Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — النمل 27:2 – الأحزاب 33:72

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. النمل 27:2
  2. النمل 27:7
  3. النمل 27:16
  4. النمل 27:25
  5. النمل 27:35
  6. النمل 27:40
  7. النمل 27:45
  8. النمل 27:46
  9. النمل 27:47
  10. النمل 27:49
  11. النمل 27:51
  12. النمل 27:54
  13. النمل 27:60
  14. النمل 27:65
  15. النمل 27:66
  16. النمل 27:76
  17. النمل 27:77
  18. النمل 27:80
  19. النمل 27:83
  20. النمل 27:84
  21. النمل 27:85
  22. النمل 27:86
  23. النمل 27:88
  24. النمل 27:89
  25. النمل 27:90
  26. النمل 27:91
  27. النمل 27:92
  28. النمل 27:93
  29. القصص 28:5
  30. القصص 28:8
  31. القصص 28:9
  32. القصص 28:29
  33. القصص 28:42
  34. القصص 28:56
  35. القصص 28:86
  36. القصص 28:88
  37. العنكبوت 29:1
  38. العنكبوت 29:4
  39. العنكبوت 29:8
  40. العنكبوت 29:10
  41. العنكبوت 29:12
  42. العنكبوت 29:15
  43. العنكبوت 29:17
  44. العنكبوت 29:25
  45. العنكبوت 29:27
  46. العنكبوت 29:31
  47. العنكبوت 29:33
  48. العنكبوت 29:36
  49. العنكبوت 29:38
  50. العنكبوت 29:41
  51. العنكبوت 29:45
  52. العنكبوت 29:46
  53. العنكبوت 29:51
  54. العنكبوت 29:53
  55. العنكبوت 29:56
  56. العنكبوت 29:57
  57. العنكبوت 29:58
  58. العنكبوت 29:60
  59. العنكبوت 29:61
  60. العنكبوت 29:65
  61. العنكبوت 29:67
  62. العنكبوت 29:69
  63. الروم 30:6
  64. الروم 30:8
  65. الروم 30:9
  66. الروم 30:10
  67. الروم 30:11
  68. الروم 30:13
  69. الروم 30:17
  70. الروم 30:19
  71. الروم 30:20
  72. الروم 30:21
  73. الروم 30:22
  74. الروم 30:23
  75. الروم 30:24
  76. الروم 30:28
  77. الروم 30:30
  78. الروم 30:39
  79. الروم 30:43
  80. الروم 30:52
  81. الروم 30:54
  82. الروم 30:55
  83. الروم 30:56
  84. الروم 30:57
  85. الروم 30:58
  86. الروم 30:60
  87. لقمان 31:1
  88. لقمان 31:7
  89. لقمان 31:10
  90. لقمان 31:11
  91. لقمان 31:13
  92. لقمان 31:15
  93. لقمان 31:18
  94. لقمان 31:19
  95. لقمان 31:20
  96. لقمان 31:21
  97. لقمان 31:25
  98. لقمان 31:27
  99. لقمان 31:28
  100. لقمان 31:32
  101. لقمان 31:33
  102. لقمان 31:34
  103. السجدة 32:3
  104. السجدة 32:5
  105. السجدة 32:11
  106. السجدة 32:12
  107. السجدة 32:13
  108. السجدة 32:22
  109. السجدة 32:26
  110. السجدة 32:27
  111. السجدة 32:28
  112. السجدة 32:30
  113. الأحزاب 33:1
  114. الأحزاب 33:4
  115. الأحزاب 33:6
  116. الأحزاب 33:7
  117. الأحزاب 33:9
  118. الأحزاب 33:22
  119. الأحزاب 33:25
  120. الأحزاب 33:30
  121. الأحزاب 33:31
  122. الأحزاب 33:33
  123. الأحزاب 33:37
  124. الأحزاب 33:41
  125. الأحزاب 33:47
  126. الأحزاب 33:50
  127. الأحزاب 33:53
  128. الأحزاب 33:63
  129. الأحزاب 33:64
  130. الأحزاب 33:72

النمل 27:2

(p-١٠٩)﷽‎ سُورَةُ النَّمْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .

النمل 27:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ . إلى آخِرِ القِصَّةِ، تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في ”مَرْيَمَ“ و ”طه“، و ”الأعْرافِ“ .

النمل 27:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا أنَّها وِراثَةُ عِلْمٍ ودِينٍ، لا وِراثَةَ مالٍ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٦] وبَيَّنّا هُناكَ الأدِلَّةَ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لا يُورَثُ عَنْهُمُ المالُ.

النمل 27:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ . تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الخَبْءُ في السَّماواتِ: المَطَرُ، والخَبْءُ في الأرْضِ: النَّباتُ، والمَعادِنُ، والكُنُوزُ، وهَذا المَعْنى مُلائِمٌ • لِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الخَبْءُ: السِّرُّ والغَيْبُ، أيْ: (p-١١٠)يَعْلَمُ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، • وكَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] • وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ الكِسائِيِّ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ بِتَشْدِيدِ اللّامِ في لَفْظَةِ (ألّا)، ولا خِلافَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ يَسْجُدُوا فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنصُوبٌ بِأنِ المُدْغَمَةِ في لَفْظَةِ لا، فالفِعْلُ المُضارِعُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وأنِ المَصْدَرِيَّةُ المُدْغَمَةُ في لا يَنْسَبِكُ مِنهُما مَصْدَرٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الأظْهَرِ، وقِيلَ في مَحَلِّ جَرٍّ وفي إعْرابِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾، مِن أجْلِ ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، أيْ: مِن أجْلِ عَدَمِ سُجُودِهِمْ لِلَّهِ، أوْ ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾، لِأجْلِ ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، وبِالأوَّلِ قالَ الأخْفَشُ. وبِالثّانِي قالَ الكِسائِيُّ، وقالَ اليَزِيدِيُّ وغَيْرُهُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أعْمالَهم، أيْ: وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم ألّا يَسْجُدُوا، أيْ: عَدَمَ سُجُودِهِمْ، وعَلى هَذا فَأعْمالُهم هي عَدَمُ سُجُودِهِمْ لِلَّهِ، وهَذا الإعْرابُ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّرْكَ عَمَلٌ؛ كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَصْدَرَ المَذْكُورَ في مَحَلِّ خَفْضٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ السَّبِيلِ، أوْ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَلَفْظَةُ (لا) صِلَةٌ، فَعَلى الأوَّلِ مِنهُما. فالمَعْنى: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ سُجُودِهِمْ لِلَّهِ، وعَلى هَذا فَسَبِيلُ الحَقِّ الَّذِي صُدُّوا عَنْهُ هو السُّجُودُ لِلَّهِ، (ولا) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وعَلى الثّانِي، فالمَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ؛ لِأنَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ، أيْ: لِلسُّجُودِ لَهُ، (ولا) زائِدَةٌ أيْضًا لِلتَّوْكِيدِ، ومَعْلُومٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن فِعْلٍ، ومَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ إنْ كانَ الفِعْلُ مَنفِيًّا ذُكِرَتْ لَفْظَةُ (عَدَمُ) قَبْلَ المَصْدَرِ، لِيُؤَدّى بِها مَعْنى النَّفْيِ الدّاخِلِ عَلى الفِعْلِ، فَقَوْلُكَ مَثَلًا: عَجِبْتُ مِن أنْ لا تَقُومَ، إذا سَبَكْتَ مَصْدَرَهُ لَزِمَ أنْ تَقُولَ: عَجِبْتُ مِن عَدَمِ قِيامِكَ، وإذا كانَ الفِعْلُ مُثْبَتًا لَمْ تَذْكُرْ مَعَ المَصْدَرِ لَفْظَةَ (عَدَمُ)، فَلَوْ قُلْتَ: عَجِبْتُ مِن أنْ تَقُومَ، فَإنَّكَ تَقُولُ في سَبْكِ مَصْدَرِهِ: عَجِبْتُ مِن قِيامِكَ؛ كَما لا يَخْفى. وعَلَيْهِ: فالمَصْدَرُ (p-١١١)المُنْسَبِكُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ فِيهِ عَدَمُ السُّجُودِ إلّا إذا اعْتُبِرَتْ لَفْظَةُ (لا) زائِدَةً، وقَدْ أشَرْنا في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] إلى أنّا أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى زِيادَةِ (لا) لِتَوْكِيدِ الكَلامِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في أوَّلِ سُورَةِ ”البَلَدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] وسَنَذْكُرُ طَرَفًا مِن كَلامِنا فِيهِ هُنا. فَقَدْ قُلْنا فِيهِ: الأوَّلُ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّ (لا) هُنا صِلَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّها رُبَّما لَفَظَتْ بِلَفْظَةِ لا مِن غَيْرِ قَصْدِ مَعْناها الأصْلِيِّ بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣] يَعْنِي أنْ تَتَّبِعَنِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾، أيْ: أنْ تَسْجُدَ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ. ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”ص“: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٥] أيْ: فَوَرَبِّكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] أيْ: والسَّيِّئَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥١] عَلى أحَدِ الأقْوالِ الماضِيَةِ؛ وكَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ؎فَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا لِما رَأيْنَ الشَّمْطَ القَفَنْدَرَ يَعْنِي: أنْ تَسْخَرَ، وقَوْلِ الآخَرِ: ؎وَتَلْحِينُنِي في اللَّهْوِ ألّا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلِ يَعْنِي: أنْ أُحِبَّهُ، و (لا) زائِدَةٌ. وقَوْلِ الآخَرِ: ؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلَهْ يَعْنِي: أبى جُودُهُ البُخْلَ، ولا زائِدَةٌ عَلى خِلافٍ في زِيادَتِها في هَذا البَيْتِ الأخِيرِ، ولا سِيَّما عَلى رِوايَةِ البُخْلِ بِالجَرِّ؛ لِأنَّ لا عَلَيْها مُضافٌ بِمَعْنى لَفْظَةِ لا، فَلَيْسَتْ زائِدَةً عَلى رِوايَةِ الجَرِّ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: (p-١١٢) ؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ يَعْنِي: وأبِيكِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ لِزِيادَةِ لا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ يَعْنِي: عُمَرُ و (لا) صِلَةٌ، وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ العَجّاجِ: ؎فِي بِئْرٍ لا حُورٍ سَرى وما شَعَرْ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ جَشَرْ والحُورُ: الهَلَكَةُ، يَعْنِي: في بِئْرٍ هَلِكَةٍ و (لا) صِلَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ. وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ: ؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كانَ ومِيضُهُ ∗∗∗ غابَ تَسَنُّمُهُ ضِرامَ مُثَقَّبِ وَيُرْوى: أفَمِنكَ وتَشَيُّمُهُ، بَدَلَ أفَعَنْكَ وتَسَنُّمُهُ، يَعْنِي: أفَعَنْكَ بَرْقٌ، و (لا) صِلَةٌ، ومِن شَواهِدِ زِيادَتِها قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ يَعْنِي: كادَ يَتَقَطَّعُ، وأمّا اسْتِدْلالُ أبِي عُبَيْدَةَ لِزِيادَتِها بِقَوْلِ الشَّمّاخِ: ؎أعائِشُ ما لِقَوْمِكِ لا أراهم ∗∗∗ يُضِيعُونَ الهِجانَ مَعَ المُضِيعِ فَغَلَطٌ مِنهُ، لِأنَّ لا في بَيْتِ الشَّمّاخِ هَذا نافِيَةٌ لا زائِدَةٌ، ومَقْصُودُهُ أنَّها تَنْهاهُ عَنْ حِفْظِ مالِهِ، مَعَ أنَّ أهْلَها يَحْفَظُونَ مالَهم، أيْ: لا أرى قَوْمَكِ يُضِيعُونَ مالَهم وأنْتِ تُعاتِبِينَنِي في حِفْظِ مالِي، وما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ لَفْظَةَ لا، لا تَكُونُ صِلَةً إلّا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ، فَهو أغْلَبِيٌّ لا يَصِحُّ عَلى الإطْلاقِ، بِدَلِيلِ بَعْضِ الأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لا جَحْدَ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، عَلى القَوْلِ بِأنَّ لا فِيها صِلَةٌ، وكَبَيْتِ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ، وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن زِيادَةِ لا في أوَّلِ الكَلامِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ . وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ الكِسائِيُّ وحْدَهُ مِنَ السَّبْعَةِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ بِتَخْفِيفِ اللّامِ مِن قَوْلِهِ: (ألّا)، وعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ هَذِهِ، فَلَفْظَةُ (ألّا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ، وتَنْبِيهٍ ويا (p-١١٣)حَرْفُ نِداءٍ، والمُنادى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألا يا هَؤُلاءِ اسْجُدُوا، واسْجُدُوا فِعْلُ أمْرٍ ومَعْلُومٌ في عِلْمِ القِراءاتِ، أنَّكَ إذا قِيلَ لَكَ: قِفْ عَلى كُلِّ كَلِمَةٍ بِانْفِرادِها في قِراءَةِ الكِسائِيِّ، أنَّكَ تَقِفُ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾، ثَلاثَ وقَفاتٍ، الأُولى: أنْ تَقِفَ عَلى ألا. والثّانِيَةُ: أنْ تَقِفَ عَلى يا. والثّالِثَةُ: أنْ تَقِفَ عَلى اسْجُدُوا، وهَذا الوَقْفُ وقْفُ اخْتِبارٍ لا وقْفُ اخْتِيارٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، فَإنَّكَ تَقِفُ وقْفَتَيْنِ فَقَطْ: الأُولى: عَلى (ألّا)، ولا تَقِفُ عَلى أنْ لِأنَّها مُدْغَمَةٌ في لا، والثّانِيَةُ: أنَّكَ تَقِفُ عَلى يَسْجُدُوا. واعْلَمْ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ قَدْ حُذِفَ في الخَطِّ ألِفانِ، الأُولى: الألِفُ المُتَّصِلَةُ بِياءِ النِّداءِ، والثّانِيَةُ: ألِفُ الوَصْلِ في قَوْلِهِ: (اسْجُدُوا)، ووَجَّهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إسْقاطَهُما في الخَطِّ، بِأنَّهُما لَمّا سَقَطَتا في اللَّفْظِ، سَقَطَتا في الكِتابَةِ، قالُوا: ومِثْلُ ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرٌ. واعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما ذَكَرْنا في قِراءَةِ الكِسائِيِّ مِن أنَّ لَفْظَةَ (ألا) لِلِاسْتِفْتاحِ والتَّنْبِيهِ، وأنَّ يا حَرْفُ نِداءٍ حُذِفَ مِنهُ الألِفُ في الخَطِّ، واسْجُدُوا فِعْلُ أمْرٍ، قالُوا: وحَذْفُ المُنادى مَعَ ذِكْرِ أداةِ النِّداءِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ألا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ ∗∗∗ وإنْ كانَ حَيّانا عِدى آخِرَ الدَّهْرِ وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلا ∗∗∗ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ فَقَوْلُهُ في البَيْتَيْنِ: ألا يا اسْلَمِي، أيْ: يا هَذِهِ اسْلَمِي، وقَوْلُ الآخَرِ: ؎لا يا اسْلَمِي ذاتَ الدَّمالِيجِ والعِقْدِ وَقَوْلُ الشَّمّاخِ: ؎ألا يا اصْبَحانِي قَبْلَ غارَةِ سِنْجالِي ∗∗∗ وقَبْلَ مَنايا قَدْ حَضَرْنَ وآجالِي يَعْنِي: ألا يا صَحْبِي اصْبَحانِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ألا يا اسْقِيانِي قَبْلَ خَيْلِ أبِي بَكْرِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: (p-١١٤) ؎فَقالَتْ ألا يا اسْمَعْ أعِظْكَ بِخُطْبَةٍ ∗∗∗ فَقُلْتُ سَمِعْنا فانْطِقِي وأصِيبِي يَعْنِي: ألا يا هَذا اسْمَعْ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِحَذْفِ المُنادى مَعَ ذِكْرِ أداتِهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎يا لَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ والصّالِحِينَ عَلى سَمْعانَ مِن جارِ بِضَمِّ التّاءِ مِن قَوْلِهِ: لَعْنَةُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: فَيا لَغَيْرُ اللَّعْنَةِ، يَعْنِي أنَّ المُرادَ: يا قَوْمُ لَعْنَةُ اللَّهِ، إلى آخِرِهِ. وأنْشَدَ صاحِبُ اللِّسانِ لِحَذْفِ المُنادى، مَعَ ذِكْرِ أداتِهِ مُسْتَشْهِدًا لِقِراءَةِ الكِسائِيِّ المَذْكُورَةِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎يا قاتَلَ اللَّهُ صِبْيانًا تَجِيءُ بِهِمْ ∗∗∗ أُمُّ الهُنَيْنِينَ مِن زَنْدَلِها وارى ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ أرادَ: يا قَوْمُ قاتَلَ اللَّهُ صِبْيانًا، وقَوْلَ الآخَرِ: ؎يا مَن رَأى بارِقًا أُكَفْكِفُهُ ∗∗∗ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ دَعا يا قَوْمُ يا إخْوَتِي، فَلَمّا أقْبَلُوا عَلَيْهِ قالَ: مَن رَأى. وأنْشَدَ بَعْضُهم لِحَذْفِ المُنادى مَعَ ذِكْرِ أداتِهِ، قَوْلَ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حَلَّتْ لَهُ ∗∗∗ حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ قالُوا: التَّقْدِيرُ: يا قَوْمُ انْظُرُوا شاةَ ما قَنَصٍ. واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: إنَّ يا عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ، وفي جَمِيعِ الشَّواهِدِ الَّتِي ذَكَرْنا لَيْسَتْ لِلنِّداءِ، وإنَّما هي لِلتَّنْبِيهِ فَكُلٌّ مِن ألا ويا: حَرْفُ تَنْبِيهٍ كُرِّرَ لِلتَّوْكِيدِ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“، قالَ فِيهِ: والَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ الوارِدِ عَنِ العَرَبِ لَيْسَتْ يا فِيهِ لِلنِّداءِ، وحُذِفَ المُنادى؛ لِأنَّ المُنادى عِنْدِي لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، لِأنَّهُ قَدْ حُذِفَ الفِعْلُ العامِلُ في النِّداءِ، وانْحَذَفَ فاعِلُهُ لِحَذْفِهِ، ولَوْ حُذِفَ المُنادى لَكانَ في ذَلِكَ حَذْفُ جُمْلَةِ النِّداءِ، وحَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ، وهو المُنادى، فَكانَ ذَلِكَ إخْلالًا كَبِيرًا، وإذا أبْقَيْنا المُنادى ولَمْ نَحْذِفْهُ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى العامِلِ فِيهِ جُمْلَةُ النِّداءِ، ولَيْسَ حَرْفُ النِّداءِ حَرْفَ جَوابٍ كَنَعَمْ، ولا، وبَلى، وأجَلْ، فَيَجُوزُ حَذْفُ الجُمَلِ بَعْدَهُنَّ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ السُّؤالِ عَلى الجُمَلِ المَحْذُوفَةِ، فَيا عِنْدِي في تِلْكَ التَّراكِيبِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ أكَّدَ بِهِ ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، وجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ في التَّوْكِيدِ، وإذا كانَ قَدْ وجَدَ التَّوْكِيدَ في اجْتِماعِ (p-١١٥)الحَرْفَيْنِ المُخْتَلِفَيِ اللَّفْظِ، العامِلَيْنِ في قَوْلِهِ: فَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بِما بِهِ، والمُتَّفِقَيِ اللَّفْظِ العامِلَيْنِ في قَوْلِهِ: ولا لَلَمّا بِهِمْ أبَدًا دَواءُ. وَجازَ ذَلِكَ، وإنْ عَدُّوهُ ضَرُورَةً أوْ قَلِيلًا، فاجْتِماعُ غَيْرِ العامِلَيْنِ وهُما مُخْتَلِفا اللَّفْظِ يَكُونُ جائِزًا، ولَيْسَ يا في قَوْلِهِ: يا لَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ. حَرْفَ نِداءٍ عِنْدِي، بَلْ حَرْفَ تَنْبِيهٍ جاءَ بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ، ولَيْسَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُنادى، لِما ذَكَرْناهُ. انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ، وما اخْتارَهُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: ومِمّا لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ عِنْدِي في قِراءَةِ الكِسائِيِّ، أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: يا اسْجُدُوا فِعْلٌ مُضارِعٌ حُذِفَتْ مِنهُ نُونُ الرَّفْعِ، بِلا ناصِبٍ، ولا جازِمٍ، ولا نُونِ تَوْكِيدٍ، ولا نُونِ وِقايَةٍ. وَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ حَذْفَها لا لِمُوجِبٍ مِمّا ذَكَرَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ. قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“، في الجُزْءِ السّابِعِ عَشَرَ في صَفْحَةِ ٧٠٢، ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَسْمَعُوا وأنّى يُجِيبُوا وقَدْ جَيَّفُوا»، كَذا هو في عامَّةِ النُّسَخِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وأنّى يُجِيبُوا مِن غَيْرِ نُونٍ، وهي لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَتْ قَلِيلَةَ الِاسْتِعْمالِ، وسَبَقَ بَيانُها مَرّاتٍ. ومِنها الحَدِيثُ السّابِقُ في ”الإيمانِ“: «لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا»، انْتَهى مِنهُ. وعَلى أنَّ حَذْفَ نُونِ الرَّفْعِ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْجُدُوا﴾، في قِراءَةِ الكِسائِيِّ فِعْلًا مُضارِعًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وقَدِ اقْتَصَرْنا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، عَلى أنَّ حَذْفَها مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، وذَكَرْنا بَعْضَ شَواهِدِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تَنْبِيهانِ. الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ آيَةَ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ، مَحَلُّ سَجْدَةٍ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الكِسائِيِّ فِيها الأمْرُ بِالسُّجُودِ، وقِراءَةَ الجُمْهُورِ فِيها ذَمُّ تارِكِ السُّجُودِ وتَوْبِيخُهُ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الزَّجّاجِ ومَن وافَقَهُ أنَّها لَيْسَتْ مَحَلَّ سَجْدَةٍ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإنَّما هي (p-١١٦)مَحَلُّ سُجُودٍ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ خِلافُ التَّحْقِيقِ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. * * التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: لا يَهْتَدُونَ، وعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ، يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] قَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأهُ الباقُونَ: يُخْفُونَ، ويُعْلِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النمل 27:35

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّمْلِ قَوْلُهُ تَعالى إخْبارًا عَنْ بِلْقِيسَ: ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ . يَدُلُّ عَلى تَعَدُّدِ رُسُلِها إلى سُلَيْمانَ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ [النمل: ٣٦]، بِإفْرادِ فاعِلِ جاءَ، وقَوْلُهُ تَعالى إخْبارًا عَنْ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾ الآيَةَ [النمل: ٣٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ واحِدٌ. والظّاهِرُ في الجَوابِ، هو ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ الرُّسُلَ جَماعَةٌ، وعَلَيْهِمْ رَئِيسٌ مِنهم، فالجَمْعُ نَظَرًا إلى الكُلِّ والإفْرادُ نَظَرًا إلى الرَّئِيسِ، لِأنَّ مَن مَعَهُ تَبَعٌ لَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النمل 27:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النمل 27:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ صالِحًا إلى ثَمُودَ، ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا خُصُومَةَ الفَرِيقَيْنِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦] فَهَذِهِ خُصُومَتُهم وأعْظَمُ أنْواعِ الخُصُومَةِ، الخُصُومَةُ في الكُفْرِ والإيمانِ.

النمل 27:46

(p-١١٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦] .

النمل 27:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾، أيْ: تَشاءَمْنا بِكَ، وكانَ قَوْمُ صالِحٍ إذا نَزَلَ بِهِمْ قَحْطٌ أوْ بَلاءٌ أوْ مَصائِبُ، قالُوا: ما جاءَنا هَذا إلّا مِن شُؤْمِ صالِحٍ، ومَن آمَنَ بِهِ. والتَّطَيُّرُ: التَّشاؤُمُ، وأصْلُ اشْتِقاقِهِ مِنَ التَّشاؤُمِ بِزَجْرِ الطَّيْرِ. وَقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ التَّشاؤُمِ والتَّيامُنِ بِالطَّيْرِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أيْ سَبَبُكُمُ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، فالشَّرُّ الَّذِي أصابَكم بِذُنُوبِكم لا بِشُؤْمِ صالِحٍ، ومَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى طائِرِ الإنْسانِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَشاؤُمِ الكُفّارِ بِصالِحٍ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، جاءَ مِثْلُهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في تَشاؤُمِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمُوسى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقَوْلِهِ تَعالى في تَطَيُّرِ كَفّارِ قُرَيْشٍ بِنَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] والحَسَنَةُ في الآيَتَيْنِ: النِّعْمَةُ كالرِّزْقِ والخِصْبِ والعافِيَةِ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ بِالجَدْبِ والقَحْطِ، ونَقْصِ الأمْوالِ، والأنْفُسِ، والثَّمَراتِ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨ - ١٩] أيْ: بَلِيَّتُكم جاءَتْكم مِن ذُنُوبِكم وكُفْرِكم. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: (p-١١٨)تُخْتَبَرُونَ. وقالَ بَعْضُهم: تُعَذَّبُونَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ في اللُّغَةِ، وضْعُ الذَّهَبِ في النّارِ لِيُخْتَبَرَ بِالسَّبْكِ أزائِفٌ هو أمْ خالِصٌ ؟ وأنَّها أُطْلِقَتْ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ: الأوَّلُ: إطْلاقُها عَلى الإحْراقِ بِالنّارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] أيْ: حَرَّقُوهم بِنارِ الأُخْدُودِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وقَدِ اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. . المَعْنى الثّانِي: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى الِاخْتِبارِ، وهَذا هو أكْثَرُها اسْتِعْمالًا؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. الثّالِثُ: إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى نَتِيجَةِ الِاخْتِبارِ إنْ كانَتْ سَيِّئَةً خاصَّةً، ومِن هُنا أُطْلِقَتِ الفِتْنَةُ عَلى الكُفْرِ والضَّلالِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أيْ: لا يَبْقى شِرْكٌ، وهَذا التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ، دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ. أمّا الكِتابُ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] وفي ”الأنْفالِ“: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فَإنَّهُ يُوَضِّحُ أنَّ مَعْنى: ﴿لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أيْ: لا يَبْقى شِرْكٌ؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ما دامَ في الأرْضِ شِرْكٌ، كَما تَرى. وَأمّا السُّنَّةُ: فَفي قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ. فَقَدْ جَعَلَ ﷺ الغايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْها قِتالُهُ لِلنّاسِ، هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو واضِحٌ في أنَّ مَعْنى: ﴿لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: لا يَبْقى شِرْكٌ، فالآيَةُ والحَدِيثُ كِلاهُما دالٌّ عَلى أنَّ الغايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْها قِتالُ الكُفّارِ هي ألّا يَبْقى في الأرْضِ شِرْكٌ، إلّا أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وقَدْ عَبَّرَ ﷺ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، فالغايَةُ في الآيَةِ والحَدِيثِ واحِدَةٌ في المَعْنى، كَما تَرى. الرّابِعُ: هو إطْلاقُ الفِتْنَةِ عَلى الحُجَّةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (p-١١٩)[الأنعام: ٢٣] أيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهم، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النمل 27:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ . قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صالِحًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفَعَهُ اللَّهُ بِنُصْرَةِ ولِيِّهِ، أيْ: أوْلِيائِهِ؛ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ، ووَجْهُ نُصْرَتِهِمْ لَهُ: أنَّ التِّسْعَةَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا﴾ [النمل: ٤٨ - ٤٩] أيْ: تَحالَفُوا بِاللَّهِ، ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، أيْ: لَنُباغِتَنَّهُ بَياتًا، أيْ: لَيْلًا فَنَقْتُلُهُ ونَقْتُلُ أهْلَهُ مَعَهُ، ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾، أيْ: أوْلِيائِهِ وعُصْبَتِهِ، ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾، أيْ: ولا مَهْلِكَهُ هو، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَقْتُلُوهُ عَلَنًا، لِنُصْرَةِ أوْلِيائِهِ لَهُ، وإنْكارُهم شُهُودَ مَهْلِكَ أهْلِهِ دَلِيلٌ عَلى خَوْفِهِمْ مِن أوْلِيائِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ النُّصْرَةَ عَصَبِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ لا تَمُتُّ إلى الدِّينِ بِصِلَةٍ، وأنَّ أوْلِياءَهُ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا المَعْنى في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٩١] وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ١٩] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَقاسَمُوا﴾، التَّحْقِيقُ أنَّهُ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ هو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ونَسَبَهُ أبُو حَيّانَ لِلْجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾، التَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّهم كاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾، كَما لا يَخْفى، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما تَكَلَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“، مِن كَوْنِهِمْ صادِقِينَ لا وجْهَ لَهُ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وأوْضَحَهُ، وقَرَأ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ لَنُبَيِّتَنَّهُ بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ اللّامِ، وفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ المُثَنّاةِ الَّتِي بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ المُثَنّاةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: لَتُبَيِّتُنَّهُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ اللّامِ، وضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي بَعْدَ الياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ عامَّةُ السَّبْعَةِ أيْضًا غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: ثُمَّ لَنَقُولَنَّ، بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ مَوْضِعَ التّاءِ، وفَتْحِ اللّامِ الثّانِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ثُمَّ لَتَقُولُنَّ، بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ بَعْدَ (p-١٢٠)اللّامِ الأُولى، وضَمِّ اللّامِ الثّانِيَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّها، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مَهْلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، والباقُونَ بِفَتْحِها. فَتَحْصُلُ أنَّ حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ قَرَأ مَهْلِكَ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأنَّ أبا بَكْرٍ أعْنِي شُعْبَةَ قَرَأ عَنْ عاصِمٍ: مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وأنَّ غَيْرَ عاصِمٍ قَرَأ: ﴿مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ، فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ مَهْلِكَ بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن هَلَكَ الثُّلاثِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ أوْ مَكانٍ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ مُهْلَكَ بِضَمِّ المِيمِ، فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أهْلَكَ الرُّباعِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أيْضًا اسْمَ مَكانٍ أوْ زَمانٍ.

النمل 27:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ دَمَّرَ جَمِيعَ قَوْمِ صالِحٍ، ومِن جُمْلَتِهِمْ تِسْعَةُ رَهْطٍ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، أيْ: وهم قَوْمُ صالِحٍ ثَمُودَ، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾، أيْ: خالِيَةً مِنَ السُّكّانِ لِهَلاكِ جَمِيعِ أهْلِها، ﴿بِما ظَلَمُوا﴾، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو كُفْرُهم وتَمَرُّدُهم وقَتْلُهم ناقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها آيَةً لَهم، وقالَ بَعْضُهم: ﴿خاوِيَةً﴾، أيْ: ساقِطًا أعْلاها عَلى أسْفَلِها. الثّانِي: أنَّهُ جَلَّ وعَلا جَعَلَ إهْلاكَهُ قَوْمَ صالِحٍ آيَةً، أيْ: عِبْرَةً يَتَّعِظُ بِها مَن بَعْدَهم، فَيَحْذَرُ مِنَ الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ التَّدْمِيرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْجى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِنَ الهَلاكِ والعَذابِ، وهو نَبِيُّ اللَّهِ صالِحٌ ومَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرَها جَلَّ وعَلا هُنا، جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ أُخَرَ. أمّا إنْجاؤُهُ نَبِيَّهُ صالِحًا، ومَن آمَنَ بِهِ وإهْلاكَهُ ثَمُودَ، فَقَدْ أوْضَحَهُ جَلَّ وعَلا في (p-١٢١)مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٦ ] - ٦٨] . وآيَةُ ”هُودٍ“ هَذِهِ، قَدْ بَيَّنَتْ أيْضًا التَّدْمِيرَ المُجْمَلَ في آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ، فالتَّدْمِيرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، بَيَّنَتْ آيَةُ ”هُودٍ“ أنَّهُ الإهْلاكُ بِالصَّيْحَةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: وهم مَوْتى. وأمّا كَوْنُهُ جَعَلَ إهْلاكَهُ إيّاهم آيَةً، فَقَدْ أوْضَحَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٧ - ١٥٩] وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: إنّا دَمَّرْناهم بِكَسْرَةِ هَمْزَةِ إنّا عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وهم: عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾، بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنّا. وفي إعْرابِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنَّ وصِلَتِها عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ أوْجُهٌ، مِنها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ، ومِنها: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وتَقْدِيرُهُ هي، أيْ: عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ تَدْمِيرُنا إيّاهم. وَهَذانِ الوَجْهانِ هُما أقْرَبُ الأوْجُهِ عِنْدِي لِلصَّوابِ، ولِذا تَرَكْنا غَيْرَهُما مِنَ الأوْجُهِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مَكْرِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: دَمَّرْناهم، راجِعٌ إلى التِّسْعَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٨] وقَوْلُهُ: خاوِيَةً حالٌ في بُيُوتِهِمْ، والعامِلُ فِيهِ الإشارَةُ الكامِنَةُ في مَعْنى تِلْكَ.

النمل 27:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي فِيها إيضاحُ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ، وبَيَّنّا هُناكَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ ومُناقَشَةَ أدِلَّتِهِمْ في عُقُوبَةِ فاعِلِ فاحِشَةِ اللِّواطِ، وذَكَرْنا الآياتِ المُبَيِّنَةَ لَها أيْضًا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ، وذَكَرْنا بَعْضَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ .

النمل 27:60

(p-١٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الآياتِ. قَدْ أوْضَحْنا ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ البَراهِينِ عَلى البَعْثِ في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وأوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ .

النمل 27:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٩] وفي مَواضِعَ أُخَرَ.

النمل 27:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المَعْنى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾، أيْ: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ حِينَ يُعايِنُونَها، أيْ: يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ عِلْمًا كامِلًا، ما كانُوا يَجْهَلُونَهُ في الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾، أيْ: في دارِ الدُّنْيا، فَهَذا الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ في دارِ الدُّنْيا، ويَعْمُونَ عَنْهُ مِمّا جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ، يَعْلَمُونَهُ في الآخِرَةِ عِلْمًا كامِلًا لا يُخالِجُهُ شَكٌّ، عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ. وَإنَّما اخْتَرْنا هَذا القَوْلَ دُونَ غَيْرِهِ مِن أقْوالِ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ، لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] فَقَوْلُهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾، بِمَعْنى: ما أسْمَعَهم وما أبْصَرَهم لِلْحَقِّ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ يَوْمَ يَأْتُونَنا، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾، أيْ: تَكامَلَ عِلْمُهم فِيها لِمُبالَغَتِهِمْ في سَمْعِ الحَقِّ وإبْصارِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾، لِأنَّ ضَلالَهُمُ المُبَيَّنَ اليَوْمَ، أيْ: في دارِ الدُّنْيا، هو شَكُّهم في الآخِرَةِ، وعَماهم (p-١٢٣)عَنْها؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أيْ: عِلْمُكَ اليَوْمَ بِما كُنْتَ تُنْكِرُهُ في الدُّنْيا مِمّا جاءَتْكَ بِهِ الرُّسُلُ حَدِيدٌ، أيْ: قَوِيٌّ كامِلٌ. وَقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا ”دَفْعُ إبْهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في سُورَةِ ”الشُّورى“، في الجَوابِ عَمّا يَتَوَهَّمُ مِنَ التَّعارُضِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أنَّ المُرادَ بِحِدَّةِ البَصَرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ: كَمالُ العِلْمُ وقُوَّةُ المَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ هُنا: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ووُضِعَ﴾ [الكهف: ٤٨] فَعَرْضُهم عَلى رَبِّهِمْ صَفًّا يَتَدارَكُ بِهِ عِلْمُهم، لِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾، صَرِيحٌ في أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا في شَكٍّ وعَمًى عَنِ البَعْثِ والجَزاءِ كَما تَرى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: بَلِ ادّارَكَ، فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً اثْنَتانِ مِنها فَقَطْ سَبْعِيَّتانِ، فَقَدْ قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو: بَلِ ادّارَكَ بِكَسْرِ اللّامِ مِن بَلِ وتَشْدِيدِ الدّالِ بَعْدَها ألِفٌ والألِفُ الَّتِي قَبْلَ الدّالِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وأصْلُهُ: تَدارَكَ بِوَزْنِ: تَفاعَلَ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ الإدْغامِ، واسْتِجْلابَ هَمْزَةِ الوَصْلِ في تَفاعَلَ وتَفَعَّلَ وأمْثِلَةَ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وبَعْضَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”طَهَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بَلْ أدْرَكَ بِسُكُونِ اللّامِ مِن بَلْ، وهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، مَعَ سُكُونِ الدّالِ عَلى وزْنِ: أفْعَلَ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾، أيْ: تَدارَكَ بِمَعْنى تَكامَلَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨] وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو: بَلْ أدْرَكَ. قالَ البَغَوِيُّ: أيْ بَلَغَ ولَحِقَ، كَما يُقالُ: أدْرَكَ عِلْمِي إذا لَحِقَهُ وبَلَغَهُ، والإضْرابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾، ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾، ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾، إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، والظّاهِرُ أنَّ مَن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾، بِمَعْنى: عَنْ، (p-١٢٤)وَ عَمُونَ جَمْعُ عَمٍ، وهو الوَصْفُ مِن عَمِيَ يَعْمى فَهو أعْمى وعَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤] وقَوْلُ زُهَيْرٍ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎وَأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ

النمل 27:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . ومِن ذَلِكَ اخْتِلافُهم في عِيسى، فَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، ادِّعاءَهم عَلى أُمِّهِ الفاحِشَةَ، مَعَ أنَّ طائِفَةً مِنهم آمَنَتْ بِهِ؛ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ٤١] والطّائِفَةُ الَّتِي آمَنَتْ قالَتِ الحَقَّ في عِيسى، والَّتِي كَفَرَتِ افْتَرَتْ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ . وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وسُورَةِ ”النِّساءِ“ وغَيْرِهِما، حَقِيقَةَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وهي أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] ورَسُولُهُ ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] ولَمّا بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ أمْرِهِ مُفَصَّلَةً في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ قالَ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] وذَلِكَ يُبَيِّنُ بَعْضَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .

النمل 27:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١] .

