Adwa' Al-Bayan — الانشقاق 84:1 – الضحى 93:11
المحتويات
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:17
- البروج 85:19
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:13
- الطارق 86:15
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:16
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:25
- الفجر 89:1
- الفجر 89:4
- الفجر 89:6
- الفجر 89:15
- الفجر 89:17
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:6
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- الشمس 91:1
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:11
- الليل 92:1
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الضحى 93:1
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
الانشقاق 84:1
(p-٤٦٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْشِقاقِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الِانْفِطارِ“، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، والإحالَةُ عَلى كَلامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَتَيِ ”الشُّورى“ و ”ق“ .
الانشقاق 84:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
تَقَدَّمَ بَيانُ مادَّةِ ”أذِنَ“ في سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“، عِنْدَ الكَلامِ عَلى الأذانِ، ”وَأذِنَتْ“ هُنا بِمَعْنى اسْتَمَعَتْ وأطاعَتْ، ”وَحُقَّتْ“ أيْ: حُقَّ لَها أوْ هي مَحْقُوقَةٌ بِذَلِكَ، أيْ: لا يُوجَدُ مُمانِعٌ لِهَذا الأمْرِ.
وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ في ”أذِنَتْ“، أيْ: لَمّا لَمْ يَكُنْ مُمانَعَةً مِن تَشَقُّقِها، كانَ ذَلِكَ بِمَثابَةِ الِامْتِثالِ والِاسْتِماعِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ لِلْجَماداتِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى حالَةً لا كَهي بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ في مَبْحَثِ أوَّلِ ”الحَشْرِ“ في مَعْنى التَّسْبِيحِ مِنَ الجَماداتِ.
وَقَدْ جاءَ صَرِيحًا في حَقِّ السَّماءِ والأرْضِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
الانشقاق 84:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾
أيْ: سُوِّيَتْ وأُزِيلَتْ جِبالُها، وسُوِّيَتْ وِهادُها، كَما قالَ تَعالى: (p-٤٦٧)﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] .
وَمِن هَذا الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عَلِيٍّ. وساقَ هَذا الثّانِي ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ الأرْضَ مَدَّ الأدِيمِ، حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُدْعى» . الحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تُمَدُّ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ العُكاظِيُّ. وعِنْدَ القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”يُزادُ فِيها كَذا وكَذا“ .
وَقالَ الرّازِيُّ: هو بِمَعْنى تَبَدُّلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ، والواقِعُ أنَّ اسْتِبْدالَ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ لَيْسَ عَلى مَعْنى الذَّهابِ بِهَذِهِ المَوْجُودَةِ والإتْيانِ بِأرْضٍ جَدِيدَةٍ، لِما جاءَ في حَدِيثِ الأذانِ: «ما مِن حَجَرٍ ولا مَدَرٍ ولا شَجَرٍ، يَسْمَعُ صَوْتَ المُؤَذِّنِ إلّا سَيَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» . والَّذِي يُؤْتى لَهُ مِن جَدِيدٍ لا يَتَأتّى لَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَشْهَدْهُ، وعَلى كُلٍّ فَإنَّ تَسْيِيرَ الجِبالِ وتَسْوِيَةَ الأرْضِ لا شَكَّ أنَّهُ يُوجَدُ زِيادَةً في وجْهِ الأرْضِ ومِساحَتِها، فَسَواءٌ مُدَّتْ بِكَذا وكَذا - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - أوْ مُدَّتْ بِتَوْسِعَةِ أدِيمِها وزِيدَ في بَسْطِها، بَعْدَ أنْ تُلْقِي ما في جَوْفِها كالشَّيْءِ السَّمِيكِ إذا ما ضُغِطَ، فَخَفَّتْ سِماكَتُهُ وزادَتْ مِساحَتُهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٦] .
فَيَكُونُ مَدُّ الأرْضِ بِسَبَبِ دَكِّها، فَيُزادُ في بَسْطِها، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ هو ما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ لِجَمْعِ الأمْرَيْنِ هُنا، ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾، فَهو وِفْقُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾، وبَعْدَها: ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾
واللَّهُ أعْلَمُ.
الانشقاق 84:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ (p-٤٦٨)قِيلَ: " ألْقَتْ كُنُوزَها وتَخَلَّتْ عَنْها، ورُدَّ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ السّاعَةِ.
وَقِيلَ: ”ألْقَتِ“ المَوْتى ”وَتَخَلَّتْ“ عَنْهم بَعْدَ قِيامِهِمْ وبَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ؛ فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِ الأرْضِ أحَدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ”وَتَخَلَّتْ“: أيْ: بَعْدَ أنْ كانَتْ لَهم كِفاتًا أحْياءً وأمْواتًا، وبَعْدَ أنْ كانَتْ لَهم مِهادًا، لَفَظَتْهم وتَخَلَّتْ عَنْهم، وهَذا ما يَزِيدُ في رَهْبَةِ المَوْقِفِ وشِدَّتِهِ والتَّضْيِيقِ عَلى العِبادِ، وألّا مَلْجَأ لَهم ولا مَنجى إلّا إلى اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١١ - ١٢] .
الانشقاق 84:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾
أيْ: كَما أذِنَتِ السَّماءُ، فالكَوْنُ كُلُّهُ أُذُنٌ مُطِيعٌ مُنْقادٌ لِأوامِرِ اللَّهِ، طَوْعًا أوْ كَرْهًا.
الانشقاق 84:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾
قِيلَ: الإنْسانُ لِلْجِنْسِ وقِيلَ لِفَرْدٍ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ولَكِنَّ السِّياقَ يَدُلُّ لِلْأوَّلِ لِلتَّقْسِيمِ الآتِي، فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِفَرْدٍ، وإنَّما لِلْجِنْسِ وعَلى أنَّهُ لِلْجِنْسِ فالكَدْحُ العَمَلُ جُهْدَ النَّفْسِ.
وَقالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وَقالَ غَيْرُهُ مُشِيرًا إلى أنَّ الكَدْحَ فِيهِ مَعْنى النَّصَبِ:
؎وَمَضَتْ بِشاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالِحٍ ∗∗∗ وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحَياةِ وأنْصَبُ
وَيَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] كَما قَدَّمْنا في مَحَلِّهِ.
تَنْبِيهٌ.
مِن هَذا العَرْضِ القُرْآنِيِّ الكَرِيمِ مِن مُقَدِّمَةِ تَغْيِيرِ أوْضاعِ الكَوْنِ سَماءً وأرْضًا، ووَضْعِ الإنْسانِ فِيهِ يَكْدَحُ إلى رَبِّهِ ﴿كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِن (p-٤٦٩)خِلالِ كَدْحِهِ، فَإنَّ العاقِلَ المُتَبَصِّرَ لا يَجْعَلُ كَدْحَهُ إلّا فِيما يُرْضِي اللَّهَ ويَرْضى هو بِهِ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ ما دامَ أنَّهُ كادِحٌ، لا مَحالَةَ كَما هو مُشاهَدٌ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ عامٌّ في الشُّمُولِ لِكُلِّ إنْسانٍ مَهْما كانَ حالُهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ومِن بَرِّ وفاجِرٍ، والكُلُّ يَكْدَحُ ويَعْمَلُ جاهِدًا لِتَحْصِيلِ ما هو مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، كَما في الحَدِيثِ: «اعْمَلُوا كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» أيْ: ومُجِدٌّ فِيهِ وراضٍ بِهِ، وهَذا مُنْتَهى حِكْمَةِ العَلِيمِ الخَبِيرِ.
وَمِمّا هو جَدِيرٌ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، هو أنَّهُ إذا كانَتِ السَّماءُ مَعَ عِظَمِ جِرْمِها، والأرْضُ مَعَ مِساحَةِ أصْلِها ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾، مَعَ أنَّها لَمْ تَتَحَمَّلْ أمانَةً، ولَنْ تُسْألَ عَنْ واجِبٍ، فَكَيْفَ بِالإنْسانِ عَلى ضَعْفِهِ ؟ ! ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧]، وقَدْ تَحْمِلُ أمانَةَ التَّكْلِيفِ فَأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ، فَكانَ أحَقُّ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ في كَدْحِهِ، إلى أنْ يَلْقى رَبَّهُ لِما يُرْضِيهِ.
الانشقاق 84:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾
فِي هَذا التَّفْصِيلِ بَيانٌ لِمَصِيرِ الإنْسانِ نَتِيجَةَ كَدْحِهِ، وما سُجِّلَ عَلَيْهِ في كِتابِ أعْمالِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ في ”الِانْفِطارِ“ قَوْلَهُ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٨] .
وَجاءَ في ”المُطَفِّفِينَ“: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، ثُمَّ بَعْدَهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] .
جاءَ هُنا بَيانُ إتْيانِهِمْ هَذِهِ الكُتُبَ مِمّا يُشِيرُ إلى ارْتِباطِ هَذِهِ السُّوَرِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، في بَيانِ مَآلِ العالَمِ كُلِّهِ ومَصِيرِ الإنْسانِ نَتِيجَةَ عَمَلِهِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ مَباحِثُ إتْيانِ الكُتُبِ بِاليَمِينِ وبِالشِّمالِ ومِن وراءِ الظَّهْرِ، عِنْدَ كُلٍّ مِن (p-٤٧٠)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١]، وبَيْنَ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ أهْلُ اليَمِينِ وأهْلُ الشِّمالِ، وأحالَ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ وهُنا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى حالَةً مِن حالاتِ كِلا الفَرِيقَيْنِ.
فالأُولى: ”يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا“ وهو العَرْضُ فَقَطْ دُونَ مُناقَشَةٍ، كَما في حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ» .
والثّانِيَةُ: يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِالثُّبُورِ وهو الهَلاكُ، ومِنهُ: المُواطَأةُ عَلى الشَّيْءِ، سُمِّيَتْ مُثابَرَةً، لِأنَّهُ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ في طَلَبِهِ.
وَهُنا مُقابَلَةٌ عَجِيبَةٌ بالِغَةُ الأهَمِّيَّةِ، وذَلِكَ بَيْنَ سُرُورَيْنِ أحَدُهُما آجِلٌ، والآخِرُ عاجِلٌ.
فالأوَّلُ في حَقِّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، أنَّهُ يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا يُنادِي فَرَحًا: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، وأهْلُهُ آنَذاكَ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ والوِلْدانِ، ومِن أقارِبِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، فَهم وإنْ كانُوا مُلْحَقِينَ بِهِمْ إلّا أنَّهم مِن أهْلِهِمْ، وهَذا مِن تَمامِ النِّعْمَةِ أنْ يُعْلِمَ بِها مَن يَعْرِفُهُ مِن أهْلِهُ، وهَذا مِمّا يَزِيدُ سُرُورَ العَبْدِ، وهو السُّرُورُ الدّائِمُ.
والآخَرُ سُرُورٌ عاجِلٌ، وهو لِمَن أُعْطُوا كُتُبَهم بِشِمالِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا في أمَلِهِمْ مَسْرُورِينَ في الدُّنْيا، وشَتّانَ بَيْنَ سُرُورٍ وسُرُورٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ هُنا نَتِيجَةَ سُرُورِ أُولَئِكَ في الدُّنْيا، بِأنَّهم يَصِلُونَ سَعِيرًا، ولَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ سُرُورِ الآخَرِينَ، ولَكِنْ بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو خَوْفُهم مِنَ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨] .
وَهُنا يُقالُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَجْمَعْ عَلى عَبْدِهِ خَوْفانِ، ولَمْ يُعْطِهِ الأمْنانِ مَعًا، (p-٤٧١)فَمَن خافَهُ في الدُّنْيا أمَّنَهُ في الآخِرَةِ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] .
وَمِن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، وقَضى كُلَّ شَهَواتِهِ، وكانَ لا يُبالِي فَيُؤْتى كِتابَهُ بِشِمالِهِ ويَصْلى سَعِيرًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٧]، تَكْذِيبًا لِلْبَعْثِ.
وَقَوْلُهُ هَذا هو بِعَيْنِهِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، هَذا الظَّنُّ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في حَقِّ المُطَفِّفِينَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤ - ٥]، مِمّا يُشْعِرُ أنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِالبَعْثِ أوِ الشَّكَّ فِيهِ هو الدّافِعُ لِكُلِّ سُوءٍ والمُضَيِّعُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وأنَّ الإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ هو المُنْطَلَقُ لِكُلِّ خَيْرٍ والمانِعُ لِكُلِّ شَرٍّ، والإيمانُ بِالبَعْثِ هو مُنْطَلَقُ جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما في مُسْتَهَلِّ المُصْحَفِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
الانشقاق 84:10
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
سُورَةُ الِانْشِقاقِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْطَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، أنَّهُ يُعْطاهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ يُفْهَمُ مِنها أنَّهُ يُؤْتاهُ بِشِمالِهِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٢٥] .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ أخْذِهِ بِشِمالِهِ، وإيتائِهِ وراءَ ظَهْرِهِ، لِأنَّ الكافِرَ تُغَلُّ يُمْناهُ إلى عُنُقِهِ، وتُجْعَلُ يُسْراهُ وراءَ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ بِها كِتابَهُ.
الانشقاق 84:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
الشَّفَقُ لُغَةً: رِقَّةُ الشَّيْءِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ شَيْءٌ شَفِيقٌ، أيْ: لا تَماسُكَ لَهُ لِرِقَّتِهِ، وأشْفَقَ عَلَيْهِ أيْ: رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، والشَّفَقَةُ الِاسْمُ مِنَ الإشْفاقِ وهو رِقَّةُ القَلْبِ، وكَذَلِكَ الشَّفَقُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقا والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحَرَمِ
فالشَّفَقُ بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وحُمْرَتُها، فَكَأنَّ تِلْكَ الرِّقَّةَ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ.
وَنُقِلَ عَنِ الخَلِيلِ: الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ إذا ذَهَبَ، قِيلَ: غابَ الشَّفَقُ. اهـ.
(p-٤٧٢)وَهَذا ما عَلَيْهِ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ في تَوْقِيتِ وقْتِ المَغْرِبِ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى غِيابِ الشَّفَقِ، وهو الحُمْرَةُ بَعْدَ الغُرُوبِ، كَما قالَ الخَلِيلُ.
وَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ الشَّفَقَ هو البَياضُ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في بَيانِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]، ورَجَّحَ أنَّ الشَّفَقَ: الحُمْرَةُ.
وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ قَوْلًا، قالَ: وزَعَمَ الحُكَماءُ أنَّ البَياضَ لا يَغِيبُ أصْلًا.
وَقالَ الخَلِيلُ: صَعِدْتُ مَنارَةَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ فَرَمَقْتُ البَياضَ، فَرَأيْتُهُ يَتَرَدَّدُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، ولَمْ أرَهُ يَغِيبُ.
وَقالَ ابْنُ أُوَيْسٍ: رَأيْتُهُ يَتَمادى إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ثُمَّ قالَ: قالَ عُلَماؤُنا: فَلَمّا لَمْ يَتَجَدَّدْ وقْتُهُ سَقَطَ اعْتِبارُهُ. اه.
فَهُوَ بِهَذا يُرَجِّحُ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ في مَعْنى الشَّفَقِ، والنُّصُوصُ في ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فِيها مَقالٌ.
فَقَدْ رَوى الدّارَقُطْنِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ» .
وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ الشَّوْكانِيُّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَقُولُ بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ وهُمُ: ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعُبادَةُ. ومِنَ الأئِمَّةِ: الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ مِنَ الفُقَهاءِ، والخَلِيلُ والفَرّاءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
فَأنْتَ تَرى أنَّ أبا يُوسُفَ ومُحَمَّدًا مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ وافَقا الجُمْهُورَ.
وَفِي شَرْحِ الهِدايَةِ أيْضًا رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ.
أمّا ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ فَفِيهِ نَظَرٌ، أيْ: مِن جِهَةِ عَدَمِ غِيابِ البَياضِ، فَإنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ عُلَماءِ الفَلَكِ أنَّ بَيْنَ الأحْمَرِ والأبْيَضِ مِقْدارُ دَرَجَتَيْنِ، والدَّرَجَةُ تُعادِلُ أرْبَعَ دَقائِقَ، وعَلَيْهِ فالفَرْقُ بَسِيطٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾، هو الجَمْعُ والضَّمُّ لِلشَّيْءِ الكَثِيرِ، ومِنهُ سُمِّيَ (p-٤٧٣)الوَسَقُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِن مَكِيلِ الحَبِّ، وهو سِتُّونَ صاعًا. وقِيلَ: فِيهِ مَعانٍ أُخْرى، ولَكِنَّ هَذا أرْجَحُها.
والمَعْنى هُنا: واللَّيْلُ وما جَمَعَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ. قِيلَ: كَأنَّهُ أقْسَمَ بِكُلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾، أيْ: اتَّسَعَ أيْ تَكامَلَ نُورُهُ، وهو افْتَعَلَ مِن وسَقَ، والقاعِدَةُ الصَّرْفِيَّةُ أنَّ فاءَ الفِعْلِ المِثالِيِّ - أيِ الَّذِي فاؤُهُ واوٌ - إذا بُنِيَ عَلى افْتَعَلَ تُقْلَبُ الواوُ تاءً وتُدْغَمُ التّاءُ في التّاءِ، كَما في: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ ووَزَنْتُهُ فاتَّزَنَ، اوْتَصَلَ اوْتَزَنَ، وهَكَذا هُنا اوْتَسَقَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعامَّةُ قُرّاءِ مَكَّةَ والكُوفَةِ: ”لَتَرْكَبَنَّ“ بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ، واخْتَلَفَ قارِئُو ذَلِكَ في مَعْناهُ، فَقالَ بَعْضُهم: يَعْنِي يا مُحَمَّدُ، ويَعْنِي حالاتِ التَّرَقِّي والعُلُوِّ والشَّدائِدِ مَعَ القَوْمِ، وهَذا المَعْنى عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
وَقِيلَ: ”طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ“: يَعْنِي سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، أيْ طِباقِ السَّماءِ، وهو عَنِ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، ومَسْرُوقٍ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها السَّماءُ تَتَغَيَّرُ أحْوالُها، تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ، ثُمَّ تَحْمَرُّ كالمُهْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ رَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى والمَعْنى الأوَّلَ.
وَقَرَأ عامَّةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ: ”لَتَرْكَبُنَّ“ بِالتّاءِ وبِضَمِّ الباءِ عَلى وجْهِ الخِطابِ لِلنّاسِ كافَّةً.
وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ لِمَعْناهُ حالًا بَعْدَ حالٍ مَعانٍ عَدِيدَةً: طُفُولَةً، وشَبابًا، وشُيُوخَةً، فَقْرًا وغِنًى، وقُوَّةً وضَعْفًا، حَياةً ومَوْتًا وبَعْثًا، رَخاءً وشِدَّةً، إلى كُلِّ ما تَحْتَمِلُهُ الكَلِمَةُ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ، وكُلُّهُ مُرادٌ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِعامَّةِ النّاسِ ويَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذِ السِّياقُ في أُصُولِ البَعْثِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾، ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾، ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَكَرَ الحِسابَ المُنْقَلِبَ، ثُمَّ التَّعْبِيرَ بِالمُسْتَقْبَلِ ”لَتَرْكَبُنَّ“، ولَوْ كانَ لِأمْرِ الدُّنْيا مِن تَغَيُّرِ الأحْوالِ لَكانَ (p-٤٧٤)أوْلى بِهِ الحاضِرُ أوِ الماضِي، وإنْ كانَ مِنَ المُسْتَقْبَلِ ما سَيَأْتِي مِنَ الزَّمَنِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِجَدِيدٍ، إذْ تَقَلُّبُ الأحْوالِ في شَأْنِ الحَياةِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ في الأذْهانِ، ولا يَحْتاجُ إلى هَذا الأُسْلُوبِ.
أمّا أُمُورُ الآخِرَةِ مِن بَعْثٍ، وحَشْرٍ، وعَرْضٍ، ومِيزانٍ، وصِراطٍ، وتَطايُرِ كُتُبٍ، واخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ بِاخْتِلافِ المَواقِفِ، في عَرَصاتِ القِيامَةِ، فَهي الحَرِيَّةُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْها والتَّحْذِيرِ مِنها، والعَمَلِ لِأجْلِها في كَدْحِهِ إلى رَبِّهِ، فَلِذا جاءَ بِذَلِكَ وهو مُشْعِرٌ بِاسْتِمْرارِ حالَةِ الإنْسانِ بَعْدَ الكَدْحِ إلى حالاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ودَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ.
وَلَوِ اعْتَبَرْنا حالَ المُقْسَمِ بِهِ مِن حَيْثُ تَطَوُّرِ الحالِ مِن شَفَقٍ، أوْ آخَرِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لَيْلٍ، وما جَمَعَ وغَطّى بِظَلامِهِ، ثُمَّ قَمَرٌ يَبْدَأُ هِلالًا إلى اتِّساقِ نُورِهِ - لَكانَ انْتِقالًا مِن تَغَيُّرِ حَرَكاتِ الزَّمَنِ إلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الإنْسانِ قَطْعًا، وأنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ في الدُّنْيا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
الانشقاق 84:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
قِيلَ: المَنُّ: القَطْعُ والنَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَناثَرَ شِلْوَهُ غَبْسٌ كَواسِبٌ ما يُمَنُّ طَعامُها
والقَهْدُ: ضَرْبٌ مِنَ الضَّأْنِ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ صَغِيرَةٌ آذانُهُ، والكَواسِبُ: الوُحُوشُ، أيْ: ذِئابٌ أوْ سِباعٌ لا يَنْقَطِعُ طَعامُها.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتَهُ.
وَسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْها، فَقالَ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُ ذَلِكَ العَرَبُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قَدْ عَرَفَهُ أخُو يَشْكُرَ، حَيْثُ يَقُولُ:
؎فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِن سُرْعَةِ الرَّجْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
قالَ المُبَرِّدُ: المَنِينُ: الغُبارُ؛ لِأنَّها تَقْطَعُهُ وراءَها.
وَقِيلَ: ”غَيْرُ مَمْنُونٍ“ أيْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، لِتَكْمُلَ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ.
وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ”غَيْرُ مَمْنُونٍ“: أيْ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ ولا مَنقُوصٍ. وذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
(p-٤٧٥)وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، ورَدَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَمْتَنَ عَلى عِبادِهِ، وهم ما دَخَلُوا الجَنَّةَ إلّا بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ ومَنِّهِ عَلَيْهِمْ. انْتَهى.
وَمِمّا يَشْهَدُ لِقَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ ”غَيْرُ مَحْسُوبٍ“ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وخُصُوصُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، فَهو بِمَعْنى كافِيًا مِن قَوْلِكَ: حَسْبِي: بِمَعْنى كافِينِي.
والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ كُلًّا مِنَ المَعْنَيَيْنِ مَقْصُودٌ ولا مانِعَ مِنهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ لا يَتَعارَضُ مَعَ قَوْلِ الآخَرِينَ؛ لِأنَّ المَنَّ المَمْنُوعَ هو ما فِيهِ أذًى وتَنْقِيصٌ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أمّا المَنُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، فَهو عَيْنُ الإكْرامِ والزُّلْفى إلَيْهِ سُبْحانَهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البروج 85:1
(p-٤٧٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البُرُوجِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾
البُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ، واخْتُلِفَ في المَعْنى المُرادِ بِهِ هُنا: هَلْ هي المَنازِلُ أوِ الكَواكِبُ، أوْ قُصُورٌ في السَّماءِ عَلَيْها حُرّاسُها ؟
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]، وفي سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] .
وَقِيلَ: إنَّ أصْلَ هَذِهِ المادَّةِ مِنَ الظُّهُورِ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ، وساقَ بَيانَ المَعْنى المَقْصُودِ مِن بُرُوجِ السَّماءِ وعَدَدِ المَنازِلِ المَذْكُورَةِ.
وَبِمُناسَبَةِ ارْتِباطِ السُّوَرِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، فَإنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ مَآلَ الفَرِيقَيْنِ وتَطايُرَ الصُّحُفِ في السُّورَةِ الأُولى، ذَكَرَ هُنا عَمَلًا مِن أشَدِّ أعْمالِ الكُفّارِ مَعَ المُؤْمِنِينَ في قِصَّةِ الأُخْدُودِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أقْوى مِن هَذا، هو - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سابِقًا انْفِطارَ السَّماءِ، وتَناثُرَ النُّجُومِ، وانْشِقاقَ السَّماءِ، وإذْنَها لِرَبِّها وحُقَّ لَها ذَلِكَ - جاءَ هُنا بَيانُ كُنْهِ هَذِهِ السَّماءِ أنَّها عَظِيمَةُ البِنْيَةِ بِأبْراجِها الضَّخْمَةِ أوْ بُرُوجِها الكَبِيرَةِ، فَهي مَعَ ذَلِكَ تَأْذَنُ لِرَبِّها وتُطِيعُ، وتَنْشَقُّ لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَنْفَطِرُ، فَأوْلى بِكَ أيُّها الإنْسانُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
البروج 85:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا، فَهو اليَوْمُ المَوْعُودُ بِهِ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، كَما قالَ تَعالى في حَقٍّ المُؤْمِنِينَ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وفي حَقِّ الكُفّارِ: (p-٤٧٧)﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣]، وسَيَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ، حِينَما يَقُولُونَ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] .
فاليَوْمُ المَوْعُودُ هو يَوْمُ القِيامَةِ المَوْعُودُ بِهِ لِمُجازاتِ كِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى عَمَلِهِمْ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البُرُوجِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ .
تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ .
البروج 85:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾
لَمْ يُصَرِّحْ هُنا مَنِ الشّاهِدُ وما المَشْهُودُ، وقَدْ ذُكِرَ الشّاهِدُ في القُرْآنِ بِمَعْنى الحاضِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] .
وَذُكِرَ المَشْهُودُ بِمَعْنى المُشاهَدِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] .
فالشّاهِدُ والمَشْهُودُ قَدْ يَكُونانِ مِنَ المُشاهَدَةِ، وذُكِرَ الشّاهِدُ مِنَ الشَّهادَةِ، والمَشْهُودُ مِنَ المَشْهُودِ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
فَشَهِيدُ الأُولى: أيُ شَهِيدٌ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَتْ فِيها، وشَهِيدُ الثّانِيَةِ: أيْ شاهِدٌ عَلى الرُّسُلِ في أُمَمِهِمْ.
وَمِن هُنا اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ إلى ما يَقْرُبُ مِن عِشْرِينَ قَوْلًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ ما مُلَخَّصُهُ: الشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ أوِ النَّحْرِ، وعَزاهُ لِعَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ، والشّاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وعَزاهُ لِابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. والشّاهِدُ: الإنْسانُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ وعَزاهُ لِمُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والشّاهِدُ: هو اللَّهُ، والمَشْهُودُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وعَزاهُ لِابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ قالَ: والصَّوابُ عِنْدِي أنَّهُ صالِحٌ لِكُلِّ ما يُقالُ لَهُ مُشاهَدٌ، ويُقالُ لَهُ مَشْهُودٌ، فَلَمْ يَفْصِلْ ما إذا كانَ بِمَعْنى الحُضُورِ، أوِ الشَّهادَةِ، ومِثْلُهُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ.
(p-٤٧٨)وَقَدْ فَصَّلَ أبُو حَيّانَ عَلى ما قَدَّمْنا، فَقالَ: إنْ كانَ بِمَعْنى الحُضُورِ، فالشّاهِدُ الإنْسانُ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اليَوْمَ المَوْعُودَ ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ كُلَّ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وذَكَرَ نَحْوًا مِن عِشْرِينَ قَوْلًا.
وَقالَ: كُلٌّ لَهُ مُتَمَسِّكٌ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّهُ مِن بابِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ المَوْعُودِ وهو يَكْفِي عَنِ اليَوْمِ المَشْهُودِ، بَلْ إنَّهُ يَحْتاجُ إلى مَن يَشْهَدُ فِيهِ، وتُقامُ الشَّهادَةُ عَلى ما سَيُعْرَضُ فِيهِ؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ لا لِإثْباتِ الحَقِّ.
وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ تَعْدادُ الشُّهُودِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، مِمّا يَتَناسَبُ مَعَ العَرْضِ والحِسابِ.
وَمُجْمَلُ ذَلِكَ أنَّها تَكُونُ خاصَّةً وعامَّةً وأعَمَّ مِنَ العامَّةِ، فَمِنَ الخاصَّةِ: شَهادَةُ الجَوارِحِ عَلى الإنْسانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وهَذِهِ شَهادَةُ فِعْلٍ ومَقالٍ لا شَهادَةُ حالٍ، كَما بَيَّنَها قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٢]، ورَدَّ اللَّهُ زَعْمَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيانُ شَهادَةِ الأعْضاءِ في سُورَةِ ”يس“ وفي سُورَةِ ”النِّساءِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ وهُمُ الحَفَظَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، ثُمَّ شَهادَةُ الرُّسُلِ كُلُّ رَسُولٍ عَلى أُمَّتِهِ، كَما في قَوْلِهِ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ -: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، فَهَذا وإنْ كانَ في الحَياةِ فَسَيُؤَدِّيها يَوْمَ القِيامَةِ.
وَكَقَوْلِهِ في عُمُومِ الأُمَمِ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] .
(p-٤٧٩)وَمِنها: شَهادَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى جَمِيعِ الرُّسُلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وَمِنها: شَهادَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وَمِنها: شَهادَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وَمِنها: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى الجَمِيعِ.
وَهَذا ما يَتَناسَبُ مَعَ ذِكْرِ اليَوْمِ المَوْعُودِ وما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الجَزاءِ والحِسابِ عَلى الأعْمالِ، ومُجازاةِ الخَلائِقِ عَلَيْها: وسَيَأْتِي في نَفْسِ السِّياقِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وهو كَما تَرى لا يَتَقَيَّدُ بِشاهِدٍ واحِدٍ، وأيْضًا لا يُعارِضُ بَعْضُها بَعْضًا.
فاخْتِلافُ الشُّهُودِ وتَعَدُّدِهِمْ بِاخْتِلافِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ وتَعَدُّدِهِ، مِن فَرْدٍ إلى أُمَّةٍ إلى رُسُلٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكُلُّها داخِلَةٌ في المَعْنى وواقِعَةٌ بِالفِعْلِ.
وَقَدْ ذُكِرَتْ أقْوالٌ أُخْرى، ولَكِنْ لا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
وَمِنها: أنَّ الشّاهِدَ اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّةُ اللَّهِ تَعالى.
وَمِنها: الشّاهِدُ المَخْلُوقاتُ، والمَشْهُودُ بِهِ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، فَتَكُونُ الشَّهادَةُ بِمَعْنى العَلامَةِ.
وَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إيرادًا في ذَلِكَ الفَخْرُ الرّازِيُّ؛ حَيْثُ ساقَها كُلَّها بِأدِلَّتِها إلّا ما ذَكَرْناهُ مِنَ السُّنَّةِ فَلَمْ يُورِدْهُ.
وَقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ تَعْيِينُ الشَّهاداتِ لِغَيْرِ ما ذُكِرَ.
مِنها الشَّهادَةُ لِلْمُؤَذِّنِ: «ما يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ ولا حَجَرٌ ولا مَدَرٌ، إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
(p-٤٨٠)وَمِنها: شَهادَةُ الأرْضِ عَلى الإنْسانِ بِما عَمِلَ عَلَيْها المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] .
وَمِنها: شَهادَةُ المالِ عَلى صاحِبِهِ فِيمَ أنْفَقَهُ. ومِنها: شَهادَةُ الصِّيامِ والقُرْآنِ وشَفاعَتُهُما لِصاحِبِهِما، ونَحْوُ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ
فِي هَذا العَرْضِ إشْعارٌ يَتَعَلَّقُ بِالقَضاءِ وكَمالِ العَدالَةِ، وهو إذا كانَ رَبُّ العِزَّةِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ومُوَكِّلٌ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ أعْمالَ العِبادِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ الخَلائِقِ بِما يَعْلَمُهُ مِنهم ولا بِما سَجَّلَتْهُ مَلائِكَتُهُ، ويَسْتَنْطِقُ أعْضاءَهم، ويَسْتَشْهِدُ الرُّسُلَ عَلى الأُمَمِ والرَّسُولَ ﷺ عَلى الرُّسُلِ، أيْ بِأنَّهم بَلَّغُوا أُمَمَهم رِسالاتِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَلِأنْ لا يَقْضِيَ القاضِي بِعِلْمِهِ مِن بابِ أوْلى. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَدْ جاءَ عَنْهُ ﷺ قَوْلُهُ: «إنَّكم تَحْتَكِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ أقْضِي لَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَنِ اقْتَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِن حَقِّ أخِيهِ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» . الحَدِيثَ. أيْ: كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ولا سِيَّما في تِلْكَ القَضِيَّةِ بِعَيْنِها، إذْ قالُوا في مَوارِيثَ دَرَسَتْ مَعالِمُها ولا بَيِّنَةَ بَيْنَهُما، ولَكِنْ إذا نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ ﷺ فِيها فَمَن بِالوَحْيِ لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ في القَضاءِ ؟
وَلِذا قالَ ﷺ: «”البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلى مَن أنْكَرَ“ .»
وَمَعْلُومٌ أنَّ البَيِّنَةَ فَعِيلَةٌ مِنَ البَيانِ، فَتَشْمَلُ كُلَّ ما يُبَيِّنُ الحَقَّ مِن شَهادَةٍ وقَرِينَةٍ، كَما في قِصَّةِ يُوسُفَ مِنَ القَرائِنِ مَعَ إخْوَتِهِ ومَعَ امْرَأةِ العَزِيزِ. إلَخْ.
البروج 85:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾
قالَ أبُو حَيّانَ: وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾، قِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ، وقِيلَ: مَذْكُورٌ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] ونَحْوُهُ، وقِيلَ: ”قُتِلَ“، وهَذا نَخْتارُهُ، وحُذِفَتِ اللّامُ - أيْ لَقُتِلَ - (p-٤٨١)وَحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]، أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ.
وَإذا كانَ ”قُتِلَ“ هي الجَوابَ فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وإذا كانَ الجَوابُ غَيْرَها فَهي جُمْلَةٌ إنْشائِيَّةٌ، دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
وَقُرِئَ: ”قُتِّلَ“ بِالتَّشْدِيدِ، قَرَأها الحَسَنُ وابْنُ مِقْسَمٍ، وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ. اهـ.
والأُخْدُودُ: جَمْعُ خَدٍّ، وهو الشَّقُّ في الأرْضِ طَوِيلًا. وقَوْلُهُ: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾، الوَقُودُ بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ كالسَّحُورِ، والوَضُوءِ. فَبِالفَتْحِ: ما تُوقِدُ بِهِ كَصَبُورٍ والماءُ المُتَوَضَّأُ بِهِ، والطَّعامُ المُتَسَحَّرُ بِهِ. وبِالضَّمِّ: المَصْدَرُ والفِعْلُ، والوُقُودُ بِالضَّمِّ: ما تُوقِدُ بِهِ.
ذَكَرَ صاحِبُ القامُوسِ، و ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾: بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ.
وَقِيلَ في مَعْناها عِدَّةُ أقْوالٍ، حَتّى قالَ أبُو حَيّانَ: كَسَلْتُ عَنْ نَقْلِها.
وَنَقَلَ الفَخْرُ الرّازِيُّ ثَلاثَةً مِنها.
والمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ ما رَواهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مَلِكٌ، وكانَ لَهُ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبِرَ السّاحِرُ قالَ لِلْمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرَ سِنِّي، وحَضَرَ أجَلِي، فادْفَعْ إلَيَّ غُلامًا لِأُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ غُلامًا كانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وكانَ بَيْنَ السّاحِرِ والمَلِكِ راهِبٌ، فَأتى الغُلامُ الرّاهِبَ، فَسَمِعَ مِن كَلامِهِ فَأعْجَبَهُ، وكانَ إذا أتى السّاحِرَ ضَرَبَهُ، وقالَ ما حَبَسَكَ ؟ وإذا أتى أهْلَهُ ضَرَبُوهُ وقالُوا: ما حَبَسَكَ ؟ فَشَكا ذَلِكَ إلى الرّاهِبِ، فَقالَ: إذا أرادَ السّاحِرُ ضَرْبَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أهْلِي، وإذا أرادَ أهْلُكَ أنْ يَضْرِبُوكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِيَ السّاحِرُ، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ، إذْ أتى عَلى دابَّةٍ عَظِيمَةٍ فَظِيعَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَجُوزُوا، فَقالَ: اليَوْمَ أعْلَمُ أمْرَ الرّاهِبِ أحَبَّ إلى اللَّهِ أمْ أمْرَ السّاحِرِ ؟ قالَ: فَأخَذَ حَجَرًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ أمْرُ الرّاهِبِ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى مِن أمْرِ السّاحِرِ، فاقْتُلْ هَذِهِ الدّابَّةَ حَتّى يَجُوزَ النّاسُ، ورَماها فَقَتَلَها، ومَضى النّاسُ فَأخْبَرَ الرّاهِبَ بِذَلِكَ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي، وإنَّكَ سَتُبْتَلى، فَإنِ ابْتُلِيتَ فَلا (p-٤٨٢)تَدُلَّ عَلَيَّ، فَكانَ الغُلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وسائِرَ الأدْواءِ ويَشْفِيهِمْ، وكانَ لِلْمَلِكِ جَلِيسٌ أعْمى فَسَمِعَ بِهِ، فَأتاهُ بِهَدايا كَثِيرَةٍ، فَقالَ: اشْفِنِي. فَقالَ: ما أنا أشْفِي أحَدًا، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَإنْ آمَنتَ بِهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفاكَ، فَآمَنَ، فَدَعا اللَّهَ فَشَفاهُ، ثُمَّ أتى المَلِكَ فَجَلَسَ مِنهُ نَحْوَ ما كانَ يَجْلِسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: يا فُلانُ، مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ ؟ فَقالَ: رَبِّي، فَقالَ: أنا. قالَ: لا، رَبِّي ورَبُّكَ اللَّهُ، قالَ: أوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي ؟ قالَ: نَعَمْ، رَبِّي ورَبُّكَ اللَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتّى دَلَّهُ عَلى الغُلامِ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، بَلَغَ مِن سِحْرِكَ أنْ تُبْرِئَ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وهَذِهِ الأدْواءَ، فَقالَ: أمّا أنا لا أشْفِي أحَدًا، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: أنا. قالَ: لا، قالَ: أوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي ؟ قالَ: رَبِّي ورَبُّكَ اللَّهُ، فَأخَذَهُ أيْضًا بِالعَذابِ حَتّى دَلَّ عَلى الرّاهِبِ، فَأُوتِيَ بِالرّاهِبِ، فَقِيلَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأبى، فَوَضَعَ المِنشارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتّى وقَعَ شِقّاهُ، وقالَ لِلْأعْمى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبى، فَوَضَعَ المِنشارَ في مَفْرِقِهِ أيْضًا، وقالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إلى جَبَلِ كَذا وكَذا، وقالَ: إذا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وإلّا فَدَهْدِهُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمّا عَلَوْا بِهِ الجَبَلَ، قالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِما شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أجْمَعُونَ، وجاءَ الغُلامُ يَتَلَمَّسُ حَتّى دَخَلَ عَلى المَلِكِ، فَقالَ: ما فَعَلَ أصْحابُكَ ؟ فَقالَ: كَفانِيهِمُ اللَّهُ تَعالى، فَبَعَثَ بِهِ نَفَرًا إلى البَحْرِ في قُرْقُورٍ، فَقالَ: إذا لَجَجْتُمْ بِهِ البَحْرَ، فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وإلّا فَأغْرِقُوهُ، فَقالَ الغُلامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِما شِئْتَ، فَغَرِقُوا هم، وجاءَ الغُلامُ حَتّى دَخَلَ عَلى المَلِكِ، فَقالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ، قالَ: ما هو ؟ قالَ: تَجْمَعُ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلى جِذْعٍ، وتَأْخُذُ سَهْمًا مِن كِنانَتِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَفَعَلَ، ووَضَعَ السَّهْمَ في قَوْسِهِ ورَماهُ بِهِ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ الغُلامُ يَدَهُ عَلى مَوْضِعِ السَّهْمِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِ الغُلامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أرَأيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَقَدْ واللَّهِ وقَعَ بِكَ، قَدْ آمَنَ النّاسُ كُلُّهم، فَأمَرَ بِأفْواهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ فِيها الأخادِيدُ، وأُضْرِمَتْ فِيها النِّيرانُ، وقالَ: مَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ وإلّا فَأقْحِمُوهُ فِيها، قالَ: فَكانُوا يَتَعادَوْنَ ويَتَدافَعُونَ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَها تُرْضِعُهُ، فَكَأنَّها تَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ في النّارِ، فَقالَ الصَّبِيُّ: اصْبِرِي يا أُمّاهُ؛ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الغُلامَ دُفِنَ فَوُجِدَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ويَدُهُ عَلى صُدْغِهِ، كُلَّما رُفِعَتْ خَرَجَ الدَّمُ مِن جُرْحِهِ، وإذا تُرِكَتْ أُعِيدَتْ عَلى الجُرْحِ» .
وَقَدْ سُقْنا هَذِهِ القِصَّةَ، وهي مِن أمْثَلِ ما جاءَ في هَذا المَعْنى لِما فِيها مِنَ (p-٤٨٣)العِبَرِ، والَّتِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَفادَ مِنها بَعْضُ الأحْكامِ، حَيْثُ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، عَزاها لِلْإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ومُسْلِمٍ، أيْ لِصِحَّةِ سَنَدِها مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن ذَلِكَ الآتِي:
الأوَّلُ: أنَّ السِّحْرَ بِالتَّعَلُّمِ كَما جاءَ في قِصَّةِ المَلَكَيْنِ بِبابِلَ، هارُوتَ ومارُوتَ يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ.
الثّانِي: إمْكانُ اجْتِماعِ الخَيْرِ مَعَ الشَّرِّ، إذا كانَ الشَّخْصُ جاهِلًا بِحالِ الشَّرِّ، كاجْتِماعِ الإيمانِ مَعَ الرّاهِبِ مَعَ تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِنَ السّاحِرِ.
ثالِثًا: إجْراءُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى أيْدِي دُعاةِ الخَيْرِ، لِبَيانِ الحَقِّ، والتَّثْبِيتِ في الأمْرِ، كَما قالَ الغُلامُ: اليَوْمَ أعْلَمُ أمْرَ الرّاهِبِ أحَبَّ إلى اللَّهِ أمْ أمْرَ السّاحِرِ ؟
الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ أمْيَلَ بِقَلْبِهِ إلى أمْرِ الرّاهِبِ، إذْ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ أمْرُ الرّاهِبِ أحَبَّ إلَيْكَ، فَسَألَ عَنْ أمْرِ الرّاهِبِ ولَمْ يَسَلْ عَنْ أمْرِ السّاحِرِ ؟
الخامِسُ: اعْتِرافُ العالِمِ بِالفَضْلِ لِمَن هو أفْضَلُ مِنهُ، كاعْتِرافِ الرّاهِبِ لِلْغُلامِ.
السّادِسُ: ابْتِلاءُ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ ووُجُوبُ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ النّاسِ في ذَلِكَ.
السّابِعُ: إسْنادُ الفِعْلِ كُلِّهِ لِلَّهِ، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ.
الثّامِنُ: رَفْضُ الدّاعِي إلى اللَّهِ الأجْرَ عَلى عَمَلِهِ وهِدايَتِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
التّاسِعُ: بَيانُ رُكْنٍ أصِيلٍ في قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ، وهو أنَّ مَبْناهُ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ الدُّعاءِ وسُؤالِ اللَّهِ تَعالى.
العاشِرُ: غَباوَةُ المَلِكِ المُشْرِكِ المُغْلَقِ قَلْبُهُ بِظَلامِ الشِّرْكِ، حَيْثُ ظَنَّ في نَفْسِهِ أنَّهُ الَّذِي شَفى جَلِيسَهُ. وهو لَمْ يَفْعَلْ لَهُ شَيْئًا، وكَيْفَ يَكُونُ وهو لا يَعْلَمُ ؟
الحادِيَ عَشَرَ: اللُّجُوءُ إلى العُنْفِ والبَطْشِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الإقْناعِ والإفْهامِ أُسْلُوبُ الجَهَلَةِ والجَبابِرَةِ.
الثّانِيَ عَشَرَ: مُنْتَهى القَسْوَةِ والغِلْظَةِ في نَشْرِ الإنْسانِ، بِدُونِ هَوادَةٍ.
(p-٤٨٤)الثّالِثَ عَشَرَ: مُنْتَهى الصَّبْرِ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ، وهَكَذا كانَ في الأُمَمِ الأُولى، وبَيانُ فَضْلِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، إذْ جازَ لَها التَّلَفُّظُ بِما يُخالِفُ عَقِيدَتَها وقَلْبُها مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ.
وَقَدْ جاءَ عَنِ الفَخْرِ الرّازِيِّ قَوْلُهُ:
الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ بِالإهْلاكِ العَظِيمِ الأوْلى بِهِ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما خُوِّفَ مِنهُ، وأنَّ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ كالرُّخْصَةِ في ذَلِكَ، وقالَ: ورَوى الحَسَنُ «أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: تَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ، وقالَ لِلْآخَرِ مِثْلَهُ، فَقالَ: لا، بَلْ أنْتَ كَذّابٌ، فَقَتَلَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أمّا الَّذِي تَرَكَ فَأخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وأمّا الَّذِي قُتِلَ فَأخَذَ بِالأفْضَلِ فَهَنِيئًا لَهُ“» .
وَتَقَدَّمَ بَحْثُ هَذِهِ المَسْألَةِ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - .
الرّابِعَ عَشَرَ: إجابَةُ دَعْوَةِ الغُلامِ ونُصْرَةُ اللَّهِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِما شِئْتَ.
الخامِسَ عَشَرَ: التَّضْحِيَةُ بِالنَّفْسِ في سَبِيلِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ دَلَّ الغُلامُ المَلِكَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الغُلامُ بِها مِن إقْناعِ النّاسِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ، ولَوْ كانَ الوُصُولُ لِذَلِكَ عَلى حَياتِهِ هو.
السّادِسَ عَشَرَ: إبْقاءُ جِسْمِهِ حَتّى زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إكْرامًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ والدُّعاةِ مِن أنْ تَأْكُلَ الأرْضُ أجْسامَهم.
السّابِعَ عَشَرَ: إثْباتُ دَلالَةِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: حَياةُ الشُّهَداءِ لِوُجُودِ الدَّمِ وعَوْدَةِ اليَدِ مَكانَها بِحَرَكَةٍ مَقْصُودَةٍ.
التّاسِعَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ تِلْكَ القِصَّةِ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ حُدِّثُوا بِها تَخْوِيفًا مِن عَواقِبِ أفْعالِهِمْ بِضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مُوَضَّحٌ في تَمامِ القِصَّةِ.
العِشْرُونَ: نُطْقُ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ بِالحَقِّ.
البروج 85:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: هم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: قُعُودٌ، ذُكِرَ فِيهِما خِلافٌ.
(p-٤٨٥)فَقِيلَ: راجِعانِ إلى مَن أُحْرِقُوا وأُقْعِدُوا عَلَيْها.
وَقِيلَ: راجِعانِ إلى الكُفّارِ.
وَعَلَيْهِ فَفي قَوْلِهِ: ”عَلَيْها قُعُودٌ“ إشْكالٌ، وهو: كَيْفَ يَتَمَكَّنُ لَهُمُ القُعُودُ عَلى النّارِ.
فَقِيلَ: إنَّها رَجَعَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم، فَقُعُودُهم عَلَيْها حَقِيقَةٌ.
وَقِيلَ: قُعُودٌ عَلى حافَّتِها، كَما تَقُولُ: قُعُودٌ عَلى النَّهْرِ، أوْ عَلى البِئْرِ، أوْ عَلى حافَّتِهِ وحَوْلِهِ، كَما يُقالُ: نَزَلَ فُلانٌ عَلى ماءِ كَذا، أيْ: عِنْدَهُ.
وَأنْشَدَ أبُو حَيّانَ بَيْتَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
وَقَدِ اسْتَدَلَّ صاحِبُ القَوْلِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] فَقالَ: الحَرِيقُ في الدُّنْيا، وجَهَنَّمُ في الآخِرَةِ.
وَلَكِنْ في الآيَةِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الضَّمائِرَ راجِعَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ قَتَلُوا المُؤْمِنِينَ وأحْرَقُوهم، وهي قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] حَيْثُ رَتَّبَ العَذابَ المَذْكُورَ عَلى عَدَمِ التَّوْبَةِ، وجاءَ بِثُمَّ الَّتِي هي لِلتَّراخِي، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ تَحْرِقْهم نارُهُمُ انْتِقامًا مِنهم حالًا، بَلْ أُمْهِلُوا لِيَتُوبُوا مِن فِعْلَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وإلّا فَلَهُمُ العَذابُ المَذْكُورُ في الآخِرَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
البروج 85:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
بِمَعْنى حُضُورٌ، يَتَّفِقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦]، أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ إحْراقَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا زِيادَةٌ في التَّبْكِيتِ بِهِمْ، إذْ يَرَوْنَ هَذا المَظْهَرَ بِأعْيُنِهِمْ ولَمْ يُشْفِقُوا بِهِمْ، ولَمْ يَعْتَبِرُوا بِثَباتِهِمْ.
البروج 85:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾
هَذا ما يُسَمّى أُسْلُوبُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ونَظِيرُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
(p-٤٨٦)وَذَكَرَ أبُو حَيّانَ قَوْلَ الشّاعِرِ - وهو قَيْسُ الرُّقَيّاتِ -:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
وَقَوْلَ الآخَرِ:
؎وَلا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِناقُ الطَّيْرِ شُكْلًا عُيُونُها
يُقالُ عَيْنٌ شَكْلاءُ: إذا كانَ في بَياضِها حُمْرَةٌ قَلِيلَةٌ يَسِيرَةٌ.
وَقَدَّمْنا أنَّ نِقْمَتَهم عَلَيْهِمْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾، لا عَلى الماضِي إلّا أنْ آمَنُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهم: إمّا أنْ تَرْجِعُوا عَنْ دِينِكم، وإمّا أنْ تُلْقَوْا في النّارِ، ولَمْ يَحْرِقُوهم عَلى إيمانِهِمُ السّابِقِ، بَلْ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الإيمانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
والإتْيانُ هُنا بِصِفَتَيِ اللَّهِ تَعالى: ”العَزِيزِ الحَمِيدِ“ إشْعارٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ والِانْتِقامِ مِنَ الكافِرِينَ، إذِ العَزِيزُ هو الغالِبُ، كَما يَقُولُونَ: مَن عَزَّ بَزَّ، ولَكِنْ جاءَ وصْفُهُ بِالحَمِيدِ؛ لِيُشْعِرَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ آمَنُوا رَغْبَةً ورَهْبَةً، رَغْبَةً في الحَمِيدِ عَلى ما يَأْتِي: ”الغَفُورُ الوَدُودُ“ [البروج: ١٤]، ورَهْبَةً مِنَ العَزِيزِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، [البروج: ١٢] وهَذا كَمالُ الإيمانِ رَغْبَةً ورَهْبَةً وأحْسَنُ حالاتِ المُؤْمِنِ.
والأمْرُ الثّانِي: حَتّى لا يَيْأسَ أُولَئِكَ الكُفّارُ مِن فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]؛ إذْ أعْطاهُمُ المُهْلَةَ مِن آثارِ صِفَتِهِ الحَمِيدِ سُبْحانَهُ.
البروج 85:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾
تَأْكِيدٌ وبَيانٌ لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ، إذْ لا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِهِ أحَدٌ، فَهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ، وهو المُدَبِّرُ أمْرَ مُلْكِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ رَبْطٌ بِأوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]، فَهو سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومِن ذَلِكَ فِعْلُ أُولَئِكَ، وفِيهِ شِدَّةُ تَخْوِيفِ أُولَئِكَ وتَحْذِيرُهم ومَن عَلى شاكِلَتِهِمْ، بِأنَّ اللَّهَ (p-٤٨٧)تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ فَلَنْ تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
وَقَدْ جاءَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في شَهِيدٍ؛ لِما يَتَناسَبُ مَعَ هَذا المَقامِ، كَما فِيهِ المُقابَلَةُ بِالفِعْلِ، كَما كانُوا قُعُودًا عَلى النّارِ وشُهُودًا عَلى إحْراقِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُعامِلُهم بِالمِثْلِ، إذْ يَحْرِقُهم وهو عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ.
البروج 85:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾
يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ أصْحابُ الأُخْدُودِ، و ”فَتَنُوا“ بِمَعْنى أحْرَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا في كُلِّ مَن أذى المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، ويَرُدُّوهم عَنْهُ بِأيِّ أنْواعِ الفِتْنَةِ والتَّعْذِيبِ.
وَقَدْ رَجَّحَ الأخِيرَ أبُو حَيّانَ، وحَمْلُهُ عَلى العُمُومِ أوْلى؛ لِيَشْمَلَ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وتَوْجِيهِهِمْ إلى التَّوْبَةِ مِمّا أوْقَعُوهُ بِضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ: كَعَمّارٍ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ.
وَيُرَجِّحُ هَذا العُمُومَ العُمُومُ الآخَرُ الَّذِي يُقابِلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] فَهَذا عامٌّ بِلا خِلافٍ في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ.
البروج 85:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ في مَقامِ المَنطُوقِ بِالمَفْهُومِ مِنَ ”العَزِيزِ الحَمِيدِ“، كَما تَقَدَّمَ.
البروج 85:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾
قِيلَ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ويُعِيدُهُ، كالزَّرْعِ والنَّباتِ والإنْسانِ، بِالمَوْلِدِ والمَوْتِ، ثُمَّ بِالبَعْثِ.
وَقِيلَ: يَبْدَأُ الكُفّارَ بِالعَذابِ ويُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ، واسْتَدَلَّ لِهَذا بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] .
وَفِي الحَدِيثِ: «ما مِن صاحِبِ إبِلٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَها إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، بُطِحَ لَها بِقاعٍ قَرْقَرٍ، ثُمَّ يُؤْتى بِها أوْفَرَ ما تَكُونُ سِمَنًا، فَتَطَؤُهُ بِخِفافِها، فَتَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ أُخْراها أُعِيدَ عَلَيْهِ أوَّلُها، حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ الخَلائِقِ فَيَرى مَصِيرَهُ إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ» (p-٤٨٨)إلى آخِرِ الحَدِيثِ في صاحِبِ البَقَرِ والغَنَمِ والذَّهَبِ.
وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤] . وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] .
وَجَعَلَهُ آيَةً عَلى قُدْرَتِهِ، ودَلِيلًا عَلى عَجْزِ ونَقْصِ الشُّرَكاءِ في قَوْلِهِ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
البروج 85:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾
بَعْدَ عَرْضِ قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ؛ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَثْبِيتًا لَهم، وزَجْرًا لِلْمُشْرِكِينَ ورَدْعًا لَهم، جاءَ بِأخْبارٍ لِبَعْضِ مَن سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ وفِرْعَوْنَ وثَمُودَ، بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وهم جَمْعُ جُنْدٍ، وهُمُ الكَثْرَةُ وأصْحابُ القُوَّةِ، وحَدِيثُهُ ما قَصَّ اللَّهُ مِن خَبَرِهِ مَعَ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ.
وَفِي اخْتِيارِ فِرْعَوْنَ هُنا بَعْدَ أصْحابِ الأُخْدُودِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشاكَلَةِ والمُشابَهَةِ، إذْ فِرْعَوْنُ طَغى وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، كَمَلِكِ أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِي قالَ لِجَلِيسِهِ: ألَكَ رَبٌّ غَيْرِي ؟ ولِتَعْذِيبِهِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَقْتِيلِ الأوْلادِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ، وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ، ولِتَقْدِيمِ الآياتِ والبَراهِينِ عَلى صِدْقِ الدّاعِيَةِ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدَّمَ لِفِرْعَوْنَ مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى، فَكَذَّبَ وعَصى، والغُلامُ قَدَّمَ لِهَذا المَلِكِ الآياتِ الكُبْرى: إبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ بِإذْنِ اللَّهِ، وعَجَزَ فِرْعَوْنُ عَنْ مُوسى وإدْراكِهِ، وعَجَزَ المَلِكُ عَنْ قَتْلِ الغُلامِ؛ إذْ نَجّاهُ اللَّهُ مِنَ الإغْراقِ والدَّهْدَهَةِ مِن قِمَّةِ الجَبَلِ، فَكانَ لِهَذا أنْ يَرْعَوِيَ عَنْ ذَلِكَ ويَتَفَطَّنَ لِلْحَقِيقَةِ، ولَكِنَّ سُلْطانَهُ أعْماهُ كَما أعْمى فِرْعَوْنَ.
وَكَذَلِكَ آمَنَ السَّحَرَةُ؛ لَمّا رَأوْا آيَةَ مُوسى، وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا.
وَهَكَذا هُنا آمَنَ النّاسُ بِرَبِّ الغُلامِ، فَوَقَعَ المَلِكُ فِيما وقَعَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، إذْ جَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ؛ لِيَشْهَدَ النّاسُ عَجْزَ مُوسى وقُدْرَتَهُ، فانْقَلَبَ المَوْقِفُ عَلَيْهِ، وكانَ أوَّلُ (p-٤٨٩)النّاسِ إيمانًا هم أعْوانُ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى، وهَكَذا هُنا كانَ أسْرَعُ النّاسِ إيمانًا الَّذِي جَمَعَهُمُ المَلِكُ لِيَشْهَدُوا قَتْلَهُ لِلْغُلامِ.
فَظَهَرَ تَناسُبُ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمَمِ الطّاغِيَةِ السّابِقَةِ، وإنْ كانَ في الكُلِّ عِظَةٌ وعِبْرَةٌ، ولَكِنَّ هَذا مُنْتَهى الإعْجازِ في قَصَصِ القُرْآنِ وأُسْلُوبِهِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ ثَمُودُ، لِما كانَ مِنهم مَن مَظاهِرِ القُوَّةِ والطُّغْيانِ، وقَدْ جَمَعَها اللَّهُ أيْضًا مَعًا في سُورَةِ ”الفَجْرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ٩ - ١٠]، وهَكَذا جَمَعَها هُنا ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ .
لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن تَوَهُّمِ المُنافاةِ بَيْنَ لَفْظَةِ: ”الجُنُودِ“، مَعَ لَفْظَةِ ”فِرْعَوْنَ“، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ جُنْدًا، وإنَّما هو رَجُلٌ بِعَيْنِهِ.
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ فاكْتَفى بِذِكْرِهِ لِأنَّهم تَبَعٌ لَهُ، وتَحْتَ طاعَتِهِ.
البروج 85:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾
أيْ: مُسْتَمِرٍّ في كُلِّ الأُمَمِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الِانْشِقاقِ“ قَبْلَها: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] .
فَقالَ الكِرْمانِيُّ: مَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ نَصْرٍ تاجُ القُرّاءِ، في كِتابِهِ ”أسْرارُ التَّكْرارِ في القُرْآنِ“: إنَّ المُغايِرَةَ لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ والفَواصِلِ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ مِنَ السِّياقِ في المَوْضِعَيْنِ مُراعاةُ السِّياقِ لا فَواصِلُ الآيِ؛ لِأنَّ في سُورَةِ ”الِانْشِقاقِ“ الحَدِيثَ مَعَ المُشْرِكِينَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ١٩ - ٢٢] .
وَفِي سُورَةِ ”البُرُوجِ“ هُنا ذَكَرَ الأُمَمَ مِن فِرْعَوْنَ، وثَمُودَ، وأصْحابِ الأُخْدُودِ، والمُشْرِكِينَ في مَكَّةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [البروج: ١٩] فَناسِبَ هَذا هُنا، وناسَبَ ذاكَ هُناكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الطارق 86:1
(p-٤٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾
أصْلُ الطَّرْقِ في اللُّغَةِ: الدَّقُّ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ؛ ولِذا قالُوا لِلْآتِي لَيْلًا: طارِقٌ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى طَرْقِ البابِ.
وَعَلَيْهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَمِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٌ فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
أيْ جِئْتُها لَيْلًا، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ
وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎طَرَقَتْكَ صائِدَةُ القُلُوبِ ولَيْسَ ذا ∗∗∗ وقْتِ الزِّيارَةِ فارْجِعِي بِسَلامِ
وَفِي الحَدِيثِ: «أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ طَوارِقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، إلّا طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يا رَحِمَنُ»، فَهو لَفْظٌ عَمَّ في كُلِّ ما يَأْتِي شَيْئُهُ المُفاجِئِ، ولَكَأنَّهُ يَأْتِي في حالَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ، ولَكِنَّهُ هُنا خُصَّ بِما فُسِّرَ بِهِ بَعْدَهُ في:
الطارق 86:2
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾
فَقِيلَ: ما يَثْقُبُ الشَّياطِينَ عِنْدَ اسْتِراقِ السَّمْعِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] فَيَكُونُ عامًّا في كُلِّ نَجْمٍ.
وَقِيلَ: خاصٌّ، فَقِيلَ: زُحَلُ، وقِيلَ: المَرِّيخُ، وقِيلَ: الثُّرَيّا؛ لِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ النَّجْمُ عِنْدَ العَرَبِ كانَ مُرادًا بِهِ الثُّرَيّا.
وَتَقَدَّمَ هَذا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في أوَّلِ سُورَةِ ”النَّجْمِ“ .
(p-٤٩١)وَقِيلَ: ”الثّاقِبُ“: المُضِيءُ، يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ، وعَلَيْهِ فَهو لِلْجِنْسِ عامَّةً؛ لِأنَّ النُّجُومَ كُلَّها مُضِيئَةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ، وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ، ”وَما أدْراكَ“ فَقَدْ أخْبَرَهُ بِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ: ”وَما يُدْرِيكَ“، لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ.
والواقِعُ أنَّهُ الغالِبُ، فَقَدْ جاءَتْ: ”وَما أدْراكَ“ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً، كُلُّها أخْبَرَهُ بِها إلّا واحِدَةً، وهي في الحاقَّةِ: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، وما عَداها، فَقَدْ أخْبَرَهُ بِها، وهي: وما ﴿أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٨] .
وَفِي ”المُرْسَلاتِ“: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] .
وَفِي ”الِانْفِطارِ“: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٧ - ١٩] .
وَفِي ”المُطَفِّفِينَ“: ﴿وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨ - ٩] .
وَفِي ”البَلَدِ“: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢ - ١٣] .
وَفِي ”القَدْرِ“: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢ - ٣] .
وَفِي ”القارِعَةِ“: ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] .
وَأيْضًا: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩ - ١١]، وفي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾، فَكُلُّها أخْبَرَهُ عَنْها إلّا في ”الحاقَّةِ“ .
تَنْبِيهٌ.
يُلاحَظُ أنَّها كُلُّها في قِصارِ السُّوَرِ مِنَ ”الحاقَّةِ“ وما بَعْدَها، أمّا ”ما يُدْرِيكَ“، فَقَدْ جاءَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقَطْ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، في ”الأحْزابِ“: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، في ”الشُّورى“، ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] في ”عَبَسَ وتَوَلّى“، فَلَمْ يُخْبِرْهُ فِيها صَراحَةً، إلّا أنَّهُ في (p-٤٩٢)الثّالِثَةِ قَدْ يَكُونُ أخْبَرَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾، فَهو وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ: هَلْ هو تَزَكّى أمْ لا ؟ إلّا أنَّ لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّحْقِيقِ، كَما هو مَعْلُومٌ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أقْسَمَ اللَّهُ بِالسَّماءِ، وبِالنَّجْمِ الطّارِقِ؛ لِعَظَمِ أمَرِهِما، وكِبَرِ خَلْقِهِما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]؛ ولِأنَّهُ أقْسَمَ بِالنَّجْمِ إذا هَوى. وفِيما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تَرْجِيحُ كَوْنِ مَواقِعِ النُّجُومِ: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١]: إنَّما هو نُجُومُ القُرْآنِ، وتَنْزِيلُهُ مُنَجَّمًا وهو بِهِ نُزُولُ المَلِكِ بِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ .
الطارق 86:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾
قِيلَ: ”حافِظٌ“ لِأعْمالِهِ يُحْصِيها عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] .
وَقِيلَ: ”حافِظٌ“ أيْ: حارِسٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، والسِّياقُ يَشْهَدُ لِلْمَعْنَيَيْنِ مَعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في تِلْكَ المَراحِلِ في حِفْظٍ، فَهو أوَّلًا: ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] .
وَفِي الحَدِيثِ: «”أنَّ اللَّهَ وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا“ .» الحَدِيثَ.
وَبَعْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ، فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، فَلا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ مَعًا، ولَيْسَ هَذا مِن حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المَعْنَيَيْنِ لَهُ مُتَعَلِّقٌ يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ خِلافِ الآخَرِ.
الطارق 86:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾
”الإنْسانُ“ هُنا خاصٌّ بِبَنِي آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ عامَّةً، ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ آدَمُ ولا حَوّاءُ ولا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ بَيَّنَ ما خُلِقَ مِنهُ، وهو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ .
(p-٤٩٣)وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]، في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، وفي سُورَةِ ”الواقِعَةِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩]، وتَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، في سُورَةِ ”الدَّهْرِ“ .
الطارق 86:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾، ”إنَّهُ“ هُنا أيْ: إنَّ اللَّهَ ”عَلى رَجْعِهِ“، الضَّمِيرُ فِيهِ قِيلَ: راجِعٌ لِلْماءِ الدّافِقِ، أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى رَجْعِ هَذا الماءِ مِن حَيْثُ خَرَجَ، كَرَدِّ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ مَثَلًا، ورَدِّ الطِّفْلِ إلى الرَّحِمِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ.
وَقِيلَ: عَلى رَجْعِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا وإنْ كانَ في الأوَّلِ دَلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ، إلّا أنَّ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الثّانِي؛ لِعِدَّةِ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ رَدَ الماءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ ولا أمْرٌ آخَرُ سِوى إثْباتِ القُدْرَةِ، بِخِلافِ رَجْعِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو قَضِيَّةُ الإيمانِ بِالبَعْثِ. ويَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: مَجِيءُ القُرْآنِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى الإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”يس“: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ: مِن ماءٍ دافِقٍ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، أيْ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ .
الثّالِثُ: أنِ الأوَّلَ يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ عامِلٍ لِـ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾، نَحْوُ اذْكُرْ مَثَلًا، بِخِلافِ الثّانِي، فَإنَّ العامِلَ فِيهِ: هو ”لَقادِرٌ“، أيْ: لَقادِرٌ عَلى رَجْعِهِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ.
وَنَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: وكُلُّ مَن خالَفَ ذَلِكَ إنَّما فَرَّ مِن أنْ يَكُونَ: ”لَقادِرٌ“ هو العامِلُ في الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى رَجْعِهِ مُقَيَّدَةٌ بِذَلِكَ، ولَكِنْ بِتَأمُّلِ أُسْلُوبِ العَرَبِ يُعْلَمُ جَوازُهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا، وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ (p-٤٩٤)عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُ. اهـ.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّ الضَّمِيرَ في ”رَجْعِهِ“ عائِدٌ لِلْإنْسانِ، أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ بِالبَعْثِ، وأنَّ العامِلَ هو: ”لَقادِرٌ“ .
الطارق 86:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، وساقَ عِنْدَها هَذِهِ الآيَةَ، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ في سُورَةِ ”العادِياتِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠] . وقَدْ أجْمَلَ ابْتِلاءَ السَّرائِرِ.
وَكَذَلِكَ أجْمَلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بِإيرادِ الآياتِ.
وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ المُرادَ بِها أمانَةُ التَّكْلِيفِ فِيما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، ومَثَّلُوا لِذَلِكَ: بِالحِفاظِ عَلى الطَّهارَةِ لِلصَّلاةِ، وغُسْلِ الجَنابَةِ، وحِفْظِ الصَّوْمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ومِنهُ العَقائِدُ وصِدْقُ الإيمانِ أوِ النِّفاقُ، عِياذًا بِاللَّهِ.
والسَّرائِرُ: هي كُلُّ ما يُخْفِيهِ الإنْسانُ حَتّى في المُعامَلاتِ مَعَ النّاسِ، كَما في الأثَرِ: «الكَيِّسُ مَن كانَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَبِيئَةُ سِرٍّ»، وقَوْلِهِ: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣]، فالسِّرُّ ضِدُّ الجَهْرِ، وقالَ الأحْوَصُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
قالَ أبُو حَيّانَ: سَمِعَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ.
الطارق 86:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
قالُوا: لَيْسَ مِن قُوَّةٍ في نَفْسِهِ لِضَعْفِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] .
وَقَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣]، أيْ: مِنَ الضَّعْفِ وشِدَّةِ الخَوْفِ، ولا ناصِرَ لَهُ مِن غَيْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] .
(p-٤٩٥)وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] . .
الطارق 86:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ قِيلَ: رَجْعُ السَّماءِ: إعادَةُ ضَوْءِ النُّجُومِ والشَّمْسِ والقَمَرِ.
وَقِيلَ: ”الرَّجْعُ“: المَلائِكَةُ تَرْجِعُ بِأعْمالِ العِبادِ.
وَقِيلَ: ”الرَّجْعُ“: المَطَرُ وأرْزاقُ العِبادِ. ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ قِيلَ: تَنْشَقُّ عَنِ الخَلائِقِ يَوْمَ البَعْثِ. وقِيلَ: تَنْشَقُّ بِالنَّباتِ.
والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ: أنَّ الرَّجْعَ والصَّدْعَ مُتَقابِلانِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ: بِالمَطَرِ والنَّباتِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ " [عبس: ٢٤ - ٢٨] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الطارق 86:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَقٌّ. وكَذا قالَ قَتادَةُ، وقالَ آخَرُونَ: حُكْمٌ عَدْلٌ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ أيِ القُرْآنُ، يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وَقِيلَ: هو ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨ - ٩] .
وَقالَ أبُو حَيّانَ بِما قالَ بِهِ القُرْطُبِيُّ أوَّلًا، ثُمَّ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ الثّانِي، أيْ: أنَّ الإخْبارَ عَنْ رَجْعِ الإنْسانِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ، قَوْلٌ فَصْلٌ، وهَذا ما يُفِيدُهُ كَلامُ ابْنِ جَرِيرٍ، وعَزاهُ النَّيْسابُورِيُّ إلى القَفّالِ.
وَسِياقُ السُّورَةِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الثّانِي؛ لِأنَّ السُّورَةَ كُلَّها في مَعْرِضِ إثْباتِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، وإعادَةِ الإنْسانِ بَعْدَ الفَناءِ، حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ثَلاثَةَ أدِلَّةٍ مِن أدِلَّةِ البَعْثِ:
الأوَّلُ: السَّماءُ ذاتُ الطّارِقِ؛ لِعِظَمِ خِلْقَتِها، وعِظَمِ دَلالَتِها عَلى القُدْرَةِ.
(p-٤٩٦)الثّانِي: خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلًا مِن ماءٍ دافِقٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] .
الثّالِثُ: مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾، أيْ: إنْزالُ المَطَرِ، وإنْباتُ النَّباتِ وهو إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها. فَناسَبَ أنْ يَكُونَ الإقْسامُ عَلى تَحَقُّقِ البَعْثِ.
وَأكَّدَ هَذا ما جاءَ بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِالإمْهالِ رُوَيْدًا، وقَدْ سُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ بِيَوْمِ الفَصْلِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٢ - ١٥] .
وَذِكْرُ الوَيْلِ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ، يُعادِلُ الإمْهالَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِلْكافِرِينَ، وإذا رَبَطْنا بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، لَكانَ أظْهَرَ وأوْضَحَ؛ لِأنَّ رَجْعَ الماءِ بَعْدَ فَنائِهِ بِتَلْقِيحِ السَّحابِ مِن جَدِيدٍ، يُعادِلُ رَجْعَ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ في الأرْضِ، وتَشَقُّقُ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ يُناسِبُ تَشَقُّقَها يَوْمَ البَعْثِ عَنِ الخَلائِقِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الطارق 86:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ نِسْبَةُ هَذا الفِعْلِ لَهُ تَعالى، قالُوا إنَّهُ: مِن بابِ المُقابَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، وهو في اللُّغَةِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَمّا سُئِلَ عَنْ أيِّ الطَّعامِ يُرِيدُ، وهو عارٍ يُرِيدُ كُسْوَةً:
؎قالُوا اخْتَرْ طَعامًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَةً قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصا
وَقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ، أنَّهُ لا يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنهُ اسْمٌ، وإنَّما يُطْلَقُ في مُقابِلِ فِعْلِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ في غَيْرِ المُقابَلَةِ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، وفي مَعْرِضِ المُقابَلَةِ فَهو في غايَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ والقُدْرَةِ، والكَيْدُ أصْلُهُ المُعاجَلَةُ لِلشَّيْءِ بِقُوَّةٍ.
وَقالَ ابْنُ فارِسٍ في مُعْجَمِ مَقايِيسِ اللُّغَةِ: والعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ الكَيْدَ عَلى المَكْرِ، والعَرَبُ قَدْ يُسَمُّونَ المَكْرَ كَيْدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢]، وعَلَيْهِ فالكَيْدُ هُنا لَمْ يُبَيَّنْ، فَإذا كانَ بِمَعْنى المَكْرِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - (p-٤٩٧)بَيانُ شَيْءٍ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]؛ بِأنَّ مَكْرَهم مُحاوَلَتُهم قَتْلَ عِيسى، ومَكْرُ اللَّهِ إلْقاءُ الشَّبَهِ، أيْ: شَبَّهَ عِيسى عَلى غَيْرِ عِيسى.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]، وهَذا في قِصَّةِ النُّمْرُودِ، فَكانَ مَكْرُهم بُنْيانَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ إلى السَّماءِ، فَكانَ مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ تَرَكَهم حَتّى تَصاعَدُوا بِالبِناءِ، فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ، فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ.
وَهَكَذا الكَيْدُ هُنا، إنَّهم يَكِيدُونَ لِلْإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ، واللَّهِ يَكِيدُ لَهم بِالِاسْتِدْراجِ حَتّى يَأْتِيَ مَوْعِدُ إهْلاكِهِمْ، وقَدْ وقَعَ تَحْقِيقُهُ في بَدْرٍ؛ إذْ خَرَجُوا مُحادَّةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفي خُيَلائِهِمْ ومُفاخَرَتِهِمْ، وكَيْدُ اللَّهِ لَهم: أنْ قَلَّلَ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِهِمْ، حَتّى طَمِعُوا في القِتالِ، وأمْطَرَ أرْضَ المَعْرَكَةِ، وهم في أرْضٍ سَبْخَةٍ، والمُسْلِمُونَ في أرْضٍ رَمْلِيَّةٍ فَكانَ زَلَقًا عَلَيْهِمْ وثَباتًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أنْزَلَ مَلائِكَتَهُ لِقِتالِهِمْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الطارق 86:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ ما نَصُّهُ: هَذا الإمْهالُ المَذْكُورُ هُنا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥] .
والجَوابُ: أنَّ الإمْهالَ مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ. اهـ.
وَهَذا ما يُفِيدُهُ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ وهو مَنصُوصُ القُرْطُبِيِّ. ولَعَلَّ في نَفْسِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾؛ لِأنَّ ”رُوَيْدًا“: بِمَعْنى قَلِيلًا، فَقَدْ قَيَّدَ الإمْهالَ بِالقِلَّةِ، مِمّا يُشْعِرُ بِمَجِيءِ النَّسْخِ وأنَّهُ لَيْسَ نِهائِيًّا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
سُورَةُ الطّارِقِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ .
هَذا الإمْهالُ المَذْكُورُ هُنا يُنافِيهِ قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥] .
والجَوابُ أنَّ الإمْهالَ مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعلى 87:1
(p-٤٩٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الأعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾
تَقَدَّمَ مَعْنى التَّسْبِيحِ، وهو التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ، والأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا مُنْصَبٌّ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، وفي آياتٍ أُخَرَ جاءَ الأمْرُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] . ومِثْلِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] .
وَتَسْبِيحُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، فاخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلِ المُرادُ تَسْبِيحُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوِ المُرادُ تَسْبِيحُ اسْمِهِ تَعالى، كَما هو هُنا ؟ ثُمَّ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِتَسْبِيحِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وجاءَتْ مَسْألَةُ الِاسْمِ والمُسَمّى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الواقِعَةِ“، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، قَوْلُهُ: إنَّ الباءَ هُناكَ داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ كَدُخُولِها عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، وأحالَ عَلى مُتَقَدِّمٍ في ذَلِكَ، وحَكى كَلامَ القُرْطُبِيِّ أنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى، واسْتَشْهَدَ لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وَقالَ: لا يَلْزَمُ في نَظَرِي أنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى هُنا؛ لِإمْكانِ كَوْنِ المُرادِ نَفْسُ الِاسْمِ؛ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ ألْحَدَ فِيها قَوْمٌ ونَزَّهَها آخَرُونَ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّها بالِغَةُ غايَةِ الحُسْنِ؛ لِاشْتِمالِها عَلى صِفاتِهِ الكَرِيمَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] . (p-٤٩٩)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] . ثُمَّ قالَ: ولَسْنا نُرِيدُ أنْ نَذْكُرَ كَلامَ المُتَكَلِّمِينَ في الِاسْمِ والمُسَمّى: هَلِ الِاسْمُ هو المُسَمّى أوْ لا ؟ لِأنَّ مُرادَنا هُنا بَيانُ مَعْنى الآيَةِ. اهـ.
فَتَضَمَّنَ كَلامُهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - احْتِمالَ كَوْنِ المُرادِ: تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ عَمّا ألْحَدَ فِيهِ المُلْحِدُونَ، كاحْتِمالِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، كَما تَضَمَّنَ عَدَمَ لُزُومِ كَوْنِ الِاسْمِ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى، ولَعَلَّنا نُورِدُ مُجْمَلَ بَيانِ تِلْكَ النِّقاطِ. إنْ شاءَ اللَّهُ.
أمّا تَنْزِيهُ أسْماءِ اللَّهِ فَهو عَلى عِدَّةِ مَعانٍ، مِنها: تَنْزِيهُها عَنْ إطْلاقِها عَلى الأصْنامِ: كاللّاتَ، والعُزّى، واسْمِ الآلِهَةِ.
وَمِنها: تَنْزِيهُها عَنِ اللَّهْوِ بِها واللَّعِبِ، كالتَّلَفُّظِ بِها في حالَةٍ تُنافِي الخُشُوعَ والإجْلالَ: كَمَن يَعْبَثُ بِها ويَلْهُو، ونَظِيرُهُ مَن يَلْهُو ويَسْهُو عَنْ صَلاتِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، أوْ وضْعِها في غَيْرِ مَواضِعِها: كَنَقْشِ الثَّوْبِ، أوِ الفِراشِ المُمْتَهَنِ.
وَمِنها: تَنْزِيهُها عَنِ المَواطِنِ غَيْرِ الطّاهِرَةِ، وقَدْ كانَ ﷺ إذا دَخَلَ الخَلاءَ نَزَعَ خاتَمَهُ؛ لِما فِيهِ مِن نَقْشِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنهُ: صِيانَةُ الأوْراقِ المَكْتُوبَةِ مِنَ الِابْتِذالِ صَوْنًا لِاسْمِ اللَّهِ.
وَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُوَضِّحَةً لِآيَةِ ”الواقِعَةِ“، وأنَّ اسْمَ رَبِّكَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ، وهو المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ، وعَلى أنَّ المُرادَ تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى،، فَقالُوا: إنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى، كَما قالَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وقالُوا: الِاسْمُ صِلَةٌ، كَما في بَيْتِ لَبِيدٍ المُتَقَدِّمِ.
أمّا مَسْألَةُ الِاسْمِ: هَلْ هو عَيْنُ المُسَمّى أمْ لا ؟ فَقَدْ أشارَ إلَيْها الفَخْرُ الرّازِيُّ، وقالَ: إنَّهُ وصْفٌ رَكِيكٌ.
أمّا قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: ولا يَلْزَمُ في نَظَرِي كَوْنُ الِاسْمِ بِمَعْنى المُسَمّى هُنا، فَإنَّهُ بِلازِمٍ إلى بَسْطٍ قَلِيلٍ؛ لِيُظْهِرَ صِحَّةَ ما قالَهُ.
(p-٥٠٠)وَقَدْ ناقَشَها الرّازِيُّ بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ، قالَ فِيها: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، في أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى.
فَأقُولُ: إنَّ الخَوْضَ في الِاسْتِدْلالِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فَلا بُدَّ ها هُنا مِن بَيانِ أنَّ الِاسْمَ ما هو ؟ والمُسَمّى ما هو ؟
فَنَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو هَذا اللَّفْظُ، وبِالمُسَمّى تِلْكَ الذّاتُ، فالعاقِلُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو تِلْكَ الذّاتُ، وبِالمُسَمّى أيْضًا تِلْكَ الذّاتُ. كانَ قَوْلُنا: الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى؛ هو أنَّ تِلْكَ الذّاتَ هي تِلْكَ الذّاتُ. وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُنازِعَ فِيهِ عاقِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ في وصْفِها رَكِيكَةٌ، وذَكَرَ الِاشْتِباهَ عَلى المُتَأخِّرِينَ؛ بِسَبَبِ لَفْظِ الِاسْمِ الَّذِي هو قَسِيمُ الفِعْلِ والحَرْفِ، إذْ هو مُرادُ المُتَقَدِّمِينَ في إطْلاقِهِ وإرادَةِ مُسَمّاهُ.
وَمِن هُنا تَعْلَمُ لِماذا أعْرَضَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَنْ بَيانِها ؟ وقَدْ أوْرَدْنا هَذا البَيانَ المُجْمَلَ؛ لِنُطْلِعَ القارِئَ إلَيْهِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ أوِ المُتَأخِّرِينَ؛ فَإنَّهُ إنْ وقَعَ الِاحْتِمالُ في الذَّواتِ الأُخْرى، فَلا يَقَعُ في ذاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ؛ لِأنَّ لِأسْماءِ اللَّهِ أحْكامًا لا لِأسْماءِ الآخَرِينَ، ولِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ حَقُّ التَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ، والدُّعاءِ بِها. كَما تَقَدَّمَ.
وَهُنا وُجْهَةُ نَظَرٍ لَمْ أرَ مَن صَرَّحَ بِها، ولَكِنْ قَدْ تُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وتُشِيرُ إلَيْها السُّنَّةُ. وهي: أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ هُنا بِمَعْنى الذِّكْرِ والتَّعَبُّدِ: كالتَّحْمِيدِ، والتَّهْلِيلِ، والتَّكْبِيرِ.
وَقَدْ جاءَ في كَلامِ الرّازِيِّ قَوْلُهُ: ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ أسْمائِهِ، ونَحْوُهُ في بَعْضِ نُقُولِ الطَّبَرِيِّ.
أمّا إشارَةُ السُّنَّةِ إلى ذَلِكَ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ «عَنْهُ ﷺ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، قالَ ﷺ بَعْدَ أنْ قَرَأها: ”سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى“» .
وَكَذَلِكَ ما رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قالَ: ”اجْعَلُوها في رُكُوعِكم“ ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ، قالَ: ”اجْعَلُوها في سُجُودِكم“ .»
(p-٥٠١)وَساقَ القُرْطُبِيُّ أثَرًا طَوِيلًا في فَضْلِها في الصَّلاةِ وخارِجِ الصَّلاةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَجاءَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وتُكَبِّرُونَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وتَخْتِمُونَ المِائَةَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: «”ما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةً، بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، إلّا يَقُولُ:“ سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي "، وقالَتْ: يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» .
وَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «”إنَّهُ كانَ يَقُولُها في قِيامِهِ وقُعُودِهِ، ومَجِيئِهِ وذَهابِهِ ﷺ فَيَكُونُ:“ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ": أيِ: اذْكُرْ رَبَّكَ» .
وَهَذا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الأُخْرى في هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾
[الأعلى: ١٤ - ١٥]، فَصَرَّحَ بِذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ، كَما جاءَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، فَوَضَعَ الذِّكْرَ مَوْضِعَ التَّسْبِيحِ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
الأعلى 87:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾
أطْلَقَ الخَلْقَ؛ لِيَعُمَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ كَما تَقَدَّمَ في ”السَّجْدَةِ“، ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، والتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ والتَّعْدِيلُ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُسْتَوٍ عَلى أحْسَنِ ما يَتَناسَبُ لِخِلْقَتِهِ وما خُلِقَ لَهُ، فَخَلَقَ السَّمَواتِ فَسَوّاها في أقْوى بِناءٍ، وأعْلى سُمْكٍ، وأشَدِّ تَماسُكٍ، لا تَرى فِيها مِن تَشَقُّقٍ ولا فُطُورٍ، وزَيَّنَها بِالنُّجُومِ، وخَلَقَ الأرْضَ ودَحاها، وأخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها، والجِبالَ أرْساها وجَعَلَها فِراشًا ومِهادًا، وخَلَقَ الأشْجارَ فَسَوّاها عَلى ما تَصْلُحُ لَهُ مِن ذَواتِ الثِّمارِ، ووَقُودِ النّارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الحَيَواناتُ في خِلْقَتِها وتَسْوِيَتِها آيَةٌ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] .
أمّا الإنْسانُ فَهو في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَوْجِبُ حَقًّا لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبَّحَ (p-٥٠٢)اسْمُهُ في ذاتِهِ، وجَمِيعِ صِفاتِهِ، حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ، فَلِكَمالِ القُدْرَةِ والتَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
الأعلى 87:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾
أطْلَقَ هُنا التَّقْدِيرَ؛ لِيَعُمَّ كُلَّ مَقْدُورٍ، وهو عائِدٌ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ؛ لِأنَّ مِن لَوازِمِ الخَلْقَ التَّقْدِيرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، وهَذِهِ الآيَةُ ومَثِيلاتُها مِن أعْظَمِ آياتِ القُدْرَةِ، وقَدْ جَمَعَها تَعالى عِنْدَ التَّعْرِيفِ التّامِّ لِلَّهِ تَعالى، لَمّا سَألَ فِرْعَوْنُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَنْ رَبِّهِ، قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢]، وهُنا قَدَّرَ كُلَّ ما خَلَقَ، وهَدى كُلَّ مَخْلُوقٍ إلى ما قَدَّرَهُ لَهُ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ قَدَّرَ مَقادِيرَ الأُمُورِ، وهَدى المَلائِكَةَ لِتَنْفِيذِها، وقَدَّرَ مَسِيرَ الأفْلاكِ، وهَداها إلى ما قُدِّرَ لَها: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] .
وَفِي الأشْجارِ والنَّباتاتِ؛ قَدَّرَ لَها أزْمِنَةً مُعَيَّنَةً في إيتائِها وهِدايَتِها إلى ما قُدِّرَ لَها، فالجِذْرُ يَنْزِلُ إلى أسْفَلَ والنَّبْتَةُ تَنْمُو إلى أعْلى، وهَكَذا الحَيَواناتُ في تَلْقِيحِها، ونِتاجِها، وإرْضاعِها. كُلٌّ قَدْ هَداهُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، وهَكَذا الإنْسانُ.
وَقَدْ قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ داخِلٌ تَحْتَ مَنطُوقِ هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا مَعْناها بِالتَّفْصِيلِ، فَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”طه“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] .
الأعلى 87:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى: نُقْرِئُكَ في سُورَةِ ”طه“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وبَيَّنَهُ بِآيَةِ ”القِيامَةِ“: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] .
(p-٥٠٣)وَقَوْلُهُ: ”فَلا تَنْسى“: بَحَثَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ مَعَ ما يُنْسَخُ مِنَ الآياتِ فَيَنْساهُ.
وَسَيُطْبَعُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ، تَتِمَّةً لِلْفائِدَةِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٣٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَنْسى مِنَ القُرْءانِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى حِفْظِ القُرْءانِ مِنَ الضَّياعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والجَوابُ أنَّ القُرْءانِ وإنْ كانَ مَحْفُوظًا مِنَ الضَّياعِ فَإنَّ بَعْضَهُ يَنْسَخُ بَعْضًا، وإنْساءُ اللَّهِ نَبِيَّهُ بَعْضَ القُرْءانِ في حُكْمِ النَّسْخِ، فَإذا أنْساهُ آيَةً فَكَأنَّهُ نَسَخَها، ولا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١] .
وَأشارَ هُنا لِعِلْمِهِ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ التَّذْكِيرَ، لا يُطْلَبُ إلّا عِنْدَ مَظِنَّةِ نَفْعِهِ، بِدَلِيلِ أنِ الشَّرْطِيَّةِ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .
وَأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ:
(p-٤٣٩)مِنها أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أيْ والبَرْدَ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والنَّحّاسِ والجُرْجانِيِّ وغَيْرِهِمْ.
وَمِنها أنَّها بِمَعْنى: إذْ، وإتْيانُ: ”إنْ“ بِمَعْنى: إذْ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ خِلافًا لِلْبَصْرِيِّينَ.
وَجَعَلَ مِنهُ الكُوفِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] .
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقَوْلَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] .
وَقَوْلَهُ ﷺ: «وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ» .
وَقَوْلَ الفَرَزْدَقِ:
؎أتَغْضَبُ إنْ أُذْنا قُتَيْبَةَ حَزَّتا جِهارًا ولَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ حازِمِ
وَأجابَ البَصْرِيُّونَ عَنْ آياتِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، بِأنَّ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، جِيءَ بِهِ لِلتَّهْيِيجِ، وعَنْ آيَةِ ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾، والحَدِيثُ بِأنَّهُما تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، إذا أخْبَرُوا عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وعَنِ البَيْتِ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، والأصْلُ: أتَغْضَبُ إنِ افْتَخَرَ مُفْتَخِرٌ بِحَزِّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ، إذِ الِافْتِخارُ بِذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ، ومُسَبِّبًا عَنِ الحَزِّ.
الثّانِي: تَغْضَبُ إنَّ تَبَيَّنَ في المُسْتَقْبَلِ، أنَّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ حُزَّتا.
وَمِنها أنَّ مَعْنى ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ الإرْشادُ إلى التَّذْكِيرِ بِالأهَمِّ، أيْ ذَكِّرْ بِالمُهِمِّ الَّذِي فِيهِ النَّفْعُ دُونَ ما لا نَفْعَ فِيهِ، فَيَكُونُ المَعْنى ذَكِّرِ الكُفّارَ مَثَلًا بِالأُصُولِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ، لا بِالفُرُوعِ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ دُونَ الأُصُولِ، وذَكِّرِ المُؤْمِنَ التّارِكَ لِفَرْضٍ مَثَلًا بِذَلِكَ الفَرْضِ المَتْرُوكِ لا بِالعَقائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّهُ أنْفَعُ.
وَمِنها أنَّ ”إنْ“، بِمَعْنى: قَدْ وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.
(p-٤٤٠)وَمِنها أنَّها صِيغَةُ شَرْطٍ أُرِيدَ بِها ذَمُّ الكُفّارِ واسْتِبْعادُ تَذَكُّرِهِمْ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وَمِنها غَيْرُ ذَلِكَ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِ هَذِهِ الحُرُوفِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، هو بَقاءُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى ظاهِرِها، وأنَّهُ ﷺ بَعْدَ أنْ يُكَرِّرَ لِذِكْرِي تَكْرِيرًا تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ ظَنِّ الفائِدَةِ، أمّا إذا عَلِمَ الفائِدَةَ فَلا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ هو عالِمٌ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّ العاقِلَ لا يَسْعى إلى ما لا فائِدَةَ فِيهِ.
وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎لِما نافِعٌ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ ∗∗∗ لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ ساعِيًا
وَهَذا ظاهِرٌ ولَكِنَّ الخَفاءَ في تَحْقِيقِ المَناطِ، وإيضاحُهُ أنْ يُقالَ: بِأيِّ وجْهٍ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ إفادَةِ الذِّكْرى، حَتّى يُباحَ تَرْكُها.
وَبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ تارَةً يَعْلَمُهُ بِإعْلامِ اللَّهِ بِهِ، كَما وقَعَ في أبِي لَهَبٍ، حَيْثُ قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وامْرَأتُهُ الآيَةَ [المسد: ٣ - ٤] .
فَأبُو لَهَبٍ هَذا وامْرَأتُهُ لا تَنْفَعُ فِيهِما الذِّكْرى، لِأنَّ القُرْءانِ نَزَلَ بِأنَّهُما مِن أهْلِ النّارِ بَعْدَ تَكْرارِ التَّذْكِيرِ لَهُما تَكْرارًا تَقُومُ عَلَيْهِما بِهِ الحُجَّةُ، فَلا يَلْزَمُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أنْ يُذَكِّرَهُما بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ .
وَتارَةً يَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الحالِ، بِحَيْثُ يُبْلِغُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، ويَأْتِي بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ، فَيَعْلَمُ أنَّ بَعْضَ الأشْخاصِ عالِمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وأنَّهُ مُصِرٌّ عَلى الكُفْرِ عِنادًا ولَجاجًا، فَمِثْلُ هَذا لا يَجِبُ تَكْرِيرُ الذِّكْرى لَهُ دائِمًا، بَعْدَ أنْ تُكَرَّرَ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا تَلْزَمُهُ بِهِ الحُجَّةُ.
وَحاصِلُ إيضاحِ هَذا الجَوابِ أنَّ الذِّكْرى تَشْتَمِلُ عَلى ثَلاثِ حِكَمٍ:
الأُولى: خُرُوجُ فاعِلِها مِن عُهْدَةِ الأمْرِ بِها.
الثّانِيَةُ: رَجاءُ النَّفْعِ لِمَن يُوعَظُ بِها، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٤١)﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، وبَيَّنَ الأوْلى مِنهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وبَيَّنَ الثّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [ ٥١ ] .
الثّالِثَةُ: إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، وبَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٤]، فالنَّبِيُّ ﷺ إذا كَرَّرَ الذِّكْرى حَصَلَتِ الحِكْمَةُ الأُولى والثّالِثَةُ، فَإنْ كانَ في الثّانِيَةِ طَمَعٌ اسْتَمَرَّ عَلى التَّذْكِيرِ وإلّا لَمْ يُكَلَّفْ بِالدَّوامِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَإنَّما اخْتَرْنا بَقاءَ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مَعَ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى صَرْفِها عَنْ ظاهِرِها المُتَبادِرِ مِنها، وأنَّ مَعْناها: فَذَكِّرْ مُطْلَقًا إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، لِأنَّنا نَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ كِتابِ اللَّهِ عَنْ ظَواهِرِهِ المُتَبادِرَةِ مِنهُ ؟ إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ لَهُ، وإلى بَقاءِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها.
جَنَحَ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قالَ في تَفْسِيرِها: أيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تَنْفَعُ التَّذْكِرَةُ، ومِن هُنا يُؤْخَذُ الأدَبُ في نَشْرِ العِلْمِ، فَلا يَضَعُهُ في غَيْرِ أهْلِهِ، كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تُبَلِّغُهُ عُقُولَهم، إلّا كانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، وقالَ: حَدَّثَ اللَّهُ النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ.
تَنْبِيهٌ
هَذا الإشْكالُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، إنَّما هو عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِاعْتِبارِ دَلِيلِ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن لا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ شَرْطًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، كَأبِي حَنِيفَةَ ؟ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، وكَذَلِكَ لا إشْكالَ فِيها عَلى قَوْلِ مَن لا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كالباقِلّانِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ نَصَّتْ عَلى الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ مَظِنَّةِ النَّفْعِ، وسَكَتَتْ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَظِنَّةِ النَّفْعِ فَيُطْلَبُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ، فَلا تُعارِضُ الآيَةُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى التَّذْكِيرِ مُطْلَقًا.
الأعلى 87:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾
هَلْ: إنْ هُنا بِمَعْنى إذْ أوْ أنَّها شَرْطِيَّةٌ ؟ وهَلْ لِلشَّرْطِ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ أمْ لا ؟ كُلُّ ذَلِكَ بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بِتَوَسُّعٍ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، ورَجَّحَ أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وقَسَّمَ المَدْعُوَّ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مَقْطُوعٌ بِنَفْعِهِ، ومَقْطُوعٌ بِعَدَمِ نَفْعِهِ، ومُحْتَمَلٌ، وقالَ: مَحَلُّ التَّذْكِيرِ ما لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِعَدَمِ نَفْعِهِ، كَمَن بَيَّنَ لَهُ مِرارًا فَأعْرَضَ، كَأبِي لَهَبٍ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَآلِهِ فَلا نَفْعَ في تَذْكِيرِهِ.
الأعلى 87:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الحِكْمَةِ مِنَ الذِّكْرى.
وَمِنها تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ .
الأعلى 87:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾
أيْ: بِسَبَبِ شَقائِهِمُ السّابِقِ أزَلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] .
الأعلى 87:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
نَفى عَنْهُ الضِّدَّيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِالذّاتِ إمّا حَيٌّ وإمّا مَيِّتٌ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما، ولَكِنْ في يَوْمِ القِيامَةِ تَتَغَيَّرُ المَوازِينُ والمَعايِيرُ، وهَذا أبْلَغُ في التَّعْذِيبِ، إذْ لَوْ ماتَ لاسْتَراحَ، ومَعَ أنَّهُ يَتَلَقّى مِنَ العَذابِ ما لا حَياةَ مَعَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقَوْلُهُ ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٣٦] . وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في سُورَةِ ”طَهَ“ عِنْدَ الكَلامِ (p-٥٠٤)عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] .
الأعلى 87:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ أسْنَدَ الفَلاحَ هُنا إلى: ﴿مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ أسْنَدَ التَّزْكِيَةَ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾
[النور: ٢١]، وفي آيَةٍ أُخْرى، نَهى عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”النُّورِ“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ عَلى أنْ ”زَكا“ بِمَعْنى تَطَهَّرَ مِنَ الشُّكْرِ والمَعاصِي، لا عَلى أنَّهُ أخْرَجَ الزَّكاةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ آيَةَ ”النَّجْمِ“ إنَّما نَهى فِيها عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ؛ لِما فِيهِ مِنِ امْتِداحِها، وقَدْ لا يَكُونُ صَحِيحًا كَما في سُورَةِ ”الحُجُراتِ“: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعلى 87:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قُرِئَ: ”تُؤْثِرُونَ“ بِالتّاءِ وبِالياءِ راجِعًا إلى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٢]، وعَلى أنَّها بِالتّاءِ لِلْخِطابِ أعَمُّ، وحَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ عامٌّ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، ويُذْكَرُ في الصُّحُفِ الأُولى كُلِّها عامَّةً، وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، مِمّا يَدُلُّ عَلى خُطُورَتِهِ، وأنَّهُ أمْرٌ غالِبٌ عَلى النّاسِ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أسْبابِ ذَلِكَ مِنها: الجَهْلُ، وعَدَمُ العِلْمِ بِالحَقائِقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أيِ: الحَياةُ الدّائِمَةُ.
وَقَدْ رَوى القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قَوْلَهُ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى، لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مَن ذَهَبٍ يَبْقى والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟
وَمِن أسْبابِ ذَلِكَ أنَّ الدُّنْيا زُيِّنَتْ لِلنّاسِ، وعُجِّلَتْ لَهم كَما في قَوْلِهِ: (p-٥٠٥)﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وَبَيِّنَ تَعالى هَذا المَآبَ الحَسَنَ وهو في وصْفِهِ يُقابِلُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾، فَقالَ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ١٥] .
تَأمَّلْ هَذا البَدِيلَ، فَفي الدُّنْيا: ذَهَبٌ، وخَيْلٌ، ونِساءٌ، والأنْعامُ، والحَرْثُ، وقَدْ قابَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالجَنَّةِ؛ فَعَمَّتْ وشَمِلَتْ. ولَكِنْ نَصَّ عَلى أزْواجٍ مُطَهَّرَةٍ؛ لِيَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ نِساءِ الدُّنْيا ونِساءِ الآخِرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في: وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، ولَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وخَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَنُصُّ عَلى الخَيْرِيَّةِ في الآخِرَةِ.
وَلا شَكَّ أنَّ مَن آثَرَ الآخِرَةَ غالِبٌ عَلى مَن آثَرَ الدُّنْيا، وظاهَرٌ عَلَيْهِ، كَما صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] .
فَمِن هَذا؛ يَظْهَرُ أنَّ أسْبابَ إيثارِ النّاسِ لِلْحَياةِ الدُّنْيا، هو تَزْيِينُها وزَخْرَفَتُها في أعْيُنِهِمْ: بِالمالِ، والبَنِينَ، والخَيْلِ، والأنْعامِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] .
وَقَدْ سِيقَ هَذا، لا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ بِالواقِعِ فَحَسْبُ، بَلْ إنَّ مِن ورائِهِ ما يُسَمّى لازِمَ الفائِدَةَ، وهو ذَمُّ مَن كانَ هَذا حالُهُ، فَوَجَبَ البَحْثُ عَنِ العِلاجِ لِهَذِهِ الحالَةِ.
وَإذا ذَهَبْنا نَتَطَلَّبُ العِلاجَ، فَإنَّنا في الواقِعِ نُواجِهُ أخْطَرَ مَوْضُوعٍ عَلى الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَشْمَلُ حَياتَهُ الدُّنْيا ومَآلَهُ في الآخِرَةِ، ويَتَحَكَّمُ في سَعادَتِهِ وفَوْزِهِ، أوْ شَقاوَتِهِ وحِرْمانِهِ، وإنَّ أقْرَبَ مَأْخَذٍ لَنا لَهو هَذا المَوْطِنُ بِالذّاتِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو بِضَمِيمَةِ ما قَبْلَها إلَيْها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٠ - ١٢]، وبَعْدَها ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤ ١٤ - ٦] (p-٥٠٦)فَقَدْ قَسَّمَتْ هَذِهِ الآياتُ الأُمَّةَ كُلَّها أُمَّةَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ.
أمّا التَّذْكِيرُ والإنْذارُ، إذْ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩]، فَهَذا مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ وجاءَ تَقْسِيمُ الأُمَّةِ إلى القِسْمَيْنِ في الآيَتَيْنِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾: فَيَنْتَفِعُ بِالذِّكْرى وتَنْفَعُهُ: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾، فَلا تَنْفَعُهُ ولا يَنْتَفِعُ بِها، ثُمَّ جاءَ الحُكْمُ بِالفَلاحِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾، أيْ: مَن يَخْشى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، ولَمْ يَغْفُلْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا المَوْقِفُ بِنَفْسِهِ هو المُفَصَّلُ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، وفي مَعْرِضِ التَّوْجِيهِ لَنا والتَّوْبِيخِ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ أيْضًا: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] .
فَقَسْوَةُ القَلْبِ، وطُولُ الأمَدِ والتَّسْوِيفُ: هي العَوامِلُ الأساسِيَّةُ لِلْغَفْلَةِ وإيثارِ الدُّنْيا. والخَشْيَةُ والذِّكْرُ: هي العَوامِلُ الأساسِيَّةُ لِإيثارِ الآخِرَةِ، ثُمَّ عَرَضَ الدُّنْيا في حَقِيقَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١] .
فَوَصَفَ الدّاءَ والدَّواءَ مَعًا في هَذا السِّياقِ. فالدّاءُ: هو الغُرُورُ، والدَّواءُ: هو المُسابَقَةُ إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾، قِيلَ: اسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى السُّورَةِ كُلِّها؛ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّوْحِيدِ والمَعادِ، والذِّكْرِ، والعِباداتِ. والصُّحُفُ الأُولى: هي ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى.
وَجاءَ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ: أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ كانَتْ أمْثالًا، وصُحُفَ مُوسى كانَتْ مَواعِظَ، وذَكَرَ نَماذِجَ لَها.
وَعِنْدَ الفَخْرِ الرّازِيِّ «مِن رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ فَقالَ: مِائَةً وأرْبَعَةَ كُتُبٍ: عَلى آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ، وعَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، والتَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، والفُرْقانَ“» .
(p-٥٠٧)وَفِي هَذا نَصٌّ عَلى أنَّ في القُرْآنِ مِمّا في الصُّحُفِ الأُولى، وقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ أنْ مَعانٍ أُخْرى كَذَلِكَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى كَما في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤٠] .
وَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّها أكْثَرُها أمْثالًا ومَواعِظَ، كَما يُؤَكِّدُ تَرابُطَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
الغاشية 88:1
(p-٥٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الغاشِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾
الكَلامُ في هَلْ هُنا، كالكَلامِ في هَلْ الَّتِي في أوَّلِ سُورَةِ ”الإنْسانِ“، أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ أوْ أنَّها بِمَعْنى قَدْ ؟
وَرَجَّحَ أبُو السُّعُودِ وغَيْرُهُ: أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ لِلَفْتِ النَّظَرِ، وشِدَّةِ التَّعَجُّبِ، والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا الحَدِيثِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”لَمْ يَكُنْ أتاهُ فَأخْبَرَهُ بِهِ“ وحَدِيثُ الغاشِيَةِ هو خَبَرُها الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْها.
والغاشِيَةُ قالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُها في اللُّغَةِ: الدّاهِيَةُ تَغْشى النّاسَ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هُنا، فَقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ.
وَقِيلَ: النّارُ. واسْتَدَلَّ كُلُّ قائِلٍ بِنُصُوصٍ. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥] .
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: وإنَّما سُمِّيَتِ القِيامَةُ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ ما أحاطَ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَهو غاشٌّ لَهُ، والقِيامَةُ كَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّها تَرِدُ عَلى الخَلْقِ بَغْتَةً، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [يوسف: ١٠٧] .
والثّانِي: أنَّها تَغْشى النّاسَ جَمِيعًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ.
والثّالِثُ: أنَّها تَغْشى النّاسَ بِالأهْوالِ والشَّدائِدَ.
(p-٥٠٩)وَمِنِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى أنَّها النّارُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] .
وَقِيلَ: الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ يَغْشَوْنَها، أيْ: يَدْخُلُونَها، فالغاشِيَةُ كالدّافَّةِ في حَدِيثِ الأضاحِيِّ.
وَقالَ الطَّبَرِيُّ: والرّاجِحُ عِنْدِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَقَ لِيَعُمَّ، فَيَجِبُ أنْ تُطْلَقَ؛ لِيَعُمَّ أيْضًا.
والَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّها في عُمُومِ القِيامَةِ، ولَيْسَ في خُصُوصِ النّارِ؛ فالنّارُ مِن أهْوالِ ودَواهِي القِيامَةِ، وهو ما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ في هَذا السِّياقِ مِن عِدَّةِ وُجُوهٍ، ومِنها:
أنَّهُ جاءَ بَعْدَها قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: ٢]، ويَوْمَ أنْسَبُ لِلْقِيامَةِ مِنهُ لِلنّارِ.
وَمِنها: التَّصْرِيحُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ بِأنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ صِفاتُهم: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الغاشِيَةَ شَيْءٌ آخَرَ سِوى النّارِ الحامِيَةِ.
وَمِنها: أنَّ التَّعْمِيمَ لِيَوْمِ القِيامَةِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وهو الأنْسَبُ بِالمَوْقِفِ، ثُمَّ يُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى قَسِيمَ هَذا الصِّنْفِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَدِيثَ المُرادَ إلْغاؤُهُ، إنَّما هو عَنْ حالَةِ عُمُومِ المَوْقِفِ.
الغاشية 88:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ الآياتِ. اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ”يَوْمَئِذٍ“ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ.
وَقالَ أبُو حَيّانَ: والتَّنْوِينُ فِيهِ تَنْوِينُ عِوَضٍ. وهو تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ تَصْلُحُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها، ولَكِنْ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ الغاشِيَةِ. وألْ مَوْصُولَةٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَتَنْحَلُّ لِلَّتِي غَشِيَتْ، أيْ: لِلدّاهِيَةِ الَّتِي غَشِيَتْ، فالتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي انْحَلَّ لَفْظُ الغاشِيَةِ إلَيْها، وإلى المَوْصُولِ الَّذِي هو الَّتِي، وهَذا مِمّا يُرَجِّحُ ويُؤَيِّدُ ما قَدَّمْناهُ، مِن أنَّ الغاشِيَةَ هي القِيامَةُ (p-٥١٠)
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، بِمَعْنى: ذَلِيلَةٌ. قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا وما بَعْدَهُ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ، نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّشْوِيقِيِّ المُتَقَدِّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ مِن جانِبِهِ ﷺ: ”ما أتانِي حَدِيثُها“، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى. فَقالَ: ”وُجُوهٌ“ إلَخْ.
قالَ: ولا بَأْسَ بِتَنْكِيرِها؛ لِأنَّها في مَوْقِعِ التَّنْوِيعِ، أيْ: سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ كَوْنُها في مَوْقِعِ التَّنْوِيعِ: وُجُوهٌ كَذا، ووُجُوهٌ كَذا.
وَخاشِعَةٌ: خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أيْ: وما بَعْدَهُ مِن صِفاتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ العَمَلُ مَعْرُوفٌ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في زَمَنِ العَمَلِ والنَّصَبِ هَذَيْنِ: هَلْ هو كانَ مِنها في الدُّنْيا أمْ هو واقِعٌ مِنهم فِعْلًا في الآخِرَةِ ؟ وما هو عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ: فالَّذِينَ قالُوا: هو كانَ مِنهم في الدُّنْيا، مِنهم مَن قالَ: عَمَلٌ ونَصَبٌ في العِباداتِ الفاسِدَةِ: كَعَمَلِ الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ والمُبْتَدَعَةِ الضّالِّينَ، فَلَمْ يَنْفَعْهم يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
وَمِنهم مَن قالَ: عَمِلَ ونَصَبَ والتَذَّ، فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ، فَعامَلَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ في الآخِرَةِ، ولَكِنَّ هَذا الوَجْهَ ضَعْفُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن هَذِهِ حالُهم لا يُعَدُّونَ في عَمَلٍ ونَصَبٍ، بَلْ في مُتْعَةٍ ولَذَّةٍ.
والَّذِينَ قالُوا: سَيَقَعُ مِنهم بِالفِعْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَمَلٌ ونَصَبٌ في النّارِ مِن جَرِّ السَّلاسِلِ، عِياذًا بِاللَّهِ، وصُعُودِهِمْ وهُبُوطِهِمُ الوِهادَ والوِدْيانَ، أيْ: كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] .
وَقَدْ ذَكَرَ الفَخْرُ الرّازِيُّ تَقْسِيمًا ثُلاثِيًّا، فَقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ في الدُّنْيا أوْ كُلُّهُ في الآخِرَةِ، أوْ بَعْضُهُ في الدُّنْيا وبَعْضُهُ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُرَجِّحْ قِسْمًا مِنها إلّا أنَّ وجْهَ القَوْلِ: بِأنَّها في الدُّنْيا وهي في القِسِّيسِينَ ونَحْوِهِمْ. فَقالَ: لَمّا نَصَبُوا في عِبادَةِ إلَهٍ وصَفُوهُ بِما لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهِ، وإنَّما تَخَيَّلُوهُ تَخَيُّلًا، أيْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، فَكانَتْ عِبادَتُهم لِتِلْكَ الذّاتِ المُتَخَيَّلَةِ لا لِحَقِيقَةِ الإلَهِ سُبْحانَهُ.
(p-٥١١)وَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ عَلى هَذا الوَجْهِ: إنَّ مَن كانَ مِمَّنْ لا يَنْطِقُ بِالشَّهادَتَيْنِ، ويَعْمَلُ عَلى جَهالَةٍ فِيما لا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ أنْ يُخْشى عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، كَما يُخْشى عَلى مَن يَعْمَلُ عَلى عِلْمٍ، ولَكِنْ في بِدْعَةٍ وضَلالَةٍ.
