Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:37 – البقرة 2:54
المحتويات
البقرة 2:37
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
أزَلَّ: مِنَ الزَّلَلِ، وهو عُثُورُ القَدَمِ. يُقالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ، وزَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ. والزَّلَلُ في الرَّأْيِ والنَّظَرِ مَجازٌ، وأزالَ: مِنَ الزَّوالِ، وأصْلُهُ التَّنْحِيَةُ. والهَمْزَةُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. الهُبُوطُ: هو النُّزُولُ، مَصْدَرُ هَبَطَ، ومُضارِعُهُ يَهْبِطُ ويَهْبُطُ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّها، والهَبُوطُ بِالفَتْحِ: مَوْضِعُ النُّزُولِ. وقالَ المُفَضَّلُ: الهَبُوطُ: الخُرُوجُ عَنِ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا الدُّخُولُ فِيها مِنَ الأضْدادِ، ويُقالُ في انْحِطاطِ المَنزِلَةِ مَجازًا، ولِهَذا قالالفَرّاءُ: الهَبُوطُ: الذُّلُّ، قالَ لَبِيدٌ:
؎إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا يَوْمًا وإنْ أمِرُوا
بَعْضٌ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَعَضَ يَبْعَضُ بَعْضًا، أيْ قَطَعَ، ويُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ، ويُقابِلُهُ كُلُّ، وهُما مَعْرِفَتانِ لِصُدُورِ الحالِ مِنهُما في فَصِيحِ الكَلامِ، قالُوا: مَرَرْتُ بِبَعْضٍ قائِمًا، وبِكُلٍّ جالِسًا، ويُنْوى فِيهِما الإضافَةُ، فَلِذَلِكَ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِما الألِفُ واللّامُ، ولِذَلِكَ خَطَّأُوا أبا القاسِمِ الزَّجّاجِيَّ في قَوْلِهِ: ويُبْدَلُ البَعْضُ مِنَ الكُلِّ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى بَعْضٍ إذا أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا. وكَذَلِكَ الخَبَرُ والحالُ والوَصْفُ يَجُوزُ إفْرادُهُ إذْ ذاكَ وجَمْعُهُ.
العَدُوُّ: مِنَ العَداوَةِ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ، (p-١٦٠)يُقالُ: عَدا فُلانٌ طَوْرَهُ: إذا جاوَزَهُ، وقِيلَ: العَداوَةُ، التَّباعُدُ بِالقُلُوبِ مِن عُدْوَيِ الجَبَلِ، وهُما طَرَفاهُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما، وقِيلَ: مِن عَدا، أيْ ظَلَمَ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. والعَدُوُّ يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وقَدْ جُمِعَ فَقِيلَ: أعْداءٌ، وقَدْ أُنِّثَ فَقالُوا: عَدُوَّةٌ، ومِنهُ: أيْ عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ. وقالَ الفَرّاءُ: قالَتِ العَرَبُ لِلْمَرْأةِ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، وطَرَحَ بَعْضُهُمُ الهاءَ. المُسْتَقَرُّ: مُسْتَفْعَلٌ مِنَ القَرارِ، وهو اللُّبْثُ والإقامَةُ، ويَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلٍ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفِ، فَيَكُونُ لِما ذُكِرَ بِصُورَةِ المَفْعُولَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الأرْضُ: القَرارَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
واسْتَفْعَلَ فِيهِ: بِمَعْنى فَعَلَ، اسْتَقَرَّ وقَرَّ بِمَعْنًى. المَتاعُ: البُلْغَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مَتَعَ النَّهارُ: إذا ارْتَفَعَ، فَيَنْطَلِقُ عَلى ما يَتَحَصَّلُ لِلْإنْسانِ مِن عَرَضَ الدُّنْيا، ويُطْلَقُ عَلى الزّادِ وعَلى الِانْتِفاعِ بِالنِّساءِ، ومِنهُ، ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ونِكاحُ المُتْعَةِ، وعَلى الكُسْوَةِ، (ومَتِّعُوهُنَّ)، وعَلى التَّعْمِيرِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣]، قالُوا: ومِنهُ أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، أيْ أطالَ اللَّهُ الإيناسَ بِكَ، وكُلُّهُ راجِعٌ لِمَعْنى البُلْغَةِ.
الحِينُ: الوَقْتُ والزَّمانُ، ولا يَتَخَصَّصُ بِمُدَّةٍ، بَلْ وُضِعَ المُطْلَقُ مِنهُ. تَلَّقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، نَحْوَ تَعَدّى مِنَ العَدْوِ، قالُوا: أوْ بِمَعْنى اسْتَقْبَلَ، ومِنهُ: تَلَقّى فُلانٌ فُلانًا اسْتَقْبَلَهُ. ويَتَلَقّى الوَحْيَ: أيْ يَسْتَقْبِلُهُ ويَأْخُذُهُ ويَتَلَقَّفُهُ، وخَرَجْنا نَتَلَقّى الحَجِيجَ: نَسْتَقْبِلُهم، وقالَ الشَّمّاخُ:
؎إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ
وقالَ القَفّالُ: التَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلِّقاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ مَوْضِعَ القَبُولِ والأخْذِ، ومِنهُ وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ، تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن فُلانٍ: أخَذْتُها مِنهُ. الكَلِمَةُ: اللَّفْظَةُ المَوْضُوعَةُ لِمَعْنى، والكَلِمَةُ: الكَلامُ، والكَلِمَةُ: القَصِيدَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى الكَلِمَةِ والكَلامِ، ويُجْمَعُ بِحَذْفِ التّاءِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، نَحْوَ: نَبْقَةٍ ونَبْقٍ. التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ، تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً ومَتابًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى ضُمِّنَ مَعْنى العَطْفِ. تَبِعَ: بِمَعْنى لَحِقَ، وبِمَعْنى تَلا، وبِمَعْنى اقْتَدى. والخَوْفُ: الفَزَعُ، خافَ يَخافُ خَوْفًا وتَخَوَّفَ تَخَوُّفًا، فَأفْزَعَ، ويَتَعَدّى بِالهَمْزِ وبِالتَّضْعِيفِ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ المُسْتَقْبَلِ. وأصْلُ الحُزْنِ: غِلَظُ الهَمِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحُزْنِ: وهو ما غَلُظَ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْنًا وحَزَنًا، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ وبِالفُتْحَةِ، نَحْوَ: شُتِرَتْ عَيْنُ الرَّجُلِ، وشَتَرَها اللَّهُ، وفي التَّعْدِيَةِ بِالفَتْحَةِ خِلافٌ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ الماضِي. الآيَةُ: العَلامَةُ، ويَجْمَعُ آيًا وآياتٍ، قالَ النّابِغَةُ:
؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: فَعْلَةٌ، فَأُعِلَّتِ العَيْنُ وسَلِمَتِ اللّامُ شُذُوذًا والقِياسُ العَكْسُ. وعِنْدَ الكِسائِيِّ: فاعِلَةٌ، حُذِفَتِ العَيْنُ لِئَلّا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الإدْغامِ ما لَزِمَ في دابَّةٍ، فَتَثْقُلُ، وعِنْدَ الفَرّاءِ: فَعْلَةٌ، فَأُبْدِلَتِ العَيْنُ ألِفًا اسْتِثْقالًا لِلتَّضْعِيفِ، كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِيوانٍ، وعِنْدَ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: فِعْلَةٌ: اسْتُثْقِلَ التَّضْعِيفُ فَقُلِبَتِ الفاءُ الأُولى ألِفًا؛ لِانْكِسارِها وتَحَرُّكِ ما قَبْلَها، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُنْهى الكَلامُ عَلَيْها في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. الصُّحْبَةُ: الِاقْتِرانُ، صَحِبَ يَصْحَبُ، والأصْحابُ: جَمْعُ صاحِبٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ شاذٌّ، والصُّحْبَةُ والصَّحابَةُ: أسْماءُ جُمُوعٍ، وكَذا صَحِبَ عَلى الأصَحِّ خِلافًا لِلْأخْفَشِ، وهي لِمُطْلَقِ الِاقْتِرانِ في زَمانٍ ما.
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: الهَمْزَةُ: كَما تَقَدَّمَ في (أزَلَّ) لِلتَّعْدِيَةِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما زَلّا بِإغْوائِهِ وحَمَلَهَما عَلى أنْ زَلّا وحَصَلا في الزَّلَّةِ، هَذا أصْلُ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى جَعَلَ أسْبابَ الفِعْلِ، فَلا يَقَعُ إذْ ذاكَ الفِعْلُ. تَقُولُ: أضْحَكْتُ زَيْدًا فَما ضَحِكَ وأبْكَيْتُهُ فَما بَكى، أيْ جَعَلْتُ لَهُ أسْبابَ الضَّحِكِ وأسْبابَ البُكاءِ فَما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ضَحِكُهُ ولا بُكاؤُهُ، والأصْلُ هو الأوَّلُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ
(p-١٦١)مَعْناهُ فِيما يَشْرَحُ الشُّرّاحُ، يَزِلُّ اللِّبْدُ: يَزْلِقُهُ عَنْ وسَطِ ظَهْرِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎يَزِلُّ الغُلامُ الخُفَّ عَنْ صَهَواتِهِ
أيْ يَزْلِقُهُ.
وقِيلَ (أزَلَّهُما) أبْعَدَهُما. تَقُولُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا؛ أيْ: ذَهَبَ وسَقَطَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الزَّلَّةَ هي سُقُوطٌ في المَعْنى، إذْ فِيها خُرُوجُ فاعِلِها عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وبُعْدُهُ عَنْها. فَهَذا جاءَ عَلى الأصْلِ مِن تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وحَمْزَةُ: فَأزالَهُما، ومَعْنى الإزالَةِ: التَّنْحِيَةُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ إمالَةُ فَأزالَهُما.
والشَّيْطانُ: هو إبْلِيسُ بِلا خِلافٍ هُنا. وحَكَوْا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ عَنْها، وهَذِهِ القِراءَةُ مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا، وكَذا ما ورَدَ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مِمّا خالَفَ سَوادَ المُصْحَفِ. وأكْثَرُ قِراءاتِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّما تُنْسَبُ لِلشِّيعَةِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ عُلَمائِنا: إنَّهُ صَحَّ عِنْدَنا بِالتَّواتُرِ قِراءَةُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ ما يُنْقَلُ عَنْهُ مِمّا وافَقَ السَّوادَ، فَتِلْكَ إنَّما هي آحادٌ، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها، فَلا تُعارِضُ ما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ.
وفِي كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِ إبْلِيسَ إلى إغْوائِهِما حَتّى أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ أقاوِيلُ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: شافَهَهُما بِدَلِيلِ (وقاسَمَهُما) قِيلَ: فَدَخَلَ إبْلِيسُ الجَنَّةَ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ: دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ. وذَكَرُوا كَيْفَ كانَتْ خِلْقَةُ الحَيَّةِ وما صارَتْ إلَيْهِ، وكَيْفَ كانَتْ مُكالَمَةُ إبْلِيسَ لِآدَمَ. وقَدْ قَصَّها اللَّهُ تَعالى أحْسَنَ القَصَصِ وأصْدَقَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْ إبْلِيسُ الجَنَّةَ، بَلْ كانَ يَدْنُو مِنَ السَّماءِ فَيُكَلِّمُهُما. وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَنادى، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسُلْطانِهِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» . وقِيلَ: خاطَبَهُ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَصْعَدْ إلى السَّماءِ بَعْدَ الطَّرْدِ واللَّعْنِ، وكانَ خِطابُهُ وسْوَسَةً، وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في نَقْلِ قَصَصٍ كَثِيرٍ في قِصَّةِ آدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ، وتَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ حالِهِ حِينَ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، أكانَ ذَلِكَ في حالِ التَّعَمُّدِ، أمْ في حالِ غَفْلَةِ الذِّهْنِ عَنِ النَّهْيِ بِنِسْيانٍ، أمْ بِسُكْرٍ مِن خَمْرِ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرُوا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وما أظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] إلّا إنْ كانَتِ الجَنَّةُ في الأرْضِ، عَلى ما فَسَّرَهُ بَعْضُهم، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَمْرُها بِسُكْرٍ. والَّذِينَ قالُوا بِالعَمْدِ، قالُوا: كانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ مِنَ الفَزَعِ عِنْدَ إقْدامِهِ ما صَيَّرَ هَذا الفِعْلَ صَغِيرَةً. وقِيلَ: فَعَلَهُ اجْتِهادًا، وخالَفَ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّخْصِ لا إلى النَّوْعِ، فَتَرَكَها وأكَلَ أُخْرى. والِاجْتِهادُ في الفُرُوعِ لا يُوجِبُ العِقابَ. وقِيلَ كانَ الأكْلُ كَبِيرَةً، وقِيلَ: أتاهُما إبْلِيسُ في غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفانِها، فَلَمْ يَعْرِفاهُ، وحَلِفَ لَهُما أنَّهُ ناصِحٌ. وقِيلَ: نَسِيَ عَداوَةَ إبْلِيسَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ آدَمُ (ولا تَقْرَبا) أنَّهُ نَهْيٌ عَنِ القُرْبانِ مُجْتَمِعِينَ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ أنْ يَقْرَبَ، والَّذِي يُسْلَكُ فِيما اقْتَضى ظاهِرُهُ بَعْضَ مُخالَفَةٍ: تَأْوِيلُهُ عَلى أحْسَنِ مَحْمَلٍ، وتَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَنِ النَّقائِصِ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ما يَرِدُ مِن ذَلِكَ، وتَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
وفِي (المُنْتَخَبِ) لِلْإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: مَنَعَتِ الأُمَّةُ وُقُوعَ الكُفْرِ مِنَ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا الفَضِيلِيَّةَ مِنَ الخَوارِجِ، قالُوا: وقَدْ وقَعَ مِنهم ذُنُوبٌ، والذَّنْبُ عِنْدَهم كُفْرٌ، وأجازَ الإمامِيَّةُ إظْهارَ الكُفْرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، واجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَلا يَجُوزُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا، وأجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ خَطَئِهِمْ في الفُتْيا عَمْدًا واخْتَلَفُوا في السَّهْوِ. وأمّا أفْعالُهم فَقالَتِ الحَشَوِيَّةُ: يَجُوزُ وُقُوعُ الكَبائِرِ مِنهم عَلى جِهَةِ العَمْدِ. وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ بِجَوازِ الصَّغائِرِ عَمْدًا إلّا في القَوْلِ، كالكَذِبِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ. وقِيلَ: (p-١٦٢)يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى جِهَةِ السَّهْوِ والخَطَأِ، وهم مَأْخُوذُونَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ. وقالَتِ الرّافِضَةُ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ جِهَةٍ. واخْتُلِفَ في وقْتِ العِصْمَةِ فَقالَتِ الرّافِضَةُ: مِن وقْتِ مَوْلِدِهِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: مِن وقْتِ النُّبُوَّةِ. والمُخْتارُ عِنْدَنا: أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ذَنْبٌ حالَةَ النُّبُوَّةِ ألْبَتَّةَ، لا الكَبِيرَةَ ولا الصَّغِيرَةَ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَّنْبُ لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةٍ مِن عُصاةِ الأُمَّةِ، لِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ، وذَلِكَ مُحالٌ. ولِئَلّا يَكُونُوا غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهادَةِ، ولِئَلّا يَجِبُ زَجْرُهم وإيذاؤُهم، ولِئَلّا يُقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ، ولِئَلّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ، ولِئَلّا يَفْعَلُونَ ضِدَّ ما أمَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ، ولِأنَّ إبْلِيسَ اسْتَثْناهم في الإغْواءِ. انْتَهى ما لَخَّصْناهُ مِنَ المُنْتَخَبِ.
والقَوْلُ في الدَّلائِلِ لِهَذِهِ المَذاهِبِ، وفي إبْطالِ ما يَنْبَغِي إبْطالُهُ مِنها مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ.
عَنْها: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّجَرَةِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والمَعْنى: فَحَمَلَهُما الشَّيْطانُ عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها. وتَكُونُ (عَنْ) إذْ ذاكَ لِلسَّبَبِ، أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنِ الشَّجَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّها أوَّلُ مَذْكُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ وغَيْرِهِ: فَأزالَهُما، إذْ يَبْعُدُ فَأزالَهُما الشَّيْطانُ عَنِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الطّاعَةِ، قالُوا: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا عَلى ما يُفْهَمُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: (ولا تَقْرَبا) لِأنَّ المَعْنى: أطِيعانِي بِعَدَمِ قُرْبانِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِنَ التَّفَكُّهِ والرَّفاهِيَةِ والتَّبَوُّءِ مِنَ الجَنَّةِ، حَيْثُ شاءا، ومَتى شاءا، وكَيْفَ شاءا بِدَلِيلِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى السَّماءِ وهو بَعِيدٌ.
﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، أوْ مِن نِعْمَةِ الجَنَّةِ إلى شَقاءِ الدُّنْيا، أوْ مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ إلى سُفْلِ مَكانَةِ الذَّنْبِ، أوْ رِضْوانِ اللَّهِ، أوْ جِوارِهِ. وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: إذا جُعِلَ (أزَلَّهُما) مِن: زَلَّ عَنِ المَكانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ تَوْكِيدٌ. إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَزُولا عَنْ مَكانٍ كانا فِيهِ إلى مَكانٍ آخَرَ مِنَ الجَنَّةِ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَسْبِهِما الزَّلَّةَ لا يَكُونُ بِإلْقاءٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَأكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، ويَعْنِي أنَّ المَحْذُوفَ يَتَقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾، ونَسَبَ الإزْلالَ والإزالَةَ والإخْراجَ لِإبْلِيسَ عَلى جِهَةِ المَجازِ، والفاعِلُ لِلْأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى.
(وقُلْنا اهْبِطُوا): قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ. والقَوْلُ في: (وقُلْنا اهْبِطُوا) مِثْلُ القَوْلِ في: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] . ولَمّا كانَ أمْرًا بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ، وكانَ في ذَلِكَ انْحِطاطُ رُتْبَةِ المَأْمُورِ، لَمْ يُؤْنِسْهُ بِالنِّداءِ، ولا أقْبَلَ عَلَيْهِ بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] والمُخاطَبُ بِالأمْرِ آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَؤُلاءِ وإبْلِيسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ هُما وحَوّاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ فَحَسْبُ، ويَكُونُ الخِطابُ بِلَفْظِ الجَمْعِ وإنْ وقَعَ عَلى التَّثْنِيَةِ نَحْوَ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ وذُرِّيَّتُهُما، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ، والمُرادُ هُما وذُرِّيَّتُهُما، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الأِنْسِ ومُتَشَعَّبَهم جُعِلا كَأنَّهُما الأِنْسُ كُلُّهم. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ الآيَةَ، وما هو إلّا حُكْمٌ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. انْتَهى.
وفِي قَوْلِ الفَرّاءِ خِطابُ مَن لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِأنَّ ذُرِّيَّتَهُما كانَتْ إذْ ذاكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. وفي قَوْلِ مَن أدْخَلَ إبْلِيسَ مَعَهُما في الأمْرِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ خَرَجَ قَبْلَهُما، ويَجُوزُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ. قالَ كَعْبٌ ووَهْبٌ: أُهْبِطُوا جُمْلَةً ونَزَلُوا في بِلادٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وقالَ مُقاتِلُ: أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ، (p-١٦٣)فَهَبَطَ إبْلِيسُ، قِيلَ بِالأُبُلَّةِ، وحَوّاءُ بِجَدَّةَ، وآدَمُ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِسَرَنْدِيبَ بِجَبَلٍ يُقالُ لَهُ: واسِمٌ. وقِيلَ: كانَ غِذاؤُهُ جَوْزَ الهِنْدِ، وكانَ السَّحابُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَأوْرَثَ ولَدَهُ الصَّلَعَ. وهَذا لا يَصِحُّ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أوْلادُهُ كُلُّهم صُلْعًا.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَيَّةَ أُهْبِطَتْ بِنَصِيبِينَ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ: بِأصْبَهانَ، والمَسْعُودِيُّ: بِسِجِسْتانَ، وهي أكْثَرُ بِلادِ اللَّهِ حَيّاتٍ. وقِيلَ: بِبِيسانَ. وقِيلَ: كانَ هَذا الهُبُوطَ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ مِنَ الهِنْدِ ومَعَهُ رِيحُ الجَنَّةِ، عَلِقَ بِشَجَرِها وأوْدِيَتِها، فامْتَلَأ ما هُناكَ طِيبًا، فَمِن ثَمَّ يُؤْتى بِالطِّيبِ مِن رِيحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ في إخْراجِهِ كَيْفِيَّةً ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، قالَ: وأُدْخِلَ آدَمُ في الجَنَّةِ ضَحْوَةً، وأُخْرِجَ مِنها بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَمَكَثَ فِيها نِصْفَ يَوْمٍ، والنِّصْفُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدُّنْيا، والأشْبَهُ أنَّ قَوْلَهُ: (اهْبِطُوا) أمْرُ تَكْلِيفٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ ما كانا فِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، إلى مَكانٍ لا تَحْصُلُ فِيهِ المَعِيشَةُ إلّا بِالمَشَقَّةِ، وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ؛ لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ يَكُونُ بِسَبَبِ الثَّوابِ. فَكَيْفَ يَكُونُ عِقابًا مَعَ ما في هُبُوطِهِ وسُكْناهُ الأرْضَ مِن ظُهُورِ حِكْمَتِهِ الأزَلِيَّةِ في ذَلِكَ، وهي نَشْرُ نَسْلِهِ فِيها لِيُكَلِّفَهم ويُرَتِّبَ عَلى ذَلِكَ ثَوابَهم وعِقابَهم في جَنَّةٍ ونارٍ. وكانَتْ تِلْكَ الأكْلَةُ سَبَبَ هُبُوطِهِ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. وأمَرَهُ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ تابَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ثانِيَةً: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، إنْ كانَ المُخاطِبُونَ آدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتَهُما، كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالمُرادُ ما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّعادِي وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والبَعْضِيَّةُ مَوْجُودَةٌ في ذُرِّيَّتِهِما؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّهم يُعادِي كُلَّهم، بَلِ البَعْضُ يُعادِي البَعْضَ، وإنْ كانَ مَعَهُما إبْلِيسُ أوِ الحَيَّةُ، كَما قالَهُ مُقاتِلُ، فَلَيْسَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِما يُعادِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ، بَلْ كُلُّهم أعْداءٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ. ولَكِنْ يَتَحَقَّقُ هَذا بِأنْ جَعَلَ المَأْمُورُونَ بِالهُبُوطِ شَيْئًا واحِدًا وجَزِّئُوا أجْزاءً، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنها جُزْءٌ مِنَ الَّذِينَ هَبَطُوا، والجُزْءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ البَعْضُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُّ جِنْسٍ مِنكم مُعادٍ لِلْجِنْسِ المُبايِنِ لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إبْلِيسُ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم أعْداؤُهُ. وقِيلَ مَعْناهُ: عَداوَةُ نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ وجَوارِحُهُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ اهْبِطُوا مُتَعادِينَ، والعامِلُ فِيها اهْبِطُوا. فَصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ في اهْبِطُوا، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِإغْناءِ الرّابِطِ عَنْها، واجْتِماعُ الواوِ والضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ حالًا أكْثَرُ مِنَ انْفِرادِ الضَّمِيرِ. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولَيْسَ مَجِيئَها بِالضَّمِيرِ دُونَ الواوِ شاذًّا، خِلافًا لِلْفَرّاءِ ومَن وافَقَهُ كالزَّمَخْشَرِيِّ. وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ كَلِمَتَهُ فُوهُ إلى فِيَّ، ورَجَعَ عُودُهُ عَلى بَدْئِهِ، وخَرَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ (عُودُهُ) مُبْتَدَأٌ و(عَلى بَدْئِهِ) خَبَرٌ، والجُمْلَةُ حالٌ، وهو كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، نُظْمُها ونَثْرُها، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ شاذًّا. وأجازَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ بَعْضَهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ القَيْدِ في الأمْرِ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، أوْ كالمَأْمُورِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: قُمْ ضاحِكًا كانَ المَعْنى الأمْرُ بِإيقاعِ القِيامِ مَصْحُوبًا بِالحالِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ كالمَأْمُورِ؛ لِأنَّكَ لَمْ تُسَوِّغْ لَهُ القِيامَ إلّا في حالِ الضَّحِكِ وما يُتَوَصَّلُ إلى فِعْلِ المَأْمُورِ إلّا بِهِ مَأْمُورٌ بِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ ولا يَلْزَمُ ما يُتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ إذا كانَ مَأْمُورًا بِهِ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ في حالٍ مِن أحْوالِهِ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الحالُ مَأْمُورًا بِها؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ الحالِيَّةَ هي لَنِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ لا نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ. فَلَوْ كانَتْ مَأْمُورًا بِها إذا كانَ العامِلُ فِيها أمْرًا، فَلا يُسَوَّغُ ذَلِكَ هُنا؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَأْمُورَ بِهِ إذا كانَ لا يَقَعُ في الوُجُودِ إلّا بِذَلِكَ القَيْدِ ولا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَيْدُ مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ الحالُ مِن هَذا النَّوْعِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ (p-١٦٤)أمَرَ بِها، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الأحْوالِ اللّازِمَةِ. وقَوْلُهُ: لِبَعْضٍ مُتَعَلِّقٌ بُقُولِهِ عَدُوٌّ، واللّامُ مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ (عَدُوٌّ) إلَيْهِ، وأفْرَدَ (عَدُوٌّ) عَلى لَفْظِ (بَعْضُ) أوْ لِأنَّهُ يُصْلِحُ لِلْجَمْعِ، كَما سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى (بَعْضُ) وعَلى (عَدُوٌّ) حالَةَ الإفْرادِ.
﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. لَكم هو الخَبَرُ، وفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في الخَبَرِ، والخَبَرُ هُنا مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، ولا يَجُوزُ (في الأرْضِ) أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) سَواءً كانَ يُرادُ بِهِ مَكانُ اسْتِقْرارٍ كَما قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ المَصْدَرُ، أيْ: اسْتِقْرارٌ، كَما قالَهُ السُّدِّيُّ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ، ولِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُولَ لا يُجَوِّزُ بَعْضُهم تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ولَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) لِما ذَكَرْناهُ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُسْتَقَرٌّ؛ لِأنَّ العامِلَ إذْ ذاكَ فِيها يَكُونُ الخَبَرَ، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى جُزْأيِ الإسْنادِ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ، وصارَ نَظِيرَ: قائِمًا زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، وهو لا يَجُوزُ بِإجْماعٍ. مُسْتَقَرٌّ: أيْ مَكانُ اسْتِقْرارِكم حالَتَيِ الحَياةِ والمَوْتِ، وقِيلَ: هو القَبْرُ، أوِ اسْتِقْرارٌ، كَما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
(ومَتاعٌ): المَتاعُ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، أوِ الزّادِ، أوِ الزَّمانِ الطَّوِيلِ، أوِ التَّعْمِيرِ. (إلى حِينٍ): إلى المَوْتِ، أوْ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ إلى أجَلٍ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويَتَعَلَّقُ إلى بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ومَتاعٌ كائِنٌ إلى حِينٍ، أوْ بِمَتاعٍ، أيْ واسْتِمْتاعٍ إلى حِينٍ، وهو مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلُ فِيهِ الثّانِي ولَمْ يَحْتَجْ إلى إضْمارٍ في الأوَّلِ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَهُ فَضْلَةٌ، فالأوْلى حَذْفُهُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأوْلى أنْ لا يُحْذَفَ مِنَ الثّانِي، والأحْسَنُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الأوْلى، والأفْصَحُ لا يُقالُ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن (مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ) يَقْتَضِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى بِسَبَبِ أنَّ الأوَّلِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ إلى حِينٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمَعْطُوفِ، والمَصْدَرُ مَوْصُولٌ فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يَكُونُ مَوْصُولًا، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِنهُ ما يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ فَيُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ مَعَ الفِعْلِ، وهَذا هو المَوْصُولُ، وإنَّما كانَ مَوْصُولًا بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِهِ بِذَلِكَ الحَرْفِ الَّذِي هو مَوْصُولٌ بِالفِعْلِ، وإلّا فالمَصْدَرُ مِن حَيْثُ هو مَصْدَرٌ لا يَكُونُ مَوْصُولًا، ومِنهُ ما لا يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ولَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، فَمِثْلَ هَذا لا يُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، حَتّى ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَذا المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ لَمْ يَحْكم عَلى الِاسْمِ بَعْدَهُ، لا بِرَفْعٍ ولا بِنَصْبٍ، قالُوا: فَإذا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَزَيْدٌ فاعِلُ القِيامِ تَأْوِيلُهُ يُعْجِبُنِي أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ومُمْكِنٌ أنَّ زَيْدًا يَعْرا مِنهُ القِيامُ، ولا يُقْصَدُ فِيهِ إلى إفادَةِ المُخاطَبِ أنَّهُ فَعَلَ القِيامَ فِيما مَضى، أوْ يَفْعَلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، بَلْ تَكُونُ النِّيَّةُ في الإخْبارِ كالنِّيَّةِ في: يُعْجِبُنِي خاتَمُ زَيْدٍ المَحْدُودُ المَعْرُوفُ بِصاحِبِهِ والمَخْفُوضُ بِالمَصْدَرِ. عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لا يُقْضى عَلَيْهِ بِرَفْعٍ، ولا يُؤَكَّدُ، ولا يُنْعَتُ، ولا يُعْطَفُ عَلَيْهِ إلّا بِمِثْلٍ ما يُسْتَعْمَلُ مَعَ المَخْفُوضاتِ الصِّحاحِ. انْتَهى.
