Adwa' Al-Bayan — سبأ 34:1 – الزمر 39:74
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:5
- سبأ 34:7
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:12
- سبأ 34:17
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:40
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:52
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:6
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:22
- فاطر 35:27
- فاطر 35:32
- فاطر 35:37
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:15
- يس 36:18
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:30
- يس 36:33
- يس 36:41
- يس 36:46
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:60
- يس 36:62
- يس 36:65
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:82
- الصافات 37:1
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:20
- الصافات 37:22
- الصافات 37:24
- الصافات 37:27
- الصافات 37:31
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:36
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:66
- الصافات 37:69
- الصافات 37:71
- الصافات 37:75
- الصافات 37:85
- الصافات 37:99
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:137
- الصافات 37:143
- الصافات 37:145
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:167
- الصافات 37:171
- الصافات 37:176
- الصافات 37:181
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:6
- ص 38:8
- ص 38:10
- ص 38:12
- ص 38:16
- ص 38:18
- ص 38:21
- ص 38:24
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:34
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:41
- ص 38:45
- ص 38:48
- ص 38:52
- ص 38:54
- ص 38:64
- ص 38:76
- ص 38:86
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:10
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:28
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:38
- الزمر 39:45
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:53
- الزمر 39:55
- الزمر 39:58
- الزمر 39:60
- الزمر 39:65
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:71
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
سبأ 34:1
(p-٢٦١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ سَبَأٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ . قَدْ ذَكَرْنا ما هو بِمَعْناهُ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
سبأ 34:2
قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾، أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها كالماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، الَّذِي يَلِجُ في الأرْضِ؛ كَما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١٨]، فَهو جَلَّ وعَلا يَعْلَمُ عَدَدَ القَطْرِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وكَيْفَ لا يَعْلَمُهُ مَن خَلَقَهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ويَعْلَمُ أيْضًا ما يَلِجُ في الأرْضِ مِنَ المَوْتى الَّذِينَ يُدْفَنُونَ فِيها؛ كَما قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، وقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وَأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، والكِفاتُ مِنَ الكَفْتِ: وهو الضَّمُّ؛ لِأنَّها تَضُمُّهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها، ويَعْلَمُ أيْضًا ما يَلِجُ في الأرْضِ مِنَ البَذْرِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وكَذَلِكَ ما في بَطْنِها مِنَ المَعادِنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾، أيْ: مِنَ الأرْضِ كالنَّباتِ والحُبُوبِ، والمَعادِنِ، والكُنُوزِ، والدَّفائِنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَعْلَمُ ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَطَرِ، والثَّلْجِ، والبَرَدِ، والرِّزْقِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وما يَعْرُجُ، أيْ: يَصْعَدُ فِيها، أيِ: السَّماءِ، كالأعْمالِ (p-٢٦٢)الصّالِحَةِ؛ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكَأرْواحِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ الآيَةَ [المعارج: ٤] .
وَقالَ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، وما ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيعَ ما ذَكَرَ، ذَكَرَهُ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا﴾ [الحديد: ٤] .
وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٥]، وفي مَواضِعَ أُخَرَ مُتَعَدِّدَةٍ.
سبأ 34:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ، وقالُوا: ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾، أيِ: القِيامَةُ، وأنَّهُ جَلَّ وعَلا أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُقْسِمَ لَهم بِرَبِّهِ العَظِيمِ أنَّ السّاعَةَ سَوْفَ تَأْتِيهِمْ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ تَوْكِيدًا مُتَعَدِّدًا.
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن إنْكارِ الكُفّارِ لِلْبَعْثِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٦٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا مِن أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِالإقْسامِ لَهم عَلى أنَّهم يُبْعَثُونَ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هَذِهِ إحْدى الآياتِ الثَّلاثِ الَّتِي لا رابِعَةَ لَهُنَّ، مِمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُقْسِمَ بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلى وُقُوعِ المَعادِ، لَمّا أنْكَرَهُ مَن أنْكَرَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ والعِنادِ، فَإحْداهُنَّ في سُورَةِ ”يُونُسَ“ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٦٣)﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، والثّانِيَةُ هَذِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، والثّالِثَةُ في سُورَةِ ”التَّغابُنِ“، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا البَراهِينَ الدّالَّةَ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وسُورَةِ ”النَّحْلِ“ وغَيْرِهِما.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى إنْكارِ الكُفّارِ البَعْثَ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ العَذابِ في ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]، وفي مَواضِعَ أُخَرَ. وقَوْلُهُ: قُلْ بَلى لَفْظَةُ: بَلى قَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَها في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: فَألْقَوُا ﴿السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٨] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ بَيَّنّاها في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لا يَعْزُبُ، أيْ: لا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:
؎أخِي كانَ أمّا حِلْمُهُ فَمُرَوِّحٌ عَلَيْهِ وأمّا جَهْلُهُ فَعَزِيبُ
(p-٢٦٤)يَعْنِي: أنَّ الجَهْلَ غائِبٌ عَنْهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهِ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: عالِمُ الغَيْبِ، بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ المَكْسُورَةِ، وضَمِّ المِيمِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: عَلّامِ الغَيْبِ، بِتَشْدِيدِ اللّامِ وألْفٍ بَعْدَ اللّامِ المُشَدَّدَةِ وخَفْضِ المِيمِ عَلى وزْنِ فَعّالٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: عالِمِ الغَيْبِ؛ كَقِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ، إلّا أنَّهم يَخْفِضُونَ المِيمَ. وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِضَمِّ المِيمِ، مِن قَوْلِهِ: عالِمُ الغَيْبِ، فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ الآيَةَ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالَمُ الغَيْبِ.
وَعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ: عالِمِ الغَيْبِ، بِخَفْضِ المِيمِ فَهو نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: رَبِّي، أيْ: قُلْ: بَلى ورَبِّي عالَمِ الغَيْبِ لِتَأْتِينَّكم، وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: عَلّامِ الغَيْبِ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ غَيْرُ الكِسائِيِّ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ، بِضَمِّ الزّايِ مِن يَعْزُبُ، وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزّايِ.
سبأ 34:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا نَوْعَ هَذا العَذابِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ في ”الحَجِّ“: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١]، وقَوْلُهُ: مُعاجِزِينَ، أيْ: مُغالِبِينَ ومُسابِقِينَ، يَظُنُّونَ أنَّهم يُعْجِزُونَ رَبَّهم، فَلا يَقْدِرُ عَلى بَعْثِهِمْ وعَذابِهِمْ. والرِّجْزُ: العَذابُ؛ كَما قالَ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٥٩]، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: مُعَجِّزِينَ، بِلا ألِفٍ بَعْدِ العَيْنِ مَعَ تَشْدِيدِ الجِيمِ المَكْسُورَةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِألِفٍ بَعْدِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الجِيمِ، ومَعْنى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ أنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُعْجِزُونَ رَبَّهم، فَلا يَقْدِرُ عَلى بَعْثِهِمْ وعِقابِهِمْ.
وَقالَ بَعْضُهم: إنَّ مَعْنى مُعَجِّزِينَ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفَصٌ: مِن رِجْزٍ ألِيمٌ، بِضَمِّ المِيمِ مِن قَوْلِهِ: ألِيمٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ؛ لِقَوْلِهِ: عَذابٌ وقَرَأ الباقُونَ: ألِيمٍ بِالخَفْضِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: رِجْزٍ.
سبأ 34:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ . (p-٢٦٥)ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إنْكارِ البَعْثِ، وتَكْذِيبِ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ، قُدِّمَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ في ”البَقَرَةِ“ و ”النَّحْلِ“ وغَيْرِهِما.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أيْ: تَمَزَّقَتْ أجْسادُكم وتَفَرَّقَتْ وبَلِيَتْ عِظامُكم، واخْتَلَطَتْ بِالأرْضِ، وتَلاشَتْ فِيها. وقَوْلُهُ عَنْهم: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيِ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، وهو مَصَبُّ إنْكارِهِمْ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وهو جَلَّ وعَلا يَعْلَمُ ما تَلاشى في الأرْضِ مِن أجْسادِهِمْ وعِظامِهِمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] .
سبأ 34:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ . ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ، وتَقْرِيعِهِمْ عَلى عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ ونَظَرِهِمْ إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، لِيَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى البَعْثِ، وعَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ هو المَعْبُودُ وحْدَهُ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرْنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [سبإ: ٩]، قالَ: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ، أوْ عَنْ شِمالِكَ، أوْ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ، أوْ مَن خَلْفِكَ، رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إنْ شاءَ خَسَفَ الأرْضَ بِالكُفّارِ، خَسَفَها بِهِمْ لِقُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ.
(p-٣٦٦)والثّانِي: أنَّهُ إنْ شاءَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ، فَعَلَ ذَلِكَ أيْضًا لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
أمّا الأوَّلُ: الَّذِي هو أنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يَخْسِفَ بِهِمُ الأرْضَ لَفَعَلَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا﴾ [القصص: ٨٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٥] .
وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾، قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، أنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٢] . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي: يَشَأْ، ويَخْسِفْ، ويُسْقِطْ؛ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: إنْ يَشَأْ هو، أيِ: اللَّهُ، يَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: إنْ نَشَأ نَحْنُ. . إلَخْ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: كِسَفًا بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِسُكُونِها والكِسَفُ بِفَتْحِ السِّينِ القِطَعُ، والكِسْفُ بِسُكُونِ السِّينِ واحِدُها.
سبأ 34:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ آتى داوُدَ مِنهُ فَضْلًا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ هَذا الفَضْلَ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلى داوُدَ في آياتٍ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ ٣٨ ]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ ٣٨ ]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٢٦٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ .
قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ إيضاحِ مَعْنى ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي فِيها إيضاحُهُ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾، في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] . وفي ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] .
سبأ 34:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ .
قَدْ بَيَّنّا الآياتِ الَّتِي فِيها إيضاحٌ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٨١]، مَعَ الأجْوِبَةِ عَنْ بَعْضِ الأسْئِلَةِ الوارِدَةِ عَلى الآياتِ المَذْكُورَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] .
سبأ 34:17
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ سَبَأٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ، قِراءَةِ ضَمِّ الياءِ مَعَ فَتْحِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مَعَ رَفْعِ ”الكَفُورَ“ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وقِراءَةِ ”نُجازِي“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مَعَ نَصْبِ ”الكَفُورَ“، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ تَدُلُّ عَلى خُصُوصِ الجَزاءِ بِالمُبالِغِينَ في الكُفْرِ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى عُمُومِ الجَزاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الزلزلة: ٧] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ما نُجازِي هَذا الجَزاءَ الشَّدِيدَ المُسْتَأْصِلَ إلّا المُبالِغَ في الكُفْرانِ.
الثّانِي: أنَّ ما يُفْعَلُ بِغَيْرِ الكافِرِ مِنَ الجَزاءِ لَيْسَ عِقابًا في الحَقِيقَةِ، لِأنَّهُ تَطْهِيرٌ وتَمْحِيصٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُجازى بِجَمِيعِ الأعْمالِ مَعَ المُناقَشَةِ التّامَّةِ إلّا الكافِرُ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَقَدْ هَلَكَ» وأنَّهُ لَمّا سَألَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٨ - ٩]، قالَ لَها ذَلِكَ الغَرَضَ، وبَيَّنَ لَها أنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ، لا بُدَّ أنْ يَهْلِكَ.
سبأ 34:20
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٣٩] . وفي سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾، قَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
سبأ 34:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ الآيَةَ. (p-٢٦٨)قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٤٠]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
سبأ 34:22
قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثُقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] .
سبأ 34:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] .
سبأ 34:24
قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، نَبِيَّهُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ: ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ بِإنْزالِ المَطَرِ مَثَلًا، والأرْضِ بِإنْباتِ الزُّرُوعِ والثِّمارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُ، أيِ: الَّذِي يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ، وأمْرُهُ تَعالى لَهُ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ بِأنَّ رازِقَهم هو اللَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم مُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ نِزاعٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾، وإقْرارُهم بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى يُلْزِمُهُ الِاعْتِرافَ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ والعِلْمِ بِذَلِكَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
سبأ 34:25
(p-٢٦٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ: إنَّهم وإيّاهم لَيْسَ أحَدٌ مِنهم مَسْئُولًا عَمّا يَعْمَلُهُ الآخَرُ، بَلْ كُلٌّ مِنهم مُؤاخَذٌ بِعَمَلِهِ، والآخَرُ بَرِيءٌ مِنهُ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦]، وفي مَعْنى ذَلِكَ في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١]؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥] .
سبأ 34:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِعَبَدَةِ الأوْثانِ: أرُونِي أوْثانَكُمُ الَّتِي ألْحَقْتُمُوها بِاللَّهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ كُفْرًا مِنكم، وشِرْكًا وافْتِراءً، وقَوْلُهُ: ﴿أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾، لِأنَّهم إنْ أرَوْهُ إيّاها تَبَيَّنَ بِرُؤْيَتِها أنَّها جَمادٌ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، واتَّضَحَ بُعْدُها عَنْ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، فَظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ بِرُؤْيَتِها بُطْلانُ عِبادَةِ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَإحْضارُها والكَلامُ فِيها، وهي مُشاهَدَةٌ أبْلَغُ مِنَ الكَلامِ فِيها غائِبَةً، مَعَ أنَّهُ ﷺ يَعْرِفُها، وكَما أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أمَرَهم أنْ يُرُوهُ إيّاها لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلانُ عِبادَتِها، فَقَدْ أمَرَهم في آيَةٍ أُخْرى أنْ يُسَمُّوها بِأسْمائِها؛ لِأنَّ تَسْمِيَتَها بِأسْمائِها يَظْهَرُ بِها بُعْدُها عَنْ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، وبُطْلانُ عِبادَتِها لِأنَّها أسْماءُ إناثٍ حَقِيرَةٍ كاللّاتِ والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةِ الأُخْرى؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٧]، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] .
والأظْهَرُ في قَوْلِهِ: ﴿أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ: هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: شُرَكاءَ حالٌ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مِن رَأى (p-٢٧٠)العِلْمِيَّةِ، وعَلَيْهِ فـَ شُرَكاءَ مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِـ أرُونِيَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: يَكُونُ أرُونِيَ هُنا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَكُونُ: شُرَكاءَ مَفْعُولًا ثالِثًا، أيْ: عَرِّفُونِي الأصْنامَ والأوْثانَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَلْ شارَكَتْ في خَلْقِ شَيْءٍ، فَبَيِّنُوا ما هو وإلّا فَلِمَ تَعْبُدُونَها، اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَلّا رَدْعٌ لَهم، وزَجْرٌ عَنْ إلْحاقِ الشُّرَكاءِ بِهِ. وقَوْلُهُ:﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، أيِ: المُتَّصِفُ بِذَلِكَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ بِشَواهِدِهِ مِرارًا.
سبأ 34:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، اسْتَشْهَدَ بِهِ بَعْضَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ؛ كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“ بِقَوْلِهِ:
وَسَبْقُ حالِ ما بِحَرْفِ جَرٍّ قَدْ أبَوْا ولا أمْنَعُهُ فَقَدْ ورَدْ
قالُوا: لِأنَّ المَعْنى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، أيْ: جَمِيعًا، أيْ: أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ في حالِ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في رِسالَتِكَ، ومِمَّنْ أجازَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وابْنُ كَيْسانَ، وابْنُ بُرْهانَ، ولِذَلِكَ شَواهِدُ في شِعْرِ العَرَبِ؛ كَقَوْلِ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيِّ:
؎فَإنْ تَكُ أذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ فَلَنْ يَذْهَبُوا فَرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ
وَكَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎لَئِنْ كانَ بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ ∗∗∗ صادِيًا إلَيَّ حَبِيبًا إنَّها لِحَبِيبُ
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكم بَعْدَ بَيْنِكم ∗∗∗ بِذِكْرِكُمُ حَتّى كَأنَّكم عِنْدِي
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎غافِلًا تَعْرِضُ المَنِيَّةُ لِلْمَرْءِ ∗∗∗ فَيُدْعى ولاتَ حِينَ إباءِ
(p-٢٧١)وَقَوْلِهِ:
؎مَشْغُوفَةٌ بِكَ قَدْ شُغِفْتَ وإنَّما ∗∗∗ حُمَّ الفِراقُ فَما إلَيْكَ سَبِيلُ
وَقَوْلِهِ:
؎إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ
فَقَوْلُهُ في البَيْتِ الأوَّلِ: فَرْغًا، أيْ: هَدَرًا، حالٌ وصاحِبُهُ المَجْرُورُ بِالباءِ الَّذِي هو بِقَتْلٍ، وحِبالٌ اسْمُ رَجُلٍ. وقَوْلُهُ في البَيْتِ الثّانِي: هَيْمانَ صادِيًا، حالانِ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ المَجْرُورَةِ بِإلى في قَوْلِهِ: إلَيَّ حَبِيبًا. وقَوْلُهُ في البَيْتِ الثّالِثِ: طُرًّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعَنْ، في قَوْلِهِ: عَنْكم، وهَكَذا وتَقَدُّمُ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مَنَعَهُ أغْلَبُ النَّحْوِيِّينَ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، إلّا رِسالَةً عامَّةً لَهم مُحِيطَةً بِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا شَمِلَتْهم، فَإنَّها قَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهم.
وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أرْسَلْناكَ جامِعًا لِلنّاسِ في الإنْذارِ والإبْلاغِ فَجَعْلَهُ حالًا مِنَ الكافِ، وحَقُّ التّاءِ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ الرّاوِيَةِ والعَلّامَةِ، ومَن جَعَلَهُ حالًا مِنَ المَجْرُورِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ تَقَدُّمَ حالِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ في الإحالَةِ بِمَنزِلَةِ تَقَدُّمِ المَجْرُورِ عَلى الجارِ، وكَمْ تَرى مِمَّنْ يَرْتَكِبُ هَذا الخَطَأ ثُمَّ لا يَقْنَعُ بِهِ حَتّى يُضَمَّ إلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ اللّامَ بِمَعْنى إلى؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَوِي لَهُ الخَطَأُ الأوَّلُ إلّا بِالخَطَأِ الثّانِي، فَلا بُدَّ لَهُ مِنِ ارْتِكابِ الخَطَأيْنِ، اه مِنهُ.
وَقالَ الشَّيْخُ الصَّبّانُ في حاشِيَتِهِ عَلى الأشْمُونِيِّ: جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كافَّةً صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: رِسالَةً كافَّةً لِلنّاسِ، ولَكِنِ اعْتُرِضَ بِأنْ كافَّةً مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ وبِالنَّصْبِ عَلى الحالِ كَطُرًّا وقاطِبَةً، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وما ذَكَرَهُ الصَّبّانِ في كافَّةً هو المَشْهُورُ المُتَداوَلُ في كَلامِ العَرَبِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
سبأ 34:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .
سبأ 34:31
قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ . ذَكَرْنا بَعْضَ الآياتِ الَّتِي فِيها بَيانٌ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وبَيَّناهُ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
سبأ 34:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
سبأ 34:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ . قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وأوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٤٤] .
سبأ 34:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ . (p-٢٧٣)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] .
سبأ 34:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (p-٢٧٢)قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
سبأ 34:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةَ.
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ١٧ - ١٨] .
سبأ 34:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
سبأ 34:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
سبأ 34:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ أهْلَكَ الأُمَمَ الماضِيَةَ لَمّا كَذَّبَتْ رُسُلَهُ، وأنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ أقْوى، وأكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا، وأنَّ كُفّارَ مَكَّةَ عَلَيْهِمْ أنْ يَخافُوا مِن إهْلاكِ اللَّهِ لَهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ ﷺ، كَما أهْلَكَ الأُمَمَ الَّتِي هي أقْوى مِنهم، ولَمْ يُؤْتُوا، أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ، مِعْشارَ ما أتى اللَّهُ الأُمَمَ الَّتِي أهْلَكَها مِن قَبْلُ مِنَ القُوَّةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الرُّومِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ (p-٢٧٤)تَعالى: ﴿وَأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .
سبأ 34:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] .
سبأ 34:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كارِهُونَ ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لا يَسْألُ أُمَّتَهُ أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ ما جاءَهم بِهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (p-٣٧٣)[الطور: ٤٠] في سُورَةِ ”الطُّورِ“ و ”القَلَمِ“ [القلم: ٤٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
وَعَدَمُ طَلَبِ الأُجْرَةِ عَلى التَّبْلِيغِ هو شَأْنُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، في قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَقالَ في سُورَةِ ”هُودٍ“ عَنْ نُوحٍ: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] .
وَقالَ فِيها أيْضًا عَنْ هُودٍ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآيَةَ [هود: ٥١] . وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أرْبَعَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: رَواهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم وتَمْنَعُونِي مِن أذى النّاسِ، كَما تَمْنَعُونَ كُلَّ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهُ مِثْلُ قَرابَتِي مِنكم.
وَكانَ ﷺ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ مِن قُرَيْشٍ رَحِمٌ، فَهَذا الَّذِي سَألَهم لَيْسَ بِأجْرٍ عَلى التَّبْلِيغِ، لِأنَّهُ مَبْذُولٌ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَوَدُّهُ أهْلُ قَرابَتِهِ ويَنْتَصِرُونَ لَهُ مِن أذى النّاسِ، وقَدْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ، ولَمْ يَكُنْ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمِن وإذا كانَ لا يَسْألُ أجْرًا إلّا هَذا الَّذِي لَيْسَ بِأجْرٍ، تَحَقَّقَ أنَّهُ لا يَسْألُ أجْرًا كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
(p-٣٧٤)وَمِثْلُ هَذا يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ تَأْكِيدَ المَدْحِ، بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ لا تُؤْذُوا قَرابَتِي وعِتْرَتَيْ واحْفَظُونِي فِيهِمْ. ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ أيْضًا، لِأنَّ المُوادَّةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واجِبَةٌ فِيما بَيْنَهم، وأحْرى قَرابَةٍ النَّبِيُّ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
وَفِي الحَدِيثِ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ كالجَسَدِ الواحِدِ، إذا أُصِيبَ مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى»، وقالَ ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جَدا. وإذا كانَ نَفْسُ الدِّينِ يُوجِبُ هَذا بَيْنَ المُسْلِمِينَ تَبَيَّنَ أنَّهُ غَيْرُ عِوَضٍ عَنِ التَّبْلِيغِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
فَمَعْناهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا، لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي فِيكم.