وَمِمّا يَشْهَدُ لِلْأوَّلِ حَدِيثُ المُسِيءِ صَلاتَهُ. ولِأثَرِ حُذَيْفَةَ: ”رَأى رَجُلًا يُصَلِّي فَطَفِقَ، فَقالَ لَهُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ؟ قالَ: مُنْذُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالَ لَهُ: ما صَلَّيْتَ مُنْذُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ولَوْ مُتَّ عَلى ذَلِكَ، مُتَّ عَلى غَيْرِ فِطْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ“ .
والأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العُمُوماتِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرِي فَهو رَدٌّ» أيْ: مَرْدُودٌ.
وَحَدِيثُ الحَوْضِ: «فَيُذادُ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي، فَأقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ماذا أحْدَثُوا بَعْدَكَ؛ إنَّهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا» .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِانْتِباهَ إلى صِحَّةِ العَمَلِ، ومُوافَقَتِهِ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
وَكَذَلِكَ القِسْمُ الثّانِي، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] .
أمّا الرّاجِحُ مِنَ القَوْلَيْنِ في زَمَنِ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ في صَبَّةٍ أهُوَ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ ؟ فَإنَّهُ القَوْلُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ، والأدِلَّةُ عَلى ذَلِكَ مِن نَفْسِ السِّياقِ.
وَلِابْنِ تَيْمِيَّةَ كَلامٌ جَيِّدٌ جِدًّا في هَذا التَّرْجِيحِ، ولَمْ أقِفْ عَلى قَوْلٍ لِغَيْرِهِ أقْوى مِنهُ، نَسُوقُ مُجْمَلَهُ لِلْفائِدَةِ:
قالَ في المَجْمُوعِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ حِكايَةِ القَوْلَيْنِ: الحَقُّ هو الثّانِي لِوُجُوهٍ، وساقَ سَبْعَةَ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ بِما يَلِيهِ، أيْ: وُجُوهٌ يَوْمَ الغاشِيَةِ، خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ صالِيَةٌ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَلا يَتَعَلَّقُ إلّا بِقَوْلِهِ: ”تَصْلى“ . ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”خاشِعَةٌ“ صِفَةً لِلْوُجُوهِ، قَدْ فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُوفِ بِأجْنَبِيٍّ مُتَعَلِّقٍ بِصِفَةٍ أُخْرى. والتَّقْدِيرُ: وُجُوهٌ (p-٥١٢)خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ يَوْمَئِذٍ تَصْلى نارًا حامِيَةً، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فالأصْلُ إقْرارُ الكَلامِ عَلى نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، لا تَغْيِيرُ تَرْتِيبِهِ، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ إنَّما يَكُونُ مَعَ قَرِينَةٍ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ وُجُوهَ الأشْقِياءِ ووُجُوهَ السُّعَداءِ في السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٨ - ١٠]، أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو يَوْمُ الآخِرَةِ: فالواجِبُ تَناظُرُ القِسْمَيْنِ، أيْ: في الظَّرْفِ.
الثّالِثُ: أنَّ نَظِيرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ما ذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥]، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢]، وهَذا كُلُّهُ وصْفٌ لِلْوُجُوهِ في الآخِرَةِ.
الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ أصْحابُها؛ لِأنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ وصْفُ الوُجُوهِ بِالعَلامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، وهَذا الوَجْهُ لَمْ تَتَّضِحْ دَلالَتُهُ عَلى المَقْصُودِ.
الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾، لَوْ جُعِلَ صِفَةً لَهم في الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ في هَذا اللَّفْظِ ذَمٌّ؛ فَإنَّ هَذا إلى المَدْحِ أقْرَبُ، وغايَتُهُ أنَّهُ وصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ وعِبادِهِ الكافِرِينَ، والذَّمُّ لا يَكُونُ بِالوَصْفِ المُشْتَرَكِ، ولَوْ أُرِيدَ المُخْتَصُّ لَقِيلَ: خاشِعَةٌ لِلْأوْثانِ مَثَلًا، عامِلَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، ناصِبَةٌ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ذَمٌّ لِهَذا الوَصْفِ مُطْلَقًا ولا وعِيدٌ عَلَيْهِ، فَحَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى خُرُوجٌ عَنِ الخِطابِ المَعْرُوفِ في القُرْآنِ، وهَذا الوَجْهُ مِن أقْواها في المَعْنى، وأوْضَحِها دَلالَةً.
وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ يَكُونُ مِنهُمُ العَوامُّ المَغْرُورُونَ بِغَيْرِهِمْ، ويَنْدَمُونَ غايَةَ النَّدَمِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] .
السّادِسُ: - وهو مُهِمٌّ أيْضًا - أنَّهُ لَوْ جُعِلَ لَهم في الدُّنْيا؛ لَكانَ خاصًّا بِبَعْضِ الكُفّارِ دُونَ (p-٥١٣)بَعْضٍ، وكانَ مُخْتَصًّا بِالعِبادِ مِنهم، مَعَ أنَّ غَيْرَ العِبادِ مِنهم يَكُونُونَ أسْوَأ عَمَلًا، ويَسْتَوْجِبُونَ أشَدَّ عُقُوبَةٍ.
السّابِعُ: أنَّ هَذا الخِطابَ لَوْ جُعِلَ لَهم في الدُّنْيا؛ لَكانَ مِثْلُهُ يَنْفِرُ مِن أصْلِ العِبادَةِ والتَّنَسُّكِ ابْتِداءً، أيْ: وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِتَرْكِ أصْحابِ الصَّوامِعِ والمُتَنَسِّكِينَ، دُونَ التَّعَرُّضِ لَهم بِقَتْلٍ ولا قِتالٍ، كَما أنَّها أقَرَّتْ أصْحابَ الدِّياناتِ عَلى دِياناتِهِمْ، مِمّا يُشْعِرُ بِاحْتِرامِ أصْلِ التَّعَبُّدِ لِعُمُومِ الجِنْسِ، كَما أشارَ.
وَقَدْ أوْرَدْنا مُجْمَلَ كَلامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِئَلّا تُتَّخَذَ الآيَةُ عَلى غَيْرِ ما هو الرّاجِحُ فِيها، أوْ يُحْمَلُ السِّياقُ عَلى غَيْرِ ما سِيقَ لَهُ، وقَدْ خَتَمَ كَلامَهُ بِتَوْجِيهٍ لَطِيفٍ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إذا قُيِّدَ ذَلِكَ بِعِبادَةِ الكُفّارِ والمُبْتَدَعَةِ، ولَيْسَ في الخِطابِ تَقْيِيدٌ، كانَ هَذا سَعْيًا في إصْلاحِ الخَطّابِ بِما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ. اهـ.
وَمَنِ الَّذِي يُعْطِي نَفْسَهُ حَقَّ إصْلاحِ الخِطابِ في كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، إنَّها لَفْتَةٌ إلى ضَرُورَةِ ومَدى أهَمِّيَّةِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، الَّذِي نَهَجَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في أضْواءِ البَيانِ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ.
وَقَدْ بَدا لِي وجْهٌ آخَرُ، وهو لَوْ جَعَلَ هَذا العَمَلَ الكُفّارَ والمُبْتَدِعَةَ؛ لَكانَ مَنطُوقُهُ: أنَّ العَذابَ وقَعَ عَلَيْهِمْ مُجازاةً عَلى عَمَلِهِمْ ونَصَبِهِمْ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ، والحالُ أنَّ عَذابَ الكُفّارِ عُمُومًا إنَّما هو عَلى تَرْكِ العَمَلِ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِقابُ المُبْتَدِعَةِ فِيما ابْتَدَعُوهُ مِن ضَلالٍ، فَإذا كانَ ما ابْتَدَعُوهُ لا عَلاقَةَ لَهُ بِأرْكانِ الإسْلامِ ولا بِالعَقِيدَةِ، وإنَّما هو في فُرُوعٍ مِنَ العِباداتِ ابْتَدَعُوها لَمْ تَكُنْ في السُّنَّةِ، فَإنَّهم وإنْ عَمِلُوا ونَصَبُوا فَلا أجْرَ لَهم فِيها، ولا يُقالُ: إنَّهم يُعَذَّبُونَ عَلَيْها بَطَلَ ذَلِكَ المَذْكُورُ مَعَ سَلامَةِ العَقِيدَةِ في التَّوْحِيدِ، والقِيامِ بِالواجِبِ في أرْكانِ الإسْلامِ، إذِ العَذابُ المَذْكُورُ لَيْسَ مُقابَلًا بِالعَمَلِ والنَّصَبِ المَذْكُورِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الغاشية 88:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾
قِيلَ: حاضِرَةٌ، وقِيلَ: شَدِيدَةُ الحَرارَةِ، وهَذا الأخِيرُ هو ما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّ الحَمِيمَ شَدِيدُ الحَرارَةِ، كَما أنَّ حَمْلَها عَلى مَعْنى حاضِرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ مَعْنى ما في تِلْكَ العَيْنِ مِن أنْواعِ الشَّرابِ (p-٥١٤)المُعَدِّ والمُحَضَّرِ لَهم، وفي المُعْجَمِ: ”حَمِيمٌ آنٍ“: قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، والفِعْلُ: أنى الماءُ المُسَخَّنُ يَأْنِي بِكَسْرِ النُّونِ. قالَ عَبّاسٌ:
؎عَلانِيَةٌ والخَيْلُ يَغْشى مُتُونَها حَمِيمٌ وآنٌ مِن دَمِ الجَوْفِ ناقِعُ
الغاشية 88:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾
تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ في الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿وَلا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٦]، وبَيَّنَ الصَّحِيحَ مِن مَعْنى الضَّرِيعِ ما هو، وأنَّهُ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ لِلْعَرَبِ، وهو عَلى الحَقِيقَةِ لا المَجازِ.
وَقَدْ أوْرَدَ الفَخْرُ الرّازِيُّ سُؤالًا والجَوابَ عَلَيْهِ، وهو: كَيْفَ يَنْبُتُ الضَّرِيعُ في النّارِ ؟ فَأجابَ بِالإحالَةِ عَلى تَصَوُّرِ: كَيْفَ يَبْقى جِسْمُ الكُفّارِ حَيّا في النّارِ ؟ وكَذَلِكَ الحَيّاتُ والعَقارِبُ في النّارِ.
وَهَذا وإنْ كانَ وجِيهًا مِن حَيْثُ مَنطِقِ القُدْرَةِ، ولَكِنَّ القُرْآنَ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ النّارَ فِيها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وأنَّها فِتْنَةٌ لِلظّالِمِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٦]، فَأثْبَتَ شَجَرَةً تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، وأثْبَتَ لَها لازِمَها وهو: طَلْعُها في تِلْكَ الصُّورَةِ البَشِعَةِ، وأثْبَتَ لازِمَ اللّازِمِ وهو: أكْلُهم مِنها حَتّى مِلْءِ البُطُونِ.
والحُقُّ أنَّ هَذا السُّؤالَ وجَوابَهُ قَدْ أثارَهُ المُبْطِلُونَ، ولَكِنْ غايَةُ ما في الأمْرِ سَلْبُ خاصِّيَّةِ الإحْراقِ في النّارِ عَنِ النَّباتِ، ولَيْسَ هَذا بِبَعِيدٍ عَلى قُدْرَةِ مَن خَلَقَ النّارَ وجَعَلَ لَها الخاصِّيَّةَ.
وَقَدْ وُجِدَ نَظِيرُهُ في الدُّنْيا فَتِلْكَ نارُ النُّمْرُوذِ، كانَتْ تُحْرِقُ الطَّيْرَ في الجَوِّ إذا اقْتَرَبَ مِنها، وعَجَزُوا عَنِ الدُّنُوِّ إلَيْها؛ لِيُلْقُوا فِيها إبْراهِيمَ ووَضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ ورَمَوْهُ مِن بَعِيدٍ، ومَعَ ذَلِكَ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى لَها: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فَسُبْحانَ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٤٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ .
تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ الآيَةَ [الغاشية: ١٢] .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الجَنَّةَ فِيها عَيْنٌ واحِدَةٌ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥] .
والجَوابُ هو ما تَقَدَّمَ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٥] .
فالمُرادُ بِالعَيْنِ العُيُونُ، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ وغَيْرِها.
الغاشية 88:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (p-٥١٥)وَهَذا هو قَسِيمُ القِسْمِ الأوَّلِ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ، ولَمْ يَعْطِفْ بِالواوِ؛ إيذانًا بِكَمالِ تَبايُنِ مَضْمُونَيْهِما. و ”يَوْمَئِذٍ“: هو يَوْمُ الغاشِيَةِ المُتَقَدِّمُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الغاشِيَةَ عامَّةٌ في الفَرِيقَيْنِ. وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْوالُها مَعَ مُخْتَلَفِ النّاسِ، وعَلَيْهِ فَمِنهم مَن تَغْشاهُ بِهَوْلِها، ومِنهم مَن تَغْشاهُ بِنَعِيمِها. وهي بِالنِّسْبَةِ لِكُلٍّ مِنهُما مُتَناهِيَةٌ فِيما تَغْشاهم بِهِ، وهي صادِقَةٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الغاشِيَةَ تُطْلَقُ عَلى الخَيْرِ كَما تُطْلَقُ عَلى الشَّرِّ، بِمَعْنى الشُّمُولِ والإحاطَةِ التّامَّةِ. ومِن إطْلاقِها عَلى الخَيْرِ ما جاءَ في الحَدِيثِ: «ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إلّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَبَيانُ ذَلِكَ وتَحْقِيقُهُ في حَقِّ كِلا القِسْمَيْنِ كالآتِي:
أمّا الأوَّلُ مِنهُما: - وهو الغاشِيَةُ في حَقِّ أهْلِ النّارِ - فَقَدْ غَشِيَهُمُ العَذابُ حِسًّا ومَعْنًى، ظاهِرًا وباطِنًا أوْ لا خُشُوعَ في ذِلَّةٍ، وهي ناحِيَةٌ نَفْسِيَّةٌ، وهي أثْقَلُ أحْيانًا مِنَ النّاحِيَةِ المادِّيَّةِ، فَقَدْ يَخْتارُ بَعْضُ النّاسِ المَوْتَ عَنْها، ثُمَّ مَعَ الذِّلَّةِ العَمَلُ والنَّصَبُ حِسًّا وبَدَنًا، ومَعَ النَّصَبِ الشَّدِيدِ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ وكانَ يَكْفِي تَصْلى نارًا. ولَكِنْ إتْباعُها بِوَصْفِها حامِيَةً؛ فَهو زِيادَةٌ في إبْرازِ عَذابِهِمْ، وزِيادَةٌ في غَشَيانِ العَذابِ لَهم، ثُمَّ يُسْقَوْنَ ﴿مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: مُتَناهِيَةٍ في الحَرارَةِ؛ فَيَكُونُونَ بَيْنَ نارٍ حامِيَةٍ مِنَ الخارِجِ وحَمِيمٍ مِنَ الدّاخِلِ تَصْهَرُ مِنهُ البُطُونُ، فَهو أتَمُّ في الشُّمُولِ لِلْغاشِيَةِ لَهم مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وفي حَقِّ القِسْمِ المُقابِلِ تَعْمِيمٌ كامِلٌ وسُرُورٌ شامِلٌ كالآتِي، وُجُوهٌ ناعِمَةٌ مُكْتَمِلَةُ النِّعْمَةِ، ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ .
وَهَذا في شُمُولِهِ مِنَ النّاحِيَةِ المَعْنَوِيَّةِ، كَمُقابِلَةٍ في القِسْمِ الأوَّلِ بَدَلًا مِن خاشِعَةٍ في ذِلَّةٍ ناعِمَةٍ في نَضْرَةٍ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ الَّذِي سِعَتُهُ في الدُّنْيا، والَّذِي تَسْعى لِتَحْصِيلِهِ أوْ ثَوابِهِ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ بَدَلًا مِن عَمَلٍ ونَصَبٍ. ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾: مَنزِلَةٌ أدَبِيَّةٌ رَفِيعَةٌ؛ حَيْثُ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ ولا يَلِيقُ بِها، فَهو إكْرامٌ لَهم حَتّى في الكَلِمَةِ الَّتِي يَسْمَعُونَها، كَما في قَوْلِهِ: (p-٥١٦)﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] .
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾
وَمَعْلُومٌ أنَّها عُيُونٌ وأنْهارٌ تَجْرِي، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، ومِن لَوازِمَ العُيُونِ والأنْهارِ، هو كَمالُ النَّعِيمِ، فَأشْجارٌ ورَياحِينُ، ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وهَذا في التَّعْمِيمِ يُقابِلُ العَيْنَ الآنِيَةَ في الحَمِيمِ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ وهم عَلَيْها مُتَّكِئُونَ، بَدَلٌ مِن عَمَلِ الآخَرِينَ في نَصَبٍ وشَقاءٍ.
﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ لِإتْمامِ التَّمَتُّعِ وكَمالِ الخِدْمَةِ والرَّفاهِيَةِ. ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ مُتَّكَأً ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ مَفْرُوشَةٌ في كُلِّ مَكانٍ، فاكْتَمَلَ النَّعِيمُ مِن كُلِّ جانِبٍ، حَيْثُ اشْتَمَلَ ما تَراهُ العَيْنُ وما تَسْمَعُهُ الأُذُنُ، وما يَتَذَوَّقُونَ طَعْمَهُ مِن شَرابٍ وغَيْرِهِ.
فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ غَشِيَتْهُمُ النِّعْمَةُ، كَما غَشِيَتْ أُولَئِكَ النِّقْمَةُ، وتَكُونُ الغاشِيَةُ بِمَعْنى الشّامِلَةُ، وعَلى عُمُومِها لِلْفَرِيقَيْنِ، وهي صالِحَةٌ لُغَةً وشَرْعًا لِلْمُعَذَّبِينَ بِالعَذابِ، ولِلْمُنَعَّمِينَ بِالنَّعِيمِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ.
مَجِيءُ فِيها مَرَّتَيْنِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾، ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى قِسْمَيْ نَعِيمِ الجَنَّةِ. الأوَّلُ: عُيُونٌ ونُزْهَةٌ. والثّانِي: سُرُرٌ وسَكَنٌ.
الغاشية 88:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾
تَوْجِيهُ الأنْظارِ إلى تِلْكَ المَذْكُوراتِ الأرْبَعَةِ؛ لِما فِيها مِن عَظِيمِ الدَّلائِلِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى البَعْثِ، وثُمَّ الإقْرارُ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، نَتِيجَةً لِإثْباتِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ خَلْقِهِ.
أمّا الإبِلُ: فَلَعَلَّها أقْرَبُ المَعْلُوماتِ لِلْعَرَبِ، وألْصَقُها بِحَياتِهِمْ في مَطْعَمِهِمْ مِن لَحْمِها ومَشْرَبِهِمْ مِن ألْبانِها، ومَلْبَسِهِمْ مِن أوْبارِها وجُلُودِها، وفي حِلِّهِمْ وتِرْحالِهِمْ بِالحَمْلِ عَلَيْها، مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِها في العالَمِ كُلِّهِ لا في الخَيْلِ ولا في الفِيَلَةِ، ولا في أيِّ حَيَوانٍ آخَرَ، وقَدْ وجَّهَ الأنْظارَ إلَيْها مَعَ غَيْرِها في مَعْرِضِ امْتِنانِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: (p-٥١٧)﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] .
وَكَذَلِكَ في خُصُوصِها في قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٥ - ٧] .
إنَّها نِعَمٌ مُتَعَدِّدَةٌ ومَنافِعٌ بالِغَةٌ لَمْ تُوجَدْ في سِواها البَتَّةَ، وكُلٌّ مِنها دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ بِذاتِهِ. أمّا الجِبالُ: فَهي مِمّا يَمْلَأُ عُيُونَهم في كُلِّ وقْتٍ، ويَشْغَلُ تَفْكِيرَهم في كُلِّ حِينٍ؛ لِقُرْبِها مِن حَياتِهِمْ في الأمْطارِ والمَرْعى في سُهُولِها، والمَقِيلِ في كُهُوفِها وظِلِّها، والرَّهْبَةِ والعَظَمَةِ في تَطاوُلِها وثَباتِها في مَكانِها. وقَدْ وجَّهَ الأنْظارَ إلَيْها أيْضًا في مَوْطِنٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧]، ثَوابِتٌ كَما بَيَّنَ تَعالى أنَّها رَواسِي لِلْأرْضِ أنْ تَمِيدَ بِكم ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِحَياتِهِمْ وحَياةِ أنْعامِهِمْ كَما أسْلَفْنا.
أمّا السَّماءُ ورَفْعُها: أيْ: ورَفْعَتُها في خَلْقِها، وبِدُونِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، وبِدُونِ فُطُورٍ أوْ تَشَقُّقٍ عَلى تَطاوُلِ زَمَنِها، فَهي أيْضًا مَحَطُّ أنْظارِهِمْ، ومُلْتَقى طَلَباتِهِمْ في سُقْيا أنْعامِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ والأرْضِ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٦٤] . بَيانُ كَوْنِها آيَةً. أمّا الأرْضُ وكَيْفَ سُطِحَتْ، فَإنَّ الآيَةَ فِيها مَعَ عُمُومِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] .
وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] آيَةٌ ثابِتَةٌ؛ لِأنَّ جِرْمَها مَعَ إجْماعِ المُفَسِّرِينَ عَلى تَكْوِيرِها، فَإنَّها تُرى مُسَطَّحَةً، أيْ: مِنَ النُّقْطَةِ الَّتِي هي في امْتِدادِ البَصَرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى سِعَتِها وكِبَرِ حَجْمِها؛ لِأنَّ الجِرْمَ المُتَكَوِّرَ إذا بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ والضَّخامَةِ حَدًّا بَعِيدًا يَكادُ سَطْحُهُ يُرى مُسَطَّحًا مِن نُقْطَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ آياتٌ مُتَعَدِّداتٌ لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى بَعْثِ الخَلائِقِ، وعَلى إيقاعِ ما يَغْشاهم عَلى مُخْتَلَفِ أحْوالِهِمْ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - التَّنْبِيهُ عَلى هَذا المَعْنى، عِنْدَ الكَلامِ عَلى (p-٥١٨)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] . الآيَةَ مِن سُورَةِ ”يُونُسَ“ .
تَنْبِيهٌ.
التَّوْجِيهُ هُنا بِالنَّظَرِ إلى الكَيْفِيَّةِ في خَلْقِ الإبِلِ، ونَصْبِ الجِبالِ، ورَفْعِ السَّماءِ، وتَسْطِيحِ الأرْضِ، مَعَ أنَّ الكَيْفَ لِلْحالَةِ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يُشْهِدْ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٥١] . فَكَيْفَ يُوَجِّهُ السُّؤالَ إلَيْهِمْ لِلنَّظَرِ إلى الكَيْفِيَّةِ وهي شَيْءٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ ؟ ! ! .
والجَوابُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: هو أنَّهُ بِالتَّأمُّلِ في نَتائِجَ خَلْقِ الإبِلِ، ونَصْبِ الجِبالِ إلَخْ. وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا الكَيْفَ، بَلْ ويَعْجِزُونَ عَنْ كُنْهِهِ وتَحْقِيقِهِ، فَهو أبْلَغُ في إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمْ، كَمَن يَقِفُ أمامَ صَنْعَةٍ بَدِيعَةٍ يَجْهَلُ سِرَّ صَنْعَتِها، فَيَتَساءَلُ كَيْفَ تَمَّ صُنْعُها ؟ وقَدْ وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ: وهو الإحالَةُ عَلى الأثَرِ بَدَلًا مِن كَشْفِ الكُنْهِ والكَيْفِ، وذَلِكَ في سُؤالِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَبَّهُ: أنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي المَوْتى. فَكانَ الجَوابُ: أنْ أراهُ الطُّيُورَ تَطِيرُ، بَعْدَ أنْ ذَبَحَها بِيَدِهِ وقَطَّعَها، وجَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنها جُزْءًا. فَلَمْ يُشاهِدْ كَيْفِيَّةَ وكُنْهَ، وحَقِيقَةَ الإحْياءِ، وهو دَبِيبُ الرُّوحِ فِيها وعَوْدَةُ الحَياةِ إلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِ، ولَكِنْ شاهَدَ الآثارَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ، وهي تُحَرِّكُها وطَيَرانِها، وعَوْدَتِها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَبْحِها. مَعَ أنَّهُ كانَ لِلْعُزَيْرِ مَوْقِفٌ مُماثِلٌ وإنْ كانَ أوْضَحَ في البَيانِ؛ حَيْثُ شاهَدَ العِظامَ وهو سُبْحانَهُ يَنْشُرُها، ثُمَّ يَكْسُوها لَحْمًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾، فَإنَّ مَجِيءَ هَذا الأمْرِ بِالفاءِ في هَذا المَوْطِنِ، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّظَرَ الدَّقِيقَ والفِكْرَ الدّارِسَ، مِمّا قَدْ يُؤَدِّي بِصاحِبِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وعَلى قُدْرَتِهِ، كَما نَطَقَ مُؤْمِنُ الجاهِلِيَّةِ: قُسُّ بْنُ ساعِدَةَ، في خُطْبَتِهِ المَشْهُورَةِ: لَيْلٌ داجٍ، ونَهارٌ ساجٍ، وسَماءُ ذاتُ أبْراجٍ، ونُجُومٌ تُزْهِرُ، وبِحارٍ تَزْخَرُ، وجِبالٌ مُرْساةٌ، وأرْضٌ مُدْحاةٌ، وأنْهارٌ مُجْراةٌ. فَقَدْ ذَكَرَ السَّماءَ، والجِبالَ، والأرْضَ.
وَكَقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، مُؤْمِنُ الجاهِلِيَّةِ المَعْرُوفُ:
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا
؎(p-٥١٩)دَحاها فَلَمّا اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ سَواءً وأرْسى عَلَيْها الجِبالا
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالا
؎إذا هي سِيقَتْ إلى بَلْدَةٍ ∗∗∗ أطاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْها سِجالا
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حالًا فَحالا
فَكانَ عَلى هَؤُلاءِ العُقَلاءِ أنْ يَنْظُرُوا بِدِقَّةٍ وتَأمُلٍ، فِيما يُحِيطُ بِهِمْ عامَّةً. وفي تِلْكَ الآياتِ الكِبارِ خاصَّةً، فَيَجِدُونَ فِيها ما يَكْفِيهِمْ.
كَما قِيلَ:
؎وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ
فَإذا لَمْ يَهْدِهِمْ تَفْكِيرُهم، ولَمْ تَتَّجِهْ أنْظارُهم. فَذَكِّرْهم إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ. وهَذا عامٌّ، أيْ: سَواءٌ بِالدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ مِن تِلْكَ المَصْنُوعاتِ، أوْ بِالتِّلاوَةِ مِن آياتِ الوَحْيِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الغاشية 88:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الإيابَ هو المَرْجِعُ.
قالَ عُبَيْدٌ:
؎وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ
كَما في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]، وهو عَلى الحَقِيقَةِ كَما في صَرِيحِ مَنطُوقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٥٥] . وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]، الإتْيانُ بِثُمَّ؛ لِلْإشْعارِ ما بَيْنَ إيابِهِمْ وبَدْءِ حِسابِهِمْ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
وَقَوْلُهُ: إنَّ عَلَيْنا، بِتَقَدُّمِ حَرْفِ التَّأْكِيدِ، وإسْنادِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى، وبِحَرْفِ ”عَلى“ مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ بِأدَقِّ ما يَكُونُ، وعَلى الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] .
(p-٥٢٠)وَمِنَ الواضِحِ مَجِيءُ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾؛ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَخْوِيفًا لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا، ثُمَّ إنَّ الحِسابَ في اليَوْمِ الآخِرِ لَيْسَ خاصًّا بِهَؤُلاءِ، بَلْ هو عامٌّ بِجَمِيعِ الخَلائِقِ. ولَكِنَّ إسْنادَهُ لِلَّهِ تَعالى مِمّا يَدُلُّ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ.
نَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والسَّلامَةَ.
الفجر 89:1
(p-٥٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الفَجْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾
اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالفَجْرِ، فَقِيلَ: انْفِجارُ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ: صَلاةُ الفَجْرِ.
وَكِلا القَوْلَيْنِ لَهُ شاهَدٌ مِنَ القُرْآنِ. أمّا انْفِجارُ النَّهارِ، فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] .
وَأمّا صَلاةُ الفَجْرِ فَكَما في قَوْلِهِ: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ولَكِنْ في السِّياقِ ما يُقَرِّبُ القَوْلَ الأوَّلَ، إذْ هو في الأيّامِ واللَّيالِي: ”الفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ“، ”اللَّيْلِ إذا يَسْرِي“، وكُلُّها آياتٌ زَمَنِيَّةٌ أُنْسِبَ لَها انْفِجارُ النَّهارِ.
بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلافُهم في أيِّ الفَجْرِ عَنى هُنا ؟ فَقِيلَ بِالعُمُومِ في كُلِّ يَوْمٍ، وقِيلَ: بِالخُصُوصِ. والأوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .
وَعَلى الثّانِي، فَقِيلَ: خُصُوصُ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ. وقِيلَ: أوَّلُ يَوْمِ المُحَرَّمِ، ولَيْسَ هُناكَ نَصٌّ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. إلّا أنَّ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ أقْرَبُ إلى اللَّيالِي العَشْرِ، إنْ قُلْنا: هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ عَلى ما يَأْتِي. إنْ شاءَ اللَّهُ.
أمّا اللَّيالِي العَشْرُ: فَأقْوالُ المُفَسِّرِينَ مَحْصُورَةٌ في عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وعَشْرِ المُحَرَّمِ، والعَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ. والأوَّلُ: جاءَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّها العَشْرُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ " [الأعراف: ١٤٢]، وكُلُّها الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ بِعَيْنِها.
وَفِي السُّنَّةِ بَيانُ فَضِيلَةِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وعَشْرِ رَمَضانَ كَما هو مَعْلُومٌ، فَإنَّ جَعْلَ الفَجْرِ خاصًّا بِيَوْمِ النَّحْرِ، كانَ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ أقْرَبَ لِلسِّياقِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
(p-٥٢٢)﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أكْثَرَ مِن عِشْرِينَ قَوْلًا، ومَجْمُوعُها يَشْمَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا.
أمّا جُمْلَةً، فَقالُوا: إنَّما الوَتْرُ هو اللَّهُ؛ لِلْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ»، وما سِواهُ شَفْعٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]، فَهَذا شَمِلَ كُلَّ الوُجُودِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، كَما في عُمُومِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩] .
أمّا التَّفْصِيلُ، فَقالُوا: المَخْلُوقاتُ إمّا شَفْعٌ كالحَيَواناتِ أزْواجًا، والسَّماءِ، والأرْضِ، والجَبَلِ، والبَحْرِ، والنّارِ، والماءِ. وهَكَذا ذَكَرُوا لِكُلِّ شَيْءٍ مُقابِلَهُ، ومِنَ الأشْياءِ الفَرْدُ كالهَواءِ. وكُلُّها مِن بابِ الأمْثِلَةِ.
والواقِعُ أنَّ أقْرَبَ الأقْوالِ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنَّهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ عِلْمِيًّا أنَّهُ لا يُوجَدُ كائِنٌ مَوْجُودٌ بِمَعْنى الوَتْرِ قَطُّ حَتّى الحَصاةُ الصَّغِيرَةُ.
فَإنَّهُ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ كائِنٍ جَمادٍ أوْ غَيْرِهِ مُكَوَّنٌ مِن ذَرّاتٍ، والذَّرَّةُ لَها نَواةٌ ومُحِيطٌ، وبَيْنَهُما ارْتِباطٌ وعَنْ طَرِيقِهِما التَّفْجِيرُ الَّذِي اكْتُشِفَ في هَذا العَصْرِ، حَتّى في أدَقِّ عالَمِ الصِّناعَةِ: كالكَهْرُباءِ؛ فَإنَّها مِن سالِبٍ ومُوجَبٍ، وهَكَذا لا بُدَّ مِن دَوْرَةٍ كَهْرُبائِيَّةٍ لِلْحُصُولِ عَلى النَّتِيجَةِ مِن أيِّ جِهازٍ كانَ، حَتّى الماءُ الَّذِي كانَ يُظَنُّ بِهِ البَساطَةُ؛ فَهو زَوْجٌ وشَفْعٌ مِن عُنْصُرَيْنِ: أُوكْسِجِينْ وهِدْرُوجِينْ، يَنْفَصِلانِ إذا وصَلَتْ دَرَجَةُ حَرارَةِ الماءِ إلى مِائَةٍ - أيْ: الغَلَيانُ - ويَتَآلَفانِ إذا نَزَلَتِ الدَّرَجَةُ إلى حَدٍّ مُعَيَّنٍ فَيَتاقَطَرانِ ماءً. وهَكَذا.
وَنَفْسُ الهَواءِ عِدَّةُ غازاتٍ وتَراكِيبَ، فَلَمْ يَبْقَ في الكَوْنِ شَيْءٌ قَطُّ فَرْدًا وتْرًا بِذاتِهِ، إلّا ما نَصَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرُ»، ويُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلى مَعْنى الوَتْرِ فِيهِ مُسْتَغْنٍ بِذاتِهِ عَنْ غَيْرِهِ، والواحِدُ في ذاتِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. فَصِفاتُهُ كُلُّها وتْرٌ: كالعِلْمِ بِلا جَهْلٍ والحَياةِ بِلا مَوْتٍ. إلَخْ. بِخِلافِ المَخْلُوقِ، وقُلْنا: المُسْتَغْنِي بِذاتِهِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ شَفْعًا، فَإنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ مِنهُ في حاجَةٍ إلى العُنْصُرِ الثّانِي؛ لِيَكُونَ مَعَهُ ذاكَ الشَّيْءُ واللَّهِ سُبْحانَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ. ولِهَذا كانَ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنَّ الوَتْرَ هو اللَّهُ، والشَّفْعَ هو المَخْلُوقاتُ جَمِيعُها، هو القَوْلُ الرّاجِحُ، وهو الأعَمُّ في المَعْنى.
الفجر 89:4
قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾، اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى المَعْنى وهو سَرَيانُ اللَّيْلِ، ولَكِنَّ (p-٥٢٣)الخِلافَ في التَّعْيِينِ: هَلِ المُرادُ بِهِ عُمُومُ اللَّيالِي في كُلِّ لَيْلَةٍ أمْ لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ ؟ وما هي ؟
فَقِيلَ: بِالعُمُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] .
وَقِيلَ: بِالخُصُوصِ في لَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ أوْ لَيْلَةِ القَدْرِ.
وَأيْضًا يُقالُ: إذا كانَ الفَجْرُ فَجْرُ النَّحْرِ، والعَشْرُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ فَيَكُونُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾، لَيْلَةَ الجَمْعِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَدْ رَجَّحَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ عُمُومَ اللَّيْلِ، وقَدْ جَمَعَ في هَذا القِسْمِ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَشَمَلَتِ الخالِقَ والمَخْلُوقَ والشَّفْعَ والوَتْرَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا، في انْفِجارِ الفَجْرِ، وانْتِشارِ الخَلْقِ، وسَرَيانِ اللَّيْلِ، وسُكُونِ الكَوْنِ، والعِباداتِ في اللَّيالِي العَشْرِ.
فَكانَ مِن أعْظَمِ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]، أيْ: عَقْلٌ، والحِجْرُ كُلُّ مادَّتِهِ تَدُورُ عَلى الإحْكامِ والقُوَّةِ، فالحَجَرُ؛ لِقُوَّتِهِ. والحُجْرَةُ؛ لِإحْكامٍ ما فِيها. والعَقْلُ سُمِّيَ حِجْرًا - بِكَسْرِ الحاءِ -؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَمًّا لا يَلِيقُ. والمَحْجُورُ عَلَيْهِ؛ لِمَنعِهِ مِن تَصَرُّفِهِ وإحْكامِ أمْرِهِ، وحَجْرُ المَرْأةِ لِطِفْلِها، فَهَذِهِ المُقْسَمُ بِها الخَمْسَةُ هَلْ فِيها قَسَمٌ كافٍ لِذِي عَقْلٍ ؟ والجَوابُ: بَلى، وهَذا ما يُقَوِّي هَذا القَسَمَ بِلا شَكٍّ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القَسَمِ: حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ تَعالى بِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَظِيرِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] . ثُمَّ صَرَّحَ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٧٧] . وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ مَعَ عِظَمِ القَسَمِ؛ فَوَقَعَ الخِلافُ في تَعْيِينِهِ.
فَقِيلَ: هو مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ لَيُعَذِّبَنَّ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ٦ - ١٤] .
وَقِيلَ: مَوْجُودٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤]، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
وَهَذا مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ في اللُّغَةِ وأسالِيبِ التَّفْسِيرِ وجِيهٌ، ولَكِنْ يُوجَدُ في نَظَرِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: ارْتِباطٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابُهُ، وبَيْنَ ما يَجِيءُ في آخِرِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ (p-٥٢٤)﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١]، إلى آخِرِ السُّورَةِ.
كَمًّا أنَّهُ يَظْهَرُ ارْتِباطٌ كَبِيرٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، إذْ جاءَ فِيها: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤]، ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥]؛ لِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ بِالعَذابِ الأكْبَرِ والقَصْرِ في إيابِهِمْ إلى اللَّهِ وحْدَهُ وحِسابِهِمْ عَلَيْهِ فَحَسْبُ يَتَناسَبُ مَعَهُ هَذا القَسَمُ العَظِيمُ.