النمل 27:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرائِنُ القُرْآنِيَّةُ واسْتِقْراءُ القُرْآنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، لا يَصِحُّ فِيهِ مِن أقْوالِ العُلَماءِ، إلّا تَفْسِيرانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيْ: لا تُسْمِعُ الكُفّارَ الَّذِينَ أماتَ اللَّهُ قُلُوبَهم، وكَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءَ في سابِقِ عِلْمِهِ إسْماعَ هُدًى وانْتِفاعٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءَ، فَخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وعَلى سَمْعِهِمْ، وجَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمُ الأكِنَّةَ، وفي آذانِهِمُ الوَقْرَ، (p-١٢٥)وَعَلى أبْصارِهِمُ الغِشاوَةَ، فَلا يَسْمَعُونَ الحَقَّ سَماعَ اهْتِداءٍ وانْتِفاعٍ. ومِنَ القَرائِنِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا، أنَّهُ جَلَّ وعَلا قالَ بَعْدَهُ: ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ﴾ [النمل: ٨١] . فاتَّضَحَ بِهَذِهِ القَرِينَةِ أنَّ المَعْنى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيِ: الكُفّارَ الَّذِينَ هم أشْقِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ إسْماعَ هُدًى وقَبُولٍ لِلْحَقِّ، ما تُسْمِعُ ذَلِكَ الإسْماعَ ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، فَمُقابَلَتُهُ جَلَّ وعَلا بِالإسْماعِ المَنفِيِّ في الآيَةِ عَنِ المَوْتى بِالإسْماعِ المُثْبَتِ فِيها لِمَن يُؤْمِنُ بِآياتِهِ، فَهو مُسَلَّمٌ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ في الآيَةِ مَوْتُ الكُفْرِ والشَّقاءِ، لا مَوْتُ مُفارَقَةِ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، مُفارَقَةَ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ لَما قابَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ بَلْ لَقابَلَهُ بِما يُناسِبُهُ، كَأنْ يُقالَ: إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن لَمْ يَمُتْ، أيْ: يُفارِقْ رُوحُهُ بَدَنَهُ، كَما هو واضِحٌ. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ القَرِينَةَ القُرْآنِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى هُنا الأشْقِياءُ، الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ سَماعَ هُدًى وقَبُولٍ. فاعْلَمْ أنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ العَظِيمِ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى في قَوْلِهِ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: الكُفّارُ، ويَدُلُّ لَهُ مُقابَلَةُ المَوْتى في قَوْلِهِ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ بِالَّذِينِ يَسْمَعُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] أيْ: فافْعَلْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣٥ - ٣٦] وهَذا واضِحٌ فِيما ذَكَرْنا. ولَوْ كانَ يُرادُ بِالمَوْتى مَن فارَقَتْ أرْواحُهم أبْدانَهم لَقابَلَ المَوْتى بِما يُناسِبُهم؛ كَأنْ يُقالَ: إنَّما يَسْتَجِيبُ الأحْياءُ، أيِ: الَّذِينَ لَمْ تُفارِقْ أرْواحُهم أبْدانَهم، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . (p-١٢٦)فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾، أيْ: كافِرًا فَأحْيَيْناهُ، أيْ: بِالإيمانِ والهُدى، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، وفِيهِ إطْلاقُ المَوْتِ وإرادَةُ الكُفْرِ بِلا خِلافٍ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أيْ: لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ. وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى هَذا المَعْنى، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ الآيَةَ، وما في مَعْناها مِنَ الآياتِ كُلِّها، تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ لِأنَّهُ يُحْزِنُهُ عَدَمُ إيمانِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٩٧] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] • وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. ولَمّا كانَ يُحْزِنُهُ كُفْرُهم وعَدَمُ إيمانِهِمْ، أنْزَلَ اللَّهُ آياتٍ كَثِيرَةً تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ بَيَّنَ لَهُ فِيها أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ﷺ عَلى هُدى مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، فَإنَّ الهُدى والإضْلالَ بِيَدِهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ، وأوْضَحَ لَهُ أنَّهُ نَذِيرٌ، وقَدْ أتى بِما عَلَيْهِ فَأنْذَرَهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأبْلَغِها، وأنَّ هُداهم وإضْلالَهم بِيَدِ مَن خَلَقَهم. وَمِنَ الآياتِ النّازِلَةِ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، قَوْلُهُ هُنا: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيْ: لا تُسْمِعُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ إسْماعَ هُدًى وقَبُولٍ، ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾، يَعْنِي: ما تُسْمِعُ إسْماعَ هُدًى وقَبُولٍ إلّا مَن هَدَيْناهم لِلْإيمانِ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٩٩] إلى غَيْرِ (p-١٢٧)ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ولَوْ كانَ مَعْنى الآيَةِ وما شابَهَها: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، أيِ: الَّذِينَ فارَقَتْ أرْواحُهم أبْدانَهم لَما كانَ في ذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ كَما تَرى. واعْلَمْ: أنَّ آيَةَ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ جاءَتْ آيَتانِ أُخْرَيانِ بِمَعْناها: الأُولى مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الرُّومِ“: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢ - ٥٣] ولَفْظُ آيَةِ ”الرُّومِ“ هَذِهِ كَلَفْظِ آيَةِ ”النَّمْلِ“ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، فَيَكْفِي في بَيانِ آيَةِ ”الرُّومِ“، ما ذَكَرْنا في آيَةِ ”النَّمْلِ“ . والثّانِيَةُ مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”فاطِرٍ“: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وآيَةُ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ كَآيَةِ ”النَّمْلِ“ و ”الرُّومِ“ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، لِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ فِيها: ﴿مَن في القُبُورِ﴾ المَوْتى، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾؛ لِأنَّ المُرادَ بِالمَوْتى ومَن في القُبُورِ واحِدٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] أيْ: يَبْعَثُ جَمِيعَ المَوْتى مَن قُبِرَ مِنهم ومَن لَمْ يُقْبَرْ، وقَدْ دَلَّتْ قَرائِنُ قُرْآنِيَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّ مَعْنى آيَةِ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ كَمَعْنى آيَةِ ”الرُّومِ“، مِنها قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَها: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٨] لِأنَّ مَعْناها: لا يَنْفَعُ إنْذارُكَ إلّا مَن هُداهُ اللَّهُ ووَفَّقَهُ فَصارَ مِمَّنْ يَخْشى رَبَّهُ بِالغَيْبِ ويُقِيمُ الصَّلاةَ، ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾، أيِ: المَوْتى، أيِ: الكُفّارَ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمُ الشَّقاءُ كَما تَقَدَّمَ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى أيْضًا: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] أيِ: المُؤْمِنُ والكافِرُ. وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أيِ: المُؤْمِنُونَ والكُفّارُ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: لَيْسَ الإضْلالُ والهُدى بِيَدِكَ ما أنْتَ إلّا نَذِيرٌ، أيْ: وقَدْ بَلَّغْتَ. التَّفْسِيرُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى الَّذِينَ ماتُوا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّ المُرادَ بِالسَّماعِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ خُصُوصُ السَّماعِ المُعْتادِ الَّذِي يَنْتَفِعُ صاحِبُهُ بِهِ، وأنَّ هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفّارِ، والكُفّارُ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، لَكِنْ لا يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ بِفِقْهٍ واتِّباعٍ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً (p-١٢٨)وَنِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] فَهَكَذا المَوْتى الَّذِينَ ضُرِبَ بِهِمُ المَثَلُ لا يَجِبُ أنْ يُنْفى عَنْهم جَمِيعُ أنْواعِ السَّماعِ، كَما لَمْ يُنْفَ ذَلِكَ عَنِ الكُفّارِ، بَلْ قَدِ انْتَفى عَنْهُمُ السَّماعُ المُعْتادُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وأمّا سَماعٌ آخَرُ فَلا، وهَذا التَّفْسِيرُ الثّانِي جَزَمَ بِهِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في هَذا المَبْحَثِ. وَهَذا التَّفْسِيرُ الأخِيرُ دَلَّتْ عَلَيْهِ أيْضًا آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، جاءَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالبَكَمِ والصَّمَمِ والعَمى مُسْنَدًا إلى قَوْمٍ يَتَكَلَّمُونَ ويَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ، والمُرادُ بِصَمَمِهِمْ صَمَمُهم عَنْ سَماعِ ما يَنْفَعُهم دُونَ غَيْرِهِ، فَهم يَسْمَعُونَ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ في البَصَرِ والكَلامِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] فَقَدْ قالَ فِيهِمْ: صُمٌّ بُكْمٌ مَعَ شِدَّةِ فَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ: لِفَصاحَتِهِمْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ، وإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوا المُسْلِمِينَ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ، هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، وما ذَلِكَ إلّا أنَّ صَمَمَهم وبَكَمَهم وعَماهم بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ خاصٍّ، وهو ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذا وحْدَهُ هو الَّذِي صُمُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، وبُكِمُوا عَنْهُ فَلَمْ يَنْطِقُوا بِهِ، وعُمُوا عَنْهُ فَلَمْ يَرَوْهُ مَعَ أنَّهم يَسْمَعُونَ غَيْرَهُ ويُبْصِرُونَهُ، ويَنْطِقُونَ بِهِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٦] وهَذا واضِحٌ كَما تَرى. وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ في المُنافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] مَعَ قَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] • وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] • وقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ • لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] وقَدْ أوْضَحْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الصَّمَمَ وعَدَمَ السَّماعِ عَلى السَّماعِ، الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَكَرْنا بَعْضَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ عَلى ذَلِكَ. * * مَسْألَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. اعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ هو أنَّ المَوْتى في قُبُورِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ مَن (p-١٢٩)كَلَّمَهم، وأنَّ قَوْلَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - ومَن تَبِعَها: إنَّهم لا يَسْمَعُونَ، اسْتِدْلالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، وما جاءَ بِمَعْناها مِنَ الآياتِ غَلَطٌ مِنها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ومِمَّنْ تَبِعَها. وَإيضاحُ كَوْنِ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي رُجْحانَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ: الأُولى مِنهُما: أنَّ سَماعَ المَوْتى ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أحادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ، ولَمْ يَذْكُرْ ﷺ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِإنْسانٍ ولا بِوَقْتٍ. والمُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: هي أنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ ﷺ في سَماعِ المَوْتى لَمْ يَثْبُتْ في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ شَيْءٌ يُخالِفُها، وتَأْوِيلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بَعْضَ الآياتِ عَلى مَعْنًى يُخالِفُ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ، لا يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ في مَعْنى الآياتِ أوْلى بِالصَّوابِ مِنهُ، فَلا تُرَدُّ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَأوُّلِ بَعْضِ الصَّحابَةِ بَعْضَ الآياتِ، وسَنُوَضِّحُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ صِحَّةَ المُقْدِمَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وإذا ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ سَماعَ المَوْتى ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ صَرِيحٍ، عُلِمَ بِذَلِكَ رُجْحانُ ما ذَكَرْنا، أنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي رُجْحانَهُ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى، وهي ثُبُوتُ سَماعِ المَوْتى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبادَةَ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذَكَرَ لَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ «أمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا في طُوًى مِن أطْواءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أقامَ بِالعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيالٍ، فَلَمّا كانَ بِبَدْرٍ اليَوْمَ الثّالِثَ أمَرَ بِراحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْها رَحْلُها، ثُمَّ مَشى واتَّبَعَهُ أصْحابُهُ، وقالُوا: ما نَرى يَنْطَلِقُ إلّا لِبَعْضِ حاجَتِهِ، حَتّى قامَ عَلى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، أيَسُرُّكم أنَّكم أطَعْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَإنّا قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًا، فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًا“ ؟ قالَ: فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لَها ؟ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم“»، قالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ لَهُ حَتّى أسْمَعَهم تَوْبِيخًا وتَصْغِيرًا ونِقْمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا. فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ أقْسَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الأحْياءَ الحاضِرِينَ لَيْسُوا بِأسْمَعَ لِما يَقُولُ ﷺ مِن أُولَئِكَ المَوْتى بَعْدَ ثَلاثٍ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في سَماعِ المَوْتى، ولَمْ يَذْكُرْ ﷺ في ذَلِكَ (p-١٣٠)تَخْصِيصًا، وكَلامُ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ اجْتِهادٌ مِنهُ، فِيما يَظْهَرُ. وَقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا: حَدَّثَنِي عُثْمانُ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ عَنْ هُشامٍ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقالَ: ”هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا“ ؟ ثُمَّ قالَ: ”إنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ ما أقُولُ“، فَذُكِرَ لِعائِشَةَ، فَقالَتْ: إنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي كُنْتُ أقُولُ لَهم هو الحَقُّ“»، ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، حَتّى قَرَأتِ الآيَةَ، انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وَقَدْ رَأيْتُهُ أخْرَجَ عَنْ صَحابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ هُما: ابْنُ عُمَرَ، وأبُو طَلْحَةَ، تَصْرِيحَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ أُولَئِكَ المَوْتى يَسْمَعُونَ ما يَقُولُ لَهم، ورَدُّ عائِشَةَ لِرِوايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِما فَهِمَتْ مِنَ القُرْآنِ مَرْدُودٌ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥]، أنَّ رَدَّها عَلى ابْنِ عُمَرَ أيْضًا رِوايَتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ» بِما فَهِمَتْ مِنَ الآيَةِ - مَرْدُودٌ أيْضًا، وأوْضَحْنا أنَّ الحَقَّ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في رِوايَتِهِ لا مَعَها فِيما فَهِمَتْ مِنَ القُرْآنِ. وَقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا: حَدَّثَنا عَيّاشٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، قالَ: وقالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنا ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عَنْهُ أصْحابُهُ، وإنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ، أتاهُ مَلَكانِ فَيُقْعِدانِهِ فَيَقُولانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هَذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَيُقالُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النّارِ أبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا في الجَنَّةِ» الحَدِيثَ، وقَدْ رَأيْتُ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَصْرِيحَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ المَيِّتَ في قَبْرِهِ، يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ مَن دَفَنُوهُ إذا رَجَعُوا، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في سَماعِ المَوْتى، ولَمْ يَذْكُرْ ﷺ فِيهِ تَخْصِيصًا. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنِي إسْحاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الهُذَلِيُّ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثابِتٍ، قالَ: قالَ أنَسٌ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ [ ح ]، وحَدَّثَنا شَيْبانُ بْنُ فَرُّوخٍ، واللَّفْظُ لَهُ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: كُنّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَتَراءَيْنا الهِلالَ، الحَدِيثَ. وفِيهِ: فَقالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُرِينا مُصارِعَ أهْلِ بَدْرٍ» بِالأمْسِ، يَقُولُ: ”هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ“، قالَ: فَقالَ عُمَرُ: فَوالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ ما أخْطَئُوا الحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجُعِلُوا في بِئْرٍ (p-١٣١)بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلَيْهِمْ فَقالَ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقًّا ؟ فَإنِّي قَدْ وجَدْتُ ما وعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا“، قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ فِيها ؟ قالَ: ”ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم، غَيْرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا“ . حَدَّثَنا هَدّابُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلى بَدْرٍ ثَلاثًا ثُمَّ أتاهم، فَقامَ عَلَيْهِمْ فَناداهم، فَقالَ: ”يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ألَيْسَ قَدْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكُمُ اللَّهُ حَقًّا، فَإنِّي قَدْ وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا“، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وأنّى يُجِيبُوا وقَدْ جَيَّفُوا ؟ قالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُجِيبُوا“، ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ» . ثُمَّ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذا رِوايَةَ أنَسٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ، الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ البُخارِيِّ، فَتَرى هَذِهِ الأحادِيثَ الثّابِتَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وأنَسٍ، وأبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، فِيها التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الأحْياءَ الحاضِرِينَ لَيْسُوا بِأسْمَعَ مِن أُولَئِكَ المَوْتى لِما يَقُولُهُ ﷺ، وقَدْ أقْسَمَ ﷺ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ تَخْصِيصًا، وقالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”صَحِيحِهِ“ أيْضًا: حَدَّثَنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا شَيْبانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ قَتادَةَ، حَدَّثَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ، قالَ: قالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عَنْهُ أصْحابُهُ إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ ”، قالَ:“ يَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُعْقِدانِهِ» الحَدِيثَ، وفِيهِ تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِسَماعِ المَيِّتِ في قَبْرِهِ قَرْعَ النِّعالِ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في سَماعِ المَوْتى، وظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ مَن دُفِنَ وتَوَلّى عَنْهُ قَوْمُهُ، كَما تَرى. وَمِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى عُمُومِ سَماعِ المَوْتى ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى التَّمِيمِيُّ، ويَحْيى بْنُ أيُّوبَ، وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ يَحْيى بْنُ يَحْيى: أخْبَرَنا، وقالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ، وهو ابْنُ أبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّما كانَ لَيْلَتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ إلى البَقِيعِ، فَيَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وأتاكم ما تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ“، ولَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: ”وَأتاكم ما تُوعِدُونَ“»، وفي رِوايَةٍ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْها، قالَتْ: «كَيْفَ أقُولُ لَهم يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: ”قُولِي: السَّلامُ عَلى أهْلِ (p-١٣٢)الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ ويَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا والمُسْتَأْخِرِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لَلاحِقُونَ“»، ثُمَّ قالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأسَدِيُّ عَنْ سُفْيانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهم إذا خَرَجُوا إلى المَقابِرِ، فَكانَ قائِلُهم يَقُولُ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: «السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ»، وفي رِوايَةِ زُهَيْرٍ: «السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لَلاحِقُونَ، نَسْألُ اللَّهَ لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ»، انْتَهى مِن ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ . وَخِطابُهُ ﷺ لِأهْلِ القُبُورِ بِقَوْلِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكم»، وقَوْلُهُ: «وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم»، ونَحْوُ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهم يَسْمَعُونَ سَلامَهُ لِأنَّهم لَوْ كانُوا لا يَسْمَعُونَ سَلامَهُ وكَلامَهُ لَكانَ خِطابُهُ لَهم مِن جِنْسِ خِطابِ المَعْدُومِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ، فَمِنَ البَعِيدِ جَدًّا صُدُورُهُ مِنهُ ﷺ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الدّالِّ عَلى أنَّ المَيِّتَ في قَبْرِهِ يَسْتَأْنِسُ بِوُجُودِ الحَيِّ عِنْدَهُ. وَإذا رَأيْتَ هَذِهِ الأدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الدّالَّةَ عَلى سَماعِ المَوْتى، فاعْلَمْ أنَّ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] لا تُخالِفُها، وقَدْ أوْضَحْنا الصَّحِيحَ مِن أوْجُهِ تَفْسِيرِها، وذَكَرْنا دَلالَةَ القَرائِنِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ، وأنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ لا تُنافِي الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرْنا أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، فَقَدْ قالَ في الجُزْءِ الرّابِعِ مِن ”مَجْمُوعِ الفَتاوِي“ مِن صَحِيفَةِ خَمْسٍ وتِسْعِينَ ومِائَتَيْنِ، إلى صَحِيفَةِ تِسْعٍ وتِسْعِينَ ومِائَتَيْنِ، ما نَصُّهُ: وقَدْ تُعادُ الرُّوحُ إلى البَدَنِ في غَيْرِ وقْتِ المَسْألَةِ، كَما في الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «ما مِن رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» ”. وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أبِي أوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ خَيْرَ أيّامِكم يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإنَّ صَلاتَكم مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ”، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهَ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عَلَيْكَ وقَدْ أرِمْتَ ؟ فَقالَ:“ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أنْ تَأْكُلَ أجْسادَ الأنْبِياءِ»، وهَذا البابُ فِيهِ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ، ما يَضِيقُ هَذا الوَقْتُ عَنِ اسْتِقْصائِهِ، مِمّا يُبَيِّنُ أنَّ الأبْدانَ الَّتِي في القُبُورِ تَنْعَمُ وتُعَذَّبُ إذا شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ كَما يَشاءُ، وأنَّ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ مُفارَقَةِ البَدَنِ ومُنْعِمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، ولِذا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلامِ عَلى المَوْتى، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ أنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ (p-١٣٣)أصْحابَهُ إذا زارُوا القُبُورَ أنْ يَقُولُوا: «السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا ومِنكم والمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهم ولا تَفْتِنّا بَعْدَهم، واغْفِرْ لَنا ولَهم» . وقَدِ انْكَشَفَ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ذَلِكَ حَتّى سَمِعُوا صَوْتَ المُعَذَّبِينَ في قُبُورِهِمْ، ورَأوْهم بِعُيُونِهِمْ يُعَذَّبُونَ في قُبُورِهِمْ في آثارٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ، ولَكِنْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا عَلى البَدَنِ في كُلِّ وقْتٍ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حالٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ قَتْلى بَدْرٍ ثَلاثًا ثُمَّ أتاهم فَقامَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ”يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ألَيْسَ قَدْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا ؟ فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا“، فَسَمَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُونَ وقَدْ جَيَّفُوا ؟ فَقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم ولَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُجِيبُوا“، ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ»، وقَدْ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَفَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقالَ: ”هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا“ ؟ وقالَ: ”إنَّهم لَيَسْمَعُونَ الآنَ ما أقُولُ»“، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعائِشَةَ فَقالَتْ: وهِمَ ابْنُ عُمَرَ، إنَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّهم لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ الَّذِي قُلْتُ لَهم هو الحَقُّ“، ثُمَّ قَرَأتْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، حَتّى قَرَأتِ الآيَةَ. وَأهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ ما رَواهُ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ، وإنْ كانا لَمْ يَشْهَدا بَدْرًا، فَإنَّ أنَسًا رَوى ذَلِكَ عَنْ أبِي طَلْحَةَ، وأبُو طَلْحَةَ شَهِدَ بَدْرًا كَما رَوى أبُو حاتِمٍ في صَحِيحِهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا في طُوًى مِن أطْواءِ بَدْرٍ، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أحَبَّ أنْ يُقِيمَ في عَرْصَتِهِمْ ثَلاثَ لَيالٍ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ أمَرَ بِراحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْها فَحَرَّكَها، ثُمَّ مَشى وتَبِعَهُ أصْحابُهُ، وقالُوا: ما نَراهُ يَنْطَلِقُ إلّا لِبَعْضِ حاجَتِهِ، حَتّى قامَ عَلى شِفاءِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، أيَسُرُّكم أنَّكم أطَعْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَإنّا قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا“، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ ولا أرْواحَ فِيها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم»“، قالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ (p-١٣٤)حَتّى أسْمَعَهم تَوْبِيخًا، وتَصْغِيرًا، ونِقْمَةً، وحَسْرَةً، وتَنْدِيمًا، وعائِشَةُ قالَتْ فِيما ذَكَرَتْهُ كَما تَأوَّلَتْ. والنَّصُّ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ مِن أصْحابِهِ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَنْفِي ذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، إنَّما أرادَ بِهِ السَّماعَ المُعْتادَ الَّذِي يَنْفَعُ صاحِبَهُ، فَإنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكُفّارِ، والكُفّارُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ، لَكِنْ لا تَسْمَعُ سَماعَ قَبُولٍ بِفِقْهٍ واتِّباعٍ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١]، فَهَكَذا المَوْتى الَّذِينَ ضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لا يَجِبُ أنْ يُنْفى عَنْهم جَمِيعُ أنْواعِ السَّماعِ، بَلِ السَّماعُ المُعْتادُ كَما لَمْ يَنْفِ ذَلِكَ عَنِ الكُفّارِ، بَلِ انْتَفى عَنْهُمُ السَّماعُ المُعْتادُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ. وَأمّا سَماعٌ آخَرُ فَلا يُنْفى عَنْهم، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَذا مُوافِقٌ لِهَذا فَكَيْفَ يُرْفَعُ ذَلِكَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ أبِي العَبّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وقَدْ تَراهُ صَرَّحَ فِيهِ بِأنَّ تَأوُّلَ عائِشَةَ لا يُرَدُّ بِهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ عَنْهُ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَنْفِي السَّماعَ الثّابِتَ لِلْمَوْتى في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَإذا عَلِمْتَ بِهِ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ ما يَنْفِي السَّماعَ المَذْكُورَ، عَلِمْتَ أنَّهُ ثابِتٌ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ، مِن غَيْرِ مُعارِضٍ. والحاصِلُ أنَّ تَأوُّلَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ، لا تُرَدُّ بِهِ رِواياتُ الصَّحابَةِ العُدُولِ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَنْهُ ﷺ، ويَتَأكَّدُ، ذَلِكَ بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْناهُ الآنَ مِن أنَّ رِوايَةَ العَدْلِ لا تُرَدُّ بِالتَّأْوِيلِ. الثّانِي: أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لَمّا أنْكَرَتْ رِوايَةَ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”إنَّهم لَيَسْمَعُونَ الآنَ ما أقُولُ»“، قالَتْ: إنَّ الَّذِي قالَهُ ﷺ: ”إنَّهم لَيَعْلَمُونَ الآنَ أنَّ الَّذِي كُنْتُ أقُولُ لَهم هو الحَقُّ“، فَأنْكَرَتِ السَّماعَ ونَفَتْهُ عَنْهم، وأثْبَتَتْ لَهُمُ العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ العِلْمُ صَحَّ مِنهُ السَّماعُ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُهم. الثّالِثُ: هو ما جاءَ عَنْها مِمّا يَقْتَضِي رُجُوعَها عَنْ تَأْوِيلِها، إلى الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ. ب قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ في المَغازِي لِابْنِ إسْحاقَ رِوايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ، عَنْ عائِشَةَ مِثْلُ حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ، وفِيهِ: «”ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما (p-١٣٥)أقُولُ مِنهم»“، وأخْرَجَهُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، فَإنْ كانَ مَحْفُوظًا فَكَأنَّها رَجَعَتْ عَنِ الإنْكارِ لِما ثَبَتَ عِنْدَها مِن رِوايَةِ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ؛ لِكَوْنِها لَمْ تَشْهَدِ القِصَّةَ، انْتَهى مِنهُ. واحْتِمالُ رُجُوعِها لِما ذُكِرَ قَوِيٌّ، لِأنَّ ما يَقْتَضِي رُجُوعَها ثَبَتَ بِإسْنادَيْنِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ أحَدَهُما جَيِّدٌ، والآخُرُ حَسَنٌ. ثُمَّ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قالَ الإسْماعِيلِيُّ: كانَ عِنْدَ عائِشَةَ مِنَ الفَهْمِ والذَّكاءِ وكَثْرَةِ الرِّوايَةِ والغَوْصِ عَلى غَوامِضِ العِلْمِ، ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا سَبِيلَ إلى رَدِّ رِوايَةِ الثِّقَةِ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلى نَسْخِهِ أوْ تَخْصِيصِهِ، أوِ اسْتِحالَتِهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ. وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في أوَّلِ ”كِتابِ الرُّوحِ“: المَسْألَةُ الأُولى: وهي هَلْ تَعْرِفُ الأمْواتَ زِيارَةَ الأحْياءِ وسَلامَهم أمْ لا ؟ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلى قَبْرِ أخِيهِ كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رَوْحَهُ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»، فَهَذا نَصٌّ في أنَّهُ يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلامَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: «أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلى بَدْرٍ فَأُلْقُوا في قَلِيبٍ، ثُمَّ جاءَ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِمْ وناداهم بِأسْمائِهِمْ: ”يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا، فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقًّا“، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تُخاطِبُ مِن أقْوامٍ قَدْ جَيَّفُوا، فَقالَ: ”والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ جَوابًا»“ . وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ: أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا عَنْهُ، وقَدْ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ إذا سَلَّمُوا عَلى أهْلِ القُبُورِ، أنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ سَلامَ مَن يُخاطِبُونَهُ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ»، وهَذا خِطابٌ لِمَن يَسْمَعُ ويَعْقِلُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ هَذا الخِطابُ بِمَنزِلَةِ خِطابِ المَعْدُومِ والجَمادِ، والسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلى هَذا، وقَدْ تَواتَرَتِ الآثارُ عَنْهم أنَّ المَيِّتَ يَعْرِفُ زِيارَةَ الحَيِّ لَهُ، ويَسْتَبْشِرُ لَهُ، قالَ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أبِي الدُّنْيا في ”كِتابِ القُبُورِ“: * * بابٌ في مَعْرِفَةِ المَوْتى بِزِيارَةِ الأحْياءِ. حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَمانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمْعانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما مِن رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أخِيهِ ويَجْلِسُ عِنْدَهُ إلّا اسْتَأْنَسَ بِهِ ورَدَّ عَلَيْهِ، حَتّى يَقُومَ“» . حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنا مَعْنُ بْنُ عِيسى القَزّازُ، أخْبَرَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-١٣٦)- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ أخِيهِ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ وعَرَفَهُ، وإذا مَرَّ بِقَبْرٍ لا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ. وَذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ في كَلامِ أبِي الدُّنْيا وغَيْرِهِ آثارًا تَقْتَضِي سَماعَ المَوْتى، ومَعْرِفَتَهم لِمَن يَزُورُهم، وذَكَرَ في ذَلِكَ مَرائِيَ كَثِيرًا جَدًا، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ المَرائِي، وإنْ لَمْ تَصْلُحْ بِمُجَرَّدِها لِإثْباتِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَهي عَلى كَثْرَتِها، وأنَّها لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ قَدْ تَواطَأتْ عَلى هَذا المَعْنى، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أرى رُؤْياكم قَدْ تَواطَأتْ عَلى أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ»، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ، فَإذا تَواطَأتْ رُؤْيا المُؤْمِنِينَ عَلى شَيْءٍ، كانَ كَتَواطُؤِ رِوايَتِهِمْ لَهُ، ومِمّا قالَهُ ابْنُ القَيِّمِ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ المَذْكُورِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ المَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالمُشَيِّعِينَ لِجِنازَتِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ، فَرَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمّاسَةَ المَهْرِيِّ، قالَ: حَضَرْنا عَمْرَو بْنَ العاصِ، وهو في سِياقِ المَوْتِ، فَبَكى طَوِيلًا وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ. . الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَإذا أنا مُتُّ فَلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ ولا نارٌ، فَإذا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ سَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ الجَزُورُ، ويُقَسَّمُ لَحْمُها، حَتّى أسْتَأْنِسَ بِكم وأنْظُرَ ماذا أُراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، فَدَلَّ عَلى أنَّ المَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالحاضِرِينَ عِنْدَ قَبْرِهِ ويُسَرُّ بِهِمْ، ا هـ. وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، لِأنَّ اسْتِئْناسَ المَقْبُورِ بِوُجُودِ الأحْياءِ عِنْدَ قَبْرِهِ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ. وَمِمّا قالَهُ ابْنُ القِيَمِ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ المَذْكُورِ: ويَكْفِي في هَذا تَسْمِيَةُ المُسْلِمِ عَلَيْهِمْ زائِرًا، ولَوْلا أنَّهم يَشْعُرُونَ بِهِ لَما صَحَّ تَسْمِيَتُهُ زائِرًا، فَإنَّ المَزُورَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيارَةِ مَن زارَهُ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: زارَهُ، وهَذا هو المَعْقُولُ مِنَ الزِّيارَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الأُمَمِ، وكَذَلِكَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أيْضًا، فَإنَّ السَّلامَ عَلى مَن لا يَشْعُرُ ولا يَعْلَمُ بِالمُسْلِمِ مُحالٌ، وقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ إذا زارُوا القُبُورَ أنْ يَقُولُوا: «”السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا ومِنكم والمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ»“، وهَذا السَّلامُ والخِطابُ والنِّداءُ لِمَوْجُودٍ يَسْمَعُ، ويُخاطِبُ، ويَعْقِلُ، ويَرُدُّ، وإنْ لَمْ يَسْمَعِ المُسْلِمُ الرَّدَّ. وَمِمّا قالَهُ ابْنُ القِيَمِ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ قَوْلُهُ: وقَدْ تَرْجَمَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ الأشْبِيلِيُّ عَلى هَذا، فَقالَ: ذِكْرُ ما جاءَ أنَّ المَوْتى يُسْألُونَ عَنِ الأحْياءِ، ويَعْرِفُونَ أقْوالَهم وأعْمالَهم، ثُمَّ قالَ: ذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما مِن (p-١٣٧)رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُؤْمِنِ كانَ يَعْرِفُهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلّا عَرَفَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» . وَيُرْوى مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قالَ: «فَإنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»، قالَ: ويُرْوى مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما مِن رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أخِيهِ فَيَجْلِسُ عِنْدَهُ، إلّا اسْتَأْنَسَ بِهِ حَتّى يَقُومَ“»، واحْتَجَّ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ في هَذا البابِ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتّى أرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الحَقِّ وغَيْرِهِ مَرائِيَ وآثارًا في المَوْضُوعِ، ثُمَّ قالَ في كَلامِهِ الطَّوِيلِ: ويَدُلُّ عَلى هَذا أيْضًا ما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ النّاسِ قَدِيمًا وإلى الآنِ، مِن تَلْقِينِ المَيِّتِ في قَبْرِهِ ولَوْلا أنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ ويَنْتَفِعُ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ، وكانَ عَبَثًا. وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فاسْتَحْسَنَهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالعَمَلِ. وَيُرْوى فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: ذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ أحَدُكم فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرابَ، فَلْيَقُمْ أحَدُكم عَلى رَأْسِ قَبْرِهِ، فَيَقُولُ: يا فُلانَ بْنَ فُلانَةَ ”، الحَدِيثَ. وفِيهِ:“ اذْكُرْ ما خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا شَهادَةَ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا»، الحَدِيثَ. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: فَهَذا الحَدِيثُ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ، فاتِّصالُ العَمَلِ بِهِ في سائِرِ الأمْصارِ والأعْصارِ مِن غَيْرِ إنْكارٍ كافٍ في العَمَلِ بِهِ، وما أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ العادَةَ قَطُّ بِأنَّ أُمَّةً طَبَّقَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهي أكْمَلُ الأُمَمِ عُقُولًا، وأوْفَرُها مَعارِفَ تُطْبِقُ عَلى مُخاطَبَةِ مَن لا يَسْمَعُ، وتَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ لا يُنْكِرُهُ مِنها مُنْكِرٌ بَلْ سَنَّهُ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، ويَقْتَدِي فِيهِ الآخِرُ بِالأوَّلِ، فَلَوْلا أنَّ الخِطابَ يُسْمَعُ لَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لِلتُّرابِ، والخَشَبِ والحَجَرِ والمَعْدُومِ، وهَذا وإنِ اسْتَحْسَنَهُ واحِدٌ فالعُلَماءُ قاطِبَةً عَلى اسْتِقْباحِهِ واسْتِهْجانِهِ. وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ بِإسْنادٍ لا بَأْسَ بِهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَرَ جِنازَةَ رَجُلٍ، فَلَمّا دُفِنَ قالَ: «سَلُوا لِأخِيكُمُ التَّثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْألُ»، فَأخْبَرَ أنَّهُ يُسْألُ حِينَئِذٍ، وإذا كانَ يُسْألُ فَإنَّهُ يَسْمَعُ التَّلْقِينَ، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ» . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ قِصَّةَ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ، وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ، وتَنْفِيذَ عَوْفٍ لِوَصِيَّةِ الصَّعْبِ لَهُ في المَنامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأثْنى عَلى عَوْفِ بْنِ مالِكٍ بِالفِقْهِ في تَنْفِيذِهِ وصِيَّةِ الصَّعْبِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِما (p-١٣٨)عُلِمَ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالقَرائِنِ، وكانَ في الوَصِيَّةِ الَّتِي نَفَّذَها عَوْفٌ إعْطاءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ لِيَهُودِيٍّ مِن تَرِكَةِ الصَّعْبِ كانَتْ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وماتَ قَبْلَ قَضائِها. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وهَذا مِن فِقْهِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ حَيْثُ نَفَّذَ وصِيَّةَ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وعَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِهِ بِالقَرائِنِ الَّتِي أخْبَرَهُ بِها، مِن أنَّ الدَّنانِيرَ عَشْرَةٌ وهي في القَرْنِ، ثُمَّ سَألَ اليَهُودِيَّ فَطابَقَ قَوْلُهُ ما في الرُّؤْيا فَجَزَمَ عَوْفٌ بِصِحَّةِ الأمْرِ، فَأعْطى اليَهُودِيَّ الدَّنانِيرَ، وهَذا فِقْهٌ إنَّما يَلِيقُ بِأفْقَهِ النّاسِ وأعْلَمِهِمْ، وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَعَلَّ أكْثَرَ المُتَأخِّرِينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ، ويَقُولُ: كَيْفَ جازَ لِعَوْفٍ أنْ يَنْقُلَ الدَّنانِيرَ مِن تَرِكَةٍ صَعْبَةٍ، وهي لِأيْتامِهِ ووَرَثَتِهِ إلى يَهُودِيٍّ بِمَنامٍ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ تَنْفِيذَ خالِدٍ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصِيَّةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وفي وصِيَّتِهِ المَذْكُورَةِ قَضاءُ دِينٍ عَيَّنَهُ لِرَجُلٍ في المَنامِ، وعِتْقِ بَعْضِ رَقِيقِهِ، وقَدْ وصَفَ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَآهُ في مَنامِهِ المَوْضِعَ الَّذِي جَعَلَ فِيهِ دِرْعَهُ الرَّجُلُ الَّذِي سَرَقَها، فَوَجَدُوا الأمْرَ كَما قالَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ. وَإذا كانَتْ وصِيَّةُ المَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَدْ نَفَّذَها في بَعْضِ الصُّوَرِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُدْرِكُ ويَعْقِلُ ويَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ في خاتِمَةِ كَلامِهِ الطَّوِيلِ: والمَقْصُودُ جَوابُ السّائِلِ وأنَّ المَيِّتَ إذا عَرَفَ مِثْلَ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ وتَفاصِيلَها، فَمَعْرِفَتُهُ بِزِيارَةِ الحَيِّ لَهُ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ودُعاؤُهُ لَهُ أوْلى وأحْرى، ا هـ. فَكَلامُ ابْنِ القَيِّمِ هَذا الطَّوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضَهُ جُمْلَةً وبَعْضَهُ تَفْصِيلًا، فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ المُقْنِعَةِ ما يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى سَماعِ الأمْواتِ، وكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي نَقَلْنا عَنْ شَيْخِهِ أبِي العَبّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، وفي كَلامِهِما الَّذِي نَقَلْنا عَنْهُما أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، وآثارٌ كَثِيرَةٌ، ومَرائِي مُتَواتِرَةٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما ذَكَرْنا في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ مِن تَلْقِينِ المَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ، أنْكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ، وأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ إلّا أهْلُ الشّامِ، وقَدْ رَأيْتَ ابْنَ القَيِّمِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأدِلَّةٍ، مِنها: أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فاسْتَحْسَنَهُ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالعَمَلِ. ومِنها: أنَّ عَمَلَ المُسْلِمِينَ اتَّصَلَ بِهِ في سائِرِ الأمْصارِ والأعْصارِ مِن غَيْرِ إنْكارٍ. وَمِنها: أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ الدّافِنِينَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ‌‌‌‌‌‌، واسْتِدْلالُهُ بِهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ اسْتِدْلالٌ قَوِيٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَسْمَعُ قَرْعَ النِّعالِ، فَلَأنْ يَسْمَعُ الكَلامَ الواضِحَ بِالتَّلْقِينِ مِن أصْحابِ النِّعالِ أوْلى (p-١٣٩)وَأحْرى، واسْتِدْلالُهُ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أبِي داوُدَ: «سَلُوا لِأخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإنَّهُ الآنَ يُسْألُ»، لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَسْمَعُ سُؤالَ السّائِلِ فَإنَّهُ يَسْمَعُ تَلْقِينَ المُلَقِّنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والفَرْقُ بَيْنَ سَماعِهِ سُؤالَ المَلِكِ وسَماعِهِ التَّلْقِينَ مِنَ الدّافِنِينَ مُحْتَمَلٌ احْتِمالًا قَوِيًّا، وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ المَوْتِ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا أهْلُ الشّامِ، يُقالُ فِيهِ: إنَّهم هم أوَّلُ مَن فَعَلَهُ، ولَكِنَّ النّاسَ تَبِعُوهم في ذَلِكَ، كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ. قالَ الشَّيْخُ الحَطّابَ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ المالِكِيِّ في مُخْتَصَرِهِ: (وتَلْقِينُهُ الشَّهادَةَ) وجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبابِ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ. وَقالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ في شَرْحِ الرِّسالَةِ والإرْشادِ، وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أبُو بَكْرِ بْنِ الطِّلاعِ مِنَ المالِكِيَّةِ، فَقالَ: هو الَّذِي نَخْتارُهُ ونَعْمَلُ بِهِ، وقَدْ رُوِّينا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أبِي أُمامَةَ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِالشَّواهِدِ، وعَمَلِ أهْلِ الشّامِ قَدِيمًا، إلى أنْ قالَ: وقالَ في المَدْخَلِ: يَنْبَغِي أنْ يَتَفَقَّدَهُ بَعْدَ انْصِرافِ النّاسِ عَنْهُ مَن كانَ مِن أهْلِ الفَضْلِ والدِّينِ، ويَقِفَ عِنْدَ قَبْرِهِ تِلْقاءَ وجْهِهِ ويُلَقِّنَهُ؛ لِأنَّ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ، إذْ ذاكَ يَسْألانِهِ وهو يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِ المُنْصَرِفِينَ. وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا فَرَغَ مِن دَفْنِ المَيِّتِ وقَفَ عَلَيْهِ، وقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكم واسْألُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْألُ»، إلى أنْ قالَ: وقَدْ كانَ سَيِّدِي أبُو حامِدِ بْنُ البَقّالِ، وكانَ مِن كِبارِ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ، إذا حَضَرَ جِنازَةً عَزّى ولَيَّها بَعْدَ الدَّفْنِ، وانْصَرَفَ مَعَ مَن يَنْصَرِفُ، فَيَتَوارى هُنَيْهَةً حَتّى يَنْصَرِفَ النّاسُ، ثُمَّ يَأْتِي إلى القَبْرِ، فَيُذَكِّرُ المَيِّتَ بِما يُجاوِبُ بِهِ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الحَطّابِ. وَما ذَكَرَهُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرِ بْنِ الطِّلاعِ المالِكِيِّ لَهُ وجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ثُمَّ قالَ الحَطّابُ: واسْتَحَبَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ أيْضًا القُرْطُبِيُّ والثَّعالِبِيُّ وغَيْرُهُما، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي. . . في أوَّلِ كِتابِ الجَنائِزِ يَعْنِي مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وفي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في كِتابِ ”الإيمانِ“ مَيْلٌ إلَيْهِ، انْتَهى مِنَ الحَطّابِ. وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العاصِ المُشارُ إلَيْهِ، هو الَّذِي ذَكَرْنا مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ. قالَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى العَنَزِيُّ، وأبُو مَعْنٍ الرَّقاشِيُّ، وإسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، كُلُّهم عَنْ أبِي عاصِمٍ. واللَّفْظُ لِابْنِ المُثَنّى: حَدَّثَنا الضَّحّاكُ، يَعْنِي أبا عاصِمٍ، قالَ: أخْبَرَنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شَمّاسَةَ (p-١٤٠)المَهْرِيِّ، قالَ: حَضَرْنا عَمْرَو بْنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، فَبَكى طَوِيلًا وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، الحَدِيثَ. وقَدْ قَدَّمْنا مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ المَذْكُورِ، وقَدَّمْنا أنَّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وأنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلى اسْتِئْناسِ المَيِّتِ بِوُجُودِ الأحْياءِ عِنْدَ قَبْرِهِ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”رَوْضَةِ الطّالِبِينَ“، ما نَصُّهُ: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُلَقَّنَ المَيِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ، فَيُقالُ: يا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أمَةِ اللَّهِ اذْكُرْ ما خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا: شَهادَةَ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النّارَ حَقٌّ، وأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ، وأنْتَ رَضِيَتْ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا، ورَدَ بِهِ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ . قُلْتُ: هَذا التَّلْقِينُ اسْتَحَبَّهُ جَماعاتٌ مِن أصْحابِنا، مِنهُمُ القاضِي حُسَيْنٌ، وصاحِبُ التَّتِمَّةِ، والشَّيْخُ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في كِتابِهِ ”التَّهْذِيبُ“ وغَيْرُهم، ونَقَلَهُ القاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أصْحابِنا مُطْلَقًا، والحَدِيثُ الوارِدُ فِيهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ أحادِيثَ الفَضائِلِ يُتَسامَحُ فِيها عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وغَيْرِهِمْ، وقَدِ اعْتَضَدَ هَذا الحَدِيثُ بِشَواهِدَ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ كَحَدِيثِ: «”اسْألُوا لَهُ التَّثْبِيتَ»“، ووَصِيَّةِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ، ويُقَسَّمُ لَحْمُها حَتّى أسْتَأْنِسَ بِكم وأعْلَمَ ماذا أُراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، ولَمْ يَزَلْ أهْلُ الشّامِ عَلى العَمَلِ بِهَذا التَّلْقِينِ، مِنَ العَصْرِ الأوَّلِ، وفي زَمَنِ مَن يُقْتَدى بِهِ، ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ. وَبِما ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ وابْنُ الطِّلاعِ، وصاحِبُ المَدْخَلِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والنَّوَوِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، كَما أوْضَحْنا كَلامَهم تَعْلَمُ أنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ لَهُ وجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ جاءَ فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، واعْتَضَدَ بِشَواهِدَ صَحِيحَةٍ، وبِعَمَلِ أهْلِ الشّامِ قَدِيمًا، ومُتابَعَةِ غَيْرِهِمْ لَهم. وَبِما عُلِمَ في عِلْمِ الحَدِيثِ مِنَ التَّساهُلِ في العَمَلِ بِالضَّعِيفِ في أحادِيثِ الفَضائِلِ، ولا سِيَّما المُعْتَضِدُ مِنها بِصَحِيحٍ، وإيضاحُ شَهادَةِ الشَّواهِدِ لَهُ أنَّ حَقِيقَةَ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ مُرَكَّبَةٌ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: سَماعُ المَيِّتِ كَلامَ مُلَقِّنِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ. (p-١٤١)والثّانِي: انْتِفاعُهُ بِذَلِكَ التَّلْقِينِ، وكِلاهُما ثابِتٌ في الجُمْلَةِ، أمّا سَماعُهُ لِكَلامِ المُلَقِّنِ فَيَشْهَدُ لَهُ سَماعُهُ لِقَرْعِ نَعْلِ المُلَقِّنِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَيْسَ سَماعُ كَلامِهِ بِأبْعَدَ مِن سَماعِ قَرْعِ نَعْلِهِ كَما تَرى. وأمّا انْتِفاعُهُ بِكَلامِ المُلَقِّنِ، فَيَشْهَدُ لَهُ انْتِفاعُهُ بِدُعاءِ الحَيِّ وقْتَ السُّؤالِ في حَدِيثِ: «سَلُوا لِأخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإنَّهُ يُسْألُ الآنَ»، واحْتِمالُ الفَرْقِ بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّلْقِينِ قَوِيٌّ جَدًا كَما تَرى، فَإذا كانَ وقْتُ السُّؤالِ يَنْتَفِعُ بِكَلامِ الحَيِّ الَّذِي هو دُعاؤُهُ لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِانْتِفاعِهِ بِكَلامِ الحَيِّ الَّذِي هو تَلْقِينُهُ إيّاهُ وإرْشادُهُ إلى جَوابِ المَلَكَيْنِ، فالجَمِيعُ في الأوَّلِ سَماعٌ مِنَ المَيِّتِ لِكَلامِ الحَيِّ، وفي الثّانِي انْتِفاعٌ مِنَ المَيِّتِ بِكَلامِ الحَيِّ وقْتَ السُّؤالِ، وقَدْ عَلِمْتَ قُوَّةَ احْتِمالِ الفِرَقِ بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّلْقِينِ. وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى سَماعِ المَيِّتِ كَلامَ الحَيِّ، ومِن أوْضَحِ الشَّواهِدِ لِلتَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ السَّلامُ عَلَيْهِ، وخِطابُهُ خِطابَ مَن يَسْمَعُ، ويَعْلَمُ عِنْدَ زِيارَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما خِطابٌ لَهُ في قَبْرِهِ، وقَدِ انْتَصَرابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”الرُّومِ“، في كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٣٢ - ٣٣]، لِسَماعِ المَوْتى، وأوْرَدَ في ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنا في كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ، وابْنِ أبِي الدُّنْيا وغَيْرِهِما، وكَثِيرًا مِنَ المَرائِي الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا الحَدِيثَ الدّالَّ عَلى أنَّ المَرائِيَ إذا تَواتَرَتْ أفادَتِ الحُجَّةَ، ومِمّا قالَ في كَلامِهِ المَذْكُورِ: وقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، عَلى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، في رِوايَتِهِ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ القَتْلى الَّذِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، إلى أنْ قالَ: والصَّحِيحُ عِنْدَ العُلَماءِ رِوايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لِما لَها مِنَ الشَّواهِدِ عَلى صِحَّتِها، مِن أشْهَرِ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُسْلِمِ كانَ يَعْرِفُهُ»، الحَدِيثَ. وَقَدْ قَدَّمْناهُ في هَذا المَبْحَثِ مِرارًا، وبِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا في هَذا المَبْحَثِ في الكَلامِ عَلى آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يُرَجِّحُهُ الدَّلِيلُ: أنَّ المَوْتى يَسْمَعُونَ سَلامَ الأحْياءِ وخِطابَهم سَواءٌ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أرْواحَهم حَتّى يَسْمَعُوا الخِطابَ ويَرُدُّوا الجَوابَ، أوْ قُلْنا: إنَّ الأرْواحَ أيْضًا تَسْمَعُ وتَرُدُّ بَعْدَ فَناءِ الأجْسامِ، لِأنّا قَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا يَنْبَنِي عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ: ثُبُوتُ سَماعِ المَوْتى بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ القُرْآنَ لا يُعارِضُها عَلى التَّفْسِيرِ (p-١٤٢)الصَّحِيحِ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ القَرائِنُ القُرْآنِيَّةُ، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ظَهَرَ بِذَلِكَ رُجْحانُهُ عَلى تَأوُّلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَن تَبِعَها بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَفِي الأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ عَلى ذَلِكَ مُقْنِعٌ لِلْمُنْصِفِ، وقَدْ زِدْنا عَلَيْها ما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النمل 27:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خُصُوصُ الحَشْرِ بِهَذِهِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ بِآياتِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى عُمُومِ الحَشْرِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ أوْضَحْنا في كِتابِنا ”دَفَعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ، في الكَلامِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى فِيها: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآيَةَ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وذَكَرْنا قَوْلَ الألُوسِيِّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ في الحَشْرِ العامِّ لِجَمِيعِ النّاسِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ في الحَشْرِ الخاصِّ بِهَذِهِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ؛ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٤]، وهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، كَما تَرى. وَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الأفْواجُ الَّتِي تُحْشَرُ حَشْرًا خاصًّا هي رُؤَساءُ أهْلِ الضَّلالِ وقادَتُهم، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٦٩]، والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢]، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾، أيْ: يَرِدُ أوَّلُهم عَلى (p-١٤٣)آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا، ثُمَّ يُدْفَعُونَ جَمِيعًا، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ الحَشْرَ خاصٌّ بِهَؤُلاءِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَشْرَ عامٌّ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ عَنْ كَثْرَةٍ. والجَوابُ عَنْ هَذا، هو ما بَيَّنَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ يُرادُ بِهِ الحَشْرُ العامُّ وقَوْلَهَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أيْ بَعْدَ الحَشْرِ العامِّ يَجْمَعُ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]، فالمُرادُ بِالفَوْجِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ الفَوْجُ المُكَذِّبُ لِلرُّسُلِ يُحْشَرُ لِلتَّوْبِيخِ حَشْرًا خاصًّا، فَلا يُنافِي حَشْرَ الكُلِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ مِن تَخْصِيصِ الفَوْجِ بِالرُّؤَساءِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم.