وَعَلى الثّانِي: لَكِنْ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في قَرابَتِي فاحْفَظُونِي فِيهِمْ.
القَوْلُ الثّالِثُ: وبِهِ قالَ الحَسَنُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ إلّا تَتَوادُّوا إلى اللَّهِ وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، لِأنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ لَيْسَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ إلّا أنَّ تَتَوَدَّدُوا إلى قَراباتِكم وتَصِلُوا أرْحامَكم، ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قاسِمٍ.
وَعَلَيْهِ أيْضًا فَلا إشْكالَ، لِأنَّ صِلَةَ الإنْسانِ رَحِمَهُ لَيْسَتْ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ، فَقَدْ عَلِمْتَ الصَّحِيحَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وظَهَرَ لَكَ رَفْعُ الإشْكالِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.
وَأمّا القَوْلُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧]، فَهو ضَعِيفٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
سبأ 34:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] .
سبأ 34:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، في مَعْرِضِ بَيانِ حُجَجِ الظّاهِرِيَّةِ في دَعْواهم مَنعَ الِاجْتِهادِ.
سبأ 34:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ الإيمانَ لا يَنْفَعُهم لِفَواتِ وقْتِ نَفْعِهِ، الَّذِي هو مُدَّةُ دارِ الدُّنْيا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣] . وفي سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى في (p-٢٧٥)هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، أنّى تَدَلُّ عَلى كَمالِ الِاسْتِبْعادِ هُنا، و التَّناوُشُ: التَّناوُلُ، وقالَ بَعْضُهم: هو خُصُوصُ التَّناوُلِ السَّهْلِ لِلشَّيْءِ القَرِيبِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يُسْتَبْعَدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ ويَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ، أنْ يَتَناوَلَ الكُفّارُ الإيمانَ النّافِعَ في الآخِرَةِ بَعْدَما ضَيَّعُوا ذَلِكَ وقْتَ إمْكانِهِ في دارِ الدُّنْيا، وقِيلَ الِاسْتِبْعادُ لِرَدِّهِمْ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى لِيُؤْمِنُوا، والأوَّلُ أظْهَرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: وقالُوا آمَنّا بِهِ، ومَن أرادَ تَناوُلَ شَيْءٍ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فاطر 35:1
(p-٢٧٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فاطِرٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ الآيَةَ.
الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: جَمِيعُ المَحامِدِ ثابِتٌ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا، وقَدْ أثْنى جَلَّ وعَلا عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الحَمْدِ العَظِيمِ مُعَلِّمًا خَلْقَهُ في كِتابِهِ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، مُقْتَرِنًا بِكَوْنِهِ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وما ذَكَرَ مَعَهُ يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ لِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، مَعَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ فَهو بِخَلْقِهِما مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ، ولِإنْعامِهِ عَلى الخَلْقِ بِهِما، وكَوْنِ خَلْقِهِما جامِعًا بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الحَمْدَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، جاءَتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ. أمّا كَوْنُ ذَلِكَ يَسْتَوْجِبُ حَمْدَ اللَّهِ لِعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِكُلِّ ثَناءٍ جَمِيلٍ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١]،
• وقَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”سَبَأٍ“: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: رَبِّ العالَمِينَ، بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]،
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨١ - ١٨٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [الزمر: ٧٥]
وَأمّا اسْتِحْقاقُهُ لِلْحَمْدِ عَلى خَلْقِهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لِما في ذَلِكَ مِن إنْعامِهِ عَلى بَنِي آدَمَ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْعَمَ عَلى خَلْقِهِ، بِأنْ (p-٢٧٧)سَخَّرَ لَهم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَعْنى تَسْخِيرِ ما في السَّماواتِ لِأهْلِ الأرْضِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ومُبْدِعِهِما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أنا فَطَرْتُها، أيْ: بَدَأْتُها.
فاطر 35:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ما يَفْتَحُهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ كائِنًا ما كانَ أنْ يُمْسِكَهُ عَنْهم، وما يُمْسِكُهُ عَنْهم مِن رَحِمَتِهِ وإنْعامِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِمْ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ، والرَّحْمَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ عامَّةٌ في كُلِّ ما يَرْحَمُ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ مِنَ الإنْعامِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، كَفَتْحِهِ لَهم رَحْمَةَ المَطَرِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقَوْلُهُ (p-٢٧٨)تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢٨]، ومِن رَحْمَتِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ، وإنْزالُ الكُتُبِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦٥] .
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ الآيَةَ [الفتح: ١١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، و ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ [فاطر: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ شُرْطِيَّةٌ، وفَتْحُ الشَّيْءِ التَّمْكِينُ مِنهُ وإزالَةُ الحَواجِزِ دُونَهُ، والإمْساكُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
فاطر 35:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ . الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، إنْكارِيٌّ فَهو مُضَمَّنٌ مَعْنى النَّفْيِ.
والمَعْنى: لا خالِقَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، والخالِقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] . وفي سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الرّازِقُ وحْدَهُ، وأنَّ الخَلْقَ في غايَةِ الِاضْطِرارِ إلَيْهِ تَعالى.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، (p-٢٧٩)وَقَوْلِهِ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
فاطر 35:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَسْلِيَتِهِ ﷺ، بِأنَّ ما لاقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لاقاهُ الرُّسُلُ الكِرامُ مِن قَوْمِهِمْ قَبْلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
فاطر 35:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الكَهْفِ“: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] .
فاطر 35:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . وفي ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
فاطر 35:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ إحْياءَهُ تَعالى الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها المُشاهَدِ في دارِ الدُّنْيا بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ، قَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في مَواضِعَ (p-٢٨٠)كَثِيرَةٍ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، و ”النَّحْلِ“، و ”الأنْبِياءِ“ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإحالَةُ عَلَيْهِ مِرارًا.
فاطر 35:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَإنَّها جَمِيعَها لِلَّهِ وحْدَهُ، فَلْيَطْلُبْها مِنهُ ولِيَتَسَبَّبْ لِنَيْلِها بِطاعَتِهِ جَلَّ وعَلا، فَإنَّ مَن أطاعَهُ أعْطاهُ العِزَّةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيَنالُوا العِزَّةَ بِعِبادَتِها، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ، فَإنَّهم في ضَلالٍ وعَمًى عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ العِزَّةَ مِن مَحَلِّ الذُّلِّ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]،
والعِزَّةُ: الغَلَبَةُ والقُوَّةُ. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُحْتَشى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزِيزا
أيْ: مَن غَلَبَ اسْتَلَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، أيْ: غَلَبَنِي وقَوِيَ عَلَيَّ في الخُصُومَةِ.
وَقَوْلُ مِن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾، أيْ: يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ لِمَنِ العِزَّةُ أصْوَبُ مِنهُ ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ الآيَةَ. قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، مَعَ إعْرابِ السَّيِّئاتِ.
(p-٢٨١)وَقَدْ قَدَّمْنا في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مِن مَكْرِهِمُ السَّيِّئاتِ كُفْرَهم بِاللَّهِ وأمْرَهم أتْباعَهم بِهِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ [نوح: ٢٢ - ٢٣]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فاطر 35:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]، مَعَ بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ ”الأحْزابِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] . وفي سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٧٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فاطِرٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”عُمُرِهِ“ يَظْهَرُ رُجُوعُهُ إلى المُعَمَّرِ، فَيُشْكِلُ مَعْنى الآيَةِ، لِأنَّ المُعَمَّرَ والمَنقُوصَ مَن عُمْرِهِ ضِدّانِ، فَيَظْهَرُ تَنافِي الضَّمِيرِ ومُفَسِّرِهِ.
والجَوابُ أنَّ المُرادَ بِالمُعَمَّرِ هُنا جِنْسُ المُعَمَّرِ الَّذِي هو مُطْلَقُ الشَّخْصِ، فَيَصْدُقُ بِالَّذِي لَمْ يُنْقَصْ مِن عُمُرِهِ، وبِالَّذِي نَقَصَ مِن عُمُرِهِ، فَصارَ المَعْنى: لا يُزادُ في عُمُرِ شَخْصٍ ولا يَنْقُصُ مِن عُمُرِ شَخْصٍ إلّا في كِتابٍ.
وَهَذِهِ المَسْألَةُ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِمَسْألَةِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ لا عَلى العَيْنِ، لِأنَّ طَوِيلَ العُمُرِ في الكِتابِ وفي عِلْمِ اللَّهِ لا يَنْقُصُ مِن عُمُرِهِ، وإنَّما عادَ الضَّمِيرُ عَلى الجِنْسِ، انْتَهى مِنهُ.
فاطر 35:12
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ . تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ . قَدْ تُقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ مَعَ بَسْطِ أحْكامٍ فِقْهِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في (p-٢٨٢)الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤] .
وَتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] . أنَّ قَوْلَهُ في آيَةِ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾، دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ واضِحٌ عَلى بُطْلانِ دَعْوى مَنِ ادَّعى مِنَ العُلَماءِ أنَّ اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ لا يَخْرُجانِ إلّا مِنَ البَحْرِ المِلْحِ خاصَّةً.
فاطر 35:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]، وفي غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ.
فاطر 35:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وأنَّ خَلْقَهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ، أيْ: فَهو يَأْمُرُهم ويَنْهاهم لا لِيَنْتَفِعَ بِطاعَتِهِمْ، ولا لِيَدْفَعَ الضُّرَّ بِمَعْصِيَتِهِمْ، بَلِ النَّفْعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ لَهم، وهو جَلَّ وعَلا الغَنِيُّ لِذاتِهِ الغِنى المُطْلَقَ.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، جاءَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [محمد: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ عِظَمَ افْتِراءِ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقَدْ هَدَّدَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
فاطر 35:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٢] .
فاطر 35:18
(p-٢٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ الجَوابِ عَنْ بَعْضِ الأسْئِلَةِ الوارِدَةِ عَلى الآيَةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إنْذارَهُ ﷺ مَحْصُورٌ في الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وأقامُوا الصَّلاةَ، وهَذا الحَصْرُ الإضافِيُّ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالإنْذارِ، وغَيْرُ المُنْتَفِعِ بِالإنْذارِ كَأنَّهُ هو والَّذِي لَمْ يُنْذَرْ سَواءٌ، بِجامِعِ عَدَمِ النَّفْعِ في كُلٍّ مِنهُما.
وَهَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ الآيَةَ [يس: ١٠ - ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]، ويُشْبِهُ مَعْنى ذَلِكَ في الجُمْلَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الإنْذارِ وأنْواعَهُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] .
فاطر 35:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٤] .
فاطر 35:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ . (p-٢٨٤)الأحْياءُ هُنا: المُؤْمِنُونَ، و الأمْواتُ: الكُفّارُ؛ فالحَياةُ هُنا حَياةُ إيمانٍ، والمَوْتُ مَوْتُ كُفْرٍ.
وَهَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمُشْرِكُونَ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فَقَوْلُهُ: أوَ مَن كانَ مَيْتًا، أيْ: مَوْتَ كُفْرٍ فَأحْيَيْناهُ حَياةَ إيمانٍ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، فَيُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾، أيْ - وهي حَياةُ إيمانٍ - إنَّ الكافِرِينَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وقَدْ أطْبَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]، أنَّ المَعْنى: والكُفّارُ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا مُوَضَّحًا بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ وما جاءَ في سَماعِ المَوْتى في سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] .
فاطر 35:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنَزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ﴿وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الرُّومِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٢]، وبَيَّنّا هُناكَ دَلالَةَ الآياتِ عَلى أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو المُؤَثِّرُ وحْدَهُ، وأنَّ الطَّبائِعَ لا تَأْثِيرَ لَها إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.
فاطر 35:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ نَظائِرِها مِن آياتِ الرَّجاءِ اسْتِطْرادًا، وذَكَرْنا مَعْنى الظّالِمِ والمُقْتَصِدِ والسّابِقِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الظّالِمِ عَلَيْهِما بِالوَعْدِ في الجَنّاتِ في سُورَةِ ”النُّورِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى﴾ الآيَةَ [النور: ٢٢] .
(p-٢٨٥)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ قَدْ قَدَّمْناهُ مَعَ الآياتِ المُماثِلَةِ، والمُشابِهَةِ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ .
فاطر 35:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣] .
فاطر 35:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] . وفي سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦] .
فاطر 35:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحَجِّ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] .
فاطر 35:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥٧] .
فاطر 35:43
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ .
يَدُلُّ عَلى أنَّ المَكْرَ هُنا شَيْءٌ غَيْرَ السَّيِّئِ أُضِيفَ إلى السَّيِّئِ لِلُزُومِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادِ بِالمُنْكَرِ هُنا هو السَّيِّئُ بِعَيْنِهِ لا شَيْءَ آخَرَ، فالتَّنافِي بَيْنَ التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ والتَّرْكِيبِ التَّقْيِيدِيِّ ظاهِرٌ.
والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ جَوازُ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ، لِأنَّ المُغايَرَةَ بَيْنَ الألْفاظِ رُبَّما كَفَتْ في المُغايَرَةِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، كَما جَزَمَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وَيُشِيرُ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٣٧٦)
؎وَإنْ يَكُونا مُفْرَدَيْنِ فَأضِفْ حَتْمًا وإلّا أتْبِعِ الَّذِي رَدِفْ
وَأمّا قَوْلُهُ:
؎وَلا يُضافُ اسْمٌ لِما بِهِ اتَّحَدْ ∗∗∗ مَعْنًى وأوِّلْ مُوهِمًا إذا ورَدْ
فالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ بَعْدَ البَحْثِ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ في القُرْءانِ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ العَرَبِيَّةِ بِدَلِيلِ كَثْرَةِ وُرُودِهِ، كَقَوْلِهِ هُنا ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ والمَكْرُ هو السَّيِّئُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ﴾ الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿والدّارُ الآخِرَةُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، والدّارُ هي الآخِرَةُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والشَّهْرُ هو رَمَضانُ عَلى التَّحْقِيقِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحَبْلُ هو الوَرِيدُ.
وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎وَمِشَكِّ سابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَها ∗∗∗ بِالسَّيْفِ عَنْ حامِي الحَقيقَةِ مُعْلِمِ
فَأصْلُ المِشَكِّ بِالكَسْرِ السَّيْرُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الدِّرْعُ، ولَكِنَّ عَنْتَرَةَ هُنا أرادَ بِهِ نَفْسَ الدِّرْعِ وأضافَهُ إلَيْها، كَما هو واضِحٌ مِن كَلامِهِ، لِأنَّ الحُكْمَ بِهَتْكِ الفُرُوجِ واقِعٌ عَلى الدِّرْعِ لا عَلى السَّيْرِ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ، كَما جَزَمَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو ظاهِرٌ خِلافًا لِظاهِرِ كَلامِ صاحِبِ تاجِ العَرُوسِ، فَإنَّهُ أوْرَدَ بَيَّتَ عَنْتَرَةَ شاهِدًا لِأنَّ المِشَكَّ السَّيْرُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الدِّرْعُ، بَلِ المِشَكُّ في بَيْتِ عَنْتَرَةَ هَذا عَلى التَّحْقِيقِ هو السّابِغَةُ وأُضِيفَ إلَيْها عَلى ما ذَكَرْنا، وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرَ المُحَلَّلِ
فالبِكْرُ هي المُقاناةُ عَلى التَّحْقِيقِ، وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ فالجَوابُ تَأْوِيلُ المُضافِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ مُسَمّى المُضافِ إلَيْهِ.
فاطر 35:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ وشَواهِدَهُ العَرَبِيَّةَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦١] .
يس 36:1
(p-٢٨٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يس﴾ . التَّحْقِيقُ إنَّهُ مِن جُمْلَةِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، والياءُ المَذْكُورَةُ فِيهِ ذُكِرَتْ في فاتِحَةِ سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، والسِّينُ المَذْكُورَةُ فِيهِ ذُكِرَتْ في أوَّلِ ”الشُّعَراءِ“ و ”القَصَصِ“، في قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] وفي أوَّلِ ”النَّمْلِ“، في قَوْلِهِ: ﴿طس﴾ [النمل: ١]، وفي أوَّلِ ”الشُّورى“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“ .
يس 36:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . قَدْ بَيَّنّا أنَّ مُوجِبَ التَّوْكِيدِ لِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، هو إنْكارُ الكُفّارِ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣]، في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] .
يس 36:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ . لَفْظَةُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾، قِيلَ: نافِيَةٌ، وهو الصَّحِيحُ. وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وعَلَيْهِ فَهو المَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا دَلالَةَ الآياتِ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وأنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَرْتِيبُهُ بِالفاءِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿فَهم غافِلُونَ﴾؛ لِأنَّ كَوْنَهم غافِلِينَ يُناسِبُ عَدَمَ الإنْذارِ لا الإنْذارَ، وهَذا هو الظّاهِرُ مَعَ آياتٍ أُخَرَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ؛ كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ كُلَّهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
يس 36:7
(p-٢٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٥]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ الآيَةَ [القصص: ٦٣] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، والكَلِمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ والكَلِمَةِ أوِ الكَلِماتِ عَلى قِراءَةِ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، كَما دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”السَّجْدَةِ“: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في أُخْرَياتِ ”ص“: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ النّاسِ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ، كَما دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، [يوسف: ١٠٣] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٦] .
(p-٢٨٨)وَبَيَّنّا بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“: أنَّ نَصِيبَ النّارِ مِنَ الألْفِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ وتِسْعُمِائَةٍ، وأنَّ نَصِيبَ الجَنَّةِ مِنها واحِدٌ.
يس 36:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ . الأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ وهو الَّذِي يَجْمَعُ الأيْدِي إلى الأعْناقِ. والأذْقانُ: جَمْعُ ذَقَنٍ وهو مُلْتَقى اللَّحْيَيْنِ. والمُقْمَحُ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وهو الرّافِعُ رَأْسَهُ. والسَّدُّ بِالفَتْحِ والضَّمِّ: هو الحاجِزُ الَّذِي يَسُدُّ طَرِيقَ الوُصُولِ إلى ما وراءَهُ.
وَقَوْلُهُ: فَأغْشَيْناهم، أيْ: جَعَلَنا عَلى أبْصارِهِمُ الغِشاوَةَ، وهي الغِطاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلى العَيْنِ يَمْنَعُها مِنَ الإبْصارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقَوْلُ الشّاعِرِ وهو الحارِثُ بْنُ خالِدِ بْنِ العاصِ:
؎هَوَيْتُكِ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي ألُومُها
والمُرادُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ الأشْقِياءَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ في عِلْمِ اللَّهِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ صَرْفًا عَظِيمًا مانِعًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن جُعِلَ في عُنُقِهِ غُلٌّ، وصارَ الغُلُّ إلى ذَقَنِهِ، حَتّى صارَ رَأْسُهُ مَرْفُوعًا لا يَقْدِرُ أنْ يُطَأْطِئَهُ، وجَعَلَ أمامَهُ سَدًّا، وخَلْفَهُ سَدًّا، وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ الغِشاوَةَ لا حِيلَةَ لَهُ في التَّصَرُّفِ، ولا في جَلْبِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ، ولا في دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فالَّذِينَ أشْقاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَصِلُ إلَيْهِمْ خَيْرٌ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِ جَلَّ وعَلا يَصْرِفُ الأشْقِياءَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ في عِلْمِهِ عَنِ الحَقِّ ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، (p-٢٨٩)
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] .
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا الطَّبْعَ والخَتْمَ عَلى القُلُوبِ، وكَذَلِكَ الأغْلالُ في الأعْناقِ، والسَّدُّ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومَن خَلْفِهِمْ، أنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المَوانِعِ المانِعَةِ مِنَ الإيمانِ، ووُصُولِ الخَيْرِ إلى القُلُوبِ أنَّ اللَّهَ إنَّما جَعَلَها عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُسارَعَتِهِمْ لِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، والتَّمادِي عَلى الكُفْرِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِطَمْسِ البَصائِرِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ والطَّبْعِ عَلَيْها، والغِشاوَةِ عَلى الأبْصارِ؛ لِأنَّ مِن شُؤْمِ السَّيِّئاتِ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يُعاقِبُ صاحِبَها عَلَيْها بِتَمادِيهِ عَلى الشَّرِّ، والحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَيْرِ جَزاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلى كُفْرِهِ جَزاءً وِفاقًا.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، فالباءُ سَبَبِيَّةٌ. وفي الآيَةِ تَصْرِيحٌ مِنهُ تَعالى أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ هو كُفْرُهم؛
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]، ومَعْلُومٌ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، أيْ: فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ذَلِكَ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ شُؤْمَ السَّيِّئاتِ يَجُرُّ صاحِبَهُ إلى التَّمادِي في السَّيِّئاتِ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ ذَلِكَ، أنَّ فِعْلَ الخَيْرِ يُؤَدِّي إلى التَّمادِي في فِعْلِ الخَيْرِ، وهو كَذَلِكَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقَوْلُهُ (p-٢٩٠)تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾، أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الأغْلالُ الَّتِي يُعَذَّبُونَ بِها في الآخِرَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢]، خِلافَ التَّحْقِيقِ، بَلِ المُرادُ بِجَعْلِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ، وما ذُكِرَ مَعَهُ في الآيَةِ هو صَرْفُهم عَنِ الإيمانِ والهُدى في دارِ الدُّنْيا؛ كَما أوْضَحْنا. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: سَدًّا، بِالفَتْحِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناهُما واحِدٌ عَلى الصَّوابِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
يس 36:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ . تَقَدَّمَ إيضاحُهُ مَعَ نَظائِرِهِ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ١٨] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ الآيَةَ.
