لَوْلا مَنزِلَتُكِ مِنَ الجَهالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالحِجارَةِ، ولَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إلى مَن يَخْرُجُ بِهِ إلى غَيْرِ بَلَدِها اهـ، مِنَ القُرْطُبِيِّ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا شَكَّ في أنَّ آيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ هَذِهِ الَّتِي هي ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى مَنعِ الِاسْتِمْناءِ بِاليَدِ المَعْرُوفِ، بِجَلْدِ عَمِيرَةَ، ويُقالُ لَهُ الخَضْخَضَةُ؛ لِأنَّ مَن تَلَذَّذَ بِيَدِهِ حَتّى أنْزَلَ مَنِيَّهُ بِذَلِكَ، قَدِ ابْتَغى وراءَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ، فَهو مِنَ العادِينَ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، وفي سُورَةِ سَألَ سائِلٌ [المعارج: ١] وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ الشّافِعِيَّ ومَن تَبِعَهُ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ (p-٣١٧)الآيَةِ، عَلى مَنعِ الِاسْتِمْناءِ بِاليَدِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: سَألْتُ مالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عَمِيرَةَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ اسْتِدْلالَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ وغَيْرِهِما مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، عَلى مَنعِ جَلْدِ عَمِيرَةَ الَّذِي هو الِاسْتِمْناءُ بِاليَدِ اسْتِدْلالٌ صَحِيحٌ بِكِتابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، ولَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يُعارِضُهُ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، وما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ مَعَ عِلْمِهِ، وجَلالَتِهِ ووَرَعِهِ مِن إباحَةِ جَلْدِ عَمِيرَةَ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِالقِياسِ قائِلًا: هو إخْراجُ فَضْلَةٍ مِنَ البَدَنِ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلى إخْراجِها فَجازَ، قِياسًا عَلى الفَصْدِ والحِجامَةِ، كَما قالَ في ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَراءِ:
؎إذا حَلَلْتَ بِوادٍ لا أنِيسَ بِهِ فاجْلِدْ عَمِيرَةَ لا عارٌ ولا حَرَجُ
فَهُوَ خِلافُ الصَّوابِ، وإنْ كانَ قائِلُهُ في المَنزِلَةِ المَعْرُوفَةِ الَّتِي هو بِها؛ لِأنَّهُ قِياسٌ يُخالِفُ ظاهِرَ عُمُومِ القُرْآنِ، والقِياسُ إنْ كانَ كَذَلِكَ رُدَّ بِالقادِحِ المُسَمّى فَسادَ الِاعْتِبارِ، كَما أوْضَحْناهُ في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ مِرارًا وذَكَرْنا فِيهِ قَوْلَ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ:
؎والخُلْفُ لِلنَّصِّ أوْ إجْماعٌ دَعا ∗∗∗ فَسادَ الِاعْتِبارِ كُلُّ مَن وعى
فاللَّهُ - جَلَّ وعَلا - قالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ البَتَّةَ إلّا النَّوْعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ وصَرَّحَ بِرَفْعِ المَلامَةِ في عَدَمِ حِفْظِ الفَرْجِ، عَنِ الزَّوْجَةِ، والمَمْلُوكَةِ فَقَطْ ثُمَّ جاءَ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ شامِلَةٍ لِغَيْرِ النَّوْعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، دالَّةٍ عَلى المَنعِ هي قَوْلُهُ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وهَذا العُمُومُ لا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ بِظاهِرِهِ، ناكِحَ يَدِهِ، وظاهِرُ عُمُومِ القُرْآنِ، لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، إلّا لِدَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، أمّا القِياسُ المُخالِفُ لَهُ فَهو فاسِدُ الِاعْتِبارِ، كَما أوْضَحْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ بَعْضَ مَن حَرَّمَ جَلْدَ عَمِيرَةَ، واسْتِدْلالَهم بِالآيَةِ ما نَصُّهُ: وقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَواهُ الإمامُ الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ في جُزْئِهِ المَشْهُورِ، حَيْثُ قالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثابِتٍ الجَزَرِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حَسّانَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «سَبْعَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولا يَجْمَعُهم مَعَ العامِلِينَ ويُدْخِلُهُمُ النّارَ أوَّلَ الدّاخِلِينَ إلّا أنْ يَتُوبُوا ومَن تابَ تابَ اللَّهُ (p-٣١٨)عَلَيْهِ: النّاكِحُ يَدَهُ، والفاعِلُ والمَفْعُولُ، ومُدْمِنُ الخَمْرِ، والضّارِبُ والِدَيْهِ، حَتّى يَسْتَغِيثا، والمُؤْذِي جِيرانَهُ حَتّى يَلْعَنُوهُ، والنّاكِحُ حَلِيلَةَ جارِهِ» اهـ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وإسْنادُهُ فِيهِ مَن لا يُعْرَفُ لِجَهالَتِهِ واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى مِنهُ. ولَكِنَّهُ عَلى ضَعْفِهِ يَشْهَدُ لَهُ في نِكاحِ اليَدِ ظاهِرُ القُرْآنِ في الجُمْلَةِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى مَنعِ ذَلِكَ، وإنَّما قِيلَ لِلِاسْتِمْناءِ بِاليَدِ: جَلَدَ عَمِيرَةَ؛ لِأنَّهم يُكَنُّونَ بِعَمِيرَةَ عَنِ الذَّكَرِ.
لَطِيفَةٌ: قَدْ ذُكِرَ في نَوادِرِ المُغَفَّلِينَ، أنَّ مُغَفَّلًا كانَتْ أُمُّهُ تَمْلِكُ جارِيَةً تُسَمّى عَمِيرَةَ فَضَرَبَتْها مَرَّةً، فَصاحَتِ الجارِيَةُ، فَسَمِعَ قَوْمٌ صِياحَها، فَجاءُوا وقالُوا: ما هَذا الصِّياحُ ؟ فَقالَ لَهم ذَلِكَ المُغَفَّلُ: لا بَأْسَ تِلْكَ أُمِّي كانَتْ تَجْلِدُ عَمِيرَةَ.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنّا قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى مَنعِ نِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - صَرَّحَ فِيها بِما يُعْلَمُ مِنهُ، وُجُوبُ حِفْظِ الفَرْجِ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّ المُبْتَغِيَ وراءَ ذَلِكَ مِنَ العادِينَ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ وأنَّ المَرْأةَ المُسْتَمْتَعَ بِها في نِكاحِ المُتْعَةِ، لَيْسَتْ زَوْجَةً، ولا مَمْلُوكَةً. أمّا كَوْنُها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَواضِحٌ، وأمّا الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها غَيْرَ زَوْجَةٍ، فَهو انْتِفاءُ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْها كالمِيراثِ والعِدَّةِ والطَّلاقِ والنَّفَقَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَوَرِثَتْ واعْتَدَّتْ ووَقَعَ عَلَيْها الطَّلاقُ، ووَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ، فَلَمّا انْتَفَتْ عَنْها لَوازِمُ الزَّوْجِيَّةِ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَلْزُومِ بِإجْماعِ العُقَلاءِ.
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ مُبْتَغِيَ نِكاحِ المُتْعَةِ مِنَ العادِينَ المُجاوِزِينَ ما أحَلَّ اللَّهُ إلى ما حَرَّمَ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ بِأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ مَمْنُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ يَخْفى عَلى طالِبِ العِلْمِ مَعْنى لَفْظَةِ عَلى في هَذِهِ الآيَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ مادَّةَ الحِفْظِ، لا تَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ الثّانِي في هَذا المَوْضُوعِ بِعَلى فَقِيلَ: إنَّ عَلى بِمَعْنى: عَنْ.
والمَعْنى: أنَّهم حافِظُونَ فُرُوجَهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إلّا عَنْ أزْواجِهِمْ، وحَفِظَ قَدْ تَتَعَدّى بِعْنَ.
وَحاوَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجَوابَ عَنِ الإتْيانِ بِعَلى هُنا فَقالَ ما نَصُّهُ (p-٣١٩)”عَلى أزْواجِهِمْ“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إلّا والِينَ، عَلى أزْواجِهِمْ، أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ، فَماتَ عَنْها، فَخَلَفَ عَلَيْها فُلانٌ، ونَظِيرُهُ: كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ: والِيًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ، ومِن ثَمَّةَ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا.
والمَعْنى: أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في كافَّةِ الأحْوالِ، إلّا في تَزَوُّجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ، أوْ تَعَلُّقِ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ مَلُومِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أيْ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم، فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، أوْ تَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ: احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي عَلى تَضْمِينِهِ، مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى: ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ. اهـ مِنهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن عَدَمِ الظُّهُورِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي تَكَلَّفَها الزَّمَخْشَرِيُّ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ، وهي مُتَكَلَّفَةٌ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ حافِظُونَ مَعْنى: مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مَعَ أنَّ المَمْلُوكاتِ مِن جُمْلَةِ العُقَلاءِ، والعُقَلاءُ يُعَبَّرُ عَنْهم بِمَن لا بِما هو أنَّ الإماءَ لَمّا كُنَّ يَتَّصِفْنَ بِبَعْضِ صِفاتِ غَيْرِ العُقَلاءِ كَبَيْعِهِنَّ وشِرائِهِنَّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِإطْلاقِ لَفْظَةِ ما عَلَيْهِنَّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ وراءَ ذَلِكَ، هو مَفْعُولُ ابْتَغى أيْ: ابْتَغى سِوى ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَفْعُولَ بِهِ مَحْذُوفٌ، ووَراءَ ظَرْفٌ، أيْ: فَمَنِ ابْتَغى مُسْتَمْتِعًا لِفَرْجِهِ، وراءَ ذَلِكَ.
المؤمنون 23:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الفِرْدَوْسَ: أنَّهم راعُونَ لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ، أيْ: مُحافِظُونَ عَلى الأماناتِ، والعُهُودِ، والأمانَةُ تَشْمَلُ: كُلَّ ما اسْتَوْدَعَكَ اللَّهُ، وأمَرَكَ بِحِفْظِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها حِفْظُ جَوارِحِكَ مِن كُلِّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ، وحِفْظُ ما ائْتُمِنتَ عَلَيْهِ مِن حُقُوقِ النّاسِ، والعُهُودُ أيْضًا تَشْمَلُ: كُلَّ ما أُخِذَ عَلَيْكَ العَهْدُ بِحِفْظِهِ، مِن حُقُوقِ اللَّهِ، وحُقُوقِ النّاسِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن حِفْظِ الأماناتِ والعُهُودِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ (p-٣٢٠)
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى في سَألَ سائِلٌ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢]
• وقَوْلِهِ في العَهْدِ ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٨]،
وقَوْلِهِ: راعُونَ: جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِلرّاعِي، وهو القائِمُ عَلى الشَّيْءِ، بِحِفْظٍ أوْ إصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» الحَدِيثَ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: لِأمانَتِهِمْ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ والباقُونَ بِألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ.
المؤمنون 23:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الفِرْدَوْسَ: أنَّهم يُحافِظُونَ عَلى صَلَواتِهِمْ والمُحافَظَةُ عَلَيْها تَشْمَلُ إتْمامَ أرْكانِها، وشُرُوطِها، وسُنَنِها، وفِعْلِها في أوْقاتِها في الجَماعاتِ في المَساجِدِ، ولِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ مِن أسْبابِ نَيْلِ الفِرْدَوْسِ أمَرَ تَعالى بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٨]، وقالَ تَعالى في سُورَةِ المَعارِجِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وقالَ فِيها أيْضًا ﴿إلّا المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٣] وذَمَّ وتَوَعَّدَ مَن لَمْ يُحافِظْ عَلَيْها في قَوْلِهِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] .
وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ الآيَةَ [الماعون: ٥٤]، وقالَ تَعالى في ذَمِّ المُنافِقِينَ ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤٢]، وفي الصَّحِيحِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ ”الصَّلاةُ عَلى وقْتِها“» (p-٣٢١)الحَدِيثَ، وقَدْ قَدَّمْناهُ والأحادِيثُ في فَضْلِ الصَّلاةِ والمُحافَظَةِ عَلَيْها كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولَكِنَّ مَوْضُوعَ كِتابِنا بَيانُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، ولا نَذْكُرُ غالِبًا البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، إلّا إذا كانَ في القُرْآنِ بَيانٌ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، فَنُتَمِّمُ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا، وذَكَرْناهُ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
المؤمنون 23:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ، الَّتِي قَدَّمْنا هُمُ الوارِثُونَ، وحَذَفَ مَفْعُولَ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو الوارِثُونَ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] عَلَيْهِ. والفِرْدَوْسُ: أعْلى الجَنَّةِ، وأوْسَطُها، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - جَلَّ وعَلا -، وعَبَّرَ تَعالى عَنْ نَيْلِ الفِرْدَوْسِ هُنا باسِمِ الوِراثَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الوِراثَةِ والآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: عَلى صَلاتِهِمْ بِغَيْرِ واوٍ، بِصِيغَةِ الإفْرادِ وقَرَأ الباقُونَ: عَلى صَلَواتِهِمْ [المؤمنون: ٩] بِالواوِ المَفْتُوحَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، كانَ صِيغَةَ عُمُومٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾، أيْ: بِلا انْقِطاعٍ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقالَ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦]
كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى.
المؤمنون 23:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أطْوارَ خَلْقِهِ الإنْسانَ ونَقْلِهِ لَهُ، مِن حالٍ إلى حالٍ، لِيَدُلَّ خَلْقُهُ بِذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا -، وقَدْ أوْضَحْنا في (p-٣٢٢)أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ مَعْنى النذُّطْفَةِ، والعَلَقَةِ، والمُضْغَةِ، وبَيَّنّا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في المُخَلَّقَةِ، وغَيْرِ المُخَلَّقَةِ، والصَّحِيحِ مِن ذَلِكَ وأوْضَحْنا أحْكامَ الحَمْلِ إذا سَقَطَ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً هَلْ تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الحامِلِ أوْ لا ؟
وَهَلْ تَكُونُ الأمَةُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ إنْ كانَ مِن سَيِّدِها أوْ لا ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الحَمْلِ السّاقِطِ، ومَتى يَرِثُ، ويُوَرَّثُ، ومَتى يُصَلّى عَلَيْهِ، وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآياتِ [الحج: ٥]، وسَنَذْكُرُ هُنا ما لَمْ نُبَيِّنْهُ هُنالِكَ مَعَ ذِكْرِ الآياتِ الَّتِي لَها تَعَلُّقٌ بِهَذا المَعْنى، أمّا مَعْنى السُّلالَةِ: فَهي فُعالَةٌ مِن سَلَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ، إذا اسْتَخْرَجْتَهُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎خَلَقَ البَرِيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ وإلى السُّلالَةِ كُلِّها سَتَعُودُ
والوَلَدُ سُلالَةُ أبِيهِ كَأنَّهُ انْسَلَّ مِن ظَهْرِ أبِيهِ.
وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةُ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
وَبِناءُ الِاسْمِ عَلى الفُعالَةِ، يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كَقُلامَةِ الظُّفْرِ، ونُحاتَةِ الشَّيْءِ المَنحُوتِ، وهي ما يَتَساقَطُ مِنهُ عِنْدَ النَّحْتِ، والمُرادُ بِخَلْقِ الإنْسانِ مِن سُلالَةِ الطِّينِ: خَلْقُ أبِيهِمْ آدَمَ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
وَقَدْ أوْضَحْنا فِيما مَضى أطْوارَ ذَلِكَ التُّرابِ، وأنَّهُ لَمّا بُلَّ بِالماءِ صارَ طِيبًا ولَمّا خُمِّرَ صارَ طِينًا لازِبًا يُلْصَقُ بِاليَدِ، وصارَ حَمَأً مَسْنُونًا، قالَ بَعْضُهم: طِينًا أسْوَدَ مُنْتِنًا، وقالَ بَعْضُهم: المَسْنُونُ: المُصَوَّرُ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ الحِجْرِ، ثُمَّ لَمّا خَلَقَهُ مِن طِينٍ خَلَقَ مِنهُ زَوْجَهُ حَوّاءَ، كَما قالَ في أوَّلِ النِّساءِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] وقالَ في الأعْرافِ ﴿وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقالَ في الزُّمَرِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الزمر: ٦] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ، ثُمَّ لَمّا خَلَقَ الرَّجُلَ والمَرْأةَ، كانَ وُجُودُ جِنْسِ الإنْسانِ مِنهُما عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ، فَأوَّلُ أطْوارِهِ: النُّطْفَةُ، ثُمَّ العَلَقَةُ، إلَخْ.
وَقَدْ بَيَّنّا أغْلَبَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] يَعْنِي: بَدْأهُ خَلْقَ نَوْعِ الإنْسانِ بِخَلْقِ آدَمَ، وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣]، أيْ: بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ وحَوّاءَ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جَعَلْناهُ (p-٣٢٣)لِنَوْعِ الإنْسانِ، الَّذِي هو النَّسْلُ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أيْ: ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، كَما أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في سُورَةِ السَّجْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٦ - ٩] وأشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أطْوارِ خَلْقِهِ الإنْسانَ، أمَرَ كُلَّ مُكَلَّفٍ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ إلّا لِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْهُ، كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ الآيَةَ [الطارق: ٥ - ٦]، وقَدْ أشارَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِنَقْلِهِ الإنْسانَ في خَلْقِهِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، كَما أوْضَحَهُ هُنا؛ وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٣ - ١٤] وبَيَّنَ أنَّ انْصِرافَ خَلْقِهِ عَنِ التَّفَكُّرِ في هَذا والِاعْتِبارِ بِهِ مِمّا يَسْتَوْجِبُ التَّساؤُلَ والعَجَبَ، وأنَّ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ قُدْرَتِهِ نَقْلَهُ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، إلى العَلَقَةِ، ومِنَ العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلَخْ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشُقَّ بَطْنَ أُمِّهِ بَلْ هو مُسْتَتِرٌ بِثَلاثِ ظُلُماتٍ: وهي ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى الجَنِينِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] فَتَأمَّلْ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾، أيْ: عَنْ هَذِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ، الَّتِي فَعَلَها فِيكم رَبُّكم ومَعْبُودُكم. وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] ثُمَّ ذَكَرَ الحِكْمَةَ فَقالَ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥] أيْ: لِنُظْهِرَ لَكم بِذَلِكَ عَظَمَتَنا، وكَمالَ قُدْرَتِنا، وانْفِرادَنا بِالإلَهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وقالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ أبْهَمَ هَذِهِ الأطْوارَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ (p-٣٢٤)﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] وذَلِكَ الإبْهامُ يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِمْ وعَظَمَةِ خالِقِهِمْ - جَلَّ وعَلا -، فَسُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وما أكْمَلَ قُدْرَتَهُ، وما أظْهَرَ بَراهِينَ تَوْحِيدِهِ، وقَدْ بَيَّنَ في آيَةِ المُؤْمِنُونَ هَذِهِ: أنَّهُ يَخْلُقُ المُضْغَةَ عِظامًا، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ يُرَكِّبُ بَعْضَ تِلْكَ العِظامِ مَعَ بَعْضٍ، تَرْكِيبًا قَوِيًّا، ويَشُدُّ بَعْضَها مَعَ بَعْضٍ، عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأبْدَعِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٢٨]، والأسْرُ: شَدُّ العِظامِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، وتَآسِيرُ السَّرْجِ ومَرْكَبُ المَرْأةِ السُّيُورُ الَّتِي يُشَدُّ بِها، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎وَما دَخَلَتْ في الخَدْبِ حَتّى تَنَقَّضَتْ ∗∗∗ تَآسِيرُ أعْلى قَدِّهِ وتَحَطَّما
وَفِي صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ: أسَرَ قَتَبَهُ يَأْسِرُهُ أسْرًا شَدَّهُ بِالأسارِ وهو القَدُّ، ومِنهُ سُمِّيَ الأسِيرُ، وكانُوا يَشُدُّونَهُ بِالقَدِّ، فَقَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ: أسْرَهم أيْ: خَلْقَهم فِيهِ قُصُورٌ في التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ الأسْرَ هو الشَّدُّ القَوِيُّ بِالأسارِ الَّذِي هو القَدُّ، وهو السَّيْرُ المَقْطُوعُ مِن جِلْدِ البَعِيرِ ونَحْوِهِ، الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَشُدُّ بَعْضَ العِظامِ بِبَعْضٍ، شَدًّا مُحْكَمًا مُتَماسِكًا كَما يَشُدُّ الشَّيْءَ بِالقَدِّ، والشَّدُّ بِهِ قَوِيٌّ جِدًّا، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] القَرارُ هُنا: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمَكِينُ: المُتَمَكِّنُ، وصَفَ القَرارَ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يُعْرَضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القَرارُ: المُسْتَقِرُّ، والمُرادُ بِهِ: الرَّحِمُ وُصِفَتْ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها، أوْ بِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها مُكِّنَتْ بِحَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ، بَلْ كُلُّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وجُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبُ فِطْرَةٍ، وغَرائِبُ حِكْمَةٍ، لا تُدْرَكُ بِوَصْفِ الواصِفِ، ولا بِشَرْحِ الشّارِحِ، انْتَهى مِنهُ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ في الخَلْقِ الآخَرِ المَذْكُورِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: ”هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أنْ كانَ جَمادًا“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا“، وقالَ قَتادَةُ: عَنْ فُرْقَةِ نَباتِ شَعْرِهِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خُرُوجُ الأسْنانِ، ونَباتُ الشَّعْرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والصَّحِيحُ، أنَّهُ عامٌّ في هَذا وفي غَيْرِهِ مِنَ النُّطْقِ والإدْراكِ، وتَحْصِيلِ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، اهـ مِنهُ.
(p-٣٢٥)والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أنَّهُ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا بَعْدَ أنْ كانَ نُطْفَةً، ومُضْغَةً، وعَلَقَةً، وعِظامًا كَما هو واضِحٌ.
* *
مَسْألَةٌ
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَلى أنَّ مَن غَصَبَ بَيْضَةً، فَأفْرَخَتْ عِنْدَهُ أنَّهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ، ولا يَرُدُّ الفَرْخَ؛ لِأنَّ الفَرْخَ خَلْقٌ آخَرُ سِوى البَيْضَةِ، فَهو غَيْرُ ما غَصَبَ، وإنَّما يَرُدُّ الغاصِبُ ما غَصَبَ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وقَوْلُهُ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: تَبارَكَ: فِعْلٌ ماضٍ لا يَنْصَرِفُ، ومَعْناهُ: تَعالى وتَقَدَّسَ. اهـ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيِ: المُقَدِّرِينَ والعَرَبُ تُطْلِقُ الخَلْقَ وتُرِيدُ التَّقْدِيرَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
فَقَوْلُهُ: يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي، أيْ: يُقَدِّرُ الأمْرَ، ثُمَّ لا يُنَفِّذُهُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ كَما هو مَعْلُومٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّحْوِيِّينَ مُخْتَلِفُونَ في صِيغَةِ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ، هَلْ إضافَتُها إضافَةٌ مَحْضَةٌ، أوْ لَفْظِيَّةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ ؟ فَمَن قالَ: هي مَحْضَةٌ أعْرَبَ قَوْلَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ نَعْتًا لِلَفْظِ الجَلالَةِ، ومَن قالَ: هي غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، وقَرَأ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ [المؤمنون: ١٣] وقَوْلُهُ ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ ابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ عَظْمًا: بِفَتْحِ العَيْنِ، وإسْكانِ الظّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ فِيهِما، وقَرَأهُ الباقُونَ: عِظامًا بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الظّاءِ، وألِفٍ بَعْدَها بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ، فالمُرادُ بِالعَظْمِ: العِظامُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا بِإيضاحٍ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ وغَيْرِها أنَّ المُفْرَدَ إنْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ، قَدْ تُطْلِقُهُ العَرَبُ، وتُرِيدُ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ، وكَلامِ العَرَبِ مَعَ تَعْرِيفِهِ وتَنْكِيرِهِ وإضافَتِهِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:15
(p-٣٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهم بَعْدَ أنْ أنْشَأهم خَلْقًا آخَرَ، فَأخْرَجَ الواحِدَ مِنهم مِن بَطْنِ أُمِّهِ صَغِيرًا، ثُمَّ يَكُونُ مُحْتَلِمًا، ثُمَّ يَكُونُ شابًّا، ثُمَّ يَكُونُ كَهْلًا، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخًا، ثُمَّ هَرَمًا أنَّهم كُلَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ مَن عُمِّرَ مِنهم ومَن لَمْ يُعَمَّرْ، ثُمَّ هم بَعْدَ المَوْتِ يُبْعَثُونَ أحْياءً، يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا المَوْتُ والحَياةُ المَذْكُورانِ هُنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ نَظِيرٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُما إماتَتانِ وإحْياءَتانِ ذُكِرَ مِن كُلٍّ مِنهُما واحِدَةٌ هُنا، وذُكِرَ الجَمِيعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ الحَجِّ والبَقَرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ولُزُومِ الإيمانِ بِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
المؤمنون 23:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ (١٧)، في قَوْلِهِ تَعالى: ”طَرائِقَ“ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
أحَدُهُما: أنَّها قِيلَ لَها طَرائِقُ؛ لِأنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِمْ: طارَقَ النَّعْلَ إذا صَيَّرَها طاقًا فَوْقَ طاقٍ، ورَكَّبَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «كَأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجانُّ المُطْرَقَةُ» أيِ: التِّراسُ الَّتِي جُعِلَتْ لَها طَبَقاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ نَعْلًا لَهُ مُطارَقَةٌ:
؎وَطِراقٌ مِن خَلْفِهِنَّ طِراقٌ ساقِطاتٌ تَلْوِي بِها الصَّحْراءُ
يَعْنِي: نِعالَ الإبِلِ، ومِنهُ قَوْلُهم: طائِرٌ طَرّاقُ الرِّيشِ، ومَطْرَقَةٌ إذا رَكِبَ بَعْضُ رِيشِهِ بَعْضًا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ يَصِفُ بازِيًا:
؎أهْوى لَها أسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُطْرِقٌ ∗∗∗ رِيشَ القَوادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ بازِيًا أيْضًا:
؎طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ رِيعِهِ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وَقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ قَطاةً:
؎سَكّاءُ مَخْطُومَةٌ في رِيشِها طَرْقٌ ∗∗∗ سُودٌ قَوادِمُها كَدَّرَ خَوافِيَها
فَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ يُوَضِّحُ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى (p-٣٢٧)﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ الآيَةَ [نوح: ١٥] وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها قِيلَ لَها طَرائِقُ؛ لِأنَّها طُرُقُ المَلائِكَةِ في النُّزُولِ والعُرُوجِ، وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ الكَواكِبِ في مَسِيرِها، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: قِيلَ لَها طَرائِقُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةٌ وهَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الأُخْرى، وقَوْلُ مَن قالَ: طَرائِقُ ؟ أيْ مَبْسُوطاتٌ فَكِلاهُما ظاهِرُ البُعْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْناهُ كَقَوْلِهِ ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥]؛ لِأنَّ مَن يُمْسِكُ السَّماءَ لَوْ كانَ يَغْفُلُ لَسَقَطَتْ فَأهْلَكَتِ الخَلْقَ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وقالَ بَعْضُهم ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] بَلْ نَحْنُ القائِمُونَ بِإصْلاحِ جَمِيعِ شُئُونِهِمْ، وتَيْسِيرِ كُلِّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ يَعْنِي: السَّماواتُ بُرْهانٌ عَلى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ، مَعَ عِظَمِها فَلا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ الآيَةَ [النازعات: ٢٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا مُتَعَدِّدَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَراهِينَ البَعْثِ الَّتِي هَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِها، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِها وهي مَذْكُورَةٌ هُنا، ولَمْ نُوَضِّحْها هُنا لِأنّا أوْضَحْناها فِيما سَبَقَ في النَّحْلِ والبَقَرَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مُعَظِّمًا نَفْسَهُ - جَلَّ وعَلا - بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُرادِ بِها التَّعْظِيمُ وأنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ أسْكَنَهُ في الأرْضِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النّاسُ في الآبارِ، والعُيُونِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ لَوْ شاءَ أنْ يُذْهِبَهُ فَيَهْلِكُ جَمِيعُ الخَلْقِ بِسَبَبِ ذَهابِ الماءِ مِن أصْلِهِ جُوعًا وعَطَشًا وبَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَهُ ”بِقَدَرٍ“ أيْ: بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ يَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ الخَلْقِ ولا يُكَثِّرُهُ عَلَيْهِمْ، حَتّى يَكُونَ كَطُوفانِ نُوحٍ لِئَلّا يُهْلِكَهم، فَهو يُنْزِلُهُ بِالقَدْرِ الَّذِي فِيهِ المَصْلَحَةُ، دُونَ المَفْسَدَةِ سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - ما أعْظَمَهُ وما أعْظَمَ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ، وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَتْ مُبَيَّنَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
(p-٣٢٨)الأُولى: الَّتِي هي كَوْنُهُ: أنْزَلَهُ بِقَدَرٍ أشارَ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
والثّانِيَةُ: الَّتِي هي إسْكانُهُ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ بَيَّنَها في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] واليَنْبُوعُ: الماءُ الكَثِيرُ وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] عَلى ما قَدَّمْنا في الحِجْرِ.
والثّالِثَةُ: الَّتِي هي قُدْرَتُهُ عَلى إذْهابِهِ أشارَ لَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [ ٦٧ ] ويُشْبِهُ مَعْناها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]؛ لِأنَّهُ إذا صارَ مِلْحًا أُجاجًا لا يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنهُ، ولا الِانْتِفاعُ بِهِ صارَ في حُكْمِ المَعْدُومِ، وقَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إنْزالِهِ الماءَ مِنَ السَّماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] فَصَرَّحَ بِأنَّ الوَدْقَ الَّذِي هو المَطَرُ يَخْرُجُ مِن خِلالِ السَّحابِ الَّذِي هو المُزْنُ، وهو الوِعاءُ الَّذِي فِيهِ الماءُ وبَيَّنَ أنَّ السَّحابَةَ تَمْتَلِئُ مِنَ الماءِ حَتّى تَكُونَ ثَقِيلَةً لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٧] فَقَوْلُهُ: ثِقالًا جَمْعُ ثَقِيلَةٍ، وثِقَلُها إنَّما هو بِالماءِ الَّذِي فِيها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] جَمْعُ سَحابَةٍ ثَقِيلَةٍ.
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الماءَ في المُزْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِن خِلالِ السَّحابِ، وخِلالُ الشَّيْءِ ثُقُوبُهُ وفُرُوجُهُ الَّتِي هي غَيْرُ مَسْدُودَةٍ، وبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّهُ هو الَّذِي يُنَزِّلُهُ ويُصَرِّفُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشاءُ، فَيُكْثِرُ المَطَرَ في بِلادِ قَوْمٍ سَنَةً، حَتّى يَكْثُرَ فِيها الخِصْبُ وتَتَزايَدَ فِيها النِّعَمُ، لِيَبْتَلِيَ أهْلَها في شُكْرِ النِّعْمَةِ، وهَلْ يَعْتَبِرُونَ بِعِظَمِ الآيَةِ في إنْزالِ الماءِ، ويُقِلُّ المَطَرَ عَلَيْهِمْ في بَعْضِ السِّنِينَ، فَتَهْلِكُ مَواشِيهِمْ مِنَ الجَدْبِ ولا تَنْبُتُ زُرُوعُهم، ولا تُثْمِرُ أشْجارُهم، لِيَبْتَلِيَهم بِذَلِكَ، هَلْ يَتُوبُونَ إلَيْهِ، ويَرْجِعُونَ إلى ما يُرْضِيهِ.
وَبَيَّنَ أنَّهُ مَعَ الإنْعامِ العامِّ عَلى الخَلْقِ بِإنْزالِ المَطَرِ بِالقَدْرِ المُصْلِحِ وإسْكانِ مائِهِ في الأرْضِ لِيَشْرَبُوا مِنهُ هم، وأنْعامُهم، ويَنْتَفِعُوا بِهِ أبى أكْثَرُهم إلّا الكُفْرَ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٥٠] .
(p-٣٢٩)وَلا شَكَّ أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن أبى مِنهم إلّا كُفُورًا الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَطَرَ لَمْ يُنَزِّلْهُ مُنَزِّلٌ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وإنَّما نَزَلَ بِطَبِيعَتِهِ، فالمُنَزِّلُ لَهُ عِنْدَهم: هو الطَّبِيعَةُ، وأنَّ طَبِيعَةَ الماءِ التَّبَخُّرُ، إذا تَكاثَرَتْ عَلَيْهِ دَرَجاتُ الحَرارَةِ مِنَ الشَّمْسِ أوْ الِاحْتِكاكِ بِالرِّيحِ، وأنَّ ذَلِكَ البُخارَ يَرْتَفِعُ بِطَبِيعَتِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ، ثُمَّ يَتَقاطَرُ، وأنَّ تَقاطُرَهُ ذَلِكَ أمْرٌ طَبِيعِيٌّ لا فاعِلَ لَهُ، وأنَّهُ هو المَطَرُ. فَيُنْكِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ في إنْزالِهِ المَطَرَ ويُنْكِرُونَ دَلالَةَ إنْزالِهِ عَلى قُدْرَةِ مُنَزِّلِهِ، ووُجُوبِ الإيمانِ بِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، فَمِثْلُ هَؤُلاءِ داخِلُونَ في قَوْلِهِ ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ .
وَقَدْ صَرَّحَ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ صَرَّفْناهُ أنَّهُ تَعالى، هو مُصَرِّفُ الماءِ، ومُنَزِّلُهُ حَيْثُ شاءَ كَيْفَ شاءَ. ومِن قَبِيلِ هَذا المَعْنى: ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ بِالحُدَيْبِيَةِ في أثَرِ السَّماءِ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ”هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكم ؟“ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: " قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي، وكافِرٌ بِي: فَأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» . هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: مُطِرْنا بِبُخارِ كَذا مُسْنِدًا ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ، أنَّهُ كافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالطَّبِيعَةِ والبُخارِ، والعَرَبُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ بَعْضَ المَطَرِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، إلّا أنَّهم يُسْنِدُونَ فِعْلَ ذَلِكَ لِلْفاعِلِ المُخْتارِ - جَلَّ وعَلا -، ومِن أشْعارِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎لا تَلُمْنِي إنَّها مِن نِسْوَةٍ رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقالِيتٍ نُزُرْ
؎كَبَناتِ البَحْرِ يَمْأدْنَ إذا ∗∗∗ أنْبَتَ الصَّيْفُ عَسالِيجَ الخُضَرْ.
فَقَوْلُهُ: بَناتُ البَحْرِ يَعْنِي: المُزْنَ الَّتِي أصْلُ مائِها مِنَ البَحْرِ.
وَقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎سَقى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ
؎حَناتِمُ غُرٌّ ماؤُهُنَّ ثَجِيجُ ∗∗∗ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ
؎مَتى لُجَجٌ خُضْرٌ لَهُنَّ نَئِيجُ ∗∗∗ .
وَلا شَكَّ أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ - جَلَّ وعَلا -، هو مُنَزِّلُ المَطَرِ عَلى القَدْرِ الَّذِي يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
المؤمنون 23:19
(p-٣٣٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضَّحَةَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١] وغَيْرَها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾، قَوْلُهُ: شَجَرَةً: مَعْطُوفٌ عَلى: جَنّاتٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقَدْ قَدَّمْنا مُسَوِّغَهُ مِرارًا أيْ: فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ، وأنْشَأْنا لَكم بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، كَما أشارَ لَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٥]، والدُّهْنُ الَّذِي تَنْبُتُ بِهِ: هو زَيْتُها المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] ومَعَ الِاسْتِضاءَةِ مِنها، فَهي صِبْغٌ لِلْآكِلِينَ أيْ: إدامٌ يَأْتَدِمُونَ بِهِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: سِيناءُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: تُنْبِتُ بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مُضارِعُ أنْبَتَ الرُّباعِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ: تَنْبُتُ بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الباءِ مُضارِعُ: نَبَتَ الثُّلاثِيِّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَلا إشْكالَ في حَرْفِ الباءِ في قَوْلِهِ: بِالدُّهْنِ أيْ: تَنْبُتُ مَصْحُوبَةً بِالدُّهْنِ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِن زَيْتُونِها، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، فَفي الباءِ إشْكالٌ، وهو: أنَّ أنْبَتَ الرُّباعِيَّ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى الباءِ وقَدْ قَدَّمْنا النُّكْتَةَ في الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الباءِ في القُرْآنِ، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٥]، ولا يَخْفى أنَّ أنْبَتَ الرُّباعِيَّ، عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو هُنا: لازِمَةٌ لا مُتَعَدِّيَةُ المَفْعُولِ، وأنْبَتَ تَتَعَدّى، وتَلْزَمُ فَمِن تَعَدِّيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ومِن لُزُومِها قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو المَذْكُورَةُ، ونَظِيرُها مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
فَقَوْلُهُ: أنْبَتَ البَقْلُ لازِمٌ بِمَعْنى: نَبَتَ، وهَذا هو الصَّوابُ في قِراءَةِ: (تُنْبِتُ) بِضَمِّ التّاءِ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّها مُضارِعُ أنْبَتَ المُتَعَدِّي: وأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ أيْ: تُنْبِتُ (p-٣٣١)زَيْتُونَها، وفِيهِ الزَّيْتُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الطُّورُ: هو الجَبَلُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما يُسَمّى طُورًا إذا كانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإنْ عُرِّيَ عَنِ الشَّجَرِ، سُمِّيَ جَبَلًا لا طُورًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وطُورُ سَيْناءَ: هو طُورُ سِنِينَ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وما حَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ، الَّتِي فِيها شَجَرُ الزَّيْتُونِ. اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَفِي حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السّاعِدِيِّ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» رَواهُ أحْمَدُ ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن مَقالٍ، وقالَ فِيهِ العَجْلُونِيُّ في كَشْفِ الخَفاءِ ومُزِيلِ الإلْباسِ رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عُمَرَ وابْنُ ماجَهْ فَقَطْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَلى شَرْطِهِما ثُمَّ قالَ: وفي البابِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . اهـ مِنهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، وما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ الأحْكامِ الفِقْهِيَّةِ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٦] مَعَ بَيانِ أوْجُهِ القِراءَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”عَلَيْها“ راجِعٌ إلى الأنْعامِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ﴾ [المؤمنون: ٢١] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ يَحْمِلُ خَلْقَهُ عَلى الأنْعامِ، والمُرادُ بِها هُنا الإبِلُ؛ لِأنَّ الحَمْلَ عَلَيْها هو الأغْلَبُ، وعَلى الفُلْكِ: وهي السُّفُنُ ولَفْظُ الفُلْكِ، يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ مِنَ السُّفُنِ، وما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى خَلْقِهِ بِما يَسَّرَ لَهم مِنَ الرُّكُوبِ والحَمْلِ، عَلى الأنْعامِ والسُّفُنِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨٠]
• وقَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]
• وقَوْلِهِ فِيها ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]
• وقَوْلِهِ في (p-٣٣٢)الفُلْكِ والأنْعامِ مَعًا: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]
• وقَوْلِهِ في السُّفُنِ: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وهَذا مِن نِعَمِهِ وآياتِهِ، وقَرَنَ الأنْعامَ بِالفُلْكِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ الإبِلَ سَفائِنُ البَرِّ، كَما قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ألا خُيِّلَتْ مِنِّي وقَدْ نامَ صُحْبَتِي فَما نَفَرَ التَّهْوِيمَ إلّا سَلامُها طَرُوقًا
؎وَجُلَبُ الرَّحْلِ مَشْدُودَةٌ بِها ∗∗∗ سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها
فَتَراهُ سَمّى ناقَتَهُ سَفِينَةَ بَرٍّ وجُلَبُ الرَّحْلِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ عِيدانُهُ أوِ الرَّحْلُ بِما فِيهِ:
المؤمنون 23:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾، قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى ما فِيهِ مِنَ الآياتِ، الَّتِي لَها بَيانٌ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ بَعْدَ إرْسالِ نُوحٍ والرَّسُولِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ أرْسَلَ رُسُلَهُ تَتْرى أيْ: مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وكُلُّ مُتَتابِعٍ مُتَتالٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ مُتَواتِرًا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِها مُتَواتِرٌ في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها
يَعْنِي: مَطَرًا مُتَتابِعًا، أوْ غُبارَ رِيحٍ مُتَتابِعًا، وتاءُ تَتْرى مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وأنَّهُ كُلَّ ما أرْسَلَ رَسُولًا إلى أُمَّةٍ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكَهم، وأتْبَعَ بَعْضَهم بَعْضًا في الإهْلاكِ المُتْسَأْصِلِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَذا المَعْنى المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ بُيِّنَتْ آيَةُ اسْتِثْناءِ أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِن هَذا الإهْلاكِ المَذْكُورِ.