النمل 27:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أيْ يُسْألُونَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ وأعْمالِهِمْ، ومَقْصُودُهُ بِسُؤالِهِمْ عَنِ اعْتِقادِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي هي هَذا القُرْآنُ مِن عَقائِدِ الإيمانِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، كَما هو مَعْلُومٌ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وغَيْرِهِ، ومَقْصُودُهُ بِسُؤالِهِمْ عَنْ أعْمالِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والسُّؤالُ المَذْكُورُ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، فَقَدْ وبَّخَهم تَعالى فِيهِ عَلى فَسادِ الِاعْتِقادِ، وفَسادِ الأعْمالِ، والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِما مَعًا المَذْكُورُ هُنا جاءَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾، تَوْبِيخٌ عَلى فَسادِ الِاعْتِقادِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلا صَلّى﴾: تَوْبِيخٌ عَلى إضاعَةِ العَمَلِ.

النمل 27:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِمْ هو كَلِمَةُ العَذابِ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ لا يَنْطِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٧]، مَعَ أنَّهُ بَيَّنَتْ آياتٌ أُخَرُ مِن كِتابِ اللَّهِ أنَّهم يَنْطِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ويَعْتَذِرُونَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يامالِكُ﴾ (p-١٤٤)الآيَةَ [الزخرف: ٧٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى كَلامِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وَقَدْ بَيَّنّا الجَوابَ عَنْ هَذا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في سُورَةِ ”المُرْسَلاتِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، وما ذَكَرْنا مِنَ الآياتِ. فَذَكَرْنا أنَّ مِن أوْجُهِ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنَّ القِيامَةَ مَواطِنُ، فَفي بَعْضِها يَنْطِقُونَ، وفي بَعْضِها لا يَنْطِقُونَ، فَإثْباتُ النُّطْقِ لَهم ونَفْيُهُ عَنْهم كِلاهُما مُنَزَّلٌ عَلى حالٍ ووَقْتٍ غَيْرِ حالِ الآخَرِ ووَقْتِهِ. ومِنها أنَّ نُطْقَهُمُ المُثْبَتَ لَهم خاصٌّ بِما لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ، والنُّطْقَ المَنفِيَّ عَنْهم خاصٌّ بِما لَهم فِيهِ فائِدَةٌ ومِنها غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرْنا شَيْئًا مِن أجْوِبَةِ ذَلِكَ في ”الفُرْقانِ“ و ”طَهَ“، و ”الإسْراءِ“ .

النمل 27:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٢] .

النمل 27:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونَ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا في تَرْجَمَتِهِ أيْضًا أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها الِاسْتِدْلالُ عَلى المَعْنى، بِكَوْنِهِ هو الغالِبُ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ غَلَبَتَهُ فِيهِ، تَدُلُّ عَلى عَدَمِ خُرُوجِهِ مِن مَعْنى الآيَةِ، ومَثَّلْنا لِجَمِيعِ ذَلِكَ أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، والأمْرانِ المَذْكُورانِ مِن أنْواعِ البَيانِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِما مَعًا آيَةُ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قَدْ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِبالَ الآنَ في دارِ الدُّنْيا يَحْسَبُها رائِيها جامِدَةً، أيْ: واقِفَةً ساكِنَةً غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ، وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ يَصِفُ جَيْشًا: ؎بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍّ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ والنَّوْعانِ المَذْكُورانِ مِن أنْواعِ البَيانِ، يُبَيِّنانِ عَدَمَ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ. (p-١٤٥)أمّا الأوَّلُ مِنهُما: وهو وُجُودُ القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ، فَهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَفَزِعَ، وذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُرَتَّبٌ بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٧]، أيْ: ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ وتَرى الجِبالَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ القَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ مَرَّ الجِبالِ مَرَّ السَّحابِ كائِنٌ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، لا الآنَ. وَأمّا الثّانِي: وهو كَوْنُ هَذا المَعْنى هو الغالِبُ في القُرْآنِ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي فِيها حَرَكَةُ الجِبالِ كُلُّها في يَوْمِ القِيامَةِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] . وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، جاءَ نَحْوُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، وتَسْيِيرُ الجِبالِ وإيجادُها ونَصْبُها قَبْلَ تَسْيِيرِها، كُلُّ ذَلِكَ صُنْعٌ مُتْقَنٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ . (p-٣٦٠)هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الجِبالَ يَظُنُّها الرّائِي ساكِنَةً وهي تَسِيرُ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجِبالَ راسِيَةٌ، والرّاسِي هو الثّابِتُ في مَحَلٍّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [ ٧٩ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ [الحجر: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] . وَوَجْهُ الجَمْعِ ظاهَرٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ”أرْساها“ ونَحْوَهُ، يَعْنِي في الدُّنْيا، وقَوْلَهُ. ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ [النمل: ٨٧] ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وَتَرى الجِبالَ﴾ الآيَةَ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ عَلى أنَّ سَيْرَ الجِبالِ في يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] .

النمل 27:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ . اعْلَمْ: أنَّ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَشْمَلُ نَوْعَيْنِ مِنَ الحَسَناتِ: الأوَّلُ: حَسَنَةٌ هي فِعْلُ خَيْرٍ مِن أفْعالِ العَبْدِ، كالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾، بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الحَسَناتِ، أنَّ الثَّوابَ مُضاعَفٌ، فَهو خَيْرٌ مِن نَفْسِ العَمَلِ؛ لِأنَّ مَن أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَأعْطاهُ اللَّهُ ثَوابًا هو سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابٌ هو سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا، خَيْرٌ مِنَ الحَسَنَةِ الَّتِي قَدَّمَها الَّتِي هي إنْفاقُ دِرْهَمٍ واحِدٍ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ كَما تَرى. (p-١٤٦)وَهَذا المَعْنى تُوَضِّحُهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ومَعْلُومٌ أنَّ عَشْرَ أمْثالِ الحَسَنَةِ خَيْرٌ مِنها هي وحْدَها؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الحَسَنَةِ: فَكَقَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا يُوجَدُ شَيْءٌ خَيْرٌ مَن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بَلْ هي أساسُ الخَيْرِ كُلِّهِ، والَّذِي يَظْهَرُ عَلى هَذا المَعْنى أنَّ لَفْظَةَ خَيْرٌ لَيْسَتْ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ. وَأنَّ المَعْنى: فَلَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ حاصِلٌ لَهُ مِنها، أيْ: مِن قِبَلِها ومِن أجْلِها، وعَلَيْهِ فَلَفْظَةُ مِن في الآيَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥]، أيْ: مِن أجْلِ خِطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا، فَأُدْخِلُوا نارًا. وأمّا عَلى الأوَّلِ فَخَيْرٌ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ لَفْظَةَ خَيْرٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ أيْضًا، ولا يُرادُ بِها تَفْضِيلُ شَيْءٍ عَلى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعَبَّدَ بِها العَبْدُ في دارِ الدُّنْيا، وتَعَبُّدُهُ بِها فِعْلُهُ المَحْضُ، وقَدْ أثابَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَلى تَعَبُّدِهِ بِها، وإثابَةُ اللَّهِ فِعْلُهُ جَلَّ وعَلا، ولا شَكَّ أنَّ فِعْلَ اللَّهِ خَيْرٌ مِن فِعْلِ عَبْدِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . دَلَّتْ عَلى مَعْناهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى في أمْنِهِمْ مِنَ الفَزَعِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى في أمْنِهِمْ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [النمل: ٨٩]، قَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَنْوِينٍ فَزَعٍ، وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، بَلْ بِالإضافَةِ إلى يَوْمَئِذٍ، إلّا أنَّ نافِعًا قَرَأ بِفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ مَعَ إضافَةِ فَزَعٍ إلَيْهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ مَعَ كَسْرِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ، وفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن نَحْوِ يَوْمَئِذٍ، قَدْ أوْضَحْناهُ بِلُغاتِهِ وشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ مَعَ بَيانِ المُخْتارِ مِنَ اللُّغاتِ في سُورَةِ (p-١٤٧)”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٥] .

النمل 27:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وأبُو وائِلٍ، وأبُو صالِحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، يَعْنِي الشِّرْكَ. وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَضَمَّنَتْ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَن جاءَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالسَّيِّئَةِ كالشِّرْكِ يُكَبُّ وجْهُهُ في النّارِ. والثّانِي: أنَّ السَّيِّئَةَ إنَّما تُجْزى بِمِثْلِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وهَذانِ الأمْرانِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى في الأوَّلِ مِنهُما: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤]، • وكَقَوْلِهِ تَعالى في الثّانِي مِنهُما: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٦٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] . وَإذا عَلِمْتَ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُضاعَفُ، فاعْلَمْ أنَّ السَّيِّئَةَ قَدْ تَعْظُمُ فَيَعْظُمُ جَزاؤُها بِسَبَبِ حُرْمَةِ المَكانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أوْ حُرْمَةِ الزَّمانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأشْهُرِ الحَرامِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] . وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أنَّ العَذابَ يَعْظُمُ بِسَبَبِ عِظَمِ الإنْسانِ المُخالِفِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٤٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، (p-١٤٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى في أزْواجِهِ ﷺ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠]، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِنَ الكَلامِ عَلى هَذا، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]، مَعَ تَفْسِيرِ الآيَةِ، ومُضاعَفَةِ السَّيِّئَةِ المُشارِ إلَيْها في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، إنْ كانَتْ بِسَبَبِ عِظَمِ الذَّنْبِ، حَتّى صارَ في عِظَمِهِ كَذَنْبَيْنِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَتْ مُضاعَفَةُ جَزاءِ السَّيِّئَةِ كانَتْ هاتانِ الآيَتانِ مُخَصَّصَتَيْنِ لِلْآياتِ المُصَرِّحَةِ، بِأنَّ السَّيِّئَةَ لا تُجْزى إلّا بِمِثْلِها، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النمل 27:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ ١٠٦ \ ٤ ]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي فِيها زِيادَةُ إيضاحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٧] .

النمل 27:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى (p-١٤٩)وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها. جاءَ مَعْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .

النمل 27:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: عَمّا تَعْمَلُونَ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ.

القصص 28:5

(p-١٥٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَصَصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، هو الكَلِمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا السَّبَبَ الَّذِي جَعَلَهم بِهِ أئِمَّةً جَمْعَ إمامٍ، أيْ: قادَةً في الخَيْرِ، دُعاةً إلَيْهِ عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أيْضًا الشَّيْءَ الَّذِي جَعَلَهم وارِثِيهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ فَبَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي جَعَلَهم بِهِ أئِمَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فالصَّبْرُ واليَقِينُ هُما السَّبَبُ في ذَلِكَ، وبَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي جَعَلَهم لَهُ وارِثِينَ • بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩] .

القصص 28:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، لامُ التَّعْلِيلِ المَعْرُوفَةُ بِلامِ كَيْ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لا المَجازِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] . وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصْرِفُ مَشِيئَةَ العَبْدِ وقُدْرَتَهُ بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا، إلى ما سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ، وقَدْ صَرَفَ مَشِيئَةَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا، إلى التِقاطِهِمْ مُوسى؛ لِيَجْعَلَهُ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، (p-١٥١)فَكَأنَّهُ يَقُولُ: قَدَّرْنا عَلَيْهِمُ التِقاطَهُ بِمَشِيئَتِنا لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، وهَذا مَعْنًى واضِحٌ، لا لَبْسَ فِيهِ ولا إشْكالَ، كَما تَرى. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ولَكِنْ إذا نُظِرَ إلى مَعْنى السِّياقِ، فَإنَّهُ تَبْقى اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَيِّضَهم لِالتِقاطِهِ، لِيَجْعَلَهُ عَدُوًّا لَهم وحَزَنًا، فَيَكُونُ أبْلَغَ في إبْطالِ حَذَرِهِمْ مِنهُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِهِ. وهَذا المَعْنى هو التَّحْقِيقُ في الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، كَما بَيَّنّا وجْهَهُ آنِفًا. وَبِهَذا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أنَّ ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُنْشِدُونَ لَهُ الشَّواهِدَ مِن أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيَكُونَ، لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ خِلافَ الصَّوابِ، وأنَّ ما يَقُولُهُ البَيانِيُّونَ مِن أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيَكُونَ فِيها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في مُتَعَلِّقِ مَعْنى الحَرْفِ، خِلافَ الصَّوابِ أيْضًا. وَإيضاحُ مُرادِ البَيانِيِّينِ بِذَلِكَ، هو أنَّ مِن أنْواعِ تَقْسِيمِهِمْ لِما يُسَمُّونَهُ الِاسْتِعارَةَ، الَّتِي هي عِنْدَهم مَجازٌ عَلاقَتُهُ المُشابِهَةُ أنَّهم يُقَسِّمُونَها إلى اسْتِعارَةٍ أصْلِيَّةٍ، واسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ، ومُرادُهم بِالِاسْتِعارَةِ الأصْلِيَّةِ الِاسْتِعارَةُ في أسْماءِ الأجْناسِ الجامِدَةِ والمُصادَرِ، ومُرادُهم بِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ قِسْمانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِعارَةُ في المُشْتَقّاتِ، كاسْمِ الفاعِلِ والفِعْلِ. والثّانِي: الِاسْتِعارَةُ في مُتَعَلِّقِ مَعْنى الحَرْفِ، وهو المَقْصُودُ بِالبَيانِ. فَمِثالُ الِاسْتِعارَةِ الأصْلِيَّةِ عِنْدَهم: رَأيْتُ أسَدًا عَلى فَرَسِهِ، فَفي لَفْظَةِ أسَدٍ في هَذا المِثالِ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ عِنْدَهم، فَإنَّهُ أرادَ تَشْبِيهَ الرَّجُلِ الشُّجاعِ بِالأسَدِ لِعَلاقَةِ الشَّجاعَةِ، فَحَذَفَ المُشَبَّهَ الَّذِي هو الرَّجُلُ الشُّجاعُ، وصَرَّحَ بِالمُشَبَّهِ بِهِ الَّذِي هو الأسَدُ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، وصارَتْ أصْلِيَّةً؛ لِأنَّ الأسَدَ اسْمُ جِنْسٍ جامِدٍ. وَمِثالُ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في المُشْتَقِّ عِنْدَهم قَوْلُكُ: الحالُ ناطِقَةٌ بِكَذا، فالمُرادُ عِنْدَهم: تَشْبِيهُ دَلالَةِ الحالِ بِالنُّطْقِ بِجامِعِ الفَهْمِ والإدْراكِ بِسَبَبِ كُلٍّ مِنهُما، فَحَذَفَ الدَّلالَةَ الَّتِي هي المُشَبَّهُ، وصَرَّحَ بِالنُّطْقِ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، واشْتُقَّ مِنَ النُّطْقِ اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو ناطِقَةٌ، فَجَرَتِ الِاسْتِعارَةُ التَّبَعَيَّةُ في اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو ناطِقَةٌ، وإنَّما قِيلَ لَها تَبَعِيَّةٌ؛ لِأنَّها إنَّما جَرَتْ فِيهِ تَبَعًا لِجَرَيانِها في (p-١٥٢)المَصْدَرِ، الَّذِي هو النُّطْقُ؛ لِأنَّ المُشْتَقَّ تابِعٌ لِلْمُشْتَقِّ مِنهُ، ولا يُمْكِنُ فَهْمُهُ بِدُونِ فَهْمِهِ، وهَذا التَّوْجِيهُ أقْرَبُ مِن غَيْرِهِ مِمّا يَذْكُرُونَهُ مِن تَوْجِيهِ ما ذُكِرَ. وَمِثالُ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةُ عِنْدَهم في مُتَعَلِّقِ مَعْنى الحَرْفِ، في زَعْمِهِمْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، قالُوا: اللّامُ فِيها كَلَفْظِ الأسَدِ في المِثالِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ أُطْلِقَ عَلى غَيْرِ الأسَدِ لِمُشابَهَةٍ بَيْنِهِما، قالُوا: وكَذَلِكَ اللّامُ أصْلُها مَوْضُوعَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى العِلَّةِ الغائِيَّةِ، وعِلَّةُ الشَّيْءِ الغائِيَّةُ هي ما يَحْمِلُ عَلى تَحْصِيلِهِ لِيَحْصُلَ بَعْدَ حُصُولِهِ، قالُوا: والعِلَّةُ الغائِيَّةُ لِلِالتِقاطِ في قَوْلِهِ تَعالى: فالتَقَطَهُ، هي المَحَبَّةُ والنَّفْعُ والتَّبَنِّي، أيِ: اتِّخاذُهم مُوسى ولَدًا، كَما صَرَّحُوا بِأنَّ هَذا هو الباعِثُ لَهم عَلى التِقاطِهِ وتَرْبِيَتِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]، فَهَذِهِ العِلَّةُ الغائِيَّةُ عِنْدَهم هي الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى التِقاطِهِ، لِتَحْصُلَ لَهم هَذِهِ العِلَّةُ بَعْدَ الِالتِقاطِ. قالُوا: ولَمّا كانَ الحاصِلُ في نَفْسِ الأمْرِ بَعْدَ الِالتِقاطِ، هو ضِدُّ ما رَجَوْهُ وأمَّلُوهُ، وهو العَداوَةُ والحَزَنُ، شُبِّهَتِ العَداوَةُ والحَزَنُ الحاصِلانِ بِالِالتِقاطِ بِالمَحَبَّةِ والتَّبَنِّي والنَّفْعِ، الَّتِي هي عِلَّةُ الِالتِقاطِ الغائِيَّةُ بِجامِعِ التَّرَتُّبِ في كُلٍّ مِنهُما، فالعِلَّةُ الغائِيَّةُ تَتَرَتَّبُ عَلى مَعْلُولِها دائِمًا تَرَتُّبَ رَجاءٍ لِلْحُصُولِ، فَتَبَنِّيهِمْ لِمُوسى ومَحَبَّتُهُ كانُوا يَرْجُونَ تَرَتُّبَهُما عَلى التِقاطِهِمْ لَهُ، ولَمّا كانَ المُتَرَتِّبُ في نَفْسِ الأمْرِ عَلى التِقاطِهِمْ لَهُ هو كَوْنُهُ عَدُوًّا لَهم وحَزَنًا، صارَ هَذا التَّرَتُّبُ الفِعْلِيُّ شَبِيهًا بِالتَّرَتُّبِ الرَّجائِي، فاسْتُعِيرَتِ اللّامُ الدّالَّةُ عَلى العِلَّةِ الغائِيَّةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّرَتُّبِ الرَّجائِي لِلتَّرَتُّبِ الحُصُولِي الفِعْلِيِّ الَّذِي لا رَجاءَ فِيهِ. وَإيضاحُهُ أنَّ تَرَتُّبَ الحُزْنِ والعَداوَةِ عَلى الِالتِقاطِ أشْبَهَ تَرَتُّبَ المَحَبَّةِ والتَّبَنِّي عَلى الِالتِقاطِ، فَأُطْلِقَتْ لامُ العِلَّةِ الغائِيَّةِ في الحُزْنِ والعَداوَةِ، لِمُشابَهَتِهِما لِلتَّنَبِّي والمَحَبَّةِ في التَّرَتُّبِ، كَما أُطْلِقَ لَفْظُ الأسَدِ عَلى الرَّجُلِ الشُّجاعِ، لِمُشابَهَتِهِما في الشَّجاعَةِ. وَبَعْضُ البَلاغِيِّينَ يَقُولُ: في هَذا جَرَتِ الِاسْتِعارَةُ الأصْلِيَّةُ أوَّلًا بَيْنَ المَحَبَّةِ والتَّبَنِّي، وبَيْنَ العَداوَةِ والحُزْنِ اللَّذَيْنِ حُصُولُهُما هو المَجْرُورُ، فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ في اللّامِ تَبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ في المَجْرُورِ؛ لِأنَّ اللّامَ لا تَسْتَقِلُّ فَيَكُونُ ما اعْتُبِرَ فِيها تَبَعًا لِلْمَجْرُورِ، الَّذِي هو مُتَعَلِّقُ مَعْنى الحَرْفِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: فَجَرَتِ الِاسْتِعارَةُ أوَّلًا في العَلِيَّةِ والغَرَضِيَّةِ، وتَبَعِيَّتُها في اللّامِ، وهُناكَ مُناقَشاتٌ في التَّبَعِيَّةِ في مَعْنى الحَرْفِ تَرَكْناها، لِأنَّ غَرَضَنا بَيانُ مُرادِهِمْ بِالِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ بِإيجازٍ. (p-١٥٣)وَإذا عَلِمْتَ مُرادَهم بِما ذُكِرَ، فاعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما قَدَّمْنا، وقَدْ أوْضَحْنا في رِسالَتِنا المُسَمّاةِ ”مَنعُ جَوازِ المَجازِ في المُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ“، أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ القُرْآنَ لا مَجازَ فِيهِ، وأوْضَحْنا ذَلِكَ بِالأدِلَّةِ الواضِحَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]، أيْ: مُرْتَكِبِينَ الخَطِيئَةَ الَّتِي هي الذَّنْبُ العَظِيمُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨١] . وَمِن إطْلاقِ الخاطِئِ عَلى المُذْنِبِ العاصِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٦ - ٣٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

القصص 28:9

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٦١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَصَصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ الآيَةَ. الخِطابُ في قَوْلِهِ: ”وَلَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ واحِدٌ، وفي قَوْلِهِ: ”لا تَقْتُلُوهُ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَماعَةٌ. والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ. الثّانِي: أنَّها تَعْنِي فِرْعَوْنَ وأعْوانَهُ الَّذِينَ هَمُّوا مَعَهُ بِقَتْلِ مُوسى، فَأفْرَدَتِ الضَّمِيرَ في قَوْلِها: ”لَكَ“، لِأنَّ كَوْنَهُ: ”قُرَّةُ عَيْنٍ“ في زَعْمِها يَخْتَصُّ بِفِرْعَوْنَ دُونَهم وجَمَعَتْهُ في قَوْلِها: ”لا تَقْتُلُوهُ“، لِأنَّهم شُرَكاءُ مَعَهُ في الهَمِّ بِقَتْلِهِ. الثّالِثُ: أنَّها لَمّا اسْتَعْطَفَتْ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى التَفَتَتْ إلى المَأْمُورِينَ بِقَتْلِ الصِّبْيانِ قائِلَةً لَهم: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ . مُعَلِّلَةً ذَلِكَ بِقَوْلِها: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ .

القصص 28:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ الآياتِ. قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ . واعْلَمْ أنّا رُبَّما تَرَكْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَ إيضاحُها مِن غَيْرِ إحالَةِ عَلَيْها، لِكَثْرَةِ ما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ الآيَةَ. أهْلُهُ زَوْجَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]، لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّهُ سارَ مِن عِنْدِ شُعَيْبٍ بِزَوْجَتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ أوْ غَيْرِ شُعَيْبٍ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ”امْكُثُوا“: خِطابُ جَماعَةِ الذُّكُورِ، فَما وجْهُ خِطابِ المَرْأةِ بِخِطابِ جَماعَةِ الذُّكُورِ. والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ يُخاطِبُ المَرْأةَ بِخِطابِ الجَماعَةِ، تَعْظِيمًا لَها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٦٢) ؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نَقاخًا ولا بَرْدًا الثّانِي: أنَّ مَعَها خادِمًا، والعَرَبُ رُبَّما خاطَبَتِ الِاثْنَيْنِ خِطابَ الجَماعَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ لَهُ مَعَ زَوْجَتِهِ ولَدانِ لَهُ اسْمُ الأكْبَرِ مِنهُما: جيرشومُ واسْمُ الأصْغَرِ الِيعازِرُ. والجَوابُ الأوَّلُ ظاهِرٌ، والثّانِي والثّالِثُ مُحْتَمَلانِ لِأنَّهُما مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

القصص 28:42

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن إتْباعِهِ اللَّعْنَةَ لِفِرْعَوْنِ وجُنُودِهِ، بَيَّنَهُ أيْضًا في سُورَةِ ”هُودٍ“، بِقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]، وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِنَ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ، ولا يَخْفى أنَّ المَقْبُوحِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ، قَبَّحَهُ إذا صَيَّرَهُ قَبِيحًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

القصص 28:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ لا يَهْدِي مَن أحَبَّ هِدايَتَهُ، ولَكِنَّهُ جَلَّ (p-١٥٤)وَعَلا هو الَّذِي يَهْدِي مَن يَشاءُ هُداهُ، وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾، جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ أوْضَحْنا سابِقًا أنَّ الهُدى المَنفِيَّ عَنْهُ ﷺ، في قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾، هو هُدى التَّوْفِيقِ؛ لِأنَّ التَّوْفِيقَ بِيَدِ اللَّهِ وحْدَهُ، وأنَّ الهُدى المُثْبَتَ لَهُ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، هو هُدى الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ والإرْشادِ إلَيْهِ، ونُزُولُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾، في أبِي طالِبٍ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا أنَّ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أنَّ الهُدى المَنفِيَّ عَنْهُ ﷺ هو مَنحُ التَّوْفِيقِ والهُدى المُثْبَتَ لَهُ هو إبانَةُ الطَّرِيقِ.

القصص 28:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١] .

القصص 28:88

قَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ . كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ \ ٢٧]، والوَجْهُ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها مَعَ التَّنْزِيهِ التّامِّ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ الخَلْقِ، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، وفي غَيْرِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وقَدْ تَرَكْنا ذِكْرَ إحالاتٍ كَثِيرَةٍ في سُورَةِ ”القَصَصِ“، هَذِهِ.

العنكبوت 29:1

(p-١٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العَنْكَبُوتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ مُسْتَوْفًى في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ [العنكبوت: ٢]، لِلْإنْكارِ. والمَعْنى: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ دُونَ فِتْنَةٍ، أيِ: ابْتِلاءٍ واخْتِبارٍ، لِأجْلِ قَوْلِهِمْ: آمَنّا، بَلْ إذا قالُوا: آمَنّا فُتِنُوا، أيِ: امْتُحِنُوا واخْتُبِرُوا بِأنْواعِ الِابْتِلاءِ، حَتّى يَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ الِابْتِلاءُ الصّادِقُ في قَوْلِهِ: آمَنّا مِن غَيْرِ الصّادِقِ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ • بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣] . وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الثّابِتَةُ أنَّ هَذا الِابْتِلاءَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ يُبْتَلى بِهِ المُؤْمِنُونَ عَلى (p-١٥٦)قَدْرِ ما عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ، ثُمَّ الصّالِحُونَ، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» .

العنكبوت 29:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ.

العنكبوت 29:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .

العنكبوت 29:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ بِلِسانِهِ، ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾، أيْ: آذاهُ الكُفّارُ إيذاءَهم لِلْمُسْلِمِينَ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ صارِفَةً لَهُ عَنِ الدِّينِ إلى الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ؛ كَعَذابِ اللَّهِ فَإنَّهُ صارِفٌ رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. ومَعْنى ﴿فِتْنَةَ النّاسِ﴾، الأذى الَّذِي يُصِيبُهُ مِنَ الكُفّارِ، وإيذاءُ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أنْواعِ الِابْتِلاءِ الَّذِي هو الفِتْنَةُ، وهَذا قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ. وَعَلَيْهِ فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: آمَنّا بِألْسِنَتِهِمْ ولَمْ تُؤْمَن قُلُوبُهم، إذا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكُفّارِ أذًى، وهم مَعَهم جَعَلُوا فِتْنَةَ لِلنّاسِ، أيْ: أذاهم كَعَذابِ اللَّهِ، وأنَّهُ إنْ جاءَ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فَنَصَرَهم عَلى الكُفّارِ، وهَزَمُوهم وغَنِمُوا مِنهُمُ الغَنائِمَ، قالَ أُولَئِكَ المُنافِقُونَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم، يَعْنُونَ: أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ ومِن جُمْلَتِهِمْ، يُرِيدُونَ أخْذَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الغَنائِمِ. وَهَذا المَعْنى جاءَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٥٧)﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٢ - ٧٣]، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾، وبَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ بِما تُخْفِي صُدُورُهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] .

العنكبوت 29:12

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ زِيادَةَ إيضاحِها مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٦٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العَنْكَبُوتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ. لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، فَأثْقالُهم أوْزارُ ضَلالِهِمْ، والأثْقالُ الَّتِي مَعَها أوْزارُ إضْلالِهِمْ ولا يَنْقُصُ ذَلِكَ شَيْئًا مِن أوْزارِ أتْباعِهِمُ الضّالِّينَ.

العنكبوت 29:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ . تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في ”هُودٍ“ وغَيْرِها. وَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾، يَعْنِي سَفِينَةَ نُوحٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

العنكبوت 29:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]، وفي ”سُورَةِ الفُرْقانِ“ .

العنكبوت 29:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ (p-١٥٨)إلى قَوْلِهِ ﴿وَما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨]، وفي سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ وغَيْرِ ذَلِكَ.

العنكبوت 29:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ذُرِّيَّتِهِ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. والمَعْنى: أنَّ الأنْبِياءَ والمُرْسَلِينَ الَّذِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ بَعْدَ إبْراهِيمَ كُلَّهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وما ذَكَرَهُ هُنا عَنْ إبْراهِيمَ ذُكِرَ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“: أنَّ نُوحًا مُشْتَرِكٌ مَعَهُ فِيهِ، وذَلِكَ واضِحٌ لِأنَّ إبْراهِيمَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، مَعَ أنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ دُونَ إبْراهِيمَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٦] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ آتى إبْراهِيمَ أجْرَهُ، أيْ: جَزاءَ عَمَلِهِ في الدُّنْيا، وإنَّهُ في الآخِرَةِ أيْضًا مِنَ الصّالِحِينَ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِأجْرِهِ في الدُّنْيا: الثَّناءُ الحَسَنُ عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا مِن جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ عَلى اخْتِلافِهِمْ إلى كُفّارٍ ومُؤْمِنِينَ، والثَّناءُ الحَسَنُ المَذْكُورُ هو لِسانُ الصِّدْقِ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾، لا يَخْفى أنَّ الصَّلاحَ في الدُّنْيا يَظْهَرُ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ، وسائِرِ الطّاعاتِ، وأنَّهُ في الآخِرَةِ يَظْهَرُ بِالجَزاءِ الحَسَنِ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ أثْنى عَلى إبْراهِيمَ أيْضًا في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: إنَّ ﴿إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ والكِتابَ في خُصُوصِ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ ما يَدُلُّ عَلى اشْتِراكِ نُوحٍ مَعَهُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٦] . والجَوابُ أنَّ وجْهَ الِاقْتِصارِ عَلى إبْراهِيمَ أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ وذُكِرَ نُوحٌ مَعَهُ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ. والثّانِي: أنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ولَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ: كَهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ ويُونُسَ عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ الِاقْتِصارُ عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ المُرادَ مَن كانَ بَعْدَ إبْراهِيمَ لا مَن كانَ قَبْلَهُ أوْ في عَصْرِهِ، كَلُوطٍ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.

العنكبوت 29:31

قَوْلِهِ تَعالى (p-١٥٩)﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُوا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] .

العنكبوت 29:33

قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَمّا أنَّ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ، في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ لُوطٍ، وفي سُورَةِ ”الحِجْرِ“ .

العنكبوت 29:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ . تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّتِهِ مَعَ قَوْمِهِ، وفي ”الشُّعَراءِ“ أيْضًا.

العنكبوت 29:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ . الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وعادًا مَفْعُولٌ بِهِ لِ أهْلَكْنا مُقَدَّرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧]، أيْ: أهْلَكْنا مَدْيَنَ بِالرَّجْفَةِ، وأهْلَكْنا عادًا، ويَدُلُّ لِلْإهْلاكِ المَذْكُورِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾، أيْ: هي خالِيَةٌ مِنهم لِإهْلاكِهِمْ، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ أيْضًا: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ . وَقَدْ أشارَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ إلى إهْلاكِ عادٍ، وثَمُودَ، وقارُونَ، وفِرْعَوْنَ، وهامانَ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ أخَذَ كُلًّا مِنهم بِذَنْبِهِ، ثُمَّ فَصَّلَ عَلى سَبِيلِ ما يُسَمّى في البَدِيعِ بِاللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ أسْبابَ إهْلاكِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾، (p-١٦٠)وَهِيَ: الرِّيحُ، يَعْنِي: عادًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، يَعْنِي: ثَمُودَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٧ - ٦٨] . وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾، يَعْنِي: قارُونَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى فِيهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨١] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن أغْرَقْنا﴾، يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وهامانَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والأظْهَرُ في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾، أنَّ اسْتِبْصارَهُمُ المَذْكُورَ هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا خاصَّةً؛ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] .

العنكبوت 29:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٦]، وفي مَواضِعَ أُخَرَ.

العنكبوت 29:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ . (p-١٦١)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] .

العنكبوت 29:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ، وتَفْسِيرُ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ في آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .

العنكبوت 29:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“، وفي آخِرِ سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ.

العنكبوت 29:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وفي سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١]، وفي سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٦] .

