Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — المزمل 73:1 – المطففين 83:34

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:5
  3. المزمل 73:6
  4. المزمل 73:14
  5. المدثر 74:1
  6. المدثر 74:4
  7. المدثر 74:8
  8. المدثر 74:30
  9. المدثر 74:38
  10. المدثر 74:48
  11. المدثر 74:49
  12. القيامة 75:1
  13. القيامة 75:3
  14. القيامة 75:4
  15. القيامة 75:7
  16. القيامة 75:13
  17. القيامة 75:14
  18. القيامة 75:15
  19. القيامة 75:16
  20. القيامة 75:18
  21. القيامة 75:19
  22. القيامة 75:22
  23. القيامة 75:26
  24. القيامة 75:36
  25. القيامة 75:37
  26. الإنسان 76:1
  27. الإنسان 76:3
  28. الإنسان 76:4
  29. الإنسان 76:5
  30. الإنسان 76:7
  31. الإنسان 76:8
  32. الإنسان 76:11
  33. الإنسان 76:15
  34. الإنسان 76:17
  35. الإنسان 76:21
  36. الإنسان 76:23
  37. الإنسان 76:26
  38. الإنسان 76:28
  39. الإنسان 76:29
  40. المرسلات 77:1
  41. المرسلات 77:7
  42. المرسلات 77:8
  43. المرسلات 77:11
  44. المرسلات 77:12
  45. المرسلات 77:15
  46. المرسلات 77:20
  47. المرسلات 77:23
  48. المرسلات 77:25
  49. المرسلات 77:29
  50. المرسلات 77:35
  51. المرسلات 77:43
  52. المرسلات 77:44
  53. المرسلات 77:48
  54. المرسلات 77:50
  55. النبأ 78:1
  56. النبأ 78:4
  57. النبأ 78:6
  58. النبأ 78:9
  59. النبأ 78:12
  60. النبأ 78:18
  61. النبأ 78:20
  62. النبأ 78:23
  63. النبأ 78:29
  64. النبأ 78:31
  65. النبأ 78:36
  66. النبأ 78:38
  67. النبأ 78:39
  68. النبأ 78:40
  69. النازعات 79:1
  70. النازعات 79:3
  71. النازعات 79:5
  72. النازعات 79:6
  73. النازعات 79:10
  74. النازعات 79:11
  75. النازعات 79:15
  76. النازعات 79:16
  77. النازعات 79:20
  78. النازعات 79:25
  79. النازعات 79:27
  80. النازعات 79:30
  81. النازعات 79:45
  82. النازعات 79:46
  83. عبس 80:1
  84. عبس 80:2
  85. عبس 80:5
  86. عبس 80:11
  87. عبس 80:17
  88. عبس 80:18
  89. عبس 80:24
  90. عبس 80:38
  91. عبس 80:40
  92. التكوير 81:1
  93. التكوير 81:2
  94. التكوير 81:3
  95. التكوير 81:8
  96. التكوير 81:12
  97. التكوير 81:13
  98. التكوير 81:14
  99. التكوير 81:15
  100. التكوير 81:19
  101. التكوير 81:26
  102. التكوير 81:28
  103. التكوير 81:29
  104. الانفطار 82:1
  105. الانفطار 82:4
  106. الانفطار 82:5
  107. الانفطار 82:7
  108. الانفطار 82:10
  109. الانفطار 82:13
  110. الانفطار 82:16
  111. الانفطار 82:19
  112. المطففين 83:1
  113. المطففين 83:4
  114. المطففين 83:14
  115. المطففين 83:15
  116. المطففين 83:26
  117. المطففين 83:29
  118. المطففين 83:34

المزمل 73:1

(p-٣٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُزَّمِّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ مِنَ المِقْدارِ المَطْلُوبِ قِيامُهُ بِما جاءَ بَعْدَهُ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣]، أيْ: مِن نِصْفِهِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ، أيْ: عَلى نِصْفِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وما بَعْدَها بَيانٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٩] . وَفِيها بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ القِيامِ، وهو بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ، وفِيها رَدٌّ عَلى مَسْألَتَيْنِ اخْتُلِفَ فِيهِما. الأُولى مِنهُما: عَدَدُ رَكَعاتِ قِيامِ اللَّيْلِ، أهْوَ ثَمانِي رَكَعاتٍ أوْ أكْثَرُ ؟ وَقَدْ خُيِّرَ ﷺ بَيْنَ هَذِهِ الأزْمِنَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ لِنَشاطِهِ واسْتِعْدادِهِ وارْتِياحِهِ. فَلا يُمْكِنُ التَّعَبُّدُ بِعَدَدٍ لا يَصِحُّ دُونَهُ ولا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ، واخْتُلِفَ في قِيامِ رَمَضانَ خاصَّةً، والأوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِما ارْتَضاهُ السَّلَفُ، وقَدْ قَدَّمْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ رِسالَةً عامَّةً هي رِسالَةُ التَّراوِيحِ أكْثَرَ مِن ألْفِ عامٍ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدِ اسْتَقَرَّ العَمَلُ عَلى عِشْرِينَ في رَمَضانَ. والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما يَذْكُرُهُ الفُقَهاءُ في كَيْفِيَّةِ قِيامِ اللَّيْلِ عامَّةً: هَلِ الأفْضَلُ كَثْرَةُ الرَّكَعاتِ لِكَثْرَةِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ؟، وحَيْثُ إنَّ أقْرَبَ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى اللَّهِ وهو ساجِدٌ، أمْ طُولَ القِيامِ لِلْقِراءَةِ ؟ حَيْثُ إنَّ لِلْقارِئِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ، فَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، نَصَّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ تَرْتِيلًا، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ تَأْكِيدًا لِإرادَةِ هَذا المَعْنى، كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الرَّمْلِ، ولا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ ؟ قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ“ . وَقَدْ «بَيَّنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - تِلاوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِها: كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]» . رَواهُ أحْمَدُ. (p-٣٥٨)وَفِي الصَّحِيحِ «عَنْ أنَسٍ: سُئِلَ عَنْ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: كانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ الرَّحْمَنِ، ويَمُدُّ الرَّحِيمِ» . تَنْبِيهٌ. إنْ لِلْمَدِّ حُدُودًا مَعْلُومَةً في التَّجْوِيدِ حَسَبَ تَلَقِّي القُرّاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فَما زادَ عَنْها فَهو تَلاعُبٌ، وما قَلَّ عَنْها فَهو تَقْصِيرٌ في حَقِّ التِّلاوَةِ. وَمِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ المُتَّخِذِينَ القُرْآنَ كَغَيْرِهِ في طَرِيقَةِ الأداءِ مِن تَمْطِيطٍ وتَزَيُّدٍ لَمْ يُراعُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم» . وَقالَ أبُو مُوسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أنَّكَ تَسْمَعُ قِراءَتِي؛ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا» . وهَذا الوَصْفُ هو الَّذِي يَتَأتّى مِنهُ الغَرَضُ مِنَ التِّلاوَةِ، وهو التَّدَبُّرُ والتَّأمُّلُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، كَما أنَّهُ هو الوَصْفُ الَّذِي يَتَأتّى مَعَهُ الغَرَضُ مِن تَخَشُّعِ القَلْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ولا تَتَأثَّرُ بِهِ القُلُوبُ والجُلُودُ إلّا إذا كانَ مُرَتَّلًا، فَإذا كانَ هَذا كالشِّعْرِ أوِ الكَلامِ العادِيِّ لَما فُهِمَ، وإذا كانَ مُطْرِبًا كالأغانِي لَما أثَّرَ. فَوَجَبَ التَّرْتِيلُ كَما بَيَّنَ ﷺ . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُزَّمِّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ الآيَةَ [المزمل: ٢٠]، يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى الأُمَّةِ، لِأنَّ أمْرَ القُدْوَةِ أمْرٌ لِأتْباعِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الخُصُوصِ بِهِ ﷺ . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأخِيرَ ناسِخٌ لِلْأوَّلِ ثُمَّ نُسِخَ الأخِيرُ أيْضًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.

المزمل 73:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ مَعْلُومٌ أنَّ القَوْلَ هُنا هو القُرْآنُ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] . وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]، وقَوْلُهُ ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَلَكِنَّ وصْفَهُ بِالثِّقَلِ مَعَ أنَّ الثِّقَلَ لِلْأوْزانِ وهي المَحْسُوساتُ. فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الثِّقَلَ في وزْنِ الثَّوابِ، وقِيلَ في التَّكالِيفِ بِهِ، وقِيلَ مِن أثْناءِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ ثابِتٌ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ: فَمِن جِهَةِ نُزُولِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أتاهُ الوَحْيُ أخَذَتْهُ (p-٣٥٩)بُرَحاءُ شَدِيدَةٌ، وكانَ يَحْمَرُّ وجْهُهُ كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ وهو في سَفَرِهِ عَلى راحِلَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ النّاقَةُ، وجاءَ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ واضِعًا رَأْسَهُ عَلى فَخِذِهِ، فَأتاهُ الوَحْيُ، قالَ أنَسٌ: فَكانَ فَخِذِي تَكادُ تَنْفَصِلُ مِنِّي»، ومِن جانِبِ تَكالِيفِهِ فَقَدْ ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ وأشْفَقْنَ مِنها، كَما هو مَعْلُومٌ. وَمِن جانِبِ ثَوابِهِ: فَقَدْ جاءَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «الحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أوْ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» . وَحَدِيثُ البِطاقَةِ وكُلُّ ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ ولا يُنافِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الثُّقْلَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، كَما في الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]، وكَذَلِكَ القُرْآنُ ثَقِيلٌ عَلى الكُفّارِ، خَفِيفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ مُحَبَّبٌ إلَيْهِمْ. وَقَدْ جاءَ في الآثارِ أنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ بِسُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ تَلَذُّذًا وارْتِياحًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، فَهو ثَقِيلٌ في وزْنِهِ ثَقِيلٌ في تَكالِيفِهِ، ولَكِنْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ ويُيَسِّرُهُ لِمَن هَداهُ ووَفَّقَهُ إلَيْهِ.

المزمل 73:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ: ما تَنَشَّأهُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ أشَدُّ مُواطَأةً لِلْقَلْبِ، وأقْوَمُ قِيلًا في التِّلاوَةِ والتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، وبِالتّالِي بِالتَّأثُّرِ، فَفِيهِ إرْشادٌ إلى ما يُقابِلُ هَذا الثُّقْلَ فِيما سَيُلْقى عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، فَهو بِمَثابَةِ التَّوْجِيهِ إلى ما يَتَزَوَّدُ بِهِ لِتَحَمُّلِ ثُقْلِ أعْباءِ الدَّعْوَةِ والرِّسالَةِ. وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - قَوْلَهُ: لا يُثَبِّتُ القُرْآنَ في الصَّدْرِ، ولا يُسَهِّلُ حِفْظَهُ ويُيَسِّرُ فَهْمَهُ إلّا القِيامُ بِهِ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ، وقَدْ كانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - لا يَتْرُكُ وِرْدَهُ مِنَ اللَّيْلِ صَيْفًا أوْ شِتاءً، وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَكانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى الصَّلاةِ. وَهَكَذا هُنا فَإنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ كانَتْ عَوْنًا لَهُ ﷺ عَلى ما سَيُلْقى عَلَيْهِ مِن ثُقْلِ القَوْلِ. مَسْألَةٌ: قِيلَ: إنَّ قِيامَ اللَّيْلِ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ ﷺ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ؛ لِقَوْلِهِ (p-٣٦٠)تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ، وقِيلَ: كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ ﷺ وعَلى عامَّةِ المُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، ثُمَّ خَفَّفَ هَذا كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] . وَلَكِنَّهُ ﷺ كانَ إذا عَمِلَ عَمَلًا داوَمَ عَلَيْهِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ شُكْرًا لِلَّهِ كَما في حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»، وبَقِيَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ بِقَدْرِ ما يَتَيَسَّرُ لَهم. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .

المزمل 73:14

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ . لا يُعارِضُ قَوْلَهُ: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، والجِبالُ بَعْدَ طَحْنِها المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ١٥] تُشْبِهُ الرَّمْلَ المُتَهايِلَ وتُشْبِهُ أيْضًا الصُّوفَ المَنفُوشَ.

المدثر 74:1

(p-٣٦١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُدَّثِّرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ الإنْذارُ إعْلامٌ بِتَخْوِيفٍ، فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الإعْلامِ، وهو مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ المُنْذِرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ والمُنْذَرِ بِهِ، ولَمْ يُذْكَرْ هُنا واحِدٌ مِنهُما. أمّا المُنْذِرُ فَقَدْ بَيَّنَتْ آياتٌ أُخَرُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْكافِرِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]؛ تَخْوِيفًا لَهم. وَقَدْ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١] . وَقَدْ يَكُونُ لِلْجَمِيعِ، أيْ: لِعامَّةِ النّاسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢] . وَأمّا المُنْذَرُ بِهِ فَهو ما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ. وَقَدْ قَدَّرَ الأمْرَيْنِ هُنا ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ: فَأنْذِرْ عَذابَ اللَّهِ قَوْمَكَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وعَبَدُوا غَيْرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

المدثر 74:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن كُلٍّ مِن لَفْظَتَيِ: الثِّيابِ، وفَطَهِّرْ، هَلْ هُما دَلّا عَلى الحَقِيقَةِ ويَكُونُ المُرادُ طَهارَةَ الثَّوْبِ مِنَ النَّجاساتِ ؟ أمْ هُما عَلى الكِنايَةِ ؟ والمُرادُ بِالثَّوْبِ: البَدَنُ، والطَّهارَةُ عَنِ المَعْنَوِيّاتِ مِن مَعاصِيَ وآثامٍ ونَحْوِها، أمْ عَلى الحَقِيقَةِ والكِنايَةِ ؟، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ نَحْوًا مِن خَمْسَةِ أقْوالٍ: (p-٣٦٢)الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ أنَّ مَعْناهُ: لا تَلْبَسْ ثِيابَكَ عَلى مَعْصِيَةٍ ولا عَلى غَدْرَةٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ غَيْلانَ: ؎وَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎إذا المَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ ∗∗∗ عِرْضُهُ فَكُلُّ رِداءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ فاسْتَعْمَلَ اللَّفْظَيْنِ في الكِنايَةِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] . وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا تَلْبَسْ ثِيابَكَ مِن كَسْبٍ غَيْرِ طَيِّبٍ، فاسْتَعْمَلَ الثِّيابَ في الحَقِيقَةِ، والتَّطْهِيرَ في الكِنايَةِ. وَعَنْ مُجاهِدٍ: أصْلِحْ عَمَلَكَ، وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، فاسْتَعْمَلَهُما مَعًا في الكِنايَةِ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وابْنِ زَيْدٍ: عَلى حَقِيقَتِهِما، فَطَهِّرْ ثِيابَكَ مِنَ النَّجاسَةِ. ثُمَّ قالَ: والَّذِي قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ أظْهَرُ في ذَلِكَ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ قَوْلٌ عَلَيْهِ أكْثَرُ السَّلَفِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. وَقالَ غَيْرُهُ: ثِيابُكَ هي نِساؤُكَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فَأْمُرْهُنَّ بِالتَّطَهُّرِ، وتَخَيَّرْهُنَّ طاهِراتٍ خَيِّراتٍ. هَذِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ واخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ مِنها، والواقِعُ في السِّياقِ ما يَشْهَدُ لِاخْتِيارِ ابْنِ جَرِيرٍ، وهو حَمْلُ اللَّفْظَيْنِ عَلى حَقِيقَتِهِما. وَتَرْجِيحُ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّ المُرادَ طَهارَةُ الثَّوْبِ مِنَ النَّجاسَةِ، والقَرِينَةُ في الآيَةِ أنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: طَهارَةُ الثَّوْبِ، والثّانِي: هَجْرُ الرِّجْزِ. وَمِن مَعانِي الرِّجْزِ: المَعاصِي، فَيَكُونُ حَمْلُ طِهارَةِ الثَّوْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو الرِّجْزُ عَلى حَقِيقَتِهِ لِمَعْنًى جَدِيدٍ أوْلى. (p-٣٦٣)وَهَذِهِ الآيَةُ بِقِسْمَيْها جاءَ نَظِيرُها بِقِسْمَيْها أصْرَحَ مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ [الأنفال: ١١] - . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - . وَقَدْ جَعَلَ الشّافِعِيُّ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى الطَّهارَةِ لِلصَّلاةِ.

المدثر 74:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ النّاقُورُ: هو الصُّورُ، وأصْلُ النّاقُورِ الصَّوْتُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . قِيلَ: عَسِيرٌ وغَيْرُ يَسِيرٍ عَلى الكافِرِينَ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ غَيْرَ يَسِيرٍ كانَ يَكْفِي عَنْها يَوْمٌ عَسِيرٌ، إلّا أنَّهُ لِيُبَيِّنَ لَهم أنَّ عُسْرَهُ لا يُرْجى تَيْسِيرُهُ، كَعُسْرِ الدُّنْيا، وأنَّ فِيهِ زِيادَةَ وعِيدٍ لِلْكافِرِينَ. وَنَوْعُ بِشارَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ المَعْنَيَيْنِ مُسْتَقِلّانِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، هَذا كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ وصْفٌ لِهَذا اليَوْمِ، وبَيانٌ لِلْجَمِيعِ شِدَّةَ هَوْلِهِ، كَما جاءَ في وصْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]، ومِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥]، ونَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اليَوْمَ العَسِيرَ أنَّهُ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨]، بَيْنَما يَكُونُ عَلى المُؤْمِنِينَ يَسِيرًا، مَعَ أنَّهُ عَسِيرٌ في ذاتِهِ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ، إلّا أنَّ اللَّهَ يُيَسِّرُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، كَما بَيَّنَ تَعالى هَذِهِ الصُّورَةَ بِجانِبِها في قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٧ - ٩٠] . \ ٥ (p-٣٦٤)فالفَزَعُ مِن صَعْقَةِ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عامٌّ لِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، ولَكِنِ اسْتَثْنى اللَّهُ مَن شاءَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ ومَن يَبْقى في الفَزَعِ، فَبَيَّنَ الآمِنِينَ وهم مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ، والآخَرُونَ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ.

المدثر 74:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هو وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَكى القُرْطُبِيُّ في مَعْنى الفِتْنَةِ هُنا مَعْنَيَيْنِ: الأوَّلُ: التَّحْرِيقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] . والثّانِي: الِابْتِلاءُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ مِرارًا في كِتابِهِ ودُرُوسِهِ، أنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ. تَقُولُ: اخْتَبَرْتُ الذَّهَبَ إذا أدْخَلْتَهُ النّارَ؛ لِتَعْرِفَ زَيْفَهُ مِن خالِصِهِ. وَلَكِنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى الثّانِي، وهو الِاخْتِبارُ والِابْتِلاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ أيْ: عَدَدَهم، فَلَوْ كانَ المُرادُ التَّحْرِيقَ والوَعِيدَ بِالنّارِ، لَما كانَ مَجالٌ لِتَساؤُلِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرِينَ عَنْ هَذا المَثَلِ، ولَما كانَ يَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ مَثَلًا، ولَما كانَ الحَدِيثُ عَنْ عَدَدِ جُنُودِ رَبِّكَ بِحالٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِدَّةُ مَسائِلَ هامَّةٍ. الأُولى: جَعْلُ المَثَلِ المَذْكُورِ، أيْ: جَعْلُ العَدَدِ المُعَيَّنِ فِتْنَةً لِتَوَجُّهِ السُّؤالِ أوْ مُقابَلَتِهِ بِالإذْعانِ، فَقَدْ تَساءَلَ المُسْتَبْعِدُونَ واسْتَسْلَمَ وأذْعَنَ المُؤْمِنُونَ، كَما ذَكَرَ تَعالى في صَرِيحِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٦٢] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الغَرَضَ مِن ذَلِكَ طِبْقَ ما جاءَ في الآيَةِ هُنا ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] (p-٣٦٥)فَهَذِهِ الآيَةُ مِن سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ مُبَيِّنَةٌ تَمامًا لِآيَةِ ”المُدَّثِّرِ“ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أنَّ هَذا مُطابِقٌ لِما عِنْدَهم في التَّوْراةِ، وهَذا مِمّا يَشْهَدُ لِقَوْمِهِمْ عَلى صِدْقِ ما يَأْتِي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وما ادَّعاهُ لِإيمانِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ حَدِيثًا في ذَلِكَ واسْتَغْرَبَهُ، ولَكِنَّ النَّصَّ يَشْهَدُ لِذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ المُؤْمِنَ كُلَّما جاءَهُ أمْرٌ عَنِ اللَّهِ وصَدَّقَهُ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ اكْتِفاءً بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ازْدادَ بِهَذا التَّصْدِيقِ إيمانًا وهي مَسْألَةُ ازْدِيادِ الإيمانِ بِالطّاعَةِ والتَّصْدِيقِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: بَيانُ أنَّ الواجِبَ عَلى المُؤْمِنِ المُبادَرَةُ بِالتَّصْدِيقِ والِانْقِيادِ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمِ الحِكْمَةَ أوِ السِّرَّ أوِ الغَرَضَ بِناءً عَلى أنَّ الخَبَرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وهو أعْلَمُ بِما رَواهُ. وَفِي هَذِهِ المَسْألَةِ مَثارُ نِقاشِ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، وهَذا أمْرٌ واسِعٌ، ولَكِنَّ المُهِمَّ عِنْدَنا هُنا ونَحْنُ في عَصْرِ المادِّيّاتِ، وتَقَدُّمِ المُخْتَرَعاتِ، وظُهُورِ كَثِيرٍ مِن عَلاماتِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن آياتِ الأحْكامِ، فَإنّا نَوَدُّ أنْ نَقُولَ: إنَّ كُلَّ ما صَحَّ عَنِ الشّارِعِ الحَكِيمِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ وجَبَ التَّسْلِيمُ والِانْقِيادُ إلَيْهِ، عَلِمْنا الحِكْمَةَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ؛ لِأنَّ عِلْمَنا قاصِرٌ، وفَهْمَنا مَحْدُودٌ، والعَلِيمُ الحَكِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ - سُبْحانَهُ - لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا بِما فِيهِ الحِكْمَةُ. وَمُجْمَلُ القَوْلِ أنَّ الأحْكامَ بِالنِّسْبَةِ لِحِكْمَتِها قَدْ تَكُونُ مَحْصُورَةً في أقْسامٍ ثَلاثَةٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: حُكْمٌ تَظْهَرُ حِكْمَتُهُ بِنَصٍّ كَما في وُجُوبِ الصَّلاةِ، جاءَ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وهَذِهِ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ، والزَّكاةُ جاءَ عَنْها أنَّها: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وَفِي الصَّوْمِ جاءَ فِيهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] . وَفِي الحَجِّ جاءَ فِيهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] . فَمَعَ أنَّها عِباداتٌ لِلَّهِ فَقَدْ ظَهَرَتْ حِكْمَتُها جَلِيَّةً. وَفِي المَمْنُوعاتِ كَما قالُوا في الضَّرُورِيّاتِ السِّتِّ، حِفْظِ الدِّينِ، والعَقْلِ، والدَّمِ، (p-٣٦٦)والعِرْضِ، والنَّسَبِ، والمالِ لِقِيامِ الحَياةِ ووَفْرَةِ الأمْنِ، وصِيانَةِ المُجْتَمَعِ، وجُعِلَتْ فِيها حُدُودٌ لِحِفْظِها وغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِسْمٌ لَمْ تَظْهَرْ حِكْمَتُهُ بِهَذا الظُّهُورِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِن حِكْمَةٍ: كالطَّوافِ، والسَّعْيِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ، والوُضُوءِ، والتَّيَمُّمِ، والغُسْلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقِسْمٌ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ أوَّلًا، ولِحِكْمَةٍ ثانِيًا: كَتَحْوِيلِ القِبْلَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . وَفِي التَّحَوُّلِ عَنْها حِكْمَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] . والمُسْلِمُ في كِلْتا الحالَتَيْنِ ظَهَرَتْ لَهُ الحِكْمَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ وجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِثالُ والِانْقِيادُ، كَما «قالَ عُمَرُ عِنْدَ اسْتِلامِهِ لِلْحَجَرِ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ» . فَقَبَّلَهُ امْتِثالًا واقْتِداءً بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ ما جاءَ مِن: أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ لَهُ: بَلى يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفَعُ، فَيَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ لِسانٌ وعَيْنانِ يَشْهَدُ لِمَن قَبَّلَهُ؛ لِأنَّ عُمَرَ أقْبَلَ عَلَيْهِ لِيُقَبِّلَهُ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَقَدْ تَنْكَشِفُ الأُمُورُ عَنْ حِكْمَةٍ لا نَعْلَمُها كَما في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ -، إذْ خَرَقَ السَّفِينَةَ، وقَتَلَ الغُلامَ، وأقامَ الجِدارَ، وكُلُّها أعْمالٌ لَمْ يَعْلَمْ لَها مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكْمَةً، فَلَمّا أبْداها لَهُ الخَضِرُ عَلِمَ مَدى حِكْمَتِها. وَهَكَذا نَحْنُ اليَوْمَ وفي كُلِّ يَوْمٍ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَوْقِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ [آل عمران: ٧] . وَقَدْ جاءَ في نِهايَةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يُلْزِمُ البَشَرَ بِالعَجْزِ ويَدْفَعُهم إلى التَّسْلِيمِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ . فَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الأُمُورِ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو أعْلَمُ بِها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٦٧)﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ، وسَبَبِ دُخُولِهِمُ النّارَ، وكانَ الجَوابُ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُصَلِّينَ، ولَمْ يَكُونُوا يُطْعِمُوا المِسْكِينَ، وكانُوا يَخُوضُونَ مَعَ الخائِضِينَ. وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ بِتَكْذِيبِهِمْ بِيَوْمِ الدِّينِ وبَيْنَ الفُرُوعِ، وهي تَرْكُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِإطْعامِ المِسْكِينِ إلى آخِرِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الكافِرَ مُطالَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرْعِ مَعَ أُصُولِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مُناقَشَةُ هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ .

المدثر 74:38

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُدَّثِّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١] .

المدثر 74:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ فِيهِ: أنَّ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ، كَما أنَّ فِيها إثْباتَ الشَّفاعَةِ لِلشّافِعِينَ، ومَفْهُومُ كَوْنِها لا تَنْفَعُ الكُفّارَ أنَّها تَنْفَعُ غَيْرَهم. وَقَدْ جاءَتْ نُصُوصٌ في الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضاهُمُ اللَّهُ، وقَدْ دَلَّتْ نُصُوصٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، فَمِن عَدَمِ الشَّفاعَةِ لِلْكُفّارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ٩٩ - ١٠٠] ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَفِي القِسْمِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وَكَذَلِكَ الشَّفِيعُ لا يَشْفَعُ إلّا مَن أُذِنَ لَهُ، ولا يَشْفَعُونَ إلّا فِيمَن أُذِنُوا فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩] . وَمَبْحَثُ الشَّفاعَةِ واسِعٌ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ العَقائِدِ. وَخُلاصَةُ القَوْلِ فِيها: أنَّها لا تَكُونُ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ فِيها، وقَدْ ثَبَتَ (p-٣٦٨)لِلنَّبِيِّ ﷺ الشَّفاعَةُ العُظْمى وهي المَقامُ المَحْمُودُ، وعِدَّةُ شَفاعاتٍ بَعْدَها مِنها ما اخْتُصَّ بِهِ ﷺ كالشَّفاعَةِ العُظْمى ودُخُولِ الجَنَّةِ، والشَّفاعَةِ في غَيْرِ مُسْلِمٍ وهو عَمُّهُ أبُو طالِبٍ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، ومِنها ما يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ والصُّلَحاءِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

المدثر 74:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ المَدْعُوِّينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ والتَّذْكِرَةِ، بِالحُمُرِ الفارَّةِ مِنَ الصَّيّادِينَ أوِ الأسَدِ، وقَدْ شُبِّهَ أيْضًا العالِمُ غَيْرُ المُنْتَفِعِ بِعِلْمِهِ بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، فَهُما تَشْبِيهانِ بِالدّاعِي والمَدْعُوِّ إذا لَمْ تَنْفَعْهُ الدَّعْوَةُ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ في مَبْحَثِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

القيامة 75:1

(p-٣٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ القِيامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، فَقَرَأتْ ذَلِكَ عامَّةُ قُرّاءِ الأمْصارِ: ”لا أُقْسِمُ“ مَفْصُولَةً مِن أُقْسِمُ سِوى الحَسَنِ والأعْرَجِ، فَإنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُما أنَّهُما كانا يَقْرَءانِ ذَلِكَ: ”لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“ . بِمَعْنى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْها لامُ القَسَمِ، والقِراءَةُ الَّتِي لا أسْتَجِيزُ غَيْرَها في هَذا المَوْضِعِ ”لا“ مَفْصُولَةً، ”أُقْسِمُ“ مُبْتَدَأةٌ عَلى ما عَلَيْهِ قُرّاءُ الأمْصارِ بِإجْماعِ الحُجَّةِ مِنَ القُرّاءِ عَلَيْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْنا قِراءَتَهُ في تَأْوِيلِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا صِلَةٌ، وإنَّما مَعْنى الكَلامِ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“، وعَزاهُ إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ دَخَلَتْ ”لا“ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ. وَذُكِرَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ في قَوْلِهِ: ”لا أُقْسِمُ“ تَوْكِيدٌ لِلْقَسَمِ، كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ. وَقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الكُوفَةِ: ”لا“ رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ مَضى مِن كَلامِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ الجَنَّةَ والنّارَ. ثُمَّ ابْتُدِئَ القَسَمُ، فَقِيلَ: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، وكانَ يَقُولُ: كُلُّ يَمِينٍ قَبْلَها رَدُّ كَلامٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ ”لا“ قَبْلَها؛ لِيُفَرِّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ اليَمِينِ الَّتِي تَكُونُ جَحْدًا واليَمِينِ الَّتِي تُسْتَأْنَفُ، ويَقُولُ: ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ مُبْتَدِئًا: واللَّهِ إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، وإذا قُلْتَ: لا واللَّهِ، إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، فَكَأنَّكَ أكْذَبْتَ قَوْمًا أنْكَرُوهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا في ذَلِكَ هَلْ هو قَسَمٌ أمْ لا ؟ . وَذَكَرَ الخِلافَ في ذَلِكَ، والواقِعُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ مِن حَيْثُ وُجُودُ اللّامِ، وهَلْ هي نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ أمْ مُثْبِتَةٌ ؟ وعَلى أنَّها مُثَبِتَةٌ فَما مُوجِبُها ؟ هَلْ هي رَدٌّ لِكَلامٍ سابِقٍ أمْ تَأْكِيدٌ لِلْقَسَمِ ؟ وهَلْ وقَعَ إقْسامٌ أمْ لا ؟ كَما ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. (p-٣٧٠)وَقَدْ تَناوَلَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في كِتابِهِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ في مَوْضِعَيْنِ، الأوَّلُ: في هَذِهِ السُّورَةِ. والثّانِي: في سُورَةِ ”البَلَدِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]، فَبَيَّنَ في المَوْضِعِ الأوَّلِ أنَّها - أيْ ”لا“ -: نافِيَةٌ لِكَلامٍ قَبْلَها؛ فَلا تَتَعارَضُ مَعَ الإقْسامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ فِعْلًا الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] . والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ، وقالَ: سَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ، والمَوْضِعُ الثّانِي: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾، ساقَ فِيهِ بَحْثًا طَوِيلًا مُهِمًّا جِدًّا نَسُوقُ خُلاصَتَهُ. وسَيُطْبَعُ الكِتابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. خُلاصَةُ ما ساقَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: قالَ: الجَوابُ عَلَيْها مِن أوْجُهٍ. الأوَّلُ - وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ -: أنَّ ”لا“ هُنا صِلَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّها رُبَّما لَفَظَتْ بِلَفْظَةِ ”لا“ مِن غَيْرِ قَصْدِ مَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣] . يَعْنِي أنْ تَتَّبِعَنِي. وَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] . وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةُ العامِرِيِّ لا يَدَّعِ القَوْمُ أنِّي أفِرُّ يَعْنِي وأبِيكِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ لِزِيادَةِ لا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ يَعْنِي وعُمَرُ، وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ العَجّاجِ: ؎فِي بِئْرٍ لا حَوْرَ سَرى وما شَعَرَ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ شَجَرَ والحَوْرُ: الهَلَكَةُ: يَعْنِي في بِئْرِ هَلَكَةٍ، وأنْشَدَ غَيْرُهُ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”لا“ نَفْيٌ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . (p-٣٧١)وَقَوْلُهُ: أُقْسِمُ: إثْباتٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: إنَّ هَذا الوَجْهَ، وإنْ قالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإثْباتَ المُسْتَأْنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ ”أُقْسِمُ“ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّها حَرْفُ نَفْيٍ أيْضًا، ووَجْهُهُ أنَّ إنْشاءَ القَسَمِ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ. فَهو نَفْيٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ. والمُرادُ أنَّهُ لا يُعَظَّمُ بِالقَسَمِ، بَلْ هو في نَفْسِهِ عَظِيمٌ أقْسَمَ بِهِ أوْ لا. وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وصاحِبُ رُوحِ المَعانِي، ولا يَخْلُو عِنْدِي مِن نَظَرٍ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها. والعَرَبُ رُبَّما أشْبَعَتِ الفَتْحَةَ بِألِفٍ، والكَسْرَةَ بِياءٍ، والضَّمَّةَ بِواوٍ. ومِثالُهُ في الفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ الحارِثِ: ؎وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ∗∗∗ كَأنْ لَمْ تَرى قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيّا فالأصْلُ: كَأنْ لَمْ تَرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. وَقَوْلُ الرّاجِزِ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِ وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ∗∗∗ زَيّافَةٍ مِثْلِ العَتِيقِ المُكْدَمِ فالأصْلُ يَنْبَعُ، يَعْنِي العَرَقَ، يَنْبَعُ مِنَ الذِّفْرى: مِن ناقَتِهِ، فَأُشْبِعَتِ الفَتْحَةُ فَصارَتْ يَنْباعُ، وقالَ: لَيْسَ هَذا الإشْباعُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. ثُمَّ ساقَ الشَّواهِدَ عَلى الإشْباعِ بِالضَّمَّةِ والكَسْرَةِ، ثُمَّ قالَ: يَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ قِراءَةُ قُنْبُلٍ: ”لَأُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ“ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ البَزِّيِّ والحَسَنِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى اهـ. مُلَخَّصًا. فَأنْتَ تَرى أنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدَّمَ فِيها أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: صِلَةٌ، ونَفْيُ الكَلامِ قَبْلَها، وتَأْكِيدٌ (p-٣٧٢)لِلْقَسَمِ، ولامُ ابْتِداءٍ. واسْتَدَلَّ لَهُ بِقِراءَةِ قُنْبُلٍ، أيْ: ”لَأُقْسِمُ“ مُتَّصِلَةٌ، أمّا كَوْنُها لامَ ابْتِداءٍ لِقِراءَةِ قُنْبُلٍ والحَسَنِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لا يَسْتَجِيزُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِإجْماعِ الحُجَّةِ مِنَ القُرّاءِ عَلى قِراءَتِها مَفْصُولَةً: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ . وَلَعَلَّ أرْجَحَ هَذِهِ الأوْجُهِ كُلِّها أنَّها لِتَوْكِيدِ القَسَمِ، كَما ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): سُورَةُ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ . لا يُعارِضُ إقْسامَهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [ ٨٥ ]، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ”لا“ نافِيَةٌ لِكَلامِ الكُفّارِ. الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ كَما تَقَدَّمَ، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

القيامة 75:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ هَذا الحُسْبانُ قَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . وَجاءَهُ الجَوابُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] .