ظاهِرُها خُصُوصُ الإنْذارِ بِالمُنْتَفِعِينَ بِهِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى عُمُومِ الإنْذارِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ ٢٥ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ الجَمْعِ بِأنَّ الإنْذارَ في الحَقِيقَةِ عامٌّ، وإنَّما خُصَّ في بَعْضِ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ لِبَيانِ أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [ ٥١ ] .
وَبَيَّنَ أنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إيمانِ الأشْقِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
يس 36:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أرْبَعَةَ أشْياءَ:
الأوَّلَ: أنَّهُ يُحْيِي المَوْتى، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ مُتَكَلِّمًا عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ.
الثّانِيَ: أنَّهُ يَكْتُبُ ما قَدَّمُوا في دارِ الدُّنْيا.
الثّالِثَ: أنَّهُ يَكْتُبُ آثارَهم.
الرّابِعَ: أنَّهُ أحْصى كُلَّ شَيْءٍ ﴿فِي إمامٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: في كِتابٍ بَيِّنٍ واضِحٍ، وهَذِهِ الأشْياءُ الأرْبَعَةُ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا الأوَّلُ مِنها وهو كَوْنُهُ يُحْيِي المَوْتى بِالبَعْثِ، فَقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
(p-٢٩١)وَقَدْ قَدَّمْناها بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وسُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى بَراهِينِ البَعْثِ، وقَدَّمْنا الإحالَةَ عَلى ذَلِكَ مِرارًا.
وَأمّا الثّانِي مِنها وهو كَوْنُهُ يَكْتُبُ ما قَدَّمُوا في دارِ الدُّنْيا، فَقَدْ جاءَ في آياتٌ كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] .
وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .
وَأمّا الثّالِثُ مِنها وهو كَوْنُهم تُكْتَبُ آثارُهم، فَقَدْ ذُكِرَ في بَعْضِ الآياتِ أيْضًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: وآثارَهم، فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ.
الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ مَعْنى ما قَدَّمُوا: ما باشَرُوا فِعْلَهُ في حَياتِهِمْ، وأنَّ مَعْنى آثارَهَمْ: هو ما سَنُّوهُ في الإسْلامِ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ، فَهو مِن آثارِهِمُ الَّتِي يُعْمَلُ بِها بِعَدَهم.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى آثارَهم: خُطاهم إلى المَساجِدِ ونَحْوُها مِن فِعْلِ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ خُطاهم إلى الشَّرِّ، كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”يا بَنِي سَلِمَةَ دِيارَكم تُكْتَبُ آثارُكم“، يَعْنِي: خُطاكم مِن بُيُوتِكم إلى مَسْجِدِهِ ﷺ .
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فاللَّهُ جَلَّ وعَلا قَدْ نَصَّ عَلى أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَ مَن أضَلُّوهم وسَنُّوا لَهُمُ السُّنَنَ السَّيِّئَةَ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] .
وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥] (p-٢٩٢)وَذَكَرْنا حَدِيثَ جَرِيرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في إيضاحِ ذَلِكَ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مُؤاخَذَةِ الإنْسانِ بِما عُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ مِمّا سَنَّهُ مِن هُدًى أوْ ضَلالَةٍ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى بِما قَدَّمَ: مُباشِرًا لَهُ، وأخَّرَ: مِمّا عُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ مِمّا سَنَّهُ مِن هُدًى أوْ ضَلالٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]، عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ.
وَأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي: وهو أنَّ مَعْنى آثارَهم: خُطاهم إلى المَساجِدِ ونَحْوُها، فَقَدْ جاءَ بَعْضُ الآياتِ دالًّا عَلى ذَلِكَ المَعْنى؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ تُكْتَبَ لَهم خُطاهُمُ الَّتِي قَطَعُوا بِها الوادِيَ في غَزْوِهِمْ.
وَأمّا الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾، فَقَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى الأمْرِ الثّانِي، وهو كِتابَةُ جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي قَدَّمُوها بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ خُصُوصُ الأعْمالِ.
وَأمّا عَلى فَرْضِ كَوْنِهِ عامًّا، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وهو أصَحُّ القَوْلَيْنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
يس 36:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ الكُفّارِ: ﴿وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾، قَدْ بَيَّنَ أنَّهم قَدْ قالُوا ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الملك: ٨ - ٩]، (p-٢٩٣)وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ أنْكَرُوا إنْزالَ اللَّهِ الوَحْيَ كَهَؤُلاءِ أنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، أيْ: لَنْ يُعَظِّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] .
يس 36:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وذَكَرْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٧] .
يس 36:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] .
يس 36:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . قَوْلُهُ: فَطَرَنِي، مَعْناهُ: خَلَقَنِي وابْتَدَعَنِي، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“ .
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ ثَبْتَ لِي يَمْنَعُنِي مِن أنْ أعْبُدَ الَّذِي خَلَقَنِي، وابْتَدَعَنِي، وأبْرَزَنِي مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الَّذِي يَخْلُقُ هو وحْدَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وفي سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦] .
يس 36:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . (p-٢٩٤)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى: أأتَّخِذُ لِلْإنْكارِ، وهو مُضَمَّنٌ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ مَعْبُوداتٍ، إنْ أرادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ لا تَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنِّي، ولا تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَنِي مِن كَرْبٍ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن عَدَمِ فائِدَةِ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾، أيْ: لا شَفاعَةَ لَهم أصْلًا حَتّى تُغْنِيَ شَيْئًا، ونَحْوُ هَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ إذا سافَهُ العُودُ النَّباطِيُّ جَرْجَرا
فَقَوْلُهُ: لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ، أيْ: لا مَنارَ لَهُ أصْلًا حَتّى يُهْتَدى بِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ
أيْ: لا أرْنَبَ فِيها، حَتّى تُفْزِعَها أهْوالُها، ولا ضَبَّ فِيها حَتّى يَنْجَحِرَ، أيْ: يَتَّخِذُ جُحْرًا.
وَهَذا المَعْنى هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المَنطِقِيِّينَ، بِقَوْلِهِمِ: السّالِبَةُ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ؛ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
يس 36:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . (p-٢٩٥)بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ العِبادَ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِتَكْذِيبِهِ، بَلْ جامِعِينَ مَعَهُ الِاسْتِهْزاءَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾، نَصٌّ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِ الأُمَمِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، مِن أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ إذا زِيدَتْ قَبْلَها مِن، فَهي نَصٌّ صَرِيحٌ في عُمُومِ النَّفْيِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ.
وَهَذا العُمُومُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، وجاءَ في بَعْضِ الآياتِ إخْراجُ أُمَّةٍ واحِدَةٍ عَنْ حُكْمِ هَذا العُمُومِ بِمُخَصَّصٍ مُتَّصِلٍ، وهو الِاسْتِثْناءُ.
فَمِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِهَذا العُمُومِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٤٤] .
وَقَدَّمْنا طَرَفًا مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٣] .
وَأمّا الأُمَّةُ الَّتِي أُخْرِجَتْ مِن هَذا العُمُومِ فَهي أُمَّةُ يُونُسَ، والآيَةُ الَّتِي بَيَّنَتْ ذَلِكَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهُمْ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨]، والحَسْرَةُ أشَدُّ النَّدامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مُنادًى عامِلٌ في المَجْرُورِ بَعْدَهُ، فَأشْبَهَ المُنادى المُضافَ.
والمَعْنى: ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ تَعالِي واحْضُرِي فَإنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ هو أعْظَمُ المُوجِباتِ لِحُضُورِكِ.
يس 36:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾
(p-٢٩٦)قَدْ قَدَّمْنا أنَّ إحْياءَ الأرْضِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ، بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى البَعْثِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وأوْضَحْنا في المَواضِعِ المَذْكُورَةِ، بَقِيَّةَ بَراهِينِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
يس 36:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآيَةَ [النحل: ١٤] .
يس 36:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ذَمَّ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الكُفّارَ بِإعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، جاءَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤ - ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ ”يُوسُفَ“: ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٣ - ١٤]،
وأصْلُ الإعْراضِ مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِالضَّمِّ، وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ يُوَلِّيهِ بِجانِبِ عُنُقِهِ صادًّا عَنْهُ.
يس 36:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ، والصُّورُ قَرْنٌ مِن نُورٍ يَنْفُخُ فِيهِ المَلَكُ نَفْخَةَ البَعْثِ، وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، وإذا نَفَخَها قامَ جَمِيعُ أهْلِ القُبُورِ مِن قُبُورِهِمْ، أحْياءً إلى الحِسابِ والجَزاءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾، جَمْعُ جَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو القَبْرُ، وقَوْلُهُ: (p-٢٩٧)يَنْسِلُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ في المَشْيِ مِنَ القُبُورِ إلى المَحْشَرِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا﴾ الآيَةَ [ق: ٤٤]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الآيَةَ [القمر: ٧]، وقَوْلُهُ: مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي، أيْ: مُسْرِعِينَ مادِّي أعْناقِهِمْ عَلى أشْهَرِ التَّفْسِيرَيْنِ، ومِن إطْلاقِ نَسَلَ بِمَعْنى أسْرَعَ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، وقَوْلُ لَبِيدٍ:
؎عَسَلانُ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا، بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ أهْلَ القُبُورِ يَقُومُونَ أحْياءً عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]، وهَذِهِ الصَّيْحَةُ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]، أيِ: الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ.
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]،
والزَّجْرَةُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. والسّاهِرَةُ: وجْهُ الأرْضِ والفَلاةُ الواسِعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎يَرْتَدْنَ ساهِرَةً، كَأنَّ جَمِيمَها ∗∗∗ وعَمِيمَها أسْدافُ لَيْلٍ مُظْلِمِ
وَقَوْلُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ:
؎وَساهِرَةٍ يَضْحى السَّرابُ مُجَلِّلًا ∗∗∗ لِأقْطارِها قَدْ جِئْتُها مُتَلَثِّما
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
يس 36:52
(p-٢٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الرُّومِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٥٦] .
يس 36:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وأوْضَحْنا فِيهِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ النُّظُمِ الوَضْعِيَّةِ، وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
يس 36:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ . قَوْلُهُ: جِبِلًّا كَثِيرًا، أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤]، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن كَوْنِ الشَّيْطانِ أضَلَّ خَلْقًا كَثِيرًا مِن بَنِي آدَمَ جاءَ مَذْكُورًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، أيْ: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ أيُّها الشَّياطِينُ، مِن إضْلالِ الإنْسِ، وقَدْ قالَ إبْلِيسُ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الظَّنَّ الَّذِي ظَنَّهُ بِهِمْ مِن أنَّهُ يُضِلُّهم جَمِيعًا إلّا القَلِيلَ صَدَّقَهُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وعاصِمٌ: جِبِلًّا بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: جُبُلًا، بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: جُبْلًا، بِضَمِّ الجِيمِ وتَسْكِينِ الباءِ مَعَ تَخْفِيفِ اللّامِ، وجَمِيعُ القِراءاتِ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا.
يس 36:65
(p-٢٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن شَهادَةِ بَعْضِ جَوارِحِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النُّورِ“: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وقَوْلِهِ تَعالى في ”فُصِّلَتْ“: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠ - ٢١] . وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .
وَبَيَّنّا هُناكَ أنَّ آيَةَ ”يس“ هَذِهِ تُوَضِّحُ الجَمْعَ بَيْنَ الآياتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] مَعَ قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
يس 36:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾، أيْ: نُقَلِّبُهُ فِيهِ، فَنَخْلُقُهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ أنا خَلَقْناهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدِهِ، وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ، ويَرْتَقِي مِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ، ويَسْتَكْمِلَ قُوَّتَهُ ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ، فَإذا انْتَهى نَكَّسْناهُ في الخَلْقِ، فَجَعَلْناهُ يَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصَّبِيِّ في ضَعْفِ جَسَدِهِ، وقِلَّةِ عَقْلِهِ، وخُلُوِّهِ مِنَ العِلْمِ. وأصْلُ مَعْنى التَّنْكِيسِ: جَعْلُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ الآيَةَ [الروم: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ الآيَةَ [التين: ٤ - ٥]، عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ.
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الحَجِّ“: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”النَّحْلِ“: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] .
(p-٣٠٠)
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: نُنَكِّسْهُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى، وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الكافِ المَكْسُورَةِ، مِنَ التَّنْكِيسِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، وإسْكانِ الثّانِيَةِ، وضَمِّ الكافِ مُخَفَّفَةً مُضارِعُ نَكَسَهُ المُجَرَّدِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ الباقُونَ: أفَلا يَعْقِلُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ.
يس 36:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤]، وذَكَرْنا الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِذَلِكَ هُناكَ.
يس 36:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] . وفي سُورَةِ ”فاطِرٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] .
يس 36:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] .
يس 36:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ و ”النَّحْلِ“، مَعَ بَيانِ بَراهِينِ البَعْثِ.
يس 36:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ لا تُنافِي مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ في إطْلاقِ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى المَوْجُودِ دُونَ المَعْدُومِ، وقَدْ قَدَّمْنا القِراءَتَيْنِ وتَوْجِيهَهُما في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هُناكَ.
الصافات 37:1
(p-٣٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصّافّاتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ . أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ: الصّافّاتِ هُنا، و الزّاجِراتِ، و التّالِياتِ: جَماعاتُ المَلائِكَةِ، وقَدْ جاءَ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأنَّهم صافُّونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]، ومَعْنى كَوْنِهِمْ صافِّينَ: أنْ يَكُونُوا صُفُوفًا مُتَراصِّينَ بَعْضُهم جَنْبَ بَعْضٍ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، مِن صَلاةٍ وغَيْرِها. وقِيلَ: لِأنَّهم يَصُفُّونَ أجْنِحَتَهم في السَّماءِ، يَنْتَظِرُونَ أمْرَ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ ”المائِدَةِ“ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ لَنا تُرْبَتُها طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» وهو دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ يَصُفُّونَ كَصُفُوفِ المُصَلِّينَ في صَلاتِهِمْ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُلْقُونَ الذِّكْرَ عَلى الأنْبِياءِ، لِأجْلِ الإعْذارِ والإنْذارِ بِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [الملك: ٥ - ٦] فَقَوْلُهُ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾؛ لِأنَّ الذِّكْرَ الَّذِي تَتْلُوهُ تُلْقِيهِ إلى الأنْبِياءِ، كَما كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى الجَمِيعِ، وقَوْلُهُ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾، أيْ: لِأجْلِ الإعْذارِ والإنْذارِ، أيْ: بِذَلِكَ الذِّكْرِ الَّذِي نَتْلُوهُ وتُلْقِيهِ، والإعْذارُ: قَطْعُ العُذْرِ بِالتَّبْلِيغِ.
والإنْذارُ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وبَيَّنّا أنْواعَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ، وقِيلَ: تَزْجُرُ الخَلائِقَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ بِالذِّكْرِ الَّذِي تَتْلُوهُ، وتُلْقِيهِ إلى الأنْبِياءِ.
(p-٣٠٢)وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الصّافّاتِ و الزَّجِراتِ و التّالِياتِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ هي جَماعاتُ المَلائِكَةِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ؛ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما. وزادُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ مِمَّنْ قالَ بِهِ: مَسْرُوقًا والسُّدِّيَّ والرَّبِيعَ بْنَ أنَسٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الصّافّاتِ في الآيَةِ الطَّيْرُ تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ، واسْتَأْنَسَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ الآيَةَ [النور: ٤١] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِـ: الصّافّاتِ جَماعاتُ المُسْلِمِينَ يَصُفُّونَ في مَساجِدِهِمْ لِلصَّلاةِ، ويَصُفُّونَ في غَزْوِهِمْ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ أيْضًا: المُرادُ بِـ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾، و ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾: جَماعاتُ العُلَماءِ العامِلِينَ يُلْقُونَ آياتِ اللَّهِ عَلى النّاسِ، ويَزْجُرُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ بِآياتِهِ، ومَواعِظِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ.
وَقالَ بَعْضُهُمِ: المُرادُ بِـ: ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾: جَماعاتُ الغُزاةِ يَزْجُرُونَ الخَيْلَ لِتُسْرِعَ إلى الأعْداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ وأكْثَرُ قائِلًا. ووَجْهُ تَوْكِيدِهِ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾، بِهَذِهِ الأقْسامِ، وبِأنَّ واللّامِ هو أنَّ الكُفّارَ أنْكَرُوا كَوْنَ الإلَهِ واحِدًا إنْكارًا شَدِيدًا وتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ تَعَجُّبًا شَدِيدًا؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾، فَكَوْنُهُ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي جَعَلَ فِيها المَشارِقَ والمَغارِبَ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ.
وَهَذا البُرْهانُ القاطِعُ الَّذِي أقامَهُ هُنا عَلى أنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، أقامَهُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فَقَدْ أقامَ البُرْهانَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ مُتِّصِلًا بِهِ: (p-٣٠٣)﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: ما حُكْمُ الفاءِ إذا جاءَتْ عاطِفَةً في الصِّفاتِ ؟ قُلْتُ: إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ؛ كَقَوْلِهِ:
؎يا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحارِثِ الـ صّابِحِ فالغانِمِ فالآئِبِ
كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأكْمَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ. وإمّا عَلى تَرَتُّبِ مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، فَعَلى هَذِهِ القَوانِينِ الثَّلاثَةِ يَنْساقُ أمْرُ الفاءِ العاطِفَةِ في الصِّفاتِ.
فَإنْ قُلْتَ: فَعَلى أيِّ هَذِهِ القَوانِينِ هي فِيما أنْتَ بِصَدَدِهِ ؟
قُلْتُ: إنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ الصِّفاتِ في التَّفاضُلِ، وإنْ ثَلَّثْتَهُ فَهي لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ المَوْصُوفاتِ فِيهِ.
بَيانُ ذَلِكَ: أنَّكَ إذا أجْرَيْتَ هَذِهِ الأوْصافَ عَلى المَلائِكَةِ، وجَعَلْتَهم جامِعِينَ لَها فَعَطْفُها بِالفاءِ يُفِيدُ تَرَتُّبًا لَها في الفَضْلِ، إمّا أنْ يَكُونَ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ لِلزَّجْرِ ثُمَّ لِلتِّلاوَةِ. وإمّا عَلى العَكْسِ، وكَذَلِكَ إنْ أرَدْتَ العُلَماءَ وقُوّادَ الغُزاةِ. وإنْ أجْرَيْتَ الصِّفَةَ الأُولى عَلى طَوائِفَ والثّانِيَةَ والثّالِثَةَ عَلى أُخَرَ، فَقَدْ أفادَتْ تَرَتُّبَ المَوْصُوفاتِ في الفَضْلِ أعْنِي أنَّ الطَّوائِفَ الصّافّاتِ ذَواتِ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلُ، والتّالِياتُ أبْهَرُ فَضْلًا أوْ عَلى العَكْسِ، وكَذَلِكَ إذا أرَدْتَ بِالصّافّاتِ الطَّيْرَ، وبِالزّاجِراتِ كُلَّ ما يَزْجُرُ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وبِالتّالِياتِ كُلَّ نَفْسٍ تَتْلُو الذِّكْرَ، فَإنَّ المَوْصُوفاتِ مُخْتَلِفَةٌ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ هَذا نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ، والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما، ولَمْ يَتَعَقَّبُوهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَلامٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ اعْتِرافُ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ بِأنَّهُ لا يَدْرِي ما ذَكَرَهُ: هَلْ هو كَذا أوْ عَلى العَكْسِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ (p-٣٠٤)فِي أنَّهُ لَيْسَ عَلى عِلْمٍ مِمّا يَقُولُهُ؛ لِأنَّ مَن جَزَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ جَوَّزَ فِيهِ النَّقِيضَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى عِلْمٍ مِمّا جَزَمَ بِهِ.
والأظْهَرُ الَّذِي لا يَلْزَمُهُ إشْكالٌ أنَّ التَّرْتِيبَ بِالفاءِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ والإتْيانِ بِأداةِ التَّرْتِيبِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ فَقَطْ، دُونَ إرادَةِ تَرْتِيبِ الصِّفاتِ أوِ المَوْصُوفاتِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ جاءَ في القُرْآنِ في مَواضِعَ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [البلد: ١١ - ١٧]، فَلا يَخْفى أنْ ثُمَّ حَرْفُ تَرْتِيبٍ وأنَّ المُرَتَّبَ بِهِ الَّذِي هو كَوْنُهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرَتُّبَ لَهُ عَلى ما قَبْلَهُ إلّا مُطْلَقُ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥٣ - ١٥٤] كَما لا يَخْفى أنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ ذِكْرِيٌّ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ:
؎إنَّ مَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَرَبُّ المَشارِقِ﴾، لَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا المَشارِقَ وحْدَها، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها المَغارِبَ.
وَقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا ”دَفْعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“: وجْهُ اخْتِلافِ ألْفاظِ الآياتِ في ذَلِكَ، فَقُلْنا فِيهِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، ما لَفْظُهُ أُفْرِدَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، وثَنّاهُما في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، وجَمَعَهُما في سُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وجَمَعَ المَشارِقَ في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ .
(p-٣٠٥)والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] المُرادُ بِهِ جِنْسُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَهو صادِقٌ بِكُلِّ مَشْرِقٍ مِن مَشارِقِ الشَّمْسِ الَّتِي هي ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ، وكُلُّ مَغْرِبٍ مِن مَغارِبِها الَّتِي هي كَذَلِكَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ما نَصُّهُ: وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ: ولِلَّهِ المَشْرِقُ الَّذِي تُشْرِقُ مِنهُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ والمَغْرِبُ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ.