العنكبوت 29:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ . نادى اللَّهُ جَلَّ وعَلا عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ، وأكَّدَ لَهم أنَّ أرْضَهُ واسِعَةٌ، وأمْرَهم أنْ يَعْبُدُوهُ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ الَّذِي هو إيّايَ؛ كَما بَيَّنّاهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . والمَعْنى: أنَّهم إنْ كانُوا في أرْضٍ لا يَقْدِرُونَ فِيها عَلى إقامَةِ دِينِهِمْ، أوْ يُصِيبُهم فِيها أذى الكُفّارِ، فَإنَّ أرْضَ رَبِّهِمْ واسِعَةٌ فَلْيُهاجِرُوا إلى مَوْضِعٍ مِنها يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى إقامَةِ دِينِهِمْ، ويَسْلَمُونَ فِيهِ مِن أذى الكُفّارِ، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ. (p-١٦٢)وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] .

العنكبوت 29:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] . جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .

العنكبوت 29:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، مُوَضَّحًا في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“، وقَدَّمْنا مَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم في سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾، وذَكَرْنا الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها الغُرَفُ في آخِرِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٥] .

العنكبوت 29:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الدَّوابِّ الَّتِي لا تَحْمِلُ رِزْقَها لِضَعْفِها، أنَّهُ هو جَلَّ وعَلا يَرْزُقُها، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] .

العنكبوت 29:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ غايَةَ الإيضاحِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .

العنكبوت 29:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ . (p-١٦٣)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾، إلى قَوْلِهِ: تَبِيعًا [الإسراء: ٦٧ - ٦٩]، وفي مَواضِعَ أُخَرَ.

العنكبوت 29:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ الآيَةَ. امْتَنَّ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى قُرَيْشٍ، بِأنَّهُ جَعَلَ لَهم حَرَمًا آمِنًا، يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ، فَهم آمِنُونَ فِيهِ عَلى أمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ، والنّاسُ الخارِجُونَ عَنِ الحَرَمِ، يُتَخَطَّفُونَ قَتْلًا وأسْرًا. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى في ”القَصَصِ“: ﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] .

العنكبوت 29:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ جاهَدُوا فِيهِ أنَّهُ يَهْدِيهِمْ إلى سُبُلِ الخَيْرِ والرَّشادِ، وأقْسَمَ عَلى ذَلِكَ بِدَلِيلِ اللّامِ في قَوْلِهِ: لَنَهْدِيَنَّهم. وَهَذا المَعْنى جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٤]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .

الروم 30:6

(p-١٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرُّومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ: ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣ - ٥]، هو نَفْسُ الوَعْدِ كَما لا يَخْفى، أيْ: وعَدَ اللَّهُ ذَلِكَ وعْدًا. وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أرْبَعَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. والثّانِي: أنَّ أكْثَرَ النّاسِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَعْلَمُونَ. والثّالِثُ: أنَّهم يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا. والرّابِعُ: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الآخِرَةِ. وهَذِهِ الأُمُورُ الأرْبَعَةُ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. أمّا الأوَّلُ مِنها: وهو كَوْنُهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . [الرعد: ٣١] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ وعِيدَهُ لِلْكُفّارِ لا يُخْلَفُ أيْضًا في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ق: ٢٨ - ٢٩] . والتَّحْقِيقُ: أنَّ القَوْلَ الَّذِي لا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو وعِيدُهُ لِلْكُفّارِ. وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤]، فَقَوْلُهُ: حَقَّ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، أيْ: وجَبَ وثَبَتَ، فَلا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ بِحالٍ. (p-١٦٥)وَأمّا الثّانِي مِنها: وهو أنَّ أكْثَرَ النّاسِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَعْلَمُونَ، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ هُمُ الكافِرُونَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أيْضًا في آياتٍ مِن كِتابِهِ أنَّ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأمّا الثّالِثُ مِنها: وهو كَوْنُهم يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَقَدْ جاءَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، أيْ: في الدُّنْيا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ الآيَةَ [النجم: ٢٩ - ٣٠] . وَأمّا الرّابِعُ مِنها: وهو كَوْنُهم غافِلِينَ عَنِ الآخِرَةِ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٣٦ - ٣٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]، ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. * * [ تَنْبِيهٌ ] (p-١٦٦)تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ في هَذا الزَّمانِ أنْ يَتَدَبَّرَ آيَةَ ”الرُّومِ“ هَذِهِ تَدَبُّرًا كَثِيرًا، ويُبَيِّنَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ لِكُلِّ مَنِ اسْتَطاعَ بَيانَهُ لَهُ مِنَ النّاسِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ مِن أعْظَمِ فِتَنِ آخِرِ الزَّمانِ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها ضِعافَ العُقُولِ مِنَ المُسْلِمِينَ شِدَّةَ إتْقانِ الإفْرِنْجِ لِأعْمالِ الحَياةِ الدُّنْيا، ومَهارَتِهِمْ فِيها عَلى كَثْرَتِها، واخْتِلافِ أنْواعِها مَعَ عَجْزِ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَظَنُّوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أنَّهُ عَلى الحَقِّ، وأنَّ مَن عَجَزَ عَنْها مُتَخَلِّفٌ ولَيْسَ عَلى الحَقِّ، وهَذا جَهْلٌ فاحِشٌ، وغَلَطٌ فادِحٌ. وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إيضاحٌ لِهَذِهِ الفِتْنَةِ، وتَخْفِيفٌ لِشَأْنِها أنْزَلَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ قَبْلَ وُقُوعِها بِأزْمانٍ كَثِيرَةٍ، فَسُبْحانَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ما أعْلَمَهُ، وما أعْظَمَهُ، وما أحْسَنَ تَعْلِيمَهُ. فَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ﴿أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، ويَدْخُلُ فِيهِمْ أصْحابُ هَذِهِ العُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَدْ نَفى عَنْهم جَلَّ وعَلا اسْمَ العَلَمِ بِمَعْناهُ الصَّحِيحِ الكامِلِ، لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا عَمَّنْ خَلَقَهم، فَأبْرَزُهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ورَزَقَهم، وسَوْفَ يُمِيتُهم، ثُمَّ يُحْيِيهِمْ، ثُمَّ يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا شَيْئًا عَنْ مَصِيرِهِمُ الأخِيرِ الَّذِي يُقِيمُونَ فِيهِ إقامَةً أبَدِيَّةً في عَذابٍ فَظِيعٍ دائِمٍ، ومَن غَفَلَ عَنْ جَمِيعِ هَذا فَلَيْسَ مَعْدُودًا مِن جِنْسِ مَن يَعْلَمُ؛ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ المَذْكُورَةُ، ثُمَّ لَمّا نَفى عَنْهم جَلَّ وعَلا اسْمَ العَلَمِ بِمَعْناهُ الصَّحِيحِ الكامِلِ، أثْبَتَ لَهم نَوْعًا مِنَ العِلْمِ في غايَةِ الحَقارَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ. وَعابَ ذَلِكَ النَّوْعَ المَذْكُورَ مِنَ العِلْمِ، بِعَيْبَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما: قِلَّتُهُ وضِيقُ مَجالِهِ، لِأنَّهُ لا يُجاوِزُ ﴿ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، والعِلْمُ المَقْصُورُ عَلى ظاهِرٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا في غايَةِ الحَقارَةِ وضِيقِ المَجالِ بِالنِّسْبَةِ إلى العِلْمِ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ جَلَّ وعَلا، والعِلْمِ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وبِما يُقَرِّبُ عَبْدَهُ مِنهُ، وما يُبْعِدُهُ عَنْهُ، وما يَخْلُدُ في النَّعِيمِ الأبَدِيِّ والعَذابِ الأبَدِيِّ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ. والثّانِي مِنهُما: هو دِناءَهُ هَدَفِ ذَلِكَ العِلْمِ، وعَدَمُ نُبْلِ غايَتِهِ، لِأنَّهُ لا يَتَجاوَزُ الحَياةَ الدُّنْيا، وهي سَرِيعَةُ الِانْقِطاعِ والزَّوالَ، ويَكْفِيكَ مِن تَحْقِيرِ هَذا العِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ أنَّ أجْوَدَ (p-١٦٧)أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا﴾، أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ لا يَعْلَمُونَ، فَهَذا العِلْمُ كَلا عِلْمٍ لِحَقارَتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“: وقَوْلُهُ: يَعْلَمُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: لا يَعْلَمُونَ، وفي هَذا الإبْدالِ مِنَ النُّكْتَةِ أنَّهُ أبْدَلَهُ مِنهُ وجَعَلَهُ بِحَيْثُ يَقُومُ مَقامَهُ، ويَسُدُّ مَسَدَّهُ لِيُعَلِّمَكَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ الَّذِي هو الجَهْلُ، وبَيْنَ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي لا يَتَجاوَزُ الدُّنْيا. وَقَوْلُهُ: ﴿ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يُفِيدُ أنَّ لِلدُّنْيا ظاهِرًا وباطِنًا فَظاهِرُها ما يَعْرِفُهُ الجُهّالُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِزَخارِفِها، والتَّنَعُّمِ بِمَلاذِّها وباطِنِها، وحَقِّيَّتُها أنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ، يُتَزَوَّدُ مِنها إلَيْها بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي تَنْكِيرِ الظّاهِرِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا واحِدًا مِن ظَواهِرِها. و هم الثّانِيَةُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، و غافِلُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هم الأُولى، وأنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، و غافِلُونَ خَبَرُ الأُولى، وأيَّةً كانَتْ فَذِكْرُها مُنادٍ عَلى أنَّهم مَعْدِنُ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ، ومَقَرُّها، ومَحَلُّها وأنَّها مِنهم تَنْبُعُ وإلَيْهِمْ تَرْجِعُ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . وَقالَ غَيْرُهُ: وفي تَنْكِيرِ قَوْلِهِ: ظاهِرًا تَقْلِيلٌ لِمَعْلُومِهِمْ، وتَقْلِيلُهُ يُقَرِّبُهُ مِنَ النَّفْيِ، حَتّى يُطابِقَ المُبْدَلَ مِنهُ، ا هـ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ. واعْلَمْ أنَّ المُسْلِمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمُ هَذِهِ العُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ غايَةَ الإيضاحَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]، وهَذِهِ العُلُومُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي بَيَّنّا حَقارَتَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما غَفَلَ عَنْهُ أصْحابُها الكُفّارُ، إذا تَعَلَّمَها المُسْلِمُونَ، وكانَ كُلٌّ مِن تَعْلِيمِها واسْتِعْمالِها مُطابِقًا لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، كانَتْ مِن أشْرَفِ العُلُومِ وأنْفَعِها؛ لِأنَّها يُسْتَعانُ بِها عَلى إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ جَلَّ وعَلا، وإصْلاحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا عَيْبَ فِيها إذَنْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فالعَمَلُ في إعْدادِ المُسْتَطاعِ مِنَ القُوَّةِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وسَعْيًا في مَرْضاتِهِ، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ لَيْسَ مِن جِنْسِ عِلْمِ الكُفّارِ الغافِلِينَ عَنِ الآخِرَةِ كَما تَرى، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الروم 30:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ . (p-١٦٨)لَمّا بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ أكْثَرَ النّاسِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، وهم غافِلُونَ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ غَفْلَتَهم عَنِ الآخِرَةِ، مَعَ شِدَّةِ وُضُوحِ أدِلَّتِها بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ والنَّظَرُ العَقْلِيُّ، وأصْلُهُ إعْمالُ الفِكْرِ، والمُتَأخِّرُونَ يَقُولُونَ: الفِكْرُ في الِاصْطِلاحِ حَرَكَةُ النَّفْسِ في المَعْقُولاتِ، وأمّا حَرَكَتُها في المَحْسُوساتِ فَهو في الِاصْطِلاحِ تَخْيِيلٌ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في أنْفُسِهِمْ، أيْ: في قُلُوبِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الفِكْرِ، والفِكْرُ لا يَكُونُ إلّا في القُلُوبِ، ولَكِنَّهُ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِحالِ المُتَفَكِّرِينَ؛ كَقَوْلِكَ: اعْتَقَدَهُ في قَلْبِكَ وأضْمِرْهُ في نَفْسِكَ وأنْ يَكُونَ صِلَةً لِلتَّفَكُّرِ كَقَوْلِكَ: تَفَكَّرَ في الأمْرِ أجالَ فِيهِ فِكْرَهُ، و ما خَلَقَ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ، مَعْناهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَقُولُوا هَذا القَوْلَ. وقِيلَ مَعْناهُ: فَيَعْلَمُوا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ ﴿إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾، أيْ: ما خَلَقَها باطِلًا وعَبَثًا بِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ولا لِتَبْقى خالِدَةً، وإنَّما خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحَقِّ، مَصْحُوبَةً بِالحِكْمَةِ، وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى لا بُدَّ لَها أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ، وهو قِيامُ السّاعَةِ، ووَقْتُ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، كَيْفَ سَمّى تَرْكَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِ عَبَثًا، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ مِثْلُها في قَوْلِكَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِثِيابِ السَّفَرِ، واشْتَرى الفَرَسَ بِسَرْجِهِ ولِجامِهِ، تُرِيدُ: اشْتَراهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِالسَّرْجِ واللِّجامِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها، وكَذَلِكَ المَعْنى: ما خَلَقَها إلّا وهي مُتَلَبِّسَةٌ بِالحَقِّ مُقْتَرِنَةٌ بِهِ. فَإنْ قُلْتَ: إذا جُعِلَتْ في أنْفُسِهِمْ صِلَةٌ لِلتَّفَكُّرِ فَما مَعْناهُ ؟ . قُلْتُ: مَعْناهُ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ، وهم أعْلَمُ وأخْبَرُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها، فَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللَّهُ ظاهِرًا وباطِنًا، مِن غَرائِبِ الحِكَمِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ انْتِهاءٍ إلى وقْتٍ يُجازِيها فِيهِ الحَكَمُ الَّذِي دَبَّرَ أمْرَها عَلى الإحْسانِ إحْسانًا، وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها، حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ وأنَّهُ لا بُدَّ (p-١٦٩)لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، والمُرادُ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ: الأجَلُ المُسَمّى، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“، في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ باطِلًا ولا عَبَثًا، بَلْ ما خَلَقَهُما إلّا بِالحَقِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَلَقَهُما عَبَثًا لَكانَ ذَلِكَ العَبَثُ باطِلًا ولَعِبًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ ما خَلَقَهُما وخَلَقَ جَمِيعَ ما فِيهِما وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَخْلُقُ فِيهِما الخَلائِقَ، ويُكَلِّفُهم فَيَأْمُرُهم، ويَنْهاهم، ويَعِدُهم ويُوعِدُهم، حَتّى إذا انْتَهى الأجَلُ المُسَمّى لِذَلِكَ بَعَثَ الخَلائِقَ، وجازاهم فَيُظْهِرُ في المُؤْمِنِينَ صِفاتِ رَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ وجُودِهِ وكَرَمِهِ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، وتَظْهَرُ في الكافِرِينَ صِفاتُ عَظْمَتِهِ، وشَدَّةُ بَطْشِهِ، وعِظَمُ نَكالِهِ، وشَدَّةُ عَدْلِهِ وإنْصافُهُ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٤٠]، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾، يُبَيِّنُ ما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ يُوَضِّحُ ذَلِكَ، وقَدْ أوْضَحَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] . وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ خَلَقَهُما باطِلًا لا لِحِكْمَةٍ الكُفّارُ، وهَدَّدَهم عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ الكاذِبِ بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْعَثِ الخَلائِقَ ويُجازِهِمْ، لَكانَ خَلْقُهُ لَهم أوَّلًا عَبَثًا، ونَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ العَبَثِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] . فَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا بِالحَقِّ، وأنَّهُ لا بُدَّ (p-١٧٠)باعِثُهم، ومُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وإنْ كانَ أكْثَرُ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ هَذا، فَكانُوا غافِلِينَ عَنِ الآخِرَةِ، كافِرِينَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى في الآياتِ المَذْكُورَةِ: وما بَيْنَهُما، أيْ: ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، يَدْخُلُ فِيهِ السَّحابُ المُسَخَّرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والطَّيْرُ صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والهَواءُ الَّذِي لا غِنى لِلْحَيَوانِ عَنِ اسْتِنْشاقِهِ.

الروم 30:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] . وفي ”المائِدَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٢] . وفي ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [الفاتحة: ٨٣] . وفي ”الإسْراءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٧]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”الرُّومِ“ هَذِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]، جاءَ مُوَضِّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الروم 30:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿كانَ عاقِبَةُ﴾، بِضَمِّ التّاءِ اسْمُ كانَ، وخَبَرُها السُّوءى. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ﴾، بِفَتْحِ التّاءِ خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في ”الخُلاصَةِ“: وفي جَمِيعِها تَوَسَّطَ الخَبَرُ أجِزْ. . . . . . . . وَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَـ السُّوءى اسْمُ كانَ، وإنَّما جُرِّدَ الفِعْلُ مِنَ التّاءِ مَعَ أنَّ السُّوءى مُؤَنَّثَةٌ لِأمْرَيْنِ: (p-١٧١)الأوَّلُ: أنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. والثّانِي: الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ، كَما هو مَعْلُومٌ. وأمّا عَلى قِراءَةِ ضَمِّ التّاءِ فَوَجْهُ تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِنَ التّاءِ هو كَوْنُ تَأْنِيثِ العاقِبَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ فَقَطْ. وَأظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ المَعْنى عَلى قِراءَةِ ضَمِّ التّاءِ: كانَتْ عاقِبَةُ المُسِيئِينَ السُّوءى، وهي تَأْنِيثُ الأسْوَءِ، بِمَعْنى: الَّذِي هو أكْثَرُ سُوءًى، أيْ: كانَتْ عاقِبَتُهُمُ العُقُوبَةَ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، أيْ: أكْثَرُها سُوءًى وهي النّارُ أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها. وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ التّاءِ، فالمَعْنى: كانَتِ السُّوءى عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا، ومَعْناهُ واضِحٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: أنْ كَذَّبُوا، أيْ: كانَتْ عاقِبَتُهم أسْوَأ العُقُوباتِ لِأجْلِ أنْ كَذَّبُوا. وَهَذا المَعْنى تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ تُوَضِّحُ أنَّ الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ قَدْ يُؤَدِّي شُؤْمُهُ إلى شَقاءِ صاحِبِهِ، وسُوءِ عاقِبَتِهِ، والعِياذُ بِاللَّهِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] . وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦] . وفي ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠١]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمَ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ مَنصُوبٌ بِـ أساءُوا، أيِ: اقْتَرَفُوا الجَرِيمَةَ السُّوءى خِلافُ الصَّوابِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ أنْ في قَوْلِهِ: أنْ كَذَّبُوا تَفْسِيرِيَّةٌ، فَهو خِلافُ الصَّوابِ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الروم 30:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في ”البَقَرَةِ“، و ”النَّحْلِ“، و ”الحَجِّ“، وغَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ . (p-١٧٢)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٨]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ١٩ \ ٨٢ ]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾، أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾، الآيَتَيْنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُشِيرَ فِيها إلى أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وأوْضَحْنا وجْهَ ذَلِكَ مَعَ إيضاحِ جَمِيعِ الآياتِ الَّتِي أُشِيرَ فِيها إلى أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ.

الروم 30:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في ذِكْرِنا بَراهِينَ البَعْثِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾ [النحل: ١١] وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ الآيَةَ [طه: ٥٥]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٢] .

الروم 30:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ . (p-١٧٣)قَوْلُهُ: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٦٤] . وقَوْلُهُ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾، قَدْ أوْضَحَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ اخْتِلافَ ألْوانِ الآدَمِيِّينَ واخْتِلافَ ألْوانِ الجِبالِ، والثِّمارِ، والدَّوابِّ، والأنْعامِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ﴿وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨]، واخْتِلافُ الألْوانِ المَذْكُورَةِ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ تَعالى وعَجائِبِهِ، ومِنَ البَراهِينَ القاطِعَةِ عَلى أنَّهُ هو المُؤَثِّرُ جَلَّ وعَلا، وأنَّ إسْنادَ التَّأْثِيرِ لِلطَّبِيعَةِ مِن أعْظَمِ الكُفْرِ والضَّلالِ. وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى إبْطالَ تَأْثِيرِ الطَّبِيعَةِ غايَةَ الإيضاحِ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] . وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَفْصٌ وحْدَهُ عَنْ عاصِمٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ، جَمْعُ عالِمٍ الَّذِي هو ضِدُّ الجاهِلِ. وقَرَأهُ الباقُونَ: (لِلْعالَمِينَ) بِفَتْحِ اللّامِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .

الروم 30:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٢]، وفي سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، وغَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا ما يُوَضِّحُهُ مِنَ الآياتِ مَعَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٢]، وسَنَحْذِفُ هُنا بَعْضَ الإحالاثِ لِكَثْرَتِها.

الروم 30:28

(p-١٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالقُرْآنِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٧١] .

الروم 30:30

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرُّومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآيَةَ. هَذا خِطابٌ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١]، فَقَوْلُهُ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ الواقِعِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَتَقْرِيرُ المَعْنى فَأقِمْ وجْهَكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ في حالِ كَوْنِكم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الحالَ إنْ لَمْ تَكُنْ سَبَبِيَّةً لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مُطابِقَةً لِصاحِبِها إفْرادًا وتَثْنِيَةً وجَمْعًا وتَذْكِيرًا وتَأْنِيثًا، فَما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وصاحِبِها ؟ فالحالُ جَمْعٌ وصاحِبُها مُفْرَدٌ، والجَوابُ أنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الأُمَّةِ، فالأُمَّةُ تَدْخُلُ تَحْتَ خِطابِهِ ﷺ، فَتَكُونُ الحالَةُ مِنَ الجَمِيعِ الدّاخِلِ تَحْتَ خِطابِهِ ﷺ . وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في دُخُولِ الأُمَّةِ تَحْتَ الخِطابِ الخاصِّ بِهِ ﷺ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [ ٦٥ ] . فَقَوْلُهُ: ﴿طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ بَعْدَ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ دَلِيلٌ عَلى دُخُولِ الأُمَّةِ تَحْتَ لَفْظِ ”النَّبِيِّ“ . وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [ ٦٦ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ثُمَّ قالَ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ [يونس: ٦١] . وَدُخُولُ الأُمَّةِ في الخِطابِ الخاصِّ بِالنَّبِيِّ ﷺ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ وعَلَيْهِ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

الروم 30:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٦] .

الروم 30:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ . أيْ: يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقَيْنِ، أحَدُهُما: في الجَنَّةِ، والثّانِي: في النّارِ. وَقَدْ دَلَّتْ عَلى هَذا آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ٤٤ - ٤٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [الدخان: - ٤٥]، وقَدْ أشارَ تَعالى أيْضًا لِلتَّفَرُّقِ المَذْكُورِ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] .

الروم 30:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ في لَهُ سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] .

الروم 30:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ . (p-١٧٥)قَدْ بَيَّنَ تَعالى الضَّعْفَ الأوَّلَ الَّذِي خَلَقَهم مِنهُ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، وبَيَّنَ الضَّعْفَ الأخِيرَ في آياتٍ أُخَرَ؛ قالَ في الأوَّلِ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]، وقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٧]، وقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٥ - ٦]، وقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقالَ في الضَّعْفِ الثّانِي: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، وقالَ: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وأشارَ إلى القُوَّةِ بَيْنَ الضِّعْفَيْنِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، وإطْلاقُهُ نَفْسَ الضَّعْفِ عَلى ما خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ قَدْ أوْضَحْنا وجْهَهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٧] . وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَخْفُوضَيْنِ والمَنصُوبِ بِفَتْحِ الضّادِ في جَمِيعِها، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ. واخْتارَ حَفْصٌ القِراءَةَ بِالضَّمِّ وِفاقًا لِلْجُمْهُورِ؛ لِلْحَدِيثِ الوارِدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ أنَّهُ أعْنِي ابْنَ عُمَرَ قَرَأ عَلَيْهِ ﷺ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ بِفَتْحِ الضّادِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ﷺ، وأمَرَهُ أنْ يَقْرَأها بِضَمِّ الضّادِ، والحَدِيثُ رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، ورَواهُ غَيْرُهُما، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الروم 30:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ [يونس: ٤٥]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا بُعِثُوا يَوْمَ القِيامَةِ وأقْسَمُوا أنَّهم ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ يَقُولُ لَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ المَلائِكَةُ والرُّسُلُ، (p-١٧٦)والأنْبِياءُ، والصّالِحُونَ: واللَّهِ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَهَذا يَوْمَ البَعْثِ، ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في سُورَةِ ”يس“ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] . والتَّحْقِيقُ أنَّ هَذا قَوْلُ الكُفّارِ عَنِ البَعْثِ، والآيَةُ تَدُلُّ دَلالَةً لا لَبْسَ فِيها، عَلى أنَّهم يَنامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ البَعْثِ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وعِنْدَ بَعْثِهِمْ أحْياءً مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الَّتِي هي نَوْمَةُ مَوْتٍ يَقُولُ لَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]، أيْ: هَذا البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، الَّذِي وعَدَكُمُ الرَّحْمَنُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في ذَلِكَ، كَما شاهَدْتُمُوهُ عِيانًا، فَقَوْلُهُ في ”يس“: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، قَوْلُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ، عَلى التَّحْقِيقِ، وقَدِ اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وهو مُطابِقٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ الآيَةَ. والتَّحْقِيقُ أنَّ قَوْلَهُ هَذا إشارَةٌ إلى ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وأنَّها مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَتْ إشارَةً إلى المَرْقَدِ في قَوْلِ الكُفّارِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾، أيْ: فِيما كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ وقَضاهُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ، مِن قَوْلِ الكُفّارِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ في ”الصّافّاتِ“: ﴿وَقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٢٠ - ٢١] .

الروم 30:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا ما فِيهِ مِنَ اللُّغاتِ، والشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] .

الروم 30:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]، وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، (p-١٧٧)وَفِي سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [الفاتحة: ٦٩]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

الروم 30:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]، أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ في بَعْضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّهُ يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ بِخِطابٍ لا يُرِيدُ بِهِ نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما يُرِيدُ بِهِ التَّشْرِيعَ. وَبَيَّنّا أنَّ مِن أصْرَحِ الآياتِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى مُخاطِبًا لَهُ ﷺ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣]، ومَعْلُومٌ أنَّ والِدَيْهِ قَدْ ماتا قَبْلَ نُزُولِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾، بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، فَلا وجْهَ البَتَّةَ لِاشْتِراطِ بُلُوغِهِما، أوْ بُلُوغِ أحَدِهِما الكِبَرَ عِنْدَهُ، بَلِ المُرادُ تَشْرِيعُ بِرِّ الوالِدَيْنِ لِأُمَّتِهِ، بِخِطابِهِ - ﷺ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾، لِمَن يَصِحُّ خِطابُهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهُ كَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا . . . . . . . . . . . . . خِلافُ الصَّوابِ. والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ المَعْطُوفاتِ، عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣٩]، ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ خِطابٌ لَهُ ﷺ، كَما تَرى. وذَكَرْنا بَعْضَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ عَلى خِطابِ الإنْسانِ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِالخِطابِ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ. وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، يُرادُ بِهِ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ؛ (p-١٧٨)لِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ الكُفْرِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ. * * فائِدَةٌ. رُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ناداهُ رَجُلٌ مِنَ الخَوارِجِ في صَلاةِ الفَجْرِ، فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فَأجابَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو في الصَّلاةِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ .

لقمان 31:1

(p-١٧٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ لُقْمانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾، في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] .

لقمان 31:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكافِرَ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُ اللَّهِ، وهي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ: ﴿وَلّى مُسْتَكْبِرًا﴾، أيْ: مُتَكَبِّرًا عَنْ قَبُولِها، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْها ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾، أيْ: صَمَمًا وثِقَلًا مانِعًا لَهُ مِن سَماعِها، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُبَشِّرَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ. وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: ٧ - ١٠]، وقَدْ قالَ تَعالى هُنا: ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾، عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وصَرَّحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ جَعَلَ في أُذُنَيْهِ الوَقْرَ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧]، والظّاهِرُ أنَّ الوَقْرَ المَذْكُورَ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالوَقْرِ الحِسِّيِّ؛ لِأنَّ الوَقْرَ المَعْنَوِيَّ يُشْبِهُ الوَقْرَ الحِسِّيِّ، والوَقْرُ المَجْعُولُ عَلى آذانِهِمْ بِالفِعْلِ، هو الوَقْرُ المَعْنَوِيُّ المانِعُ مِن سَماعِ الحَقِّ فَقَطْ، دُونَ سَماعِ غَيْرِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

لقمان 31:10

(p-١٨٠)(p-١٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ الآيَةَ [الرعد: ٢] .

لقمان 31:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦]، وفي أوَّلِ سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ .

لقمان 31:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «فَسَّرَ الظُّلْمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، بِأنَّهُ الشِّرْكُ»، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا سابِقًا.

لقمان 31:15

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ لُقْمانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يُفْهَمُ مِنها خِلافُ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . ثُمَّ نَصَّ عَلى دُخُولِ الآباءِ في هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّهُ لا مُعارَضَةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. وُوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما أنَّ المُصاحَبَةَ بِالمَعْرُوفِ أعَمُّ مِنَ المُوادَّةِ، لِأنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ إسْداءُ المَعْرُوفِ لِمَن يَوَدُّهُ ومَن لا يَوَدُّهُ، والنَّهْيُ عَنِ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الأعَمِّ، فَكَأنَّ اللَّهَ حَذَّرَ مِنَ المَوَدَّةِ المُشْعِرَةِ بِالمَحَبَّةِ والمُوالاةِ بِالباطِنِ لِجَمِيعِ الكُفّارِ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الآباءُ وغَيْرُهم، وأمَرَ الإنْسانَ بِأنْ لا يَفْعَلَ لِوالِدَيْهِ إلّا المَعْرُوفَ وفِعْلُ المَعْرُوفِ لا يَسْتَلْزِمُ المَوَدَّةَ لِأنَّ المَوَدَّةَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ لا مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. وَمِمّا يَدُلُّ لِذَلِكَ «إذْنُهُ ﷺ لِأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنْ تَصِلَ أُمَّها وهي كافِرَةٌ»، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قِصَّتَها سَبَبٌ لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٨] .

لقمان 31:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ . مَعْناهُ: لا تَتَكَبَّرْ عَلى النّاسِ، فَفي الآيَةِ نَهْيٌ عَنِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، والصُّعْرُ: المَيْلُ، والمُتَكَبِّرُ يُمِيلُ وجْهَهُ عَنِ النّاسِ مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِمْ مُعْرِضًا عَنْهم، والصُّعْرُ: المَيْلُ، وأصْلُهُ: داءٌ يُصِيبُ البَعِيرَ يَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ، ويُطْلَقُ عَلى المُتَكَبِّرِ يَلْوِي عُنُقَهُ ويُمِيلُ خَدَّهُ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ حُنَيٍّ التَّغْلِبِيِّ: ؎وَكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما وَقَوْلُ أبِي طالِبٍ: ؎وَكُنّا قَدِيمًا لا نُقِرُّ ظُلامَةً ∗∗∗ إذا ما ثَنَوْا صُعْرَ الرُّءُوسِ نُقِيمُها (p-١٨١)وَمِن إطْلاقِ الصُّعْرِ عَلى المَيْلِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ العَلَّكِيِّ: ؎إنّا أتَيْناكَ وقَدْ طالَ السَّفَرْ ∗∗∗ نَقُودُ خَيْلًا ضُمَّرًا فِيها صُعُرْ وَإذا عَلِمْتَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾، لا تَتَكَبَّرْ عَلَيْهِمْ. فاعْلَمْ أنّا قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى التَّحْذِيرِ مِنَ الكِبْرِ المُبَيِّنَةَ لِكَثْرَةِ عَواقِبِهِ السَّيِّئَةِ، وأوْضَحْنا ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى حُسْنِ التَّواضُعِ، وثَناءِ اللَّهِ عَلى المُتَواضِعِينَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وتَفْسِيرَ الآيَةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] .

لقمان 31:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في مَواضِعَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] .

لقمان 31:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٢٠) قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“ .

لقمان 31:21

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١) قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ أيْضًا في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] .

لقمان 31:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٥) قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .

لقمان 31:27

(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٩] .

لقمان 31:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧٣] .

لقمان 31:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٧]، وفي ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

لقمان 31:33

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْفَعُ فِيهِ والِدٌ ولَدَهُ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى رَفْعِ دَرَجاتِ الأوْلادِ بِسَبَبِ صَلاحِ آبائِهِمْ حَتّى يَكُونُوا في دَرَجَةِ الآباءِ مَعَ أنَّ عَمَلَهم - أيِ الأوْلادَ - لَمْ يُبَلِّغْهم تِلْكَ الدَّرَجَةَ إقْرارًا لِعُيُونِ الآباءِ بِوُجُودِ الأبْناءِ مَعَهم في مَنازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ وذَلِكَ نَفْعٌ لَهم، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١] . (p-٣٦٦)وَوَجْهُ الجَمْعِ أُشِيرَ إلَيْهِ بِالقَيْدِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ وعُيِّنَ فِيها النَّفْعُ بِأنَّ إلْحاقَهم بِهِمْ في دَرَجاتِهِمْ يُقَيِّدُ الإيمانَ، فَهي أخَصُّ مِنَ الآيَةِ الأُخْرى والأخَصُّ لا يُعارِضُ الأعَمَّ، وعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الآيَةَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ لا يَقْضِي عَنْهُ حَقًّا لَزِمَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ عَذابًا حَقَّ عَلَيْهِ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ. وَسَيَأْتِي لِهَذا زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ في الكَلامِ عَلى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ الآيَةَ [النجم: ٣٩]، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

لقمان 31:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤) . قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، أنَّ هَذِهِ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في خاتِمَةِ سُورَةِ ”لُقْمانَ“، أنَّها هي مَفاتِحُ الغَيْبِ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْضَحَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.

السجدة 32:3

(p-١٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ السَّجْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .

السجدة 32:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥) . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وأنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وَأشارَ تَعالى إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وقَدْ بَيَّنَ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، أنَّ اليَوْمَ عِنْدَهُ تَعالى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا يَعُدُّهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . وَقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ”دَفَعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ سِماكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ يَوْمَ الألْفِ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، هو أحَدُ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ، ويَوْمَ الألْفِ في سُورَةِ ”السَّجْدَةِ“، هو مِقْدارُ سَيْرِ الأمْرِ وعُرُوجِهِ إلَيْهِ تَعالى، ويَوْمَ الخَمْسِينَ ألْفًا هو يَوْمُ القِيامَةِ. (p-١٨٤)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِجَمِيعِها يَوْمُ القِيامَةِ، وأنَّ الِاخْتِلافَ بِاعْتِبارِ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] . وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا الوَجْهَ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقَدْ ذَكَرْنا في ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“: أنَّ أبا عُبَيْدَةَ رَوى عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ أيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ حَضَرَ كُلًّا مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ فِيها، ويَقُولُ: لا أدْرِي.

السجدة 32:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ مَلَكٌ واحِدٌ مُعَيَّنٌ، وهَذا هو المَشْهُورُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اسْمَهُ عِزْرائِيلُ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ أنَّ النّاسَ تَتَوَفّاهم مَلائِكَةٌ لا مَلَكٌ واحِدٌ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَإيضاحُ هَذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ المُوَكَّلَ بِقَبْضِ الأرْواحِ مَلَكٌ واحِدٌ هو المَذْكُورُ هُنا، ولَكِنْ لَهُ أعْوانٌ يَعْمَلُونَ بِأمْرِهِ يَنْتَزِعُونَ الرُّوحَ إلى الحُلْقُومِ، فَيَأْخُذُها مَلَكُ المَوْتِ، أوْ يُعِينُونَهُ إعانَةً غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَدْ جاءَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ الطَّوِيلِ المَشْهُورِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ فِيهِ: «”أنَّ مَلَكَ المَوْتِ إذا أخَذَ رُوحَ المَيِّتِ أخَذَها مِن يَدِهِ بِسُرْعَةٍ مَلائِكَةٌ فَصَعِدُوا بِها إلى السَّماءِ»“، وقَدْ بَيَّنَ فِيهِ ﷺ ما تُعامَلُ بِهِ رُوحُ المُؤْمِنِ ورُوحُ الكافِرِ بَعْدَ أخْذِ المَلائِكَةِ لَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ حِينَ يَأْخُذُها مِنَ البَدَنِ، وحَدِيثُ البَراءِ المَذْكُورُ صَحَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وأوْضَحَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ ”الرُّوحِ“ بُطْلانَ تَضْعِيفِ ابْنِ حَزْمٍ لَهُ. (p-١٨٥)والحاصِلُ: أنَّ حَدِيثَ البَراءِ المَذْكُورَ دَلَّ عَلى أنَّ مَعَ مَلَكِ المَوْتِ مَلائِكَةً آخَرِينَ يَأْخُذُونَ مِن يَدِهِ الرُّوحَ، حِينَ يَأْخُذُهُ مِن بَدَنِ المَيِّتِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] فَلا إشْكالَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَتَوَفَّوْا أحَدًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] . فَتَحَصَّلَ أنَّ إسْنادَ التَّوَفِّي إلى مَلَكِ المَوْتِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، لِأنَّهُ هو المَأْمُورُ بِقَبْضِ الأرْواحِ، وأنَّ إسْنادَهُ لِلْمَلائِكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [محمد: ٢٧]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ لِمَلَكِ المَوْتِ أعْوانًا يَعْمَلُونَ بِأمْرِهِ، وأنَّ إسْنادَهُ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٦٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ السَّجْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الآيَةَ. أسْنَدَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّوَفِّيَ إلى مَلَكٍ واحِدٍ وأسْنَدَهُ في آياتٍ أُخَرَ إلى جَماعَةِ المَلائِكَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٠] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٣] . وَأسْنَدَهُ في آيَةٍ أُخْرى إلى نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ [الزمر: ٤٢] . والجَوابُ عَنْ هَذا ظاهِرٌ، وهو أنَّ إسْنادَهُ التَّوَفِّيَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْدِرُ أنْ يَقْبِضَ رُوحَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وأسْنَدَهُ لِمَلَكِ المَوْتِ لِأنَّهُ هو المَأْمُورُ بِقَبْضِ الأرْواحِ، وأسْنَدَهُ لِلْمَلائِكَةِ لِأنَّ مَلَكَ المَوْتِ لَهُ أعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَحْتَ رِئاسَتِهِ، يَفْعَلُونَ بِأمْرِهِ ويَنْزِعُونَ الرُّوحَ إلى الحُلْقُومِ، فَيَأْخُذُها مَلَكُ المَوْتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

السجدة 32:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ (١٢) . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣]، وفي سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨] .

السجدة 32:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (١٣) . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يُونُسَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] .

السجدة 32:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٢٢) . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ بَيانِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى العَواقِبِ السَّيِّئَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الإعْراضِ، عَنِ التَّذْكِيرِ بِآياتِ اللَّهِ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٨٦)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [الكهف: ٥٧] .

السجدة 32:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] .

السجدة 32:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٧) . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣ - ٥٤]، وقَدْ أوْضَحْنا تَفْسِيرَ الأرْضِ الجُرُزِ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] .

السجدة 32:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٨) ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ (٢٩) . أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي هو أنَّ الفَتْحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو الحُكْمُ والقَضاءُ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الفَتّاحَ: القاضِي، وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، والفَتاحَةُ: الحُكْمُ والقَضاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ألا مِن مُبْلِغٍ عَمْرًا رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فَتاحَتِكم غَنِيٌّ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الفَتْحَ الحُكْمُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أيِ: احْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ، وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ. • وَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، أيِ: احْكم بَيْنِي وبَيْنَهم حُكْمًا، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٨٧)﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، أيْ: إنْ تَطْلُبُوا الحُكْمَ بِهَلاكِ الظّالِمِ مِنكم ومِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ، أيِ: الحُكْمُ بِهَلاكِ الظّالِمِ وهو هَلاكُهم يَوْمَ بَدْرٍ؛ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهم لَمّا أرادُوا الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ، جاءَ أبُو جَهْلٍ وتَعَلَّقَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنّا قُطّانُ بَيْتِكَ نَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفْعَلُ ونَفْعَلُ، وإنَّ مُحَمَّدًا قَطَّعَ الرَّحِمَ وفَرَّقَ الجَماعَةَ، وعابَ الدِّينَ، وشَتَمَ الآلِهَةَ، وسَفَّهَ أحْلامَ الآباءَ، اللَّهُمَّ أهْلِكِ الظّالِمَ مِنّا ومِنهُ، فَطَلَبَ الحُكْمَ عَلى الظّالِمِ، فَجاءَهُمُ الحُكْمُ عَلى الظّالِمِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، وصارُوا إلى الخُلُودِ في النّارِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَعَلى قَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ في الآيَةِ الحُكْمُ والقَضاءُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ في الآيَةِ الحُكْمُ بَيْنَهم في الدُّنْيا بِهَلاكِ الكُفّارِ، كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ. فالظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾، أيْ: إذا عايَنُوا المَوْتَ وشاهَدُوا القَتْلَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى في فِرْعَوْنَ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] . ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الفَتْحَ في هَذِهِ الآيَةِ فَتْحُ مَكَّةَ أنَّهُ غَيْرُ صَوابٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لا يَمْنَعُ انْتِفاعَ المُؤْمِنِ في وقْتِهِ بِإيمانِهِ، كَما لا يَخْفى.