أمّا الآياتُ المُوَضِّحَةُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَهي كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٣٣)﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
أمّا الآيَةُ الَّتِي بَيَّنَتِ اسْتِثْناءَ أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٨]، وظاهِرُ آيَةِ الصّافّاتِ أنَّهم آمَنُوا إيمانًا حَقًّا، وأنَّ اللَّهَ عامَلَهم بِهِ مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ في الصِّفاتِ ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨] لِأنَّ ظاهِرَ إطْلاقِ قَوْلِهِ: فَآمَنُوا، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَمِنَ الأُمَمِ الَّتِي نَصَّ عَلى أنَّهُ أهْلَكَها وجَعَلَها أحادِيثَ سَبَأٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيهِمْ: ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ١٩]، وقَوْلُهُ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ: أخْبارًا وقِصَصًا يُسْمَرُ بِها، ويُتَعَجَّبُ مِنها، كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في مَقْصُورَتِهِ:
؎وَإنَّما المَرْءُ حَدِيثُ بَعْدِهِ ∗∗∗ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: تَتْرًا بِالتَّنْوِينِ: وهي لُغَةُ كِنانَةَ، والباقُونَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ: وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، وسَهَّلَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ مِن قَوْلِهِ: جَآءَ أُمَّةٍ، وقَرَأها الباقُونَ بِالتَّحْقِيقِ، كَما هو مَعْلُومٌ. وقَوْلُهُ ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] مَصْدَرٌ لا يَظْهَرُ عامِلُهُ، وقَدْ بَعُدَ بَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وبُعْدًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أيْ: هَلَكَ فَقَوْلُهُ: بُعْدًا أيْ: هَلاكًا مُسْتَأْصِلًا، كَما قالَ تَعالى ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] قالَ الشّاعِرُ:
؎قَلَّ الغَناءُ إذا لاقى الفَتى تَلَفًا ∗∗∗ قَوْلُ الأحِبَّةِ لا تَبْعُدْ وقَدْ بَعُدا
وَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ بُعْدًا وسُحْقًا ودَفْرًا أيْ: نَتِنًا مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ لا تَظْهَرُ. اهـ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: سَقْيًا ورَعْيًا، كَقَوْلِ نابِغَةِ ذُبْيانَ: (p-٣٣٤)
؎نُبِّئْتُ نِعَمًا عَلى الهِجْرانِ عاتِيَةً ∗∗∗ سَقْيًا ورَعْيًا لِذاكَ العاتِبِ الزّارِي
والأحادِيثُ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ في مُفْرَدِهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ حَدِيثٍ كَما تَقُولُ: هَذِهِ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تُرِيدُ بِالأحادِيثِ جَمْعَ حَدِيثٍ، وعَلى هَذا فَهو مِنَ الجُمُوعِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ القِياسِ المُشارِ لَها بِقَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎وَحائِدٍ عَنِ القِياسِ كُلَّ ما ∗∗∗ خالَفَ في البابَيْنِ حُكْمًا رَسْما
يَعْنِي بِالبابَيْنِ: التَّكْسِيرَ والتَّصْغِيرَ، كَتَكْسِيرِ حَدِيثٍ عَلى أحادِيثَ وباطِلٍ عَلى أباطِيلَ، وكَتَصْغِيرِ مَغْرِبٍ، عَلى مُغَيْرِبانِ، وعَشِيَّةً عَلى عُشَيْشِيَّةٍ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأحادِيثَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ الَّتِي هي مِثْلُ: أُضْحُوكَةٍ، وأُلْعُوبَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ بِضَمِّ الأوَّلِ، وإسْكانِ الثّانِي: وهي ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ تَلَهِيًّا وتَعَجُّبًا. ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ
؎: مِنَ الخَفِراتِ البِيْضِ ودَّ جَلِيسُها ∗∗∗ إذا ما انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُها
وَهَذا الوَجْهُ أنْسَبُ هُنا لِجَرَيانِ الجَمْعِ فِيهِ عَلى القِياسِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أمَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رُسُلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ المَوْجُودَ مِنهم، وقْتَ نُزُولِها واحِدٌ، وهو نَبِيُّنا ﷺ، بِالأكْلِ مِنَ الطَّيِّباتِ: وهي الحَلالُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ عَلى التَّحْقِيقِ، وأنْ يَعْمَلُوا العَمَلَ الصّالِحَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأكْلَ مِنَ الحَلالِ لَهُ أثَرٌ في العَمَلِ الصّالِحِ، وهو كَذَلِكَ، وهَذا الَّذِي أمَرَ بِهِ الرُّسُلَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أمَرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي خَيْرُ الأُمَمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ رَسُولٍ أمَرَ في زَمَنِهِ بِالأكْلِ مِنَ الحَلالِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، وتَأْثِيرُ الأكْلِ مِنَ الحَلالِ في الأعْمالِ مَعْرُوفٌ، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا وأنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (p-٣٣٥)وَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالحَرامِ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ يا رَبِّ فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» وهو يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً أنَّ دُعاءَهُ الَّذِي هو أعْظَمُ القُرَبِ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنَ الحَلالِ ولَمْ يَشْرَبْ مِنهُ، ولَمْ يَرْكَبْ مِنهُ.
المؤمنون 23:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، قَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وفَسَّرْنا ما يَحْتاجُ مِنهُما إلى تَفْسِيرٍ وبَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَعْناهُما في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢ - ٩٣] وبَيَّنّا المُرادَ بِالأُمَّةِ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، وبَيَّنّا جَمْعَ مَعانِي الأُمَّةِ في القُرْآنِ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، أمَرَ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَذَرَ الكُفّارَ أيْ: يَتْرُكَهم في غَمْرَتِهِمْ إلى حِينٍ، أيْ: وقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ وقْتُ انْقِضاءِ آجالِهِمْ بِقَتْلٍ أوْ مَوْتٍ، وصَيْرُورَتُهم إلى ما هم صائِرُونَ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ العَذابِ البَرْزَخِيِّ، والأُخْرَوِيِّ، وكَوْنُ المُرادِ بِالحِينِ المَذْكُورِ: وقْتَ قَتْلِهِمْ، أوْ مَوْتِهِمْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بِغَيْرِ سَنَدٍ.
وَأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في مَعْنى غَمْرَتِهِمْ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ كَقَوْلِ الكَلْبِيِّ في غَمْرَتِهِمْ أيْ: جَهالَتِهِمْ. وقَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقَوْلُ ابْنِ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: في ضَلالَتِهِمْ فَمَعْنى كُلِّ هَذِهِ الأقْوالِ واحِدٌ، وهو أنَّهُ، أمَرَهُ أنْ يَتْرُكَهم فِيما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، والغَيِّ والمَعاصِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ، وعَمايَتِهِمْ أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعَهُ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبِ
وَصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] لِلتَّهْدِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في (p-٣٣٦)فَنِّ الأُصُولِ في مَبْحَثِ الأمْرِ وفي فَنِّ المَعانِي في مَبْحَثِ الإنْشاءِ، أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ أفْعَلَ التَّهْدِيدُ وهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن تَهْدِيدِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّنا ﷺ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [ ١٤ ]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] .
وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا المَعْنى في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾، الآيَةَ [الحجر: ٣] وتَكَلَّمْنا هُناكَ عَلى لَفْظِ ذَرْهم.
المؤمنون 23:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾، قَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾، ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التَّخْفِيفِ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، الَّتِي جاءَ بِها نَبِيُّنا ﷺ قَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، الحَقُّ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكِتابِ: كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي يُحْصِيها اللَّهُ فِيهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا المَعْنى في الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾، الآيَةَ [الكهف: ٤٩] وفي سُورَةِ الإسْراءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] .
والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى نُطْقِ الكِتابِ بِالحَقِّ: أنَّ جَمِيعَ المَكْتُوبِ فِيهِ حَقٌّ، فَمَن قَرَأ المَكْتُوبَ فِيهِ، كَأنَّهُ لا يَنْطِقُ في قِراءَتِهِ لَهُ إلّا بِالحَقِّ، ورُبَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ اسْمَ الكَلامِ عَلى (p-٣٣٧)الخَطِّ، كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما بَيْنَ دَفَّتَيِ المُصْحَفِ كَلامُ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
المؤمنون 23:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾، حَتّى هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، والعَذابُ الَّذِي أخَذَهم رَبُّهم بِهِ، قِيلَ: هو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ بِالقَتْلِ والأسْرِ، وقِيلَ: الجُوعُ والقَحْطُ الشَّدِيدُ الَّذِي أصابَهم، لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ ”«اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ“» فَأصابَهم بِسَبَبِ دَعْوَتِهِ ﷺ مِنَ الجُوعِ الشَّدِيدِ، عَذابٌ ألِيمٌ، وأظْهَرُها عِنْدِي أنَّهُ أخَذَهم بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ أخَذَ مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ، والمُتْرَفُونَ هم أصْحابُ النِّعْمَةِ والرَّفاهِيَةِ في دارِ الدُّنْيا، وهَذا المَعْنى أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١١ - ١٣] فَقَوْلُهُ: أُولِي النَّعْمَةِ يُرِيدُ بِهِمُ: المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّهُ سَيُعَذِّبُهم بَعْدَ التَّهْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: يَجْأرُونَ، الجُؤارُ: الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ: صاحَ، فالجُؤارُ كالخُوارِ وفي بَعْضِ القِراءاتِ ”عِجْلًا جَسَدًا لَهُ جُؤارٌ“ [الأعراف: ١٤٨ ]، [ ٢٠ \ ٨٨] بِالجِيمِ والهَمْزَةِ، أيْ: خُوارٌ، وجَأرَ الرَّجُلُ إلى اللَّهِ: تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ.
فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُنَعَّمِينَ في الدُّنْيا مِنَ الكُفّارِ، إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، صاحُوا مُسْتَصْرِخِينَ مُسْتَغِيثِينَ، يَطْلُبُونَ الخَلاصَ مِمّا هم فِيهِ، وصُراخُهم واسْتِغاثَتُهُمُ المُشارُ لَهُ هُنا، جاءَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧] فَقَوْلُهُ: يَصْطَرِخُونَ: يَفْتَعِلُونَ مِنَ الصُّراخِ، مُسْتَغِيثِينَ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِمّا هم فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ فَهَذا الصُّراخُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ العامُّ لِلْمُتْرَفِينَ وغَيْرِهِمْ، هو الجُؤارُ المَذْكُورُ عَنِ المُتْرَفِينَ هُنا، ومِن إطْلاقِ العَرَبِ الجُؤارُ عَلى الصُّراخِ والدُّعاءِ لِلِاسْتِغاثَةِ قَوْلُ الأعْشى:(p-٣٣٨)
؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا
والجُؤارُ المَذْكُورُ: هو النِّداءُ في قَوْلِهِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣]؛ لِأنَّ نِداءَهم نِداءُ اسْتِغاثَةٍ واسْتِصْراخٍ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٧٧]؛ لِأنَّ القَضاءَ عَلَيْهِمْ مِن أعْظَمِ الأُمُورِ الَّتِي يَطْلُبُونَها، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالمَوْتِ مِن دَوامِ ذَلِكَ العَذابِ الشَّدِيدِ، أجارَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنهُ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣ - ١٤] وذَلِكَ الدُّعاءُ بِالثُّبُورِ الَّذِي هو أعْظَمُ الهَلاكِ، والوَيْلُ عَنْ أنْواعِ جُؤارِهِمْ والعِياذُ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنِ اسْتَغاثُوا لَمْ يُغاثُوا، وإنِ اسْتَرْحَمُوا لَمْ يُرْحَمُوا، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] .
المؤمنون 23:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾، لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُتْرَفِينَ مِنَ الكُفّارِ إذا أخَذَهم رَبُّهم بِالعَذابِ، ضَجُّوا وصاحُوا واسْتَغاثُوا، وبَيَّنَ أنَّهم لا يُغاثُونَ كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَدْ كانَتْ آياتِي، أيِ: الَّتِي أرْسَلْتُ بِها رُسُلِي تُتْلى عَلَيْكم: تُقْرَأُ عَلَيْكم واضِحَةً مُفَصَّلَةً، ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾: تَرْجِعُونَ عَنْها القَهْقَرى، والعَقِبُ: مُؤَخَّرُ القَدَمِ، والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ عَنِ الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَعَمُوا بِأنَّهم عَلى سُبُلِ النَّجاةِ وإنَّما نَكَصَ عَلى الأعْقابِ
وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا: أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١ - ١٢] فَكُفْرُهم عِنْدَ اللَّهِ ذِكْرُ اللَّهِ وحْدَهُ، مِن نُكُوصِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُهُ، لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى النُّكُوصِ عَنْها، عَلى أعْقابِهِمْ، بَلْ يَكادُونَ يَبْطِشُونَ بِالَّذِي يَتْلُوها عَلَيْهِمْ، لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] (p-٣٣٩)وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ العَذابَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، أظْهَرُ عِنْدَنا مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ أوِ الجُوعُ، ومِن قَوْلِ مَن زَعَمَ: أنَّ الَّذِينَ يَجْأرُونَ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وأنَّ جُؤارَهم مِن قِبَلِ إخْوانِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ قالَهُ مَن قالَهُ:
المؤمنون 23:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾، يَتَضَمَّنُ حَضَّهم، عَلى تَدَبُّرِ هَذا القَوْلِ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِأنَّهم إنْ تَدَبَّرُوهُ تَدَبُّرًا صادِقًا، عَلِمُوا أنَّهُ حَقٌّ، وأنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ وتَصْدِيقُ مَن جاءَ بِهِ لازِمٌ، وقَدْ أشارَ لِهَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] قالَ القُرْطُبِيُّ:
فَأنْكَرُوهُ، وأعْرَضُوا عَنْهُ، وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى: بَلْ جاءَهم ما لا عَهْدَ لِآبائِهِمْ بِهِ، فَلِذَلِكَ أنْكَرُوهُ، وتَرَكُوا التَّدَبُّرَ لَهُ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقِيلَ المَعْنى: أمْ جاءَهم أمانٌ مِنَ العَذابِ، وهو شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ، ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ: إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا، ولا مُسْتَغْرَبًا، بَلْ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ لِلْأُمَمِ قَبْلَهم، وعَرِفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ، واسْتِئْصالِ مَن كَذَبَ وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وهَذا الوَجْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
المؤمنون 23:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ يُونُسَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٦] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، أمِ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ بِأمِ المُنْقَطِعَةِ، وضابِطُها ألّا تَتَقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةُ تَسْوِيَةٍ نَحْوَ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٦] أوْ هَمْزَةٌ مُغْنِيَةٌ، عَنْ لَفْظَةٍ، أيْ: كَقَوْلِكَ أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو ؟ أيْ: أيُّهُما عِنْدَكَ فالمَسْبُوقَةُ (p-٣٤٠)بِإحْدى الهَمْزَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَهم بِأمِ المُتَّصِلَةِ، والَّتِي لَمْ تُسْبَقْ بِواحِدَةٍ مِنهُما هي المَعْرُوفَةُ بِالمُنْقَطِعَةِ كَما هُنا، وأمِ المُنْقَطِعَةُ تَأْتِي لِثَلاثَةِ مَعانٍ.
الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: بَلِ الإضْرابِيَّةِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى هَمْزَةِ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ بِمَعْناهُما مَعًا فَتَكُونُ جامِعَةً بَيْنَ الإضْرابِ والإنْكارِ، وهَذا الأخِيرُ هو الأكْثَرُ في مَعْناها، خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ في اقْتِصارِهِ عَلى أنَّها بِمَعْنى: بَلْ في قَوْلِهِ:
؎وَبِانْقِطاعٍ وبِمَعْنى بَلْ وفَتْ إنْ تَكُ مِمّا قُيِّدَتْ بِهِ خَلَتْ
وَمُرادُهُ بِخُلُوِّها مِمّا قُيِّدَتْ بِهِ: ألّا تَسْبِقَها إحْدى الهَمْزَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَإنْ سَبَقَتْها إحْداهُما، فَهي المُتَّصِلَةُ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وعَلى ما ذَكَرْنا فَيَكُونُ المَعْنى مُتَضَمِّنًا لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَهُ إضْرابًا انْتِقالِيًّا، مَعَ مَعْنى اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَتَضَمُّنُ الآيَةِ الإنْكارَ عَلى الكُفّارِ في دَعْواهم: أنَّ نَبِيَّنا ﷺ بِهِ جِنَّةٌ أيْ: جُنُونٌ يَعْنُونَ: أنَّ هَذا الحَقَّ الَّذِي جاءَهم بِهِ هَذَيانُ مَجْنُونٍ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ ما أجْحَدَهم لِلْحَقِّ ! وما أكْفَرَهم ! ودَعْواهم عَلَيْهِ هَذِهِ أنَّهُ مَجْنُونٌ كَذَّبَها اللَّهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] فالإضْرابُ بِبَلْ إبْطالِيٌّ.
والمَعْنى: لَيْسَ بِمَجْنُونٍ بَلْ هو رَسُولٌ كَرِيمٌ جاءَكم بِالحَقِّ الواضِحِ، المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الَّذِي يَعْرِفُ كُلُّ عاقِلٍ، أنَّهُ حَقٌّ، ولَكِنْ عانَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ لِشِدَّةِ كَراهِيَتِكم لِلْحَقِّ، وما نَفَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن دَعْواهم عَلَيْهِ الجُنُونَ صَرَّحَ اللَّهُ بِنَفْيِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] وهَذا الجُنُونُ الَّذِي افْتُرِيَ عَلى آخِرِ الأنْبِياءِ، افْتُرِيَ أيْضًا عَلى أوَّلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ أنَّهم قالُوا فِيهِ: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا إلّا قالَ قَوْمُهُ: إنَّهُ ساحِرٌ، أوْ مَجْنُونٌ، كَأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فَتَواصَوْا عَلى ذَلِكَ لِتَواطُؤِ أقْوالِهِمْ لِرُسُلِهِمْ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تَواطُئِهِمْ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ التَّواصِي بِهِ؛ لِاخْتِلافِ أزْمِنَتِهِمْ، وأمْكِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ الَّذِي جَمَعَهم عَلى ذَلِكَ هو مُشابَهَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الطُّغْيانِ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ (p-٣٤١)البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ تَشابُهِ مَقالاتِهِمْ لِرُسُلِهِمْ، هو تَشابُهُ قُلُوبِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وكَراهِيَةِ الحَقِّ وقَوْلُهُ: ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] ذَكَرَ نَحْوَ مَعْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٢] وذَلِكَ المُنْكَرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ في وُجُوهِهِمْ، إنَّما هو لِشِدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِلْحَقِّ، ومِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِكَراهِيَتِهِمْ لِلْحَقِّ، أنَّهم يَمْتَنِعُونَ مِن سَماعِهِ، ويَسْتَعْمِلُونَ الوَسائِلَ الَّتِي تَمْنَعُهم مِن أنْ يَسْمَعُوهُ، كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أوَّلِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهم بِتَوْحِيدِهِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، وهو نُوحٌ: ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] وإنَّما جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم خَوْفَ أنْ يَسْمَعُوا ما يَقُولُهُ لَهم نَبِيُّهم نُوحٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِنَ الحَقِّ، والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وقالَ تَعالى في أُمَّةِ آخِرِ الأنْبِياءِ ﷺ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٦] فَتَرى بَعْضَهم يَنْهى بَعْضًا عَنْ سَماعِهِ، ويَأْمُرُهم بِاللَّغْوِ فِيهِ، كالصِّياحِ والتَّصْفِيقِ المانِعِ مِنَ السَّماعِ لِكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ، ومُحاوَلَتِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا الحَقَّ بِالباطِلِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ سُؤالُ مَعْرُوفٍ وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ، أنَّ قَلِيلًا مِنَ الكُفّارِ، لَيْسُوا كارِهِينَ لِلْحَقِّ، وهَذا السُّؤالُ وارِدٌ أيْضًا عَلى آيَةِ الزُّخْرُفِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ: هو ما أجابَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ قَلِيلًا مِنَ الكُفّارِ، كانُوا لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، وسَبَبُ امْتِناعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لَيْسَ هو كَراهِيَتُهم لِلْحَقِّ، ولَكِنَّ سَبَبَهُ الأنَفَةُ والِاسْتِنْكافُ مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ، وأنْ يَقُولُوا صَبَؤُوا وفارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، ومِن أمْثِلَةِ مَن وقَعَ لَهُ هَذا أبُو طالِبٍ فَإنَّهُ لا يَكْرَهُ الحَقَّ، الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وقَدْ كانَ يَشُدُّ عَضُدَهُ في تَبْلِيغِهِ رِسالَتَهُ كَما قَدَّمْنا في شِعْرِهِ في قَوْلِهِ:
؎اصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ
الأبْياتِ وقالَ فِيها: (p-٣٤٢)
؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا
وَقالَ فِيهِ ﷺ أيْضًا:
؎لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبَ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا يَعْنِي بِقَوْلِ الأباطِلِ
وَقَدْ بَيَّنَ أبُو طالِبٍ في شِعْرِهِ: أنَّ السَّبَبَ المانِعَ لَهُ مِنَ اعْتِناقِ الإسْلامِ لَيْسَ كَراهِيَةَ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ الأنَفَةُ والخَوْفُ مِن مَلامَةِ قَوْمِهِ أوْ سَبِّهِمْ لَهُ كَما في قَوْلِهِ:
؎لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ يَقِينًا
المؤمنون 23:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالحَقِّ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: الحَقُّ: هو اللَّهُ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ الحَقَّ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [الحج: ٦] وكَوْنُ المُرادِ بِالحَقِّ في الآيَةِ: هو اللَّهَ عَزاهُ القُرْطُبِيُّ لِلْأكْثَرِينَ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ: مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى لَوْ أجابَهُمُ اللَّهُ إلى تَشْرِيعِ ما أحَبُّوا تَشْرِيعَهُ وإرْسالِ مَنِ اقْتَرَحُوا إرْسالَهُ، بِأنْ جَعَلَ أمْرَ التَّشْرِيعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ ونَحْوِ ذَلِكَ تابِعًا لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ، لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَن فِيهِنَّ؛ لِأنَّ أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةَ، لا يُمْكِنُ أنْ تَقُومَ عَلَيْها السَّماءُ والأرْضُ وذَلِكَ لِفَسادِ أهْوائِهِمْ، واخْتِلافِها. فالأهْواءُ الفاسِدَةُ المُخْتَلِفَةُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُومَ عَلَيْها نِظامُ السَّماءِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، بَلْ لَوْ كانَتْ هي المُتَّبَعَةَ لَفَسَدَ الجَمِيعُ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ أهْواءَهم لا تَصْلُحُ؛ لِأنْ تَكُونَ مُتَّبَعَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]؛ لِأنَّ القُرْآنَ لَوْ أُنْزِلَ عَلى أحَدِ الرَّجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهو كافِرٌ يَعْبُدُ الأوْثانَ فَلا فَسادَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٢]، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الأعراف: ١٠٠] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَفي هَذا كُلِّهِ تَبْيِينُ عَجْزِ العِبادِ، واخْتِلافُ آرائِهِمْ وأهْوائِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى هو (p-٣٤٣)الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأقْوالِهِ وأفْعالِهِ وشَرْعِهِ وقَدَرِهِ وتَدْبِيرِهِ لِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الحَقَّ لَوِ اتَّبَعَ الأهْواءَ الفاسِدَةَ المُخْتَلِفَةَ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ في الآيَةِ: الحَقُّ الَّذِي هو ضِدُّ الباطِلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأنْكَرَ الأوَّلَ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا لِأهْوائِهِمْ، الَّتِي هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وادِّعاءُ الأوْلادِ، والأنْدادِ لَهُ ونَحْوُ ذَلِكَ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ هَذا الفَرْضَ يَصِيرُ بِهِ الحَقُّ، هو أبْطَلُ الباطِلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَقُومَ نِظامُ السَّماءِ والأرْضِ عَلى شَيْءٍ، هو أبْطَلُ الباطِلِ؛ لِأنَّ اسْتِقامَةَ نِظامِ هَذا العالَمِ لا تُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ وإرادَةِ إلَهٍ هو الحَقُّ مُنْفَرِدٌ بِالتَّشْرِيعِ، والأمْرِ والنَّهْيِ كَما لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الذِّكْرِ في الآيَةِ فَمِنهم مَن قالَ: ذِكْرُهم: فَخْرُهم، وشَرَفُهم؛ لِأنَّ نُزُولَ هَذا الكِتابِ عَلى رَجُلٍ مِنهم فِيهِ لَهم أكْبَرُ الفَخْرِ والشَّرَفِ، وعَلى هَذا، فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] عَلى تَفْسِيرِ الذِّكْرِ بِالفَخْرِ والشَّرَفِ، وقالَ بَعْضُهم: الذِّكْرُ في الآيَةِ: الوَعْظُ والتَّوْصِيَةُ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] وقالَ بَعْضُهم: الذِّكْرُ هو ما كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨ - ١٦٩] وعَلَيْهِ، فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٢] كَقَوْلِهِ هُنا، فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا عَلى القَوْلِ الأخِيرِ كَثِيرَةٌ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (p-٣٤٤)المُرادُ بِالخَرْجِ والخَراجِ هُنا: الأجْرُ والجَزاءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ لا تَسْألُهم عَلى ما بَلَّغْتَهم مِنَ الرِّسالَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِخَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أُجْرَةً ولا جُعْلًا، وأصْلُ الخَرْجِ والخَراجِ: هو ما تُخْرِجُهُ إلى كُلِّ عامِلٍ في مُقابَلَةِ أجْرِهِ، أوْ جَعْلٍ، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتَضَمَّنُ أنَّهُ ﷺ، لا يَسْألُهم أجْرًا، في مُقابَلَةِ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ الرُّسُلَ لا يَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ عَلى التَّبْلِيغِ في سُورَةِ هُودٍ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] وبَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ، مَعَ آيَةِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] وبَيَّنّا هُناكَ حُكْمَ أخْذِ الأُجْرَةِ، عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَرَأ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ ابْنُ عامِرٍ: خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ، بِإسْكانِ الرّاءِ فِيهِما مَعًا، وحَذْفِ الألِفِ فِيهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: خَراجًا فَخَراجُ رَبِّكَ بِفَتْحِ الرّاءِ بَعْدَها ألِفٌ فِيهِما مَعًا، وقَرَأ الباقُونَ: خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ بِإسْكانِ الرّاءِ، وحَذْفِ الألِفِ في الأوَّلِ، وفَتْحِ الرّاءِ وإثْباتِ الألِفِ في الثّانِي، والتَّحْقِيقُ: أنَّ مَعْنى الخَرْجِ والخَراجِ واحِدٌ، وأنَّهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ بَيْنَ مَعْناهُما فَرْقًا زاعِمًا أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ.
وَمَعْنى الآيَةِ: لا يُساعِدُ عَلى هَذا الفَرْقِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] نَظَرًا إلى أنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ يَرْزُقُ بَعْضَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٣]، ولا شَكَّ أنَّ فَضْلَ رِزْقِ اللَّهِ خَلْقَهُ، عَلى رِزْقِ بَعْضِ خَلْقِهِ بَعْضِهِمْ كَفَضْلِ ذاتِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ عَلى ذَواتِ خَلْقِهِ، وصِفاتِهِمْ.
المؤمنون 23:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ، لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ، ناكِبُونَ عَنِ الصِّراطِ، والمُرادُ بِالصِّراطِ، الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ (p-٣٤٥)المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ومَن نَكَبَ عَنْ هَذا الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، دَخَلَ النّارَ بِلا شَكٍّ.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] ومَعْنى قَوْلِهِ: لَناكِبُونَ: عادِلُونَ عَنْهُ، حائِدُونَ غَيْرُ سالِكِينَ إيّاهُ وهو مَعْنًى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ:
؎خَلِيلِيَّ مِن كَعْبٍ ألَمًا هَدَيْتُما بِزَيْنَبَ لا تَفْقِدْكُما أبَدًا كَعْبُ
؎مِنَ اليَوْمِ زُوراها فَإنَّ رِكابَنا ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ عَنْها وعَنْ أهْلِها نَكْبُ
جَمْعُ ناكِبَةٍ، عَنْها أيْ: عادِلَةٌ عَنْها مُتَباعِدَةٌ عَنْها، وعَنْ أهْلِها.
المؤمنون 23:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ المَعْدُومَ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ لا يُوجَدُ أنْ لَوْ وُجِدَ، كَيْفَ يَكُونُ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] اللَّجاجُ هُنا: التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ، والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، وهو كُفْرُهم بِاللَّهِ، وادِّعاؤُهم لَهُ الأوْلادَ والشُّرَكاءَ، وقَوْلُهُ: يَعْمَهُونَ: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يُمَيِّزُونَ حَقًّا، مِن باطِلٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: العَمَهُ: عَمى القَلْبِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أخَذَ الكُفّارَ بِالعَذابِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا: العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ كالجُوعِ والقَحْطِ والمَصائِبِ، والأمْراضِ والشَّدائِدِ، فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ أيْ: ما خَضَعُوا لَهُ، ولا ذَلُّوا وما يَتَضَرَّعُونَ أيْ: ما يَبْتَهِلُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ مُتَضَرِّعِينَ لَهُ، لِيَكْشِفَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ لِشِدَّةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، وبُعْدِهِمْ مِنَ الِاتِّعاظِ، ولَوْ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِما يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ مِن إصابَةِ عَذابِ اللَّهِ لَهم، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣] وقَوْلِهِ في سُورَةِ (p-٣٤٦)الأعْرافِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
المؤمنون 23:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾، قَدْ ذَكَرْنا الآياتِ الَّتِي فِيها إيضاحٌ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وبَيَّنّا هُناكَ وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ الجَمْعِ لِلْأبْصارِ والأفْئِدَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ذَرَأكم مَعْناهُ: خَلَقَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلُهُ في الأرْضِ، أيْ: خَلَقَكم وبَثَّكم في الأرْضِ، عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ الآيَةَ [النساء: ١] وقالَ: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ، تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْياءً بَعْدَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ والحِسابِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، مِن أنَّهُ خَلَقَهم، وبَثَّهم في الأرْضِ، وأنَّهُ سَيَحْشُرُهم إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، جاءَ مَعْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦] وذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - أيْضًا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ المُلْكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٣ - ٢٥] والآياتُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
المؤمنون 23:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَتَيْنِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أكْبَرِ الدَّواعِي لِلْإيمانِ بِهِ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٢٦] وفي سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
* *
(p-٣٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لَهُ اخْتِلافَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ هو الفاعِلُ لَهُ وهو الَّذِي يَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، ويَأْتِي بِالنَّهارِ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِالنَّهارِ ويَأْتِي بِاللَّيْلِ، واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مِن أعْظَمِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومِن أعْظَمِ مِنَنِهِ عَلى خَلْقِهِ كَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٧١ - ٧٣]، أيْ: لِتَسْكُنُوا في اللَّيْلِ وتَطْلُبُوا مَعايِشَكم بِالنَّهارِ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ: تُدْرِكُونَ بِعُقُولِكم أنَّ الَّذِي يُنْشِئُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ويُخالِفُ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ أنَّهُ الإلَهُ الحَقُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا -، الَّذِي لا يَصِحُّ أنْ يُسَوّى بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
المؤمنون 23:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، لَفَظَةُ بَلْ هُنا لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ.
والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّنا ﷺ، قالُوا مِثْلَ ما قالَتِ الأُمَمُ قَبْلَهم، مِن إنْكارِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ: أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ إنْكارٌ مِنهم لِلْبَعْثِ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]
• وكَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] (p-٣٤٨)﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]
• وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١١ - ١٢]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا في إنْكارِهِمُ البَعْثَ كَثِيرَةٌ: وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]، وفي أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ، وغَيْرِهِما الآياتِ الدّالَّةَ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وأوْرَدْنا مِنها كَثِيرًا
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآياتِ [الحج: ٥]، وأوْضَحْنا أرْبَعَةَ بَراهِينَ قُرْآنِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وأكْثَرْنا مِن ذِكْرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنِ التَّطْوِيلِ هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أئِذا مِتْنا قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ، بِالِاسْتِفْهامِ في: أئِذا مِتْنا، وحَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، في أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ، بَلْ قَرَأ إنّا لَمَبْعُوثُونَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، عَلى الِاسْتِفْهامِ الثّانِي المَحْذُوفِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالعَكْسِ، فَحَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، مِن أئِذا، وقَرَأ إذا بِدُونِ اسْتِفْهامٍ، وأثْبَتَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ وقَدْ دَلَّ الِاسْتِفْهامُ الثّانِي المُثْبَتُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ المَحْذُوفِ فِيها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِالِاسْتِفْهامِ فِيهِما مَعًا: أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ وهم عَلى أُصُولِهِمْ في الهَمْزَتَيْنِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو يُسَهِّلُونَ الثّانِيَةَ، والباقُونَ يُحَقِّقُونَها، وأدْخَلَ قالُونُ، وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ألِفًا بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ دُونَ الألِفِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: مِتْنا بِكَسْرِ المِيمِ، والباقُونَ: بِضَمِّ المِيمِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٣]
وجْهَ كَسْرِ المِيمِ في إسْنادِ الفِعْلِ الَّذِي هو ماتَ إلى تاءِ الفاعِلِ، وبَيَّنّا أنَّهُ يَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ، وأوْضَحْنا وُجْهَةَ غايَةٍ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ قالُوا: إنَّهم وُعِدُوا بِالبَعْثِ، ووُعِدَ بِهِ آباؤُهم مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهم يَعْنُونَ أجْدادَهم، الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، وأخْبَرَتْهم بِأنَّهم يُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وقالُوا: إنَّ البَعْثَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ (p-٣٤٩)هم وآباؤُهم كَذِبٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأنَّهُ ما هو إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ أيْ: ما سَطَّرُوهُ وكَتَبُوهُ مِنَ الأباطِيلِ والتُّرَّهاتِ، والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أُسْطارَةٍ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهم مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ ذُكِرَ مِثْلُهُ في سُورَةِ النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٧ - ٦٨]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ البُرْهانَ عَلى البَعْثِ، الَّذِي أنْكَرُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]؛ لِأنَّ مَن لَهُ الأرْضُ، ومَن فِيها، ومَن هو رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ومَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾، لا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِ النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ، كَما أوْضَحْنا فِيما مَرَّ البَراهِينَ القُرْآنِيَّةَ القَطْعِيَّةَ، الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ.
المؤمنون 23:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾، قَدَّمْنا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ، مِن كَمالِهِ وجَلالِهِ وأوْصافِ رُبُوبِيَّتِهِ المُسْتَلْزِمَةِ لِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، في سُورَةِ يُونُسَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وأوْضَحْنا دَلالَةَ تَوْحِيدِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ، عَلى تَوْحِيدِهِ في عِبادَتِهِ وقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، مَعَ الإيضاحِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المَلَكُوتُ: فَعَلُوتُ مِنَ المُلْكِ أيْ: مَن بِيَدِهِ مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ، بِمَعْنى: مَن هو مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: زِيادَةُ الواوِ والتّاءِ في نَحْوِ: المَلَكُوتِ، والرَّحَمُوتِ، والرَّهَبُوتِ بِمَعْنى المُلْكِ والرَّحْمَةِ، والرَّهْبَةِ: تُفِيدُ المُبالَغَةَ في ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾، أيْ: هو يَمْنَعُ مَن (p-٣٥٠)شاءَ مِمَّنْ شاءَ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا شاءَ أنْ يُهْلِكَهُ أوْ يُعَذِّبَهُ؛ لِأنَّهُ هو القادِرُ وحْدَهُ، عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أراكَ طَفِقْتَ تَظْلِمُ مَن أجَرْنا وظُلْمُ الجارِ إذْلالُ المُجِيرِ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تُخْدَعُونَ، وتُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِ رَبِّكم، وطاعَتِهِ مَعَ ظُهُورِ بَراهِينِهِ القاطِعَةِ وأدِلَّتِهِ السّاطِعَةِ، وقِيلَ: فَأنّى تُسْحَرُونَ، أيْ: كَيْفَ يُخَيَّلُ إلَيْكم: أنْ تُشْرِكُوا بِهِ ما لا يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ، ولا يُغْنِي عَنْكم شَيْئًا بِناءً عَلى أنَّ السِّحْرَ هو التَّخْيِيلُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى السِّحْرِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ طه في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى تُسْحَرُونَ هُنا: تُخْدَعُونَ بِالشُّبَهِ الباطِلَةِ فَيَذْهَبُ بِعُقُولِكم، عَنِ الحَقِّ كَما يُفْعَلُ بِالمَسْحُورِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: أفَلا تَذَكَّرُونَ قَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ الذّالِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ لِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الذّالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ جاءَ في هَذِهِ الآياتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، الأوَّلُ: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ، وهَذِهِ اتَّفَقَ جَمِيعُ السَّبْعَةِ عَلى قِراءَتِها بِلامِ الجَرِّ الدّاخِلَةِ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّها جَوابُ المَجْرُورِ بِلامِ الجَرِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ فَجَوابُ لِمَنِ الأرْضُ، هو أنْ تَقُولَ: لِلَّهِ، وأمّا الثّانِي الَّذِي هو: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ . والثّالِثُ: الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فَقَدْ قَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِحَذْفِ لامِ الجَرِّ ورَفْعِ الهاءِ مِن لَفْظِ الجَلالَةِ.
والمَعْنى عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو المَذْكُورَةِ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ في جَوابِ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، أنْ تَقُولَ: اللَّهُ بِالرَّفْعِ، أيْ: رَبُّ ما ذُكِرَ هو اللَّهُ، وكَذَلِكَ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ. فالظّاهِرُ في جَوابِهِ أيْضًا أنْ يُقالَ: اللَّهُ بِالرَّفْعِ، أيْ: الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو جارِيَةٌ عَلى الظّاهِرِ، الَّذِي لا إشْكالَ فِيهِ، وقَرَأ الحَرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ غَيْرُهُ مِنَ السَّبْعَةِ، بِحَرْفِ الجَرِّ وخَفْضِ الهاءِ مِن لَفْظِ الجَلالَةِ كالأوَّلِ.
وَفِي هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: ما وجْهُ الإتْيانِ بِلامِ الجَرِّ، مَعَ أنَّ السُّؤالَ لا يَسْتَوْجِبُ الجَوابَ بِها؛ لِأنَّ قَوْلَ (p-٣٥١)مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ في جَوابِهِ: رَبُّهُما اللَّهُ، وإذًا يُشْكِلُ وجْهُ الإتْيانِ بِلامِ الجَرِّ. والجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ مَعْرُوفٌ واضِحٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فِيهِ مَعْنًى: مَن هو مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، والعَرْشِ، وكُلِّ شَيْءٍ فَيُحْسِنُ الجَوابَ بِأنْ يُقالَ: لِلَّهِ، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا قِيلَ مَن رَبُّ المَزالِفِ والقُرى ∗∗∗ ورَبُّ الجِيادِ الجُرْدِ قُلْتُ لِخالِدِ
لِأنَّ قَوْلَهُ: مَن رَبُّ المَزالِفِ فِيهِ مَعْنى مَن هو مالِكُها، فَحَسُنَ الجَوابُ بِاللّامِ: أيْ هي لِخالِدٍ، والمَزالِفُ: مَزْلَفَةٌ كَمَرْحَلَةٍ، قالَ في القامُوسِ: هي كُلُّ قَرْيَةٍ تَكُونُ بَيْنَ البَرِّ والرِّيفِ، وجَمْعُها مَزالِفُ.
حب
المؤمنون 23:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَ مَسائِلَ:
الأُولى: أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
والثّالِثَةُ: أنَّهُ أقامَ البُرْهانَ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ:
إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. أمّا ادِّعاؤُهم لَهُ الأوْلادَ، فَقَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى عِظَمِ فِرْيَتِهِمْ في ذَلِكَ، وظُهُورِ بُطْلانِ دَعْواهم، ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةً، فَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ، عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٧ - ٥٨]، وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِنهُ في أوَّلِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤]، وفي مَواضِعَ غَيْرِ ما ذُكِرَ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَأمّا تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنّاهُ، وذَكَرْنا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] ولَمْ نَتَعَرَّضْ لِما يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ دَلِيلَ التَّمانُعِ، لِكَثْرَةِ المُناقَشاتِ الوارِدَةِ عَلى أهْلِ الكَلامِ فِيهِ، وإنَّما بَيَّنّا الآياتِ بِالقُرْآنِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ القُرْآنِيِّ بِها فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:93
(p-٣٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، أمَرَ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ أنْ يَقُولَ: رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ، أيْ: أنْ تُرِنِي ما تُوعِدُهم مِنَ العَذابِ، بِأنْ تُنْزِلَهُ بِهِمْ، وأنا حاضِرٌ شاهِدٌ أرى نُزُولَهُ بِهِمْ ﴿فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، أيْ: لا تَجْعَلْنِي في جُمْلَةِ المُعَذَّبِينَ الظّالِمِينَ، بَلْ أخْرِجْنِي مِنهم، ونَجِّنِي مِن عَذابِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ لا يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ، وهو فِيهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٣]، وبَيَّنَ هُنا أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُرِهِ العَذابَ، الَّذِي وعَدَهم بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] وبَيَّنَ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، أنَّهُ إنْ ذَهَبَ بِهِ قَبْلَ تَعْذِيبِهِمْ، فَإنَّهُ مُعَذِّبٌ لَهم ومُنْتَقِمٌ مِنهم لا مَحالَةَ، وأنَّهُ إنْ عَذَّبَهم، وهو حاضِرٌ فَهو مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢] .
المؤمنون 23:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾، هَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعامَلَ بِهِ شَياطِينُ الإنْسِ وشَياطِينُ الجِنِّ، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ بِإيضاحٍ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: بِالَّتِي هي أحْسَنُ، أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ، والسَّيِّئَةُ مَفْعُولُ ادْفَعْ ووَزْنُ السَّيِّئَةِ، فَيْعَلَةٌ أصْلُها: سَيُّوئَةٌ وحُرُوفُها الأصْلِيَّةُ السِّينُ والواوُ والهَمْزَةُ، وقَدْ زِيدَتِ الياءُ السّاكِنَةُ بَيْنَ الفاءِ والعَيْنِ، فَوَجَبَ إبْدالُ الواوِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ ياءً وإدْغامُ ياءِ الفَيْعَلَةِ الزّائِدَةِ فِيها عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎إنْ يُسَكَّنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا واتَّصَلا ومِن عَرُوضٍ عُرِّيا
؎فَياءُ الواوِ اقْلِبَنَّ مُدْغَمًا ∗∗∗ وشَذَّ مُعْطى غَيْرَ ما قَدْ رَسَما
كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا.
والسَّيِّئَةُ في اللُّغَةِ: الخَصْلَةُ مِن خِصالِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾، أيْ: بِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُهم مِنَ الكَذِبِ في تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، وادِّعائِهِمْ (p-٣٥٣)الأوْلادَ والشُّرَكاءَ لِلَّهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ المائِدَةِ أنَّ اللِّينَ والصَّفْحَ المَطْلُوبَ في آياتِ القُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِ القِتالِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، دُونَ الكافِرِينَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وبَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ
• كَقَوْلِهِ في النَّبِيِّ ﷺ، وأصْحابِهِ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأعُوذُ﴾: جَمْعُ هَمْزَةٍ وهي المَرَّةُ مِن فِعْلِ الهَمْزِ، وهو في اللُّغَةِ: النَّخْسُ والدَّفْعُ، وهَمَزاتُ الشَّياطِينِ: نَخَساتُهم لِبَنِي آدَمَ لِيَحُثُّوهم، ويَحُضُّوهم عَلى المَعاصِي، كَما أوْضَحْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مريم: ٨٣]
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧] .
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أنَّ المَعْنى: أعُوذُ بِكَ أنْ يَحْضُرَنِي الشَّيْطانُ في أمْرٍ مِن أُمُورِي كائِنًا ما كانَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ وقْتَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الشُّؤُونِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا﴾، الظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ ”حَتّى“ في هَذِهِ الآيَةِ: هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، ويُقالُ لَها: حَرْفُ ابْتِداءٍ، كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، خِلافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ القائِلِ: إنَّها غايَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ولِأبِي حَيّانَ القائِلِ: إنَّ الظّاهِرَ لَهُ أنَّ قَبْلَها جُمْلَةً مَحْذُوفَةً هي غايَةٌ لَهُ يَدُلُّ عَلَيْها ما قَبْلَها، وقَدَّرَ الجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ بِقَوْلِهِ فَلا أكُونُ كالكُفّارِ الَّذِينَ تَهْمِزُهُمُ الشَّياطِينُ ويَحْضُرُونَهم، ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ . ونَظِيرُ حَذْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو الفَرَزْدَقُ:
؎فَواعَجَبًا حَتّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَأنَّ أباها نَهْشَلٌ أوْ مُجاشِعُ
قالَ: المَعْنى: يَسُبُّنِي النّاسُ حَتّى كُلَيْبٌ، فَدَلَّ ما بَعْدَ حَتّى عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ (p-٣٥٤)وَفِي الآيَةِ دَلَّ ما قَبْلَها عَلَيْها، انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ، ولا يَظْهَرُ عِنْدِي كُلَّ الظُّهُورِ.
بَلِ الأظْهَرُ عِنْدِي: هو ما قَدَّمْتُهُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ الكافِرَ والمُفَرِّطَ في عَمَلِ الخَيْرِ إذا حَضَرَ أحَدَهُما المَوْتُ طَلَبا الرَّجْعَةَ إلى الحَياةِ، لِيَعْمَلا العَمَلَ الصّالِحَ الَّذِي يُدْخِلُهُما الجَنَّةَ، ويَتَدارَكا بِهِ ما سَلَفَ مِنهُما مِنَ الكُفْرِ والتَّفْرِيطِ وأنَّهُما لا يُجابانِ لِذَلِكَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ الَّذِي هو ”كَلّا“ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١٠ - ١١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وكَما أنَّهم يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، لِيُصْلِحُوا أعْمالَهم فَإنَّهم يَطْلُبُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يُجابُونَ إلى ذَلِكَ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٥١ - ٥٣]، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا، وأمْثالُها في القُرْآنِ: أنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ فَلا (p-٣٥٥)يُجابُونَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ويَوْمَ النُّشُورِ ووَقْتَ عَرْضِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَقْتَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنْ يُقالَ: ما وجْهُ صِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: رَبِّ ارْجِعْنِي بِالإفْرادِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا الجَوابَ عَنْ هَذا في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وبَيَّنّا أنَّهُ يُجابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو أظْهَرُها: أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ارْجِعُونِ، لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ وذَلِكَ النّادِمُ السّائِلُ الرَّجْعَةَ يُظْهِرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْظِيمَهُ رَبَّهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ أوْ غَيْرِهِ:
؎ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَإنْ لَمْ أكُنْ أهْلًا فَأنْتَ لَهُ أهْلُ
وَقَوْلُ الآخَرِ يُخاطِبُ امْرَأةً:
؎وَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا
والنُّقاخُ: الماءُ البارِدُ. والبَرْدُ: النَّوْمُ، وقِيلَ: ضِدُّ الحَرِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
الوَجْهُ الثّانِي: قَوْلُهُ: رَبِّ اسْتِغاثَةٌ بِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ارْجِعُونِ: خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا الوَجْهِ بِما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعائِشَةَ: ”«إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ، فَيَقُولُ: بَلْ قَدِّمُونِي إلى اللَّهِ. وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُونَ لَهُ: نُرْجِعُكَ ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ“» .
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ المازِنِيِّ: إنَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلى التَّكْرارِ فَكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا القَوْلِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، أيِ: ارْجِعُونِ؛ لِأجْلِ أنْ أعْمَلَ صالِحًا، وقِيلَ: هي لِلتَّرَجِّي والتَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جازِمٍ، بِأنَّهُ إذا رُدَّ لِلدُّنْيا عَمِلَ صالِحًا، والأوَّلُ أظْهَرُ. والعَمَلُ الصّالِحُ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأعْمالِ مِنَ الشَّهادَتَيْنِ والحَجِّ الَّذِي كانَ قَدْ فَرَّطَ فِيهِ والصَّلَواتِ والزَّكاةَ ونَحْوَ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ كَلّا: كَلِمَةُ زَجْرٍ: وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ الرَّجْعَةَ الَّتِي طَلَبَها لا يُعْطاها كَما هو واضِحٌ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٥٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ .
لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ فِيهِ مِن رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الرَّبِّ، والضَّمِيرُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ والرَّبُّ جَلَّ وعَلا واحِدٌ.
والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو أظْهَرُها، أنَّ الواوَ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ، وهو اللَّهُ تَعْنِي كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ فَإنْ لَمْ أكُنْ أهْلًا فَأنْتَ لَهُ أهْلُ
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎وَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نَقاخًا ولا بَرْدًا
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ”رَبِّ“ اسْتِغاثَةٌ بِهِ تَعالى، وقَوْلَهُ: ”ارْجِعُونِ“ خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا الوَجْهِ بِما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعائِشَةَ: «إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نَرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا ؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ ؟ فَيَقُولُ: بَلْ قَدِّمُونِي إلى اللَّهِ، وأمّا الكُفّارُ فَيَقُولُونَ لَهُ: نَرْجِعُكَ، فَيَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾» .
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، أنَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلى التَّكْرارِ فَكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي. ولا يَخْلُو هَذا القَوْلُ عِنْدِي مِن بُعْدٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:101
(p-٣٥٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، سُؤالانِ مَعْرُوفانِ يَحْتاجانِ إلى جَوابٍ مُبَيِّنٍ لِلْمَقْصُودِ مُزِيلٍ لِلْإشْكالِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ - والظّاهِرُ أنَّها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ - أنَّهم لا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ، فَيُقالُ: ما وجْهُ نَفْيِ الأنْسابِ بَيْنَهم، مَعَ أنَّها باقِيَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٣ - ٣٦] فَفي هَذِهِ الآيَةِ ثُبُوتُ الأنْسابِ بَيْنَهم.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَتَساءَلُونَ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥] وقَوْلِهِ في الصّافّاتِ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا الجَوابَ عَنْ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ بِما حاصِلُهُ:
إنَّ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: هو أنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الأنْسابِ انْقِطاعُ آثارِها، الَّتِي كانَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلَيْها في دارِ الدُّنْيا، مِنَ التَّفاخُرِ بِالآباءِ، والنَّفْعِ والعَواطِفِ والصِّلاتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ الإنْسانُ لا يُهِمُّهُ إلّا نَفْسُهُ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ حَقِيقَةِ الأنْسابِ، مِن أصْلِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ الآيَةَ [عبس: ٣٤ - ٣٥] .
وَإنَّ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: هو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ نَفْيَ السُّؤالِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، وقَبْلَ الثّانِيَةِ، وإثْباتَهُ بَعْدَهُما مَعًا، وهَذا الجَوابُ فِيما يَظْهَرُ لا يَخْلُو مِن نَظَرٍ.
الثّانِي: أنَّ نَفْيَ السُّؤالِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِالصَّعْقِ والمُحاسَبَةِ، والجَوازِ عَلى الصِّراطِ وإثْباتَهُ فِيما عَدا ذَلِكَ وهو عَنِ السُّدِّيِّ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ سُؤالٌ خاصٌّ، وهو سُؤالُ بَعْضِهِمُ العَفْوَ مِن بَعْضٍ، فِيما (p-٣٥٧)بَيْنَهم مِنَ الحُقُوقِ، لِقُنُوطِهِمْ مِنَ الإعْطاءِ، ولَوْ كانَ المَسْؤُولُ أبًا أوِ ابْنًا أوْ أُمًّا أوْ زَوْجَةً، ذَكَرَ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ صاحِبُ الإتْقانِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمئِذٍ، وأنَّهم لا يَتَساءَلُونَ يَوْمَ (p-٣٥١)القِيامَةِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الأنْسابِ بَيْنَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ الآيَةَ [ ٨٠ ]، وآياتٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَتَساءَلُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الأنْسابِ انْقِطاعُ فَوائِدِها وآثارُها الَّتِي كانَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلَيْها في الدُّنْيا، مِنَ العَواطِفِ والنَّفْعِ والصِّلاتِ والتَّفاخُرِ بِالآباءِ لا نَفْيُ حَقِيقَتِها.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَ السُّؤالِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأوْلى، وقَبْلَ الثّانِيَةِ وإثْباتُهُ بَعْدَهُما مَعًا.
الثّانِي: أنَّ نَفْيَ السُّؤالِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِالصَّعْقِ والمُحاسَبَةِ والجَوازِ عَلى الصِّراطِ، وإثْباتَهُ فِيما عَدا ذَلِكَ وهو عَنِ السُّدِّيِّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ سُؤالٌ خاصٌّ، وهو سُؤالُ بَعْضِهِمُ العَفْوَ مِن بَعْضٍ فِيما بَيْنَهم مِنَ الحُقُوقِ لِقُنُوطِهِمْ مِنَ الإعْطاءِ، ولَوْ كانَ المَسْؤُولُ أبًا أوِ ابْنًا أوْ أُمًّا أوْ زَوْجَةً، ذَكَرَ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ أيْضًا صاحِبُ الإتْقانِ.
المؤمنون 23:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ، لِمَعْنى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨ - ٩]، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [الكهف: ١٠٥] وغَيْرِ ذَلِكَ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
المؤمنون 23:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾، ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ، أيْ: تَحْرِقُها إحْراقًا شَدِيدًا، جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٦٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ [النمل: ٩٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] الكالِحُ: هو الَّذِي تَقَلَّصَتْ شَفَتاهُ حَتّى بَدَتْ أسْنانُهُ، والنّارُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَحْرِقُ شِفاهَهم، حَتّى تَتَقَلَّصَ عَنْ أسْنانِهِمْ، كَما يُشاهَدُ مَثَلُهُ في رَأْسِ الشّاةِ المَشْوِيِّ في نارٍ شَدِيدَةِ الحَرِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وَلَهُ المُقَدَّمُ لا مَثَلَ لَهُ ساعَةَ الشِّدْقِ عَنِ النّابِ كَلِحُ
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كالِحُونَ: عابِسُونَ.
المؤمنون 23:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ (p-٣٥٨)ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّ أهْلَ النّارِ يُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ لَهم رَبُّهم ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، أيْ: في دارِ الدُّنْيا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ، وأنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ، وأنَّهم لَمْ يُجِيبُوا الرُّسُلَ لِما دَعَوْهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ بِهِمُ الشَّقاءَ وهم مُيَسَّرُونَ لِما خُلِقُوا لَهُ، فَلِذَلِكَ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرُّسُلَ.
قَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقَوْلِهِ هُنا: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا أنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهم، وأنْذَرَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ رَبِّهِمْ، ولَكِنْ ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقاوَتِهِمُ الأزَلِيَّةِ، غَلَبَ عَلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، لِيَصِيرُوا إلى ما سَبَقَ في عِلْمِهِ - جَلَّ وعَلا -، مِن شَقاوَتِهِمْ، ونَظِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقَوْلُهُ عَنْ أهْلِ النّارِ ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ويَزِيدُ ذَلِكَ إيْضاحًا قَوْلُهُ ﷺ ”«كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ وقَوْلُهُ عَنْهم ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾، اعْتِرافٌ مِنهم بِضَلالِهِمْ، حَيْثُ لا يَنْفَعُ الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ ولا النَّدَمُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَهَذا الَّذِي فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ، هو الأظْهَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ: غَلَبَتْ عَلَيْنا لَذّاتُنا وأهْواؤُنا، فَسَمّى اللَّذّاتِ والأهْواءَ شِقْوَةً؛ لِأنَّهُما يُؤَدِّيانِ إلَيْها كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّيهِمْ إلى النّارِ. اهـ، تَكَلُّفٌ مُخالِفٌ لِلتَّحْقِيقِ.
ثُمَّ حَكى القُرْطُبِيُّ ما ذَكَرْنا أنَّهُ الصَّوابُ بِقِيلٍ ثُمَّ قالَ: وقِيلَ حُسْنُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ، وسُوءُ الظَّنِّ بِالخُلُقِ اهـ.
وَلا يَخْفى أنَّ الصَّوابَ هو ما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿قَوْمًا ضالِّينَ﴾ (p-٣٥٩)أيْ: عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، وعَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ إلى طَرِيقِ النّارِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: شَقاوَتُنا بِفَتْحِ الشِّينِ، والقافِ وألِفٌ بَعْدَها، وقَرَأهُ الباقُونَ: بِكَسْرِ الشِّينِ، وإسْكانِ القافِ وحَذْفِ الألِفِ.
المؤمنون 23:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أهْلَ النّارِ يَدْعُونَ رَبَّهم فِيها فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا﴾ إلى ما لا يُرْضِيكَ بَعْدَ إخْراجِنا مِنها، فَإنّا ظالِمُونَ، وأنَّ اللَّهَ يُجِيبُهم بِقَوْلِهِ: اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، أيِ: امْكُثُوا فِيها خاسِئِينَ، أيْ: أذِلّاءَ صاغِرَيْنِ حَقِيرِينَ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ اخْسَأْ إنَّما تُقالُ لِلْحَقِيرِ الذَّلِيلِ، كالكَلْبِ ونَحْوِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾، أيْ: ذِلُّوا فِيها ماكِثِينَ في الصَّغارِ والهَوانِ.
وَهَذا الخُرُوجُ مِنَ النّارِ الَّذِي طَلَبُوهُ قَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَنالُونَهُ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ أجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِطَلَبِ أهْلِ النّارِ فَهُنا قالُوا: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ فَأُجِيبُوا ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وفي السَّجْدَةِ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] فَأُجِيبُوا ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٣]، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] فَأُجِيبُوا ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] وفي الزُّخْرُفِ ﴿وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فَأُجِيبُوا ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فَيُجابُونَ (p-٣٦٠)﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [النجم: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَ كُلِّ طَلَبٍ مِنها وجَوابِهِ ألْفَ سَنَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أيْ: في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم، ولا إخْراجِكم مِنَ النّارِ أعاذَنا اللَّهُ، وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها.
المؤمنون 23:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ . قَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ، أنَّ إنَّ المَكْسُورَةَ المُشَدَّدَةَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِكَ: عاقِبْهُ إنَّهُ مُسِئٌ، أيْ: لِأجْلِ إساءَتِهِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾، يَدُلُّ فِيهِ لَفْظُ إنَّ المَكْسُورَةِ المُشَدَّدَةِ، عَلى أنَّ الأسْبابَ الَّتِي أدْخَلَتْهُمُ النّارَ هو اسْتِهْزاؤُهم، وسُخْرِيَتُهم مِنَ الفَرِيقِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾، فالكُفّارُ يَسْخَرُونَ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا حَتّى يُنْسِيَهم ذَلِكَ ذِكْرَ اللَّهِ، والإيمانَ بِهِ فَيَدْخُلُونَ بِذَلِكَ النّارَ.
وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٣] وكُلُّ ذَلِكَ احْتِقارٌ مِنهم لَهم، وإنْكارُهم أنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِخَيْرٍ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤٩]، وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وكُلُّ ذَلِكَ احْتِقارٌ مِنهم لَهم، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] والسُّخْرِيُّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: مَصْدَرُ سَخِرَ مِنهُ، إذا اسْتَهْزَأ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاحْتِقارِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ياءِ النَّسَبِ: زِيادَةٌ في الفِعْلِ، كَما قِيلَ في الخُصُوصِيَّةِ بِمَعْنى الخُصُوصِ، ومَعْناهُ: أنَّ الياءَ المُشَدَّدَةَ في آخِرِهِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ سُخْرِهِمْ مِنهم ومُبالَغَتِهِمْ في ذَلِكَ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: سُخْرِيًّا بِضَمِّ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهو سُخْرِيَةُ الكُفّارِ واسْتِهْزاؤُهم بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، كَما بَيَّنّا، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ: الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وعَنِ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ: أنَّ السِّخْرِيَّ بِكَسْرِ السِّينِ مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، وأنَّ السُّخْرِيَّ بِضَمِّ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ، الَّذِي هو التَّذْلِيلُ والعُبُودِيَّةُ.
(p-٣٦١)والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يُسَخِّرُونَ ضُعَفاءَ المُؤْمِنِينَ، ويَسْتَعْبِدُونَهم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ بِبِلالٍ، ولا يَخْفى أنَّ الصَّوابَ هو ما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحَتّى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ حَرْفُ غايَةٍ؛ لِاتِّخاذِهِمْ إيّاهم سِخْرِيًّا، أيْ: لَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ، حَتّى أنْساهم ذَلِكَ ذِكْرَ اللَّهِ والإيمانَ بِهِ، فَكانَ مَأْواهُمُ النّارَ، والعِياذُ بِاللَّهِ.
المؤمنون 23:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَزى أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ في الدُّنْيا بِالفَوْزِ بِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾، أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، عَلى أذى الكُفّارِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ، جَزاهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ الفَوْزَ بِجَنَّتِهِ، ورِضْوانَهُ، جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ مَعَ بَيانِ أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَهْزَؤُونَ بِالكُفّارِ، ويَضْحَكُونَ مِنهم، والكُفّارُ في النّارِ، والعِياذُ بِاللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ، وعَلى قِراءَتِهِما فَمَفْعُولُ جَزَيْتُهم: مَحْذُوفٌ، أيْ: جَزَيْتُهم جَنَّتِي إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّ لِاسْتِئْنافِ الكَلامِ، وقَرَأ الباقُونَ: أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ، بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ، مِن أنَّ وصِلَتِها مَفْعُولٌ بِهِ لِجَزَيْتُهم، أيْ: جَزَيْتُهم فَوْزَهم كَما لا يَخْفى، والفَوْزُ نَيْلُ المَطْلُوبِ الأعْظَمِ.
المؤمنون 23:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾، في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنَّهم لَمّا سُئِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ قَدْرِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الأرْضِ في الدُّنْيا أجابُوا بِأنَّهم لَبِثُوا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، مَعَ أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّهم أجابُوا بِغَيْرِ هَذا الجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] والعَشْرُ أكْثَرُ مِن يَوْمٍ أوْ بَعْضِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]
(p-٣٦٢)والسّاعَةُ: أقَلُّ مِن يَوْمٍ أوْ بَعْضِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وَقَدْ بَيَّنّا الجَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ في كِتابِنا: دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِما حاصِلُهُ: أنَّ بَعْضَهم يَقُولُ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ويَقُولُ بَعْضٌ آخَرُ مِنهم: لَبِثْنا ساعَةً ويَقُولُ بَعْضٌ آخَرُ مِنهم: لَبِثْنا عَشْرًا.
والدَّلِيلُ عَلى هَذا الجَوابِ مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أقْواهم إدْراكًا، وأرْجَحَهم عَقْلًا، وأمْثَلَهم طَرِيقَةً هو مَن يَقُولُ: إنَّهم ما لَبِثُوا إلّا يَوْمًا واحِدًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٣ - ١٠٤] فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ، وعَلى ذَلِكَ فَلا إشْكالَ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾، أيِ: الحاسِبِينَ، الَّذِينَ يَضْبُطُونَ مُدَّةَ لُبْثِنا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ: فاسْألْ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ اللّامِ بِصِيغَةِ الأمْرِ، وقَرَأ الباقُونَ: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ بِفَتْحِ القافِ بَعْدَها ألِفٌ وفَتْحِ اللّامِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ عَلى قِراءَةِ قالَ بِصِيغَةِ الماضِي فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى مَن أُمِرَ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَلى قِراءَةِ قُلْ بِصِيغَةِ الأمْرِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَلَكِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ هَكَذا قالَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَدْ صَدَّقَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في قِلَّةِ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] .
لِأنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا قَلِيلَةٌ جِدًّا، بِالنِّسْبَةِ إلى طُولِ مُدَّتِهِمْ خالِدِينَ في النّارِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا بِصِيغَةِ الأمْرِ والباقُونَ بِصِيغَةِ الماضِي.
المؤمنون 23:113
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَزْعُمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم ما لَبِثُوا إلّا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ يُفْهَمُ مِنها خِلافُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [ ٢٠ ]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [ ٣٠ ] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْءانِ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم يَقُولُ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] . وبَعْضُهم يَقُولُ: لَبِثْنا ساعَةً. وبَعْضُهم يَقُولُ: لَبِثْنا عَشْرًا.
وَوَجْهُ دَلالَةِ القُرْءانِ عَلى هَذا أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ أقْواهم إدْراكًا وأرْجَحَهم عَقْلًا وأمْثَلَهم طَرِيقَةً، هو مَن يَقُولُ: إنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ يَوْمٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:115
(p-٣٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾، الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَحَسِبْتُمْ لِلْإنْكارِ، والحُسْبانُ هُنا مَعْناهُ: الظَّنُّ، يَعْنِي: أظْنَنْتُمْ أنّا خَلَقْناكم عَبَثًا لا لِحِكْمَةٍ، وأنَّكم لا تُرْجَعُونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ، فَنُجازِيكم عَلى أعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ثُمَّ نَزَّهَ - جَلَّ وعَلا - نَفْسَهُ، عَنْ أنْ يَكُونَ خَلْقُهم عَبَثًا، وأنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
المؤمنون 23:116
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ أيْ تَعاظَمَ وتَقَدَّسَ، وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ومِنهُ خَلْقُكم عَبَثًا سُبْحانَهُ وتَعالى، عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن إنْكارِ الظَّنِّ المَذْكُورِ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٩] وقَوْلُهُ: سُدًى، أيْ: مُهْمَلًا لا يُحاسَبُ ولا يُجازى، وهو مَحَلُّ إنْكارِ ظَنِّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ وقَوْلُهُ: عَبَثًا: يَجُوزُ إعْرابُهُ حالًا، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُنْكَرٌ، أيْ: إنَّما خَلَقْناكم في حالِ كَوْنِنا عابِثِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيْ: إنَّما خَلَقْناكم؛ لِأجْلِ العَبَثِ لا لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ خَلْقَنا إيّاكم، وأعْرَبَهُ بَعْضُهم مَفْعُولًا مُطْلَقًا، ولَيْسَ بِظاهِرٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ عَبَثًا: أيْ مُهْمَلِينَ، والعَبَثُ في اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، ويَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِهِ في الآيَةِ بِاللَّعِبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وقَوْلُهُ: ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١٦١]، قالَ بَعْضُهم: أيِ: الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: المَلِكُ الحَقُّ: الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ مُلْكُهُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]
وإنَّما وُصِفَ عَرْشُهُ بِالكَرَمِ لِعَظَمَتِهِ وكِبَرِ شَأْنِهِ والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: عَبَثًا؛ لِأنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ مِنهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:117
(p-٣٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ .
البُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي لا يَتْرُكُ في الحَقِّ لَبْسًا، وقَوْلُهُ: لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
• كَقَوْلِهِ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ [الحج: ٧١]، والسُّلْطانُ: هو الحُجَّةُ الواضِحَةُ وهو بِمَعْنى: البُرْهانُ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قَدْ بَيَّنَ أنَّ حِسابَهُ الَّذِي عِنْدَ رَبِّهِ، لا فَلاحَ لَهُ فِيهِ
• بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ وأعْظَمُ الكافِرِينَ كُفْرًا هو مَن يَدْعُو مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، ونَفْيُ الفَلاحِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلى هَلاكِهِ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ مِن دُعاءِ إلَهٍ مَعَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥١]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، فَلا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: أمّا مَن عَبَدَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ لَهُ بُرْهانٌ بِهِ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ؛ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ بُرْهانٍ عَلى عِبادَةِ إلَهٍ آخَرَ مَعَهُ، بَلِ البَراهِينُ القَطْعِيَّةُ المُتَواتِرَةُ، دالَّةٌ عَلى أنَّهُ هو المَعْبُودُ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا - ولا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ دَلِيلٌ عَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ألْبَتَّةَ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ الأُصُولِ أنَّ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، كَوْنَ تَخْصِيصِ الوَصْفِ بِالذِّكْرِ لِمُوافَقَتِهِ لِلْواقِعِ فَيَرِدُ النَّصُّ ذاكِرًا لِوَصْفِ المُوافِقِ لِلْواقِعِ لِيُطَبَّقَ عَلَيْهِ الحُكْمُ، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ إذًا لَيْسَ لِإخْراجِ المَفْهُومِ عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ، بَلْ لِتَخْصِيصِ الوَصْفِ بِالذِّكْرِ لِمُوافَقَتِهِ لِلْواقِعِ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ وصْفٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّهم يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِلا بُرْهانٍ، فَذَكَرَ الوَصْفَ لِمُوافَقَتِهِ الواقِعَ، لا لِإخْراجِ المَفْهُومِ عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ لِأنَّهُ نَزَلَ في قَوْمٍ والُوا اليَهُودَ دُونَ المُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ذِكْرٌ لِمُوافَقَتِهِ لِلْواقِعِ لا لِإخْراجِ المَفْهُومِ، عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ ومَعْلُومٌ أنَّ اتِّخاذَ (p-٣٦٥)المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ، مَمْنُوعٌ عَلى كُلِّ حالٍ، وإلى هَذا أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ في ذِكْرِهِ مَوانِعَ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ بِقَوْلِهِ:
؎أوِ امْتِنانٌ أوْ وِفاقُ الواقِعِ والجَهْلُ والتَّأْكِيدُ عِنْدَ السّامِعِ
المؤمنون 23:118
وَقَوْلُهُ تَعالى في خاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ فِيهِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفَرِيقَ، الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ . مُوَفَّقُونَ في دُعائِهِمْ ذَلِكَ ولِذا أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وأمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ لِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ، ومَعْمُولُ اغْفِرْ وارْحَمْ حُذِفَ هُنا، لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ [الأعراف: ١٥٥] والمَغْفِرَةُ: سَتْرُ الذُّنُوبِ بِعَفْوِ اللَّهِ وحِلْمِهِ حَتّى لا يَظْهَرَ لَها أثَرٌ يَتَضَرَّرُ بِهِ صاحِبُها، والرَّحْمَةُ صِفَةُ اللَّهِ الَّتِي اشْتَقَّ لِنَفْسِهِ مِنها اسْمَهُ الرَّحْمَنَ، واسْمَهُ الرَّحِيمَ، وهي صِفَةٌ تَظْهَرُ آثارُها في خَلْقِهِ الَّذِينَ يَرْحَمُهم، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾؛ لِأنَّ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَرْحَمُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا شَكَّ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تُخالِفُ رَحْمَةَ خَلْقِهِ، كَمُخالَفَةِ ذاتِهِ وسائِرِ صِفاتِهِ لِذَواتِهِمْ، وصِفاتِهِمْ كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
النور 24:2
(p-٣٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النُّورِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُلَّ زانِيَةٍ وكُلَّ زانٍ يَجِبُ جَلْدُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، إنْ قُلْنا: إنَّهُما مَوْصُولٌ وصِلَتُهُما الوَصْفُ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، فالمَوْصُولاتُ مِن صِيَغِ العُمُومِ.
وَإنْ قُلْنا: إنَّهُما لِلتَّعْرِيفِ لِتَناسِي الوَصْفِيَّةِ، وأنَّ مُرْتَكِبَ تِلْكَ الفاحِشَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزّانِي، كَإطْلاقِ أسْماءِ الأجْناسِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، فالعُمُومُ الشّامِلُ لِكُلِّ زانِيَةٍ وكُلِّ زانٍ، هو ظاهِرُ الآيَةِ، عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ.
وَظاهِرُ هَذا العُمُومِ شُمُولُهُ لِلْعَبْدِ، والحُرِّ، والأمَةِ، والحُرَّةِ، والبِكْرِ، والمُحْصَنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.
وَظاهِرُهُ أيْضًا: أنَّهُ لا تُغَرَّبُ الزّانِيَةُ، ولا الزّانِي عامًا مَعَ الجَلْدِ، ولَكِنَّ بَعْضَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ دَلَّ عَلى أنَّ عُمُومَ الزّانِيَةِ يُخَصَّصُ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: تَخْصِيصُ حُكْمِ جَلْدِها مِائَةً بِكَوْنِها حُرَّةً، أمّا إنْ كانَتْ أمَةً، فَإنَّها تُجْلَدُ نِصْفَ المِائَةِ وهو خَمْسُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في الإماءِ: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا: الحَرائِرُ والعَذابُ الجَلْدُ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى الحُرَّةِ الزّانِيَةِ: مِائَةُ جَلْدَةٍ والأمَةُ عَلَيْها نِصْفُهُ بِنَصِّ آيَةِ ”النِّساءِ“ هَذِهِ، وهو خَمْسُونَ؛ فَآيَةُ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، بِالنِّسْبَةِ إلى الزّانِيَةِ الأُنْثى.
وَأمّا التَّخْصِيصُ المَرَّةَ الثّانِيَةَ لِعُمُومِ الزّانِيَةِ في آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ فَهو بِآيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ، باقِيَةِ الحُكْمِ، تَقْتَضِي أنَّ عُمُومَ الزّانِيَةِ هُنا مُخَصَّصٌ بِكَوْنِها بِكْرًا.
(p-٣٦٧)أمّا إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، بِمَعْنى أنَّها قَدْ تَزَوَّجَتْ مِن قَبْلِ الزِّنى، وجامَعَها زَوْجُها في نِكاحٍ صَحِيحٍ فَإنَّها تُرْجَمُ.
والآيَةُ الَّتِي خَصَصَتْها بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّها مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ باقِيَةُ الحُكْمِ، هي قَوْلُهُ تَعالى: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ، واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .
وَهَذا التَّخْصِيصُ إنَّما هو عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: لا يُجْمَعُ لِلزّانِي المُحْصَنِ، بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ، وإنَّما يُرْجَمُ فَقَطْ بِدُونِ جَلْدٍ.
أمّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى الجَمْعَ بَيْنَهُما فَلا تَخْصِيصَ، وإنَّما في آيَةِ الرَّجْمِ زِيادَتُهُ عَلى الجَلْدِ، فَكِلْتا الآيَتَيْنِ أثْبَتَتْ حُكْمًا لَمْ تُثْبِتْهُ الأُخْرى، وسَيَأْتِي إيضاحُ هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ غَيْرَ بَعِيدٍ وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ فِيهِ ومُناقَشَةُ أدِلَّتِهِمْ.
أمّا الزّانِي الذَّكَرُ فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ الَّتِي ذَكَرْنا، أنَّها مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ باقِيَةُ الحُكْمِ عَلى تَخْصِيصِ عُمُومِهِ، وأنَّ الَّذِي يُجْلَدُ المِائَةَ مِنَ الذُّكُورِ، إنَّما هو الزّانِي البِكْرُ، وأمّا المُحْصَنُ فَإنَّهُ يُرْجَمُ، وهَذا التَّخْصِيصُ في الذَّكَرِ أيْضًا إنَّما هو عَلى قَوْلِ مَن لا يَرى الجَمْعَ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ؛ كَما أوْضَحْناهُ قَرِيبًا في الأُنْثى.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى الجَمْعَ بَيْنَهُما فَلا تَخْصِيصَ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ أثْبَتَتْ حُكْمًا لَمْ تُثْبِتْهُ الأُخْرى.
وَعُمُومُ الزّانِي في آيَةِ ”النُّورِ“ هَذِهِ، مُخَصَّصٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْضًا مَرَّةً أُخْرى، بِكَوْنِ جَلْدِ المِائَةِ خاصًّا بِالزّانِي الحُرِّ، أمّا الزّانِي الذَّكَرُ العَبْدُ فَإنَّهُ يُجْلَدُ نِصْفَ المِائَةِ، وهو الخَمْسُونَ.
وَوَجْهُ هَذا التَّخْصِيصِ: إلْحاقُ العَبْدِ بِالأمَةِ في تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنى بِالرِّقِّ؛ لِأنَّ مَناطَ التَّشْطِيرِ الرِّقُّ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحُدُودِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ، لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما حُكْمٌ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”النِّساءِ“ في الإماءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أنَّ الرِّقَّ مَناطُ تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنى، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحُدُودِ، فالمُخَصِّصُ لِعُمُومِ الزّانِي في الحَقِيقَةِ، هو ما أفادَتْهُ آيَةُ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، وإنْ سَمّاهُ الأُصُولِيُّونَ تَخْصِيصًا بِالقِياسِ، فَهو في الحَقِيقَةِ تَخْصِيصُ آيَةٍ بِما فُهِمَ مِن آيَةٍ أُخْرى.
* *
(p-٣٦٨)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ رَجْمَ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ، إحْداهُما نُسِخَتْ تِلاوَتُها، وبَقِيَ حُكْمُها، والثّانِيَةُ: باقِيَةُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ، أمّا الَّتِي نُسِخَتْ تِلاوَتُها، وبَقِيَ حُكْمُها فَهي قَوْلُهُ تَعالى: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ) إلى آخِرِها؛ كَما سَيَأْتِي، وكَوْنُ الرَّجْمِ ثابِتًا بِالقُرْآنِ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ.
قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: في بابِ رَجْمِ الحُبْلى مِنَ الزِّنى إذا أحْصَنَتْ:
حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجالًا مِنَ المُهاجِرِينَ مِنهم: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَما أنا في مَنزِلِهِ بِمِنًى، وهو عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها، إذْ رَجَعَ إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لَوْ رَأيْتَ رَجُلًا أتى أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اليَوْمَ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ في فُلانٍ يَقُولُ: لَوْ قَدْ ماتَ عُمَرُ لَقَدْ بايَعْتُ فُلانًا فَواللَّهِ ما كانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ إلّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قالَ: إنِّي إنْ شاءَ اللَّهُ لَقائِمٌ العَشِيَّةَ في النّاسِ فَمُحَذِّرُهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَغْصِبُوهم أُمُورَهم، الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وَفِيهِ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها، وعَقَلْناها، ووَعَيْناها، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى إنْ طالَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: واللَّهِ ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ، والرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلى مَن زَنى، إذا أحْصَنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كانَ الحَبَلُ أوْ الِاعْتِرافُ،» انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وَفِيهِ: أنَّ الرَّجْمَ نَزَلَ في القُرْآنِ في آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، وكَوْنُها لَمْ تُقْرَأْ في الصُّحُفِ، يَدُلُّ عَلى نَسْخِ تِلاوَتِها، مَعَ بَقاءِ حُكْمِها؛ كَما هو ثابِتٌ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ.
وَفِي رِوايَةٍ في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ، ألا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلى مَن زَنى، وقَدْ أحْصَنَ إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَمْلُ، أوْ الِاعْتِرافُ» .
قالَ سُفْيانُ: كَذا حَفِظْتُ: ألا وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ.
(p-٣٦٩)وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، في شَرْحِهِ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ، وقَدْ أخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ مِن رِوايَةِ جَعْفَرٍ الفِرْيابِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخِ البُخارِيِّ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أوْ الِاعْتِرافُ، وقَدْ قَرَأْناها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ)، وقَدْ رَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَسَقَطَ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ: وقَدْ قَرَأْناها إلى قَوْلِهِ: البَتَّةَ، ولَعَلَّ البُخارِيَّ هو الَّذِي حَذَفَ ذَلِكَ عَمْدًا، فَقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنصُورٍ، عَنْ سُفْيانَ كَرِوايَةِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ قالَ: لا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ. . .) غَيْرَ سُفْيانَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وهِمَ في ذَلِكَ.
قُلْتُ: وقَدْ أخْرَجَ الأئِمَّةُ هَذا الحَدِيثَ مِن رِوايَةِ مالِكٍ، ويُونُسَ، ومَعْمَرٍ، وصالِحِ بْنِ كَيْسانَ، وعَقِيلٍ، وغَيْرُهم مِنَ الحُفّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ في هَذا الحَدِيثِ مِن رِوايَةِ المُوَطَّأِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قالَ: «لَمّا صَدَرَ عُمَرُ مِنَ الحَجِّ، وقَدِمَ المَدِينَةَ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وفُرِضَتْ لَكُمُ الفَرائِضُ، وتُرِكْتُمْ عَلى الواضِحَةِ، ثُمَّ قالَ: إيّاكم أنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ حَدَّيْنِ في كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ زادَ عُمَرُ في كِتابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُها بِيَدِي: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ)»، قالَ مالِكٌ: الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ: الثَّيِّبُ والثَّيِّبَةُ.
وَوَقَعَ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ: لَكَتَبْتُها في آخِرِ القُرْآنِ.
وَوَقَعَتْ أيْضًا في هَذا الحَدِيثِ في رِوايَةِ أبِي مَعْشَرٍ الآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْها، في البابِ الَّذِي يَلِيهِ فَقالَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: «قَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، ولَوْلا أنْ يَقُولُوا: كَتَبَ عُمَرُ ما لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ، لَكَتَبْتُهُ قَدْ قَرَأْنا: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)» .
وَأخْرَجَ هَذِهِ الجُمْلَةَ النَّسائِيُّ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: ولَقَدْ كانَ فِيها، أيْ سُورَةِ ”الأحْزابِ“، آيَةُ الرَّجْمِ: (الشَّيْخُ)، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
(p-٣٧٠)وَمِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ“» مِثْلَهُ، إلى قَوْلِهِ: ”البَتَّةَ“ .
وَمِن رِوايَةِ أُسامَةَ بْنِ سَهْلٍ أنَّ خالَتَهُ أخْبَرَتْهُ، قالَتْ: لَقَدْ أقْرَأنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الرَّجْمِ، فَذَكَرَهُ إلى قَوْلِهِ: ”البَتَّةَ“، وزادَ ”بِما قَضَيا مِنَ اللَّذَّةِ“ .
وَأخْرَجَ النَّسائِيُّ أيْضًا «أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ قالَ لِزَيْدٍ: ألا تَكْتُبْها في المُصْحَفِ ؟ قالَ: لا ألا تَرى أنَّ الشّابَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ يُرْجَمانِ ولَقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أكْفِيكم، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) أكْتِبْنِي آيَةَ الرَّجْمِ، فَقالَ: ”لا أسْتَطِيعُ“» .
وَرُوِّينا في فَضائِلِ القُرْآنِ لِابْنِ الضُّرَيْسِ مِن طَرِيقِ يَعْلى وهو ابْنُ حَكِيمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ «أنَّ عُمَرَ خَطَبَ النّاسَ، فَقالَ: لا تَشُكُّوا في الرَّجْمِ فَإنَّهُ حَقٌّ، ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أكْتُبَهُ في المُصْحَفِ، فَسَألْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقالَ: ألَيْسَ أتَيْتَنِي، وأنا أسْتَقْرِئُها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَفَعْتَ في صَدْرِي، وقُلْتَ: اسْتَقْرِئْهُ آيَةَ الرَّجْمِ، وهم يَتَسافَدُونَ تَسافُدَ الحُمُرِ»، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى بَيانِ السَّبَبِ في رَفْعِ تِلاوَتِها، وهو الِاخْتِلافُ.
وَأخْرَجَ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، قالَ: «كانَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وسَعِيدُ بْنُ العاصِ يَكْتُبانِ في المُصْحَفِ، فَمَرّا عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ زَيْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ“، فَقالَ عُمَرُ: لَمّا نَزَلَتْ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: أكْتُبُها ؟ فَكَأنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ: ألا تَرى أنَّ الشَّيْخَ إذا زَنى، ولَمْ يُحْصِنْ جُلِدَ، وأنَّ الشّابَّ إذا زَنى وقَدْ أحْصَنَ رُجِمَ» .
فَيُسْتَفادُ مِن هَذا الحَدِيثِ السَّبَبُ في نَسْخِ تِلاوَتِها لِكَوْنِ العَمَلِ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ مِن عُمُومِها، انْتَهى بِطُولِهِ مِن فَتْحِ البارِي.
وَفِيهِ الدَّلالَةُ الظّاهِرَةُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ آيَةَ الرَّجْمِ مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ، باقِيَةُ الحُكْمِ، وأنَّها مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ الجَلْدِ، عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ الجَمْعِ بَيْنَ الرَّجْمِ والجَلَدِ، كَما تَقَدَّمَ.
وَلَكِنْ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ اسْتِفادَةِ سَبَبِ نَسْخِ تِلاوَتِها مِن بَعْضِ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ تَخْصِيصَ عُمُومِهِ، ويُوَضِّحُ المَقْصُودَ بِهِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ مِنهُ، ولَمْ يُؤَدِّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلى نَسْخِ تِلاوَتِهِ كَما هو مَعْلُومٌ، والآيَةُ القُرْآنِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِها تَكُونُ لَها أحْكامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، كالتَّعَبُّدِ بِتِلاوَتِها، (p-٣٧١)وَكالعَمَلِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والقِراءَةِ بِها في الصَّلاةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ، وإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَها بِحِكْمَتِهِ فَتارَةً يَنْسَخُ جَمِيعَ أحْكامِها مِن تِلاوَةٍ، وتَعَبُّدٍ، وعَمَلٍ بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ كَآيَةِ عَشْرِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ، وتارَةً يَنْسَخُ بَعْضَ أحْكامِها دُونَ بَعْضٍ، كَنَسْخِ حُكْمِ تِلاوَتِها والتَّعَبُّدِ بِها مَعَ بَقاءِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وكَنَسْخِ حُكْمِها دُونَ تِلاوَتِها، والتَّعَبُّدِ بِها كَما هو غالِبُ ما في القُرْآنِ مِنَ النَّسْخِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا جَمِيعَ ذَلِكَ بِأمْثِلَتِهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١]، ولَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ مِن ذَلِكَ.
فَآيَةُ الرَّجْمِ المَقْصُودُ مِنها إثْباتُ حُكْمِها، لا التَّعَبُّدُ بِها، ولا تِلاوَتُها، فَأُنْزِلَتْ وقَرَأها النّاسُ، وفَهِمُوا مِنها حُكْمَ الرَّجْمِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ نَسَخَ اللَّهُ تِلاوَتَها، والتَّعَبُّدَ بِها، وأبْقى حُكْمَها الَّذِي هو المَقْصُودُ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ.
فالرَّجْمُ ثابِتٌ في القُرْآنِ، وما سَيَأْتِي عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ، ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ هي الَّتِي بَيَّنَتْ أنَّ حُكْمَ آيَةِ الرَّجْمِ باقٍ بَعْدِ نَسْخِ تِلاوَتِها فَصارَ حُكْمُها مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَإنَّهُ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي أبُو الطّاهِرِ، وحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى قالا: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخُطّابِ، وهو جالِسٌ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْناها ووَعَيْناها وعَقَلْناها، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى إنْ طالَ بِالنّاسِ زَمانٌ، أنْ يَقُولَ قائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ، وإنَّ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلى مَن زَنى إذا أحْصَنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ، أوْ الِاعْتِرافُ»، اهـ مِنهُ.
فَهَذا الحَدِيثُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخانِ، عَنْ هَذا الخَلِيفَةِ الرّاشِدِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، دَلِيلٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ الرَّجْمَ ثابِتٌ بِآيَةٍ مِن كِتابِ (p-٣٧٢)اللَّهِ، أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَرَأها الصَّحابَةُ، ووَعَوْها، وعَقَلُوها وأنَّ حُكْمَها باقٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَعَلُوهُ بَعْدَهُ.