فَأنْتَ تَرى تَجْوِيزَهم أنْ لا يَكُونَ مَوْصُولًا مَعَ المَصْدَرِ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، وهو قَوْلُهم: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَكَيْفَ مَعَ ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا نَحْوَ ما مَثَّلْنا بِهِ مِن قَوْلِهِ: لَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ مِن قَبِيلِ ما لا يَكُونُ مَوْصُولًا. ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا، كَما مَثَّلْنا في قَوْلِهِ: لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ يَعْمَلُ فِيهِما رَوائِحُ الأفْعالِ، حَتّى الأسْماءُ الأعْلامُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، وأنا ابْنُ ماوِيَّةَ إذْ جَدَّ النَّقْرُ، وأمّا أنْ تَعْمَلَ في الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ فَلا. وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ المَصْدَرَ إذا نُوِّنَ، أوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ، تَحَقَّقَتْ لَهُ الِاسْمِيَّةُ وزالَ عَنْهُ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، فانْقَطَعَ عَنْ أنْ يُحْدِثَ إعْرابًا، وكانَتْ قِصَّتُهُ قِصَّةَ زَيْدٍ وعَمْرٍو والرَّجُلِ والثَّوْبِ، فَيُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، (p-١٦٥)ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ولِأنَّ المَصْدَرَ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ بِأبْعَدَ في العَمَلِ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مِنَ الِاسْمِ العَلَمِ، ويُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ( إلى حِينٍ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ البَقاءِ في الأرْضِ، ودَلِيلٌ عَلى المَعادِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ التَّحْذِيرُ عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ بِقَصْدٍ أوْ تَأْوِيلٍ، وأنَّ المُخالَفَةَ تُزِيلُ عَنْ مَقامِ الوِلايَةِ.
* *
(فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ)، تَلَقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، وهو هُنا بِمَعْنى التَّجَرُّدِ، أيْ لَقِيَ آدَمُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: تَعَدّاكَ هَذا الأمْرُ، بِمَعْنى عَدّاكَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها تَفَعَّلَ، وهي سَبْعَةَ عَشَرَ مَعْنًى مُطاوِعَةً فَعَّلَ، نَحْوَ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، والتَّكَلُّفُ نَحْوَ: تَحَلَّمَ، والتَّجَنُّبُ نَحْوَ: تَجَنَّبَ، والصَّيْرُورَةُ نَحْوَ: تَألَّمَ، والتَّلَبُّسُ بِالمُسَمّى المُشْتَقِّ مِنهُ نَحْوَ: تَقَمَّصَ، والعَمَلُ فِيهِ نَحْوَ: تَسَحَّرَ، والِاتِّخاذُ نَحْوَ: تَبَنَّيْتُ الصَّبِيَّ، ومُواصَلَةُ العَمَلِ في مَهَلَةٍ نَحْوَ: تَفَهَّمَ، ومُوافَقَةُ اسْتَفْعَلَ نَحْوَ: تَكَبَّرَ، ومُوافَقَةُ المُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَدّى الشَّيْءَ، أيْ عَدّاهُ، والإغْناءُ عَنْهُ نَحْوَ: تَكَلَّمَ، والإغْناءُ عَنْ فِعْلٍ نَحْوَ: تَوْبَلَ، ومُوافَقَةُ فَعَّلَ نَحْوَ: تَوَلّى، أيْ ولّى، والخِتْلُ نَحْوَ: تَعَقَّلْتُهُ، والتَّوَقُّعُ نَحْوَ: تَخَوَّفَهُ، والطَّلَبُ نَحْوَ: تُنْجَزُ حَوائِجُهُ، والتَّكْثِيرُ نَحْوَ: تُعْطِينا. ومَعْنى تَلَقِّي الكَلِماتِ: أخْذُها وقَبُولُها، أوِ الفَهْمُ، أوِ الفَطانَةُ، أوِ الإلْهامُ أوِ التَّعَلُّمُ والعَمَلُ بِها، أوْ الِاسْتِغْفارُ والِاسْتِقالَةُ مِنَ الذَّنْبِ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ أصْلَهُ: تَلَقَّنَ، فَأُبْدِلَتِ النُّونُ ألِفًا، ضَعِيفٌ، وإنْ كانَ المَعْنى صَحِيحًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِمّا كانَ عَيْنُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ نَحْوَ: تَظَنّى، وتَقَضّى، وتَسَرّى، أصْلُهُ: تَظَنَّنَ، وتَقَضَّضَ، وتَسَرَّرَ، ولا يُقالُ في تَقَبَّلَ: تَقَبّى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (آدَمُ) ونَصْبِ الكَلِماتِ، وعَكَسَ ابْنُ كَثِيرٍ. ومَعْنى تَلَقِّي الكَلِماتِ لِآدَمَ: وُصُولُها إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن تَلَقّاكَ فَقَدْ تَلَقَّيْتَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: فَجاءَتْ آدَمَ مِن رَبِّهِ كَلِماتٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: كَلِماتٍ، أنَّها جُمْلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِمٍ، أوْ جُمَلٌ مِنَ الكَلامِ قالَها آدَمُ، فَلِذَلِكَ قَدَّرُوا بَعْدَ قَوْلِهِ: كَلِماتٍ، جُمْلَةً مَحْذُوفَةً وهي: فَقالَها فَتابَ عَلَيْهِ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ تِلْكَ الكَلِماتِ عَلى أقْوالٍ، وقَدْ طَوَّلُوا بِذِكْرِها، ولَمْ يُخْبِرْنا اللَّهُ بِها إلّا مُبْهَمَةً، ونَحْنُ نَذْكُرُها كَما ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ والضَّحّاكُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي (رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا)، الآيَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللَّهِ ما قالَهُ أبُونا حِينَ اقْتَرَفَ الخَطِيئَةَ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ“ . وسُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَهُ المُذْنِبُ فَقالَ: يَقُولُ ما قالَهُ أبَواهُ: ”رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي“ وما قالَهُ يُونُسُ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ“ . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبٍ أنَّها: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ“ . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ هي: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ“ . وحَكى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مَن رُوحِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبُكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ:“ نَعَمْ ”. وزادَ قَتادَةُ في هَذا:“ وسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ إلَيَّ قَبْلَ غَضَبِكَ ؟ قِيلَ لَهُ بَلى، قالَ: رَبِّ هَلْ كَتَبْتَ هَذا عَلَيَّ قَبْلَ أنْ تَخْلُقَنِي ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، فَقالَ: رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ ”. وقالَ قَتادَةُ هي:“ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ ”. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، قالَ:“ يا رَبِّ خَطِيئَتِي الَّتِي أخْطَأتُها أشَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ تَخْلُقَنِي ؟ أوْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِي ؟ قالَ: بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أنْ أخْلُقَكَ، قالَ: ”فَكَما كَتَبْتَ عَلَيَّ فاغْفِرْ لِي“ . وقِيلَ إنَّها: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتَ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ (p-١٦٦)الغَفُورُ“ . وقِيلَ: رَأى مَكْتُوبًا عَلى ساقِ العَرْشِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَشَفَّعَ بِذَلِكَ فَهي الكَلِماتُ. وقِيلَ: قَوْلُهُ حِينَ عَطَسَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ . وقِيلَ: هي الدُّعاءُ والحَياءُ والبُكاءُ. وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والحُزْنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَمّاها كَلِماتٍ مَجازًا لِما هي في خَلْقِها صادِرَةٌ عَنْ كَلِماتٍ، وهي: كُنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ "، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّ آدَمَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا إلّا الِاسْتِغْفارَ المَعْهُودَ. انْتَهى كَلامُهُ.
(فَتابَ عَلَيْهِ): أيُّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وأفْرَدَهُ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ زَوْجَتُهُ مُشارِكَةً لَهُ في الأمْرِ بِالسُّكْنى والنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الشَّجَرَةِ وتَلَقِّي الكَلِماتِ والتَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ هو المُواجَهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وهي تابِعَةٌ لَهُ في ذَلِكَ، فَكَمُلَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِهِ وحْدَهُ، كَما جاءَ في قِصَّةِ مُوسى والخِضْرِ، إذْ جاءَ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ [الكهف: ٧١]، فَحَمَلاها بِغَيْرِ نَوْلٍ، وكانَ مَعَ مُوسى يُوشَعُ، لَكِنَّهُ كانَ تابِعًا لِمُوسى فَلَمْ يُذْكُرْهُ ولَمْ يُجْمَعْ مَعَهُما في الضَّمِيرِ، أوِ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما، إذْ كانَ فِعْلُهُما واحِدًا، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، أوْ طَوى ذَكَرَها كَما طَواهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] .
وقَدْ جاءَ طَيُّ ذِكْرِ النِّساءِ في أكْثَرَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وقَدْ ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وإنَّما لَمْ يُراعِ هَذا السَّتْرَ في امْرَأتَيْ نُوحٍ ولُوطٍ لِأنَّهُما كانَتْ كافِرَتَيْنِ، وقَدْ ضَرَبَ بِهِما المَثَلَ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ ذُنُوبَهُما كانَتْ غايَةً في القُبْحِ والفُحْشِ. والكافِرُ لا يُناسِبُ السَّتْرَ عَلَيْهِ ولا الإغْضاءَ عَنْ ذَنْبِهِ، بَلْ يُنادِي عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أخْزى لَهُ وأحَطَّ لِدَرَجَتِهِ، وحَوّاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولِأنَّ مَعْصِيَتَهُما تَكَرَّرَتْ واسْتَمَرَّ مِنهُما الكُفْرُ والإصْرارُ عَلى ذَلِكَ، والتَّوْبَةُ مُتَعَذِّرَةٌ لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُما لا يَتُوبانِ، ولَيْسَتْ حَوّاءُ كَذَلِكَ لِخِفَّةِ ما وقَعَ مِنها، أوْ لِرُجُوعِها إلى رَبِّها، ولِأنَّ التَّبْكِيتَ لِلْمُذْنِبِ شَرْعُ رَجاءِ الإقْلاعِ، وهَذا المَعْنى مَعْقُودٌ فِيهِما، وذِكْرُهُما بِالإضافَةِ إلى زَوْجَيْهِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ما لا يَكُونُ في ذِكْرِ اسْمَيْهِما غَيْرَ مُضافَيْنِ إلَيْهِما، وتَوْبَةُ العَبْدِ رُجُوعُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ. واخْتُلِفَ في التَّوْبَةِ المَطْلُوبَةِ مِنَ العَبْدِ، فَقالَ قَوْمٌ: هي النَّدَمُ، أخْذًا بِظاهِرِ قَوْلِهِ، ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» وقالَ قَوْمٌ: شُرُوطُها ثَلاثَةٌ: النَّدَمُ عَلى ما فاتَ، والإقْلاعُ عَنْهُ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ. وتَأوَّلُوا النَّدَمَ تَوْبَةً عَلى مُعْظَمِ التَّوْبَةِ نَحْوَ: الحَجُّ عَرَفَةٌ، وزادَ بَعْضُهم في الشُّرُوطِ، بِرَدِّ المَظالِمِ إذا قَدَرَ عَلى رَدِّها، وزادَ بَعْضُهم: المَطْعَمُ الحَلّالُ، وقالَ القَفّالُ: لا بُدَّ مَعَ تِلْكَ الشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ مِنَ الإشْفاقِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ أتى بِها كَما لَزِمَهُ، فَيَكُونُ خائِفًا، ولِهَذا جاءَ يُحَذِّرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ بَكَيا عَلى ما فاتَهُما مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ مِائَتَيْ سَنَةٍ. وقَدْ ذَكَرُوا في كَثْرَةِ دُمُوعِ آدَمَ وداوُدَ شَيْئًا يَفُوتُ الحَصْرَ كَثْرَةً، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَلَغَنِي أنَّ آدَمَ لَمّا أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مَكَثَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى تابَ عَلى آدَمَ في يَوْمِ عاشُوراءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنَّهُ): بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نَوْفَلُ بْنُ أبِي عَقْرَبٍ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ فَتَحَ عَلى التَّعْلِيلِ، التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ، فالمَفْتُوحَةُ مَعَ ما بَعْدَها فَضْلَةٌ، إذْ هي في تَقْدِيرٍ مُفْرَدٍ ثابِتٍ واقِعٍ مَفْرُوغٍ مِن ثُبُوتِهِ لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعُ مُنازِعٍ، وأمّا الكَسْرُ فَهي جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تامَّةٌ أُخْرِجَتْ مَخْرَجِ الإخْبارِ المُسْتَقِلِّ الثّابِتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَها رَبْطٌ مَعْنَوِيٌّ بِما قَبْلَها، كَما جاءَتْ في: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ﴾ [التوبة: ١٠٣]، حَتّى لَوْ وُضِعَتِ الفاءُ الَّتِي تُعْطِي الرَّبْطَ مَكانَها أغْنَتْ عَنْها، وقالُوا: إنَّ إنَّ إنَّما تَجِيءُ لِتَثْبِيتِ ما يَتَرَدَّدُ المُخاطَبُ في ثُبُوتِهِ ونَفْيِهِ، فَإنْ قُطِعَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، فَلَيْسَ مِن مَظانِّها، فَإنْ وُجِدَتْ داخِلَةً عَلى ما قُطِعَ فِيهِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ ظاهِرًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فِيهِ لِأمْرٍ ما، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في نَحْوِ: ﴿إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥]، (p-١٦٧)إنْ شاءَ اللَّهُ.
ولَمّا دَخَلَتْ لِلتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾، قَوِيَ التَّأْكِيدُ بِتَأْكِيدٍ آخَرَ، وهو لَفْظُهُ: (هو) . وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ في قَوْلِهِ: (وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) . وبُولِغَ أيْضًا في الصِّفَتَيْنِ بَعْدَهُ، فَجاءَ التَّوّابُ عَلى وزْنِ فَعّالٍ، والرَّحِيمُ عَلى وزْنٍ فَعِيلٍ، وهُما مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي صِيغَتْ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَرْغِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ في التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الطّاعَةِ، وإطْماعٌ في عَفْوِهِ تَعالى وإحْسانِهِ لِمَن تابَ إلَيْهِ، والتَّوّابُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وهو الكَثِيرُ القَبُولُ لِتَوْبَةِ العَبْدِ، أوِ الكَثِيرِ الإعانَةِ عَلَيْها. وقَدْ ورَدَ هَذا الِاسْمُ في كِتابِ اللَّهِ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا، ووَصَفَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُوصَفُ بِهِ إلّا تَجَوُّزًا، وأجْمَعُوا أنَّهُ لا يُوصَفُ تَعالى بِتائِبٍ ولا آيِبٍ ولا رَجّاعٍ ولا مُنِيبٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ إطْلاقِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى العَبْدِ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ صِلَتَيْهِما، ألا تَرى: (فَتابَ عَلَيْهِ)، (وتُوبُوا إلى اللَّهِ) ؟ فالتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ هي العَطْفُ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِ، ومِنَ العَبْدِ هي الرُّجُوعُ إلى طاعَتِهِ تَعالى، لِطَلَبِ ثَوابٍ، أوْ خَشْيَةِ عِقابٍ، أوْ رَفْعِ دَرَجاتٍ. وأعْقَبَ الصِّفَةَ الأوْلى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ سَبَبُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وتَقَدُّمُ التَّوّابِ لِمُناسَبَةِ (فَتابَ عَلَيْهِ)، ولِحُسْنِ خَتْمِ الفاصِلَةِ بِقَوْلِهِ: (الرَّحِيمِ) . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في البَسْمَلَةِ عَلى لَفْظَةِ الرَّحِيمِ وما يَتَعَلَّقُ بِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.
(قُلْنا اهْبِطُوا)، كَرَّرَ القَوْلَ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ المَحْضِ؛ لِأنَّ سَبَبَ الهُبُوطَ كانَ أوَّلَ مُخالَفَةٍ، فَكَرَّرَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، أوْ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِما؛ لِأنَّ الأوَّلَ عُلِّقَ بِهِ العَداوَةُ، والثّانِي عُلِّقَ بِإتْيانِ الهُدى. وأمّا لا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، بَلْ هُما هُبُوطانِ حَقِيقَةً، الأوَّلُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ في الهُبُوطِ الأوَّلِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ولَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِقْرارُ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ إلّا بِالهُبُوطِ الثّانِي، فَكانَ يَنْبَغِي الِاسْتِقْرارُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ وبِقَوْلِهِ في الهُبُوطِ الثّانِي مِنها، وظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ يَعُودُ إلى الجَنَّةِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الهُبُوطَ الثّانِي مِنهُما.
(جَمِيعًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظَةِ جَمِيعًا وأنَّها تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ في الحُكْمِ، لا المُقارَنَةَ في الزَّمانِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلُّهم خُوطِبُوا بِالهُبُوطِ، فَقَدْ دَلّا عَلى اتِّحادِ زَمانِ الهُبُوطِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ هُبُوطًا جَمِيعًا، أوْ هابِطَيْنِ جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ لِاسْمِ فاعِلٍ مَحْذُوفٍ، كُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ. قالَ: لِأنَّ جَمِيعًا لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمَ فاعِلٍ، مَعَ مُنافاةِ ما قَدَّرَهُ لِلْحُكْمِ الَّذِي صَدَّرَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: أوَّلًا وجَمِيعًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا. فَإذا كانَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا عَلى ما قَرَّرَ أوَّلًا، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ ثانِيًا ؟ كَأنَّهُ قالَ: هُبُوطًا جَمِيعًا، أوْ هابِطِينَ جَمِيعًا. فَكَلامُهُ أخِيرًا يُعارِضُ حُكْمَهُ أوَّلًا، ولا يُنافِي كَوْنَهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمَ فاعِلٍ وُقُوعُهُ حالًا حَتّى يُضْطَرَّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وأبْعَدَ غَيْرَهُ أيْضًا في زَعْمِهِ أنَّ التَّقْدِيرَ: وقُلْنا اهْبِطُوا مُجْتَمِعِينَ، فَهَبَطُوا جَمِيعًا، فَجَعَلَ ثُمَّ حالًا مَحْذُوفَةً لِدِلالَةِ جَمِيعًا عَلَيْها، وعامِلًا مَحْذُوفًا لِدِلالَةِ اهْبِطُوا عَلَيْهِ، ولا يَلْتَئِمُ هَذا التَّقْدِيرُ مَعَ ما بَعْدَهُ إلّا عَلى إضْمارِ قَوْلٍ: أيْ فَقُلْنا: إمّا يَأْتِيَنَّكم.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُبُوطًا ثانِيًا، فَقِيلَ يَخُصُّ آدَمَ وحَوّاءَ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لا يَأْتِيهِ هُدًى، وخُصّا بِخِطابِ الجَمْعِ تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: يَنْدَرِجُ في الخِطابِ لِأنَّ إبْلِيسَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِالإجْماعِ، وإنْ شَرْطِيَّةٌ وما زائِدَةٌ بَعْدَها لِلتَّوْكِيدِ، والنُّونُ في يَأْتِيَنَّكم نُونُ التَّوْكِيدِ، وكَثُرَ مَجِيءُ هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ: (فَإمّا تَرَيِنَّ)، (وإمّا يَنْزَغَنَّكَ)، (فَإمّا نَذْهَبَنَّ) . قالَ أبُو العَبّاسِ الَمَهْدَوِيِّ: (إنَّ) هي الَّتِي لِلشَّرْطِ زِيدَتْ عَلَيْها ما لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِحَّ دُخُولُ النُّونِ لِلتَّوْكِيدِ في الفِعْلِ، ولَوْ سَقَطَتْ، يَعْنِي ما لَمْ تَدْخُلِ النُّونُ، فَما تُؤَكَّدْ أوَّلَ الكَلامِ، والنُّونُ تُؤَكَّدُ آخِرَهُ. وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا فَقالَ: فَإنْ هي لِلشَّرْطِ، دَخَلَتْ ما عَلَيْها مُؤَكِّدَةً لِيَصِحَّ دُخُولُ النُّونِ (p-١٦٨)المُشَدَّدَةِ، فَهي بِمَثابَةِ لامِ القَسَمِ الَّتِي تَجِيءُ لِمَجِيءِ النُّونِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ مِن أنَّ النُّونَ لازِمَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ إذا وُصِلَتْ (إنَّ) بِـ (ما) هو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، زَعَما أنَّها تَلْزَمُ تَشْبِيهًا بِما زِيدَتْ لِلتَّأْكِيدِ في لامِ اليَمِينِ نَحْوَ: واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ. وزَعَمُوا أنَّ حَذْفَ النُّونِ إذا زِيدَتْ (ما) بَعْدَ (إنَّ) ضَرُورَةٌ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والفارِسِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ، وأنَّهُ يَجُوزُ في الكَلامِ إثْباتُها وحَذْفُها، وإنْ كانَ الإثْباتُ أحْسَنَ. وكَذَلِكَ يَجُوزُ حَذْفُ (ما) وإثْباتُ النُّونِ، قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ، كَما أنَّكَ إنْ شِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِـ (ما) انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ كَثُرَ السَّماعُ بِعَدَمِ النُّونِ بَعْدَ (إمّا) قالَ الشَّنْفَرى:
؎فَإمّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضاحِيًا عَلى رِقَّةٍ أحْفى ولا أتَنَعَّلُ
وقالَ آخَرُ:
؎يا صاحِ إمّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جَدَّةٍ ∗∗∗ فَما التَّخَلِّي عَنِ الإخْوانِ مِن شِيَمِي
وقالَ آخَرُ:
؎زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّنِي إمّا أمُتْ ∗∗∗ تُسَدِّدُ بَنُوها الأصاغِرُ خُلَّتِي
والقِياسُ يَقْبَلُهُ؛ لِأنَّ (ما) زِيدَتْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ دُخُولُ النُّونِ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إمّا أقَمْتُ وإمّا كُنْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ فاللَّهُ يَحْفَظُ ما تُبْقِي وما تَذَرُ
فَكَما جاءَتْ هُنا زائِدَةً بَعْدَ (إنَّ) فَكَذَلِكَ في نَحْوِ: إمّا تَقُمْ يَأْتِيَنَّكم، مَبْنِيٌّ مَفْتُوحُ الآخِرِ. واخْتُلِفَ في هَذِهِ الفَتْحَةِ أهِيَ لِلْبِناءِ، أمْ بُنِيَ عَلى السُّكُونِ وحُرِّكَ بِالفَتْحَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِنا المُسَمّى (بِالتَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) .
(مِنِّي): مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتِيَنَّكم، وهَذا شَبِيهٌ بِالِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَوْضُوعِ لِلْجَمْعِ، أوِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ، إلى الضَّمِيرِ الخاصِّ بِالمُتَكَلِّمِ المُفْرَدِ. وقَدْ ذَكَرْنا حِكْمَةَ ذاكَ الضَّمِيرِ في: قُلْنا، عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، وحِكْمَةُ هَذا الِانْتِقالِ هُنا أنَّ الهُدى لا يَكُونُ إلّا مِنهُ وحْدَهُ تَعالى، فَناسَبَ الضَّمِيرُ الخاصُّ كَوْنَهُ لا هادِيَ إلّا هو تَعالى، فَأعْطى الخاصَّ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ الضَّمِيرَ الخاصَّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: مِنِّي، إشارَةٌ إلى أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ مِنهُ، ولِذَلِكَ جاءَ: (قَدْ جاءَكم بِرِهانٌ مِن رَبِّكم وقَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ)، فَأتى بِكَلِمَةِ: مِن، الدّالَّةِ عَلى الِابْتِداءِ في الأشْياءِ، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ صادِرٌ مِنهُ ومُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وأتى بِأداةِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾، وهي تَدْخُلُ عَلى ما يُتَرَدَّدُ في وُقُوعِهِ، والَّذِي أُبْهِمَ زَمانُ وُقُوعِهِ، وإتْيانُ الهُدى واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ أبْهَمَ وقْتَ الإتْيانِ، أوْ لِأنَّهُ آذَنَ ذَلِكَ بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ إتْيانُ رُسُلٍ مِنهُ، ولا إنْزالُ كُتُبٍ بِذَلِكَ، بَلْ لَوْ لَمْ يَبْعَثْ رُسُلًا، ولا أنْزَلَ كُتُبًا، لَكانَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا، وذَلِكَ لِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العَقْلِ، ونَصَّبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، ومَكَّنَ لَهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ، كَما قالَ:
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ إنْشادِ الشِّعْرِ.
هُدًى: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الهُدى في قَوْلِهِ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، ونَكَّرَهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو المُطْلَقُ، ولَمْ يَسْبِقْ عَهْدٌ فِيهِ فَيُعَرَّفَ. والهُدى المَذْكُورُ هُنا: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، أوِ الرُّسُلُ، أوِ البِيانُ، أوِ القُدْرَةُ عَلى الطّاعَةِ، أوْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أقْوالٌ. فَمَن تَبِعَ: الفاءُ مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: (فَإمّا يَأْتِيَنَّكم) . وقالَ السَّجاوِنْدِي: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فاتَّبِعُوهُ. انْتَهى. فَكَأنَّهُ عَلى رَأْيِهِ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) . وتَظافَرَتْ نُصُوصُ المُفَسِّرِينَ والمُعْرِبِينَ عَلى أنَّ (مَن) في قَوْلِهِ: (فَمَن تَبِعَ) شَرْطِيَّةٌ، وأنَّ جَوابَ هَذا الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: (فَلا خَوْفٌ)، فَتَكُونُ الآيَةُ فِيها (p-١٦٩)شَرْطانِ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: (فَلا خَوْفٌ) جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا، وقَدْ أتْقَنّا مَسْألَةَ اجْتِماعِ الشَّرْطَيْنِ في (كِتابِ التَّكْمِيلِ)، ولا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ (مِن) شَرْطِيَّةً، بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، بَلْ يَتَرَجَّحُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ في قَسِيمِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا)، فَأتى بِهِ مَوْصُولًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَلا خَوْفٌ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وأمّا دُخُولُ الفاءِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا، فَإنَّ الشُّرُوطَ المُسَوِّغَةَ لِذَلِكَ مَوْجُودَةٌ هُنا.