القيامة 75:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ كُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنى نَجْعَلُ بَنانَهُ مُتَساوِيَةً مُلْتَحِمَةً كَخُفِّ البَعِيرِ، أيْ: لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَناوَلَ بِها شَيْئًا ولا يُحْسِنُ بِها عَمَلًا. وَهَذا في الواقِعِ لَمْ نَفْهَمْ لَهُ وجْهًا مَعَ السِّياقِ، فَهو وإنْ كانَ دالًّا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَجْزِ العَبْدِ. ولَكِنَّ السِّياقَ في إنْكارِ البَعْثِ واسْتِبْعادِهِ ومَجِيءِ نَظِيرِ ذَلِكَ في سُورَةِ ”يس“، يُرْشِدُ إلى أنَّ سُبْحانَهُ قادِرٌ بَعْدَ مَوْتِ العَبْدِ وتَلاشِيهِ في التُّرابِ وتَحَوُّلِ عِظامِهِ رَمِيمًا، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ تَمامًا، كَما أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِن ضِمْنِ تِلْكَ الإعادَةِ أنْ يُسَوِّيَ بَنانَهُ، أيْ: يَعْدِلُها ويُنَشِّؤُها كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَيُرْشِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، ومِنَ الخَلْقِ ما كانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذا الإنْسانِ المُكَذِّبِ المُعْتَرِضِ، فَهو سُبْحانَهُ يُعِيدُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ تَمامًا، وهَذا أبْلَغُ في القُدْرَةِ وأبْلَغُ في الإلْزامِ يَوْمَ القِيامَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.

القيامة 75:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ قُرِئَ ”بَرِقَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها؛ فَبِالكَسْرِ: فَزِعَ ودَهِشَ، أصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-٣٧٣) ؎لَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سافِرًا كادَ يُبْرَقُ وَقَوْلُ الأعْشى: ؎وَكُنْتُ أرى في وجْهِ مَيَّةَ ∗∗∗ لَمْحَةً فَأُبْرَقُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مَكانِيا وَ ”بَرَقَ“ بِالفَتْحِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. قالَ أبُو حَيّانَ: والواقِعُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ ما دامَتِ القِراءَتانِ صَحِيحَتَيْنِ، وقَدْ يَشْهَدُ لِهَذا النَّصِّ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣] . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَنْظُرُونَ مِنَ الفَزَعِ هَكَذا وهَكَذا، لا يَسْتَقِرُّ لَهم بَصَرٌ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾، تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”ص“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣] .

القيامة 75:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ المُرادُ: ”بِما قَدَّمَ“ هُنا هو ما قَدَّمَهُ مِن عَمَلٍ لِيَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٣ - ٢٤]، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨] مِن سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ .

القيامة 75:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .

القيامة 75:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ: أنَّها لا تَنْفَعُهُ آنَذاكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] . (p-٣٧٤)وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى بَعْضَ مَعاذِيرِهِمْ تِلْكَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠ - ١١] .

القيامة 75:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيكِ لِسانِهِ ﷺ، وبَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ جَمْعُهُ وقُرْآنُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اسْتِيعابِ ما يُوحى إلَيْهِ، يُحَرِّكُ لِسانَهُ عِنْدَ الوَحْيِ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى مَدى هَذا النَّهْيِ ومُدَّةَ هَذِهِ العَجَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وفِيهِ الإيماءُ إلى حُسْنِ الِاسْتِماعِ والإصْغاءُ عِنْدَ الإيحاءِ بِهِ، كَما في آدابِ الِاسْتِماعِ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، قَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمْعَهُ وقِراءَتَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . تَنْبِيهٌ. إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا، وإشارَةٌ إلى أنَّ جَمْعَهُ عَلى هَذا النَّحْوِ المَوْجُودِ بِرِعايَةٍ وعِنايَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَحْقِيقًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ هَذا الجَمْعَ المَوْجُودَ مِن وسائِلِ حِفْظِهِ، كَما تَعَهَّدَ تَعالى بِذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. (p-٣٧٥)وَقالَ أبُو حَيّانَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ. ”وَقُرْآنَهُ“، أيْ: تَقْرَؤُهُ.

القيامة 75:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]، مِن سُورَةِ ”النَّجْمِ“ .

القيامة 75:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ قَدْ نَبَّهَ تَعالى كَما جاءَ في مُقَدِّمَةِ الأضْواءِ أنَّهُ ما مِن مُجْمَلٍ إلّا وجاءَ تَفْصِيلُهُ في مَكانٍ آخَرَ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى هَذا في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٣]، وقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، بَيانُ ذَلِكَ في أوَّلِ ”فُصِّلَتْ“ .

القيامة 75:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .

القيامة 75:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾ ﴿وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ ما هي الَّتِي بَلَغَتِ التَّراقِيَ ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّها الرُّوحُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]، فَهَذِهِ حالاتُ النَّزْعِ، والرُّوحُ تَبْلُغُ الحُلْقُومَ وتَبْلُغُ التَّراقِيَ. وقَدْ يُتْرَكُ التَّصْرِيحُ لِلْعِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيِ: الشَّمْسُ، وهَكَذا هُنا فَلِمَعْرِفَتِها بِالقَرائِنِ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالرُّوحِ أوِ النَّفْسِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٣] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾ اخْتُلِفَ في مَعْنى راقٍ هَذِهِ، فَقِيلَ مِنَ الرُّقْيَةِ أيْ: قالَ مَن حَوْلَهُ: مَن يَرْتَقِيهِ هَلْ مِن طَبِيبٍ يَرْقِيهِ ؟ أيْ حالَةَ اشْتِدادِ الأمْرِ عَلَيْهِ رَجاءً لِشِفائِهِ أوِ اسْتِبْعادًا بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ، وقِيلَ: مِنَ الرُّقِيِّ أيْ تَقُولُ المَلائِكَةُ: مَنِ الَّذِي سَيَرْقى بِرُوحِهِ (p-٣٧٦)أمَلائِكَةُ العَذابِ أمْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ؟ وَلَكِنْ في الآيَةِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الأوَّلَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ قَوْلَ المَلائِكَةِ يَكُونُ في حَقِّ الشَّخْصِ المُتَرَدَّدِ في أمْرِهِ، وهَذا هُنا لَيْسَ مَوْضِعَ تَرَدُّدٍ؛ لِأنَّ نِهايَةَ السِّياقِ فِيهِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، إلى ما بَعْدَهُ. وَقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّهُ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ كَراهِيَةً مِنهم أنْ يَصْعَدُوا بِها، وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَلائِكَةً لِلْمُشْرِكِينَ وهم مَلائِكَةُ العَذابِ، ومَلائِكَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ. ولا يَسْتَكْرِهُ فَرِيقٌ مِنهُما أنْ يَصْعَدَ بِما تَخَصَّصَ لَهُ، بَلْ قَدْ لا يَسْمَحُ لِلْآخَرِ بِما يَخُصُّهُ. كَما في حَدِيثِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، وأدْرَكَتْهُ الوَفاةُ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، فَحَضَرَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ يَخْتَصِمُونَ أيُّهم يَصْعَدُ بِرُوحِهِ، كُلٌّ يُرِيدُ أنْ يَتَوَلّى قَبْضَ رُوحِهِ، أُولَئِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وأُولَئِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ خَرَجَ تائِبًا إلى اللَّهِ تَعالى. وَهَذا كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مِن تَرْجِيحِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ المُخْتَلَفِ فِيهِما بَيْنَ المُفَسِّرِينَ؛ لِوُجُودِ قَرِينَةٍ في الآيَةِ. وقَدْ وُجِدَتِ القَرِينَةُ وهي ما في آخِرِ الآيَةِ والسِّياقِ مِن أنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَرَدُّدٍ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ الآيَةَ [القيامة: ٣١] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القيامة 75:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ رَدٌّ عَلى زَعْمِ أنَّهُ خُلِقَ سُدًى وهَمَلًا، وأنَّهُ لا يُحاسَبُ ولا يُسْألُ وبِالتّالِي لا يُبْعَثُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، أيْ: تَعالى اللَّهُ عَنِ العَبَثِ، وقَدْ ساقَ الشَّيْخُ الأدِلَّةَ الوافِيَةَ هُناكَ.

القيامة 75:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ (p-٣٧٧)بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَجِيءُ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أوِ التَّقْرِيرِيِّ، بَعْدَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، وسَوْقُ هَذِهِ الآياتِ العَظِيماتِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، فِيهِ رَدٌّ عَلى إنْكارٍ ضِمْنِيٍّ وهو أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ وُجُودَهُ سُدًى، ولا حِسابَ عَلَيْهِ إلّا مَنِ اسْتَبْعَدَ البَعْثَ. وَلَوْ أقَرَّ بِالبَعْثِ لَآمَنَ بِالجَزاءِ واعْتَرَفَ بِالسُّؤالِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا، ولَنْ يُتْرَكَ سُدًى. ولَكِنْ لَمّا أنْكَرَ البَعْثَ ظَنَّ وحَسِبَ أنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى، فَجاءَ تَذْكِيرُهُ بِأصْلِ خِلْقَتِهِ وتَطَوُّرِهِ لِيَسْتَخْلِصَ مِنهُ اعْتِرافَهُ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِهِ مِن مَنِيِّ يُمْنى، وتَطْوِيرِهِ إلى عَلَقَةٍ ثُمَّ إلى خَلْقٍ سَوِيٍّ، فَهو قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ مَرَّةً أُخْرى. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ الأطْوارَ في أكْثَرِ مِن مَوْضِعٍ، وأحالَ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٧] في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ .

الإنسان 76:1

(p-٣٧٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الإنْسانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ”هَلْ“ هُنا بِمَعْنى قَدْ، أيْ: أنَّ الِاسْتِفْهامَ تَقْرِيرِيٌّ يَسْتَوْجِبُ الإجابَةَ عَلَيْهِ بِنَعَمْ. وَلَفْظُ الإنْسانِ في ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾، وقِيلَ: هو الإنْسانُ الأوَّلُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أتى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ. وَقِيلَ: هو عُمُومُ الإنْسانِ مِن بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ، أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، قِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً. ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ طِينًا، ثُمَّ صَلْصالًا، حَتّى نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ. وَيَكُونُ عَلى الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ أتى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، هو أرْبَعُونَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أرْبَعُونَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعُونَ يَوْمًا مُضْغَةً، وكُلُّ ذَلِكَ شَيْءٌ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، أيْ ضَعِيفًا، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ. وَلَفْظُ الإنْسانِ الثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾، اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عامٌّ في بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي خُلِقَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ أخْلاطٍ، وقَدْ رَجَّحَ الفَخْرُ الرّازِيُّ أنَّ لَفْظَ الإنْسانِ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو المَعْنى العامُّ؛ لِيَسْتَقِيمَ الأُسْلُوبُ بِدُونِ مُغايَرَةٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إذْ لا قَرِينَةَ مُمَيِّزَةٌ. وَلَعَلَّ في السِّياقِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلى ما قالَهُ، وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ قَطْعًا لِبَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى أمْرُهُ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، ولَمْ يَبْقَ مَجالٌ لِابْتِلائِهِ، إنَّما ذَلِكَ لِبَنِيهِ. واللَّهُ (p-٣٧٩)تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ فِيهِ بَيانُ مَبْدَأِ خَلْقِ الإنْسانِ، ولَهُ أطْوارٌ في وُجُودِهِ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن لا شَيْءَ قَبْلَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ .

الإنسان 76:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى البَيانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] . والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ السَّوِيُّ، وفِيهِ بَيانُ انْقِسامِ الإنْسانِ إلى قِسْمَيْنِ: شاكِرٌ مُعْتَرِفٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، مُقابِلٌ لَها بِالشُّكْرِ، أوْ كافِرٌ جاحِدٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿إمّا شاكِرًا﴾، يُشِيرُ إلى إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: الأُولى: إيجادُ الإنْسانِ مِنَ العَدَمِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وهَذِهِ نِعْمَةٌ عُظْمى لا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيها. والثّانِيَةُ: الهِدايَةُ بِالبَيانِ والإرْشادِ إلى سَبِيلِ الحَقِّ والسَّعادَةِ، وهَذِهِ نِعْمَةُ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، ولا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيها أيْضًا. وَقَدْ قالَ العُلَماءُ: هُناكَ ثَلاثُ نِعَمٍ لا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيها: الأُولى: وُجُودُهُ بَعْدَ العَدَمِ. الثّانِيَةُ: نِعْمَةُ الإيمانِ. الثّالِثَةُ: دُخُولُ الجَنَّةِ. وَقالُوا: الإيجادُ مِنَ العَدَمِ، تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، ومَن جَعَلَهُ اللَّهُ عَقِيمًا فَلَنْ (p-٣٨٠)يُنْجِبَ قَطُّ. والثّانِيَةُ: الإنْعامُ بِالإيمانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ» . الحَدِيثَ. وَكَوْنُ المَوْلُودِ يُولَدُ بَيْنَ أبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، لا كَسْبَ لَهُ في ذَلِكَ. والثّالِثَةُ: الإنْعامُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ كَما في الحَدِيثِ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ " . قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنا؛ إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» . وَقَدْ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَيْنِ صَراحَةً، وهُما خَلْقُ الإنْسانِ بَعْدَ العَدَمِ، وهِدايَتُهُ السَّبِيلَ. والثّالِثَةُ: تَأْتِي ضِمْنًا في ذِكْرِ النَّتِيجَةِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]؛ لِأنَّ الأبْرارَ هُمُ الشّاكِرُونَ بِدَلِيلِ التَّقْسِيمِ: ﴿شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٣ - ٥] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] تَقَدَّمَ أنَّها هِدايَةُ بَيانٍ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الهِدايَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ. والجَمْعُ بَيْنَهُما في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ، وفي مُسْتَهَلِّ هَذِهِ السُّورَةِ بَيانٌ لِمَبْدَأِ الإنْسانِ ومَوْقِفِهِ مِن بَعْثَةِ الرُّسُلِ وهِدايَتِهِمْ، ونَتائِجِ أعْمالِهِمْ مِن شُكْرٍ أوْ كُفْرٍ. وَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِقِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ مِن فَجْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، مَعَ قِراءَةِ سُورَةِ السَّجْدَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولى. وَقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: إنَّ قِراءَتَهُما مَعًا في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِمُناسَبَةِ خَلْقِ آدَمَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، لِيَتَذَكَّرَ الإنْسانُ في هَذا اليَوْمِ - وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ - مَبْدَأ خَلْقِ أبِيهِ آدَمَ، ومَبْدَأ خَلْقِ عُمُومِ الإنْسانِ، ويَتَذَكَّرُ مَصِيرَهُ ومُنْتَهاهُ؛ لِيَرى ما هو عَلَيْهِ مِن دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَلْ هو شاكِرٌ أوْ كَفُورٌ. اهـ مُلَخَّصًا. وَمَضْمُونُ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ يَرى أنَّ الحِكْمَةَ في قِراءَةِ السُّورَتَيْنِ في فَجْرِ الجُمُعَةِ، أنَّ يَوْمَ (p-٣٨١)الجُمُعَةِ هو يَوْمُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ خُلِقَ، وفِيهِ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، وفِيهِ أُسْكِنَ الجَنَّةَ، وفِيهِ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ، وفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ. كَما قِيلَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ آدَمَ، ويَوْمُ الإثْنَيْنِ يَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: فِيهِ وُلِدَ وفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وفِيهِ وصَلَ المَدِينَةَ في الهِجْرَةِ، وفِيهِ تُوُفِّيَ. وَلَمّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ إيجادِ الإنْسانِ الأوَّلِ ويَوْمَ أحْداثِهِ كُلِّها، إيجادًا مِنَ العَدَمِ، وإنْعامًا عَلَيْهِ بِسُكْنى الجَنَّةِ، وتَواجُدِهِ عَلى الأرْضِ، وتَلَقِّي التَّوْبَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: يَوْمَ الإنْعامِ عَلَيْهِ حِسًّا ومَعْنًى، فَناسَبَ أنْ يُذَكِّرَ الإمامَ بِقِراءَتِهِ سُورَةَ ”السَّجْدَةِ“ في فَجْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ لِما فِيها مِن قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩] . وَفِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، مِمّا يَبُثُّ الخَوْفَ في قُلُوبِ العِبادِ، إذْ لا يُعْلَمُ مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ هو، فَيَجْعَلُهُ أشَدَّ حِرْصًا عَلى فِعْلِ الخَيْرِ، وأشَدَّ خَوْفًا مِنَ الشَّرِّ. ثُمَّ حَذَّرَ مِن نِسْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] . وَهَكَذا في الرَّكْعَةِ الأُولى، يَرْجِعُ المُسْلِمُ إلى أصْلِ وُجُودِهِ ويَسْتَحْضِرُ قِصَّةَ الإنْسانِ الأوَّلِ. وَكَذَلِكَ يَأْتِي في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ بِقِصَّتِهِ هو مُنْذُ بَدَأ خَلْقُهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾، ويُذَكِّرُهُ بِالهَدْيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ويُرَغِّبُهُ في شُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، ويُحَذِّرُهُ مِن جُحُودِها وكُفْرانِها. وَقَدْ بَيَّنَ لَهُ مُنْتَهاهُ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٤ - ٥] . فَإذا قَرَعَ سَمْعَهُ ذَلِكَ في يَوْمِ خَلْقِهِ ويَوْمِ مَبْعَثِهِ، حَيْثُ فِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، فَكَأنَّهُ يَنْظُرُ ويُشاهِدُ أوَّلَ وُجُودِهِ وآخِرَ مَآلِهِ؛ فَلا يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ. وقَدْ عَلِمَ مَبْدَأ خَلْقِهِ ولا يُقَصِّرُ في واجِبٍ، وقَدْ عَلِمَ مُنْتَهاهُ، وهَذا في غايَةِ الحِكْمَةِ كَما تَرى. (p-٣٨٢)وَمِمّا يَشْهَدُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، اعْتِبارُ المُناسَباتِ كَما في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَجَمِيعُ الشُّهُورِ مِن حَيْثُ الزَمْنُ سَواءٌ، ولَكِنْ بِمُناسَبَةِ بَدْءِ نُزُولِ القُرْآنِ في هَذا الشَّهْرِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وأكْرَمَ فِيهِ الأُمَّةَ كُلَّها بَلِ العالَمَ كُلَّهُ، فَتَتَزَيَّنُ فِيهِ الجَنَّةُ وتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، وتَتَضاعَفُ فِيهِ الأعْمالُ. وَكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ مِنهُ الَّتِي كانَ فِيها البَدْءُ اخْتَصَّها تَعالى عَنْ بَقِيَّةِ لَيالِي الشَّهْرِ، وهي لَيْلَةُ القَدْرِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّها كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] السُّورَةَ بِتَمامِها. * * مَسْألَةٌ. لَقَدْ أكْثَرَ النّاسُ القَوْلَ في اعْتِبارِ المُناسَباتِ في الإسْلامِ وعَدَمِ اعْتِبارِها، ووَقَعَ فِيها الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ، وكَما قِيلَ: ؎كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وَمُنْطَلَقًا مِن كَلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، نُقَدِّمُ هَذِهِ النُّبْذَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي أنَّهُ بِالتَّأمُّلِ في الشَّرْعِ وأحْداثِ الإسْلامِ عامَّةً وخاصَّةً، أيْ في عُمُومِ الأُمَمِ وخُصُوصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، نَجِدُ المُناسَباتِ قِسْمَيْنِ: مُناسَبَةٌ مُعْتَبَرَةٌ عُنِيَ بِها الشَّرْعُ لِما فِيها مِن عِظَةٍ وذِكْرى تَتَجَدَّدُ مَعَ تَجَدُّدٍ الأيّامِ والأجْيالِ، وتَعُودُ عَلى الفَرْدِ والجَماعَةِ بِالتَّزَوُّدِ مِنها. ومُناسَبَةٌ لَمْ تُعْتَبَرْ، إمّا لِاقْتِصارِها في ذاتِها وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ الأفْرادِ مُسايَرَتَها. فَمِنَ الأوَّلِ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن خَصائِصِ هَذا اليَوْمِ في سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“، وكَلامُ ابْنِ تَيْمِيَةَ وقَدْ عُنِيَ بِها الإسْلامُ في الحَثِّ عَلى القِراءَةِ المُنَوَّهِ عَنْها في صَلاةِ الفَجْرِ، وفي الحَثِّ عَلى أدائِها والحَفاوَةِ بِها مِنَ اغْتِسالٍ وطِيبٍ وتَبْكِيرٍ إلَيْها، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“ . وَلَكِنْ مِن غَيْرِ غُلُوٍّ ولا إفْراطٍ، فَقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِها وحْدَهُ، دُونَ أنْ يُسْبَقَ بِصَوْمٍ قَبْلَهُ، أوْ يُلْحَقَ بِصَوْمٍ بَعْدَهُ، كَما نَهى عَنْ إفْرادِ لَيْلَتِها بِقِيامٍ، والنُّصُوصُ في ذَلِكَ مُتَضافِرَةٌ ثابِتَةٌ، فَكانَتْ مُناسَبَةً مُعْتَبَرَةً مَعَ اعْتِدالٍ وتَوَجُّهٍ إلى اللَّهِ، أيْ بِدُونِ إفْراطٍ أوْ تَفْرِيطٍ. (p-٣٨٣)وَمِنها يَوْمُ الإثْنَيْنِ كَما أسْلَفْنا، فَقَدْ جاءَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيامِهِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ، فَقالَ: «هَذا يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وعَلَيَّ فِيهِ أُنْزِلَ»، وكانَ يَوْمَ وُصُولِهِ المَدِينَةَ في الهِجْرَةِ، وكانَ يَوْمَ وفاتِهِ ﷺ، فَقَدِ احْتَفى بِهِ ﷺ لِلْمُسَبَّباتِ المَذْكُورَةِ، وكُلُّها أحْداثٌ عِظامٌ ومُناسَباتٌ جَلِيلَةٌ. فَيَوْمُ مَوْلِدِهِ ﷺ وقَعَتْ مَظاهِرُ كَوْنِيَّةٌ ابْتِداءً مِن واقِعَةِ أبْرَهَةَ، وإهْلاكِ جَيْشِهِ إرْهاصًا بِمَوْلِدِهِ ﷺ، ثُمَّ ظُهُورُ نَجْمٍ بَنِي الخِتانِ، وحَدَّثَتْ أُمُّهُ وهي حامِلٌ بِهِ فِيما قِيلَ: أنَّها أُتِيَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ ﷺ، فَقِيلَ لَها: " إنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإذا وقَعَ إلى الأرْضِ فَقُولِي: ؎أُعِيذُهُ بِالواحِدِ مِن شَرِّ كُلِّ حاسِدٍ ثُمَّ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا "، وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ: أنَّها رَأتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ رَأتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرى مِن أرْضِ الشّامِ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ: أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وهو غُلامٌ سَمِعَ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ بِأعْلى صَوْتِهِ عَلى أُطْمَةٍ بِيَثْرِبَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، حَتّى إذا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، قالُوا: ويْلَكَ ! ما لَكَ ؟، قالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ. وَساقَ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ، والبَيْهَقِيُّ في خَصائِصِهِ، وابْنُ هِشامٍ في سِيرَتِهِ أخْبارًا عَدِيدَةً مِمّا شَهِدَهُ العالَمُ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ ﷺ، نُوجِزُ مِنها الآتِي: عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ: أنَّ أُمَّهُ حَضَرَتْ مَوْلِدَهُ ﷺ، قالَتْ: فَما شَيْءٌ أنْظُرُ إلَيْهِ في البَيْتِ إلّا نُورٌ، وإنِّي أنْظُرُ إلى النُّجُومِ تَدْنُو حَتّى إنِّي لَأقُولُ: لَيَقَعْنَ عَلَيَّ. وَعَنْ أبِي الحَكَمِ التَّنُوخِيِّ، قالَ: كانَ المَوْلُودُ إذا وُلِدَ في قُرَيْشٍ دَفَعُوهُ إلى نِسْوَةٍ إلى الصُّبْحِ يَكْفَأْنَ عَلَيْهِ بُرْمَةً، فَأكْفَأْنَ عَلَيْهِ ﷺ بُرْمَةً، فانْفَلَقَتْ عَنْهُ، ووُجِدَ مَفْتُوحَ العَيْنَيْنِ، شاخِصًا بِبَصَرِهِ إلى السَّماءِ. وَقَدْ كانَ لِمَوْلِدِهِ مِنَ الأحْداثِ الكَوْنِيَّةِ ما لَفَتَ أنْظارَ العالَمِ كُلِّهِ. ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ مِنها انْكِفاءَ الأصْنامِ عَلى وُجُوهِها، وارْتِجاسَ إيوانِ كِسْرى، وسُقُوطَ بَعْضِ شُرَفِهِ، وخُمُودَ نارِ فارِسَ، ولَمْ تُخْمَدْ قَبْلَها، وغاضَتْ بُحَيْرَةُ ساوَةَ، فَكانَ في ذَلِكَ إرْهاصٌ بِتَكْسِيرِ الأصْنامِ وانْتِشارِ الإسْلامِ، ودُخُولِ الفُرْسِ في الإسْلامِ، ثُمَّ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ (p-٣٨٤)عَلَيْهِ ﷺ في يَوْمِ الإثْنَيْنِ. * * الحَفاوَةُ بِهَذا اليَوْمِ. لا شَكَّ أنَّ العالَمَ لَمْ يَشْهَدْ حَدَثَيْنِ أعْظَمَ مِن هَذَيْنِ الحَدَثَيْنِ: مَوْلِدِ سَيِّدِ الخَلْقِ، وبَدْءِ إنْزالِ أفْضَلِ الكُتُبِ، فَكانَ ﷺ يَحْتَفِي بِهِ، وذَلِكَ بِصِيامِهِ، وهو العَمَلُ المَشْرُوعُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ المُسْلِمُ عَنْ شُعُورِهِ فِيهِ، والعِبادَةُ الخالِصَةُ الَّتِي يَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى بِها عَلى هاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ. أمّا ما يَفْعَلُهُ بَعْضُ النّاسِ مِنَ احْتِفالاتٍ ومَظاهِرَ، فَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لا في القَرْنِ الأوَّلِ ولا الثّانِي، ولا الثّالِثِ، وهي القُرُونُ المَشْهُودُ لَها بِالخَيْرِ، وأوَّلُ إحْداثِهِ في القَرْنِ الرّابِعِ. وَقَدِ افْتَرَقَ النّاسُ فِيهِ إلى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ يُنْكِرُهُ، ويُنْكِرُ عَلى مَن يَفْعَلُهُ؛ لِعَدَمِ فِعْلِ السَّلَفِ إيّاهُ، ولا مَجِيءِ أثَرٍ في ذَلِكَ. وفَرِيقٌ يَراهُ جائِزًا؛ لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ، وقَدْ يُشَدِّدُ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى الآخَرِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. لِابْنِ تَيْمِيَةَ في اقْتِضاءِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ كَلامٌ وسَطٌ في غايَةِ الإنْصافِ، نُورِدُ مُوجَزَهُ لِجَزالَتِهِ، واللَّهُ الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ. قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ في فَصْلٍ قَدْ عَقَدَهُ لِلْأعْيادِ المُحْدَثَةِ: فَذَكَرَ أوَّلَ جُمُعَةٍ مِن رَجَبٍ وعِيدَ خُمٍّ في الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ، حَيْثُ خَطَبَ ﷺ، وحَثَّ عَلى اتِّباعِ السُّنَّةِ وبِأهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ أتى إلى عَمَلِ المَوْلِدِ، فَقالَ: وَكَذَلِكَ ما يُحْدِثُهُ بَعْضُ النّاسِ إمّا مُضاهاةً لِلنَّصارى في مِيلادِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإمّا مَحَبَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمًا لَهُ، واللَّهُ قَدْ يُثِيبُهم عَلى هَذِهِ المَحَبَّةِ والِاجْتِهادِ لا عَلى البِدَعِ مِنَ اتِّخاذِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ عِيدًا، مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ في مَوْلِدِهِ، أيْ: في رَبِيعٍ أوْ في رَمَضانَ، فَإنَّ هَذا لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ وعَدَمِ المانِعِ مِنهُ. وَلَوْ كانَ هَذا خَيْرًا مَحْضًا أوْ راجِحًا لَكانَ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أحَقَّ بِهِ مِنّا، فَإنَّهم كانُوا أشَدَّ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَعْظِيمًا لَهُ مِنّا، وهم عَلى الخَيْرِ أحْرَصُ. وَإنَّما كَمالُ مَحَبَّتِهِ وتَعْظِيمِهِ في مُتابَعَتِهِ وطاعَتِهِ واتِّباعِ أمْرِهِ، وإحْياءِ سُنَّتِهِ باطِنًا (p-٣٨٥)وَظاهِرًا، ونَشْرِ ما بُعِثَ بِهِ، والجِهادِ عَلى ذَلِكَ بِالقَلْبِ واليَدِ واللِّسانِ، فَإنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ، وأكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَراهم حُرَصاءَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ البِدَعِ، مَعَ ما لَهم فِيها مِن حُسْنِ القَصْدِ والِاجْتِهادِ الَّذِي يُرْجى لَهم بِهِ المَثُوبَةُ تَجِدُونَهم فاتِرِينَ في أمْرِ الرَّسُولِ عَمّا أُمِرُوا بِالنَّشاطِ فِيهِ. وإنَّما هم بِمَنزِلَةِ مَن يُحَلِّي المُصْحَفَ ولا يَقْرَأُ فِيهِ ولا يَتَّبِعُهُ. وبِمَنزِلَةِ مَن يُزَخْرِفُ المَسْجِدَ ولا يُصَلِّي فِيهِ، أوْ يُصَلِّي فِيهِ قَلِيلًا، وبِمَنزِلَةِ مَن يَتَّخِذُ المَسابِيحَ والسَّجاجِيدَ المُزَخْرَفَةِ، وأمْثالَ هَذِهِ الزَّخارِفِ الظّاهِرَةِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ ويَصْحَبُها مِنَ الرِّياءِ والكِبْرِ، والِاشْتِغالِ عَنِ المَشْرُوعِ ما يُفْسِدُ حالَ صاحِبِها. واعْلَمْ أنَّ مِنَ الأعْمالِ ما يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى أنْواعٍ مِنَ المَشْرُوعِ. وَفِيهِ أيْضًا مِن بِدْعَةِ وغَيْرِها، ثُمَّ رَسَمَ طَرِيقَ العَمَلِ السَّلِيمِ لِلْفَرْدِ في نَفْسِهِ والدّاعِيَةِ مَعَ غَيْرِهِ، فَقالَ: فَعَلَيْكَ هُنا بِأدَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ حِرْصُكَ عَلى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ باطِنًا وظاهِرًا. الثّانِي: أنْ تَدْعُوَ النّاسَ إلى السُّنَّةِ بِحَسَبِ الإمْكانِ؛ فَإذا رَأيْتَ مَن يَعْمَلُ هَذا ولا يَتْرُكُهُ إلّا إلى شَرٍّ مِنهُ، فَلا تَدْعُو إلى تَرْكِ مُنْكَرٍ بِفِعْلِ ما هو أنْكَرُ مِنهُ، أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ أوْ مَندُوبٍ تَرْكُهُ أضْمَرُ مِن فِعْلِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ. وَلَكِنْ إذا كانَ في البِدْعَةِ نَوْعٌ مِنَ الخَيْرِ، فَعَوِّضْ عَنْهُ مِنَ الخَيْرِ المَشْرُوعِ بِحَسَبِ الإمْكانِ، إذِ النُّفُوسُ لا تَتْرُكُ شَيْئًا إلّا بِشَيْءٍ. وَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ خَيْرًا إلّا إلى مِثْلِهِ أوْ إلى خَيْرٍ مِنهُ، فَإنَّهُ كَما أنَّ الفاعِلِينَ لِهَذِهِ البِدَعِ مَعِيبُونَ، قَدْ أتَوْا مَكْرُوهًا فالتّارِكُونَ أيْضًا لِلسُّنَنِ مَذْمُومُونَ. وَكَثِيرٌ مِنَ المُنْكِرِينَ لِبِدَعِ العِباداتِ تَجِدُهم مُقَصِّرِينَ في فِعْلِ السُّنَنِ مِن ذَلِكَ أوِ الأمْرِ بِهِ. . . وَلَعَلَّ حالَ كَثِيرٍ مِنهم يَكُونُ أسْوَأ مِن حالِ مَن يَأْتِي بِتِلْكَ العاداتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى نَوْعٍ مِنَ الكَراهَةِ، بَلِ الدِّينُ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَتَعْظِيمُ المَوْلِدِ واتِّخاذُهُ مَوْسِمًا قَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ النّاسِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ أجْرٌ عَظِيمٌ لِحُسْنِ قَصْدِهِ وتَعْظِيمِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما قَدَّمْتُهُ لَكَ أنَّهُ يَحْسُنُ مِن بَعْضِ النّاسِ ما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المُؤْمِنِ المُسَدِّدِ. (p-٣٨٦)وَلِهَذا قِيلَ لِأحْمَدَ: إنَّ بَعْضَ الأُمَراءِ يُنْفِقُ عَلى مُصْحَفٍ ألْفَ دِينارٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَقالَ: دَعْهُ، فَهَذا أفْضَلُ ما أُنْفِقَ فِيهِ الذَّهَبُ، أوْ كَما قالَ، مَعَ أنَّ مَذْهَبَهُ: أنَّ زَخْرَفَةَ المَصاحِفِ مَكْرُوهَةٌ، فَمِثْلُ هَؤُلاءِ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا هَذا، وإلّا اعْتاضُوا عَنْهُ الفَسادَ الَّذِي لا صَلاحَ فِيهِ مِثْلَ أنْ يُنْفِقَها في كُتُبِ فُجُورٍ، كَكُتُبِ الأسْمارِ والأصْفارِ، أوْ حِكْمَةِ فارِسَ والرُّومِ. وَمَراتِبُ الأعْمالِ ثَلاثٌ: إحْداها العَمَلُ الصّالِحُ المَشْرُوعُ الَّذِي لا كَراهَةَ فِيهِ. والثّانِيَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ مِن بَعْضِ وُجُوهِهِ أوْ أكْثَرِها، إمّا لِحُسْنِ القَصْدِ، أوْ لِاشْتِمالِهِ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنْواعٍ مِنَ المَشْرُوعِ. والثّالِثَةُ: ما لَيْسَ فِيهِ صَلاحٌ أصْلًا. فَأمّا الأُولى: فَهي سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهي أعْمالُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. وَأمّا الثّانِيَةُ فَهي كَثِيرَةٌ جِدًّا في طُرُقِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى عِلْمٍ أوْ عِبادَةٍ، ومِنَ العامَّةِ أيْضًا، وهَؤُلاءِ خَيْرٌ مِمّا لا يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا مَشْرُوعًا ولا غَيْرَ مَشْرُوعٍ، ومَعَ هَذا فالمُؤْمِنُ يَعْرِفُ المَعْرُوفَ ويُنْكِرُ المُنْكَرَ، ولا يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ مُوافَقَةُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لَهُ في ظاهِرِ الأمْرِ بِذَلِكَ المَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ المُنْكَرِ، ولا مُخالَفَةُ بَعْضِ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ الأُمُورُ وأمْثالُها مِمّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُها والعَمَلُ بِها اهـ. لَقَدْ عالَجَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ المَسْألَةَ بِحِكْمَةِ الدّاعِي وسِياسَةِ الدَّعْوَةِ مِمّا لا يَدَعُ مَجالًا لِلْكَلامِ فِيها. وَلَكِنْ قَدْ حَدَثَ بَعْدَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُمُورٌ لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ، ابْتُلِيَ بِها العالَمُ الغَرْبِيُّ، وغَزا بِها العالَمَ الشَّرْقِيَّ، ولُبِّسَ بِها عَلى المُسْلِمِينَ، وهي تِلْكَ المَبادِئُ الهَدّامَةُ والغَزْوُ الفِكْرِيُّ، وإبْرازُ شَخْصِيّاتٍ ذاتِ مَبادِئَ اقْتِصادِيَّةٍ أوْ فَسَلَفِيَّةٍ، ارْتَفَعَ شَأْنُها في قَوْمِهِمْ، ونُفِثَتْ سُمُومُهم إلى بَنِي جِلْدَتِنا، وصارُوا يُقِيمُونَ لَهُمُ الذِّكْرَياتِ، ويُقَدِّمُونَ عَنْهُمُ الدِّراساتِ جَهْلًا أوْ تَضْلِيلًا، فَقامَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن يَقُولُ: نَعْلَمُ أنَّ المَوْلِدَ لَيْسَ سُنَّةً نَبَوِيَّةً، ولا طَرِيقًا سَلَفِيًّا، ولا عَمَلَ القُرُونِ المَشْهُودِ لَها بِالخَيْرِ، وإنَّما نُرِيدُ مُقابَلَةَ الفِكْرَةِ بِالفِكْرَةِ، والذِّكْرَياتِ بِالذِّكْرى، لِنَجْمَعَ شَبابَ المُسْلِمِينَ (p-٣٨٧)عَلى سِيرَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ: يُحْدَثُ لِلنّاسِ مِنَ الأحْكامِ بِقَدْرِ ما أحْدَثَتْ مِنَ البِدَعِ إلى آخِرِهِ. وَهُنا لا يَنْبَغِي الإسْراعُ في الجَوابِ، ولَكِنِ انْطِلاقًا مِن كَلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ المُتَقَدِّمِ، يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنْ كانَ المُرادُ إحْياءَ الذِّكْرى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَوَلّى ذَلِكَ بِأوْسَعِ نِطاقٍ؛ حَيْثُ قَرَنَ ذِكْرَهُ ﷺ مَعَ ذِكْرِهِ تَعالى في الشَّهادَتَيْنِ، مَعَ كُلِّ أذانٍ عَلى كُلِّ مَنارَةٍ مِن كُلِّ مَسْجِدٍ، وفي كُلِّ إقامَةٍ لِأداءِ صَلاةٍ، وفي كُلِّ تَشَهُّدٍ في فَرْضٍ أوْ نَفْلٍ مِمّا يَزِيدُ عَلى الثَّلاثِينَ مَرَّةً جَهْرًا وسِرًّا. جَهْرًا يَمْلَأُ الأُفُقَ، وسِرًّا يَمْلَأُ القَلْبَ والحِسَّ. ثُمَّ تَأْتِي الذِّكْرى العَمَلِيَّةُ في كُلِّ صَغِيرَةٍ وكَبِيرَةٍ: في المَأْكَلِ بِاليَمِينِ؛ لِأنَّهُ السُّنَّةُ، وفي المَلْبَسِ في التَّيامُنِ؛ لِأنَّهُ السُّنَّةُ، وفي المَضْجَعِ عَلى الشِّقِّ الأيْمَنِ؛ لِأنَّهُ السُّنَّةُ، وفي إفْشاءِ السَّلامِ وفي كُلِّ حَرَكاتِ العَبْدِ وسَكَناتِهِ إذا راعى فِيها أنَّها السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وإنْ كانَ المُرادُ التَّعْبِيرَ عَنِ المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ هي عُنْوانُ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ، كَما قالَ ﷺ: «واللَّهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، ووَلَدِهِ، ومالِهِ، والنّاسِ أجْمَعِينَ» . فَإنَّ حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ طاعَةُ مَن تُحِبُّ، وفِعْلُ ما يُحِبُّهُ، وتَرْكُ ما لا يَرْضاهُ أوْ لا يُحِبُّهُ، ومِن هَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما يُلابِسُ عَمَلَ المَوْلِدِ مِن لَهْوٍ ولَعِبٍ واخْتِلاطٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وأعْمالٍ في أشْكالٍ لا أصْلَ لَها، يَجِبُ تَرْكُهُ وتَنْزِيهُ التَّعْبِيرِ عَنْ مَحَبَّتِهِ ﷺ عَمّا لا يَرْضاهُ ﷺ . وَقَدْ كانَ ﷺ يُكَرِّمُ هَذا اليَوْمَ بِالصَّوْمِ، وإنْ كانَ المُرادُ مُقابَلَةَ فِكْرَةٍ بِفِكْرَةٍ. فالواقِعُ أنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ، ولا مُوجِبَ لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجانِبَيْنِ لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما، كَبُعْدِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ والظُّلْمَةِ عَنِ النُّورِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ فَلا مُوجِبَ لِلتَّقْيِيدِ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ العامُ كُلُّهُ لِإقامَةِ الدِّراساتِ في السِّيرَةِ، وتَعْرِيفِ المُسْلِمِينَ النّاشِئَةَ مِنهم والعَوامَّ وغَيْرَهم بِما تُرِيدُهُ مِن دِراسَةٍ لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَخِتامًا؛ فَبَدَلًا مِنَ المَوْقِفِ السَّلْبِيِّ عِنْدَ التَّشْدِيدِ في النَّكِيرِ، أنْ يَكُونَ عَمَلًا إيجابِيًّا فِيهِ حِكْمَةٌ وتَوْجِيهٌ لِما هو أوْلى بِحَسَبِ المُسْتَطاعِ، كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. وَمِنَ المُناسَباتِ لَيْلَةُ القَدْرِ لِبَدْءِ نُزُولِ القُرْآنِ فِيها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] (p-٣٨٨)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِقْدارَها بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، وبَيَّنَ خَواصَّها بِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٤ - ٥] . * * الحَفاوَةُ بِها. لَقَدْ بَيَّنَ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، وفي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ»، وكانَ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ كُلَّها؛ التِماسًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَكانَ يُحْيِيها قائِمًا في مُعْتَكَفِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وَإذا جاءَ العَشْرُ: شَدَّ مِئْزَرَهُ، وطَوى فِراشَهُ، وأيْقَظَ أهْلَهُ»، فَلَمْ يَكُنْ يَمْرَحُ ولا يَلْعَبُ ولا حَتّى نَوْمٌ، بَلِ اجْتِهادٌ في العِبادَةِ. وَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضانَ بِكامِلِهِ؛ لِكَوْنِهِ أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ أيْضًا، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، فَكانَ تَكْرِيمُهُ بِصَوْمِ نَهارِهِ وقِيامِ لَيْلِهِ، لا بِالمَلاهِي واللُّعَبِ والحَفَلاتِ، كَمالُهُ بَعْضٌ صارَ يُعِدُّ النّاسُ وسائِلَ تَرْفِيهٍ خاصَّةٍ، فَيَعْكِسُ فِيهِ القَصْدَ ويُخالِفُ المَشْرُوعَ. وَمِنَ المُناسَباتِ يَوْمُ عاشُوراءَ، لَقَدْ كانَ لَهُ تارِيخٌ قَدِيمٌ وكانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ في الجاهِلِيَّةِ وتَكْسُو فِيهِ الكَعْبَةَ، «وَلَمّا قَدِمَ ﷺ المَدِينَةَ، وجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَهُ، فَقالَ لَهم: ”لِمَ تَصُومُونَهُ ؟“، فَقالُوا: يَوْمًا نَجّى اللَّهُ فِيهِ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ، فَصامَهُ شُكْرًا لِلَّهِ فَصُمْناهُ. فَقالَ ﷺ: ”نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنكم“، فَصامَهُ، وأمَرَ النّاسَ بِصِيامِهِ» . إنَّها مُناسَبَةٌ عُظْمى: نَجاةُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى مِن عَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ، نُصْرَةُ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، ونَصْرُ جُنْدِ اللَّهِ وإهْلاكُ جُنْدِ الشَّيْطانِ. وَهَذا بِحَقٍّ مُناسِبَةٌ يَهْتَمُّ لَها كُلُّ مُسْلِمٍ. ولِذا قالَ ﷺ: «نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنكم، نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِياءِ أبْناءُ عَلّاتٍ، دِينُنا واحِدٌ» . وَقَدْ كانَ صِيامُهُ فَرْضًا حَتّى نُسِخَ بِفَرْضِ رَمَضانَ، وهَكَذا مَعَ عِظَمِ مُناسَبَتِهِ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ ونُصْرَةِ رَسُولِهِ، كانَ ابْتِهاجُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ في صِيامِهِ شُكْرًا لِلَّهِ. وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا هو الطَّرِيقُ السَّلِيمُ والسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الكَرِيمَةُ، لا ما يُحْدِثُهُ بَعْضُ العَوامِّ والجُهّالِ مِن مَظاهِرَ وأحْداثٍ لا أصْلَ لَها، ثُمَّ يَأْتِي العَمَلُ الأعَمُّ والمُناسَباتُ (p-٣٨٩)المُتَعَدِّدَةُ في مَناسِكِ الحَجِّ مِنها الهَرْوَلَةُ في الطَّوافِ، لَقَدْ كانَتْ عَنْ مُؤامَرَةِ قُرَيْشٍ في عَزْمِها عَلى الغَدْرِ بِالمُسْلِمِينَ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، فَأمَرَهم ﷺ أنْ يُظْهِرُوا النَّشاطَ في الطَّوافِ، وذَلِكَ حِينَما جاءَ الشَّيْطانُ لِقُرَيْشٍ وقالَ لَهم: هَؤُلاءِ المُسْلِمُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، جاءُوا إلَيْكم وقَدْ أنْهَكَتْهم حُمّى يَثْرِبَ، فَلَوْ مِلْتُمْ عَلَيْهِمْ لاسْتَأْصَلْتُمُوهم، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ المَوْقِفُ خَطِيرًا جِدًّا وحَرِجًا؛ حَيْثُ لا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا سَبِيلَ لِلِانْسِحابِ، ولا بُدَّ لَهم مِن إتْمامِ العُمْرَةِ. فَكانَ التَّصَرُّفُ الحَكِيمُ، أنْ يَعْكِسُوا عَلى المُشْرِكِينَ نَظَرِيَّتَهم، ويَأْتُونَهم مِنَ البابِ الَّذِي أتَوْا مِنهُ. فَقالَ ﷺ لِأصْحابِهِ: «أرُوهُمُ اليَوْمَ مِنكم قُوَّةً»، فَهَرْوَلُوا في الطَّوافِ، وأظْهَرُوا قُوَّةً ونَشاطًا مِمّا أدْهَشَ المُشْرِكِينَ، حَتّى قالُوا: واللَّهِ ما هَؤُلاءِ بِإنْسٍ إنَّهم لَكالجِنِّ "، وفَوَّتُوا عَلَيْهِمُ الفُرْصَةَ بِذَلِكَ، وسَلِمَ المُسْلِمُونَ. فَهُوَ أشْبَهُ بِمَوْقِفِ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ، فَنَجّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِن غَدْرِ قُرَيْشٍ، فَكانَ هَذا العَمَلُ مُخَلَّدًا ومَشْرُوعًا في كُلِّ طَوافِ قُدُومٍ حَتّى اليَوْمَ، مَعَ زَوالِ السَّبَبِ حَيْثُ هَرْوَلَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَتَيْنِ. قالَ العُلَماءُ: بَقِيَ هَذا العَمَلُ؛ تَأسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا، وتَذَكَّرُوا لِهَذا المَوْقِفِ وما لَقِيَهُ المُسْلِمُونَ في بادِئِ الدَّعْوَةِ. وَجاءَ السَّعْيُ والهَرْوَلَةُ فِيهِ لِما فِيهِ مِن تَجْدِيدِ اليَقِينِ بِاللَّهِ، حَيْثُ تُرِكَتْ هاجَرُ، وهي مِن سادَةِ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ والَّتِي قالَتْ لِإبْراهِيمَ: اذْهَبْ فَلَنْ يُضَيِّعَنا اللَّهُ. تُرِكَتْ حَتّى سَعَتْ إلى نِهايَةِ العَدَدِ، كَما يَقُولُ عُلَماءُ الفَرائِضَ وهو سَبْعَةٌ. إذْ كَلُّ عَدَدٍ بَعْدَهُ تَكْرارٌ لِمُكَرَّرٍ قَبْلَهُ، كَما قالُوا في عَدَدِ السَّماواتِ والأرْضِ، وحَصى الجِمارِ، وأيّامِ الأُسْبُوعِ. إلخ. وَذَلِكَ لِتَصِلَ إلى أقْصى الجُهْدِ، وتَنْقَطِعَ أطْماعُها مِن غَوْثٍ يَأْتِيها مِنَ الأرْضِ، فَتَتَّجِهُ بِقُوَّةِ اليَقِينِ وشِدَّةِ الضَّراعَةِ إلى السَّماءِ، وتَتَوَجَّهُ بِكُلِّيَّتِها وإحْساسِها بِقَلْبِها وقالَبِها إلى اللَّهِ. فَيَأْتِيها الغَوْثُ الأعْظَمُ سَقْيًا لَها ولِلْمُسْلِمِينَ مِن بَعْدِها. فَكانَ ذَلِكَ دَرْسًا عَمَلِيًّا ظَلَّ إحْياؤُهُ تَجْدِيدًا لَهُ. وَهَكَذا النَّحْرُ، وقِصَّةُ الفِداءِ لِما كانَ فِيهِ دَرْسُ الأُمَّةِ لِأفْرادِها وجَماعَتِها في أُسْرَةٍ (p-٣٩٠)كامِلَةٍ. والِدٌ ووالِدَةٌ، ووَلَدٌ كَلٌّ يُسَلِّمُ قِيادَهُ لِأمْرِ اللَّهِ، وإلى أقْصى حَدِّ التَّضْحِيَةِ حِينَما قالَ إبْراهِيمُ لِإسْماعِيلَ ما قَصَّهُ تَعالى عَلَيْنا: ﴿يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ [الصافات: ١٠٢] . إنَّهُ حَدَثٌ خَطِيرٌ، وأيُّ رَأْيٍ لِلْوَلَدِ في ذَبْحِ نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ التَّمْهِيدُ لِأمْرِ اللَّهِ، فَكانَ مَوْقِفُ الوَلَدِ لا يَقِلُّ إكْبارًا عَنْ مَوْقِفِ الوالِدِ: ﴿ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَرْضًا وقَبُولًا فَحَسْبُ، بَلْ جاءَ وقْتُ التَّنْفِيذِ إلى نُقْطَةِ الصِّفْرِ كَما يُقالُ. والكُلُّ ماضٍ في سَبِيلِ التَّنْفِيذِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، يا لَهُ مِن مَوْقِفٍ يَعْجَزُ كُلُّ بَيانٍ عَنْ تَصْوِيرِهِ ويَئِطُّ كُلُّ قَلَمٍ عَنْ تَفْسِيرِهِ، ويَثْقُلُ كُلُّ لِسانٍ عَنْ تَعْبِيرِهِ، شَيْخٌ في كِبَرِ سِنِّهِ يَحْمِلُ سِكِّينًا بِيَدِهِ، ويَتِلُّ ولَدَهُ وضَناهُ بِالأُخْرى، كَيْفَ قَوِيَتْ يَدُهُ عَلى حَمْلِ السِّكِّينِ، وقَوِيَتْ عَيْناهُ عَلى رُؤْيَتِها في يَدِهِ، وكَيْفَ طاوَعَتْهُ يَدُهُ الأُخْرى عَلى تَلِّ ولَدِهِ عَلى جَبِينِهِ ؟ إنَّها قُوَّةُ الإيمانِ وسُنَّةُ الِالتِزامِ، وها هو الوَلَدُ مَعَ أبِيهِ طَوْعَ يَدِهِ، يَتَصَبَّرُ لِأمْرِ اللَّهِ ويَسْتَسْلِمُ لِقَضاءِ اللَّهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، والمَوْقِفُ الآنَ والِدٌ بِيَدِهِ السِّكِّينُ، ووَلَدٌ مُلْقًى عَلى الجَبِينِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَوَقُّفُ الأنْفاسِ لِلَحْظَةِ التَّنْفِيذِ، ولَكِنْ - رَحْمَةُ اللَّهِ - أوْسَعُ، وفَرَجُهُ مِن عِنْدِهِ أقْرَبُ: ﴿وَنادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] . فَكانَتْ مُناسَبَةً عَظِيمَةً وفائِدَتُها كَبِيرَةٌ، خَلَّدَها الإسْلامُ في الهَدْيِ والضَّحِيَّةِ. وَفِي رَمْيِ الجِمارِ، إلى آخِرِهِ، وهَكَذا كُلُّها في مَناسِكَ وعِبادَةٍ وقُرْبَةٍ إلى اللَّهِ تَعالى في تَجَرُّدٍ وانْقِطاعٍ، ودَوامِ ذِكْرٍ لِلَّهِ تَعالى. وَهُناكَ أحْداثٌ جِسامٌ ومُناسَباتٌ عِظامٌ، لا تِقِلُّ أهَمِّيَّةً عَنْ سابِقاتِها، ولَكِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَها الإسْلامُ أيَّ ذِكْرى، كَما في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ. لَقَدْ كانَ هَذا الصُّلْحُ مِن أعْظَمِ المُناسَباتِ في الإسْلامِ، إذْ كانَ فِيهِ انْتِزاعُ اعْتِرافِ قُرَيْشٍ بِالكِيانِ الإسْلامِيِّ مائِلًا في الصُّلْحِ، والعَهْدِ الَّذِي وُثِّقَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . (p-٣٩١)وَنَزَلَتْ سُورَةُ ”الفَتْحِ“ في عَوْدَتِهِ ﷺ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ. وَكَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ كانَ يَوْمَ الفُرْقانِ، فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ونَصَرَ فِيهِ المُسْلِمِينَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وتَحْطِيمِ الأصْنامِ، والقَضاءِ نِهائِيًّا عَلى دَوْلَةِ الشِّرْكِ في البِلادِ العَرَبِيَّةِ، ومِن قَبْلِ ذَلِكَ لَيْلَةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ ونُزُولِهِ في الغارِ، إذْ كانَ فِيها نَجاتُهُ ﷺ مِن فَتْكِ المُشْرِكِينَ، كَما «قالَ الصَّدِّيقُ وهُما في الطَّرِيقِ إلى الغارِ، حِينَما كانَ يَسِيرُ أحْيانًا أمامَ الرَّسُولِ ﷺ وأحْيانًا خَلْفَهُ، فَسَألَ ﷺ فَقالَ: أتَذَكَّرُ الرَّصَدَ فَأكُونُ أمامَكَ، وأتَذَكَّرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ خَلْفَكَ، فَقالَ ﷺ: ”أتُرِيدُ لَوْ كانَ شَيْءٌ يَكُونُ فِيكَ يا أبا بَكْرٍ ؟“ . فَقُلْتُ: نَعَمْ؛ فِداكَ أبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإنِّي إنْ أهْلِكْ أهْلِكْ وحْدِي، وإنْ تُصَبْ أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ تُصَبِ الدَّعْوى مَعَكَ» " . وَكَذَلِكَ وُصُولُهُ ﷺ المَدِينَةَ بِدايَةُ حَياةٍ جَدِيدَةٍ وبِناءُ كِيانِ أُمَّةٍ جَدِيدَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلِ الإسْلامُ لِذَلِكَ كُلِّهِ عَمَلًا خاصًّا بِهِ والنّاسُ في إبّانِها تَأْخُذُهم عاطِفَةُ الذِّكْرى، ويَجُرُّهم حَنِينُ الماضِي وتَتَراءى لَهم صَفَحاتُ التّارِيخِ، فَهَلْ يَقِفُونَ صُمًّا بُكْمًا أمْ يَنْطِقُونَ بِكَلِمَةِ تَعْبِيرٍ ؟ وشُكْرٍ لِلَّهِ إنَّهُ إنْ يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا يَصِحُّ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والمُنْكَرِ، وما لا يُرْضِي اللَّهَ ولا رَسُولَهُ. إنَّهُ إنْ يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَلا يَصِحُّ إلّا مِنَ المَنهَجِ الَّذِي رَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مِثْلِ تِلْكَ المُناسَباتِ مِن عِبادَةٍ في: صِيامٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ نُسُكٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيها بِما يُقالُ في المَصالِحِ المُرْسَلَةِ حَيْثُ كانَتْ. وَكانَ عَهْدُ التَّشْرِيعِ ولَمْ يُشْرَعْ في خُصُوصِها شَيْءٌ، وهَلِ الأمْرُ فِيها كالأمْرِ في المَوْلِدِ، وتَكُونُ ضِمْنَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وضِمْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] رَأْيٌ بِقِصَصِ الماضِينَ. وَنَحْنُ أيْضًا نَقُصُّ عَلى أجْيالِنا بَعْدَ هَذِهِ القُرُونِ، أهَمَّ أحْداثِ الإسْلامِ لِاسْتِخْلاصِ العِظَةِ والعِبْرَةِ أمْ لا ؟ وَهَذا ما يَتَيَسَّرُ إيرادُهُ بِإيجازٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. * * تَنْبِيهٌ. مِمّا يُعْتَبَرُ ذا صِلَةٍ بِهَذا المَبْحَثِ في الجُمْلَةِ ما نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في التَّفْسِيرِ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى (p-٣٩٢)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . قالَ عِنْدَها: وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنا أبُو العُمَيْسِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً في كِتابِكم، لَوْ عَلَيْنا يا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قالَ: وأيُّ آيَةٍ ؟ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾، فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ» . وَرَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ الصَّبّاحِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ، ورَواهُ أيْضًا مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ أيْضًا مِن طُرُقٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ بِهِ. ولَفْظُ البُخارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طارِقٍ، قالَ: «قالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينا لاتَّخَذْناها عِيدًا، فَقالَ عُمَرُ: إنِّي لَأعْلَمُ حِينَ أُنْزِلَتْ، وأيْنَ أُنْزِلَتْ، وأيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ: يَوْمَ عَرَفَةَ وأنا واللَّهِ بِعَرَفَةَ» . وَساقَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، قالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ لَنَظَرُوا اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ، فاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ. فَقالَ عُمَرُ: أيُّ آيَةٍ يا كَعْبُ ؟ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ فَأجابَهُ عُمَرُ بِما أجابَ بِهِ سابِقًا، وقالَ: في يَوْمِ جُمُعَةٍ ويَوْمِ عَرَفَةَ، وكِلاهُما - بِحَمْدِ اللَّهِ - لَنا عِيدٌ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَرَأ الآيَةَ، فَقالَ يَهُودِيٌّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْنا لاتَّخَذْنا يَوْمَها عِيدًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ، ويَوْمَ جُمُعَةٍ. وَمَحَلُّ الإيرادِ أنَّ عُمَرَ سَمِعَ اليَهُودِيَّ يُشِيدُ بِيَوْمِ نُزُولِها، فَقَدْ أقَرَّ اليَهُودِيَّ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ولَكِنْ أخْبَرَهُ بِالواقِعِ وهو أنَّ يَوْمَ نُزُولِها عِيدٌ بِنَفْسِهِ بِدُونِ أنْ نَتَّخِذَهُ نَحْنُ. وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أقَرَّ اليَهُودِيَّ عَلى إخْبارِهِ وتَطَلُّعِهِ واقْتِراحِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ كَما لَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ، مِمّا يُشْعِرُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُها يَوْمَ عِيدٍ، لَكانَ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ تُتَّخَذَ عِيدًا. ولَكِنَّهُ صادَفَ عِيدًا أوْ عِيدَيْنِ، فَهو تَكْرِيمٌ لِلْيَوْمِ بِمُناسَبَةِ ما نَزَلْ فِيهِ مِن إكْمالِ الدِّينِ (p-٣٩٣)وَإتْمامِ النِّعْمَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، الأمْشاجُ: الأخْلاطُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هَدى الإنْسانَ السَّبِيلَ، وهو بَعْدَ الهِدايَةِ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا. وَهَذِهِ الهِدايَةُ هِدايَةُ بَيانٍ وإرْشادٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، كَما أنَّ الهِدايَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِخَلْقِ التَّوْفِيقِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَلى مَن شاءَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، ومَعْنى الهِدايَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ.

الإنسان 76:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلاسِلَ وأغْلالًا﴾ بَيَّنَ تَعالى نَوْعَ هَذِهِ السَّلاسِلِ بِذَرْعِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] .