فَتَأْوِيلُهُ إذا كانَ ذَلِكَ مَعْناهُ: ولِلَّهِ ما بَيْنَ قُطْرَيِ المَشْرِقِ وقُطْرَيِ المَغْرِبِ إذا كانَ شُرُوقُ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَوْضِعٍ مِنهُ لا تَعُودُ لِشُرُوقِها مِنهُ إلى الحَوْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وكَذَلِكَ غُرُوبُها، انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، يَعْنِي مَشْرِقَ الشِّتاءِ، ومَشْرِقَ الصَّيْفِ ومَغْرِبَهُما، كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: مَشْرِقَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبَهُما.
وَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ أيْ: مَشارِقِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها كَما تَقَدَّمَ. وقِيلَ: مَشارِقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ ومَغارِبِها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الصافات 37:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦] .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٧] . وقَرَأ هَذا الحَرْفَ السَّبْعَةُ غَيْرُ عاصِمٍ وحَمْزَةُ، بِإضافَةِ زِينَةِ إلى الكَواكِبِ، أيْ: بِلا تَنْوِينٍ في زِينَةِ مَعَ خَفْضِ الباءِ في الكَواكِبِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتَنْوِينِ زِينَةٍ، وخَفْضِ الكَواكِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن زِينَةٍ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِزِينَةٍ الكَواكِبَ بِتَنْوِينِ زِينَةٍ، ونَصْبِ الكَواكِبِ، وأعْرَبَ أبُو حَيّانَ الكَواكِبَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ إعْرابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكَواكِبَ بَدَلٌ مِنَ السَّماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ﴾ [الصافات: ٦] .
والثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ: زِينَةٍ بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٤ - ١٥] .
(p-٣٠٦)والأظْهَرُ عِنْدِي: أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أعْنِي الكَواكِبَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في ”الخُلاصَةِ“:
وَيُحْذَفُ النّاصِبُها إنْ عُلِما وقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَما
الصافات 37:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٧ - ١٨] في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ .
الصافات 37:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾
ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بُرْهانَيْنِ مِن بَراهِينِ البَعْثِ، الَّتِي قَدَّمْنا أنَّها يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ.
الأوَّلُ: هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾؛ لِأنَّ مَعْنى: فاسْتَفْتِهِمْ، اسْتَخْبِرْهم والأصْلُ في مَعْناهُ: اطْلُبْ مِنهُمُ الفَتْوى، وهي الإخْبارُ بِالواقِعِ فِيما تَسْألُهم عَنْهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ: أصْعَبُ إيجادًا واخْتِراعًا، ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي أعْظَمُ وأكْبَرُ مِنهم، وهي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُعَبَّرِ عَنْ جَماعاتِهِمْ بِالصّافّاتِ، والزّاجِراتِ، والتّالِياتِ، والسَّماواتِ والأرْضِ، والشَّمْسِ والقَمَرِ، ومَرَدَةِ الشَّياطِينِ؛ كَما ذُكِرَ ذَلِكَ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٥ - ٧] .
وَجَوابُ الِاسْتِفْتاءِ المَذْكُورِ الَّذِي لا جَوابَ لَهُ غَيْرُهُ، هو أنْ يُقالَ: مَن خَلَقْتَ يا رَبَّنا مِنَ المَلائِكَةِ، ومَرَدَةِ الجِنِّ، والسَّماواتِ والأرْضِ، والمَشارِقِ، والمَغارِبِ، والكَواكِبِ، أشَدُّ خَلْقًا مِنّا؛ لِأنَّها مَخْلُوقاتٌ عِظامٌ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِنّا، فَيَتَّضِحُ بِذَلِكَ البُرْهانُ القاطِعُ عَلى قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن خَلَقَ الأعْظَمَ الأكْبَرَ كالسَّماواتِ والأرْضِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الأصْغَرَ الأقَلَّ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾، أيْ: ومَن قَدَرَ (p-٣٠٧)عَلى خَلْقِ الأكْبَرِ فَلا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأصْغَرِ، كَخَلْقِ الإنْسانِ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ المَوْتِ. وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، وقالَ تَعالى في ”النّازِعاتِ“، مُوَضِّحًا الِاسْتِفْتاءَ المَذْكُورَ في آيَةِ ”الصّافّاتِ“ هَذِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] .
وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ وجْهَ العِبارَةِ بِمَنِ الَّتِي هي لِلْعالِمِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾، عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ هو تَغْلِيبُ ما ذُكِرَ مَعَها مِنَ العالِمِ كالمَلائِكَةِ عَلى غَيْرِ العالِمِ، وذَلِكَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ.
وَأمّا البُرْهانُ الثّانِي: فَهو في قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾؛ لِأنَّ مَن خَلَقَهم أوَّلًا مَن طِينٍ، وأصْلُهُ التُّرابُ المَبْلُولُ بِالماءِ لا يَشُكُّ عاقِلٌ في قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِهِمْ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا، لِأنَّ الإعادَةَ لا يُعْقَلُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ البَدْءِ والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذَيْنَ البُرْهانَيْنِ وغَيْرِهِما مِن بَراهِينِ البَعْثِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، و ”النَّحْلِ“، و ”الحَجِّ“ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾، اللّازِبُ: هو ما يَلْزَقُ بِاليَدِ مَثَلًا إذا لاقَتْهُ، وعِباراتُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ تَدُورُ حَوْلَ ما ذَكَرْنا، والعَرَبُ تُطْلِقُ اللّازِبَ واللّاتِبَ واللّازِمَ، بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ في اللّازِبِ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎تَعْلَّمْ فَإنَّ اللَّهَ زادَكَ بَسْطَةً وأخْلاقَ خَيْرٍ كُلُّها لَكَ لازِبُ
وَقَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:(p-٣٠٨)
؎وَلا يَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ
فَقَوْلُهُ: ضَرْبَةَ لازِبِ، أيْ: شَيْئًا مُلازِمًا لا يُفارِقُ، ومِنهُ في اللّاتِبِ قَوْلُهُ:
؎فَإنَّ يَكُ هَذا مِن نَبِيذٍ شَرِبْتُهُ ∗∗∗ فَإنِّيَ مِن شُرْبِ النَّبِيذِ لَتائِبُ
؎صُداعٌ وتَوْصِيمُ العِظامِ وفَتْرَةٌ ∗∗∗ وغَمٌّ مَعَ الإشْراقِ في الجَوْفِ لاتِبُ
والبُرْهانانِ المَذْكُورانِ عَلى البَعْثِ يُلْقِمانِ الكُفّارَ حَجَرًا في إنْكارِهِمُ البَعْثَ المَذْكُورَ بِعَدِّهِما قَرِيبًا مِنهُما، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٥ ١٩] .
الصافات 37:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخُرُونَ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: عَجِبْتَ بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وهي تاءُ الخِطابِ، المُخاطَبُ بِها النَّبِيُّ ﷺ . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بَلْ عَجِبْتُ، بِضَمِّ التّاءِ وهي تاءُ المُتَكَلِّمِ، وهو اللَّهُ جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ القِراءَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ يَحْكُمُ لَهُما بِحُكْمِ الآيَتَيْنِ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فِيها إثْباتُ العَجَبِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي إذًا مِن آياتِ الصِّفاتِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا طَرِيقَ الحَقِّ الَّتِي هي مَذْهَبُ السَّلَفِ في آياتِ الصِّفاتِ، وأحادِيثِها في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
الصافات 37:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرُّومِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ . الآيَةَ [الروم: ٥٦]
الصافات 37:22
(p-٣٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ . المُرادُ بِـ: الَّذِينَ ظَلَمُوا الكُفّارُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
وَقَدْ قَدَّمْنا إطْلاقَ الظُّلْمِ عَلى الشِّرْكِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالشِّرْكِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾» [الأنعام: ٨٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأزْواجَهُمْ﴾، جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنهم: عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أشْباهُهم ونُظَراؤُهم، فَعابِدُ الوَثَنِ مَعَ عابِدِ الوَثَنِ، والسّارِقُ مَعَ السّارِقِ، والزّانِي مَعَ الزّانِي، واليَهُودِيُّ مَعَ اليَهُودِيِّ، والنَّصْرانِيُّ مَعَ النَّصْرانِيِّ، وهَكَذا وإطْلاقُ الأزْواجِ عَلى الأصْنافِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ الآيَةَ [الزخرف: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ الآيَةَ [طه: ٥٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾، أيِ: اجْمَعُوا الظّالِمِينَ وأشْباهَهم ونُظَراءَهم، فاهْدُوهم إلى النّارِ لِيَدْخُلَها جَمِيعُهم، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ بِـ أزْواجَهم نِساؤُهُمُ اللّاتِي عَلى دِينِهِمْ، خِلافَ الصَّوابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، أيِ: احْشَرُوا مَعَ الكُفّارِ الشُّرَكاءَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ لِيَدْخُلَ العابِدُونَ والمَعْبُوداتُ جَمِيعًا النّارَ؛ كَما أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩] . وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا مَن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأنْبِياءِ، والمَلائِكَةِ، والصّالِحِينَ؛ كَعِيسى وعُزَيْرٍ خارِجُونَ عَنْ هَذا، وذَلِكَ في (p-٣١٠)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وأشارَ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٥٧ - ٥٩] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاهْدُوهُمْ﴾، مِنَ الهُدى العامِّ، أيْ: دُلُّوهم وأرْشِدُوهم ﴿إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾، أيْ: طَرِيقِ النّارِ لِيَسْلُكُوها إلَيْها، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْدُوهُمْ﴾، راجِعٌ إلى الثَّلاثَةِ، أعْنِي: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الهُدى يُسْتَعْمَلُ في الإرْشادِ والدَّلالَةِ عَلى الشَّرِّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، ولِذَلِكَ كانَ لِلشَّرِّ أئِمَّةٌ يُؤْتَمُّ بِهِمْ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤١] .
الصافات 37:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وبَيَّنّا هُناكَ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٦] .
وقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ .
الصافات 37:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ التَّعَرُّضِ لِإزالَةِ إشْكالَيْنِ في بَعْضِ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ، في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] .
الصافات 37:31
(p-٣١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُبَيِّنَةَ لِلْمُرادِ بِالقَوْلِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ”يس“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٧]، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا عَنْهم مِن أنَّهم قالُوا: إنَّهُ لَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، الَّذِي هو: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، فَكانُوا غاوِينَ أغْوَوْا أتْباعَهم؛ لِأنَّ مُتَّبِعَ الغاوِي في غَيِّهِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ غاوِيًا مِثْلَهُ، ذَكَرَهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”القَصَصِ“: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ الآيَةَ [القصص: ٦٣]، والإغْواءُ: الإضْلالُ.
الصافات 37:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الضّالِّينَ والمُضِلِّينَ مُشْتَرِكُونَ في العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“، أنَّ ذَلِكَ الِاشْتِراكَ لَيْسَ بِنافِعِهِمْ شَيْئًا؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الأتْباعَ يَسْألُونَ اللَّهَ، أنْ يُعَذِّبَ المَتْبُوعِينَ عَذابًا مُضاعَفًا لِإضْلالِهِمْ إيّاهم؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى تَخاصُمِ أهْلِ النّارِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ ”ص“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .
الصافات 37:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٣٤ - ٣٥] .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ الَّذِي فَعَلَهُ بِهَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، (p-٣١٢)المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، أيِ: العَذابَ الألِيمَ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣]، أنَّهُ يَفْعَلُ مِثْلَهُ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّنْكِيلِ بِالمُجْرِمِينَ، والمُجْرِمُونَ جَمْعُ مُجْرِمٍ، وهو مُرْتَكِبُ الجَرِيمَةِ وهي الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ عَلَيْهِ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ لِذَلِكَ التَّعْذِيبِ؛ لِأنَّها هي امْتِناعُهم مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، إذا طَلَبَ مِنهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ في دارِ الدُّنْيا. فَلَفْظَةُ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ؛ كَما تُقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ.
وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا، إذا قِيلَ لَهم: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أيْ: يَتَكَبَّرُونَ عَنْ قَبُولِها ولا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونُوا أتْباعًا لِلرُّسُلِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن كَوْنِ ذَلِكَ هو سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ بِالنّارِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى مُبَيِّنًا دُخُولَهُمُ النّارَ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]، وقَوْلِهِ تَعالى في ذِكْرِ صِفاتِ الكُفّارِ وهم أهْلُ النّارِ: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
الصافات 37:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] .
الصافات 37:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ مَعَ ذِكْرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مَعْناهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وبَيَّنّا هُنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في نَجاسَةِ عَيْنِ خَمْرِ الدُّنْيا دُونَ خَمْرِ الآخِرَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] .
الصافات 37:48
(p-٣١٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَ صِفاتٍ مِن صِفاتِ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ:
الأُولى: أنَّهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ، وهو العَيْنُ، أيْ: عُيُونُهُنَّ قاصِراتٌ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ اقْتِناعِهِنَّ واكْتِفائِهِنَّ بِهِمْ.
الثّانِيَةَ: أنَّهُنَّ عِينٌ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي واسِعَةُ دارِ العَيْنِ، وهي النَّجْلاءُ.
الثّالِثَةَ: أنَّ ألْوانَهُنَّ بِيضٌ بَياضًا مُشْرَبًا بِصُفْرَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو لَوْنُ بَيْضِ النَّعامِ الَّذِي شَبَّهَهُنَّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ في نَحْوِ ذَلِكَ:
؎كَبِكْرِ المُقاناتِ البَياضُ بِصُفْرَةٍ غَذّاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ
لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: كَبِكْرِ المُقاناتِ البَياضُ بِصُفْرَةٍ: أنَّ لَوْنَ المَرْأةِ المَذْكُورَةِ كَلَوْنِ البَيْضَةِ البِكْرِ المُخالِطِ بَياضُها بِصُفْرَةٍ، وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ المَذْكُورَةُ هُنا، جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مَعَ غَيْرِها مِن صِفاتِهِنَّ الجَمِيلَةِ، فَبَيَّنَ كَوْنَهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، بِقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢]، وكَوْنُ المَرْأةِ قاصِرَةُ الطَّرَفِ مِن صِفاتِها الجَمِيلَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مِحْوَلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
وَذَكَرَ كَوْنَهُنَّ عِينًا في قَوْلِهِ تَعالى فِيهِنَّ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، وذكَرَ صَفا ألْوانِهِنَّ وبَياضَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]، وصِفاتُهُنَّ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْهِنَّ بِنَوْعَيْنِ مِن أنْواعِ القَصْرِ:
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ، والطَّرْفُ العَيْنُ، وهو لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى؛ لِأنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ إلّا مُفْرَدًا؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، ومَعْنى كَوْنِهِنَّ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّهُنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ بِخِلافِ نِساءِ الدُّنْيا.
(p-٣١٤)والثّانِي مِن نَوْعَيِ القَصْرِ: كَوْنُهُنَّ مَقْصُوراتٌ في خِيامِهِنَّ، لا يَخْرُجْنَ مِنها؛ كَما قالَ تَعالى لِأزْواجِ نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، وكَوْنُ المَرْأةِ مَقْصُورَةٌ في بَيْتِها لا تَخْرُجُ مِنهُ مِن صِفاتِها الجَمِيلَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎مَن كانَ حَرْبًا لِلنِّساءِ ∗∗∗ فَإنَّنِي سِلْمٌ لَهُنَّهْ
؎فَإذا عَثَرْنَ دَعَوْنَنِي ∗∗∗ وإذا عَثَرْتُ دَعُوتُهُنَّهْ
؎وَإذا بَرَزْنَ لِمَحْفِلٍ ∗∗∗ فَقِصارُهُنَّ مِلاحُهُنَّهْ
فَقَوْلُهُ: قِصارُهُنَّ، يَعْنِي: المَقْصُوراتِ مِنهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ اللّاتِي لا يَخْرُجْنَ إلّا نادِرًا، كَما أوْضَحَ ذَلِكَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ في قَوْلِهِ:
؎وَأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ وما تَدْرِي بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
والحِجالُ: جَمْعُ حَجْلَةٍ، وهي البَيْتُ الَّذِي يُزَيَّنُ لِلْعَرُوسِ، فَمَعْنى قَصِيراتِ الحِجالِ: المَقْصُوراتِ في حِجالِهِنَّ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنْ رَجُلًا سَمِعَ آخَرَ، قالَ: لَقَدْ أجادَ الأعْشى في قَوْلِهِ:
؎غَرّاءُ فَرْعاءُ مَصْقُولٌ عَوارِضُها ∗∗∗ تَمْشِي الهُوَيْنا كَما يَمْشِي الوَجى الوَحِلُ
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
؎لَيْسَتْ كَمَن يَكْرَهُ الجِيرانُ طَلْعَتَها ∗∗∗ ولا تَراها لِسِرِّ الجارِ تَخْتَتِلُ
فَقالَ لَهُ: قاتَلَكَ اللَّهُ، تَسْتَحْسِنُ غَيْرَ الحَسَنِ هَذِهِ المَوْصُوفَةُ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، والخَرّاجَةُ الوَلّاجَةُ لا خَيْرَ فِيها ولا مَلاحَةَ لَها، فَهَلّا قالَ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:
؎وَتَكْسَلُ عَنْ جاراتِها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلُّ مِن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ
الصافات 37:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالقُرْآنِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥] .
الصافات 37:63
(p-٣١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] .
الصافات 37:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الكُفّارَ في النّارِ يَأْكُلُونَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَيَمْلَئُونَ مِنها بُطُونَهم، ويَجْمَعُونَ مَعَها: ﴿لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾، أيْ: خَلْطًا مِنَ الماءِ البالِغِ غايَةَ الحَرارَةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الواقِعَةِ“: ثُمَّ ﴿إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢] . وقَوْلِهِ: ﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾، الهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ وهَيْماءَ وهي النّاقَةُ مَثَلًا الَّتِي أصابَها الهُيامُ، وهو شِدَّةُ العَطَشِ بِحَيْثُ لا يَرْوِيها كَثْرَةُ شَرابِ الماءِ فَهي تَشْرَبُ كَثِيرًا مِنَ الماءِ، ولا تَزالُ مَعَ ذَلِكَ في شِدَّةِ العَطَشِ. ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ ذِي الرُّمَّةِ:
؎فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبَرِّدٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها
وَقَوْلُهُ تَعالى في ”الواقِعَةِ“: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤ - ٥٥]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّوْبَ، أيِ: الخَلْطُ مِنَ الحَمِيمِ المَخْلُوطِ لَهم بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ المَذْكُورِ هُنا في ”الصّافّاتِ“، أنَّهُ شَوْبٌ كَثِيرٌ مِنَ الحَمِيمِ لا قَلِيلٌ.
وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾، الشَّوْبُ: الخَلْطُ، والشَّوْبُ والشُّوبُ لُغَتانِ، كالفَقْرِ والفُقْرِ، والفَتْحُ أشْهَرٌ. قالَ الفَرّاءُ: شابَ طَعامَهُ وشَرابَهُ إذا خَلَطَهُما بِشَيْءٍ يَشُوبُهُما شَوْبًا وشِيابَةً، انْتَهى مِنهُ.
الصافات 37:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ . ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ نَبِيُّنا ﷺ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهُمْ﴾، أيْ: وجَدُوهم عَلى الكُفْرِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (p-٣١٦)أيْ: يَتْبَعُونَهم في ذَلِكَ الضَّلالِ والكُفْرِ مُسْرِعِينَ فِيهِ، جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠]،
• وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [المائدة: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠] . ورَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ مَعْرُوفٌ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ﴾، أيْ: فَهم عَلى اتِّباعِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ في الكُفْرِ والضَّلالِ؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يُهْرَعُونَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“، أنَّ مَعْنى: يُهْرَعُونَ: يُسْرِعُونَ ويُهَرْوِلُونَ، وأنَّ مِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى تَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
الصافات 37:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في سُورَةِ ”يس“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧]، وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٦] .
الصافات 37:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ .
تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وتَفْسِيرُهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٦] .
الصافات 37:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ . (p-٣١٧)قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ﴾ شَيْئًا الآيَةَ [مريم: ٤١ - ٤٢] .
الصافات 37:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ الَّذِي أُمِرَ إبْراهِيمُ في المَنامِ بِذَبْحِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، ثُمَّ لَمّا باشَرَ عَمَلَ ذَبْحِهِ امْتِثالًا لِلْأمْرِ، فَداهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، هَلْ هو إسْماعِيلُ أوْ إسْحاقُ ؟ وقَدْ وعَدْنا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، بِأنّا نُوَضِّحُ ذَلِكَ بِالقُرْآنِ في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“، وهَذا وقْتُ إنْجازِ الوَعْدِ.
اعْلَمْ، وفَّقَنِي اللَّهُ وإيّاكَ، أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ قَدْ دَلَّ في مَوْضِعَيْنِ، عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ لا إسْحاقَ. أحَدِهِما في ”الصّافّاتِ“، والثّانِي في ”هُودٍ“ .