وفِي قَوْلِهِ: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ)، تَنْزِيلُ الهُدى مَنزِلَةَ الإمامِ المُتَّبَعِ المُقْتَدى بِهِ، فَتَكُونُ حَرَكاتُ التّابِعِ وسَكَناتُهُ مُوافَقَةً لِمَتْبُوعِهِ، وهو الهُدى، فَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ عَنْهُ الخَوْفُ والحُزْنُ. وفي إضافَةِ الهُدى إلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ الهُدى ما لا يَكُونُ فِيهِ لَوْ كانَ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، وإنْ كانَ سَبِيلُ مِثْلِ هَذا أنْ يَعُودَ بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، والإضافَةُ تُؤَدِّي مَعْنى الألِفِ واللّامِ مِنَ التَّعْرِيفِ، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِمَزِيَّةِ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (هُدايْ) بِسُكُونِ الياءِ، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ومَحْيايْ، وذَلِكَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ أبِي عُمَرَ: (هُدِيِّي) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ المُتَكَلِّمِ، إذْ لَمْ يُمْكِنْ كَسْرُ ما قَبْلَ الياءِ؛ لِأنَّهُ حَرْفٌ لا يَقْبَلُ الحَرَكَةَ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، يَقْلِبُونَ ألِفَ المَقْصُورِ ياءً ويُدْغِمُونَها في ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقالَ شاعِرُهم:
؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ قَوْمٍ مَصْرَعُ
(فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُراعاةُ الرَّفْعِ في (ولا هم يَحْزَنُونَ)، فَرَفَعُوا لِلتَّعادُلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلِ الأوْلى أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إعْمالَ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) قَلِيلٌ جِدًّا، ويُمْكِنُ النِّزاعُ في صِحَّتِهِ، وإنْ صَحَّ فَيُمْكِنُ النِّزاعُ في اقْتِياسِهِ، والثّانِي: حُصُولُ التَّعادُلِ بَيْنَهُما، إذْ تَكُونُ (لا) قَدْ دَخَلَتْ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَلى مُبْتَدَأٍ ولَمْ تَعْمَلْ فِيهِما، ووَجْهُ قِراءَةِ الزُّهْرِيِّ ومَن وافَقَهُ أنَّ ذَلِكَ نَصٌّ في العُمُومِ، فَيَنْفِي كُلَّ فَرْدٍ مِن مَدْلُولِ الخَوْفِ، وأمّا الرَّفْعُ فَيُجَوِّزُهُ ولَيْسَ نَصًّا، فَراعَوْا ما دَلَّ عَلى العُمُومِ بِالنَّصِّ دُونَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالظّاهِرِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ فَخَرَّجَها ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ مِن إعْمالِ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) وأنَّهُ حَذَفَ التَّنْوِينَ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما في إعْمالِ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) فالأوْلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً كَما ذَكَرْناهُ، إذا كانَ مَرْفُوعًا مُنَوَّنًا، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ كَما قالَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُرِّيَ مِنَ التَّنْوِينِ؛ لِأنَّهُ عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَلا الخَوْفُ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مِثْلَ ما حَكى الأخْفَشُ عَنِ العَرَبِ: سَلامُ عَلَيْكم، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. قالُوا: يُرِيدُونَ السَّلامُ عَلَيْكم، ويَكُونُ هَذا التَّخْرِيجُ أوْلى، إذْ يَحْصُلُ التَّعادُلُ في كَوْنِ (لا) دَخَلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، وإذا دَخَلَتْ عَلى المَعارِفِ لَمْ تُجْرَ مَجْرى لَيْسَ، وقَدْ سُمِعَ مِن ذَلِكَ بَيْتٌ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ، وتَأوَّلَهُ النُّحاةُ وهو:
؎وحَلَّتْ سَوادَ القَلْبِ لا أنا باغِيًا ∗∗∗ سِواها ولا في حُبِّها مُتَراخِيًا
وقَدْ لَحَّنُوا أبا الطِّيبِ في قَوْلِهِ:
؎فَلا الحَمْدُ مَكْسُوبًا ولا المالُ باقِيًا
وكَنّى بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ) عَنِ الِاسْتِيلاءِ والإحاطَةِ، ونَزَلَ المَعْنى مَنزِلَةَ الجُرْمِ، ونَفى كَوْنَهُ مُعْتَلِيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ الخَوْفَ لا يَنْتَفِي بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى إلى انْصِبابِ النَّفْيِ عَلى كَيْنُونَةِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ ؟ ولا يَلْزَمُ مِن كَيْنُونَةِ اسْتِعْلاءِ الخَوْفِ انْتِفاءُ الخَوْفِ في كُلِّ حالٍ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وخَوْفِها عَنِ المُطِيعِينَ لِما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، (p-١٧٠)إلّا أنَّها مُخَفَّفَةٌ عَنِ المُطِيعِينَ، فَإذا صارُوا إلى رَحْمَتِهِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَخافُوا، وقَدَّمَ عَدَمَ الخَوْفِ عَلى عَدَمِ الحُزْنِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ فِيما هو آتٍ آكَدُ مِنِ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ، ولِذَلِكَ أُبْرِزَتْ جُمْلَتُهُ مُصَدَّرَةً بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هي أوْغَلُ في بابِ النَّفْيِ، وأُبْرِزَتِ الثّانِيَةُ مُصَدَّرَةً بِالمَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ: (ولا هم يَحْزَنُونَ) .
وفِي قَوْلِهِ: ولا هم يَحْزَنُونَ إشارَةٌ إلى اخْتِصاصِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ، وأنَّ غَيْرَهم يَحْزَنُ، ولَوْ لَمْ يُشِرْ إلى هَذا المَعْنى لَكانَ (ولا يَحْزَنُونَ) كافِيًا، ولِذَلِكَ أوْرَدَ نَفْيَ الحُزْنِ عَنْهم وإذْهابَهُ في قَوْلِهِ: (إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم) إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ وما قَبْلَهُما مِنَ الخَبَرِ مُخْتَصٌّ بِالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنى، وفي قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، فَدَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ غَيْرَهم يُحْزِنُهُ الفَزَعُ، ولا يَذْهَبُ عَنْهُمُ الحَزَنُ. وحُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ أقْوالٌ: أحَدُها: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ العَذابِ ولا يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ، الثّانِي: لا يَتَوَقَّعُونَ مَكْرُوهًا في المُسْتَقْبَلِ، ولا هم يَحْزَنُونَ لِفَواتِ المَرْغُوبِ في الماضِي والحالِ، الثّالِثُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُهم، ولا هم يَحْزَنُونَ فِيما خَلْفَهُ، الرّابِعُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الدُّنْيا، الخامِسُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن عِقابٍ، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى فَواتِ ثَوابٍ، السّادِسُ: إنَّ الخَوْفَ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَقْدِ مَطْلُوبٍ، والحُزْنَ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَواتِ مَحْبُوبٍ، السّابِعُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الدُّنْيا، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، الثّامِنُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ فِيها، التّاسِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ الَّتِي هي دارُ السُّرُورِ والأمْنِ، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيها ولا حُزْنٌ، العاشِرُ: ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أمامَهم، فَلَيْسَ شَيْءٌ أعْظَمَ في صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ، فَأمَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، ثُمَّ سَلّاهم عَنِ الدُّنْيا، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ بَعْدَ وفاتِهِمْ في الدُّنْيا، الحادِي عَشَرَ: لا خَوْفٌ حِينَ أطْبَقَتِ النّارُ، ولا حُزْنٌ حِينَ ذُبِحَ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ عَلى الصِّراطِ، فَقِيلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ: خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، الثّانِي عَشَرَ: لا خَوْفٌ ولا حُزْنٌ عَلى الدَّوامِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، لَكِنْ يُخَصُّ بِما بَعْدَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ في دارِ الدُّنْيا قَدْ يَلْحَقُ المُؤْمِنَ الخَوْفُ والحُزْنُ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِنَ العُمُومِ لِذَلِكَ.
(والَّذِينَ كَفَرُوا) قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ومَن لَمْ يَتْبَعْ هُدايَ، وإنْ كانَ التَّقْسِيمُ اللَّفْظِيُّ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ يَكُونُ بِوُجُوهٍ، مِنها: عَدَمُ القابِلِيَّةِ بِخِلْقَةٍ أوْ غَفْلَةٍ، ومِنها تَعَمُّدُ تَرْكِ الشَّيْءِ، فَأُبْرِزَ القَسِيمُ بِقَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) في صُورَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ لِيَكُونَ مُزِيلًا لِلِاحْتِمالِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ، ولَمّا كانَ الكُفْرُ قَدْ يَعْنِي كُفْرَ النِّعْمَةِ وكُفْرَ المَعْصِيَةِ بَيَّنَ: أنَّ المُرادَ هُنا الشِّرْكُ، بِقَوْلِهِ: وكَذَّبُوا بِآياتِنا، وبِآياتِنا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وكَذَّبُوا، وهو مِن إعْمالِ الثّانِي، إنْ قُلْنا: إنَّ (كَفَرُوا) يَطْلُبُهُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ قُلْنا: لا يَطْلُبُهُ، فَلا يَكُونُ مِنَ الإعْمالِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، والآياتُ هُنا: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، أوْ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ دَلائِلُ اللَّهِ في مَصْنُوعاتِهِ، أقْوالٌ. وأُولَئِكَ: مُبْتَدَأٌ، وأصْحابُ: خَبَرٌ عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ بَدَلًا وعَطْفَ بَيانٍ، فَيَكُونُ (أصْحابُ النّارِ) إذْ ذاكَ، خَبَرًا عَنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصِ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِالنّارِ، فَيُفْهَمُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى هم أصْحابُ الجَنَّةِ. وكانَ التَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى لا خَوْفٌ ولا حَزْنٌ يَلْحَقُهُ، وهو صاحِبُ الجَنَّةِ، ومَن كَذَّبَ يَلْحَقُهُ الخَوْفُ والحُزْنُ، وهو صاحِبُ النّارِ، فَكَأنَّهُ حُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى شَيْءٌ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ومِنَ الثّانِيَةِ شَيْءٌ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَصارَ نَظِيرَ قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-١٧١)
؎وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذاكِرٍ فَتْرَةٌ ∗∗∗ كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
وفِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى الذَّواتِ المُتَّصِفَةِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وكَأنَّ فِيها تَكْرِيرًا وتَوْكِيدًا لِذِكْرِ المُبْتَدَأِ السّابِقِ. والصُّحْبَةُ مَعْناها: الِاقْتِرانُ بِالشَّيْءِ، والغالِبُ في العُرْفِ أنْ يَنْطَلِقَ عَلى المُلازَمَةِ، وإنْ كانَ أصْلُها في اللُّغَةِ: أنْ تَنْطَلِقَ عَلى مُطْلَقِ الِاقْتِرانِ، والمُرادُ بِها هُنا: المُلازَمَةُ الدّائِمَةُ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: هم فِيها خالِدُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، كَما جاءَ في مَكانٍ آخَرَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُفَسِّرَةً لِما أنَّبَهم في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ، فَفَسَّرَ وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الصُّحْبَةَ لا يُرادُ بِها مُطْلَقُ الِاقْتِرانِ، بَلِ الخُلُودُ، فَلا يَكُونُ لَها إذْ ذاكَ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو: أُولَئِكَ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِخِبْرَيْنِ: أحَدُهُما مُفْرَدٌ، والآخَرُ جُمْلَةٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الخُلُودِ، وهَلْ هو المُكْثُ زَمانًا لا نِهايَةَ لَهُ، أوْ زَمانًا لَهُ نِهايَةٌ ؟
البقرة 2:38
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
أزَلَّ: مِنَ الزَّلَلِ، وهو عُثُورُ القَدَمِ. يُقالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ، وزَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ. والزَّلَلُ في الرَّأْيِ والنَّظَرِ مَجازٌ، وأزالَ: مِنَ الزَّوالِ، وأصْلُهُ التَّنْحِيَةُ. والهَمْزَةُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. الهُبُوطُ: هو النُّزُولُ، مَصْدَرُ هَبَطَ، ومُضارِعُهُ يَهْبِطُ ويَهْبُطُ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّها، والهَبُوطُ بِالفَتْحِ: مَوْضِعُ النُّزُولِ. وقالَ المُفَضَّلُ: الهَبُوطُ: الخُرُوجُ عَنِ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا الدُّخُولُ فِيها مِنَ الأضْدادِ، ويُقالُ في انْحِطاطِ المَنزِلَةِ مَجازًا، ولِهَذا قالالفَرّاءُ: الهَبُوطُ: الذُّلُّ، قالَ لَبِيدٌ:
؎إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا يَوْمًا وإنْ أمِرُوا
بَعْضٌ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَعَضَ يَبْعَضُ بَعْضًا، أيْ قَطَعَ، ويُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ، ويُقابِلُهُ كُلُّ، وهُما مَعْرِفَتانِ لِصُدُورِ الحالِ مِنهُما في فَصِيحِ الكَلامِ، قالُوا: مَرَرْتُ بِبَعْضٍ قائِمًا، وبِكُلٍّ جالِسًا، ويُنْوى فِيهِما الإضافَةُ، فَلِذَلِكَ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِما الألِفُ واللّامُ، ولِذَلِكَ خَطَّأُوا أبا القاسِمِ الزَّجّاجِيَّ في قَوْلِهِ: ويُبْدَلُ البَعْضُ مِنَ الكُلِّ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى بَعْضٍ إذا أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا. وكَذَلِكَ الخَبَرُ والحالُ والوَصْفُ يَجُوزُ إفْرادُهُ إذْ ذاكَ وجَمْعُهُ.
العَدُوُّ: مِنَ العَداوَةِ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ، (p-١٦٠)يُقالُ: عَدا فُلانٌ طَوْرَهُ: إذا جاوَزَهُ، وقِيلَ: العَداوَةُ، التَّباعُدُ بِالقُلُوبِ مِن عُدْوَيِ الجَبَلِ، وهُما طَرَفاهُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما، وقِيلَ: مِن عَدا، أيْ ظَلَمَ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. والعَدُوُّ يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وقَدْ جُمِعَ فَقِيلَ: أعْداءٌ، وقَدْ أُنِّثَ فَقالُوا: عَدُوَّةٌ، ومِنهُ: أيْ عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ. وقالَ الفَرّاءُ: قالَتِ العَرَبُ لِلْمَرْأةِ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، وطَرَحَ بَعْضُهُمُ الهاءَ. المُسْتَقَرُّ: مُسْتَفْعَلٌ مِنَ القَرارِ، وهو اللُّبْثُ والإقامَةُ، ويَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلٍ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفِ، فَيَكُونُ لِما ذُكِرَ بِصُورَةِ المَفْعُولَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الأرْضُ: القَرارَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
واسْتَفْعَلَ فِيهِ: بِمَعْنى فَعَلَ، اسْتَقَرَّ وقَرَّ بِمَعْنًى. المَتاعُ: البُلْغَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مَتَعَ النَّهارُ: إذا ارْتَفَعَ، فَيَنْطَلِقُ عَلى ما يَتَحَصَّلُ لِلْإنْسانِ مِن عَرَضَ الدُّنْيا، ويُطْلَقُ عَلى الزّادِ وعَلى الِانْتِفاعِ بِالنِّساءِ، ومِنهُ، ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ونِكاحُ المُتْعَةِ، وعَلى الكُسْوَةِ، (ومَتِّعُوهُنَّ)، وعَلى التَّعْمِيرِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣]، قالُوا: ومِنهُ أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، أيْ أطالَ اللَّهُ الإيناسَ بِكَ، وكُلُّهُ راجِعٌ لِمَعْنى البُلْغَةِ.
الحِينُ: الوَقْتُ والزَّمانُ، ولا يَتَخَصَّصُ بِمُدَّةٍ، بَلْ وُضِعَ المُطْلَقُ مِنهُ. تَلَّقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، نَحْوَ تَعَدّى مِنَ العَدْوِ، قالُوا: أوْ بِمَعْنى اسْتَقْبَلَ، ومِنهُ: تَلَقّى فُلانٌ فُلانًا اسْتَقْبَلَهُ. ويَتَلَقّى الوَحْيَ: أيْ يَسْتَقْبِلُهُ ويَأْخُذُهُ ويَتَلَقَّفُهُ، وخَرَجْنا نَتَلَقّى الحَجِيجَ: نَسْتَقْبِلُهم، وقالَ الشَّمّاخُ:
؎إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ
وقالَ القَفّالُ: التَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلِّقاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ مَوْضِعَ القَبُولِ والأخْذِ، ومِنهُ وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ، تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن فُلانٍ: أخَذْتُها مِنهُ. الكَلِمَةُ: اللَّفْظَةُ المَوْضُوعَةُ لِمَعْنى، والكَلِمَةُ: الكَلامُ، والكَلِمَةُ: القَصِيدَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى الكَلِمَةِ والكَلامِ، ويُجْمَعُ بِحَذْفِ التّاءِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، نَحْوَ: نَبْقَةٍ ونَبْقٍ. التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ، تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً ومَتابًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى ضُمِّنَ مَعْنى العَطْفِ. تَبِعَ: بِمَعْنى لَحِقَ، وبِمَعْنى تَلا، وبِمَعْنى اقْتَدى. والخَوْفُ: الفَزَعُ، خافَ يَخافُ خَوْفًا وتَخَوَّفَ تَخَوُّفًا، فَأفْزَعَ، ويَتَعَدّى بِالهَمْزِ وبِالتَّضْعِيفِ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ المُسْتَقْبَلِ. وأصْلُ الحُزْنِ: غِلَظُ الهَمِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحُزْنِ: وهو ما غَلُظَ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْنًا وحَزَنًا، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ وبِالفُتْحَةِ، نَحْوَ: شُتِرَتْ عَيْنُ الرَّجُلِ، وشَتَرَها اللَّهُ، وفي التَّعْدِيَةِ بِالفَتْحَةِ خِلافٌ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ الماضِي. الآيَةُ: العَلامَةُ، ويَجْمَعُ آيًا وآياتٍ، قالَ النّابِغَةُ:
؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: فَعْلَةٌ، فَأُعِلَّتِ العَيْنُ وسَلِمَتِ اللّامُ شُذُوذًا والقِياسُ العَكْسُ. وعِنْدَ الكِسائِيِّ: فاعِلَةٌ، حُذِفَتِ العَيْنُ لِئَلّا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الإدْغامِ ما لَزِمَ في دابَّةٍ، فَتَثْقُلُ، وعِنْدَ الفَرّاءِ: فَعْلَةٌ، فَأُبْدِلَتِ العَيْنُ ألِفًا اسْتِثْقالًا لِلتَّضْعِيفِ، كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِيوانٍ، وعِنْدَ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: فِعْلَةٌ: اسْتُثْقِلَ التَّضْعِيفُ فَقُلِبَتِ الفاءُ الأُولى ألِفًا؛ لِانْكِسارِها وتَحَرُّكِ ما قَبْلَها، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُنْهى الكَلامُ عَلَيْها في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. الصُّحْبَةُ: الِاقْتِرانُ، صَحِبَ يَصْحَبُ، والأصْحابُ: جَمْعُ صاحِبٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ شاذٌّ، والصُّحْبَةُ والصَّحابَةُ: أسْماءُ جُمُوعٍ، وكَذا صَحِبَ عَلى الأصَحِّ خِلافًا لِلْأخْفَشِ، وهي لِمُطْلَقِ الِاقْتِرانِ في زَمانٍ ما.
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: الهَمْزَةُ: كَما تَقَدَّمَ في (أزَلَّ) لِلتَّعْدِيَةِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما زَلّا بِإغْوائِهِ وحَمَلَهَما عَلى أنْ زَلّا وحَصَلا في الزَّلَّةِ، هَذا أصْلُ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى جَعَلَ أسْبابَ الفِعْلِ، فَلا يَقَعُ إذْ ذاكَ الفِعْلُ. تَقُولُ: أضْحَكْتُ زَيْدًا فَما ضَحِكَ وأبْكَيْتُهُ فَما بَكى، أيْ جَعَلْتُ لَهُ أسْبابَ الضَّحِكِ وأسْبابَ البُكاءِ فَما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ضَحِكُهُ ولا بُكاؤُهُ، والأصْلُ هو الأوَّلُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ
(p-١٦١)مَعْناهُ فِيما يَشْرَحُ الشُّرّاحُ، يَزِلُّ اللِّبْدُ: يَزْلِقُهُ عَنْ وسَطِ ظَهْرِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎يَزِلُّ الغُلامُ الخُفَّ عَنْ صَهَواتِهِ
أيْ يَزْلِقُهُ.
وقِيلَ (أزَلَّهُما) أبْعَدَهُما. تَقُولُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا؛ أيْ: ذَهَبَ وسَقَطَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الزَّلَّةَ هي سُقُوطٌ في المَعْنى، إذْ فِيها خُرُوجُ فاعِلِها عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وبُعْدُهُ عَنْها. فَهَذا جاءَ عَلى الأصْلِ مِن تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وحَمْزَةُ: فَأزالَهُما، ومَعْنى الإزالَةِ: التَّنْحِيَةُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ إمالَةُ فَأزالَهُما.
والشَّيْطانُ: هو إبْلِيسُ بِلا خِلافٍ هُنا. وحَكَوْا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ عَنْها، وهَذِهِ القِراءَةُ مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا، وكَذا ما ورَدَ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مِمّا خالَفَ سَوادَ المُصْحَفِ. وأكْثَرُ قِراءاتِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّما تُنْسَبُ لِلشِّيعَةِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ عُلَمائِنا: إنَّهُ صَحَّ عِنْدَنا بِالتَّواتُرِ قِراءَةُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ ما يُنْقَلُ عَنْهُ مِمّا وافَقَ السَّوادَ، فَتِلْكَ إنَّما هي آحادٌ، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها، فَلا تُعارِضُ ما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ.
وفِي كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِ إبْلِيسَ إلى إغْوائِهِما حَتّى أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ أقاوِيلُ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: شافَهَهُما بِدَلِيلِ (وقاسَمَهُما) قِيلَ: فَدَخَلَ إبْلِيسُ الجَنَّةَ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ: دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ. وذَكَرُوا كَيْفَ كانَتْ خِلْقَةُ الحَيَّةِ وما صارَتْ إلَيْهِ، وكَيْفَ كانَتْ مُكالَمَةُ إبْلِيسَ لِآدَمَ. وقَدْ قَصَّها اللَّهُ تَعالى أحْسَنَ القَصَصِ وأصْدَقَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْ إبْلِيسُ الجَنَّةَ، بَلْ كانَ يَدْنُو مِنَ السَّماءِ فَيُكَلِّمُهُما. وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَنادى، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسُلْطانِهِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» . وقِيلَ: خاطَبَهُ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَصْعَدْ إلى السَّماءِ بَعْدَ الطَّرْدِ واللَّعْنِ، وكانَ خِطابُهُ وسْوَسَةً، وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في نَقْلِ قَصَصٍ كَثِيرٍ في قِصَّةِ آدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ، وتَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ حالِهِ حِينَ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، أكانَ ذَلِكَ في حالِ التَّعَمُّدِ، أمْ في حالِ غَفْلَةِ الذِّهْنِ عَنِ النَّهْيِ بِنِسْيانٍ، أمْ بِسُكْرٍ مِن خَمْرِ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرُوا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وما أظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] إلّا إنْ كانَتِ الجَنَّةُ في الأرْضِ، عَلى ما فَسَّرَهُ بَعْضُهم، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَمْرُها بِسُكْرٍ. والَّذِينَ قالُوا بِالعَمْدِ، قالُوا: كانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ مِنَ الفَزَعِ عِنْدَ إقْدامِهِ ما صَيَّرَ هَذا الفِعْلَ صَغِيرَةً. وقِيلَ: فَعَلَهُ اجْتِهادًا، وخالَفَ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّخْصِ لا إلى النَّوْعِ، فَتَرَكَها وأكَلَ أُخْرى. والِاجْتِهادُ في الفُرُوعِ لا يُوجِبُ العِقابَ. وقِيلَ كانَ الأكْلُ كَبِيرَةً، وقِيلَ: أتاهُما إبْلِيسُ في غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفانِها، فَلَمْ يَعْرِفاهُ، وحَلِفَ لَهُما أنَّهُ ناصِحٌ. وقِيلَ: نَسِيَ عَداوَةَ إبْلِيسَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ آدَمُ (ولا تَقْرَبا) أنَّهُ نَهْيٌ عَنِ القُرْبانِ مُجْتَمِعِينَ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ أنْ يَقْرَبَ، والَّذِي يُسْلَكُ فِيما اقْتَضى ظاهِرُهُ بَعْضَ مُخالَفَةٍ: تَأْوِيلُهُ عَلى أحْسَنِ مَحْمَلٍ، وتَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَنِ النَّقائِصِ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ما يَرِدُ مِن ذَلِكَ، وتَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
وفِي (المُنْتَخَبِ) لِلْإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: مَنَعَتِ الأُمَّةُ وُقُوعَ الكُفْرِ مِنَ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا الفَضِيلِيَّةَ مِنَ الخَوارِجِ، قالُوا: وقَدْ وقَعَ مِنهم ذُنُوبٌ، والذَّنْبُ عِنْدَهم كُفْرٌ، وأجازَ الإمامِيَّةُ إظْهارَ الكُفْرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، واجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَلا يَجُوزُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا، وأجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ خَطَئِهِمْ في الفُتْيا عَمْدًا واخْتَلَفُوا في السَّهْوِ. وأمّا أفْعالُهم فَقالَتِ الحَشَوِيَّةُ: يَجُوزُ وُقُوعُ الكَبائِرِ مِنهم عَلى جِهَةِ العَمْدِ. وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ بِجَوازِ الصَّغائِرِ عَمْدًا إلّا في القَوْلِ، كالكَذِبِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ. وقِيلَ: (p-١٦٢)يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى جِهَةِ السَّهْوِ والخَطَأِ، وهم مَأْخُوذُونَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ. وقالَتِ الرّافِضَةُ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ جِهَةٍ. واخْتُلِفَ في وقْتِ العِصْمَةِ فَقالَتِ الرّافِضَةُ: مِن وقْتِ مَوْلِدِهِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: مِن وقْتِ النُّبُوَّةِ. والمُخْتارُ عِنْدَنا: أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ذَنْبٌ حالَةَ النُّبُوَّةِ ألْبَتَّةَ، لا الكَبِيرَةَ ولا الصَّغِيرَةَ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَّنْبُ لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةٍ مِن عُصاةِ الأُمَّةِ، لِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ، وذَلِكَ مُحالٌ. ولِئَلّا يَكُونُوا غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهادَةِ، ولِئَلّا يَجِبُ زَجْرُهم وإيذاؤُهم، ولِئَلّا يُقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ، ولِئَلّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ، ولِئَلّا يَفْعَلُونَ ضِدَّ ما أمَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ، ولِأنَّ إبْلِيسَ اسْتَثْناهم في الإغْواءِ. انْتَهى ما لَخَّصْناهُ مِنَ المُنْتَخَبِ.
والقَوْلُ في الدَّلائِلِ لِهَذِهِ المَذاهِبِ، وفي إبْطالِ ما يَنْبَغِي إبْطالُهُ مِنها مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ.
عَنْها: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّجَرَةِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والمَعْنى: فَحَمَلَهُما الشَّيْطانُ عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها. وتَكُونُ (عَنْ) إذْ ذاكَ لِلسَّبَبِ، أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنِ الشَّجَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّها أوَّلُ مَذْكُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ وغَيْرِهِ: فَأزالَهُما، إذْ يَبْعُدُ فَأزالَهُما الشَّيْطانُ عَنِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الطّاعَةِ، قالُوا: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا عَلى ما يُفْهَمُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: (ولا تَقْرَبا) لِأنَّ المَعْنى: أطِيعانِي بِعَدَمِ قُرْبانِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِنَ التَّفَكُّهِ والرَّفاهِيَةِ والتَّبَوُّءِ مِنَ الجَنَّةِ، حَيْثُ شاءا، ومَتى شاءا، وكَيْفَ شاءا بِدَلِيلِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى السَّماءِ وهو بَعِيدٌ.
﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، أوْ مِن نِعْمَةِ الجَنَّةِ إلى شَقاءِ الدُّنْيا، أوْ مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ إلى سُفْلِ مَكانَةِ الذَّنْبِ، أوْ رِضْوانِ اللَّهِ، أوْ جِوارِهِ. وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: إذا جُعِلَ (أزَلَّهُما) مِن: زَلَّ عَنِ المَكانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ تَوْكِيدٌ. إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَزُولا عَنْ مَكانٍ كانا فِيهِ إلى مَكانٍ آخَرَ مِنَ الجَنَّةِ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَسْبِهِما الزَّلَّةَ لا يَكُونُ بِإلْقاءٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَأكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، ويَعْنِي أنَّ المَحْذُوفَ يَتَقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾، ونَسَبَ الإزْلالَ والإزالَةَ والإخْراجَ لِإبْلِيسَ عَلى جِهَةِ المَجازِ، والفاعِلُ لِلْأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى.
(وقُلْنا اهْبِطُوا): قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ. والقَوْلُ في: (وقُلْنا اهْبِطُوا) مِثْلُ القَوْلِ في: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] . ولَمّا كانَ أمْرًا بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ، وكانَ في ذَلِكَ انْحِطاطُ رُتْبَةِ المَأْمُورِ، لَمْ يُؤْنِسْهُ بِالنِّداءِ، ولا أقْبَلَ عَلَيْهِ بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] والمُخاطَبُ بِالأمْرِ آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَؤُلاءِ وإبْلِيسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ هُما وحَوّاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ فَحَسْبُ، ويَكُونُ الخِطابُ بِلَفْظِ الجَمْعِ وإنْ وقَعَ عَلى التَّثْنِيَةِ نَحْوَ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ وذُرِّيَّتُهُما، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ، والمُرادُ هُما وذُرِّيَّتُهُما، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الأِنْسِ ومُتَشَعَّبَهم جُعِلا كَأنَّهُما الأِنْسُ كُلُّهم. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ الآيَةَ، وما هو إلّا حُكْمٌ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. انْتَهى.