الإنسان 76:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ مادَّةُ يَشْرَبُ تَتَعَدّى بِنَفْسِها، فَيُقالُ: يَشْرَبُ كَأْسًا بِدُونِ مَجِيءِ ”مِن“، و ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ ولِلِابْتِداءِ، فَقِيلَ: هي هُنا لِلِابْتِداءِ، وأنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ، وهو: يَتَنَعَّمُونَ ويَرْتَوُونَ كَما قالُوا في: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] . إذِ الباءُ تَكُونُ لِلْإرادَةِ ولا إرادَةَ هُنا، فَهم يَتَنَعَّمُونَ بِها. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ فِعْلًا، وأنَّ شُرْبَ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّرَفُّهِ والتَّلَذُّذِ، وهي عادَةُ المُتْرَفِينَ المُنَعَّمِينَ، يَشْرَبُونَ بَعْضَ الكَأْسِ لا كُلَّهُ. وَقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَشْرَبُونَ عَنْ ظَمَأٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى لِآدَمَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، وسَيَأْتِي تَعْدِيَةُ (p-٣٩٤)يُسْقَوْنَ بِنَفْسِها إلى الكَأْسِ: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا﴾ [الإنسان: ١٧]، ويَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] . وَيُؤَيِّدُ هَذا اتِّفاقُهم عَلى التَّضْمِينِ في: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾، فَهو هُنا واضِحٌ. وَهُناكَ التَّبْعِيضُ ظاهِرٌ.

الإنسان 76:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَبْحَثُ النَّذْرِ وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٩] في سُورَةِ ”الحَجِّ“ .

الإنسان 76:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ اخْتُلِفَ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلى حُبِّهِ﴾، هَلْ هو راجِعٌ عَلى الطَّعامِ أمْ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ أيْ: ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ الطَّعامِ لِقِلَّتِهِ عِنْدَهم وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ، أمْ عَلى حُبِّ اللَّهِ رَجاءَ ثَوابِ اللَّهِ ؟ وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ المَعْنى الأوَّلَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وساقَ الشَّواهِدَ عَلى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقَوْلِهِ ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . والواقِعُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ الأوَّلَ فِيهِ ما في هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنْ أقْرَبُ دَلِيلًا وأصْرَحُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . وَفِي الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها في هَذِهِ السُّورَةِ قَرِينَةٌ تَشْهَدُ لِرُجُوعِهِ لِلطَّعامِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]؛ لِأنَّها في مَعْنى حُبِّ اللَّهِ، مِمّا يَجْعَلُ الأُولى لِلطَّعامِ وهَذِهِ لِلَّهِ. والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ السِّياقُ: ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حاجَتِهِمْ إيّاهُ، ولِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - . مَسْألَةٌ. فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾، جَمْعُ أصْنافٍ ثَلاثَةٍ: الأوَّلُ والثّانِي مِنَ المُسْلِمِينَ غالِبًا، أمّا الثّالِثُ وهو الأسِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَدى المُسْلِمِينَ أسْرى إلّا مِنَ الكُفّارِ، وإنْ (p-٣٩٥)كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما هو مَعْلُومٌ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها في الفُرْسِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وساقَ قِصَّةَ أسارى بَدْرٍ. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ الأسْرى هُمُ الخَدَمُ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الأسارى هُنا عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ الخَدَمَ لا يَخْرُجُونَ عَنِ القِسْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: اليَتِيمِ، والمِسْكِينِ، وهَؤُلاءِ الأسارى بَعْدَ وُقُوعِهِمْ في الأسْرِ، لَمْ يَبْقَ لَهم حَوْلٌ ولا طَوْلٌ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا الإحْسانُ إلَيْهِمْ. وَهَذا مِن مَحاسِنِ الإسْلامِ وسُمُوِّ تَعالِيمِهِ، وإنَّ العالَمَ كُلَّهُ اليَوْمَ لَفي حاجَةٍ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ التَّعالِيمِ السَّماوِيَّةِ السّامِيَةِ حَتّى مَعَ أعْدائِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وهَؤُلاءِ بَعْدَ الأسْرِ لَيْسُوا مُقاتِلِينَ.

الإنسان 76:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ تَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وهُنا جَمْعٌ لَهم بَيْنَ النُّضْرَةِ والسُّرُورِ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ النُّضْرَةَ لِما يَرَوْنَ مِنَ النَّعِيمِ، والسُّرُورَ لِما يَنالُونَهُ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ كَما تَقَدَّمَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فَيَكُونُ السُّرُورُ نَتِيجَةَ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .

الإنسان 76:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلى أوانِي الفِضَّةِ في الجَنَّةِ. وَجاءَ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ، وهي مُحَرَّمَةٌ في الدُّنْيا كَما هو مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَطُوفُ عَلَيْهِمْ هم: ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الطُّورِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] (p-٣٩٦)والقَوارِيرُ جَمْعُ قارُورَةٍ، والعَرَبُ تُطْلِقُ القارُورَةَ عَلى إناءِ الزُّجاجِ خاصَّةً، ولَكِنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّها قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ، مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إطْلاقِ القارُورَةِ عَلى غَيْرِ آنِيَةِ الزُّجاجِ كالفِضَّةِ مَثَلًا. قالَ صاحِبُ اللِّسانِ: والقارُورَةُ: ما قَرَّ فِيهِ الشَّرابُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: لا يَكُونُ إلّا مِنَ الزُّجاجِ خاصَّةً. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوارِيرَ﴾ ﴿بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ أوانِي زُجاجٍ في بَياضِ الفِضَّةِ وصَفاءِ القَوارِيرِ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وهَذا أحْسَنُ. اهـ. وَقالَ ابْنُ شِدْياقٍ في مُعْجَمِ مَقايِيسِ اللُّغَةِ في مادَّةٍ قَرَّ: القافُ والرّاءُ أصْلانِ صَحِيحانِ يَدُلُّ أحَدُهُما عَلى بَرْدٍ، والآخَرُ عَلى تَمَكُّنٍ، وذَكَرَ مِنَ التَّمَكُّنِ: اسْتَقَرَّ ومُسْتَقَرٌّ، كَما ذَكَرَ صاحِبُ اللِّسانِ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ البابِ القَرُّ - بِضَمِّ الرّاءِ -: صَبُّ الماءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: قَرَّرْتُ الماءَ، والقَرُّ: صَبُّ الكَلامِ في الأُذُنِ، وذَكَرَ مِنهُ الإقْرارَ: ضِدَّ الجُحُودِ؛ لِاسْتِقْرارِ الحَقِّ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَسْألَةَ إثْباتِ اللُّغَةِ بِالسَّماعِ أوْ بِالقِياسِ، فَقالَ: وهَذِهِ مَقايِيسُ صَحِيحَةٌ، فَإمّا أنْ نَتَعَدّى ونَتَحَمَّلَ الكَلامَ، كَما بَلَغَنا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: سُمِّيَتِ القارُورَةُ لِاسْتِقْرارِ الماءِ فِيها وغَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذا مِن مَذْهَبِنا. وقَدْ قُلْنا: إنَّ كَلامَ العَرَبِ ضَرْبانِ: مِنهُ ما هو قِياسٌ وقَدْ ذَكَرْناهُ، ومِنهُ ما وُضِعَ وضْعًا. والمَسْألَةُ مِن مَباحِثِ الأُصُولِ في الألْفاظِ، هَلْ هي بِوَضْعٍ لا يُقاسُ عَلَيْهِ وتَبْقى كَما وضَعَتْها العَرَبُ، أوْ أنَّها تُوضَعُ بِالقِياسِ ؟ وفائِدَةُ الخِلافِ هَلِ المُسْكِراتُ كُلُّها مَثَلًا يَتَناوَلُها مُسَمّى الخَمْرِ بِالوَضْعِ فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً بِنَصِّ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠]، أوْ أنَّها مُحَرَّمَةٌ قِياسًا عَلى الخَمْرِ بِجامِعِ عِلَّةِ الإسْكارِ ؟ وعَلَيْهِ فَإذا كانَتِ اللُّغَةُ تُساعِدُ عَلى الإطْلاقِ قِياسًا، فَهو أقْوى في الحُكْمِ؛ بِأنْ يَأْتِيَ الحُكْمُ بِالنَّصِّ لا بِالقِياسِ بِجامِعِ العِلَّةِ. ولَعَلَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما قالَهُ عُلَماءُ الوَضْعِ: مِن أنَّ اللُّغاتِ مِنها تَوْقِيفِيٌّ ومِنها قِياسِيٌّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] تَوْجِيهٌ إلى حُسْنِ الصُّنْعِ في التَّسْوِيَةِ في التَّقْدِيرِ، والمَقاساتِ.

الإنسان 76:17

(p-٣٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ وَقَبْلَها قالَ تَعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، فَقَدْ قِيلَ: هُما مَعًا، فَهي في بَرْدِ الكافُورِ وطِيبِ الزَّنْجَبِيلِ.

الإنسان 76:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ وَهَذا وصْفُ شَرابِ الجَنَّةِ، والشَّرابُ هُنا هو الخَمْرُ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذا المَفْهُومِ مِن أنَّ شَرابَ خَمْرِ الدُّنْيا لَيْسَ طَهُورًا؛ لِأنَّ أحْوالَ الجَنَّةِ لَها أحْكامُها الخاصَّةُ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]، مَعَ أنَّ أوانِيَ الفِضَّةِ مُحَرَّمَةٌ في الدُّنْيا؛ لِحَدِيثِ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُنَعَّمُونَ بِها. وَكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِخَمْرِ الجَنَّةِ، وكُلُّ أوْصافِها في الجَنَّةِ عَكْسُ أوْصافِها في الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ، كَما أوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] في سُورَةِ ”الواقِعَةِ“ . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الإنْسانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ . لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٣١] . وَوَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ وهو أنَّهُما جَنَّتانِ أوانِيهُما وجَمِيعُ ما فِيهِما مِن فِضَّةٍ، وأُخْرَيانِ أوانِيهُما وجَمِيعُ ما فِيهِما مِن ذَهَبٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الإنسان 76:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ ”نَزَّلْنا“ ”تَنْزِيلًا“: يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ بِخِلافِ ”أنْزَلْنا“، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ في سُورَةِ ”القَدْرِ“: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهُنا إثْباتُ التَّنْزِيلِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى كَيْفِيَّةَ التَّنْزِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في هَذا التَّفْرِيقِ عَلى مُكْثٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، والإحالَةُ فِيها عَلى بَيانٍ سابِقٍ.

الإنسان 76:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ تَقَدَّمَ بَيانُ مِقْدارِ المَطْلُوبِ قِيامُهُ مِنَ اللَّيْلِ في أوَّلِ سُورَةِ ”المُزَّمِّلِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٩٨)﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [المزمل: ٤] .

الإنسان 76:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: الرَّبْطُ بِقُوَّةٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ هو جِلْدُ البَعِيرِ رَطْبًا، وهو القَدُّ، وسُمِّيَ الأسِيرُ أسِيرًا لِشَدِّ قَيْدِهِ بِقُوَّةٍ بِجِلْدِ البَعِيرِ الرَّطْبِ، وهو هُنا تُقَوِّيةٌ بِشَدِّ رَبْطِ الأعْضاءِ المُتَحَرِّكَةِ في الإنْسانِ في مَفاصِلِهِ بِالعَصَبِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإتْقانِ والقُوَّةِ في الخَلْقِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .

الإنسان 76:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِvيلًا﴾ السَّبِيلُ هَنا مُنْكَرٌ، ولَكِنَّهُ مُعَيَّنٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّهِ﴾؛ لِأنَّ السَّبِيلَ إلى رَبِّهِ هو السَّبِيلُ المُسْتَقِيمُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وفي النِّهايَةِ قالَ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ ﷺ . كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ القُرْآنُ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: الهادِي إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المُنَوَّهِ عَنْهُ في الفاتِحَةِ: هو القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢ - ٣] إلى آخِرِ ”الصِّفاتِ“، فَيَكُونُ السَّبِيلُ هُنا مَعْلُومًا. وَقَوْلُهُ تَعالى قَبْلَها: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [الإنسان: ٢٩] مُشْعِرٌ بِأنَّ السَّبِيلَ عَنْ طَرِيقِ التَّذَكُّرِ فِيها والِاتِّعاظِ بِها. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، عَلَّقَ اتِّخاذَ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عَلى مَشِيئَةِ مَن (p-٣٩٩)شاءَ، وقَيْدُها رَبْطُ مَشِيئَةِ العَبْدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وهَذِهِ مَسْألَةُ القَدَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثُها بَحْثًا وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] في ”يُونُسَ“ وأحالَ عَلى ”النِّساءِ“ . إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في التَّذْيِيلِ عَلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] أنَّ كُلَّ ما يَقَعُ في هَذا الكَوْنِ مِن سُلُوكٍ وأعْمالٍ أنَّهُ بِعِلْمٍ مِنَ اللَّهِ وحِكْمَةٍ.

المرسلات 77:1

(p-٤٠٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُرْسَلاتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ يُقْسِمُ تَعالى بِهَذِهِ المُسَمَّياتِ، واخْتُلِفَ في: ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، و: ﴿فالعاصِفاتِ﴾، و: ﴿والنّاشِراتِ﴾ . فَقِيلَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ أوِ الرُّسُلُ، و عُرْفًا أيْ: مُتَتالِيَةً كَعُرْفِ الفَرَسِ، واخْتارَ كَوْنَها الرِّياحَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. واخْتارَ كَوْنَها المَلائِكَةَ أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وَعَنْ أبِي صالِحٍ: أنَّها الرُّسُلُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، واخْتارَ الأوَّلَ وقالَ: تَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ، والواقِعُ أنَّ كَلامَ ابْنِ جَرِيرٍ يُفِيدُ أنَّهُ لا مانِعَ عِنْدَهُ مِن إرادَةِ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ المَعْنى مُحْتَمَلٌ ولا مانِعَ عِنْدَهُ. واسْتَظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّها الرِّياحُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . وَهَذا هو الَّذِي اخْتارَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ، أمّا الفارِقاتُ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: آياتُ القُرْآنِ، ورَجَّحَ الشَّيْخُ الأوَّلَ، وأمّا المُلْقِياتِ ذِكْرًا ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُها في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] . وَفِي مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ. قَوْلُهُ: عُذْرًا: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإعْذارِ، ومَعْناهُ قَطْعُ العُذْرِ. وَمِنهُ المَثَلُ: مَن أعْذَرَ فَقَدْ أنْذَرَ، وهو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والنَّذْرُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وهو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْضًا، والإنْذارُ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ، و ”أوْ“ في قَوْلِهِ: (p-٤٠١)﴿أوْ نُذْرًا﴾ بِمَعْنى الواوِ، أيْ: لِأجْلِ الإعْذارِ والإنْذارِ، ومَجِيءِ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ كَمَجِيءِ ذَلِكَ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ أيْ: وسافِعٍ.

المرسلات 77:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ هُوَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ، والواقِعُ أنَّ بَيْنَ كُلِّ قَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ مُناسَبَةَ ارْتِباطٍ في الجُمْلَةِ غالِبًا، واللَّهُ تَعالى يُقْسِمُ بِما شاءَ عَلى ما شاءَ؛ لِأنَّ المُقْسَمَ بِهِ مِن مَخْلُوقاتِهِ فاخْتِيارُ ما يُقْسَمُ بِهِ هُنا أوْ هُناكَ غالِبًا يَكُونُ لِنَوْعِ مُناسَبَةٍ، ولَوْ تَأمَّلْناهُ هُنا، لَوَجَدْنا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهم مُكَذِّبُونَ بِهِ؛ فَأقْسَمَ لَهم بِما فِيهِ إثْباتُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فالرِّياحُ عُرْفًا تَأْتِي بِالسَّحابِ تَنْشُرُهُ ثُمَّ يَأْتِي المَطَرُ، ويُحْيِي اللَّهُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها. وَهَذا مِن أدِلَّةِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، والعاصِفاتُ مِنها بِشِدَّةٍ، وقَدْ تَقْتَلِعُ الأشْجارَ وتَهْدِمُ البُيُوتَ مِمّا لا طاقَةَ لَهم بِها ولا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْها، وما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الإهْلاكِ والتَّدْمِيرِ، وكِلاهُما دالٌّ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ. ثُمَّ تَأْتِي المَلائِكَةُ بِالبَيانِ والتَّوْجِيهِ والإعْذارِ والإنْذارِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .

المرسلات 77:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ كُلُّها تَغْيِيراتٌ كَوْنِيَّةٌ مِن آثارِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ. وطَمْسُ النُّجُومِ: ذَهابُ نُورِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] . ﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ: تَشَقَّقَتْ وتَفَطَّرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، ونَسْفُ الجِبالِ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في عِدَّةِ مَحالٍّ. وما يَكُونُ لَها مِن عِدَّةِ أطْوارٍ مِن: دَكٍّ وتَفْتِيتٍ، وبَثٍّ وتَسْيِيرٍ: كالسَّحابِ ثُمَّ كالسَّرابِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦] .

المرسلات 77:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ في سُورَةِ ”الواقِعَةِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٠٢)﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] .

المرسلات 77:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ يَوْمُ الفَصْلِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ، بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ، والدّائِنِ والمَدِينِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]، وكَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] .

المرسلات 77:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وَعِيدٌ شَدِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُكَذِّبِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ آخِرِ سُورَةِ ”الذّارِياتِ“، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] .

المرسلات 77:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ الماءُ المَهِينُ: هو النُّطْفَةُ الأمْشاجُ، والقَرارُ المَكِينُ: هو الرَّحِمُ، وقَدْ مَكَّنَهُ اللَّهُ وصانَهُ حَتّى مِن نَسَمَةِ الهَواءِ. والآياتُ الباهِراتُ في هَذا القَرارِ فَوْقَ أنْ تُوصَفَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ الرَّحِمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥]، والقَدْرُ المَعْلُومُ هو مُدَّةُ الحَمْلِ إلى السَّقْطِ أوِ الوِلادَةِ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ التَّنْوِيهُ عَنْ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“، وأنَّها أقْدارٌ مُخْتَلِفَةٌ وآجالٌ مُسَمّاةٌ.

المرسلات 77:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ فِيهِ التَّمَدُّحُ بِالقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ وهو حَقٌّ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ كَما جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] . وَقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] إلى آخِرِ السِّياقِ.

المرسلات 77:25

(p-٤٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”طه“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٣٥]، والكِفاتُ: المَوْضِعُ الَّذِي يَكْفِتُونَ فِيهِ، والكَفْتُ: الضَّمُّ أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بُطُونِها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١ - ١٨] .

المرسلات 77:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ بَيَّنَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣٣]، أيْ: وهي جَهَنَّمُ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .

المرسلات 77:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ نَصَّ عَلى أنَّهم لا يَنْطِقُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ أنَّهم يَنْطِقُونَ ويُجِيبُونَ عَلى ما يُسْألُونَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] . وَبَيَّنَ وجْهَ الجَمْعِ بِالإحالَةِ عَلى دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عِنْدَ سُورَةِ ”المُرْسَلاتِ“، هَذِهِ وأنَّ ذَلِكَ في مَنازِلَ وحالاتٍ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): سُورَةُ المُرْسَلاتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ لا يَنْطِقُونَ ولا يَعْتَذِرُونَ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَنْطِقُونَ ويَعْتَذِرُونَ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [ ٤٠ ]، • وقَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ القِيامَةَ مُواطِنُ فَفي بَعْضِها يَنْطِقُونَ وفي بَعْضِها لا يَنْطِقُونَ. الثّانِي: أنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِما لَهم فِيهِ فائِدَةٌ وما لا فائِدَةَ فِيهِ كالعَدَمِ. الثّالِثُ: أنَّهم بَعْدَ أنْ يَقُولَ اللَّهُ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . (p-٤٢٩)يَنْقَطِعُ نُطْقُهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ. قالَ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، وهَذا الوَجْهُ الثّالِثُ راجِعٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ.

المرسلات 77:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ النَّصُّ عَلى أنَّ عَمَلَهم في الدُّنْيا سَبَبٌ في تَمَتُّعِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] . (p-٤٠٤)وَجاءَ في الحَدِيثِ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ النَّصَّيْنِ، إذِ الدُّخُولُ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وبَعْدَ الدُّخُولِ يَكُونُ التَّوارُثُ، وتَكُونُ الدَّرَجاتُ، ويَكُونُ التَّمَتُّعُ بِسَبَبِ الأعْمالِ. فَكُلُّهم يَشْتَرِكُونَ في التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ولَكِنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ يَتَفاوَتُونَ في الدَّرَجاتِ بِسَبَبِ الأعْمالِ.

المرسلات 77:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ فِي الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] . وهُنا قالَ: ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: نَجْزِي العامِلِينَ، مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّ الجَزاءَ إنَّما هو عَلى الإحْسانِ في العَمَلِ لا مُجَرَّدُ العَمَلِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ أنَّ الغايَةَ مِنَ التَّكْلِيفِ، إنَّما هي الإحْسانُ في العَمَلِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .

المرسلات 77:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن آياتِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُؤاخَذُونَ بِتَرْكِ الفُرُوعِ، وتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ مِرارًا، والمُهِمُّ هُنا أنَّ أكْثَرَ ما يَأْتِي ذِكْرُهُ مِنَ الفُرُوعِ هي الصَّلاةُ؛ مِمّا يُؤَكِّدُ أنَّها هي بِحَقٍّ عِمادُ الدِّينِ.

المرسلات 77:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا القُرْآنِ الكَرِيمِ لِما فِيهِ مِن آياتِ ودَلائِلَ ومَواعِظَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَهُ أحْسَنَ الحَدِيثِ هُدًى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] . وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ إلى أبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ: إذا قَرَأ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾، فَقَرَأ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، فَلْيَقُلْ: آمَنتُ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلَ. (p-٤٠٥)وَذَكَرَ في سُورَةِ ”القِيامَةِ“ عَنْ أبِي داوُدَ وأحْمَدَ عِدَّةَ أحادِيثَ بِعِدَّةِ طُرُقٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: «مَن قَرَأ في سُورَةِ الإنْسانِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]، قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى. وإذا قَرَأ سُورَةَ ”والتِّينِ“ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، فَلْيَقُلْ: بَلى، وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ: ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، فَبَلَغَ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، فَلْيَقُلْ: آمَنّا بِاللَّهِ» . اهـ. وَإنّا نَقُولُ: آمَنّا بِاللَّهِ كَما أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

النبأ 78:1

(p-٤٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ النَّبَأِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿عَمَّ﴾ أصْلُهُ عَنْ ما أُدْغِمَتِ النُّونَ في المِيمِ، ثُمَّ حُذِفَ ألِفُ المِيمِ، لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْهِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وما المَوْصُولَةِ. والمَعْنى: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ، وقَدْ يُفْصَلُ حَرْفُ الجَرِّ عَنْ ما، فَلا يُحْذَفُ الألِفُ. وَأنْشَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ حَسّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ وَقالَ في الكَشّافِ: وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”عَمَّهْ“ بِهاءِ السَّكْتِ، ثُمَّ وجَّهَها بِقَوْلِهِ: إمّا أنْ يُجْرى الوَصْلُ مُجْرى الوَقْفِ، وإمّا أنْ يَقِفَ ويَبْتَدِئَ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾، عَلى أنْ يُضْمَرَ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾: لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المَذْكُورِ في التِّلاوَةِ، ولَكِنْ يُقَدَّرُ فِعْلٌ آخَرُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾، وإلّا لَأُعِيدَ الِاسْتِفْهامُ: أعَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ ؟ وَعَلى كُلٍّ، فَإنَّ ما تَساءَلُوا عَنْهُ أُبْهِمَ أوَّلًا، ثُمَّ بُيِّنَ بَعْدَهُ بِأنَّهم: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾، ولَكِنْ بَقِيَ بَيانُ هَذا النَّبَإ العَظِيمِ ما هو ؟ . فَقِيلَ: هو الرَّسُولُ ﷺ في بَعْثَتِهِ لَهم. وقِيلَ: في القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ يَدْعُوهم بِهِ. وقِيلَ في البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ. (p-٤٠٧)وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ: احْتِمالَ الجَمِيعِ وألّا تَعارُضَ بَيْنَها. والواقِعُ أنَّها كُلُّها مُتَلازِمَةٌ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِواحِدٍ مِنها كَذَّبَ بِها كُلِّها، ومَن صَدَّقَ بِواحِدٍ مِنها صَدَّقَ بِها كُلِّها، ومَنِ اخْتَلَفَ في واحِدٍ مِنها لا شَكَّ أنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيها كُلِّها. وَلَكِنَّ السِّياقَ في النَّبَأِ وهو مُفْرَدٌ. فَما المُرادُ بِهِ هُنا بِالذّاتِ ؟ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ والقُرْطُبِيُّ: مَن قالَ إنَّهُ القُرْآنُ: قالَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨] . وَمَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ، قالَ بِدَلِيلِ الآتِي بَعْدَها: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] . والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ أظْهَرَها دَلِيلًا هو يَوْمُ القِيامَةِ والبَعْثِ؛ لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَهُ بِدَلائِلِ وبَراهِينِ البَعْثِ كُلِّها، وعَقَّبَها بِالنَّصِّ عَلى يَوْمِ الفَصْلِ صَراحَةً، أمّا بَراهِينُ البَعْثِ فَهي مَعْلُومَةٌ أرْبَعَةٌ: خَلْقُ الأرْضِ والسَّماواتِ، وإحْياءُ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ونَشْأةُ الإنْسانِ مِنَ العَدَمِ، وإحْياءُ المَوْتى بِالفِعْلِ في الدُّنْيا لِمُعايَنَتِها. وكُلُّها مَوْجُودَةٌ هُنا. أمّا خَلْقُ الأرْضِ والسَّماواتِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ [النبإ: ١٢ - ١٣]، فَكُلُّها آياتٌ كَوْنِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] . وَأمّا إحْياءُ الأرْضِ بِالنَّباتِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وَجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٤ - ١٦] كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩] . وَأمّا نَشْأةُ الإنْسانِ مِنَ العَدَمِ، فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٨]، أيْ: أصْنافًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] . وَأمّا إحْياءُ المَوْتى في الدُّنْيا بِالفِعْلِ، فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ [النبإ: ٩] (p-٤٠٨)والسُّباتُ: الِانْقِطاعُ عَنِ الحَرَكَةِ. وقِيلَ: هو المَوْتُ، فَهو مِيتَةٌ صُغْرى، وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ وفاةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وهَذا كَقَتِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ وطُيُورِ إبْراهِيمَ، فَهَذِهِ آياتُ البَعْثِ ذُكِرَتْ كُلُّها مُجْمَلَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - إيرادُها مُفَصَّلَةً في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ، ولِذا عَقَّبَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]، أيْ: لِلْبَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، يَكُونُ السِّياقُ مُرَجِّحًا لِلْمُرادِ بِالنَّبَأِ هُنا. وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أيْضًا، كَثْرَةُ إنْكارِهِمْ وشِدَّةُ اخْتِلافِهِمْ في البَعْثِ أكْثَرَ مِنهم في البَعْثَةِ وفي القُرْآنِ، فَقَدْ أقَرَّ أكْثَرُهم بِبَلاغَةِ القُرْآنِ، وأنَّهُ لَيْسَ سِحْرًا ولا شِعْرًا، كَما أقَرُّوا جَمِيعًا بِصِدْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمانَتِهِ، ولَكِنَّ شِدَّةَ اخْتِلافِهِمْ في البَعْثِ كَما في أوَّلِ سُورَةِ ”ص“ و ”ق“، فَفي ”ص“ قالَ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٤ - ٥] . وَفِي ”ق“ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، فَهم أشَدُّ اسْتِبْعادًا لِلْبَعْثِ مِمّا قَبْلَهُ، - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .

النبأ 78:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ عَلِمُوا أمْ لا. ولَكِنَّ ذِكْرَ آياتِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ عَلى إحْيائِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ بِمَثابَةِ إعْلامِهِمْ بِما اخْتَلَفُوا فِيهِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن يَقُولُ لَهم: إنْ كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ في إثْباتِ البَعْثِ ونَفْيِهِ، فَهَذِهِ هي آياتُهُ ودَلائِلُهُ فاعْتَبِرُوا بِها وقايِسُوهُ عَلَيْها، والقادِرُ عَلى إيجادِ تِلْكَ، قادِرٌ عَلى إيجادِ نَظِيرِها. وَلَكِنَّ العِلْمَ الحَقِيقِيَّ بِالمُعايَنَةِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ لِوُجُودِ السِّينِ وهي لِلْمُسْتَقْبَلِ، وقَدْ جاءَ في سُورَةِ ”التَّكاثُرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ١ - ٧]، وهَذا الَّذِي سَيَعْلَمُونَهُ يَوْمَ الفَصْلِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ (p-٤٠٩)فِي السِّياقِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] .

النبأ 78:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ قُرِئَ بِالإفْرادِ، ”مَهْدًا“ أيْ: كالمَهْدِ لِلطِّفْلِ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ .

النبأ 78:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، كَوْنُ النَّوْمِ سُباتًا: راحَةً أوْ مَوْتًا، واللَّيْلِ لِباسًا: ساتِرًا ومُرِيحًا، والنَّهارِ مَعاشًا: لِطَلَبِ المَعاشِ، وذَلِكَ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”الفُرْقانِ“: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، وكُلُّها آياتٌ دالّاتٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

النبأ 78:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيِ: السَّماواتِ السَّبْعَ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”ق“: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]، وساقَ النُّصُوصَ مُماثِلَةً هُناكَ.

النبأ 78:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ النَّفْخُ في الصُّورِ لِلْبَعْثِ، وهَذا مَعْلُومٌ، وتَأْتُونَ أفْواجًا: قَدْ بَيَّنَ حالَ هَذا المَجِيءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٧ - ٨]، والأفْواجُ هُنا قِيلَ: الأُمَمُ المُخْتَلِفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧١]، ولَكِنَّ الآيَةَ بِتاءِ الخِطابِ: فَتَأْتُونَ مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّ الأفْواجَ في هَذِهِ الأُمَّةِ. وَقَدْ رَوى القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ أثَرًا عَنْ مُعاذٍ، أنَّهُ سَألَ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا مُعاذُ، سَألْتَ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ ”، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ وقالَ:“ تُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنافٍ مِن أُمَّتِي» وساقَها، وكَذَلِكَ ساقَها الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الكافِي الشّافِي في تَخْرِيجِ (p-٤١٠)أحادِيثِ الكَشّافِ: أخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الهِنْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، عَنْهُ بِطُولِهِ وهي: ”بَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكِّسُونَ أرْجُلَهم فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيًا، وبَعْضُهم صُمًّا، بُكْمًا، وبَعْضُهم يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم، فَهي مُدَلّاتٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتَنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم مُلْبَسُونَ جِلْبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةً بِجُلُودِهِمْ“ . أمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ: فَأهْلُ السُّحْتِ، والمُنَكَّسُونَ: أكَلَةُ الرِّبا، والعُمْيُ: الجائِرُونَ في الحُكْمِ، والصُّمُّ: المُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، والَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمُ: العُلَماءُ والقُصّاصُ الَّذِينَ خالَفَ قَوْلُهم أعْمالَهم، ومَقْطُوعُو الأيْدِي: مُؤْذُو الجِيرانِ، والمُصَلَّبُونَ: السُّعاةُ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، والَّذِينَ أشَدُّ نَتَنًا: مُتِّبِعُو الشَّهَواتِ، ومانِعُو حَقِّ اللَّهِ في أمْوالِهِمْ، ولابِسُو الجِلْبابِ: أهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ. انْتَهى بِإيجازٍ بِالعِبارَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النبأ 78:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ تَقَدَّمَ بَيانُ أحْوالِها يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا؛ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”طه“: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] .