أمّا دَلالَةُ آياتِ ”الصّافّاتِ“ عَلى ذَلِكَ، فَهي واضِحَةٌ جِدًّا مِن سِياقِ الآياتِ، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٠]، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ عاطِفًا عَلى البِشارَةِ الأُولى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ البِشارَةَ الأُولى شَيْءٌ غَيْرُ المُبَشَّرِ بِهِ في الثّانِيَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ كِتابِ اللَّهِ عَلى أنَّ مَعْناهُ: فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ، ثُمَّ بَعْدَ انْتِهاءِ قِصَّةِ ذَبْحِهِ يَقُولُ أيْضًا: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾، فَهو تَكْرارٌ لا فائِدَةَ فِيهِ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ، وهو واضِحٌ في أنَّ الغُلامَ المُبَشَّرَ بِهِ أوَّلًا الَّذِي فُدِيَ بِالذَّبْحِ العَظِيمِ، هو إسْماعِيلُ، وأنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْها مُسْتَقِلَّةً بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، أنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنْ (p-٣١٨)النَّصَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، إذا احْتَمَلَ التَّأْسِيسَ والتَّأْكِيدَ مَعًا وجَبَ حَمَلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى التَّأْكِيدِ، إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، أنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، فَآيَةُ ”الصّافّاتِ“ هَذِهِ، دَلِيلٌ واضِحٌ لِلْمُنْصِفِ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ إسْماعِيلُ لا إسْحاقُ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِأنَّ المَواضِعَ الَّتِي ذُكِرَ فِيها إسْحاقُ يَقِينًا عُبِّرَ عَنْهُ في كُلِّها بِالعِلْمِ لا الحِلْمِ، وهَذا الغُلامُ الذَّبِيحُ وصَفَهُ بِالحِلْمِ لا العِلْمِ.
وَأمّا المَوْضِعُ الثّانِي الدّالُّ عَلى ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]؛ لِأنَّ رُسُلَ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ بَشَّرَتْها بِإسْحاقَ، وأنَّ إسْحاقَ يَلِدُ يَعْقُوبَ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُؤْمَرَ إبْراهِيمُ بِذَبْحِهِ، وهو صَغِيرٌ، وهو عِنْدَهُ عِلْمٌ يَقِينٌ بِأنَّهُ يَعِيشُ حَتّى يَلِدَ يَعْقُوبَ.
فَهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى ما ذَكَرْنا، فَلا يَنْبَغِي لِلْمُنْصِفِ الخِلافُ في ذَلِكَ بَعْدَ دَلالَةِ هَذِهِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ عَلى ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ الذَّبِيحِ هَذِهِ تُؤَيِّدُ أحَدَ القَوْلَيْنِ المَشْهُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ في حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ، هَلْ هي لِلِامْتِثالِ فَقَطْ، أوْ هي مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الِامْتِثالِ والِابْتِلاءِ ؟ لِأنَّهُ بَيِّنٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ حِكْمَةَ تَكْلِيفِهِ لِإبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ ولَدَهُ لَيْسَتْ هي امْتِثالُهُ ذَلِكَ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَبْحُهُ كَوْنًا وقَدَرًا، وإنَّما حِكْمَةُ تَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ مُجَرَّدُ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، هَلْ يُصَمِّمُ عَلى امْتِثالِ ذَلِكَ أوْ لا ؟ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٦ - ١٠٧]، فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الِامْتِثالِ والِابْتِلاءِ. وإلى الخِلافِ المَذْكُورِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ:
؎لِلِامْتِثالِ كَلَّفَ الرَّقِيبُ فَمُوجِبٌ تَمَكُّنًا مُصِيبُ
؎أوْ بَيْنَهُ والِابْتِلا تَرَدَّدا ∗∗∗ شَرْطُ تَمَكُّنٍ عَلَيْهِ انْفَقَدا
وَقَدْ أشارَ بِقَوْلِهِ: فَمُوجِبٌ تَمَكُّنًا مُصِيبُ، وقَوْلُهُ: شَرْطُ تَمَكُّنٍ عَلَيْهِ انْفَقَدا، إلى أنَّ شَرْطَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ في التَّكْلِيفِ، مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، فَمَن قالَ: إنِ الحِكْمَةَ في التَّكْلِيفِ هي الِامْتِثالُ فَقَطِ اشْتَرَطَ في التَّكْلِيفِ التَّمَكُّنَ مِنَ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِثالَ إلّا مَعَ (p-٣١٩)التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، ومَن قالَ إنَّ الحِكْمَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الِامْتِثالِ والِابْتِلاءِ، لَمْ يَشْتَرِطْ مِنَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ الِابْتِلاءِ تَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، كَما لا يَخْفى. ومِنَ الفُرُوعِ المَبْنِيَّةِ عَلى هَذا الخِلافِ أنْ تَعْلَمَ المَرْأةُ بِالعادَةِ المُطَّرِدَةِ أنَّها تَحِيضُ بَعْدَ الظُّهْرِ غَدًا مِن نَهارِ رَمَضانَ، ثُمَّ حَصَلَ لَها الحَيْضُ بِالفِعْلِ، فَتُصْبِحُ مُفْطِرَةٌ قَبْلَ إتْيانِ الحَيْضِ، فَعَلى أنَّ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ الِامْتِثالُ فَقَطْ، فَلا كَفّارَةَ عَلَيْها، ولَها أنْ تُفْطِرَ؛ لِأنَّها عالِمَةٌ بِأنَّها لا تَتَمَكَّنُ مِنَ الِامْتِثالِ، وعَلى أنَّ الحِكْمَةَ تارَةً تَكُونُ الِامْتِثالَ، وتارَةً تَكُونُ الِابْتِلاءَ، فَإنَّها يَجِبُ عَلَيْها تَبْيِيتُ الصَّوْمِ، ولا يَجُوزُ لَها الإفْطارُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الحَيْضِ بِالفِعْلِ، وإنْ أفْطَرَتْ قَبْلَهُ كَفَّرَتْ. وكَذَلِكَ مَن أفْطَرَ لِحُمّى تُصِيبُهُ غَدًا، وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بِالعادَةِ، فَهو أيْضًا يَنْبَنِي عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ.
الصافات 37:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
الصافات 37:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا مِنَّتَهُ عَلَيْهِما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في ”طه“: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٦ - ٣٧]؛ لِأنَّ مِن سُؤْلِهِ الَّذِي أُوتِيَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ في رِسالَةِ أخِيهِ هارُونَ مَعَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الرِّسالَةَ مِن أعْظَمَ المِنَنِ.
الصافات 37:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ . قَوْلُهُ: وقَوْمَهُما، يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.
والمَعْنى: أنَّهُ نَجّى مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ، وهو ما كانَ يَسُومُهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ العَذابِ، كَذَبْحِ الذُّكُورِ مِن أبْنائِهِمْ وإهانَةِ الإناثِ، وكَيْفِيَّةِ إنْجائِهِ لَهم مُبَيَّنَةٌ في انْفِلاقِ البَحْرِ لَهم، حَتّى خاضُوهُ سالِمِينَ، وإغْراقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وهم يَنْظُرُونَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وقَدَّمْنا تَفْسِيرَ الكَرْبِ العَظِيمِ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] .
الصافات 37:116
(p-٣٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ نَصَرَ مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما عَلى فِرْعَوْنِ وجُنُودِهِ، ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾، أيْ: وفِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ هُمُ المَغْلُوبُونَ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم جَمِيعًا بِالغَرَقِ، وأنْجى مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما مِن ذَلِكَ الهَلاكِ، وفي ذَلِكَ نَصْرٌ عَظِيمٌ لَهم عَلَيْهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الصافات 37:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ . الكِتابُ هو التَّوْراةُ، كَما ذَكَرَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٥٣] .
الصافات 37:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] . وفي سُورَةِ ”المائِدَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
الصافات 37:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . تَسْبِيحُ يُونُسَ هَذا، عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُ في ”الصّافّاتِ“، جاءَ مُوَضَّحًا في ”الأنْبِياءِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] .
(p-٣٢١)وَقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ وإيضاحَها في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ .
الصافات 37:145
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٧٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصّافّاتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِنَبْذِ يُونُسَ بِالعَراءِ، عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يُتَوَهَّمُ مِنها خِلافُ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ الآيَةَ [القلم: ٤٩] .
والجَوابُ أنَّ الِامْتِناعَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِحَرْفِ الِامْتِناعِ الَّذِي هو: ”لَوْلا“ مُنْصَبٌّ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لا عَلى جَوابِ ”لَوْلا“ .
وَتَقْرِيرُ المَعْنى: لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ في حالِ كَوْنِهِ مَذْمُومًا لَكِنَّهُ تَدارَكَتْهُ نِعْمَةُ رَبِّهِ، فَنُبِذَ بِالعَراءِ غَيْرَ مَذْمُومٍ، فَهَذِهِ الحالُ عُمْدَةٌ لا فَضْلَةٌ، أوْ أنَّ المُرادَ بِالفَضْلَةِ ما لَيْسَ رُكْنًا في الإسْنادِ، وإنْ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ المَعْنى عَلَيْهِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ الآيَةَ [ص: ٢٧]، لِأنَّ النَّفْيَ فِيهِما مُنْصَبٌّ عَلى الحالِ لا عَلى ما قَبْلَهُما.
الصافات 37:148
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ . ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن إيمانِ قَوْمِ يُونُسَ وأنَّ اللَّهَ مَتَّعَهم إلى حِينٍ، ذَكَرَهُ أيْضًا في سُورَةِ ”يُونُسَ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .
الصافات 37:149
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٧ - ٥٩] .
الصافات 37:167
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ما في مَعْناهُ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥٧] .
الصافات 37:171
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّسُلَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ وأتْباعُهم مَنصُورُونَ دائِمًا عَلى الأعْداءِ بِالحُجَّةِ والبَيانِ، ومَن أُمِرَ مِنهم بِالجِهادِ مَنصُورٌ أيْضًا بِالسَّيْفِ والسِّنّانِ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، (p-٣٢٢)
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٦]، وسَيَأْتِي لَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ في آخِرِ سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“ .
الصافات 37:176
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦] . وذَكَرْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٥]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
الصافات 37:181
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ بِالسَّلامِ عَلى عِبادِهِ المُرْسَلِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم مِن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى مَعَ ثَنائِهِ عَلى نَفْسِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢]، مُعَلَّمًا خَلْقَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وما ذَكَرَهُ هُنا مِن حَمْدِهِ هَذا الحَمْدَ العَظِيمَ، والسَّلامَ عَلى رُسُلِهِ الكِرامِ، ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٩]، ويُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
ص 38:1
(p-٣٢٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ص
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ . قَرَأهُ الجُمْهُورُ: ص بِالسُّكُونِ مِنهُمُ القُرّاءُ السَّبْعَةُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ ص مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ كَـ (ص) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَبِذَلِكَ التَّحْقِيقِ المَذْكُورِ، تَعْلَمُ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ص بِكَسْرِ الدّالِّ غَيْرِ مُنَوَّنَةٍ، ومَن قَرَأها بِكَسْرِ الدّالِّ مُنَوَّنَةً، ومَن قَرَأها بِفَتْحِ الدّالِّ، ومَن قَرَأها بِضَمِّها غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ، كُلُّها قِراءاتٌ شاذَّةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها.
وَكَذَلِكَ تَفاسِيرُ بَعْضِ العُلَماءِ المَبْنِيَّةِ عَلى تِلْكَ القِراءاتِ، فَإنَّها لا يُعَوَّلُ عَلَيْها أيْضًا.
كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ صادِ بِكَسْرِ الدّالِّ فِعْلُ أمْرٍ مِن صادى يُصادِي مُصاداةً إذا عارَضَ، ومِنهُ الصَّدى. وهو ما يُعارِضُ الصَّوْتَ في الأماكِنِ الصُّلْبَةِ الخالِيَةِ مِنَ الأجْسامِ، أيْ عارِضْ بِعَمَلِكَ القُرْآنَ وقابِلْهُ بِهِ، يَعْنِي امْتَثِلْ أوامِرَهُ واجْتَنِبْ نَواهِيَهُ واعْتَقِدْ عَقائِدَهُ واعْتَبِرْ بِأمْثالِهِ واتَّعَظْ بِمَواعِظِهِ.
وَعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: أنَّ ص بِمَعْنى حادِثٍ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
وَقِراءَةُ ص بِكَسْرِ الدّالِّ غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ: مَرْوِيَّةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ وأبِي السِّمالِ وابْنِ أبِي عَيْلَةَ ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ.
والأظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ، أنَّ كَسْرَ الدّالِّ سَبَبُهُ التَّخْفِيفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو حَرْفُ هِجاءٍ لا فِعْلُ أمْرٍ مَن صادى.
وَفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، أنَّهُ قَرَأ ص بِكَسْرِ الدّالِّ مَعَ التَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ (p-٣٢٤)مَجْرُورٌ بِحَرْفِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهو كَما تَرى، فَسُقُوطُهُ ظاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ ص بِفَتْحِ الدّالِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، فَهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ والتَّفاسِيرُ المَبْنِيَّةُ عَلَيْها ساقِطَةٌ.
كَقَوْلِ مَن قالَ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ النّاسِ واسْتَمالَهم حَتّى آمَنُوا بِهِ.
وَقَوْلِ مَن قالَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ.
أيِ الزَمُوا صادَ، أيْ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِ مَن قالَ مَعْناهُ اتْلُ، وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، الَّذِي هو حَرْفُ القَسَمِ المَحْذُوفُ.
وَأقْرَبُ الأقْوالِ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الشّاذَّةِ، أنَّ الدّالَّ فُتِحَتْ تَخْفِيفًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، واخْتِيرَ فِيها الفَتْحُ إتْباعًا لِلصّادِّ، ولِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ الحَرَكاتِ، وهَذِهِ القِراءَةُ المَذْكُورَةُ قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ، وتُرْوى عَنْ مَحْبُوبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
وَكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ صادُ بِضَمِّ الدّالِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ، وأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ هَذِهِ صادُ وأنَّهُ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا.
وَهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ وابْنِ السَّمَيْقَعِ وهارُونَ الأعْوَرِ.
وَمَن قَرَأ صادَ بِفَتْحِ الدّالِّ قَرَأ: ق، ون كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ مَن قَرَأها ص بِضَمِّ الدّالِّ فَإنَّهُ قَرَأ ق: و ن بِضَمِّ الفاءِ والنُّونِ.
والحاصِلُ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ القِراءاتِ، وجَمِيعَ هَذِهِ التَّفاسِيرِ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها، كُلُّها ساقِطَةٌ، لا مُعَوَّلَ عَلَيْها.
وَإنَّما ذَكَرْناها لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ.
وَلا شَكَّ أنَّ التَّحْقِيقَ هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّ ص مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وأنَّ القِراءَةَ الَّتِي لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْها هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ الَّتِي ذَكَرْناها.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ ص مِفْتاحُ بَعْضِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى كالصَّبُورِ والصَّمَدِ.
وَقالَ بَعْضُهم مَعْناهُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن (p-٣٢٥)الأقْوالِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا أنّا قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، قَدْ قَدَّمْنا أنَّ أصْلَ القُرْآنِ مَصْدَرٌ، زِيدَ فِيهِ الألِفُ والنُّونُ. كَما زِيدَتا في الطُّغْيانِ، والرُّجْحانِ، والكُفْرانِ، والخُسْرانِ، وأنَّ هَذا المَصْدَرَ أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ.
وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ، يَقُولُونَ: إنَّ هَذا الوَصْفَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ هو اسْمُ المَفْعُولِ.
وَعَلَيْهِ فالقُرْآنُ بِمَعْنى المَقْرُوءِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: قَرَأْتُ الشَّيْءَ إذا أظْهَرْتُهُ وأبْرَزْتُهُ، ومِنهُ قَرَأتِ النّاقَةُ السَّلا والجَنِينَ إذا أظْهَرَتْهُ وأبْرَزَتْهُ مِن بَطْنِها، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ عَلى خَلاءٍ وقَدْ أمِنَتْ عُيُونُ الكاشِحِينا
؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هَجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ في البَيْتِ.
وَمَعْنى القُرْآنِ عَلى هَذا المَقْرُوءُ الَّذِي يُظْهِرُهُ القارِئُ، ويُبْرِزُهُ مِن فِيهِ، بِعِباراتِهِ الواضِحَةِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الوَصْفَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ، هو اسْمُ الفاعِلِ.
وَعَلَيْهِ فالقُرْآنُ بِمَعْنى القارِئِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ قَرَأْتُ، بِمَعْنى جَمَعْتُ.
وَمِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: قَرَأْتُ الماءَ في الحَوْضِ أيْ جَمَعْتُهُ فِيهِ.
وَعَلى هَذا فالقُرْآنُ بِمَعْنى القارِئِ أيِ الجامِعِ لِأنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِيهِ جَمِيعَ ما في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ.
أحَدُهُما: أنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنى الشَّرَفِ، والعَرَبُ تَقُولُ فُلانٌ مَذْكُورٌ يَعْنُونَ لَهُ ذِكْرٌ أيْ شَرَفٌ.
(p-٣٢٦)وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أيْ شَرَفٌ لَكم عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ فِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ الشَّيْءِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ، والَّذِينَ قالُوا إنَّهُ مَذْكُورٌ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ، وأقْوالُهم في ذَلِكَ كُلُّها ظاهِرَةُ السُّقُوطِ.
فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .
وَمِنهم مَن قالَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] .
وَمِنهم مَن قالَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] كَقَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ١ - ٤] .
وَمِنهم مَن قالَ هو قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ﴾، ومَن قالَ هَذا قالَ: إنِ الأصْلَ لَكَمْ أهْلَكْنا ولَمّا طالَ الكَلامُ، حُذِفَتْ لامُ القَسَمِ، فَقالَ: كَمْ أهْلَكْنا بِدُونِ لامٍ.
قالُوا: ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] لَمّا طالَ الكَلامُ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، الَّذِي هو ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، حُذِفَتْ مِنهُ لامُ القَسَمِ.
وَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ص قالُوا مَعْنى ص صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ والقُرْآنِ ذِي الذَّكَرِ. وعَلى هَذا فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو صِدْقُهُ ﷺ .
وَمِنهم مَن قالَ المَعْنى: هَذِهِ ص أيِ السُّورَةِ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لا يَخْفى سُقُوطُها.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِهِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (p-٣٢٧)فِي الكَشّافِ، التَّقْدِيرُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ . إنَّهُ لِمُعْجِزٌ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ فَقالَ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمْرُ كَما يَقُولُهُ الكُفّارُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ صَوابُهُ بِدَلِيلِ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ: أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ وأنَّ تَقْدِيرَهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمْرُ كَما يَقُولُهُ الكُفّارُ، وأنَّ قَوْلَهُمُ: المُقْسَمُ عَلى نَفْيِهِ شامِلٌ لِثَلاثَةِ أشْياءَ مُتَلازِمَةٍ.
الأوَّلِ: مِنها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَقُولُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] .
والثّانِي: أنَّ الإلَهَ المَعْبُودَ جَلَّ وعَلا واحِدٌ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَقُولُهُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .
والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَقُولُهُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] .
أمّا الدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢]؛ لِأنَّ الإضْرابَ بِقَوْلِهِ بَلْ، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى المَقْسَمِ عَلَيْهِ المَحْذُوفِ. أيْ ما الأمْرُ كَما يَقُولُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ، أيْ في حَمِيَّةٍ وأنَفَةٍ واسْتِكْبارٍ عَنِ الحَقِّ، وشِقاقٍ، أيْ مُخالَفَةٍ ومُعانَدَةٍ.
وَأمّا دَلالَةُ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ عَلى أنَّ المَنفِيَّ المَحْذُوفَ شامِلٌ لِلْأُمُورِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، فَلِدَلالَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ: أمّا صِحَّةُ رِسالَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وكَوْنُ الإلَهِ المَعْبُودِ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ فَقَدْ أشارَ لَهُما هُنا.
أمّا كَوْنُ الرَّسُولِ مُرْسَلًا حَقًّا فَفي قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤] يَعْنِي أيْ: لا وجْهَ لِلْعَجَبِ المَذْكُورِ. لِأنْ يَجِيءَ المُنْذِرُ الكائِنُ مِنهم.
لا شَكَّ في أنَّهُ بِإرْسالٍ مِنَ اللَّهِ حَقًّا.
(p-٣٢٨)وَقَوْلُهم: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ إنَّما ذَكَرَهُ تَعالى إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لَهم. فَعُرِفَ بِذَلِكَ أنَّ في ضِمْنِ المَعْنى والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أنَّكَ مُرْسَلٌ حَقًّا ولَوْ عَجِبُوا مِن مَجِيئِكَ مُنْذِرًا لَهم، وزَعَمُوا أنَّكَ ساحِرٌ كَذّابٌ، أيْ فَهُمُ الَّذِينَ عَجِبُوا مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وزَعَمُوا أنَّ خاتَمَ الرُّسُلِ، وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ، ساحِرٌ كَذّابٌ.
وَأمّا كَوْنُ الإلَهِ المَعْبُودِ واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، فَفي قَوْلِهِ هُنا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]؛ لِأنَّ الهُمَزَةَ في قَوْلِهِ: أجَعَلَ لِلْإنْكارِ المُشْتَمِلِ عَلى مَعْنى النَّفْيِ، فَهي تَدُلُّ عَلى نَفْيِ سَبَبِ تَعَجُّبِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﷺ: إنَّ الإلَهَ المَعْبُودَ واحِدٌ.
وَهَذانَ الأمْرانِ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ فِيها وإثْباتِها بِالقَسَمِ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ تَعالى مُقْسِمًا عَلى أنَّ الرَّسُولَ مُرْسَلٌ حَقًّا ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣] فَهي تُوَضِّحُ مَعْنى ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ إنَّكَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ.
وَقَدْ جاءَ تَأْكِيدُ صِحَّةِ تِلْكَ الرِّسالَةِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، وأمّا كَوْنُهُ تَعالى هو المَعْبُودُ الحَقُّ لا شَرِيكَ لَهُ، فَقَدْ أقْسَمَ تَعالى عَلَيْهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ١ - ٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى تَضْمَّنَ ما ذُكِرَ أيْ والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ﴾ الآيَةَ [ص: ٥] .