وفِي قَوْلِ الفَرّاءِ خِطابُ مَن لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِأنَّ ذُرِّيَّتَهُما كانَتْ إذْ ذاكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. وفي قَوْلِ مَن أدْخَلَ إبْلِيسَ مَعَهُما في الأمْرِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ خَرَجَ قَبْلَهُما، ويَجُوزُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ. قالَ كَعْبٌ ووَهْبٌ: أُهْبِطُوا جُمْلَةً ونَزَلُوا في بِلادٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وقالَ مُقاتِلُ: أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ، (p-١٦٣)فَهَبَطَ إبْلِيسُ، قِيلَ بِالأُبُلَّةِ، وحَوّاءُ بِجَدَّةَ، وآدَمُ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِسَرَنْدِيبَ بِجَبَلٍ يُقالُ لَهُ: واسِمٌ. وقِيلَ: كانَ غِذاؤُهُ جَوْزَ الهِنْدِ، وكانَ السَّحابُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَأوْرَثَ ولَدَهُ الصَّلَعَ. وهَذا لا يَصِحُّ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أوْلادُهُ كُلُّهم صُلْعًا.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَيَّةَ أُهْبِطَتْ بِنَصِيبِينَ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ: بِأصْبَهانَ، والمَسْعُودِيُّ: بِسِجِسْتانَ، وهي أكْثَرُ بِلادِ اللَّهِ حَيّاتٍ. وقِيلَ: بِبِيسانَ. وقِيلَ: كانَ هَذا الهُبُوطَ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ مِنَ الهِنْدِ ومَعَهُ رِيحُ الجَنَّةِ، عَلِقَ بِشَجَرِها وأوْدِيَتِها، فامْتَلَأ ما هُناكَ طِيبًا، فَمِن ثَمَّ يُؤْتى بِالطِّيبِ مِن رِيحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ في إخْراجِهِ كَيْفِيَّةً ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، قالَ: وأُدْخِلَ آدَمُ في الجَنَّةِ ضَحْوَةً، وأُخْرِجَ مِنها بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَمَكَثَ فِيها نِصْفَ يَوْمٍ، والنِّصْفُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدُّنْيا، والأشْبَهُ أنَّ قَوْلَهُ: (اهْبِطُوا) أمْرُ تَكْلِيفٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ ما كانا فِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، إلى مَكانٍ لا تَحْصُلُ فِيهِ المَعِيشَةُ إلّا بِالمَشَقَّةِ، وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ؛ لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ يَكُونُ بِسَبَبِ الثَّوابِ. فَكَيْفَ يَكُونُ عِقابًا مَعَ ما في هُبُوطِهِ وسُكْناهُ الأرْضَ مِن ظُهُورِ حِكْمَتِهِ الأزَلِيَّةِ في ذَلِكَ، وهي نَشْرُ نَسْلِهِ فِيها لِيُكَلِّفَهم ويُرَتِّبَ عَلى ذَلِكَ ثَوابَهم وعِقابَهم في جَنَّةٍ ونارٍ. وكانَتْ تِلْكَ الأكْلَةُ سَبَبَ هُبُوطِهِ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. وأمَرَهُ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ تابَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ثانِيَةً: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، إنْ كانَ المُخاطِبُونَ آدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتَهُما، كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالمُرادُ ما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّعادِي وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والبَعْضِيَّةُ مَوْجُودَةٌ في ذُرِّيَّتِهِما؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّهم يُعادِي كُلَّهم، بَلِ البَعْضُ يُعادِي البَعْضَ، وإنْ كانَ مَعَهُما إبْلِيسُ أوِ الحَيَّةُ، كَما قالَهُ مُقاتِلُ، فَلَيْسَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِما يُعادِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ، بَلْ كُلُّهم أعْداءٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ. ولَكِنْ يَتَحَقَّقُ هَذا بِأنْ جَعَلَ المَأْمُورُونَ بِالهُبُوطِ شَيْئًا واحِدًا وجَزِّئُوا أجْزاءً، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنها جُزْءٌ مِنَ الَّذِينَ هَبَطُوا، والجُزْءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ البَعْضُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُّ جِنْسٍ مِنكم مُعادٍ لِلْجِنْسِ المُبايِنِ لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إبْلِيسُ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم أعْداؤُهُ. وقِيلَ مَعْناهُ: عَداوَةُ نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ وجَوارِحُهُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ اهْبِطُوا مُتَعادِينَ، والعامِلُ فِيها اهْبِطُوا. فَصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ في اهْبِطُوا، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِإغْناءِ الرّابِطِ عَنْها، واجْتِماعُ الواوِ والضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ حالًا أكْثَرُ مِنَ انْفِرادِ الضَّمِيرِ. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولَيْسَ مَجِيئَها بِالضَّمِيرِ دُونَ الواوِ شاذًّا، خِلافًا لِلْفَرّاءِ ومَن وافَقَهُ كالزَّمَخْشَرِيِّ. وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ كَلِمَتَهُ فُوهُ إلى فِيَّ، ورَجَعَ عُودُهُ عَلى بَدْئِهِ، وخَرَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ (عُودُهُ) مُبْتَدَأٌ و(عَلى بَدْئِهِ) خَبَرٌ، والجُمْلَةُ حالٌ، وهو كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، نُظْمُها ونَثْرُها، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ شاذًّا. وأجازَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ بَعْضَهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ القَيْدِ في الأمْرِ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، أوْ كالمَأْمُورِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: قُمْ ضاحِكًا كانَ المَعْنى الأمْرُ بِإيقاعِ القِيامِ مَصْحُوبًا بِالحالِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ كالمَأْمُورِ؛ لِأنَّكَ لَمْ تُسَوِّغْ لَهُ القِيامَ إلّا في حالِ الضَّحِكِ وما يُتَوَصَّلُ إلى فِعْلِ المَأْمُورِ إلّا بِهِ مَأْمُورٌ بِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ ولا يَلْزَمُ ما يُتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ إذا كانَ مَأْمُورًا بِهِ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ في حالٍ مِن أحْوالِهِ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الحالُ مَأْمُورًا بِها؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ الحالِيَّةَ هي لَنِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ لا نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ. فَلَوْ كانَتْ مَأْمُورًا بِها إذا كانَ العامِلُ فِيها أمْرًا، فَلا يُسَوَّغُ ذَلِكَ هُنا؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَأْمُورَ بِهِ إذا كانَ لا يَقَعُ في الوُجُودِ إلّا بِذَلِكَ القَيْدِ ولا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَيْدُ مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ الحالُ مِن هَذا النَّوْعِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ (p-١٦٤)أمَرَ بِها، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الأحْوالِ اللّازِمَةِ. وقَوْلُهُ: لِبَعْضٍ مُتَعَلِّقٌ بُقُولِهِ عَدُوٌّ، واللّامُ مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ (عَدُوٌّ) إلَيْهِ، وأفْرَدَ (عَدُوٌّ) عَلى لَفْظِ (بَعْضُ) أوْ لِأنَّهُ يُصْلِحُ لِلْجَمْعِ، كَما سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى (بَعْضُ) وعَلى (عَدُوٌّ) حالَةَ الإفْرادِ.
﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. لَكم هو الخَبَرُ، وفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في الخَبَرِ، والخَبَرُ هُنا مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، ولا يَجُوزُ (في الأرْضِ) أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) سَواءً كانَ يُرادُ بِهِ مَكانُ اسْتِقْرارٍ كَما قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ المَصْدَرُ، أيْ: اسْتِقْرارٌ، كَما قالَهُ السُّدِّيُّ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ، ولِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُولَ لا يُجَوِّزُ بَعْضُهم تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ولَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) لِما ذَكَرْناهُ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُسْتَقَرٌّ؛ لِأنَّ العامِلَ إذْ ذاكَ فِيها يَكُونُ الخَبَرَ، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى جُزْأيِ الإسْنادِ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ، وصارَ نَظِيرَ: قائِمًا زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، وهو لا يَجُوزُ بِإجْماعٍ. مُسْتَقَرٌّ: أيْ مَكانُ اسْتِقْرارِكم حالَتَيِ الحَياةِ والمَوْتِ، وقِيلَ: هو القَبْرُ، أوِ اسْتِقْرارٌ، كَما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
(ومَتاعٌ): المَتاعُ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، أوِ الزّادِ، أوِ الزَّمانِ الطَّوِيلِ، أوِ التَّعْمِيرِ. (إلى حِينٍ): إلى المَوْتِ، أوْ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ إلى أجَلٍ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويَتَعَلَّقُ إلى بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ومَتاعٌ كائِنٌ إلى حِينٍ، أوْ بِمَتاعٍ، أيْ واسْتِمْتاعٍ إلى حِينٍ، وهو مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلُ فِيهِ الثّانِي ولَمْ يَحْتَجْ إلى إضْمارٍ في الأوَّلِ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَهُ فَضْلَةٌ، فالأوْلى حَذْفُهُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأوْلى أنْ لا يُحْذَفَ مِنَ الثّانِي، والأحْسَنُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الأوْلى، والأفْصَحُ لا يُقالُ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن (مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ) يَقْتَضِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى بِسَبَبِ أنَّ الأوَّلِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ إلى حِينٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمَعْطُوفِ، والمَصْدَرُ مَوْصُولٌ فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يَكُونُ مَوْصُولًا، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِنهُ ما يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ فَيُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ مَعَ الفِعْلِ، وهَذا هو المَوْصُولُ، وإنَّما كانَ مَوْصُولًا بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِهِ بِذَلِكَ الحَرْفِ الَّذِي هو مَوْصُولٌ بِالفِعْلِ، وإلّا فالمَصْدَرُ مِن حَيْثُ هو مَصْدَرٌ لا يَكُونُ مَوْصُولًا، ومِنهُ ما لا يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ولَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، فَمِثْلَ هَذا لا يُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، حَتّى ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَذا المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ لَمْ يَحْكم عَلى الِاسْمِ بَعْدَهُ، لا بِرَفْعٍ ولا بِنَصْبٍ، قالُوا: فَإذا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَزَيْدٌ فاعِلُ القِيامِ تَأْوِيلُهُ يُعْجِبُنِي أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ومُمْكِنٌ أنَّ زَيْدًا يَعْرا مِنهُ القِيامُ، ولا يُقْصَدُ فِيهِ إلى إفادَةِ المُخاطَبِ أنَّهُ فَعَلَ القِيامَ فِيما مَضى، أوْ يَفْعَلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، بَلْ تَكُونُ النِّيَّةُ في الإخْبارِ كالنِّيَّةِ في: يُعْجِبُنِي خاتَمُ زَيْدٍ المَحْدُودُ المَعْرُوفُ بِصاحِبِهِ والمَخْفُوضُ بِالمَصْدَرِ. عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لا يُقْضى عَلَيْهِ بِرَفْعٍ، ولا يُؤَكَّدُ، ولا يُنْعَتُ، ولا يُعْطَفُ عَلَيْهِ إلّا بِمِثْلٍ ما يُسْتَعْمَلُ مَعَ المَخْفُوضاتِ الصِّحاحِ. انْتَهى.
فَأنْتَ تَرى تَجْوِيزَهم أنْ لا يَكُونَ مَوْصُولًا مَعَ المَصْدَرِ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، وهو قَوْلُهم: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَكَيْفَ مَعَ ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا نَحْوَ ما مَثَّلْنا بِهِ مِن قَوْلِهِ: لَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ مِن قَبِيلِ ما لا يَكُونُ مَوْصُولًا. ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا، كَما مَثَّلْنا في قَوْلِهِ: لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ يَعْمَلُ فِيهِما رَوائِحُ الأفْعالِ، حَتّى الأسْماءُ الأعْلامُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، وأنا ابْنُ ماوِيَّةَ إذْ جَدَّ النَّقْرُ، وأمّا أنْ تَعْمَلَ في الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ فَلا. وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ المَصْدَرَ إذا نُوِّنَ، أوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ، تَحَقَّقَتْ لَهُ الِاسْمِيَّةُ وزالَ عَنْهُ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، فانْقَطَعَ عَنْ أنْ يُحْدِثَ إعْرابًا، وكانَتْ قِصَّتُهُ قِصَّةَ زَيْدٍ وعَمْرٍو والرَّجُلِ والثَّوْبِ، فَيُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، (p-١٦٥)ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ولِأنَّ المَصْدَرَ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ بِأبْعَدَ في العَمَلِ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مِنَ الِاسْمِ العَلَمِ، ويُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ( إلى حِينٍ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ البَقاءِ في الأرْضِ، ودَلِيلٌ عَلى المَعادِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ التَّحْذِيرُ عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ بِقَصْدٍ أوْ تَأْوِيلٍ، وأنَّ المُخالَفَةَ تُزِيلُ عَنْ مَقامِ الوِلايَةِ.
* *
(فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ)، تَلَقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، وهو هُنا بِمَعْنى التَّجَرُّدِ، أيْ لَقِيَ آدَمُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: تَعَدّاكَ هَذا الأمْرُ، بِمَعْنى عَدّاكَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها تَفَعَّلَ، وهي سَبْعَةَ عَشَرَ مَعْنًى مُطاوِعَةً فَعَّلَ، نَحْوَ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، والتَّكَلُّفُ نَحْوَ: تَحَلَّمَ، والتَّجَنُّبُ نَحْوَ: تَجَنَّبَ، والصَّيْرُورَةُ نَحْوَ: تَألَّمَ، والتَّلَبُّسُ بِالمُسَمّى المُشْتَقِّ مِنهُ نَحْوَ: تَقَمَّصَ، والعَمَلُ فِيهِ نَحْوَ: تَسَحَّرَ، والِاتِّخاذُ نَحْوَ: تَبَنَّيْتُ الصَّبِيَّ، ومُواصَلَةُ العَمَلِ في مَهَلَةٍ نَحْوَ: تَفَهَّمَ، ومُوافَقَةُ اسْتَفْعَلَ نَحْوَ: تَكَبَّرَ، ومُوافَقَةُ المُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَدّى الشَّيْءَ، أيْ عَدّاهُ، والإغْناءُ عَنْهُ نَحْوَ: تَكَلَّمَ، والإغْناءُ عَنْ فِعْلٍ نَحْوَ: تَوْبَلَ، ومُوافَقَةُ فَعَّلَ نَحْوَ: تَوَلّى، أيْ ولّى، والخِتْلُ نَحْوَ: تَعَقَّلْتُهُ، والتَّوَقُّعُ نَحْوَ: تَخَوَّفَهُ، والطَّلَبُ نَحْوَ: تُنْجَزُ حَوائِجُهُ، والتَّكْثِيرُ نَحْوَ: تُعْطِينا. ومَعْنى تَلَقِّي الكَلِماتِ: أخْذُها وقَبُولُها، أوِ الفَهْمُ، أوِ الفَطانَةُ، أوِ الإلْهامُ أوِ التَّعَلُّمُ والعَمَلُ بِها، أوْ الِاسْتِغْفارُ والِاسْتِقالَةُ مِنَ الذَّنْبِ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ أصْلَهُ: تَلَقَّنَ، فَأُبْدِلَتِ النُّونُ ألِفًا، ضَعِيفٌ، وإنْ كانَ المَعْنى صَحِيحًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِمّا كانَ عَيْنُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ نَحْوَ: تَظَنّى، وتَقَضّى، وتَسَرّى، أصْلُهُ: تَظَنَّنَ، وتَقَضَّضَ، وتَسَرَّرَ، ولا يُقالُ في تَقَبَّلَ: تَقَبّى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (آدَمُ) ونَصْبِ الكَلِماتِ، وعَكَسَ ابْنُ كَثِيرٍ. ومَعْنى تَلَقِّي الكَلِماتِ لِآدَمَ: وُصُولُها إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن تَلَقّاكَ فَقَدْ تَلَقَّيْتَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: فَجاءَتْ آدَمَ مِن رَبِّهِ كَلِماتٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: كَلِماتٍ، أنَّها جُمْلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِمٍ، أوْ جُمَلٌ مِنَ الكَلامِ قالَها آدَمُ، فَلِذَلِكَ قَدَّرُوا بَعْدَ قَوْلِهِ: كَلِماتٍ، جُمْلَةً مَحْذُوفَةً وهي: فَقالَها فَتابَ عَلَيْهِ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ تِلْكَ الكَلِماتِ عَلى أقْوالٍ، وقَدْ طَوَّلُوا بِذِكْرِها، ولَمْ يُخْبِرْنا اللَّهُ بِها إلّا مُبْهَمَةً، ونَحْنُ نَذْكُرُها كَما ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ والضَّحّاكُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي (رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا)، الآيَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللَّهِ ما قالَهُ أبُونا حِينَ اقْتَرَفَ الخَطِيئَةَ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ“ . وسُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَهُ المُذْنِبُ فَقالَ: يَقُولُ ما قالَهُ أبَواهُ: ”رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي“ وما قالَهُ يُونُسُ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ“ . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبٍ أنَّها: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ“ . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ هي: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ“ . وحَكى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مَن رُوحِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبُكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ:“ نَعَمْ ”. وزادَ قَتادَةُ في هَذا:“ وسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ إلَيَّ قَبْلَ غَضَبِكَ ؟ قِيلَ لَهُ بَلى، قالَ: رَبِّ هَلْ كَتَبْتَ هَذا عَلَيَّ قَبْلَ أنْ تَخْلُقَنِي ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، فَقالَ: رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ ”. وقالَ قَتادَةُ هي:“ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ ”. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، قالَ:“ يا رَبِّ خَطِيئَتِي الَّتِي أخْطَأتُها أشَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ تَخْلُقَنِي ؟ أوْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِي ؟ قالَ: بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أنْ أخْلُقَكَ، قالَ: ”فَكَما كَتَبْتَ عَلَيَّ فاغْفِرْ لِي“ . وقِيلَ إنَّها: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتَ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ (p-١٦٦)الغَفُورُ“ . وقِيلَ: رَأى مَكْتُوبًا عَلى ساقِ العَرْشِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَشَفَّعَ بِذَلِكَ فَهي الكَلِماتُ. وقِيلَ: قَوْلُهُ حِينَ عَطَسَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ . وقِيلَ: هي الدُّعاءُ والحَياءُ والبُكاءُ. وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والحُزْنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَمّاها كَلِماتٍ مَجازًا لِما هي في خَلْقِها صادِرَةٌ عَنْ كَلِماتٍ، وهي: كُنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ "، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّ آدَمَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا إلّا الِاسْتِغْفارَ المَعْهُودَ. انْتَهى كَلامُهُ.
(فَتابَ عَلَيْهِ): أيُّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وأفْرَدَهُ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ زَوْجَتُهُ مُشارِكَةً لَهُ في الأمْرِ بِالسُّكْنى والنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الشَّجَرَةِ وتَلَقِّي الكَلِماتِ والتَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ هو المُواجَهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وهي تابِعَةٌ لَهُ في ذَلِكَ، فَكَمُلَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِهِ وحْدَهُ، كَما جاءَ في قِصَّةِ مُوسى والخِضْرِ، إذْ جاءَ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ [الكهف: ٧١]، فَحَمَلاها بِغَيْرِ نَوْلٍ، وكانَ مَعَ مُوسى يُوشَعُ، لَكِنَّهُ كانَ تابِعًا لِمُوسى فَلَمْ يُذْكُرْهُ ولَمْ يُجْمَعْ مَعَهُما في الضَّمِيرِ، أوِ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما، إذْ كانَ فِعْلُهُما واحِدًا، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، أوْ طَوى ذَكَرَها كَما طَواهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] .
وقَدْ جاءَ طَيُّ ذِكْرِ النِّساءِ في أكْثَرَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وقَدْ ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وإنَّما لَمْ يُراعِ هَذا السَّتْرَ في امْرَأتَيْ نُوحٍ ولُوطٍ لِأنَّهُما كانَتْ كافِرَتَيْنِ، وقَدْ ضَرَبَ بِهِما المَثَلَ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ ذُنُوبَهُما كانَتْ غايَةً في القُبْحِ والفُحْشِ. والكافِرُ لا يُناسِبُ السَّتْرَ عَلَيْهِ ولا الإغْضاءَ عَنْ ذَنْبِهِ، بَلْ يُنادِي عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أخْزى لَهُ وأحَطَّ لِدَرَجَتِهِ، وحَوّاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولِأنَّ مَعْصِيَتَهُما تَكَرَّرَتْ واسْتَمَرَّ مِنهُما الكُفْرُ والإصْرارُ عَلى ذَلِكَ، والتَّوْبَةُ مُتَعَذِّرَةٌ لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُما لا يَتُوبانِ، ولَيْسَتْ حَوّاءُ كَذَلِكَ لِخِفَّةِ ما وقَعَ مِنها، أوْ لِرُجُوعِها إلى رَبِّها، ولِأنَّ التَّبْكِيتَ لِلْمُذْنِبِ شَرْعُ رَجاءِ الإقْلاعِ، وهَذا المَعْنى مَعْقُودٌ فِيهِما، وذِكْرُهُما بِالإضافَةِ إلى زَوْجَيْهِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ما لا يَكُونُ في ذِكْرِ اسْمَيْهِما غَيْرَ مُضافَيْنِ إلَيْهِما، وتَوْبَةُ العَبْدِ رُجُوعُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ. واخْتُلِفَ في التَّوْبَةِ المَطْلُوبَةِ مِنَ العَبْدِ، فَقالَ قَوْمٌ: هي النَّدَمُ، أخْذًا بِظاهِرِ قَوْلِهِ، ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» وقالَ قَوْمٌ: شُرُوطُها ثَلاثَةٌ: النَّدَمُ عَلى ما فاتَ، والإقْلاعُ عَنْهُ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ. وتَأوَّلُوا النَّدَمَ تَوْبَةً عَلى مُعْظَمِ التَّوْبَةِ نَحْوَ: الحَجُّ عَرَفَةٌ، وزادَ بَعْضُهم في الشُّرُوطِ، بِرَدِّ المَظالِمِ إذا قَدَرَ عَلى رَدِّها، وزادَ بَعْضُهم: المَطْعَمُ الحَلّالُ، وقالَ القَفّالُ: لا بُدَّ مَعَ تِلْكَ الشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ مِنَ الإشْفاقِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ أتى بِها كَما لَزِمَهُ، فَيَكُونُ خائِفًا، ولِهَذا جاءَ يُحَذِّرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ بَكَيا عَلى ما فاتَهُما مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ مِائَتَيْ سَنَةٍ. وقَدْ ذَكَرُوا في كَثْرَةِ دُمُوعِ آدَمَ وداوُدَ شَيْئًا يَفُوتُ الحَصْرَ كَثْرَةً، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَلَغَنِي أنَّ آدَمَ لَمّا أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مَكَثَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى تابَ عَلى آدَمَ في يَوْمِ عاشُوراءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنَّهُ): بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نَوْفَلُ بْنُ أبِي عَقْرَبٍ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ فَتَحَ عَلى التَّعْلِيلِ، التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ، فالمَفْتُوحَةُ مَعَ ما بَعْدَها فَضْلَةٌ، إذْ هي في تَقْدِيرٍ مُفْرَدٍ ثابِتٍ واقِعٍ مَفْرُوغٍ مِن ثُبُوتِهِ لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعُ مُنازِعٍ، وأمّا الكَسْرُ فَهي جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تامَّةٌ أُخْرِجَتْ مَخْرَجِ الإخْبارِ المُسْتَقِلِّ الثّابِتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَها رَبْطٌ مَعْنَوِيٌّ بِما قَبْلَها، كَما جاءَتْ في: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ﴾ [التوبة: ١٠٣]، حَتّى لَوْ وُضِعَتِ الفاءُ الَّتِي تُعْطِي الرَّبْطَ مَكانَها أغْنَتْ عَنْها، وقالُوا: إنَّ إنَّ إنَّما تَجِيءُ لِتَثْبِيتِ ما يَتَرَدَّدُ المُخاطَبُ في ثُبُوتِهِ ونَفْيِهِ، فَإنْ قُطِعَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، فَلَيْسَ مِن مَظانِّها، فَإنْ وُجِدَتْ داخِلَةً عَلى ما قُطِعَ فِيهِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ ظاهِرًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فِيهِ لِأمْرٍ ما، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في نَحْوِ: ﴿إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥]، (p-١٦٧)إنْ شاءَ اللَّهُ.
ولَمّا دَخَلَتْ لِلتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾، قَوِيَ التَّأْكِيدُ بِتَأْكِيدٍ آخَرَ، وهو لَفْظُهُ: (هو) . وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ في قَوْلِهِ: (وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) . وبُولِغَ أيْضًا في الصِّفَتَيْنِ بَعْدَهُ، فَجاءَ التَّوّابُ عَلى وزْنِ فَعّالٍ، والرَّحِيمُ عَلى وزْنٍ فَعِيلٍ، وهُما مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي صِيغَتْ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَرْغِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ في التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الطّاعَةِ، وإطْماعٌ في عَفْوِهِ تَعالى وإحْسانِهِ لِمَن تابَ إلَيْهِ، والتَّوّابُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وهو الكَثِيرُ القَبُولُ لِتَوْبَةِ العَبْدِ، أوِ الكَثِيرِ الإعانَةِ عَلَيْها. وقَدْ ورَدَ هَذا الِاسْمُ في كِتابِ اللَّهِ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا، ووَصَفَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُوصَفُ بِهِ إلّا تَجَوُّزًا، وأجْمَعُوا أنَّهُ لا يُوصَفُ تَعالى بِتائِبٍ ولا آيِبٍ ولا رَجّاعٍ ولا مُنِيبٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ إطْلاقِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى العَبْدِ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ صِلَتَيْهِما، ألا تَرى: (فَتابَ عَلَيْهِ)، (وتُوبُوا إلى اللَّهِ) ؟ فالتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ هي العَطْفُ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِ، ومِنَ العَبْدِ هي الرُّجُوعُ إلى طاعَتِهِ تَعالى، لِطَلَبِ ثَوابٍ، أوْ خَشْيَةِ عِقابٍ، أوْ رَفْعِ دَرَجاتٍ. وأعْقَبَ الصِّفَةَ الأوْلى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ سَبَبُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وتَقَدُّمُ التَّوّابِ لِمُناسَبَةِ (فَتابَ عَلَيْهِ)، ولِحُسْنِ خَتْمِ الفاصِلَةِ بِقَوْلِهِ: (الرَّحِيمِ) . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في البَسْمَلَةِ عَلى لَفْظَةِ الرَّحِيمِ وما يَتَعَلَّقُ بِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.
(قُلْنا اهْبِطُوا)، كَرَّرَ القَوْلَ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ المَحْضِ؛ لِأنَّ سَبَبَ الهُبُوطَ كانَ أوَّلَ مُخالَفَةٍ، فَكَرَّرَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، أوْ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِما؛ لِأنَّ الأوَّلَ عُلِّقَ بِهِ العَداوَةُ، والثّانِي عُلِّقَ بِإتْيانِ الهُدى. وأمّا لا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، بَلْ هُما هُبُوطانِ حَقِيقَةً، الأوَّلُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ في الهُبُوطِ الأوَّلِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ولَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِقْرارُ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ إلّا بِالهُبُوطِ الثّانِي، فَكانَ يَنْبَغِي الِاسْتِقْرارُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ وبِقَوْلِهِ في الهُبُوطِ الثّانِي مِنها، وظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ يَعُودُ إلى الجَنَّةِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الهُبُوطَ الثّانِي مِنهُما.
(جَمِيعًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظَةِ جَمِيعًا وأنَّها تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ في الحُكْمِ، لا المُقارَنَةَ في الزَّمانِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلُّهم خُوطِبُوا بِالهُبُوطِ، فَقَدْ دَلّا عَلى اتِّحادِ زَمانِ الهُبُوطِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ هُبُوطًا جَمِيعًا، أوْ هابِطَيْنِ جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ لِاسْمِ فاعِلٍ مَحْذُوفٍ، كُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ. قالَ: لِأنَّ جَمِيعًا لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمَ فاعِلٍ، مَعَ مُنافاةِ ما قَدَّرَهُ لِلْحُكْمِ الَّذِي صَدَّرَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: أوَّلًا وجَمِيعًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا. فَإذا كانَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا عَلى ما قَرَّرَ أوَّلًا، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ ثانِيًا ؟ كَأنَّهُ قالَ: هُبُوطًا جَمِيعًا، أوْ هابِطِينَ جَمِيعًا. فَكَلامُهُ أخِيرًا يُعارِضُ حُكْمَهُ أوَّلًا، ولا يُنافِي كَوْنَهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمَ فاعِلٍ وُقُوعُهُ حالًا حَتّى يُضْطَرَّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وأبْعَدَ غَيْرَهُ أيْضًا في زَعْمِهِ أنَّ التَّقْدِيرَ: وقُلْنا اهْبِطُوا مُجْتَمِعِينَ، فَهَبَطُوا جَمِيعًا، فَجَعَلَ ثُمَّ حالًا مَحْذُوفَةً لِدِلالَةِ جَمِيعًا عَلَيْها، وعامِلًا مَحْذُوفًا لِدِلالَةِ اهْبِطُوا عَلَيْهِ، ولا يَلْتَئِمُ هَذا التَّقْدِيرُ مَعَ ما بَعْدَهُ إلّا عَلى إضْمارِ قَوْلٍ: أيْ فَقُلْنا: إمّا يَأْتِيَنَّكم.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُبُوطًا ثانِيًا، فَقِيلَ يَخُصُّ آدَمَ وحَوّاءَ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لا يَأْتِيهِ هُدًى، وخُصّا بِخِطابِ الجَمْعِ تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: يَنْدَرِجُ في الخِطابِ لِأنَّ إبْلِيسَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِالإجْماعِ، وإنْ شَرْطِيَّةٌ وما زائِدَةٌ بَعْدَها لِلتَّوْكِيدِ، والنُّونُ في يَأْتِيَنَّكم نُونُ التَّوْكِيدِ، وكَثُرَ مَجِيءُ هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ: (فَإمّا تَرَيِنَّ)، (وإمّا يَنْزَغَنَّكَ)، (فَإمّا نَذْهَبَنَّ) . قالَ أبُو العَبّاسِ الَمَهْدَوِيِّ: (إنَّ) هي الَّتِي لِلشَّرْطِ زِيدَتْ عَلَيْها ما لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِحَّ دُخُولُ النُّونِ لِلتَّوْكِيدِ في الفِعْلِ، ولَوْ سَقَطَتْ، يَعْنِي ما لَمْ تَدْخُلِ النُّونُ، فَما تُؤَكَّدْ أوَّلَ الكَلامِ، والنُّونُ تُؤَكَّدُ آخِرَهُ. وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا فَقالَ: فَإنْ هي لِلشَّرْطِ، دَخَلَتْ ما عَلَيْها مُؤَكِّدَةً لِيَصِحَّ دُخُولُ النُّونِ (p-١٦٨)المُشَدَّدَةِ، فَهي بِمَثابَةِ لامِ القَسَمِ الَّتِي تَجِيءُ لِمَجِيءِ النُّونِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ مِن أنَّ النُّونَ لازِمَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ إذا وُصِلَتْ (إنَّ) بِـ (ما) هو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، زَعَما أنَّها تَلْزَمُ تَشْبِيهًا بِما زِيدَتْ لِلتَّأْكِيدِ في لامِ اليَمِينِ نَحْوَ: واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ. وزَعَمُوا أنَّ حَذْفَ النُّونِ إذا زِيدَتْ (ما) بَعْدَ (إنَّ) ضَرُورَةٌ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والفارِسِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ، وأنَّهُ يَجُوزُ في الكَلامِ إثْباتُها وحَذْفُها، وإنْ كانَ الإثْباتُ أحْسَنَ. وكَذَلِكَ يَجُوزُ حَذْفُ (ما) وإثْباتُ النُّونِ، قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ، كَما أنَّكَ إنْ شِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِـ (ما) انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ كَثُرَ السَّماعُ بِعَدَمِ النُّونِ بَعْدَ (إمّا) قالَ الشَّنْفَرى:
؎فَإمّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضاحِيًا عَلى رِقَّةٍ أحْفى ولا أتَنَعَّلُ
وقالَ آخَرُ:
؎يا صاحِ إمّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جَدَّةٍ ∗∗∗ فَما التَّخَلِّي عَنِ الإخْوانِ مِن شِيَمِي
وقالَ آخَرُ:
؎زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّنِي إمّا أمُتْ ∗∗∗ تُسَدِّدُ بَنُوها الأصاغِرُ خُلَّتِي
والقِياسُ يَقْبَلُهُ؛ لِأنَّ (ما) زِيدَتْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ دُخُولُ النُّونِ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إمّا أقَمْتُ وإمّا كُنْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ فاللَّهُ يَحْفَظُ ما تُبْقِي وما تَذَرُ
فَكَما جاءَتْ هُنا زائِدَةً بَعْدَ (إنَّ) فَكَذَلِكَ في نَحْوِ: إمّا تَقُمْ يَأْتِيَنَّكم، مَبْنِيٌّ مَفْتُوحُ الآخِرِ. واخْتُلِفَ في هَذِهِ الفَتْحَةِ أهِيَ لِلْبِناءِ، أمْ بُنِيَ عَلى السُّكُونِ وحُرِّكَ بِالفَتْحَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِنا المُسَمّى (بِالتَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) .
(مِنِّي): مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتِيَنَّكم، وهَذا شَبِيهٌ بِالِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَوْضُوعِ لِلْجَمْعِ، أوِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ، إلى الضَّمِيرِ الخاصِّ بِالمُتَكَلِّمِ المُفْرَدِ. وقَدْ ذَكَرْنا حِكْمَةَ ذاكَ الضَّمِيرِ في: قُلْنا، عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، وحِكْمَةُ هَذا الِانْتِقالِ هُنا أنَّ الهُدى لا يَكُونُ إلّا مِنهُ وحْدَهُ تَعالى، فَناسَبَ الضَّمِيرُ الخاصُّ كَوْنَهُ لا هادِيَ إلّا هو تَعالى، فَأعْطى الخاصَّ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ الضَّمِيرَ الخاصَّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: مِنِّي، إشارَةٌ إلى أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ مِنهُ، ولِذَلِكَ جاءَ: (قَدْ جاءَكم بِرِهانٌ مِن رَبِّكم وقَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ)، فَأتى بِكَلِمَةِ: مِن، الدّالَّةِ عَلى الِابْتِداءِ في الأشْياءِ، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ صادِرٌ مِنهُ ومُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وأتى بِأداةِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾، وهي تَدْخُلُ عَلى ما يُتَرَدَّدُ في وُقُوعِهِ، والَّذِي أُبْهِمَ زَمانُ وُقُوعِهِ، وإتْيانُ الهُدى واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ أبْهَمَ وقْتَ الإتْيانِ، أوْ لِأنَّهُ آذَنَ ذَلِكَ بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ إتْيانُ رُسُلٍ مِنهُ، ولا إنْزالُ كُتُبٍ بِذَلِكَ، بَلْ لَوْ لَمْ يَبْعَثْ رُسُلًا، ولا أنْزَلَ كُتُبًا، لَكانَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا، وذَلِكَ لِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العَقْلِ، ونَصَّبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، ومَكَّنَ لَهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ، كَما قالَ:
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ إنْشادِ الشِّعْرِ.
هُدًى: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الهُدى في قَوْلِهِ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، ونَكَّرَهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو المُطْلَقُ، ولَمْ يَسْبِقْ عَهْدٌ فِيهِ فَيُعَرَّفَ. والهُدى المَذْكُورُ هُنا: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، أوِ الرُّسُلُ، أوِ البِيانُ، أوِ القُدْرَةُ عَلى الطّاعَةِ، أوْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أقْوالٌ. فَمَن تَبِعَ: الفاءُ مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: (فَإمّا يَأْتِيَنَّكم) . وقالَ السَّجاوِنْدِي: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فاتَّبِعُوهُ. انْتَهى. فَكَأنَّهُ عَلى رَأْيِهِ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) . وتَظافَرَتْ نُصُوصُ المُفَسِّرِينَ والمُعْرِبِينَ عَلى أنَّ (مَن) في قَوْلِهِ: (فَمَن تَبِعَ) شَرْطِيَّةٌ، وأنَّ جَوابَ هَذا الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: (فَلا خَوْفٌ)، فَتَكُونُ الآيَةُ فِيها (p-١٦٩)شَرْطانِ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: (فَلا خَوْفٌ) جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا، وقَدْ أتْقَنّا مَسْألَةَ اجْتِماعِ الشَّرْطَيْنِ في (كِتابِ التَّكْمِيلِ)، ولا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ (مِن) شَرْطِيَّةً، بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، بَلْ يَتَرَجَّحُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ في قَسِيمِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا)، فَأتى بِهِ مَوْصُولًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَلا خَوْفٌ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وأمّا دُخُولُ الفاءِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا، فَإنَّ الشُّرُوطَ المُسَوِّغَةَ لِذَلِكَ مَوْجُودَةٌ هُنا.
وفِي قَوْلِهِ: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ)، تَنْزِيلُ الهُدى مَنزِلَةَ الإمامِ المُتَّبَعِ المُقْتَدى بِهِ، فَتَكُونُ حَرَكاتُ التّابِعِ وسَكَناتُهُ مُوافَقَةً لِمَتْبُوعِهِ، وهو الهُدى، فَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ عَنْهُ الخَوْفُ والحُزْنُ. وفي إضافَةِ الهُدى إلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ الهُدى ما لا يَكُونُ فِيهِ لَوْ كانَ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، وإنْ كانَ سَبِيلُ مِثْلِ هَذا أنْ يَعُودَ بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، والإضافَةُ تُؤَدِّي مَعْنى الألِفِ واللّامِ مِنَ التَّعْرِيفِ، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِمَزِيَّةِ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (هُدايْ) بِسُكُونِ الياءِ، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ومَحْيايْ، وذَلِكَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ أبِي عُمَرَ: (هُدِيِّي) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ المُتَكَلِّمِ، إذْ لَمْ يُمْكِنْ كَسْرُ ما قَبْلَ الياءِ؛ لِأنَّهُ حَرْفٌ لا يَقْبَلُ الحَرَكَةَ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، يَقْلِبُونَ ألِفَ المَقْصُورِ ياءً ويُدْغِمُونَها في ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقالَ شاعِرُهم:
؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ قَوْمٍ مَصْرَعُ
(فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُراعاةُ الرَّفْعِ في (ولا هم يَحْزَنُونَ)، فَرَفَعُوا لِلتَّعادُلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلِ الأوْلى أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إعْمالَ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) قَلِيلٌ جِدًّا، ويُمْكِنُ النِّزاعُ في صِحَّتِهِ، وإنْ صَحَّ فَيُمْكِنُ النِّزاعُ في اقْتِياسِهِ، والثّانِي: حُصُولُ التَّعادُلِ بَيْنَهُما، إذْ تَكُونُ (لا) قَدْ دَخَلَتْ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَلى مُبْتَدَأٍ ولَمْ تَعْمَلْ فِيهِما، ووَجْهُ قِراءَةِ الزُّهْرِيِّ ومَن وافَقَهُ أنَّ ذَلِكَ نَصٌّ في العُمُومِ، فَيَنْفِي كُلَّ فَرْدٍ مِن مَدْلُولِ الخَوْفِ، وأمّا الرَّفْعُ فَيُجَوِّزُهُ ولَيْسَ نَصًّا، فَراعَوْا ما دَلَّ عَلى العُمُومِ بِالنَّصِّ دُونَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالظّاهِرِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ فَخَرَّجَها ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ مِن إعْمالِ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) وأنَّهُ حَذَفَ التَّنْوِينَ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما في إعْمالِ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) فالأوْلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً كَما ذَكَرْناهُ، إذا كانَ مَرْفُوعًا مُنَوَّنًا، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ كَما قالَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُرِّيَ مِنَ التَّنْوِينِ؛ لِأنَّهُ عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَلا الخَوْفُ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مِثْلَ ما حَكى الأخْفَشُ عَنِ العَرَبِ: سَلامُ عَلَيْكم، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. قالُوا: يُرِيدُونَ السَّلامُ عَلَيْكم، ويَكُونُ هَذا التَّخْرِيجُ أوْلى، إذْ يَحْصُلُ التَّعادُلُ في كَوْنِ (لا) دَخَلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، وإذا دَخَلَتْ عَلى المَعارِفِ لَمْ تُجْرَ مَجْرى لَيْسَ، وقَدْ سُمِعَ مِن ذَلِكَ بَيْتٌ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ، وتَأوَّلَهُ النُّحاةُ وهو:
؎وحَلَّتْ سَوادَ القَلْبِ لا أنا باغِيًا ∗∗∗ سِواها ولا في حُبِّها مُتَراخِيًا
وقَدْ لَحَّنُوا أبا الطِّيبِ في قَوْلِهِ:
؎فَلا الحَمْدُ مَكْسُوبًا ولا المالُ باقِيًا
وكَنّى بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ) عَنِ الِاسْتِيلاءِ والإحاطَةِ، ونَزَلَ المَعْنى مَنزِلَةَ الجُرْمِ، ونَفى كَوْنَهُ مُعْتَلِيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ الخَوْفَ لا يَنْتَفِي بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى إلى انْصِبابِ النَّفْيِ عَلى كَيْنُونَةِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ ؟ ولا يَلْزَمُ مِن كَيْنُونَةِ اسْتِعْلاءِ الخَوْفِ انْتِفاءُ الخَوْفِ في كُلِّ حالٍ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وخَوْفِها عَنِ المُطِيعِينَ لِما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، (p-١٧٠)إلّا أنَّها مُخَفَّفَةٌ عَنِ المُطِيعِينَ، فَإذا صارُوا إلى رَحْمَتِهِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَخافُوا، وقَدَّمَ عَدَمَ الخَوْفِ عَلى عَدَمِ الحُزْنِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ فِيما هو آتٍ آكَدُ مِنِ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ، ولِذَلِكَ أُبْرِزَتْ جُمْلَتُهُ مُصَدَّرَةً بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هي أوْغَلُ في بابِ النَّفْيِ، وأُبْرِزَتِ الثّانِيَةُ مُصَدَّرَةً بِالمَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ: (ولا هم يَحْزَنُونَ) .
وفِي قَوْلِهِ: ولا هم يَحْزَنُونَ إشارَةٌ إلى اخْتِصاصِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ، وأنَّ غَيْرَهم يَحْزَنُ، ولَوْ لَمْ يُشِرْ إلى هَذا المَعْنى لَكانَ (ولا يَحْزَنُونَ) كافِيًا، ولِذَلِكَ أوْرَدَ نَفْيَ الحُزْنِ عَنْهم وإذْهابَهُ في قَوْلِهِ: (إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم) إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ وما قَبْلَهُما مِنَ الخَبَرِ مُخْتَصٌّ بِالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنى، وفي قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، فَدَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ غَيْرَهم يُحْزِنُهُ الفَزَعُ، ولا يَذْهَبُ عَنْهُمُ الحَزَنُ. وحُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ أقْوالٌ: أحَدُها: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ العَذابِ ولا يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ، الثّانِي: لا يَتَوَقَّعُونَ مَكْرُوهًا في المُسْتَقْبَلِ، ولا هم يَحْزَنُونَ لِفَواتِ المَرْغُوبِ في الماضِي والحالِ، الثّالِثُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُهم، ولا هم يَحْزَنُونَ فِيما خَلْفَهُ، الرّابِعُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الدُّنْيا، الخامِسُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن عِقابٍ، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى فَواتِ ثَوابٍ، السّادِسُ: إنَّ الخَوْفَ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَقْدِ مَطْلُوبٍ، والحُزْنَ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَواتِ مَحْبُوبٍ، السّابِعُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الدُّنْيا، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، الثّامِنُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ فِيها، التّاسِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ الَّتِي هي دارُ السُّرُورِ والأمْنِ، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيها ولا حُزْنٌ، العاشِرُ: ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أمامَهم، فَلَيْسَ شَيْءٌ أعْظَمَ في صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ، فَأمَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، ثُمَّ سَلّاهم عَنِ الدُّنْيا، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ بَعْدَ وفاتِهِمْ في الدُّنْيا، الحادِي عَشَرَ: لا خَوْفٌ حِينَ أطْبَقَتِ النّارُ، ولا حُزْنٌ حِينَ ذُبِحَ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ عَلى الصِّراطِ، فَقِيلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ: خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، الثّانِي عَشَرَ: لا خَوْفٌ ولا حُزْنٌ عَلى الدَّوامِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، لَكِنْ يُخَصُّ بِما بَعْدَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ في دارِ الدُّنْيا قَدْ يَلْحَقُ المُؤْمِنَ الخَوْفُ والحُزْنُ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِنَ العُمُومِ لِذَلِكَ.
(والَّذِينَ كَفَرُوا) قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ومَن لَمْ يَتْبَعْ هُدايَ، وإنْ كانَ التَّقْسِيمُ اللَّفْظِيُّ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ يَكُونُ بِوُجُوهٍ، مِنها: عَدَمُ القابِلِيَّةِ بِخِلْقَةٍ أوْ غَفْلَةٍ، ومِنها تَعَمُّدُ تَرْكِ الشَّيْءِ، فَأُبْرِزَ القَسِيمُ بِقَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) في صُورَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ لِيَكُونَ مُزِيلًا لِلِاحْتِمالِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ، ولَمّا كانَ الكُفْرُ قَدْ يَعْنِي كُفْرَ النِّعْمَةِ وكُفْرَ المَعْصِيَةِ بَيَّنَ: أنَّ المُرادَ هُنا الشِّرْكُ، بِقَوْلِهِ: وكَذَّبُوا بِآياتِنا، وبِآياتِنا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وكَذَّبُوا، وهو مِن إعْمالِ الثّانِي، إنْ قُلْنا: إنَّ (كَفَرُوا) يَطْلُبُهُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ قُلْنا: لا يَطْلُبُهُ، فَلا يَكُونُ مِنَ الإعْمالِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، والآياتُ هُنا: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، أوْ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ دَلائِلُ اللَّهِ في مَصْنُوعاتِهِ، أقْوالٌ. وأُولَئِكَ: مُبْتَدَأٌ، وأصْحابُ: خَبَرٌ عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ بَدَلًا وعَطْفَ بَيانٍ، فَيَكُونُ (أصْحابُ النّارِ) إذْ ذاكَ، خَبَرًا عَنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصِ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِالنّارِ، فَيُفْهَمُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى هم أصْحابُ الجَنَّةِ. وكانَ التَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى لا خَوْفٌ ولا حَزْنٌ يَلْحَقُهُ، وهو صاحِبُ الجَنَّةِ، ومَن كَذَّبَ يَلْحَقُهُ الخَوْفُ والحُزْنُ، وهو صاحِبُ النّارِ، فَكَأنَّهُ حُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى شَيْءٌ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ومِنَ الثّانِيَةِ شَيْءٌ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَصارَ نَظِيرَ قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-١٧١)
؎وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذاكِرٍ فَتْرَةٌ ∗∗∗ كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
وفِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى الذَّواتِ المُتَّصِفَةِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وكَأنَّ فِيها تَكْرِيرًا وتَوْكِيدًا لِذِكْرِ المُبْتَدَأِ السّابِقِ. والصُّحْبَةُ مَعْناها: الِاقْتِرانُ بِالشَّيْءِ، والغالِبُ في العُرْفِ أنْ يَنْطَلِقَ عَلى المُلازَمَةِ، وإنْ كانَ أصْلُها في اللُّغَةِ: أنْ تَنْطَلِقَ عَلى مُطْلَقِ الِاقْتِرانِ، والمُرادُ بِها هُنا: المُلازَمَةُ الدّائِمَةُ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: هم فِيها خالِدُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، كَما جاءَ في مَكانٍ آخَرَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُفَسِّرَةً لِما أنَّبَهم في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ، فَفَسَّرَ وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الصُّحْبَةَ لا يُرادُ بِها مُطْلَقُ الِاقْتِرانِ، بَلِ الخُلُودُ، فَلا يَكُونُ لَها إذْ ذاكَ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو: أُولَئِكَ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِخِبْرَيْنِ: أحَدُهُما مُفْرَدٌ، والآخَرُ جُمْلَةٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الخُلُودِ، وهَلْ هو المُكْثُ زَمانًا لا نِهايَةَ لَهُ، أوْ زَمانًا لَهُ نِهايَةٌ ؟
البقرة 2:39
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
أزَلَّ: مِنَ الزَّلَلِ، وهو عُثُورُ القَدَمِ. يُقالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ، وزَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ. والزَّلَلُ في الرَّأْيِ والنَّظَرِ مَجازٌ، وأزالَ: مِنَ الزَّوالِ، وأصْلُهُ التَّنْحِيَةُ. والهَمْزَةُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. الهُبُوطُ: هو النُّزُولُ، مَصْدَرُ هَبَطَ، ومُضارِعُهُ يَهْبِطُ ويَهْبُطُ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّها، والهَبُوطُ بِالفَتْحِ: مَوْضِعُ النُّزُولِ. وقالَ المُفَضَّلُ: الهَبُوطُ: الخُرُوجُ عَنِ البَلْدَةِ، وهو أيْضًا الدُّخُولُ فِيها مِنَ الأضْدادِ، ويُقالُ في انْحِطاطِ المَنزِلَةِ مَجازًا، ولِهَذا قالالفَرّاءُ: الهَبُوطُ: الذُّلُّ، قالَ لَبِيدٌ:
؎إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا يَوْمًا وإنْ أمِرُوا
بَعْضٌ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَعَضَ يَبْعَضُ بَعْضًا، أيْ قَطَعَ، ويُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ، ويُقابِلُهُ كُلُّ، وهُما مَعْرِفَتانِ لِصُدُورِ الحالِ مِنهُما في فَصِيحِ الكَلامِ، قالُوا: مَرَرْتُ بِبَعْضٍ قائِمًا، وبِكُلٍّ جالِسًا، ويُنْوى فِيهِما الإضافَةُ، فَلِذَلِكَ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِما الألِفُ واللّامُ، ولِذَلِكَ خَطَّأُوا أبا القاسِمِ الزَّجّاجِيَّ في قَوْلِهِ: ويُبْدَلُ البَعْضُ مِنَ الكُلِّ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى بَعْضٍ إذا أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا. وكَذَلِكَ الخَبَرُ والحالُ والوَصْفُ يَجُوزُ إفْرادُهُ إذْ ذاكَ وجَمْعُهُ.
العَدُوُّ: مِنَ العَداوَةِ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ، (p-١٦٠)يُقالُ: عَدا فُلانٌ طَوْرَهُ: إذا جاوَزَهُ، وقِيلَ: العَداوَةُ، التَّباعُدُ بِالقُلُوبِ مِن عُدْوَيِ الجَبَلِ، وهُما طَرَفاهُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما، وقِيلَ: مِن عَدا، أيْ ظَلَمَ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. والعَدُوُّ يَكُونُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وقَدْ جُمِعَ فَقِيلَ: أعْداءٌ، وقَدْ أُنِّثَ فَقالُوا: عَدُوَّةٌ، ومِنهُ: أيْ عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ. وقالَ الفَرّاءُ: قالَتِ العَرَبُ لِلْمَرْأةِ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، وطَرَحَ بَعْضُهُمُ الهاءَ. المُسْتَقَرُّ: مُسْتَفْعَلٌ مِنَ القَرارِ، وهو اللُّبْثُ والإقامَةُ، ويَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلٍ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفِ، فَيَكُونُ لِما ذُكِرَ بِصُورَةِ المَفْعُولَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الأرْضُ: القَرارَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
واسْتَفْعَلَ فِيهِ: بِمَعْنى فَعَلَ، اسْتَقَرَّ وقَرَّ بِمَعْنًى. المَتاعُ: البُلْغَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مَتَعَ النَّهارُ: إذا ارْتَفَعَ، فَيَنْطَلِقُ عَلى ما يَتَحَصَّلُ لِلْإنْسانِ مِن عَرَضَ الدُّنْيا، ويُطْلَقُ عَلى الزّادِ وعَلى الِانْتِفاعِ بِالنِّساءِ، ومِنهُ، ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ونِكاحُ المُتْعَةِ، وعَلى الكُسْوَةِ، (ومَتِّعُوهُنَّ)، وعَلى التَّعْمِيرِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣]، قالُوا: ومِنهُ أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، أيْ أطالَ اللَّهُ الإيناسَ بِكَ، وكُلُّهُ راجِعٌ لِمَعْنى البُلْغَةِ.
الحِينُ: الوَقْتُ والزَّمانُ، ولا يَتَخَصَّصُ بِمُدَّةٍ، بَلْ وُضِعَ المُطْلَقُ مِنهُ. تَلَّقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، نَحْوَ تَعَدّى مِنَ العَدْوِ، قالُوا: أوْ بِمَعْنى اسْتَقْبَلَ، ومِنهُ: تَلَقّى فُلانٌ فُلانًا اسْتَقْبَلَهُ. ويَتَلَقّى الوَحْيَ: أيْ يَسْتَقْبِلُهُ ويَأْخُذُهُ ويَتَلَقَّفُهُ، وخَرَجْنا نَتَلَقّى الحَجِيجَ: نَسْتَقْبِلُهم، وقالَ الشَّمّاخُ:
؎إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ
وقالَ القَفّالُ: التَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلِّقاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ مَوْضِعَ القَبُولِ والأخْذِ، ومِنهُ وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ، تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن فُلانٍ: أخَذْتُها مِنهُ. الكَلِمَةُ: اللَّفْظَةُ المَوْضُوعَةُ لِمَعْنى، والكَلِمَةُ: الكَلامُ، والكَلِمَةُ: القَصِيدَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى الكَلِمَةِ والكَلامِ، ويُجْمَعُ بِحَذْفِ التّاءِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، نَحْوَ: نَبْقَةٍ ونَبْقٍ. التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ، تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً ومَتابًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى ضُمِّنَ مَعْنى العَطْفِ. تَبِعَ: بِمَعْنى لَحِقَ، وبِمَعْنى تَلا، وبِمَعْنى اقْتَدى. والخَوْفُ: الفَزَعُ، خافَ يَخافُ خَوْفًا وتَخَوَّفَ تَخَوُّفًا، فَأفْزَعَ، ويَتَعَدّى بِالهَمْزِ وبِالتَّضْعِيفِ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ المُسْتَقْبَلِ. وأصْلُ الحُزْنِ: غِلَظُ الهَمِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحُزْنِ: وهو ما غَلُظَ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْنًا وحَزَنًا، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ وبِالفُتْحَةِ، نَحْوَ: شُتِرَتْ عَيْنُ الرَّجُلِ، وشَتَرَها اللَّهُ، وفي التَّعْدِيَةِ بِالفَتْحَةِ خِلافٌ، ويَكُونُ لِلْأمْرِ الماضِي. الآيَةُ: العَلامَةُ، ويَجْمَعُ آيًا وآياتٍ، قالَ النّابِغَةُ:
؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: فَعْلَةٌ، فَأُعِلَّتِ العَيْنُ وسَلِمَتِ اللّامُ شُذُوذًا والقِياسُ العَكْسُ. وعِنْدَ الكِسائِيِّ: فاعِلَةٌ، حُذِفَتِ العَيْنُ لِئَلّا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الإدْغامِ ما لَزِمَ في دابَّةٍ، فَتَثْقُلُ، وعِنْدَ الفَرّاءِ: فَعْلَةٌ، فَأُبْدِلَتِ العَيْنُ ألِفًا اسْتِثْقالًا لِلتَّضْعِيفِ، كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِيوانٍ، وعِنْدَ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: فِعْلَةٌ: اسْتُثْقِلَ التَّضْعِيفُ فَقُلِبَتِ الفاءُ الأُولى ألِفًا؛ لِانْكِسارِها وتَحَرُّكِ ما قَبْلَها، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُنْهى الكَلامُ عَلَيْها في عِلْمِ التَّصْرِيفِ. الصُّحْبَةُ: الِاقْتِرانُ، صَحِبَ يَصْحَبُ، والأصْحابُ: جَمْعُ صاحِبٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ شاذٌّ، والصُّحْبَةُ والصَّحابَةُ: أسْماءُ جُمُوعٍ، وكَذا صَحِبَ عَلى الأصَحِّ خِلافًا لِلْأخْفَشِ، وهي لِمُطْلَقِ الِاقْتِرانِ في زَمانٍ ما.
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: الهَمْزَةُ: كَما تَقَدَّمَ في (أزَلَّ) لِلتَّعْدِيَةِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما زَلّا بِإغْوائِهِ وحَمَلَهَما عَلى أنْ زَلّا وحَصَلا في الزَّلَّةِ، هَذا أصْلُ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى جَعَلَ أسْبابَ الفِعْلِ، فَلا يَقَعُ إذْ ذاكَ الفِعْلُ. تَقُولُ: أضْحَكْتُ زَيْدًا فَما ضَحِكَ وأبْكَيْتُهُ فَما بَكى، أيْ جَعَلْتُ لَهُ أسْبابَ الضَّحِكِ وأسْبابَ البُكاءِ فَما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ضَحِكُهُ ولا بُكاؤُهُ، والأصْلُ هو الأوَّلُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ
(p-١٦١)مَعْناهُ فِيما يَشْرَحُ الشُّرّاحُ، يَزِلُّ اللِّبْدُ: يَزْلِقُهُ عَنْ وسَطِ ظَهْرِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎يَزِلُّ الغُلامُ الخُفَّ عَنْ صَهَواتِهِ
أيْ يَزْلِقُهُ.