أمّا ارْتِباطُهُ بِما في آخِرِ السُّورَةِ، فَهو أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هُنا خَمْسُ مُسَمَّياتٌ: ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ١ - ٤]، والَّذِي في آخِرِ السُّورَةِ أيْضًا خَمْسُ مُسَمَّياتٍ: ﴿دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣] .
صُوَرٌ اشْتَمَلَتْ عَلى اليَوْمِ الآخِرِ كُلِّهِ مِن أوَّلِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ودَكِّ الأرْضِ إلى نِهايَةِ الحِسابِ، وتَذَكُّرِ كُلِّ إنْسانٍ ما لَهُ وما عَلَيْهِ، تُقابِلُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القَسَمُ المُتَقَدِّمُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا.
الفجر 89:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ماذا ولا كَيْفَ فَعَلَ، بِمَن ذَكَرُوا، وهم: عادٌ، وثَمُودُ، وفِرْعَوْنُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَلاثَتِهِمْ في سُورَةِ ”الحاقَّةِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠٥ - ١٠] .
والجَدِيدُ هُنا: هو وصْفُ كُلٍّ مِن عادٍ مِن أنَّها ذاتُ العِمادِ، ولَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ، وثَمُودَ أنَّهم جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ، وفِرْعَوْنَ أنَّهُ ذُو أوْتادٍ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في المَعْنى بِهَذِهِ الصِّفاتِ كُلِّها:
أمّا عادٌ، فَقِيلَ: العِمادُ عِمادُ بُيُوتِ الشَّعَرِ، والمُرادُ بِها القَبِيلَةُ. وطُولُ عِمادِ (p-٥٢٥)بُيُوتِها: كِنايَةٌ عَنْ طُولِ أجْسامِهِمْ، كَما قِيلَ في صَخْرٍ:
؎رَفِيعُ العِمادِ طَوِيلُ النِّجادِ
وَطُولُ الأجْسامِ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ أصْحابِها.
وَقِيلَ: إرَمُ كانَتْ مَدِينَةً رَفِيعَةَ البُنْيانِ، وذَكَرُوا في أخْبارِها قِصَصًا تَفُوقُ الخَيالَ، وأنَّها في الرَّبْعِ الخالِي، ولَكِنْ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتْ أخْبارُها بِسَنَدٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُصَدِّقْهُ الواقِعُ، فَقالَ قَوْمٌ: قَدْ خُسِفَ بِها ولَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً.
أمّا ثَمُودُ: فَقَدْ جابُوا، أيْ: نَحَتُوا الصَّخْرَ بِالوادِ، بِوادِ القُرى في مَدائِنِ صالِحٍ، وهي بُيُوتُهم مَوْجُودَةٌ حَتّى الآنَ.
وَأمّا فِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ، فَقِيلَ: هي أوْتادُ الخِيامِ، كانَ يَتِدُها لِمَن يُعَذِّبُهم.
وَقِيلَ: هي كِنايَةٌ عَنِ الجُنُودِ يُثَبِّتُ بِها مُلْكَهُ.
وَقِيلَ: هي أكَماتٌ وأسْوارٌ مُرْتَفِعاتٌ، يُلْعَبُ لَهُ في مَرابِعِها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ ما نَصُّهُ: حَدَّثَنا بِشْرٌ، قالَ: ثَنا يَزِيدُ، قالَ ثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾، ذَكَرَ لَنا أنَّها كانَتْ مَطالٌّ، ومَلاعِبُ يُلْعَبُ لَهُ تَحْتَها مِن أوْتادٍ وجِبالٍ " .
والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ هَذا القَوْلَ هو الصَّحِيحُ، وأنَّها مُرْتَفِعَةٌ، وأنَّها هي المَعْرُوفَةُ الآنَ بِالأهْرامِ بِمِصْرَ، ويُرَجِّحُ ذَلِكَ عِدَّةُ أُمُورٍ:
مِنها: أنَّها تُشْبِهُ الأوْتادَ في مَنظَرِها طَرَفُهُ إلى أعْلى، إذِ القِمَّةُ شِبْهُ الوَتَدِ، مُدَبَّبَةٌ بِالنِّسْبَةِ لَضَخامَتِها، فَهي بِشَكْلٍ مُثَلَّثٍ، قاعِدَتُهُ إلى أسْفَلَ وطَرَفُهُ إلى أعْلى.
وَمِنها: ذِكْرُهُ مَعَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ، بِجامِعِ مَظاهِرِ القُوَّةِ، فَأُولَئِكَ نَحَتُوا الصَّخْرَ بُيُوتًا فارِهِينَ، وهَؤُلاءِ قَطَعُوا الصَّخْرَ الكَبِيرَ مِن مَوْطِنٍ لا جِبالَ حَوْلَهُ، مِمّا يَدُلُّ أنَّها نُقِلَتْ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. والحالُ أنَّها قِطَعٌ كِبارٌ صَخِراتٌ عِظامٌ فَفي اقْتِطاعِها وفي نَقْلِها إلى مَحَلِّ بِنائِها، وفي نَفْسِ البِناءِ كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والجَبَرُوتِ، وتَسْخِيرِ العِبادِ في ذَلِكَ.
وَمِنها: أنَّ حَمْلَها عَلى الأهْرامِ القائِمَةِ بِالذّاتِ والمُشاهَدَةِ في كُلِّ زَمانٍ ولِكُلِّ جِيلٍ، (p-٥٢٦)أوْقَعَ في العِظَةِ والِاعْتِبارِ؛ بِأنَّ مَن أهْلَكَ تِلْكَ الأُمَمَ، قادِرٌ عَلى إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ.
صَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] .
الفجر 89:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ﴿وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ ﴿كَلّا﴾
بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُعْطِي ويُمْسِكُ ابْتِلاءً لِلْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: كَلّا، وهي كَلِمَةُ زَجْرٍ ورَدْعٍ، وبَيانٌ أنَّ المَعْنى لا كَما قُلْتُمْ، فِيهِ تَعْدِيلٌ لِمَفاهِيمِ الكُفّارِ؛ بِأنَّ العَطاءَ والمَنعَ لا عَنْ إكْرامٍ ولا لِإهانَةٍ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] .
الفجر 89:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ ﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ صِحَّةَ المَفاهِيمِ في العَطاءِ والمَنعِ، جاءَ في هَذِهِ الآياتِ وبَيَّنَ حَقِيقَةَ فِتْنَةِ المالِ إيجابًا وسَلْبًا جَمْعًا وبَذْلًا، فَبَدَأ بِأقْبَحِ الوُجُوهِ مِنَ: الإمْساكِ مِن عَدَمِ إكْرامِ اليَتِيمِ، مَهِيضِ الجَناحِ، مَكْسُورِ الخاطِرِ، والتَّقاعُسِ عَنْ إطْعامِ المِسْكِينِ، خالِي اليَدِ، جائِعِ البَطْنِ، ساكِنِ الحَرَكَةِ، وهَذانِ الجانِبانِ أهَمُّ مُهِمّاتِ بَذْلِ المالِ وهم يُمْسِكُونَ عَنْها، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الجانِبَ هو اقْتِحامُ العَقَبَةِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”البَلَدِ“: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٦] .
وَمِنَ الجانِبِ الآخَرِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ أيِ: المِيراثَ، فَلا يُعْطُونَ النِّسْوَةَ وهُنَّ ضَعِيفاتُ الشَّخْصِيَّةِ، أحْوَجُ إلى مالِ مُوَرِّثِهِنَّ، وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا حَتّى اسْتَعْبَدَكم وألْهاكُمُ التَّكاثُرُ فِيهِ.
وَهُنا لَفْتُ نَظَرٍ لِلْفَرِيقَيْنِ، فَمَن أُعْطِيَ مِنهم: لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُغْفِلَ طُرُقَ البَذْلِ الهامَّةَ، ومَن مُنِعَ: لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَشْرِفَ إلى ما لا يَنْبَغِي لَهُ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
الفجر 89:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
(p-٥٢٧)تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الحاقَّةِ“ أيْضًا هَذا السِّياقُ نَفْسُهُ، بَعْدَ ذِكْرِ ثَمُودَ، وعادٍ، وفِرْعَوْنَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٧] . مِمّا يُبَيِّنُ مَعْنى ﴿صَفًّا صَفًّا﴾، أيْ: عَلى أرْجائِها صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الإحالَةُ عَلى ما يُفَسِّرُها في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾: مِن آياتِ الصِّفاتِ.
مَواضِعُ البَحْثِ والنَّظَرِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مِرارًا في الأضْواءِ في عِدَّةِ مَحَلّاتٍ؛ ولْيُعْلَمْ أنَّها والِاسْتِواءُ وحَدِيثُ النُّزُولِ والإتْيانُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] .
وَقَدْ أوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَبْحَثَ آياتِ الصِّفاتِ كامِلَةً في مُحاضَرَةٍ أسْماها: ”آياتُ الصِّفاتِ“، وطُبِعَتْ مُسْتَقِلَّةً.
كَما تَقَدَّمَ لَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وإنْ كانَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِفَةِ المَجِيءِ بِذاتِها، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ جَمِيعَ الصِّفاتِ مِن بابٍ واحِدٍ، أيْ: أنَّها ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَبْدَأِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، عَلى غَيْرِ مِثالٍ لِلْمَخْلُوقِ، فَثَبَتَ اسْتِواءٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ لِلْمَخْلُوقِ.
وَكَذَلِكَ هُنا كَما ثَبَتَ اسْتِواءٌ ثَبَتَ مَجِيءٌ، وكَما ثَبَتَ مَجِيءٌ ثَبَتَ نُزُولٌ.
والكُلُّ مِن بابِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، أيْ: عَلى ما قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: نَحْنُ كُلِّفْنا بِالإيمانِ، فَعَلَيْنا أنْ نُؤْمِنَ بِصِفاتِ اللَّهِ عَلى ما يَلِيقُ بِاللَّهِ عَلى مُرادِ اللَّهِ، ولَيْسَ عَلَيْنا أنْ نُكَيِّفَ، إذِ الكَيْفُ مَمْنُوعٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
الفجر 89:22
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفَجْرَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
يُوهِمُ أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ، وقَوْلُهُ ﴿صَفًّا صَفًّا﴾: يَقْتَضِي أنَّهُ غَيْرُ مَلَكٍ واحِدٍ بَلْ صُفُوفٌ مِن جَماعاتِ المَلائِكَةِ.
والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمَلَكُ﴾، مَعْناهُ: والمَلائِكَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧]، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩] .
الفجر 89:23
(p-٥٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾
قَدْ بَيَّنَ تَعالى مَوْضُوعَ تَذَكُّرِ الإنْسانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] الآياتِ.
البلد 90:1
(p-٥٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ البَلَدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ اللّامِ، وهَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، إلّا أنَّها هُنا لَيْسَتْ لِلنَّفْيِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أقْسَمَ بِهَذا البَلَدِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وهو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣]؛ لِأنَّ هَذا البَلَدَ مُرادٌ بِهِ مَكَّةُ إجْماعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: وأنْتَ أيِ: الرَّسُولُ ﷺ حِلٌّ، أيْ: حالٌّ أوْ حَلالٌ ﴿بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، أيْ مَكَّةَ، عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ نَظائِرُها مِنَ القُرْآنِ، والشِّعْرِ العَرَبِيِّ، مِمّا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، مَعَ أنَّ المُرادَ ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
أيْ: وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ يَتَقَطَّعُ.
وَقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثًا مُطَوَّلًا في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
سُورَةُ البَلَدِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ لا يُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ الَّذِي هو مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ، مَعَ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .
الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، أنَّ ”لا“ هُنا صِلَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّها رُبَّما لَفَظَتْ ”لا“ مِن غَيْرِ قَصْدِ مَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: " ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]، يَعْنِي أنْ تَتْبَعَنِي، وقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، أيْ أنْ تَسْجُدَ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ ”ص“: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ﴾ الآيَةَ [ ٣٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أيْ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، أيْ فَوَرَبِّكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ (p-٤٤٤)[ ٢١ ]، أيْ والسَّيِّئَةُ وقَوْلُهُ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ [الأنعام: ١٥١]، عَلى أحَدِ الأقْوالِ الماضِيَةِ.
وَكَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
؎فَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا لَمّا رَأيْنَ الشَّمِطَ القَفَنْدَرا
يَعْنِي أنْ تَسْخَرَ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وَتَلْحِينَنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلِ
يَعْنِي أنْ أُحِبَّهُ و: لا، زائِدَةٌ.
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ نَعَمْ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلُهْ
يَعْنِي أبى جُودُهُ البُخْلَ، و ”لا“، زائِدَةٌ عَلى خِلافٍ في زِيادَتِها في هَذا البَيْتِ الأخِيرِ، ولا سِيَّما عَلى رِوايَةِ ”البُخْلِ“ بِالجَرِّ لِأنَّ: لا، عَلَيْها مُضافٌ بِمَعْنى لَفْظَةِ لا، فَلَيْسَتْ زائِدَةً عَلى رِوايَةِ الجَرِّ.
وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنّى أفِرْ
يَعْنِي وأبِيكِ.
وَأنْشَدَ الفَرّاءُ لِزِيادَةِ ”لا“ في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ
يَعْنِي وعُمَرُ، و: لا، صِلَةٌ.
وَأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ العَجّاجِ:(p-٤٤٥)
؎فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرى وما شَعَرْ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ جَشَرْ
فالحُورُ الهَلَكَةُ يَعْنِي في بِئْرِ هَلَكَةٍ، و ”لا“ صِلَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
وَأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ:
؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ غابَ تَسَنُّمُهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ
وَيُرْوى أفَمِنكَ، وتَشَيُّمُهُ بَدَلَ أفَعَنْكَ، وتَسَنُّمُهُ.
يَعْنِي أعَنْكَ بَرْقٌ و ”لا“، صِلَةٌ.
وَمِن شَواهِدِ زِيادَتِها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يُقَطَّعُ
يَعْنِي كادَ يَتَقَطَّعُ.
وَأمّا اسْتِدْلالُ أبِي عُبَيْدَةَ لِزِيادَتِها بِقَوْلِ الشَّمّاخِ:
؎أعائِشُ ما لِقَوْمِكِ لا أراهم ∗∗∗ يَضِيعُونَ الهِجانَ مَعَ المُضِيعِ
فَغَلَطٌ مِنهُ لِأنَّ: لا، في بَيْتِ الشَّمّاخِ هَذا نافِيَةٌ لا زائِدَةٌ ومَقْصُودُهُ أنَّها تَنْهاهُ عَنْ حِفْظِ مالِهِ مَعَ أنَّ أهْلَها يَحْفَظُونَ مالَهم، أيْ لا أرى قَوْمَكِ يُضَيِّعُونَ مالَهم، وأنْتِ تُعاتِبِينَنِي في حِفْظِ مالِي.
وَما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ لَفْظَةَ: لا، لا تَكُونُ صِلَةً إلّا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ، فَهو أغْلَبَنِي لا يَصِحُّ عَلى الإطْلاقِ، بِدَلِيلِ بَعْضِ الأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لا جَحْدَ فِيها، كَهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَوْلِ بَأنَّ ”لا“ فِيها صِلَةٌ، وكَبَيْتِ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ.
وَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن زِيادَةِ ”لا“ في أوَّلِ الكَلامِ دُونَ غَيْرِهِ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”لا نَفْيٌ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ:“ أُقْسِمُ ”إثْباتٌ مُسْتَأْنَفٌ، وهَذا القَوْلُ وإنْ قالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَلَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ“ القِيامَةِ ”: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [ ٧٥ ]، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (p-٤٤٦)﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ يَدُلّا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإثْباتَ المُؤْتَنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ:“ أُقْسِمُ "، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّها حَرْفُ نَفْيٍ أيْضًا، ووَجْهُهُ أنَّ إنْشاءَ القَسَمِ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ، فَهو نَفْيٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُعَظَّمُ بِالقَسَمِ بَلْ هو نَفْسُهُ عَظِيمٌ أقْسَمَ بِهِ أوَّلًا.
وَهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وصاحِبُ رَوْحِ المَعانِي، ولا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها، والعَرَبُ رُبَّما أشْبَعَتِ الفَتْحَةَ بِألِفٍ والكَسْرَةَ بِياءٍ والضَّمَّةَ بِواوٍ.
فَمِثالُهُ في الفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وقّاصٍ الحارِثِيِّ:
؎وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ∗∗∗ كَأنْ لَمْ تَرا قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًا
فالأصْلُ كَأنْ لَمْ تَرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ.
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِي
فالأصْلُ تَرَضَّها، لِأنَّ الفِعْلَ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ.
وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ∗∗∗ زَيّافَةٍ مِثْلِ الفَنِـيقِ المُكْدَمِ
فالأصْلُ يَنْبُعُ يَعْنِي أنَّ العَرَقَ يَنْبُعُ مِن عَظْمِ الذِّفْرى مِن ناقَتِهِ، فَأشْبَعَ الفَتْحَةَ فَصارَ يَنْباعُ عَلى الصَّحِيحِ.
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎قُلْتُ وقَدْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتِي ما جُلْتِ مِن مَجالِي
فَقَوْلُهُ: ”الكَلْكالِ“، يَعْنِي الكَلْكَلَ، ولَيْسَ إشْباعُ الفَتْحَةِ في هَذِهِ الشَّواهِدِ مِن ضَرُورَةِ (p-٤٤٧)الشِّعْرِ، لِتَصْرِيحِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّ إشْباعَ الحَرَكَةِ بِحَرْفٍ يُناسِبُها أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولِأنَّهُ مَسْمُوعٌ في النَّثْرِ كَقَوْلِهِمْ: كَلْكالٌ، وخاتامٌ، وداناقٌ، يَعْنُونَ: كَلْكَلًا وخاتَمًا ودانَقًا.
وَمِثْلُهُ في إشْباعِ الضَّمَّةِ بِالواوِ، وقَوْلُهم: بُرْقُوعٌ ومُعْلُوقٌ، يَعْنُونَ: بُرْقُعًا ومُعَلَّقًا.
وَمِثالُ إشْباعِ الكَسْرَةِ بِالياءِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ
فالأصْلُ يَأْتِكَ لِمَكانِ الجازِمِ، وأنْشَدَ لَهُ الفَرّاءُ:
؎لا عَهْدَ لِي بِنِيضالِ ∗∗∗ أصْبَحْتُ كالشَّنِّ البالِ
وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنِّي بِفَتْخاءِ الجَناحَيْنِ لَقْوَةٍ ∗∗∗ عَلى عَجَلٍ مِنِّي أُطَأْطِئُ شِيمالِي
وَيُرْوى: ”صَيُودٍ مِنَ العِقْبانِ طَأْطَأْنَ شِيمالِي“ .
وَيُرْوى ”دَفُوفٍ مِنَ العِقْبانِ“ . إلخ.
وَيُرْوى ”شِمْلالِ“ بَدَلَ شِيمالِ "، وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ، إلّا أنَّ رِوايَةَ الياءِ مَشْهُورَةٌ. ومِثالُ إشْباعِ الضَّمَّةِ بِالواوِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَجَوْتُ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتُ مُعْتَذِرًا ∗∗∗ مِن هَجْوِ زَبّانَ لَمْ تَهْجُ ولَمْ تَدَعِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎اللَّهُ أعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا ∗∗∗ يَوْمَ الفِراقِ إلى إخْوانِنا صُوَرُ
؎وَإنَّنِي حَيْثُما يَثْنِي الهَوى بَصَرِي ∗∗∗ مِن حَيْثُما سَلَكُوا أدْنُو فَأنْظُورُ
يَعْنِي فَأنْظُرُ، وقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎لَوْ أنَّ عَمْرًا هَمَّ أنْ يَرْقُودا ∗∗∗ فانْهَضْ فَشُدَّ المِئْزَرَ المَعْقُودا
يَعْنِي ”يَرْقُدَ“، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قِراءَةُ قُنْبُلٍ: ”لَأُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ“ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ البَزِّيِّ والحَسَنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
(p-٤٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ .
يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ المِسْكِينَ لاصِقٌ بِالتُّرابِ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَهو أشَدُّ فَقْرًا مِن مُطْلَقِ الفَقِيرِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِمالِكٌ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧٩]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لِأنَّهُ سَمّاهم مَساكِينَ مَعَ أنَّ لَهم سَفِينَةً عامِلَةً لِلْإيجارِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا مُحْتاجٌ إلَيْهِ عَنْ كِلا القَوْلَيْنِ.
أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المِسْكِينَ مَن عِنْدَهُ ما لا يَكْفِيهِ كالشّافِعِيِّ، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الجَوابَ أنَّهُ يَقُولُ: المِسْكِينُ عِنْدَ الإطْلاقِ يَنْصَرِفُ إلى مَن عِنْدَهُ شَيْءٌ لا يَكْفِيهِ، فَإذا قُيِّدَ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ لا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَذَلِكَ يُعْلَمُ مِنَ القَيْدِ الزّائِدِ لا مِن مُطْلَقِ لَفْظِ المِسْكِينِ.
وَعَلَيْهِ، فاللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَيَّدَ المِسْكِينَ بِكَوْنِهِ: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾، فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ لانْصَرَفَ إلى مَن عِنْدَهُ ما لا يَكْفِيهِ، فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ حالَةَ الإطْلاقِ لا يُعارَضُ بِمَدْلُولِهِ حالَةَ التَّقْيِيدِ.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: بِأنَّ المِسْكِينَ أحْوَجُ مِن مُطْلَقِ الفَقِيرِ، وأنَّهُ لا شَيْءَ عِنْدَهُ فَيُجابُ عَنْ آيَةِ الكَهْفِ بِأجْوِبَةٍ: مِنها أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ”مَساكِينَ“؛ أنَّهم قَوْمٌ ضِعافٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةِ الظَّلَمَةِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ مِنهم زَمْنى.
وَمِنها أنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم، بَلْ كانُوا أُجَراءَ فِيها أوْ أنَّها عارِيَةٌ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.
وَمِنها أنَّ اسْمَ المَساكِينِ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ تَرَحُّمًا لِضَعْفِهِمْ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ هَذِهِ الأجْوِبَةَ لا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَلَيْسَ فِيها حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْها، وما احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهم - مِن قِراءَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لِمَسّاكِينَ“، بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ تَصْحِيحٍ لَمَسّاكٍ بِمَعْنى المَلّاحِ أوْ دابَّةِ المُسُوكِ الَّتِي هي الجُلُودُ، فَلا يَخْفى سُقُوطُهُ لِضَعْفِ هَذِهِ القِراءَةِ وشُذُوذِها. والَّذِي يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِ المُنْصِفِ أنَّ مَجْمُوعَ الآيَتَيْنِ دَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ المِسْكِينِ مُشَكِّكٌ لِتَفاوُتِ أفْرادِهِ فَيَصْدُقُ بِمَن عِنْدَهُ ما لا يَكْفِيهِ بِدَلِيلِ آيَةِ ”الكَهْفِ“، ومَن هو لاصِقٌ بِالتُّرابِ لا شَيْءَ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ آيَةِ ”البَلَدِ“، (p-٤٤٩)كاشْتِراكِ الشَّمْسِ والسِّراجِ في النُّورِ مَعَ تَفاوُتِهِما، واشْتِراكِ الثَّلْجِ والعاجِ في البَياضِ مَعَ تَفاوُتِهِما.
والمُشَكِّكُ إذا أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ بِوَصْفِ الأشَدِّيَّةِ انْصُرِفَ إلى مُطْلَقِهِ، هَذا ما ظَهَرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
والفَقِيرُ أيْضًا قَدْ تُطْلِقُهُ العَرَبُ عَلى مَن عِنْدَهُ بَعْضُ المالِ، كَقَوْلِ مالِكٍ، ومِن شَواهِدِهِ قَوْلُ راعِي نُمَيْرٍ:
؎أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فَسَمّاهُ فَقِيرًا مَعَ أنَّ عِنْدَهُ حَلُوبَةً قَدْرَ عِيالِهِ.
البلد 90:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾، ”حِلٌّ“: بِمَعْنى حالٌّ، والفِعْلُ المُضَعَّفُ يَأْتِي مُضارِعُهُ مِن بابِ نَصَرَ وضَرَبَ، فَإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ مِن بابِ نَصَرَ.
تَقُولُ: حَلَّ العُقْدَةَ يَحُلُّها - بِالضَّمِّ -، وتَقُولُ: حَلَّ بِالمَكانِ يَحِلُّ - بِالكَسْرِ -: إذا أقامَ فِيهِ، والإحْلالُ دُونَ الإحْرامِ.
(p-٥٣٠)وَقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِحِلٌّ: هَلْ هو مِنَ الإحْلالِ بِالمَكانِ ؟ أوْ هو مِنَ التَّحَلُّلِ ضِدَّ الإحْرامِ ؟
فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ مِنَ الإحْلالِ ضِدَّ الإحْرامِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالإحْلالِ هَذا.
فَقِيلَ: هو إحْلالُ مَكَّةَ لَهُ في عامِ الفَتْحِ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: ”حِلٌّ“: أيْ: حَلالٌ لَهُ ما يَفْعَلُ بِمَكَّةَ غَيْرُ آثِمٍ، بَيْنَما هم آثِمُونَ بِفِعْلِهِمْ.
وَقِيلَ: ”حِلٌّ“: أيْ: أنَّ المُشْرِكِينَ مُعَظِّمُونَ هَذا البَلَدَ وحُرْمَتَهُ في نُفُوسِهِمْ، ولَكِنَّهم مُسْتَحِلُّونَ إيذاءَكَ وإخْراجَكَ.
وَذَكَرَ أبُو حَيّانَ: أنَّهُ مِنَ الحُلُولِ والبَقاءِ والسَّكَنِ، أيْ: وأنْتَ حالٌّ بِها. اهـ.
وَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ إخْبارًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ ووَعْدًا بِالفَتْحِ، وأنَّها تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَتْ حَرامًا، فَيُقاتِلُ أهْلَها ويَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ، أوْ أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ وأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يَفْعَلُونَ بِهِ، وسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ.
وَعَلى الثّانِي: يَكُونُ تَأْكِيدًا لِشَرَفِ مَكَّةَ؛ إذْ هي أوَّلا فِيها بَيْتُ اللَّهِ وهو شَرَفٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حالٌّ فِيها بَيْنَ أهْلِها.
والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ هَذا الثّانِيَ هو الرّاجِحُ، وإنْ كانَ أقَلَّ قائِلًا؛ وذَلِكَ لِقَرائِنَ مِن نَفْسِ السُّورَةِ ومِن غَيْرِها مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
مِنها: أنَّ حُلُولَهُ ﷺ بِهَذا البَلَدِ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ فِعْلًا، وأهَمَّهُ أنَّ اللَّهَ رافِعٌ عَنْهُمُ العَذابَ؛ لِوُجُودِهِ فِيهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وهَذا البَلَدُ الأمِينُ مِنَ العَذابِ، وهَؤُلاءِ الآمِنُونَ مِنَ العَذابِ بِفَضْلِ وُجُودِكَ فِيهِمْ.
وَمِنها: أنَّهُ ﷺ بِحُلُولِهِ فِيها بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يُلاقِي مِنَ المَشاقِّ، ويَصْبِرُ عَلَيْها.
وَفِيهِ أرْوَعُ المَثَلِ لِلصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ في الدَّعْوَةِ، فَقَدْ آذَوْهُ كُلَّ الإيذاءِ، حَتّى وضَعُوا سَلا الجَزُورِ عَلَيْهِ وهو يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ، وهو يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ، وآذَوْهُ في عَوْدَتِهِ مِنَ الطّائِفِ، وجاءَهُ مَلِكُ الجِبالِ نُصْرَةً لَهُ، فَأبى وصَبَرَ ودَعا لَهم، ومَنَعُوهُ الدُّخُولَ إلى (p-٥٣١)بَلَدِهِ مَسْقَطَ رَأْسِهِ فَصَبَرَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ، ورَضِيَ الدُّخُولَ في جِوارِ رَجُلٍ مُشْرِكٍ وهَذا هو المُناسِبُ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]، وهَذا مِن أعْظَمِهِ.
فَإذا كانَ كُلُّ إنْسانٍ يُكابِدُ في حَياتِهِ، أيًّا كانَ هو، ولِأيِّ غَرَضٍ كانَ، فَمُكابَدَتُكَ تِلْكَ جَدِيرَةٌ بِالتَّقْدِيرِ والإعْظامِ، حَتّى يُقْسَمَ بِها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
البلد 90:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾
قِيلَ: الوالِدُ: هو آدَمُ، ﴿وَما ولَدَ﴾، قِيلَ: ”ما“ نافِيَةٌ. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ.
فَعَلى أنَّها نافِيَةٌ: أيْ: وكُلُّ عَظِيمٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ.
وَعَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ: بِمَعْنى الوِلادَةِ مِن تَخْلِيصِ نَفْسٍ مِن نَفْسٍ، وما يَسْبِقُ ذَلِكَ مِن تَلْقِيحٍ وحَمْلٍ، ونُمُوِّ الجَنِينِ، وتَفْصِيلِهِ وتَخْلِيقِهِ، وتَسْهِيلِ وِلادَتِهِ.
وَقِيلَ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾: كُلُّ والِدٍ مَوْلُودٌ مِن حَيَوانٍ وإنْسانٍ.
وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ الوالِدَ هو آدَمُ، وما ولَدَ ذُرِّيَّتَهُ، بِأنَّهُ المُناسِبُ مَعَ هَذا البَلَدِ؛ لِأنَّها أُمُّ القُرى، وهو أبُو البَشَرِ، فَكَأنَّهُ أقْسَمَ بِأُصُولِ المَوْجُوداتِ وفُرُوعِها.
البلد 90:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾
تَقَدَّمُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] .
البلد 90:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ أيَراهُ أحَدٌ ؟ ومَنِ الَّذِي يَراهُ ؟
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَراهُ، ولَكِنْ جاءَ الجَوابُ مَقْرُونًا بِالدَّلِيلِ والإحْصاءِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ لِلْإنْسانِ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِما، ويَعْلَمُ مِنهُ خائِنَةَ الأعْيُنِ، ولِسانًا يَنْطِقُ بِهِ ويُحْصِي عَلَيْهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وهَداهُ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ البَذْلِ وطَرِيقَ الإمْساكِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلَنْ يُنْفِقَ دِرْهَمًا إلّا وهو سُبْحانَهُ يَعْلَمُهُ ويَراهُ.
البلد 90:10
(p-٥٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾
النَّجْدُ: الطَّرِيقُ، وهو كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الإنْسانِ“ بَعْدَ تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]، أيِ: الطَّرِيقَ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ بِدَلِيلِ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] .
وَتَقَدَّمَ المَعْنى هُناكَ، ويَأْتِي في السُّورَةِ بَعْدَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] . زِيادَةُ إيضاحٍ لَهُ. إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
البلد 90:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾
وَقَدْ بَيَّنَ المُرادَ بِالعَقَبَةِ فِيما بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢]، ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَها.
وَقَدْ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ ما جاءَ بِصِيغَةِ ”وَما أدْراكَ“، فَقَدْ جاءَ تَفْصِيلُهُ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ١ - ٤]، وما بَعْدَها.
وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢] .
وَفِي تَفْسِيرِ العَقَبَةِ بِالمَذْكُوراتِ، فَكُّ الرَّقَبَةِ، وإطْعامُ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ، تَوْجِيهٌ إلى ضَرُورَةِ الإنْفاقِ حَقًّا لا ما يَدَّعِيهِ الإنْسانُ بِدُونِ حَقِيقَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] .
أمّا فَكُّ الرَّقَبَةِ: فَإنَّهُ الإسْهامُ في عِتْقِ الرَّقِيقِ، والِاسْتِقْلالُ في عِتْقِها يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفَكِّ النَّسَمَةِ.
وَهَذا العُنْصُرُ مِنَ العَمَلِ بالِغُ الأهَمِّيَّةِ، حَيْثُ قُدِّمَ في سُلَّمِ الِاقْتِحامِ لِتِلْكَ العَقَبَةِ.
وَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِبَيانِ فَضْلِ هَذا العَمَلِ حَتّى أصْبَحَ عِتْقُ الرَّقِيقِ أوْ فَكُّ النَّسَمَةِ، يُعادَلُ بِهِ عِتْقُ المُعْتَقِ مِنَ النّارِ كُلُّ عُضْوٍ بِعُضْوٍ، وفِيهِ نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، وفي هَذا إشْعارٌ بِحَقِيقَةِ مَوْقِفِ الإسْلامِ مِنَ الرِّقِّ، ومَدى حِرْصِهِ وتَطَلُّعِهِ إلى تَحْرِيرِ الرِّقابِ.
(p-٥٣٣)فَها هو هُنا يَجْعَلُ عَتَقَ الرَّقَبَةِ، سُلَّمَ اقْتِحامِ العَقَبَةِ، وجَعَلَهُ عِتْقًا لِلْمُعَتَقِ مِنَ النّارِ كُلُّ عُضْوٍ بِعُضْوٍ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَسْعى لِذَلِكَ، وجَعَلَهُ كَفّارَةً لِكُلِّ يَمِينٍ ولِلظِّهارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وكَفّارَةَ القَتْلِ الخَطَأِ، كُلُّ ذَلِكَ نَوافِذُ إطْلاقِ الأُسارى، وفَكُّ الرِّقابِ في الوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُفْتَحْ لِلِاسْتِرْقاقِ إلّا بابٌ واحِدٌ، هو الأسْرُ في القِتالِ مَعَ المُشْرِكِينَ لا غَيْرَ، وهُما مِمّا سَبَقَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ رَدًّا عَلى المُسْتَشْرِقِينَ ومَن تَأثَّرَ بِهِمْ؛ في ادِّعائِهِمْ عَلى الإسْلامِ: أنَّهُ مُتَعَطِّشٌ لِاسْتِرْقاقِ الأحْرارِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] . أيْ: شِدَّةٍ وجُوعٍ. والسّاغِبُ: الجائِعُ؛ قالَ القُرْطُبِيُّ: وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎فَلَوْ كُنْتَ جارًا يا بْنَ قَيْسٍ لِعاصِمٍ لَما بِتَّ شَبْعانًا وجارُكَ ساغِبًا
أيْ: لَوْ كُنْتَ جارًا بِحَقٍّ تَعْنِي بِحَقِّ الجارِ، لَما حَدَثَ لِجارِكَ هَذا.
وَهَذا القَيْدُ لِحالِ الإطْعامِ؛ دَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الإيمانِ بِالجَزاءِ، وتَقْدِيمِ ما عِنْدَ اللَّهِ؛ عَلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في حُبِّهِ أنَّهُ لِلطَّعامِ، وهَذا غالِبٌ في حالاتِ الشِّدَّةِ والمَسْغَبَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فَهي أعْلى مَنازِلِ الفَضِيلَةِ في الإطْعامِ.
البلد 90:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾، فاليَتِيمُ مَن حُرِمَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدُهُما، وقَدْ خَصُّوا في اللُّغَةِ يَتِيمَ الحَيَوانِ، مَن فَقَدَ الأُمَّ، وفي الطُّيُورِ مَن فَقَدَ الأبَوَيْنِ، وفي الإنْسانِ مَن فَقَدَ الأبَ.
وَ ”ذا مَقْرَبَةٍ“: أيْ: قَرابَةٍ، وخُصَّ بِهِ؛ لِأنَّ الإطْعامَ في حَقِّهِ أفْضَلُ وأوْلى مِن غَيْرِهِ، وفِيهِ الحَدِيثُ: «إنَّ الصَّدَقَةَ عَلى القَرِيبِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ، وعَلى البَعِيدِ صَدَقَةٌ فَقَطْ» .
(p-٥٣٤)والأحادِيثُ في الإحْسانِ إلى اليَتِيمِ مُتَضافِرَةٌ، ويَكْفِي قَوْلُهُ ﷺ: «أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ كَهَذَيْنِ» أيِ: السَّبّابَةِ والَّتِي تَلِيها.
البلد 90:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾
قِيلَ: المِسْكِينُ مِنَ السُّكُونِ وقِلَّةِ الحَرَكَةِ، والمَتْرَبَةُ: اللُّصُوقُ بِالتُّرابِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المِسْكِينِ والفَقِيرِ: أيُّهُما أشَدُّ احْتِياجًا وما حَدُّ كُلٍّ مِنهُما ؟ فاتَّفَقُوا أوَّلًا: عَلى أنَّهُ إذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، وإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا ذُكِرَ أحَدُهُما فَقَطْ، فَيَشْمَلُ الثّانِيَ مَعَهُ، ويَكُونُ الحُكْمُ جامِعًا لَهُما كَما هو هُنا، فالإطْعامُ يَشْمَلُ الِاثْنَيْنِ مَعًا، وإذا اجْتَمَعا فُرِّقَ بَيْنَهُما بِالتَّعْرِيفِ.
فالمِسْكِينُ كَما تَقَدَّمَ، والفَقِيرُ، قالُوا: مَأْخُوذٌ مِنَ الفَقْرَةِ وهي: الحُفْرَةُ تُحْفَرُ لِلنَّخْلَةِ ونَحْوِها لِلْغَرْسِ، فَكَأنَّهُ نَزَلَ إلى حُفْرَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنها.
وَقِيلَ: مِن فَقارِ الظَّهْرِ، وإذا أُخِذَتْ فَقارٌ مِنها عَجَزَ عَنِ الحَرَكَةِ، فَقِيلَ: عَلى هَذا الفَقِيرُ أشَدُّ حاجَةً، ويُرَجِّحُهُ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فَسَمّاهم مَساكِينَ مَعَ وُجُودِ سَفِينَةٍ لَهم يَتَسَبَّبُونَ عَلَيْها لِلْمَعِيشَةِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا» الحَدِيثَ. مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ»، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، خِلافًا لِمالِكٍ.