وَأمّا كَوْنُ البَعْثِ حَقًّا، فَقَدْ أقْسَمَ عَلَيْهِ إقْسامًا صَحِيحًا صَرِيحًا، في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [التغابن: ٣] أيِ السّاعَةُ.
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ . [يونس: ٥٣]
وَأقْسَمَ عَلى اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ وحَذَفَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ الَّذِي هو الِاثْنانِ المَذْكُورانِ، وهي كَوْنُ الرَّسُولِ مُرْسَلًا، والبَعْثِ حَقًّا، وأشارَ إلى ذَلِكَ إشارَةً واضِحَةً، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ١ - ٣] فاتَّضَحَ (p-٣٢٩)بِذَلِكَ أنَّ المَعْنى: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾، إنَّ المُنْذِرَ الكائِنَ مِنكُمُ الَّذِي عَجِبْتُمْ مِن مَجِيئِهِ لَكم مُنْذِرًا رَسُولٌ مُنْذِرٌ لَكم مِنَ اللَّهِ حَقًّا، وإنَّ البَعْثَ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ واسْتَبْعَدْتُمُوهُ غايَةَ الإنْكارِ، والِاسْتِبْعادِ، في قَوْلِهِ تَعالى عَنْكم: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: ذَلِكَ الرَّجْعُ الَّذِي هو البَعْثُ رَجْعٌ بَعِيدٌ في زَعْمِكم واقِعٌ لا مَحالَةَ، وإنَّهُ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ، كَما أشارَ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ إذِ المَعْنى: أنَّ ما أكَلَتْهُ الأرْضُ مِن لُحُومِهِمْ، ومَزَّقَتْهُ مِن أجْسامِهِمْ وعِظامِهِمْ، يَعْلَمُهُ جَلَّ وعَلا، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ فَهو قادِرٌ عَلى رَدِّهِ كَما كانَ.
وَإحْياءُ تِلْكَ الأجْسادِ البالِيَةِ، والشُّعُورِ المُتَمَزِّقَةِ، والعِظامِ النَّخِرَةِ كَما قَدَّمْنا مُوَضَّحًا بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ يس في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وكَوْنُهُ ﷺ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا، يَسْتَلْزِمُ اسْتِلْزامًا لا شَكَّ فِيهِ، أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ ولا شِعْرٍ ولا كَهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ.
وَلِذَلِكَ أقْسَمَ تَعالى، في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، عَلى أنَّ القُرْآنَ أيْضًا مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ١ - ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤] .
ص 38:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ قَرِيبًا عَلى الإضْرابِ بـِ ”بَلْ“ في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أيْ: حَمِيَّةٍ واسْتِكْبارٍ عِنْدَ قَبُولِ الحَقِّ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ مِن أسْبابِ أخْذِ العِزَّةِ المَذْكُورَةِ بِالإثْمِ لِلْكُفّارِ أمْرَهم بِتَقْوى اللَّهِ، وبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ العِزَّةَ الَّتِي هي الحَمِيَّةُ والِاسْتِكْبارُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مِن أسْبابِ دُخُولِهِمْ جَهَنَّمَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ غَيْرَ ما يُبْطِنُونَ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] .
والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ إطْلاقِ العِزَّةِ عَلى الحَمِيَّةِ والِاسْتِكْبارِ: أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ كَأنَّهُ (p-٣٣٠)يُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ الغالِبِ القاهِرِ، وإنْ كانَ الأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ أصْلَ العِزَّةِ في لُغَةِ العَرَبِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ٨]، والعَرَبُ يَقُولُونَ: مَن عَزِيزٌ، يَعْنُونَ مَن غَلَبَ اسْتَلَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُحْتَشى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزِيزا
وَقَوْلُهُ تَعالى عَنِ الخَصْمِ الَّذِينَ تُسَوَّرُوا عَلى داوُدَ: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ غَلَبَنِي، وقَهَرَنِي في الخُصُومَةِ.
والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ العِزَّةَ الَّتِي أثْبَتَها اللَّهُ لِلْكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ﴾ الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٠٦]، لَيْسَتْ هي العِزَّةُ الَّتِي يُرادُ بِها القَهْرُ والغَلَبَةُ بِالفِعْلِ، أنَّ اللَّهَ خَصَّ بِهَذِهِ العِزَّةِ المُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وَلِذَلِكَ فَسَّرَها عُلَماءُ التَّفْسِيرِ، بِأنَّها هي الحَمِيَّةُ والِاسْتِكْبارُ، عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
والشِّقاقُ: هي المُخالِفَةُ، والمُعانَدَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٧] . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وأصْلُهُ مِنَ الشِّقِّ الَّذِي هو الجانِبُ، لِأنَّ المُخالِفَ المُعانِدَ، يَكُونُ في الشِّقِّ أيْ في الجانِبِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَن هو مُخالِفٌ لَهُ ومُعانِدٌ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أصْلُ الشِّقاقِ مِنَ المَشَقَّةِ؛ لِأنَّ المُخالِفَ المُعانِدَ يَجْتَهِدُ في إيصالِ المَشَقَّةِ إلى مَن هو مُخالَفٌ مُعانَدٌ.
وَقالَ بَعْضُهم: أصْلُ الشِّقاقِ مِن شَقِّ العَصا وهو الخِلافُ والتَّفَرُّقُ.
ص 38:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ . كَمْ هُنا هي الخَبَرِيَّةُ، ومَعْناها الإخْبارُ عَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ، عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لَأهْلَكْنا وصِيغَةُ الجَمْعِ في أهْلَكْنا لِلتَّعْظِيمِ، ومِن في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ، مُمَيِّزَةٌ لَكم، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى الأُمَّةِ وعَلى بَعْضٍ مِنَ الزَّمَنِ، أشْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ أنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ، والمَعْنى أهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن أجْلِ الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (p-٣٣١)فَعْلَيْكم أنْ تَحْذَرُوا يا كُفّارَ مَكَّةَ مِن تَكْذِيبِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ والكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ لِئَلّا نُهْلِكَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما أهْلَكْنا بِهِ القُرُونَ الكَثِيرَةَ الماضِيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَ مَسائِلَ:
الأُولى: أنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، يُهَدِّدُ كُفّارَ مَكَّةَ بِذَلِكَ.
الثّانِيَةَ: أنَّهم نادَوْا أيْ عِنْدَ مُعايَنَةِ أوائِلِ الهَلاكِ.
الثّالِثَةَ: أنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي هو وقْتُ مُعايَنَةِ العَذابِ لَيْسَ وقْتَ نِداءٍ، أيْ فَهو وقْتٌ لا مَلْجَأ فِيهِ، ولا مَفَرَّ مِنَ الهَلاكِ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا هَذِهِ المَسائِلَ الثَّلاثَ المَذْكُورَةَ هُنا مُوَضَّحَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ.
أمّا المَسْألَةُ الأُولى وهي كَوْنُهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ، فَقَدْ ذَكَرَها في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٩] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّ سَبَبَ إهْلاكِ تِلْكَ الأُمَمِ الكُفْرُ بِاللَّهِ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ مُبَيِّنًا سَبَبَ إهْلاكِ تِلْكَ الأُمَمِ الَّتِي صَرَّحَ بِأنَّها: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] .
وَقَدْ قَدَّمْنا في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ، أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وبَيَّنّا دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى بَعْضِها،
• وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨ - ٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٧ - ٣٩]
• وقَوْلِهِ (p-٣٣٢)تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ إهْلاكِ الأُمَمِ الماضِيَةِ بِسَبَبِ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ تَهْدِيدُ كُفّارِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفِهِمْ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ إنْ تَمادَوْا عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِ ﷺ .
ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ بِذَلِكَ.
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣] فَقَوْلُهُ: وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ، وفَواحِشِهِمُ المَعْرُوفَةِ، وقَدْ وبَّخَ تَعالى مَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِهِمْ، ولَمْ يَحْذَرْ أنْ يَنْزِلَ بِهِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِهِمْ، كَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠] .
• وَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] .
• وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ .
• وقَوْلِهِ فِيهِمْ وفي قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿وَإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي نِداؤُهم إذا أحَسُّوا بِأوائِلِ العَذابِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ نَوْعَيْنِ مِن أنْواعِ ذَلِكَ النِّداءِ:
أحَدُهُما: نِداؤُهم بِاعْتِرافِهِمْ أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤ - ٥] .
الثّانِي: مِن نَوْعَيِ النِّداءِ المَذْكُورِ نِداؤُهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ مُسْتَغِيثِينَ مِن ذَلِكَ العَذابِ (p-٣٣٣)الَّذِي أحَسُّوا أوائِلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤، ٣] وهَذا النَّوْعُ الأخِيرُ هو الأنْسَبُ والألْيَقُ بِالمَقامِ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ الَّذِي هو المَسْألَةُ الثّالِثَةُ، مَعْناهُ: لَيْسَ الحِينُ الَّذِي نادَوْا فِيهِ، وهو وقْتُ مُعايَنَةِ العَذابِ، حِينَ مَناصٍ، أيْ لَيْسَ حِينَ فِرارٍ ولا مَلْجَأ مِن ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي عايَنُوهُ.
فَقَوْلُهُ: ولاتَ هي لا النّافِيَةُ زِيدَتْ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيَّةِ كَما زِيدَتْ في ثَمَّ، فَقِيلَ فِيها ثَمَّتْ، وفي رُبَّ، فَقِيلَ فِيها رُبَّتْ.
وَأشْهُرُ أقْوالِ النَّحْوِيِّينَ فِيها، أنَّها تَعْمَلُ عَمَلَ لَيْسَ وأنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الحِينِ خاصَّةً، أوْ في لَفْظِ الحِينِ ونَحْوِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ، كالسّاعَةِ والأوانِ، وأنَّها لا بُدَّ أنْ يُحْذَفَ اسْمُها أوْ خَبَرُها والأكْثَرُ حَذْفُ المَرْفُوعِ مِنهُما وإثْباتُ المَنصُوبِ، ورُبَّما عُكِسَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهَ وأشارَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎فِي النَّكِراتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ ”لا“ وقَدْ تَلِي ”لاتَ“ و ”إنْ“ ذا العَمَلا
؎وَما لِلاتَ في سِوى حِينٍ عَمَلْ ∗∗∗ وحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ فَشا والعَكْسُ قَلْ
والمَناصُ مَفْعَلٌ مِنَ النَّوْصِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا فاتَهُ وعَجَزَ عَنْ إدْراكِهِ، ويُطْلَقُ المَناصُ عَلى التَّأخُّرِ لِأنَّ مِن تَأخَّرَ ومالَ إلى مَلْجَأٍ يُنْقِذُهُ مِمّا كانَ يَخافُهُ فَقَدْ وجَدَ المَناصَ.
والمَناصُ والمَلْجَأُ والمَفَرُّ والمَوْئِلُ مَعْناها واحِدٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَناصَ إذا طَلَبَ المَناصَ، أيِ السَّلامَةَ والمَفَرَّ مِمّا يَخافُهُ، ومِنهُ قَوْلُ حارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ:
؎غَمْرُ الجِراءِ إذا قَصَرْتُ عِنانَهُ ∗∗∗ بِيَدِي اسْتَناصَ ورامَ جَرْيَ المِسْحَلِ
والأظْهَرُ أنَّ إطْلاقَ النَّوْصِ عَلى الفَوْتِ والتَّقَدُّمِ، وإطْلاقِهِ عَلى التَّأخُّرِ والرَّوَغانِ كِلاهُما راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ المَناصَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَعْناهُ المُنْطَبِقُ عَلى جُزْئِيّاتِهِ، أنْ يَكُونَ صاحِبَهُ في كَرْبٍ وضِيقٍ، فَيَعْمَلُ عَمَلًا، يَكُونُ بِهِ خَلاصَهُ ونَجاتَهُ مِن ذَلِكَ.
(p-٣٣٤)فَتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ العَمَلُ بِالجَرْيِ والإسْراعِ أمامَ مَن يُرِيدُهُ بِالسُّوءِ، وتارَةً يَكُونُ بِالتَّأخُّرِ والرَّوَغانِ حَتّى يَنْجُوَ مِن ذَلِكَ.
والعَرَبُ تُطْلِقُ النَّوْصَ عَلى التَّأخُّرِ. والبُوصُ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ التَّحْتِيَّةُ عَلى التَّقَدُّمِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أمِن ذِكْرِ سَلْمى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ ∗∗∗ فَتَقْصُرُ عَنْها خُطْوَةً وتَبُوصُ
وَأصْوَبُ الأقْوالِ في لاتَ أنَّ التّاءَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ حِينٍ وأنَّها تَعْمَلُ عَمَلَ لَيْسَ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّها تَعْمَلُ عَمَلَ إنَّ، ولِمَن قالَ: إنَّ التّاءَ مُتَّصِلَةٌ بِحِينٍ وأنَّهُ رَآها في الإمامِ، وهو مُصْحَفُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُتَّصِلَةً بِها.
وَعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ مِنهُمُ القُرّاءُ السَّبْعَةُ، أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةٌ بِحِينٍ، فالوَقْفُ عَلى لاتَ بِالتّاءِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، إلّا الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ.
أمّا قِراءَةُ كَسَرِ التّاءِ وضَمِّها فَكِلْتاهُما شاذَّةٌ لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، وكَذَلِكَ قِراءَةُ كَسْرِ النُّونِ مِن حِينَ، فَهي شاذَّةٌ لا تَجُوزُ، مَعَ أنَّ تَخْرِيجَ المَعْنى عَلَيْها مُشْكِلٌ.
وَتَعَسَّفَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا لا يَخْفى سُقُوطُهُ، ورَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ تَخْرِيجَ قِراءَةِ الكَسْرِ أنَّ حِينَ مَجْرُورَةٌ بِمِن مَحْذُوفَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَنادَوْا أصْلُ النِّداءِ: رَفْعُ الصَّوْتِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ، أيْ أرْفَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎فَقُلْتُ ادْعِي وأدْعُوَ إنَّ أنَدا ∗∗∗ لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ داعِيانِ
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ المُهْلِكَةَ يُنادُونَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ لَيْسَ وقْتَ نِداءٍ إذْ لا مَلْجَأ فِيهِ ولا مَفَرَّ ولا مَناصَ. ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٤ - ٨٥] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٢ - ١٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٣٣٥)وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى وُقُوعَ مِثْلَ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ٧ - ١١] والوَزَرُ: المَلْجَأُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎والنّاسُ إلْبٌ عَلَيْنا فِيكَ لَيْسَ لَنا ∗∗∗ إلّا الرِّماحُ وأطْرافُ القَنا وزَرُ
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨] والمَوْئِلُ اسْمُ مَكانٍ مِن وألَ يَئِلُ إذا وجَدَ مَلْجَأً يَعْتَصِمُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
؎وَقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ
أيْ: ثُمَّ ما يَنْجُو.
ص 38:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ عَجِبُوا مِن أجْلِ أنْ جاءَهم رَسُولٌ مُنْذِرٌ مِنهم، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، مِن عَجَبِهِمُ المَذْكُورِ، ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ وأوْضَحَ تَعالى سَبَبَهُ ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ في آياتٍ أُخَرَ، فَقالَ في عَجَبِهِمُ المَذْكُورِ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ١ - ٢] .
وَقالَ تَعالى في إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ١ - ٢] وذَكَرَ مِثْلَ عَجَبِهِمُ المَذْكُورِ في سُورَةِ الأعْرافِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ هُودٍ، فَقالَ عَنْ نُوحٍ مُخاطِبًا لِقَوْمِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣] .
وَقالَ عَنْ هُودٍ مُخاطِبًا لِعادٍ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٦٩]، وبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ عَجَبِهِمْ مَن كَوْنِ المُنْذِرِ مِنهم أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلَهم زاعِمِينَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلَيْهِمْ أحَدًا مَن جِنْسِهِمْ. وأنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ أحَدًا لَأرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لِأنَّهُ لَيْسَ بَشَرًا مِثْلَهم وأنَّهُ لا يَأْكُلُ (p-٣٣٦)وَلا يَشْرَبُ ولا يَمْشِي في الأسْواقِ.
والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ الآيَةَ [التغابن: ٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٣ - ٢٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢١ - ٢٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلى الكُفّارِ عَجَبَهم مِن إرْسالِ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، (p-٣٣٧)
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧ - ٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]
أيْ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ ولَوْ كانَ بَشَرًا مِثْلَكم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
ص 38:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] .
ص 38:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ، أنْكَرُوا أنَّ اللَّهَ خَصَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وحْدَهُ، ولَمْ يُنْزِلْهُ عَلى أحَدٍ آخَرَ مِنهم، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ في آياتٍ أُخَرَ، مَعَ الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ في إنْكارِهِمْ خُصُوصَهُ ﷺ بِالوَحْيِ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَعْنُونَ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، وبِالرَّجُلَيْنِ مِنَ القَرْيَتَيْنِ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ في مَكَّةَ، وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ في الطّائِفِ زاعِمِينَ أنَّهُما أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ مِنهُ.
وَقَدْ رَدَّ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] لِأنَّ الهَمْزَةَ في قَوْلِهِ: أهم يَقْسِمُونَ، لِلْإنْكارِ المُشْتَمِلِ عَلى مَعْنى النَّفْيِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وأشارَ إلى رَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في آيَةِ ص هَذِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ الآيَةَ [ص: ٨ - ١٠] . (p-٣٣٨)لِأنَّهُ لا يَجْعَلُ الرِّسالَةَ حَيْثُ يَشاءُ، ويَخُصُّ بِها مَن يَشاءُ، إلّا مَن عِنْدَهُ خَزائِنُ الرَّحْمَةِ. ولَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ قَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ ثَمُودَ قالُوا مِثْلَهُ لِنَبِيِّ اللَّهِ صالِحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] وقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] .
ص 38:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ . قَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلَيْهِ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] .
ص 38:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٢] وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
ص 38:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ . وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ . [الأنعام: ٥٧] وفي سُورَةِ يُونُسَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٥] وفي سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٦] . وفي سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القِطَّ، النَّصِيبُ مِنَ الشَّيْءِ، أيْ عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدْنا بِهِ.
وَأنَّ أصْلَ القِطِّ كِتابُ الجائِزَةِ؛ لِأنَّ المَلِكَ يَكْتُبُ فِيهِ النَّصِيبَ الَّذِي يُعْطِيهِ لِذَلِكَ الإنْسانِ، وجَمْعُهُ قُطُوطٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:(p-٣٣٩)
؎وَلا المَلِكُ النُّعْمانُ حِينَ لَقِيتُهُ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
وَقَوْلُهُ: ويَأْفِقُ أيْ يُفَضِّلُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في العَطاءِ المَكْتُوبِ في القُطُوطِ.
ص 38:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: أوّابٌ. قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٩] .
ص 38:21
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٧٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ص
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الخَصْمَ مُفْرَدٌ، ولَكِنَّ الضَّمائِرَ بَعْدَهُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
والجَوابُ أنَّ الخَصْمَ في الأصْلِ مَصْدَرُ خَصَمَهُ، والعَرَبُ إذا نَعَتَتْ بِالمَصْدَرِ أفْرَدَتْهُ وذَكَّرَتْهُ.
وَعَلَيْهِ فالخَصْمُ يُرادُ بِهِ الجَماعَةُ والواحِدُ والِاثْنانِ، ويَجُوزُ جَمْعُهُ وتَثْنِيَتُهُ لِتَناسِي أصْلِهِ الَّذِي هو المَصْدَرُ وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ الوَصْفِ.
ص 38:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها صُدُورُ بَعْضِ الشَّيْءِ، مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنّا كَلامَ أهْلِ الأُصُولِ في ذَلِكَ في سُورَةِ طه، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] .
واعْلَمْ أنَّ ما يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، مِمّا لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ داوُدَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، كُلُّهُ راجِعٌ إلى الإسْرائِيلِيّاتِ، فَلا ثِقَةَ بِهِ، ولا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وما جاءَ مِنهُ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ.
ص 38:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾، قَدْ بَيَّنّا الحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ، في سُورَةِ البَقَرَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآيَةَ [ ٢ ] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَدْ أمَرَ نَبِيَّهُ داوُدَ فِيهِ، بِالحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ونَهاهُ فِيهِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وأنَّ اتِّباعَ الهَوى، عِلَّةٌ لِلضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ، أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ: سَهى فَسَجَدَ، وسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أوْ لِعِلَّةِ السَّهْوِ في الأوَّلِ، ولِعِلَّةِ السَّرِقَةِ في الثّانِي، وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِالتَّهْدِيدِ لِمَنِ اتَّبَعَ الهَوى، فَأضَلَّهُ رَبُّنا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ يَلِيهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦] .
(p-٣٤٠)وَمَعْلُومٌ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ لا يَحْكُمُ بِغَيْرِ الحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ الهَوى فَيُضِلَّهُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى، يَأْمُرُ أنْبِياءَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْهاهم لِيَشْرَعَ لِأُمَمِهِمْ.
وَلِذَلِكَ أمَرَ نَبِيَّنا ﷺ، بِمِثْلِ ما أمَرَ بِهِ داوُدَ، ونَهاهُ أيْضًا عَنْ مَثَلِ ذَلِكَ، في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [الحجر: ٤٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [الحجر: ٤٩]
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] .
وَبَيَّنّا أنَّ مِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ يُخاطَبُ بِخِطابٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ الخِطابِ غَيْرُهُ يَقِينًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣]، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أباهُ ﷺ تُوُفِّيَ قَبْلَ وِلادَتِهِ، وأنْ أمَّهُ ماتَتْ وهو صَغِيرٌ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَبْلُغُ عِنْدَهُ الكِبَرَ أحَدُهُما، ولا كِلاهُما لِأنَّهُما قَدْ ماتا قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمانٍ.