وقِيلَ (أزَلَّهُما) أبْعَدَهُما. تَقُولُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا؛ أيْ: ذَهَبَ وسَقَطَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الزَّلَّةَ هي سُقُوطٌ في المَعْنى، إذْ فِيها خُرُوجُ فاعِلِها عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وبُعْدُهُ عَنْها. فَهَذا جاءَ عَلى الأصْلِ مِن تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وحَمْزَةُ: فَأزالَهُما، ومَعْنى الإزالَةِ: التَّنْحِيَةُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ إمالَةُ فَأزالَهُما.
والشَّيْطانُ: هو إبْلِيسُ بِلا خِلافٍ هُنا. وحَكَوْا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ عَنْها، وهَذِهِ القِراءَةُ مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا، وكَذا ما ورَدَ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مِمّا خالَفَ سَوادَ المُصْحَفِ. وأكْثَرُ قِراءاتِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّما تُنْسَبُ لِلشِّيعَةِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ عُلَمائِنا: إنَّهُ صَحَّ عِنْدَنا بِالتَّواتُرِ قِراءَةُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ ما يُنْقَلُ عَنْهُ مِمّا وافَقَ السَّوادَ، فَتِلْكَ إنَّما هي آحادٌ، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها، فَلا تُعارِضُ ما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ.
وفِي كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِ إبْلِيسَ إلى إغْوائِهِما حَتّى أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ أقاوِيلُ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: شافَهَهُما بِدَلِيلِ (وقاسَمَهُما) قِيلَ: فَدَخَلَ إبْلِيسُ الجَنَّةَ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ: دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ. وذَكَرُوا كَيْفَ كانَتْ خِلْقَةُ الحَيَّةِ وما صارَتْ إلَيْهِ، وكَيْفَ كانَتْ مُكالَمَةُ إبْلِيسَ لِآدَمَ. وقَدْ قَصَّها اللَّهُ تَعالى أحْسَنَ القَصَصِ وأصْدَقَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْ إبْلِيسُ الجَنَّةَ، بَلْ كانَ يَدْنُو مِنَ السَّماءِ فَيُكَلِّمُهُما. وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَنادى، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسُلْطانِهِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» . وقِيلَ: خاطَبَهُ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَصْعَدْ إلى السَّماءِ بَعْدَ الطَّرْدِ واللَّعْنِ، وكانَ خِطابُهُ وسْوَسَةً، وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في نَقْلِ قَصَصٍ كَثِيرٍ في قِصَّةِ آدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ، وتَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ حالِهِ حِينَ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، أكانَ ذَلِكَ في حالِ التَّعَمُّدِ، أمْ في حالِ غَفْلَةِ الذِّهْنِ عَنِ النَّهْيِ بِنِسْيانٍ، أمْ بِسُكْرٍ مِن خَمْرِ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرُوا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وما أظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] إلّا إنْ كانَتِ الجَنَّةُ في الأرْضِ، عَلى ما فَسَّرَهُ بَعْضُهم، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَمْرُها بِسُكْرٍ. والَّذِينَ قالُوا بِالعَمْدِ، قالُوا: كانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ مِنَ الفَزَعِ عِنْدَ إقْدامِهِ ما صَيَّرَ هَذا الفِعْلَ صَغِيرَةً. وقِيلَ: فَعَلَهُ اجْتِهادًا، وخالَفَ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّخْصِ لا إلى النَّوْعِ، فَتَرَكَها وأكَلَ أُخْرى. والِاجْتِهادُ في الفُرُوعِ لا يُوجِبُ العِقابَ. وقِيلَ كانَ الأكْلُ كَبِيرَةً، وقِيلَ: أتاهُما إبْلِيسُ في غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفانِها، فَلَمْ يَعْرِفاهُ، وحَلِفَ لَهُما أنَّهُ ناصِحٌ. وقِيلَ: نَسِيَ عَداوَةَ إبْلِيسَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ آدَمُ (ولا تَقْرَبا) أنَّهُ نَهْيٌ عَنِ القُرْبانِ مُجْتَمِعِينَ، وأنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ أنْ يَقْرَبَ، والَّذِي يُسْلَكُ فِيما اقْتَضى ظاهِرُهُ بَعْضَ مُخالَفَةٍ: تَأْوِيلُهُ عَلى أحْسَنِ مَحْمَلٍ، وتَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَنِ النَّقائِصِ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ما يَرِدُ مِن ذَلِكَ، وتَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
وفِي (المُنْتَخَبِ) لِلْإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: مَنَعَتِ الأُمَّةُ وُقُوعَ الكُفْرِ مِنَ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا الفَضِيلِيَّةَ مِنَ الخَوارِجِ، قالُوا: وقَدْ وقَعَ مِنهم ذُنُوبٌ، والذَّنْبُ عِنْدَهم كُفْرٌ، وأجازَ الإمامِيَّةُ إظْهارَ الكُفْرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، واجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَلا يَجُوزُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا، وأجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ خَطَئِهِمْ في الفُتْيا عَمْدًا واخْتَلَفُوا في السَّهْوِ. وأمّا أفْعالُهم فَقالَتِ الحَشَوِيَّةُ: يَجُوزُ وُقُوعُ الكَبائِرِ مِنهم عَلى جِهَةِ العَمْدِ. وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ بِجَوازِ الصَّغائِرِ عَمْدًا إلّا في القَوْلِ، كالكَذِبِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ. وقِيلَ: (p-١٦٢)يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى جِهَةِ السَّهْوِ والخَطَأِ، وهم مَأْخُوذُونَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ. وقالَتِ الرّافِضَةُ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ جِهَةٍ. واخْتُلِفَ في وقْتِ العِصْمَةِ فَقالَتِ الرّافِضَةُ: مِن وقْتِ مَوْلِدِهِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: مِن وقْتِ النُّبُوَّةِ. والمُخْتارُ عِنْدَنا: أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ذَنْبٌ حالَةَ النُّبُوَّةِ ألْبَتَّةَ، لا الكَبِيرَةَ ولا الصَّغِيرَةَ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَّنْبُ لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةٍ مِن عُصاةِ الأُمَّةِ، لِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ، وذَلِكَ مُحالٌ. ولِئَلّا يَكُونُوا غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهادَةِ، ولِئَلّا يَجِبُ زَجْرُهم وإيذاؤُهم، ولِئَلّا يُقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ، ولِئَلّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ، ولِئَلّا يَفْعَلُونَ ضِدَّ ما أمَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ، ولِأنَّ إبْلِيسَ اسْتَثْناهم في الإغْواءِ. انْتَهى ما لَخَّصْناهُ مِنَ المُنْتَخَبِ.
والقَوْلُ في الدَّلائِلِ لِهَذِهِ المَذاهِبِ، وفي إبْطالِ ما يَنْبَغِي إبْطالُهُ مِنها مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ.
عَنْها: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّجَرَةِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والمَعْنى: فَحَمَلَهُما الشَّيْطانُ عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها. وتَكُونُ (عَنْ) إذْ ذاكَ لِلسَّبَبِ، أيْ أصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنِ الشَّجَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّها أوَّلُ مَذْكُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ وغَيْرِهِ: فَأزالَهُما، إذْ يَبْعُدُ فَأزالَهُما الشَّيْطانُ عَنِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الطّاعَةِ، قالُوا: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا عَلى ما يُفْهَمُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: (ولا تَقْرَبا) لِأنَّ المَعْنى: أطِيعانِي بِعَدَمِ قُرْبانِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِنَ التَّفَكُّهِ والرَّفاهِيَةِ والتَّبَوُّءِ مِنَ الجَنَّةِ، حَيْثُ شاءا، ومَتى شاءا، وكَيْفَ شاءا بِدَلِيلِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى السَّماءِ وهو بَعِيدٌ.
﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، أوْ مِن نِعْمَةِ الجَنَّةِ إلى شَقاءِ الدُّنْيا، أوْ مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ إلى سُفْلِ مَكانَةِ الذَّنْبِ، أوْ رِضْوانِ اللَّهِ، أوْ جِوارِهِ. وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: إذا جُعِلَ (أزَلَّهُما) مِن: زَلَّ عَنِ المَكانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ تَوْكِيدٌ. إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَزُولا عَنْ مَكانٍ كانا فِيهِ إلى مَكانٍ آخَرَ مِنَ الجَنَّةِ. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كَسْبِهِما الزَّلَّةَ لا يَكُونُ بِإلْقاءٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَأكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، ويَعْنِي أنَّ المَحْذُوفَ يَتَقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾، ونَسَبَ الإزْلالَ والإزالَةَ والإخْراجَ لِإبْلِيسَ عَلى جِهَةِ المَجازِ، والفاعِلُ لِلْأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى.
(وقُلْنا اهْبِطُوا): قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ. والقَوْلُ في: (وقُلْنا اهْبِطُوا) مِثْلُ القَوْلِ في: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] . ولَمّا كانَ أمْرًا بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ، وكانَ في ذَلِكَ انْحِطاطُ رُتْبَةِ المَأْمُورِ، لَمْ يُؤْنِسْهُ بِالنِّداءِ، ولا أقْبَلَ عَلَيْهِ بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] والمُخاطَبُ بِالأمْرِ آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَؤُلاءِ وإبْلِيسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ هُما وحَوّاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ فَحَسْبُ، ويَكُونُ الخِطابُ بِلَفْظِ الجَمْعِ وإنْ وقَعَ عَلى التَّثْنِيَةِ نَحْوَ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ وذُرِّيَّتُهُما، قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ آدَمُ وحَوّاءُ، والمُرادُ هُما وذُرِّيَّتُهُما، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الأِنْسِ ومُتَشَعَّبَهم جُعِلا كَأنَّهُما الأِنْسُ كُلُّهم. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ الآيَةَ، وما هو إلّا حُكْمٌ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. انْتَهى.
وفِي قَوْلِ الفَرّاءِ خِطابُ مَن لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِأنَّ ذُرِّيَّتَهُما كانَتْ إذْ ذاكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. وفي قَوْلِ مَن أدْخَلَ إبْلِيسَ مَعَهُما في الأمْرِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ خَرَجَ قَبْلَهُما، ويَجُوزُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ. قالَ كَعْبٌ ووَهْبٌ: أُهْبِطُوا جُمْلَةً ونَزَلُوا في بِلادٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وقالَ مُقاتِلُ: أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ، (p-١٦٣)فَهَبَطَ إبْلِيسُ، قِيلَ بِالأُبُلَّةِ، وحَوّاءُ بِجَدَّةَ، وآدَمُ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِسَرَنْدِيبَ بِجَبَلٍ يُقالُ لَهُ: واسِمٌ. وقِيلَ: كانَ غِذاؤُهُ جَوْزَ الهِنْدِ، وكانَ السَّحابُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَأوْرَثَ ولَدَهُ الصَّلَعَ. وهَذا لا يَصِحُّ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أوْلادُهُ كُلُّهم صُلْعًا.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَيَّةَ أُهْبِطَتْ بِنَصِيبِينَ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ: بِأصْبَهانَ، والمَسْعُودِيُّ: بِسِجِسْتانَ، وهي أكْثَرُ بِلادِ اللَّهِ حَيّاتٍ. وقِيلَ: بِبِيسانَ. وقِيلَ: كانَ هَذا الهُبُوطَ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ مِنَ الهِنْدِ ومَعَهُ رِيحُ الجَنَّةِ، عَلِقَ بِشَجَرِها وأوْدِيَتِها، فامْتَلَأ ما هُناكَ طِيبًا، فَمِن ثَمَّ يُؤْتى بِالطِّيبِ مِن رِيحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ في إخْراجِهِ كَيْفِيَّةً ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، قالَ: وأُدْخِلَ آدَمُ في الجَنَّةِ ضَحْوَةً، وأُخْرِجَ مِنها بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَمَكَثَ فِيها نِصْفَ يَوْمٍ، والنِّصْفُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدُّنْيا، والأشْبَهُ أنَّ قَوْلَهُ: (اهْبِطُوا) أمْرُ تَكْلِيفٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ ما كانا فِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، إلى مَكانٍ لا تَحْصُلُ فِيهِ المَعِيشَةُ إلّا بِالمَشَقَّةِ، وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ؛ لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ يَكُونُ بِسَبَبِ الثَّوابِ. فَكَيْفَ يَكُونُ عِقابًا مَعَ ما في هُبُوطِهِ وسُكْناهُ الأرْضَ مِن ظُهُورِ حِكْمَتِهِ الأزَلِيَّةِ في ذَلِكَ، وهي نَشْرُ نَسْلِهِ فِيها لِيُكَلِّفَهم ويُرَتِّبَ عَلى ذَلِكَ ثَوابَهم وعِقابَهم في جَنَّةٍ ونارٍ. وكانَتْ تِلْكَ الأكْلَةُ سَبَبَ هُبُوطِهِ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. وأمَرَهُ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ تابَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ثانِيَةً: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، إنْ كانَ المُخاطِبُونَ آدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتَهُما، كَما قالَ مُجاهِدٌ، فالمُرادُ ما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّعادِي وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والبَعْضِيَّةُ مَوْجُودَةٌ في ذُرِّيَّتِهِما؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّهم يُعادِي كُلَّهم، بَلِ البَعْضُ يُعادِي البَعْضَ، وإنْ كانَ مَعَهُما إبْلِيسُ أوِ الحَيَّةُ، كَما قالَهُ مُقاتِلُ، فَلَيْسَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِما يُعادِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ، بَلْ كُلُّهم أعْداءٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ. ولَكِنْ يَتَحَقَّقُ هَذا بِأنْ جَعَلَ المَأْمُورُونَ بِالهُبُوطِ شَيْئًا واحِدًا وجَزِّئُوا أجْزاءً، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنها جُزْءٌ مِنَ الَّذِينَ هَبَطُوا، والجُزْءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ البَعْضُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُّ جِنْسٍ مِنكم مُعادٍ لِلْجِنْسِ المُبايِنِ لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إبْلِيسُ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم أعْداؤُهُ. وقِيلَ مَعْناهُ: عَداوَةُ نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ وجَوارِحُهُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ اهْبِطُوا مُتَعادِينَ، والعامِلُ فِيها اهْبِطُوا. فَصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ في اهْبِطُوا، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِإغْناءِ الرّابِطِ عَنْها، واجْتِماعُ الواوِ والضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ حالًا أكْثَرُ مِنَ انْفِرادِ الضَّمِيرِ. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولَيْسَ مَجِيئَها بِالضَّمِيرِ دُونَ الواوِ شاذًّا، خِلافًا لِلْفَرّاءِ ومَن وافَقَهُ كالزَّمَخْشَرِيِّ. وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ كَلِمَتَهُ فُوهُ إلى فِيَّ، ورَجَعَ عُودُهُ عَلى بَدْئِهِ، وخَرَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ (عُودُهُ) مُبْتَدَأٌ و(عَلى بَدْئِهِ) خَبَرٌ، والجُمْلَةُ حالٌ، وهو كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، نُظْمُها ونَثْرُها، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ شاذًّا. وأجازَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ بَعْضَهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ القَيْدِ في الأمْرِ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، أوْ كالمَأْمُورِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: قُمْ ضاحِكًا كانَ المَعْنى الأمْرُ بِإيقاعِ القِيامِ مَصْحُوبًا بِالحالِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ كالمَأْمُورِ؛ لِأنَّكَ لَمْ تُسَوِّغْ لَهُ القِيامَ إلّا في حالِ الضَّحِكِ وما يُتَوَصَّلُ إلى فِعْلِ المَأْمُورِ إلّا بِهِ مَأْمُورٌ بِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالعَداوَةِ ولا يَلْزَمُ ما يُتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ إذا كانَ مَأْمُورًا بِهِ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ في حالٍ مِن أحْوالِهِ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الحالُ مَأْمُورًا بِها؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ الحالِيَّةَ هي لَنِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ لا نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ. فَلَوْ كانَتْ مَأْمُورًا بِها إذا كانَ العامِلُ فِيها أمْرًا، فَلا يُسَوَّغُ ذَلِكَ هُنا؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَأْمُورَ بِهِ إذا كانَ لا يَقَعُ في الوُجُودِ إلّا بِذَلِكَ القَيْدِ ولا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَيْدُ مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ الحالُ مِن هَذا النَّوْعِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ (p-١٦٤)أمَرَ بِها، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الأحْوالِ اللّازِمَةِ. وقَوْلُهُ: لِبَعْضٍ مُتَعَلِّقٌ بُقُولِهِ عَدُوٌّ، واللّامُ مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ (عَدُوٌّ) إلَيْهِ، وأفْرَدَ (عَدُوٌّ) عَلى لَفْظِ (بَعْضُ) أوْ لِأنَّهُ يُصْلِحُ لِلْجَمْعِ، كَما سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى (بَعْضُ) وعَلى (عَدُوٌّ) حالَةَ الإفْرادِ.
﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. لَكم هو الخَبَرُ، وفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في الخَبَرِ، والخَبَرُ هُنا مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، ولا يَجُوزُ (في الأرْضِ) أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) سَواءً كانَ يُرادُ بِهِ مَكانُ اسْتِقْرارٍ كَما قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ المَصْدَرُ، أيْ: اسْتِقْرارٌ، كَما قالَهُ السُّدِّيُّ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ، ولِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُولَ لا يُجَوِّزُ بَعْضُهم تَقْدِيمَ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ولَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُسْتَقَرٌّ) لِما ذَكَرْناهُ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُسْتَقَرٌّ؛ لِأنَّ العامِلَ إذْ ذاكَ فِيها يَكُونُ الخَبَرَ، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى جُزْأيِ الإسْنادِ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ، وصارَ نَظِيرَ: قائِمًا زَيْدٌ في الدّارِ، أوْ قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، وهو لا يَجُوزُ بِإجْماعٍ. مُسْتَقَرٌّ: أيْ مَكانُ اسْتِقْرارِكم حالَتَيِ الحَياةِ والمَوْتِ، وقِيلَ: هو القَبْرُ، أوِ اسْتِقْرارٌ، كَما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
(ومَتاعٌ): المَتاعُ ما اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، أوِ الزّادِ، أوِ الزَّمانِ الطَّوِيلِ، أوِ التَّعْمِيرِ. (إلى حِينٍ): إلى المَوْتِ، أوْ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ إلى أجَلٍ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويَتَعَلَّقُ إلى بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ومَتاعٌ كائِنٌ إلى حِينٍ، أوْ بِمَتاعٍ، أيْ واسْتِمْتاعٍ إلى حِينٍ، وهو مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلُ فِيهِ الثّانِي ولَمْ يَحْتَجْ إلى إضْمارٍ في الأوَّلِ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَهُ فَضْلَةٌ، فالأوْلى حَذْفُهُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأوْلى أنْ لا يُحْذَفَ مِنَ الثّانِي، والأحْسَنُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى الأوْلى، والأفْصَحُ لا يُقالُ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن (مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ) يَقْتَضِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى بِسَبَبِ أنَّ الأوَّلِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ إلى حِينٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمَعْطُوفِ، والمَصْدَرُ مَوْصُولٌ فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا لا يَكُونُ مَوْصُولًا، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِنهُ ما يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ فَيُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ مَعَ الفِعْلِ، وهَذا هو المَوْصُولُ، وإنَّما كانَ مَوْصُولًا بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِهِ بِذَلِكَ الحَرْفِ الَّذِي هو مَوْصُولٌ بِالفِعْلِ، وإلّا فالمَصْدَرُ مِن حَيْثُ هو مَصْدَرٌ لا يَكُونُ مَوْصُولًا، ومِنهُ ما لا يُلْحَظُ فِيهِ الحُدُوثُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: لِزَيْدٍ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ولَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، فَمِثْلَ هَذا لا يُتَقَدَّرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، حَتّى ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَذا المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ لَمْ يَحْكم عَلى الِاسْمِ بَعْدَهُ، لا بِرَفْعٍ ولا بِنَصْبٍ، قالُوا: فَإذا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَزَيْدٌ فاعِلُ القِيامِ تَأْوِيلُهُ يُعْجِبُنِي أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ومُمْكِنٌ أنَّ زَيْدًا يَعْرا مِنهُ القِيامُ، ولا يُقْصَدُ فِيهِ إلى إفادَةِ المُخاطَبِ أنَّهُ فَعَلَ القِيامَ فِيما مَضى، أوْ يَفْعَلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، بَلْ تَكُونُ النِّيَّةُ في الإخْبارِ كالنِّيَّةِ في: يُعْجِبُنِي خاتَمُ زَيْدٍ المَحْدُودُ المَعْرُوفُ بِصاحِبِهِ والمَخْفُوضُ بِالمَصْدَرِ. عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لا يُقْضى عَلَيْهِ بِرَفْعٍ، ولا يُؤَكَّدُ، ولا يُنْعَتُ، ولا يُعْطَفُ عَلَيْهِ إلّا بِمِثْلٍ ما يُسْتَعْمَلُ مَعَ المَخْفُوضاتِ الصِّحاحِ. انْتَهى.
فَأنْتَ تَرى تَجْوِيزَهم أنْ لا يَكُونَ مَوْصُولًا مَعَ المَصْدَرِ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، وهو قَوْلُهم: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ، فَكَيْفَ مَعَ ما لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا نَحْوَ ما مَثَّلْنا بِهِ مِن قَوْلِهِ: لَهُ ذَكاءٌ ذَكاءُ الحُكَماءِ، وبَصَرٌ بِالطِّبِّ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ مِن قَبِيلِ ما لا يَكُونُ مَوْصُولًا. ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا، كَما مَثَّلْنا في قَوْلِهِ: لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ يَعْمَلُ فِيهِما رَوائِحُ الأفْعالِ، حَتّى الأسْماءُ الأعْلامُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ، وأنا ابْنُ ماوِيَّةَ إذْ جَدَّ النَّقْرُ، وأمّا أنْ تَعْمَلَ في الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ فَلا. وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ المَصْدَرَ إذا نُوِّنَ، أوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ، تَحَقَّقَتْ لَهُ الِاسْمِيَّةُ وزالَ عَنْهُ تَقْدِيرُ الفِعْلِ، فانْقَطَعَ عَنْ أنْ يُحْدِثَ إعْرابًا، وكانَتْ قِصَّتُهُ قِصَّةَ زَيْدٍ وعَمْرٍو والرَّجُلِ والثَّوْبِ، فَيُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، (p-١٦٥)ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ولِأنَّ المَصْدَرَ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ بِأبْعَدَ في العَمَلِ في الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ مِنَ الِاسْمِ العَلَمِ، ويُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ( إلى حِينٍ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ البَقاءِ في الأرْضِ، ودَلِيلٌ عَلى المَعادِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ التَّحْذِيرُ عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ بِقَصْدٍ أوْ تَأْوِيلٍ، وأنَّ المُخالَفَةَ تُزِيلُ عَنْ مَقامِ الوِلايَةِ.
* *
(فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ)، تَلَقّى: تَفَعَّلَ مِنَ اللِّقاءِ، وهو هُنا بِمَعْنى التَّجَرُّدِ، أيْ لَقِيَ آدَمُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: تَعَدّاكَ هَذا الأمْرُ، بِمَعْنى عَدّاكَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها تَفَعَّلَ، وهي سَبْعَةَ عَشَرَ مَعْنًى مُطاوِعَةً فَعَّلَ، نَحْوَ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، والتَّكَلُّفُ نَحْوَ: تَحَلَّمَ، والتَّجَنُّبُ نَحْوَ: تَجَنَّبَ، والصَّيْرُورَةُ نَحْوَ: تَألَّمَ، والتَّلَبُّسُ بِالمُسَمّى المُشْتَقِّ مِنهُ نَحْوَ: تَقَمَّصَ، والعَمَلُ فِيهِ نَحْوَ: تَسَحَّرَ، والِاتِّخاذُ نَحْوَ: تَبَنَّيْتُ الصَّبِيَّ، ومُواصَلَةُ العَمَلِ في مَهَلَةٍ نَحْوَ: تَفَهَّمَ، ومُوافَقَةُ اسْتَفْعَلَ نَحْوَ: تَكَبَّرَ، ومُوافَقَةُ المُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَدّى الشَّيْءَ، أيْ عَدّاهُ، والإغْناءُ عَنْهُ نَحْوَ: تَكَلَّمَ، والإغْناءُ عَنْ فِعْلٍ نَحْوَ: تَوْبَلَ، ومُوافَقَةُ فَعَّلَ نَحْوَ: تَوَلّى، أيْ ولّى، والخِتْلُ نَحْوَ: تَعَقَّلْتُهُ، والتَّوَقُّعُ نَحْوَ: تَخَوَّفَهُ، والطَّلَبُ نَحْوَ: تُنْجَزُ حَوائِجُهُ، والتَّكْثِيرُ نَحْوَ: تُعْطِينا. ومَعْنى تَلَقِّي الكَلِماتِ: أخْذُها وقَبُولُها، أوِ الفَهْمُ، أوِ الفَطانَةُ، أوِ الإلْهامُ أوِ التَّعَلُّمُ والعَمَلُ بِها، أوْ الِاسْتِغْفارُ والِاسْتِقالَةُ مِنَ الذَّنْبِ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ أصْلَهُ: تَلَقَّنَ، فَأُبْدِلَتِ النُّونُ ألِفًا، ضَعِيفٌ، وإنْ كانَ المَعْنى صَحِيحًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِمّا كانَ عَيْنُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ نَحْوَ: تَظَنّى، وتَقَضّى، وتَسَرّى، أصْلُهُ: تَظَنَّنَ، وتَقَضَّضَ، وتَسَرَّرَ، ولا يُقالُ في تَقَبَّلَ: تَقَبّى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (آدَمُ) ونَصْبِ الكَلِماتِ، وعَكَسَ ابْنُ كَثِيرٍ. ومَعْنى تَلَقِّي الكَلِماتِ لِآدَمَ: وُصُولُها إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن تَلَقّاكَ فَقَدْ تَلَقَّيْتَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: فَجاءَتْ آدَمَ مِن رَبِّهِ كَلِماتٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: كَلِماتٍ، أنَّها جُمْلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِمٍ، أوْ جُمَلٌ مِنَ الكَلامِ قالَها آدَمُ، فَلِذَلِكَ قَدَّرُوا بَعْدَ قَوْلِهِ: كَلِماتٍ، جُمْلَةً مَحْذُوفَةً وهي: فَقالَها فَتابَ عَلَيْهِ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ تِلْكَ الكَلِماتِ عَلى أقْوالٍ، وقَدْ طَوَّلُوا بِذِكْرِها، ولَمْ يُخْبِرْنا اللَّهُ بِها إلّا مُبْهَمَةً، ونَحْنُ نَذْكُرُها كَما ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ والضَّحّاكُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي (رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا)، الآيَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللَّهِ ما قالَهُ أبُونا حِينَ اقْتَرَفَ الخَطِيئَةَ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ“ . وسُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَهُ المُذْنِبُ فَقالَ: يَقُولُ ما قالَهُ أبَواهُ: ”رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي“ وما قالَهُ يُونُسُ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ“ . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبٍ أنَّها: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ“ . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ هي: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ“ . وحَكى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مَن رُوحِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبُكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ:“ نَعَمْ ”. وزادَ قَتادَةُ في هَذا:“ وسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ إلَيَّ قَبْلَ غَضَبِكَ ؟ قِيلَ لَهُ بَلى، قالَ: رَبِّ هَلْ كَتَبْتَ هَذا عَلَيَّ قَبْلَ أنْ تَخْلُقَنِي ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، فَقالَ: رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ ”. وقالَ قَتادَةُ هي:“ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ ”. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، قالَ:“ يا رَبِّ خَطِيئَتِي الَّتِي أخْطَأتُها أشَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ تَخْلُقَنِي ؟ أوْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِي ؟ قالَ: بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أنْ أخْلُقَكَ، قالَ: ”فَكَما كَتَبْتَ عَلَيَّ فاغْفِرْ لِي“ . وقِيلَ إنَّها: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتَ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ (p-١٦٦)الغَفُورُ“ . وقِيلَ: رَأى مَكْتُوبًا عَلى ساقِ العَرْشِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَشَفَّعَ بِذَلِكَ فَهي الكَلِماتُ. وقِيلَ: قَوْلُهُ حِينَ عَطَسَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ . وقِيلَ: هي الدُّعاءُ والحَياءُ والبُكاءُ. وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والحُزْنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَمّاها كَلِماتٍ مَجازًا لِما هي في خَلْقِها صادِرَةٌ عَنْ كَلِماتٍ، وهي: كُنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ "، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّ آدَمَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا إلّا الِاسْتِغْفارَ المَعْهُودَ. انْتَهى كَلامُهُ.