وَقَدْ قالُوا في تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنهُما: المِسْكِينُ مَن يَجِدُ أقَلَّ ما يَكْفِيهِ، والفَقِيرُ: مَن لا يَجِدُ شَيْئًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
البلد 90:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
هَذا قَيْدٌ في اقْتِحامِ العَقَبَةِ بِتِلْكَ الأعْمالِ مِن عِتْقٍ، أوْ إطْعامٍ؛ لِأنَّ عَمَلَ غَيْرِ المُؤْمِنِ لا يَجْعَلُهُ يَقْتَحِمُ العَقَبَةَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِإحْباطِ عَمَلِهِ ولِاسْتِيفائِهِ إيّاهُ في الدُّنْيا، و ”ثُمَّ“ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لا الزَّمَنِيِّ؛ لِأنَّ الإيمانَ مَشْرُوطٌ وُجُودُهُ عِنْدَ العَمَلِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ شُرُوطِ قَبُولِ العَمَلِ وصِحَّتِهِ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩]، وقَوْلِهِ: (p-٥٣٥)﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]؛ لِأنَّ الإيمانَ هو العَمَلُ الأساسِيُّ في حَمْلِ العَبْدِ عَلى عَمَلِ الخَيْرِ يَبْتَغِي بِهِ الثَّوابَ، وخاصَّةً الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بَذْلٌ بِدُونِ عِوَضٍ عاجِلٍ.
وَقَدْ بَحَثَ العُلَماءُ مَوْضُوعَ عَمَلِ الكافِرِ الَّذِي عَمِلَهُ حالَةَ كُفْرِهِ ثُمَّ أسْلَمَ، هَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ إسْلامِهِ أمْ لا ؟
والرّاجِحُ: أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ، كَما ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: «أنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ بَعْدَ ما أسْلَمَ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا كُنّا نَتَحَنَّثُ بِأعْمالٍ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَهَلْ لَنا مِنها شَيْءٌ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِنَ الخَيْرِ“»، وحَدِيثُ عائِشَةَ، قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ الطَّعامَ، ويَفُكُّ العانِيَ، ويُعْتِقُ الرِّقابَ، ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: " لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» .
وَمَفْهُومُهُ أنَّهُ لَوْ قالَها، أيْ: لَوْ أسْلَمَ فَقالَها كانَ يَنْفَعُهُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾
تَتِمَّةٌ لِصِفاتِهِمْ، والصَّبْرُ عامٌّ عَلى الطّاعَةِ وعَنِ المَعْصِيَةِ، والمَرْحَمَةُ زِيادَةٌ في الرَّحْمَةِ، والحَدِيثُ: «”الرّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ“ .»
وَذِكْرُ المَرْحَمَةِ هُنا يَتَناسَبُ مَعَ العَطْفِ عَلى الرَّقِيقِ والمِسْكِينِ واليَتِيمِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الشمس 91:1
(p-٥٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾
فِي تِلْكَ الآياتِ العَشْرِ: يُقْسِمُ اللَّهُ تَعالى سَبْعَ مَرّاتٍ بِسَبْعِ آياتٍ كَوْنِيَّةٍ، هي: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، واللَّيْلُ، والنَّهارُ، والسَّماءُ، والأرْضُ، والنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ، مَعَ حالَةٍ لِكُلِّ مُقْسَمٍ بِهِ، وذَلِكَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو فَلاحُ مَن زَكّى تِلْكَ النَّفْسَ وخَيْبَةِ مَن دَسّاها، ومَعَ كُلِّ آيَةٍ جاءَ القَسَمُ بِها تَوْجِيهًا إلى أثَرِها العَظِيمِ المُشاهَدِ المَلْمُوسِ، الدّالِّ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ.
وَذَلِكَ كالآتِي أوَّلًا: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾، فالشَّمْسُ وحْدَها آيَةٌ دالَّةٌ عَلى قُدْرَةِ خالِقِها، لِما فِيها مِن طاقَةٍ حَرارِيَّةٍ في ذاتِها تَفُوقُ كُلَّ تَقْدِيرٍ، وهي عَلى الزَّمانِ بِدُونِ انْتِقاصٍ، فَهي في ذاتِها آيَةٌ.
ثُمَّ جاءَ وصْفُ أثَرِها وهو: ”ضُحاها“، وهو انْتِشارُ ضَوْئِها ضَحْوَةَ النَّهارِ، وهَذا وحْدَهُ آيَةٌ، لِأنَّهُ نَتِيجَةٌ لِحَرَكَتِها، وحَرَكَتُها آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧ - ٣٨]، وهي الآيَةُ الَّتِي حاجَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نُمْرُوذَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
فَفِي هَذا السَّيْرِ قُدْرَةٌ باهِرَةٌ ودِقَّةٌ مُتَناهِيَةٌ، ”وَضُحاها“: نَتِيجَةٌ لِهَذا السَّيْرِ، ثُمَّ ”ضُحاها“ نِعَمٌ جَزِيلَةٌ عَلى الكَوْنِ كُلِّهِ، مِنِ انْتِشارٍ في الأرْضِ، وانْتِفاعٍ بِضَوْئِها وأشِعَّتِها.
وَقَدْ قالُوا: لَوِ اقْتَرَبَتْ دَرَجَةً أوِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَةً، لَما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يَنْتَفِعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ لِأنَّها تُحْرِقُ بِاقْتِرابِها، ويَتَجَمَّدُ العالَمُ مِن بُعْدِها، ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ.
(p-٥٣٧)فالضُّحى وحْدَهُ آيَةٌ وهو حَرُّها كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، أيْ: بِحَرِّ الشَّمْسِ، وقَدْ أقْسَمَ تَعالى بِالضُّحى وحْدَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ١ - ٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾، فَهو كَذَلِكَ القَمَرُ وحْدَهُ آيَةٌ، وكَذَلِكَ تُلُوُّهُ لِلشَّمْسِ ونِظامُ مَسِيرِهِ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ، وهَذا النِّظامُ فَلا يَسْبِقُها ولا تَفُوتُهُ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا تَلاها﴾، أيْ: تَلا الشَّمْسَ، دَلالَةٌ عَلى سَيْرِ الجَمِيعِ، وأنَّها سابِقَتُهُ وهو تالِيها.
فَقِيلَ: تالِيها عِنْدَ أوَّلِ الشَّهْرِ تَغْرُبُ، ويَظْهَرُ مِن مَكانِ غُرُوبِها.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ الهَيْئَةِ: تالِيها في مَنزِلَةِ الحَجْمِ، أيْ: كُبْرى وهو كَبِيرٌ بَعْدَها في الحَجْمِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وَلا يَخْفى ما في القَمَرِ مِن فَوائِدَ لِلْخَلِيقَةِ، مِن تَخْفِيفِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وكَذَلِكَ بَعْضُ الخَصائِصِ عَلى الزَّرْعِ، وأهَمُّ خَصائِصِهِ بَيانُ الشُّهُورِ بِتَقْسِيمِ السَّنَةِ، ومَعْرِفَةِ العِباداتِ مِن صَوْمٍ، وحَجٍّ، وزَكاةٍ، وعِدَّةِ النِّساءِ، وكَفّاراتٍ بِصَوْمٍ، وحُلُولِ الدُّيُونِ، وشُرُوطِ المُعامَلاتِ، وكُلِّ ما لَهُ صِلَةٌ بِالحِسابِ في عِبادَةٍ أوْ مُعامَلَةٍ.
وَقَدْ جاءَ القَسَمُ بِالقَمَرِ في ”المُدَّثِّرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٢ - ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨]، مِمّا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ آيَتِهِ ودِقَّةِ دَلالَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾، ”والنَّهارِ“ هو أثَرٌ مِن آثارِ ضَوْءِ الشَّمْسِ.
وَ ”جَلّاها“ قِيلَ: الضَّمِيرُ فِيهِ راجِعٌ لِلشَّمْسِ كَما في الَّذِي قَبْلَهُ، ولَكِنِ اخْتارَ ابْنُ كَثِيرٍ أنْ يَكُونَ راجِعًا لِلْأرْضِ، أيْ: كَشَفَها وأوْضَحَ كُلَّ ما فِيها؛ لِيَتَيَسَّرَ طَلَبُ المَعاشِ والسَّعْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] .
(p-٥٣٨)وَقَدْ أقْسَمَ تَعالى بِالنَّهارِ إذا تَجَلّى: أيْ: ظَهَرَ ووَضَحَ بِدُونِ ضَمِيرٍ إلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢]، أيْ: في مُقابَلَةِ غِشاوَةِ اللَّيْلِ يَكُونُ بِتَجَلِّي النَّهارِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى عِظَمَ آيَةِ النَّهارِ، وعِظَمَ آيَةِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِهِما إلّا اللَّهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾، قالُوا: يَغْشى الشَّمْسَ فَيُحْجَبُ ضِياؤُها، والكَلامُ عَلى اللَّيْلِ، كالكَلامِ عَلى النَّهارِ، مِن حَيْثُ الآيَةِ والدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى.
وَتَقَدَّمَتِ النُّصُوصُ الكافِيَةُ، وسَيَأْتِي الإقْسامُ بِاللَّيْلِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]، أيْ: يَغْشى الكَوْنَ كُلَّهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧]، أيْ: جَمَعَ واشْتَمَلَ بِظَلامِهِ.
والضَّمِيرُ في ”يَغْشاها“: راجِعٌ إلى الشَّمْسِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: إنَّ الإقْسامَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ راجِعٌ كُلُّهُ إلى الشَّمْسِ في حالاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، في ضُحاها ثُمَّ تَجَلِّيها، ثُمَّ تُلُوُّ القَمَرِ لَها، ثُمَّ بِغَشَيانِ اللَّيْلِ إيّاها، وهُنا سُؤالٌ: كَيْفَ يَغْشى اللَّيْلُ الشَّمْسَ مَعَ أنَّ اللَّيْلَ وهو الظُّلْمَةُ نَتِيجَةٌ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي فِيها اللَّيْلُ ؟
فَقِيلَ: إنَّ اللَّيْلَ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَتَتَكَوَّنُ الظُّلْمَةُ، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ. وهو أنَّ الشَّمْسَ ظاهِرَةٌ وضَوْءُها مُنْتَشِرٌ، ولَكِنْ في قِسْمِ الأرْضِ المُقابِلِ لِلظُّلْمَةِ المَوْجُودَةِ، كَما أنَّ الظُّلْمَةَ تَكُونُ في القِسْمِ المُقابِلِ لِلنَّهارِ، وهَكَذا.
وَلِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الضَّمِيرَ في ”يَغْشاها“ و ”جَلّاها“ راجِعٌ إلى الأرْضِ، إلّا أنَّ فِيهِ مُغايِرَةً في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾، قِيلَ: ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي، وجِيءَ بِها بَدَلًا عَنْ ”مَن“ الَّتِي لِأُولِي العِلْمِ؛ لِإشْعارِها مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، أيْ: ”والسَّماءِ“ والقادِرِ الَّذِي ”بَناها“، وكَذَلِكَ ما بَعْدَها في ”الأرْضِ وما طَحاها ونَفْسٍ“، والحَكِيمِ العَلِيمِ (p-٥٣٩)”الَّذِي سِوّاها“، و ”ما“ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ العالِمِ وغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، ومِثْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] .
وَتَقَدَّمَ مِرارًا أحْوالُ السَّماءِ في بِنائِها ورَفْعِها، وجَعْلِها سَبْعًا طِباقًا، وقَدْ بَيَّنَ في تِلْكَ النُّصُوصِ كَيْفِيَّةَ بِنائِها، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَناها بِقُوَّةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، أيْ: بِقُوَّةٍ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦]، مِثْلُ ”دَحاها“ [النازعات: ٣٠] .
وَقالُوا: إبْدالُ الدّالِّ طاءً مَشْهُورٌ، وطَحا تَأْتِي بِمَعْنى خَلَقَ، وبِمَعْنى ذَهَبَ في كُلِّ شَيْءٍ، فَمِنَ الأوَّلِ:
؎وَما تَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ
وَمِنَ الثّانِي قَوْلُ عَلْقَمَةَ:
؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ يُعِيدُ الشَّبابَ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ
وَلا مُنافاةَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَها ومَدَّها، وذَهَبَ بِأطْرافِها كُلَّ مَذْهَبٍ، أيْ: في مَدِّها.
الشمس 91:7
تَنْبِيهٌ.
قالُوا: ذِكْرُ السَّماءِ وما بَناها؛ لِلدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِها، وبِالتّالِي عَلى حُدُوثِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وأنَّ تَدْبِيرَهُما لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٧ - ٨]، قالُوا: النَّفْسُ تَحْمِلُ كامِلَ خِلْقَةِ الإنْسانِ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ وقُواهُ الإنْسانِيَّةِ، مِن تَفْكِيرٍ وسُلُوكٍ. . . إلَخْ.
وَقِيلَ: النَّفْسُ هُنا بِمَعْنى القُوى المُفَكِّرَةِ، المُدْرِكَةِ مَناطَ الرَّغْبَةِ والِاخْتِيارِ، وعَلَيْهِ؛ فَذِكْرُ النَّفْسِ بِالمَعْنى الأوَّلِ، تَكُونُ تَسْوِيَتُها في اسْتِواءٍ خِلْقَتِها وتَرْكِيبِ أعْضائِها، وهي غايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ والكَمالِ والعِلْمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقالَ: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، أيْ: مِن أعْضاءٍ وأجْزاءٍ وتَراكِيبَ، وعِدَّةِ أجْهِزَةٍ تُبْهِرُ العُقُولَ في السَّمْعِ، وفي البَصَرِ، وفي الشَّمِّ، وفي الذَّوْقِ، وفي الحِسِّ، ومِن داخِلِ الجِسْمِ ما هو أعْظَمُ، فَحَقَّ أنْ يُقْسِمَ بِها.
(p-٥٤٠)”وَما سَوّاها“: أيْ: بِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ، والعِلْمِ الشّامِلِ. وذِكْرُها بِالمَعْنى الثّانِي، فَإنَّهُ في نَظَرِي أعْظَمُ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ؛ وذَلِكَ أنَّ القُوى المُدْرِكَةَ والمُفَكِّرَةَ والمُقَدِّرَةَ لِلْأُمُورِ الَّتِي لَها الِاخْتِيارُ، ومِنها القَبُولُ والرَّفْضُ والرِّضى والسُّخْطُ والأخْذُ والمَنعُ، فَإنَّها عالَمٌ مُسْتَقِلٌّ.
وَإنَّها كَما قُلْنا أعْظَمُ مِمّا تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الجانِبَ الخِلْقِيَّ قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، ولَكِنْ في هَذا الجانِبِ، قالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ بَعْضَ أفْرادِ الإنْسانِ حَمَلَها بِصِدْقٍ وأدّاها بِوَفاءٍ، ونالَ رِضى اللَّهِ تَعالى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ.
فَهَذِهِ النَّفْسُ في تَسْوِيَتِها لِتَلَقِّي مَعانِي الخَيْرِ والشَّرِّ، واسْتِقْبالِ الإلْهامِ الإلَهِيِّ لِلْفُجُورِ، والتَّقْوى أعْظَمُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ مِن تِلْكَ الجَماداتِ الَّتِي لا تُبْدِي ولا تُعِيدُ، والَّتِي لا تَمْلِكُ سَلْبًا ولا إيجابًا.
وَهُنا مِثالٌ بَسِيطٌ فِيما اسْتُحْدِثَ مِن آلاتِ حِفْظٍ وحِسابٍ، كالآلَةِ الحاسِبَةِ والعَقْلِ الألِكْتِرُونِيِّ، فَإنَّها لا تُخْطِئُ كَما يَقُولُونَ، وقَدْ بَهَرَتِ العُقُولَ في صِفَتِها، ولَكِنْ بِنَظْرَةٍ بَسِيطَةٍ نَجِدُها أمامَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ كَقَطْرَةٍ مِن بَحْرٍ.
فَنَقُولُ: إنَّها أوَّلًا مِن صُنْعِ هَذِهِ النَّفْسِ ذاتِ الإدْراكِ النّامِي والِاسْتِنْتاجِ الباهِرِ.
ثانِيًا: هي لا تَخْطِئُ؛ لِأنَّها لا تُقَدِّرُ أنْ تَخْطِئَ؛ لِأنَّ الخَطَأ ناشِئٌ عَنِ اجْتِهادٍ فِكْرِيٍّ، وهي لا اجْتِهادَ لَها، إنَّما تُشِيرُ وُفْقَ ما رُسِمَ لَها: كالمادَّةِ المُسَجَّلَةِ في شَرِيطٍ، فَإنَّ المُسَجِّلَ مَعَ دِقَّةِ حِفْظِهِ لَها، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَزِيدَ ولا يُنْقِصَ حَرْفًا واحِدًا.
أمّا الإنْسانُ: فَإنَّهُ يُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ، وعِنْدَما يُبَدِّلُ كَلِمَةً مَكانَ كَلِمَةٍ، فَلِقُدْرَتِهِ عَلى إيجادِ الكَلِمَةِ الأُخْرى، أوْ لِاخْتِيارِهِ تَرْكَ الكَلِمَةِ الأُولى.
وَهَكَذا هُنا، فاللَّهُ تَعالى هُنا خَلَقَ تِلْكَ النَّفْسِ أوَّلًا، ثُمَّ سِوّاها عَلى حالَةٍ تَقْبَلُ تَلَقِّي الإلْهامِ بِقَسِيمِهِ: الفُجُورِ والتَّقْوى، ثُمَّ تَسْلُكُ أحَدَ الطَّرِيقَيْنِ، فَكَأنَّ مَجِيءَ القَسَمِ بِها بَعْدَ (p-٥٤١)تِلْكَ المُسَمَّياتِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ ذاتِها وقُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُدْرَةِ خالِقِها، وما سِواها مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ لِتَلَقِّي إلْهامِ اللَّهِ إيّاها.
* *
تَنْبِيهٌ.
وَفِي مَجِيئِها بَعْدَ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ؛ مِن شَمْسٍ، وقَمَرٍ، ولَيْلٍ، ونَهارٍ، وسَماءٍ، وأرْضٍ، لَفْتٌ إلى وُجُوبِ التَّأمُّلِ في تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، يَسْتَلْهِمُ مِنها الدَّلالَةَ عَلى قُدْرَةِ خالِقِها، والِاسْتِدْلالَ عَلى تَغَيُّرِ الأزْمانِ، وحَرَكَةِ الأفْلاكِ، وإحْداثِ السَّماءِ بِالبِناءِ؛ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا العالَمِ مِن صانِعٍ، ولا بُدَّ لِلْمُحْدَثِ المُتَجَدِّدِ مِن فِناءٍ وعَدَمٍ.
كَما عَرَضَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى النُّمْرُوذِ نَماذِجَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، فَأشارَ إلى الشَّمْسِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى القَمَرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، إنْ كانَ ”ألْهَمَها“ بِمَعْنى هَداها وبَيَّنَ لَها، فَهو كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، وهَذا عَلى الهِدايَةِ العامَّةِ، الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ والبَيانِ.
وَإنْ كانَ بِمَعْنى التَّيْسِيرِ والإلْزامِ، فَفِيهِ إشْكالُ القَدَرِ في الخَيْرِ الِاخْتِيارِ.
وَقَدْ بَحَثَ هَذا المَعْنى الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ بَحْثًا وافِيًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾
هَذا هو جَوابُ القَسَمِ فِيما تَقَدَّمَ، فالواوُ قَدْ حُذِفَتْ مِنهُ اللّامُ؛ لِطُولِ ما بَيْنَ المُقْسَمِ بِهِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَوَّهَ عَنْهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤]، مِن سُورَةِ ”ص“، وأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا لِهَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ.
والأصْلُ: لَقَدْ أفْلَحَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ لِطُولِ الفَصْلِ، و ”زَكّاها“ بِمَعْنى طَهَّرَها، وأوَّلُ ما يُطَهِّرُها مِنهُ دَنَسُ الشِّرْكِ ورِجْسُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وتَطْهِيرُها مِنهُ بِالإيمانِ ثُمَّ مِنَ المَعاصِي بِالتَّقْوى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢]، ثُمَّ بِعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] .
(p-٥٤٢)واخْتُلِفَ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في ”زَكّاها“ و ”دَسّاها“، وهو يَرْجِعُ إلى اخْتِلافِهِمْ في: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، فَهَلْ يَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما في: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾، أمْ يَعُودُ عَلى العَبْدِ.
وَيُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ لِكُلِّ قَوْلٍ بِبَعْضِ النُّصُوصِ. فَمِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١]، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها؛ أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، وأنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» .
وَمِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ لِلْقَوْلِ الثّانِي فَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣]،
وكُلُّها كَما تَرى مُحْتَمَلَةٌ، والإشْكالُ فِيها كالإشْكالِ فِيما قَبْلَها.
والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ تِلْكَ النُّصُوصِ كالجَمْعِ في الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ ما يَتَزَكّى بِهِ العَبْدُ مِن إيمانٍ وعَمَلٍ في طاعَةٍ وتَرْكٍ لِمَعْصِيَةٍ، فَإنَّهُ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى المُصَرِّحِ بِذَلِكَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١] .
وَكُلُّ النُّصُوصِ الَّتِي فِيها عَوْدُ الضَّمِيرِ، أوْ إسْنادُ التَّزْكِيَةِ إلى العَبْدِ، فَإنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، كَما تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِالهُدى والتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ، فَهو الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، وتَرْكِ المَعاصِي، كَما في قَوْلِكَ: ”لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ“، وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩]، إنَّما هو بِمَعْنى المَدْحِ والثَّناءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤]، بَلْ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، القَدَرِيِّ والشَّرْعِيِّ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ (p-٥٤٣)بِفَضْلِهِ، ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ بِعَدْلِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الشمس 91:8
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشَّمْسِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَجْعَلُ الفُجُورَ والتَّقْوى في القَلْبِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ فُجُورَ العَبْدِ وتَقْواهُ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ هي الَّتِي ضَلَّ فِيها القَدَرِيَّةُ والجَبْرِيَّةُ.
أمّا القَدَرِيَّةُ فَضَّلُوا بِالتَّفْرِيطِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ عَمَلَ نَفْسِهِ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فِيهِ.
وَأمّا الجَبْرِيَّةُ فَضَّلُوا بِالإفْراطِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ العَبْدَ لا عَمَلَ لَهُ أصْلًا حَتّى يُؤاخَذَ بِهِ.
وَأمّا أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَلَمْ يُفْرِطُوا ولَمْ يُفَرِّطُوا، فَأثْبَتُوا لِلْعَبْدِ أفْعالًا اخْتِيارِيَّةً، ومِنَ الضَّرُورِيِّ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ الحَرَكَةَ الِاتِّعاشِيَّةَ لَيْسَتْ كالحَرَكَةِ الِاخْتِيارِيَّةِ، وأثْبَتُوا أنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَهو خالِقُ العَبْدِ وخالِقُ قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وتَأْثِيرُ قُدْرَةِ العَبْدِ لا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى.
فالعَبْدُ وجَمِيعُ أفْعالِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى؛ مَعَ أنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ اخْتِيارًا بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ اللَّتَيْنِ خَلَقَهُما اللَّهُ فِيهِ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا يُثابُ عَلَيْهِ ويُعاقَبُ.
وَلَوْ فَرَضْنا أنَّ جَبْرِيًّا ناظَرَ سُنِّيًّا فَقالَ الجَبْرِيُّ: حُجَّتِي لِرَبِّي أنْ أقُولَ إنِّي لَسْتُ مُسْتَقِلًّا بِعَمَلٍ، وإنِّي لا بُدَّ أنْ تَنْفُذَ فِيَّ مَشِيئَتُهُ وإرادَتُهُ عَلى وفْقِ العِلْمِ الأزَلِيِّ، فَأنا مَجْبُورٌ، فَكَيْفَ يُعاقِبُنِي عَلى أمْرٍ لا قُدْرَةَ لِي أنْ أحِيدَ عَنْهُ ؟ فَإنَّ السُّنِّيَّ يَقُولُ لَهُ: كُلُّ الأسْبابِ الَّتِي أعْطاها لِلْمُهْتَدِينَ أعْطاها لَكَ، جَعَلَ لَكَ سَمْعًا تَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرًا تُبْصِرُ بِهِ، وعَقْلًا تَعْقِلُ بِهِ، (p-٤٥١)وَأرْسَلَ لَكَ رَسُولًا، وجَعَلَ لَكَ اخْتِيارًا وقُدْرَةً، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا التَّوْفِيقُ وهو مِلْكُهُ المَحْضُ، إنْ أُعْطاهُ فَفَضْلٌ، وإنْ مَنَعَهُ فَعَدْلٌ.
كَما أشارَ لَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، يَعْنِي أنَّ مِلْكَهُ لِلتَّوْفِيقِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ عَلى الخَلْقِ، فَمَن أُعْطِيَهُ فَفَضْلٌ، ومَن مُنِعَهُ فَعَدْلٌ.
وَلَمّا تَناظَرَ أبُو إسْحاقَ الِاسْفَرائِينِيُّ مَعَ عَبْدِ الجَبّارِ المُعْتَزِلِيِّ، قالَ عَبْدُ الجَبّارِ: سُبْحانَ مَن تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشاءِ، وقَصْدُهُ أنَّ المَعاصِيَ كالسَّرِقَةِ والزِّنى بِمَشِيئَةِ العَبْدِ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَشاءَ القَبائِحَ في زَعْمِهِمْ.
فَقالَ أبُو إسْحاقَ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ، ثُمَّ قالَ: سُبْحانَ مَن لا يَقَعُ في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ.
فَقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: أتَراهُ يَخْلُقُهُ ويُعاقِبُنِي عَلَيْهِ ؟
فَقالَ أبُو إسْحاقَ: أتَراكَ تَفْعَلُهُ جَبْرًا عَلَيْهِ ؟ أأنْتَ الرَّبُّ وهو العَبْدُ ؟
فَقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: أرَأيْتَ إنْ دَعانِي إلى الهُدى وقَضى عَلَيَّ بِالرَّدى أتَراهُ أحْسَنَ إلَيَّ أمْ أساءَ ؟
فَقالَ أبُو إسْحاقَ: إنْ كانَ الَّذِي مَنَعَكَ مِنهُ مِلْكًا لَكَ فَقَدْ أساءَ، وإنْ كانَ لَهُ فَإنْ أعْطاكَ فَفَضْلٌ، وإنْ مَنَعَكَ فَعَدْلٌ. فَبُهِتَ عَبْدُ الجَبّارِ، وقالَ الحاضِرُونَ: واللَّهِ ما لِهَذا جَوابٌ.
وَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وقالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ لِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ حِمارَةً سُرِقَتْ مِنِّي، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ حِمارَتَهُ سُرِقَتْ ولَمْ تُرِدْ سَرِقَتَها فارْدُدْها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الأعْرابِيُّ: يا هَذا كُفَّ عَنِّي دُعائَكَ الخَبِيثَ، إنْ كانَتْ سُرِقَتْ ولَمْ يُرِدْ سَرِقَتَها فَقَدْ يُرِيدُ رَدَّها ولا تُرَدُّ.
وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ إشْكالَ هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ ٧٦ ]، فَأثْبَتَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً، وصَرَّحَ بِأنَّهُ لا مَشِيئَةَ لِلْعَبْدِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، فَكُلُّ شَيْءٍ صادِرٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا.
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ .
(p-٤٥٢)وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِأنَّ مَعْنى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أنَّهُ بَيَّنَ لَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ: وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَها جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الشمس 91:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ ”ثَمُودُ“: اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ أُسْنِدَ إلَيْها التَّكْذِيبُ، أيْ: بِنَبِيِّ اللَّهِ صالِحٍ، و ”أشْقاها“ هو عاقِرُ النّاقَةِ أُسْنِدَ الِانْبِعاثُ لَهُ وحْدَهُ بَيْنَ ما جاءَ بَعْدَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾، فَأسْنَدَ العَقْرَ لَهم.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“، ومَضْمُونُهُ أنَّهم مُتَواطِئُونَ مَعَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، فَكانُوا شُرَكاءَ لَهُ في عَقْرِها، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎والسّامِعُ الذَّمَّ شَرِيكٌ لِقائِلِهِ ومُطْعِمُ المَأْكُولِ شَرِيكٌ لِلْآكِلِ
وَفِي قِصَّةِ أبِي طَلْحَةَ «فِي صَيْدِ الحِمارِ الوَحْشِيِّ، سَألَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وهم مُحْرِمُونَ لِلْعُمْرَةِ: ”هَلْ دَلَّهُ عَلَيْهِ مِنكم أحَدٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: هَلْ عاوَنَهُ عَلَيْهِ مِنكم أحَدٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَكُلُوا إذًا:“» لِأنَّ مَفْهُومَهُ: لَوْ عاوَنُوا أوْ دَلُّوا لَكانُوا شُرَكاءَ في صَيْدِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وبِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ حَلَّ لَهم، فَلَوْ عاوَنُوا أوْ شارَكُوا لَحَرُمَ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَمّا كانُوا راضِينَ، ونادَوْهُ وتَعاطى، سَواءٌ عُهُودُهم أوْ عَطاؤُهم أوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَعَقَرَها وحْدَهُ، كانَ هَذا باسِمِ الجَمِيعِ، فَكانَتِ العُقُوبَةُ بِاسْمِ الجَمِيعِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذا قَتْلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وعُقُوبَةُ الرَّبِيئَةِ مَعَ الجانِي. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الليل 92:1
(p-٥٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾
يُقْسِمُ اللَّهُ تَعالى بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وأثَرِهِما عَلى الكَوْنِ، عَلى أنَّهُما آيَتانِ عَظِيمَتانِ.
وَتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في السُّورَةِ قَبْلَها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٣ - ٤] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، وذِكْرُ كُلِّ النُّصُوصِ في هَذا المَعْنى. وأثَرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ في حَياةِ النّاسِ، ومَعْرِفَةِ الحِسابِ ونَحْوِهِ.
الليل 92:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثُ هَذِهِ المَسْألَةِ، وإيرادُ كُلِّ النُّصُوصِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، أشارَ إلَيْها كُلِّها في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٦]، وقَدْ قُرِئَتْ بِعِدَّةِ قِراءاتٍ مِنها: ﴿خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، ومِنها ”والذَّكَرَ والأُنْثى“ .
وَذَكَرَها ابْنُ كَثِيرٍ مَرْفُوعَةً إلى النَّبِيِّ ﷺ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، وعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.
﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، اخْتُلِفَ في لَفْظَةِ: ”ما“ فَقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى.
وَقِيلَ: بِمَعْنى مَن، أيْ: والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ (p-٥٤٥)بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ - وهي صِفَةُ الخَلْقِ، ويَكُونُ خَصَّ الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِما فِيهِما مِن بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ وقُوَّةِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما يَأْتِي.
وَعَلى قِراءَةِ: ”والذَّكَرَ والأُنْثى“ . يَكُونُ القَسَمُ بِالمَخْلُوقِ كاللَّيْلِ والنَّهارِ، لِما في الخُلُقِ مِن قُدْرَةِ الخالِقِ أيْضًا، وعَلى أنَّها بِمَعْنى الَّذِي يَكُونُ القَسَمُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وتَكُونُ ما هُنا مِثْلَ ما في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، وغايَةُ ما فِيهِ اسْتِعْمالُها وهي في الأصْلِ لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، إلّا أنَّها لُوحِظَ فِيها مَعْنى الصِّفَةِ، وهي صِفَةُ الخَلْقِ أوْ عَلى ما تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ عِنْدَ القَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، لِما لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى الصِّفَةِ وهو الِاسْتِمْتاعُ؛ ساغَ اسْتِعْمالُ ما بَدَلًا عَنْ مَن.
وَفِي اخْتِصاصِ خَلْقِ الذَّكَرِ والأُنْثى في هَذا المَقامِ لَفْتُ نَظَرٍ إلى هَذِهِ الصِّفَةِ، لِما فِيها مِن إعْجازِ البَشَرِ عَنْها، كَما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الإعْجازِ لِلْبَشَرِ: مِن أنْ يَقْدِرُوا عَلى شَيْءٍ في خُصُوصِهِ، كَما قَدَّمْنا في السُّورَةِ قَبْلَها.
وَذَلِكَ: أنَّ أصْلَ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ أمْرٌ فَوْقَ إدْراكِ وقُوى البَشَرِ، وهي كالآتِي:
أوَّلًا: في الحَيَواناتِ الثَّدْيِيَّةِ، وهي ذَواتُ الرَّحِمِ تَحْمِلُ وتَلِدُ، فَإنَّها تُنْتِجُ عَنْ طَرِيقِ اتِّصالِ الذُّكُورِ بِالإناثِ. وتَذْكِيرُ الجَنِينِ أوْ تَأْنِيثُهُ لَيْسَ لِأبَوَيْهِ دَخْلٌ فِيهِ، إنَّهُ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ، أيْ: أخْلاطٍ مِن ماءِ الأبِ والأُمِّ، وجَعَلَ هَذا ذَكَرًا وذاكَ أُنْثى، فَهو هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] .
وَقَدْ ثَبَتَ عِلْمِيًّا أنَّ سَبَبَ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ مِن جانِبِ الرَّجُلِ، أيْ: أنَّ ماءَ المَرْأةِ صالِحٌ لِهَذا وذاكَ، وماءُ الرَّجُلِ هو الَّذِي بِهِ يَكُونُ التَّمْيِيزُ؛ لِانْقِسامٍ يَقَعُ فِيهِ. فالمَرْأةُ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ حَرْثًا، والرَّجُلُ هو الزّارِعُ، ونَوْعُ الزَّرْعِ يَكُونُ عَنْ طَرِيقِهِ، كَما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، والحَرْثُ لا يَتَصَرَّفُ في الزَّرْعِ، وإنَّما التَّصَرُّفُ عَنْ طَرِيقِ الحارِثِ.
وَيَتِمُّ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ مَبْدَأٍ مَعْلُومٍ عِلْمِيًّا، وهو أنَّ خَلِيَّةَ التَّلْقِيحِ في الأُنْثى دائِمًا وأبَدًا (p-٥٤٦)مُكَوَّنَةٌ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا، وهي دائِمًا وأبَدًا تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ: أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ، فَيَلْتَحِمُ قِسْمٌ مِنها مَعَ قِسْمِ خَلِيَّةِ الذَّكَرِ، وخَلِيَّةُ الذَّكَرِ سَبْعَةٌ وأرْبَعُونَ، وإنَّما أبَدًا تَنْقَسِمُ أيْضًا عِنْدَ التَّلْقِيحِ إلى قِسْمَيْنِ، ولَكِنْ أحَدُهُما أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، والآخِرُ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ، فَإذا أرادَ اللَّهُ تَذْكِيرَ الحَمْلِ سَبَقَ القِسْمُ الَّذِي مِن ثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ. فَيَنْدَمِجُ مَعَ قَسِيمِ خَلِيَّةِ الأُنْثى، وهو أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُما سَبْعَةً وأرْبَعِينَ، فَيَكُونُ الذَّكَرُ بِإذْنِ اللَّهِ.
وَإذا أرادَ اللَّهُ تَأْنِيثَ الحَمْلِ سَبَقَ القِسْمُ الَّذِي هو أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الرَّجُلِ، فَيَنْدَمِجُ مَعَ قَسِيمِ خَلِيَّةِ المَرْأةِ أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ، فَيَكُونُ مِن مَجْمُوعِهِما ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ، فَتَكُونُ الأُنْثى بِإذْنِ اللَّهِ، وهَكَذا في جَمِيعِ الحَيَواناتِ.
أمّا النَّباتاتُ فَإنَّ بَعْضَ الأشْجارِ تَتَمَيَّزُ فِيهِ الذُّكُورُ مِنَ الإناثِ، كالنَّخْلِ، والتُّوتِ مَثَلًا، وبَقِيَّةُ الأشْجارِ تَكُونُ الشَّجَرَةُ الواحِدَةُ تَحْمِلُ زَهْرَةَ الذُّكُورَةِ وزَهْرَةَ الأُنُوثَةِ، فَتُلَقِّحُ الرِّياحُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي عِدَّةُ أشْخاصٍ عَنْ غَرِيبَتَيْنِ في ذَلِكَ:
إحْداهُما: أنَّ نَخْلَةً مَوْجُودَةً حَتّى الآنَ، في بَعْضِ السِّنِينَ فَحْلًا يُؤْخَذُ مِنهُ لِيُؤَبِّرَ النَّخِيلَ، وفي بَعْضِ السِّنِينَ نَخْلَةً تَطَّلِعُ وتُثْمِرُ.
وَحَدَّثَنِي آخَرُ في نَفْسِ المَجْلِسِ: مِن أنَّهُ تُوجَدُ عِنْدَهم شَجَرَةُ نَخْلٍ يَكُونُ أحَدُ شِقَّيْها فَحْلًا؛ يُؤْخَذُ مِنهُ الطَّلْعُ يُلَقَّحُ بِهِ النَّخْلُ، وشِقُّها الآخَرُ نَخْلَةً يَتَلَقَّحُ مِنَ الشَّقِّ الآخَرِ لِمُجاوَرَتِهِ.