النبأ 78:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ لَمْ يُبَيِّنِ الأحْقابَ هُنا كَمْ عَدَدُها، وهَذِهِ مَسْألَةُ فَناءِ النّارِ، وعَدَمِ فَنائِها. وَقِيلَ: المُرادُ بِالأحْقابِ هُنا: جُزْءٌ مِنَ الزَّمَنِ لا كُلُّهُ، وهي الأحْقابُ المَوْصُوفُ حالُهم فِيها لِما بَعْدَهم مِن كَوْنِهِمْ لا يَذُوقُونَ فِيها، أيْ: في النّارِ أحْقابًا مِنَ الزَّمَنِ، لا يَذُوقُونَ بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا. أمّا بَقِيَّةُ الأحْقابِ فَيُقالُ لَهم: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠]، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في كِتابِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، عِنْدَ الكَلامِ (p-٤١١)عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨]، وهو بَحْثٌ مُطَوَّلٌ، وسَيُطْبَعُ الكِتابُ - بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ. وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ في مَعْنى الحِقَبِ آثارًا عَدِيدَةً مِنها: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن دَخَلَها حَتّى يَكُونَ فِيها أحْقابًا. الحِقْبُ: بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةَ، والسَّنَةُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ. فَلا يَتَّكِلَنَّ أحَدُكم عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ» . ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقَدْ رَجَّحَ القُرْطُبِيُّ دَوامَهم - أيِ: الكُفّارُ في النّارِ - أبَدَ الآبِدِينَ. اهـ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٣٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّبَأِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ هو والآياتِ المُشابِهَةِ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، مَعَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ لِدَوامِ عَذابِ أهْلِ النّارِ بِلا انْقِطاعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨]، فَقَدْ بَيَّنّا هُناكَ أنَّ العَذابَ لا يَنْقَطِعُ عَنْهم وبَيَّنّا وجْهَ الِاسْتِثْناءِ بِالمَشِيئَةِ، وأمّا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأحْقابِ المَذْكُورَةِ هُنا مَعَ الدَّوامِ الأبَدِيِّ الَّذِي قَدَّمَنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ فَمِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي مالَ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ وهو الأظْهَرُ عِنْدِي لِدَلالَةِ ظاهِرِ القُرْءانِ عَلَيْهِ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ في حالِ كَوْنِهِمْ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٥]، فَإذا انْقَضَتْ تِلْكَ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِأنْواعٍ أُخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ غَيْرَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ. ويَدُلُّ لِهَذا تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّهم يُعَذَّبُونَ بِأنْواعٍ أُخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ غَيْرَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨] . وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ تَداخُلُ الحالِ وهو جائِزٌ حَتّى عِنْدَ مَن مَنَعَ تَرادُفَ الحالِ كابْنِ عُصْفُورٍ ومَن وافَقَهُ، وإيضاحُهُ أنَّ جُمْلَةَ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ اسْمِ الفاعِلِ المُسْتَكِنِّ، ونَعْنِي بِاسْمِ الفاعِلِ قَوْلَهُ: لابِثِينَ الَّذِي هو حالٌ، ونَظِيرُهُ مِن إتْيانِ جُمْلَةِ فِعْلٍ مُضارِعٍ مَنفِيٍّ بِلا حالًا في القُرْءانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، أيْ في حالِ كَوْنِكم لا تَعْلَمُونَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأحْقابَ لا تَنْقَضِي أبَدًا، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ (p-٤٣١)وَقالَ: إنَّهُ أصَحُّ مِن جَعْلِ الآيَةِ في عُصاةِ المُسْلِمِينَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ. الثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا دَلالَةَ قَوْلِهِ: ”أحْقابًا“ عَلى التَّناهِي والِانْقِضاءِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما فُهِمَ مِن مَفْهُومِ الظَّرْفِ والتَّأْبِيدِ مُصَرَّحٌ بِهِ مَنطُوقًا والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وقَوْلُ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في عُصاةِ المُسْلِمِينَ، يَرُدُّهُ ظاهِرُ القُرْءانِ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبإ: ٢٨]، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ.

النبأ 78:29

﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ قِيلَ المُرادُ بِالشَّيْءِ هُنا: أعْمالُ العِبادِ، أيْ: أنَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦]، أيْ: وِفْقَ أعْمالِهِمْ بِدُونِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، قالَ: وقَدْ أحْصَيْنا أعْمالَهم وكَتَبْناها، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] . • وَقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] . واللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وبِقَدَرٍ فِيهِ مَعْنى الإحْصاءِ، وفي السُّنَّةِ: حَدِيثُ القَلَمِ المَشْهُورُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الجِنِّ“ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] . وَهَذِهِ الآيَةُ أعْظَمُ الدَّلالاتِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وسِعَةِ عِلْمِهِ، وألّا يَفُوتَهُ شَيْءٌ قَطُّ، وأنَّهُ يَعْلَمُ بِالجُزْئِيّاتِ عِلْمَهُ بِالكُلِّيّاتِ. وَكَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] . (p-٤١٢)وَكَذَلِكَ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .

النبأ 78:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ بَيَّنَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٢ - ٣٦] .

النبأ 78:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ فِي حَقِّ الكُفّارِ قالَ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾، وفي حَقِّ المُؤْمِنِينَ قالَ ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ . فَفِي الأوَّلِ بَيانُ أنَّ مُجازاتِهِمْ وِفْقَ أعْمالِهِمْ ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. وفي الثّانِي بَيانٌ بِأنَّ هَذا النَّعِيمَ عَطاءٌ مِنَ اللَّهِ وتَفَضُّلٌ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الأصْلِ، وهو المَفازُ المُفَسَّرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وَدُخُولُ الجَنَّةِ ابْتِداءً عَطاءٌ مِنَ اللَّهِ كَما في حَدِيثِ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، وقَوْلُهُ: ﴿حِسابًا﴾: إشْعارٌ بِأنَّ تَفاوُتَ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ بِالحِسابِ ونَتائِجِ الأعْمالِ. وقِيلَ ﴿حِسابًا﴾: بِمَعْنى كِفايَةٍ، حَتّى يَقُولَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم: حَسْبِي حَسْبِي. أيْ: كافِينِي.

النبأ 78:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”الكَهْفِ“: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ لِمَعْنى الرُّوحِ هُنا سَبْعَةَ أقْوالٍ هي: أرْواحُ بَنِي آدَمَ، أوْ بَنُو آدَمَ أنْفُسُهم، أوْ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَلى صُوَرِ بَنِي آدَمَ لَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ ولا بَشَرٍ، ويَأْكُلُونَ (p-٤١٣)وَيَشْرَبُونَ، أوْ جِبْرِيلُ أوِ القُرْآنُ، أوْ مَلَكٌ عَظِيمٌ بِقَدْرِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ. ونَقَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاها القُرْطُبِيُّ، وزادَ ثامِنًا: وهم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، وتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَرْجِيحِ واحِدٍ مِنها. والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ بِمِثْلِ هَذا النَّصِّ أنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، فَفِيهِ عَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى الرُّوحِ مِن بابِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وفي سُورَةِ ”القَدْرِ“ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِشِدَّةِ هَوْلِ المَوْقِفِ، وهَؤُلاءِ وهم أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ وأقْرَبُهم إلى اللَّهِ، لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، فَغَيْرُهم مِنَ الخَلْقِ مِن بابٍ أوْلى. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . والواقِعُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا سُلْطَةَ ولا سُلْطانَ لِأحَدٍ فَقَطْ، حَتّى ولا بِكَلِمَةٍ إلّا ما أُذِنَ فِيها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] .

النبأ 78:39

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ هُوَ يَوْمُ القِيامَةِ لِاسْمِ الإشارَةِ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِالِاسْمِ الخاصِّ بِالبَعِيدِ ذَلِكَ بَدَلًا مِن هَذا، مَعَ قُرْبِ التَّكَلُّمِ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ إمّا لِبُعْدِهِ زَمانِيًّا عَنْ زَمَنِ التَّحَدُّثِ عَنْهُ، وإمّا لِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، وفي هَذا عَوْدٌ عَلى بَدْءٍ في أوَّلِ السُّورَةِ، وهو إذا كانُوا يَتَساءَلُونَ مُسْتَغْرِبِينَ أوْ مُنْكِرِينَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ حَقًّا، وها هو اليَوْمُ الحَقُّ لا لَبْسَ فِيهِ ولا شَكَّ لَيَرَوْنَهُ عَيْنَ اليَقِينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ . المَآبُ: المَرْجِعُ، كَما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]، فَإذا كانَ هَذا اليَوْمُ كائِنًا حَقًّا، والنّاسُ فِيهِ إمّا إلى جَهَنَّمَ، (p-٤١٤)﴿كانَتْ مِرْصادًا﴾ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢١ - ٢٢]، وإمّا ﴿مَفازًا﴾ ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ [النبإ: ٣١ - ٣٢]، فَبَعْدَ هَذا البَيانِ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾، يَؤُوبُ بِهِ عِنْدَ رَبِّهِ مَآبًا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ، و مَن شاءَ هُنا نَصٌّ في التَّخْيِيرِ، ولَكِنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ تَخْيِيرٍ، وإنَّما هو بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩] . فَهُوَ إلى التَّهْدِيدِ أقْرَبُ، كَما أنَّ فِيهِ اعْتِبارَ مَشِيئَةِ العَبْدِ فِيما يَسْلُكُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلى التَّهْدِيدِ ما جاءَ بَعْدَهُ.

النبأ 78:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبإ: ٤٠]، وهَذا كُلُّهُ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، وحَثٌّ أكِيدٌ عَلى السَّعْيِ الحَثِيثِ لِفِعْلِ الخَيْرِ، وطَلَبِ النَّجاةِ في اليَوْمِ الحَقِّ. نَسْألُ اللَّهَ السَّلامَةَ والعافِيَةَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قَدْ بَيَّنَ تَعالى نَتِيجَةَ هَذا النَّظَرِ إمّا المَسَرَّةَ بِهِ وإمّا الفَزَعَ مِنهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] .

النازعات 79:1

(p-٤١٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النّازِعاتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ الواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ مَحْذُوفٌ، ذُكِرَتْ صِفاتُهُ في كُلِّ المَذْكُوراتِ، إلى قَوْلِهِ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥] . وَقَدِ اخْتُلِفَ في المُقْسَمِ بِهِ فِيها كُلِّها، عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ”والنّازِعاتِ“: جَمْعُ نازِعَةٍ، والنَّزْعُ: جَذْبُ الشَّيْءِ بِقُوَّةٍ مِن مَقَرِّهِ، كَنَزْعِ القَوْسِ عَنْ كَبِدِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَحْسُوسِ والمَعْنَوِيِّ، فَمِنَ الأوَّلِ نَزْعُ القَوْسِ كَما قَدَّمْنا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ”وَنَزَعَ يَدَهُ“ [الأعراف: ١٠٨]، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وقَوْلُهُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ [الأعراف: ٢٧]، ومِنَ المَعْنَوِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧]، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والحَدِيثُ: ”لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ“ . والإغْراقُ: المُبالَغَةُ، والِاسْتِغْراقُ: الِاسْتِيعابُ. أمّا المُرادُ بِـ ”النّازِعاتِ غَرْقًا“ هُنا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ إلى حَوالِي عَشَرَةِ أقْوالٍ مِنها: أنَّها المَلائِكَةُ تَنْزِعُ الأرْواحَ، والنُّجُومُ تَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، والأقْواسُ تَنْزِعُ السِّهامَ، والغُزاةُ يَنْزِعُونَ عَلى الأقْواسِ، والغُزاةُ يَنْزِعُونَ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ لِلْقِتالِ، والوُحُوشُ تَنْزِعُ إلى الطَّلا، أيِ: الحَيَوانُ الوَحْشِيُّ. ”والنّاشِطاتِ“: قِيلَ أصْلُ الكَلِمَةِ: النَّشاطُ والخِفَّةُ، والأُنْشُوطَةُ: العُقْدَةُ سَهْلَةُ الحَلِّ، ونَشَّطَهُ بِمَعْنى رَبَطَهُ، وأنْشَطَهُ حَلَّهُ بِسُرْعَةٍ وخِفَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ» . أمّا المُرادُ بِهِ هُنا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى النَّحْوِ المُتَقَدِّمِ تَقْرِيبًا، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ تَنْشَطُ (p-٤١٦)الأرْواحَ، وقِيلَ: أرْواحُ المُؤْمِنِينَ تَنْشَطُ عِنْدَ الفَزَعِ، ولَمْ يُرَجِّحِ ابْنُ جَرِيرٍ مَعْنًى مِنها، وقالَ: كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ، وحَكاها غَيْرُهُ كُلَّها. وَقَدْ ذُكِرَ في الجَلالَيْنِ المَعْنى الأوَّلُ مِنها فَقَطْ، والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ السِّياقُ والنُّصُوصُ الأُخْرى: أنَّ كُلًّا مِنَ ”النّازِعاتِ“ و ”النّاشِطاتِ“: هُمُ المَلائِكَةُ، وهو ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وهي صِفاتٌ لَها في قَبْضِ الأرْواحِ. وَدَلالَةُ السِّياقِ عَلى هَذا المَعْنى: هو أنَّهُما وصْفانِ مُتَقابِلانِ: الأوَّلُ نَزْعٌ بِشِدَّةٍ، والآخَرُ نَشاطٌ بِخِفَّةٍ، فَيَكُونُ النَّزْعُ غَرْقًا لِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطُ بِخِفَّةٍ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ نَزْعِ أوَراحِ الكُفّارِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٣] . • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقالَ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] . وَهَذا يَتَناسَبُ كُلَّ المُناسَبَةِ مَعَ آخَرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها إذْ جاءَ فِيها: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبإ: ٤٠]، ونَظَرُ المَرْءِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ يَبْدَأُ مِن حالَةِ النَّزْعِ حِينَما يَثْقُلُ اللِّسانُ عَنِ النُّطْقِ في حالَةِ الحَشْرَجَةِ، حِينَ لا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ عِنْدَ العايِنَةِ لِما سَيَئُولُ إلَيْهِ، فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وهَذا عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ أوْ نَشْطِها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ قِيلَ: ”السّابِحاتُ“ النُّجُومُ. وقِيلَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ واللَّيْلُ والنَّهارُ، والسَّحابُ والسُّفُنُ والحِيتانُ في البِحارِ، والخَيْلُ في المَيْدانِ. وَذَكَرَها كُلَّها أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُرَجِّحْ. وقالَ: كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ، وذَكَرَها غَيْرُهُ كَذَلِكَ. والواقِعُ، فَإنَّها كُلَّها آياتٌ عِظامٌ تَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى، إلّا أنَّ السِّياقَ في أمْرِ (p-٤١٧)البَحْثِ والمَعادِ، وأقْرَبُ ما يَكُونُ إلَيْهِ الآياتُ الكَوْنِيَّةُ: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ. وقَدْ وصَفَ اللَّهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ بِالسّابِحاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ”والسّابِقاتِ“ مِنَ النُّجُومِ، السَّيّارَةِ.

النازعات 79:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها المَلائِكَةُ، وذَكَرَ الفَخْرُ الرّازِيُّ رَأْيًا لَهُ بَعِيدًا، وهو أنَّها الأرْواحُ، وأنَّها قَدْ تُدَبِّرُ أمْرَ الإنْسانِ في المَناماتِ، وهو قَوْلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما تَرى. والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ أنَّها المَلائِكَةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، وكَما وصَفَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] .

النازعات 79:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ هُما النَّفْخَتانِ في الصُّوَرِ، الرّاجِفَةُ هي الأُولى، والرّادِفَةُ هي الثّانِيَةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”يس“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وسُمِّيَتِ الأُولى الرّاجِفَةُ؛ لِما يَأْخُذُ العالَمَ كُلَّهُ مِن شِدَّةِ الرَّجْفَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] . وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَنَدِهِ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جاءَتِ الرَّجْفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بِما فِيهِ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ جَعَلْتُ صَلاتِي كُلَّها عَلَيْكَ ؟ قالَ: ”إذَنْ يَكْفِيكَ اللَّهُ ما أهَمَّكَ مِن دُنْياكَ وآخِرَتِكَ» وسَنَدُهُ قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا وكِيعٌ حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ:“ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَدِيثَ.

النازعات 79:10

(p-٤١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَسْتَنْكِرُ المُشْرِكُونَ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ، و ”الحافِرَةُ“: الحَياةُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ إلى القُبُورِ. وَنُقِلَ أنَّ الحافِرَةَ النّارُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها الحَياةُ الأُولى، يُقالُ: عادَ في حافِرَتِهِ رَجَعَ في طَرِيقِهِ، كَأنَّ مَحْياهُ الأوَّلَ حَفَرَ طَرِيقَهُ بِمَشْيِهِ فِيها، وعَلَيْهِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِحُفْرَةِ القَبْرِ، وإنَّما هو تَعْبِيرٌ عَرَبِيٌّ عَنِ العَوْدَةِ في الأمْرِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أحافِرَةٌ عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ مَعاذَ اللَّهِ مِن صَلَعٍ وعارِ أيْ: أرْجِعُ إلى الصِّبا بَعْدَ الصَّلَعِ والشَّيْبِ. وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎أقْدِمْ أخا نَهْمٍ عَلى الأساوِرَهْ ؎وَلا يَهُولَنْكَ رُءُوسٌ نادِرَهْ ∗∗∗ فَإنَّما قَصْرُكَ تُرْبُ السّاهِرَهْ ؎حَتّى تَعُودَ بَعْدَها في الحافِرَهْ ∗∗∗ مِن بَعْدِ ما صِرْتَ عِظامًا ناخِرَهْ وَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ بَعْدَها، إلى أنَّ المُرادَ بِالحافِرَةِ العَوْدَةُ إلى الحَياةِ مَرَّةً أُخْرى، في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] . والكَرَّةُ: هي العَوْدَةُ إلى الحَياةِ الأُولى، وهي ما قَبْلَ حُفْرَةِ القَبْرِ مِن تَكْرارِ الحَياةِ السّابِقَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ العِظامُ النَّخِرَةُ البالِيَةُ، والَّتِي تَخَلَّلَها الرِّيحُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وَأخْلَيْتُها مِن مُخِّها فَكَأنَّها قَوارِيرُ في أجْوافِها الرِّيحُ تَنْخُرُ وَنَخْرَةُ الرِّيحِ شِدَّةُ صَوْتِها، ومِنهُ المَنخَرُ، لِأخْذِ الهَواءِ مِنهُ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .

النازعات 79:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ . (p-٤١٩)بَيَّنَ تَعالى هَذا الحَدِيثَ ومَوْضُوعَهُ ومَكانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .

النازعات 79:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ﴾، بَيَّنَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أنَّهُ الطُّورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٠] والمُبارَكَةُ تُساوِي المُقَدَّسَ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المُناداةَ كانَتْ بِالطُّورِ وهو الوادِي المُقَدَّسُ، وهو طُوًى، وفي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ما كانَ في ذَلِكَ المَكانِ مِن مُناجاةٍ وأمْرِ العَصا والآياتِ الأُخْرى في سُورَةِ ”طه“ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٩ - ٢٤] . وَقَدْ فَصَّلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - القَوْلَ في ذَلِكَ المَوْقِفِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”طه“، كامِلَ قِصَّةِ المُناداةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٢ - ١٥] . ثُمَّ قِصَّةَ العَصا والآيَةَ في يَدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإرْسالَهُ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى، وسُؤالَ مُوسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٦]، واسْتِوْزارَ أخِيهِ مَعَهُ، دُونَ التَّعَرُّضِ إلى أُسْلُوبِ الدَّعْوَةِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بَيانٌ لِمَنهَجِ الدَّعْوَةِ، وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى مَعَ عَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ. وَأُسْلُوبُ العَرْضِ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]، ثُمَّ تَقْدِيمُ الآيَةِ الكُبْرى، ودَلِيلِ صِحَّةِ دَعْواهُ مِمّا يَلْزَمُ كُلَّ داعِيَةٍ اليَوْمَ أنْ يَقِفَ هَذا المَوْقِفَ، حَيْثُ لا يُوجَدُ اليَوْمَ أكْثَرُ مِن فِرْعَوْنَ، ولا أشَدُّ طُغْيانًا مِنهُ؛ حَيْثُ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والأُلُوهِيَّةَ مَعًا، فَقالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقالَ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، (p-٤٢٠)وَلا يُوجَدُ اليَوْمَ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى وأخِيهِ هارُونَ. وَمَعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَنهَجُ الدَّعْوَةِ مِن أكْرَمِ خَلْقِ اللَّهِ إلى أكْفَرِ عِبادِ اللَّهِ بِهَذا الأُسْلُوبِ الهادِئِ اللَّيِّنِ الحَكِيمِ، مُنْطَلِقًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] فَكانا كَما أمَرَهُما اللَّهُ، وقالا كَما عَلَّمَهُما اللَّهُ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾، وهَذا المَنهَجُ هو تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] . وَقَدْ وضَعَ القُرْآنُ مَنهَجًا مُتَكامِلًا لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وفَصَّلَهُ العُلَماءُ بِما يُشْتَرَطُ في الدّاعِي والمَدْعُوِّ إلَيْهِ، ومُراعاةِ حالِ المَدْعُوِّ. وَقَدْ قَدَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] مِن سُورَةِ ”المائِدَةِ“ . وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] في سُورَةِ ”هُودٍ“ . وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ . وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ كُلِّهِ يُشَكِّلُ مَنهَجًا كامِلًا لِمادَّةِ طَرِيقِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدّاعِي والمَدْعُوِّ وما يَدْعُو إلَيْهِ، وكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ. والحَمْدُ لِلَّهِ.

النازعات 79:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ذَكَرَ هُنا الآيَةَ الكُبْرى فَقَطْ، وذَكَرَ تَعالى مِنها أنَّ فِرْعَوْنَ جَمْعَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”القَمَرِ“ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١ - ٤٢]، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ هُناكَ.

النازعات 79:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ النَّكالُ: هو اسْمٌ لِما جُعِلَ نَكالًا لِلْغَيْرِ، أيْ: عُقُوبَةً لَهُ حَتّى يُعْتَبَرَ بِهِ، والكَلِمَةُ مِن (p-٤٢١)الِامْتِناعُ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، والنَّكْلُ القَيْدُ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ. واخْتُلِفَ في ”الآخِرَةِ والأُولى“: أهُمُ الدُّنْيا والآخِرَةُ ؟ أمْ هُمُ الكَلِمَتانِ العَظِيمَتانِ اللَّتانِ تَكَلَّمَ بِهِما فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . والثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً. وقَدِ اخْتارَ ابْنُ كَثِيرٍ الأوَّلَ، واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ الثّانِيَ، ومَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلى اخْتِيارِ ابْنِ كَثِيرٍ: أنَّ السِّياقَ قَدَّمَ الآخِرَةَ، مَعَ أنَّ تَعْذِيبَ فِرْعَوْنَ مُقَدَّمٌ فِيهِ نَكالُ الأُولى، وهي الدُّنْيا. كَما يُرَدُّ عَلى اخْتِيارِ ابْنِ جَرِيرٍ، أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ أخْذَهُ إيّاهُ نَكالًا، لِيَعْتَبِرَ بِهِ مَن يَخْشى، والعِبْرَةُ تَكُونُ أشَدَّ بِالمَحْسُوسِ، وكَلِمَتاهُ قِيلَتا في زَمَنِهِ. والقُرْآنُ يَشْهَدُ لِما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢]، وهَذا هو مَحَلُّ الِاعْتِبارِ. وَقَدْ قالَ تَعالى بَعْدَ الآيَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] . واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”إنَّ في ذَلِكَ“: راجِعٌ إلى الأخْذِ والنَّكالِ المَذْكُورَيْنِ، أيِ: المَصْدَرُ المَفْهُومُ ضِمْنًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ﴾، وقَوْلِهِ: ”نَكالَ“، بَلْ إنَّ ”نَكالَ“ مَصْدَرٌ بِنَفْسِهِ، أيْ: فَأخَذَهُ اللَّهُ ونَكَّلَ بِهِ، وجَعَلَ نَكالَهُ بِهِ عِبْرَةً لِمَن يَخْشى.

النازعات 79:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ لَمّا كانَ فِرْعَوْنُ عَلى تِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الطُّغْيانِ والكُفْرِ، وكانَ مِن أسْبابِ طُغْيانِهِ المُلْكُ والقُوَّةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤]، • وقَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] . وَهَذِهِ كُلُّها مَظاهِرُ طُغْيانِهِ وعَوامِلُ قُوَّتِهِ، خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما آلَ إلَيْهِ هَذا الطُّغْيانُ، ثُمَّ خاطَبَهم في أنْفُسِهِمْ مُحَذِّرًا مِن طُغْيانِ القُوَّةِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾، حَتّى لَوْ (p-٤٢٢)ادَّعَيْتُمْ أنَّكم أشَدُّ قُوَّةً مِن فِرْعَوْنَ، الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، فَهَلْ أنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ ؟ وَقَدْ جاءَ الجَوابُ مُصَرِّحًا بِأنَّ السَّماءَ أشَدُّ خَلْقًا مِنهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] . وَبَيَّنَ ضَعْفَ الإنْسانِ في قَوْلِهِ في نَفْسِ المَعْنى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] . وَفِي هَذا بَيانٌ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ إماتَتِهِمْ وصَيْرُورَتِهِمْ عِظامًا نَخِرَةً. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ آيَةِ ”الصّافّاتِ“: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ الآيَةَ [ق: ٦] .