السجدة 32:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠ - ٣١]، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرَبُّصَ هو الِانْتِظارُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأحزاب 33:1

(p-١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأحْزابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَثَلِهِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٢]، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ، مِن أنَّ الخِطابَ الخاصَّ لَفْظُهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَشْمَلُ حُكْمُهُ جَمِيعَ الأُمَّةِ، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٢] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأحْزابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ . لا مُنافاةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]، بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِدُخُولِ الأُمَّةِ تَحْتَ الخِطابِ الخاصِّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ قُدْوَتُهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الرُّومِ“ .

الأحزاب 33:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ . فِي هَذِهِ الحَرْفِ أرْبَعُ قِراءاتٍ سَبْعِيَّةٍ: قَرَأهُ عاصِمٌ وحْدَهُ: تُظاهِرُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ بَعْدَها ألِفٌ فَهاءٌ مَكْسُورَةٌ مُخَفَّفَةٌ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَظاهَرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها ظاءٌ مَفْتُوحَةٌ مُخَفَّفَةٌ، فَألِفٌ فَهاءٌ مَفْتُوحَةٌ مُخَفَّفَةٌ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ كَقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، إلّا أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُشَدِّدُ الظّاءَ، وهُما يُخَفِّفانِها. وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (تَظَّهَّرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها ظاءٌ فَهاءٌ مَفْتُوحَتانِ مُشَدَّدَتانِ بِدُونِ ألِفٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: تُظاهِرُونَ، عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ مُضارِعُ ظاهَرَ بِوَزْنِ فاعَلَ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَهو مُضارِعُ تَظاهَرَ بِوَزْنِ تَفاعَلَ حُذِفَتْ فِيهِ إحْدى التّاءَيْنِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في ”الخُلاصَةِ“: ؎وَما بِتاءَيْنِ ابْتَدى قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلى تا كَتَبَيَّنِ العِبَرْ فالأصْلُ عَلى قِراءَةِ الأخَوَيْنِ تَتَظاهَرُونَ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ. وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، فَهو مُضارِعُ تَظاهَرَ أيْضًا، كَقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، إلّا أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ أُدْغِمَتْ في الظّاءِ ولَمْ تُحْذَفْ، وماضِيهِ اظّاهَرَ كَـ ادّارَكَ [النمل: ٦٦]، و اثّاقَلْتُمْ [التوبة: ٣٨]، و ادّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢]، بِمَعْنى تَدارَكَ، إلَخْ. (p-١٨٩)وَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، فَهو مُضارِعُ تَظَهَّرَ عَلى وزْنِ تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ تَتَظَهَّرُونَ بِتاءَيْنِ، فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الظّاءِ، وماضِيهِ: اظَّهَّرْ، نَحْوَ: اطَّيَّرْنا [النمل: ٤٧] وازَّيَّنَتْ [يونس: ٢٤]، بِمَعْنى: تَطَيَّرْنا، وتَزَيَّنَتْ؛ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، فَعُلِمَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهم ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، وتَظاهَرَ مِنها، وتَظَهَّرَ مِنها كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو أنْ يَقُولَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَعْنِي: أنَّها حَرامٌ عَلَيْهِ، وكانُوا يُطَلِّقُونَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في الجاهِلِيَّةِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾، أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لا تَكُونُ أُمًّا لَهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَزِدْ هُنا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا أوْضَحَ هَذا في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“، فَبَيَّنَ أنَّ أزْواجَهُمُ اللّائِي ظاهَرُوا مِنهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ أُمَّهاتِهِمْ هُنَّ النِّساءُ الّاتِي ولَدْنَهم خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِنَّ، وأنَّ قَوْلَهم: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ. وَقَدْ بَيَّنَ الكَفّارَةَ اللّازِمَةَ في ذَلِكَ عِنْدَ العَوْدِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢ - ٤] . فَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾، وقَدْ رَأيْتَ ما في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“، مِنَ الزِّيادَةِ والإيضاحِ لِما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ عَلِمْتَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ الإقْدامَ عَلى الظِّهارِ مِنَ الزَّوْجَةِ حَرامٌ حُرْمَةٌ شَدِيدَةٌ؛ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، فَما صَرَّحَ (p-١٩٠)اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنْكَرٌ وزُورٌ فَحُرْمَتُهُ شَدِيدَةٌ كَما تَرى. وبَيَّنَ كَوْنَهُ كَذِبًا وزُورًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ . وَأشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ مُنْكَرُ الظِّهارِ وزُورُهُ، إنْ تابَ إلى اللَّهِ مِن ذَلِكَ تَوْبَةً نَصُوحًا غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ المُنْكَرَ والزُّورَ وعَفا عَنْهُ، فَسُبْحانُهُ ما أكْرَمَهُ وما أحْلَمَهُ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ العَوْدِ الَّذِي رَتَّبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الكَفّارَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، وإزالَةِ إشْكالٍ في الآيَةِ. اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ بَيَّنّاها في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وسَنَذْكُرُ هُنا كَلامَنا المَذْكُورَ فِيهِ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ. فَفِي ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ“، ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، لا يَخْفى أنَّ تَرْتِيبَهُ تَعالى الكَفّارَةَ بِالعِتْقِ عَلى الظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ إلّا بِالظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ التَّكْفِيرَ يَلْزَمُ كَوْنَهُ مِن قَبْلِ العَوْدِ إلى المَسِيسِ. اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ ما رَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِن قَوْلِ داوُدَ الظّاهِرِيِّ، وحَكّاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ والفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِن أهْلِ الكَلامِ، وقالَ بِهِ شُعْبَةُ: مِن أنَّ مَعْنى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ هو عَوْدُهم إلى لَفْظِ الظِّهارِ، فَيُكَرِّرُونَهُ مَرَّةً أُخْرى قَوْلٌ باطِلٌ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلِ المَرْأةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها آيَةُ الظِّهارِ، هَلْ كَرَّرَ زَوْجُها صِيغَةَ الظِّهارِ أوْ لا ؟ وتَرَكَ الِاسْتِفْصالَ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا. والتَّحْقِيقُ: أنَّ الكَفّارَةَ ومَنعَ الجِماعِ قَبْلَها، لا يُشْتَرَطُ فِيهِما تَكْرِيرُ صِيغَةِ الظِّهارِ، وما زَعَمَهُ بَعْضُهم أيْضًا مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، سالِمِينَ مِنَ الإثْمِ بِسَبَبِ الكَفّارَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أيْضًا، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن وُجُوبِ الحَمْلِ عَلى بَقاءِ التَّرْتِيبِ، إلّا لِدَلِيلٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: ؎كَذاكَ تَرِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يُحْتَمَلْ (p-١٩١)وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ الجَوابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأرْضاهم. فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى نَسْتَعِينُ: مَعْنى العَوْدِ عِنْدَ مالِكٍ فِيهِ قَوْلانِ، تُؤُوِّلَتِ المُدَوَّنَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وكِلاهُما مُرَجَّحٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ فَقَطْ. الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ وإمْساكِ الزَّوْجَةِ مَعًا، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ. لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ، ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلى الجِماعِ أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَلا مُنافاةَ بَيْنَ العَزْمِ عَلى الجِماعِ، أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ، وبَيْنَ الإعْتاقِ قَبْلَ المَسِيسِ. وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفُ الإرادَةِ، وهو واقِعٌ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أيْ: أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، أيْ: أرَدْتَ قِراءَتَهُ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٨] . وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ: أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ المُظاهَرَةِ زَمانًا يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ إمْساكَهُ إيّاها الزَّمَنَ المَذْكُورَ لا يُنافِي التَّكْفِيرَ قَبْلَ المَسِيسِ، كَما هو واضِحٌ. وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أحْمَدَ: هو أنْ يَعُودَ إلى الجِماعِ أوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ. أمّا العَزْمُ، فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا إشْكالَ في الآيَةِ عَلى القَوْلِ بِهِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجِماعُ. فالجَوابُ: أنَّهُ إنْ ظاهَرَ وجامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى يُكَفِّرَ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا جَوازُ الجِماعِ الأوَّلِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا القَوْلِ، إنَّما بَيَّنَتْ حُكْمَ ما إذا وقَعَ الجِماعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وأنَّهُ وُجُوبُ التَّكْفِيرِ قَبْلَ مَسِيسٍ آخَرَ، وأمّا الإقْدامُ عَلى المَسِيسِ الأوَّلِ فَحُرْمَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ . وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هو العَزْمُ عَلى الوَطْءِ، وعَلَيْهِ فَلا (p-١٩٢)إشْكالَ كَما تَقَدَّمَ. وما حَكاهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِهِ عَنْ مالِكٍ، مِن أنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّ العَوْدَ الجِماعُ، فَهو خِلافُ المَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِهِ، وكَذَلِكَ ما حَكاهُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن أنَّ العَوْدَ هو العَوْدُ إلى الظِّهارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ورَفْعِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَهو خِلافُ المُقَرَّرِ في فُرُوعِ الحَنَفِيَّةِ مِن أنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ؛ كَما ذَكَرْنا. وغالِبُ ما قِيلَ في مَعْنى العَوْدِ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا مِن أقْوالِ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالعُودِ الرُّجُوعُ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِغَيْرِ الجِماعِ، والمُرادُ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، خُصُوصُ الجِماعِ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِ هَذا القَوْلِ. والتَّحْقِيقُ: عَدَمُ جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ بِوَطْءٍ أوْ غَيْرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، وأجازَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِمْتاعَ بِغَيْرِ الوَطْءِ، قائِلًا: إنَّ المُرادَ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، نَفْسُ الجِماعِ لا مُقَدِّماتُهُ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ في أحَدِ القَوْلَيْنِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِما قالُوا﴾، بِمَعْنى: في، أيْ: يَعُودُونَ فِيما قالُوا بِمَعْنى يَرْجِعُونَ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «الواهِبُ العائِدُ في هِبَتِهِ» الحَدِيثَ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى: عَنْ، أيْ: يَعُودُونَ عَمّا قالُوا، أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْهُ، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبِلَهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ العَوْدَ لَهُ مَبْدَأٌ ومُنْتَهى، فَمَبْدَؤُهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ ومُنْتَهاهُ الوَطْءُ بِالفِعْلِ، فَمَن عَزَمَ عَلى الوَطْءِ فَقَدْ عادَ بِالنِّيَّةِ، فَتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ لِإباحَةِ الوَطْءِ، ومَن وطَءَ بِالفِعْلِ تَحَتَّمَ في حَقِّهِ اللُّزُومُ، وخالَفَ بِالإقْدامِ عَلى الوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ. وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ لَمّا قالَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ ”، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا القاتِلَ، بِما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ:“ إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ»، فَبَيَّنَ أنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ عَمَلٌ يُؤاخَذُ بِهِ الإنْسانُ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ المُتَبادَرُ مِنها يُوافِقُ قَوْلَ الظّاهِرِيَّةِ، الَّذِي قَدَّمْنا بُطْلانَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِما قالُوا﴾، أنَّهُ صِيغَةُ الظِّهارِ، فَيَكُونُ العَوْدُ لَها تَكْرِيرَها مَرَّةً أُخْرى. (p-١٩٣)فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى ﴿لِما قالُوا﴾: أنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِمْ، وهو الجِماعُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ وُجُودُ نَظِيرِهِ في القُرْآنِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ: ما يَقُولُ إنَّهُ يُؤْتاهُ مِن مالٍ ووَلَدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن جامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى، حَتّى يُكَفِّرَ، هو التَّحْقِيقُ خِلافًا لِمَن قالَ: تَسْقُطُ الكَفّارَةُ بِالجِماعِ قَبْلَ المَسِيسِ؛ كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبِي يُوسُفَ. ولِمَن قالَ: تَلْزَمُ بِهِ كَفّارَتانِ؛ كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وذَكَرَهُ بَعْضُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. ولِمَن قالَ: تَلْزَمُهُ ثَلاثُ كَفّاراتٍ؛ كَما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى بِطُولِهِ مِن ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ . * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّهُ لَوْ قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ ابْنَتِي، أوْ أُخْتِي، أوْ جَدَّتِي، أوْ عَمَّتِي، أوْ أُمِّي مِنَ الرِّضاعِ، أوْ أُخْتِي مِنَ الرِّضاعِ، أوْ شَبَّهَها بِعُضْوٍ آخَرَ غَيْرَ الظَّهْرِ، كَأنْ يَقُولُ: أنْتَ عَلَيَّ كَرَأْسِ ابْنَتِي أوْ أُخْتِي إلَخْ، أوْ بَطْنِ مَن ذَكَرَ، أوْ فَرْجِها، أوْ فَخْذِها أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظِهارٌ، إذْ لا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَهُ وبَيْنَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ لِأنَّهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِما هي في تَأْبِيدِ الحُرْمَةِ كَأُمِّهِ، فَمَعْنى الظِّهارِ مُحَقَّقُ الحُصُولِ في ذَلِكَ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، مِنهم: الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وهو جَدِيدُ قَوْلَيِّ الشّافِعِيِّ. وقالَ في القَدِيمِ: لا يَكُونُ الظِّهارُ إلّا بِأُمٍّ أوْ جَدَّةٍ، لِأنَّها أُمٌّ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّفْظَ الَّذِي ورَدَ بِهِ القُرْآنُ مُخْتَصٌّ بِالأُمِّ، فَإذا عَدَلَ عَنْهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، ولَنا أنَّهُنَّ مُحَرَّماتٌ بِالقَرابَةِ فَأشْبَهْنَ الأُمَّ. فَأمّا الآيَةُ فَقَدْ قالَ فِيها: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، وهَذا مَوْجُودٌ في مَسْألَتِنا، فَجَرى مَجْراهُ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأُمِّ لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الحُكْمِ في غَيْرِها، إذا كانَتْ مِثْلَها. الضَّرْبُ الثّالِثُ: أنْ يُشَبِّهَها بِظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيدِ سِوى الأقارِبِ، كالإمْهاتِ المُرْضِعاتِ والأخَواتِ مِنَ الرَّضاعَةِ، وحَلائِلِ الآباءِ، والأبْناءِ، وأُمَّهاتِ النِّساءِ، والرَّبائِبِ اللّاتِي دُخِلَ بِأُمِّهِنَّ فَهو ظِهارٌ أيْضًا، والخِلافُ فِيها كالَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ المَذْهَبَيْنِ (p-١٩٤)ما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُ في الأُمَّهاتِ المُرْضِعاتِ دُخُولُها في عُمُومِ الأُمَّهاتِ فَتَكُونُ داخِلَةً في النَّصِّ، وسائِرُهُنَّ في مَعْناها، فَثَبَتَ فِيهِنَّ حُكْمُها، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“، وهو واضِحٌ كَما تَرى. * * فَرْعانِ يَتَعَلَّقانِ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيما إذا شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا، كَأُخْتِ امْرَأتِهِ، وعَمَّتِها وكالأجْنَبِيَّةِ، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو ظِهارٌ وهو قَوْلُ أصْحابِ مالِكٍ، وهو عِنْدَهم مِن نَوْعِ الكِنايَةِ الظّاهِرَةِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، واخْتارَها الخِرَقِيُّ. والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ لَيْسَ بِظِهارٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ. وَحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّهُ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِمُحَرَّمَةٍ، فَأشْبَهَ ما لَوْ شَبَّهَها بِالأُمِّ، لِاشْتِراكِ الجَمِيعِ في التَّحْرِيمِ؛ لَأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، إذا نَوى بِهِ الظِّهارَ، يَكُونُ ظِهارًا عَلى الأظْهَرِ، والتَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمٌ، فَيَكُونُ ظِهارًا. وَحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الَّتِي شَبَّهَ بِها امْرَأتَهُ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلى التَّأْبِيدِ، فَلا يَكُونُ لَها حُكْمُ ظَهْرِ الأُمِّ إلّا إنْ كانَ تَحْرِيمُها مُؤَبَّدًا كالأُمِّ، ولَمّا كانَ تَحْرِيمُها غَيْرَ مُؤَبَّدٍ كانَ التَّشْبِيهُ بِها لَيْسَ بِظِهارٍ، كَما لَوْ شَبَّهَها بِظَهْرِ حائِضٍ، أوْ مُحْرِمَةٍ مِن نِسائِهِ، وأجابَ المُخالِفُونَ عَنْ هَذا: بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّشْبِيهِ بِالمُحَرَّمَةِ يَكْفِي في الظِّهارِ لِدُخُولِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، قالُوا: وأمّا الحائِضُ، فَيُباحُ الِاسْتِمْتاعُ بِها في غَيْرِ الفَرَجِ، والمُحْرِمَةُ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْها ولَمْسُها مِن غَيْرِ شَهْوَةٍ، ولَيْسَ في وطْءِ واحِدَةٍ مِنهُما حَدٌّ بِخِلافِ مَسْألَتِنا، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“، مَعَ تَصَرُّفٍ يَسِيرٍ لا يُخِلُّ بِالمَعْنى. وَقالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: واخْتارَ أبُو بَكْرٍ: أنَّ الظِّهارَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذَواتِ المَحْرَمِ مِنَ النِّساءِ، قالَ: فَبِهَذا أقُولُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِ الأجْنَبِيَّةِ، كانَ طَلاقًا. قالَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ، ا هـ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي وأجْراها عَلى الأُصُولِ، هو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا، ولَوْ كانَتِ الَّتِي شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِها غَيْرَ مُؤَبَّدَةِ (p-١٩٥)التَّحْرِيمِ، إذْ لا حاجَةَ لِتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ مَدارَ الظِّهارِ عَلى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهِها بِمُحَرَّمَةٍ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِتَشْبِيهِها بِامْرَأةٍ مُحَرَّمَةٍ في الحالِ، ولَوْ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا لِأنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ حاصِلٌ بِذَلِكَ في قَصْدِ الرَّجُلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * الفَرْعُ الثّانِي: في حُكْمِ ما قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي أوِ ابْنِي أوْ غَيْرِهِما مِنَ الرِّجالِ، لا أعْلَمُ في ذَلِكَ نَصًّا مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ. فَقالَ بَعْضُهم: لا يَكُونُ مُظاهِرًا بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِما لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتاعِ، فَأشْبَهَ ما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَمالِ زَيْدٍ، وهَلْ فِيهِ كَفّارَةٌ ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ: إحْداهُما: فِيهِ كَفّارَةٌ، لِأنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ فَأشْبَهَ ما لَوْ حَرَّمَ مالَهُ. والثّانِيَةُ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ونَقَلَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ أحْمَدَ، فِيمَن شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِظَهْرِ الرَّجُلِ، لا يَكُونُ ظِهارًا، ولَمْ أرَهُ يَلْزَمُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ لِامْرَأتِهِ بِما لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتاعِ، أشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمالِ غَيْرِهِ. وقالَ بَعْضُهم: يَكُونُ مُظاهِرًا بِالتَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الرَّجُلِ. وعَزاهُ في ”المُغْنِي“ لِابْنِ القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، كالمَذْهَبَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وكَوْنُ ذَلِكَ ظِهارًا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ مُتَأخِّرِي المالِكِيَّةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ جَرَيانُ هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى مَسْألَةٍ أُصُولِيَّةٍ فِيها لِأهْلِ الأُصُولِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ، وهي في حُكْمِ ما إذا دارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ والحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، عَلى أيِّهِما يُحْمَلُ ؟ والصَّحِيحُ عِنْدَ جَماعاتٍ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: أنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أوَّلًا إنْ كانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ شَرْعِيَّةً حُمِلَ عَلى العُرْفِيَّةِ، ثُمَّ اللُّغَوِيَّةِ. وَعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى اللُّغَوِيَّةِ قَبْلَ العُرْفِيَّةِ، قالَ: لِأنَّ العُرْفِيَّةَ، وإنْ تَرَجَّحَتْ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ فَإنَّ الحَقِيقَةَ اللُّغَوِيَّةَ مُتَرَجِّحَةٌ بِأصْلِ الوَضْعِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُما لا تُقَدَّمُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى بَلْ يُحْكَمُ بِاسْتِوائِهِما، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لِاسْتِواءِ الِاحْتِمالَيْنِ فِيهِما، فَيَحْتاجُ إلى بَيانِ المَقْصُودِ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ بِنِيَّةٍ أوْ دَلِيلٍ خارِجٍ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ: ؎واللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلى الشَّرْعِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ فَمُطْلَقُ العُرْفِيِّ ؎فاللُّغَوِيُّ عَلى الجَلِيِّ ولَمْ يَجِبْ ∗∗∗ بَحْثٌ عَنِ المَجازِ في الَّذِي انْتُخِبْ ؎وَمَذْهَبُ النُّعْمانِ عَكْسُ ما مَضى ∗∗∗ والقَوْلُ بِالإجْمالِ فِيهِ مُرْتَضى وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي مَثَلًا لا يَنْصَرِفُ (p-١٩٦)فِي الحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِالوَطْءِ أوْ مُقَدِّماتِهِ؛ لِأنَّ العُرْفَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِمْتاعٌ بِالذُّكُورِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ ظِهارٌ. وأمّا عَلى تَقْدِيمِ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، فَمُطْلَقُ تَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِمَحْرَمٍ ولَوْ ذَكَرًا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، فَيَكُونُ بِمُقْتَضى اللُّغَةِ لَهُ حُكْمُ الظِّهارِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عَلَيَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وكَظَهْرِ البَهِيمَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي، فَيَجْرِي عَلى حُكْمِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ إنْ دَخَلَتِ الدّارَ فَأنْتِ حَرامٌ ثُمَّ دَخَلَتْها، فِيها لِلْعُلَماءِ نَحْوُ عِشْرِينَ قَوْلًا، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ. وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ الظِّهارِ هَذِهِ عَلى أنْ أقْيَسَ الأقْوالِ وأقْرَبَها لِظاهِرِ القُرْآنِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ ظِهارٌ، تَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ الظِّهارِ، ولَيْسَ بِطَلاقٍ. وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ قَوْلَهُ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مَعْناهُ: أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِلُزُومِ الكَفّارَةِ في قَوْلِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ولا يَخْفى أنْ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، مِثْلُها في المَعْنى، كَما تَرى. وَقالَ في ”المُغْنِي“: وذَكَرَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي قِلابَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ، والبَتِّيِّ، أنَّهم قالُوا: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، ا هـ. وأقْرَبُ الأقْوالِ بَعْدَ هَذا لِظاهِرِ القُرْآنِ القَوْلُ بِكَفّارَةِ اليَمِينِ، والِاسْتِغْفارِ لِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآيَةَ [التحريم: ١] . * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عِنْدِي أوْ مِنِّي أوْ مَعِي كَظَهْرِ أُمِّي، لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو ظِهارٌ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو واضِحٌ كَما تَرى. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أوْ مِثْلِ أُمِّي، ولَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ أنَّهُ لا يَكُونُ ظِهارًا إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الظِّهارَ؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ مَعانِيَ أُخْرى غَيْرَ الظِّهارِ، مَعَ كَوْنِ الِاسْتِعْمالِ فِيها مَشْهُورًا، فَإنْ قالَ: نَوَيْتُ بِهِ الظِّهارَ، فَهو ظِهارٌ في قَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . وإنْ نَوى بِهِ أنَّها مِثْلُها في الكَرامَةِ عَلَيْهِ والتَّوْقِيرِ، أوْ أنَّها مِثْلُها في الكِبَرِ أوِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ بِظِهارٍ، والقَوْلُ قَوْلُهُ في نِيَّتِهِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . وَأمّا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَدْ قالَ في ”المُغْنِي“: وإنْ أطْلَقَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو صَرِيحٌ في (p-١٩٧)الظِّهارِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ أبِي مُوسى: فِيهِ رِوايَتانِ، أظْهَرُهُما: أنَّهُ لَيْسَ بِظِهارٍ حَتّى يَنْوِيَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ في الكَرامَةِ أكْثَرُ مِمّا يُسْتَعْمَلُ في التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَكِناياتِ الطَّلاقِ، انْتَهى مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ عِنْدِي، لِأنَّ اللَّفْظَ المَذْكُورَ لا يَتَعَيَّنُ لا عُرْفًا، ولا لُغَةً، إلّا لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ الظِّهارَ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ووَجْهُ الأوَّلِ يَعْنِي القَوْلَ بِأنَّ ذَلِكَ ظِهارٌ أنَّهُ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ، فَكانَ مُشَبِّهًا لَها بِظَهْرِها، فَيَثْبُتُ الظِّهارُ؛ كَما لَوْ شَبَّهَها بِهِ مُنْفَرِدًا. والَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي في قِياسِ المَذْهَبِ أنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى الظِّهارِ مِثْلَ أنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الحَلِفِ، فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْتِ كَذا فَأنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي، أوْ قالَ ذَلِكَ حالَ الخُصُومَةِ والغَضَبِ فَهو ظِهارٌ؛ لِأنَّهُ إذا خَرَجَ مَخْرَجَ الحَلِفِ فالحَلِفُ يُرادُ لِلِامْتِناعِ مِن شَيْءٍ أوِ الحَثِّ عَلَيْهِ، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِ، ولِأنَّ كَوْنَها مِثْلَ أُمِّهِ في صِفَتِها أوْ كَرامَتِها لا يَتَعَلَّقُ عَلى شَرْطٍ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أرادَ الظِّهارَ، ووُقُوعُ ذَلِكَ في حالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ ما يَتَعَلَّقُ بِأذاها، ويُوجِبُ اجْتِنابَها وهو الظِّهارُ، وإنْ عُدِمَ هَذا فَلَيْسَ بِظِهارٍ؛ لِأنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهارِ احْتِمالًا كَثِيرًا، فَلا يَتَعَيَّنُ الظِّهارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ”المُغْنِي“، وهو الأظْهَرُ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّهُ إنْ قالَ: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرامٌ، أوْ ما انْقَلَبَ إلَيْهِ حَرامٌ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ أنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا، وذَلِكَ لِدُخُولِ الزَّوْجَةِ في عُمُومِ الصِّيَغِ المَذْكُورَةِ. قالَ في ”المُغْنِي“: نَصَّ عَلى ذَلِكَ أحْمَدُ في الصُّوَرِ الثَّلاثِ، ا هـ. وهو ظاهِرٌ. وَهَذا عَلى أقْيَسِ الأقْوالِ وهو كَوْنُ التَّحْرِيمِ ظِهارًا، وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي فِيمَن قالَ: ما أحَلَّ اللَّهُ مِن أهْلٍ ومالٍ حَرامٌ عَلَيَّ أنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهارُ، مَعَ لُزُومِ ما يَلْزَمُ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِن مالٍ، وهو كَفّارَةُ يَمِينٍ عِنْدِ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وعَلَيْهِ فَتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ ظِهارٍ وكَفّارَةُ يَمِينٍ. (p-١٩٨)وَهَذا الَّذِي اسْتَظْهَرْنا هو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، خِلافًا لِما نَقَلَهُ في ”المُغْنِي“ عَنْ أحْمَدَ ونَصَرَهُ مِن أنَّهُ يَكْفِي فِيهِ كَفّارَةُ الظِّهارِ عَنْ كَفّارَةِ اليَمِينِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي، فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرامٌ أنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا مُطْلَقًا، ولا يَنْصَرِفُ لِلطَّلاقِ، ولَوْ نَواهُ؛ لِأنَّ الصِّيغَةَ صَرِيحَةٌ في الظِّهارِ. * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي، فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي، أنَّ الطَّلاقَ إنْ كانَ بائِنًا بانَتْ بِهِ، ولا يَقَعُ ظِهارٌ بِقَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي؛ لِأنَّ تَلَفُّظَهُ بِذَلِكَ وقَعَ، وهي أجْنَبِيَّةٌ فَهو كالظِّهارِ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ، وإنْ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ونَوى بِقَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي، الظِّهارَ كانَ مُظاهِرًا؛ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُها الظِّهارُ والطَّلاقُ، وإنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهارَ، فَلا يَكُونُ ظِهارًا، لِأنَّهُ أتى بِصَرِيحِ الطَّلاقِ أوَّلًا، وجَعَلَ قَوْلَهُ: كَظَهْرِ أُمِّي، صِفَةً لَهُ، وصَرِيحُ الطَّلاقِ لا يَنْصَرِفُ إلى الظِّهارِ. ونَقَلَ في ”المُغْنِي“ هَذا الَّذِي اسْتَظْهَرْنا عَنِ القاضِي وقالَ: وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وأمّا لَوْ قَدَّمَ الظِّهارَ عَلى الطَّلاقِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي طالِقٌ، فالأظْهَرُ وُقُوعُ الظِّهارِ والطَّلاقِ مَعًا، سَواءٌ كانَ الطَّلاقُ بائِنًا أوْ رَجْعِيًّا؛ لِأنَّ الظِّهارَ لا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّةَ، ولا تَحْصُلُ بِهِ البَيْنُونَةُ، لِأنَّ الكَفّارَةَ تَرْفَعُ حُكْمَهُ، فَلا يَمْنَعُ وُقُوعُ الطَّلاقِ عَلى المُظاهِرِ مِنها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ العاشِرَةُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّهُ إنْ شَبَّهَ أيَّ عُضْوٍ مِنَ امْرَأتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ، أوْ بِأيِّ عُضْوٍ مِن أعْضائِها، فَهو مُظاهِرٌ لِحُصُولِ مَعْنى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِذَلِكَ. وسَواءٌ كانَ عُضْوُ الأُمِّ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَرَأْسِها ويَدِها أوْ لا يَجُوزُ لَهُ كَفَرْجِها وفَخْذِها، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، ورِوايَةٌ أُخْرى: أنَّهُ لا يَكُونُ مُظاهِرًا حَتّى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرَأتِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ لا يَمَسُّ عُضْوًا مُعَيَّنًا مِنها لَمْ يَسِرْ إلى غَيْرِهِ مِن أعْضائِها، فَكَذَلِكَ المُظاهَرَةُ، ولِأنَّ هَذا لَيْسَ بِمَنصُوصٍ عَلَيْهِ، ولا هو في مَعْنى المَنصُوصِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إنْ شَبَّهَها بِما يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنَ الأُمِّ كالفَخْذِ والفَرْجِ فَهو ظِهارٌ، وإنْ شَبَّهَها بِما يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ، كاليَدِ والرَّأْسِ فَلَيْسَ بِظِهارٍ؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ بِعُضْوٍ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ كالتَّشْبِيهِ بِعُضْوِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرى، فَلا يَحْصُلُ بِهِ الظِّهارُ، وإنَّما اسْتَظْهَرْنا أنَّهُ ظِهارٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ مَعْنى التَّحْرِيمِ حاصِلٌ بِهِ، فَهو في مَعْنى صَرِيحِ الظِّهارِ، فَقَوْلُهم: ولا هو في مَعْنى المَنصُوصُ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، بَلْ هو في مَعْناهُ، وقِياسُهُ عَلى حَلِفِهِ بِاللَّهِ لا يَمَسُّ عُضْوًا (p-١٩٩)مُعَيَّنًا مِنها ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ مَعْنى التَّحْرِيمِ يَحْصُلُ بِبَعْضٍ، والحَلِفُ عَنْ بَعْضٍ لا يَسْرِي إلى بَعْضٍ آخَرَ، كَما تَرى. وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ العُضْوَ الَّذِي يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ لا يَحْصُلُ الظِّهارُ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا؛ لِأنَّهُ وإنْ جازَ النَّظَرُ إلَيْهِ فَإنَّ التَّلَذُّذَ بِهِ حَرامٌ، والتَّلَذُّذُ هو المُسْتَفادُ مِن عَقْدِ النِّكاحِ، فالتَّشْبِيهُ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّحْرِيمِ، والظِّهارُ هو نَفْسُ التَّحْرِيمِ بِواسِطَةِ التَّشْبِيهِ بِعُضْوِ الأُمِّ المُحَرَّمِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الظِّهارَ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: شَعْرُكِ، أوْ رِيقُكِ، أوْ كَلامُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَهُ وجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّ الشَّعْرَ مِن مَحاسِنِ النِّساءِ الَّتِي يَتَلَذَّذُ بِها الأزْواجُ كَما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، وكَذَلِكَ الرِّيقُ فَإنَّ الزَّوْجَ يَمُصُّهُ ويَتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ امْرَأتِهِ، وكَذَلِكَ الكَلامُ، كَما هو مَعْرُوفٌ. وأمّا لَوْ قالَ لَها: سُعالُكِ أوْ بُصاقُكِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ السُّعالَ والبُصاقَ وما يُجْرِي مَجْراهُما، كالدَّمْعِ لَيْسَ مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ عادَةً، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن قالَ لِأمَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ قالَ ذَلِكَ لِأُمِّ ولَدِهِ، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَصِحُّ الظِّهارُ مِنَ المَمْلُوكَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِيِّ، والشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وأحْمَدَ. وقالَ بَعْضُهم: يَصِحُّ الظِّهارُ مِنَ الأمَةِ أُمَّ ولَدٍ كانَتْ أوْ غَيْرَها، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والزُّهْرِيِّ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وقَتادَةَ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وعَنِ الحَسَنِ، والأوْزاعِيِّ: إنْ كانَ يَطَؤُها فَهو ظِهارٌ، وإلّا فَلا. وعَنْ عَطاءٍ: إنْ ظاهَرَ مِن أمَتِهِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ كَفّارَةِ الظِّهارِ مِنَ الحُرَّةِ. واحْتَجَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الأمَةَ لا يَصِحُّ الظِّهارُ مِنها، بِأدِلَّةٍ: مِنها أنَّهم زَعَمُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾، يَخْتَصُّ بِالأزْواجِ دُونَ الإماءِ. وَمِنها أنَّ الظِّهارَ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ، فَلا تَدْخُلُ فِيهِ الأمَةُ قِياسًا عَلى الطَّلاقِ. وَمِنها أنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنُقِلَ حُكْمُهُ وبَقِيَ مَحَلُّهُ، ومَحَلُّ الطَّلاقِ الأزْواجُ دُونَ الإماءِ. (p-٢٠٠)وَمِنها أنَّ تَحْرِيمَ الأمَةِ تَحْرِيمٌ لِمُباحٍ مِن مالِهِ، فَكانَتْ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ كَتَحْرِيمِ سائِرِ مالِهِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: بِأنَّ تَحْرِيمَ المالِ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الحَجِّ“ . قالُوا: ومِنها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ جارِيَتَهُ مارِيَةَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ظِهارٌ بَلْ كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ كَما قالَ تَعالى في تَحْرِيمِهِ إيّاها: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ الآيَةَ [التحريم: ٢] . واحْتَجَّ القائِلُونَ بِصِحَّةِ الظِّهارِ مِنَ الأمَةِ، بِدُخُولِها في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾، قالُوا: وإماؤُهم مِن نِسائِهِمْ؛ لِأنَّ تَمَتُّعَهم بِإمائِهِمْ مِن تَمَتُّعِهِمْ بِنِسائِهِمْ، قالُوا: ولِأنَّ الأمَةَ يُباحُ وطْؤُها، كالزَّوْجَةِ فَصَحَّ الظِّهارُ مِنها كالزَّوْجَةِ، قالُوا: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، نَزَلَتْ في تَحْرِيمِهِ ﷺ شُرْبَ العَسَلِ في القِصَّةِ المَشْهُورَةِ، لا في تَحْرِيمِ الجارِيَةِ. وَحُجَّةُ الحَسَنِ والأوْزاعِيِّ، وحُجَّةُ عَطاءٍ كِلْتاهُما واضِحَةٌ، كَما تَقَدَّمَ. وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ في قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ: بِصِحَّةِ الظِّهارِ مِنَ الأمَةِ، وهي مَسْألَةٌ عَسِيرَةٌ عَلَيْنا؛ لِأنَّ مالِكًا يَقُولُ: إذا قالَ لِأمَتِهِ أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ لا يَلْزَمُ، فَكَيْفَ يَبْطُلُ فِيها صَرِيحُ التَّحْرِيمِ وتَصِحُّ كِنايَتُهُ ؟ ولَكِنْ تَدْخُلُ الأمَةُ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ أرادَ مِن مُحَلَّلاتِهِمْ. والمَعْنى فِيهِ: أنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالبِضْعِ دُونَ رَفْعِ العِقْدِ، فَصَحَّ في الأمَةِ أصْلُهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ تَعالى، ا هـ مِنهُ، بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: لا يَبْعُدُ بِمُقْتَضى الصِّناعَةِ الأُصُولِيَّةِ، والمُقَرَّرِ في عُلُومِ القُرْآنِ: أنْ يَكُونَ هُناكَ فَرْقٌ بَيْنَ تَحْرِيمِ الأمَةِ وتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في السُّنَنِ وغَيْرِها، أنَّهُ نَزَلَ في تَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ جارِيَتَهُ مارِيَةَ أُمَّ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ جاءَ في الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ: أنَّهُ نَزَلَ في تَحْرِيمِهِ العَسَلَ الَّذِي كانَ شَرِبَهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، وقِصَّةُ ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في عُلُومِ القُرْآنِ أنَّهُ إذا ثَبَتَ نُزُولُ الآيَةِ في شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ ثَبَتَ بِسَنَدٍ آخَرَ صَحِيحٍ أنَّها نَزَلَتْ في شَيْءٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ غَيْرِ (p-٢٠١)الأوَّلِ، وجَبَ حَمْلُها عَلى أنَّها نَزَلَتْ فِيهِما مَعًا، فَيَكُونُ لِنُزُولِها سَبَبانِ، كَنُزُولِ آيَةِ اللَّعّانِ في عُوَيْمِرٍ وهِلالٍ مَعًا. وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ نَزَلَ في تَحْرِيمِهِ ﷺ العَسَلَ عَلى نَفْسِهِ، وفي تَحْرِيمِهِ جارِيَتَهُ، وإذا عَلِمْتَ بِذَلِكَ نُزُولَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾، في تَحْرِيمِ الجارِيَةِ، عَلِمْتَ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الجارِيَةِ لا يُحَرِّمُها، ولا يَكُونُ ظِهارًا مِنها، وأنَّهُ تَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ كَما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن وافَقَهُ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا بَيَّنَ أنَّ فِيهِ كَفّارَةَ يَمِينٍ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومَعْناهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَفَّرَ عَنْ تَحْرِيمِهِ جارِيَتَهُ كَفّارَةَ يَمِينٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾، بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ﷺ جارِيَتَهُ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ومَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن حَرَّمَ جارِيَتَهُ لا تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنَّما يَلْزَمُهُ الِاسْتِغْفارُ فَقَطْ، فَقَدِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾، وقالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَرَّمَ جارِيَتَهُ، قالَ مَعَ ذَلِكَ: ”واللَّهِ لا أعُودُ إلَيْها“»، وهَذِهِ اليَمِينُ هي الَّتِي نَزَلَ في شَأْنِها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾، ولَمْ تَنْزِلْ في مُطْلَقِ تَحْرِيمِ الجارِيَةِ، واليَمِينُ المَذْكُورَةُ مَعَ التَّحْرِيمِ في قِصَّةِ الجارِيَةِ، قالَ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: رَواها الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ التّابِعِيِّ المَشْهُورِ، لَكِنَّهُ أرْسَلَهُ، اهـ. وكَذَلِكَ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“: إنَّ الهَيْثَمَ بْنَ كُلَيْبٍ رَواهُ في مَسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وساقَ السَّنَدَ المَذْكُورَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والمَتْنُ فِيهِ التَّحْرِيمُ واليَمِينُ كَما ذَكَرْنا، وعَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ آيَةَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، نَزَلَتْ في تَحْرِيمِهِ ﷺ جارِيَتَهُ، فالفَرْقُ بَيْنَ تَحْرِيمِ الجارِيَةِ والزَّوْجَةِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آيَةَ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ دَلَّتْ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الجارِيَةِ لا يُحَرِّمُها ولا يَكُونُ ظِهارًا، وآيَةَ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآيَةَ، دَلَّتْ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ تَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ الظِّهارِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ في ”المُجادَلَةِ“؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ هو أنْ يَقُولَ أحَدُهم لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مَعْناهُ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَعَلى هَذا فَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ ”التَّحْرِيمِ“ عَلى حُكْمِ تَحْرِيمِ الأمَةِ، وآيَةُ ”المُجادَلَةِ“ عَلى حُكْمِ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، وهُما حُكْمانِ مُتَغايِرانِ، (p-٢٠٢)كَما تَرى. ومَعْلُومٌ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لَمْ يَقُلْ بِالفَرْقِ بَيْنَهُما، بَلْ قالَ: إنَّ حُكْمَ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ كَحُكْمِ تَحْرِيمِ الجارِيَةِ المَنصُوصِ في آيَةِ ”التَّحْرِيمِ“، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ آيَةَ الظِّهارِ تَدُلُّ بِفَحْواها عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ ظِهارٌ؛ لِأنَّ ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“، و ”أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ“ مَعْناهُما واحِدٌ، كَما لا يَخْفى. وعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرْنا، فَلا يَصِحُّ الظِّهارُ مِنَ الأمَةِ، وإنَّما يَلْزَمُ في تَحْرِيمِها بِظِهارٍ، أوْ بِصَرِيحِ التَّحْرِيمِ كَفّارَةُ يَمِينٍ أوِ الِاسْتِغْفارُ كَما تَقَدَّمَ. وهَذا أقْرَبُ لِظاهِرِ القُرْآنِ، وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى خِلافِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ تَحْرِيمَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ فِيهِ لِلْعُلَماءِ عِشْرُونَ قَوْلًا، وسَنَذْكُرُها هُنا بِاخْتِصارٍ ونُبَيِّنُ ما يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِنها، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. القَوْلُ الأوَّلُ: هو أنَّ تَحْرِيمَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ لَغْوٌ باطِلٌ، لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مَسْرُوقٌ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وداوُدُ، وجَمِيعُ أهْلِ الظّاهِرِ، وأكْثَرُ أصْحابِ الحَدِيثِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ المالِكِيَّةِ، اخْتارَهُ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وصَحَّ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: ما أُبالِي أحَرَّمْتُ امْرَأتِي أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ. وصَحَّ عَنِ الشَّعْبِيِّ في تَحْرِيمِ المَرْأةِ: لَهو أهْوَنُ عَلَيَّ مِن نَعْلِي. وقالَ أبُو سَلَمَةَ: ما أُبالِي أحَرَّمْتُ امْرَأتِي أوْ حَرَّمْتُ ماءَ النَّهْرِ. وقالَ الحَجّاجُ بْنُ مَنهالٍ: إنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَسَألَ عَنْ ذَلِكَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ حُمَيْدٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وأنْتَ رَجُلٌ تَلْعَبُ، فاذْهَبْ فالعَبْ، ا هـ مِنهُ. واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ، وعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا، فَهو رَدٌّ»، ومَعْلُومٌ أنَّ تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَيْسَ مِن أمْرِنا. (p-٢٠٣)القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ ثَلاثُ تَطْلِيقاتٍ، قالَ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى. وقَضى فِيها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالثَّلاثِ في عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ الكِلابِيِّ، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ مَسَسْتَها قَبْلَ أنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَكَ لَأرْجُمَنَّكَ. وقالَ في ”زادِ المَعادِ“: ورُوِيَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: الثّابِتُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عُمَرَ أنَّ في ذَلِكَ كَفّارَةَ يَمِينٍ، وذَكَرَ في ”الزّادِ“ أيْضًا: أنَّ ابْنَ حَزْمٍ نَقَلَ عَنْ عَلِيٍّ الوَقْفَ في ذَلِكَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ بِثَلاثٍ أنَّها لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إلّا بِالثَّلاثِ، فَكانَ وُقُوعُ الثَّلاثِ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِها حَرامًا عَلَيْهِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها حَرامٌ عَلَيْهِ بِتَحْرِيمِهِ إيّاها، قالَ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: وصَحَّ هَذا أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وخِلاسِ بْنِ عَمْرٍو، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ طَلاقًا بَلْ أمَرُوهُ بِاجْتِنابِها فَقَطْ. وَصَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَنْهُ رِوايَتانِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ تَحْرِيمَ الثَّلاثِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ لَفْظَهُ إنَّما اقْتَضى التَّحْرِيمَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَدِ الطَّلاقِ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى تَحْرِيمِهِ. القَوْلُ الرّابِعُ: الوَقْفُ. قالَ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِطَلاقٍ، وهو لا يَمْلِكُ تَحْرِيمَ الحَلالِ، إنَّما يَمْلِكُ إنْشاءَ السَّبَبِ الَّذِي يُحَرَّمُ بِهِ، وهو الطَّلاقُ وهَذا لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الطَّلاقِ، ولا هو مِمّا ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فاشْتَبَهَ الأمْرُ فِيهِ فَوَجَبَ الوَقْفُ لِلِاشْتِباهِ. القَوْلُ الخامِسُ: إنْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ فَهو طَلاقٌ، وإلّا فَهو يَمِينٌ. قالَ في ”الإعْلامِ“: وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، والشّافِعِيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ، ا هـ. وَحُكِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنِ النَّخَعِيِّ، وإسْحاقَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ التَّحْرِيمَ كِنايَةٌ في الطَّلاقِ، فَإنْ نَواهُ بِهِ كانَ طَلاقًا، وإنْ لَمْ يَنْوِهِ كانَ يَمِينًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ إنْ نَوى بِهِ الثَّلاثَ فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ (p-٢٠٤)نَوى يَمِينًا فَهو يَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا هو كِذْبَةٌ لا شَيْءَ فِيها، قالَهُ سُفْيانُ، وحَكاهُ النَّخَعِيُّ عَنْ أصْحابِهِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ لِما نَواهُ مِن ذَلِكَ، فَيَتْبَعُ نِيَّتَهُ. القَوْلُ السّابِعُ: مِثْلُ هَذا إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . القَوْلُ الثّامِنُ: مِثْلُ هَذا أيْضًا، إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إعْمالًا لِلَّفْظِ التَّحْرِيمِ، هَكَذا ذَكَرَ هَذا القَوْلَ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“، ولَمْ يَعْزُهُ لِأحَدٍ. وَقالَ صاحِبُ ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وقَدْ حَكاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. القَوْلُ التّاسِعُ: أنَّ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ. قالَ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: وصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبِي قِلابَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وهو إحْدى الرِّواياتِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تَشْبِيهَ المَرْأةِ بِأُمِّهِ المُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ ظِهارًا وجَعَلَهُ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، فَإذا كانَ التَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّمَةِ يَجْعَلُهُ مُظاهِرًا، فَإذا صَرَّحَ بِتَحْرِيمِها كانَ أوْلى بِالظِّهارِ، وهَذا أقْيَسُ الأقْوالِ وأفْقَهُها. ويُؤَيِّدُهُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُكَلَّفِ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ، وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى، وإنَّما جَعَلَ لَهُ مُباشَرَةَ الأفْعالِ والأقْوالِ، الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ، فالسَّبَبُ إلى العَبْدِ وحُكْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، فَقَدْ قالَ المُنْكَرَ مِنَ القَوْلِ والزُّورَ، وقَدْ كَذَبَ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْها كَظَهْرِ أُمِّهِ، ولا جَعَلَها عَلَيْهِ حَرامًا، فَأوْجَبَ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ مِنَ المُنْكَرِ والزُّورِ أغْلَظَ الكَفّارَتَيْنِ، وهي كَفّارَةُ الظِّهارِ. القَوْلُ العاشِرُ: أنَّهُ تَطْلِيقَةٌ واحِدَةٌ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَوْلُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ شَيْخِ أبِي حَنِيفَةَ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ تَطْلِيقَ التَّحْرِيمِ لا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِالثَّلاثِ، بَلْ يَصْدُقُ بِأقَلِّهِ والواحِدَةُ مُتَيَقَّنَةٌ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْها؛ لِأنَّها اليَقِينُ فَهو نَظِيرُ التَّحْرِيمِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ. القَوْلُ الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ يَنْوِي فِيما أرادَ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ في أصْلِ الطَّلاقِ وعَدَدِهِ، وإنْ نَوى تَحْرِيمًا بِغَيْرِ طَلاقٍ، فَيَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، فَلا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها إلّا بِالنِّيَّةِ، فَإنْ نَوى تَحْرِيمًا مُجَرَّدًا كانَ امْتِناعًا مِنها بِالتَّحْرِيمِ كامْتِناعِهِ بِاليَمِينِ، ولا تَحْرُمُ عَلَيْهِ في (p-٢٠٥)المَوْضِعَيْنِ، ا هـ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ هو القَوْلُ الخامِسُ. قالَ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وهو الَّذِي حَكاهُ عَنْهُ في ”فَتْحِ البارِي“، بَلْ حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ القَيِّمِ نَفْسُهُ. القَوْلُ الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ يَنْوِي في أصْلِ الطَّلاقِ وعَدَدِهِ، إلّا أنَّهُ إنْ نَوى واحِدَةً كانَتْ بائِنَةً، وإنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلاقَ فَهو مُؤَوَّلٌ، وإنْ نَوى الكَذِبَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرَهُ، إلّا أنَّهُ إنْ نَوى واحِدَةً كانَتْ بائِنَةً، لِاقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ لِلْبَيْنُونَةِ، وهي صُغْرى وكُبْرى، والصُّغْرى هي المُتَحَقِّقَةُ، فاعْتُبِرَتْ دُونَ الكُبْرى. وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى: إنْ نَوى الكَذِبَ دِينَ، ولَمْ يُقْبَلْ في الحُكْمِ بَلْ كانَ مُؤْلِيًا، ولا يَكُونُ ظِهارًا عِنْدَهُ، نَواهُ أوْ لَمْ يَنْوِهْ، ولَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: أعْنِي بِها الظِّهارَ، لَمْ يَكُنْ مُظاهِرًا، انْتَهى مِن ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“ . وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ ابْنِ القَيِّمِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، إلى قَوْلِهِ: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، هَكَذا قالَ ابْنُ القَيِّمِ. وفي ”الفَتْحِ“ عَنِ الحَنَفِيَّةِ: أنَّهُ إذا نَوى اثْنَتَيْنِ فَهي واحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ طَلاقًا فَهي يَمِينٌ ويَصِيرُ مُؤْلِيًا، ا هـ. القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّهُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهُ ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونافِعٍ، والأوْزاعِيِّ، وأبِي ثَوْرٍ، وخَلْقٍ سِواهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَرْضَ تَحِلَّةِ الأيْمانِ عَقِبَ تَحْرِيمِ الحَلالِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَناوَلَهُ يَقِينًا، فَلا يَجُوزُ جَعْلُ تَحِلَّةِ الأيْمانِ لِغَيْرِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ويَخْرُجُ المَذْكُورُ عَنْ حُكْمِ التَّحِلَّةِ الَّتِي قَصَدَ ذِكْرَها لِأجْلِهِ، اهـ مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الظّاهِرُ أنَّ ابْنَ القَيِّمِ أرادَ بِكَلامِهِ هَذا أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾، نازِلٌ في تَحْرِيمِ الحَلالِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وما ذَكَرَهُ مِن (p-٢٠٦)شُمُولِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾، لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، عَلى سَبِيلِ اليَقِينِ. والجَزْمُ لا يَخْلُو عِنْدِي مِن نَظَرٍ، لِما قَدَّمْنا عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ نازِلٌ في حَلِفِ النَّبِيِّ ﷺ لا يَعُودُ لِما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لا في أصْلِ التَّحْرِيمِ، وقَدْ أشَرْنا لِلرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ هَذا المَبْحَثِ. القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ يَتَعَيَّنُ فِيها عِتْقُ رَقَبَةٍ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وصَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّهُ لَمّا كانَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً غُلِّظَتْ كَفّارَتُها بِتَحَتُّمِ العِتْقِ، ووَجْهُ تَغْلِيظِها تَضَمُّنُها تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ، ولَيْسَ إلى العَبْدِ. وقَوْلُ المُنْكَرِ والزُّورِ وإنْ أرادَ الخَبَرَ فَهو كاذِبٌ في إخْبارِهِ مُعْتَدٍ في إقْسامِهِ، فَغُلِّظَتْ كَفّارَتُهُ بِتَحَتُّمِ العِتْقِ؛ كَما غُلِّظَتْ كَفّارَةُ الظِّهارِ بِهِ أوْ بِصِيامِ شَهْرَيْنِ، أوْ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ طَلاقٌ، ثُمَّ إنَّها إنْ كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِها، فَهو ما نَواهُ مِنَ الواحِدَةِ وما فَوْقَها. وإنْ كانَتْ مَدْخُولًا بِها، فَثَلاثٌ. وإنْ نَوى أقَلَّ مِنها، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّفْظَ لَمّا اقْتَضى التَّحْرِيمَ وجَبَ أنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وغَيْرُ المَدْخُولِ بِها تُحَرَّمُ بِواحِدَةٍ، والمَدْخُولُ بِها لا تُحَرَّمُ إلّا بِالثَّلاثِ. وَبَعْدُ: فَفي مَذْهَبِ مالِكٍ خَمْسَةُ أقْوالٍ هَذا أحَدُها، وهو مَشْهُورُها. والثّانِي: أنَّها ثَلاثٌ بِكُلِّ حالٍ نَوى الثَّلاثَ أوْ لَمْ يَنْوِها، اخْتارَهُ عَبْدُ المَلِكِ في مَبْسُوطِهِ. والثّالِثُ: أنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ مُطْلَقًا، حَكاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادُ رِوايَةً عَنْ مالِكٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ. والخامِسُ: أنَّهُ ما نَواهُ مِن ذَلِكَ مُطْلَقًا، سَواءٌ قَبْلَ الدُّخُولِ أوْ بَعْدَهُ، وقَدْ عَرَفْتَ تَوْجِيهَ هَذِهِ الأقْوالِ، انْتَهى مِن ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“ . قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: المَعْرُوفُ أنَّ المُعْتَمَدَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ: اثْنانِ، وهُما القَوْلُ بِالثَّلاثِ وبِالواحِدَةِ البائِنَةِ، وقَدْ جَرى العَمَلُ في مَدِينَةِ فاسَ بِلُزُومِ الواحِدَةِ البائِنَةِ في التَّحْرِيمِ. قالَ ناظِمُ عَمَلِ فاسَ: ؎وَطَلْقَةٌ بائِنَةٌ في التَّحْرِيمِ وحَلِفٌ بِهِ لِعُرْفِ الإقْلِيمِ ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”إعْلامِ المُوَقِّعِينَ“: وأمّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فَإنَّهُ إنْ نَوى بِهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ نَوى التَّحْرِيمَ كانَ تَحْرِيمًا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا تَقَدُّمُ الكَفّارَةِ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا، وكانَ ما نَواهُ. وإنْ أطْلَقَ فَلِأصْحابِهِ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ صَرِيحٌ في إيجابِ الكَفّارَةِ. والثّانِي: لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ في حَقِّ الأمَةِ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ، وفي حَقِّ الحُرَّةِ كِنايَةٌ، قالُوا: إنَّ أصْلَ الآيَةِ إنَّما ورَدَ في الأمَةِ، قالُوا: فَلَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، وقالَ: أرَدْتُ بِها الظِّهارَ والطَّلاقَ. فَقالَ ابْنُ الحَدّادِ: يُقالُ لَهُ عَيِّنْ أحَدَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ لا تَصْلُحُ لِلظِّهارِ والطَّلاقِ مَعًا. وقِيلَ: يَلْزَمُهُ ما بَدَأ بِهِ مِنهُما، قالُوا: ولَوِ ادَّعى رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ حَقًّا أنْكَرَهُ، فَقالَ: الحِلُّ عَلَيْكَ حَرامٌ والنِّيَّةُ نِيَّتِي لا نِيَّتُكَ ما لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَقالَ: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ والنِّيَّةُ في ذَلِكَ نِيَّتُكَ ما لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، كانَتِ النِّيَّةُ نِيَّةَ الحالِفِ لا المُحَلَّفِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ إنَّما تَكُونُ مِمَّنْ إلَيْهِ الإيقاعُ، ثُمَّ قالَ: وأمّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ فَهو أنَّهُ ظِهارٌ بِمُطْلَقِهِ، وإنْ لَمْ يَنْوِهِ إلّا أنْ يَنْوِيَ الطَّلاقَ أوِ اليَمِينَ، فَيَلْزَمُهُ ما نَواهُ، وعَنْهُ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ أنَّهُ يَمِينٌ بِمُطْلَقِهِ، إلّا أنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلاقَ أوِ الظِّهارَ، فَيَلْزَمُهُ ما نَواهُ. وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ: أنَّهُ ظِهارٌ بِكُلِّ حالٍ، ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ أوِ اليَمِينَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ولا طَلاقًا؛ كَما لَوْ نَوى الطَّلاقَ أوِ اليَمِينَ، بِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإنَّ اللَّفْظَيْنِ صَرِيحانِ في الظِّهارِ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لَوْ وصَلَهُ بِقَوْلِهِ: أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، فَهَلْ يَكُونُ طَلاقًا أوْ ظِهارًا ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ، إحْداهُما: يَكُونُ ظِهارًا؛ كَما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ أوِ التَّحْرِيمَ، إذِ التَّحْرِيمُ صَرِيحٌ في الظِّهارِ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ طَلاقٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِإرادَتِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ، وغايَتُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ فِيهِ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، إنْ قالَ: أعْنِي بِهِ طَلاقًا طُلِّقَتْ واحِدَةً، وإنْ قالَ: أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، فَهَلْ تُطَلَّقُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً ؟ وعَلى رِوايَتَيْنِ مَأْخَذْهُما هَلِ اللّامُ عَلى الجِنْسِ أوِ العُمُومِ، وهَذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِهِ وتَقْرِيرِهِ، وفي المَسْألَةِ مَذْهَبٌ آخَرُ وراءَ هَذا كُلِّهِ، وهو أنَّهُ إنْ أوْقَعَ التَّحْرِيمَ كانَ ظِهارًا، ولَوْ نَوى بِهِ الطَّلاقَ، وإنْ حَلِفَ بِهِ كانَ يَمِينًا مُكَفِّرَةً، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ والقِياسُ، فَإنَّهُ إذا أوْقَعَهُ كانَ قَدْ أتى مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، وكانَ أوْلى بِكَفّارَةِ الظِّهارِ مِمَّنْ شَبَّهَ امْرَأتَهُ بِالمُحَرَّمَةِ، وإذا حَلَفَ بِهِ كانَ يَمِينًا مِنَ الأيْمانِ كَما لَوْ حَلَفَ بِالتِزامِ الحَجِّ والعِتْقِ والصَّدَقَةِ، وهَذا (p-٢٠٨)مَحْضُ القِياسِ والفِقْهِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ، أوْ أحُجَّ، أوْ أصُومَ، لَزِمَهُ. ولَوْ قالَ: إنْ كَلَّمْتِ فُلانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ اليَمِينِ، فَهو يَمِينٌ. وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: هو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ كَفَرَ بِذَلِكَ، ولَوْ قالَ: إنْ فَعَلَ كَذا فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ كانَ يَمِينًا. وطَرْدُ هَذا بَلْ نَظِيرُهُ مِن كُلِّ وجْهٍ، أنَّهُ إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كانَ ظِهارًا، فَلَوْ قالَ: إنْ فَعَلْتِ كَذا، فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كانَ يَمِينًا، وطَرْدُ هَذا أيْضًا إذا قالَ: أنْتِ طالِقٌ، كانَ طَلاقًا، ولَوْ قالَ: إنْ فَعَلْتِ كَذا فَأنْتِ طالِقٌ كانَ يَمِينًا، فَهَذِهِ هي الأُصُولُ الصَّحِيحَةُ المُطَّرِدَةُ المَأْخُوذَةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والمِيزانِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ القَيِّمِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي مَعَ كَثْرَتِها وانْتِشارِها: أنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ، سَواءٌ كانَ مُنْجَزًا أوْ مُعَلَّقًا؛ لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى شَرْطٍ مِن طَلاقٍ أوْ ظِهارٍ يَجِبُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ، ولا يَنْصَرِفُ إلى اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ عَلى الأظْهَرِ عِنْدِي، وهو قَوْلُ أكَثُرِ أهْلِ العِلْمِ. وَقالَ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“: فَقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ هو تَزَوَّجَها، فَأمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إنْ هو تَزَوَّجَها ألّا يَقْرَبَها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ المُتَظاهِرِ، اهـ. ثُمَّ قالَ: وحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَجُلًا سَألَ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وسُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ، عَنْ رَجُلٍ تَظاهَرَ مِنَ امْرَأةٍ قَبْلَ أنْ يَنْكِحَها، فَقالا: إنْ نَكَحَها فَلا يَمَسُّها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ المُتَظاهِرِ، اهـ. والمَعْرُوفُ عَنْ جَماهِيرِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ يَقَعُ بِوُقُوعِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ الظِّهارُ. وَأمّا الأمَةُ فالأظْهَرُ أنَّ في تَحْرِيمِها كَفّارَةَ اليَمِينِ أوِ الِاسْتِغْفارَ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في العَبْدِ والذِّمِّيِّ، هَلْ يَصِحُّ مِنهُما ظِهارٌ ؟ وأظْهَرُ أقْوالِهم عِنْدِي في ذَلِكَ: أنَّ العَبْدَ يَصِحُّ مِنهُ الظِّهارُ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ دُخُولُهُ في عُمُومِ النُّصُوصِ العامَّةِ، إلّا ما أخْرَجَهُ مِنهُ دَلِيلٌ خاصٌّ، كَما تَقَدَّمَ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبٍ ”مَراقِي السُّعُودِ“:(p-٢٠٩) ؎والعَبْدُ والمَوْجُودُ والَّذِي كَفَرْ مَشْمُولَةٌ لَهُ لَدى ذَوِي النَّظَرْ وَعَلَيْهِ فَهو داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾، ولا يَقْدَحُ في هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا يَتَناوَلُهُ؛ لِأنَّهُ مَمْلُوكٌ لا يَقْدِرُ عَلى العِتْقِ، لِدُخُولِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾، فالأظْهَرُ صِحَّةُ ظِهارِ العَبْدِ، وانْحِصارُ كَفّارَتِهِ في الصَّوْمِ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى العِتْقِ والإطْعامِ، وأنَّ الذِّمِّيَّ لا يَصِحُّ ظِهارُهُ، لِأنَّ الظِّهارَ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ يُكَفِّرُهُ اللَّهُ بِالعِتْقِ، أوِ الصَّوْمِ، أوِ الإطْعامِ، والذِّمِّيُّ كافِرٌ، والكافِرُ لا يُكَفِّرُ عَنْهُ العِتْقُ أوِ الصَّوْمُ أوِ الإطْعامُ ما ارْتَكَبَهُ مِنَ المُنْكَرِ والزُّورِ لِكُفْرِهِ لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في الظِّهارِ المُؤَقَّتِ، كَأنْ يَقُولُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا، أوْ حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ مَثَلًا، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَصِحُّ الظِّهارُ المُؤَقَّتُ، وإذا مَضى الوَقْتُ زالَ الظِّهارُ وحَلَّتِ المَرْأةُ بِلا كَفّارَةٍ، ولا يَكُونُ عائِدًا بِالوَطْءِ بَعْدَ انْقِضاءِ الوَقْتِ. قالَ في ”المُغْنِي“: وهَذا قَوْلُ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقَوْلُهُ الأخِيرُ: لا يَكُونُ ظِهارًا، وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، واللَّيْثُ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بِلَفْظِ الظِّهارِ مُطْلَقًا، وهَذا لَمْ يُطْلَقْ فَأشْبَهَ ما لَوْ شَبَّهَها بِمَن تَحْرُمُ عَلَيْهِ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ. وقالَ طاوُسٌ: إذا ظاهَرَ في وقْتٍ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، وإنْ بَرَّ. وقالَ مالِكٌ: يَسْقُطُ التَّوْقِيتُ ويَكُونُ ظِهارًا مُطْلَقًا؛ لِأنَّ هَذا لَفْظٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فَإذا وقَّتَهُ لَمْ يَتَوَقَّتْ، كالطَّلاقِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أقْرَبُ الأقْوالِ عِنْدِي لِلصَّوابِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الظِّهارَ المُؤَقَّتَ يَصِحُّ ويَزُولُ بِانْقِضاءِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ جاءَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الجارُودِ، وبَعْضُ طُرُقِهِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ، وإنْ أعَلَّ عَبْدُ الحَقِّ وغَيْرُهُ بَعْضَ طُرُقِهِ بِالإرْسالِ؛ لِأنَّ حَدِيثًا صَحَّحَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أقْرَبُ لِلصَّوابِ مِمّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ أصْلًا. قالَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ المَعْنِيُّ قالا: ثَنا ابْنُ إدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ، قالَ ابْنُ (p-٢١٠)العَلاءِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، «قالَ ابْنُ العَلاءِ البَياضِيُّ، قالَ: كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ خِفْتُ أنْ أُصِيبَ مِنِ امْرَأتِي شَيْئًا يُتابَعُ بِي حَتّى أُصْبِحَ، فَظاهَرْتُ مِنها حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ، فَبَيْنا هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَلَمْ ألْبَثْ أنْ نَزَوْتُ عَلَيْها فَلَمّا أصْبَحْتُ خَرَجْتُ إلى قَوْمِي، فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ. . . الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفِيهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَجِدُ رَقَبَةً، فَأمَرَهُ بِصِيامِ شَهْرَيْنِ فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ، فَأمَرَهُ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَذَكَرَ كَذَلِكَ، فَأعْطاهُ ﷺ صَدَقَةَ قَوْمِهِ بَنِي زُرَيْقٍ مِنَ التَّمْرِ، وأمَرَهُ أنْ يُطْعِمَ وسَقًا مِنها سِتِّينَ مِسْكِينًا ويَسْتَعِينُ بِالباقِي»، ومَحِلُّ الشّاهِدِ مِنَ الحَدِيثِ: أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ ظِهارًا مُؤَقَّتًا بِشَهْرِ رَمَضانَ، وجامَعَ في نَفْسِ الشَّهْرِ الَّذِي جَعَلَهُ وقْتًا لِظِهارِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الظِّهارَ المُؤَقَّتَ يَصِحُّ، ويَلْزَمُ ولَوْ كانَ تَوْقِيتُهُ لا يَصِحُّ لَبَيَّنَ ﷺ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ يَتَأبَّدُ ويَسْقُطُ حُكْمُ التَّوْقِيتِ لَبَيَّنَهُ ﷺ؛ لِأنَّ البَيانَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وَقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في ”جامِعِهِ“: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، ثَنا هارُونُ بْنُ إسْماعِيلَ الخَزّازُ، ثَنا عَلِيُّ بْنُ المُبارَكِ، ثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، ثَنا أبُو سَلَمَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّ سَلْمانَ بْنَ صَخْرٍ الأنْصارِيَّ أحَدَ بَنِي بَياضَةَ، جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانَ. . . الحَدِيثَ، ثُمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، يُقالُ سَلْمانُ بْنُ صَخْرٍ، ويُقالُ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ البَياضِيُّ، والعَمَلُ عَلى هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ، اهـ. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ الَّتِي أخْرَجَ بِها التِّرْمِذِيُّ هَذا الحَدِيثَ غَيْرُ طَرِيقِ أبِي داوُدَ الَّتِي أخْرَجَهُ بِها، وكِلْتاهُما تُقَوِّي الأُخْرى، والظّاهِرُ أنَّ إسْنادَ التِّرْمِذِيِّ هَذا لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ عَلِيَّ بْنَ المُبارَكِ المَذْكُورَ فِيهِ كانَ لَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ كِتابانِ أحَدُهُما سَماعٌ، والآخَرُ إرْسالٌ، وأنَّ حَدِيثَ الكُوفِيِّينَ عَنْهُ فِيهِ شَيْءٌ لا يَضُرُّ الإسْنادَ المَذْكُورَ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ فِيهِ وهو هارُونُ بْنُ إسْماعِيلَ الخَزّازُ بَصْرِيٌّ لا كُوفِيٌّ، ولَمّا ساقَ المَجْدُ في ”المُنْتَقى“ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ المَذْكُورَ، قالَ: رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وأخْرَجَهُ أيْضًا الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الجارُودِ، وقَدْ أعَلَّهُ عَبْدُ الحَقِّ بِالِانْقِطاعِ، وأنَّ سُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ لَمْ يُدْرِكْ سَلَمَةَ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخارِيِّ، وفي إسْنادِهِ أيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، اهـ كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإسْنادَ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ التِّرْمِذِيَّ لَيْسَ فِيهِ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، ولا ابْنُ (p-٢١١)إسْحاقَ، فالظّاهِرُ صَلاحِيَةُ الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ، كَما ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّوابَ في هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شاءَ اللَّهُ أساءَ الأدَبَ، ولا تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ، وإنَّ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ يَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ الكَفّارَةِ، كَما يَرْفَعُ كَفّارَةَ اليَمِينِ بِاللَّهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: الأظْهَرُ أنَّهُ إنْ ماتَ أوْ ماتَتْ أوْ طَلَّقَها قَبْلَ التَّكْفِيرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وأنَّهُ إنْ عادَ فَتَزَوَّجَها بَعْدَ الطَّلاقِ لا يَجُوزُ لَهُ مَسِيسُها حَتّى يُكَفِّرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْجَبَ الكَفّارَةَ عَلى المُظاهِرِ قَبْلَ الحِنْثِ بِالعَوْدِ، فَلا يَعُودُ إلّا بَعْدَ التَّكْفِيرِ، ولا وجْهَ لِسُقُوطِ الكَفّارَةِ بِالطَّلاقِ فِيما يَظْهَرُ، مَعَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إنْ كانَ الطَّلاقُ بَعْدَ الظِّهارِ بائِنًا، ثُمَّ تَزَوَّجَها لَمْ تَلْزَمْهُ كَفّارَةٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنْ كانَتِ البَيْنُونَةُ بِالثَّلاثِ، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الكَفّارَةُ لِسُقُوطِها بِالبَيْنُونَةِ الكُبْرى، كَما أسْقَطَها صاحِبُ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ بِالبَيْنُونَةِ الصُّغْرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: إذا ظاهَرَ مِن نِسائِهِ الأرْبَعِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَأنْ يَقُولُ لَهُنَّ: أنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَكْفِي في ذَلِكَ كَفّارَةٌ واحِدَةٌ. قالَ في ”المُغْنِي“: ولا خِلافَ في هَذا في مَذْهَبِ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وعُرْوَةَ، وطاوُسٍ، وعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ. وقالَ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ امْرَأةٍ كَفّارَةٌ؛ لِأنَّهُ وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ في حَقِّ كُلِّ امْرَأةٍ مِنهُنَّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ كَفّارَةٌ، كَما لَوْ أفْرَدَها بِهِ، ولَنا عُمُومُ قَوْلِ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، رَواهُ عَنْهُما الأثْرَمُ، ولا يُعَرَفُ لَهُما مُخالِفٌ فَكانَ إجْماعًا، ولِأنَّ الظِّهارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخالَفَتِها الكَفّارَةُ، فَإذا وُجِدَتْ في جَماعَةٍ أوْجَبَتْ كَفارَّةً واحِدَةً كاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى، وفارَقَ ما إذا ظاهَرَ مِنها بِكَلِماتٍ، فَإنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفّارَةً تَرْفَعُها وتُكَفِّرُ إثْمَها، وهاهُنا الكَلِمَةُ واحِدَةٌ، فالكَفّارَةُ واحِدَةٌ تَرْفَعُ حُكْمَها، وتَمْحُو إثْمَها، فَلا يَبْقى لَها حُكْمٌ. انْتَهى مِنهُ. (p-٢١٢)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أقْيَسُ القَوْلَيْنِ الِاكْتِفاءُ بِكَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وأحْوَطُهُما التَّكْفِيرُ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ. وأمّا إنْ ظاهَرَ مِنهُنَّ بِكَلِماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِأنْ قالَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِانْفِرادِها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فالأظْهَرُ تَعَدُّدُ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِن تِلْكَ الكَلِماتِ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَقْتَضِي كَفّارَةً. قالَ في ”المُغْنِي“: وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ وعَطاءٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حامِدٍ: المَذْهَبُ رِوايَةٌ واحِدَةٌ في هَذا. قالَ القاضِي: المَذْهَبُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ تُجْزِئُهُ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، واخْتارَ ذَلِكَ، وقالَ: هَذا الَّذِي قُلْناهُ اتِّباعًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ، ورَبِيعَةَ، وقَبِيصَةَ، وإسْحاقَ؛ لِأنَّ كَفّارَةَ الظِّهارِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِها كالحَدِّ، وعَلَيْهِ يَخْرُجُ الطَّلاقُ. ولَنا بِها أنَّها أيْمانٌ مُتَكَرِّرَةٌ عَلى أعْيانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَكانَ لِكُلِّ واحِدَةٍ كَفّارَةٌ كَما لَوْ كَفَّرَ ثُمَّ ظاهَرَ، ولِأنَّها أيْمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداها بِالحِنْثِ في الأُخْرى، فَلا تُكَفِّرُها كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، ولِأنَّ الظِّهارَ مَعْنًى يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فَتَعَدُّدُ الكَفّارَةِ بِتَعَدُّدِهِ في المَحالِّ المُخْتَلِفَةِ كالقَتْلِ، ويُفارِقُ الحَدَّ، فَإنَّهُ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، انْتَهى مِنهُ. وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أظْهَرَ الأقْوالِ عِنْدَنا تَعَدُّدُ الكَفّارَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وأمّا إنْ كَرَّرَ الظِّهارُ مِن زَوْجَتِهِ الواحِدَةِ، فالظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ: أنَّهُ إنْ كانَ كَرَّرَهُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ عَنِ الظِّهارِ الأوَّلِ، فَكَفّارَةٌ واحِدَةٌ تَكْفِي، وإنْ كانَ كَفَّرَ عَنْ ظِهارِهِ الأوَّلِ، ثُمَّ ظاهَرَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيْهِ كَفّارَةٌ أُخْرى لِظِهارِهِ الواقِعِ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ كَفّارَةَ الظِّهارِ هي الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣ - ٤] . فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في الرَّقَبَةِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ أوْ لا يُشْتَرَطُ فِيها ؟ فَقالَ بَعْضُهم: لا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ، فَلَوْ أعْتَقَ المُظاهِرُ عَبْدًا ذِمِّيًّا مَثَلًا أجْزَأهُ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . وَحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، (p-٢١٣)وَلَمْ يُقَيِّدْها بِالإيمانِ، فَوَجَبَ أنْ يُجْزِئَ ما تَناوَلَهُ إطْلاقُ الآيَةِ، قالُوا: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُقَيِّدَ ما أطْلَقَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. ومِمَّنْ قالَ بِاشْتِراطِ الإيمانِ في رَقَبَةِ كَفّارَةِ الظِّهارِ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . واحْتَجَّ لِأهْلِ هَذا القَوْلِ بِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ. وَقَدْ بَيَّنّا مَسْألَةَ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في كَفّارَةِ القَتْلِ الخَطَأِ: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢]، بِقَوْلِنا فِيهِ وحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في مَسْألَةِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ: أنَّ لَها أرْبَعَ حالاتٍ: الأُولى: أنْ يَتَّحِدَ حُكْمُهُما وسَبَبُهُما مَعًا كَتَحْرِيرِ الدَّمِ، فَإنَّ اللَّهَ قَيَّدَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، بِكَوْنِهِ مَسْفُوحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وأطْلَقَهُ عَنِ القَيْدِ بِكَوْنِهِ مَسْفُوحًا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ و ”البَقَرَةِ“ و ”المائِدَةِ“ . قالَ في ”النَّحْلِ“: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقالَ في ”البَقَرَةِ“: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقالَ في ”المائِدَةِ“: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣] . وجُمْهُورُ العُلَماءِ يَقُولُونَ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي هي اتِّحادُ السَّبَبِ والحُكْمِ مَعًا، ولِذَلِكَ كانُوا لا يَرَوْنَ بِالحُمْرَةِ الَّتِي تَعْلُو القِدْرَ مِن أثَرِ تَقْطِيعِ اللَّحْمِ بَأْسًا؛ لِأنَّهُ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ، قالُوا: وحَمْلُهُ عَلَيْهِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهم يُثْبِتُونَ ثُمَّ يَحْذِفُونَ اتِّكالًا عَلى المُثْبَتِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخُطَيْمِ الأنْصارِيِّ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلَفُ فَحَذَفَ راضُونَ لِدَلالَةِ راضٍ عَلَيْهِ. وقَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ البَرْجَمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ والأصْلُ: فَإنِّي غَرِيبٌ وقَيّارٌ أيْضًا غَرِيبٌ، فَحَذَفَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ لِدَلالَةِ الأُخْرى عَلَيْها. وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ أحْمَرَ الباهِلِيِّ: (p-٢١٤) ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي يَعْنِي: كُنْتُ بَرِيئًا مِنهُ، وكانَ والِدِي بَرِيئًا مِنهُ أيْضًا. وقَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: ؎وَقَدْ زَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ بِأنِّي ∗∗∗ وما كَذَبُوا كَبِيرُ السِّنِّ فانِي يَعْنِي: زَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أنِّي فانٍ وما كَذَبُوا. . إلَخْ. وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: إنَّ حَمْلَ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ بِالقِياسِ، لا بِدَلالَةِ اللَّفْظِ وهو أظْهَرُها. وقِيلَ: بِالعَقْلِ، وهو أضْعَفُها وأبْعَدُها. الحالَةُ الثّانِيَةُ: هي أنْ يَتَّحِدَ الحُكْمُ، ويَخْتَلِفَ السَّبَبُ، كالمَسْألَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، فَإنَّ الحُكْمَ في آيَةِ المُقَيَّدِ وآيَةِ المُطْلَقِ واحِدٌ، وهو عِتْقُ رَقَبَةٍ في كَفّارَةٍ، ولَكِنَّ السَّبَبَ فِيهِما مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ المُقَيَّدِ قَتْلٌ خَطَأٌ، وسَبَبُ المُطْلَقِ ظِهارٌ، ومِثْلُ هَذا المُطْلَقِ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، والحَنابِلَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولِذا شَرَطُوا الإيمانَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ حَمْلًا لِهَذا المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ، قالُوا: ويَعْتَضِدُ حَمْلُ هَذا المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ»، ولَمْ يَسْتَفْصِلْهُ عَنْها، هَلْ هي في كَفّارَةٍ أوْ لا ؟ وتَرْكُ الِاسْتِفْصالِ في مَقامِ الِاحْتِمالِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ. قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: ؎وَنَزِّلْنَ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ ∗∗∗ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ الحالَةُ الثّالِثَةُ: عَكْسُ هَذِهِ، وهي الِاتِّحادُ في السَّبَبِ مَعَ الِاخْتِلافِ في الحُكْمِ، فَقِيلَ: يُحْمَلُ فِيها المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ. وقِيلَ: لا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، ومَثَّلُوا لَهُ بِصَوْمِ الظِّهارِ، وإطْعامِهِ، فَسَبَبُهُما واحِدٌ وهو الظِّهارُ، وحُكْمُهُما مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّ أحَدَهُما تَكْفِيرٌ بِصَوْمٍ، والآخِرَ تَكْفِيرٌ بِإطْعامٍ، وأحَدُهُما مُقَيَّدٌ بِالتَّتابُعِ، وهو الصَّوْمُ. والثّانِي مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتابُعِ، وهو الإطْعامُ، فَلا يُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى هَذا المُقَيَّدِ. والقائِلُونَ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيِّدِ في هَذِهِ الحالَةِ، مَثَّلُوا لِذَلِكَ بِإطْعامِ الظِّهارِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا، مَعَ أنَّ عِتْقَهُ وصَوْمَهُ قَدْ قُيِّدا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، فَيُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، فَيَجِبُ كَوْنُ الإطْعامِ قَبْلَ المَسِيسِ، ومَثَّلَ لَهُ اللُّخَمِيُّ بِالإطْعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ حَيْثُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، مَعَ إطْلاقِ الكِسْوَةِ عَنِ القَيْدِ بِذَلِكَ، في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَيُحْمَلُ هَذا المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، فَيُشْتَرَطُ في (p-٢١٥)الكِسْوَةِ أنْ تَكُونَ مِن أوْسَطِ ما تَكْسُونَ أهْلِيكم. الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَخْتَلِفا في الحُكْمِ والسَّبَبِ مَعًا، ولا حَمْلَ في هَذِهِ إجْماعًا وهو واضِحٌ، وهَذا فِيما إذا كانَ المُقَيَّدُ واحِدًا. أمّا إذا ورَدَ مُقَيَّدانِ بِقَيْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى كِلَيْهِما لِتَنافِي قَيْدَيْهِما، ولَكِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِما، فَإنْ كانَ أحَدُهُما أقْرَبُ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ حُمِلَ المُطْلَقُ عَلى الأقْرَبِ لَهُ مِنهُما عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، فَيُقَيَّدُ بِقَيْدِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أقْرَبُ لَهُ، فَلا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ واحِدٍ مِنهُما، ويَبْقى عَلى إطْلاقِهِ إذْ لا تَرْجِيحَ بِلا مُرَجَّحٍ، ومِثالُ كَوْنِ أحَدِهِما أقْرَبَ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ صَوْمُ كَفّارَةِ اليَمِينِ، فَإنَّهُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتابُعِ والتَّفْرِيقِ، مَعَ أنَّ صَوْمَ الظِّهارِ مُقَيَّدٌ بِالتَّتابُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، وصَوْمَ التَّمَتُّعِ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واليَمِينُ أقْرَبُ إلى الظِّهارِ مِنَ التَّمَتُّعِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن صَوْمِ الظِّهارِ واليَمِينِ صَوْمُ كَفّارَةٍ بِخِلافِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، فَيُقَيَّدُ صَوْمُ كَفّارَةِ اليَمِينِ بِالتَّتابُعِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، ولا يُقَيَّدُ بِالتَّفْرِيقِ الَّذِي في صَوْمِ التَّمَتُّعِ. وَقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: [ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ ] لَمْ تَثْبُتْ؛ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى عَدَمِ كَتْبِ مُتَتابِعاتٍ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، ومِثالُ كَوْنِهِما لَيْسَ أحَدُهُما أقْرَبُ لِلْمُطْلَقِ مِنَ الآخَرِ: صَوْمُ قَضاءِ رَمَضانَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ فِيهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتابُعٍ ولا تَفْرِيقٍ، مَعَ أنَّهُ تَعالى قَيَّدَ صَوْمَ الظِّهارِ بِالتَّتابُعِ، وصَوْمَ التَّمَتُّعِ بِالتَّفْرِيقِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أقْرَبَ إلى صَوْمِ قَضاءِ رَمَضانَ مِنَ الآخَرِ، فَلا يُقَيَّدُ بِقَيْدٍ واحِدٍ مِنهُما بَلْ يَبْقى عَلى الِاخْتِيارِ، إنْ شاءَ تابَعَهُ، وإنْ شاءَ فَرَّقَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى مِن ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، مَعَ زِيادَةٍ يَسِيرَةٍ لِلْإيضاحِ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الأحزاب 33:6