فَتَحَقَّقْنا بِذَلِكَ بَقاءَ حُكْمِها مَعَ أنَّها لا شَكَّ في نَسْخِ تِلاوَتِها مَعَ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْنا في كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ، ومِن جُمْلَةِ ما فِيها لَفْظُ آيَةِ الرَّجْمِ المَذْكُورَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا الآيَةُ الَّتِي هي باقِيَةُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ الزّانِيَيْنِ بَعْدَ الإحْصانِ، وقَدْ رَجَمَهُما النَّبِيُّ ﷺ، وقِصَّةُ رَجْمِهِ لَهُما مَشْهُورَةٌ، ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ الرَّجْمِ، وذَمُّ المُعْرِضِ عَنِ الرَّجْمِ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ في شَرْعِنا، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الرَّجْمَ ثابِتٌ في شَرْعِنا، وهي باقِيَةُ التِّلاوَةِ.
* *
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ
الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الرَّجْمَ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَن زَنى، وهو مُحْصَنٌ.
وَمَعْنى الإحْصانِ: أنْ يَكُونَ قَدْ جامَعَ في عُمْرِهِ، ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً في نِكاحٍ صَحِيحٍ، وهو بالِغٌ عاقِلٌ حُرٌّ، والرَّجُلُ والمَرْأةُ في هَذا سَواءٌ، وكَذَلِكَ المُسْلِمُ، والكافِرُ، والرَّشِيدُ، والمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا بَعْدَ الإحْصانِ، وقِصَّةُ رَجْمِهِما مَشْهُورَةٌ مَعَ صِحَّتِها؛ كَما هو مَعْلُومٌ.
* *
الفَرْعُ الثّانِي: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مَن زَنى، وهو مُحْصَنٌ يُرْجَمُ، ولَمْ نَعْلَمْ بِأحَدٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ خالَفَ في رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى إلّا ما حَكاهُ القاضِي عِياضٌ وغَيْرُهُ عَنِ الخَوارِجِ، وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ كالنَّظّامِ وأصْحابِهِ، فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالرَّجْمِ، وبُطْلانُ مَذْهَبِ مَن ذُكِرَ مِنَ الخَوارِجِ، وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ واضِحٌ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الثّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ بَعْدَهُ كَما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وكَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
* *
الفَرْعُ الثّالِثُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الزّانِيَ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إذا قامَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ (p-٣٧٣)أنَّهم رَأوْهُ أدْخَلَ فَرْجَهُ في فَرْجِها كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، أنَّهُ يَجِبُ رَجْمُهُ إذا كانَ مُحْصَنًا، وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ بَيِّنَةَ الزِّنى، لا يُقْبَلُ فِيها أقَلُّ مِن أرْبَعَةِ عُدُولٍ ذُكُورٍ، فَإنْ شَهِدَ ثَلاثَةُ عُدُولٍ، لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم وحُدُّوا؛ لِأنَّهم قَذَفَةٌ كاذِبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ويَقُولُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥]، وكِلْتا الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ صَرِيحَةٌ في أنَّ الشُّهُودَ في الزِّنى، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِن أرْبَعَةٍ، وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتِراطَ الأرْبَعَةِ كَما في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها، وزادَتْ أنَّ القاذِفِينَ إذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأرْبَعَةِ هُمُ الكاذِبُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
وَمَن كَذَبَ في دَعْواهُ الزِّنى عَلى مُحْصَنٍ أوْ مُحْصَنَةٍ وجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ؛ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَما ذَكَرَهُ أبُو الخَطّابِ مِنَ الحَنابِلَةِ عَنْ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ مِن أنَّ شُهُودَ الزِّنى، إذا لَمْ يَكْمُلُوا لا حَدَّ قَذْفٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم شُهُودٌ لا قَذَفَةٌ، لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا.
وَمِمّا يُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَإنَّ رابِعَهم لَمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِالشَّهادَةِ عَلى المُغِيرَةِ بِالزِّنى، جَلَدَ عُمَرُ الشُّهُودَ الثَّلاثَةَ جَلْدَ القَذْفِ ثَمانِينَ، وفِيهِمْ أبُو بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، وقَدْ أوْضَحْناها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وَجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ العَبِيدَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم في الزِّنى، ولا نَعْلَمُ خِلافًا عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، في عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ العَبِيدِ في الزِّنى، إلّا رِوايَةً عَنْ أحْمَدَ لَيْسَتْ هي مَذْهَبُهُ وإلّا قَوْلَ أبِي ثَوْرٍ.
وَيُشْتَرَطُ في شُهُودِ الزِّنى أنْ يَكُونُوا ذُكُورًا ولا تَصِحُّ فِيهِ شَهادَةُ النِّساءِ بِحالٍ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ خالَفَ في ذَلِكَ، إلّا شَيْئًا يُرْوى عَنْ عَطاءٍ، وحَمّادٍ أنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلاثَةُ رِجالٍ وامْرَأتانِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهو شُذُوذٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الأرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ (p-٣٧٤)المَذْكُورِينَ، ويَقْتَضِي أنْ يُكْتَفى فِيهِ بِأرْبَعَةٍ، ولا خِلافَ أنَّ الأرْبَعَةَ إذا كانَ بَعْضُهم نِساءً لا يُكْتَفى بِهِمْ، وأنَّ أقَلَّ ما يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وهَذا خِلافُ النَّصِّ؛ ولِأنَّ في شَهادَتِهِنَّ شُبْهَةً لِتَطَرُّقِ الضَّلالِ إلَيْهِنَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، انْتَهى مِنهُ.
وَلا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ شَهادَةَ الكُفّارِ كالذِّمِّيِّينَ لا تُقْبَلُ عَلى المُسْلِمِ بِالزِّنى.
واخْتُلِفَ هَلْ تُقْبَلُ عَلى كافِرٍ مِثْلِهِ ؟ فَقِيلَ: لا، والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما رَجَمَ اليَهُودِيِّينَ بِاعْتِرافِهِما بِالزِّنى، لا بِشَهادَةِ شُهُودٍ مِنَ اليَهُودِ عَلَيْهِمْ بِالزِّنى، والَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ زَعَمُوا أنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ في حَدِيثِ جابِرٍ أنَّها شَهادَةُ شُهُودٍ مُسْلِمِينَ، يَشْهَدُونَ عَلى اعْتِرافِ اليَهُودِيَّيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِالزِّنى، ومِمَّنْ قالَ هَذا القَوْلَ: ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تُقْبَلُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ إنْ تَحاكَمُوا إلَيْنا.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ عَلى مُسْلِمٍ، ولا عَلى كافِرٍ لا في حَدٍّ ولا في غَيْرِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ والحَضَرِ في ذَلِكَ، وقَبِلَ شَهادَتَهم جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ، وبَعْضُ الفُقَهاءِ إذا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، واسْتَثْنى أحْمَدُ حالَةَ السَّفَرِ إذا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ.
وَأجابَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ عَنْ واقِعَةِ اليَهُودِيَّيْنِ بِأنَّهُ ﷺ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ ما عَلِمَ أنَّهُ حُكْمُ التَّوْراةِ، وألْزَمَهُمُ العَمَلَ بِهِ ظاهِرًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتابَهم، وتَغْيِيرِهِمْ حُكْمَهُ أوْ كانَ ذَلِكَ خاصًّا بِهَذِهِ الواقِعَةِ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلامَ القُرْطُبِيِّ المَذْكُورَ، كَذا قالَ: والثّانِي مَرْدُودٌ، ثُمَّ قالَ: وقالَ النَّوَوِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ رَجَمَهُما بِالِاعْتِرافِ، فَإنْ ثَبَتَ حَدِيثُ جابِرٍ فَلَعَلَّ الشُّهُودَ كانُوا مُسْلِمِينَ وإلّا فَلا عِبْرَةَ بِشَهادَتِهِمْ، ويَتَعَيَّنُ أنَّهُما أقَرّا بِالزِّنى.
ثُمَّ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُما كانُوا مُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشُّهُودُ أخْبَرُوا بِذَلِكَ بَقِيَّةَ اليَهُودِ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ كَلامَهم، ولَمْ يَحْكم فِيهِما إلّا مُسْتَنِدًا لِما أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَحَكَمَ بِالوَحْيِ، وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بَيْنَهم؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦]، وأنَّ شُهُودَهم شَهِدُوا عَلَيْهِما عِنْدَ إخْبارِهِمْ بِما ذَكَرَ، فَلَمّا رَفَعُوا الأمْرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعْلَمَ القِصَّةَ عَلى وجْهِها فَذَكَرَ كُلُّ مَن حَضَرَهُ مِنَ الرُّواةِ ما حَفِظَهُ في (p-٣٧٥)ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ، هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِن عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في المُسْلِمِينَ الفاسِقِينَ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، وإذا نَصَّ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في مُحْكَمِ كِتابِهِ عَلى عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ، فالكافِرُ أوْلى بِذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا - في شُهُودِ الزِّنا، أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنهُ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، فَخَصَّ الأرْبَعَةَ بِكَوْنِهِمْ مِنّا، ويُمْكِنُ أنْ يُجِيبَ المانِعَ بِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ فِيهِ ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾، فَلا نَتَناوَلُ نِساءَ أهْلِ الذِّمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وأنَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَةُ كافِرٍ في شَيْءٍ إلّا بِدَلِيلٍ خاصٍّ كالوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، إذا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٦] .
والتَّحْقِيقُ أنَّ حُكْمَها غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ لِأنَّ القُرْآنَ لا يَثْبُتُ نَسْخُ حُكْمِهِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والآياتُ الَّتِي زَعَمَ مَنِ ادَّعى النَّسْخَ أنَّها ناسِخَةٌ لَها؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [النساء: ٢٨٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] .
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأعَمَّ لا يَنْسَخُ الأخَصَّ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.
أمّا حَدِيثُ جابِرٍ المُشارُ إلَيْهِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنهُ قَبُولُ شَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في حَدِّ الزِّنى، فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مُوسى البَلْخِيُّ، ثَنا أبُو أُسامَةَ، قالَ مُجالِدٌ: أخْبَرَنا عَنْ عامِرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ بِرَجُلٍ وامْرَأةٍ مِنهم زَنَيا، فَقالَ: ”ائْتُونِي بِأعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنكم“، الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجاءُوا بِأرْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أنَّهم رَأوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِها مِثْلَ المَيْلِ في المُكْحُلَةِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِما»، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَظاهِرُ المُتَبادِرِ مِنهُ: أنَّ الشُّهُودَ الَّذِينَ شَهِدُوا مِنَ اليَهُودِ كَما لا يَخْفى، فَظاهِرُ الحَدِيثِ دالٌّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، في حَدِّ الزِّنى، إنْ كانَ صَحِيحًا، والسَّنَدُ المَذْكُورُ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ أبُو داوُدَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ فِيهِ مُجالِدًا وهو (p-٣٧٦)مُجالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ بِسِطامِ بْنِ ذِي مِرانِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الهَمْدانِيُّ أبُو عَمْرٍو، ويُقالُ أبُو سَعِيدٍ الكُوفِيُّ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ضَعْفِهِ، وعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، والإمامُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ، إنَّما أخْرَجَ حَدِيثَهُ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيانَ، إنَّهُ صَدُوقٌ، ولا بِتَوْثِيقِ النَّسائِيِّ لَهُ مَرَّةً؛ لِأنَّهُ ضَعَّفَهُ مَرَّةً أُخْرى، ولا بِقَوْلِ ابْنِ عَدِيٍّ: أنَّ لَهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جابِرٍ أحادِيثَ صالِحَةً؛ لِأنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ بِالرِّجالِ عَلى تَضْعِيفِهِ، وعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، أمّا غَيْرُ مُجالِدٍ مِن رِجالِ سَنَدِ أبِي داوُدَ فَهم ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ؛ لِأنَّ يَحْيى بْنَ مُوسى البَلْخِيَّ ثِقَةٌ، وأبُو أُسامَةَ المَذْكُورُ فِيهِ هو حَمّادُ بْنُ أُسامَةَ القُرَشِيُّ مَوْلاهم، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، رُبَّما دَلَّسَ وكانَ بِآخِرَةٍ يُحَدِّثُ مِن كُتُبِ غَيْرِهِ، وعامِرٌ الَّذِي رَوى عَنْ مُجالِدٍ هو الإمامُ الشَّعْبِيُّ، وجَلالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ.
والحاصِلُ: أنَّ مِثْلَ هَذا السَّنَدِ الَّذِي فِيهِ مُجالِدٌ المَذْكُورُ، لا يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَنْ عُمُومِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ المُقْتَضِيَةِ، أنَّ الكُفّارَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم مُطْلَقًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
الفَرْعُ الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ قَدِ اخْتَلَفُوا في اشْتِراطِ اتِّحادِ المَجْلِسِ لِشَهادَةِ شُهُودِ الزِّنا، وعَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا في مَجْلِسَيْنِ أوْ مَجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ، بَطَلَتْ شَهادَتُهم، وحُدُّوا حَدَّ القَذْفِ، وعَلى عَدَمِ اشْتِراطِ اتِّحادِ المَجْلِسِ تَصِحُّ شَهادَتُهم ولَوْ جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ، وأدَّوْا شَهادَتَهم في مَجالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ، ومِمَّنْ قالَ بِاشْتِراطِ اتِّحادِ المَجْلِسِ: مالِكٌ وأصْحابُهُ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، وأحْمَدُ وأصْحابُهُ، ومِمَّنْ قالَ بِعَدَمِ اشْتِراطِ اتِّحادِ المَجْلِسِ: الشّافِعِيُّ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ.
قالَ في المُغْنِي: وإنَّما قالُوا بِعَدَمِ اشْتِراطِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]، ولَمْ يَذْكُرِ المَجْلِسَ. وقالَ تَعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، ولِأنَّ كُلَّ شَهادَةٍ مَقْبُولَةٍ، إنِ اتَّفَقَتْ تُقْبَلُ إذا افْتَرَقَتْ في مَجالِسَ كَسائِرِ الشَّهاداتِ، ولَنا أنَّ أبا بَكْرَةَ، ونافِعًا، وشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ شَهِدُوا عِنْدَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنى ولَمْ يَشْهَدْ زِيادٌ فَحُدَّ الثَّلاثَةُ، ولَوْ كانَ المَجْلِسُ غَيْرَ مُشْتَرَطٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يُحِدَّهم؛ لِجَوازِ أنْ يَكْمُلُوا بِرابِعٍ في مَجْلِسٍ آخَرَ؛ ولِأنَّهُ لَوْ شَهِدَ ثَلاثَةٌ فَحَدَّهم، ثُمَّ جاءَ رابِعٌ فَشَهِدَ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ، ولَوْلا اشْتِراطُ اتِّحادِ المَجْلِسِ لَكَمُلَتْ شَهادَتُهم، وبِهَذا فارَقَ سائِرَ الشَّهاداتِ.
(p-٣٧٧)وَأمّا الآيَةُ فَإنَّها لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلشُّرُوطِ، ولِهَذا لَمْ تُذْكَرِ العَدالَةُ، وصِفَةُ الزِّنى؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]، لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مُطْلَقًا في الزَّمانِ كُلِّهِ أوْ مُقَيَّدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن جَوازِ جَلْدِهِمْ، لِأنَّهُ ما مِن زَمَنٍ إلّا يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ فِيهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، أوْ بِكَمالِهِمْ إنْ كانَ قَدْ شَهِدَ بَعْضُهم فَيَمْتَنِعُ جَلْدُهُمُ المَأْمُورُ بِهِ، فَيَكُونُ تَناقُضًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُقَيَّدٌ فَأوْلى ما قُيِّدَ بِهِ المَجْلِسُ؛ لِأنَّ المَجْلِسَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الحالِ الواحِدَةِ، ولِهَذا ثَبَتَ فِيهِ خِيارُ المَجْلِسِ، واكْتُفِيَ فِيهِ بِالقَبْضِ فِيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فِيهِ إذا ثَبَتَ هَذا، فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ اجْتِماعُهم حالَ مَجِيئِهِمْ ولَوْ جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم.
وَقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: إنْ جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ فَهم قَذَفَةٌ؛ لِأنَّهم لَمْ يَجْتَمِعُوا في مَجِيئِهِمْ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم، كالَّذِينِ لَمْ يَشْهَدُوا في مَجْلِسٍ واحِدٍ ولَنا قِصَّةُ المُغِيرَةِ، فَإنَّ الشُّهُودَ جاءُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وسُمِعَتْ شَهادَتُهم، وإنَّما حُدُّوا لِعَدَمِ كَمالِها.
وَفِي حَدِيثِهِ أنَّ أبا بَكْرَةَ، قالَ: أرَأيْتَ إنْ جاءَ آخَرُ يَشْهَدُ أكُنْتَ تَرْجُمَهُ ؟ قالَ عُمَرُ: إي والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ولِأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا في مَجْلِسٍ واحِدٍ أشْبَهَ ما لَوْ جاءُوا وكانُوا مُجْتَمِعِينَ، ولِأنَّ المَجْلِسَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ ابْتِدائِهِ لِما ذَكَرْناهُ، وإذا تَفَرَّقُوا في مَجالِسَ فَعَلَيْهِمُ الحَدُّ؛ لِأنَّ مَن شَهِدَ بِالزِّنى، ولَمْ يُكْمِلِ الشَّهادَةَ يَلْزَمُهُ الحَدُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“ لِابْنِ قُدامَةَ.
وَقَدْ عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في اشْتِراطِ اتِّحادِ المَجْلِسِ لِشَهادَةِ شُهُودِ الزِّنى، وما احْتَجَّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي دَلِيلًا هو قَبُولُ شَهادَتِهِمْ، ولَوْ جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ في مَجالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - صَرَّحَ في كِتابِهِ بِقَبُولِ شَهادَةِ الأرْبَعَةِ في الزِّنى، فَإبْطالُها مَعَ كَوْنِهِمْ أرْبَعَةً بِدَعْوى عَدَمِ اتِّحادِ المَجْلِسِ إبْطالٌ لِشَهادَةِ العُدُولِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُقْنِعٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وما وجَّهَ مِنَ اشْتِراطِ اتِّحادِ المَجْلِسِ قَوْلُهُ بِهِ لا يَتَّجِهُ كُلَّ الِاتِّجاهِ، فَإنْ قالَ: الشُّهُودُ مَعَنا مَن يَشْهَدُ مِثْلَ شَهادَتِنا، انْتَظَرَهُ الإمامُ، وقَبِلَ شَهادَتَهُ فَإنْ لَمْ يَدْعُو زِيادَةَ شُهُودٍ ولا عَلِمَ الحاكِمُ بِشاهِدٍ أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، لِعَدَمِ كَمالِ (p-٣٧٨)شَهادَتِهِمْ، هَذا هو الظّاهِرُ لَنا مِن عُمُومِ الأدِلَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِمَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ أنَّ مالِكًا وأصْحابَهُ يُشْتَرَطُ عِنْدَهم زِيادَةٌ عَلى أداءِ شُهُودِ الزِّنى شَهادَتُهم في وقْتٍ واحِدٍ، أنْ يَكُونُوا شاهِدَيْنِ عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، فَلَوِ اجْتَمَعُوا ونَظَرَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، لَمْ تَصِحَّ شَهادَتُهم عَلى الأصَحِّ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ؛ لِاحْتِمالِ تَعَدُّدِ الوَطْءِ وأنْ يَكُونَ الزّانِي نَزَعَ فَرْجَهُ مِن فَرْجِها بَعْدَ رُؤْيَةِ الأوَّلِ، ورَأى الثّانِي إيلاجًا آخَرَ غَيْرَ الإيلاجِ الَّذِي رَآهُ مَن قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الأفْعالَ لا يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في الشَّهادَةِ عِنْدَهم، ومَتى لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم حُدُّوا حَدَّ القَذْفِ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أيْضًا: وُجُوبُ تَفْرِقَتِهِمْ، أعْنِي شُهُودَ الزِّنى خاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِمْ مِن سائِرِ الشُّهُودِ.
وَمَعْناهُ عِنْدَهم: أنَّهُ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِمْ مُجْتَمِعِينَ، فَإذا جاءُوا مُجْتَمِعِينَ فُرِّقَ بَيْنَهم عِنْدَ أداءِ الشَّهادَةِ فَيُسْألُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم دُونَ حَضْرَةِ الآخَرِينَ، ويَشْهَدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم، أنَّهُ رَآهُ أدْخَلَ فَرْجَهُ في فَرْجِها، أوْ أوْلَجَهُ فِيهِ، ولا بُدَّ عِنْدَهم مِن زِيادَةٍ كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ ونَحْوِهِ، ويَجُوزُ لِلشُّهُودِ النَّظَرُ إلى عَوْرَةِ الزّانِيَيْنِ، لِيُمْكِنَهم أنْ يُؤَدُّوا الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها، ولا إثْمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، ولا يُقْدَحُ في شَهادَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةُ إقامَةِ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ومَحَلُّ هَذا إنْ كانُوا أرْبَعَةً، فَإنْ كانُوا أقَلَّ مِن أرْبَعَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمُ النَّظَرُ إلى عَوْرَةِ الزّانِي إذْ لا فائِدَةَ في شَهادَتِهِمْ؛ ولِأنَّهم يُجْلَدُونَ حَدَّ القَذْفِ.
وَقالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ: لا يَجُوزُ لَهُمُ النَّظَرُ إلى عَوْراتِ الزُّناةِ، ولَوْ كانُوا أرْبَعَةً، لِما نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ مِنَ اسْتِحْسانِ السَّتْرِ، ويُنْدَبُ لِلْحاكِمِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ سُؤالُ الشُّهُودِ في الزِّنى عَمّا لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ الشَّهادَةِ، كَأنْ يَقُولَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الشُّهُودِ بِانْفِرادِهِ دُونَ حَضْرَةِ الآخَرِينَ: عَلى أيِّ حالٍ رَأيْتَهُما وقْتَ زِناهُما، وهَلْ كانَتِ المَرْأةُ عَلى جَنْبِها الأيْمَنِ، أوِ الأيْسَرِ، أوْ عَلى بَطْنِها، أوْ عَلى قَفاها، وفي أيِّ جَوانِبِ البَيْتِ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنِ اخْتَلَفُوا بِأنْ قالَ أحَدُهم: كانَتْ عَلى قَفاها، وقالَ الآخَرُ: كانَتْ عَلى جَنْبِها الأيْمَنِ ونَحْوِ ذَلِكَ بَطَلَتْ شَهادَتُهم؛ لِدَلالَةِ اخْتِلافِهِمْ عَلى كَذِبِهِمْ، وكَذَلِكَ إنِ اخْتَلَفُوا في جانِبِ البَيْتِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الزِّنى.
وَلا شَكَّ أنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ أحْوَطُ في الدَّفْعِ عَنْ أعْراضِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا (p-٣٧٩)صادِقِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا، وإنْ كانُوا كاذِبِينَ عُلِمَ كَذِبُهم بِاخْتِلافِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِتَفْرِقَةِ شُهُودِ الزِّنى، وسُؤالِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ وداوُدَ في المَرْأةِ الَّتِي شَهِدَ عَلَيْها أرْبَعَةٌ، أنَّها زَنَتْ بِكَلْبِها فَرَجَمَها داوُدُ فَجاءَ سُلَيْمانُ بِالصِّبْيانِ، وجَعَلَ مِنهم شُهُودًا، وفَرَّقَهم وسَألَهم مُتَفَرِّقِينَ عَنْ لَوْنِ الكَلْبِ الَّذِي زَنَتْ بِهِ، فَأخْبَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلَوْنٍ غَيْرِ اللَّوْنِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ الآخَرُ، فَأرْسَلَ داوُدُ لِلشُّهُودِ، وفَرَّقَهم وسَألَهم مُتَفَرِّقِينَ عَنْ لَوْنِ الكَلْبِ الَّذِي زَنَتْ بِهِ، فاخْتَلَفُوا في لَوْنِهِ؛ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَثْبُتُ بِهِ الرَّجْمُ يَثْبُتُ بِهِ الجَلْدُ فَطَرِيقُ ثُبُوتِهِما مُتَّحِدَةٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، كَما لا يَخْفى.
* *
الفَرْعُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ إذا شَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في هَذا البَيْتِ، واثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في بَيْتٍ آخَرَ، أوْ شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ بِالزِّنى في بَلَدٍ غَيْرِ البَلَدِ الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ فِيهِ صاحِباهُما، أوِ اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الزِّنى، فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، نَظَرًا إلى أنَّهم أرْبَعَةٌ شَهِدُوا بِالزِّنى، أوْ لا تُقْبَلُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ أرْبَعَةٌ عَلى زِنًى واحِدٍ، فَكُلُّ زِنًى شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنانِ، ولا يَثْبُتُ زِنًى بِاثْنَيْنِ.
قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: الجَمِيعُ قَذَفَةٌ وعَلَيْهِمُ الحَدُّ، وبِهَذا قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، واخْتارَ أبُو بَكْرٍ أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وأصْحابُ الرَّأْيِ، لِأنَّهم كَمُلُوا أرْبَعَةً، ولَنا أنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أرْبَعَةً عَلى زِنًى واحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدُّ كَما لَوِ انْفَرَدَ بِالشَّهادَةِ اثْنانِ وحْدَهُما، فَأمّا المَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الحَدُّ، وحَكاهُ قَوْلًا لِأحْمَدَ، وهَذا بِعِيدٌ، فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنًى واحِدٌ بِشَهادَةِ أرْبَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبِ الحَدُّ؛ ولِأنَّ جَمِيعَ ما تُعْتَبَرُ لَهُ البَيِّنَةُ يُعْتَبَرُ فِيهِ كَمالُها في حَقٍّ واحِدٍ، فالمُوجِبُ لِلْحَدِّ أوْلى؛ لِأنَّهُ مِمّا يُحْتاطُ فِيهِ ويُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ؛ وقَدْ قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّهُ لَوْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِامْرَأةٍ بَيْضاءَ، وشَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِسَوْداءَ فَهم قَذَفَةٌ، ذَكَرَهُ القاضِي عَنْهُ وهَذا يَنْقُضُ قَوْلَهُ، انْتَهى مِنهُ، ثُمَّ قالَ: وإنْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في زاوِيَةِ بَيْتٍ، وشَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في زاوِيَةٍ مِنهُ أُخْرى، وكانَتِ الزّاوِيَتانِ مُتَباعِدَتَيْنِ، فالقَوْلُ فِيهِما كالقَوْلِ في البَيْتَيْنِ وإنْ كانَتا مُتَقارِبَتَيْنِ كَمُلَتْ شَهادَتُهم، وحُدَّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ شَهادَتَهم لَمْ تَكْمُلْ، ولِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المَكانِ، فَأشْبَهَ ما لَوِ اخْتَلَفُوا في البَيْتَيْنِ، وعَلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ تَكْمُلُ شَهادَتُهم، سَواءٌ تَقارَبَتِ الزّاوِيَتانِ، أوْ تَباعَدَتا، ولَنا أنَّهُما (p-٣٨٠)إذا تَقارَبَتا أمْكَنَ صِدْقُ الشُّهُودِ، بِأنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الفِعْلِ في إحْداهُما وتَمامُهُ في الأُخْرى أوْ يَنْسُبُهُ كُلُّ اثْنَيْنِ إلى إحْدى الزّاوِيَتَيْنِ لِقُرْبِهِ مِنها فَيَجِبُ قَبُولُ شَهادَتِهِمْ كَما لَوِ اتَّفَقُوا، بِخِلافِ ما إذا كانَتا مُتَباعِدَتَيْنِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ كَوْنُ المَشْهُودِ بِهِ فِعْلًا واحِدًا.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِهِ فِعْلَيْنِ، فَلِمَ أوْجَبْتُمُ الحَدَّ مَعَ الِاحْتِمالِ، والحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ ؟
قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِشُبْهَةٍ، بِدَلِيلِ ما لَوِ اتَّفَقُوا عَلى مَوْضِعٍ واحِدٍ، فَإنَّ هَذا يُحْتَمَلُ فِيهِ والحَدُّ واجِبٌ، والقَوْلُ في الزَّمانِ كالقَوْلِ في هَذا، وأنَّهُ مَتى كانَ بَيْنَهُما زَمَنٌ مُتَباعِدٌ لا يُمْكِنُ وُجُودُ الفِعْلِ الواحِدِ في جَمِيعِهِ، كَطَرَفَيِ النَّهارِ لَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم، ومَتى تَقارَبا كَمُلَتْ شَهادَتُهم، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ رَأيْتَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في هَذا الفَرْعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا تَكْمُلُ شَهادَةُ الأرْبَعَةِ إلّا إذا شَهِدُوا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ في مَكانٍ مُتَّحِدٍ ووَقْتٍ مُتَّحِدٍ؛ فَإنِ اخْتَلَفُوا في الزَّمانِ أوِ المَكانِ حُدُّوا؛ لِأنَّهُما فِعْلانِ، ولَمْ يَشْهَدْ عَلى واحِدٍ مِنهُما أرْبَعَةُ عُدُولٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ واحِدٌ مِنهُما. والقَوْلُ بِتَلْفِيقِ شَهادَتِهِمْ، وضَمِّ شَهادَةِ بَعْضِهِمْ إلى شَهادَةِ بَعْضٍ لا يَظْهَرُ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مالِكًا وأصْحابَهُ زادُوا أنْ تَكُونَ شَهادَةُ الأرْبَعَةِ عَلى إيلاجٍ مُتَّحِدٍ، فَلَوْ نَظَرُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ مَعَ اتِّحادِ الوَقْتِ والمَكانِ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَهُ شَهادَتُهم حَتّى يَنْظُرُوا فَرْجَهُ في فَرْجِها نَظْرَةً واحِدَةً في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، ولَهُ وجْهٌ.
* *
الفَرْعُ السّادِسُ: إنْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في قَمِيصٍ أبْيَضَ، وشَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في قَمِيصٍ أحْمَرَ، أوْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في ثَوْبِ كَتّانٍ، وشَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها في ثَوْبِ خَزٍّ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ تَكْمُلُ شَهادَتُهم أوْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: لا تَكْمُلُ شَهادَتُهم؛ لِأنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهُما تُخالِفُ شَهادَتُهُما شَهادَةَ الِاثْنَيْنِ الآخَرَيْنِ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ الشّافِعِيُّ، وقالَ بَعْضُهم: تَكْمُلُ شَهادَتُهم قائِلًا: إنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ؛ لِإمْكانِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصانِ فَذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ أحَدَ القَمِيصَيْنِ، وتَرَكا ذِكْرَ الآخَرِ، فَيَكُونُ الجَمِيعُ صادِقِينَ؛ لِأنَّ أحَدَ الثَّوْبَيْنِ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ هَذانِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ ذانِكَ كَعَكْسِهِ، فَلا تَنافِيَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْها هي قَمِيصٌ أحْمَرُ، وعَلَيْهِ هو قَمِيصٌ أبْيَضُ كَعَكْسِهِ، أوْ عَلَيْهِ هو ثَوْبُ كَتّانٍ، وعَلَيْها هي ثَوْبُ خَزٍّ كَعَكْسِهِ، فَيُمْكِنُ صِدْقُ الجَمِيعِ؛ وإذا أمْكَنَ صِدْقُهم فَلا (p-٣٨١)وَجْهَ لِرَدِّ شَهادَتِهِمْ، وبِهَذا جَزَمَ صاحِبُ المُغْنِي مُوَجِّهًا لَهُ بِما ذَكَرْنا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا في هَذا الفَرْعِ هو وُجُوبُ اسْتِفْسارِ الشُّهُودِ، فَإنْ جَزَمَ اثْنانِ بِأنَّ عَلَيْهِ ثَوْبًا واحِدًا أحْمَرَ، وجَزَمَ الآخَرانِ أنَّ عَلَيْهِ ثَوْبًا واحِدًا أبْيَضَ لَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم لِتَنافِي الشَّهادَتَيْنِ، وإنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ مَثَلًا أحَدُهُما أحْمَرُ، والثّانِي أبْيَضُ، وذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ أحَدَ الثَّوْبَيْنِ، فَلا إشْكالَ في كَمالِ شَهادَتِهِمْ؛ لِاتِّفاقِ الشَّهادَتَيْنِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِفْسارُ الشُّهُودِ لِمَوْتِهِمْ، أوْ غَيْبَتِهِمْ غَيْبَةً يَتَعَذَّرُ مَعَها سُؤالُهم، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ كَمالِ شَهادَتِهِمْ؛ لِاحْتِمالِ تَخالُفِ شَهادَتِهِما، ومُطْلَقُ احْتِمالِ اتِّفاقِهِما لا يَكْفِي في إقامَةِ الحَدِّ؛ لِأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، فَلا يُقامُ بِشَهادَةٍ مُحْتَمَلَةِ البُطْلانِ، بَلِ الظّاهِرُ مِنَ الصِّيغَةِ اخْتِلافُ الشَّهادَتَيْنِ والعَمَلُ بِالظّاهِرِ لازِمٌ، ما لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صارِفٌ عَنْهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم إنْ لَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم يُحَدُّونَ حَدَّ القَذْفِ. أمّا في الشَّهادَةِ المُحْتَمَلَةِ فَإنَّهُ قَبْلَ إمْكانِ اسْتِفْسارِهِمْ، فَلا إشْكالَ في عَدَمِ إمْكانِ حَدِّهِمْ وإنْ أمْكَنَ اسْتِفْسارُهم، فَإنْ فَسَّرُوا، بِما يَقْتَضِي كَمالَ شَهادَتِهِمْ حُدَّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِشَهادَتِهِمْ، وإنْ فَسَّرُوا بِما يُوجِبُ بُطْلانَ شَهادَتِهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّهم يُحَدُّونَ حَدَّ القَذْفِ؛ كَما قَدَّمْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الفَرْعُ السّابِعُ: إنْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها مُكْرَهَةً، وشَهِدَ اثْنانِ أنَّهُ زَنى بِها مُطاوِعَةً، فَلا حَدَّ عَلى المَرْأةِ إجْماعًا؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْها لَمْ تَكْمُلْ عَلى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ، وإنَّما الخِلافُ في حُكْمِ الرَّجُلِ والشُّهُودِ.
قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وفي الرَّجُلِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا حَدَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ، والقاضِي وأكْثَرِ الأصْحابِ، وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ البَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، فَإنَّ فِعْلَ المُطاوِعَةِ غَيْرُ فِعْلِ المُكْرَهَةِ، ولَمْ يَتِمَّ العَدَدُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، ولِأنَّ كُلَّ شاهِدَيْنِ مِنهُما يُكَذِّبانِ الآخَرَيْنِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادَةِ، أوْ يَكُونُ شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ ولا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ قَوْلٌ واحِدٌ مِنهُما مُكَذِّبًا لِلْآخَرِ إلّا بِتَقْدِيرِ فِعْلَيْنِ تَكُونُ مُطاوِعَةً في أحَدِهِما، مُكْرَهَةً في الآخَرِ، وهَذا يَمْنَعُ كَوْنَ الشَّهادَةِ كامِلَةً عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، ولِأنَّ شاهِدَيِ المُطاوَعَةِ قاذِفانِ لَها، ولَمْ تَكْمُلِ البَيِّنَةُ عَلَيْها، فَلا تُقْبَلُ شَهادَتُهُما عَلى غَيْرِها.
(p-٢٨٢)والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يَجِبُ الحَدُّ عَلَيْهِ، اخْتارَهُ أبُو الخَطّابِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ، ووَجْهٌ ثانٍ لِلشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ كَمُلَتْ عَلى وُجُودِ الزِّنى مِنهُ، واخْتِلافُهُما إنَّما هو في فِعْلِها لا في فِعْلِهِ، فَلا يَمْنَعُ كَمالَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ.
وَفِي الشُّهُودِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لا حَدَّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ الحَدَّ عَلى الرَّجُلِ بِشَهادَتِهِمْ.
والثّانِي: عَلَيْهِمُ الحَدُّ لِأنَّهم شَهِدُوا بِالزِّنى، ولَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم فَلَزِمَهُمُ الحَدُّ، كَما لَوْ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهم.
والثّالِثُ: يَجِبُ الحَدُّ عَلى شاهِدَيِ المُطاوِعَةِ، لِأنَّهُما قَذَفا المَرْأةَ بِالزِّنى، ولَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم عَلَيْها، ولا تَجِبُ عَلى شاهِدَيِ الإكْراهِ لِأنَّهُما لَمْ يَقْذِفا المَرْأةَ، وقَدْ كَمُلَتْ شَهادَتُهم عَلى الرَّجُلِ، وإنَّما انْتَفى عَنْهُ الحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ رَأيْتُ خِلافَ أهْلِ العِلْمِ في هَذا الفَرْعِ، وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ عِنْدِي فِيهِ: أنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ لا حَدَّ عَلى واحِدٍ مِنهُما، وأنَّ عَلى الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ حَدَّ القَذْفِ، أمّا نَفْيُ الحَدِّ عَنِ المَرْأةِ، فَلا خِلافَ فِيهِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها لَمْ تَكْمُلْ عَلَيْها شَهادَةٌ بِالزِّنى، وأمّا نَفْيُ الحَدِّ عَنِ الرَّجُلِ؛ فَلِأنَّ الِاثْنَيْنِ الشّاهِدَيْنِ بِالمُطاوَعَةِ يُكَذِّبانِ الشّاهِدَيْنِ بِالإكْراهِ كَعَكْسِهِ، وإذا كانَ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنَ الأرْبَعَةِ يُكَذِّبانِ الآخَرَيْنِ في الحالَةِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها الفِعْلُ لَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، فَلَمْ تَكْمُلْ عَلى الرَّجُلِ شَهادَةٌ عَلى حالَةِ زِنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ الإكْراهَ والطَّوْعَ أمْرانِ مُتَنافِيانِ، وإذا لَمْ تَكْمُلْ عَلَيْهِ شَهادَةٌ بِفِعْلٍ واحِدٍ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ فَعَدَمُ حَدِّهِ هو الأظْهَرُ، أمّا وجْهُ حَدِّ الشُّهُودِ، فَلِأنَّ الشّاهِدَيْنِ عَلى المَرْأةِ بِأنَّها زَنَتْ مُطاوِعَةً لِلرَّجُلِ قاذِفانِ لَها بِالزِّنى، ولَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهُما عَلَيْها فَحَدُّهُما لِقَذْفِهِما المَرْأةَ ظاهِرٌ جِدًّا؛ ولِأنَّ الشّاهِدَيْنِ بِأنَّهُ زَنى بِها مُكْرَهَةً قاذِفانِ لِلرَّجُلِ بِأنَّهُ أكْرَهَها فَزَنى بِها، ولَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهم؛ لِأنَّ شاهِدَيِ الطَّوْعِ مُكَذِّبانِ لَهُما في دَعْواهُما الإكْراهَ فَحَدُّهُما لِقَذْفِهِما لِلرَّجُلِ ولَمْ تَكْمُلْ شَهادَتُهُما عَلَيْهِ ظاهِرٌ، أمّا كَوْنُ الأرْبَعَةِ قَدِ اتَّفَقَتْ شَهادَتُهم عَلى أنَّهُ زَنى بِها، فَيَرُدُّهُ أنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهُما يُكَذِّبانِ الآخَرَيْنِ في الحالَةِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها الزِّنى، هَذا هو الأظْهَرُ عِنْدَنا مِن كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في هَذا الفَرْعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
(p-٢٨٣)وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ ما يَثْبُتُ بِهِ الرَّجْمُ عَلى المُحْصَنِ يَثْبُتُ بِهِ الجَلْدُ عَلى البِكْرِ، فَثُبُوتُ الأمْرَيْنِ طَرِيقُهُ واحِدَةٌ.
* *
الفَرْعُ الثّامِنُ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ شَهِدَ أرْبَعَةُ عُدُولٍ عَلى امْرَأةٍ أنَّها زَنَتْ وتَمَّتْ شَهادَتُهم عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ، فَقالَتْ إنَّها عَذْراءُ، لَمْ تَزُلْ بَكارَتُها ونَظَرَ إلَيْها أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ مَعْرُوفاتٌ بِالعَدالَةِ، وشَهِدْنَ بِأنَّها عَذْراءُ لَمْ تُزَلْ بَكارَتُها بِمُزِيلٍ. فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ تَدْرَأُ شَهادَةُ النِّساءِ عَنْها الحَدَّ أوْ لا ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ إلى أنَّها يُقامُ عَلَيْها الحَدُّ ولا يُلْتَفَتُ لِشَهادَةِ النِّساءِ، وعِبارَةُ المُدَوَّنَةِ في ذَلِكَ: إذا شَهِدَ عَلَيْها بِالزِّنى أرْبَعَةُ عُدُولٍ، فَقالَتْ: إنَّها عَذْراءُ ونَظَرَ إلَيْها النِّساءُ، وصَدَّقْنَها لَمْ يُنْظَرْ إلى قَوْلِهِنَّ وأُقِيمَ عَلَيْها الحَدُّ. انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ المَوّاقِ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ، وبِالبَيِّنَةِ فَلا يَسْقُطُ بِشَهادَةِ أرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكارَتِها، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ شَهادَةَ النِّساءِ بِبَكارَتِها تَدْرَأُ عَنْها الحَدَّ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ ووَجْهُ قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ بِأنَّها يُقامُ عَلَيْها الحَدُّ، هو أنَّ الشَّهادَةَ عَلى زِناها تَمَّتْ بِأرْبَعَةٍ عُدُولٍ، وأنَّ شَهادَةَ النِّساءِ لا مَدْخَلَ لَها في الحُدُودِ، فَلا تَسْقُطُ بِشَهادَتِهِنَّ شَهادَةُ الرِّجالِ عَلَيْها بِالزِّنى، ووَجْهُ قَوْلِ الآخَرَيْنِ بِأنَّها لا تُحَدُّ هو أنَّ بَكارَتَها ثَبَتَتْ بِشَهادَةِ النِّساءِ، ووُجُودُ البَكارَةِ مانِعٌ مِنَ الزِّنى ظاهِرًا؛ لِأنَّ الزِّنى لا يَحْصُلُ بِدُونِ الإيلاجِ في الفَرْجِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ بَقاءِ البَكارَةِ، لِأنَّ البِكْرَ هي الَّتِي لَمْ تُوطَأْ في قُبُلِها، وإذا انْتَفى الزِّنى لَمْ يَجِبِ الحَدُّ، كَما لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ بِأنَّ المَشْهُودَ عَلَيْهِ الزِّنى مَجْبُوبٌ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ويَجِبُ أنْ يُكْتَفى بِشَهادَةِ امْرَأةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّها مَقْبُولَةٌ فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجالُ، يَعْنِي البَكارَةَ المَذْكُورَةَ، انْتَهى، وأمّا الأرْبَعَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنى فَلا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِتَمامِ شَهادَتِهِمْ وهي أقْوى مِن شَهادَةِ النِّساءِ بِالبَكارَةِ.
وَقالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: وإنَّما لَمْ يَجِبِ الحَدُّ عَلَيْهِمْ لِكَمالِ عِدَّتِهِمْ، مَعَ احْتِمالِ صِدْقِهِمْ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وطِئَها، ثُمَّ عادَتْ عُذْرَتُها، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عَنْهم، وأمّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلى رَجُلٍ بِالزِّنى فَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرى أنَّهُ مَجْبُوبٌ، أوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلى امْرَأةٍ بِالزِّنى فَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرى أنَّها رَتْقاءُ، فالظّاهِرُ وُجُوبُ حَدِّ القَذْفِ عَلى بَيِّنَةِ الزِّنى، لِظُهُورِ كَذِبِها؛ لِأنَّ المَجْبُوبَ مِنَ الرِّجالِ والرَّتْقاءَ مِنَ النِّساءِ لا يُمْكِنُ حُصُولُ الزِّنى مِن واحِدٍ مِنهُما، كَما هو مَعْلُومٌ.
* *
(p-٢٨٤)المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى ثُبُوتِ الزِّنى، ووُجُوبِ الحَدِّ رَجْمًا كانَ أوْ جَلْدًا بِإقْرارِ الزّانِي والزّانِيَةِ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ يَثْبُتُ الزِّنى بِإقْرارِ الزّانِي مَرَّةً واحِدَةً، أوْ لا يَكْفِي ذَلِكَ حَتّى يُقِرَّ بِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ ؟ فَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والحَكَمُ: إلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ إلّا إذا أقَرَّ بِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وزادَ أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ أبِي لَيْلى: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أرْبَعِ مَجالِسَ، ولا تَكْفِي عِنْدَهُما الإقْراراتُ الأرْبَعَةُ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، وذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والحَسَنُ، وحَمّادٌ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ إلى أنَّ الزِّنى يَثْبُتُ بِالإقْرارِ مَرَّةً واحِدَةً.
أمّا حُجَجُ مَن قالَ يَكْفِي الإقْرارُ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، فَمِنها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأُنَيْسٍ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَشْهُورِ: «واغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هَذا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها»، فاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَها، وفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ: فاعْتَرَفَتْ فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ، قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ظاهِرٌ ظُهُورًا واضِحًا في أنَّ الزِّنى يَثْبُتُ بِالِاعْتِرافِ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﷺ فِيهِ: ”فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها“، ظاهِرٌ في الِاكْتِفاءِ بِالِاعْتِرافِ مَرَّةً واحِدَةً، إذْ لَوْ كانَ الِاعْتِرافُ أرْبَعَ مَرّاتٍ لا بُدَّ مِنهُ لَقالَ لَهُ ﷺ: فَإنِ اعْتَرَفَتْ أرْبَعَ مَرّاتٍ فارْجُمْها، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ تَكْفِي؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، كَما هو مَعْلُومٌ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالِاعْتِرافِ بِالزِّنى مَرَّةً واحِدَةً ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أنَّ امْرَأةً مِن جُهَيْنَةَ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وهي حُبْلى مِنَ الزِّنى، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ ولِيَّها فَقالَ: ”أحْسِنْ إلَيْها فَإذا وضَعَتْ فَأْتِنِي بِها“، فَفَعَلَ فَأمَرَ بِها النَّبِيُّ ﷺ فَشُكَّتْ عَلَيْها ثِيابُها ثُمَّ أمَرَ بِها فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلّى عَلَيْها، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْها يا نَبِيَّ اللَّهِ وقَدْ زَنَتْ ؟ فَقالَ: ”لَقَدْ تابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهم، وهَلْ وجَدْتَ تَوْبَةً أفْضَلَ مِن أنْ جادَتْ بِنَفْسِها لِلَّهِ تَعالى“»، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ في أنَّهُ ﷺ، أمَرَ بِرَجْمِها بِإقْرارِها مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّها قالَتْ: إنِّي أصَبْتُ حَدًّا، مَرَّةً واحِدَةً، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِها مِن غَيْرِ تَعَدُّدِ الإقْرارِ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إلّا إقْرارُها مَرَّةً واحِدَةً.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ أيْضًا: ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قِصَّةِ «الغامِدِيَّةِ الَّتِي جاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ ﷺ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وأنَّهُ رَدَّها، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ (p-٣٨٥)قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أنْ تَرُدَّنِي كَما رَدَدْتَ ماعِزًا، فَواللَّهِ إنِّي لَحُبْلى، فَقالَ: ”أمّا لا فاذْهَبِي حَتّى تَلِدِي“، فَلَمّا ولَدَتْ أتَتْهُ بِالصَّبِيِّ في خِرْقَةٍ، قالَتْ: هَذا قَدْ ولَدْتُهُ، قالَ: ”اذْهَبِي فَأرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِمِيهِ“، فَلَمّا فَطَمَتْهُ أتَتْهُ بِالصَّبِيِّ في يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقالَتْ: هَذا يا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ فَطَمْتُهُ وقَدْ أكَلَ الطَّعامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ أمَرَ بِها فَحُفِرَ لَها إلى صَدْرِها، وأمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوها، فَيُقْبِلُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِحَجْرٍ فَرَمى رَأْسَها فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلى وجْهِ خالِدٍ، فَسَبَّها، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّهُ إيّاها، فَقالَ: ”مَهْلًا يا خالِدُ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تابَتْ تَوْبَةً لَوْ تابَها صاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ“، ثُمَّ أمَرَ بِها فَصُلِّيَ عَلَيْها ودُفِنَتْ»، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، وهو مِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ عَلى الِاكْتِفاءِ بِإقْرارِ الزّانِي بِالزِّنا مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ الغامِدِيَّةَ المَذْكُورَةَ لَمّا قالَتْ لَهُ ﷺ: لَعَلَّكَ أنْ تَرُدَّنِي كَما رَدَدْتَ ماعِزًا، لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْها، ولَوْ كانَ الإقْرارُ أرْبَعَ مَرّاتٍ شَرْطًا في لُزُومِ الحَدِّ لَقالَ لَها إنَّما رَدَدْتُهُ، لِكَوْنِهِ لَمْ يُقِرَّ أرْبَعًا.
وَقَدْ قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“، بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذِهِ الواقِعَةِ: وهَذِهِ الواقِعَةُ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تَرْبِيعَ الإقْرارِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلتَّصْرِيحِ فِيها، بِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنْ قَضِيَّةِ ماعِزٍ، وقَدِ اكْتَفى فِيها بِدُونِ أرْبَعٍ كَما سَيَأْتِي، اهـ مِنهُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ، ما نَصُّهُ: قالَ: «ثُمَّ جاءَتْهُ امْرَأةٌ مِن غامِدٍ مِنَ الأزْدِ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقالَ: ”وَيْحَكِ ارْجِعِي فاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وتُوبِي إلَيْهِ“، فَقالَتْ: أراكَ تُرِيدُ أنْ تَرُدَّنِي كَما رَدَدْتَ ماعِزَ بْنَ مالِكٍ قالَ: ”وَما ذاكَ“ ؟ قالَتْ: إنَّها حُبْلى مِنَ الزِّنا، فَقالَ ”: آنْتِ“ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ لَها ”: حَتّى تَضَعِي ما في بَطْنِكِ“، قالَ: فَكَفَلَها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حَتّى وضَعَتْ، قالَ: فَأتى النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: قَدْ وضَعَتِ الغامِدِيَّةُ، فَقالَ ”: إذًا لا نَرْجُمُها ونَدَعُ ولَدَها صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَن يُرْضِعُهُ“، فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: إلَيَّ رَضاعُهُ يا نَبِيَّ اللَّهِ، قالَ: فَرَجَمَها»، اهـ مِنهُ.
وَهَذِهِ الرِّوايَةُ كالَّتِي قَبْلَها في الدَّلالَةِ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالإقْرارِ مَرَّةً واحِدَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ تَكَرُّرِ الإقْرارِ بِالزِّنا أرْبَعًا، وأمّا حُجَّةُ مَن قالُوا: يُشْتَرَطُ في ثُبُوتِ الإقْرارِ بِالزِّنا، أنْ يُقِرَّ بِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إلّا بِالإقْرارِ أرْبَعًا، فَهي ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ وهو في المَسْجِدِ، فَناداهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ، يُرِيدُ (p-٣٨٦)نَفْسَهُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَنَحّى لِشِقِّ وجْهِهِ الَّذِي أعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، فَجاءَ لِشِقِّ وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ ”: أبِكَ جُنُونٌ“ ؟ قالَ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ)، فَقالَ ”: أحْصَنْتَ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ”: اذْهَبُوا فارْجُمُوهُ“»، الحَدِيثَ، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ، ولَفْظُ مُسْلِمٍ: «فَلَمّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ ”: أبِكَ جُنُونٌ“ ؟ قالَ: لا، قالَ ”: فَهَلْ أحْصَنْتَ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: اذْهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ“» اهـ.
قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِيهِ تَرْتِيبُ الرَّجْمِ عَلى أرْبَعِ شَهاداتٍ عَلى نَفْسِهِ، أيْ: أرْبَعُ إقْراراتٍ بِصِيغَةِ تَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ لَمّا مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ وتَرْتِيبُ الحَدِّ عَلى الأرْبَعِ تَرْتِيبَ الجَزاءِ عَلى شَرْطِهِ، دَلِيلٌ عَلى اشْتِراطِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ، والرَّجُلُ المَذْكُورُ في هَذا الحَدِيثِ، هو ماعِزُ بْنُ مالِكٍ وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ، وفي ألْفاظِ رِواياتِها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرْجُمْهُ، حَتّى شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهاداتٍ؛ كَما رَأيْتَ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا، وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا ما اسْتَدَلَّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي: هو الجَمْعُ بَيْنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى اشْتِراطِ الأرْبَعِ، والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأدِلَّةِ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ، لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ووَجْهُ الجَمْعِ المَذْكُورِ هو حَمْلُ الأحادِيثِ الَّتِي فِيها التَّراخِي، عَنْ إقامَةِ الحَدِّ بَعْدَ صُدُورِ الإقْرارِ مَرَّةً عَلى مَن كانَ أمْرُهُ مُلْتَبِسًا في صِحَّةِ عَقْلِهِ، واخْتِلالِهِ، وفي سُكْرِهِ، وصَحْوِهِ مِنَ السُّكْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وحَمْلُ أحادِيثِ إقامَةِ الحَدِّ بَعْدَ الإقْرارِ مَرَّةً واحِدَةً عَلى مَن عُرِفَتْ صِحَّةُ عَقْلِهِ وصَحْوُهُ مِنَ السُّكْرِ، وسَلامَةُ إقْرارِهِ مِنَ المُبْطِلاتِ، وهَذا الجَمْعُ رَجَّحَهُ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ .
وَمِمّا يُؤَيِّدُهُ أنَّ جَمِيعَ الرِّواياتِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها اشْتِراطُ الأرْبَعِ كُلِّها في قِصَّةِ ماعِزٍ، وقَدْ دَلَّتْ رِواياتُ حَدِيثِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لا يَدْرِي أمْجَنُونٌ هو أمْ لا ؟ صاحٍ هو أوْ سَكْرانُ ؟ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَهُ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المَذْكُورِ آنِفًا ”: أبِكَ جُنُونٌ“ ؟ وسُؤالِهِ ﷺ لِقَوْمِهِ عَنْ عَقْلِهِ، وسُؤالِهِ ﷺ ”: أشَرِبَ خَمْرًا“ ؟ فَقامَ رَجُلٌ فاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنهُ رِيحَ خَمْرٍ، وكُلُّ (p-٣٨٧)ذَلِكَ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، وهو دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الأحادِيثِ كَما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ
الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ اشْتِراطُ التَّصْرِيحِ بِمُوجِبِ الحَدِّ الَّذِي هو الزِّنى تَصْرِيحًا يَنْفِي كُلَّ احْتِمالٍ؛ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قَدْ يُطْلِقُ اسْمَ الزِّنى عَلى ما لَيْسَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ.
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ لِماعِزٍ لَمّا قالَ: إنَّهُ زَنى، «”لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أوْ غَمَزْتَ أوْ نَظَرْتَ“ ؟ قالَ: لا، قالَ ”: أفَنِكْتَها“ ؟ - لا يُكَنِّي -، قالَ: نَعَمْ»، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِرَجْمِهِ، وهَذا ثابِتٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤْخَذُ مِنهُ التَّعْرِيضُ لِلزّانِي بِأنْ يَسْتُرَ عَلى نَفْسِهِ، ويَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فَإنَّهُ غَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
* *
الفَرْعُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ إذا تَمَّتْ شَهادَةُ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ بِالزِّنى فَصَدَّقَهُمُ الزّانِي المَشْهُودُ عَلَيْهِ، بِأنْ أقَرَّ أنَّهُ زَنى مَرَّةً واحِدَةً فَصارَتِ الشَّهادَةُ تامَّةً، والإقْرارُ غَيْرَ تامٍّ عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ أرْبَعًا.
فَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي: أنَّ الحَدَّ يُقامُ عَلَيْهِ لِكَمالِ البَيِّنَةِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ؛ لِأنَّ شَرْطَ صِحَّةِ البَيِّنَةِ الإنْكارُ، وهَذا غَيْرُ مُنْكِرٍ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إنَّ سُقُوطَ الحَدِّ بِإقْرارِهِ مَرَّةً قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ اهـ، وكَذَلِكَ لَوْ تَمَّتْ عَلَيْهِ شَهادَةُ البَيِّنَةِ وأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرارِهِ، فَلا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ لِوُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْهِ بِشَهادَةِ البَيِّنَةِ، فَلا حاجَةَ لِإقْرارِهِ ولا فائِدَةَ في رُجُوعِهِ عَنْهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الفَرْعُ الثّالِثُ: اعْلَمْ أنْ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي: أنَّهُ إذا أقَرَّ بِزِنًى قَدِيمٍ قَبْلَ إقْرارِهِ، ولا يَبْطُلُ الإقْرارُ بِأنَّهُ لَمْ يُقِرَّ إلّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اعْتِبارُ الإقْرارِ مُطْلَقًا، سَواءٌ تَقادَمَ عَهْدُهُ، أوْ لَمْ يَتَقادَمْ، وكَذَلِكَ شَهادَةُ البَيِّنَةِ، فَإنَّها تُقْبَلُ، ولَوْ لَمْ تُشْهَدْ إلّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَنِ؛ لِأنَّ عُمُومَ النُّصُوصِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّها لَيْسَ فِيها التَّفْرِيقُ بَيْنَ تَعْجِيلِ الشَّهادَةِ وتَأْخِيرِها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الإقْرارَ يُقْبَلُ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ والشَّهادَةُ لا تُقْبَلُ مَعَ التَّأْخِيرِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإنْ شَهِدُوا بِزِنًى قَدِيمٍ أوْ أقَرَّ بِهِ وجَبَ الحَدُّ، وبِهَذا (p-٣٨٨)قالَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واسِحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ.
وَقالَ أبُو حَنِيقَةَ: لا أقْبَلُ بَيِّنَةً عَلى زِنًى قَدِيمٍ وأحُدُّهُ بِالإقْرارِ بِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ حامِدٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ أبِي مُوسى مَذْهَبًا لِأحْمَدَ، اهـ مِنهُ.
أمّا قَبُولُ الإقْرارِ بِالزِّنا القَدِيمِ ووُجُوبُ الحَدِّ بِهِ فَلا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ بِحالٍ؛ لِأنَّهُ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ، ولا يُتَّهَمُ في نَفْسِهِ.
وَأمّا شَهادَةُ البَيِّنَةِ بِزِنًا قَدِيمٍ، فالأظْهَرُ قَبُولُها، لِعُمُومِ النُّصُوصِ كَما ذَكَرْنا آنِفًا، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ، ومَن وافَقَهُ في رَدِّ شَهادَةِ البَيِّنَةِ عَلى زِنًا قَدِيمٍ، هو أنَّ تَأْخِيرَ الشَّهادَةِ، يَدُلُّ عَلى التُّهْمَةِ فَيَدْرَأُ ذَلِكَ الحَدَّ.
وَقالَ في ”المُغْنِي“: ومِن حُجَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ قالَ: أيُّما شُهُودٍ شَهِدُوا بِحَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ فَهم شُهُودُ ضِغْنٍ، ثُمَّ قالَ: رَواهُ الحَسَنُ مُرْسَلًا، ومَراسِيلُ الحَسَنِ لَيْسَتْ بِالقَوِيَّةِ، اهـ مِنهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى عَلى مَراسِيلِ الحَسَنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الفَرْعُ الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ أقَرَّ بِأنَّهُ زَنى بِامْرَأةٍ وسَمّاها فَكَذَّبَتْهُ، وقالَتْ: إنَّهُ لَمْ يَزْنِ بِها.
فَأظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي: أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنى بِإقْرارِهِ، وحَدُّ القَذْفِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قَذَفَ المَرْأةَ بِالزِّنا ولَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهُودٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ.
وَقالَ في ”المُغْنِي“: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ: لا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأنّا صَدَّقْناها في إنْكارِها فَصارَ مَحْكُومًا بِكَذِبِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ خِلافُهُ لِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا إقْرارًا صَحِيحًا، وقَوْلُهم إنَّنا صَدَّقْناها لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ نَحْنُ لَمْ نُصَدِّقْها، ولَمْ نَقُلْ إنَّها صادِقَةٌ، ولَكِنَّ انْتِفاءَ الحَدِّ عَنْها إنَّما وقَعَ لِأنَّها لَمْ تُقِرَّ، ولَمْ تَقُمْ عَلَيْها بَيِّنَةٌ؛ فَعَدَمُ حَدِّها لِانْتِفاءِ مُقْتَضِيهِ، لا لِأنَّها صادِقَةٌ كَما تَرى.
الأمْرُ الثّانِي: ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ثَنا طَلْقُ بْنُ غَنّامٍ، (p-٣٨٩)ثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَفْصٍ، ثَنا أبُو حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ رَجُلًا أتاهُ، فَأقَرَّ عِنْدَهُ أنَّهُ زَنى بِامْرَأةٍ سَمّاها لَهُ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَرْأةِ فَسَألَها عَنْ ذَلِكَ، فَأنْكَرَتْ أنْ تَكُونَ زَنَتْ فَجَلَدَهُ الحَدَّ وتَرَكَها»، اهـ مِنهُ، وعَبْدُ السَّلامِ المَذْكُورُ في هَذا الإسْنادِ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وتَوْثِيقُهُ لَهُ أُولى مِن قَوْلِ أبِي حاتِمٍ الرّازِيِّ: إنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ.
والحَدِيثُ المَذْكُورُ نَصٌّ في أنَّ المُقِرَّ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ وهو واضِحٌ؛ لِأنَّ مَن أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا لا نِزاعَ في وُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْهِ، وأمّا كَوْنُهُ يُحَدُّ مَعَ ذَلِكَ حَدَّ القَذْفِ فَظاهِرٌ أيْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾، الآيَةَ [النور: ٤] والأخْذُ بِعُمُومِ النُّصُوصِ واجِبٌ، إلّا بِدَلِيلٍ مُخَصِّصٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وكَوْنُ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا عِنْدَ أبِي داوُدَ لَيْسَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ حَدَّ الرَّجُلَ المَذْكُورَ حَدَّ القَذْفِ، بَلْ حَدَّ الزِّنا فَقَطْ لا يُعارَضُ بِهِ عُمُومُ النُّصُوصِ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَدُّهُ لِلزِّنا والقَذْفِ مَعًا هو الظّاهِرُ، لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ غايَةَ ما في حَدِيثِ سَهْلٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحُدَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لِلْقَذْفِ وذَلِكَ لا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى السُّقُوطِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الطَّلَبِ مِنَ المَرْأةِ أوْ لِوُجُودِ مُسْقِطٍ، إلى أنْ قالَ: الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ القَذْفِ العُمُومُ فَلا يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ إلّا ما خَرَجَ بِدَلِيلٍ، وقَدْ صَدَقَ عَلى كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ أنَّهُ قاذِفٌ، اهـ مِنهُ، وهو الظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، وكَذَلِكَ ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ ماعِزِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ عَيَّنَ الجارِيَةَ الَّتِي زَنا بِها، ولَمْ يَحُدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لِقَذْفِها بَلْ حَدَّهُ لِلزِّنا فَقَطْ، فَإنَّ تَرْكَ حَدِّهِ لَمْ يُوَجَّهْ بِما قَدَّمْنا قَرِيبًا.
وَعَلى كُلِّ حالٍ فَمَن قالَ: زَنَيْتُ بِفُلانَةَ فَلا شَكَّ أنَّهُ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا، وقاذِفٌ لَها هي بِهِ، وظاهِرُ النُّصُوصِ مُؤاخَذَتُهُ بِإقْرارِهِ عَلى نَفْسِهِ، وحَدُّهُ أيْضًا حَدَّ القَذْفِ؛ لِأنَّهُ قاذِفٌ بِلا شَكٍّ، كَما تَرى.
وَمِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَذْهَبَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ فارِسٍ، ثَنا مُوسى بْنُ هارُونَ البَرْدِيُّ، ثَنا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ القاسِمِ بْنِ فَيّاضٍ الأبْناوِيِّ، (p-٣٩٠)عَنْ خَلّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَأقَرَّ أنَّهُ زَنى بِامْرَأةٍ أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَجَلَدَهُ مِائَةً وكانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَألَهُ البَيِّنَةَ عَلى المَرْأةِ، فَقالَتْ: كَذَبَ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَلَدَهُ حَدَّ الفِرْيَةِ ثَمانِينَ»، اهـ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ في إسْنادِهِ القاسِمَ بْنَ فَيّاضٍ الأبْناوِيَّ الصَّنْعانِيَّ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: مَجْهُولٌ، وقالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ في ”المِيزانِ“: ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم عَبّاسٌ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ، فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القاسِمَ المَذْكُورَ قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: ثِقَةٌ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الذَّهَبِيُّ في المِيزانِ، والتَّعْدِيلِ يُقْبَلُ مُجْمَلًا، والتَّجْرِيحُ لا يُقْبَلُ مُجْمَلًا، كَما تَقَدَّمَ.
الثّانِي: أنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الَّذِي فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ حَدِّ القَذْفِ، وحَدِّ الزِّنا إنْ قالَ: أنَّهُ زَنى بِامْرَأةٍ عَيَّنَها فَأنْكَرَتْ، مُعْتَضِدٌ اعْتِضادًا قَوِيًّا بِظَواهِرِ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى مُؤاخَذَتِهِ بِإقْرارِهِ، والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ مَن قَذَفَ امْرَأةً بِالزِّنى، فَأنْكَرَتْ ولَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ أنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَذْفِ.
فالحاصِلُ: أنَّ أظْهَرَ الأقْوالِ عِنْدَنا أنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَذْفِ وحَدَّ الزِّنا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ في المُدَوَّنَةِ خِلافًا لِمَن قالَ يُحَدُّ حَدُّ الزِّنا فَقَطْ، كَأحْمَدَ والشّافِعِيِّ، ولِمَن قالَ: يُحَدُّ حَدَّ القَذْفِ فَقَطْ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْناهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما قالَهُ مالِكٌ وأصْحابُهُ: مِن أنَّ الرَّجُلَ لَوْ قالَ لِامْرَأةٍ: زَنَيْتِ، فَقالَتْ لَهُ: زَنَيْتُ بِكَ أنَّها تُحَدُّ لِلْقَذْفِ ولِلزِّنا مَعًا، ولا يُحَدُّ الرَّجُلُ لَهُما لِأنَّها صَدَّقَتْهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الفَرْعُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَصِحُّ إقْرارُ المُكْرَهِ، فَلَوْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ بِالضَّرْبِ أوْ غَيْرِهِ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ لِيُقِرَّ بِالزِّنا فَأقَرَّ بِهِ مُكْرَهًا لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرارُهُ بِهِ فَلا يُحَدُّ، ولا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الزِّنا، ولا نَعْلَمُ مِن أهْلِ العِلْمِ مَن خالَفَ في هَذا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنا قَدْ قَدَّمْنا ثُبُوتَ الزِّنا بِالبَيِّنَةِ والإقْرارِ، ولا خِلافَ في ثُبُوتِهِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إنْ وقَعَ عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ، أمّا ظُهُورُ الحَمْلِ بِامْرَأةٍ، لا يُعْرَفُ لَها زَوْجٌ ولا سَيِّدٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ثُبُوتِ الحَدِّ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الحَبَلُ في الَّتِي لا يُعْرَفُ لَها زَوْجٌ ولا سَيِّدٌ يَثْبُتُ عَلَيْها بِهِ الزِّنا، ويَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ هَذا في حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ: إذا قامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كانَ الحَبَلُ، (p-٣٩١)أوْ الِاعْتِرافُ. والحَدِيثُ المَذْكُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ صَرَّحَ فِيهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بِأنَّ الحَبَلَ الَّذِي هو الحَمْلُ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنا كَما يَثْبُتُ بِالبَيِّنَةِ والإقْرارِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الحَبَلَ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنا، عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما رَأيْتَ، ومالِكٌ وأصْحابُهُ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ وجَماهِيرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ الزِّنا ولا يَجِبُ الحَدُّ بِمُجَرَّدِ الحَبَلِ، ولَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَها زَوْجٌ ولا سَيِّدٌ، وهَذا القَوْلُ عَزاهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، وجَماهِيرِ أهْلِ العِلْمِ، وإذا عُرِفَتْ أقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَهَذِهِ أدِلَّتُهم.
أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الزِّنا يَثْبُتُ بِالحَمْلِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ ولا سَيِّدٌ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمِ وفِيهِ التَّصْرِيحُ مِن عُمَرَ بِأنَّ الحَبَلَ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنا، كالبَيِّنَةِ والإقْرارِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إنَّما قالَ مَن قالَ: بِوُجُوبِ الحَدِّ وثُبُوتِ الزِّنا بِالحَمْلِ، لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والرَّجْمُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مَن زَنى مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا كانَ مُحْصَنًا، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كانَ الحَبَلُ أوْ الِاعْتِرافُ، ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ أُوتِيَ بِامْرَأةٍ ولَدَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَأمَرَ بِها عُثْمانُ أنْ تُرْجَمَ، فَقالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْها سَبِيلٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَرْجُمُها بِحَمْلِها وعَنْ عُمَرَ نَحْوُ هَذا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ الزِّنا زِناءانِ: زِنا سِرٍّ، وزِنا عَلانِيَةٍ، فَزِنا السِّرِّ: أنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ، فَيَكُونُ الشُّهُودُ أوَّلَ مَن يَرْمِي، وزِنا العَلانِيَةِ: أنْ يَظْهَرَ الحَبَلُ أوْ الِاعْتِرافُ، فَيَكُونُ الإمامُ أوَّلَ مَن يَرْمِي، وهَذا قَوْلُ سادَةِ الصَّحابَةِ ولَمْ يَظْهَرْ في عَصْرِهِمْ مُخالِفٌ، فَيَكُونُ إجْماعًا، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ”المُغْنِي“ .
وانْظُرْ أسانِيدَ الآثارِ الَّتِي ذَكَرَها عَنِ الصَّحابَةِ، هَذا هو حاصِلُ ما احْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ الزِّنا يَثْبُتُ بِالحَمْلِ.
وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الحَمْلَ وحْدَهُ لا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنا، ولا يَجِبُ بِهِ الحَدُّ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ البَيِّنَةِ أوِ الإقْرارِ، فَقَدْ قالَ في ”المُغْنِي“: حُجَّتُهم أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ الحَمْلَ مِن وطْءِ إكْراهٍ أوْ شُبْهَةٍ يَسْقُطُ بِالشُّبُهاتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المَرْأةَ تَحْمِلُ مِن غَيْرِ وطْءٍ بِأنْ يَدْخُلَ ماءُ الرَّجُلِ في فَرْجِها، إمّا بِفِعْلِها، أوْ فِعْلِ غَيْرِها، ولِهَذا تُصُوِّرَ حَمْلُ البِكْرِ فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ.
وَأمّا قَوْلُ الصَّحابَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهم فَرَوى سَعِيدٌ: حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، (p-٣٩٢)حَدَّثَنا هاشِمٌ: أنَّ امْرَأةً رُفِعَتْ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَيْسَ لَها زَوْجٌ، وقَدْ حَمَلَتْ فَسَألَها عُمَرُ، فَقالَتْ: إنَّنِي امْرَأةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ وقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ، وأنا نائِمَةٌ فَما اسْتَيْقَظْتُ حَتّى فَرَغَ، فَدَرَأ عَنْها الحَدَّ، ورَوى البَراءُ بْنُ صَبْرَةَ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ أُوتِيَ بِامْرَأةٍ حامِلٍ، فادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، فَقالَ: خَلِّ سَبِيلَها، وكَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، ألّا يُقْتَلَ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قالا: إذا كانَ في الحَدِّ لَعَلَّ وعَسى فَهو مُعَطَّلٌ، ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم - قالُوا: إذا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الحَدُّ فادْرَأْ ما اسْتَطَعْتَ، ولا خِلافَ في أنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، وهي مُتَحَقِّقَةٌ هُنا، اهـ بِلَفْظِهِ مِنَ ”المُغْنِي“ .
وانْظُرْ أيْضًا أسانِيدَ هَذِهِ الآثارِ الَّتِي ذَكَرَها عَنِ الصَّحابَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَ هو حاصِلُ ما احْتَجَّ بِهِ الجُمْهُورُ الَّذِينَ قالُوا إنَّ الحَبَلَ لا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي: أنَّ الزِّنا لا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الحَبَلِ، ولَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَها زَوْجٌ ولا سَيِّدٌ؛ لِأنَّ الحَمْلَ قَدْ يَقَعُ لا شَكَّ مِن غَيْرِ وطْءٍ في الفَرَجِ، بَلْ قَدْ يَطَأُ الرَّجُلُ المَرْأةَ في فَخِذَيْها، فَتَتَحَرَّكُ شَهْوَتُها فَيَنْزِلُ ماؤُها ويُنْزِلُ الرَّجُلُ، فَيَسِيلُ ماؤُهُ فَيَدْخُلُ في فَرْجِها، فَيَلْتَقِي ماؤُهُ بِمائِها فَتَحْمِلُ مِن غَيْرِ وطْءٍ وهَذا مُشاهَدٌ لا يُمْكِنُ إنْكارُهُ.
وَلِأجْلِ ذَلِكَ فالأصَحُّ أنَّ الزَّوْجَ إذا كانَ يَطَأُ امْرَأتَهُ في الفَخِذَيْنِ، ولَمْ يُجامِعْها في الفَرْجِ فَظَهَرَ بِها حَمْلٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ اللِّعانُ لِنَفْيِ ذَلِكَ الحَمْلِ؛ لِأنَّ ماءَهُ قَدْ يَسِيلُ إلى فَرْجِها، فَتَحْمِلُ مِنهُ، وقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا كانَ الحَبَلُ أوْ الِاعْتِرافُ اجْتِهادٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الحَمْلَ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنا كالِاعْتِرافِ والبَيِّنَةِ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ الأظْهَرَ لَنا خِلافُ قَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ وُجُودَ الحَمْلِ لا يَسْتَلْزِمُ الوَطْءَ في الفَرْجِ بَلْ قَدْ تَحْبَلُ بِدُونِ ذَلِكَ، وإذا كانَ الحَبَلُ لا يَسْتَلْزِمُ الوَطْءَ في الفَرْجِ فَلا وجْهَ لِثُبُوتِ الزِّنا، وإقامَةِ الحَدِّ بِأمْرٍ مُحْتَمَلٍ غَيْرِ مُسْتَلْزِمٍ لِمُوجَبِ الحَدِّ، كَما تَرى.
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، هَذا هو الأظْهَرُ عِنْدَنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.
(p-٣٩٣)الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: بِوُجُوبِ الحَدِّ بِالحَمْلِ قالُوا: إنَّ تِلْكَ الحامِلَ إنْ كانَتْ طارِئَةً مِن بِلادٍ أُخْرى، وادَّعَتْ أنَّ حَمْلَها مِن زَوْجٍ لَها تَرَكَتْهُ في بَلَدِها فَلا حَدَّ عَلَيْها عِنْدَهم، ولا يَثْبُتُ عَلَيْها الزِّنا بِذَلِكَ الحَمْلِ.
الفَرْعُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ ظَهَرَ بِها حَمْلٌ فادَّعَتْ أنَّها مُكْرَهَةٌ لا يُقْبَلُ دَعْواها الإكْراهَ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ الزِّنا بِالحَمْلِ إلّا إذا اعْتَضَدَتْ دَعَواها بِما يُقَوِّيها مِنَ القَرائِنِ كَإتْيانِها صارِخَةً مُسْتَغِيثَةً مِمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، وكَأنْ تَأْتِيَ مُتَعَلِّقَةً بِرَجُلٍ تَزْعُمُ أنَّهُ هو الَّذِي أكْرَهَها وكَأنْ تَشْتَكِيَ مِنَ الَّذِي فَعَلَ بِها ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ الحَمْلِ.
وَقالَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ: إنْ كانَتْ شَكْواها مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي فَعَلَ بِها ذَلِكَ مُشْبِهَةً لِكَوْنِ الرَّجُلِ الَّذِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِالصَّلاحِ، فَلا حَدَّ عَلَيْها، وإنْ كانَ الَّذِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالصَّلاحِ، والعَفافِ، والتَّقْوى حَدَثَ ولَمْ يُقْبَلْ قَوْلُها عَلَيْهِ.
وَقالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ: إنْ لَمْ تُسَمِّ الرَّجُلَ الَّذِي ادَّعَتْ أنَّهُ أكْرَهَها تُعَزَّرُ، ولا تُحَدُّ إنْ كانَتْ مَعْرُوفَةً بِالصَّلاحِ والعَفافِ.
* *
الفَرْعُ الثّالِثُ: قالَ الشَّيْخُ الحَطّابُ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ المالِكِيِّ: أوْ مُكْرَهَةً، ما نَصُّهُ: قالَ في الطِّرازِ أوْ في أواخِرِ الجُزْءِ الثّالِثِ في تَرْجَمَةِ تَفْسِيرِ الطَّلاقِ، وما يَلْزَمُ مِن ألْفاظِهِ، قالَ ابْنُ عَبْدِ الغَفُورِ: ويُقالُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسى سُئِلَ عَنْ جارِيَةٍ بِكْرِ زَوَّجَها فابْتَنى بِها زَوْجُها فَأتَتْ بِوَلَدٍ لِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَها فَقالَتْ: إنِّي كُنْتُ نائِمَةً فانْتَبَهْتُ لِبَلَلٍ بَيْنَ فَخِذَيَّ، وذَكَرَ الزَّوْجُ أنَّهُ وجَدَها عَذْراءَ.
فَأجابَ فِيها: أنَّها لا حَدَّ عَلَيْها إذا كانَتْ مَعْرُوفَةً بِالعَفافِ، وحُسْنِ الحالِ، ويُفْسَخُ النِّكاحُ، ولَها المَهْرُ كامِلًا، إلّا أنْ تَكُونَ عَلِمَتِ الحَمْلَ، وغَرَّتْ فَلَها قَدْرُ ما اسْتَحَلَّ مِنها، انْتَهى مِنَ الِاسْتِغْناءِ، انْتَهى كَلامُ الطِّرازِ، انْتَهى ما نَقَلَهُ الحَطّابُ، وهو يُؤَيِّدُ أنَّ الحَمْلَ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ وطْءٍ يُوجِبُ الحَدَّ كَما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
النور 24:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الكِتابُ المُبارَكُ أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، ذَكَرْنا هَذا في تَرْجَمَةِ الكِتابِ، وذَكَرْنا فِيما مَضى مِنَ الكِتابِ أمْثِلَةً كَثِيرَةً لِذَلِكَ، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالنِّكاحِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جَماعَةٌ: المُرادُ بِالنِّكاحِ في هَذِهِ الآيَةِ: الوَطْءُ الَّذِي هو نَفْسُ الزِّنى، وقالَتْ جَماعَةٌ أُخْرى مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في هَذِهِ الآيَةِ هو عَقْدُ النِّكاحِ، قالُوا: فَلا يَجُوزُ لِعَفِيفٍ أنْ يَتَزَوَّجَ زانِيَةً كَعَكْسِهِ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي هو أنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في الآيَةِ التَّزْوِيجُ لا الوَطْءُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ، وتِلْكَ القَرِينَةُ هي ذِكْرُ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ الزّانِيَ المُسْلِمَ لا يَحِلُّ لَهُ نِكاحُ مُشْرِكَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وكَذَلِكَ الزّانِيَةُ المُسْلِمَةُ لا يَحِلُّ (p-٤١٨)لَها نِكاحُ المُشْرِكِ؛
• لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]،
فَنِكاحُ المُشْرِكَةِ والمُشْرِكِ لا يَحِلُّ بِحالٍ، وذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها الوَطْءُ الَّذِي هو الزِّنى، لا عَقْدُ النِّكاحِ؛ لِعَدَمِ مُلاءَمَةِ عَقْدِ النِّكاحِ لِذِكْرِ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ، والقَوْلُ بِأنَّ نِكاحَ الزّانِي لِلْمُشْرِكَةِ، والزّانِيَةِ لِلْمُشْرِكِ مَنسُوخٌ ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ سُورَةَ ”النُّورِ“ مَدَنِيَّةٌ، ولا دَلِيلَ عَلى أنَّ ذَلِكَ أُحِلَّ بِالمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَ، والنَّسْخُ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
* *
مَسْألَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في جَوازِ نِكاحِ العَفِيفِ الزّانِيَةَ، ونِكاحِ العَفِيفَةِ الزّانِيَ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ إلى جَوازِ نِكاحِ الزّانِيَةِ مَعَ الكَراهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ، ومَن وافَقَهم، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأدِلَّةٍ:
مِنها عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وهو شامِلٌ بِعُمُومِهِ الزّانِيَةَ والعَفِيفَةَ، وعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٢]، وهو شامِلٌ بِعُمُومِهِ الزّانِيَةَ أيْضًا والعَفِيفَةَ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، قالَ ”: غَرِّبْها“، قالَ: أخافُ أنْ تَتْبَعَها نَفْسِي ؟ قالَ ”: فاسْتَمْتِعْ بِها“»، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”بُلُوغِ المَرامِ“ في هَذا الحَدِيثِ بَعْدَ أنْ ساقَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنا: رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَزّارُ ورِجالُهُ ثِقاتٌ، وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِلَفْظٍ قالَ ”: «طَلِّقْها»“، قالَ: لا أصْبِرُ عَنْها، قالَ ”: «فَأمْسِكْها»“، اهـ، مِن ”بُلُوغِ المَرامِ“، وفِيهِ تَصْرِيحُ ابْنِ حَجَرٍ بِأنَّ رِجالَهُ ثِقاتٌ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ ابْنِ الجَوْزِيِّ لِهَذا الحَدِيثِ في المَوْضُوعاتِ فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ ذَكَرَهُ في المَوْضُوعاتِ مُرْسَلًا عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، قالَ: أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي. . . الحَدِيثَ، ورَواهُ أيْضًا مُرْسَلًا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ كِلاهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: وقَدْ حَمَلَهُ أبُو بَكْرٍ الخَلّالُ عَلى الفُجُورِ، ولا يَجُوزُ هَذا؛ وإنَّما يُحْمَلُ عَلى تَفْرِيطِها في المالِ لَوْ صَحَّ الحَدِيثُ.
قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَذا الحَدِيثُ لا يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ، انْتَهى (p-٤١٩)مِن مَوْضُوعاتِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، وكَثْرَةُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في تَصْحِيحِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ وتَضْعِيفِهِ مَعْرُوفَةٌ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ولا رَيْبَ أنَّ العَرَبَ تُكَنِّي بِمِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، عَنْ عَدَمِ العِفَّةِ عَنِ الزِّنى، يَعْنِي بِالعِبارَةِ المَذْكُورَةِ قَوْلَ الرَّجُلِ: إنَّ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، اهـ، وما قالَهُ الشَّوْكانِيُّ وغَيْرُهُ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ لَفْظَ: لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ أظْهَرُ في عَدَمِ الِامْتِناعِ مِمَّنْ أرادَ مِنها ما لا يَحِلُّ كَما لا يَخْفى، فَحَمْلُهُ عَلى تَفْرِيطِها في المالِ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ اللّامِسِ عَلى أخْذِ المالِ لَيْسَ بِظاهِرٍ، كَما تَرى.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الحَدِيثُ المَذْكُورُ في المَرْأةِ الَّتِي ظَهَرَ عَدَمُ عِفَّتِها، وهي تَحْتَ زَوْجٍ، وكَلامُنا الآنَ في ابْتِداءِ النِّكاحِ لا في الدَّوامِ عَلَيْهِ، وبَيْنَ المَسْألَتَيْنِ فَرْقٌ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا بِجَوازِ تَزْوِيجِ الزّانِيَةِ والزّانِي أجابُوا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ الآيَةَ [النور: ٣] مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في الآيَةِ هو الوَطْءُ الَّذِي هو الزِّنى بِعَيْنِهِ، قالُوا: والمُرادُ بِالآيَةِ تَقْبِيحُ الزِّنى وشِدَّةُ التَّنْفِيرِ مِنهُ؛ لِأنَّ الزّانِيَ لا يُطاوِعُهُ في زِناهُ مِنَ النِّساءِ إلّا الَّتِي هي في غايَةِ الخِسَّةِ لِكَوْنِها مُشْرِكَةً لا تَرى حُرْمَةَ الزِّنى أوْ زانِيَةً فاجِرَةً خَبِيثَةً.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ راجِعَةٌ إلى الوَطْءِ الَّذِي هو الزِّنى، أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنهُ، كَعَكْسِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا إشْكالَ في ذِكْرِ المُشْرِكَةِ والمُشْرِكِ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو قَوْلُهم: إنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في الآيَةِ التَّزْوِيجُ، إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ الآيَةَ، مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٢]، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى نَسْخِها بِها: سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشّافِعِيُّ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ما نَصُّهُ: هَذا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا زانِيَةً، أوْ مُشْرِكَةً، أيْ: لا يُطاوِعُهُ عَلى مُرادِهِ مِنَ الزِّنا إلّا زانِيَةٌ عاصِيَةٌ أوْ مُشْرِكَةٌ (p-٤٢٠)لا تَرى حُرْمَةَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ، أيْ: عاصٍ بِزِناهُ، أوْ مُشْرِكٌ لا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ.
قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ قالَ: لَيْسَ هَذا بِالنِّكاحِ إنَّما هو الجِماعُ لا يَزْنِي بِها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِن غَيْرِ وجْهٍ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، والضَّحّاكِ، ومَكْحُولٍ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ، وغَيْرِ واحِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فَتَراهُ صَدَّرَ بِأنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في الآيَةِ: الجِماعُ، لا التَّزْوِيجُ، وذَكَرَ صِحَّتَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي دَعا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهَ أنْ يُعَلِّمَهُ تَأْوِيلَ القُرْآنِ، وعَزاهُ لِمَن ذَكَرَ مَعَهُ مِن أجِلّاءِ المُفَسِّرِينَ، وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أعْلَمِ الصَّحابَةِ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ، ولا شَكَّ في عِلْمِهِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ النِّكاحَ فِيها هو الجِماعُ لا العَقْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ، فَدَعْوى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ لا يَصِحُّ في العَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ قَبِيحٌ، يَرُدُّهُ قَوْلُ البَحْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، كَما تَرى.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ، أنَّ النِّكاحَ في هَذِهِ الآيَةِ: الوَطْءُ.
واعْلَمْ أنَّ إنْكارَ الزَّجّاجِ لِهَذا القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ، أعْنِي القَوْلَ بِأنَّ النِّكاحَ فِيها الجِماعُ، وقَوْلُهُ: إنَّ النِّكاحَ لا يُعْرَفُ في القُرْآنِ، إلّا بِمَعْنى التَّزْوِيجِ، مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ جاءَ فِيهِ النِّكاحُ بِمَعْنى الوَطْءِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ بِأنَّ مَعْنى نِكاحِها لَهُ مُجامَعَتُهُ لَها، حَيْثُ قالَ ”: «لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»“، ومُرادُهُ بِذَوْقِ العُسَيْلَةِ: الجِماعُ، كَما هو مَعْلُومٌ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ العَرَبَ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، يُطْلِقُونَ النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ.
(p-٤٢١)وَقَدْ يَكُونُ العَقْدُ، اهـ، وإنَّما سَمَّوْا عَقْدَ التَّزْوِيجِ نِكاحًا؛ لِأنَّهُ سَبَبُ النِّكاحِ أيِ الوَطْءِ، وإطْلاقُ المُسَبَّبِ وإرادَةُ سَبَبِهِ مَعْرُوفٌ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، وهو مِمّا يُسَمِّيهِ القائِلُونَ بِالمَجازِ، المَجازُ المُرْسَلُ، كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَهم في مَحَلِّهِ، ومِن إطْلاقِ العَرَبِ النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ، قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎وَذاتِ حَلِيلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقِ
لِأنَّ الإنْكاحَ في البَيْتِ لَيْسَ المُرادُ بِهِ عَقْدَ التَّزْوِيجِ، إذْ لا يُعْقَدُ عَلى المَسْبِيّاتِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الوَطْءُ بِمِلْكِ اليَمِينِ والسَّبْيِ مَعَ الكُفْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا:
؎وَبِنْتُ كَرِيمٍ قَدْ نَكَحْنا ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَها خاطِبٌ إلّا السِّنانُ وعامِلُهْ
فالمُرادُ بِالنِّكاحِ في هَذا البَيْتِ هو الوَطْءُ بِمِلْكِ اليَمِينِ لا العَقْدُ؛ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ولَمْ يَكُنْ لَها خاطِبٌ إلّا السِّنانُ وعامِلُهُ.
وَقَوْلُهُ:
؎إذا سَقى اللَّهُ قَوْمًا صَوْبَ غادِيَةٍ ∗∗∗ فَلا سَقى اللَّهُ أهْلَ الكُوفَةِ المَطَرا
؎التّارِكِينَ عَلى طُهْرٍ نِساءَهُمُ ∗∗∗ والنّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ البَقَرا
وَمَعْلُومٌ أنَّ نِكاحَ البَقَرِ لَيْسَ مَعْناهُ التَّزْوِيجَ.
قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّكاحَ في الآيَةِ غَيْرُ التَّزْوِيجِ، أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْنى النِّكاحِ فِيها التَّزْوِيجَ لَوَجَبَ حَدُّ المُتَزَوِّجِ بِزانِيَةٍ؛ لَأنَّهُ زانٍ، والزّانِي يَجِبُ حَدُّهُ، وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن تَزَوَّجَ زانِيَةً لا يُحَدُّ حَدَّ الزِّنى، ولَوْ كانَ زانِيًا لَحُدَّ حَدَّ الزِّنى، فافْهَمْ، هَذا هو حاصِلُ حُجَجِ مَن قالُوا إنَّ النِّكاحَ في الآيَةِ الوَطْءُ، وأنَّ تَزْوِيجَ العَفِيفِ الزّانِيَةَ لَيْسَ بِحَرامٍ، كَعَكْسِهِ.
* *
وَقالَتْ جَماعَةٌ أُخْرى مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الزّانِي لِعَفِيفَةٍ ولا عَكْسُهُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِآياتٍ وأحادِيثَ.
فَمِنَ الآياتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] قالُوا: المُرادُ بِالنِّكاحِ في هَذِهِ الآيَةِ: التَّزْوِيجُ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلى (p-٤٢٢)تَحْرِيمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ قالُوا: والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى تَزْوِيجِ الزّانِي بِغَيْرِ الزّانِيَةِ، أوِ المُشْرِكَةِ وهو نَصٌّ قُرْآنِيٌّ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الزّانِي العَفِيفَةَ، كَعَكْسِهِ.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ [المائدة: ٥] قالُوا: فَقَوْلُهُ ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: أعِفّاءَ غَيْرَ زُناةٍ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ المُسافِحِ الَّذِي هو الزّانِي لِمُحْصَنَةٍ مُؤْمِنَةٍ، ولا مُحْصَنَةٍ عَفِيفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فَقَوْلُهُ: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أيْ: عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتٍ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ الآيَةِ، أنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ مُسافِحاتٍ غَيْرَ مُحْصَناتٍ، لَما جازَ تَزَوُّجُهُنَّ.
وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ أنَّ جَمِيعَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ الآيَةَ، كُلَّها في عَقْدِ النِّكاحِ ولَيْسَ واحِدٌ مِنها في الوَطْءِ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، وأنَّهُ قَدْ جاءَ في السُّنَّةِ ما يُؤَيِّدُ صِحَّةَ ما قالُوا في الآيَةِ، مِن أنَّ النِّكاحَ فِيها التَّزْوِيجُ، وأنَّ الزّانِيَ لا يَتَزَوَّجُ إلّا زانِيَةً مِثْلَهُ، فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ ”: «الزّانِي المَجْلُودُ لا يَنْكِحُ إلّا مِثْلَهُ»“، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في بُلُوغِ المَرامِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا: رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ ورِجالُهُ ثِقاتٌ.
وَأمّا الأحادِيثُ الوارِدَةُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ:
فَمِنها ما رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأةٍ يُقالُ لَها أُمُّ مَهْزُولٍ، كانَتْ تُسافِحُ، وتَشْتَرِطُ لَهُ أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، قالَ: فاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أوْ ذَكَرَ لَهُ أمْرَها، فَقَرَأ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾» رَواهُ أحْمَدُ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في شَرْحِهِ لِهَذا الحَدِيثِ: وقَدْ عَزاهُ صاحِبُ المُنْتَقى لِأحْمَدَ وحْدَهُ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أخْرَجَهُ أيْضًا الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والأوْسَطِ، قالَ في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ: ورِجالُ أحْمَدَ ثِقاتٌ.
(p-٤٢٣)وَمِنها حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ مَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ كانَ يَحْمِلُ الأُسارى بِمَكَّةَ، وكانَتْ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقالُ لَها عَناقُ، وكانَتْ صَدِيقَتَهُ، قالَ: فَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْكِحُ عَناقَ ؟ قالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ فَدَعانِي فَقَرَأها عَلَيَّ، وقالَ ”: لا تَنْكِحْها»“، رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في كَلامِهِ عَلى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المُنْتَقى، وعَزاهُ لِأبِي داوُدَ والنِّسائِيِّ والتِّرْمِذِيَّ: وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وساقَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الأحادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنا بِأسانِيدِها، وقالَ في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذا: قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ، وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ في كِتابِ النِّكاحِ مِن سُنَنِهِما مِن حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأخْنَسِ بِهِ.
قالُوا: فَهَذِهِ الأحادِيثُ وأمْثالُها تَدُلُّ عَلى أنَّ النِّكاحَ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ أنَّهُ التَّزْوِيجُ لا الوَطْءُ، وصُورَةُ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ؛ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، قالُوا: وعَلى أنَّ المُرادَ بِهِ التَّزْوِيجُ، فَتَحْرِيمُ نِكاحِ الزّانِيَةِ والزّانِي مَنصُوصٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ .
وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: وأمّا نِكاحُ الزّانِيَةِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِتَحْرِيمِهِ في سُورَةِ ”النُّورِ“ وأخْبَرَ أنَّ مَن نَكَحَها فَهو إمّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ سُبْحانَهُ، ويَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ أوْ لا، فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، ولَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهو مُشْرِكٌ، وإنِ التَزَمَهُ واعْتَقَدَ وُجُوبَهُ، وخالَفَهُ فَهو زانٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ، فَقالَ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ دَعْوى النَّسْخِ لِلْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مِن أضْعَفِ ما يُقالُ، وأضْعَفُ مِنهُ حَمْلُ النِّكاحِ عَلى الزِّنى.
إذْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ: الزّانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ، والزّانِيَةُ لا يَزْنِي بِها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، وكَلامُ اللَّهِ يَنْبَغِي أنْ يُصانَ عَنْ مِثْلِ هَذا، وكَذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى امْرَأةٍ بَغِيٍّ مُشْرِكَةٍ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ لَفْظِها وسِياقِها، كَيْفَ وهو سُبْحانُهُ إنَّما أباحَ نِكاحَ الحَرائِرِ والإماءِ بِشَرْطِ الإحْصانِ، وهو العِفَّةُ، فَقالَ: (p-٤٢٤)﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فَإنَّما أباحَ نِكاحَها في هَذِهِ الحالَةِ دُونَ غَيْرِها، ولَيْسَ هَذا مِن دَلالَةِ المَفْهُومِ، فَإنَّ الأبْضاعَ في الأصْلِ عَلى التَّحْرِيمِ، فَيُقْتَصَرُ في إباحَتِها عَلى ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وما عَداهُ فَعَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ.
وَهَذِهِ الأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنا هي حُجَجُ القائِلِينَ بِمَنعِ تَزْوِيجِ الزّانِي العَفِيفَةَ كَعَكْسِهِ، وإذا عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ، وأدِلَّتَهم في مَسْألَةِ نِكاحِ الزّانِيَةِ والزّانِي، فَهَذِهِ مُناقَشَةُ أدِلَّتِهِمْ.
أمّا قَوْلُ ابْنِ القَيِّمِ: إنَّ حَمْلَ الزِّنا في الآيَةِ عَلى الوَطْءِ يَنْبَغِي أنْ يُصانَ عَنْ مِثْلِهِ كِتابُ اللَّهِ، فَيَرُدُّهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وهو في المَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وبِمَعانِي القُرْآنِ صَحَّ عَنْهُ حَمْلُ الزِّنى في الآيَةِ عَلى الوَطْءِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُصانَ عَنْ مِثْلِهِ كِتابُ اللَّهِ لَصانَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ ولَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُصانَ عَنْ مِثْلِهِ.
وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلزِّنى في الآيَةِ بِالوَطْءِ: هو مَعْنًى صَحِيحٌ، انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ عَنْهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ القَيِّمِ في كَلامِهِ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا عَنْهُ: فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، ولَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهو مُشْرِكٌ يُقالُ فِيهِ: نَعَمْ هو مُشْرِكٌ، ولَكِنَّ المُشْرِكَ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الزّانِيَةِ المُسْلِمَةِ، وظاهِرُ كَلامِكَ جَوازُ ذَلِكَ، وهو لَيْسَ بِجائِزٍ فَيَبْقى إشْكالُ ذِكْرِ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ وارِدًا عَلى القَوْلِ بِأنَّ النِّكاحَ في الآيَةِ التَّزْوِيجُ، كَما تَرى.
وَقَوْلُ ابْنِ القَيِّمِ في كَلامِهِ هَذا: ولَيْسَ هَذا مِن بابِ دَلالَةِ المَفْهُومِ، فَإنَّ الأبْضاعَ في الأصْلِ عَلى التَّحْرِيمِ فَيُقْتَصَرُ في إباحَتِها عَلى ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ وما عَداهُ فَعَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ يُقالُ فِيهِ: إنَّ تَزْوِيجَ الزّانِيَةِ ورَدَتْ نُصُوصٌ عامَّةٌ تَقْتَضِي جَوازَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وهو شامِلٌ بِعُمُومِهِ لِلزّانِيَةِ والعَفِيفَةِ والزّانِي والعَفِيفِ، وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَهو أيْضًا شامِلٌ بِعُمُومِهِ لِجَمِيعِ مَن ذُكِرَ، ولِذا قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: إنَّ آيَةَ ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ الآيَةَ، ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ الآيَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: القَوْلُ في ذَلِكَ كَما قالَ سَعِيدٌ مِن نَسْخِها بِها.
وَبِما ذَكَرْنا يَتَّضِحُ أنَّ دَلالَةَ قَوْلِهِ: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ عَلى المَقْصُودِ مِنَ (p-٤٢٥)البَحْثِ مِن بابِ دَلالَةِ المَفْهُومِ كَما أوْضَحْناهُ قَرِيبًا؛ لِأنَّ العُمُوماتِ المَذْكُورَةَ لا يَصِحُّ تَخْصِيصُ عُمُومِها إلّا بِدَلِيلٍ مَنطُوقًا كانَ أوْ مَفْهُومًا، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَأمّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والشّافِعِيِّ بِأنَّ آيَةَ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ فَهو مُسْتَبْعَدٌ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ هو أنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ، وأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِّ مُطْلَقًا، سَواءٌ تَقَدَّمَ نُزُولُهُ عَنْهُ أوْ تَأخَّرَ، ومَعْلُومٌ أنَّ آيَةَ ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ أعَمُّ مُطْلَقًا مِن آيَةِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ فالقَوْلُ بِنَسْخِها لَها مَمْنُوعٌ عَلى المُقَرَّرِ في أُصُولِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى المُقَرَّرِ في أُصُولِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، وقَدْ يُجابُ عَنْ قَوْلِ سَعِيدٍ، والشّافِعِيِّ بِالنَّسْخِ بِأنَّهُما فَهِماهُ مِن قَرِينَةٍ في الآيَةِ، وهي أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الأيامى الأحْرارَ بِالصَّلاحِ، وإنَّما قَيَّدَ بِالصَّلاحِ في أيامى العَبِيدِ والإماءِ، ولِذا قالَ بَعْدَ الآيَةِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أصْعَبِ الآياتِ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ حَمْلَ النِّكاحِ فِيها عَلى التَّزْوِيجِ، لا يُلائِمُ ذِكْرَ المُشْرِكَةِ والمُشْرِكِ، وحَمْلَ النِّكاحِ فِيها عَلى الوَطْءِ لا يُلائِمُ الأحادِيثَ الوارِدَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِالآيَةِ، فَإنَّها تُعَيِّنُ أنَّ المُرادَ بِالنِّكاحِ في الآيَةِ: التَّزْوِيجُ، ولا أعْلَمُ مَخْرَجًا واضِحًا مِنَ الإشْكالِ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا مَعَ بَعْضِ تَعَسُّفٍ، وهو أنَّ أصَحَّ الأقْوالِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ كَما حَرَّرَهُ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ، وعَزاهُ لِأجِلّاءِ عُلَماءِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ هو جَوازُ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، أوْ مَعانِيهِ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: عَدا اللُّصُوصُ البارِحَةَ عَلى عَيْنِ زَيْدٍ، وتَعْنِي بِذَلِكَ أنَّهم عَوَّرُوا عَيْنَهُ الباصِرَةَ وغَوَّرُوا عَيْنَهُ الجارِيَةَ، وسَرَقُوا عَيْنَهُ الَّتِي هي ذَهَبُهُ أوْ فِضَّتُهُ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ النِّكاحَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الوَطْءِ والتَّزْوِيجِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في أحَدِهِما، مَجازٌ في الآخَرِ كَما أشَرْنا لَهُ سابِقًا، وإذا جازَ حَمْلُ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، فَيُحْمَلُ النِّكاحُ في الآيَةِ عَلى الوَطْءِ، وعَلى التَّزْوِيجِ مَعًا، ويَكُونُ ذِكْرُ المُشْرِكَةِ والمُشْرِكِ عَلى تَفْسِيرِ النِّكاحِ بِالوَطْءِ دُونَ العَقْدِ، وهَذا هو نَوْعُ التَّعَسُّفِ الَّذِي أشَرْنا لَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
(p-٤٢٦)وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى إباحَةِ تَزْوِيجِ الزّانِيَةِ، والمانِعُونَ لِذَلِكَ أقَلُّ، وقَدْ عَرَفْتَ أدِلَّةَ الجَمِيعِ.
* *
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ
الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً يَظُنُّها عَفِيفَةً، ثُمَّ زَنَتْ وهي في عِصْمَتِهِ أنَّ أظْهَرَ القَوْلَيْنِ: أنَّهُ نِكاحٌ لا يُفْسَخُ، ولا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الدَّوامُ عَلى نِكاحِها، وقَدْ قالَ بِهَذا بَعْضُ مَن مَنَعَ نِكاحَ الزّانِيَةِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الدَّوامِ عَلى نِكاحِها، وبَيْنَ ابْتِدائِهِ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ هَذا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ الجُشَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنى عَلَيْهِ وذَكَرَ ووَعَظَ، ثُمَّ قالَ ”: اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا، فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فاهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا»“ .
قالَ الشَّوْكانِيُّ في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ هَذا: أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ المَذْكُورِ: وحَدِيثُهُ في الخُطْبَةِ صَحِيحٌ، اهـ، وحَدِيثُهُ في الخُطْبَةِ هو هَذا الحَدِيثُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ وذَكَرَ ووَعَظَ، وهَذا التَّذْكِيرُ والوَعْظُ هو الخُطْبَةُ؛ كَما هو مَعْرُوفٌ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ قَرِيبًا الَّذِي فِيهِ: «أنَّ الرَّجُلَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فَقالَ ”: طَلِّقْها“، فَقالَ: نَفْسِي تَتْبَعُها، فَقالَ ”: أمْسِكْها»“، وبَيَّنّا الكَلامَ في سَنَدِهِ، وأنَّهُ في الدَّوامِ عَلى النِّكاحِ، لا في ابْتِداءِ النِّكاحِ، وأنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ مَن زَنَتْ زَوْجَتُهُ فُسِخَ نِكاحُها وحَرُمَتْ عَلَيْهِ خِلافُ التَّحْقِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الفَرْعُ الثّانِي: اعْلَمْ أنْ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي، أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ المَرْأةِ الحامِلِ مِنَ الزِّنا قَبْلَ وضْعِ حَمْلِها بَلْ لا يَجُوزُ نِكاحُها، حَتّى تَضَعَ حَمْلَها، خِلافًا لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: يَجُوزُ نِكاحُها وهي حامِلٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الشّافِعِيِّ وغَيْرِهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّ نِكاحَ الرَّجُلِ امْرَأةً حامِلًا مِن غَيْرِهِ فِيهِ سَقْيُ الزَّرْعِ بِماءِ الغَيْرِ، وهو لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ولا يَخْرُجُ مِن عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما أخْرَجَهُ دَلِيلٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ نِكاحُ حامِلٍ (p-٤٢٧)حَتّى يَنْتَهِيَ أجْلُ عِدَّتِها، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِأنَّ الحَوامِلَ أجُلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فَيَجِبُ اسْتِصْحابُ هَذا العُمُومِ، ولا يَخْرُجُ مِنهُ إلّا ما أخْرَجَهُ دَلِيلٌ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ.
الفَرْعُ الثّالِثُ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّ الزّانِيَةَ والزّانِيَ إنْ تابا مِنَ الزِّنا ونَدِما عَلى ما كانَ مِنهُما ونَوَيا أنْ لا يَعُوَدا إلى الذَّنْبِ، فَإنَّ نِكاحَهُما جائِزٌ، فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْكِحَها بَعْدَ تَوْبَتِهِما، ويَجُوزَ نِكاحُ غَيْرِهِما لَهُما بَعْدَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِينَ يَزْنُونَ، ومَن ذُكِرَ مَعَهم إنْ تابُوا وآمَنُوا، وعَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الزِّنا تُذْهِبُ أثَرَهُ، فالَّذِينَ قالُوا: إنَّ مَن زَنا بِامْرَأةٍ لا تَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، ولَوْ تابا وأصْلَحا فَقَوْلُهم خِلافُ التَّحْقِيقِ، وقَدْ ورَدَتْ آثارٌ عَنِ الصَّحابَةِ بِجَوازِ تَزْوِيجِهِ بِمَن زَنى بِها إنْ تابا، وضَرَبَ لَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ مَثَلًا بِرَجُلٍ سَرَقَ شَيْئًا مِن بُسْتانِ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرى البُسْتانَ فالَّذِي سَرَقَهُ مِنهُ حَرامٌ عَلَيْهِ، والَّذِي اشْتَراهُ مِنهُ حَلالٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ ما نالَ مِنَ المَرْأةِ حَرامًا فَهو حَرامٌ عَلَيْهِ، وما نالَ مِنها بَعْدَ التَّوْبَةِ والتَّزْوِيجِ حَلالٌ لَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ مَن رَدَّ الِاسْتِدْلالَ بِآيَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨]، قائِلًا: إنَّها نَزَلَتْ في الكُفّارِ لا في المُسْلِمِينَ، يَرُدُّ قَوْلَهُ: إنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَما أوْضَحْنا أدِلَّتَهُ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الفَرْعُ الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا بِجَوازِ نِكاحِ العَفِيفِ الزّانِيَةَ، لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ زَوْجُ الزّانِيَةِ العَفِيفُ دَيُّوثًا؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَزَوَّجُها لِيَحْفَظَها، ويَحْرُسَها، ويَمْنَعَها مِنَ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي مَنعًا باتًّا بِأنْ يُراقِبَها دائِمًا، وإذا خَرَجَ تَرَكَ الأبْوابَ مُقْفَلَةً دُونَها، وأوْصى بِها مَن يَحْرُسُها بَعْدَهُ فَهو يَسْتَمْتِعُ بِها، مَعَ شِدَّةِ الغَيْرَةِ والمُحافَظَةِ عَلَيْها مِنَ الرِّيبَةِ، وإنْ جَرى مِنها شَيْءٌ لا عِلْمَ لَهُ بِهِ مَعَ اجْتِهادِهِ في صِيانَتِها وحِفْظِها فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، ولا يَكُونُ بِهِ دَيُّوثًا، كَما هو مَعْلُومٌ، وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا مَرَّ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ عَلى جَوازِ نِكاحِ العَفِيفِ الزّانِيَةَ كَعَكْسِهِ، وأنَّ جَماعَةً قالُوا بِمَنعِ ذَلِكَ.
(p-٤٢٨)والأظْهَرُ لَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ المُسْلِمَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا عَفِيفَةً صَيِّنَةً، لِلْآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا والأحادِيثِ ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ”: «فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ»“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى،
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النُّورِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ الزَّوانِي والزُّناةِ عَلى الأعِفّاءِ والعَفائِفِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [ ٢٤ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، اخْتِلافًا مَبْنِيًّا عَلى الِاخْتِلافِ في حُكْمِ تَزَوُّجِ العَفِيفِ لِلزّانِيَةِ أوِ العَفِيفَةِ لِلزّانِي، فَمَن يَقُولُ هو حَرامٌ، يَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ وعُمُومِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ .
والَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ المَنعِ، وهُمُ الأكْثَرُ، أجابُوا بِأجْوِبَةٍ:
مِنها أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ واقْتَصَرَ صاحِبُ الإتْقانِ عَلى النَّسْخِ، ومِمَّنْ قالَ بِالنَّسْخِ: سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والشّافِعِيُّ.
وَمِنها أنَّ النِّكاحَ في هَذِهِ الآيَةِ الوَطْءُ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الزّانِيَ لا يُطاوِعُهُ عَلى فِعْلِهِ ويُشارِكُهُ في مُرادِهِ إلّا زانِيَةٌ مِثْلُهُ، أوْ مُشْرِكَةٌ لا تَرى حُرْمَةَ الزِّنا.
وَمِنها أنَّ هَذا خاصٌّ، لِأنَّهُ كانَ في نِسْوَةٍ بَغايا كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ إحْداهُنَّ عَلى أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ مِمّا كَسَبَتْهُ مِنَ الزِّنا، لِأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، فَزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ السَّبَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ الآيَةَ، وهَذا أضْعَفُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
(p-٣٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ نَزَلَتْ في بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمّا رُمِيَتْ بِهِ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِن أنَّ مَعْناها: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ النِّساءِ، والطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ، أيْ فَلَوْ كانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها غَيْرَ طَيِّبَةٍ لَما جَعَلَها اللَّهُ زَوْجَةً لِأطْيَبِ الطَّيِّبِينَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ.
وَعَلى هَذا فالآيَةُ الكَرِيمَةُ يَظْهَرُ تَعارُضُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] .
وَقَوْلِهِ أيْضًا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ [التحريم: ١١] .
إذِ الآيَةُ الأُولى دَلَّتْ عَلى خُبْثِ الزَّوْجَتَيْنِ الكافِرَتَيْنِ مَعَ أنَّ زَوْجَيْهِما مِن أطْيَبِ الطَّيِّبِينَ، وهُما نُوحٌ ولُوطٌ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، والآيَةُ الثّانِيَةُ دَلَّتْ عَلى طِيبِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ مَعَ خُبْثِ زَوْجِها.
والجَوابُ أنَّ في مَعْنى الآيَةِ وجْهَيْنِ لِلْعُلَماءِ:
الأوَّلُ: وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيِّ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ والضَّحّاكِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّ مَعْناها الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ، لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ القَوْلِ، والطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ القَوْلِ، أيْ فَما نَسَبَهُ أهْلُ النِّفاقِ إلى عائِشَةَ مِن كَلامٍ خَبِيثٍ هم أوْلى بِهِ، وهي أوْلى بِالبَراءَةِ والنَّزاهَةِ مِنهم، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا تَعارُضَ أصْلًا بَيْنَ الآياتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ فالإشْكالُ ظاهِرٌ بَيْنَ الآياتِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، بِدَلِيلِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ.
(p-٣٥٤)وَعَلَيْهِ فالغالِبُ تَقْيِيضُ كُلٍّ مِنَ الطَّيِّباتِ والطَّيِّبِينَ والخَبِيثاتِ والخَبِيثِينَ لِجِنْسِهِ وشَكْلِهِ المُلائِمِ لَهُ في الخُبْثِ أوِ الطِّيبِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى رُبَّما قَيَّضَ خَبِيثَةً لِطَيِّبٍ كامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ، أوْ طَيِّبَةً لِخَبِيثٍ كامْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَقْيِيضَ الخَبِيثَةِ لِلطَّيِّبِ أوِ الطَّيِّبَةِ لِلْخَبِيثِ فِيهِ حِكْمَةٌ لا يَعْقِلُها إلّا العُلَماءُ، وهي في تَقْيِيضِ الخَبِيثَةِ لِلطَّيِّبِ أنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أنَّ القَرابَةَ مِنَ الصّالِحِينَ لا تَنْفَعُ الإنْسانَ، وإنَّما يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ، ألا تَرى أنَّ أعْظَمَ ما يُدافِعُ عَنْهُ الإنْسانُ زَوْجَتُهُ، وأكْرَمَ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ رُسُلُهُ، فَدُخُولُ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ النّارَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] فِيهِ أكْبَرُ واعِظٍ وأعْظَمُ زاجِرٍ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالقَرابَةِ مِنَ الصّالِحِينَ والأعْلامِ، بِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣] .
كَما أنَّ دُخُولَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ الجَنَّةَ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الإنْسانَ إذا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ، وأحْسَنَ عَمَلَهُ وصَبَرَ عَلى القِيامِ بِدِينِهِ أنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولا يَضُرُّهُ خُبْثُ الَّذِينَ يُخالِطُهم ويُعاشِرُهم، فالخَبِيثُ خَبِيثٌ وإنْ خالَطَ الصّالِحِينَ، كامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ، والطَّيِّبُ طَيِّبٌ وإنْ خالَطَ الأشْرارَ كامْرَأةِ فِرْعَوْنَ، ولَكِنَّ مُخالَطَةَ الأشْرارِ لا تَجُوزُ اخْتِيارًا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أُخَرُ.
النور 24:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: يَرْمُونَ مَعْناهُ: يَقْذِفُونَ المُحْصَناتِ بِالزِّنا صَرِيحًا أوْ ما يَسْتَلْزِمُ الزِّنا كَنَفْيِ نَسَبِ ولَدِ المُحْصَنَةِ عَنْ أبِيهِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن غَيْرِ أبِيهِ كانَ مِن زِنًى، وهَذا القَذْفُ هو الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ثَلاثَةَ أحْكامٍ:
الأوَّلُ: جَلْدُ القاذِفِ ثَمانِينَ جَلْدَةً.
والثّانِي: عَدَمُ قَبُولِ شَهادَتِهِ.
والثّالِثُ: الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالفِسْقِ.
فَإنْ قِيلَ: أيْنَ الدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، هو القَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنى، أوْ بِما يَسْتَلْزِمُهُ كَنَفْيِ النَّسَبِ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَتانِ مِنَ القُرْآنِ:
الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ القَذْفِ يَتَوَقَّفُ إثْباتُهُ عَلى أرْبَعَةِ شُهَداءَ إلّا الزِّنى، ومَن قالَ: إنَّ اللِّواطَ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنى أجْرى أحْكامَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى اللّائِطِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أحْكامَ اللّائِطِ مُسْتَوْفاةً في سُورَةِ ”هُودٍ“، كَما أشَرْنا لَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.
القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: هي ذِكْرُ المُحْصَناتِ بَعْدَ ذِكْرِ الزَّوانِي، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَذِكْرُ المُحْصَناتِ بَعْدَ ذِكْرِ الزَّوانِي، يَدُلُّ عَلى إحْصانِهِنَّ، أيْ: عِفَّتِهِنَّ عَنِ الزِّنى، وأنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَهُنَّ إنَّما يَرْمُونَهُنَّ بِالزِّنى، وقَدْ قَدَّمْنا جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُرادُ بِالمُحْصَناتِ في القُرْآنِ، ومَثَّلْنا لَها كُلِّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فَذَكَرْنا أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي (p-٤٢٩)تُرادُ بِالمُحْصَناتِ كَوْنُهُنَّ عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ: عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ أيِ: العَفائِفَ، وإطْلاقُ المُحْصَناتِ عَلى العَفائِفِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎فَلا تَأْمَنَنَّ الحَيَّ قَيْسًا فَإنَّهم بَنُو مُحْصَناتٍ لَمْ تُدَنَّسْ حُجُورُها
وَإطْلاقُ الرَّمْيِ عَلى رَمْيِ الشَّخْصِ لِآخَرَ بِلِسانِهِ بِالكَلامِ القَبِيحِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ أحْمَرَ الباهِلِيِّ:
؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي
فَقَوْلُهُ: رَمانِي بِأمْرٍ يَعْنِي: أنَّهُ رَماهُ بِالكَلامِ القَبِيحِ، وفي شِعْرِ امْرِئِ القَيْسِ أوْ غَيْرِهِ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُبَيَّنَةٌ في الجُمْلَةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:
الجِهَةُ الأُولى: هي القَرِينَتانِ القُرْآنِيَّتانِ الدّالَّتانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ هو الرَّمْيُ بِالزِّنى، أوْ ما يَسْتَلْزِمُهُ كَنَفْيِ النَّسَبِ؛ كَما أوْضَحْناهُ قَرِيبًا.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ: هي أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ في شُمُولِهِ لِزَوْجِ المَرْأةِ إذا رَماها بِالزِّنى، ولَكِنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - بَيَّنَ أنَّ زَوْجَ المَرْأةِ إذا قَذَفَها بِالزِّنى خارِجٌ مِن عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ الشُّهَداءُ تَلاعَنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٦] .
وَمَضْمُونُها: أنَّ الزَّوْجَ إذا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنى ولَمْ يَكُنْ لَهُ شاهِدٌ غَيْرَ نَفْسِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلى الزِّنى الَّذِي رَماها بِهِ، فَإنَّهُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ يَقُولُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنى، ثُمَّ يَقُولُ في الخامِسَةِ: عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ كاذِبًا عَلَيْها فِيما رَمَيْتُها بِهِ، ويَرْتَفِعُ عَنْهُ الجَلْدُ وعَدَمُ قَبُولِ الشَّهادَةِ والفِسْقُ بِهَذِهِ الشَّهاداتِ، وتَشْهَدُ هي أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ، تَقُولُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَكاذِبٌ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى، ثُمَّ تَقُولُ في الخامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ (p-٤٣٠)عَلَيَّ إنْ كانَ صادِقًا فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى؛ كَما هو واضِحٌ مِن نَصِّ الآيَةِ.
الجِهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ هَنا حُكْمَ عُقُوبَةِ مَن رَمى المُحْصَناتِ في الدُّنْيا، ولَمْ يُبَيِّنْ ما أُعِدَّ لَهُ في الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أُعِدَّ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥]، وقَدْ زادَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ كَوْنَهُنَّ مُؤْمِناتٍ غافِلاتٍ لِإيضاحِ صِفاتِهِنَّ الكَرِيمَةَ.
وَوَصْفُهُ تَعالى لِلْمُحْصَناتِ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِنَّ غافِلاتٍ ثَناءٌ عَلَيْهِنَّ بِأنَّهُنَّ سَلِيماتُ الصُّدُورِ نَقِيّاتُ القُلُوبِ لا تَخْطُرُ الرِّيبَةُ في قُلُوبِهِنَّ لِحُسْنِ سَرائِرِهِنَّ، لَيْسَ فِيهِنَّ دَهاءٌ ولا مَكْرٌ؛ لِأنَّهُنَّ لَمْ يُجَرِّبْنَ الأمْرَ فَلا يَفْطُنَّ لِما تَفْطُنُ لَهُ المُجَرِّباتُ ذَواتُ المَكْرِ والدَّهاءِ، وهَذا النَّوْعُ مِن سَلامَةِ الصُّدُورِ وصَفائِها مِنَ الرِّيبَةِ مِن أحْسَنِ الثَّناءِ، وتُطْلِقُ العَرَبُ عَلى المُتَّصِفاتِ بِهِ اسْمَ البُلْهِ مَدْحًا لَها لا ذَمًّا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎نُفُجُ الحَقِيبَةِ بُوصُها مُتَنَضِّدٌ ∗∗∗ بَلْهاءُ غَيْرُ وشِيكَةِ الأقْسامِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ مَيّالَةٍ ∗∗∗ بِلْهاءَ تُطْلِعُنِي عَلى أسْرارِها
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَهِدْتُ بِها هِنْدًا وهِنْدٌ غَرِيرَةٌ ∗∗∗ عَنِ الفُحْشِ بَلْهاءُ العِشاءِ نَئُومُ ∗∗∗ رَداحُ الضُّحى مَيّالَةٌ بَخْتَرِيَّةٌ ∗∗∗ لَها مَنطِقٌ يُصْبِي الحَلِيمَ رَخِيمُ
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤]، مَحَلُّهُ فِيما إذا لَمْ يَتُوبُوا ويُصْلِحُوا، فَإنْ تابُوا وأصْلَحُوا، لَمْ يَنَلْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ الوَعِيدِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ الآيَةَ.
وَعُمُوماتُ نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَن تابَ إلى اللَّهِ مِن ذَنْبِهِ تَوْبَةً نَصُوحًا (p-٤٣١)تَقَبَّلَها مِنهُ، وكَفَّرَ عَنْهُ ذَنْبَهُ ولَوْ مِنَ الكَبائِرِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ جَماعَةٍ مِن أجِلّاءِ المُفَسِّرِينَ أنَّ آيَةَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ عامَّةٌ، وأنَّ آيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٣]، خاصَّةً بِالَّذِينِ رَمَوْا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أوْ غَيْرَها مِن خُصُوصِ أزْواجِهِ ﷺ وأنَّ مَن رَماهُنَّ لا تَوْبَةَ لَهُ خِلافَ التَّحْقِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
المَسْألَةُ الأُولى: لا يَخْفى أنَّ الآيَةَ إنَّما نَصَّتْ عَلى قَذْفِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ خاصَّةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ قَذْفَ الذُّكُورِ لِلذُّكُورِ، أوِ الإناثِ لِلْإناثِ، أوِ الإناثِ لِلذُّكُورِ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، مِن قَذْفِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ؛ لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ الفارِقِ بَيْنَ الجَمِيعِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا وإبْطالَ قَوْلِ الظّاهِرِيَّةِ فِيهِ، مَعَ إيضاحِ كَثِيرٍ مِن نَظائِرِهِ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى آيَةِ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٨] .
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ المالِكِيَّةِ، والشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ إذا جاءَ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفاتٍ، أوْ مُفْرَداتٍ مُتَعاطِفاتٍ، أنَّهُ يَرْجِعُ لِجَمِيعِها إلّا لِدَلِيلٍ مِن نَقْلٍ أوْ عَقْلٍ يُخَصِّصُهُ بِبَعْضِها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ:
؎وَكُلُّ ما يَكُونُ فِيهِ العَطْفُ مِن قَبْلِ الِاسْتِثْنا فَكُلًّا يَقْفُو ∗∗∗ دُونَ دَلِيلِ العَقْلِ أوْ ذِي السَّمْعِ ∗∗∗ والحَقُّ الِافْتِراقُ دُونَ الجَمْعِ
وَلِذا لَوْ قالَ إنْسانٌ: هَذِهِ الدّارُ وقْفٌ عَلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ، وبَنِي زُهْرَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ إلّا الفاسِقَ مِنهم، فَإنَّهُ يُخْرِجُ مِنَ الوَقْفِ الفاسِقَ مِنَ الجَمِيعِ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِلْجَمِيعِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِرُجُوعِهِ لِلْأخِيرَةِ، فَلا يَخْرُجُ عِنْدَهُ إلّا فاسِقُ الأخِيرَةِ فَقَطْ، ولِأجْلِ ذَلِكَ لا يَرْجِعُ عِنْدَهُ الِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ، إلّا لِجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي هي: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَقَدْ زالَ عَنْهُمُ الفِسْقُ، ولا يَقُولُ: ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً (p-٤٣٢)أبَدًا إلّا الَّذِينَ تابُوا فاقْبَلُوا شَهادَتَهم، بَلْ يَقُولُ: إنَّ شَهادَةَ القاذِفِ لا تُقْبَلُ أبَدًا، ولَوْ تابَ وأصْلَحَ، وصارَ أعْدَلَ أهْلِ زَمانِهِ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهُ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ.
وَمِمَّنْ قالَ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ مِن أهْلِ العِلْمِ: القاضِي شُرَيْحٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَكْحُولٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جابِرٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ إلّا إذا اعْتَرَفَ عَلى نَفْسِهِ بِالكَذِبِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في الآيَةِ راجِعٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ وأنَّ القاذِفَ إذا تابَ وأصْلَحَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ فَلا يَرْجِعُ لَهُ الِاسْتِثْناءُ؛ لِأنَّ القاذِفَ إذا تابَ وأصْلَحَ، لا يَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ القَذْفِ بِالتَّوْبَةِ.
فَتَحَصَّلَ أنَّ الجُمْلَةَ الأخِيرَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ يَرْجِعُ لَها الِاسْتِثْناءُ بِلا خِلافٍ، وأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى الَّتِي هي: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ لا يَرْجِعُ لَها الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يُخالِفْ إلّا مَن شَذَّ، وأنَّ الجُمْلَةَ الوُسْطى، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ يَرْجِعُ لَها الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا: دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ، أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا في مَسْألَةِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفاتٍ أوْ مُفْرَداتٍ مُتَعاطِفاتٍ هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، كابْنِ الحاجِبِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والغَزالِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، والآمِدِيِّ مِنَ الحَنابِلَةِ مِن أنَّ الحُكْمَ في الِاسْتِثْناءِ الآتِي بَعْدَ مُتَعاطِفاتٍ هو الوَقْفُ، ولا يُحْكَمُ بِرُجُوعِهِ إلى الجَمِيعِ، ولا إلى الأخِيرَةِ إلّا بِدَلِيلٍ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩] .
وَإذا رَدَدْنا النِّزاعَ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى اللَّهِ وجَدْنا القُرْآنَ دالًّا عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ الأظْهَرُ عِنْدَنا، وهو الوَقْفُ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ الآياتِ لَمْ يَرْجِعْ فِيها الِاسْتِثْناءُ لِلْأُولى، وبَعْضَها لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ لِلْأخِيرَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رُجُوعَهُ لِما قَبْلَهُ لَيْسَ شَيْئًا مُطَّرِدًا.
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فالِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعٌ لِلدِّيَةِ فَقَطْ؛ لِأنَّ المُطالَبَةَ بِها تَسْقُطُ (p-٤٣٣)بِتَصَدُّقِ مُسْتَحِقِّها بِها، ولا يَرْجِعُ لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ إجْماعًا، لِأنَّ تَصَدُّقَ مُسْتَحَقِّي الدِّيَةِ بِها لا يُسْقِطُ كَفّارَةَ القَتْلِ خَطَأً.
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ آيَةُ ”النُّورِ“ هَذِهِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ لا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا.
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠]، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ لا يَرْجِعُ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]، إذْ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ مِنَ الكُفّارِ، ولَوْ وصَلُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَلِ الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، أيْ: فَخُذُوهم بِالأسْرِ، واقْتُلُوهم إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَلَيْسَ لَكم أخْذُهم بِأسْرٍ، ولا قَتْلُهم؛ لِأنَّ المِيثاقَ الكائِنَ لِمَن وصَلُوا إلَيْهِمْ يَمْنَعُ مِن أسْرِهِمْ، وقَتْلِهِمْ كَما اشْتَرَطَهُ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ في صُلْحِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وفي سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيُّ، وفي بَنِي جُذَيْمَةَ بْنِ عامِرٍ، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ رُبَّما لَمْ يَرْجِعْ إلى أقْرَبِ الجُمَلِ إلَيْهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي هو في الطَّرَفِ الأعْلى مِنَ الإعْجازِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ رُجُوعُهُ لِلْجَمِيعِ، ولا إلى الأخِيرَةِ، وأنَّ الأظْهَرَ الوَقْفُ حَتّى يَعْلَمَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنَ المُتَعاطِفاتِ قَبْلَهُ بِدَلِيلٍ، ولا يَبْعُدُ أنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ مِنَ القَرائِنِ والأدِلَّةِ، كانَ ظاهِرًا في رُجُوعِهِ لِلْجَمِيعِ.
وَقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ هُنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن قَذَفَ إنْسانًا بِغَيْرِ الزِّنى أوْ نَفْيِ النَّسَبِ، كَأنْ يَقُولَ لَهُ: يا فاسِقُ، أوْ يا آكِلَ الرِّبا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ السَّبِّ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ، وذَلِكَ بِما يَراهُ الإمامُ رادِعًا لَهُ ولِأمْثالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ، مِن غَيْرِ تَحْدِيدِ شَيْءٍ في ذَلِكَ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ قَدْرَ الحَدِّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ التَّعْزِيرَ بِحَسَبِ اجْتِهادِ الإمامِ فِيما يَراهُ رادِعًا مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٤٣٤)المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا قَذَفَ حُرًّا يُجْلَدُ أرْبَعِينَ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ كَحَدِّ الزِّنى، قالَ القُرْطُبِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: يُجْلَدُ ثَمانِينَ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثَمانِينَ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقالَ الآخَرُونَ: فَهِمْنا هُناكَ أنَّ حَدَّ الزِّنا لِلَّهِ، وأنَّهُ رُبَّما كانَ أخَفَّ فِيمَن قَلَّتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وأفْحَشَ فِيمَن عَظُمَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَأمّا حَدُّ القَذْفِ، فَهو حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وجَبَ لِلْجِنايَةِ عَلى عَرْضِ المَقْذُوفِ، والجِنايَةُ لا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، ورُبَّما قالُوا: لَوْ كانَ يَخْتَلِفُ لَذُكِرَ، كَما في الزِّنى.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: والَّذِي عَلَيْهِ عُلَماءُ الأمْصارِ القَوْلُ الأوَّلُ وبِهِ أقُولُ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي دَلِيلًا: أنَّ العَبْدَ إذا قَذَفَ حُرًّا جُلِدَ ثَمانِينَ لا أرْبَعِينَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وإنَّما اسْتَظْهَرْنا جَلْدَهُ ثَمانِينَ؛ لِأنَّ العَبْدَ داخِلٌ في عُمُومِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ولا يُمْكِنُ إخْراجُهُ مِن هَذا العُمُومِ، إلّا بِدَلِيلٍ ولَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يُخْرِجُ العَبْدَ مِن هَذا العُمُومِ، لا مِن كِتابٍ، ولا مِن سُنَّةٍ، ولا مِن قِياسٍ، وإنَّما ورَدَ النَّصُّ عَلى تَشْطِيرِ الحَدِّ عَنِ الأمَةِ في حَدِّ الزِّنى وألْحَقَ العُلَماءُ بِها العَبْدَ بِجامِعِ الرِّقِّ، والزِّنى غَيْرُ القَذْفِ.
أمّا القَذْفُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ ولا قِياسٌ في خُصُوصِهِ.
وَأمّا قِياسُ القَذْفِ عَلى الزِّنى فَهو قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ؛ لِأنَّ القَذْفَ جِنايَةٌ عَلى عِرْضِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، والرَّدْعُ عَنِ الأعْراضِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَيُرْدَعُ العَبْدُ كَما يُرْدَعُ الحُرُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ.
قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٢]، أنَّ الحُرَّ إذا قَذَفَ عَبْدًا لا يُحَدُّ لَهُ، وذَلِكَ ثابِتٌ في (p-٤٣٥)الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ ”: «مَن قَذَفَ عَبْدَهُ بِالزِّنى أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنْ يَكُونَ كَما قالَ»“ اهـ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”: «أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيامَةِ»“، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في الدُّنْيا وهو كَذَلِكَ، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ بَيْنَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: وإنَّما كانَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لِارْتِفاعِ المِلْكِ واسْتِواءِ الشَّرِيفِ والوَضِيعِ والحُرِّ والعَبْدِ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فَضْلٌ إلّا بِالتَّقْوى، ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَكافَأ النّاسُ في الحُدُودِ والحُرْمَةِ، واقْتُصَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن صاحِبِهِ إلّا أنْ يَعْفُوَ المَظْلُومُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إذا صَرَّحَ في قَذْفِهِ لَهُ بِالزِّنى، كانَ قَذْفًا ورَمْيًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وأمّا إنْ عَرَّضَ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، وكانَ تَعْرِيضُهُ يُفْهَمُ مِنهُ بِالقَرائِنِ أنَّهُ يَقْصِدُ قَذْفَهُ؛ كَقَوْلِهِ: أمّا أنا فَلَسْتُ بِزانٍ، ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، أوْ ما أنْتَ بِزانٍ ما يَعْرِفُكَ النّاسُ بِالزِّنى، أوْ يا حَلالُ ابْنَ الحَلالِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ يَلْزَمُ القَذْفُ بِالتَّعْرِيضِ المُفْهِمِ لِلْقَذْفِ، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ، أوْ لا يُحَدُّ حَتّى يُصَرِّحَ بِالقَذْفِ تَصْرِيحًا واضِحًا لا احْتِمالَ فِيهِ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ التَّعْرِيضَ لا يُوجِبُ الحَدَّ، ولَوْ فُهِمَ مِنهُ إرادَةُ القَذْفِ، إلّا أنْ يُقِرَّ أنَّهُ أرادَ بِهِ القَذْفَ.
قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهَذا القَوْلُ هو رِوايَةُ حَنْبَلٍ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وابْنُ المُنْذِرِ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِكِتابٍ وسُنَّةٍ.
أمّا الكِتابُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ التَّصْرِيحِ لِلْمُعْتَدَّةِ والتَّعْرِيضِ، قالُوا: ولَمْ يُفَرِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما في كِتابِهِ، إلّا لِأنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، ولَوْ كانا سَواءً لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما في كِتابِهِ.
وَأمّا السُّنَّةُ: فالحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ مِرارًا في الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ النَّبِيَّ ﷺ وقالَ لَهُ: إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ وهو تَعْرِيضٌ بِنَفْيِهِ، ولَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ هَذا قَذْفًا، ولَمْ يَدْعُهُما لِلِعانٍ بَلْ قالَ لِلرَّجُلِ ”: «ألَكَ إبِلٌ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ”: فَما ألْوانُها“ ؟ (p-٤٣٦)قالَ: حُمْرٌ، قالَ ”: هَلْ فِيها مِن أوْرَقَ“ ؟ قالَ: إنَّ فِيها لَوُرْقًا، قالَ ”: ومِن أيْنَ جاءَها ذَلِكَ“ ؟ قالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ، قالَ ”: وهَذا الغُلامُ الأسْوَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ»“، قالُوا: ولِأنَّ التَّعْرِيضَ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ القَذْفِ، وكُلُّ كَلامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، هَذا هو حاصِلُ حُجَّةِ مَن قالُوا بِأنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ، لا يُوجِبُ الحَدَّ، وإنَّما يَجِبُ الحَدُّ بِالتَّصْرِيحِ بِالقَذْفِ.
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ آخَرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ يَجِبُ بِهِ الحَدُّ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ورَوى الأثْرَمُ وغَيْرُهُ، عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ، يَعْنِي المُعَرِّضَ بِالقَذْفِ، قالَ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِهِ قالَ إسْحاقُ إلى أنْ قالَ: وقالَ مَعْمَرٌ: إنَّ عُمَرَ كانَ يَجْلِدُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ، اهـ.
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأدِلَّةٍ مِنها ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، قالَ: والدَّلِيلُ لِما قالَهُ مالِكٌ: هو أنَّ مَوْضُوعَ الحَدِّ في القَذْفِ، إنَّما هو لِإزالَةِ المَعَرَّةِ الَّتِي أوْقَعَها القاذِفُ بِالمَقْذُوفِ، وإذا حَصَلَتِ المَعَرَّةُ بِالتَّعْرِيضِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَذْفًا كالتَّصْرِيحِ والمُعَوَّلُ عَلى الفَهْمِ، وقَدْ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، أيِ: السَّفِيهُ الضّالُّ، فَعَرَضُوا لَهُ بِالسَّبِّ بِكَلامٍ ظاهِرُهُ المَدْحُ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”هُودٍ“، وقالَ تَعالى في أبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقالَ تَعالى في الَّذِينَ قَذَفُوا مَرْيَمَ أنَّهم قالُوا: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فَمَدَحُوا أباها، ونَفَوْا عَنْ أُمِّها البِغاءَ، أيِ: الزِّنى وعَرَّضُوا لِمَرْيَمَ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]، وكُفْرُهم مَعْرُوفٌ والبُهْتانُ العَظِيمُ هو التَّعْرِيضُ لَها، أيْ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أيْ: أنْتِ بِخِلافِهِما وقَدْ أتَيْتِ بِهَذا الوَلَدِ، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]، فَهَذا اللَّفْظُ قَدْ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ الكُفّارَ عَلى غَيْرِ هُدًى، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الهُدى، فَفُهِمَ مِن هَذا التَّعْرِيضِ ما يُفْهَمُ مِن صَرِيحِهِ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ مَعَ تَصَرُّفٍ قَلِيلٍ لِإيضاحِ المُرادِ.
وَحاصِلُ كَلامِ القُرْطُبِيِّ المَذْكُورِ: أنَّ مِن أدِلَّةِ القائِلِينَ بِوُجُوبِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ آياتٍ قُرْآنِيَّةً، وبَيَّنَ وجْهَ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ كَما رَأيْتَهُ، وذَكَرَ أنَّ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ المَعَرَّةَ اللّاحِقَةَ (p-٤٣٧)لِلْمَقْذُوفِ صَرِيحًا تَلْحَقُهُ بِالتَّعْرِيضِ لَهُ بِالقَذْفِ، ولِذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِواؤُهُما، وذَكَرَ أنَّ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ المُعَوَّلَ عَلى الفَهْمِ، والتَّعْرِيضُ يُفْهَمُ مِنهُ القَذْفُ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كالصَّرِيحِ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ عَلى أنَّ التَّعْرِيضَ يَجِبُ بِهِ الحَدُّ بَعْضُ الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: لِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ شاوَرَهم في الَّذِي قالَ لِصاحِبِهِ: ما أنا بِزانٍ، ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، فَقالُوا: قَدْ مَدَحَ أباهُ وأُمَّهُ، فَقالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَّضَ بِصاحِبِهِ وجَلَدَهُ الحَدَّ، وقالَ مَعْمَرٌ: إنَّ عُمَرَ كانَ يَجْلِدُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ، ورَوى الأثْرَمُ: أنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ رَجُلًا قالَ لِآخَرَ: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرِ، يُعَرِّضُ لَهُ بِزِنى أُمِّهِ، والوَذْرُ: غُدَرُ اللَّحْمِ يُعَرِّضُ لَهُ بِكَمَرِ الرِّجالِ، وانْظُرْ أسانِيدَ هَذِهِ الآثارِ.
وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ أنَّ الكِنايَةَ مَعَ القَرِينَةِ الصّارِفَةِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِها، كالصَّرِيحِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ إلّا ذَلِكَ المَعْنى ولِذَلِكَ وقَعَ الطَّلاقُ بِالكِنايَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في حالِ الخُصُومَةِ، ولا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلى القَذْفِ، فَلا شَكَّ في أنَّهُ لا يَكُونُ قَذْفًا، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“ .
ثُمَّ قالَ صاحِبُ المُغْنِي: وذَكَرَ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ: أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَجَعَ عَنِ القَوْلِ بِوُجُوبِ الحَدِّ في التَّعْرِيضِ، يَعْنِي بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الإمامَ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ حَبَسَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الحُطَيْئَةَ، لَمّا قالَ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
.
لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِالنِّساءِ في أنَّهُنَّ يُطْعَمْنَ ويُسْقَيْنَ ويُكْسَوْنَ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ أوِ النَّجاشِيِّ:
؎قُبَيِّلَةٌ لا يَخْفِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ ولا يَظْلِمُونَ النّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ هَذا الهِجاءَ حَمَلَهُ عَلى المَدْحِ، وقالَ: لَيْتَ آلَ الخَطّابِ كانُوا كَذَلِكَ، ولَمّا قالَ الشّاعِرُ بَعْدَ ذَلِكَ:
؎وَلا يَرِدُونَ الماءَ إلّا عَشِيَّةً ∗∗∗ إذا صَدَرَ الوُرّادُ عَنْ كُلِّ مَنهَلِ
قالَ عُمَرُ أيْضًا: لَيْتَ آلَ الخَطّابِ كانُوا كَذَلِكَ، فَظاهِرُ هَذا الشِّعْرِ يُشْبِهُ المَدْحَ، ولِذا ذَكَرُوا أنَّ عُمَرَ تَمَنّى ما فِيهِ مِنَ الهِجاءِ لِأهْلِ بَيْتِهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ مَدْحٌ وصاحِبُهُ يُرِيدُ الذَّمَّ بِلا (p-٤٣٨)نِزاعٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوَّلُ شِعْرِهِ وآخِرُهُ، لِأنَّ أوَّلَ الأبْياتِ قَوْلُهُ:
؎إذا اللَّهُ عادى أهْلَ لُؤْمٍ وذِلَّةٍ ∗∗∗ فَعادى بَنِي العَجْلانِ رَهْطَ ابْنِ مُقْبِلِ
؎قُبَيِّلَةٌ لا يُخْفَرُونَ ∗∗∗ . . . . . . البَيْتَ
وَفِي آخِرِ شِعْرِهِ:
؎وَما سُمِّيَ العَجْلانُ إلّا لِقَوْلِهِ ∗∗∗ خُذِ القَعْبَ واحْلِبْ أيُّها العَبْدُ واعْجَلِ
وَكَوْنُ مِثْلِ هَذا مِنَ التَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ لا شَكَّ فِيهِ، وقَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها
يَهْجُو بِهِ الزِّبْرِقانَ بْنَ بَدْرٍ التَّمِيمِيَّ، كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ، وما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الكَلامِ الَّذِي نَقَلْنا عَنْهُ مِن أنَّ البُهْتانَ العَظِيمَ الَّذِي قالُوهُ عَلى مَرْيَمَ: هو تَعْرِيضُهم لَها بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٨]، لا يَتَعَيَّنُ بِانْفِرادِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - ذَكَرَ عَنْهم أنَّهم قالُوا لَها غَيْرَ ذَلِكَ وهو أقْرَبُ لِلتَّصْرِيحِ بِالفاحِشَةِ مِمّا ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، فَقَوْلُهم لَها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ في وقْتِ مَجِيئِها بِالوَلَدِ تَحْمِلُهُ ظاهِرٌ جِدًّا في إرادَتِهِمْ قَذْفَها، كَما تَرى، والكَلامُ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ قُدامَةَ: أنَّ عُثْمانَ جَلَدَ الحَدَّ فِيهِ وهو قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرِ، قالَ فِيهِ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: الوَذْرَةُ بِالتَّسْكِينِ الغَدْرَةُ، وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ إذا كانَتْ مُجْتَمِعَةً، ومِنهُ قَوْلُهم: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرَةِ، وهي كَلِمَةُ قَذْفٍ، وكانَتِ العَرَبُ تَتَسابُّ بِها، كَما كانَتْ تَتَسابُّ بِقَوْلِهِمْ: يا ابْنَ مُلْقِي أرْحُلِ الرُّكْبانِ، أوْ يا ابْنَ ذاتِ الرّاياتِ ونَحْوِها، والجَمْعُ وذْرٌ مِثْلُ: تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، اهـ مِن صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ.
والشّامَّةُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ اسْمُ فاعِلِ شَمَّهُ، وقالَ صاحِبُ ”اللِّسانِ“: وفي حَدِيثِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قالَ لِرَجُلٍ: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرِ، فَحَدَّهُ، وهو مِن سِبابِ العَرَبِ وذَمِّهِمْ، وإنَّما أرادَ يا ابْنَ شامَّةِ المَذاكِيرِ يَعْنُونَ الزِّنا، كَأنَّها كانَتْ تَشُمُّ كَمَرًا مُخْتَلِفَةً فَكَنّى عَنْهُ، والذَّكَرُ قِطْعَةٌ مِن بَدَنِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِها القُلُفَ جَمْعَ قُلْفَةِ الذَّكَرِ؛ لِأنَّها تُقْطَعُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن ”لِسانِ العَرَبِ“، وهَذا لا يَتَّضِحُ مِنهُ قَصْدُ الزِّنا ولَمْ أرَ مَن (p-٤٣٩)أوْضَحَ مَعْنى شامَّةِ الوَذْرِ إيضاحًا شافِيًا؛ لِأنَّ شَمَّ كَمَرِ الرِّجالِ لَيْسَ مِنَ الأمْرِ المَعْهُودِ الواضِحِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ قائِلَ الكَلامِ المَذْكُورِ يُشَبِّهُ مَن عَرَّضَ لَها بِالزِّنا بِسِفادِ الحَيَواناتِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ مِن غالِبِ الحَيَواناتِ إذا أرادَ سِفادَ الأُنْثى شَمَّ فَرْجَها، واسْتَنْشَقَ رِيحَهُ اسْتِنْشاقًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزُو عَلَيْها فَيُسافِدُها فَكَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ المَرْأةَ تَشُمُّ ذَكَرَ الرَّجُلِ كَما يَشُمُّ الفَحْلُ مِنَ الحَيَواناتِ فَرْجَ أُنْثاهُ، وشَمُّها لِمَذاكِيرِ الرِّجالِ كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِلْمُواقَعَةِ، فَكَنَّوْا عَنِ المُواقَعَةِ بِشَمِّ المَذاكِيرِ، وعَبَّرُوا عَنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ بِالوَذْرَةِ؛ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِن بَدَنِ صاحِبِهِ كَقِطْعَةِ اللَّحْمِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا كَثْرَةَ مُلابَسَتِها لِذَلِكَ الأمْرِ، حَتّى صارَتْ كَأنَّها تَشُمُّ رِيحَ ذَلِكَ المَوْضِعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ، وحُجَجَهم في التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ، هَلْ يَلْزَمُ بِهِ الحَدُّ أوْ لا يَلْزَمُ بِهِ.
وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّ التَّعْرِيضَ إذا كانَ يُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى القَذْفِ فَهْمًا واضِحًا مِنَ القَرائِنِ أنَّ صاحِبَهُ يُحَدُّ؛ لِأنَّ الجِنايَةَ عَلى عِرْضِ المُسْلِمِ تَتَحَقَّقُ بِكُلِّ ما يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ فَهْمًا واضِحًا، ولِئَلّا يَتَذَرَّعَ بَعْضُ النّاسِ لِقَذْفِ بَعْضِهِمْ بِألْفاظِ التَّعْرِيضِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها القَذْفُ بِالزِّنا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ لا يُوجِبُ الحَدَّ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَعْزِيرِ المُعَرِّضِ بِالقَذْفِ لِلْأذى الَّذِي صَدَرَ مِنهُ لِصاحِبِهِ بِالتَّعْرِيضِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا حَدَّ عَلى مَن قَذَفَ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ أوِ امْرَأةً مِنهم، وقالَ الزُّهْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ أبِي لَيْلى: عَلَيْهِ الحَدُّ إذا كانَ لَها ولَدٌ مِن مُسْلِمٍ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّهُ إذا قَذَفَ النَّصْرانِيَّةَ تَحْتَ المُسْلِمِ جُلِدَ الحَدَّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وجُلُّ العُلَماءِ مُجْمِعُونَ وقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، ولَمْ أُدْرِكْ أحَدًا، ولا لَقِيتُهُ يُخالِفُ في ذَلِكَ، وإذا قَذَفَ النَّصْرانِيُّ المُسْلِمَ الحُرَّ فَعَلَيْهِ ما عَلى المُسْلِمِ ثَمانُونَ جَلْدَةً، لا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، انْتَهى مِنهُ.
* *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي في مَسْألَةِ ما لَوْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا، فَقالَ آخَرُ: صَدَقْتَ، أنَّ المُصَدِّقَ قاذِفٌ فَتَجِبُ إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ تَصْدِيقَهُ لِلْقاذِفِ قَذْفٌ خِلافًا لِزُفَرَ ومَن وافَقَهُ.
(p-٤٤٠)وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولَوْ قالَ: أخْبَرَنِي فَلانٌ أنَّكَ زَنَيْتَ لَمْ يَكُنْ قاذِفًا سَواءٌ كَذَّبَهُ المُخْبَرُ عَنْهُ أوْ صَدَّقَهُ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقالَ أبُو الخَطّابِ: فِيهِ وجْهٌ آخَرُ أنَّهُ يَكُونُ قاذِفًا إذا كَذَّبَهُ الآخَرُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وعَطاءٌ، ونَحْوُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ لِأنَّهُ أخْبَرُ بِزِناهُ، اهـ مِنهُ.
وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّهُ لا يَكُونُ قاذِفًا ولا يُحَدُّ، لِأنَّهُ حَكى عَنْ غَيْرِهِ ولَمْ يَقُلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صادِقًا، وأنَّ الَّذِي أخْبَرَهُ أنْكَرَ بَعْدَ إخْبارِهِ إيّاهُ كَما لَوْ شَهِدَ عَلى رَجُلٍ أنَّهُ قَذَفَ رَجُلًا وأنْكَرَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ الشّاهِدُ قاذِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنى، ولَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ حَتّى زَنا المَقْذُوفُ أنَّ الحَدَّ يَسْقُطُ عَنْ قاذِفِهِ؛ لِأنَّهُ تَحَقَّقَ بِزِناهُ أنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ إلّا بَعْدَ لُزُومِ الحَدِّ لِلْقاذِفِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلى مَن قَذَفَهُ، فَلا يُحَدُّ لِغَيْرِ عَفِيفٍ؛ اعْتِبارًا بِالحالَةِ الَّتِي يُرادُ أنْ يُقامَ فِيها الحَدُّ، فَإنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثَبَتَ عَلَيْهِ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ.
وَهَذا الَّذِي اسْتَظْهَرْنا عَزاهُ ابْنُ قُدامَةَ: لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُحَدُّ هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ.
قالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، وداوُدُ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الحَدَّ قَدْ وجَبَ وتَمَّ بِشُرُوطِهِ فَلا يَسْقُطُ بِزَوالِ شَرْطِ الوُجُوبِ.
والأظْهَرُ عِنْدَنا هو ما قَدَّمْنا؛ لِأنَّهُ تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلى قاذِفِهِ، فَلا يُحَدُّ لِمَن تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ.
وَإنَّما وجَبَ الحَدُّ قَبْلَ هَذا، لِأنَّ عَدَمَ عِفَّتِهِ كانَ مَسْتُورًا، ثُمَّ ظَهَرَ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنْ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا فِيمَن قالَ لِرَجُلٍ: يا مَن وطِئَ بَيْنَ الفَخْذَيْنِ، أنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ، ولا يُحَدُّ قائِلُهُ؛ لِأنَّهُ رَماهُ بِفِعْلٍ لا يُعَدَّ زِنًا إجْماعًا، خِلافًا لِابْنِ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ القائِلِ بِوُجُوبِ الحَدِّ زاعِمًا أنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٤٤١)المَسْألَةُ العاشِرَةُ: اعْلَمْ أنَّ حَدَّ القَذْفِ لا يُقامُ عَلى القاذِفِ إلّا إذا طَلَبَ المَقْذُوفُ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ لَهُ، ولَمْ يَكُنْ لِلْقاذِفِ بَيِّنَةٌ عَلى ما ادَّعى مِن زِنا المَقْذُوفِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ ومَفْهُومُ الآيَةِ: أنَّ القاذِفَ لَوْ جاءَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ شَرْعًا أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ، وإنَّما يُثْبِتُ بِذَلِكَ حَدَّ الزِّنا عَلى المَقْذُوفِ، لِشَهادَةِ البَيِّنَةِ، ويُشْتَرَطُ لِذَلِكَ أيْضًا عَدَمُ إقْرارِ المَقْذُوفِ، فَإنْ أقَرَّ بِالزِّنا، فَلا حَدَّ عَلى القاذِفِ، وإنْ كانَ القاذِفُ زَوْجًا اعْتُبِرَ في حَدِّهِ حَدَّ القَذْفِ امْتِناعُهُ مِنَ اللِّعانِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ: ولا نَعْلَمُ خِلافًا في هَذا كُلِّهِ، ثُمَّ قالَ: وتُعْتَبَرُ اسْتِدامَةُ الطَّلَبِ إلى إقامَةِ الحَدِّ، فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفا عَنِ الحَدِّ سَقَطَ، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ. وقالَ الحَسَنُ وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالعَفْوِ كَسائِرِ الحُدُودِ، ولَنا أنَّهُ حَدٌّ لا يُسْتَوْفى إلّا بَعْدَ مُطالَبَةِ الآدَمِيِّ بِاسْتِيفائِهِ فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ كالقِصاصِ، وفارَقَ سائِرَ الحُدُودِ، فَإنَّهُ لا يُعْتَبَرُ في إقامَتِها الطَّلَبُ بِاسْتِيفائِها، وحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّما تُعْتَبَرُ فِيهِ المُطالَبَةُ بِالمَسْرُوقِ لا بِاسْتِيفاءِ الحَدِّ، ولِأنَّهم قالُوا تَصِحُّ دَعْواهُ، ويُسْتَحْلَفُ فِيهِ، ويَحْكُمُ الحاكِمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ الِاعْتِرافِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“، وكَوْنُهُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ هو أحَدُ أقْوالٍ فِيهِ.
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ القَذْفِ، هَلْ هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ أوْ فِيهِ شائِبَةٌ مِنهُما ؟
الأوَّلُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
والثّانِي: قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ.
والثّالِثُ: قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
وَفائِدَةُ الخِلافِ أنَّهُ إنْ كانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى وبَلَغَ الإمامَ أقامَهُ، وإنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ المَقْذُوفُ، ونَفَعَتِ القاذِفَ التَّوْبَةُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَتَشَطَّرُ فِيهِ الحَدُّ بِالرِّقِّ كالزِّنا، وإنْ كانَ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ، فَلا يُقِيمُهُ الإمامُ إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ، ويَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ولَمْ تَنْفَعِ القاذِفَ التَّوْبَةُ حَتّى يُحَلِّلَهُ المَقْذُوفُ، اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
وَمَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ كَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ، وهو أنَّ الحَدَّ يَسْقُطُ بِعَفْوِ (p-٤٤٢)المَقْذُوفِ قَبْلَ بُلُوغِ الإمامِ، فَإنْ بَلَغَ الإمامَ، فَلا يُسْقِطُهُ عَفْوُهُ إلّا إذا ادَّعى أنَّهُ يُرِيدُ بِالعَفْوِ السَّتْرَ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الظّاهِرُ أنَّ القَذْفَ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وكُلُّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ.
وَإيضاحُهُ: أنَّ حَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ شُرِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ فِعْلِهِ، ولِدَفْعِ مَعَرَّةِ القَذْفِ عَنْهُ، فَإذا تَجَرَّأ عَلَيْهِ القاذِفُ انْتَهَكَ حُرْمَةَ عِرْضِ المُسْلِمِ، وأنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ حَقًّا بِانْتِهاكِ حُرْمَةِ عِرْضِهِ، وانْتَهَكَ أيْضًا حُرْمَةَ نَهْيِ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِ في عِرْضِ مُسْلِمٍ، فَكانَ لِلَّهِ حَقٌّ عَلى القاذِفِ بِانْتِهاكِهِ حُرْمَةَ نَهْيِهِ، وعَدَمِ امْتِثالِهِ، فَهو عاصٍ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِعُقُوبَتِهِ، فَحَقُّ اللَّهِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وحَقُّ المُسْلِمِ يَسْقُطُ بِإقامَةِ الحَدِّ، أوْ بِالتَّحَلُّلِ مِنهُ.
والَّذِي يَظْهَرُ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ أنَّ المَقْذُوفَ إذا عَفا وسَقَطَ الحَدُّ بِعَفْوِهِ أنَّ لِلْإمامِ تَعْزِيرَ القاذِفِ لِحَقِّ اللَّهِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ.
* *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ القُرْطُبِيُّ: إنْ تَمَّتِ الشَّهادَةُ عَلى الزّانِي بِالزِّنا ولَكِنَّ الشُّهُودَ لَمْ يُعَدَّلُوا، فَكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ يَرَيانِ ألّا حَدَّ عَلى الشُّهُودِ، ولا عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والنُّعْمانُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ.
وَقالَ مالِكٌ: وإذا شَهِدَ عَلَيْهِ أرْبَعَةٌ بِالزِّنا وكانَ أحَدُهم مَسْخُوطًا عَلَيْهِ أوْ عَبْدًا يُجْلَدُونَ جَمِيعًا، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ في أرْبَعَةِ عِمْيانٍ يَشْهَدُونَ عَلى امْرَأةٍ بِالزِّنى: يُضْرَبُونَ، فَإنْ رَجَعَ أحَدُ الشُّهُودِ، وقَدْ رُجِمَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ في الزِّنى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: يُغَرَّمُ رُبْعَ الدِّيَةِ، ولا شَيْءَ عَلى الآخَرِينَ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، وحَمّادٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو هاشِمٍ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ قالَ عَمَدْتُ لِيُقْتَلَ، فالأوْلِياءُ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوا، وإنْ شاءُوا عَفَوْا، وأخَذُوا رُبْعَ الدِّيَةِ وعَلَيْهِ الحَدُّ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: يُقْتَلُ وعَلى الآخَرِينَ ثَلاثَةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: إذا قالَ أخْطَأْتُ وأرَدْتُ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كامِلَةً، وإنْ قالَ تَعَمَّدْتُ قُتِلَ، وبِهِ قالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَهُ.
وَأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي: أنَّهم إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حُدُّوا كُلُّهم؛ لِأنَّ مَن أتى بِمَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْرُوفِ العَدالَةِ، كَمَن لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ، وأنَّهُ إنْ أقَرَّ بِأنَّهُ تَعَمَّدَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأجْلِ أنْ يُقْتَلَ (p-٤٤٣)يُقْتَصُّ مِنهُ، وإنِ ادَّعى شُبْهَةً في رُجُوعِهِ يُغَرَّمُ قِسْطَهُ مِنَ الدِّيَةِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُغَرَّمُ الدِّيَةَ كامِلَةً لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ مَن قَذَفَ مَن يَحْسَبُهُ عَبْدًا فَإذا هو حُرٌّ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وقالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، ومَن قَذَفَ أُمَّ الوَلَدِ حُدَّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهو قِياسُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا حَدَّ عَلَيْهِ، انْتَهى مِنهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أمّا حَدُّهُ في قَذْفِ أُمِّ الوَلَدِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِها، وعِتْقِها مِن رَأْسِ مالِ مَسْتَوْلِدِها، أمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ حُرِّيَّتُها بِالفِعْلِ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يُجِيزُ بَيْعَها مِنَ العُلَماءِ، والقاذِفُ لا يُحَدُّ بِقَذْفِ مَن لَمْ يَكُنْ حُرًّا حُرِّيَّةً كامِلَةً فِيما يَظْهَرُ، وكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ: إنَّ مَن قَذَفَ مَن يَظُنُّهُ عَبْدًا، فَإذا هو حُرٌّ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لِأنَّهُ لَمْ يَنْوِ قَذْفَ حُرٍّ، وإنَّما نَوى قَذْفَ عَبْدٍ لَكانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّ «الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى»، ولِأنَّ المَعَرَّةَ تَزُولُ عَنِ المَقْذُوفِ بِقَوْلِ القاذِفِ: ما قَصَدْتُ قَذْفَكَ ولا أقُولُ: إنَّكَ زانٍ، وإنَّما قَصَدْتُ بِذَلِكَ مَن كُنْتُ أعْتَقِدُهُ عَبْدًا فَأنْتَ عَفِيفٌ في نَظَرِي، ولا أقُولُ فِيكَ إلّا خَيْرًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا فِيمَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أوْ قَذَفَ واحِدًا، مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً. وقَدْ قَدَّمْنا خِلافَ أهْلِ العِلْمِ، فِيمَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ في الكَلامِ عَلى آياتِ ”الحَجِّ“ ٠
قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، في شَرْحِهِ لِقَوْلِ الخِرَقِيِّ: وإذا قَذَفَ الجَماعَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَحَدٌّ واحِدٌ إذا طالَبُوا أوْ واحِدٌ مِنهم، ما نَصُّهُ: وبِهَذا قالَ: طاوُسٌ والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ، وابْنُ أبِي لَيْلى وإسْحاقُ، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ، ولِلشّافِعِيِّ قَوْلانِ كالرِّوايَتَيْنِ، ووَجْهُ هَذا أنَّهُ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، فَلَزِمَهُ لَهُ حَدٌّ كامِلٌ؛ كَما لَوْ قَذَفَهم بِكَلِماتٍ، ولَنا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَذْفِ واحِدٍ أوْ جَماعَةٍ؛ ولِأنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ قَذَفُوا امْرَأةً، فَلَمْ يَحُدَّهم عُمَرُ إلّا حَدًّا واحِدًا، ولِأنَّهُ قَذْفٌ واحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ إلّا حَدٌّ واحِدٌ كَما لَوْ قَذَفَ واحِدًا، ولِأنَّ الحَدَّ إنَّما وجَبَ بِإدْخالِ المَعَرَّةِ عَلى (p-٤٤٤)المَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ وبِحَدٍّ واحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هَذا القاذِفِ.
وَتَزُولُ المَعَرَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكْتَفِيَ بِهِ بِخِلافِ ما إذا قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ قَذْفًا مُنْفَرِدًا، فَإنْ كَذَّبَهُ في قَذْفِهِ لا يَلْزَمُ مِنهُ كَذِبُهُ في آخَرَ، ولا تَزُولُ المَعَرَّةُ عَنْ أحَدِ المَقْذُوفِينَ بِحَدِّهِ لِلْآخَرِ، فَإذا ثَبَتَ هَذا، فَإنَّهم إنْ طَلَبُوهُ جُمْلَةً حُدَّ لَهم، وإنْ طَلَبَهُ واحِدٌ أُقِيمَ الحَدُّ؛ لِأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ لَهم عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، فَأيُّهم طالَبَ بِهِ اسْتَوْفى، وسَقَطَ فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الطَّلَبُ بِهِ كَحَقِّ المَرْأةِ عَلى أوْلِيائِها في تَزْوِيجِها، إذا قامَ بِهِ واحِدٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، وإنْ أسْقَطَهُ أحَدُهم فَلِغَيْرِهِ المُطالَبَةُ بِهِ واسْتِيفاؤُهُ؛ لِأنَّ المَعَرَّةَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ بِعَفْوِ صاحِبِهِ، ولَيْسَ لِلْعافِي الطَّلَبُ بِهِ، لِأنَّهُ قَدْ أسْقَطَ حَقَّهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّهم إنْ طَلَبُوهُ دَفْعَةً واحِدَةً فَحَدٌّ واحِدٌ، وكَذَلِكَ إنْ طَلَبُوهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَمْ حَتّى طَلَبَهُ الكُلُّ فَحَدٌّ واحِدٌ، وإنْ طَلَبَهُ واحِدٌ فَأُقِيمَ لَهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ آخَرُ أُقِيمَ لَهُ، وكَذَلِكَ جَمِيعُهم وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ؛ لِأنَّهم إذا اجْتَمَعُوا عَلى طَلَبِهِ، وقَعَ اسْتِيفاؤُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وإذا طَلَبَهُ واحِدٌ مُنْفَرِدًا كانَ اسْتِيفاؤُهُ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الباقِينَ بِغَيْرِ اسْتِيفائِهِمْ (في) إسْقاطِهِمْ، وإنْ قَذَفَ الجَماعَةَ بِكَلِماتٍ فَلِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ، وقالَ حَمّادٌ ومالِكٌ: لا يَجِبُ إلّا حَدٌّ واحِدٌ، لِأنَّها جِنايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فَإذا تَكَرَّرَتْ كَفى حَدٌّ واحِدٌ، كَما لَوْ سَرَقَ مِن جَماعَةٍ أوْ زَنى بِنِساءٍ، أوْ شَرِبَ أنْواعًا مِنَ المُسْكِرِ، ولَنا أنَّها حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ فَلَمْ تَتَداخَلْ كالدُّيُونِ والقِصاصِ، وفارَقَ ما قاسُوا عَلَيْهِ فَإنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، إلى أنْ قالا: وإنْ قَذَفَ رَجُلًا مَرّاتٍ فَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ واحِدٌ رِوايَةً واحِدَةً، سَواءٌ قَذَفَهُ بِزِنًا واحِدٍ أوْ بِزَنَيْاتٍ، وإنْ قَذَفَهُ فَحُدَّ ثُمَّ أعادَ قَذْفَهُ نَظَرْتَ، فَإنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنا الَّذِي حُدَّ مِن أجْلِهِ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الحَدُّ في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: أنَّهُ أوْجَبَ حَدًّا ثانِيًا، وهَذا يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابَةِ، فَإنَّ أبا بَكْرَةَ لَمّا حُدَّ بِقَذْفِ المُغِيرَةِ أعادَ قَذْفَهُ فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ حَدًّا ثانِيًا، فَرَوى الأثْرَمُ بِإسْنادِهِ عَنْ ظَبْيانَ بْنِ عُمارَةَ، قالَ: شَهِدَ عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ أنَّهُ زانٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَكَبُرَ عَلَيْهِ، وقالَ: شاطَ ثَلاثَةُ أرْباعِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وجاءَ زِيادٌ، فَقالَ: ما عِنْدَكَ ؟ فَلَمْ يُثْبِتْ فَأمَرَ بِجِلْدِهِمْ فَجُلِدُوا، وقالَ: شُهُودُ زُورٍ، فَقالَ أبُو بَكْرَةَ: ألَيْسَ تَرْضى إنْ أتاكَ رَجُلٌ عِنْدَكَ يَشْهَدُ رَجْمَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرَةَ: وأنا أشْهَدُ أنَّهُ زانٍ، فَأرادَ أنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقالَ عَلِيٌّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكَ إنْ أعَدْتَ عَلَيْهِ الحَدَّ، أوْجَبْتَ عَلَيْهِ الرَّجْمَ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: فَلا يُعادُ فِيهِ فِرْيَةُ جَلْدٍ مَرَّتَيْنِ. قالَ الأثْرَمُ: قُلْتُ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَوْلُ عَلِيٍّ: إنْ جَلَدْتَهُ فارْجُمْ صاحِبَكَ، قالَ: كَأنَّهُ جَعَلَ (p-٤٤٥)شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وكُنْتُ أنا أُفَسِّرُهُ عَلى هَذا حَتّى رَأيْتُهُ في هَذا الحَدِيثِ فَأعْجَبَنِي، ثُمَّ قالَ يَقُولُ: إذا جَلَدْتَهُ ثانِيَةً فَكَأنَّكَ جَعَلْتَهُ شاهِدًا آخَرَ، فَأمّا إنْ حُدَّ لَهُ وقَذَفَهُ بِزِنًا ثانٍ نَظَرْتَ، فَإنْ قَذَفَهُ بَعْدَ طُولِ الفَصْلِ فَحَدٌّ ثانٍ؛ لِأنَّهُ لا يُسْقِطُ حُرْمَةَ المَقْذُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى القاذِفِ أبَدًا بِحَيْثُ يُمَكَّنُ مِن قَذْفِهِ بِكُلِّ حالٍ، وإنْ قَذَفَهُ عُقَيْبَ حَدِّهِ فَفِيهِ رِوايَتانِ:
إحْداهُما: يُحَدُّ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قَذْفٌ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ فِيهِ بِحَدٍّ، فَيَلْزَمُ فِيهِ حَدٌّ كَما لَوْ طالَ الفَصْلُ، ولِأنَّ سائِرَ أسْبابِ الحَدِّ إذا تَكَرَّرَتْ بَعْدَ أنْ حُدَّ لِلْأوَّلِ ثَبَتَ لِلثّانِي حُكْمُهُ، كالزِّنا والسَّرِقَةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأسْبابِ.
والثّانِيَةُ: لا يُحَدُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ حُدَّ لَهُ لِمَرَّةٍ فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ بِالقَذْفِ عَقِبَهُ، كَما لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنا الأوَّلِ، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“، وقَدْ رَأيْتُ نَقْلَهُ لِأقْوالِ أهْلِ العِلْمِ، فِيمَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ أوْ قَذَفَ واحِدًا مَرّاتٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ المَسائِلُ لَمْ نَعْلَمْ فِيها نَصًّا مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ.
والَّذِي يَظْهَرُ لَنا فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ مَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَعَلَيْهِ حَدٌّ واحِدٌ، لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُ عَلى الجَمِيعِ وتَزُولُ بِهِ المَعَرَّةُ عَنِ الجَمِيعِ، ويَحْصُلُ شِفاءُ الغَيْظِ بِحَدِّهِ لِلْجَمِيعِ.
والأظْهَرُ عِنْدَنا فِيمَن رَمى جَماعَةً بِكَلِماتٍ أنَّهُ يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الحَدُّ، بِعَدَدِ الكَلِماتِ الَّتِي قَذَفَ بِها؛ لِأنَّهُ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ قَذْفًا مُسْتَقِلًّا لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ وحَدُّهُ لِبَعْضِهِمْ لا يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُ عَلى الثّانِي الَّذِي قَذَفَهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، ولا تَزُولُ بِهِ عَنْهُ المَعَرَّةُ. وهَذا إنْ كانَ قَذْفُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم قَذْفًا مُفْرَدًا لَمْ يُجْمَعْ مَعَهُ غَيْرُهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ إنْ قَذَفَهم بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَكَرَّرُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِعَدَدِهِمْ، كَما اخْتارَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ .
والأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّهُ إنْ كَرَّرَ القَذْفَ لِرَجُلٍ واحِدٍ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ يَكْفِي فِيهِ حَدٌّ واحِدٌ، وأنَّهُ إنْ رَماهُ بَعْدَ حَدِّهِ لِلْقَذْفِ الأوَّلِ بَعْدَ طُولِ حَدٍّ أيْضًا، وإنْ رَماهُ قُرْبَ زَمَنِ حَدِّهِ بِعَيْنِ الزِّنا الَّذِي حُدَّ لَهُ لا يُعادُ عَلَيْهِ الحَدُّ؛ كَما حَكاهُ صاحِبُ المُغْنِي في قِصَّةِ أبِي بَكْرَةَ والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وإنْ كانَ القَذْفُ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ، كَأنْ قالَ في الأوَّلِ: زَنَيْتَ بِامْرَأةٍ (p-٤٤٦)بَيْضاءَ، وفي الثّانِي قالَ: بِامْرَأةٍ سَوْداءَ، فالظّاهِرُ تَكَرُّرُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَعَنْ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”المُدَوَّنَةِ“: إنْ قَذَفَ رَجُلًا فَلَمّا ضُرِبَ أسْواطًا قَذَفَهُ ثانِيًا أوْ آخَرَ ابْتُدِئَ الحَدُّ عَلَيْهِ ثَمانِينَ مِن حِينِ يَقْذِفُهُ، ولا يُعْتَدُّ بِما مَضى مِنَ السِّياطِ.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: الظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ لِجَماعَةٍ: أحَدُكم زانٍ أوِ ابْنُ زانِيَةٍ لا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ واحِدًا فَلَمْ تَلْحَقِ المَعَرَّةُ واحِدًا مِنهم، فَإنْ طَلَبُوا إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ جَمِيعًا لا يُحَدُّ، لِأنَّهُ لَمْ يَرْمِ واحِدًا مِنهم بِعَيْنِهِ، ولَمْ يُعَرِّفْ مَن أرادَ بِكَلامِهِ، نَقَلَهُ المَوّاقُ عَنِ الباجِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المَوّازِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ كَما تَرى، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ في قَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما لا حَدَّ فِيهِ، أوْ قالَ لِجَماعَةٍ: أحَدُكم زانٍ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإذا قالَ مَن رَمانِي فَهو ابْنُ الزّانِيَةِ فَرَماهُ رَجُلٌ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ. وكَذَلِكَ إنِ اخْتَلَفَ رَجُلانِ في شَيْءٍ، فَقالَ أحَدُهُما: الكاذِبُ هو ابْنُ الزّانِيَةِ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أحَدًا بِالقَذْفِ، وكَذَلِكَ ما أشْبَهَ هَذا، ولَوْ قَذَفَ جَماعَةً لا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ في قَذْفِهِمْ مِثْلَ أنْ يَقْذِفَ أهْلَ بَلْدَةٍ كَثِيرَةٍ بِالزِّنى كُلَّهم، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُلْحِقِ العارَ بِأحَدٍ غَيْرِ نَفْسِهِ لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ، انْتَهى مِنهُ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا فِيمَن قالَ لِرَجُلٍ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ، فَهو قاذِفٌ لَهُما، وعَلَيْهِ حَدّانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ أزَنى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وهي تَدُلُّ عَلى اشْتِراكِ المُفَضَّلِ، والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في أصْلِ الفِعْلِ، إلّا أنَّ المُفَضَّلَ أفْضَلُ فِيهِ مِن صاحِبِهِ المُشارِكِ لَهُ فِيهِ، فَمَعْنى كَلامِهِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ في صِيغَةِ التَّفْضِيلِ: أنْتَ وفُلانٌ زانِيانِ، ولَكِنَّكَ تَفُوقُهُ في الزِّنى، وكَوْنُ هَذا قَذْفًا لَهُما واضِحٌ، كَما تَرى. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ أحَدَ الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ أنَّهُ يُحَدُّ لِلْمُخاطَبِ فَقَطْ، دُونَ فُلانٍ المَذْكُورِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ما عَزاهُ ابْنُ قُدامَةَ لِلشّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ لِلْأوَّلِ، ولا لِلثّانِي إلّا أنْ يُرِيدَ بِهِ القَذْفَ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ولا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ قَذْفٌ صَرِيحٌ لَهُما بِعِبارَةٍ واضِحَةٍ، لا إشْكالَ فِيها.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ مُحْتَجًّا لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ الحَنابِلَةِ: أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الثّانِي، ما نَصُّهُ: والثّانِي يَكُونُ قَذْفًا لِلْمُخاطَبِ خاصَّةً؛ لِأنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالفِعْلِ؛ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى (p-٤٤٧)﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، وقالَ لُوطٌ: ﴿بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، أيْ مِن أدْبارِ الرِّجالِ، ولا طَهارَةَ فِيها لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ هو ساقَهُ، ولَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ.
وَحاصِلُ الِاحْتِجاجِ المَذْكُورِ: أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ قَدْ تَرِدُ مُرادًا بِها مُطْلَقُ الوَصْفِ لا حُصُولُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومَثَّلَ لَهُ هو بِكَلِمَةِ: ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ﴾ وكَلِمَةِ: ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ وكَلِمَةِ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ لِمُطْلَقِ الوَصْفِ لا لِلتَّفْضِيلِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: لا يَخْفى أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ قَدْ تَرِدُ لِمُطْلَقِ الوَصْفِ، كَما هو مَعْلُومٌ، ومِن أمْثِلَتِهِ الآياتُ الَّتِي ذَكَرَها صاحِبُ ”المُغْنِي“، ولَكِنَّها لا تُحْمَلُ عَلى غَيْرِ التَّفْضِيلِ، إلّا بِدَلِيلٍ خارِجٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرَ مَعْلُومٌ أنَّها لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا نَصِيبَ لَها مِن أحَقِّيَّةِ الِاتِّباعَ أصْلًا في قَوْلِهِ: ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ولِأنَّ الكَفّارَ لا نَصِيبَ لَهم في الأحَقِّيَّةِ بِالأمْنِ، ولِأنَّ أدْبارَ الرِّجالِ لا نَصِيبَ لَها في الطَّهارَةِ.
وَمِن أمْثِلَةِ وُرُودِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِمُطْلَقِ الوَصْفِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، أيْ: هَيِّنٌ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الشَّنْفَرى:
؎وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِيِ إلى الزّادِ لَمْ أكُنْ بِأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أعْجَلُ
أيْ: لَمْ أكُنْ بِالعَجِلِ مِنهم، وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وقَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ
أيْ: لَوَجِلٌ، وقَوْلُ الأحْوَصِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأنْصارِيِّ:
؎إنِّي لِأمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ
أيْ: لَمائِلٌ، وقَوْلُ الآخَرِ:
(p-٤٤٨)تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ.
أيْ: بِواحِدٍ، وقالَ الآخَرُ:
؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ
أيْ: وفاضِلٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّواهِدِ، ولَكِنْ قَدَّمْنا أنَّها لا تُحْمَلُ عَلى مُطْلَقِ الوَصْفِ، إلّا لِدَلِيلٍ خارِجٍ، أوْ قَرِينَةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ لَهُ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ، لَيْسَ هُناكَ قَرِينَةٌ، ولا دَلِيلٌ صارِفٌ لِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ عَنْ أصْلِها، فَوَجَبَ إبْقاؤُها عَلى أصْلِها، وحَدُّ القاذِفِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والإتْيانُ بِلَفْظَةِ مِن في قَوْلِهِ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ، يُوَضِّحُ صَراحَةً الصِّيغَةَ في التَّفْضِيلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ رَمْيُ المُلاعَنَةِ بِالزِّنى، ولا رَمْيُ ولَدِها بِأنَّهُ ابْنُ زِنًى، ومَن رَمى أحَدَهُما فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْها زِنًى، ولا عَلى ولَدِها أنَّهُ ابْنُ زِنًى، وإنَّما انْتَفى نَسَبُهُ عَنِ الزَّوْجِ بِلِعانِهِ.
وَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، ثَنا عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَجاءَ مِن أرْضِهِ عَشِيًّا فَوَجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ رَجُلًا فَرَأى بِعَيْنِهِ وسَمِعَ بِأُذُنِهِ. .، الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقَضى ألّا يُدْعى ولَدُها لِأبٍّ، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولَدُها ومَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ» . . إلى آخِرِ الحَدِيثِ، وفي هَذا الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ مَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ.
واعْلَمْ: أنَّ ما نَقَلَهُ الشَّيْخُ الحَطّابُ عَنْ بَعْضِ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مِن أنَّ مَن قالَ لِابْنِ مُلاعَنَةٍ: لَسْتَ لِأبِيكَ الَّذِي لاعَنَ أُمَّكَ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ خِلافُ التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ المُلاعِنَ يَنْتَفِي عَنْهُ نَسَبُ الوَلَدِ بِاللِّعانِ، فَنَفْيُهُ عَنْهُ حَقٌّ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، ولِذا لا يَتَوارَثانِ، ومَن قالَ كَلامًا حَقًّا، فَإنَّهُ لا يَسْتَوْجِبُ الحَدَّ بِذَلِكَ؛ كَما لَوْ قالَ لَهُ: يا مَن نَفاهُ زَوْجُ أُمِّهِ، أوْ يا ابْنَ مُلاعَنَةٍ، أوْ يا ابْنَ مَن لُوعِنَتْ؛ وإنَّما يَجِبُ الحَدُّ عَلى قاذِفِهِ، فِيما لَوْ قالَ: أنْتَ ابْنُ زِنًى ونَحْوَها مِن صَرِيحِ القَذْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٤٤٩)المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: في حُكْمِ ما لَوْ قالَ لِرَجُلٍ: يا زانِيَةُ بِتاءِ الفَرْقِ، أوْ قالَ لِامْرَأةٍ: يا زانِي، بِلا تاءٍ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: هو قَذْفٌ صَرِيحٌ لِكُلٍّ مِنهُما، قالَ: واخْتارَ هَذا أبُو بَكْرٍ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، واخْتارَ ابْنُ حامِدٍ أنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ إلّا أنْ يُفَسِّرَهُ بِهِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: يا زانِيَةُ، أيْ: يا عَلّامَةُ في الزِّنا؛ كَما يُقالُ لِلْعالِمِ: عَلّامَةٌ، ولِكَثِيرِ الرِّوايَةِ: راوِيَةٌ، ولِكَثِيرِ الحِفْظِ: حَفِظَةٌ، ولَنا أنَّ ما كانَ قَذْفًا لِأحَدِ الجِنْسَيْنِ كانَ قَذْفًا لِلْآخَرِ؛ كَقَوْلِهِ: زَنَيْتَ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِها لَهُما جَمِيعًا، ولِأنَّ هَذا اللَّفْظَ خِطابٌ لَهُما وإشارَةٌ إلَيْهِما بِلَفْظِ الزِّنا، وذَلِكَ يُغْنِي عَنِ التَّمْيِيزِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وحَذْفِها، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ لِلْمَرْأةِ: يا شَخْصًا زانِيًا، ولِلرَّجُلِ: يا نَسَمَةً زانِيَةً، كانَ قاذِفًا، وقَوْلُهم: إنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ عَلّامَةٌ في الزِّنا لا يَصِحُّ فَإنَّما كانَ اسْمًا لِلْفِعْلِ، إذا دَخَلَتْهُ الهاءُ كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِمْ: حَفِظَةٌ لِلْمُبالِغِ في الحِفْظِ، وراوِيَةٌ لِلْمُبالِغِ في الرِّوايَةِ، وكَذَلِكَ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ وصُرَعَةٌ؛ ولِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُذَكِّرُ المُؤَنَّثَ ويُؤَنِّثُ المُذَكَّرَ، ولا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ المُخاطَبِ بِهِ مُرادًا بِما يُرادُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”المُغْنِي“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي فِيمَن قالَ لِذَكَرٍ: يا زانِيَةُ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ، أوْ قالَ لِامْرَأةٍ: يا زانِي بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ، أنَّهُ يَلْزَمُهُ الحَدُّ.
وَإيضاحُهُ أنَّ القاذِفَ بِالعِبارَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لا يَخْلُو مِن أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ عامِّيًّا لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، أوْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَإنْ كانَ عامِّيًّا فَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ عالِمٍ بِالفَرْقِ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، ونِداؤُهُ لِلشَّخْصِ بِلَفْظِ الزِّنى ظاهِرٌ في قَصْدِهِ قَذْفَهُ.
وَإنْ كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ، فاللَّهُ يَكْثُرُ فِيها إطْلاقُ وصْفِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى بِاعْتِبارِ كَوْنِها شَخْصًا.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ أمْثِلَةِ ذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤]، ومِمّا ذَكَرْنا مِنَ الشَّواهِدِ هُناكَ قَوْلُ حَسّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎مَنَعَ النَّوْمَ بِالعِشاءِ الهُمُومُ وخَيالٌ إذا تَغارُ النُّجُومُ
؎مِن حَبِيبٍ أصابَ قَلْبَكَ مِنهُ ∗∗∗ سَقَمٌ فَهو داخِلٌ مَكْتُومُ
وَمُرادُهُ بِالحَبِيبِ أُنْثى، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ:
؎لَمْ تَفُتْها شَمْسُ النَّهارِ بِشَيْءٍ ∗∗∗ غَيْرَ أنَّ الشَّبابَ لَيْسَ يَدُومُ
(p-٤٥٠)وَقَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎لَئِنْ كانَ يَرِدُ الماءَ هَيْمانَ صادِيًا ∗∗∗ إلَيَّ حَبِيبًا إنَّها لَحَبِيبُ
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ مَلِيحِ بْنِ الحَكَمِ الهُذَلِيِّ:
؎وَلَكِنَّ لَيْلى أهْلَكَتْنِي بِقَوْلِها ∗∗∗ نَعَمْ ثُمَّ لَيْلى الماطِلُ المُتَبَلِّحُ
يَعْنِي لَيْلى الشَّخْصُ الماطِلُ المُتَبَلِّحُ.
وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ حِزامٍ العُذْرِيِّ:
؎وَعَفْراءُ أرْجى النّاسِ عِنْدِي مَوَدَّةً ∗∗∗ وعَفْراءُ عَنِّي المُعْرِضُ المُتَوانِي
أيِ: الشَّخْصُ المُعْرِضُ.
وَإذا كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ تَذْكِيرُ وصْفِ الأُنْثى بِاعْتِبارِ الشَّخْصِ كَما رَأيْتَ أمْثِلَتَهُ، فَكَذَلِكَ لا مانِعَ مِن تَأْنِيثِهِمْ صِفَةَ الذَّكَرِ بِاعْتِبارِ النَّسَمَةِ أوِ النَّفْسِ، ووُرُودُ ذَلِكَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ مَعَ تَذْكِيرِ المَعْنى مَعْرُوفٌ؛ كَقَوْلِهِ:
؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ
* *
المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ مَن رَمى رَجُلًا قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنى سابِقًا أوِ امْرَأةً، قَدْ ثَبَتَ عَلَيْها الزِّنى سابِقًا بِبَيِّنَةٍ، أوْ إقْرارٍ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صادِقٌ، ولِأنَّ إحْصانَ المَقْذُوفِ قَدْ زالَ بِالزِّنى، ويَدُلُّ لِهَذا مَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، فَهو يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّ مَن رَمى غَيْرَ مُحْصَنَةٍ لا حَدَّ عَلَيْهِ، وهو كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَلْزَمُ تَعْزِيرُهُ؛ لِأنَّهُ رَماهُ بِفاحِشَةٍ ولَمْ يُثْبِتْها، ولا يُتْرَكُ عِرْضُ مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنى سابِقًا مُباحًا لِكُلِّ مَن شاءَ أنْ يَرْمِيَهُ بِالزِّنى دُونَ عُقُوبَةٍ رادِعَةٍ، كَما تَرى.
* *
المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ مُشْرِكًا وزَنى في شِرْكِهِ، أوْ كانَ مَجُوسِيًّا ونَكَحَ أُمَّهُ أوِ ابْنَتَهُ مَثَلًا في حالِ كَوْنِهِ مَجُوسِيًّا، ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَماهُ أحَدٌ بِالزِّنى بَعْدَ إسْلامِهِ، فَلَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَقُولَ لَهُ: يا مَن زَنى في أيّامِ شِرْكِهِ أوْ يا مَن نَكَحَ أُمَّهُ مَثَلًا في أيّامِهِ مَجُوسِيًّا، وهَذِهِ الصُّورَةُ لا حَدَّ فِيها؛ لِأنَّ صاحِبَها أخْبَرَ بِحَقٍّ والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
(p-٤٥١)الثّانِيَةُ: أنْ يَقُولَ لَهُ: يا مَن زَنى بَعْدَ إسْلامِهِ أوْ نَكَحَ أُمَّهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ؛ كَما لا يَخْفى.
الثّالِثَةُ: أنْ يَقُولَ لَهُ: يا زانِي، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ ذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ أوْ بَعْدَهُ، فَإنْ فَسَّرَهُ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ زَنى بَعْدَ إسْلامِهِ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وإنْ قالَ: أرَدْتُ بِذَلِكَ زِناهُ في زَمَنِ شِرْكِهِ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنهُ هَذا التَّفْسِيرُ، ويَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، أوْ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، ويُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، اهـ، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّهُ يُحَدُّ ولا يُلْتَفَتُ إلى تَفْسِيرِهِ ذَلِكَ: مالِكٌ وأصْحابُهُ، وصَرَّحَ بِهِ الخِرَقِيُّ مِنَ الحَنابِلَةِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: لا حَدَّ عَلَيْهِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الخِرَقِيَّ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ الخِرَقِيِّ: ومَن قَذَفَ مَن كانَ مُشْرِكًا، وقالَ: أرَدْتُ أنَّهُ زَنى وهو مُشْرِكٌ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِ، وحَدُّ القاذِفِ إذا طالَبَ المَقْذُوفَ، وكَذَلِكَ مَن كانَ عَبْدًا، انْتَهى.
* *
المَسْألَةُ العِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ مَن قَذَفَ بِنْتًا غَيْرَ بالِغَةٍ بِالزِّنى، أوْ قَذَفَ بِهِ ذَكَرًا غَيْرَ بالِغٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ يَجِبُ عَلى القاذِفِ الحَدُّ أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ ؟ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: إذا رَمى صَبِيَّةً يُمْكِنُ وطْؤُها قَبْلَ البُلُوغِ بِالزِّنى كانَ قَذْفًا عِنْدَ مالِكٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: لَيْسَ بِقَذْفٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِزِنًى إذْ لا حَدَّ عَلَيْها ويُعَزَّرُ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: والمَسْألَةُ مُحْتَمِلَةٌ مُشْكِلَةٌ لَكِنَّ مالِكًا غَلَّبَ حِمايَةَ عِرْضِ المَقْذُوفِ، وغَيْرَهُ راعى حِمايَةَ ظَهْرِ القاذِفِ، وحِمايَةُ عِرْضِ المَقْذُوفِ أوْلى؛ لِأنَّ القاذِفَ كَشَفَ سِتْرَهُ بِطَرَفِ لِسانِهِ فَلَزِمَهُ الحَدُّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وقالَ أحْمَدُ في الجارِيَةِ بِنْتِ تِسْعٍ، يُحَدُّ قاذِفُها، وكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذا بَلَغَ عَشْرًا ضُرِبَ قاذِفُهُ، قالَ إسْحاقُ: إذا قَذَفَ غُلامًا يَطَأُ مِثْلُهُ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، والجارِيَةُ إذا جاوَزَتْ تِسْعًا مِثْلُ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا يُحَدُّ مَن قَذَفَ مَن لَمْ يَبْلُغْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، ويُعَزَّرُ عَلى الأذى، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَإذا عَرَفْتَ مِمّا ذَكَرْنا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في المَسْألَةِ، فاعْلَمْ أنَّ أظْهَرَها عِنْدَنا قَوْلُ ابْنِ المُنْذِرِ: إنَّهُ لا يُحَدُّ ولَكِنْ يُعَزَّرُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ، ولا مَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، ولَوْ جاءَ قاذِفُ الصَّبِيِّ بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلى الصَّبِيِّ بِالزِّنى فَلا حَدَّ عَلَيْهِ إجْماعًا، ولَوْ كانَ قَذَفَهُ قَذْفًا عَلى الحَقِيقَةِ لَلَزِمَهُ الحَدُّ بِإقامَةِ القاذِفِ البَيِّنَةَ عَلى زِناهُ، وإنْ خالَفَ في هَذا جَمْعٌ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ، ولَكِنَّهُ يُعَزَّرُ التَّعْزِيرَ البالِغَ الرّادِعَ لَهُ، ولِغَيْرِهِ عَنْ قَذْفِ مَن لَمْ يَبْلُغْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٤٥٢)المَسْألَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ فِيما لَوْ قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ زَنَأْتَ بِالهَمْزَةِ، أنَّ القاذِفَ إنَّ كانَ عامِّيًّا لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُعْتَلِّ والمَهْمُوزِ أنَّهُ يُحَدُّ لِظُهُورِ قَصْدِهِ لِقَذْفِهِ بِالزِّنى، وإنْ كانَ عالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ، وقالَ: إنَّما أرَدْتُ بِقَوْلِي: زَنَأْتَ بِالهَمْزَةِ مَعْناهُ اللُّغَوِيَّ، ومَعْنى زَنَأْتَ بِالهَمْزَةِ: لَجَأْتَ إلى شَيْءٍ، أوْ صَعِدْتَ في جَبَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ المِنقَرِيِّ يُرَقِّصُ ابْنَهُ حَكِيمًا وهو صَغِيرٌ:
؎أشْبِهْ أبا أُمِّكَ أوْ أشْبِهْ حَمَلْ ولا تَكُونَنَّ كَهِلَّوْفٍ وكَلْ
؎يُصْبِحُ في مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلْ ∗∗∗ وارْقَ إلى الخَيْراتِ زَنَأً في الجَبَلْ
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ: زَنَأً في الجَبَلِ أيْ صُعُودًا فِيهِ، والهِلَّوْفُ الثَّقِيلُ الجافِي العَظِيمُ اللِّحْيَةِ، والوَكَلُ الَّذِي يَكِلُ أمْرَهُ إلى غَيْرِهِ، وزَعَمَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ هَذا الرَّجَزَ لِأُمِّ الصَّبِيِّ المَذْكُورِ تُرَقِّصُهُ بِهِ وهي مَنفُوسَةُ ابْنَةُ زَيْدِ الفَوارِسِ، ورَدَّ ذَلِكَ عَلى الجَوْهَرِيِّ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ، ورَواهُ هو وغَيْرُهُ عَلى ما ذَكَرْنا، قالَ: وقالَتْ أُمُّهُ تَرُدُّ عَلى أبِيهِ:
؎أشْبِهْ أخِي أوْ أشْبِهَنَّ أباكا
؎أمّا أبِي فَلَنْ تَنالَ ذاكا ∗∗∗ تَقْصُرُ أنْ تَنالَهُ يَداكا
قالَهُ في اللِّسانِ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: فَمَن نَفى رَجُلًا عَنْ جَدِّهِ أوْ عَنْ أُمِّهِ أوْ نَسَبَهُ إلى شِعْبٍ غَيْرِ شِعْبِهِ، أوْ قَبِيلَةٍ غَيْرِ قَبِيلَتِهِ، فَذَهَبَ مالِكٌ: أنَّهُ إنْ نَفاهُ عَنْ أُمِّهِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْها الزِّنا، ولَمْ يَنْفِ نَسَبَهُ عَنْ أبِيهِ، وإنْ نَفاهُ عَنْ جَدِّهِ لَزِمَهُ الحَدُّ، ولا حَدَّ عِنْدَهُ في نِسْبَةِ جِنْسٍ لِغَيْرِهِ، ولَوْ أبْيَضَ لِأسْوَدَ، قالَ في ”المُدَوَّنَةِ“: إنْ قالَ لِفارِسِيٍّ: يا رُومِيُّ أوْ يا حَبَشِيُّ، أوْ نَحْوَ هَذا لَمْ يُحَدَّ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: اخْتُلِفَ عَنْ مالِكٍ في هَذا، وإنِّي أرى ألّا حَدَّ عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَقُولَ: يا ابْنَ الأسْوَدِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في آبائِهِ أسْوَدُ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وأمّا إنْ نَسَبَهُ إلى حَبَشِيٍّ؛ كَأنْ قالَ: يا ابْنَ الحَبَشِيِّ وهو بَرْبَرِيٌّ، فالحَبَشِيُّ والرُّومِيُّ في هَذا سَواءٌ، إذا كانَ بَرْبَرِيًّا.
وَقالَ ابْنُ يُونُسَ: وسَواءٌ قالَ: يا حَبَشِيُّ أوْ يا ابْنَ الحَبَشِيِّ والرُّومِيِّ، أوْ يا ابْنَ الرُّومِيِّ، فَإنَّهُ لا يُحَدُّ، وكَذَلِكَ عَنْهُ في كِتابِ مُحَمَّدٍ، قالَ الشَّيْخُ المَوّاقُ: هَذا ما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بِهِ الفَتْوى عَلى طَرِيقَةِ ابْنِ يُونُسَ، فانْظُرْهُ أنْتَ، اهـ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن عَدَمِ حَدِّ مَن نَسَبَ جِنْسًا إلى غَيْرِهِ هو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وقَدْ (p-٤٥٣)نَصَّ عَلَيْهِ في المُدَوَّنَةِ، ومَحَلُّ هَذا عِنْدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ.
قالَ مالِكٌ في ”المُدَوَّنَةِ“: مَن قالَ لِعَرَبِيٍّ: يا حَبَشِيُّ، أوْ يا فارِسِيُّ، أوْ يا رُومِيُّ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُنْسَبُ إلى آبائِها وهَذا نَفْيٌ لَها عَنْ آبائِها.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الفَرْقُ بَيْنَ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِ المَذْكُورِ عَنْ مالِكٍ لا يَتَّجِهُ كُلَّ الِاتِّجاهِ، ووَجْهُ كَوْنِ مَن قالَ لِرُومِيٍّ: يا حَبَشِيُّ مَثَلًا لا يُحَدُّ، أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مُرادَهُ أنَّهُ يُشْبِهُ الحَبَشِيَّ في بَعْضِ أخْلاقِهِ أوْ أفْعالِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ في العَرَبِيَّةِ، اهـ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إنْ نَفاهُ عَنْ جَدِّهِ لا حَدَّ عَلَيْهِ، بِأنْ قالَ لَهُ: لَسْتَ ابْنَ جَدِّكَ أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صادِقٌ إذْ هو ابْنُ أبِيهِ لا جَدِّهِ، وكَذَلِكَ لَوْ نَسَبَ جِنْسًا إلى غَيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ لِعَرَبِيٍّ: يا نَبَطِيُّ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَهُ عَلى المَشْهُورِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ إذا نَسَبَهُ لِقَبِيلَةٍ أُخْرى غَيْرِ قَبِيلَتِهِ أوْ نَفاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ بِتِلْكَ القَبِيلَةِ الَّتِي نَسَبُهُ لَها في الأخْلاقِ أوِ الأفْعالِ، أوْ عَدَمِ الفَصاحَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلا يَتَعَيَّنُ قَصْدُ القَذْفِ.
وَقالَ صاحِبُ ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ“: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قالَ لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ: يا نَبَطِيُّ، فَقالَ: لا حَدَّ عَلَيْهِ، اهـ، وكَذَلِكَ لا يُحَدُّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَن قالَ لِرَجُلٍ: يا ابْنَ ماءِ السَّماءِ، أوْ نَسَبَهُ إلى عَمِّهِ أوْ خالِهِ خِلافًا لِلْمالِكِيَّةِ ومَن وافَقَهُمُ القائِلِينَ بِحَدِّ مَن نَسَبَهُ لِعَمِّهِ ونَحْوِهِ، أوْ زَوْجِ أُمِّهِ الَّذِي هو رَبِيبُهُ؛ لِأنَّ العَمَّ والخالَ كِلاهُما كالأبِّ في الشَّفَقَةِ، وقَدْ يُرِيدُ التَّشْبِيهَ بِالأبِّ في المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ، وقَوْلُهُ: ابْنُ ماءِ السَّماءِ، فَإنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ في الجُودِ والسَّماحَةِ والصَّفاءِ، قالُوا: وكانَ عامِرُ بْنُ حارِثَةَ: يُلَقَّبُ بِماءِ السَّماءِ لِكَرَمِهِ، وأنَّهُ يُقِيمُ مالَهُ في القَحْطِ مَقامَ المَطَرِ، قالُوا: وسُمِّيَتْ أُمُّ المُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ بِماءِ السَّماءِ، لِحُسْنِها وجَمالِها، وقِيلَ لِأوْلادِها بَنِي ماءِ السَّماءِ وهم مُلُوكُ العِراقِ، اهـ، وإنْ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في ذَلِكَ لِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى جَدِّهِ؛ كَما هو واقِعٌ بِكَثْرَةٍ عَلى مَرِّ الأزْمِنَةِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، اهـ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ: أنَّهُ إنْ نَفاهُ عَنْ أُمِّهِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ.
واخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَن نَفى رَجُلًا عَنْ قَبِيلَتِهِ أوْ نَسَبَ جِنْسًا لِغَيْرِهِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإذا نَفى رَجُلًا عَنْ أبِيهِ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وكَذَلِكَ إذا نَفاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ، وبِهَذا قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وحَمّادٌ، اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ الخِلافَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، والمَشْهُورَ عَنْهُ بِما ذَكَرْناهُ قَرِيبًا، ثُمَّ قالَ ابْنُ قُدامَةَ (p-٤٥٤)فِي ”المُغْنِي“: والقِياسُ يَقْتَضِي ألّا يَجِبَ الحَدُّ بِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ؛ ولِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّمْيُ بِالزِّنا، فَأشْبَهَ ما لَوْ قالَ لِأعْجَمِيٍّ: إنَّكَ عَرَبِيٌّ، ولَوْ قالَ لِلْعَرَبِيِّ: أنْتَ نَبَطِيٌّ أوْ فارِسِيٌّ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّكَ نَبَطِيُّ اللِّسانِ أوِ الطَّبْعِ، وحُكِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ كَما لَوْ نَفاهُ عَنْ أبِيهِ، والأوَّلُ أصَحُّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ القَذْفِ احْتِمالًا كَثِيرًا فَلا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ، ومَتى فَسَّرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِالقَذْفِ فَهو قاذِفٌ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“ .
وَإذا عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في هَذا، فاعْلَمْ أنَّ المَسْألَةَ لَيْسَتْ فِيها نُصُوصٌ مِنَ الوَحْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ما احْتَمَلَ غَيْرَ القَذْفِ مِن ذَلِكَ لا يُحَدُّ صاحِبُهُ؛ لِأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ واحْتِمالُ الكَلامِ غَيْرَ القَذْفِ لا يَقِلُّ عَنْ شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ ”: «لا أُوتى بِرَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ قُرَيْشًا لَيْسَتْ مِن كِنانَةَ إلّا جَلَدْتُهُ»“، اهـ، وانْظُرْ إسْنادَهُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ: في أحْكامِ كَلِماتٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَن قالَ لِرَجُلٍ: يا قَرْنانُ، أوْ يا دَيُّوثُ، أوْ يا كَشْخانُ، أوْ يا قَرْطَبانُ، أوْ يا مَعْفُوجُ، أوْ يا قَوّادُ، أوْ يا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبانِ، أوْ يا ابْنَ ذاتِ الرّاياتِ، أوْ يا مُخَنَّثُ، أوْ قالَ لِامْرَأةٍ: يا قَحْبَةُ.
اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ العِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ: هو أنْ مَن قالَ لِرَجُلٍ: يا قَرْنانُ، لَزِمَهُ حَدُّ القَذْفِ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَبَتْهُ؛ لِأنَّ القَرْنانَ عِنْدَ النّاسِ زَوْجُ الفاعِلَةِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ لِامْرَأةٍ: يا قَحْبَةُ، لَزِمَهُ الحَدُّ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: يا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبانِ، أوْ يا ابْنَ ذاتِ الرّاياتِ، كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ حَدُّ القَذْفِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، قالُوا: لِأنَّ الزّانِيَةَ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ تُنْزِلُ الرُّكْبانَ، وتَجْعَلُ عَلى بابِها رايَةً، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ لَهُ: يا مُخَنَّثُ، لَزِمَهُ الحَدُّ إنْ لَمْ يَحْلِفْ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، فَإنْ حَلَفَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ أُدِّبَ، ولَمْ يُحَدَّ. قالَهُ في ”المُدَوَّنَةِ“، وإنْ قالَ لَهُ: يا ابْنَ الفاسِقَةِ، أوْ يا ابْنَ الفاجِرَةِ، أوْ يا فاسِقُ، أوْ يا فاجِرُ أوْ يا حِمارُ ابْنَ الحِمارِ، أوْ يا كَلْبُ، أوْ يا ثَوْرُ، أوْ يا خِنْزِيرُ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا رادِعًا حَسْبَما يَراهُ الإمامُ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ لَوْ قالَ لَهُ: يا فاسِقُ، يا كافِرُ، يا خَبِيثُ، يا لِصُّ، يا فاجِرُ، يا مُنافِقُ، يا لُوطِيُّ، يا مَن يَلْعَبُ بِالصِّبْيانِ، يا آكِلَ الرِّبا، يا شارِبَ الخَمْرِ، يا دَيُّوثُ، يا مُخَنَّثُ، يا خائِنُ، يا ابْنَ القَحْبَةِ، يا زِنْدِيقُ، يا قَرْطَبانُ، يا مَأْوى الزَّوانِي أوِ اللُّصُوصِ، يا حَرامُ، (p-٤٥٥)أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، وعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وآكَدُ التَّعْزِيرِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ سَوْطًا، وأمّا لَوْ قالَ لَهُ: يا كَلْبُ، يا تَيْسُ، يا حِمارُ، يا خِنْزِيرُ، يا بَقَرُ، يا حَيَّةُ، يا حَجّامُ، يا بَبْغاءُ، يا مُؤاجِرُ، يا ولَدَ الحَرامِ، يا عَيّارُ، يا ناكِسُ، يا مَنكُوسُ، يا سُخْرَةُ، يا ضُحَكَةُ، يا كَشْخانُ، يا أبْلَهُ، يا مَسُوسُ؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، ولا يُعَزَّرُ بِها، قالَ صاحِبُ ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ“: لا يُعَزَّرُ بِهَذِهِ الألْفاظِ كُلِّها؛ لِأنَّ مِن عادَتِهِمْ إطْلاقَ الحِمارِ ونَحْوِهِ بِمَعْنى البَلادَةِ والحِرْصِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ولا يُرِيدُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ، ألا تَرى أنَّهم يُسَمُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: عِياضُ بْنُ حِمارٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ وجَمَلٌ؛ ولِأنَّ المَقْذُوفَ لا يَلْحَقُهُ شَيْنٌ بِهَذا الكَلامِ، وإنَّما يَلْحَقُ بِالقاذِفِ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ آدَمِيٌّ، ولَيْسَ بِكَلْبٍ ولا حِمارٍ وأنَّ القاذِفَ كاذِبٌ في ذَلِكَ، وحَكى الهِنْدُوانِيُّ أنَّهُ يُعَزَّرُ في زَمانِنا في مِثْلِ قَوْلِهِ: يا كَلْبُ، يا خِنْزِيرُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الشَّتْمُ في عُرْفِنا.
وَقالَ شَمْسُ الأئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الأصَحُّ عِنْدِي أنَّهُ لا يُعَزَّرُ، وقِيلَ: إنْ كانَ المَنسُوبُ إلَيْهِ مِنَ الأشْرافِ كالفُقَهاءِ والعَلَوِيَّةِ يُعَزَّرُ؛ لِأنَّهُ يُعَدُّ شَيْنًا في حَقِّهِ، وتَلْحَقُهُ الوَحْشَةُ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ مِنَ العامَّةِ لا يُعَزَّرُ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، ومِنَ الألْفاظِ الَّتِي لا تُوجِبُ التَّعْزِيرَ قَوْلُهُ: يا رُسْتاقِيُّ، ويا ابْنَ الأسْوَدِ، ويا ابْنَ الحَجّامِ، وهو لَيْسَ كَذَلِكَ، اهـ مِن ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقائِقِ في الفِقْهِ الحَنَفِيِّ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أمّا الألْفاظُ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْهم أنَّها تُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَوُجُوبُ التَّعْزِيرِ بِها كَما ذَكَرُوا واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا الألْفاظُ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْهم أنَّها لا تَعْزِيرَ فِيها، فالأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّها يَجِبُ فِيها التَّعْزِيرُ؛ لِأنَّها كُلُّها شَتْمٌ وعَيْبٌ، ولا يَخْفى أنَّ مَن قالَ لِإنْسانٍ: يا كَلْبُ، يا خِنْزِيرُ، يا حِمارُ، يا تَيْسُ، يا بَقَرُ، إلى آخِرِهِ، أنَّ هَذا شَتْمٌ واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ الإنْسانَ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ، ولَكِنَّ مُرادَهُ تَشْبِيهُ الإنْسانِ بِالكَلْبِ والخِنْزِيرِ في الخِسَّةِ والصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ كَما لا يَخْفى، فَهو مِن نَوْعِ التَّشْبِيهِ الَّذِي يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ تَشْبِيهًا بَلِيغًا ولا شَكَّ أنَّ عاقِلًا قِيلَ لَهُ: يا كَلْبُ، أوْ يا خِنْزِيرُ مَثَلًا أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ، ولا يُشَكُّ أنَّهُ شَتْمٌ، فَهو أذًى ظاهِرٌ، وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ التَّعْزِيرُ في الألْفاظِ المَذْكُورَةِ، وكَوْنُهم يُسَمُّونَ الرَّجُلَ حِمارًا أوْ كَلْبًا لا يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُسَمِّي ابْنَهُ باسِمٍ قَبِيحٍ لا يَرْضى غَيْرُهُ أنْ يُعابَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إنْ قالَ لِرَجُلٍ: يا ابْنَ الأسْوَدِ، ولَيْسَ أبُوهُ ولا أحَدٌ مِن أجْدادِهِ بِأسْوَدَ، أنَّهُ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِنَسَبِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يا ابْنَ الحَجّامِ إنْ لَمْ يَكُنْ أبُوهُ ولا أحَدٌ مِن أجْدادِهِ حَجّامًا فَهو قَذْفٌ؛ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِنَسَبِهِ وإلْصاقٌ لَهُ بِأسْوَدَ أوْ حَجّامٍ لَيْسَ (p-٤٥٦)بَيْنَهُ وبَيْنَهُ نَسَبٌ؛ كَما هو قَوْلُ المالِكِيَّةِ ومَن وافَقَهم.
وَقالَ صاحِبُ ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ“: وتَفْسِيرُ القَرْطَبانِ هو الَّذِي يَرى مَعَ امْرَأتِهِ أوْ مَحْرَمِهِ رَجُلًا، فَيَدَعُهُ خالِيًا بِها، وقِيلَ: هو السَّبَبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَمْدُوحٍ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَبْعَثُ امْرَأتَهُ مَعَ غُلامٍ بالِغٍ أوْ مَعَ مُزارِعِهِ إلى الضَّيْعَةِ، أوْ يَأْذَنُ لَهُما بِالدُّخُولِ عَلَيْها في غَيْبَتِهِ، اهـ مِنهُ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإنْ قالَ لِرَجُلٍ: يا دَيُّوثُ، أوْ يا كَشْخانُ، فَقالَ أحْمَدُ: يُعَزَّرُ، وقالَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ: الدَّيُّوثُ الَّذِي يُدْخِلُ الرِّجالَ عَلى امْرَأتِهِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: القَرْطَبانُ الَّذِي يَرْضى أنْ يَدْخُلَ الرِّجالُ عَلى امْرَأتِهِ، وقالَ: القَرْنانُ والكَشْخانُ لَمْ أرَهُما في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْناهُ عِنْدَ العامَّةِ مِثْلُ مَعْنى الدَّيُّوثِ، أوْ قَرِيبٌ مِنهُ، فَعَلى القاذِفِ بِهِ التَّعْزِيرُ عَلى قِياسِ قَوْلِهِ في الدَّيُّوثِ؛ لِأنَّهُ قَذَفَهُ بِما لا حَدَّ فِيهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أبِيهِ في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يا قَرْنانُ إذا كانَ لَهُ أخَواتٌ، أوْ بَناتٌ في الإسْلامِ ضُرِبَ الحَدَّ، يَعْنِي أنَّهُ قاذِفٌ لَهُنَّ، وقالَ خالِدٌ عَنْ أبِيهِ: القَرْنانُ عِنْدَ العامَّةِ مَن لَهُ بَناتٌ، والكَشْخانُ: مَن لَهُ أخَواتٌ، يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ إذا كانَ يُدْخِلُ الرِّجالَ عَلَيْهِنَّ، والقَوّادُ عِنْدَ العامَّةِ: السِّمْسارُ في الزِّنى، والقَذْفُ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لِأنَّهُ قَذْفٌ بِما لا يُوجِبُ الحَدَّ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“، وقالَ في ”المُغْنِي“ أيْضًا المَنصُوصُ عَنْ أحْمَدَ فِيمَن قالَ: يا مَعْفُوجُ أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أنْ يُرْجَعَ إلى تَفْسِيرِهِ، فَإنْ فُسِّرَ بِغَيْرِ الفاحِشَةِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: أرَدْتُ يا مَفْلُوجُ، أوْ يا مُصابًا دُونَ الفَرْجِ ونَحْوَ هَذا، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ فَسَّرَهُ بِما لا حَدَّ فِيهِ، وإنْ فَسَّرَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ فَعَلَيْهِ الحَدُّ؛ كَما لَوْ صَرَّحَ بِهِ. وقالَ صاحِبُ ”القامُوسِ“: القَرْنانُ: الدَّيُّوثُ المُشارِكُ في قَرِينَتِهِ لِزَوْجَتِهِ، اهـ مِنهُ، وقالَ في ”القامُوسِ“ أيْضًا: القَرْطَبانُ بِالفَتْحِ الدَّيُّوثُ، والَّذِي لا غَيْرَةَ لَهُ أوِ القُوّادُ، اهـ مِنهُ، وقالَ في ”القامُوسِ“: والتَّدَيُّثُ القِيادَةُ، وفي ”القامُوسِ“ تَحْتَ الخَطِّ لا بَيْنَ قَوْسَيْنِ الكَشْخانُ ويُكْسَرُ: الدَّيُّوثُ، وكَشَّخَهُ تَكْشِيخًا، وكَشْخَنَهُ، قالَ لَهُ: يا كَشْخانُ، اهـ مِنهُ، وهو بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ في ”صِحاحِهِ“: والدَّيُّوثُ القُنْذُعُ وهو الَّذِي لا غَيْرَةَ لَهُ، اهـ مِنهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّحْقِيقَ في جَمِيعِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنا كَلامَ العُلَماءِ فِيها أنَّها تَتْبَعُ العُرْفَ الجارِيَ في البَلَدِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ، (p-٤٥٧)فَإنْ كانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ المُرادَ بِها الشَّتْمُ بِما لا يُوجِبُ الحَدَّ وجَبَ التَّعْزِيرُ؛ لِأجْلِ الأذى ولا حَدَّ، وإنْ كانَ عُرْفُهم أنَّها يُرادُ بِها الشَّتْمُ بِالزِّنى، أوْ نَفْيِ النَّسَبِ، وكانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا أنَّهُ هو المَقْصُودُ عُرْفًا، وجَبَ الحَدُّ؛ لِأنَّ العُرْفَ مُتَّبَعٌ في نَحْوِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]