النازعات 79:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وصْفُ الأرْضِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى ”دَحاها“، وجاءَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ ”طَحاها“ بِالطّاءِ، وجاءَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ بَسَطَها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] . وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ”دَحاها“، فَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النازعات: ٣١ - ٣٢] وهَذا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ”دَحاها“ أيْ: بَسَطَها. والعَرَبُ تَقُولُ: دَحا الشَّيْءَ إذا بَسَطَهُ. وَقالَ أبُو حَيّانَ: ”دَحاها“ بَسَطَها ومَهَّدَها لِلسُّكْنى والِاسْتِقْرارِ عَلَيْها، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ التَّمْهِيدَ بِما لا بُدَّ مِنهُ مِن إخْراجِ الماءِ والمَرْعى، وإرْسائِها بِالجِبالِ. (p-٤٢٣)وَمِمّا ذُكِرَ يَتَأتّى السُّكْنى والمَعِيشَةُ حَتّى المِلْحَ والمَأْكَلَ والمَشْرَبَ، وهَذا هو كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِعَيْنِهِ. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: ”دَحاها“: بَسَطَها، فَتَرى أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ تَقْرِيبًا مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ دَحاها بِمَعْنى بَسَطَها. وَقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ كَثِيرٍ: إنَّ ”دَحاها“ فُسِّرَ بِما بَعْدَهُ لا يَتَعارَضُ مَعَ البَسْطِ والتَّمْهِيدِ، كَما قالَ أبُو حَيّانِ: إنَّهُ ذَكَرَ لَوازِمَ التَّسَكُّنِ إلى المَعِيشَةِ عَلَيْها مِن إخْراجِ مائِها ومَرْعاها؛ لِأنَّ بِهِما قِوامَ الحَياةِ. وَمِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ أنَّ الدَّحْوَ مَعْرُوفٌ بِمَعْنى البَسْطِ، قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: ؎ما أنْسَ لا أنْسَ خَبّازًا مَرَرْتُ بِهِ يَدْحُو الرُّقاقَةَ وشْكَ اللَّمْحِ بِالبَصَرِ ؎ما بَيْنَ رُؤْيَتِها في كَفِّهِ كُرَةً ∗∗∗ وبَيْنَ رُؤْيَتِها قَوْراءَ كالقَمَرِ ؎إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْداحُ دائِرَةٌ ∗∗∗ في صَفْحَةِ الماءِ تَرْمِي فِيهِ بِالحَجَرِ وَقَدْ أُثِيرَ حَوْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَبْحَثُ شَكْلِ الأرْضِ أمَبْسُوطَةٌ هي أمْ كُرَوِيَّةٌ مُسْتَدِيرَةٌ ؟ وَإذا رَجَعْنا إلى أُمَّهاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ نَجِدُ الآتِي: أوَّلًا: في مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: قالَ ”دَحاها“، أزالَها مِن مَوْضِعِها ومَقَرِّها. وَمِنهُ قَوْلُهم: دَحا المَطَرُ الحَصى مِن وجْهِ الأرْضِ، أيْ: جَرَفَها، ومَرَّ الفَرَسُ يَدْحُو دَحْوًا: إذا جَرَّ يَدَهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيَدْحُو تُرابَها. وَمِنهُ أُدْحِيُّ النَّعامِ، وقالَ: الطَّحْوُ كالدَّحْوِ، وهو بَسْطُ الشَّيْءِ والذَّهابُ بِهِ والأرْضَ وما طَحاها، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ أيْ ذَهَبَ بِكَ. وَفِي مُعْجَمِ مَقايِيسِ اللُّغَةِ، مادَّةُ دَحْوٍ: الدّالُ والحاءُ والواوُ أصْلٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى بَسْطٍ وتَمْهِيدٍ. يُقالُ: دَحى اللَّهُ الأرْضَ يَدْحُوها دَحْوًا إذا بَسَطَها. ويُقالُ: دَحا المَطَرُ الحَصى (p-٤٢٤)عَنْ وجْهِ الأرْضِ، وهَذا لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ مَهَّدَ الأرْضَ. وَيُقالُ لِلْفَرَسِ، إذا رَمى بِيَدِهِ رَمْيًا لا يَرْفَعُ سُنْبُكَهُ عَنِ الأرْضِ كَثِيرًا: مَرَّ يَدْحُو دَحْوًا، ومِنَ البابِ أُدْحِيُّ النَّعامِ: المَوْضِعُ الَّذِي يُفَرِّخُ فِيهِ، أُفْعِوْلُ مِن دَحَوْتُ، لِأنَّهُ يَدْحُوهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ يَبِيضُ فِيهِ، ولَيْسَ لِلنَّعامَةِ عُشٌّ. وَفِي لِسانِ العَرَبِ مادَّةَ دَحا، والدَّحْوُ: البَسْطُ، دَحى الأرْضَ يَدْحُوها دَحْوًا: بَسَطَها. وَقالَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ قالَ: بَسَطَها، وذَكَرَ الأُدْحِيَّ مَبْيَضَ النَّعامِ في الرَّمْلِ؛ لِأنَّ النَّعامَةَ تَدْحُوهُ بِرِجْلِها، ثُمَّ تَبِيضُ فِيهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: ”فَدَحا السَّيْلَ فِيهِ بِالبَطْحاءِ“، أيْ: رَمى وألْقى. قالَ: وسُئِلَ ابْنُ المُسَيِّبِ عَنِ الدَّحْوِ بِالحِجارَةِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، أيِ: المُراماةُ بِها والمُسابَقَةُ. وَعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: هو يَدْحُو بِالحَجَرِ، أيْ يَرْمِي بِهِ ويَدْفَعُهُ، والدّاحِي: الَّذِي يَدْحُو الحَجَرَ بِيَدِهِ، وأنْشَدَ لِأوْسِ بْنِ حَجَرٍ بِمَعْنى يَنْزِعُ قَوْلَهُ: ؎يَنْزِعُ جِلْدَ الحَصى أجَشُّ مُبْتَرِكٌ ∗∗∗ كَأنَّهُ فاحِصٌ أوْ لاعِبٌ داحٍ ؟ وَفِي حَدِيثِ أبِي رافِعٍ: ”كُنْتُ أُلاعِبُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِما - بِالمَداحِي“، هي أحْجارٌ أمْثالُ القَرْصَةِ، كانُوا يَحْفِرُونَ حُفْرَةً يَدْحُونَ فِيها بِتِلْكَ الحِجارَةِ، فَإذا وقَعَ الحَجَرُ فِيها غَلَبَ صاحِبُها، وإنْ لَمْ يَقَعْ غُلِبَ. والدَّحْوُ: هو رَمْيُ اللّاعِبِ بِالحَجَرِ والجَوْزِ وغَيْرِهِ. اهـ. وَما ذَكَرَهُ صاحِبُ اللِّسانِ عَنْ أبِي رافِعٍ لا زالَ مَوْجُودًا حَتّى الآنَ بِالمَدِينَةِ، ويُسَمّى الدَّحْلُ بِاللّامِ، كَما وُصِفَ تَمامًا. وَبَعْدَ إيرادِ أقْوالِ أُصُولِ مَراجِعِ اللُّغَةِ، وما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ المُفَسِّرِينَ. فَإنَّنا نُواجِهُ الجَدَلَ القائِمَ بَيْنَ بَعْضِ عُلَماءِ الهَيْئَةِ، وبَعْضِ العُلَماءِ الآخَرِينَ، في مَوْضُوعِ شَكْلِ الأرْضِ، ولَعَلَّنا نُوَفَّقُ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ إلى بَيانِ الحَقِيقَةِ في ذَلِكَ، حَتّى لا يَظُنَّ ظانٌّ تَعارُضَ القُرْآنِ، وما يَثْبُتُ مِن عُلُومِ الهَيْئَةِ أوْ يَغْتَرَّ جاهِلٌ بِما يُقالُ في الإسْلامِ. (p-٤٢٥)وَبِتَأمُّلِ قَوْلِ المُفَسِّرِينَ نَجِدُها مُتَّفِقَةً في مَجْمُوعِها: بِأنَّ ”دَحاها“ مَهَّدَها وسَهَّلَ الحَياةَ عَلَيْها، وذَكَرَ لَوازِمَ التَّمْكِينِ مِنَ الحَياةِ عَلَيْها مِن إخْراجِ الماءِ، والمَرْعى، ووَضْعِ الجِبالِ، وهو المُتَّفَقُ مَعَ نُصُوصِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ:﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] . وَكُلُّ ذَلِكَ مِن بابٍ واحِدٍ، وهو تَمْهِيدُها والتَّمْكِينُ لِلْعَيْشِ عَلَيْها، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى التَّكْوِيرِ والِاسْتِدارَةِ. وَإذا جِئْنا إلى كُتُبِ اللُّغَةِ نَجِدُها كُلَّها، تَنُصُّ عَلى أنَّ الدَّحْوَ: البَسْطُ، والرَّمْيُ، والإزالَةُ، والتَّمْهِيدُ، فالبَسْطُ والتَّمْهِيدُ والرَّمْيُ بِالحَجَرِ المُسْتَدِيرِ في الحُفْرَةِ الصَّغِيرَةِ مَعانٍ مُشْتَرَكَةٌ، وكُلُّها تُفَسِّرُ ”دَحاها“ بِمَعْنى بَسَطَها ومَهَّدَها. وأنَّ الأُدْحِيَّةَ مَبْيَضُ النَّعامِ لا بَيْضُهُ كَما يَقُولُونَ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَدْحُوهُ بِيَدِها لِتَبِيضَ فِيهِ، إذْ لا عُشَّ لَها. وَعَلَيْهِ، فَلا دَلِيلَ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الدَّحْوَ هو التَّكْوِيرُ، ولَكِنْ ما قَوْلُ العُلَماءِ في شَكْلِ الأرْضِ، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ القُرْآنِ تَعَرَّضَ لَهُ أوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ ؟ إذا رَجَعْنا إلى كَلامِ مَن نَظَرَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنّا نَجِدُهم مُتَّفِقِينَ عَلى أنَّ شَكْلَ الأرْضِ مُسْتَدِيرٌ. وَقَبْلَ إيرادِ شَيْءٍ مِن أقْوالِهِمْ نُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ لا عَلاقَةَ لِهَذا البَحْثِ بِمَوْضُوعِ الحَرَكَةِ، سَواءٌ لِلْأرْضِ أوْ غَيْرِها، فَذاكَ بَحْثٌ مُسْتَقِلٌّ، لَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ، وإنَّما البَحْثُ في الشَّكْلِ. أمّا أقْوالُ العُلَماءِ في شَكْلِ الأرْضِ، فَإنَّ أجْمَعَ ما وقَفْتُ عَلَيْهِ، وأصْرَحَ، وأبْيَنَ، هو كَلامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ في رِسالَةِ الهِلالِ، جاءَ فِيها: قالَ في مَوْضِعٍ مِنها قَوْلَهُ: وقَدْ ثَبَتَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ، أنَّ الأفْلاكَ مُسْتَدِيرَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وقالَ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . (p-٤٢٦)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في فَلْكَةٍ مِثْلَ فَلْكَةِ المِغْزَلِ. وهَكَذا هو في لِسانِ العَرَبِ: الفَلَكُ الشَّيْءُ المُسْتَدِيرُ. ومِنهُ يُقالُ: تَفَلَّكَ ثَدْيُ الجارِيَةِ إذا اسْتَدارَ. قالَ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، والتَّكْوِيرُ هو التَّدْوِيرُ. ومِنهُ قِيلَ: كارَ العِمامَةَ وكَوَّرَها، ولِهَذا يُقالُ لِلْأفْلاكِ: كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ؛ لِأنَّ أصْلَ الكُرَةِ كُورَةٌ - تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا. وَقالَ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] مِثْلَ حُسْبانِ الرَّحى، وقالَ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] وهَذا إنَّما يَكُونُ فِيما يَسْتَدِيرُ مِن أشْكالِ الأجْسامِ دُونَ المُضَلَّعاتِ مِنَ المُثَلَّثِ أوِ المُرَبَّعِ أوْ غَيْرِهِما، فَإنَّهُ يَتَفاوَتُ؛ لِأنَّ زَواياهُ مُخالِفَةٌ لِقَوائِمِهِ. والجِسْمُ المُسْتَدِيرُ مُتَشابِهُ الجَوانِبِ والنَّواحِي، لَيْسَ بَعْضُهُ مُخالِفًا لِبَعْضٍ. وَجاءَ فِيهِ قَوْلُهُ أيْضًا: وقالَ الإمامُ أبُو الحُسَيْنِ: أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُنادِي، مِن أعْيانِ العُلَماءِ المَشْهُورِينَ بِمَعْرِفَةِ الآثارِ والتَّصانِيفِ الكِبارِ، في مُتُونِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ مِنَ الطَّبَقَةِ الثّانِيَةِ مِن أصْحابِ أحْمَدَ: لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ السَّماءَ عَلى مِثالِ الكُرَةِ، وأنَّها تَدُورُ بِجَمِيعِ ما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، كَدَوْرَةِ الكُرَةِ عَلى قُطْبَيْنِ ثابِتَيْنِ غَيْرِ مُتَحَرِّكَيْنِ، أحَدُهُما في الشَّمالِ، والآخَرُ في ناحِيَةِ الجَنُوبِ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ الكَواكِبَ جَمِيعَها تَدُورُ مِنَ المَشْرِقِ تَقَعُ قَلِيلًا عَلى تَرْتِيبٍ واحِدٍ في حَرَكَتِها ومَقادِيرِ أجْزائِها، إلى أنْ تَتَوَسَّطَ السَّماءَ، ثُمَّ تَنْحَدِرُ عَلى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ، فَكَأنَّها ثابِتَةٌ في كُرَةٍ تُدِيرُها جَمِيعَها دَوْرًا واحِدًا. هَذِهِ نُبْذَةٌ مِن أقْوالِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ في شَكْلِ الأفْلاكِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مَحَلُّ القَصْدِ بِالذّاتِ، وكَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الأرْضَ بِجَمِيعِ حَرَكاتِها مِنَ البَرِّ والبَحْرِ مِثْلَ الكُرَةِ. قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، لا يُوجَدُ طُلُوعُها وغُرُوبُها عَلى جَمِيعِ مَن في نَواحِي الأرْضِ في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ عَلى المَشْرِقِ قَبْلَ المَغْرِبِ. قالَ: فَكُرَةُ الأرْضِ مُثَبَّتَةٌ في وسَطِ كُرَةِ السَّماءِ، كالنُّقْطَةِ في الدّائِرَةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ جِرْمَ كُلِّ كَوْكَبٍ يُرى في جَمِيعِ نَواحِي السَّماءِ، عَلى قَدْرٍ واحِدٍ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى بُعْدٍ ما (p-٤٢٧)بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِقَدْرٍ واحِدٍ، فاضْطِرارٌ أنْ تَكُونَ الأرْضُ وسَطَ السَّماءِ. اهـ. بِلَفْظِهِ. فَهَذا نَقْلٌ لِإجْماعِ الأُمَّةِ، مِن إمامٍ جَلِيلٍ في عِلْمَيِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ، عَلى أنَّ الأرْضَ عَلى شَكْلِ الكُرَةِ، وقَدْ ساقَ الأدِلَّةَ الِاضْطِرارِيَّةَ مِن حَرَكَةِ الأفْلاكِ عَلى ذَلِكَ. وَمِن جِهَةِ العَقْلِ أيْضًا يُقالُ: إنَّ أكْمَلَ الأجْرامِ هو المُسْتَدِيرُ كَما قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] . وَعَلَيْهِ، فَلَوْ قُدِّرَ لِسائِرٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وافْتَرَضْنا الأرْضَ مُسَطَّحَةً كَسَطْحِ البَيْتِ أوِ القِرْطاسِ مَثَلًا، لَكانَ لِهَذا السّائِرِ مِن نِهايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، وهي مُنْتَهى التَّسْطِيحِ أوْ يَسْقُطُ في هاوِيَةٍ، وبِاعْتِبارِها كُرَةً، فَإنَّهُ يُكْمِلُ دَوْرَتَهُ، ويُكَرِّرُها ولَوْ سارَ طِيلَةَ عُمُرِهِ لَما كانَ لِمَسِيرِهِ مُنْتَهًى، لِأنَّهُ يَدُورُ عَلى سَطْحِها مِن جَمِيعِ جِهاتِها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. تَنْبِيهٌ. كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ نُقَدِّمَ هَذِهِ النَّتِيجَةَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ما دامَتْ مُتَّفِقَةً في النِّهايَةِ مَعَ قَوْلِ عُلَماءِ الهَيْئَةِ، ولا نُطِيلُ النُّقُولَ مِن هُنا وهُناكَ، ولَكِنْ قَدْ سُقْنا ذَلِكَ كُلَّهُ لِغَرَضٍ أعَمَّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَضِيَّةٍ أشْمَلَ وهي مِن جِهَتَيْنِ: أُولاهُما: أنَّ عُلَماءَ المُسْلِمِينَ مُدْرِكُونَ ما قالَ بِهِ عُلَماءُ الهَيْئَةِ، ولَكِنْ لا مِن طَرِيقِ النَّقْلِ أوْ دَلالَةٍ خاصَّةٍ عَلى هَذِهِ الجُزْئِيَّةِ مِنَ القُرْآنِ، ولَكِنْ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ إذْ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ لَمْ يَجْهَلُوا هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ، ولَمْ تَخْفَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحَقِيقَةُ. ثانِيَتُهُما: مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ وإدْراكِهِمْ لِهَذِهِ النَّظَرِيَّةِ، لَمْ يَعْزُ واحِدٌ مِنهم دَلالَتَها لِنُصُوصِ الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ. وَبِناءً عَلَيْهِ نَقُولُ: إذا لَمْ تَكُنِ النُّصُوصُ صَرِيحَةً في نَظَرِيَّةٍ مِنَ النَّظَرِياتِ الحَدِيثَةِ، لا يَنْبَغِي أنْ نُقْحِمَها في مَباحِثِها نَفْيًا أوْ إثْباتًا، وإنَّما نَتَطَلَّبُ العِلْمَ مِن طَرِيقِهِ، فَعُلُومُ الهَيْئَةِ مِنَ النَّظَرِ الِاسْتِدْلالُ، وعُلُومُ الطِّبِّ مِنَ التَّجارِبِ والِاسْتِقْراءِ، وهَكَذا يَبْقى القُرْآنُ مُصانًا عَنْ مَجالِ الجَدَلِ في نَظَرِيَّةٍ قابِلَةٍ لِلثُّبُوتِ والنَّفْيِ، أوِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، كَما لا يَنْبَغِي لِمَن لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ أمْرٍ في فَنِّهِ أنْ يُبادِرَ بِإنْكارِها ما لَمْ تَكُنْ مُصادِمَةً لِنَصٍّ صَرِيحٍ (p-٤٢٨)وَعَلَيْهِ أنْ يَتَثَبَّتَ أوَّلًا، وقَدْ نَبَّهْنا سابِقًا عَلى ذَلِكَ في مِثْلِ ذَلِكَ في قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ مَعَ بِلْقِيسَ والهُدْهُدِ حِينَما جاءَهُ، فَقالَ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]، وقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَها مَعَ قَوْمِها، فَلَمْ يُبادِرْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإنْكارِ لِكَوْنِ الآتِي بِالخَبَرِ هُدْهُدًا، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهِ ولَمْ يُسارِعْ أيْضًا بِتَصْدِيقِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِ مُسْتَنَدٌ عَلَيْهِ، بَلْ أخَذَ في طَرِيقِ التَّثَبُّتِ بِواسِطَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي جاءَهُ الخَبَرُ بِهِ، قالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، وأرْسَلَهُ بِالكِتابِ إلَيْهِمْ، فَإذا كانَ هَذا مِن نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ، ولَدَيْهِ وسائِلُ وإمْكانِياتٌ كَما تَعْلَمُ؛ فَغَيْرُهُ مِن بابِ أوْلى. تَنْبِيهٌ آخَرُ. إذا كانَ عُلَماءُ الإسْلامِ يُثْبِتُونَ كُرَوِيَّةَ الأرْضِ، فَماذا يَقُولُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] . وجَوابُهم كَجَوابِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، أيْ في نَظَرِ العَيْنِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ عَنْ أُمَّةٍ، وتَسْتَمِرُّ في الأُفُقِ عَلى أُمَّةٍ أُخْرى، حَتّى تَأْتِيَ مَطْلَعَها مِنَ الشَّرْقِ في صَبِيحَةِ اليَوْمِ الثّانِي، ويَكُونُ بَسْطُ الأرْضِ وتَمْهِيدُها، نَظَرًا لِكُلِّ إقْلِيمٍ وجُزْءٍ مِنها لِسِعَتِها وعِظَمِ جِرْمِها. وَهَذا لا يَتَنافى مَعَ حَقِيقَةِ شَكْلِها؛ فَقَدْ نَرى الجَبَلَ الشّاهِقَ، وإذا تَسَلَّقْناهُ ووَصَلْنا قِمَّتَهُ وجَدْنا سَطْحًا مُسْتَوِيًا، ووَجَدْنا أُمَّةً بِكامِلِ لَوازِمِها، وقَدْ لا يَعْلَمُ بَعْضُ مَن فِيهِ عَنْ بَقِيَّةِ العالَمِ، وهَكَذا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٣٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النّازِعاتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩] .

النازعات 79:45

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عُمُومِ الإنْذارِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ ٢٥ ]، في سُورَةِ ”يس“ وغَيْرِها.

النازعات 79:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ العَشِيَّةُ: ما بَيْنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، والضُّحى: ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ، وهَذا تَحْدِيدٌ بِنِصْفِ نَهارٍ. وَقَدْ جاءَ التَّحْدِيدُ بِساعَةٍ مِن نَهارٍ. وجاءَ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . وجاءَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [يونس: ١٠٣] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ (p-٤٢٩)”يُونُسَ“: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ [يونس: ٤٥]، وأحالَ عَلى دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ، وسَيُطْبَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ.

عبس 80:1

(p-٤٣٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ عَبَسَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ، «أنَّهُ ﷺ كانَ مَشْغُولًا بِدَعْوَةِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَأتاهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو رَجُلٌ أعْمى، وقالَ: " أقْرِئْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وكَرَّرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ وما هو مُشْتَغِلٌ بِهِ ﷺ، وما يَرْجُوهُ مِمّا هو أعْظَمُ، فَعَبَسَ وتَوَلّى عَنْهُ مُنْصَرِفًا، لِما هو مُشْتَغِلٌ بِهِ» . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ما نَصُّهُ: عَبَّرَ تَعالى عَنْ هَذا الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ - الَّذِي هو عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ - بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ النّاسُ، مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ [الحجرات: ١١] . والجَوابُ: هو ما نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ: مِن أنَّ السِّرَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظِ ”الأعْمى“؛ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ يَرى ما هو مُشْتَغِلٌ بِهِ مَعَ صَنادِيدِ الكُفّارِ لَما قَطَعَ كَلامَهُ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: إنَّهُ وإنْ كانَ أعْمى لا يَرى، فَإنَّهُ يَسْمَعُ وبِسَماعِهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإقْدامِهِ عَلى مُقاطَعَتِهِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا مَعْصِيَةً، فَكَيْفَ يُعاتَبُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَكَلامُهُ هَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْ كانَ مَعْذُورًا لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَلَيْسَ مَعْذُورًا لِإمْكانِ سَماعِهِ، ولَكِنْ ذَكَرَهُ بِوَصْفِهِ لِيُوجِبَ العَطْفَ عَلَيْهِ والرِّفْقَ بِهِ. والظّاهِرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ كَلامَ الرّازِيِّ لَيْسَ بَعِيدًا عَمّا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ عاتَبَهُ لِعَدَمِ رِفْقِهِ بِهِ. ومُراعاةِ حالَةِ عَماهُ. فِعْلَيْهِ، يَكُونُ ذِكْرُهُ بِهَذا الوَصْفِ مِن بابِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ مِن أُولَئِكَ الصَّنادِيدِ وسادَةِ القَوْمِ، وكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ (p-٤٣١)[الحج: ٤٦]، فَهَذا كَفِيفُ البَصَرِ، ولَكِنْ وقّادُ البَصِيرَةِ أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ، وجاءَ مَعَ عَماهُ يَسْعى طَلَبًا لِلْمَزِيدِ، وأنْتُمْ تَغَلَّقَتْ قُلُوبُكم وعَمِيَتْ بَصائِرُكم فَلَمْ تُدْرِكُوا الحَقِيقَةَ ولَمْ تُبْصِرُوا نُورَ الإيمانِ، كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. تَنْبِيهٌ. مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُحَدِّثُونَ: جَوازُ ذِكْرِ مِثْلَ هَذِهِ الأوْصافِ إذا كانَتْ لِلتَّعْرِيفِ لا لِلتَّنْقِيصِ، فَقالُوا: الأعْمى والأعْوَرُ والأعْرَجُ. وفي الحِرَفِ قالُوا: الخَرّازُ، والخَرَقِيُّ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وهَذا ما فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِتَرْجَمَةِ الرِّجالِ في السَّنَدِ. وَمِثْلُهُ لَيْسَ تَنابُزًا بِالألْقابِ في هَذا الفَنِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَمِثْلُهُ إذا كانَ لِلتَّعْرِيفِ في غَرَضٍ سَلِيمٍ دُونَ تَنَقُّصٍ كَما قَدَّمْنا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾، فَإنَّ فِيهِ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾؛ لِأنَّ العُبُوسَةَ أمْرٌ لا يَتَّفِقُ في الظّاهِرِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِ ﷺ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] . ولَمْ أقِفْ عَلى جَوابٍ لِذَلِكَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ. والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّهُ لا يَتَأتّى مَعَهُ؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يُسِيءُ إلى هَذا الصَّحابِيِّ في نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يَسْمَعُهُ فَيُزْعِجُهُ، كُلُّ ما كانَ مِنهُ ﷺ إنَّما هو تَقْطِيبُ الجَبِينِ، وهَذِهِ حَرَكَةٌ مَرْئِيَّةٌ لا مَسْمُوعَةٌ. والحالُ: أنَّ هَذا أعْمى لا يَرى تِلْكَ الحَرَكَةَ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَلْقَ إساءَةً مِنهُ ﷺ . ثُمَّ إنَّهُ ﷺ مُطْمَئِنٌّ لَهُ لِما هو عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ في دِينِهِ. كَما قالَ في حُنَيْنٍ: «وَأكِلُ أقْوامًا إلى ما في قُلُوبِهِمْ»، أيْ: لَمّا أعْطى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ ما هو مَعْرُوفٌ في القِصَّةِ، فَلَمْ يُعاتِبْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ. ورَضِيَ الأنْصارُ، وبَكَوْا فَرَحًا ورِضًا. ثُمَّ إنَّ تَقْطِيبَ الجَبِينِ وانْبِساطَ أسارِيرِ الوَجْهِ لِحُزْنٍ أوْ فَرَحٍ، يَكادُ يَكُونُ جِبِلِّيًّا مِمّا (p-٤٣٢)كانَ مِنهُ ﷺ، فَهو مِن بابِ الجِبِلِّيَّةِ تَقْرِيبًا، كَأنَّ المُثِيرَ لَهُ غَرَضٌ عامٌّ مِن خُصُوصِ الرِّسالَةِ ومُهِمَّتِها. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جاءَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ كانَ بَعْدَ نُزُولِها يَقُولُ لَهُ: «مَرْحَبًا فِيمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي»، ويُكْرِمُهُ، وقَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ. وَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِهَذا أمْرانِ: الأوَّلُ: التَّسامِي بِأخْلاقِهِ ﷺ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، إلى حَدِّ اللَّحْظِ بِالعَيْنِ، والتَّقْطِيبِ بِالجَبِينِ، ولَوْ لِمَن لا يَراهُ، كَما قالَ ﷺ: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» وذَلِكَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ. والثّانِي: تَأْدِيبٌ لِلْأُمَّةِ ولِلدُّعاةِ خاصَّةً، في شَخْصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما عَلَّمَهم في شَخْصِيَّتِهِ في بِرِّ الوالِدَيْنِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] . وَهَذا السِّياقُ بِكامِلِهِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١ - ١٢]، بَيانٌ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يُراعِي في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ غَنِيًّا ولا فَقِيرًا، وأنْ يَصْبِرَ عَلى ضَعْفَةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ تَبْلِيغٌ ولَيْسَ عَلَيْهِ ما وراءَ ذَلِكَ في مَسْئُولِيَّةٍ، فَلا يَتَكَلَّفُ لَهم. وَقَدْ حَثَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الصَّبْرِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، لِإيمانِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٨ - ٢٩] . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] . وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - شَيْءٌ مِن هَذا البَيانِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا التَّنْبِيهَ قَدْ وقَعَ مِن نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ إلى قَوْمِهِ، حِينَما ازْدَرَوْا ضَعْفَةَ المُؤْمِنِينَ في (p-٤٣٣)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٧ - ٢٩] . وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها عَلى صِدْقِ مَقالَةِ هِرَقْلَ، حِينَما سَألَ أبا سُفْيانَ عَنْ أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أهم سادَةُ القَوْمِ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم. فَقالَ: هَكَذا هم أتْباعُ الرُّسُلِ. وَقالَ العُلَماءُ في ذَلِكَ: لِأنَّهم أقْرَبُ إلى الفِطْرَةِ، وأبْعَدُ عَنِ السُّلْطانِ والجاهِ، فَلَيْسَ لَدَيْهِمْ حِرْصٌ عَلى مَنصِبٍ يَضِيعُ، ولا جاهٍ يُهْدَرُ، ويَجِدُونَ في الدِّينِ عِزًّا ورِفْعَةً، وهَكَذا كانَ بِلالٌ وصُهَيْبٌ وعَمّارٌ، وهَكَذا هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .

عبس 80:2

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ عَبَسَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ . عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ الَّذِي هو عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ النّاسُ مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ [الحجرات: ١١] . والجَوابُ هو ما نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، مِن أنَّ السِّرَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظِ: ”الأعْمى“ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ لَوْ كانَ يَرى ما هو مُشْتَغِلٌ بِهِ مَعَ صَنادِيدِ الكُفّارِ، لَما قَطَعَ كَلامَهُ.

عبس 80:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ ﴿وَما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ بَيانٌ لِمَوْقِفِهِ ﷺ مِن جَمِيعِ الأُمَّةِ، وحِرْصِهِ عَلى إسْلامِ الجَمِيعِ حَتّى مَن أعْرَضَ واسْتَغْنى، شَفَقَةً بِهِمْ ورَحْمَةً، كَما بَيَّنَ تَعالى حالَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] . • وَقَوْلِهِ: ﴿وَما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾، بَيانٌ أنَّهُ ﷺ لَيْسَ عَلَيْهِ مِمَّنْ لا يَتَزَكّى، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ومِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ مِنَ الجانِبَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٤ - ١١٥] .

عبس 80:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ مَعْلُومٌ أنَّ كَلِمَةَ ”كَلّا“: رَدْعٌ عَمّا سَبَقَ، وهو في جُمْلَتِهِ مُنْصَبٌّ عَلى التَّصَدِّي لِمَنِ اسْتَغْنى. والإلْحاحِ عَلَيْهِمْ والحِرْصِ عَلى سَماعِهِمْ مِنهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنَّ مَنزِلَةَ القُرْآنِ والوَحْيِ والدِّينِ أعْلى مَنزِلَةً مِن أنْ تُبْذَلَ لِقَوْمٍ هَذِهِ حالَتُهم، فَهي عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن (p-٤٣٤)تَكْرِيمٍ ورِفْعَةٍ وطُهْرَةٍ وصِيانَةٍ، وما عَلَيْها مِن حَفَظَةٍ سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ، أحْرى بِأنْ يُسْعى إلَيْها، والخَيْرُ لِمَن أتاها يَطْلُبُها. ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾، وهَذا لِلتَّهْدِيدِ لا لِلتَّخْيِيرِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾: دُعاءُ عَلَيْهِ، والإنْسانُ: لِلْجِنْسِ الكافِرِ، و ”ما أكْفَرَهُ“: أيْ ما أشَدَّ كُفْرَهُ بِها، بَعْدَ هَذا كُلِّهِ مِن عُلُوِّ مَنزِلَتِها.

عبس 80:17

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ قِيلَ: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ هُنا، ما أفْعَلُهُ، أيْ: ما أشَدَّ كُفْرَهُ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي تَعَجُبٌ مِن إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ. وَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَمَلَهُ عَلى التَّكْذِيبِ والكُفْرِ ؟ وكُلُّها مُحْتَمَلَةٌ. وَلَعَلَّ المَعْنى الأوَّلَ أظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾، ولِمَجِيءِ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وكَذَلِكَ فَعُولٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]، وهَكَذا صِفَةُ الجاحِدِينَ لِآياتِ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] .

عبس 80:18

ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلَيْهِ ذَلِكَ بِرَدِّهِ إياهُ إلى أصْلِ خِلْقَتِهِ، لِيَتَّعِظَ مِن نَفْسِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ١٨ - ٢١]؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُسَلَّمٌ بِها، ورَتَّبَ عَلَيْها الرّابِعَةَ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [المعارج: ٢٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ تَقَدَّمَ مِرارًا بَيانُ أصْلِ خَلْقِ الإنْسانِ وأطْوارِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قِيلَ: ”السَّبِيلُ“ إلى خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، حَيْثُ أدارَ رَأْسَهُ إلى جِهَةِ الخُرُوجِ، بَدَلًا مِمّا كانَ عَلَيْهِ إلى أعْلى، وهَذا مِنَ التَّيْسِيرِ في سَبِيلِ خُرُوجِهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: ”السَّبِيلُ“: أيِ الدِّينُ في وُضُوحِهِ، ويُسْرِ العَمَلِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٣٥)﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَلَعَلَّ ما رَجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ هو الأرْجَحُ؛ لِأنَّ تَيْسِيرَ الوِلادَةِ أمْرٌ عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ، وهو مُشاهَدٌ مَلْمُوسٌ، فَلا مَزِيَّةَ لِلْإنْسانِ فِيهِ عَلى غَيْرِهِ، كَما أنَّ ما قَبْلَهُ دالٌّ عَلَيْهِ أوْ عَلى مَدْلُولِهِ وهو القُدْرَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ . وَقَدْ يَكُونُ تَيْسِيرُ الوِلادَةِ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ”فَقَدَّرَهُ“ . أيْ: قَدَّرَ تَخَلُّقَهُ وزَمَنَ وُجُودِهِ وزَمَنَ خُرُوجِهِ، وتَقْدِيراتِ جِسْمِهِ وقَدْرَ حَياتِهِ، وقَدْرَ مَماتِهِ، كَما هو مَعْلُومٌ. أمّا تَيْسِيرُ سَبِيلِ الدِّينِ، فَهو الخاصُّ بِالإنْسانِ. وهو المَطْلُوبُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ. وهو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ما بَيْنَ تَخَلُّقِهِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْدِيرِهِ. وبَيْنَ إماتَتِهِ وإقْبارِهِ. أيْ: فَتْرَةُ حَياتِهِ في الدُّنْيا، أيْ: خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ وقَدَّرَ مَجِيئَهُ إلى الدُّنْيا. ويَسَّرَ لَهُ الدِّينَ في التَّكالِيفِ. ثُمَّ أماتَهُ لِيَرى ماذا عَمِلَ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ . وَلِذا جاءَ في النِّهايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] . ولَيْسَ هُنا ما يَدُلُّ عَلى الأمْرِ إلّا السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

عبس 80:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهُ مِمَّ خُلِقَ،، بَيَّنَ لَهُ هُنا كَيْفَ يُطْعِمُهُ، وفي كِلَيْهِما آيَةٌ عَلى القُدْرَةِ. وَقَدِ اتَّفَقَتِ الآيَتانِ عَلى خُطُواتٍ ثَلاثٍ مُتَطابِقَةٍ فِيهِما. فَصَبُّ الماءِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، يُقابِلُ دَفْقَ الماءِ في الرَّحِمِ. وشَقُّ الأرْضِ لِلنَّباتِ يُقابِلُ خُرُوجَهُ إلى الدُّنْيا. وإنْباتُ أنْواعِ النَّباتاتِ، يُقابِلُ تَقادِيرَ الخَلْقِ المُخْتَلِفَةِ. وَفِي التَّنْصِيصِ عَلى أنْواعِ النَّباتِ مِن: حَبٍّ، وقَضْبٍ، وعِنَبٍ، ورُمّانٍ، وزَيْتُونٍ، ونَخِيلٍ، وفَواكِهَ مُتَعَدِّدَةٍ، وحَدائِقَ مُلْتَفَّةٍ، لِظُهُورِ مَعْنى المُغايَرَةِ فِيها، مَعَ أنَّها مِن أصْلَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ: الماءُ مِنَ السَّماءِ. والتُّرْبَةُ في الأرْضِ، يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ. وَمَرَّةً أُخْرى، يُقالُ لِلشُّيُوعِيِّينَ والدَّهْرِيِّينَ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٨]: (p-٤٣٦)﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٥] . إنَّهم بِلا شَكٍّ لا يَدَّعُونَ لِأنْفُسِهِمْ فِعْلَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وإنَّهم لَيَعْلَمُونَ أنَّ لَها خالِقًا مُدَبِّرًا. ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ. ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، صَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ، وكَذَبَ كُلُّ كَفّارٍ أثِيمٍ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ خَلْقِ الإنْسانِ في مَواطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ سابِقَةٍ، آخِرُها في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، وبَيانُ طَعامِهِ في كُلٍّ مِن سُورَتِي ”الواقِعَةِ“ و ”الجاثِيَةِ“ .

عبس 80:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ الإسْفارُ: الإضاءَةُ، وهو تَهَلُّلُ الوَجْهِ بِالسُّرُورِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، والِاسْتِبْشارُ مِن تَقَدُّمِ البُشْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الحديد: ١٢] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ .

عبس 80:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾، بَيَّنَهم تَعالى بِأنَّهم هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ. وَتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“ عَلى الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . وَقَدْ جَمَعَ لَهم هُنا بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ، وهُما الكُفْرُ في الِاعْتِقادِ والفُجُورُ في الأعْمالِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

التكوير 81:1

(p-٤٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ التَّكْوِيرِ. قُوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ اخْتَلَفَ في مَعْنى ”كُوِّرَتْ“ هُنا أكْثَرُ مِن عَشَرَةِ أقْوالٍ، وكُلُّها تَدُورُ عَلى نِهايَةِ أمْرِها. فَقِيلَ: ”كُوِّرَتْ“: لُفَّ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فانْطَمَسَ نُورُها. وَقِيلَ: حُجِبَتْ بِكارَةٍ، أيْ: لُفَّتْ بِها. وقِيلَ: أُلْقِيَتْ في البَحْرِ. وقِيلَ: دَخَلَتْ في العَرْشِ. وقِيلَ: اضْمَحَلَّتْ. وقِيلَ: نُكِّسَتْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نَقُولُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ . والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، أنَّ هَذا كُلَّهُ راجِعٌ إلى تَغَيُّرِ حالِها في آخِرِ أمْرِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَها أجَلًا مُسَمًّى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها تَنْتَهِي إلَيْهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] . فَمَفْهُومُهُ: أنَّهُ إذا جاءَ هَذا الأجَلُ تَوَقَّفَتْ عَنْ جَرَيانِها. وَهُوَ ما يُشِيرُ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧ - ٩]، أيْ: بَعْدَ أنْ لَمْ يَجْتَمِعا قَطُّ، وما كانَ لَهُما أنْ يَجْتَمِعا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] (p-٤٣٨) وَلَعَلَّ أقْرَبَ الأقْوالِ المَنقُولَةِ في ذَلِكَ هو القَوْلُ بِأنَّهُ بِمَعْنى: نُكِّسَتْ. أيْ: رُدَّتْ إلى حَيْثُ أتَتْ، كَما في الحَدِيثِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها، وعَلَيْهِ فَتَجْتَمِعُ مَعَ القَمَرِ.