(p-٢٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ في الحُرْمَةِ والِاحْتِرامِ والتَّوْقِيرِ والإكْرامِ والإعْظامِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ الخَلْوَةُ بِهِنَّ، ولا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ وأخَواتِهِنَّ بِالإجْماعِ، ا هـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ أزْواجِهِ ﷺ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ هو حُرْمَتُهُنَّ عَلَيْهِمْ، كَحُرْمَةِ الأُمِّ، واحْتِرامُهم لَهُنَّ كاحْتِرامِ الأُمِّ. . . إلَخْ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ. ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَسْألُ أُمَّهُ الحَقِيقِيَّةَ مِن وراءِ حِجابٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ومَعْلُومٌ أنَّهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، لَمْ يَلِدْنَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُنَّ أُمَّهاتُهم، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، أنَّهُ هو ﷺ أبٌ لَهم. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُما قَرَأا: (وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم)، وهَذِهِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةٌ دِينِيَّةٌ، وهو ﷺ أرْأفُ بِأُمَّتِهِ مِنَ الوالِدِ الشَّفِيقِ بِأوْلادِهِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا في رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨ ] [ ٣٣ \ ٤٠]، ولَيْسَتِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةَ نَسَبٍ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ والنِّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكم، فَإذا أتى أحَدُكُمُ الغائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا يَسْتَدْبِرْها ولا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ»، وكانَ يَأْمُرُ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ ويَنْهى عَنِ الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: «إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ»، يُبَيِّنُ مَعْنى أُبُوَّتِهِ المَذْكُورَةِ، كَما لا يَخْفى. * * مَسْألَةٌ. اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُقالُ لِبَناتِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أخَواتُ المُؤْمِنِينَ، أوْ لا ؟ وهَلْ يُقالُ لِإخْوانِهِنَّ كَمُعاوِيَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمِّيَّةَ أخْوالُ المُؤْمِنِينَ، أوْ لا ؟ وهَلْ يُقالُ لَهُنَّ: أُمَّهاتُ المُؤْمِناتِ ؟ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ولا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ، وأخَواتِهِنَّ بِالإجْماعِ، وإنْ سَمّى بَعْضُ العُلَماءِ بَناتَهُنَّ أخَواتَ المُسْلِمِينَ، كَما هو مَنصُوصُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في المُخْتَصَرِ، وهو مِن بابِ إطْلاقِ العِبارَةِ لا إثْباتِ الحُكْمِ، وهَلْ يُقالُ لِمُعاوِيَةَ وأمْثالِهِ خالُ المُؤْمِنِينَ ؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ونَصَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ. وهَلْ يُقالُ لَهُنَّ: أُمَّهاتُ المُؤْمِناتِ ؟ (p-٢٣٣)فَيَدْخُلُ النِّساءُ في الجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ تَغْلِيبًا، فِيهِ قَوْلانِ: صَحَّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لا يُقالُ ذَلِكَ، وهَذا أصَحُّ الوَجْهَيْنِ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الأظْهَرُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّهُ لا يُطْلَقُ مِنهُ إلّا ما ورَدَ النَّصُّ بِإطْلاقِهِ؛ لِأنَّ الإطْلاقَ المُرادَ بِهِ غَيْرُ الظّاهِرِ المُتَبادِرِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ صارِفٍ إلَيْهِ، والعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وكَلامَ أهْلِ العِلْمِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ في آخِرِ ”الأنْفالِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٧٥] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ عَلى أنَّهُ ﷺ أبٌ لَهم، لِأنَّ أُمُومَةَ أزْواجِهِ لَهم تَسْتَلْزِمُ أُبُوَّتَهُ ﷺ لَهم. وَهَذا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ مُصَرَّحٌ بِهِ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ يَقْرَؤُها: ”وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“ . وهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تُصَرِّحُ بِخِلافِ هَذا المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ والقِراءَةِ الشّاذَّةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٠] . والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأُبُوَّةَ المُثْبَتَةَ دِينِيَّةٌ والأُبُوَّةَ المَنفِيَّةَ طِينِيَّةٌ، وبِهَذا يَرْتَفِعُ الإشْكالُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، إذْ يُقالُ كَيْفَ يَلْزَمُ الإنْسانُ أنْ يَسْألَ أُمَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ. والجَوابُ ما ذَكَرْناهُ الآنَ فَهُنَّ أُمَّهاتٌ في الحُرْمَةِ والِاحْتِرامِ والتَّوْقِيرِ والإكْرامِ، لا في الخَلْوَةِ بِهِنَّ ولا في حُرْمَةِ بَناتِهِنَّ ونَحْوِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأحزاب 33:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ خَصَّ مِنهم بِذَلِكَ خَمْسَةً: هم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مُحَمَّدٌ ﷺ، ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ فَبَيَّنَ المِيثاقَ المَأْخُوذَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ \ ٨٢] . وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ الخَضِرِ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ عَلى خُصُوصِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ هم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ في سُورَةِ ”الشُّورى“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ آيَةَ ”آلِ عِمْرانَ“، وآيَةَ ”الشُّورى“، فِيهِما بَيانٌ لِآيَةِ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ. (p-٢٣٤)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأحزاب 33:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ جاءَتْهم جُنُودٌ وهم جَيْشُ الأحْزابِ، فَأرْسَلَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ يَرَها المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْها الَّتِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِها هُنا في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، بَيَّنَ أنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِها أيْضًا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ الآيَةَ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]، وهَذِهِ الجُنُودُ هي المَلائِكَةُ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ في ”الأنْفالِ“، في الكَلامِ عَلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١٢]، وهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْها الَّتِي هي المَلائِكَةُ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في ”بَراءَةَ“، أنَّهُ أيَّدَ بِها نَبِيَّهُ ﷺ وهو في الغارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٠] .

الأحزاب 33:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوُا الأحْزابَ يَعْنِي جُنُودَ الكُفّارِ الَّذِينَ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، قالُوا: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الآيَةَ الَّتِي وعَدَهم إيّاهُ فِيها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، ومِمَّنْ قالَ إنَّ آيَةَ ”البَقَرَةِ“ المَذْكُورَةَ مُبَيِّنَةٌ لِآيَةِ (p-٢٣٥)”الأحْزابِ“ هَذِهِ، ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، وهو ظاهِرٌ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما زادَهم إلّا إيمانًا﴾، صَرِيحٌ في أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، فَلا وجْهَ لِلِاخْتِلافِ فِيهِ مَعَ تَصْرِيحِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بِهِ في كِتابِهِ، في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأحزاب 33:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ رَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وأنَّهُ كَفى المُؤْمِنِينَ القِتالَ، وهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا السَّبَبَ الَّذِي رَدَّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَفى بِهِ المُؤْمِنِينَ القِتالَ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩]، أيْ: وبِسَبَبِ تِلْكَ الرِّيحِ وتِلْكَ الجُنُودِ رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ وكَفاكُمُ القِتالَ، كَما هو ظاهِرٌ.

الأحزاب 33:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠] . قَدْ قَدَّمْنا الآيَةَ المُوَضِّحَةَ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٥] .

الأحزاب 33:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ . ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن قَنَتَ مِن نِساءِ نَبِيِّهِ ﷺ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ. والقُنُوتُ: الطّاعَةُ. وما وعَدَ اللَّهُ بِهِ جَلَّ وعَلا مَن أطاعَ مِنهُنَّ بِإيتائِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَ الوَعْدُ بِنَظِيرِهِ لِغَيْرِهِنَّ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَمِن ذَلِكَ وعْدُهُ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِنَبِيِّهِ، ثُمَّ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِإيتائِهِ أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥١ - ٥٤] . (p-٢٣٦)وَمِن ذَلِكَ وعْدُهُ لِجَمِيعِ المُطِيعِينَ مِن أُمَّتِهِ ﷺ بِإيتائِهِمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨] . واعْلَمْ: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨]، عامٌّ لِجَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما تَرى. ولَيْسَ في خُصُوصِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، كَما في آيَةِ ”القَصَصِ“ المَذْكُورَةِ آنِفًا، وكَوْنُهُ عامًّا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِظاهِرِ القُرْآنِ المُتَبادَرِ الَّذِي لَمْ يَصْرِفُ عَنْهُ صارِفٌ، فَما رَواهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن حَمْلِهِ آيَةَ ”الحَدِيدِ“ هَذِهِ عَلى خُصُوصِ أهْلِ الكِتابِ، كَما في آيَةِ ”القَصَصِ“ خِلافُ ظاهِرِ القُرْآنِ، فَلا يَصِحُّ الحَمْلُ عَلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وإنْ وافَقَ ابْنَ عَبّاسٍ في ذَلِكَ الضَّحّاكُ، وعُتْبَةُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. والصَّوابُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، لِأنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ المُتَبادَرَ مِنهُ، لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا افْتَخَرَ أهْلُ الكِتابِ بِأنَّهم يُؤْتُونَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾، أيْ: ضِعْفَيْنِ ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾، وزادَهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، فَفَضَّلَهم بِالنُّورِ والمَغْفِرَةِ، اهـ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأحزاب 33:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا لِذَلِكَ أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً في التَّرْجَمَةِ، وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ. وَمِمّا ذَكَرْنا مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في التَّرْجَمَةِ قَوْلُنا فِيها: ومِن أمْثِلَتِهِ قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: (p-٢٣٧)إنَّ أزْواجَهُ ﷺ لا يَدْخُلْنَ في أهْلِ بَيْتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، فَإنَّ قَرِينَةَ السِّياقِ صَرِيحَةٌ في دُخُولِهِنَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، ثُمَّ قالَ في نَفْسِ خِطابِهِ لَهُنَّ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٤] . وَقَدْ أجْمَعَ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُصُولِ عَلى أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، فَلا يَصِحُّ إخْراجُها بِمُخَصَّصٍ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّها ظَنِّيَّةُ الدُّخُولِ، وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: ؎واجْزِمْ بِإدْخالِ ذَواتِ السَّبَبِ وارْوِ عَنِ الإمامِ ظَنًّا تُصِبِ فالحَقُّ أنَّهُنَّ داخِلاتٌ في الآيَةِ، اهـ. مِن تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ. والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ: أنَّهُنَّ داخِلاتٌ في الآيَةِ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ تَتَناوَلُ غَيْرَهُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ. أمّا الدَّلِيلُ عَلى دُخُولِهِنَّ في الآيَةِ، فَهو ما ذَكَرْناهُ آنِفًا مِن أنَّ سِياقَ الآيَةِ صَرِيحٌ في أنَّها نازِلَةٌ فِيهِنَّ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ؛ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن دُخُولِ الزَّوْجاتِ في اسْمِ أهْلِ البَيْتِ، قَوْلُهُ تَعالى في زَوْجَةِ إبْراهِيمَ: ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [الفاتحة: ٧٣] . وَأمّا الدَّلِيلُ عَلى دُخُولِ غَيْرِهِنَّ في الآيَةِ، فَهو أحادِيثُ جاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «إنَّهم أهْلُ البَيْتِ»، ودَعا لَهُمُ اللَّهُ أنْ يُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ ويُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا. وقَدْ رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم أُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأبُو سَعِيدٍ، وأنَسٌ، وواثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ، وأُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ، وغَيْرُهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وَبِما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ تَعْلَمُ أنَّ الصَّوابَ شُمُولُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كُلِّهِمْ. * * (p-٢٣٨)تَنْبِيهٌ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، ضَمِيرُ الذُّكُورِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيلَ: لِيُذْهِبَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ. فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ شامِلَةٌ لَهُنَّ ولِعَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ وفاطِمَةَ، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى تَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ في الجُمُوعِ ونَحْوِها، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنْ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ أنَّ زَوْجَةَ الرَّجُلِ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الأهْلِ، وبِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ تُخاطَبُ مُخاطَبَةَ الجَمْعِ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في مُوسى: ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، وقَوْلُهُ: سَآتِيكم [النمل: ٧]، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]، والمُخاطَبُ امْرَأتُهُ؛ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمَتُ النِّساءَ سِواكم وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ لَسْنَ داخِلاتٍ في الآيَةِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ سِياقِ القُرْآنِ، وأنَّ مَن قالَ: إنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ لَيْسُوا داخِلِينَ فِيها، تَرُدُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ المُشارُ إلَيْها. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ في الآيَةِ هم مَن تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: أنَّهُ يُذْهِبُ الرِّجْسَ عَنْهم، ويُطَهِّرُهم بِما يَأْمُرُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَنْهى عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ لِأنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْهُ الرِّجْسَ، وطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ تَطْهِيرًا. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما نَهاهُنَّ وأمَرَهُنَّ ووَعَظَهُنَّ لِئَلّا يُقارِفَ أهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَآثِمَ، ولِيَتَصَوَّنُوا عَنْها بِالتَّقْوى، واسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ الرِّجْسَ ولِلتَّقْوى الطُّهْرَ؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها ويَتَدَنَّسُ كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ. وأمّا الحَسَناتُ فالعِرْضُ مِنها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ، وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ (p-٢٣٩)ما يُنَفِّرُ أُولِي الألْبابِ عَمّا كَرِهَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، ونَهاهم عَنْهُ، ويُرَغِّبُهم فِيما يَرْضاهُ لَهم، وأمَرَهم بِهِ. وأهْلُ البَيْتِ نُصِبَ عَلى النِّداءِ أوْ عَلى المَدْحِ، وفي هَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. * * تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ أنَّهُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وفي اللُّغَةِ إتْيانُ اللّامِ المَكْسُورَةِ مَنصُوبًا بَعْدَها المُضارِعُ بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ؛ • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الآيَةَ، • وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الصف: ٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ وَلِلْعُلَماءِ في اللّامِ المَذْكُورَةِ أقْوالٌ، مِنها: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى أنْ، وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ. ومِنها: أنَّها لامُ كَيْ، ومَفْعُولُ الإرادَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَأْمُرَكم ويَنْهاكم، لِأجْلِ أنْ يُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، والرِّجْسُ كُلُّ مُسْتَقْذِرٍ تَعافُهُ النُّفُوسُ، ومِن أقْذَرِ المُسْتَقْذَراتِ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعالى.

الأحزاب 33:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها بَيانُ الإجْمالِ الواقِعِ بِسَبَبِ الإبْهامِ في صِلَةِ مَوْصُولٍ، وذَكَرْنا أنَّ مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، لِأنَّ جُمْلَةَ: ﴿اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ صِلَةُ المَوْصُولِ الَّذِي هو ما. وقَدْ قُلْنا في التَّرْجَمَةِ المَذْكُورَةِ: فَإنَّهُ هُنا أبْهَمَ هَذا الَّذِي أخْفاهُ ﷺ في نَفْسِهِ وأبْداهُ اللَّهُ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ زَواجُهُ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حَيْثُ أوْحى إلَيْهِ ذَلِكَ، وهي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ؛ لِأنَّ زَواجَهُ إيّاها هو الَّذِي أبْداهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وهو اللّائِقُ بِجَنابِهِ - ﷺ . وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ ما أخْفاهُ في نَفْسِهِ ﷺ وأبْداهُ اللَّهُ وُقُوعُ (p-٢٤٠)زَيْنَبَ في قَلْبِهِ ومَحَبَّتُهُ لَها، وهي تَحْتَ زَيْدٍ، وأنَّها سَمِعَتْهُ قالَ: «سُبْحانَ مُقَلِّبَ القُلُوبِ» إلى آخِرِ القِصَّةِ، كُلُّهُ لا صِحَّةَ لَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِدِ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، مَعَ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّهُ مُبْدِي ما أخْفاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: واخْتَلَفَ النّاسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجَها هو، إلى أنْ قالَ: وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ا هـ. ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وأنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ بِهِ - ﷺ . وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ نَحْوَهُ عَنْ مُقاتِلٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُ زَيْنَبَ، وأنَّ اللَّهَ يُزَوِّجُها رَسُولَهُ ﷺ، وبَعْدَ أنْ عَلِمَ هَذا بِالوَحْيِ. قالَ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ . وأنَّ الَّذِي أخْفاهُ في نَفْسِهِ، هو أنَّ اللَّهَ سَيُزَوِّجُهُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ثُمَّ قالَ القُرْطُبِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا القَوْلَ: قالَ عُلَماؤُنا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: وهَذا القَوْلُ أحْسَنُ ما قِيلَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والعُلَماءِ الرّاسِخِينَ، كالزُّهْرِيِّ، والقاضِي بَكْرِ بْنِ العَلاءِ القُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ، إلى أنْ قالَ: فَأمّا ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَوى زَيْنَبَ امْرَأةِ زَيْدٍ، ورُبَّما أطْلَقَ بَعْضُ المُجّانِ لَفْظَ عِشْقٍ، فَهَذا إنَّما يَصْدُرُ عَنْ جاهِلٍ بِعِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مِثْلِ هَذا أوْ مُسْتَخِفٍّ بِحُرْمَتِهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ الحَكِيمُ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأسْنَدَ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قَوْلَهُ: فَعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ جاءَ بِهَذا مِن خِزانَةِ العِلْمِ جَوْهَرًا مِنَ الجَواهِرِ ودُرًّا مِنَ الدُّرَرِ أنَّهُ إنَّما عَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ في أنَّهُ قَدْ أعْلَمَهُ أنَّ سَتَكُونَ هَذِهِ مِن أزْواجِهِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وأخَذَتْكَ خَشْيَةُ النّاسِ أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ هاهُنا آثارًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أحْبَبْنا أنْ نَضْرِبَ عَنْها صَفْحًا لِعَدَمِ صِحَّتِها، فَلا نُورِدُها (p-٢٤١)إلى آخِرِ كَلامِهِ، وفِيهِ كَلامُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ الَّذِي ذَكَرْنا آنِفًا. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو ما ذَكَرْنا أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُ زَيْنَبَ، وأنَّهُ يُزَوِّجُها إيّاهُ ﷺ، وهي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَحْتَ زَيْدٍ، فَلَمّا شَكاها زَيْدٌ إلَيْهِ ﷺ قالَ لَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ أنَّها سَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ هو ﷺ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ أنْ يَقُولُوا: لَوْ أظْهَرَ ما عَلِمَ مِن تَزْوِيجِهِ إيّاها أنَّهُ يُرِيدُ تَزْوِيجَ زَوْجَةِ ابْنِهِ في الوَقْتِ الَّذِي هي فِيهِ في عِصْمَةِ زَيْدٍ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا أمْرانِ: الأوَّلُ: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا قالَ: ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، وهَذا الَّذِي أبْداهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا هو زَواجُهُ إيّاها في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾، ولَمْ يُبْدِ جَلَّ وعَلا شَيْئًا مِمّا زَعَمُوهُ أنَّهُ أحَبَّها، ولَوْ كانَ ذَلِكَ هو المُرادُ لَأبْداهُ اللَّهُ تَعالى كَما تَرى. الأمْرُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا صَرَّحَ بِأنَّهُ هو الَّذِي زَوَّجَهُ إيّاها، وأنَّ الحِكْمَةَ الإلاهِيَّةَ في ذَلِكَ التَّزْوِيجِ هي قِطَعُ تَحْرِيمِ أزْواجِ الأدْعِياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾، تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِتَزْوِيجِهِ إيّاها لِما ذَكَرْنا، وكَوْنُ اللَّهِ هو الَّذِي زَوَّجَهُ إيّاها لِهَذِهِ الحِكْمَةِ العَظِيمَةِ صَرِيحٌ في أنَّ سَبَبَ زَواجِهِ إيّاها لَيْسَ هو مَحَبَّتَهُ لَها الَّتِي كانَتْ سَبَبًا في طَلاقِ زِيدٍ لَها كَما زَعَمُوا، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ زَيْدًا قَضى وطَرَهُ مِنها، ولَمْ تَبْقَ لَهُ بِها حاجَةٌ، فَطَلَّقَها بِاخْتِيارِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأحزاب 33:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الأمْرِ بِالإكْثارِ مِنَ الذِّكْرِ، جاءَ مَعْناهُ في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأحزاب 33:47

(p-٢٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا المُرادَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في سُورَةِ ”الشُّورى“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] .