كَمّا حَدَّثَنِي ثالِثٌ: أنَّ والِدَهُ قَطَعَ بَعْضَ فَحْلِ النَّخْلِ؛ لِكَثْرَتِهِ في النَّخِيلِ، وبَعْدَ قَطْعِهِ نَبَتَ في أصْلِهِ ومِن جِذْعِهِ وجُذُورِهِ نَخْلَةٌ تُثْمِرُ. وكُلُّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ العادَةِ، ولَكِنَّهُ دالٌّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ خالِقُ الذَّكَرِ والأُنْثى.
أمّا عَمَلُ هَذا الجِهازِ في الحَيَواناتِ، بَلْ وفي الحَشَراتِ الدَّقِيقَةِ وتَكاثُرِها، فَهو فَوْقَ الحَصْرِ والحَدِّ.
وَقَدْ ذَكَرُوا في عالَمِ الحَشَراتِ، ما يُلَقِّحُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، بِاحْتِكاكِ بَعْضِ فَخِذَيْةِ بِبَعْضٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى إيجادِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، مِمّا لَوْ (p-٥٤٧)تَأمَّلَهُ العاقِلُ لَوَجَدَ فِيهِ كَما أسْلَفْنا القُدْرَةَ الباهِرَةَ، أعْظَمُ مِمّا في اللَّيْلِ إذا يَغْشى وما في النَّهارِ إذا تَجَلّى، ولا سِيَّما إذا صَغُرَ الكائِنُ: كالبَعُوضَةِ فَما دُونَها مِمّا لا يَكادُ يُرى بِالعَيْنِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ فِيهِ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ. سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ما أعْظَمَ شَأْنُكَ.
الليل 92:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾
تَقَدَّمَ في السُّورَةِ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]، وكِلاهُما بِالسَّعْيِ إلَيْهِ والعَمَلِ مِن أجْلِهِ، وهُنا يَقُولُ: ”إنَّ سَعْيَكم“ مَهْما كانَ ”لِشَتّى“، أيْ: مُتَباعِدٌ بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ.
والشَّتاتُ: التَّباعُدُ والِافْتِراقُ، وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ، كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقَتْلى وقَتِيلٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَ ما يَظُنّانِ كُلَّ الظَّنِّ ألّا تَلاقِيا
وَهَذا جَوابُ القَسَمِ، وفي القَسَمِ ما يُشْعِرُ بِالِارْتِباطِ بِهِ، كَبُعْدِ ما بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَهُما مُخْتَلِفانِ تَمامًا، وهَكَذا هُما مُفْتَرِقانِ في النَّتائِجِ والوَسائِلِ، كَبُعْدِ ما بَيْنَ فَلاحِ مَن زَكّاها، وخَيْبَةِ مَن دَسّاها المُتَقَدِّمِ في السُّورَةِ قَبْلَها.
الليل 92:5
ثُمَّ فَصَّلَ هَذا الشَّتاتَ في التَّفْصِيلِ الآتِي: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾
وَما أبْعَدَ ما بَيْنَ العَطاءِ، والبُخْلِ، والتَّصْدِيقِ، والتَّكْذِيبِ، واليُسْرى، والعُسْرى، وقَدْ أطْلَقَ: ”أعْطى“؛ لِيَعُمَّ كُلَّ عَطاءٍ مِن مالِهِ وجاهِهِ وجُهْدِهِ حَتّى الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، بَلْ حَتّى طَلاقَةَ الوَجْهِ، كَما في الحَدِيثِ: ”وَلَوْ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ“ . والحُسْنى: قِيلَ المُجازاةُ عَلى الأعْمالِ. وقِيلَ: لِلْخَلَفِ عَلى الإنْفاقِ. وقِيلَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقِيلَ: الجَنَّةُ.
والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ هو الأخِيرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فَقالُوا: الحُسْنى هي الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وهَذا (p-٥٤٨)المَعْنى يَشْمَلُ كُلَّ المَعانِي؛ لِأنَّها أحْسَنُ خَلَفٍ لِكُلِّ ما يُنْفِقُ العَبْدُ، وخَيْرُ وأحْسَنُ مُجازاةٍ عَلى أيِّ عَمَلٍ مَهْما كانَ، ولا يُتَوَصَّلُ إلَيْها إلّا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ بَعْدَ ذِكْرِ ”أعْطى واتَّقى“ في الأُولى، و ”بَخِلَ واسْتَغْنى“ في الثّانِيَةِ.
قِيلَ: هو دَلالَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ الطّاعَةِ يُيَسِّرُ إلى طاعَةٍ أُخْرى، وفِعْلَ المَعْصِيَةِ يَدْفَعُ إلى مَعْصِيَةٍ أُخْرى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] .
ثُمَّ قالَ: والآياتُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ، دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُجازِي مَن قَصَدَ الخَيْرَ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ، ومَن قَصَدَ الشَّرَّ بِالخِذْلانِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مُقَدَّرٍ.
والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وذُكِرَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عِنْدَ أحْمَدَ، وعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ البُخارِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ أحْمَدَ، وعَدَدٍ كَثِيرٍ بِرِواياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أشْمَلُها وأصَحُّها حَدِيثُ عَلِيٍّ عِنْدَ البُخارِيِّ، قالَ عَلِيٌّ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ”ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ“، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ "، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِلْعُسْرى﴾» فَهي مِنَ الآياتِ الَّتِي لَها تَعَلُّقٌ بِبَحْثِ القَدَرِ.
وَتَقَدَّمَ مِرارًا بِحَثُ هَذِهِ المَسْألَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ.
قالَ أبُو حَيّانَ: جاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ؛ لِأنَّ العُسْرى لا تَيْسِيرَ فِيها. اهـ.
وَهَذا مِن حَيْثُ الأُسْلُوبِ مُمْكِنٌ، ولَكِنْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْنى التَّيْسِيرِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، إذِ المُشاهِدُ أنَّ مَن خَذَلَهُمُ اللَّهُ - عِياذًا بِاللَّهِ - يُوجَدُ مِنهم إقْبالٌ وقَبُولٌ وارْتِياحٌ، لِما يَكُونُ أثْقَلَ وأشَقَّ ما يَكُونُ عَلى غَيْرِهِمْ، ويَرَوْنَ ما هم فِيهِ سَهْلًا مُيَسَّرًا لا غَضاضَةَ (p-٥٤٩)عَلَيْهِمْ فِيهِ، بَلْ وقَدْ يَسْتَمْرِئُونَ الحَرامَ ويَسْتَطْعِمُونَهُ.
كَما ذَكَرَ لِي شَخْصٌ: أنَّ لِصًّا قَدْ كَفَّ عَنِ السَّرِقَةِ؛ حَياءً مِنَ النّاسِ، وبَعْدَ أنْ كَثُرَ مالُهُ وكَبُرَ سِنُّهُ أعْطى رَجُلًا دَراهِمَ؛ لِيَسْرِقَ لَهُ مَن زَرْعِ جارِهِ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ودارَ مِن جِهَةٍ أُخْرى وأتاهُ بِثَمَرَةٍ مِن زَرْعِهِ هو، أيْ: زَرْعِ اللِّصِّ نَفْسِهِ، فَلَمّا أكَلَها تَفِلَها، وقالَ: لَيْسَ فِيهِ طُعْمَةُ المَسْرُوقِ، فَمِن أيْنَ أتَيْتَ بِهِ ؟ قالَ: أتَيْتُ بِهِ مِن زَرْعِكَ، ألا تَسْتَحِي مِن نَفْسِكَ، تَسْرِقُ وعِنْدَكَ ما يُغْنِيكَ. فَخَجِلَ وكَفَّ.
وَقَدْ جاءَ عَنْ عُمَرَ نَقِيضُ ذَلِكَ تَمامًا، وهو أنَّهُ لَمّا طَلَبَ مِن غُلامِهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِمّا في شَكْوَتِهِ مِن لَبَنِهِ، فَلَمّا طَعِمَهُ اسْتَنْكَرَ طَعْمَهُ، فَقالَ لِلْغُلامِ: مِن أيْنَ هَذا ؟ فَقالَ: مَرَرْتُ عَلى إبِلِ الصَّدَقَةِ فَحَلَبُوا لِي مِنها، وها هو ذا، فَوَضَعَ عُمَرَ إصْبَعَهُ في فِيهِ، واسْتَقاءَ ما شَرِبَ.
إنَّها حَساسِيَةُ الحَرامِ اسْتَنْكَرَها عُمَرُ، وأحَسَّ بِالحَرامِ فاسْتَقاءَهُ، وهَذا وذاكَ بِتَيْسِيرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وصَدَقَ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .
وَنَحْنُ نُشاهِدُ في الأُمُورِ العادِيَّةِ أصْحابَ المِهَنِ والحِرَفِ كُلُّ واحِدٍ راضٍ بِعَمَلِهِ ومُيَسَّرٌ لَهُ، وهَكَذا نِظامُ الكَوْنِ كُلُّهُ، والَّذِي يَهُمُّ هُنا أنَّ كُلًّا مِنَ الطّاعَةِ أوِ المَعْصِيَةِ لَهُ أثَرُهُ عَلى ما بَعْدَهُ.
تَنْبِيهٌ.
قِيلَ: إنَّ هَذِهِ المُقارَنَةَ بَيْنَ: ﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ "، و ﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾، واقِعَةٌ بَيْنَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن ﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ﴾، أوْ ﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ﴾ . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الليل 92:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾
رَدٌّ عَلى ”مَن بَخِلَ واسْتَغْنى“، و ”ما“ هُنا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ: لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
(p-٥٥٠)وَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إذا تَرَدّى﴾، أيْ: في النّارِ - عِياذًا بِاللَّهِ - أوْ تَرَدّى في أعْمالِهِ، فَمَآلُهُ إلى النّارِ؛ بِسَبَبِ بُخْلِهِ في الدُّنْيا، كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠] .
الليل 92:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾
فِيهِ لِلْعُلَماءِ أوْجُهٌ، مِنها: إنَّ طَرِيقَ الهُدى دالٌّ ومُوَصِّلٌ عَلَيْنا بِخِلافِ الضَّلالِ.
وَمِنها: التِزامُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ لَهُمُ الهُدى، وهَذا الوَجْهُ مَحَلُّ إشْكالٍ؛ إذْ إنَّ بَعْضَ الخَلْقِ لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ.
وَقَدْ بَحَثَ هَذا الأمْرَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ: مِن أنَّ الجَوابَ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الهُدى عامٌّ وخاصٌّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٥٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ .
يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ التَزَمَ عَلى نَفْسِهِ الهُدى لِلْخَلْقِ مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ هُداهُ لِبَعْضِ النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٨٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والجَوابُ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الهُدى يُسْتَعْمَلُ في القُرْءانِ خاصًّا وعامًّا، فالمُثْبَتُ العامُّ والمَنفِيُّ الخاصُّ ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْنا وعَلى طاعَتِنا هو الهُدى لا الضَّلالُ، وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن سَلَكَ طَرِيقَ الهُدى وصَلَ إلى اللَّهِ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا.
الليل 92:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾
أيْ: بِكَمالِ التَّصَرُّفِ والأمْرِ، وقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، أيْ: المُتَصَرِّفُ في الدُّنْيا ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أيِ: المُتَصَرِّفُ في الآخِرَةِ وحْدَهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] .
وَهَذا كَدَلِيلٍ عَلى تَيْسِيرِهِ لِعِبادِهِ إلى ما يَشاءُ في الدُّنْيا، ومُجازاتِهِمْ بِما شاءَ في الآخِرَةِ.
الليل 92:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾
أيْ: تَتَلَظّى، واللَّظى: اللَّهَبُ الخالِصُ، وفي وصْفِ النّارِ هُنا بِتَلَظّى مَعَ أنَّ لَها صِفاتٍ عَدِيدَةً مِنها: السَّعِيرُ، وسَقَرُ، والجَحِيمُ، والهاوِيَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ هُنا صِنْفًا خاصًّا، وهو مَن ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦]، كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعٍ آخَرَ في وصْفِها أيْضًا بِلَظى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٦]، ثُمَّ بَيَّنَ أهْلَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٧] .
(p-٥٥١)وَهُوَ كَما هو هُنا: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦]، وهو المَعْنى في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٨ - ٩]، مِمّا يَدُلُّ أنَّ لِلنّارِ عِدَّةَ حالاتٍ أوْ مَناطِقَ أوْ مَنازِلَ، كُلُّ مَنزِلَةٍ تَخْتَصُّ بِصِنْفٍ مِنَ النّاسِ، فاخْتَصَّتْ لَظى بِهَذا الصِّنْفِ، واخْتَصَّتْ سَقَرُ بِمَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المُصَلِّينَ، وكانُوا يَخُوضُونَ مَعَ الخائِضِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ. ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، كَما أنَّ الجَنَّةَ مَنازِلٌ ودَرَجاتٌ، حَسَبَ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الليل 92:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾
هَذِهِ الآيَةُ مِن مَواضِعِ الإيهامِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، وهو أنَّها تَنُصُّ وعَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، أنَّهُ لا يَصْلى النّارَ إلّا الأشْقى مَعَ مَجِيءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى وُرُودِ الجَمِيعِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الآيَةَ بَيْنَ حالِيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ.
فَقِيلَ: الأشْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصَّلى، كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقالَ الأتْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالجَنَّةِ، وكَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ عَنْهُما: هُما أبُو جَهْلٍ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ المُشْرِكَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الصَّلى الدُّخُولُ والشَّيْءَ، وأنْ يَكُونَ وقُودُ النّارِ عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ، والوُرُودُ والدُّخُولُ المُؤَقَّتُ بِزَمَنٍ غَيْرِ الصَّلى؛ لِقَوْلِهِ في آيَةِ الوُرُودِ، الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، ويَبْقى الإشْكالُ، بَيْنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وبَيْنَ الأتْقى، ويُجابُ عَنْهُ: بِأنَّ التَّقِيَّ يَرِدُ، والأتْقى لا يَشْعُرُ بِوُرُودِها، كَمَن يَمُرُّ عَلَيْها كالبَرْقِ الخاطِفِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلَوْلا التَّأْكِيدُ في آيَةِ الوُرُودِ بِالمَجِيءِ بِحَرْفِ ”مِن“ و ”إلّا“، وقَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، لَوْلا هَذِهِ المَذْكُوراتُ لَكانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ (p-٥٥٢)الآيَةِ، وأنَّ الأتْقى لا يَرِدُها، إلّا أنَّ وُجُودَ تِلْكَ المَذْكُوراتِ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَفِيهِ تَقْرِيرُ مَصِيرِ القِسْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، ﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ﴾، و ﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ﴾، وأنْ صَلْيَها بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ وهو عَيْنُ الشَّقاءِ، ويَتَجَنَّبُها الأتْقى الَّذِي صَدَّقَ، وكانَ نَتِيجَةُ تَصْدِيقِهِ أنَّهُ أعْطى مالَهُ يَتَزَكّى، وجَعَلَ إتْيانَ المالِ نَتِيجَةَ التَّصْدِيقِ أمْرًا بالِغَ الأهَمِّيَّةِ.
وَذَلِكَ أنَّ العَبْدَ لا يُخْرِجُ مِن مالِهِ شَيْئًا إلّا بِعِوَضٍ؛ لِأنَّ الدُّنْيا كُلَّها مُعاوَضَةٌ، حَتّى الحَيَوانُ تُعْطِيهِ عَلَفًا يُعْطِيكَ ما يُقابِلُهُ مِن خِدْمَةٍ أوْ حَلِيبٍ. إلَخْ.
فالمُؤْمِنُ المُصَدِّقُ بِالحُسْنى يُعْطِي، ويَنْتَظِرُ الجَزاءَ الأوْفى، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ أنَّهُ مُتَعامِلٌ مَعَ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
أمّا المُكَذِّبُ: فَلَمْ يُؤْمِن بِالجَزاءِ آجِلًا، فَلا يُخْرِجُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِوَضًا مُعَجَّلًا، ولا يَنْتَظِرُ ثَوابًا مُؤَجَّلًا، ولِذا كانَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ، يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ويُواسُونَهم ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا، ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، إيمانًا بِما عِنْدَ اللَّهِ، بَيْنَما كانَ المُنافِقُونَ لا يُنْفِقُونَ إلّا كُرْهًا ولا يُخْرِجُونَ إلّا الرَّدِيءَ، الَّذِي لَمْ يَكُونُوا لِيَأْخُذُوهُ مِن غَيْرِهِمْ إلّا لِيُغْمِضُوا فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ التَّصْدِيقُ بِالحُسْنى أوِ التَّكْذِيبُ بِها.
وَلِذا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ» أيْ: عَلى صِحَّةِ الإيمانِ بِما وعَدَ اللَّهُ المُتَّقِينَ، مِنَ الخَلَفِ المُضاعَفَةِ الحَسَنَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾، أيْ: يَتَطَهَّرُ ويَسْتَزِيدُ، إذِ التَّزْكِيَةُ تَأْتِي بِمَعْنى النَّماءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وعَلى عُمُومِ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥]، ولا يُقالُ: إنَّها زَكاةُ المالِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ لَمْ تُشْرَعْ إلّا بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
تَنْبِيهٌ.
(p-٥٥٣)قَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾، إلى آخِرِ السُّورَةِ. نازِلٌ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِما كانَ يُعْتِقُ ضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ، ومَن يُعَذَّبُونَ عَلى إسْلامِهِمْ في مَكَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ الأقْوِياءَ يُساعِدُونَكَ ويُدافِعُونَ عَنْكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وابْتِغاءُ وجْهِ رَبٍّ هو بِعَيْنِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى، أيْ: لِوَجْهِ اللَّهِ يَرْجُو الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ.
وَكَما تَقَدَّمَ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وإنَّ صُورَةَ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ. فَهَذِهِ بُشْرى عَظِيمَةٌ لِلصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ في غايَةٍ مِنَ التَّأْكِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عَلى وعْدِهِ إيّاهُ ﷺ وأرْضاهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ ؟ " نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهم» . اهـ.
وَإنّا لَنَرْجُو اللَّهَ كَذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ تَعالى.
تَنْبِيهٌ.
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١]، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أعْلى مَنازِلِ البُشْرى؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ بِعَيْنِهِ، قِيلَ لِلرَّسُولِ ﷺ قَطْعًا في السُّورَةِ بَعْدَها، سُورَةِ ”الضُّحى“: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٤ - ٥]، فَهو وعْدٌ مُشْتَرَكٌ لِلصِّدِّيقِ ولِلرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّهُ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ أُسْنِدَ العَطاءُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، كَما ذَكَرَ فِيهِ العَطاءَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى غَيْرِهِ ﷺ وهو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن أنَّهُ ﷺ لَهُ عَطاءاتٌ لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ، عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
الضحى 93:1
(p-٥٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الضُّحى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾
تَقَدَّمَ مَعْنى الضُّحى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا النَّهارُ كُلُّهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨]، وقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ قِيلَ: أقْبَلَ، وقِيلَ: شِدَّةُ ظَلامِهِ، وقِيلَ: غَطّى، وقِيلَ: سَكَنَ.
واخْتارَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ مَعْنى: سَكَنَ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ سَكَنَ بِأهْلِهِ، وثَبَتَ بِظَلامِهِ، قالَ: كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، إذا كانَ ساكِنًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكم وبَحْرُكَ ساجٍ ما يُوارِي الدَّعامِصا
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجُ ∗∗∗ وطَرْقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجِ
وَأنْشَدَهُما القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَ قَوْلَ جَرِيرٍ:
؎وَلَقَدْ رَمَيْتُكِ يَوْمَ رُحْنَ بِأعْيُنٍ ∗∗∗ يَنْظُرْنَ مِن خَلَلِ السُّتُورِ سَواجِ
أقْسَمَ تَعالى بِالضُّحى واللَّيْلِ هُنا فَقَطْ؛ لِمُناسَبَتِها لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُما طَرَفا الزَّمَنِ وظَرْفَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ مُؤانِسًا: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾، لا في لَيْلٍ ولا في نَهارٍ، عَلى ما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾، قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن تَوْدِيعِ المُفارِقِ. وقُرِئَ: ”ما (p-٥٥٥)وَدَعَكَ“، بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الوَدْعِ، أيْ: مِنَ التَّرْكِ، كَما قالَ أبُو الأُسُودِ:
؎لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلٍ ما الَّذِي ∗∗∗ نَما لَهُ في الحُبِّ حَتّى ودَعَهُ
أيْ تَرَكَهُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَثَمَّ ودَعْنا آلَ عَمْرٍو وعامِرِ ∗∗∗ فَرائِسَ أطْرافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
أيْ تَرَكُوهم فَرائِسَ السُّيُوفِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: والتَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَدْعِ؛ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا، فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ. اهـ.
والقِراءَةُ الأوْلى أشْهَرُ وأوْلى؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَ ودَّعَ بِمَعْنى تَرَكَ قَلِيلٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ، وقالَ المُبَرِّدُ: لا يَكادُونَ يَقُولُونَ: ودَعَ ولا وذَرَ؛ لِضَعْفِ الواوِ إذا قُدِّمَتْ واسْتَغْنَوْا عَنْها بِتَرَكَ، ويَدُلُّ عَلى قَوْلِ المُبَرِّدِ سُقُوطُ الواوِ في المُضارِعِ، فَتَقُولُ في مُضارِعِ ودَعَ يَدَعُ كَيَزِنُ ويَهَبُ ويَرِثُ، مِن وزَنَ ووَهَبَ ووَرِثَ، وتَقُولُ في الأمْرِ: دَعْ وزِنْ، وهَبْ، أمّا ذَرْ بِمَعْنى اتْرُكْ، فَلَمْ يَأْتِ مِنهُ الماضِي، وجاءَ المُضارِعُ: يَذَرْهم، والأمْرُ: ذَرْهم. فَتَرَجَّحَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتَّشْدِيدِ مِن: ”وَدَّعَكَ“ مِنَ التَّوْدِيعِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا هَذا التَّرْجِيحَ؛ لِأنَّ ودَّعَ بِمَعْنى تَرَكَ فِيها شِدَّةٌ وشِبْهُ جَفْوَةٍ وقَطِيعَةٍ، وهَذا لا يَلِيقُ بِمَقامِ المُصْطَفى ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ. أمّا المُوادَعَةُ والوَداعُ، فَقَدْ يَكُونُ مَعَ المَوَدَّةِ والصِّلَةِ، كَما يَكُونُ بَيْنَ المُحِبِّينَ عِنْدَ الِافْتِراقِ، فَهو وإنْ وادَعَهُ بِجِسْمِهِ فَإنَّهُ لَمْ يُوادِعْهُ بِحُبِّهِ وعَطْفِهِ، والسُّؤالِ عَنْهُ وهو ما يَتَناسَبُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما قَلى﴾ .
تَنْبِيهٌ.
هُنا: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي، وهو كَذَلِكَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، بِدَلِيلِ الواقِعِ وبِدَلِيلِ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤]؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُواصَلَةِ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ، حَتّى يَصِلَ إلى الآخِرَةِ فَيَجِدُها خَيْرًا لَهُ مِنَ الأُولى، فَيَكُونُ ما بَيْنَ ذَلِكَ كُلُّهُ في عِنايَةِ ورِعايَةِ رَبِّهِ.
وَقَدْ جاءَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ لِعُمَرَ: «”أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»“، أيْ: تَحْتَ رَحْمَتِهِ وفي رِعايَتِهِ.
(p-٥٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَما قَلى﴾، حَذَفَ كافَ الخِطابِ لِثُبُوتِها فِيما مَعَها، فَدَلَّتْ عَلَيْها، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ.
وَقالَ بَعْضُهم: تُرِكَتْ لِرَأْسِ الآيَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن لَطِيفِ الخِطابِ ورَقِيقِ الإيناسِ ومَداخِلِ اللُّطْفِ، أنَّ المُوادَعَةَ تُشْعِرُ بِالوَفاءِ والوُدِّ، فَأُبْرِزَتْ فِيها كافُ الخِطابِ، أيْ: لَمْ تَتَأتَّ مُوادَعَتُكَ وأنْتَ الحَبِيبُ، والمُصْطَفى المُقَرَّبُ.
أمّا: ”قَلى“: فَفِيها مَعْنى البُغْضِ، فَلَمْ يُناسِبْ إبْرازُها إمْعانًا في إبْعادِ قَصْدِهِ ﷺ بِشَيْءٍ مِن هَذا المَعْنى، كَما تَقُولُ لِعَزِيزٍ عَلَيْكَ: لَقَدْ أكْرَمْتُكَ، وما أهَنْتُ، لَقَدْ قَرَّبْتُكَ، وما أبْعَدْتُ، كَراهِيَةَ أنْ تَنْطِقَ بِإهانَتِهِ وكَراهِيَتِهِ، أوْ تُصَرِّحَ بِها في حَقِّهِ، والقَلى: يُمَدُّ ويُقْصَرُ هو البُغْضُ، يُمَدُّ إذا فَتَحْتَ القافَ، ويُقْصَرُ إذا كَسَرْتَها، وهو واوِيٌّ ويائِيٌّ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ، قالَ: أنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎أيّامُ أُمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاها ∗∗∗ ولَوْ تَشاءُ قَبَّلْتُ عَيْناها
وَقالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:
؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
فالأوَّلُ قالَ: فَقَلاها مِنَ الواوِيِّ، والثّانِي قالَ: مَقْلِيَّةٌ مِنَ الياءِ، وهُما في اللِّسانِ شَواهِدُ.
وَقَدْ جاءَ في السِّيرَةِ ما يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى، ويُثْبِتُ دَوامَ مُوالاتِهِ سُبْحانَهُ لِحَبِيبِهِ، وعِنايَتِهِ بِهِ وحِفْظِهِ لَهُ بِما كانَ بُكاؤُهُ بِهِ عَمَّهُ، وقَدْ قالَ عَمُّهُ في ذَلِكَ:
؎واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوسَدَ في التُّرابِ دَفِينًا
وَذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في رِعايَةِ عَمِّهِ لَهُ، أنَّهُ كانَ إذا جَنَّ اللَّيْلُ وأرادُوا أنْ يَنامُوا، تَرَكَهُ مَعَ أوْلادِهِ يَنامُونَ، حَتّى إذا أخَذَ كُلٌّ مَضْجَعَهُ، عَمَدَ عَمُّهُ إلى واحِدٍ مِن أبْنائِهِ، فَأقامَهُ وأتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَنامُ مَوْضِعَهُ، وذَهَبَ بِوَلَدِهِ يَنامُ مَكانَ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى إذا كانَ هُناكَ مَن يُرِيدُ بِهِ سُوءًا فَرَأى مَكانَهُ في أوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جاءَ مَن يُرِيدُهُ بِسُوءٍ وقَعَ السُّوءُ بِابْنِهِ، وسَلِمَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَما فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ الخُرُوجِ إلى الهِجْرَةِ في طَرِيقِهِما إلى الغارِ، فَكانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تارَةً يَمْشِي أمامَهُ ﷺ، وتارَةً يَمْشِي وراءَهُ، فَسَألَهُ ﷺ عَنْ (p-٥٥٧)ذَلِكَ، فَقالَ: ”أذْكُرُ الرَّصِيدَ فَأكُونُ أمامَكَ، وأذْكُرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ وراءَكَ، فَقالَ:“ أتُرِيدُ لَوْ كانَ سُوءٌ يَكُونُ بِكَ يا أبا بَكْرٍ ؟ ”قالَ: بَلى، فَداكَ أبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: إنْ أهْلَكْ أهْلَكْ وحْدِي، وإنْ تَهْلَكْ تَهْلَكْ مَعَكَ الدَّعْوَةُ“، فَذاكَ عَمُّهُ في جاهِلِيَّةٍ ولَيْسَ عَلى دِينِهِ ﷺ وهَذا أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
الضحى 93:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾
”خَيْرٌ“ تَأْتِي مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ: ”إنْ تَرَكَ خَيْرًا“ [البقرة: ١٨٠] أيْ: مالًا كَثِيرًا، وتَأْتِي أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مَحْذُوفَةَ الهَمْزَةِ، وهي هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ المُقابِلِ، وذِكْرِ حَرْفِ ”مِن“، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهُ في الدُّنْيا خَيْراتٍ كَثِيرَةً، ولَكِنْ ما يَكُونُ لَهُ في الآخِرَةِ فَهو خَيْرٌ وأفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا، ويُوهِمُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ ﷺ وحْدَهُ مِنَ الأُولى، ولَكِنْ جاءَ النَّصُّ كَدَلِيلِ ذِكْرِ المُقابِلِ، وذِكْرِ حَرْفِ ”مِن“، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهُ في الدُّنْيا خَيْراتٍ كَثِيرَةً، ولَكِنْ ما يَكُونُ لَهُ في الآخِرَةِ فَهو خَيْرٌ وأفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا، ويُوهِمُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ ﷺ وحْدَهُ مِنَ الأُولى، ولَكِنْ جاءَ النَّصُّ عَلى أنَّها خَيْرٌ لِلْأبْرارِ جَمِيعًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الخَيْرِيَّةِ لِلْأبْرارِ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ بِما أعَدَّ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] .
أمّا بَيانُ الخَيْرِيَّةِ هُنا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيانُ الخَيْرِ في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ بَيانُ الأفْضَلِ مِنهُ في الآخِرَةِ.
أمّا في الدُّنْيا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أيْ: لِدَلالَتِهِ عَلى اشْتِراكِ الأمْرَيْنِ في الوَصْفِ، وزِيادَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي بَعْدَها، فَفي هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦]، أيْ: مُنْذُ وِلادَتِهِ ونَشْأتِهِ، ولَقَدْ تَعَهَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن صِغَرِهِ فَصانَهُ عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ، وطَهَّرَهُ وشَقَّ صَدْرَهُ ونَقّاهُ، وكانَ رَغْمَ يُتْمِهِ سَيِّدَ شَبابِ قُرَيْشٍ، حَيْثُ قالَ عَمُّهُ عِنْدَ خِطْبَتِهِ خَدِيجَةَ لِزَواجِهِ بِها، فَقالَ: ”فَتًى لا يُعادِلُهُ فَتًى مِن قُرَيْشٍ، حِلْمًا وعَقْلًا وخُلُقًا، إلّا رَجَحَ عَلَيْهِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٧ - ٨] .
عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ كُلُّهُ، فَهي نِعَمٌ يُعَدِّدُها تَعالى عَلَيْهِ، وهي مِن أعْظَمِ خَيْراتِ الدُّنْيا (p-٥٥٨)مِن صِغَرِهِ إلى شَبابِهِ وكِبَرِهِ، ثُمَّ اصْطِفائِهِ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ حِفْظِهِ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ نَصْرِهِ عَلى الأعْداءِ، وإظْهارِ دِينِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.
وَمِنَ النّاحِيَةِ المَعْنَوِيَّةِ ما جاءَ في السُّورَةِ بَعْدَها: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤] .
أمّا خَيْرِيَّةُ الآخِرَةِ عَلى الأُولى، فَعَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضى مَطْلَبٌ، وفي الجُمْلَةِ: فَإنَّ الأُولى دارُ عَمَلٍ وتَكْلِيفٍ وجِهادٍ، والآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ وثَوابٍ وإكْرامٍ، فَهي لا شَكَّ أفْضَلُ مِنَ الأُولى.
الضحى 93:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾
جاءَ مُؤَكَّدًا بِاللّامِ وسَوْفَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يُعْطِيهِ في الدُّنْيا مِن إتْمامِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
والجُمْهُورُ: أنَّهُ في الآخِرَةِ، وهَذا وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إلّا أنَّهُ فُصِّلَ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَأعْظَمُها ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
وَجاءَ في السُّنَّةِ بَيانُ المَقامِ المَحْمُودِ، وهو الَّذِي يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى حِينَ يَتَخَلّى كُلُّ نَبِيٍّ، ويَقُولُ: «نَفْسِي نَفْسِي، حَتّى يَصِلُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: أنا لَها أنا لَها» إلَخْ.
وَمِنها: الحَوْضُ المَوْرُودُ، وما خُصَّتْ بِهِ أُمَّتُهُ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، يَرِدُونَ عَلَيْهِ الحَوْضَ.
وَمِنها: الوَسِيلَةُ، وهي مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ عالِيَةٌ لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ واحِدٍ، كَما في الحَدِيثِ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ وسَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، فَإنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ واحِدٍ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هو» .
وَإذا كانَتْ لِعَبْدٍ واحِدٍ فَمَن يَسْتَقْدِمُ عَلَيْها، وإذا رَجا رَبَّهُ أنْ تَكُونَ لَهُ طَلَبَ مِنَ الأُمَّةِ طَلَبَها لَهُ، فَهو مِمّا يُؤَكِّدُ أنَّها لَهُ، وإلّا لَما طَلَبَها ولا تَرَجّاها، ولا أمَرَ بِطَلَبِها لَهُ. وهو بِلا شَكٍّ أحَقُّ بِها مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، إذِ الخَلْقُ أفْضَلُهُمُ الرُّسُلُ، وهو ﷺ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، كَما في الإسْراءِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ في الصَّلاةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ.
(p-٥٥٩)وَمِنها: الشَّفاعَةُ في دُخُولِ الجَنَّةِ، كَما في الحَدِيثِ: ”أنَّهُ ﷺ «أوَّلُ مَن تُفْتَحُ لَهُ الجَنَّةُ، وأنَّ رِضْوانَ خازِنَ الجَنَّةِ يَقُولُ لَهُ: أُمِرْتُ ألّا أفْتَحَ لِأحَدٍ قَبْلَكَ“» .
وَمِنها: الشَّفاعَةُ المُتَعَدِّدَةُ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، كَما في الحَدِيثِ: «لا أرْضى وأحَدٌ مِن أُمَّتِي في النّارِ» أسْألُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنا شَفاعَتَهُ، ويُورِدَنا حَوْضَهُ. آمِينَ.
وَشَفاعَتُهُ الخاصَّةُ في الخاصِّ في عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، فَيُخَفَّفُ عَنْهُ بِها ما كانَ فِيهِ.
وَمِنها: شَهادَتُةُ عَلى الرُّسُلِ، وشَهادَةُ أُمَّتِهِ عَلى الأُمَمِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ بِلا شَكٍّ عَطايا مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ لِحَبِيبِهِ وصَفِيِّهِ الكَرِيمِ، - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ -، وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
تَنْبِيهٌ.
اللّامُ في ولَلْآخِرَةُ وفي ولَسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ ولَيْسَتْ لِلْقَسَمِ، وهي في الأوَّلِ دَخَلَتْ عَلى المُبْتَدَأِ، وفي الثّانِيَةِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. قالَهُ أبُو حَيّانَ وأبُو السُّعُودِ.
الضحى 93:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾
تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى اليَتِيمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] .
والرَّسُولُ ﷺ ماتَ أبُوهُ، وهو حَمْلٌ لَهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهي عائِدَةٌ مِنَ المَدِينَةِ بِالأبْواءِ وعُمْرُهُ ﷺ .
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ يُتْمَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ حَقٌّ عَلَيْهِ، نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ يُتْمَهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾، أيْ: لِيَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ مِن صِغَرِهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى إيواءِ اللَّهِ لَهُ، فَكانَ يُتْمُهُ لِإبْرازِ فَضْلِهِ؛ لِأنَّ يَتِيمَ الأمْسِ أصْبَحَ سَيِّدَ الغَدِ، وكافِلَ اليَتامى.
الضحى 93:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ (p-٥٦٠)الضَّلالُ: يَكُونُ حِسًّا ومَعْنًى، فالأوَّلُ: كَمَن تاهَ في طَرِيقٍ يَسْلُكُهُ، والثّانِي: كَمَن تَرَكَ الحَقَّ فَلَمْ يَتَّبِعْهُ.
فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ هُنا هو الأوَّلُ، كَأنْ قَدْ ضَلَّ في شِعْبٍ مِن شِعابِ مَكَّةَ، أوْ في طَرِيقِهِ إلى الشّامِ. ونَحْوَ ذَلِكَ.
وَقالَ آخَرُونَ: إنَّما هو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعْلِيمِ أوَّلًا، ثُمَّ مَنحِهِ مِنَ العِلْمِ مِمّا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثُ هَذِهِ المَسْألَةِ في عِدَّةِ مَواضِعَ:
أوَّلًا: في سُورَةِ ”يُوسُفَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وساقَ شَواهِدَ الضَّلالِ لُغَةً هُناكَ.
وَثانِيًا: في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] .
وَثالِثًا: في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] .
وَفِي دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ أيْضًا، وهَذا كُلُّهُ يُغْنِي عَنْ أيِّ بَحْثٍ آخَرَ.
وَمِنَ الطَّرِيفِ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، حَيْثُ قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُ في النَّوْمِ، أنِّي أُفَكِّرُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَأقُولُ عَلى الفَوْرِ: ”وَوَجَدَكَ“: أيْ: وجَدَ رَهْطَكَ ”ضالًّا“ فَهَداهُ بِكَ، ثُمَّ أقُولُ: عَلى حَذْفِ مُضافٍ، نَحْوُ: ”واسْألِ القَرْيَةَ“ [يوسف: ٨٢] . اهـ.
وَقَدْ أوْرَدَ النَّيْسابُورِيُّ هَذا وجْهًا في الآيَةِ.
وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ أذْكُرُ مَنامَيْنِ كُنْتُ رَأيْتُهُما ولَمْ أُرِدْ ذِكْرَهُما حَتّى رَأيْتُ هَذا لِأبِي حَيّانَ، فاسْتَأْنَسْتُ بِهِ لِذِكْرِهِما، وهُما: الأوَّلُ: عِنْدَما وصَلْتُ إلى سُورَةِ ”ن“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ومِن مَنهَجِ الأضْواءِ تَفْسِيرُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، وهَذا وصْفٌ مُجْمَلٌ، وحَدِيثُ عائِشَةَ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» فَأخَذْتُ في التَّفْكِيرِ، كَيْفَ أُفَصِّلُ هَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ، وأُبَيِّنُ حُكْمَهُ وصَفْحَهُ وصَبْرَهُ وكَرَمَهُ وعَطْفَهُ ورَحْمَتَهُ (p-٥٦١)وَرَأْفَتَهُ وجِهادَهُ وعِبادَتَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا جَعَلَنِي أقِفُ حائِرًا وأمْكُثُ عَنِ الكِتابَةِ عِدَّةَ أيّامٍ، فَرَأيْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في النَّوْمِ، كَأنَّنا في الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وكَأنَّهُ لَيْسَ في نَشاطِهِ العادِيِّ، فَسَألْتُهُ ماذا عِنْدَكَ اليَوْمَ ؟
فَقالَ: عِنْدِي تَفْسِيرٌ. فَقُلْتُ: أتُدَرِّسُ اليَوْمَ ؟ قالَ: لا، فَقُلْتُ: وما هَذا الَّذِي بِيَدِكَ ؟ - لِدَفْتَرٍ في يَدِهِ -، فَقالَ: مُذَكِّرَةُ تَفْسِيرٍ، أيْ: الَّتِي كانَ سَيُفَسِّرُها - وهي مَخْطُوطَةٌ -، فَقُلْتُ لَهُ: مِن أيْنَ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: مِن أوَّلِ ”ن“ إلى آخِرِ القُرْآنِ، فَحَرَصْتُ عَلى أخْذِها لِأكْتُبَ مِنها، ولَمْ أتَجَرَّأْ عَلى طَلَبِها صَراحَةً، ولَكِنْ قُلْتُ لَهُ: إذا كُنْتَ لَمْ تُدَرِّسِ اليَوْمَ فَأعْطِنِيها أُبَيِّضُها وأُجَلِّدُها لَكَ، وآتِيكَ بِها غَدًا، فَأعْطانِيها فانْتَبَهْتُ فَرَحًا بِذَلِكَ وبَدَأْتُ في الكِتابَةِ.
والمَرَّةُ الثّانِيَةُ في سُورَةِ ”المُطَفِّفِينَ“، لَمّا كَتَبْتُ عَلى مَعْنى التَّطْفِيفِ، ثُمَّ فَكَّرْتُ في التَّوَعُّدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ مَعَ ما يَتَأتّى فِيهِ مِن شَيْءٍ طَفِيفٍ، حَتّى فَكَّرْتُ في أنَّ لَهُ صِلَةً بِالرِّبا، إذا ما بِيعَ جِنْسٌ بِجِنْسِهِ، فَحَصَلَتْ مُغايِرَةٌ في الكَيْلِ ووَقَعَ تَفاضُلٌ، ولَكِنِّي لَمْ أجِدْ مَن قالَ بِهِ، فَرَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ، أنِّي مَعَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، ولَكِنْ لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعِي في شَيْءٍ مِنَ التَّفْسِيرِ.
وَبَعْدَ أنْ راحَ عَنِّي، فَإذا بِشَخْصٍ لا أعْرِفُهُ يَقُولُ وأنا أسْمَعُ دُونَ أنْ يُوَجِّهَ الحَدِيثَ إلَيَّ: إنَّ في التَّطْفِيفِ رِبًا، إذا بِيعَ الحَدِيدُ بِحَدِيدٍ، وكَلِمَةً أُخْرى في مَعْناها نَسِيتُها بَعْدَ أنِ انْتَبَهْتُ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ تَأسِّيًا بِأبِي حَيّانَ، لِما أجِدُ فِيهِ مِن إيناسٍ، واللَّهُ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وأنْ يَهْدِيَنا سَواءَ السَّبِيلِ، وعَلى ما جاءَ في الرُّؤْيا مِن مُبَشِّراتٍ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوَفِيقُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُوهِمُ ظاهِرُها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ ضالًّا قَبْلَ الوَحْيِ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [ ٣٠ ]، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ فُطِرَ عَلى هَذا الدِّينِ الحَنِيفِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُهَوِّدْهُ أبَواهُ ولَمْ يُنَصِّراهُ ولَمْ يُمَجِّساهُ، بَلْ لَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى الفِطْرَةِ حَتّى بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما ثَبَتَ مِن أنَّ أوَّلَ نُزُولِ الوَحْيِ كانَ وهو يَتَعَبَّدُ في غارِ حِراءٍ، فَذَلِكَ التَّعَبُّدُ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ دَلِيلٌ عَلى البَقاءِ عَلى الفِطْرَةِ.
والجَوابُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ضالًّا فَهَدى﴾ أيْ غافِلًا عَمّا تَعْلَمُهُ الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ وأسْرارِ عُلُومِ الدِّينِ الَّتِي لا تُعْلَمُ بِالفِطْرَةِ ولا بِالعَقْلِ، وإنَّما تُعْلَمُ بِالوَحْيِ، فَهَداكَ إلى ذَلِكَ بِما أوْحى إلَيْكَ، فَمَعْنى الضَّلالِ عَلى هَذا القَوْلِ الذَّهابُ عَنِ العِلْمِ.
وَمِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا أراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، لِأنَّ المُرادَ بِالإيمانِ شَرائِعُ دِينِ الإسْلامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (p-٤٥٥)[النساء: ١١٣]، وقَوْلُهُ ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] .
وَقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”ضالًّا“، ذَهابُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، وقِيلَ: ذَهابُهُ في سَفَرِهِ إلى الشّامِ، والقَوْلُ الأوَّلِ هو الصَّحِيحُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ونِسْبَةُ العِلْمِ إلى اللَّهِ أسْلَمُ.
الضحى 93:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾
العائِلُ: صاحِبُ العِيالِ، وقِيلَ: العائِلُ الفَقِيرُ، عَلى أنَّهُ مِن لازِمِ العِيالِ الحاجَةُ، ولَكِنْ لَيْسَ بِلازِمٍ، ومُقابَلَةُ ”عائِلًا“ بِأغْنى، تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ”عائِلًا“ أيْ: فَقِيرًا، ولِذا قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
؎وَما تَدْرِي وإنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ∗∗∗ لِغَيْرِكَ أمْ يَكُونُ لَكَ الفَصِيلُ
(p-٥٦٢)وَهَذا مِمّا يَذْكُرُهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَمْ يُوَدِّعْهُ وما قَلاهُ، لَقَدْ كانَ فَقِيرًا مِنَ المالِ فَأغْناهُ اللَّهُ بِمالِ عَمِّهِ.
وَقَدْ قالَ عَمُّهُ في خُطْبَةِ نِكاحِهِ بِخَدِيجَةَ: وإنْ كانَ في المالِ قَلَّ فَما أحْبَبْتُمْ مِنَ الصَّداقِ فَعَلَيَّ، ثُمَّ أغْناهُ اللَّهُ بِمالِ خَدِيجَةَ، حَيْثُ جَعَلَتْ مالَها تَحْتَ يَدِهِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ ما نَصُّهُ: يُرْوى «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ وهو مَغْمُومٌ، فَقالَتْ: ما لَكَ ؟ فَقالَ: ”الزَّمانُ زَمانُ قَحْطٍ، فَإنْ أنا بَذَلْتُ المالَ يَنْفَدُ مالُكِ، فَأسْتَحْيِي مِنكِ، وإنْ أنا لَمْ أبْذُلْ أخافُ اللَّهَ»“، فَدَعَتْ قُرَيْشًا وفِيهِمُ الصِّدِّيقُ، قالَ الصِّدِّيقُ: فَأخْرَجَتْ دَنانِيرَ حَتّى وضَعَتْها، بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَمْ يَقَعْ بَصَرِي عَلى مَن كانَ جالِسًا قُدّامِي، ثُمَّ قالَتِ: اشْهَدُوا أنَّ هَذا المالَ مالُهُ، إنْ شاءَ فَرَقَّهُ، وإنْ شاءَ أمْسَكَهُ.
فَهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ سَنَدُها، فَلَيْسَ بِغَرِيبٍ عَلى خَدِيجَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَهُ ﷺ، وقَدْ فَعَلَتْ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، حِينَ دَخَلَتْ مَعَهُ الشِّعْبَ فَتَرَكَتْ مالَها، واخْتارَتْ مُشارَكَتَهُ ﷺ لِما هو فِيهِ مِن ضِيقِ العَيْشِ، حَتّى أكَلُوا ورَقَ الشَّجَرِ، وأمْوالُها طائِلَةٌ في بَيْتِها.
ثُمَّ كانَتِ الهِجْرَةُ وكانَتْ مُواساةُ الأنْصارِ، لَقَدْ قَدِمَ المَدِينَةَ تارِكًا مالَهُ ومالَ خَدِيجَةَ، حَتّى إنَّ الصِّدِّيقَ لَيَدْفَعُ ثَمَنَ المِرْبَدِ لِبِناءِ المَسْجِدِ، وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيْءُ بَنِي النَّضِيرِ، وكانَ يَقْضِي الهِلالَ، ثُمَّ الهِلالَ، ثُمَّ الهِلالَ، لا يُوقَدُ في بَيْتِهِ ﷺ نارٌ، إنَّما هُما الأسْوَدانِ: التَّمْرُ والماءُ.
ثُمَّ جاءَتْ غَنائِمُ حُنَيْنٍ، فَأعْطى عَطاءَ مَن لا يَخْشى الفَقْرَ، ورَجَعَ بِدُونِ شَيْءٍ، وجاءَ مالُ البَحْرِينِ فَأخَذَ العَبّاسُ ما يُطِيقُ حَمْلَهُ، وأخِيرًا تُوُفِّيَ ﷺ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ في آصُعٍ مِن شَعِيرٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾، يُشِيرُ إلى هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ ”أغْنى“ تَعْبِيرٌ بِالفِعْلِ، وهو يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، فَقَدْ كانَ ﷺ مِن حَيْثُ المالِ حالًا فَحالًا، والواقِعُ أنَّ غِناهُ ﷺ كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، هو غِنى النَّفْسِ والِاسْتِغْناءُ عَنِ النّاسِ، ويَكْفِي أنَّهُ ﷺ أجْوَدُ النّاسِ.
وَكانَ إذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ودارَسَهُ القُرْآنَ كالرِّيحِ المُرْسَلَةِ، فَكانَ ﷺ القُدْوَةَ في (p-٥٦٣)الحالَتَيْنِ، في حالَيِ الفَقْرِ والغِنى، إنْ قَلَّ مالُهُ صَبَرَ، وإنْ كَثُرَ بَذَلَ وشَكَرَ.
؎اسْتَغْنِ ما أغْناكَ رَبُّكَ بِالغِنى ∗∗∗ وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ عَطاءِ اللَّهِ لَهُ مِمّا فاقَ كُلَّ عَطاءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُقارَنَةِ بَيْنَ الفَقِيرِ الصّابِرِ والغَنِيِّ الشّاكِرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَمَعَ لِرَسُولِهِ ﷺ كِلا الأمْرَيْنِ؛ لِيَرْسُمَ القُدْوَةَ المُثْلى في الحالَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ.
فِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإيواءَ والهُدى والغِنى مِنَ اللَّهِ؛ لِإسْنادِها هُنا لِلَّهِ تَعالى.
وَلَكِنْ في السِّياقِ لَطِيفَةً دَقِيقَةً، وهي مَعْرَضُ التَّقْرِيرِ، يَأْتِي بِكافٍ الخِطابِ: ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا، ألَمْ يَجِدْكَ ضالًّا، ألَمْ يَجِدْكَ عائِلًا، لِتَأْكِيدِ التَّقْرِيرِ، لَمْ يُسْنَدِ اليُتْمُ ولا الإضْلالُ ولا الفَقْرُ لِلَّهِ، مَعَ أنَّ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَهو الَّذِي أوْقَعَ عَلَيْهِ اليُتْمُ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي مِنهُ كُلَّما وجَدَهُ عَلَيْهِ، ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إيلامٍ لَهُ، فَما يُسْنِدُهُ لِلَّهِ ظاهِرًا، ولِما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ أبْرَزَ ضَمِيرَ الخِطابِ.
وَفِي تَعْدادِ النِّعَمِ: فَآوى، فَهَدى، فَأغْنى. أُسْنِدَ كُلُّهُ إلى ضَمِيرِ المُنْعِمِ، ولَمْ يُبْرِزْ ضَمِيرَ الخِطابِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ والفَواصِلِ، ولَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِ امْتِنانٌ، وأنَّها نِعَمٌ مادِّيَّةٌ لَمْ يُبْرِزِ الضَّمِيرَ لِئَلّا يُثْقِلَ عَلَيْهِ المِنَّةَ، بَيْنَما أبْرَزَهُ في: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٢]، ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]؛ لِأنَّها نِعَمٌ مَعْنَوِيَّةٌ، انْفَرَدَ بِها. ﷺ . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الضحى 93:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
مَجِيءُ الفاءِ هُنا مُشْعِرٌ، إمّا بِتَفْرِيعٍ وهَذا ضَعِيفٌ، وإمّا بِإفْصاحٍ عَنْ تَعَدُّدٍ، وقَدْ ذَكَرَ الجُمَلَ بِتَقْدِيرِ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ.
(p-٥٦٤)وَقَدْ ساقَ تَعالى هُنا ثَلاثَ مَسائِلَ: الأُولى: مُعامَلَةُ الأيْتامِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، أيْ: كَما آواكَ اللَّهُ فَآوِهِ، وكَما أكْرَمَكَ فَأكْرِمْهُ.
وَقالُوا: قَهْرُ اليَتِيمِ أخْذُ مالِهِ وظُلْمِهِ.
وَقِيلَ: قُرِئَ بِالكافِ: ”تَكْهَرْ“، فَقالُوا: هو بِمَعْنى القَهْرِ إلّا أنَّهُ أشَدَّ.
وَقِيلَ: هو بِمَعْنى عَبُوسَةِ الوَجْهِ، والمَعْنى أعَمُّ، كَما قالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ ومِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، ومِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ، ومِن غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجالِ» فالقَهْرُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
وَبِالنَّظَرِ في نُصُوصِ القُرْآنِ العَدِيدَةِ في شَأْنِ اليَتِيمِ، والَّتِي زادَتْ عَلى العِشْرِينَ مَوْضِعًا، فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَصْنِيفُها إلى خَمْسَةِ أبْوابٍ كُلُّها تَدُورُ حَوْلَ دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُ، وجَلْبِ المَصالِحِ لَهُ في مالِهِ وفي نَفْسِهِ، فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ، وفي الحالَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وهي الخامِسَةُ. أمّا دَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ في مالِهِ، فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، جاءَتْ مَرَّتَيْنِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ والأُخْرى في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ [الإسراء: ٣٤]، وفي كُلٍّ مِنَ السُّورَتَيْنِ ضِمْنَ الوَصايا العَشْرِ المَعْرُوفَةِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، بَدَأتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] .
وَذَكَرَ قَتْلَ الوَلَدِ، وقُرْبانَ الفَواحِشِ، وقَتْلَ النَّفْسِ، ثُمَّ مالَ اليَتِيمِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ .
وَيُلاحَظُ أنَّ النَّهْيَ مُنْصَبٌّ عَلى مُجَرَّدِ الِاقْتِرابِ مِن مالِهِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى الَّتِي هي أحْسَنُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] .
وَقَدْ نَصَّ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ مَن ولِيَ مالَ اليَتِيمِ واسْتَحَقَّ أجْرًا، فَلَهُ الأقَلُّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا نَفَقَتُهُ في نَفْسِهِ، وإمّا أُجْرَتُهُ عَلى عَمَلِهِ، أيْ: إنْ كانَ العَمَلُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ ألْفِ رِيالٍ، ونَفَقَتُهُ يَكْفِي لَها خَمْسُمِائَةٍ أخَذَ نَفَقَتَهُ فَقَطْ، وإنْ كانَ العَمَلُ يَكْفِيهِ أُجْرَةُ مِائَةِ رِيالٍ، ونَفَقَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ أخَذَ أُجْرَتَهُ مِائَةً فَقَطْ؛ حِفْظًا لِمالِهِ.
ثُمَّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ اقْتِرابِ مالِ اليَتِيمِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَتَطَلَّعُ بَعْضُ النُّفُوسِ إلى فَوارِقَ (p-٥٦٥)بَسِيطَةٍ مِن بابِ التَّحَيُّلِ أوْ نَحْوِهِ، مِنِ اسْتِبْدالِ شَيْءٍ مَكانَ شَيْءٍ، فَيَكُونُ طَرِيقًا لِاسْتِبْدالِ طَيِّبٍ بِخَبِيثٍ، فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] .
والحُوبُ: أعْظَمُ الذَّنْبِ، فَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ اسْتِبْدالِ طَيِّبِ مالِهِ بِخَبِيثِ مالِ الوَلِيِّ أوْ غَيْرِهِ حَسَدًا لَهُ عَلى مالِهِ، كَما نَهى عَنْ خَلْطِ مالِهِ مَعَ مالِ غَيْرِهِ كَوَسِيلَةٍ لِأكْلِهِ مَعَ مالِ الغَيْرِ، وهَذا مَنعٌ لِلتَّحَيُّلِ، وسَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ؛ حِفْظًا لِمالِهِ.
ثُمَّ يَأْتِي الوَعِيدُ الشَّدِيدُ في صُورَةٍ مُفْزِعَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] .
* *
وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ: أنَّ الآيَةَ شَمِلَتْ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِ أمْوالِ اليَتامى كُلَّ ما فِيهِ إتْلافٌ أوْ تَفْوِيتٌ، سَواءٌ كانَ بِأكْلٍ حَقِيقَةً، أوْ بِاخْتِلاسٍ، أوْ بِإحْراقٍ، أوْ إغْراقٍ، وهو المَعْرُوفُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِالإلْحاقِ بِنَفْيِ الفارِقِ، إذْ لا فَرْقَ في ضَياعِ مالِ اليَتِيمِ عَلَيْهِ، بَيْنَ كَوْنِهِ بِأكْلٍ أوْ إحْراقٍ بِنارٍ أوْ إغْراقٍ في ماءٍ حَتّى الإهْمالُ فِيهِ، فَهو تَفْوِيتُ عَلَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ حِفْظًا لِمالِهِ.
وَأخِيرًا، فَإذا تَمَّ الحِفاظُ عَلى مالِهِ لَمْ يَقْرَبْهُ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ولَمْ يُبَدِّلْهُ بِغَيْرِهِ أقَلَّ مِنهُ، ولَمْ يَخْلِطْهُ بِمالِهِ لِيَأْكُلَهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْتَدِ عَلَيْهِ بِأيِّ إتْلافٍ كانَ مَحْفُوظًا لَهُ، إلى أنْ يَذْهَبَ يُتْمُهُ ويَثْبُتَ رُشْدُهُ، فَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] .
ثُمَّ أحاطَ دَفْعَ المالِ إلَيْهِ بِمُوجِباتِ الحِفْظِ بِقَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] أيْ: حَتّى لا تَكُونَ مُناكَرَةً فِيما بَعْدُ.
وَفِي الخِتامِ يُنَبِّهُ اللَّهُ فِيهِمْ وازِعَ مُراقَبَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أمْوالَهُ تُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ مُحاسِبَةٍ دَقِيقَةٍ فِيما لَهُ وعَلَيْهِ.
وَمَهْما يَكُنْ مِن دِقَّةِ الحِسابِ، فاللَّهُ سَيُحاسِبُ عَنْهُ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، وهَذا كُلُّهُ في حِفْظِ مالِهِ.
أمّا جَلْبُ المَصالِحِ، فَإنَّنا نَجِدُ فِيها أوَّلًا جَعْلَهُ مَعَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ في عِدَّةِ (p-٥٦٦)مُواطِنَ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى﴾ [البقرة: ٢١٥] .
وَمِنها قَوْلُهُ إيرادُهُ في أنْواعِ البِرِّ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ وإنْفاقِ المالِ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ.
وَمِنها: ما هو أُدْخِلَ في المَوْضُوعِ حَيْثُ جُعِلَ لَهُ نَصِيبًا في التَّرِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨]، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مَباحِثِ الآيَةِ مِن جِهاتٍ أُخْرى، ومَرَّةً أُخْرى يَجْعَلُ لَهم نَصِيبًا فِيما هو أعْلى مَنزِلَةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] .
وَكَذَلِكَ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧] .
فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ مَعَ ذِي القُرْبى مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ في عُمُومِ وصْفِ الأبْرارِ، وسَبَبًا لِلْوُصُولِ إلى أعْلى دَرَجاتِ النَّعِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] .
وَذَكَرَ أفْعالَهُمُ الَّتِي مِنها: ”أنَّهم ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾“ [الإنسان: ٧] ثُمَّ بَعْدَها أنَّهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] .
وَجَعَلَ هَذا الإطْعامَ اجْتِيازُ العَقَبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ الآيَةَ [البلد: ١١ - ١٥] .
وَلَقَدْ وجَدْنا ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يَسُوقَ اللَّهُ الخَضِرَ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِيُقِيما جِدارًا لِيَتِيمَيْنِ عَلى كَنْزٍ لَهُما حَتّى يَبْلُغا أشَدَّهُما، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .
(p-٥٦٧)هَذا هو الجانِبُ المالِيُّ مِن دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْهُ في حِفْظِ مالِهِ، ومِن جانِبِ جَلْبِ النَّفْعِ إلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ المالِ.
أمّا الجانِبُ النَّفْسِيُّ فَكالآتِي:
أوَّلًا: عَدَمُ مَساءَتِهِ في نَفْسِهِ، فَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١ - ٣] .
وَمِنها قَوْلُهُ: ﴿كَلّا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]، فَقَدَّمَ إكْرامَهُ إشارَةً لَهُ.
ثانِيًا: في الإحْسانِ إلَيْهِ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى﴾ [البقرة: ٨٣] فَيُحْسِنُ إلَيْهِ كَما يُحْسِنُ لِوالِدَيْهِ ولِذِي القُرْبى.
وَمِنها سُؤالُ وجَوابُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أيْ: تُعامِلُونَهم كَما تُعامِلُونَ الإخْوانَ، وهَذا أعْلى دَرَجاتِ الإحْسانِ والمَعْرُوفِ؛ ولِذا قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ .
وَفِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ المُفْسِدِ عَلى المُصْلِحِ: إشْعارٌ لِشِدَّةِ التَّحْذِيرِ مِنَ الإفْسادِ في مُعامَلَتِهِ، ولِأنَّهُ مَحَلُّ التَّحْذِيرِ في مَوْطِنٍ آخَرَ جَعَلَهم بِمَنزِلَةِ الأوْلادِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] .
أيْ: حَتّى في مُخاطَبَتِهِمْ إيّاهم لِأنَّهم بِمَنزِلَةِ أوْلادِهِمْ، بَلْ رُبَّما كانَ لَهم أوْلادٌ فِيما بَعْدُ أيْتامًا مِن بَعْدِهِمْ، فَكَما يَخْشَوْنَ عَلى أوْلادِهِمْ إذا صارُوا أيْتامًا مِن بَعْدِهم، فَلْيُحْسِنُوا مُعامَلَةَ الأيْتامِ في أيْدِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةُ دَرَجاتِ العِنايَةِ والرِّعايَةِ.
تِلْكَ هي نُصُوصُ القُرْآنِ في حُسْنِ مُعامَلَةِ اليَتِيمِ وعَدَمِ الإساءَةِ إلَيْهِ، مِمّا يُفَصِّلُ مُجْمَلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] .
لا بِكَلِمَةٍ غَيْرِ سَدِيدَةٍ، ولا بِحِرْمانِهِ مِن شَيْءٍ يَحْتاجُهُ، ولا بِإتْلافِ مالِهِ، ولا بِالتَّحَيُّلِ عَلى أكْلِهِ وإضاعَتِهِ، ولا بِشَيْءٍ بِالكُلِّيَّةِ، لا في نَفْسِهِ ولا في مالِهِ.
(p-٥٦٨)والأحادِيثُ مِنَ السُّنَّةِ عَلى ذَلِكَ عَدِيدَةٌ بالِغَةٌ مَبْلَغَها في حَقِّهِ، وكانَ ﷺ أرْحَمَ النّاسِ بِهِ وأشْفَقَهم عَلَيْهِ، حَتّى قالَ: «”أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ كَهاتَيْنِ“، يُشِيرُ إلى السَّبّابَةِ والوُسْطى وفَرَّجَ بَيْنَهُما» . رَواهُ البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ.
وَفِي رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ومالِكٍ: «كافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ» أيْ: قَرِيبٌ لَهُ، أوْ بَعِيدٌ عَنْهُ.
وَعِنْدَ أحْمَدَ والطَّبَرانِيِّ مَرْفُوعًا: «مَن ضَمَّ يَتِيمًا مِن بَيْنِ أبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إلى طَعامِهِ وشَرابِهِ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةَ» قالَ المُنْذِرِيُّ: رُواةُ أحْمَدَ مُحْتَجٌّ بِهِمْ إلّا عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ.
وَعِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُ ﷺ قالَ: «خَيْرُ بَيْتٍ في المُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ، يُحْسَنُ إلَيْهِ. وشَرُّ بَيْتٍ في المُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُساءُ إلَيْهِ» .
وَجاءَ عِنْدَ أبِي داوُدَ ما هو أبْعَدُ مِن هَذا وذَلِكَ، حَتّى إنَّ الأُمَّ لَتُعَطِّلُ مَصالِحَها مِن أجْلِ أيْتامِها، في قَوْلِهِ ﷺ: «أنا وامْرَأةٌ سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ كَهاتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ ”، وأوْمَأ بِيَدِهِ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ - بِفَتْحِ الزّايِ وإسْكانِ الياءِ - بِالوُسْطى والسَّبّابَةِ“ امْرَأةٌ آمَتْ زَوْجَها " - بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ ومِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وتاءٍ - أصْبَحَتْ أيِّمًا بِوَفاةِ زَوْجِها، ذاتُ مَنصِبٍ وجِمالٍ حَبَسَتْ نَفْسَها عَلى يَتاماها حَتّى بانُوا أوْ ماتُوا» .
وَجَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً لِقَساوَةِ القَلْبِ، كَما رَوى أحْمَدُ، ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقالَ: ”امْسَحْ رَأْسَ اليَتِيمِ، وأطْعِمِ المِسْكِينَ“» .
وَهُنا يَتَجَلّى سِرٌّ لَطِيفٌ في مِثالِيَّةِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ، حَيْثُ يُخاطِبُ اللَّهُ تَعالى أفْضَلَ الخَلْقِ وأرْحَمَهم، وأرْأفَهم بِعِبادِ اللَّهِ، المَوْصُوفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، لِيَكُونَ مِثالًا مِثالِيًّا في أُمَّةٍ قَسَتْ قُلُوبُها وغَلُظَتْ طِباعُها، فَلا يَرْحَمُونَ ضَعِيفًا، ولا يُؤَدُّونَ حَقًّا إلّا مِن قُوَّةٍ يَدِينُونَ لِمَبْدَأِ: مَن عَزَّ بَزَّ، ومَن غَلَبَ اسْتَلَبَ، يُفاخِرُونَ بِالظُّلْمِ ويَتَهاجَوْنَ بِالأمانَةِ، كَما قالَ شاعِرُهم:
؎قَبِيلَةٌ لا يَخْفِرُونَ بِذِمَّةٍ ولا يَظْلِمُونَ النّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ
وَيَقُولُ حَكِيمُهم:(p-٥٦٩)
؎وَمَن لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ ∗∗∗ يُهْدَمْ ومَن لَمْ يَظْلِمِ النّاسَ يُظْلَمِ
قَوْمٌ يَئِدُونَ بَناتَهم، ويَحْرِمُونَ مِنَ المِيراثِ نِساءَهم، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾، ﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا﴾، فَقَلَبَ مَقايِيسَهم، وعَدَلَ مَفاهِيمَهم، فَألانَ قُلُوبَهم ورَقَّقَ طِباعَهم، فَلانُوا مَعَ هَذا الضَّعِيفِ وحَفِظُوا حَقَّهُ.
وَحَقِيقَةُ هَذا التَّشْرِيعِ الإلَهِيِّ الحَكِيمِ مُنْذُ أرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، تَأْتِي فَوْقَ كُلِّ ما تَتَطَلَّعُ إلَيْهِ آمالُ الحَضاراتِ الإنْسانِيَّةِ كُلِّها، مِمّا يُحَقِّقُ كَمالَ التَّكامُلِ الِاجْتِماعِيِّ بِأبْهى مَعانِيهِ، المُنَوِّهِ عَنْهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، فَجَعَلَ كافِلَ اليَتِيمِ اليَوْمَ، إنَّما يَعْمَلُ حَتّى فِيما بَعْدُ لَوْ تَرَكَ ذُرِّيَّةً ضِعافًا، وعَبَّرَ هُنا عَنِ الأيْتامِ بِلازِمِهِمْ، وهو الضَّعْفُ إبْرازًا لِحاجَةِ اليَتِيمِ إلى الإحْسانِ، بِسَبَبِ ضَعْفِهِ فَيَكُونُونَ مَوْضِعَ خَوْفِهِمْ عَلَيْهِمْ لِضَعْفِهِمْ، فَلْيُعامِلُوا الأيْتامَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ، كَما يُحِبُّونَ أنْ يُعامِلَ غَيْرُهم أيْتامَهم مِن بَعْدِهِمْ.
وَهَكَذا تَضَعُ الآيَةُ أمامَنا تَكافُلًا اجْتِماعِيًّا في كَفالَةِ اليَتِيمِ، بَلْ إنَّ اليَتِيمَ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ يَتِيمُ اليَوْمِ ورَجُلُ الغَدِ، فَكَما تُحْسِنُ إلَيْهِ يُحْسِنُ هو إلى أيْتامِكَ مِن بَعْدِكَ، وكَما تَدِينُ تُدانُ، فَإنْ كانَ خَيْرًا كانَ الخَيْرُ بِالخَيْرِ والبادِئُ أكْرَمُ، وإنْ شَرًّا كانَ بِمِثْلِهِ والبادِئُ أظْلَمُ.
وَمَعَ هَذا الحَقِّ المُتَبادَلِ، فَإنَّ الإسْلامَ يَحُثُّ عَلَيْهِ ويَعْنِي بِهِ، ورَغَّبَ في الإحْسانِ إلَيْهِ وأجْزَلَ المَثُوبَةَ عَلَيْهِ، وحَذَّرَ مِنَ الإساءَةِ عَلَيْهِ، وشَدَّدَ العُقُوبَةَ فِيهِ.
وَقَدْ يَكُونُ فِيما أوْرَدْناهُ إطالَةٌ، ولَكِنَّهُ وفاءٌ بِحَقِّ اليَتِيمِ أوَّلًا، وتَأثُّرٌ بِكَثْرَةِ ما يُلاقِيهِ اليَتِيمُ ثانِيًا.
تَنْبِيهٌ.
لَيْسَ مِن بابِ الإساءَةِ إلى اليَتِيمِ تَأْدِيبُهُ والحَزْمُ مَعَهُ، بَلْ ذَلِكَ مِن مَصْلَحَتِهِ كَما قِيلَ:
؎قَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا ∗∗∗ فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ
الضحى 93:10
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، قالُوا: السّائِلُ: الفَقِيرُ والمُحْتاجُ، يَسْألُ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ أيْ: فَكَما أغْناكَ اللَّهُ وبِدُونِ سُؤالٍ (p-٥٧٠)فَإذا أتاكَ سائِلٌ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَوْ في رَدِّ الجَوابِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
وَمَعْلُومٌ: أنَّ الجَوابَ بِلُطْفٍ، قَدْ يَقُومُ مَقامَ العَطاءِ في إجابَةِ السّائِلِ، وكانَ ﷺ إذا لَمْ يَجِدْ ما يُعْطِيهِ لِلسّائِلِ يَعِدُهُ وعْدًا حَسَنًا لِحِينِ مَيْسَرَةٍ؛ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] .
وَقَدْ أوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيْتَيْنِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى، هُما قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنْ لَمْ تَكُنْ ورِقٌ يَوْمًا أجُودُ بِها لِلسّائِلِينَ فَإنِّي لَيِّنُ العُودِ
؎لا يَعْدَمُ السّائِلُونَ الخَيْرَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إمّا نَوالِي وإمّا حُسْنُ مَرْدُودِ
فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ المالُ.
وَقِيلَ: السّائِلُ المُسْتَفْسِرُ عَنْ مَسائِلِ الدِّينِ والمُسْتَرْشِدُ، وقالُوا هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ أيْ: لا تَنْهَرْ مُسْتَغْنِيًا ولا مُسْتَرْشِدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ١ - ٢] .
وَقَدْ كانَ ﷺ رَحِيمًا شَفِيقًا عَلى الجاهِلِ حَتّى يَتَعَلَّمَ، كَما في قِصَّةِ الأعْرابِيِّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ حِينَ صاحَ بِهِ الصَّحابَةُ، فَقالَ لَهم: «لا تُزْرِمُوهُ» إلى أنْ قالَ الأعْرابِيُّ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وارْحَمْ مُحَمَّدًا ولا تَرْحَمْ مَعَنا أحَدًا أبَدًا " وكالآخَرِ الَّذِي جاءَ يَضْرِبُ صَدْرَهُ ويَنْتِفُ شَعْرَهُ، ويَقُولُ: «هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ، واقَعْتُ أهْلِي في رَمَضانَ، حَتّى كانَ مِن أمْرِهِ أنْ أعْطاهُ فَرَقًا مِن طَعامِهِ يُكَفِّرُ بِهِ عَنْ ذَنْبِهِ، فَقالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: قُمْ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ» .
وَقَدْ كانَ ﷺ يَقِفُ لِلْمَرْأةِ في الطَّرِيقِ يُصْغِي إلَيْها حَتّى يَضِيقَ مَن مَعَهُ، وهو يَصْبِرُ لَها ولَمْ يَنْهَرْها، بَلْ يُجِيبُها عَلى أسْئِلَتِها.
وَقَدْ حَثَّ ﷺ عَلى إكْرامِ طالِبِ العِلْمِ، وبَيَّنَ أنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها لِطالِبِ العِلْمِ، وأنَّ الحِيتانَ في البَحْرِ لَتَسْتَغْفِرُ لَهُ رِضًى بِما يَصْنَعُ.
الضحى 93:11
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾: النِّعْمَةُ كُلُّ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى العَبْدِ، وهي كُلُّ ما يَنْعَمُ بِهِ العَبْدُ مِن: مالٍ، وعافِيَةٍ، وهِدايَةٍ، ونُصْرَةٍ مِنَ النُّعُومَةِ واللِّينِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِها (p-٥٧١)المَذْكُوراتُ والتَّحَدُّثُ بِها شُكْرُها عَمَلِيًّا مِن إيواءِ اليَتِيمِ كَما آواهُ اللَّهُ، وإعْطاءِ السّائِلِ كَما أغْناهُ اللَّهُ، وتَعْلِيمِ المُسْتَرْشِدِ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وهَذا مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ، أيْ: كَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَتَنَعَّمْ أنْتَ عَلى غَيْرِكَ؛ تَأسِّيًا بِفِعْلِ اللَّهِ مَعَكَ.
وَقِيلَ: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ هو التَّبْلِيغُ عَنِ اللَّهِ مِن آيَةٍ وحَدِيثٍ، والنِّعْمَةُ هُنا عامَّةٌ؛ لِتَنْكِيرِها وإضافَتِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، أيْ: كُلُّ نِعْمَةٍ، ولَكِنِ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّها في الوَحْيِ أظْهَرُ أوْ هو أوْلى بِها، أوْ هو أعْظَمُها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فَقالَ: ”نِعْمَتِي“، وهُنا ”نِعْمَةُ رَبِّكَ“ . ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ﷺ إنَّما نَحَرَ مِائَةَ ناقَةٍ في حَجَّةِ الوَداعِ، لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَفَعَلَ شُكْرًا لِلَّهِ عَلى إتْمامِ النِّعْمَةِ بِإكْمالِ الدِّينِ.
وَقَدْ قالُوا في مُناسَبَةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها: إنَّ الَّتِي قَبْلَها في الصِّدِّيقِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١]، وهُنا في الرَّسُولِ ﷺ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] مَعَ الفارِقِ الكَبِيرِ في العَطاءِ والخِطابِ.
والواقِعُ أنَّ مُناسَباتِ السُّوَرِ القِصارِ أظْهَرُ مِن مُناسَباتِ الآيِ في السُّورَةِ الواحِدَةِ، كَما بَيْنَ هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ: ”واللَّيْلِ“ مَعَ ”والضُّحى“، ثُمَّ ما بَيْنَ: ”والضُّحى“ و ”ألَمْ نَشْرَحْ“ إنَّها تَتِمَّةُ النِّعَمِ الَّتِي يُعَدِّدُها اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ. وهَكَذا عَلى ما سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ في مَحَلِّهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
أعْلَمُ عِلْمًا؛ بِأنَّ بَعْضَ العُلَماءِ لَمْ يَعْتَبِرْ تِلْكَ المُناسَباتِ. ولَكِنْ ما كانَتِ المُناسَبَةُ فِيهِ واضِحَةٌ، فَلا يَنْبَغِي إغْفالُهُ، وما كانَتْ خَفِيَّةً لا يَنْبَغِي التَّكَلُّفُ لَهُ.