التكوير 81:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ قِيلَ: ”انْكَدَرَتْ“ انْصَبَّتْ، وقِيلَ: تَغَيَّرَتْ مِنَ الكُدْرَةِ، وكُلُّها مُتَلازِمَةٌ ولا تَعارُضَ. وَيَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] . وَيَشْهَدُ لِلثانِي: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨]؛ لِأنَّها إذا تَناثَرَتْ وذَهَبَتْ مِن أماكِنِها وتَغَيَّرَ نِظامُها، فَقَدْ ذَهَبَ نُورُها وطُمِسَتْ.

التكوير 81:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ: ذَهَبَ بِها مِن مَكانِها. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ حالَةِ الجِبالِ في نِهايَةِ الدُّنْيا في عِدَّةِ مَواطِنَ. مِن أهَمِّها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”طه“: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”الكَهْفِ“: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] .

التكوير 81:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ الوَأْدُ: الثِّقْلُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] . والمَوْءُودَةُ: المُثْقَلَةُ بِالتُّرابِ حَتّى المَوْتِ، وهي الجارِيَةُ كانَتْ تُدْفَنُ حَيَّةً، فَكانُوا يَحْفِرُونَ لَها الحُفْرَةَ ويُلْقُونَها فِيها، ثُمَّ يُهِيلُونَ عَلَيْها التُّرابَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا ذَنْبَ لَها فَتُقْتَلَ بِسَبَبِهِ، بَلِ الجُرْمُ عَلى قاتِلِها. وَلَكِنْ لِعِظَمِ الجُرْمِ يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ إلَيْها تَبْكِيتًا لِوائِدِها. (p-٤٣٩)وَقَدْ جاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلُهُ: أمْرانِ في الجاهِلِيَّةِ. أحَدُهُما يُبْكِينِي والآخِرُ يُضْحِكُنِي. أمّا الَّذِي يُبْكِينِي: فَقَدْ ذَهَبْتُ بِابْنَةٍ لِي لِوَأْدِها، فَكُنْتُ أحْفِرُ لَها الحُفْرَةَ وتَنْفُضُ التُّرابَ عَنْ لِحْيَتِي، وهي لا تَدْرِي ماذا أُرِيدُ لَها، فَإذا تَذَكَّرْتُ ذَلِكَ بَكَيْتُ. والأُخْرى: كُنْتُ أصْنَعُ إلَهًا مِنَ التَّمْرِ أضَعُهُ عِنْدَ رَأْسِي يَحْرُسُنِي لَيْلًا، فَإذا أصْبَحْتُ مُعافًى أكَلْتُهُ، فَإذا تَذَكَّرْتُ ذَلِكَ ضَحِكْتُ مِن نَفْسِي. أمّا سَبَبُ إقْدامِهِمْ عَلى هَذِهِ الجَرِيمَةِ الشَّنِيعَةِ وما دَفَعَهم عَلى ارْتِكابِها، فَقَدْ ناقَشَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بِتَوَسُّعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”النَّحْلِ“: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٥٩] . * * وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ هُنا تَنْبِيهَيْنِ لا بُدَّ مِن إيرادِهِما. التَّنْبِيهُ الأوَّلُ: ما يُشْبِهُ الوَأْدَ في هَذِهِ الآوِنَةِ الحَدِيثَةِ، وهو التَّعَرُّضُ لِمَنعِ الحَمْلِ بِأيِّ وسِيلَةٍ كانَتْ. وَقَدْ بَحَثْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدِيمًا وحَدِيثًا. أمّا قَدِيمًا فَفي عَمَلِيَّةِ العَزْلِ، وجاءَ فِيهِ حَدِيثُ جابِرٍ: ”كُنّا نَعْزِلُ والقُرْآنُ يَنْزِلُ“ رَواهُ مُسْلِمٌ. زادَ إسْحاقُ قالَ سُفْيانُ: لَوْ كانَ شَيْئًا يُنْهى عَنْهُ لَنَهانا عَنْهُ القُرْآنُ. وجاءَ فِيهِ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنا. كَما جاءَ التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ في حَدِيثِ جُدامَةَ بِنْتِ وهْبٍ أُخْتِ عُكاشَةَ، قالَتْ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ، قالَ: ”لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهى عَنِ الغَيْلَةِ، فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وفارِسَ فَإذا هم يُغِيلُونَ أوْلادَهم فَلا يَضُرُّ أوْلادَهم ذَلِكَ شَيْئًا“ فَسَألُوهُ عَنِ العَزْلِ، فَقالَ: ”ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ»“ . زادَ عَبْدُ اللَّهِ في حَدِيثِهِ عَنِ المُقْرِئِ زِيادَةً وهي: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ . (p-٤٤٠)فَفِي الحَدِيثِ الأوَّلِ: ما يُفِيدُ التَّقْرِيرُ. وفي الثّانِي: ما يُفِيدُ شِدَّةَ النَّكِيرِ. وَجاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَسَبَيْنا كَرائِمَ العَرَبِ، فَطالَتْ عَلَيْنا الغُرْبَةُ، ورَغِبْنا في الفِداءِ، فَأرَدْنا أنْ نَسْتَمْتِعَ ونَعْزِلَ، فَقُلْنا: نَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِنا لا نَسْألُهُ، فَسَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: " لا عَلَيْكم ألّا تَفْعَلُوا، ما كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هي كائِنَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا سَتَكُونُ» . وَفِي رِوايَةٍ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَن هو خالِقٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وَفِي رِوايَةٍ: «فَقالَ لَنا: وإنَّكم لَتَفْعَلُونَ، وإنَّكم لَتَفْعَلُونَ، وإنَّكم لَتَفْعَلُونَ. ما مِن نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا هي كائِنَةٌ» . وَفِي رِوايَةٍ: «لا عَلَيْكم ألّا تَفْعَلُوا؛ فَإنَّما هو القَدَرُ» . قالَ أبُو مُحَمَّدٍ: وقَوْلُهُ: ”لا عَلَيْكم“ أقْرَبُ إلى النَّهْيِ. وَقالَ الحَسَنُ: واللَّهِ لَكَأنَّ هَذا زَجْرٌ. فَأنْتَ تَرى قَوْلَهُ ﷺ: ”وَإنَّكم لَتَفْعَلُونَ“ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ عِلْمِهِ سابِقًا، مِمّا يَتَعارَضُ مَعَ الزِّيادَةِ في حَدِيثِ جابِرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنا، نُبْقِي قَوْلَ جابِرٍ، مِمّا يَسْتَدِلُّ بِهِ المُجَوِّزُونَ، ويُعارِضُهُ: وهي المَوْءُودَةُ، أوِ الوَأْدُ الخَفِيُّ. وَكانَ لِلْوَأْدِ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ سَبَبانِ: الأوَّلُ: اقْتِصادِيٌّ، خَشْيَةُ إمْلاقٍ، ومِن إمْلاقٍ حاضِرٍ. والثّانِي: حَمِيَّةٌ وغَيْرَةٌ. وَقَدْ رَدَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ في السَّبَبِ الأوَّلِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] . وَأخِيرًا كانَ هَذا التَّساؤُلُ شَدِيدَ التَّوْبِيخِ لَهم: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (p-٤٤١) وَفِي هَذِهِ الآيَةِ أُثِيرَتْ مَرَّةً أُخْرى، وبِشَكْلٍ آخَرَ أثارَها أعْداءُ المُسْلِمِينَ مَكِيدَةً لِلسُّذَّجِ، فَأُثِيرَتْ مِنَ النّاحِيَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ. وَكانَ مَبْدَؤُها المَعْرُوفُ عِنْدَ كُتّابِ هَذا العَصْرِ بِنَظَرِيَّةِ: ”مالتِسْ“ والآنَ لِغَرَضٍ عَسْكَرِيٍّ لِتَقْلِيلِ عَدَدِ جُنُودِ المُسْلِمِينَ، حِينَما عَلِمَ العَدُوُّ أنَّ الإسْلامَ يُبِيحُ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، فَأرادُوا أنْ يُوقِفُوا هَذا النُّمُوَّ. وَيَكْفِي أنْ نُورِدَ هُنا قَوْلَهُ ﷺ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا؛ فَإنِّي مُباهٍ بِكُمُ الأُمَمَ» . وَفِي رِوايَةٍ: ”مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ“ . وَفِيهِ: «تَزَوَّجُوا الوَلُودَ الوَدُودَ» ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ كُنْتُ جَمَعْتُ في ذَلِكَ بَحْثًا في مُحاضَرَةٍ وافِيَةٍ في هَذا الغَرَضِ، مِن حَيْثُ السِّياسَةِ والِاقْتِصادِ، والدِّفاعِ مَعَ عَمَلِ إحْصائِياتٍ لِلدُّوَلِ الَّتِي تُطالِبُ بِهَذا العَمَلِ، مِمّا يَدْفَعُ رَأْيَ كُلِّ قائِلٍ بِهِ. والَّذِي يَهُمُّنا في هَذا المَقامِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ، إلى أنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ إلى تَحْدِيدِ أوْ تَنْظِيمِ النَّسْلِ مَنشَؤُها مِنَ اليَهُودِ، وتَشْجِيعُها في الشَّرْقِ مِن دُوَلِ الغَرْبِ، وكَثِيرٌ مِنَ الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ تَبْذُلُ المالَ الطّائِلَ لِتُفْشِيَ هَذا الأمْرَ في دُوَلِ الشَّرْقِ الأوْسَطِ، وخاصَّةً الإسْلامِيَّةَ والعَرَبِيَّةَ. * * التَّنْبِيهُ الثّانِي: وهو حَوْلَ ما يُصَرِّحُ بِهِ دُعاةُ تَحْرِيرِ المَرْأةِ في صُورَةِ مُناصَرَةٍ لَها، والواقِعُ أنَّهم دُعاةُ شَقائِها ومُعاداةٌ لَها، وهَدْمٌ لِما مَكَّنَها اللَّهُ مِنهُ في ظِلِّ الإسْلامِ. وَذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ هَذِهِ حالَةٌ مِن حالاتِها تُوءَدُ حَيَّةً، وتُورَثُ كالمَتاعِ، ومُهْمَلَةَ الشَّخْصِيَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. فَحَباها الإسْلامُ ما يُثْبِتُ شَخْصِيَّتَها ابْتِداءً مِن إيفائِها حَقَّها في الحَياةِ كالرَّجُلِ، ثُمَّ اخْتِيارِها في الزَّواجِ، وحَقِّها في المِيراثِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدِّمَ الحَدِيثُ عَنْ ذَلِكَ في عِدَّةِ مَحِلّاتٍ، مِنها لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤] .

التكوير 81:12

(p-٤٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذا المَعْنى عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى مِن سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣] .

التكوير 81:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ الزُّلْفى: القُرْبى، ”وَأُزْلِفَتْ“: قُرِّبَتْ، وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١] .

التكوير 81:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ المُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا: العُمُومُ، أيْ كُلُّ نَفْسٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] .

التكوير 81:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ نَفْيُ القَسَمِ، ولَكِنَّهُ قَسَمٌ قَطْعًا، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِجَوابِ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] . وَبِهَذا يَتَرَجَّحُ ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ”القِيامَةِ“: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] . وَمِثْلُ الآتِي ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] . تَنْبِيهٌ. يُجْمِعُ المُفَسِّرُونَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى قُدْرَتِهِ، ولَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ أنْ يَحْلِفَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى. وَلَكِنْ؛ هَلْ في المُغايَرَةِ بِما يُقْسِمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَعْنًى مَقْصُودٌ، أمْ لِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ، وتَعَدُّدِ المُقْسَمِ بِهِ ؟ (p-٤٤٣)وَبَعْدَ التَّأمُّلِ، ظَهَرَ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ في مَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ، إلّا لِغَرَضٍ يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَوْضِعِ، يَكُونُ بَيْنَ المُقْسَمِ بِهِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ مُناسِبَةٌ وارْتِباطٌ، وقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا، وقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا. وَهَذا فِعْلًا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والإعْجازُ في القُرْآنِ، وإنْ كُنْتُ لَمْ أقِفْ عَلى بَحْثٍ فِيهِ. وَلَكِنْ مِمّا يُشِيرُ إلى هَذا المَوْضُوعِ، ما جاءَ بِالإقْسامِ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، وفي حالَتَيْنِ مُتَغايِرَتَيْنِ. الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ١ - ٤] . والمَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ١ - ٤] . فالمَقْسَمُ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ: مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ في المَوْضِعَيْنِ خَلْقُ الإنْسانِ، ولَكِنْ في المَوْضِعِ الأوَّلِ كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مُكابَدَةَ الإنْسانِ مِن أوَّلِ وِلادَتِهِ إلى نَشْأتِهِ، إلى كَدِّهِ في حَياتِهِ، إلى نِهايَتِهِ ومَماتِهِ. مِن ذَلِكَ مُكابَدَتُهُ ﷺ مُنْذُ وِلادَتِهِ إلى حَيْثُ ماتَ أبُوهُ قَبْلَهُ، ولَحِقَتْ بِهِ أُمُّهُ، وهو في طُفُولَتِهِ، وبَعْدَ الوَحْيِ كابَدَ مَعَ قَوْمِهِ ولَقِيَ مِنهم عَنَتًا شَدِيدًا، حَتّى تَآمَرُوا عَلى قَتْلِهِ، فَلَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ المُكابَدَةَ لا بُدَّ مِنها، وهي مُلازِمَةٌ لِلْإنْسانِ كَمُلازَمَتِكَ لِهَذا البَلَدِ مُنْذُ وِلادَتِكَ. وَفِي ذِكْرِ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ إشْعارٌ بِبَدْءِ المُكابَدَةِ، وبِأشُدِّها مِن حالَةِ الوِلادَةِ وطَبِيعَةِ الطُّفُولَةِ، ولِذا ذَكَرَ هُنا هَذا البَلَدَ بِدُونِ أيِّ وصْفٍ. أمّا في المَوْضِعِ الثّانِي: فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ هو خَلْقُ الإنْسانِ، إلّا أنَّهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وهي أعْظَمُ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ جاءَ بِالمُقْسَمِ بِهِ عَرْضًا لِلنِّعَمِ، وتَعَدُّدِها مِنَ التِّينِ والزَّيْتُونِ، سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِما الفاكِهَةُ المَذْكُورَةُ أوْ أماكِنُها، وهو بَيْتُ المَقْدِسِ مَعَ طُورِ سِينِينَ. (p-٤٤٤)فَجاءَ بِمَكَّةَ أيْضًا ولَكِنْ بِوَصْفٍ مُناسِبٍ، فَقالَ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ مَن أنْعَمَ عَلى تِلْكَ البِقاعِ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ والقَداسَةِ، أنْعَمَ عَلى الإنْسانِ بِنِعْمَةِ حُسْنِ خِلْقَتِهِ وحُسْنِ تَقْوِيمِهِ وفَضْلِهِ عَلى سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَهُنا يُقْسِمُ بِحالاتِ الكَواكِبِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ، في ظُهُورِها واخْتِفائِها وجَرَيانِها، وبِـ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾: أقْبَلَ وأدْبَرَ، أوْ أضاءَ وأظْلَمَ، ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾: أيْ أظْهَرَ وأشْرَقَ، وهُما أثَرانِ مِن آثارِ الشَّمْسِ في غُرُوبِها وشُرُوقِها. والمَقْسَمُ عَلَيْهِ: هو أنَّ القُرْآنَ قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ حالُهُ في الثُّبُوتِ والظُّهُورِ، وحالُ النّاسِ مَعَهُ كَحالِ هَذِهِ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ لَدَيْكم في ظُهُورِها تارَةً، واخْتِفائِها أُخْرى. وَكَحالِ اللَّيْلِ والصُّبْحِ، فَهو عِنْدَ أُناسٍ مَوْضِعُ ثِقَةٍ وهِدايَةٍ كالصُّبْحِ في إسْفارِهِ، قُلُوبُهم مُتَفَتِّحَةٌ إلَيْهِ وعُقُولُهم مُهْتَدِيَةٌ بِهِ، فَهو لَهم رُوحٌ ونُورٌ، وعِنْدَ أُناسٍ مُظْلِمَةٌ أمامَهُ قُلُوبُهم، عَمًى عَنْهُ بَصائِرُهم، وفي آذانِهِمْ وقْرٌ، وهو عَلَيْهِمْ عَمًى، وأُناسٌ تارَةً وتارَةً كالنُّجُومِ أحْيانًا، وأحْيانًا، تارَةً يَنْقَدِحُ نُورُهُ في قُلُوبِهِمْ، فَتَظْهَرُ مَعالِمُهُ فَيَسِيرُونَ مَعَهُ، وتارَةً يَغِيبُ عَنْهم نُورُهُ فَتَخْنِسُ عَنْهُ عُقُولُهم وتَكْنُسُ دُونَهُ قُلُوبُهم، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] . وَلَيْسَ بَعِيدًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، تُعْتَبَرُ النُّجُومُ كالكُتُبِ السّابِقَةِ، مَضى عَلَيْها الظُّهُورُ في حِينِها والخَفاءُ بَعْدَها. ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾: هو ظَلامُ الجاهِلِيَّةِ. ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾: يُقابِلُهُ ظُهُورُ الإسْلامِ، وأنَّهُ سَيَنْتَشِرُ انْتِشارَ ضَوْءِ النَّهارِ، ولا تَقْوى قُوَّةٌ قَطُّ عَلى حَجْبِهِ، وسَيَعُمُّ الآفاقَ كُلَّها، مَهْما وقَفُوا دُونَهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] . وَقَدْ يَكُونُ في هَذا الإيرادِ غَرابَةٌ عَلى بَعْضِ النّاسِ، ولا سِيَّما وأنِّي لَمْ أقِفْ عَلى بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ فِيهِ، ولا تَوْجِيهٍ يُشِيرُ إلَيْهِ، ولَكِنْ مَعَ التَّتَبُّعِ وجَدْتُ اطِّرادَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وجَدِيرٌ بِأنْ يُفْرَدَ بِرِسالَةٍ. (p-٤٤٥)وَمِمّا اطَّرَدَ فِيهِ هَذا التَّوْجِيهُ سُورَةُ ”الضُّحى“، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ١ - ٣]، فَإنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ عَدَمُ تَرْكِهِ ﷺ ولا التَّخَلِّي عَنْهُ، فَجاءَ بِالمُقْسَمِ بِهِ قِسْمَيِ الزَّمَنِ لَيْلًا ونَهارًا، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ما قَلاكَ رَبُّكَ ولا تَخَلّى عَنْكَ، لا في ضُحى النَّهارِ حَيْثُ تَنْطَلِقُ لِسَعْيِكَ، ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حِينَ تَأْوِي إلى بَيْتِكَ. وَمَعْلُومٌ ما كانَ مِن عَمِّهِ أبِي طالِبٍ حِينَما كانَ يَجْعَلُهُ يَنامُ مَعَ أوْلادِهِ لَيْلًا، حَتّى إذا أخَذَ الجَمِيعُ مَضاجِعَهم يَأْتِي خِفْيَةً فَيُقِيمُهُ مِن مَكانِهِ. ويَضَعُ أحَدَ أوْلادِهِ مَحَلَّهُ، حَتّى لَوْ كانَ أحَدٌ نَواهُ بِسُوءٍ، وقَدْ رَآهُ في مَكانِهِ الأوَّلِ يُصادِفُ ولَدَهُ، ويَسْلَمُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤]، أيْ: مِن كُلِّ ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وسَجاهُ اللَّيْلُ. وَمِنهُ أيْضًا: وهو أشَدُّ ظُهُورًا في سُورَةِ ”العَصْرِ“ قالَ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١ - ٣]، إلى آخَرِ السُّورَةِ. فَإنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو حالَةُ الإنْسانِ، الغالِيَةُ عَلَيْهِ مِن خُسْرٍ، إلّا مَنِ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى، فَكانَ المُقْسَمُ بِهِ، والعَصْرُ المُعاصِرُ لِلْإنْسانِ طِيلَةَ حَياتِهِ وهو مَحَلُّ عَمَلِهِ، الَّذِي بِهِ يَخْسَرُ ويَرْبَحُ. وهو مُعاصِرٌ لَهُ وأصْدَقُ شاهِدٍ عَلَيْهِ. وَكُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - يَقُولُ: إنَّ العُمُرَ وزَمَنَ الحَياةِ حُجَّةٌ عَلى الإنْسانِ كالرِّسالَةِ والنِّذارَةِ سَواءٌ، وذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فَجَعَلَ في الآيَةِ التَّعْمِيرَ، وهو إشْغالُ العُمُرِ مُوجِبًا لِلتَّذَكُّرِ والتَّأمُّلِ، ومُهْلَةً لِلْعَمَلِ، كَما تُخْبِرُ إنْسانًا بِأمْرٍ ثُمَّ تُمْهِلُهُ إلى أنْ يَفْعَلَ ما مَرَّ بِهِ، فَهو أمْكَنُ في الحُجَّةِ عَلَيْهِ. فَكانَ القَسَمُ في العَصْرِ عَلى الرِّبْحِ والخُسْرانِ، أنْسُبُ ما يَكُونُ بَيْنَهُما، إذْ جُعِلَتْ حَياةُ الإنْسانِ كَسُوقٍ قائِمَةٍ والسِّلْعَةُ فِيهِ العَمَلُ والعامِلُ هو الإنْسانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الصف: ١٠ - ١١] . وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «سُبْحانَ اللَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ»، وفِيهِ «كُلُّ النّاسِ (p-٤٤٦)يَغْدُو، فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مُوبِقُها»، فَإنْ كانَ يَشْغَلُ عُمُرَهُ في الخَيْرِ فَقَدْ رَبِحَ، وأعْتَقَ نَفْسَهُ وإلّا فَقَدْ خَسِرَ وأهْلَكَها " . وَيُشِيرُ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . فَصَحَّ أنَّ الدُّنْيا سُوقٌ، والسِّلْعَةُ فِيها عَمَلُ الإنْسانِ، والمُعامَلَةُ فِيهِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَظَهَرَ الرَّبْطُ والمُناسَبَةُ مَعَ المَقْسَمِ بِهِ، والمُقْسَمِ عَلَيْهِ.

التكوير 81:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ هو القُرْآنُ، وأمّا المُرادُ بِالرَّسُولِ الكَرِيمِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . فَصاحِبُكم هُنا: هو مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي صَحِبَهم مُنْذُ وِلادَتِهِ وذُو القُوَّةِ عِنْدَ ذِي العَرْشِ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي إسْنادِ القَوْلِ إلَيْهِ ما قَدْ يُثِيرُ شُبْهَةً أنَّ القَوْلَ مِنهُ، مَعَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. وَقَدْ أجابَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، بِإيرادِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ في أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقالَ: وإنَّ في نَفْسِ هَذِهِ الآيَةِ ما يَرُدُّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، ويُثْبِتُ تِلْكَ الحَقِيقَةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يَأْتِي بِقَوْلٍ مِن عِنْدِهِ، وإنَّما القَوْلُ الَّذِي جاءَ بِهِ هو ما أُرْسِلَ بِهِ مِن غَيْرِهِ، إلى ما أُرْسِلَ إلَيْهِ بِهِ. تَنْبِيهٌ في وصْفِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتِلْكَ الأوْصافِ. نَصٌّ في تَمْكِينِهِ مِن حِفْظِ ما أُرْسِلَ بِهِ، وصِيانَتِهِ عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ ”مَكِينٌ“، فَلا يَصِلُ إلَيْهِ ما يُخِلُّ بِرِسالَتِهِ، ولِأنَّهُ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ . والمُطاعُ لا يُؤَثِّرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، والأمِينُ لا يَخُونُ ولا يُبَدِّلُ، فَكانَ القُرْآنُ الَّذِي جاءَ بِهِ مَصُونًا مِن أنْ يَتَسَلَّطَ أحَدٌ (p-٤٤٧)عَلَيْهِ فَيُغَيِّرُهُ، ومِن أنْ يُغَيِّرَهُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا كُلُّهُ بِمَثابَةِ التَّرْجَمَةِ لِسَنَدِ تَلَقِّي القُرْآنِ الكَرِيمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ بَيانٌ لِتَتِمَّةِ السَّنَدِ، حَيْثُ قالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٣ - ٢٤]، فَنَفى عَنْهُ ﷺ نَقْصَ التَّلَقِّي بِنَفْيِ آفَةِ الجُنُونِ، فَهو في كَمالِ العَقْلِ وقُوَّةِ الإدْراكِ، ومِن قَبْلُ أثْبَتَ لَهُ كَمالَ الخُلُقِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وَأثْبَتَ لَهُ اللُّقْيا، فَلَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِغَيْرِهِ، وهي أعْلى دَرَجاتِ السَّنَدِ، فاجْتَمَعَ لَهُ ﷺ الكَمالُ الخُلُقِيُّ والكَمالُ الخِلْقِيُّ - بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها - أيِ: الكَمالُ حِسًّا ومَعْنًى، ثُمَّ نَفى عَنْهُ التُّهْمَةَ بِأنْ يَضِنَّ بِشَيْءٍ مِمّا أُرْسِلَ بِهِ مَعَ نَفاسَتِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ وجَلِيلِ عُلُومِهِ، وأنَّهُ كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ. وَفِي الخِتامِ إفْهامُهم بِأنَّهُ لَيْسَ: ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]، حَيْثُ تَقَدَّمَ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] . وَأنَّ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، فَلَمْ يَبْقَ لَهم مُوجِبٌ لِلِانْصِرافِ عَنْهُ، وأُلْزِمُوا بِالأخْذِ بِهِ حَيْثُ أصْبَحَ مِنَ الثّابِتِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، جاءَ بِهِ رَسُولٌ كَرِيمٌ، وبَلَّغَهُ لِصاحِبِكم صاحِبِ الخُلُقِ العَظِيمِ، ولَيْسَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. فَلَزِمَهُمُ الأخْذُ بِهِ، وإلّا فَأيْنَ تَذْهَبُونَ. أيْنَ تَسِيرُونَ عَنْهُ، بَعْدَ أنْ ثَبَتَ لَكم سَنَدُهُ ومَصْدَرُهُ ؟ وَنَظِيرُ هَذا السَّنَدِ في تَمْجِيدِ القُرْآنِ وإثْباتِ إتْيانِهِ مِنَ اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”النَّجْمِ“: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٢، ٣ - ٧] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٣٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّكْوِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَتَوَهَّمُ مِنهُ الجاهِلُ أنَّ القُرْءانِ كَلامُ جِبْرِيلَ مَعَ أنَّ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ مُصَرِّحَةٌ بِكَثْرَةٍ بِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وكَقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [ ١١ ] . والجَوابُ واضِحٌ مِن نَفْسِ الآيَةِ لِأنَّ الإيهامَ الحاصِلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ﴾ يَدْفَعُهُ ذِكْرُ الرَّسُولِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ أُرْسِلَ بِتَبْلِيغِهِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أيْ تَبْلِيغُهُ عَمَّنْ أرْسَلَهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ.

التكوير 81:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، بِمَثابَةِ مَن يَسُدُّ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ إلّا لَهُ؛ لِأنَّهُ - أيِ القُرْآنُ - لَيْسَ في نُزُولِهِ مِنَ اللَّهِ (p-٤٤٨)عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيُّ شُبْهَةٍ ولا تُهْمَةٍ، فَلَيْسَ لِلْعاقِلِ أنْ يَحِيدَ عَنْهُ، وكُلُّ ذَهابٍ إلى غَيْرِهِ فَطَرِيقٌ مَسْدُودٌ، وضَلالٌ وهَلاكٌ.

التكوير 81:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ وقُوَّةِ هَذا السَّنَدِ، وإظْهارِ ثُبُوتِ الرِّسالَةِ، فَقَدْ أعْذَرَ مَن أنْذَرَ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ .

التكوير 81:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ قَضِيَّةُ القَدَرِ والإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ. وقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في عِدَّةِ مَواطِنَ. مِنها في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وفِيها مُناظَرَةُ المُعْتَزِلِيِّ مَعَ السُّنِّيِّ. وَمِنها في سُورَةِ ”الذارِياتِ“: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]، والفَرْقُ بَيْنَ الإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ. تَنْبِيهٌ. إذا كانَ الكَثِيرُونَ يَسْتَدِلُّونَ في قَضِيَّةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي ألّا تُغْفَلَ أهَمِّيَّتُها في جانِبِ الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ دائِمًا، بِطَلَبِ التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا بِالمَشِيئَةِ بِالِاسْتِقامَةِ فَضْلًا مِن عِنْدِهِ، كَما أمَرَنا في الصَّلاةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنها أنْ نَطْلُبَهُ هَذا الطَّلَبَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . تَنْبِيهٌ آخَرُ. لِقَدْ أُجْمِلَتِ الِاسْتِقامَةُ هُنا، وهي مُنَبَّهٌ عَلَيْها في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“: إلى صِراطِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، كَما هو مَعْلُومٌ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الانفطار 82:1

(p-٤٤٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الِانْفِطارِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ، كَما في سُورَةِ ”الِانْشِقاقِ“: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، قِيلَ: هَيْبَةً لِلَّهِ. وَقِيلَ: لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الشُّورى“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ أهْوالِ القِيامَةِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨] . وَمِثْلُ الِانْفِطارِ والتَّشَقُّقِ: الِانْفِراجُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٨ - ٩] .

الانفطار 82:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أيْ: بُعْثِرَ مَن فِيها. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠] . وَقَدْ دَلَّ هَذا اللَّفْظُ عَلى سُرْعَةِ الِانْتِشارِ، كَبَعْثَرَةِ الحَبِّ مِنَ الكَفِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا﴾ [ق: ٤٤] .

الانفطار 82:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ (p-٤٥٠)أيْ كُلُّ نَفْسٍ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”التَّكْوِيرِ“ . وَقَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَلى ذَلِكَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ في سُورَةِ ”الِانْفِطارِ“ هَذِهِ، عِنْدَ نَفْسِ الآيَةِ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْفِطارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُوهِمُ ظاهِرُها أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ يَوْمَ القِيامَةِ ما قَدَّمَ وما أخَّرَ نَفْسٌ واحِدَةٌ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نَفْسِ تَعْلَمُ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [ ١٠ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والجَوابُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ”نَفْسٌ“، كُلُّ نَفْسٍ، والنَّكِرَةُ وإنْ كانَتْ لا تَعُمُّ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الشَّرْطِ أوِ الِامْتِنانِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَإنَّ التَّحْقِيقَ أنَّها رُبَّما أفادَتِ العُمُومَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ مِن غَيْرِ نَفْيٍ أوْ شَرْطٍ أوِ امْتِنانٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤]، في ”التَّكْوِيرِ“ و ”الِانْفِطارِ“ وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا﴾ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الانفطار 82:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]، أيْ: هَذِهِ أطْوارُ الإنْسانِ في خِلْقَتِهِ. وَمِمّا يَشْهَدُ لِحُسْنِ الخِلْقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . واخْتِلافُ الصُّوَرِ إنَّما هو مِن آياتِ اللَّهِ وابْتِداءً مِنَ الرَّحِمِ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] . وَتَقَدَّمَ في صُورَةِ ”الحَشْرِ“: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] . وَفِي اخْتِلافِ الصُّوَرِ عَلى تَشابُهِها مِن أعْظَمِ آياتِ اللَّهِ تَعالى.