فَتَبَيَّنَ أنَّ أمْرَهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ونَهْيَهُ لَهُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الآيَةَ، إنَّما يُرادُ بِهِ التَّشْرِيعُ عَلى لِسانِهِ لِأُمَّتِهِ، ولا يُرادُ بِهِ هو نَفْسُهُ ﷺ، وقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ أنَّ مِن أمْثالِ العَرَبِ. إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ، وذَكَرْنا في ذَلِكَ رَجَزَ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ الَّذِي خاطَبَ بِهِ امْرَأةً، وهو يَقْصِدُ أُخْرى وهي أُخْتُ حارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ الطّائِيِّ وهو قَوْلُهُ:
؎يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحَضارَهْ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَهْ
؎أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَهْ ∗∗∗ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَهْ
وَذَكَرْنا هُناكَ الرَّجَزَ الَّذِي أجابَتْهُ بِهِ المَرْأةَ، وقَوْلَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الخِطابَ في (p-٣٤١)قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ الآيَةَ، هو الخِطابُ بِصِيغَةِ المُفْرِدِ، الَّذِي يُرادُ بِهِ عُمُومُ كُلِّ مَن يَصِحُّ خِطابُهُ. كَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ بِالأخْبارِ مَن لَمْ تُزَوِّدِ
أيْ سَتُبْدِي لَكَ ويَأْتِيكَ أيُّها الإنْسانُ الَّذِي يَصِحُّ خِطابُكَ، وعَلى هَذا فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ، غَيْرَ صَحِيحٍ، وفي سِياقِ الآياتِ قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ واضِحَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ هو النَّبِيُّ ﷺ . وعَلَيْهِ فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ، اسْتِدْلالٌ قُرْآنِيٌّ صَحِيحٌ، والقَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ المَذْكُورَةُ، هي أنَّهُ تَعالى قالَ في تِلْكَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي خاطَبَ بِها رَسُولَهُ ﷺ، الَّتِي أوَّلُها: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ الآيَةَ. ما هو صَرِيحٌ، في أنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ هو النَّبِيُّ ﷺ، لا عُمُومُ كُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ الخُطّابُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
ص 38:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وفي آخِرِ سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١١٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ . الإشارَةُ في قَوْلِهِ ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ، ذَلِكَ أيْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ باطِلًا هو ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِنا، والنَّفْيُ في قَوْلِهِ ما خَلَقْنا، مُنْصَبٌّ عَلى الحالِ لا عَلى عامِلِها الَّذِي هو خَلَقْنا، لِأنَّ المَنفِيَّ بِأداةِ النَّفْيِ الَّتِي هي ما: لَيْسَ خَلْقَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، بَلْ هو ثابِتٌ، وإنَّما المَنفِيُّ بِها، هو كَوْنُهُ باطِلًا، فَهي حالٌ شِبْهُ العُمْدَةِ ولَيْسَتْ فَضْلَةً صَرِيحَةً؛ لِأنَّ النَّفْيَ مُنْصَبٌّ عَلَيْها هي خاصَّةً، والكَلامُ لا يَصِحُّ دُونَها. والكَلامُ في هَذا مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ، ونَفْيُ كَوْنِ خَلْقِهِ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ باطِلًا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ ونَزَّهَهُ عَنْهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ، لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ تَعالى.
أمّا تَنْزِيهُهُ نَفْسَهُ عَنْهُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
(p-٣٤٢)ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ، عَنْ كَوْنِهِ خَلَقَهم عَبَثًا، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] أيْ: تَعالى وتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَنْ كَوْنِهِ خَلَقَهم عَبَثًا.
وَأمّا تَنْزِيهُ عِبادِهِ الصّالِحِينَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم سُبْحانَكَ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ، عَنْ أنْ تَكُونَ خَلَقْتَ السَّماواتِ والأرْضَ باطِلًا. فَقَوْلُهم سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ، كَما نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١١٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ وعَلا، فَلَهُ النّارُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ أرْداهُ وجَعَلَهُ مِنَ الخاسِرِينَ، وجَعَلَ النّارَ مَثْواهُ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٢ - ٢٤] .
وَقَوْلُنا في أوَّلِ هَذا المَبْحَثِ الإشارَةُ في قَوْلِهِ ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ الفِعْلَ نَوْعانِ، أحَدُهُما الفِعْلُ الحَقِيقِيُّ، والثّانِي الفِعْلُ الصِّناعِيُّ، أمّا الفِعْلُ الحَقِيقِيُّ، فَهو الحَدَثُ المُتَجَدِّدُ المَعْرُوفُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ بِالمَصْدَرِ.
وَأمّا الفِعْلُ الصِّناعِيُّ، فَهو المَعْرُوفُ في صِناعَةِ عِلْمِ النَّحْوِ بِالفِعْلِ الماضِي، والفِعْلِ المُضارِعِ، وفِعْلِ الأمْرِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُسْتَقِلٌّ عَنِ المُضارِعِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الفِعْلَ الصِّناعِيَّ يَنْحَلُّ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
(p-٣٤٣)المَصْدَرُ اسْمُ ما سِوى الزَّمانِ مِن مَدْلُولَيِ الفِعْلِ كَأمْنٍ مِن أمِن
وَعِنْدَ جَماعاتٍ مِنَ البَلاغِيِّينَ، أنَّهُ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ، وزَمَنٍ ونِسْبَةٍ، وهو الأقْرَبُ، كَما حَرَّرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ البَلاغَةِ في مَبْحَثِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَهم في أنَّ المَصْدَرَ والزَّمَنَ كامِنانِ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ، فَيَصِحُّ رُجُوعُ الإشارَةِ والضَّمِيرِ إلى كُلٍّ مِنَ المَصْدَرِ والزَّمَنِ الكامِنَيْنِ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ.
فَمِثالُ رُجُوعِ الإشارَةِ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ، قَوْلُهُ هُنا: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، فَإنَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو الخَلْقُ كامِنٌ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ، الَّذِي هو الفِعْلُ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ﴾ أيْ خَلْقُ السَّماواتِ المَذْكُورُ الكامِنُ في مَفْهُومِ خَلْقِنا ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَمِثالُ رُجُوعِ الإشارَةِ إلى الزَّمَنِ الكامِنِ في مَفْهُومِ الفِعْلِ الصِّناعِيِّ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠] أيْ ذَلِكَ الزَّمَنُ الكامِنُ في الفِعْلِ هو يَوْمُ الوَعِيدِ.
وَمِثالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْمَصْدَرِ الكامِنِ في مَفْهُومِ الفِعْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] فَقَوْلُهُ: هو، أيِ العَدْلُ الكامِنُ في مَفْهُومٍ اعْدِلُوا، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
ص 38:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ . أمْ في قَوْلِهِ: أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ، وقَوْلُهُ: أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ، كِلْتاهُما، مُنْقَطِعَةٌ وأمِ المُنْقَطِعَةُ، فِيها لِعُلَماءِ العَرَبِيَّةِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ:
الأوَّلُ: أنَّها بِمَعْنى هَمْزَةِ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّها تَشْمَلُ مَعْنى الإنْكارِ والإضْرابِ مَعًا، وهو الَّذِي اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
وَعَلَيْهِ فالإضْرابُ بِها هُنا انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ ووَجْهُ الإنْكارِ بِها عَلَيْهِمْ واضِحٌ؛ لِأنَّ (p-٣٤٤)مَن ظَنَّ بِاللَّهِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ، أنَّهُ يُساوِي بَيْنَ الصّالِحِ المُصْلِحِ، والمُفْسِدِ الفاجِرِ، فَقَدْ ظَنَّ ظَنًّا قَبِيحًا جَدِيرًا بِالإنْكارِ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى، في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَمَّ حُكْمَ مَن يَحْكُمُ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الجاثِيَةِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
ص 38:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: كِتابٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هَذا كِتابٌ، وقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ أنْزَلَ هَذا الكِتابَ، مُعَظِّمًا نَفْسَهُ جَلَّ وعَلا، بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وأنَّهُ كِتابٌ مُبارَكٌ وأنَّ مِن حُكْمِ إنْزالِهِ أنْ يَتَدَبَّرَ النّاسَ آياتِهِ، أيْ يَتَفَهَّمُوها ويَتَعَقَّلُوها ويُمْعِنُوا النَّظَرَ فِيها، حَتّى يَفْهَمُوا ما فِيها مِن أنْواعِ الهُدى، وأنْ يَتَذَكَّرَ أُولُوا الألْبابِ، أيْ يَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، مِن شَوائِبَ الِاخْتِلالِ.
وَكُلُّ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ واضِحًا في آياتٍ أُخَرَ.
أمّا كَوْنُهُ جَلَّ وعَلا، هو الَّذِي أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَأمّا كَوْنُ هَذا الكِتابِ مُبارَكًا، فَقَدْ ذَكَرَهُ في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٢] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] . والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكاتِ، مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وَنَرْجُو اللَّهَ القَرِيبَ المُجِيبَ، إذْ وفَّقَنا لِخِدْمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، أنْ يَجْعَلَنا مُبارَكِينَ أيْنَما كُنّا، وأنْ يُبارِكَ لَنا وعَلَيْنا، وأنْ يَشْمَلَنا بِبَرَكاتِهِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنْ يَعُمَّ جَمِيعَ إخْوانِنا المُسْلِمِينَ، الَّذِينَ يَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ بِالبَرَكاتِ والخَيِّراتِ، في الدُّنْيا والآخِرَةِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
(p-٣٤٥)وَأمّا كَوْنُ تُدَبِّرُ آياتِهِ، مِن حِكَمِ إنْزالِهِ: فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ في بَعْضِ الآياتِ، بِالتَّحْضِيضِ عَلى تَدَبُّرِهِ، وتَوْبِيخِ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْهُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] .
وَأمّا كَوْنُ تَذَكُّرِ أُولِي الألْبابِ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، مُقْتَرِنًا بِبَعْضِ الحِكَمِ الأُخْرى، الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في آيَةِ (ص) هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] فَقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ تَذَكُّرَ أُولِي الألْبابِ، مَن حِكَمِ إنْزالِهِ مُبَيِّنًا مِنها حِكْمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، مَن حِكَمِ إنْزالِهِ، وهُما إنْذارُ النّاسِ بِهِ، وتَحْقِيقُ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَوْنُ إنْذارِ النّاسِ وتَذَكُّرُ أُولِي الألْبابِ، مِن حِكَمِ إنْزالِهِ، ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢] لِأنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ، مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: أُنْزِلَ، والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، والمُؤْمِنُونَ في الآيَةِ لا يَخْفى أنَّهم هم أُولُو الألْبابِ.
وَذِكْرُ حِكْمَةِ الإنْذارِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٥ - ٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ الآيَةَ [يس: ٧٠] .
وَذُكِرَ في آياتٍ أُخَرَ، أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ، الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ مَعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١ - ٢] .
وَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ أنْ يُبَيِّنَ ﷺ لِلنّاسِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولِأجْلِ أنْ يَتَفَكَّرُوا، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
(p-٣٤٦)وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا كَوْنَ لَعَلَّ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، وذِكْرَ حِكْمَةِ التَّبْيِينِ المَذْكُورَةِ مَعَ حِكْمَةِ الهُدى والرَّحْمَةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .
وَبَيَّنَ أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ، تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ والهُدى والبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَبَيَّنَ أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ، إلى النَّبِيِّ ﷺ، أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراهُ اللَّهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما عَلَّمَكَ مِنَ العُلُومِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] .
وَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ إخْراجَ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١] .
وَبَيَّنَ أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ التَّذْكِرَةَ لِمَن يَخْشى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ١ - ٣] أيْ: ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى.
وَهَذا القَصْرُ عَلى التَّذْكِرَةِ إضافِيٌّ، وكَذَلِكَ القَصْرُ في قَوْلِهِ تَعالى الَّذِي ذَكَرْناهُ قَبْلَ هَذا: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٤]، بِدَلِيلِ الحِكَمِ الأُخْرى الَّتِي ذَكَرْناها.
وَبَيَّنَ أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وتَصْرِيفِ اللَّهِ فِيهِ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ أنْ يَتَّقِيَ (p-٣٤٧)النّاسُ اللَّهَ، أوْ يُحْدِثَ لَهم هَذا الكِتابُ ذِكْرًا، أيْ مَوْعِظَةً وتَذَكُّرًا، يَهْدِيَهِمْ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
ص 38:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾ . ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ وهَبَ سُلَيْمانَ لِداوُدَ، وقَدْ بَيَّنَ في سُورَةِ النَّمْلِ أنَّ المَوْهُوبَ ورِثَ المَوْهُوبَ لَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] .
وَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى عَنْ زَكَرِيّا: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥ - ٦] أنَّها وِراثَةُ عِلْمٍ ودِينٍ لا وِراثَةُ مالٍ.
ص 38:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى ما يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ فِيها، مِنَ الرِّواياتِ الَّتِي لا يَخْفى سُقُوطُها، وأنَّها لا تَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، في سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . وما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الرِّواياتِ، أنَّ الشَّيْطانَ أخَذَ خاتَمَ سُلَيْمانَ، وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ وطَرَدَ سُلَيْمانَ إلى آخِرِهِ يُوَضِّحُ بُطْلانَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واعْتِرافُ الشَّيْطانِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] .
ص 38:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُوَضَّحًا بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٨١] .
وَفَسَّرْنا هُناكَ قَوْلَهُ هُنا ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ وذَكَرْنا هُناكَ أوْجُهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنا: رُخاءً، وقَوْلِهِ هُناكَ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] ووَجْهُ الجَمْعِ أيْضًا بَيْنَ عُمُومِ الجِهاتِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ هُنا: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ: حَيْثُ أرادَ وبَيْنَ خُصُوصِ الأرْضِ المُبارَكَةِ المَذْكُورَةِ هُناكَ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٨١] .
ص 38:37
(p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] .
ص 38:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِإزالَةِ ما فِيهِ مِنَ الإشْكالِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ .
ص 38:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا، نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنْ يَذْكُرَ عَبْدَهُ إبْراهِيمَ ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ الذِّكْرَ بِكَوْنِهِ في الكِتابِ، مَعَ أنَّهُ قَيَّدَهُ بِذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ الآيَةَ [مريم: ٤١] .
ص 38:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ . أطْلَقَ هُنا أيْضًا الأمْرَ بِذِكْرِ إسْماعِيلَ وقَيَّدَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ بِكَوْنِهِ في الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٤]، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ أيْضًا بِذِكْرِ جَمِيعِ المَذْكُورِينَ في الكِتابِ. ولِذَلِكَ جاءَ ذِكْرُهم كُلُّهم في القُرْآنِ العَظِيمِ كَما لا يَخْفى.
ص 38:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ، في سُورَةِ الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] .
ص 38:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ، لا نَفادَ لَهُ، أيْ: لا انْقِطاعَ لَهُ ولا زَوالَ، ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (p-٣٤٩)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] .
ص 38:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا ما يُوَضِّحُهُ، مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ذَكَرْنا بَعْضَها في سُورَةِ البَقَرَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٦٦]، وذَكَرْنا بَعْضَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨] وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
ص 38:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ .
قَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، مَعَ بَعْضِ المَباحِثِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .
ص 38:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ هُودٍ، وذَكَرْنا الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالآياتِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] .
ص 38:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الحِينُ المَذْكُورُ هُنا، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَدُلُّ لَهُ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ الحِجْرِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحِينُ المَذْكُورُ هُنا، هو يَوْمُ القِيامَةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بَعْدَ المَوْتِ تَتَبَيَّنُ لَهُ حَقائِقُ الهُدى والضَّلالِ.
واللّامُ في لِتَعْلَمُنَّ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَدْ أكَّدَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم سَيَعْلَمُونَ نَبَأ القُرْآنِ أيْ صِدْقَهُ، وصِحَّةَ جَمِيعِ ما فِيهِ بَعْدَ حِينٍ بِالقَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَهْدِيدِ الكُفّارِ بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ، قَدْ أشارَ إلَيْهِ تَعالى، في سُورَةِ الأنْعامِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٦ - ٦٧] .
(p-٣٥٠)قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، أيْ: لِكُلِّ خَبَرٍ حَقِيقَةٌ ووُقُوعٌ، فَإنْ كانَ حَقًّا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، وإنْ كانَ كَذِبًا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وسَتَعْلَمُونَ صِدْقَ هَذا القُرْآنِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ.
الزمر 39:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّمَرِ
(p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . قَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ، عَلى أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا، إذا ذَكَّرَ تَنْزِيلَهُ لِكِتابِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَعْضِ أسْمائِهِ الحُسْنى، المُتَضَمِّنَةِ صِفاتَهُ العُلْيا.
فَفِي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، لَمّا ذَكَرَ تَنْزِيلَهُ كِتابَهُ، بَيَّنَ أنَّ مَبْدَأ تَنْزِيلِهِ كائِنٌ مِنهُ جَلَّ وعَلا، وذَكَرَ اسْمَهُ اللَّهَ، واسْمَهُ العَزِيزَ، والحَكِيمَ، وذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الجاثِيَةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ١ - ٣]، وفي أوَّلِ سُورَةِ الأحْقافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ١ - ٣] .
وَقَدْ تَكَرَّرَ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ذِكْرُهُ بَعْضَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، بَعْدَ ذِكْرِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ العَظِيمِ،
• كَقَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ فُصَّلَتْ: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١ - ٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ هُودٍ: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]
• وقَوْلِهِ في فُصِّلَتْ: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى في صَدْرِ يس ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٥ - ٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٣ - ٤٤] .
وَلا يَخْفى أنَّ ذِكْرَهُ جَلَّ وعَلا هَذِهِ الأسْماءَ الحُسْنى العَظِيمَةَ، بَعْدَ ذِكْرِهِ تَنْزِيلَ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، يَدُلُّ بِإيضاحٍ، عَلى عَظَمَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وجَلالَةِ شَأْنِهِ وأهَمِّيَّةِ نُزُولِهِ، (p-٣٥٢)والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الزمر 39:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ . في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنْ يَعْبُدَهُ في حالِ كَوْنِهِ، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أيْ مُخْلِصًا لَهُ في عِبادَتِهِ، مِن جَمِيعِ أنْواعِ الشِّرْكِ صَغِيَرِها وكَبِيرِها، كَما هو واضِحٌ مِن لَفْظِ الآيَةِ.
والإخْلاصُ، إفْرادُ المَعْبُودِ بِالقَصْدِ، في كُلِّ ما أمَرَ بِالتَّقَرُّبِ بِهِ إلَيْهِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن كَوْنِ الإخْلاصِ في العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ، لا بُدَّ مِنهُ، جاءَ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا، أنَّهُ ما أمَرَ بِعِبادَةٍ، إلّا عِبادَةً يُخْلِصُ لَهُ العابِدُ فِيها.
أمّا غَيْرُ المُخْلِصِ فَكُلُّ ما أتى بِهِ مِن ذَلِكَ، جاءَ بِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، لا بِأمْرِ رَبِّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآيَةَ [البينة: ٥]، وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإخْلاصِ، في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ. وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيِ: التَّوْحِيدُ الصّافِي مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ وحْدَهُ، وهو الَّذِي أمَرَ بِهِ.
وَقَوْلُ مِن قالَ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المُرادَ بِالدِّينِ الخالِصِ كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا إخْلاصَ العِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، بَيَّنَ شُبْهَةَ الكُفّارِ الَّتِي احْتَجُّوا بِها لِلْإشْراكِ بِهِ تَعالى، في
الزمر 39:3
قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ . فَبَيَّنَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم ما عَبَدُوا الأصْنامَ، إلّا لِأجْلِ أنْ تُقَرِّبَهم مِنَ اللَّهِ زُلْفى، والزُّلْفى: القَرابَةُ.
(p-٣٥٣)فَقَوْلُهُ: زُلْفى، ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ لِيُقَرِّبُونا، أيْ لِيُقَرِّبُونا إلَيْهِ قَرابَةً تَنْفَعُنا بِشَفاعَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ.
وَلِذا كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكْ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [الأنعام: ٣٥] أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ ادِّعاءِ الشُّفَعاءِ، واتِّخاذِ المَعْبُوداتِ مَن دُونِ اللَّهِ وسائِطَ مَن أصُولِ كُفْرِ الكُفّارِ.
وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
فَصَرَّحَ تَعالى بِأنَّ هَذا النَّوْعَ، مِنِ ادِّعاءِ الشُّفَعاءِ شِرْكٌ بِاللَّهِ، ونَزَّهَ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَنْهُ، بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وأشارَ إلى ذَلِكَ في آيَةِ الزُّمَرِ هَذِهِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا لِما قالَ عَنْهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] .
وَقَوْلُهُ: كُفّارٌ، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِينَ قالُوا ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى جامِعُونَ بِذَلِكَ، بَيْنَ الكَذِبِ والمُبالَغَةِ في الكُفْرِ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ لِهَذا زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ النّاسِ.
الزمر 39:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضَّحَةَ، بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] .
الزمر 39:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ خَلَقَ بَنِي آدَمَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ هي أبُوهم (p-٣٥٤)آدَمُ، ثُمَّ جَعَلَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ، زَوْجَها يَعْنِي حَوّاءَ. أيْ: وبَثَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ مِنهُما، وأوْضَحَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقَوْلِهِ في الأعْرافِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٩]، وتَأْنِيثُ الوَصْفِ، بِقَوْلِهِ واحِدَةٍ، مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ مُذَكَّرٌ، وهو آدَمُ نَظَرًا إلى تَأْنِيثِ لَفْظِ النَّفْسِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مُذَكَّرًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ:
؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى وأنْتَ خَلِيفَةُ ذاكَ الكَمالِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذِهِ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ بِنَصِّ القُرْآنِ العَظِيمِ، في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحَجِّ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥] وبَيَّنّا هُناكَ المُرادَ بِالظُّلُماتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ هُنا.