(فَتابَ عَلَيْهِ): أيُّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وأفْرَدَهُ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ زَوْجَتُهُ مُشارِكَةً لَهُ في الأمْرِ بِالسُّكْنى والنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الشَّجَرَةِ وتَلَقِّي الكَلِماتِ والتَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ هو المُواجَهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وهي تابِعَةٌ لَهُ في ذَلِكَ، فَكَمُلَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِهِ وحْدَهُ، كَما جاءَ في قِصَّةِ مُوسى والخِضْرِ، إذْ جاءَ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ [الكهف: ٧١]، فَحَمَلاها بِغَيْرِ نَوْلٍ، وكانَ مَعَ مُوسى يُوشَعُ، لَكِنَّهُ كانَ تابِعًا لِمُوسى فَلَمْ يُذْكُرْهُ ولَمْ يُجْمَعْ مَعَهُما في الضَّمِيرِ، أوِ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما، إذْ كانَ فِعْلُهُما واحِدًا، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، أوْ طَوى ذَكَرَها كَما طَواهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] .
وقَدْ جاءَ طَيُّ ذِكْرِ النِّساءِ في أكْثَرَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وقَدْ ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وإنَّما لَمْ يُراعِ هَذا السَّتْرَ في امْرَأتَيْ نُوحٍ ولُوطٍ لِأنَّهُما كانَتْ كافِرَتَيْنِ، وقَدْ ضَرَبَ بِهِما المَثَلَ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ ذُنُوبَهُما كانَتْ غايَةً في القُبْحِ والفُحْشِ. والكافِرُ لا يُناسِبُ السَّتْرَ عَلَيْهِ ولا الإغْضاءَ عَنْ ذَنْبِهِ، بَلْ يُنادِي عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أخْزى لَهُ وأحَطَّ لِدَرَجَتِهِ، وحَوّاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولِأنَّ مَعْصِيَتَهُما تَكَرَّرَتْ واسْتَمَرَّ مِنهُما الكُفْرُ والإصْرارُ عَلى ذَلِكَ، والتَّوْبَةُ مُتَعَذِّرَةٌ لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُما لا يَتُوبانِ، ولَيْسَتْ حَوّاءُ كَذَلِكَ لِخِفَّةِ ما وقَعَ مِنها، أوْ لِرُجُوعِها إلى رَبِّها، ولِأنَّ التَّبْكِيتَ لِلْمُذْنِبِ شَرْعُ رَجاءِ الإقْلاعِ، وهَذا المَعْنى مَعْقُودٌ فِيهِما، وذِكْرُهُما بِالإضافَةِ إلى زَوْجَيْهِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ما لا يَكُونُ في ذِكْرِ اسْمَيْهِما غَيْرَ مُضافَيْنِ إلَيْهِما، وتَوْبَةُ العَبْدِ رُجُوعُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ. واخْتُلِفَ في التَّوْبَةِ المَطْلُوبَةِ مِنَ العَبْدِ، فَقالَ قَوْمٌ: هي النَّدَمُ، أخْذًا بِظاهِرِ قَوْلِهِ، ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» وقالَ قَوْمٌ: شُرُوطُها ثَلاثَةٌ: النَّدَمُ عَلى ما فاتَ، والإقْلاعُ عَنْهُ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ. وتَأوَّلُوا النَّدَمَ تَوْبَةً عَلى مُعْظَمِ التَّوْبَةِ نَحْوَ: الحَجُّ عَرَفَةٌ، وزادَ بَعْضُهم في الشُّرُوطِ، بِرَدِّ المَظالِمِ إذا قَدَرَ عَلى رَدِّها، وزادَ بَعْضُهم: المَطْعَمُ الحَلّالُ، وقالَ القَفّالُ: لا بُدَّ مَعَ تِلْكَ الشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ مِنَ الإشْفاقِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ أتى بِها كَما لَزِمَهُ، فَيَكُونُ خائِفًا، ولِهَذا جاءَ يُحَذِّرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ بَكَيا عَلى ما فاتَهُما مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ مِائَتَيْ سَنَةٍ. وقَدْ ذَكَرُوا في كَثْرَةِ دُمُوعِ آدَمَ وداوُدَ شَيْئًا يَفُوتُ الحَصْرَ كَثْرَةً، وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَلَغَنِي أنَّ آدَمَ لَمّا أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مَكَثَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى تابَ عَلى آدَمَ في يَوْمِ عاشُوراءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنَّهُ): بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نَوْفَلُ بْنُ أبِي عَقْرَبٍ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ فَتَحَ عَلى التَّعْلِيلِ، التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ، فالمَفْتُوحَةُ مَعَ ما بَعْدَها فَضْلَةٌ، إذْ هي في تَقْدِيرٍ مُفْرَدٍ ثابِتٍ واقِعٍ مَفْرُوغٍ مِن ثُبُوتِهِ لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعُ مُنازِعٍ، وأمّا الكَسْرُ فَهي جُمْلَةٌ ثابِتَةٌ تامَّةٌ أُخْرِجَتْ مَخْرَجِ الإخْبارِ المُسْتَقِلِّ الثّابِتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَها رَبْطٌ مَعْنَوِيٌّ بِما قَبْلَها، كَما جاءَتْ في: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ﴾ [التوبة: ١٠٣]، حَتّى لَوْ وُضِعَتِ الفاءُ الَّتِي تُعْطِي الرَّبْطَ مَكانَها أغْنَتْ عَنْها، وقالُوا: إنَّ إنَّ إنَّما تَجِيءُ لِتَثْبِيتِ ما يَتَرَدَّدُ المُخاطَبُ في ثُبُوتِهِ ونَفْيِهِ، فَإنْ قُطِعَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، فَلَيْسَ مِن مَظانِّها، فَإنْ وُجِدَتْ داخِلَةً عَلى ما قُطِعَ فِيهِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ ظاهِرًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فِيهِ لِأمْرٍ ما، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في نَحْوِ: ﴿إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥]، (p-١٦٧)إنْ شاءَ اللَّهُ.
ولَمّا دَخَلَتْ لِلتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾، قَوِيَ التَّأْكِيدُ بِتَأْكِيدٍ آخَرَ، وهو لَفْظُهُ: (هو) . وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ في قَوْلِهِ: (وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) . وبُولِغَ أيْضًا في الصِّفَتَيْنِ بَعْدَهُ، فَجاءَ التَّوّابُ عَلى وزْنِ فَعّالٍ، والرَّحِيمُ عَلى وزْنٍ فَعِيلٍ، وهُما مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي صِيغَتْ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَرْغِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ في التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الطّاعَةِ، وإطْماعٌ في عَفْوِهِ تَعالى وإحْسانِهِ لِمَن تابَ إلَيْهِ، والتَّوّابُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وهو الكَثِيرُ القَبُولُ لِتَوْبَةِ العَبْدِ، أوِ الكَثِيرِ الإعانَةِ عَلَيْها. وقَدْ ورَدَ هَذا الِاسْمُ في كِتابِ اللَّهِ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا، ووَصَفَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُوصَفُ بِهِ إلّا تَجَوُّزًا، وأجْمَعُوا أنَّهُ لا يُوصَفُ تَعالى بِتائِبٍ ولا آيِبٍ ولا رَجّاعٍ ولا مُنِيبٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ إطْلاقِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى العَبْدِ، وذَلِكَ لِاخْتِلافِ صِلَتَيْهِما، ألا تَرى: (فَتابَ عَلَيْهِ)، (وتُوبُوا إلى اللَّهِ) ؟ فالتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ هي العَطْفُ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِ، ومِنَ العَبْدِ هي الرُّجُوعُ إلى طاعَتِهِ تَعالى، لِطَلَبِ ثَوابٍ، أوْ خَشْيَةِ عِقابٍ، أوْ رَفْعِ دَرَجاتٍ. وأعْقَبَ الصِّفَةَ الأوْلى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ سَبَبُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وتَقَدُّمُ التَّوّابِ لِمُناسَبَةِ (فَتابَ عَلَيْهِ)، ولِحُسْنِ خَتْمِ الفاصِلَةِ بِقَوْلِهِ: (الرَّحِيمِ) . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في البَسْمَلَةِ عَلى لَفْظَةِ الرَّحِيمِ وما يَتَعَلَّقُ بِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.
(قُلْنا اهْبِطُوا)، كَرَّرَ القَوْلَ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ المَحْضِ؛ لِأنَّ سَبَبَ الهُبُوطَ كانَ أوَّلَ مُخالَفَةٍ، فَكَرَّرَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، أوْ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِما؛ لِأنَّ الأوَّلَ عُلِّقَ بِهِ العَداوَةُ، والثّانِي عُلِّقَ بِإتْيانِ الهُدى. وأمّا لا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، بَلْ هُما هُبُوطانِ حَقِيقَةً، الأوَّلُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ في الهُبُوطِ الأوَّلِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ولَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِقْرارُ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ إلّا بِالهُبُوطِ الثّانِي، فَكانَ يَنْبَغِي الِاسْتِقْرارُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ وبِقَوْلِهِ في الهُبُوطِ الثّانِي مِنها، وظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ يَعُودُ إلى الجَنَّةِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الهُبُوطَ الثّانِي مِنهُما.
(جَمِيعًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظَةِ جَمِيعًا وأنَّها تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ في الحُكْمِ، لا المُقارَنَةَ في الزَّمانِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلُّهم خُوطِبُوا بِالهُبُوطِ، فَقَدْ دَلّا عَلى اتِّحادِ زَمانِ الهُبُوطِ. وأبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ هُبُوطًا جَمِيعًا، أوْ هابِطَيْنِ جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ لِاسْمِ فاعِلٍ مَحْذُوفٍ، كُلٌّ مِنهُما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ. قالَ: لِأنَّ جَمِيعًا لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمَ فاعِلٍ، مَعَ مُنافاةِ ما قَدَّرَهُ لِلْحُكْمِ الَّذِي صَدَّرَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: أوَّلًا وجَمِيعًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا. فَإذا كانَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في اهْبِطُوا عَلى ما قَرَّرَ أوَّلًا، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ ثانِيًا ؟ كَأنَّهُ قالَ: هُبُوطًا جَمِيعًا، أوْ هابِطِينَ جَمِيعًا. فَكَلامُهُ أخِيرًا يُعارِضُ حُكْمَهُ أوَّلًا، ولا يُنافِي كَوْنَهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمَ فاعِلٍ وُقُوعُهُ حالًا حَتّى يُضْطَرَّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وأبْعَدَ غَيْرَهُ أيْضًا في زَعْمِهِ أنَّ التَّقْدِيرَ: وقُلْنا اهْبِطُوا مُجْتَمِعِينَ، فَهَبَطُوا جَمِيعًا، فَجَعَلَ ثُمَّ حالًا مَحْذُوفَةً لِدِلالَةِ جَمِيعًا عَلَيْها، وعامِلًا مَحْذُوفًا لِدِلالَةِ اهْبِطُوا عَلَيْهِ، ولا يَلْتَئِمُ هَذا التَّقْدِيرُ مَعَ ما بَعْدَهُ إلّا عَلى إضْمارِ قَوْلٍ: أيْ فَقُلْنا: إمّا يَأْتِيَنَّكم.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُبُوطًا ثانِيًا، فَقِيلَ يَخُصُّ آدَمَ وحَوّاءَ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لا يَأْتِيهِ هُدًى، وخُصّا بِخِطابِ الجَمْعِ تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: يَنْدَرِجُ في الخِطابِ لِأنَّ إبْلِيسَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِالإجْماعِ، وإنْ شَرْطِيَّةٌ وما زائِدَةٌ بَعْدَها لِلتَّوْكِيدِ، والنُّونُ في يَأْتِيَنَّكم نُونُ التَّوْكِيدِ، وكَثُرَ مَجِيءُ هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ: (فَإمّا تَرَيِنَّ)، (وإمّا يَنْزَغَنَّكَ)، (فَإمّا نَذْهَبَنَّ) . قالَ أبُو العَبّاسِ الَمَهْدَوِيِّ: (إنَّ) هي الَّتِي لِلشَّرْطِ زِيدَتْ عَلَيْها ما لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِحَّ دُخُولُ النُّونِ لِلتَّوْكِيدِ في الفِعْلِ، ولَوْ سَقَطَتْ، يَعْنِي ما لَمْ تَدْخُلِ النُّونُ، فَما تُؤَكَّدْ أوَّلَ الكَلامِ، والنُّونُ تُؤَكَّدُ آخِرَهُ. وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في هَذا فَقالَ: فَإنْ هي لِلشَّرْطِ، دَخَلَتْ ما عَلَيْها مُؤَكِّدَةً لِيَصِحَّ دُخُولُ النُّونِ (p-١٦٨)المُشَدَّدَةِ، فَهي بِمَثابَةِ لامِ القَسَمِ الَّتِي تَجِيءُ لِمَجِيءِ النُّونِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ مِن أنَّ النُّونَ لازِمَةٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ إذا وُصِلَتْ (إنَّ) بِـ (ما) هو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، زَعَما أنَّها تَلْزَمُ تَشْبِيهًا بِما زِيدَتْ لِلتَّأْكِيدِ في لامِ اليَمِينِ نَحْوَ: واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ. وزَعَمُوا أنَّ حَذْفَ النُّونِ إذا زِيدَتْ (ما) بَعْدَ (إنَّ) ضَرُورَةٌ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والفارِسِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ، وأنَّهُ يَجُوزُ في الكَلامِ إثْباتُها وحَذْفُها، وإنْ كانَ الإثْباتُ أحْسَنَ. وكَذَلِكَ يَجُوزُ حَذْفُ (ما) وإثْباتُ النُّونِ، قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ، كَما أنَّكَ إنْ شِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِـ (ما) انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ كَثُرَ السَّماعُ بِعَدَمِ النُّونِ بَعْدَ (إمّا) قالَ الشَّنْفَرى:
؎فَإمّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضاحِيًا عَلى رِقَّةٍ أحْفى ولا أتَنَعَّلُ
وقالَ آخَرُ:
؎يا صاحِ إمّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جَدَّةٍ ∗∗∗ فَما التَّخَلِّي عَنِ الإخْوانِ مِن شِيَمِي
وقالَ آخَرُ:
؎زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّنِي إمّا أمُتْ ∗∗∗ تُسَدِّدُ بَنُوها الأصاغِرُ خُلَّتِي
والقِياسُ يَقْبَلُهُ؛ لِأنَّ (ما) زِيدَتْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ دُخُولُ النُّونِ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إمّا أقَمْتُ وإمّا كُنْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ فاللَّهُ يَحْفَظُ ما تُبْقِي وما تَذَرُ
فَكَما جاءَتْ هُنا زائِدَةً بَعْدَ (إنَّ) فَكَذَلِكَ في نَحْوِ: إمّا تَقُمْ يَأْتِيَنَّكم، مَبْنِيٌّ مَفْتُوحُ الآخِرِ. واخْتُلِفَ في هَذِهِ الفَتْحَةِ أهِيَ لِلْبِناءِ، أمْ بُنِيَ عَلى السُّكُونِ وحُرِّكَ بِالفَتْحَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِنا المُسَمّى (بِالتَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) .
(مِنِّي): مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتِيَنَّكم، وهَذا شَبِيهٌ بِالِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَوْضُوعِ لِلْجَمْعِ، أوِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ، إلى الضَّمِيرِ الخاصِّ بِالمُتَكَلِّمِ المُفْرَدِ. وقَدْ ذَكَرْنا حِكْمَةَ ذاكَ الضَّمِيرِ في: قُلْنا، عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، وحِكْمَةُ هَذا الِانْتِقالِ هُنا أنَّ الهُدى لا يَكُونُ إلّا مِنهُ وحْدَهُ تَعالى، فَناسَبَ الضَّمِيرُ الخاصُّ كَوْنَهُ لا هادِيَ إلّا هو تَعالى، فَأعْطى الخاصَّ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ الضَّمِيرَ الخاصَّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: مِنِّي، إشارَةٌ إلى أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ مِنهُ، ولِذَلِكَ جاءَ: (قَدْ جاءَكم بِرِهانٌ مِن رَبِّكم وقَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ)، فَأتى بِكَلِمَةِ: مِن، الدّالَّةِ عَلى الِابْتِداءِ في الأشْياءِ، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ صادِرٌ مِنهُ ومُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وأتى بِأداةِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾، وهي تَدْخُلُ عَلى ما يُتَرَدَّدُ في وُقُوعِهِ، والَّذِي أُبْهِمَ زَمانُ وُقُوعِهِ، وإتْيانُ الهُدى واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ أبْهَمَ وقْتَ الإتْيانِ، أوْ لِأنَّهُ آذَنَ ذَلِكَ بِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ إتْيانُ رُسُلٍ مِنهُ، ولا إنْزالُ كُتُبٍ بِذَلِكَ، بَلْ لَوْ لَمْ يَبْعَثْ رُسُلًا، ولا أنْزَلَ كُتُبًا، لَكانَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا، وذَلِكَ لِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العَقْلِ، ونَصَّبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، ومَكَّنَ لَهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ، كَما قالَ:
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ إنْشادِ الشِّعْرِ.
هُدًى: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الهُدى في قَوْلِهِ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، ونَكَّرَهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو المُطْلَقُ، ولَمْ يَسْبِقْ عَهْدٌ فِيهِ فَيُعَرَّفَ. والهُدى المَذْكُورُ هُنا: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، أوِ الرُّسُلُ، أوِ البِيانُ، أوِ القُدْرَةُ عَلى الطّاعَةِ، أوْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أقْوالٌ. فَمَن تَبِعَ: الفاءُ مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: (فَإمّا يَأْتِيَنَّكم) . وقالَ السَّجاوِنْدِي: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فاتَّبِعُوهُ. انْتَهى. فَكَأنَّهُ عَلى رَأْيِهِ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) . وتَظافَرَتْ نُصُوصُ المُفَسِّرِينَ والمُعْرِبِينَ عَلى أنَّ (مَن) في قَوْلِهِ: (فَمَن تَبِعَ) شَرْطِيَّةٌ، وأنَّ جَوابَ هَذا الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: (فَلا خَوْفٌ)، فَتَكُونُ الآيَةُ فِيها (p-١٦٩)شَرْطانِ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: (فَلا خَوْفٌ) جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا، وقَدْ أتْقَنّا مَسْألَةَ اجْتِماعِ الشَّرْطَيْنِ في (كِتابِ التَّكْمِيلِ)، ولا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ (مِن) شَرْطِيَّةً، بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، بَلْ يَتَرَجَّحُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ في قَسِيمِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا)، فَأتى بِهِ مَوْصُولًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَلا خَوْفٌ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وأمّا دُخُولُ الفاءِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا، فَإنَّ الشُّرُوطَ المُسَوِّغَةَ لِذَلِكَ مَوْجُودَةٌ هُنا.
وفِي قَوْلِهِ: (فَمَن تَبِعَ هُدايَ)، تَنْزِيلُ الهُدى مَنزِلَةَ الإمامِ المُتَّبَعِ المُقْتَدى بِهِ، فَتَكُونُ حَرَكاتُ التّابِعِ وسَكَناتُهُ مُوافَقَةً لِمَتْبُوعِهِ، وهو الهُدى، فَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ عَنْهُ الخَوْفُ والحُزْنُ. وفي إضافَةِ الهُدى إلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ الهُدى ما لا يَكُونُ فِيهِ لَوْ كانَ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، وإنْ كانَ سَبِيلُ مِثْلِ هَذا أنْ يَعُودَ بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، والإضافَةُ تُؤَدِّي مَعْنى الألِفِ واللّامِ مِنَ التَّعْرِيفِ، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِمَزِيَّةِ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (هُدايْ) بِسُكُونِ الياءِ، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ومَحْيايْ، وذَلِكَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ أبِي عُمَرَ: (هُدِيِّي) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ المُتَكَلِّمِ، إذْ لَمْ يُمْكِنْ كَسْرُ ما قَبْلَ الياءِ؛ لِأنَّهُ حَرْفٌ لا يَقْبَلُ الحَرَكَةَ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، يَقْلِبُونَ ألِفَ المَقْصُورِ ياءً ويُدْغِمُونَها في ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقالَ شاعِرُهم:
؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ قَوْمٍ مَصْرَعُ
(فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُراعاةُ الرَّفْعِ في (ولا هم يَحْزَنُونَ)، فَرَفَعُوا لِلتَّعادُلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلِ الأوْلى أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إعْمالَ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) قَلِيلٌ جِدًّا، ويُمْكِنُ النِّزاعُ في صِحَّتِهِ، وإنْ صَحَّ فَيُمْكِنُ النِّزاعُ في اقْتِياسِهِ، والثّانِي: حُصُولُ التَّعادُلِ بَيْنَهُما، إذْ تَكُونُ (لا) قَدْ دَخَلَتْ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَلى مُبْتَدَأٍ ولَمْ تَعْمَلْ فِيهِما، ووَجْهُ قِراءَةِ الزُّهْرِيِّ ومَن وافَقَهُ أنَّ ذَلِكَ نَصٌّ في العُمُومِ، فَيَنْفِي كُلَّ فَرْدٍ مِن مَدْلُولِ الخَوْفِ، وأمّا الرَّفْعُ فَيُجَوِّزُهُ ولَيْسَ نَصًّا، فَراعَوْا ما دَلَّ عَلى العُمُومِ بِالنَّصِّ دُونَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالظّاهِرِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ فَخَرَّجَها ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ مِن إعْمالِ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) وأنَّهُ حَذَفَ التَّنْوِينَ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما في إعْمالِ (لا) عَمَلَ (لَيْسَ) فالأوْلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً كَما ذَكَرْناهُ، إذا كانَ مَرْفُوعًا مُنَوَّنًا، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ كَما قالَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُرِّيَ مِنَ التَّنْوِينِ؛ لِأنَّهُ عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَلا الخَوْفُ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مِثْلَ ما حَكى الأخْفَشُ عَنِ العَرَبِ: سَلامُ عَلَيْكم، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. قالُوا: يُرِيدُونَ السَّلامُ عَلَيْكم، ويَكُونُ هَذا التَّخْرِيجُ أوْلى، إذْ يَحْصُلُ التَّعادُلُ في كَوْنِ (لا) دَخَلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، وإذا دَخَلَتْ عَلى المَعارِفِ لَمْ تُجْرَ مَجْرى لَيْسَ، وقَدْ سُمِعَ مِن ذَلِكَ بَيْتٌ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ، وتَأوَّلَهُ النُّحاةُ وهو:
؎وحَلَّتْ سَوادَ القَلْبِ لا أنا باغِيًا ∗∗∗ سِواها ولا في حُبِّها مُتَراخِيًا
وقَدْ لَحَّنُوا أبا الطِّيبِ في قَوْلِهِ:
؎فَلا الحَمْدُ مَكْسُوبًا ولا المالُ باقِيًا
وكَنّى بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمْ) عَنِ الِاسْتِيلاءِ والإحاطَةِ، ونَزَلَ المَعْنى مَنزِلَةَ الجُرْمِ، ونَفى كَوْنَهُ مُعْتَلِيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ الخَوْفَ لا يَنْتَفِي بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى إلى انْصِبابِ النَّفْيِ عَلى كَيْنُونَةِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ ؟ ولا يَلْزَمُ مِن كَيْنُونَةِ اسْتِعْلاءِ الخَوْفِ انْتِفاءُ الخَوْفِ في كُلِّ حالٍ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وخَوْفِها عَنِ المُطِيعِينَ لِما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، (p-١٧٠)إلّا أنَّها مُخَفَّفَةٌ عَنِ المُطِيعِينَ، فَإذا صارُوا إلى رَحْمَتِهِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَخافُوا، وقَدَّمَ عَدَمَ الخَوْفِ عَلى عَدَمِ الحُزْنِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ فِيما هو آتٍ آكَدُ مِنِ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ، ولِذَلِكَ أُبْرِزَتْ جُمْلَتُهُ مُصَدَّرَةً بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هي أوْغَلُ في بابِ النَّفْيِ، وأُبْرِزَتِ الثّانِيَةُ مُصَدَّرَةً بِالمَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ: (ولا هم يَحْزَنُونَ) .
وفِي قَوْلِهِ: ولا هم يَحْزَنُونَ إشارَةٌ إلى اخْتِصاصِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ، وأنَّ غَيْرَهم يَحْزَنُ، ولَوْ لَمْ يُشِرْ إلى هَذا المَعْنى لَكانَ (ولا يَحْزَنُونَ) كافِيًا، ولِذَلِكَ أوْرَدَ نَفْيَ الحُزْنِ عَنْهم وإذْهابَهُ في قَوْلِهِ: (إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم) إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ وما قَبْلَهُما مِنَ الخَبَرِ مُخْتَصٌّ بِالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنى، وفي قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، فَدَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ غَيْرَهم يُحْزِنُهُ الفَزَعُ، ولا يَذْهَبُ عَنْهُمُ الحَزَنُ. وحُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ أقْوالٌ: أحَدُها: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ العَذابِ ولا يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ، الثّانِي: لا يَتَوَقَّعُونَ مَكْرُوهًا في المُسْتَقْبَلِ، ولا هم يَحْزَنُونَ لِفَواتِ المَرْغُوبِ في الماضِي والحالِ، الثّالِثُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُهم، ولا هم يَحْزَنُونَ فِيما خَلْفَهُ، الرّابِعُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الدُّنْيا، الخامِسُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن عِقابٍ، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى فَواتِ ثَوابٍ، السّادِسُ: إنَّ الخَوْفَ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَقْدِ مَطْلُوبٍ، والحُزْنَ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَواتِ مَحْبُوبٍ، السّابِعُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الدُّنْيا، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، الثّامِنُ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ فِيها، التّاسِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ الَّتِي هي دارُ السُّرُورِ والأمْنِ، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيها ولا حُزْنٌ، العاشِرُ: ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أمامَهم، فَلَيْسَ شَيْءٌ أعْظَمَ في صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ، فَأمَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، ثُمَّ سَلّاهم عَنِ الدُّنْيا، ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ بَعْدَ وفاتِهِمْ في الدُّنْيا، الحادِي عَشَرَ: لا خَوْفٌ حِينَ أطْبَقَتِ النّارُ، ولا حُزْنٌ حِينَ ذُبِحَ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ عَلى الصِّراطِ، فَقِيلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ: خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، الثّانِي عَشَرَ: لا خَوْفٌ ولا حُزْنٌ عَلى الدَّوامِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، لَكِنْ يُخَصُّ بِما بَعْدَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ في دارِ الدُّنْيا قَدْ يَلْحَقُ المُؤْمِنَ الخَوْفُ والحُزْنُ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِنَ العُمُومِ لِذَلِكَ.
(والَّذِينَ كَفَرُوا) قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ومَن لَمْ يَتْبَعْ هُدايَ، وإنْ كانَ التَّقْسِيمُ اللَّفْظِيُّ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ يَكُونُ بِوُجُوهٍ، مِنها: عَدَمُ القابِلِيَّةِ بِخِلْقَةٍ أوْ غَفْلَةٍ، ومِنها تَعَمُّدُ تَرْكِ الشَّيْءِ، فَأُبْرِزَ القَسِيمُ بِقَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) في صُورَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ لِيَكُونَ مُزِيلًا لِلِاحْتِمالِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ، ولَمّا كانَ الكُفْرُ قَدْ يَعْنِي كُفْرَ النِّعْمَةِ وكُفْرَ المَعْصِيَةِ بَيَّنَ: أنَّ المُرادَ هُنا الشِّرْكُ، بِقَوْلِهِ: وكَذَّبُوا بِآياتِنا، وبِآياتِنا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وكَذَّبُوا، وهو مِن إعْمالِ الثّانِي، إنْ قُلْنا: إنَّ (كَفَرُوا) يَطْلُبُهُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ قُلْنا: لا يَطْلُبُهُ، فَلا يَكُونُ مِنَ الإعْمالِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، والآياتُ هُنا: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، أوْ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ دَلائِلُ اللَّهِ في مَصْنُوعاتِهِ، أقْوالٌ. وأُولَئِكَ: مُبْتَدَأٌ، وأصْحابُ: خَبَرٌ عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ بَدَلًا وعَطْفَ بَيانٍ، فَيَكُونُ (أصْحابُ النّارِ) إذْ ذاكَ، خَبَرًا عَنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ دَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصِ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِالنّارِ، فَيُفْهَمُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى هم أصْحابُ الجَنَّةِ. وكانَ التَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى لا خَوْفٌ ولا حَزْنٌ يَلْحَقُهُ، وهو صاحِبُ الجَنَّةِ، ومَن كَذَّبَ يَلْحَقُهُ الخَوْفُ والحُزْنُ، وهو صاحِبُ النّارِ، فَكَأنَّهُ حُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى شَيْءٌ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ومِنَ الثّانِيَةِ شَيْءٌ أُثْبِتَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَصارَ نَظِيرَ قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-١٧١)
؎وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذاكِرٍ فَتْرَةٌ ∗∗∗ كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
وفِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى الذَّواتِ المُتَّصِفَةِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وكَأنَّ فِيها تَكْرِيرًا وتَوْكِيدًا لِذِكْرِ المُبْتَدَأِ السّابِقِ. والصُّحْبَةُ مَعْناها: الِاقْتِرانُ بِالشَّيْءِ، والغالِبُ في العُرْفِ أنْ يَنْطَلِقَ عَلى المُلازَمَةِ، وإنْ كانَ أصْلُها في اللُّغَةِ: أنْ تَنْطَلِقَ عَلى مُطْلَقِ الِاقْتِرانِ، والمُرادُ بِها هُنا: المُلازَمَةُ الدّائِمَةُ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: هم فِيها خالِدُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، كَما جاءَ في مَكانٍ آخَرَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُفَسِّرَةً لِما أنَّبَهم في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ، فَفَسَّرَ وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الصُّحْبَةَ لا يُرادُ بِها مُطْلَقُ الِاقْتِرانِ، بَلِ الخُلُودُ، فَلا يَكُونُ لَها إذْ ذاكَ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو: أُولَئِكَ، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِخِبْرَيْنِ: أحَدُهُما مُفْرَدٌ، والآخَرُ جُمْلَةٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الخُلُودِ، وهَلْ هو المُكْثُ زَمانًا لا نِهايَةَ لَهُ، أوْ زَمانًا لَهُ نِهايَةٌ ؟
البقرة 2:40
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] .