الأحزاب 33:50

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الآيَةَ. يَظْهَرُ تَعارُضُهُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] . والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾، مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أنَّهُ أحَدُ المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ في المُصْحَفِ ناسِخُهُما (p-٣٧٠)قَبْلَ مَنسُوخِهِما، لِتَقَدُّمِهِ في تَرْتِيبِ المُصْحَفِ، مَعَ تَأخُّرِهِ في النُّزُولِ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ. وَقِيلَ الآيَةُ النّاسِخَةُ لَها هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥١] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ هي مُحْكَمَةٌ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ، أيْ مِن بَعْدِ النِّساءِ الَّتِي أحَلَّهُنَّ اللَّهُ لَكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الآيَةَ. فَتَكُونُ آيَةُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ مُحَرِّمَةٌ ما لَمْ يَدْخُلْ في آيَةِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ كالكِتابِيّاتِ والمُشْرِكاتِ والبَدَوِيّاتِ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ فِيهِنَّ، وبَناتِ العَمِّ والعَمّاتِ، وبَناتِ الخالِ والخالاتِ، اللّاتِي لَمْ يُهاجِرْنَ مَعَهُ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ فِيهِنَّ أيْضًا. والقَوْلُ بِعَدَمِ النَّسْخِ قالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ في رِوايَةٍ، وأبُو رَزِينٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو صالِحٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ في رِوايَةٍ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، واخْتارَ عَدَمَ النَّسْخِ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو حَيّانَ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ أرْجَحُ، ولَيْسَ المُرَجِّحُ لِذَلِكَ عِنْدَنا أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم مِنهم: عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ وغَيْرُهم، ولَكِنَّ المُرَجِّحَ لَهُ عِنْدَنا أنَّهُ قَوْلُ أعْلَمِ النّاسِ بِالمَسْألَةِ، أعْنِي أزْواجَهُ ﷺ لِأنَّ حِلِّيَّةَ غَيْرِهِنَّ مِنَ الضَّرّاتِ وعَدَمَها، لا يُوجَدُ مَن هو أشَدُّ اهْتِمامًا بِها مِنهُنَّ، فَهُنَّ صَواحِباتُ القِصَّةِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ، أنَّ صاحِبَ القِصَّةِ يُقَدَّمُ عَلى غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ العُلَماءُ رِوايَةَ مَيْمُونَةَ وأبِي رافِعٍ أنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَها وهو حَلالٌ، عَلى رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَّفَقِ عَلَيْها، أنَّهُ تَزَوَّجَها مُحْرِمًا، لِأنَّ مَيْمُونَةَ صاحِبَةُ القِصَّةِ وأبا رافِعٍ سَفِيرٌ فِيها. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ مِمَّنْ قالَ بِالنَّسْخِ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ: «ما ماتَ ﷺ حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ النِّساءَ»، وأُمَّ المُؤْمِنِينَ أمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ إلّا ذاتَ مَحْرَمٍ» . أمّا عائِشَةُ فَقَدْ رَوى عَنْها ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ في سُنَنَيْهِما، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم. (p-٣٧١)وَأمّا أمُّ سَلَمَةَ فَقَدْ رَواهُ عَنْها ابْنُ أبِي حاتِمٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وجُوَيْرِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بَعْدَ نُزُولِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾» . قالَ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ ذَلِكَ أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأحزاب 33:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، وتَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا لَهُ أمْثِلَةً في التَّرْجَمَةِ، وأمْثِلَةً كَثِيرَةً في الكِتابِ لَمْ تُذْكَرْ في التَّرْجَمَةِ، ومِن أمْثِلَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنا في التَّرْجَمَةِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، فَقَدْ قُلْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ومِن أمْثِلَتِهِ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إنَّ آيَةَ ”الحِجابِ“ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ خاصَّةٌ بِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ تَعْلِيلَهُ تَعالى لِهَذا الحُكْمِ الَّذِي هو إيجابُ الحِجابِ بِكَوْنِهِ أطْهَرَ لِقُلُوبِ الرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الرِّيبَةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ قَرِينَةٌ واضِحَةٌ عَلى إرادَةِ تَعْمِيمِ الحُكْمِ، إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن جَمِيعِ المُسْلِمِينَ إنَّ غَيْرَ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ لا حاجَةَ إلى أطْهَرِيَّةِ قُلُوبِهِنَّ وقُلُوبِ الرِّجالِ مِنَ الرِّيبَةِ مِنهُنَّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ العِلَّةَ قَدْ تُعَمِّمُ مَعْلُولَها، وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: ؎وَقَدْ تُخَصِّصُ وقَدْ تُعَمِّمُ لِأصْلِها لَكِنَّها لا تَخْرِمُ انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِنا في التَّرْجَمَةِ المَذْكُورَةِ. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الدَّلِيلَ الواضِحَ عَلى أنَّ وُجُوبَ الحِجابِ حُكْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ النِّساءِ، لا خاصٌّ بِأزْواجِهِ ﷺ، وإنْ كانَ أصْلُ اللَّفْظِ خاصًّا بِهِنَّ؛ لِأنَّ عُمُومَ عِلَّتِهِ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ الحُكْمِ فِيهِ، ومَسْلَكُ العِلَّةِ الَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾، هو عِلَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، هو المَسْلَكُ المَعْرُوفُ في الأُصُولِ بِمَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ، وضابِطُ هَذا المَسْلَكِ المُنْطَبِقِ عَلى جُزْئِيّاتِهِ، هو أنْ يَقْتَرِنَ وصْفٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلى وجْهٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ الوَصْفُ عِلَّةً (p-٢٤٣)لِذَلِكَ الحُكْمِ لَكانَ الكَلامُ مَعِيبًا عِنْدَ العارِفِينَ، وعَرَّفَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“ دَلالَةَ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ في مَبْحَثِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ والإشارَةِ والإيماءِ والتَّنْبِيهِ بِقَوْلِهِ: ؎دَلالَةُ الإيــماءِ والتَّنْـــبِيهِ ∗∗∗ في الفَنِّ تَقْصِدُ لَدى ذَوِيهِ ؎أنْ يُقْرَنَ الوَصْفُ بِحُكْمٍ إنْ يَكُنْ ∗∗∗ لِغَيْرِ عِلَّةٍ يُعِبْهُ مَن فَطِنْ وَعَرَّفَ أيْضًا الإيماءَ والتَّنْبِيهَ في مَسالِكِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: والثّالِثُ الإيما اقْتِرانُ الوَصْفِ بِالحُكْمِ مَلْفُوظَيْنِ دُونَ خِلْفِ ؎وَذَلِكَ الوَصْفُ أوِ النَّــظِيرُ ∗∗∗ قِرانُهُ لِغَــــيْرِها يَضِيرُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾، لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، لَكانَ الكَلامُ مَعِيبًا غَيْرَ مُنْتَظِمٍ عِنْدَ الفَطِنِ العارِفِ. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾، هو عِلَّةُ قَوْلِهِ: ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، وعَلِمْتَ أنَّ حُكْمَ العِلَّةِ عامٌ. فاعْلَمْ أنَّ العِلَّةَ قَدْ تُعَمِّمُ مَعْلُولَها، وقَدْ تُخَصِّصُهُ كَما ذَكَرْنا في بَيْتِ ”مَراقِي السُّعُودِ“، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَ آيَةِ الحِجابِ عامٌ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وإذا كانَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عامًّا بِدَلالَةِ القَرِينَةِ القُرْآنِيَّةِ. فاعْلَمْ أنَّ الحِجابَ واجِبٌ بِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلى جَمِيعِ النِّساءِ. واعْلَمْ أنّا في هَذا المَبْحَثِ نُرِيدُ أنْ نَذْكُرَ الأدِلَّةَ القُرْآنِيَّةَ عَلى وُجُوبِ الحِجابِ عَلى العُمُومِ، ثُمَّ الأدِلَّةَ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ نُناقِشُ أدِلَّةَ الطَّرَفَيْنِ، ونَذْكُرُ الجَوابَ عَنْ أدِلَّةِ مَن قالُوا بِعَدَمِ وُجُوبِ الحِجابِ، عَلى غَيْرِ أزْواجِهِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾، قَرِينَةٌ عَلى عُمُومِ حُكْمِ آيَةِ الحِجابِ. وَمِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ عَلى احْتِجابِ المَرْأةِ وسِتْرِها جَمِيعَ بَدَنِها حَتّى وجْهَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، فَقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَعْنى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾: أنَّهُنَّ يَسْتُرْنَ بِها جَمِيعَ وُجُوهِهِنَّ، ولا يَظْهَرُ مِنهُنَّ شَيْءٌ إلّا عَيْنٌ واحِدَةٌ تُبْصِرُ بِها، ومِمَّنْ قالَ بِهِ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ وغَيْرُهم. (p-٢٤٤)فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾، لا يَسْتَلْزِمُ مَعْناهُ سَتْرَ الوَجْهِ لُغَةً، ولَمْ يَرِدْ نَصٌّ مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ عَلى اسْتِلْزامِهِ ذَلِكَ، وقَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ، مَعارَضٌ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُهُ، وبِهَذا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ الوَجْهِ. فالجَوابُ: أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً واضِحَةً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ يَدْخُلُ في مَعْناهُ سَتْرُ وُجُوهِهِنَّ بِإدْناءِ جَلابِيبِهِنَّ عَلَيْها، والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِأزْواجِكَ﴾، ووُجُوبُ احْتِجابِ أزْواجِهِ وسِتْرِهِنَّ وُجُوهَهُنَّ، لا نِزاعَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. فَذَكَرَ الأزْواجَ مَعَ البَناتِ ونِساءَ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ الوُجُوهِ بِإدْناءِ الجَلابِيبِ، كَما تَرى. وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا: هو ما قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النُّورِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [غافر: ٣١]، مِن أنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ المُلاءَةُ فَوْقَ الثِّيابِ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ قَدْ قامَتْ قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾، لا يَدْخُلُ فِيهِ سَتْرُ الوَجْهِ، وأنَّ القَرِينَةَ المَذْكُورَةَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾، قالَ: وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُعْرَفْنَ﴾ عَلى أنَّهُنَّ سافِراتٌ كاشِفاتٌ عَنْ وُجُوهِهِنَّ؛ لِأنَّ الَّتِي تُسْتَرُ وجْهَها لا تُعْرَفُ، باطِلٌ، وبُطْلانُهُ واضِحٌ، وسِياقُ الآيَةِ يَمْنَعُهُ مَنعًا باتًّا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ صَرِيحٌ في مَنعِ ذَلِكَ. وَإيضاحُهُ أنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ راجِعَةٌ إلى إدْنائِهِنَّ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ، وإدْناؤُهُنُّ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ، لا يُمْكِنُ بِحالٍ أنْ يَكُونَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ بِسُفُورِهِنَّ وكَشْفِهِنَّ عَنْ وُجُوهِهِنَّ كَما تَرى، فَإدْناءُ الجَلابِيبِ مُنافٍ لِكَوْنِ المَعْرِفَةِ مَعْرِفَةً شَخْصِيَّةً بِالكَشْفِ عَنِ الوُجُوهِ، كَما لا يَخْفى. وَقَوْلُهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لِأزْواجِكَ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى أنَّ المَعْرِفَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ لَيْسَتْ بِكَشْفِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ احْتِجابَهُنَّ لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. والحاصِلُ: أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ أدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ: (p-٢٤٥)الأوَّلُ: سِياقُ الآيَةِ، كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا. الثّانِي: قَوْلُهُ: لِأزْواجِكَ، كَما أوْضَحْناهُ أيْضًا. الثّالِثُ: أنَّ عامَّةَ المُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم فَسَّرُوا الآيَةَ مَعَ بَيانِهِمْ سَبَبَ نُزُولِها، بِأنَّ نِساءَ أهْلِ المَدِينَةِ كُنْ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حاجَتِهِنَّ خارِجَ البُيُوتِ، وكانَ بِالمَدِينَةِ بَعْضُ الفُسّاقِ يَتَعَرَّضُونَ لِلْإماءِ، ولا يَتَعَرَّضُونَ لِلْحَرائِرِ، وكانَ بَعْضُ نِساءِ المُؤْمِنِينَ يَخْرُجْنَ في زِيٍّ لَيْسَ مُتَمَيَّزًا عَنْ زِيِّ الإماءِ، فَيَتَعَرَّضُ لَهُنَّ أُولَئِكَ الفُسّاقُ بِالأذى ظَنًّا مِنهم أنَّهُنَّ إماءٌ، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْمُرَ أزْواجَهُ وبَناتِهِ ونِساءَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَمَيَّزْنَ في زِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، وذَلِكَ بِأنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ ورَآهُنَّ الفُسّاقُ، عَلِمُوا أنَّهُنَّ حَرائِرُ، ومَعْرِفَتُهم بِأنَّهُنَّ حَرائِرُ لا إماءَ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾، فَهي مَعْرِفَةٌ بِالصِّفَةِ لا بِالشَّخْصِ. وهَذا التَّفْسِيرُ مُنْسَجِمٌ مَعَ ظاهِرِ القُرْآنِ، كَما تَرى. فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾، لِأنَّ إدْنائِهِنَّ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ يُشْعِرُ بِأنَّهُنَّ حَرائِرَ، فَهو أدْنى وأقْرَبُ لِأنْ يُعْرَفْنَ، أيْ: يُعْلَمُ أنَّهُنَّ حَرائِرُ، فَلا يُؤْذَيْنَ مِن قِبَلِ الفُسّاقِ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْإماءِ، وهَذا هو الَّذِي فَسَّرَ بِهِ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةَ، وهو واضِحٌ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ تَعَرُّضَ الفُسّاقِ لِلْإماءِ جائِزٌ، هو حَرامٌ ولا شَكَّ أنَّ المُتَعَرِّضِينَ لَهُنَّ مِنَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وأنَّهم يَدْخُلُونَ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] . وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعَرِّضَ لِما لا يَحِلُّ مِنَ النِّساءِ مِنَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٢]، وذَلِكَ مَعْنًى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎‌حافِظٌ لِلْفَرْجِ راضٍ بِالتُّقى ∗∗∗ لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضْ وَفِي الجُمْلَةِ: فَلا إشْكالَ في أمْرِ الحَرائِرِ بِمُخالَفَةِ زِيِّ الإماءِ لِيَهابَهُنَّ الفُسّاقُ، ودَفْعُ ضَرَرِ الفُسّاقِ عَنِ الإماءِ لازِمٌ، ولَهُ أسْبابٌ أُخَرَ لَيْسَ مِنها إدْناءُ الجَلابِيبِ. * * تَنْبِيهٌ. قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾، (p-٢٤٦)أنَّ الفِعْلَ الصِّناعِيَّ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ؛ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“: المَصْدَرُ اسْمُ ما سِوى الزَّمانِ مِن مَدْلُولَيِ الفِعْلِ كَأمْنٍ مِن أمِنَ. وَأنَّهُ عِنْدَ جَماعاتٍ مِنَ البَلاغِيِّينَ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ونِسْبَةٍ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ المَصْدَرَ والزَّمَنَ كامِنانِ في مَفْهُومِ الفِعْلِ إجْماعًا، وقَدْ تَرْجِعُ الإشاراتُ والضَّمائِرُ تارَةً إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في مَفْهُومِ الفِعْلِ، وتارَةً إلى الزَّمَنِ الكامِنِ فِيهِ. فَمِثالُ رُجُوعِ الإشارَةِ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾، أيْ: ذَلِكَ الإدْناءُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: يُدْنِينَ. وَمِثالُ رُجُوعِ الإشارَةِ لِلزَّمَنِ الكامِنِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠]، فَقَوْلُهُ: ذَلِكَ يَعْنِي زَمَنَ النَّفْخِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ونَفَخْ، أيْ: ذَلِكَ الزَّمَنُ يَوْمُ الوَعِيدِ. وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ حُكْمَ آيَةِ الحِجابِ عامٌّ هو ما تُقَرَّرُ في الأُصُولِ، مِن أنَّ خِطابَ الواحِدِ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الأُمَّةِ، ولا يَخْتَصُّ الحُكْمُ بِذَلِكَ الواحِدَ المُخاطَبَ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، في مَبْحَثِ النَّهْيِ عَنْ لَبْسِ المُعَصْفَرِ، وقَدْ قُلْنا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ خِطابَ النَّبِيِّ ﷺ لِواحِدٍ مِن أُمَّتِهِ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الأُمَّةِ، لِاسْتِوائِهِمْ في أحْكامِ التَّكْلِيفِ، إلّا بِدَلِيلٍ خاصٍّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وخِلافُ أهْلِ الأُصُولِ في خِطابِ الواحِدِ، هَلْ هو مِن صِيَغِ العُمُومِ الدّالَّةِ عَلى عُمُومِ الحُكْمِ ؟ خِلافٌ في حالٍ لا خِلافٌ حَقِيقِيٌّ، فَخِطابُ الواحِدِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ صِيغَةُ عُمُومٍ، وعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ خِطابَ الواحِدِ لا يَعُمُّ؛ لِأنَّ اللَّفْظِ لِلْواحِدِ لا يَشْمَلُ بِالوَضْعِ غَيْرَهُ، وإذا كانَ لا يَشْمَلُهُ وضْعًا، فَلا يَكُونُ صِيغَةَ عُمُومٍ. ولَكِنَّ أهْلَ هَذا القَوْلِ مُوافِقُونَ عَلى أنَّ حُكْمَ خِطابِ الواحِدِ عامٌّ لِغَيْرِهِ، ولَكِنْ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ خِطابِ الواحِدِ وذَلِكَ الدَّلِيلُ بِالنَّصِّ والقِياسِ. أمّا القِياسُ فَظاهِرٌ، لِأنَّ قِياسَ غَيْرِ ذَلِكَ المُخاطَبِ عَلَيْهِ بِجامِعِ اسْتِواءِ المُخاطَبِينَ في أحْكامِ التَّكْلِيفِ مِنَ القِياسِ الجَلِيِّ. والنَّصُّ كَقَوْلِهِ ﷺ في مُبايَعَةِ النِّساءِ: «إنِّي لا أُصافِحُ (p-٢٤٧)النِّساءَ، وما قَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ إلّا كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ» . قالُوا: ومِن أدِلَّةِ ذَلِكَ حَدِيثُ: «حُكْمِي عَلى الواحِدِ حُكْمِي عَلى الجَماعَةِ» . قالَ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ: اعْلَمْ أنَّ حَدِيثَ «حُكْمِي عَلى الواحِدِ حُكْمِي عَلى الجَماعَةِ»، لا يُعْرَفُ لَهُ أصِلٌ بِهَذا اللَّفْظِ، ولَكِنْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حَبّانَ، قَوْلُهُ ﷺ في مُبايَعَةِ النِّساءِ: «إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ»، وساقَ الحَدِيثَ كَما ذَكَرْناهُ، وقالَ صاحِبُ ”كَشْفُ الخَفاءِ ومُزِيلِ الإلْباسِ عَمّا اشْتُهِرَ مِنَ الأحادِيثِ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ“: «حُكْمِي عَلى الواحِدِ حُكْمِي عَلى الجَماعَةِ»، وفي لَفْظٍ: «كَحُكْمِي عَلى الجَماعَةِ»، لَيْسَ لَهُ أصْلٌ بِهَذا اللَّفْظِ؛ كَما قالَهُ العِراقِيُّ في تَخْرِيجِ أحادِيثَ البَيْضاوِيِّ. وقالَ في ”الدُّرَرِ“ كالزَرْكَشِيِّ: لا يُعْرَفُ. وسُئِلَ عَنْهُ المُزِّيُّ والذَّهَبِيُّ فَأنْكَراهُ، نَعَمْ يَشْهَدُ لَهُ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، فَلَفْظُ النَّسائِيُّ: «ما قَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ إلّا كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ»، ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ»، وهو مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي ألْزَمَ الدّارَقُطْنِيُّ الشَّيْخَيْنِ بِإخْراجِها لِثُبُوتِها عَلى شَرْطِهِما، وقالَ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيُّ في ”شَرْحِ الوَرَقاتِ الكَبِيرِ“: «حُكْمِي عَلى الواحِدِ» لا يُعْرَفُ لَهُ أصِلٌ إلى آخِرِهِ، قَرِيبًا مِمّا ذَكَرْناهُ عَنْهُ، انْتَهى. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الحَدِيثُ المَذْكُورُ ثابِتٌ مِن حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ بِقافَيْنِ مُصَغَّرًا، وهي صَحابِيَّةٌ مِنَ المُبايِعاتِ، ورَقِيقَةٌ أُمُّها، وهي أُخْتُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وقِيلَ: عَمَّتُها، واسْمُ أبِيها بِجادٌ - بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ جِيمٍ - ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيُّ، تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ. وأشارَ إلى ذَلِكَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: ؎خِطابٌ واحِدٌ لِغَيْرِ الحَنْبَلِ مِن غَيْرِ رَعْيِ النَّصِّ والقَيْسِ الجَلِي انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. * * وَبِهَذِهِ القاعِدَةِ الأُصُولِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَ آيَةِ الحِجابِ عامٌّ، وإنْ كانَ لَفْظُها خاصًّا بِأزْواجِهِ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ مِن أزْواجِهِ أوْ مِن غَيْرِهِنَّ كَقَوْلِهِ لِمِائَةِ امْرَأةٍ، كَما رَأيْتَ إيضاحَهُ قَرِيبًا. وَمِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحِجابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] (p-٢٤٨)لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ القَواعِدَ أيِ العَجائِزَ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا، أيْ: لا يَطْمَعْنَ في النِّكاحِ لِكِبَرِ السِّنِّ وعَدَمِ حاجَةِ الرِّجالِ إلَيْهِنَّ يُرَخَّصُ لَهُنَّ بِرَفْعِ الجَناحِ عَنْهُنَّ في وضْعِ ثِيابِهِنَّ، بِشَرْطِ كَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ جَلَّ وعَلا مَعَ هَذا كُلِّهِ قالَ: ﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، أيْ: يَسْتَعْفِفْنَ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ خَيْرٌ لَهُنَّ، أيْ: واسْتِعْفافُهُنَّ عَنْ وضْعِ ثِيابِهِنَّ مَعَ كِبَرِ سِنِّهِنَّ وانْقِطاعِ طَمَعِهِنَّ في التَّزْوِيجِ، وكَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ خَيْرٌ لَهُنَّ. وَأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾، أنَّهُ وضْعُ ما يَكُونُ فَوْقَ الخِمارِ والقَمِيصِ مِنَ الجَلابِيبِ، الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ الخِمارِ والثِّيابِ. فَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ الَّتِي فِيها جَمالٌ ولَها طَمَعٌ في النِّكاحِ، لا يُرَخَّصُ لَها في وضْعِ شَيْءٍ مِن ثِيابِها ولا الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّسَتُّرِ بِحَضْرَةِ الأجانِبِ. وَإذا عَلِمْتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حُكْمَ آيَةِ الحِجابِ عامٌّ، وأنَّ ما ذَكَرْنا مَعَها مِنَ الآياتِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى احْتِجابِ جَمِيعِ بَدَنِ المَرْأةِ عَنِ الرِّجالِ الأجانِبِ، عَلِمْتَ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى الحِجابِ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّ آيَةَ الحِجابِ خاصَّةٌ بِأزْواجِهِ ﷺ، فَلا شَكَّ أنَّهُنَّ خَيْرُ أُسْوَةٍ لِنِساءِ المُسْلِمِينَ في الآدابِ الكَرِيمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلطَّهارَةِ التّامَّةِ وعَدَمِ التَّدَنُّسِ بِأنْجاسِ الرِّيبَةِ، فَمَن يُحاوِلُ مَنعَ نِساءَ المُسْلِمِينَ كالدُّعاةِ لِلسُّفُورِ والتَّبَرُّجِ والِاخْتِلاطِ اليَوْمَ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِنَّ في هَذا الأدَبِ السَّماوِيِّ الكَرِيمِ المُتَضَمِّنِ سَلامَةَ العَرْضِ والطَّهارَةِ مِن دَنَسِ الرِّيبَةِ غاشٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَرِيضُ القَلْبِ كَما تَرى. واعْلَمْ أنَّهُ مَعَ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى احْتِجابِ المَرْأةِ عَنِ الرِّجالِ الأجانِبِ، قَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أحادِيثُ نَبَوِيَّةٌ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحِيهِما وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إيّاكم والدُّخُولَ عَلى النِّساءِ ”، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أفَرَأيْتَ الحَمْوَ ؟ قالَ:“ الحَمْوُ المَوْتُ» . أخْرَجَ البُخارِيُّ هَذا الحَدِيثَ في كِتابِ ”النِّكاحِ“، في بابِ: لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلّا ذُو مَحْرَمٍ إلَخْ. ومُسْلِمٌ في كِتابِ ”السَّلامِ“، في بابِ تَحْرِيمِ الخَلْوَةِ بِالأجْنَبِيَّةِ والدُّخُولِ عَلَيْها، فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرَّحَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ الدُّخُولِ عَلى النِّساءِ، فَهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى مَنعِ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ وسُؤالِهِنَّ مَتاعًا إلّا مِن وراءِ (p-٢٤٩)حِجابٍ؛ لِأنَّ مَن سَألَها مَتاعًا لا مِن وراءِ حِجابٍ فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْها، والنَّبِيُّ ﷺ حَذَّرَهُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْها، ولَمّا سَألَهُ الأنْصارِيُّ عَنِ الحَمْوِ الَّذِي هو قَرِيبُ الزَّوْجِ الَّذِي لَيْسَ مَحْرَمًا لِزَوْجَتِهِ، كَأخِيهِ وابْنِ أخِيهِ وعَمِّهِ وابْنِ عَمِّهِ ونَحْوِ ذَلِكَ قالَ لَهُ ﷺ: «الحَمْوُ المَوْتُ»، فَسَمّى ﷺ دُخُولَ قَرِيبِ الرَّجُلِ عَلى امْرَأتِهِ وهو غَيْرُ مَحْرَمٍ لَها بِاسْمِ المَوْتِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العِبارَةَ هي أبْلَغُ عِباراتِ التَّحْذِيرِ؛ لِأنَّ المَوْتَ هو أفْظَعُ حادِثٍ يَأْتِي عَلى الإنْسانِ في الدُّنْيا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهْ والجِبِلَّةُ: الخَلْقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤]، فَتَحْذِيرُهُ ﷺ هَذا التَّحْذِيرَ البالِغَ مِن دُخُولِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، وتَعْبِيرُهُ عَنْ دُخُولِ القَرِيبِ عَلى زَوْجَةِ قَرِيبِهِ بِاسْمِ المَوْتِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ نَبَوِيٌّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ النِّساءِ، كَما تَرى. إذْ لَوْ كانَ حُكْمُهُ خاصًّا بِأزْواجِهِ ﷺ لَمّا حَذَّرَ الرِّجالَ هَذا التَّحْذِيرَ البالِغَ العامَّ مِنَ الدُّخُولِ عَلى النِّساءِ، وظاهِرُ الحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ ولَوْ لَمْ تَحْصُلِ الخَلْوَةُ بَيْنَهُما، وهو كَذَلِكَ، فالدُّخُولُ عَلَيْهِنَّ والخَلْوَةُ بِهِنَّ كِلاهُما مُحَرَّمٌ تَحْرِيمًا شَدِيدًا بِانْفِرادِهِ، كَما قَدَّمْنا أنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّهُ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ في بابِ تَحْرِيمِ الخَلْوَةِ بِالأجْنَبِيَّةِ والدُّخُولِ عَلَيْها، فَدَلَّ عَلى أنَّ كِلَيْهِما حَرامٌ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في شَرْحِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ: «إيّاكم والدُّخُولَ»، بِالنَّصْبِ عَلى التَّحْذِيرِ، وهو تَنْبِيهُ المُخاطَبِ عَلى مَحْذُورٍ لِيَتَحَرَّزَ عَنْهُ؛ كَما قِيلَ: إيّاكَ والأسَدَ، وقَوْلُهُ: ”إيّاكم“، مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا. وَتَقْدِيرُ الكَلامِ: اتَّقُوا أنْفُسَكم أنْ تَدْخُلُوا عَلى النِّساءِ، والنِّساءُ أنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكم. ووَقَعَ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ، بِلَفْظِ: «لا تَدْخُلُوا عَلى النِّساءِ»، وتَضَمَّنَ مَنعُ الدُّخُولِ مَنعَ الخَلْوَةِ بِها بِطَرِيقِ الأوْلى، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وقالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”صَحِيحِهِ“، بابُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ . وقالَ أحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنا أبِي عَنْ يُونُسَ، قالَ ابْنُ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِساءَ المُهاجِراتِ الأُوَلَ، لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ بِها. حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ نافِعٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: (p-٢٥٠)أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَقُولُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾، أخَذْنَ أُزُرَهُنَّ فَشَقَقْنَها مِن قِبَلِ الحَواشِي، فاخْتَمَرْنَ بِها، انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ: قَوْلُهُ: فاخْتَمَرْنَ، أيْ غَطَّيْنَ وُجُوهَهُنَّ، وصِفَةُ ذَلِكَ أنْ تَضَعَ الخِمارَ عَلى رَأْسِها وتَرْمِيهِ مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ عَلى العاتِقِ الأيْسَرِ، وهو التَّقَنُّعُ. قالَ الفَرّاءُ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ تُسْدِلُ المَرْأةُ خِمارَها مِن ورائِها وتَكْشِفُ ما قُدّامَها فَأُمِرْنَ بِالِاسْتِتارِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن ”فَتْحِ البارِي“ . وَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ في أنَّ النِّساءَ الصَّحابِيّاتِ المَذْكُوراتِ فِيهِ فَهِمْنَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾، يَقْتَضِي سِتْرَ وُجُوهِهِنَّ، وأنَّهُنَّ شَقَقْنَ أُزُرَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ، أيْ: سَتَرْنَ وُجُوهَهُنَّ بِها امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ المُقْتَضِي سِتْرَ وُجُوهِهِنَّ، وبِهَذا يَتَحَقَّقُ المُنْصِفُ أنَّ احْتِجابَ المَرْأةِ عَنِ الرِّجالِ وسِتْرَها وجْهَها عَنْهم ثابِتٌ في السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ المُفَسِّرَةِ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أثْنَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى تِلْكَ النِّساءِ بِمُسارَعَتِهِنَّ لِامْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ في كِتابِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُنَّ ما فَهِمْنَ سَتْرَ الوُجُوهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾، إلّا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ مَوْجُودٌ وهُنَّ يَسْألْنَهُ عَنْ كُلِّ ما أشْكَلَ عَلَيْهِنَّ في دِينِهِنَّ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُفَسِّرْنَها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِنَّ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: ولِابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ ما يُوَضِّحُ ذَلِكَ، ولَفْظُهُ: ذَكَرْنا عِنْدَ عائِشَةَ نِساءَ قُرَيْشٍ وفَضْلَهُنَّ، فَقالَتْ: إنَّ لِنِساءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلًا، ولَكِنْ واللَّهِ ما رَأيْتُ أفْضَلَ مِن نِساءِ الأنْصارِ أشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتابِ اللَّهِ، ولا إيمانًا بِالتَّنْزِيلِ، ولَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ ”النُّورِ“: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾، فانْقَلَبَ رِجالُهُنَّ إلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ ما أُنْزِلَ فِيها، ما مِنهُنَّ امْرَأةٌ إلّا قامَتْ إلى مِرْطِها فَأصْبَحْنَ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مُعْتَجِراتٍ كَأنَّ عَلى رُءُوسِهِنَّ الغِرْبانُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن ”فَتْحِ البارِي“ . وَمَعْنى مُعْتَجَراتٍ: مُخْتَمِراتٍ، كَما جاءَ مُوَضَّحًا في رِوايَةِ البُخارِيِّ المَذْكُورَةِ آنِفًا، فَتَرى عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مَعَ عِلْمِها وفَهْمِها وتُقاها أثْنَتْ عَلَيْهِنَّ هَذا الثَّناءَ العَظِيمَ، وصَرَّحَتْ بِأنَّها ما رَأتْ أشَدَّ مِنهُنَّ تَصْدِيقًا بِكِتابِ اللَّهِ، ولا إيمانًا بِالتَّنْزِيلِ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ فَهْمَهُنَّ لُزُومَ سَتْرِ الوُجُوهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ مِن تَصْدِيقِهِنَّ بِكِتابِ اللَّهِ وإيمانِهِنَّ بِتَنْزِيلِهِ، وهو صَرِيحٌ في أنَّ احْتِجابَ النِّساءِ عَنِ الرِّجالِ وسِتْرَهُنَّ وُجُوهَهُنَّ تَصْدِيقٌ بِكِتابِ اللَّهِ وإيمانٌ بِتَنْزِيلِهِ، كَما تَرى. (p-٢٥١)فالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ، مِمَّنْ يَدَّعِي مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في الكِتابِ ولا السُّنَّةِ ما يَدُلُّ عَلى سَتْرِ المَرْأةِ وجْهَها عَنِ الأجانِبِ، مَعَ أنَّ الصَّحابِيّاتِ فَعَلْنَ ذَلِكَ مُمْتَثِلاتٍ أمْرَ اللَّهِ في كِتابِهِ إيمانًا بِتَنْزِيلِهِ، ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، كَما تَقَدَّمَ عَنِ البُخارِيِّ. وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ وأصْرَحِها في لُزُومِ الحِجابِ لِجَمِيعِ نِساءِ المُسْلِمِينَ، كَما تَرى. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ: وقالَ البَزّارُ أيْضًا: حَدَّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عاصِمٍ، حَدَّثْنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنِ المَرْأةَ عَوْرَةٌ فَإذا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ، وأقْرَبُ ما تَكُونُ بِرَوْحَةِ رَبِّها وهي في قَعْرِ بَيْتِها»، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُنْدارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عاصِمٍ بِهِ نَحْوَهُ، اه مِنهُ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ صاحِبُ ”مَجْمَعِ الزَّوائِدِ“، وقالَ: رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في ”الكَبِيرِ“، ورِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، وهَذا الحَدِيثُ يَعْتَضِدُ بِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا مِنَ الأدِلَّةِ، وما جاءَ فِيهِ مِن كَوْنِ المَرْأةِ عَوْرَةٌ، يَدُلُّ عَلى الحِجابِ لِلُزُومِ سَتْرِ كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَوْرَةِ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ: ما ذَكَرَ الهَيْثَمِيُّ أيْضًا في ”مَجْمَعِ الزَّوائِدِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّما النِّساءُ عَوْرَةٌ، وإنَّ المَرْأةَ لَتَخْرُجُ مِن بَيْتِها وما بِها مِن بَأْسٍ فَيَسْتَشْرِفُها الشَّيْطانُ، فَيَقُولُ: إنَّكِ لا تَمُرِّينَ بِأحَدٍ إلّا أعْجَبْتِيهِ، وإنَّ المَرْأةَ لَتَلْبَسُ ثِيابَها فَقالَ: أيْنَ تُرِيدِينَ ؟ فَتَقُولُ: أعُودُ مَرِيضًا أوْ أشْهَدُ جِنازَةً، أوْ أُصَلِّي في مَسْجِدٍ، وما عَبَدَتِ امْرَأةٌ رَبَّها، مِثْلَ أنْ تَعْبُدَهُ في بَيْتِها، ثُمَّ قالَ: رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في ”الكَبِيرِ“، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، اه مِنهُ. ومِثْلُهُ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إذْ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ. وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ الأحادِيثُ الَّتِي قَدَّمْناها، الدّالَّةُ عَلى أنَّ صَلاةَ المَرْأةِ في بَيْتِها خَيْرٌ لَها مِن صَلاتِها في المَساجِدِ، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٦ - ٣٧]، والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن يُرِيدُ الحَقَّ. فَقَدْ ذَكَرْنا الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، والأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ الدّالَّةَ عَلى الحِجابِ، وبَيَّنّا أنَّ مِن أصْرَحِها في ذَلِكَ آيَةَ ”النُّورِ“، مَعَ تَفْسِيرِ الصَّحابَةِ لَها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ فَقَدْ أوْضَحْنا غَيْرَ بَعِيدٍ تَفْسِيرَ الصَّحابَةِ لَها، والنَّبِيُّ ﷺ مَوْجُودٌ بَيْنَهم يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ، بِأنَّ المُرادَ بِها يَدْخُلُ فِيهِ سَتْرُ الوَجْهِ وتَغْطِيَتُهُ عَنِ (p-٢٥٢)الرِّجالِ، وأنَّ سَتْرَ المَرْأةِ وجْهَها عَمَلٌ بِالقُرْآنِ، كَما قالَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى عُمُومِ الحِجابِ يَكْفِي المُنْصِفَ، فَسَنَذْكُرُ لَكَ أجْوِبَةَ أهْلِ العِلْمِ، عَمّا اسْتَدَلَّ بِهِ الَّذِينَ قالُوا بِجَوازِ إبْداءِ المَرْأةِ وجْهَها ويَدَيْها، بِحَضْرَةِ الأجانِبِ. فَمِنَ الأحادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ فَأعْرَضَ عَنْها، وقالَ: «يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ الحَيْضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا» وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ؛ وهَذا الحَدِيثُ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: هي كَوْنُهُ مُرْسَلًا؛ لِأنَّ خالِدَ بْنَ دُرَيْكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ، كَما قالَهُ أبُو داوُدَ، وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ . الجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ في إسْنادِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ الأزْدِيُّ مَوْلاهم، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: ضَعِيفٌ، مَعَ أنَّهُ مَرْدُودٌ بِما ذَكَرْنا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى عُمُومِ الحِجابِ، ومَعَ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالحِجابِ. وَمِنَ الأحادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ جابِرٍ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ، قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ يَوْمَ العِيدِ، فَبَدَأ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ أذانٍ، ولا إقامَةٍ، ثُمَّ قامَ مُتَوَكِّئًا عَلى بِلالٍ فَأمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ، وحَثَّ عَلى طاعَتِهِ، ووَعَظَ النّاسَ، وذَكَّرَهم ثُمَّ مَضى حَتّى أتى النِّساءَ، فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهُنَّ، فَقالَ: ”«تَصَدَّقْنَ فَإنَّ أكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ“ فَقامَتِ امْرَأةٌ مِن سِطَةِ النِّساءِ سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ، فَقالَتْ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”لِأنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكاةَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ“، قالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِن حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلالٍ مِن أقْراطِهِنَّ وخَواتِمِهِنَّ»، اه. هَذا لَفَظُ مُسْلِمٍ في ”صَحِيحِهِ“، قالُوا: وقَوْلُ جابِرٍ في هَذا الحَدِيثِ: سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ كاشِفَةً عَنْ وجْهِها، إذْ لَوْ كانَتْ مُحْتَجِبَةً لَما رَأى خَدَّيْها، ولَما عَلِمَ بِأنَّها سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ. وأُجِيبُ عَنْ حَدِيثِ جابِرٍ هَذا: بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآها كاشِفَةً عَنْ وجْهِها، وأقَرَّها عَلى ذَلِكَ، بَلْ غايَةُ ما يُفِيدُهُ الحَدِيثُ أنَّ جابِرًا رَأى وجْهَها، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَشْفَها عَنْهُ قَصْدًا، وكَمْ مِنِ امْرَأةٍ يَسْقُطُ خِمارُها عَنْ وجْهِها مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَيَراهُ بَعْضُ النّاسِ في تِلْكَ الحالِ، كَما قالَ نابِغَةُ ذُبْيانَ:(p-٢٥٣) ؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ فَعَلى المُحْتَجِّ بِحَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ، أنْ يُثْبِتَ أنَّهُ ﷺ رَآها سافِرَةً، وأقَرَّها عَلى ذَلِكَ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى إثْباتِ ذَلِكَ. وقَدْ رَوى القِصَّةَ المَذْكُورَةَ غَيْرُ جابِرٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ كَشْفَ المَرْأةِ المَذْكُورَةِ عَنْ وجْهِها، وقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِمَّنْ رَواها غَيْرَ جابِرٍ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، وابْنَ عَبّاسٍ، وابْنَ عُمَرَ، وذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِمَّنْ رَوى القِصَّةَ غَيْرَ جابِرٍ أنَّهُ رَأى خَدَّيْ تِلْكَ المَرْأةِ السَّفْعاءِ الخَدَّيْنِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى السُّفُورِ في حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ. وقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ حَدِيثِ جابِرٍ هَذا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وقَوْلُهُ: فَقامَتِ امْرَأةٌ مِن سِطَةِ النِّساءِ، هَكَذا هو في النُّسَخِ (سِطَةٌ) بِكَسْرِ السِّينِ، وفَتْحِ الطّاءِ المُخَفَّفَةِ. وفي بَعْضِ النُّسَخِ: واسِطَةِ النِّساءِ. قالَ القاضِي: مَعْناهُ: مِن خِيارِهِنَّ، والوَسَطُ العَدْلُ والخِيارُ، قالَ: وزَعَمَ حُذّاقُ شُيُوخِنا أنَّ هَذا الحَرْفَ مُغَيَّرٌ في كِتابِ مُسْلِمٍ، وأنَّ صَوابَهُ مِن سِفْلَةِ النِّساءِ، وكَذا رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مَسْنَدِهِ، والنَّسائِيُّ في سُنَنِهِ. في رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي شَيْبَةَ: امْرَأةٌ لَيْسَتْ مِن عِلْيَةِ النِّساءِ، وهَذا ضِدُّ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ هَذا كَلامُ القاضِي، وهَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ مِن تَغْيِيرِ الكَلِمَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، بَلْ هي صَحِيحَةٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِها مِن خِيارِ النِّساءِ كَما فَسَّرَهُ بِهِ هو، بَلِ المُرادُ: امْرَأةٌ مِن وسَطِ النِّساءِ جالِسَةٌ في وسَطِهِنَّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: يُقالُ: وسَطْتُ القَوْمَ أسِطُهم وسْطًا وسِطَةً، أيْ: تَوَسَّطْتُهم، اه مِنهُ. وهَذا التَّفْسِيرُ الأخِيرُ هو الصَّحِيحُ، فَلَيْسَ في حَدِيثِ جابِرٍ ثَناءٌ البَتَّةَ عَلى سَفْعاءِ الخَدَّيْنِ المَذْكُورَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ جابِرًا ذَكَرَ سَفْعَةَ خَدَّيْها لِيُشِيرَ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِمَّنْ شَأْنُها الِافْتِتانُ بِها؛ لِأنَّ سَفْعَةَ الخَدَّيْنِ قُبْحٌ في النِّساءِ. قالَ النَّوَوِيُّ: سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ، أيْ: فِيها تَغَيُّرٌ وسَوادٌ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ في ”صِحاحِهِ“: والسَّفْعَةُ في الوَجْهِ: سَوادٌ في خَدَّيِ المَرْأةِ الشّاحِبَةِ، ويُقالُ لِلْحَمامَةِ سَفْعاءُ لِما في عُنُقِها مِنَ السَّفْعَةِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: ؎مِنَ الوُرْقِ سَفْعاءُ العِلاطَيْنِ باكَرَتْ ∗∗∗ فُرُوعَ أشاءٍ مَطْلَعَ الشَّمْسِ أسْحَما قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: السَّفْعَةُ في الخَدَّيْنِ مِنَ المَعانِي المَشْهُورَةِ في كَلامِ العَرَبِ: أنَّها سَوادٌ وتَغَيُّرٌ في الوَجْهِ، مِن مَرَضٍ أوْ مُصِيبَةٍ أوْ سَفَرٍ شَدِيدٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ يَبْكِي أخاهُ مالِكًا: ؎تَقُولُ ابْنَةُ العُمَرِيِّ ما لَكَ بَعْدَما ∗∗∗ أراكَ خَضِيبًا ناعِمَ البالِ أرْوَعا(p-٢٥٤) ؎فَقُلْتُ لَها طُولُ الأسى إذْ سَألْتِنِي ∗∗∗ ولَوْعَةُ وجْدٍ تَتْرُكُ الخَدَّ أسْفَعا وَمَعْلُومٌ أنَّ مِنَ السَّفْعَةِ ما هو طَبِيعِيٌّ كَما في الصُّقُورِ، فَقَدْ يَكُونُ في خَدَّيِ الصَّقْرِ سَوادٌ طَبِيعِيٌّ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎أهْوى لَها أسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُطَّرِقُ ∗∗∗ رِيشَ القَوادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ والمَقْصُودُ: أنَّ السَّفْعَةَ في الخَدَّيْنِ إشارَةٌ إلى قُبْحِ الوَجْهِ، وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إنَّ قَبِيحَةَ الوَجْهِ الَّتِي لا يَرْغَبُ فِيها الرِّجالُ لِقُبْحِها، لَها حُكْمُ القَواعِدِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا. وَمِنَ الأحادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ، حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ، قالَ: «أرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلى عَجُزِ راحِلَتِهِ، وكانَ الفَضْلُ رَجُلًا وضِيئًا، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْتِيهِمْ، وأقْبَلَتِ امْرَأةٌ مِن خَثْعَمَ وضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها، وأعْجَبَهُ حُسْنُها فالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها، فَأخْلَفَ بِيَدِهِ، فَأخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ فَعَدَلَ وجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلَيْها، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ في الحَجِّ عَلى عِبادِهِ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا» . . . الحَدِيثَ، قالُوا: فالإخْبارُ عَنِ الخَثْعَمِيَّةِ بِأنَّها وضِيئَةٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها كانَتْ كاشِفَةً عَنْ وجْهِها. وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: الجَوابُ بِأنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن رِواياتِ الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأنَّها كانَتْ كاشِفَةً عَنْ وجْهِها، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآها كاشِفَةً عَنْهُ، وأقَرَّها عَلى ذَلِكَ بَلْ غايَةُ ما في الحَدِيثِ أنَّها كانَتْ وضِيئَةً، وفي بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ: أنَّها حَسْناءُ، ومَعْرِفَةُ كَوْنِها وضِيئَةً أوْ حَسْناءَ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّها كانَتْ كاشِفَةً عَنْ وجْهِها، وأنَّهُ ﷺ أقَرَّها عَلى ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَنْكَشِفُ عَنْها خِمارُها مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَيَراها بَعْضُ الرِّجالِ مِن غَيْرِ قَصْدِ كَشْفِها عَنْ وجْهِها، كَما أوْضَحْناهُ في رُؤْيَةِ جابِرٍ سَفْعاءَ الخَدَّيْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَعْرِفُ حُسْنَها قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ رَآها قَبْلَ ذَلِكَ وعَرَفَها، ومِمّا يُوَضِّحُ هَذا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا وقْتَ نَظَرِ أخِيهِ إلى المَرْأةِ ونَظَرِها إلَيْهِ، لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَهُ بِاللَّيْلِ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى في ضَعَفَةِ أهْلِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما رَوى الحَدِيثَ المَذْكُورَ مِن طَرِيقِ أخِيهِ الفَضْلِ، وهو لَمْ يَقُلْ لَهُ: إنَّها كانَتْ كاشِفَةً عَنْ وجْهِها، (p-٢٥٥)واطِّلاعُ الفَضْلِ عَلى أنَّها وضِيئَةٌ حَسْناءُ لا يَسْتَلْزِمُ السُّفُورَ قَصْدًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ رَأى وجْهَها، وعَرَفَ حُسْنَهُ مِن أجْلِ انْكِشافِ خِمارِها مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنها، واحْتِمالِ أنَّهُ رَآها قَبْلَ ذَلِكَ وعَرَفَ حُسْنَها. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: إنَّها وضِيئَةٌ، وتَرْتِيبُهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ قَوْلَهُ: فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها، وقَوْلَهُ: وأعْجَبَهُ حُسْنُها، فِيهِ الدَّلالَةُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّهُ كانَ يَرى وجْهَها، ويَنْظُرُ إلَيْهِ لِإعْجابِهِ بِحُسْنِهِ. فالجَوابُ: أنَّ تِلْكَ القَرائِنَ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِلْزامًا، لا يَنْفَكُّ أنَّها كانَتْ كاشِفَةً، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآها كَذَلِكَ، وأقَرَّها؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنْواعِ الِاحْتِمالِ، مَعَ أنَّ جَمالَ المَرْأةِ قَدْ يُعْرَفُ ويُنْظَرُ إلَيْها لِجَمالِها وهي مُخْتَمِرَةٌ، وذَلِكَ لِحُسْنِ قَدِّها وقَوامِها، وقَدْ تُعْرَفُ وضاءَتُها وحُسْنُها مِن رُؤْيَةِ بَنانِها فَقَطْ، كَما هو مَعْلُومٌ. ولِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [النور: ٣١]، بِالمُلاءَةِ فَوْقَ الثِّيابِ، كَما تَقَدَّمَ. ومِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الحُسْنَ يُعْرَفُ مِن تَحْتِ الثِّيابِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طافَتْ أُمامَةُ بِالرُّكْبانِ آوِنَةً ∗∗∗ يا حُسْنَها مِن قَوامٍ ما ومُنْتَقِبا فَقَدْ بالَغَ في حُسْنِ قَوامِها، مَعَ أنَّ العادَةَ كَوْنُهُ مَسْتُورًا بِالثِّيابِ لا مُنْكَشِفًا. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَرْأةَ مُحْرِمَةٌ وإحْرامُ المَرْأةِ في وجْهِها وكَفَّيْها، فَعَلَيْها كَشْفُ وجْهِها إنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ رِجالٌ أجانِبُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وعَلَيْها سَتْرَهُ مِنَ الرِّجالِ في الإحْرامِ، كَما هو مَعْرُوفٌ عَنْ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِنَّ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ هَذِهِ المَرْأةَ الخَثْعَمِيَّةَ نَظَرَ إلَيْها أحَدٌ غَيْرُ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والفَضْلُ مَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّها مُحْرِمَةٌ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْها أحَدٌ فَكَشْفُها عَنْ وجْهِها إذًا لِإحْرامِها لا لِجَوازِ السُّفُورِ. فَإنْ قِيلَ: كَوْنُها مَعَ الحُجّاجِ مَظِنَّةُ أنْ يَنْظُرَ الرِّجالُ وجْهَها إنْ كانَتْ سافِرَةً؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ المَرْأةَ السّافِرَةَ وسَطَ الحَجِيجِ، لا تَخْلُو مِمَّنْ يَنْظُرُ إلى وجْهِها مِنَ الرِّجالِ. فالجَوابُ: أنَّ الغالِبَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الوَرَعُ وعَدَمُ النَّظَرِ إلى النِّساءِ، فَلا مانِعَ عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، مِن كَوْنِها لَمْ يَنْظُرْ إلَيْها أحَدٌ مِنهم، ولَوْ نَظَرَ إلَيْها لَحُكِيَ كَما حُكِيَ نَظَرُ الفَضْلِ إلَيْها، ويُفْهَمُ مَن صَرْفِ النَّبِيِّ ﷺ بَصَرَ الفَضْلِ عَنْها، أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَرْكِ (p-٢٥٦)الأجانِبِ يَنْظُرُونَ إلى الشّابَّةِ، وهي سافِرَةٌ كَما تَرى، وقَدْ دَلَّتِ الأدِلَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى أنَّها يَلْزَمُها حَجْبُ جَمِيعِ بَدَنِها عَنْهم. وَبِالجُمْلَةِ، فَإنَّ المُنْصِفَ يَعْلَمُ أنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يَأْذَنَ الشّارِعُ لِلنِّساءِ في الكَشْفِ عَنِ الوَجْهِ أمامَ الرِّجالِ الأجانِبِ، مَعَ أنَّ الوَجْهَ هو أصْلُ الجَمالِ، والنَّظَرُ إلَيْهِ مِنَ الشّابَّةِ الجَمِيلَةِ هو أعْظَمُ مُثِيرٍ لِلْغَرِيزَةِ البَشَرِيَّةِ وداعٍ إلى الفِتْنَةِ، والوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، ألَمْ تَسْمَعْ بَعْضَهم يَقُولُ: ؎قُلْتُ اسْمَحُوا لِي أنْ أفُوزَ بِنَظْرَةٍ ∗∗∗ ودَعُوا القِيامَةَ بَعْدَ ذاكَ تَقُومُ أتَرْضى أيُّها الإنْسانُ أنْ تَسْمَحَ لَهُ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ إلى نِسائِكَ وبَناتِكَ وأخَواتِكَ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ: ؎وَما عَجَبٌ أنَّ النِّساءَ تَرَجَّلَتْ ∗∗∗ ولَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجالِ عُجابُ * * مَسْألَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أعْنِي آيَةَ الحِجابِ هَذِهِ اعْلَمْ: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الأجْنَبِيِّ أنْ يُصافِحَ امْرَأةً أجْنَبِيَّةً مِنهُ. وَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَمَسَّ شَيْءٌ مِن بَدَنِهِ شَيْئًا مِن بَدَنِها. والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «”إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ»“، الحَدِيثَ. واللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فَيَلْزَمُنا ألّا نُصافِحَ النِّساءَ اقْتِداءً بِهِ ﷺ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ مُوَضَّحٌ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ المُعَصْفَرِ مُطْلَقًا في الإحْرامِ وغَيْرِهِ لِلرِّجالِ. وفي سُورَةِ ”الأحْزابِ“، في آيَةِ الحِجابِ هَذِهِ. وَكَوْنُهُ ﷺ لا يُصافِحُ النِّساءَ وقْتَ البَيْعَةِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُصافِحُ المَرْأةَ، ولا يَمَسُّ شَيْءٌ مِن بَدَنِهِ شَيْئًا مِن بَدَنِها؛ لِأنَّ أخَفَّ أنْواعِ اللَّمْسِ المُصافَحَةُ، فَإذا امْتَنَعَ مِنها ﷺ في الوَقْتِ الَّذِي يَقْتَضِيها وهو وقْتُ المُبايَعَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لا تَجُوزُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مُخالَفَتُهُ ﷺ، لِأنَّهُ هو المُشَرِّعُ لِأُمَّتِهِ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ وتَقْرِيرِهِ. (p-٢٥٧)الأمْرُ الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّ المَرْأةَ كُلَّها عَوْرَةٌ يَجِبُ عَلَيْها أنْ تَحْتَجِبَ، وإنَّما أمَرَ بِغَضِّ البَصَرِ خَوْفَ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَسَّ البَدَنِ لِلْبَدَنِ، أقْوى في إثارَةِ الغَرِيزَةِ، وأقْوى داعِيًا إلى الفِتْنَةِ مِنَ النَّظَرِ بِالعَيْنِ، وكُلُّ مُنْصِفٍ يَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ. الأمْرُ الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلى التَّلَذُّذِ بِالأجْنَبِيَّةِ، لِقِلَّةِ تَقْوى اللَّهِ في هَذا الزَّمانِ وضَياعِ الأمانَةِ، وعَدَمِ التَّوَرُّعِ عَنِ الرِّيبَةِ، وقَدْ أُخْبِرْنا مِرارًا أنَّ بَعْضَ الأزْواجِ مِنَ العَوامِّ، يُقَبِّلُ أُخْتَ امْرَأتِهِ بِوَضْعِ الفَمِ عَلى الفَمِ ويُسَمُّونَ ذَلِكَ التَّقْبِيلَ الحَرامَ بِالإجْماعِ سَلامًا، فَيَقُولُونَ: سَلَّمَ عَلَيْها، يَعْنُونَ: قَبَّلَها، فالحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ التَّباعُدُ عَنْ جَمِيعِ الفِتَنِ والرَّيْبِ وأسْبابِها، ومِن أكْبَرِها لَمْسُ الرَّجُلِ شَيْئًا مِن بَدَنِ الأجْنَبِيَّةِ، والذَّرِيعَةُ إلى الحَرامِ يَجِبُ سَدُّها؛ كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: ؎سَدُّ الذَّرائِعِ إلى المُحَرَّمِ حَتْمٌ كَفَتْحِها إلى المُنْحَتِمِ

الأحزاب 33:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ . أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ الَّذِينَ يَسْألُونَهُ عَنِ السّاعَةِ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّ إنَّما صِيغَةُ حَصْرٍ. فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ السّاعَةَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ وحْدَهُ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ واضِحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ الآيَةَ [لقمان: ٣٤] . وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ، هي المُرادُ • بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، • وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٥٨)﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٧]، وفي الحَدِيثِ: «”ما المَسْئُولُ عَنْها بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ“ .» قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السّاعَةَ الَّتِي هي القِيامَةُ لَعَلَّها تَكُونُ قَرِيبًا، وذَكَرَ نَحْوَهُ في قَوْلِهِ في ”الشُّورى“: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا اقْتِرابَها في آياتٍ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [القمر: ١]، • وقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] .

الأحزاب 33:64

قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾ . تَقَدَّمَتِ الآياتُ المُوَضِّحَةُ لَهُ مِرارًا.

الأحزاب 33:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ عَرَضَ الأمانَةَ، وهي التَّكالِيفُ مَعَ ما يَتْبَعُها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، وأنَّهُنَّ أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها، أيْ: خِفْنَ مِن عَواقِبِ حَمْلِها أنْ يَنْشَأ لَهُنَّ مِن ذَلِكَ عَذابُ اللَّهِ وسُخْطُهُ، وهَذا العَرْضُ والإباءُ، والإشْفاقُ كُلُّهُ حَقٌّ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إدْراكًا يَعْلَمُهُ هو جَلَّ وعَلا، ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ، وبِذَلِكَ الإدْراكِ أدْرَكَتْ عَرْضَ الأمانَةِ عَلَيْها، وأبَتْ وأشْفَقَتْ، أيْ: خافَتْ. وَمَثَلُ هَذا تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ وأحادِيثُ كَثِيرَةٌ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى إدْراكِ الجَماداتِ المَذْكُورِ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الحِجارَةِ: ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، فَصَرَّحَ بِأنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وهَذِهِ الخَشْيَةُ الَّتِي نَسَبَها اللَّهُ لِبَعْضِ الحِجارَةِ بِإدْراكٍ يَعْلَمُهُ هو تَعالى. وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٤٤]، (p-٢٥٩)وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قِصَّةُ حَنِينِ الجِذْعِ، الَّذِي كانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ ﷺ لَمّا انْتَقَلَ بِالخُطْبَةِ إلى المِنبَرِ، وهي في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وَمِنها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «إنِّي لِأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ في مَكَّةَ»، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ. فَكُلُّ ذَلِكَ المَذْكُورِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما يَكُونُ بِإدْراكٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولَوْ كانَ المُرادُ بِتَسْبِيحِ الجَماداتِ دَلالَتَها عَلى خالِقِها لَكُنّا نَفَقَهُهُ، كَما هو مَعْلُومٌ، وقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، راجِعٌ لِلَفْظِ: الإنْسانُ، مُجَرَّدًا عَنْ إرادَةِ المَذْكُورِ مِنهُ، الَّذِي هو آدَمُ. والمَعْنى: أنَّهُ أيِ الإنْسانَ الَّذِي لا يَحْفَظُ الأمانَةَ ﴿كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، أيْ: كَثِيرَ الظُّلْمِ والجَهْلِ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أمْرانِ: أحَدُهُما: قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى انْقِسامِ الإنْسانِ في حَمْلِ الأمانَةِ المَذْكُورَةِ إلى مُعَذَّبٍ ومَرْحُومٍ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ، مُتَّصِلًا بِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣]، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الظَّلُومَ الجَهُولَ مِنَ الإنْسانِ هو المُعَذَّبُ، والعِياذُ بِاللَّهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ، والمُشْرِكُونَ والمُشْرِكاتُ، دُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. واللّامُ في قَوْلِهِ: لِيُعَذِّبَ: لامُ التَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ﴾ . الأمْرُ الثّانِي: أنَّ الأُسْلُوبَ المَذْكُورَ - الَّذِي هو رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ اعْتِبارِ المَعْنى التَّفْصِيلِيِّ - مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، وقَدْ جاءَ فِعْلًا في آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١]؛ (p-٢٦٠)لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾، راجِعٌ إلى لَفْظِ المُعَمَّرِ دُونَ مَعْناهُ التَّفْصِيلِيِّ؛ كَما هو ظاهِرٌ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِمَسْألَةِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، كَما تَرى. وبَعْضُ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، عائِدٌ إلى آدَمَ، قالَ: المَعْنى أنَّهُ كانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ جَهُولًا، أيْ: غِرًّا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وما يَتْبَعُ الأمانَةَ مِنَ الصُّعُوباتِ، والأظْهَرُ ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.