الزمر 39:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ . قَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ الغِنى المُطْلِقَ، وأنَّهُ لا يَضُرُّهُ كُفْرُهم بِهِ، والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨]،
وقَدْ أوْضَحْنا هَذا بِالآياتِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
* *
(p-٣٥٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ مَعَ إزالَةِ الإشْكالِ، والجَوابِ عَنِ الأسْئِلَةِ الوارِدَةِ، عَلى تِلْكَ الآياتِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وأوْضَحْنا ذَلِكَ، مَعَ إزالَةِ الإشْكالِ في بَعْضِ الآياتِ، في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥] .
الزمر 39:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ يُونُسَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ الآيَةَ [يونس: ١٢] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ الإشارَةِ إلى بَحْثِ أُصُولِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] .
الزمر 39:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في مَحَلٍّ لا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُهاجِرَ مِنهُ، في مَناكِبِ أرْضِ اللَّهِ الواسِعَةِ، حَتّى يَجِدَ مَحَلًّا تُمَكِّنُهُ فِيهِ إقامَةَ دِينِهِ.
وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، ولا يَخْفى أنَّ التَّرْتِيبَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى ذَلِكَ.
الزمر 39:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ .
(p-٣٥٦)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، مِن أوْجُهٍ في سُورَةِ يُونُسَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] .
الزمر 39:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، في سُورَةِ الأنْبِياءِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٩]، وذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ، في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] .
الزمر 39:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن تَحْقِيقِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ الفاتِحَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
الزمر 39:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ، ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، مِن وحْيِ الكِتابِ والسَّنَةِ، ومِن إطْلاقِ القَوْلِ عَلى القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٦٨] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] أيْ: يُقَدِّمُونَ الأحْسَنَ، الَّذِي هو أشَدُّ حُسْنًا، عَلى الأحْسَنِ الَّذِي هو دُونَهُ في الحُسْنِ، ويُقَدِّمُونَ الأحْسَنَ مُطْلَقًا عَلى الحَسَنِ. ويَدُلُّ لِهَذا آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ.
أمّا الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القَوْلَ الأحْسَنَ المُتَّبَعَ. ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ، فَهو في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى يَأْمُرُهُ بِالأخْذِ بِأحْسَنِ ما في التَّوْراةِ: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعراف: ١٤٥] .
وَأمّا كَوْنُ القُرْآنِ فِيهِ الأحْسَنُ والحَسَنُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِهِ.
واعْلَمْ أوَّلًا أنَّهُ لا شَكَّ في أنَّ الواجِبَ أحْسَنُ مِنَ المَندُوبِ، وأنَّ المَندُوبَ أحْسَنُ مِن (p-٣٥٧)مُطْلَقِ الحَسَنِ، فَإذا سَمِعُوا مَثَلًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] قَدَّمُوا فِعْلَ الخَيْرِ الواجِبَ، عَلى فِعْلِ الخَيْرِ المَندُوبِ، وقَدَّمُوا هَذا الأخِيرَ، عَلى مُطْلَقِ الحَسَنِ الَّذِي هو الجائِزُ، ولِذا كانَ الجَزاءُ بِخُصُوصِ الأحْسَنِ الَّذِي هو الواجِبُ والمَندُوبُ، لا عَلى مُطْلَقِ الحَسَنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ تَعالى ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وبَيَّنّا هُناكَ دَلالَةَ الآياتِ عَلى أنَّ المُباحَ حَسَنٌ، كَما قالَ صاحِبُ المَراقِي:
ما رَبُّنا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَسَنُ وغَيْرُهُ القَبِيحُ والمُسْتَهْجَنُ
وَمِن أمْثِلَةِ التَّرْغِيبِ في الأخْذِ بِالأحْسَنِ وأفْضَلِيَّتِهِ مَعَ جَوازِ الأخْذِ بِالحَسَنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] فالأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لِلْجَوازِ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِحَسَنٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِانْتِقامَ حَسَنٌ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ والصَّبْرَ، خَيْرٌ مِنهُ وأحْسَنُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في إباحَةِ الِانْتِقامِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٣]، مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ خَيْرٌ مِنهُ، في قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وكَقَوْلِهِ في جَوازِ الِانْتِقامِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] مَعَ أنَّهُ أشارَ إلى أنَّ العَفْوَ خَيْرٌ مِنهُ، وأنَّهُ مِن صِفاتِهِ جَلَّ وعَلا مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] . وكَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا مُثْنِيًا عَلى مَن تَصَدَّقَ، فَأبْدى صَدَقَتَهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ إخْفاءَها وإيتاءَها الفُقَراءَ، خَيْرٌ مِن إبْدائِها الَّذِي مَدَحَهُ بِالفِعْلِ الجامِدِ، الَّذِي هو لِإنْشاءِ المَدْحِ الَّذِي هو نَعِمَّ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] .
(p-٣٥٨)وَكَقَوْلِهِ في نِصْفِ الصَّداقِ اللّازِمِ، لِلزَّوْجَةِ بِالطَّلاقِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولا شَكَّ أنَّ أخْذَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النِّصْفَ حَسَنٌ، لِأنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ في كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ رَغَّبَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، أنْ يَعْفُوَ لِلْآخَرِ عَنْ نِصْفِهِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى وذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ثُمَّ أرْشَدَ إلى الأحْسَنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ثُمَّ أرْشَدَ إلى الأحْسَنِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] .
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالًا غَيْرَ الَّذِي اخْتَرْنا.
مِنها ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في مَعْنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ قالَ: ”هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ، ويَنْكَفُّ عَنِ القَبِيحِ، فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ“ .
وَقِيلَ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ، فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ.
وَقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأحْسَنِ القَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبَعْضُ مَن يَقُولُ بِهَذا يَقُولُ: إنِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قَبْلَ بَعْثِ الرَّسُولِ ﷺ، كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ، وأبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.
الزمر 39:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ . أظْهَرُ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لَكِنَّ فِيها حَذْفًا، وحَذْفُ ما دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ واضِحٌ، لا إشْكالَ فِيهِ.
والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، تُخَلِّصُهُ أنْتَ مِنهُ، والِاسْتِفْهامُ مُضَمَّنٌ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا تُخَّلِصُ أنْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ أحَدًا سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِن ذَلِكَ العَذابِ، وهَذا المَحْذُوفُ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ .
وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا قَوْلِي المُفَسِّرِينَ في أداةِ الِاسْتِفْهامِ المُقْتَرِنَةِ بِأداةِ عَطْفٍ كالفاءِ والواوِ (p-٣٥٩)وَثُمَّ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ .
أمّا القَوْلُ بِأنَّ الكَلامَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطِيَّةٌ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُ الكَلامِ: أمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَأنْتِ تُنْقِذُهُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والفاءُ فاءُ الجَزاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الفاءُ الَّتِي في أوَّلِها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ، تَقْدِيرُهُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَمِن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ هي الأُولى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووَضْعِ مَن في النّارِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فالآيَةُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، فَإنَّهُ لا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ.
واعْلَمْ أنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ يس في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٧]، وبَيَّنّا دَلالَةَ الآياتِ عَلى المُرادِ بِكَلِمَةِ العَذابِ.
الزمر 39:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن وعْدِ أهْلِ الجَنَّةِ بِالغُرَفِ المَبْنِيَّةِ، ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]، لِأنَّ المَساكِنَ الطَّيِّبَةَ المَذْكُورَةَ في التَّوْبَةِ والصَّفِّ صادِقَةٌ بِالغُرَفِ المَذْكُورَةِ في الزُّمَرِ وسَبَأٍ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذا في سُورَةِ الفُرْقانِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٥] .
الزمر 39:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ . اليَنابِيعُ: جَمْعُ يَنْبُوعٍ، وهو الماءُ الكَثِيرُ.
وَقَوْلُهُ: فَسَلَكَهُ أيْ أدْخَلَهُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ، والآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ هُودٍ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٠] .
(p-٣٦٠)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن سُورَةِ الزُّمَرِ، قَدْ أوْضَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ما يُماثِلُهُ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ الرُّومِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وأحَلْنا عَلَيْهِ في سُورَةِ فاطِرٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ الآيَةَ [فاطر: ٢٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ نَضارَةِ ذَلِكَ الزَّرْعِ وخُضْرَتِهِ يَيْبَسُ، ويَتِمُّ جَفافُهُ ويَثُورُ مِن مَنابِتِهِ فَتَراهُ أيُّها النّاظِرُ مُصْفَرًّا يابِسًا، قَدْ زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ. ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ فُتاتًا، مُتَكَسِّرًا، هَشِيمًا، تَذْرُوهُ الرِّياحُ، إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن حالاتِ ذَلِكَ الزَّرْعِ، المُخْتَلِفِ الألْوانِ، لَذِكْرى أيْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا لِأُولِي الألْبابِ، أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مِن شَوائِبِ الِاخْتِلالِ، فَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا مَصِيرَ هَذا الزَّرْعِ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّ ما وعَظَ بِهِ خَلْقَهُ هُنا مِن حالاتِ هَذا الزَّرْعِ شَبِيهٌ أيْضًا بِالدُّنْيا. فَوَعَظَ بِهِ في مَوْضِعٍ وشَبَّهَ بِهِ حالَةَ الدُّنْيا في مَوْضِعٍ آخَرَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ [الحديد: ٢٠] . ويُبَيِّنُ في سُورَةِ الرُّومِ أنَّ مِن أسْبابِ اصْفِرارِهِ المَذْكُورِ إرْسالُ الرِّيحِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١] .
الزمر 39:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
الزمر 39:23
(p-٣٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٧]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَوْضِعِ.
الزمر 39:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيِّمًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١ - ٢] . وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قُرْآنًا انْتُصِبَ عَلى الحالِ وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةٌ لَهُ وقِيلَ انْتُصِبَ عَلى المَدْحِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: عَرَبِيًّا، أيْ: لِأنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . وقالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . وقالَ في أوَّلِ الزُّخْرُفِ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . وقالَ في طه ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقالَ تَعالى في فُصِّلَتْ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] وقالَ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وقالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّورى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ الآيَةَ [الشورى: ٧] .
وَقالَ تَعالى في الرَّعْدِ: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى شَرَفِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وعِظَمِها، دَلالَةً لا يُنْكِرُها إلّا مُكابِرٌ.
الزمر 39:33
(p-٣٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ . أوْضَحَ جَلَّ وعَلا أنَّ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الَّذِينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣ - ٣٤] .
وَقَدْ ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ ”الَّذِي“ تَأْتِي بِمَعْنى الَّذِينَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ، قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ الزُّمَرِ هَذِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] أيِ: الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]
• وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أيْ: كالَّذِينَ يُنْفِقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ الآيَةَ.
• وقَوْلِهِ تَعالى في التَّوْبَةِ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]
عَلى القَوْلِ بِأنَّ الَّذِي مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أشْهَبَ بْنِ رُمَيْلَةَ:
؎وَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ
وَقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:
؎فَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِي الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيٌّ ورُشْدُهم رُشْدُ
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا رَبَّ عَبْسٍ لا تُبارِكْ في أحَدْ
؎فِي قائِمٍ مِنها ولا فِيمَن قَعَدْ ∗∗∗ إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّمَرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ .
ظاهِرٌ في الإفْرادِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ الجَمْعِ مُحَرَّرًا بِشَواهِدِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧] .
الزمر 39:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣١] .
الزمر 39:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وفي سُورَةِ (p-٣٦٣)النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
الزمر 39:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأنْفالِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِكافٍ عَبْدَهُ، بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الباءِ، بِإفْرادِ العَبْدِ، والمُرادُ بِهِ، النَّبِيُّ ﷺ . كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٤] .
وَأمّا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ عِبادَهُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتَحِ الباءِ بَعْدَها ألِفٌ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَشْمَلُ عِبادَهُ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ وأتْباعَهم.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ عَبَدَةُ الأوْثانِ، يُخَوِّفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، بِالأوْثانِ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ لَهُ: إنَّها سَتَضُرُّهُ وتَخْبِلُهُ، وهَذِهِ عادَةُ عَبَدَةِ الأوْثانِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، يُخَوِّفُونَ الرُّسُلَ بِالأوْثانِ ويَزْعُمُونَ أنَّها سَتَضُرُّهم وتَصِلُ إلَيْهِمْ بِالسُّوءِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، لا يَخافُونَ غَيْرَ اللَّهِ ولا سِيَّما الأوْثانُ، الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولِذا قالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ لَمّا خَوَّفُوهُ بِها: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨١] .
وَقالَ عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ وما ذَكَرَهُ لَهُ قَوْمُهُ مِن ذَلِكَ: إنْ ﴿نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] .
وَقالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، مُخاطِبًا نَبِيَّنا ﷺ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَخْوِيفَهم لَهُ بِأصْنامِهِمْ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] .
(p-٣٦٤)وَمَعْلُومٌ أنَّ الخَوْفَ مِن تِلْكَ الأصْنامِ مَن أشْنَعِ أنْواعِ الكُفْرِ والإشْراكِ بِاللَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّ الشَّيْطانَ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، الَّذِينَ هم أتْباعُ الرُّسُلِ مِن أتْباعِهِ وأوْلِيائِهِ مِنَ الكُفّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] .
والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ حُذِفَ فِيهِ المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ الآيَةَ.
الزمر 39:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِهِ، لا تَقْدِرُ أنْ تَكْشِفَ ضُرًّا أرادَ اللَّهُ بِهِ أحَدًا، أوْ تُمْسِكَ رَحْمَةً أرادَ بِها أحَدًا، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٧]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
الزمر 39:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٥] .
الزمر 39:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ . (p-٣٦٥)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا وهُمُ الكُفّارُ، ولَوْ كانَ لَهم في الآخِرَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ، لَفَدَوْا أنْفُسَهم بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ الَّذِي عايَنُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ وصَرَّحَ فِيها بِأنَّهُ لا فِداءَ البَتَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦ - ٣٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] .
• وقَوْلِهِ ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أيْ: وإنْ تَفْتَدِ كُلَّ فِداءِ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٨] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٣]، والعَدْلُ الفِداءُ.
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [الرعد: ١٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩١] .
الزمر 39:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِهِمُ الَّتِي اكْتَسَبُوها في الدُّنْيا، فالظّاهِرُ أنَّهُ أطْلَقَ السَّيِّئاتِ هُنا مُرادًا بِها جَزاؤُها.
وَنَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا إطْلاقُ العِقابِ، عَلى جَزاءِ العِقابِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠] .
(p-٣٦٦)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّهم يَبْدُو لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، حَقِيقَةَ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [ ١٠ ]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الزمر 39:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ يُونُسَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٢] .
الزمر 39:53
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْرِفِينَ لَيْسَ لَهم أنْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] .
والجَوابُ أنَّ الإسْرافَ يَكُونُ بِالكُفْرِ ويَكُونُ بِارْتِكابِ المَعاصِي دُونَ الكُفْرِ، فَآيَةُ ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ في الإسْرافِ الَّذِي هو كُفْرٌ.
وَآيَةُ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في الإسْرافِ بِالمَعاصِي دُونَ الكُفْرِ، ويُجابُ أيْضًا بِأنَّهُ آيَةُ: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ فِيما إذا لَمْ يَتُوبُوا، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ فِيما إذا تابُوا.
والأمْرُ الثّانِي: أنَّها دَلَّتْ عَلى غُفْرانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُغْفَرُ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى.
والجَوابُ أنَّ آيَةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، مُخَصِّصَةٌ لِهَذِهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ (p-٣٨١)[الزمر: ٥٤]، فَإنَّهُ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ كَثِيرٍ.
الزمر 39:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وقَدَّمْنا طَرَفًا مِنهُ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
الزمر 39:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مِن جِهاتٍ في سُورَةِ الأعْرافِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
الزمر 39:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ وعَلى ما يُماثِلُهُ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٠٦] .
* *
(p-٣٦٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، مَعَ بَيانِ جُمْلَةً مِن آثارِ الكِبْرِ السَّيِّئَةِ، في سُورَةِ الأعْرافِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] .
الزمر 39:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
وَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ المائِدَةِ الآيَةَ المُتَضَمِّنَةَ لِلْقَيْدِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآياتِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥] .
الزمر 39:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ يس، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
الزمر 39:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ . اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالشُّهَداءِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: هُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ كانُوا يُحْصُونَ أعْمالَهم في الدُّنْيا، واسْتَدَلَّ مَن قالَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشُّهَداءُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ . (p-٣٦٨)وَقِيلَ: الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ في الآيَةِ عِنْدِي، أنَّ الشُّهَداءَ هُمُ الرُّسُلُ مِنَ البَشَرِ، الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى الأُمَمِ، لِأنَّهُ لا يَقْضِي بَيْنَ الأُمَّةِ حَتّى يَأْتِيَ رَسُولُها، كَما صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] فَصَرَّحَ جَلَّ وعَلا بِأنَّهُ يَسْألُ الرُّسُلَ عَمّا أجابَتْهم بِهِ أُمَمُهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقَدْ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] لِأنَّ كَوْنَهُ ﷺ هو الشَّهِيدُ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أُمَّتُهُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّهِيدَ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ هو رَسُولُها.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّهِيدَ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ مِن أنْفُسِ الأُمَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] والرُّسُلُ مِن أنْفُسِ الأُمَمِ كَما قالَ تَعالى في نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ:
﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٤] .
والمُسَوِّغُ لِلْإيجازِ بِحَذْفِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ [الزمر: ٦٩] هو أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا نِزاعَ فِيهِ، أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِهِمْ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرُ الكِسائِيِّ وهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وجِيءَ بِكَسْرِ الجِيمِ كَسْرَةٍ خالِصَةٍ.
وَقَرَأهُ الكِسائِيِّ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِإشْمامِ الكَسْرَةِ الضَّمِّ.
وَإنَّما كانَ الإشْمامُ هُنا جائِزًا، والكَسْرُ جائِزًا، لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ في الآيَةِ البَتَّةَ، لَبْسٌ بَيْنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، والمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: وجِيءَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ولا يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ بِوَجْهٍ، وما كانَ كَذَلِكَ جازَ فِيهِ الكَسْرُ الخالِصُ وإشْمامُ الكَسْرَةِ الضَّمَّ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎واكْسِرْ أوْ أشْمِمْ فا ثُلاثِيٍّ أُعِلْ عَيْنًا وضُمَّ حاءَ كَبُوعَ فاحْتُمِلْ
(p-٣٦٩)أمّا إذا أسْنَدَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ الرَّفْعِ المُتَّصِلِ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إلى اللَّبْسِ، فَيُشْتَبَهُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، بِالمَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ اجْتِنابُ الشَّكْلِ الَّذِي يُوجِبُ اللَّبْسَ، والإتْيانَ بِما يُزِيلُ اللَّبْسَ مِن شَكْلٍ أوْ إشْمامٍ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَإنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ، وقَدْ أنْشَدَهُ صاحِبُ اللِّسانِ:
؎وَإنِّي عَلى المَوْلى وإنْ قَلَّ نَفْعُهُ ∗∗∗ دُفُوعٌ إذا ما ضُمْتُ غَيْرُ صَبُورِ
فَقَوْلُهُ: ضُمْتُ أصْلُهُ ضِيمْتُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَيَجِبُ الإشْمامُ أوِ الضَّمُّ؛ لِأنَّ الكَسْرَ الخالِصَ يَجْعَلُهُ مُحِتَمِلًا لِلْبِناءِ لِلْفاعِلِ كَبِعْتُ وسِرْتُ. وقَوْلُ جَرِيرٍ يَرْثِي المَرّارَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ:
؎وَأقُولُ مِن جَزَعٍ وقَدْ فُتْنا بِهِ ∗∗∗ ودُمُوعُ عَيْنِي في الرِّداءِ غِزارُ
؎لِلدّافِنِينَ أخا المَكارِمِ والنَّدا ∗∗∗ لِلَّهِ ما ضُمِنَتْ بِكَ الأحْجارُ
أصْلُهُ فُوتْنا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَيَجِبُ الكَسْرُ أوِ الإشْمامُ؛ لِأنَّ الضَّمَّ الخالِصَ يَجْعَلُهُ مُحْتَمِلًا لِلْبِناءِ لِلْفاعِلِ، كَقُلْنا وقُمْنا.
الزمر 39:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ﴾ زُمَرًا. الزُّمَرُ: الأفْواجُ المُتَفَرِّقَةُ، واحِدُهُ زُمْرَةٌ، وقَدْ عَبَّرَ تَعالى عَنْها هُنا بِالزُّمَرِ، وعَبَّرَ عَنْها في المُلْكِ بِالأفْواجِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ الآيَةَ [الملك: ٨]، وعَبَّرَ عَنْها في الأعْرافِ بِالأُمَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨] .
وَقالَ في فُصِّلَتْ: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] .
وَمِن إطْلاقِ الزُّمَرِ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ:(p-٣٧٠)
؎وَتَرى النّاسَ إلى مَنزِلِهِ زُمَرًا تَنْتابُهُ بَعْدَ زُمَرْ
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎إنَّ العُفاةَ بِالسُّيُوبِ قَدْ غَمَرَ ∗∗∗ حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرًا بَعْدَ زَمَرْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
الزمر 39:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ جَلَّ وعَلا هُنا عَدَدَ أبْوابِها المَذْكُورَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ، في سُورَةِ الحِجْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: (فُتِّحَتْ) بِالتّاءِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] .
الزمر 39:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها وعايَنُوا ما فِيها مِنَ النَّعِيمِ، حَمِدُوا رَبَّهم وأثْنَوْا عَلَيْهِ، ونَوَّهُوا بِصِدْقِ وعْدِهِ لَهم، وذَكَرَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤٤] .
(p-٣٧١)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٤] .