الانفطار 82:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] . وَأحالَ عِنْدَها عَلى بَعْضِ ما جاءَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] . وَبَيَّنَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أنَّ هَذِهِ الكِتابَةَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الإنْسانِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] . وَقِيلَ في ”حافِظِينَ“: يَحْفَظُونَ بَدَنَ الإنْسانِ. (p-٤٥١)وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . وَمِمّا تَجْدُرُ الإشارَةُ إلَيْهِ، أنَّ في وصْفِ الحَفَظَةِ هُنا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن كَوْنِهِمْ حافِظِينَ كِرامًا يَعْلَمُونَ، فاجْتَمَعَتْ لَهم كُلُّ صِفاتِ التَّأْهِيلِ، لا عَلى دَرَجاتِ الكِنايَةِ مِن حِفْظٍ وعُلُوِّ مَنزِلَةٍ، وعِلْمٍ بِما يَكْتُبُونَ. وَكَأنَّهُ تَوْجِيهٌ لِما يَنْبَغِي لِوُلاةِ الأُمُورِ مُراعاتُهُ في اسْتِكْتابِ الكُتّابِ والأُمَناءِ. وَلِذا قالُوا: عَلى القاضِي أنْ يَتَخَيَّرَ كاتِبًا أمِينًا حَسَنَ الخَطِّ فاهِمًا. وَمِن هَذا الوَصْفِ يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَخْتَلِطُ عَلَيْهِمْ عَمَلٌ يُعْمَلُ، وكَوْنُهم حَفَظَةً لا يُضَيِّعُونَ شَيْئًا، ولَوْ كانَ مِثْقالَ الذَّرَّةِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآيَةَ [الزلزلة: ٧] .

الانفطار 82:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: دائِمٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢] .

الانفطار 82:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ دَلِيلٌ مِن أدِلَّةِ خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وَما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٤ - ١٦] . كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . وَهَكَذا غالِبًا أُسْلُوبُ المُقابَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ومَهْلِهِما. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الدِّينِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى شِدَّةَ الهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] . (p-٤٥٢)وَتَقَدَّمَ في: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢] . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢] .

الانفطار 82:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أيْ: لِشِدَّةِ هَوْلِهِ وضَعْفِ الخَلائِقِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥]، وقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . وَلِحَدِيثِ الشَّفاعَةِ: «كُلُّ نَبِيٍّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: " أنا لَها» . وَحَدِيثِ فاطِمَةَ: ”اعْمَلِي. . . .“ . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِالظَّرْفِ المَذْكُورِ، ولَكِنَّ الأمْرَ لِلَّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ ذَلِكَ اليَوْمُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، أيْ: يَتَصَرَّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ مِن أمْرِهِ لا يُشْرِكُهُ أحَدٌ، كَما لا يُشْرِكُهُ أحَدٌ في خَلْقِهِ. وَلِذا قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وَقالَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ونَحْوَ ذَلِكَ. وَلَكِنْ جاءَ الظَّرْفُ هُنا لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا لِبَعْضِ النّاسِ بَعْضُ الأوامِرِ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، وهي كُلُّها في الواقِعِ أوامِرُ نِسْبِيَّةٌ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] . (p-٤٥٣)وَلَكِنْ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةُ الأمْرِ كُلِّهِ، والمُلْكُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] . فَلا أمْرَ مَعَ أمْرِهِ، ولا مُتَقَدِّمَ عَلَيْهِ حَتّى ولا بِكَلِمَةٍ، إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]، مَعَ أنَّ هُنا في الدُّنْيا مُلُوكًا، كَما في قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] . وَفِي قِصَّةِ الخَضِرِ ومُوسى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] . أمّا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩]، فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ سُلْطانٍ وكُلُّ مُلْكٍ، والمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ.

المطففين 83:1

(p-٤٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُطَفِّفِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ . التَّطْفِيفُ: التَّنْقِيصُ مِنَ الطَّفِيفِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ. وَقَدْ فَسَّرَهُ ما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٢ - ٣] . قالُوا: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ لَهُ مِكْيالانِ: كَبِيرٌ وصَغِيرٌ، إذا اكْتالَ لِنَفْسِهِ عَلى غَيْرِهِ، اكْتالَ بِالمِكْيَلِ الكَبِيرِ، وإذا كالَ مِن عِنْدِهِ لِغَيْرِهِ، اكْتالَ بِالمِكْيَلِ الصَّغِيرِ، فَفي كِلْتا الحالَتَيْنِ تَطْفِيفٌ، أيْ: تَنْقِيصٌ عَلى النّاسِ مِن حُقُوقِهِمْ. والتَّقْدِيمُ في افْتِتاحِيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالوَيْلِ لِلْمُطَفِّفِينَ، يُشْعِرُ بِشِدَّةِ خَطَرِ هَذا العَمَلِ، وهو فِعْلًا خَطِيرٌ؛ لِأنَّهُ مِقْياسُ اقْتِصادِ العالَمِ ومِيزانُ التَّعامُلِ، فَإذا اخْتَلَّ أحْدَثَ خَلَلًا في اقْتِصادِهِ، وبِالتّالِي اخْتِلالٌ في التَّعامُلِ، وهو فَسادٌ كَبِيرٌ. وَأكْبَرُ مِن هَذا كُلِّهِ، وُجُودُ الرِّبا إذا بِيعَ جِنْسٌ بِجِنْسِهِ، وحَصَلَ تَفاوُتٌ في الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ. وَفِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . وَلِذا فَقَدَ ورَدَ ذِكْرُ الكَيْلِ والوَزْنِ، والحَثُّ عَلى العِنايَةِ بِهِما في عِدَّةِ مَواطِنَ، بِعِدَّةِ أسالِيبَ مِنها الخاصُّ ومِنها العامُّ. فَقَدْ ورَدَ في ”الأنْعامِ“ و ”الأعْرافِ“ و ”هُودٍ“ و ”بَنِي إسْرائِيلَ“ و ”الرَّحْمَنِ“ و ”الحَدِيدِ“، أيْ: في سِتِّ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ. أوَّلًا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في سِياقِ ما يُعْرَفُ بِالوَصايا العَشْرِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (p-٤٥٥)[الأنعام: ١٥١] . وَذَكَرَ بِرَّ الوالِدَيْنِ والنَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والقُرْبِ مِنَ الفَواحِشِ، وقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، والنَّهْيَ عَنْ مالِ اليَتِيمِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَها كَلامًا مُوجَزًا مُفِيدًا، بِأنَّ الأمْرَ هُنا بِقَدْرِ الوُسْعِ، ومَن أخَلَّ مِن غَيْرِ قَصْدِ التَّعَدِّي لا حَرَجَ عَلَيْهِ. وَقالَ: ولَمْ يَذْكُرْ هُنا عُقُوبَةً لِمَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ تَوَعَّدَهُ بِالوَيْلِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وساقَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ . كَما بَيَّنَ عاقِبَةَ الوَفاءِ بِالكَيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، أيْ: مَآلًا. وَهُنا يَلْفِتُ كَلامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّظَرَ إلى نُقْطَةٍ هامَّةٍ، وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢]، حَيْثُ إنَّ التَّطْفِيفَ: الزِّيادَةُ الطَّفِيفَةُ، والشَّيْءُ الطَّفِيفُ: القَلِيلُ. فَكَأنَّ الآيَةَ هُنا تَقُولُ: تَحَرَّوْا بِقَدْرِ المُسْتَطاعِ مِنَ التَّطْفِيفِ ولَوْ يَسِيرًا. وَبَعْدَ بَذْلِ الجُهْدِ ”لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها“، وهَذا غايَةٌ في التَّحَرِّي مَعَ شِدَّةِ التَّحْذِيرِ والتَّوَعُّدِ بِالوَيْلِ، وإذا كانَ الوَعِيدُ بِالوَيْلِ عَلى الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، فَما فَوْقَهُ مِن بابِ أوْلى. المَوْضِعُ الثّانِي في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] . فاقْتَرَنَ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالكَيْلِ بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّ في الأمْرَيْنِ إعْطاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ ما نَقْصٍ. (p-٤٥٦)وَبَيِّنَ أنَّ في عَدَمِ الإيفاءِ المَطْلُوبِ بَخْسَ النّاسِ أشْياءَهم، وفَسادًا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها. المَوْضِعُ الثّالِثُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، ومَعَ شُعَيْبٍ أيْضًا: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٨٤ - ٨٦] . وَبِنَفْسِ الأُسْلُوبِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ، رَبَطَهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وتَكْرارِ الأمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ: ﴿وَلا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾، ثُمَّ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ نَهْيٌ عَنْ نَقْصِهِ، وأمْرٌ بِإيفائِهِ، نَصَّ عَلى المَفْهُومِ بِالتَّأْكِيدِ: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَعَ التَّوْجِيهِ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهم. المَوْضِعُ الرّابِعُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، أيِ: اعْتِدالٌ في الإنْفاقِ مَعَ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ، ثُمَّ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣٢]، وكُلُّها في مَجالِ الِاقْتِصادِ وبَعْدَها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] . وَقَدْ يَكُونُ الباعِثُ عَلَيْهِما أيْضًا غَرَضٌ مالِيٌّ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهو مِن أخَصِّ أبْوابِ المالِ. ثُمَّ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، ثُمَّ: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]، فَمَعَ ضَرُورِيّاتِ الحَياةِ حِفْظُ النَّفْسِ والعِرْضِ والمالِ يَأْتِي الحِفاظُ عَلى الكَيْلِ والوَزْنِ. المَوْضِعُ الخامِسُ في سُورَةِ ”الشُّورى“ وهو أعَمُّ مِمّا تَقَدَّمَ، وجَعَلَهُ مَقْرُونًا بِإنْزالِ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] . (p-٤٥٧)وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِما أشَرْنا إلى أنَّهُ عامٌّ، فَقالَ: المِيزانُ هَنا مُرادٌ بِهِ العَدْلُ والإنْصافُ، وأنَّ هَذا المَعْنى مُتَضَمِّنٌ آلَةَ الوَزْنِ وزِيادَةً. وَأوْرَدَ بَقِيَّةَ الآياتِ هُنا في مَبْحَثٍ مُفَصَّلٍ، فَذَكَرَ آيَةَ ”الرَّحْمَنِ“، وآيَةَ ”الحَدِيدِ“، وتَكَلَّمَ عَلى الجَمِيعِ بِالتَّفْصِيلِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧]، مُقابَلَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ رَفْعِ السَّماءِ الَّذِي هو حَقٌّ وعَدْلٌ وقُدْرَةٌ، والمِيزانُ وضَعَهُ في الأرْضِ، لِتَقُومُوا بِالعَدْلِ والإنْصافِ، وبِهَذا العَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. وَفِي سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ اقْتِرانُ المِيزانِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] . وَمَعْلُومٌ أنَّ المِيزانَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ الكِتابِ هو مِيزانُ الحَقِّ والعَدْلِ، والنَّهْيُ عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍ، وعَدَمُ بَخْسِ النّاسِ أشْياءَهم. فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أعَمَّ وأشْمَلَ آياتِ الوَفاءِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وَقَدْ جَمَعَ لَفْظَ الأمانَةِ؛ لِيَعُمَّ بِهِ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْتَمَنَ الإنْسانُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ هُنا المِيزانُ مَعَ الكِتابِ المُنَزَّلِ، وبِهِ يَسْتَوْفِي كُلُّ إنْسانٍ حَقَّهُ في أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ التَّعامُلِ، فَكُلُّ مَن غَشَّ في سِلْعَةٍ أوْ دَلَّسَ أوْ زادَ في عَدَدٍ، أوْ نَقَصَ أوْ زادَ في ذَرْعٍ، أوْ نَقَصَ فَهو مُطَفِّفٌ لِلْكَيْلِ، داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ بِالوَيْلِ. فَمَن باعَ ذَهَبًا مَثَلًا عَلى أنَّهُ صافٍ مِنَ الغِشِّ وزْنَ دِرْهَمٍ، وفِيهِ مِنَ النُّحاسِ عُشْرُ الدِّرْهَمِ، فَقَدْ نَقَصَ وطَفَّفَ لِنَفْسِهِ، فَأخَذَ حَقَّ دِرْهَمٍ كامِلٍ ذَهَبًا، ونَقَصَ حَيْثُ أعْطى دِرْهَمًا إلّا عَشْرًا. وَمَن باعَ رِطْلًا سَمْنًا وفِيهِ عُشْرُ الرِّطْلِ شَحْمًا، فَقَدْ طَفَّفَ بِمِقْدارِ هَذا العُشْرِ لِنَفْسِهِ، ونَقَصَ وبَخَسَ المُشْتَرِي بِمِقْدارِ ذَلِكَ. (p-٤٥٨)وَهَكَذا مَن باعَ ثَوْبًا عَشْرَ أمْتارٍ وهو يَنْقُصُ رُبُعَ المِتْرِ، فَقَدْ طَفَّفَ وبَخَسَ بِمِقْدارِ هَذا الرُّبُعِ. وَهَكَذا في القِسْمَةِ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ الأوْلادِ، وبَيْنَ الأهْلِ، وكُلَّ ما فِيهِ عَطاءٌ وأُخِذَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَمِن بابِ ما يَذْكُرُهُ العُلَماءُ في مُناسَباتِ السُّوَرِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ لَمّا ذَكَرَ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَها مَصِيرَ الأبْرارِ والفُجّارِ يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ هُنا مِن مُوجِباتِ ذَلِكَ وأهَمِّها: تَطْفِيفُ الكَيْلِ، وبِخْسِ الوَزْنِ، وهَذا في الجُمْلَةِ مُتَوَجِّهٌ، ولَكِنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ السّابِقَةِ: ﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤ - ٥]، فَهو وإنْ كانَ عامًّا في كُلِّ ما قَدَّمَهُ لِنَفْسِهِ مِن عَمَلِ الخَيْرِ، وما أخَّرَ مِن أداءِ الواجِباتِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ أيْضًا خُصُوصَ ما قَدَّمَ مِن وفاءٍ في الكَيْلِ ورُجْحانٍ في الوَزْنِ، وما أخَّرَ في تَطْفِيفٍ في الكَيْلِ وبَخْسٍ طَمَعًا في المالِ وجَمْعًا لِلتُّراثِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ ﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ١٩ - ٢٤] . وَمِن هُنا يُعْلَمُ لِلْعاقِلِ أنَّ ما طَفَّفَ مِن كَيْلٍ أوْ بَخَسَ مِن وزْنٍ مَهْما جَمَعَ مِنهُ، فَإنَّهُ يُؤَخِّرُهُ وراءَهُ ومَسْئُولٌ عَنْهُ، ونادِمٌ عَلَيْهِ، وقائِلٌ: ﴿يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾، ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.

المطففين 83:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لِهَؤُلاءِ النّاسِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: الأُولى: أنَّ الباعِثَ عَلى هَذا العَمَلِ هو عَدَمُ اليَقِينِ بِالبَعْثِ، أوِ اليَقِينُ مَوْجُودٌ لَكِنَّهم يَعْلَمُونَ عَلى غَيْرِ المُوقِنِينَ - أيْ غَيْرِ مُبالِينَ - كَما قالَ الشّاعِرُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وهو ما يُسَمّى في البَلاغَةِ بِلازِمِ الفائِدَةِ: ؎جاءَ شَقِيقٌ عارِضًا رُمْحَهُ إنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحُ فالمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أنَّ شَقِيقًا عالِمٌ بِوُجُودِ الرِّماحِ في بَنِي عَمِّهِ، وأنَّهم مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ (p-٤٥٩)مَعَهُ، ولَكِنَّهُ رَأى مِنهُ عَدَمَ المُبالاةِ وعَدَمَ الِاسْتِعْدادِ، بِأنْ وضَعَ رُمْحَهُ أمامَهُ مُعْتَرِضًا، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَمِنُ بِوُجُودِ الرِّماحِ في بَنِي عَمِّهِ، وهو لَمْ يُرِدْ بِكَلامِهِ مَعَهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِأمْرٍ يَجْهَلُهُ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهُ لِما يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنَ التَّأهُّبِ والِاسْتِعْدادِ، وهَكَذا هُنا، وهَذا عامٌّ في كُلِّ مُسَوِّفٍ ومُتَساهِلٍ كَما جاءَ: «لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ» إلَخْ. أيْ: وهو مُؤْمِنٌ بِالإيمانِ ولَوازِمِهِ مِنَ الجَزاءِ والحِسابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] يُفْهَمُ أنَّ مُطَفِّفَ الكَيْلِ والوَزْنِ وهم يَعْلَمُونَ هَذا حَقِيقَةً غالِبًا، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الطَّرَفُ الآخَرُ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو المُطَّلِعُ عَلى فِعْلِهِ، فَهو الَّذِي سَيُحاسِبُهُ ويُناقِشُهُ، لِأنَّهُ خانَ اللَّهَ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ سُبْحانَهُ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: يَوْمَ يُقْتَصُّ لِكُلِّ إنْسانٍ مِن غَرِيمِهِ، ويَسْتَوْفِي كُلُّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ. تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: وعَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ ما قالَ اللَّهُ في المُطَفِّفِينَ، فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وأنْتَ تَأْخُذُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِلا كَيْلٍ ولا وزْنٍ ؟ ! . اهـ. إنَّها مَقالَةٌ يَنْبَغِي أنْ تُقالَ لِكُلِّ آكِلٍ أمْوالَ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أيًّا كانَ هو، وبِأيِّ وجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ. مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ مُتَبايِعَيْنِ يَطْلُبُ كُلٌّ مِنهُما الأحَظُّ لِنَفْسِهِ، فالمُطَفِّفُ لا بُدَّ أنْ يُخْفِيَ طَرِيقَهُ عَلى غَرِيمِهِ. وَذَكَرَ عُلَماءُ الحِسْبَةِ طُرُقًا عَدِيدَةً مِمّا يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الأمْرِ خاصَّةً، ولِلْمُتَعامِلِ مَعَ غَيْرِهِ عامَّةً أنْ يَتَنَبَّهَ لَها. مِن ذَلِكَ قالُوا: أوَّلًا مِن ناحِيَةِ المِكْيالِ قَدْ يَكُونُ جِرْمُ المِكْيالِ لَيِّنًا فَيَضْغَطُهُ بَيْنَ (p-٤٦٠)يَدَيْهِ، فَتَتَقارَبُ جَوانِبُهُ فَيَنْقُصُ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ، ولِذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ إناءُ الكَيْلِ صَلْبًا، والغالِبُ جَعْلُهُ مِنَ الخَشَبِ أوْ ما يُعادِلُهُ. وَمِنها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَشَبًا مَنقُورًا مِن جَوْفِهِ، ولَكِنْ لا يَبْلُغُ بِالتَّجْوِيفِ إلى نِهايَةِ المِقْدارِ المَطْلُوبِ، فَيُرى مِن خارِجِهِ كَبِيرًا، ولَكِنَّهُ مِنَ الدّاخِلِ صَغِيرٌ لِقُرْبِ قَعْرِهِ. وَمِنها: قَدْ يَكُونُ مَنقُورًا إلى نِهايَةِ الحَدِّ المَطْلُوبِ، ولَكِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهِ شَيْئًا يَشْغَلُ فَراغَهُ مِن أسْفَلِهِ، ويُثَبِّتُهُ في قَعْرِهِ. فَيَنْقُصُ ما يُكالُ بِقَدْرِ ما يَشْغَلُ الفَراغَ المَذْكُورَ، فَقَدْ يَضَعُ ورَقًا أوْ خِرَقًا أوْ جِبْسًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ثانِيًا: مِن ناحِيَةِ المِيزانِ قَدْ يَبْرُدُ السَّنْجَ، أيْ مَعايِيرَ الوَزْنِ حَتّى يَنْقُصَ وزْنُها، وقَدْ يُجَوِّفُ مِنها شَيْئًا ويَمْلَأُ التَّجْوِيفَ بِمادَّةٍ أخَفَّ مِنها. وَلِذا يَجِبُ أنْ يَتَفَقَّدَ أجْزاءَ المَعايِيرِ، وقَدْ يَتَّخِذُ مُعايَرًا مِنَ الحَجَرِ فَتَتَناقَصُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ بِسَبَبِ ما يَتَحَتَّتُ مِنها عَلى طُولِ الأيّامِ. وَمِنها: أنْ يَضَعَ تَحْتَ الكِفَّةِ الَّتِي يَزِنُ فِيها السِّلْعَةَ شَيْئًا مُثْقِلًا لاصِقًا فِيها، لِيَنْتَقِصَ مِنَ المَوْزُونِ بِقَدْرِ هَذا الشَّيْءِ. وَلِكَيْلا يَظْهَرَ هَذا، فَتَراهُ دائِمًا يَضَعُ المِعْيارَ في الكِفَّةِ الثّانِيَةِ لِتَكُونَ راجِحَةً بِها. وَهُناكَ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، كَأنْ يَطْرَحَ السِّلْعَةَ في الكِفَّةِ بِقُوَّةٍ، فَتُرَجَّحُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الدَّفْعِ، فَيَأْخُذَ السِّلْعَةَ حالًا قَبْلَ أنْ تَرْجِعَ إلى أعْلى، مُوهِمًا النّاظِرَ أنَّها راجِحَةٌ بِالمِيزانِ. أمّا آلَةُ الذَّرْعِ، فَقَدْ يَكُونُ المِقْياسُ كامِلًا وافِيًا، ولَكِنَّهُ بَعْدَ أنْ يَقِيسَ المِتْرَ الأوَّلَ يَدْفَعُ بِالآلَةِ إلى الخَلْفِ، ويَسْحَبُ بِالمَذْرُوعِ إلى الأمامِ بِمِقْدارِ الكَفِّ مَثَلًا، فَيَكُونُ النَّقْصُ مِنَ المَذْرُوعِ بِقَدْرِ ما سَحَبَ مِنَ القُماشِ. وَكُلُّها أُمُورٌ قَدْ تَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ وقَعَ لِي مَعَ بائِعٍ أنْ لاحَظْتُ عَلَيْهِ في مِيزانٍ مِمّا يَرْفَعُهُ بِيَدِهِ حَتّى أعادَ الوَزْنَ خَمْسَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ يَأْتِي بِطَرِيقَةٍ تُغايِرُ الأُخْرى، حَتّى قَضى ما عِنْدَهُ، فالتَفَتَ إلَيَّ وقالَ لِي: لا أبِيعُ بِهَذا السِّعْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ ما تُرِيدُ وزِنْ كَما أُرِيدُ، فَطَلَبَ ضِعْفَ الثَّمَنِ، فَأعْطَيْتُهُ فَأعْطانِي المِيزانَ لِأزِنَ بِنَفْسِي. وَهُنا يَنْبَغِي أنْ نُنَبِّهَ عَلى حالاتِ الباعَةِ، حِينَما يَكُونُ السِّعْرُ مُرْتَفِعًا وتَجِدُ بائِعًا يَبِيعُ (p-٤٦١)بِرُخْصٍ، فَقَدْ يَكُونُ لِعِلَّةٍ في الوَزْنِ أوْ في السِّلْعَةِ، أوْ مَضَرَّةِ الآخَرِ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. بِهَذِهِ الأسْبابِ وحَقائِقِها وشَدَّةِ خَطَرِها كانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَتَجَوَّلُ في السُّوقِ بِنَفْسِهِ، ويَتَفَقَّدُ المِكْيالَ والمِيزانَ. يُخْرِجُ مِنَ السُّوقِ مَن يَجِدُ في مِكْيالِهِ أوْ مِيزانِهِ نُقْصانًا، ويَقُولُ: لا تَمْنَعْ عَنّا المَطَرَ. وَهَكَذا يَجِبُ عَلى وُلاةِ الأُمُورِ تَفَقُّدُ ذَلِكَ بِاسْتِمْرارٍ، ولا سِيَّما في البِلادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيها الوازِعُ الدِّينِيُّ، وتَشْتَدُّ فِيها الأسْعارُ، بِما يُلْجِئُ الباعَةَ إلى التَّحايُلِ أوِ العِنادِ. وَقَدْ مَنَعَ عُمَرُ بائِعَ زَبِيبٍ أرْخَصَ السِّعْرَ، لِعِلْمِهِ أنَّ تاجِرًا قَدِمَ ومَعَهُ زَبِيبٌ بِكَثْرَةٍ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: لِماذا مَنَعْتَ البَيْعَ بِرُخْصٍ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ يُفْسِدُ السُّوقَ، فَيَخْسَرُ القادِمُ فَيَمْتَنِعُ مِنَ الجَلْبِ إلى المَدِينَةِ، وهَذا قَدْ رَبِحَ مِن قَبْلُ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ نَوْعَ المِكْيالِ ومِقْدارَهُ ونَوْعَ المِيزانِ ومِقْدارَهُ مَرْجِعُهُ إلى السُّلْطانِ، كَما قالَ عُلَماءُ الحِسْبَةِ: إنَّ عَلى الأُمَّةِ أنْ تُطِيعَ السُّلْطانَ في أرْبَعٍ: في نَوْعِ المِكْيالِ والمِيزانِ، ونَوْعِ العُمْلَةِ الَّتِي يَطْرَحُها لِلتَّعامُلِ بِها، وإعْلانِ الحَرْبِ أوْ قَبُولِ الصُّلْحِ. فَإذا اتَّخَذَ الصّاعَ أوِ المُدَّ أوِ الكَيْلَةَ أوِ الوَيْبَةَ أوِ القَدَحَ، أوْ أيَّ نَوْعٍ كَبِيرًا كانَ أوْ صَغِيرًا، فَيَجِبُ التَّقَيُّدُ بِهِ في الأسْواقِ. وَكَذَلِكَ الوَزْنُ؛ اتَّخَذَ الدِّرْهَمَ والأُوقِيَّةَ والرِّطْلَ أوِ الأُقَّةَ، أوِ اتَّخَذَ الجِرامَ والكِيلُو، فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ. أمّا إذا كانَ الأمْرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ في قِسْمَةٍ مَثَلًا: كَقِسْمَةِ صَبْرَةٍ مِن حَبٍّ، فَتَراضَوْا عَلى أنْ يَقْتَسِمُوها بِإناءٍ كَبِيرٍ لِلسُّرْعَةِ وكانَ مَضْبُوطًا، لا تَخْتَلِفُ بِهِ المَرّاتُ بِأنْ يَكُونَ صَلْبًا ويُمْكِنُ الكَيْلُ بِهِ. أوْ كَذَلِكَ الوَزْنُ، اتَّفَقُوا عَلى قِطْعَةِ حَدِيدٍ مُعَيَّنَةٍ، لِكُلٍّ واحِدٍ وزْنُها عِدَّةَ مَرّاتٍ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ قِسْمَةُ المَجْمُوعِ لا مُثامَنَةٌ عَلى الأجْزاءِ. (p-٤٦٢)أمّا المَكايِيلُ الإسْلامِيَّةُ الأساسِيَّةُ والمُوازِينُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في زَكاةِ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وزَكاةِ النَّقْدَيْنِ، وقَدَّمْنا بَيانَ مُقابِلِها بِالوَزْنِ الحَدِيثِ في زَكاةِ الفِطْرِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] . وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. غَرِيبَةٌ. فِي لَيْلَةِ الفَراغِ مِن كِتابَةِ هَذا المَبْحَثِ رَأيْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - فِيما يَرى النّائِمُ، وبَعْدَ أنْ ذَهَبَ عَنِّي، رَأيْتُ مَن يَقُولُ لِي: إنَّ لِتَطْفِيفِ الكَيْلِ والوَزْنِ دَخْلًا في الرِّبا، فَألْحَقْتُهُ في أوَّلِ البَحْثِ، بَعْدَ أنْ تَأمَّلْتُهُ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا بِسَبَبِ المُفاضَلَةِ.

المطففين 83:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ”رانَ“: بِمَعْنى غَطّى كَما في الحَدِيثِ: «إذا أذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُغَطِّيَهُ» الحَدِيثَ. وَقالَ الشّاعِرُ: ؎وَكَمْ رانَ مِن ذَنْبٍ عَلى قَلْبِ فاجِرِ فَتابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رانَ فانْجَلى وَقالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُ الرَّيْنِ: الغَلَبَةُ، يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها واشْتَدَّتْ: ؎ثُمَّ لَمّا رَآهُ رانَتْ بِهِ الخَـ ∗∗∗ ـمْرُ وألّا يُرِيَهُ بِانْتِفاءِ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ الآيَةِ: قالَ أبُو حَيّانَ: قُرِئَ ”بَلْ رانَ“ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ وقَفَ حَفْصٌ عَلى ”بَلْ“ وقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِيَتَبَيَّنَ الإظْهارُ. وَقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الباذِشِ: وأجْمَعُوا - يَعْنِي القُرّاءَ - عَلى إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، إلّا ما كانَ مِن سَكْتِ حَفْصٍ عَلى ”بَلْ“، ثُمَّ يَقُولُ: ”رانَ“ . وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ كَما ذَكَرَ مِنَ الإجْماعِ. فَفِي كِتابِ ”اللَّوامِعِ“ عَنْ قالُونَ مِن جَمِيعِ طُرُقِهِ: إظْهارُ اللّامِ عِنْدَ الرّاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (p-٤٦٣)﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ”بَلْ رَبُّكم“ [الأنبياء: ٥٦] . وَفِي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ نافِعٌ: ”بَلْ رانَ“ مِن غَيْرِ مُدْغَمٍ. وَفِيهِ أيْضًا: وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ. وَقالَ سِيبَوَيْهِ: البَيانُ والإدْغامُ حَسَنانِ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ والإدْغامِ أجْوَدُ، وأُمِيلَتِ الألِفُ وفُخِّمَتْ. اهـ. أمّا المَعْنى فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ وافِيًا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٧] .

المطففين 83:15

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّطْفِيفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذا المَفْهُومِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [ ٦ ] .

المطففين 83:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ تَوْجِيهٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ فِيهِ المُنافَسَةُ، وهي بِمَعْنى الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ. قالَ أبُو حَيّانَ: نافَسَ في الشَّيْءِ: رَغِبَ فِيهِ، ونَفَّسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أنْفُسُ نَفاسَةً، إذا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُطالَبَةِ والمُكاثَرَةِ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ، فَكُلٌّ يُسابِقُ إلَيْهِ لِيَحُوزَهُ لِنَفْسِهِ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَفْتٌ لِأوَّلِ السُّورَةِ، إذا كانَ أُولَئِكَ يَسْعَوْنَ لِجَمْعِ المالِ بِالتَّطْفِيفِ، فَلَهُمُ الوَيْلُ يَوْمَ القِيامَةِ. وَإذا كانَ الأبْرارُ لَفي نَعِيمٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا شَرابُهم، فَهَذا هو مَحَلُّ المُنافِسَةِ، لا في التَّطْفِيفِ مِنَ الحَبِّ أوْ أيِّ مَكِيلٍ أوْ مَوْزُونٍ.

المطففين 83:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ وَصْفُهم بِالإجْرامِ هُنا يُشْعِرُ بِأنَّهُ السَّبَبُ في ضَحِكِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتَغامُزِهِمْ بِهِمْ، (p-٤٦٤)وَتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بَيانُ مُوجَبٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَ هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيامَةِ، واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هُناكَ، وأحالَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في البَيانِ لِنَوْعِ السُّخْرِيَةِ، وزادَ البَيانَ في سُورَةِ ”الأحْقافِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] . وَمِنَ الدّافِعِ لَهم عَلى هَذا القَوْلِ ونَتِيجَةُ قَوْلِهِمْ، وساقَ آيَةَ ”المُطَفِّفِينَ“ عِنْدَها، وكَذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ سُورَةِ ”الواقِعَةِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] . وَمِمّا تَجْدُرُ الإشارَةُ إلَيْهِ، أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَيْسَتْ خاصَّةً بِهَذِهِ الأُمَّةِ، بَلْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّها في غَيْرِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ. فَفِي قَوْمِ نُوحٍ: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] . وَكانَ نَفْسُ الجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩] . وَجاءَ بِما يُفِيدُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ حَتّى بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] . وَمِثْلُها في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ بِنَصِّ الآيَةِ المَذْكُورَةِ. تَنْبِيهٌ. إذا كانَ هَذا حالُ بَعْضِ الَّذِينَ أجْرَمُوا مَعَ بَعْضِ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ حالُ بَعْضِ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِها، فَإنَّ الدّاعِيَةَ إلى اللَّهِ تَعالى يَجِبُ عَلَيْهِ ألّا يَتَأثَّرَ بِسُخْرِيَةِ أحَدٍ مِنهُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ عَلى سُنَنِ غَيْرِهِ مِنَ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَنْتَصِرُ لَهُ إمّا عاجِلًا وإمّا آجِلًا، كَما في نِهايَةِ كُلِّ سِياقٍ مِن هَذِهِ الآياتِ.

المطففين 83:34

(p-٤٦٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَهَذا رَدٌّ عَلى سُخْرِيَةِ المُشْرِكِينَ مِنهُ في الدُّنْيا، وهو كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانَهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ عَلى الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] . والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.