ابْنُ: مَحْذُوفُ اللّامِ، وقِيلَ: الياءُ. خِلافٌ، وفي وزْنِهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ خِلافٌ، فَقِيلَ: فِعْلٌ، وقِيلَ: فَعِلٍ. فَمَن زَعَمَ أنَّ أصْلَهُ ياءٌ جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ البِناءِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ، والِابْنُ فَرْعٌ عَنِ الأبِ، فَهو مَوْضُوعٌ عَلَيْهِ، وجُعِلَ قَوْلُهم البُنُوَّةُ شاذٌّ كالفُتُوَّةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ أصْلَهُ واوٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، جَعَلَ البُنُوَّةَ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، ولِكَوْنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ واوًا أكْثَرَ مِنها ياءٌ، وجَمْعُ ابْنٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، فَقالُوا: أبْناءٌ، وجَمْعُ سَلامَةٍ، فَقالُوا: بَنُونَ، وهو جَمْعٌ شاذٌّ، إذْ لَمْ يَسْلَمْ فِيهِ بِناءُ الواحِدِ، فَلَمْ يَقُولُوا ابْنُونَ، ولِذَلِكَ عامَلَتِ العَرَبُ هَذا الجَمْعَ في بَعْضِ كَلامِها مُعامَلَةَ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، فَأُلْحِقَتِ التّاءُ في فِعْلِهِ، كَما أُلْحِقَتْ في فِعْلِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، قالَ النّابِغَةُ:
؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُو بَنِي أسَدٍ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ
وقَدْ سُمِعَ الجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ فِيهِ مُصَغَّرًا، قالَ يُسَدِّدُ:
؎أبَيْنُوها الأصاغِرَ خُلَّتِي
وهُوَ شاذٌّ أيْضًا.
إسْرائِيلَ: اسْمٌ عَجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن إسْرا: وهو العَبْدُ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وذَلِكَ بِاللِّسانِ العِبْرانِيِّ، فَيَكُونُ مِثْلَ: جِبْرائِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، وعِزْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مَعْنى إسْرا: صَفْوَةٌ، وإيلَ: اللَّهُ تَعالى، فَمَعْناهُ: صَفْوَةُ اللَّهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهم: إسْرا مُشْتَقٌّ مِنَ الأسْرِ، وهو الشَّدُّ، فَكَأنَّ إسْرائِيلَ مَعْناهُ: الَّذِي شَدَّهُ اللَّهُ وأتْقَنَ خَلْقَهُ. وقِيلَ: أسْرى بِاللَّيْلِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ تَعالى فَسُمِّيَ بِذَلِكَ. وقِيلَ: أسَرَ جِنِّيًّا كانَ يُطْفِئُ سُرُجَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ اسْمُ الجِنِّيِّ: إيلَ، فَسُمِّيَ إسْرائِيلُ، وكانَ يَخْدُمُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وكانَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ، وآخِرَ مَن يَخْرُجُ، قالَهُ كَعْبٌ، وقِيلَ: أسْرى بِاللَّيْلِ هارِبًا مِن أخِيهِ عَيْصُو إلى خالِهِ، في حِكايَةٍ طَوِيلَةٍ ذَكَرُوها، فَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ أقاوِيلٌ ضِعافٌ، وفِيهِ تَصَرُّفاتٌ لِلْعَرَبِ بِقَوْلِهِمْ: إسْرائِيلُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الألِفِ وياءٍ بَعْدَها، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وإسْرايِيلُ بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ والأعْشى وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وإسْرائِلُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الألِفِ ثُمَّ لامٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ ورْشٍ، وإسْراءَلُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الرّاءِ ولامٌ، وإسْرِئِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الرّاءِ، وإسْرالُ بِألِفٍ مُمالَةٍ بَعْدَها لامٌ خَفِيفَةٌ، وإسْرالُ بِألِفٍ غَيْرِ مُمالَةٍ، قالَ أُمَيَّةَ:(p-١٧٢)
؎لا أرى مَن يُعَيِّشُنِي في حَياتِي ∗∗∗ غَيْرَ نَفْسِي إلّا بَنِي إسْرالا
وهِيَ رِوايَةٌ خارِجَةٌ عَنْ نافِعٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وغَيْرُهم: وإسْرائِنُ بَنُونٍ بَدَلَ اللّامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَقُولُ أهْلُ السُّوءِ لَمّا ∗∗∗ جِينا هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْرائِينا
كَما قالُوا: سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ، ورَفْلٌ ورَفْنٌ، وجِبْرِيلُ وجِبْرِينُ، أُبْدِلَتْ بِالنُّونِ كَما أُبْدِلَتِ النُّونُ بِها في أصِيلانِ قالُوا: أصِيلالِ، وإذا جَمَعْتَهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ قُلْتَ: أسارِيلُ، وحُكِيَ: أسارِلَةٌ وأسارِلٌ.
الذِّكْرُ: بِكَسْرِ الذّالِ وضَمِّها لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: يَكُونُ بِاللِّسانِ، والذِّكْرُ بِالقَلْبِ فَبِالكَسْرِ ضِدُّهُ: الصَّمْتُ، وبِالضَّمِّ ضِدُّهُ: النِّسْيانُ، وهو بِمَعْنى التَّيَقُّظِ والتَّنَبُّهِ، ويُقالُ: اجْعَلْهُ مِنكَ عَلى ذِكْرٍ، النِّعْمَةُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُنْعَمِ بِهِ، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: كالذَّبْحِ، والنَّقْصِ، والرَّعْيِ، والطَّحْنِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَنْقاسُ. أوْفى، ووَفى، ووَفّى لُغًى ثَلاثٌ في مَعْنًى واحِدٍ، وتَأْتِي أوْفى بِمَعْنى: ارْتَفَعَ، قالَ:
رُبَّما أوْفَيْتُ في عِلْمٍ تَرْفَعْنَ ثَوْبِي شَمالاتٍ
والمِيفاتُ: مَكانٌ مُرْتَفِعٌ، وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: أوْفَيْتُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: وفَّيْتُ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوْفى بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ كَما ∗∗∗ وفّى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ وفَّيْتُ بِالعَهْدِ، وأوْفَيْتُ بِهِ، وأوْفَيْتُ الكَيْلَ لا غَيْرُ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: وفى الشَّيْءُ: تَمَّ، ووَفّى الكَيْلَ وأوْفَيْتُهُ: أتْمَمْتَهُ، ووَفّى رِيشُ الطّائِرِ: بَلَغَ التَّمامَ، ودِرْهَمٌ وافٍ: أيْ تامٌّ كامِلٌ.
الرَّهَبُ والرُّهْبُ والرَّهْبُ والرَّهْبَةُ: الخَوْفُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهابَةِ، وهو عَظْمُ الصَّدْرِ يُؤَثِّرُ فِيهِ الخَوْفُ، والرَّهَبُ: النَّصْلُ؛ لِأنَّهُ يُرْهَبُ مِنهُ، والرَّهْبَةُ والخَشْيَةُ والمَخافَةُ نَظائِرُ.
التَّصْدِيقُ: اعْتِقادُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ ومُطابَقَتِهِ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، والتَّكْذِيبُ يُقابِلُهُ.
أوَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: أفْعَلُ، وفاؤُهُ وعَيْنُهُ واوانِ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فِعْلٌ لِاسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الواوَيْنِ، فَهو مِمّا فاؤُهُ وعَيْنُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، لَمْ يُحْفَظْ مِنهُ إلّا: دُدَنٌ، وقُقَسٌ، وبُبَنٌ، وبابُوسٌ. وقِيلَ: إنَّ بابُوسًا أعْجَمِيٌّ.
وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أفْعَلُ مِن وألَ: إذا لَجَأ، فَأصْلُهُ أوْألُ، ثُمَّ خُفِّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ بِالإدْغامِ، وهَذا تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، إذْ تَخْفِيفُ مِثْلِ هَذا إنَّما هو بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: هو أفْعَلُ مِن آلَ يَأُولُ، فَأصْلُهُ أأُولُ، ثُمَّ قُلِبَ فَصارَ أوْألُ أعْفَلُ، ثُمَّ خُفِّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ بِالإدْغامِ. وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ.
ويُسْتَعْمَلُ أوَّلُ اسْتِعْمالَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يُجْرى مَجْرى الأسْماءِ فَيَكُونَ مَصْرُوفًا، وتَلِيهِ العَوامِلُ نَحْوَ: أفْكَلُ، وإنْ كانَ مَعْناهُ مَعْنى قَدِيمٍ، وعَلى هَذا قَوْلُ العَرَبِ: مِمّا تَرَكْتُ لَهُ أوَّلًا ولا آخِرًا، أيْ ما تَرَكْتُ لَهُ قَدِيمًا ولا حَدِيثًا، والِاسْتِعْمالُ الثّانِي: أنْ يُجْرى مَجْرى أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيُسْتَعْمَلُ عَلى ثَلاثَةِ أنْحائِهِ مِن كَوْنِهِ بِمَن مَلْفُوظًا بِها، أوْ مُقَدَّرَةً، وبِالألِفِ واللّامِ، وبِالإضافَةِ، وقالَتِ العَرَبُ: ابْدَأْ بِهَذا أوَّلُ، فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ بِاتِّفاقٍ، والخِلافُ في عِلَّةِ بِنائِهِ ذَلِكَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: أوَّلُ الأشْياءِ، أمْ لِشِبْهِ القَطْعِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: أوَّلُ مَن كَذا، والأوْلى أنْ تَكُونَ العِلَّةُ القَطْعَ عَنِ الإضافَةِ، والخِلافُ إذا بُنِيَ، أهْوَ ظَرْفٌ أوِ اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ ؟ وهو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الَّذِي يُبْنى لِلْقَطْعِ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أوْ لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهِ، وكُلُّ هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ النَّحْوِ، الثَّمَنُ: العِوَضُ المَبْذُولُ في مُقابَلَةِ العَيْنِ المَبِيعَةِ، وقالَ:
؎إنْ كُنْتَ حاوَلْتَ دُنْيا أوْ ظَفِرْتَ بِها ∗∗∗ فَما أصَبْتَ بِتَرْكِ الحَجِّ مِن ثَمَنِ
أيْ مِن عِوَضٍ.
القَلِيلُ: يُقابِلُهُ الكَثِيرُ، واتَّفَقا في زِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ، واخْتَلَفا في زِنَةِ الفِعْلِ، فَماضِي (p-١٧٣)القَلِيلِ فَعَلَ، وماضِي الكَثِيرِ فَعُلَ، وكانَ القِياسُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الفاعِلِ مَن قَلَّ عَلى فاعِلٍ نَحْوَ: شَذَّ يَشِذُّ فَهو شاذٌّ، لَكِنْ حُمِلَ عَلى مُقابِلِهِ، ومِثْلُ قَلَّ فَهو قَلِيلٌ: صَحَّ فَهو صَحِيحٌ.
اللَّبْسُ: الخَلْطُ، تَقُولُ العَرَبُ: لَبَسْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: خَلَطْتَهُ، والتَبَسَ بِهِ: اخْتَلَطَ، وقالَ العَجّاجُ:
؎لِما لَبِسْنَ الحَقَّ بِالتَّجَنِّي
وجاءَ ألْبَسَ بِمَعْنى لَبَّسَ، وقالَ آخَرُ:
؎وكَتِيبَةٍ ألْبَسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى ∗∗∗ إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي
الكَتْمُ، والكِتْمانُ: الإخْفاءُ، وضِدُّهُ: الإظْهارُ، ومِنهُ الكَتْمُ: ورَقٌ يُصْبَغُ بِهِ الشَّيْبُ.
الرُّكُوعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ، أحَدُهُما: التّطامُنُ والِانْحِناءُ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وأبِي زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎أُخَبِّرُ أخْبارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ ∗∗∗ أدُبُّ كَأنِّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ
والثّانِي: الذِّلَّةُ والخُضُوعُ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ والأصْمَعِيِّ، قالَ الأضْبَطُ السَّعْدِيُّ:
؎لا تُهِينُ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ
﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ هَذا افْتِتاحُ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، ومُناسَبَةُ الكَلامِ مَعَهم هُنا ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الكِتابِ، وأنَّ فِيهِ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكُفّارِ المَخْتُومِ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ، ثُمَّ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وذِكْرِ جُمَلٍ مِن أحْوالِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ النّاسَ قاطِبَةً بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ إعْجازَ القُرْآنِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ، ثُمَّ نَبَّهَهم بِذِكْرِ أصْلِهِمْ آدَمَ، وما جَرى لَهُ مِن أكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، وأنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ إبْلِيسُ، وكانَتْ هاتانِ الطّائِفَتانِ، أعْنِي اليَهُودَ والنَّصارىَ، أهْلَ كِتابٍ، مُظْهِرِينَ اتِّباعَ الرُّسُلِ والِاقْتِداءَ بِما جاءَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ انْدَرَجَ ذِكْرُهم عُمُومًا في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا﴾ [البقرة: ٢١]، فَجَرَّدَ ذِكْرَهم هُنا خُصُوصًا، إذْ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ مَعَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وبَقِيَ الكَلامُ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَتَكَلَّمَ مَعَهم هُنا، وذَكَرُوا ما يَقْتَضِي لَهُمُ الإيمانَ بِهَذا الكِتابِ، كَما آمَنُوا بِكُتُبِهِمُ السّابِقَةِ، إلى آخِرِ الكَلامِ مَعَهم عَلى ما سَيَأْتِي جُمْلَةً مُفَصَّلَةً، وناسَبَ الكَلامَ مَعَهم قِصَّةَ آدَمَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهم بَعْدَما أُوتُوا مِنَ البَيانِ الواضِحِ والدَّلِيلِ اللّائِحِ المَذْكُورِ ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مِنَ الإيفاءِ بِالعَهْدِ والإيمانِ بِالقُرْآنِ، ظَهَرَ مِنهم ضِدُّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ ومَن جاءَ بِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ لِيُحَرِّكَهم لِسَماعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، نَحْوَ قَوْلِهِ: (يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا ويا آدَمُ اسْكُنْ) .
وقَدْ تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ، وأضافَهم إلى لَفْظِ إسْرائِيلَ، وهو يَعْقُوبُ، ولَمْ يَقُلْ: يا بَنِي يَعْقُوبَ، لِما في لَفْظِ إسْرائِيلَ مِن أنَّ مَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ أوْ صَفْوَةُ اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى أحْسَنِ تَفاسِيرِهِ، فَهَزَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، أوْ يا بَنِي صَفْوَةِ اللَّهِ، فَكانَ في ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنْ يَكُونُوا مِثْلَ أبِيهِمْ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ: يا ابْنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ أطِعِ اللَّهَ، فَتُضِيفُهُ إلى ما يُحَرِّكُهُ لِطاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يُحِبُّ أنْ يَقْتَفِيَ أثَرَ آبائِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مَحْمُودًا، فَكَيْفَ إذا كانَ مَحْمُودًا ؟ ألا تَرى: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وفي قَوْلِهِ: (يا بَنِي إسْرائِيلَ) دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ انْتَمى إلى شَخْصٍ، ولَوْ بِوَسائِطَ كَثِيرَةٍ، يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ ابْنُهُ، وعَلَيْهِ (يا بَنِي آدَمَ) ويُسَمّى ذَلِكَ أبًا، قالَ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وفي إضافَتِهِمْ إلى إسْرائِيلَ تَشْرِيفٌ لَهم بِذِكْرِ نِسْبَتِهِمْ لِهَذا الأصْلِ الطَّيِّبِ، وهو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي الفَرَجِ بْنِ الجَوْزِيِّ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرَ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، ﷺ، اسْمانِ إلّا يَعْقُوبُ، فَإنَّهُ يَعْقُوبُ، وهو إسْرائِيلُ، ونَقَلَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: أنَّ المَسِيحَ اسْمُ عَلَمٍ لِعِيسى، لا اشْتِقاقَ لَهُ. وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ خَمْسَةً مِنَ الأنْبِياءِ ذَوُوا اسْمَيْنِ: مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ نَبِيُّنا، ﷺ، وعِيسى (p-١٧٤)والمَسِيحُ، وإسْرائِيلُ ويَعْقُوبُ، ويُونُسُ وذُو النُّونِ، وإلْياسُ وذُو الكِفْلِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا) مَن كانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بِالمَدِينَةِ، وما والاها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ، ﷺ، أوْ أسْلافُ بَنِي إسْرائِيلَ وقُدَماؤُهم، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، والأقْرَبُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ مَن ماتَ مِن أسْلافِهِمْ لا يُقالُ لَهُ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]، إلّا عَلى ضَرْبٍ بَعِيدٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، ولِأنَّ مَن آمَنَ مِنهم لا يُقالُ لَهُ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ. ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: اذْكُرُوا الذِّكْرَ بِاللِّسانِ والذِّكْرَ بِالقَلْبِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: أمِرُّوا النِّعَمَ عَلى ألْسِنَتِكم ولا تَغْفُلُوا عَنْها، فَإنَّ إمْرارَها عَلى اللِّسانِ ومُدارَسَتَها سَبَبٌ في أنْ لا تُنْسى، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: تَنَبَّهُوا لِلنِّعَمِ ولا تَغْفُلُوا عَنْ شُكْرِها، وفي النِّعْمَةِ المَأْمُورِ بِشُكْرِها أوْ بِحِفْظِها أقْوالٌ: ما اسْتُودِعُوا مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أوْ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى أسْلافِهِمْ مِن إنْجائِهِمْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وإيتائِهِمُ التَّوْراةَ ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ، أوْ إدْراكُهم مُدَّةَ النَّبِيِّ، ﷺ، أوْ عِلْمُ التَّوْراةِ، أوْ جَمِيعُ النِّعَمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ وعَلى سَلَفِهِمْ وخَلَفِهِمْ في جَمِيعِ الأوْقاتِ عَلى تَصارِيفِ الأحْوالِ، وأظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ ما اخْتَصَّ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ النِّعَمِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ونِعَمُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كَثِيرَةٌ، اسْتَنْقَذَهم مِن بَلاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وجَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ المُعَظَّمَةَ، وظَلَّلَ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ الغَمامَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْطاهم عَمُودًا مِنَ النُّورِ لِيُضِيءَ لَهم بِاللَّيْلِ، وكانَتْ رُءُوسُهم لا تَتَشَعَّثُ، وثِيابُهم لا تَبْلى، وإنَّما ذُكِّرُوا بِهَذِهِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ في جُمْلَتِها ما شَهِدَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وهو: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ، ولِأنْ يَحْذَرُوا مُخالَفَةَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ والقُرْآنِ، ولِأنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ السّالِفَةِ يُطْمِعُ في النِّعَمِ الخالِفَةِ، وذَلِكَ الطَّمَعُ يَمْنَعُ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ، وهَذِهِ النِّعَمُ، وإنْ كانَتْ عَلى آبائِهِمْ، فَهي أيْضًا نِعَمٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ هَذِهِ النِّعَمَ حَصَلَ بِها النَّسْلُ، ولِأنَّ الِانْتِسابَ إلى آباءٍ شُرِّفُوا بِنِعَمٍ تَعْظِيمٌ في حَقِّ الأوْلادِ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: عَبِيدُ النِّعَمِ كَثِيرُونَ، وعَبِيدُ المُنْعِمِ قَلِيلُونَ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَّرَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، ولَمّا آلَ الأمْرُ إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ذَكَرَ المُنْعِمَ فَقالَ: (اذْكُرُونِي أذْكُرْكم) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى فَضْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وفي قَوْلِهِ: (نِعْمَتِيَ) نَوْعُ التِفاتٍ؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: (آياتِنا) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ الَّذِي لا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وفي إضافَةِ النِّعْمَةِ إلَيْهِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ قَدْرِها وسَعَةِ بَرِّها وحُسْنِ مَوْقِعِها، ويَجُوزُ في الياءِ مِن (نِعْمَتِي) الإسْكانُ والفَتْحُ، والقُرّاءُ السَّبْعَةُ مُتَّفِقُونَ عَلى الفَتْحِ. وأنْعَمْتُ: صِلَةُ الَّتِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: أنْعَمْتُها عَلَيْكم.
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ العَهْدُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ لُغَةً في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ويَحْتَمِلُ العَهْدُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المُعاهِدِ وإلى المُعاهَدِ، وفي تَفْسِيرِ هَذَيْنِ العَهْدَيْنِ أقْوالٌ، أحَدُها: المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ بِهِ والتَّصْدِيقِ بِرُسُلِهِ، وعَهْدُهم ما وعَدَهم بِهِ مِنَ الجَنَّةِ. الثّانِي: ما أمَرَهم بِهِ، وعَهْدُهم ما وعَدَهم بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: ما ذُكِرَ لَهم في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعَهْدُهم ما وعَدَهم بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أداءُ الفَرائِضِ، وعَهْدُهم قَبُولُها والمُجازاةُ عَلَيْها. الخامِسُ: تَرْكُ الكَبائِرِ، وعَهْدُهم غُفْرانُ الصَّغائِرِ. السّادِسُ: إصْلاحُ الدِّينِ، وعَهْدُهم إصْلاحُ آخِرَتِهِمْ. السّابِعُ: مُجاهَدَةُ النُّفُوسِ، وعَهْدُهُمُ المَعُونَةُ عَلى ذَلِكَ. الثّامِنُ: إصْلاحُ السَّرائِرِ وعَهْدُهم إصْلاحُ الظَّواهِرِ. التّاسِعُ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، قالَهُ الحَسَنُ. العاشِرُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . (p-١٧٥)الحادِي عَشَرَ: الإخْلاصُ في العِباداتِ وعَهْدُهم إيصالُهم إلى مَنازِلِ الرِّعاياتِ. الثّانِي عَشَرَ: الإيمانُ بِهِ وطاعَتُهُ، وعَهْدُهم ما وعَدَهم عَلَيْهِ مِن حُسْنِ الثَّوابِ عَلى الحَسَناتِ. الثّالِثَ عَشَرَ: حِفْظُ آدابِ الظَّواهِرِ، وعَهْدُهم في السَّرائِرِ. الرّابِعَ عَشَرَ: عَهْدُ اللَّهِ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي باعِثٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا فَمَنِ اتَّبَعَهُ وصَدَّقَ بِالنُّورِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَفَرْتُ لَهُ وأدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ وجَعَلْتُ لَهُ أجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. الخامِسَ عَشَرَ: شَرْطُ العُبُودِيَّةِ، وعَهْدُهم شَرْطُ الرُّبُوبِيَّةِ. السّادِسَ عَشَرَ: أوْفُوا في دارِ مِحْنَتِي عَلى بِساطِ خِدْمَتِي بِحِفْظِ حُرْمَتِي، أُوفِ بِعَهْدِكم في دارِ نِعْمَتِي عَلى بِساطِ كَرامَتِي بِقُرْبِي ورُؤْيَتِي، قالَهُ الثَّوْرِيُّ. السّابِعَ عَشَرَ: لا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ أُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ، قالَهُ إسْماعِيلُ بْنُ زِيادٍ. الثّامِنَ عَشَرَ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا﴾ [المائدة: ١٢] الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وعَهْدُهم إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ. التّاسِعَ عَشَرَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ ووَصاياهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، الَّذِي في التَّوْراةِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. العِشْرُونَ: أوْفُوا بِعَهْدِي في التَّوَكُّلِ أُوفِ بِعَهْدِكم في كِفايَةِ المُهِمّاتِ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ. الحادِي والعِشْرُونَ: أوْفُوا بِعَهْدِي في حِفْظِ حُدُودِي ظاهِرًا وباطِنًا أُوفِ بِعَهْدِكم بِحِفْظِ أسْرارِكم عَنْ مُشاهَدَةِ غَيْرِي. الثّانِي والعِشْرُونَ: عَهْدُهُ حِفْظُ المَعْرِفَةِ وعَهْدُنا إيصالُ المَعْرِفَةِ، قالَهُ ا لْقُشَيْرِيُّ. الثّالِثُ والعِشْرُونَ: أوْفُوا بِعَهْدِي الَّذِي قَبِلْتُمْ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ أُوفِ بِعَهْدِكُمُ الَّذِي ضَمِنتُ لَكم يَوْمَ التَّلاقِ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ: أوْفُوا بِعَهْدِي اكْتَفُوا مِنِّي بِي أُوفِ بِعَهْدِكم أرْضَ عَنْكم بِكم، فَهَذِهِ أقْوالُ السَّلَفِ في تَفْسِيرِ هَذَيْنِ العَهْدَيْنِ.
والَّذِي يَظْهَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ المَعْنى طَلَبُ الإيفاءِ بِما التَزَمُوهُ لِلَّهِ تَعالى، وتَرْتِيبُ إنْجازِ ما وعَدَهم بِهِ عَهْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ إبْرازًا لِما تَفَضَّلَ بِهِ تَعالى في صُورَةِ المَشْرُوطِ المُلْتَزَمِ بِهِ فَتَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى الإيفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]، ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] وقالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ،: «فَإنَّ لَهُ عَهْدًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» .
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: (أُوَفِّ بِعَهْدِكم) مُشَدَّدًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّكْثِيرُ، وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ. فَإنْ أُرِيدَ بِهِ التَّكْثِيرُ فَيَكُونُ في ذَلِكَ مُبالَغَةٌ عَلى لَفْظِ أُوفِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أُبالِغْ في إيفائِكم، فَضَمِنَ تَعالى إعْطاءَ الكَثِيرِ عَلى القَلِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وانْجِزامُ المُضارِعِ بَعْدَ الأمْرِ نَحْوَ: اضْرِبْ زَيْدًا يَغْضَبْ، يَدُلُّ عَلى مَعْنى شَرْطٍ سابِقٍ، وإلّا فَنَفْسُ الأمْرِ وهو طَلَبُ إيجادِ الفِعْلِ لا يَقْتَضِي شَيْئًا آخَرَ، ولِذَلِكَ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ فَتَقُولُ: اضْرِبْ زَيْدًا، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى الطَّلَبِ بِما هو طَلَبُ شَيْءٍ أصْلًا، لَكِنْ إذا لُوحِظَ مَعْنى شَرْطٍ سابِقٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ جُمْلَةَ الأمْرِ ضُمِّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ، فَإذا قُلْتَ: اضْرِبْ زَيْدًا يَغْضَبْ، ضُمِّنَ (اضْرِبْ) مَعْنى: إنْ تَضْرِبْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ خَرُوفٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ جُمْلَةَ الأمْرِ نابَتْ مَنابَ الشَّرْطِ، ومَعْنى النِّيابَةِ أنَّهُ كانَ التَّقْدِيرُ: اضْرِبْ زَيْدًا، إنْ تَضْرِبْ زَيْدًا يَغْضَبْ، ثُمَّ حُذِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وأُنِيبَتْ جُمْلَةُ الأمْرِ مَنابَها. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لَيْسَ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، بَلْ عَمِلَتِ الجُمْلَةُ الأُولى الجَزْمَ لِتَضَمُّنِ الشَّرْطِ، كَما عَمِلَتْ (مِن) الشَّرْطِيَّةِ الجَزْمَ لِتَضَمُّنِها مَعْنى (إنْ) . وعَلى القَوْلِ الثّانِي عَمِلَتِ الجَزْمَ لِنِيابَتِها مَنابَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وفي الحَقِيقَةِ العَمَلُ إنَّما هو لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، وهو اخْتِيارُ الفارِسِيِّ والسِّيرافِيِّ، وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ . إيّايَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرًا بَعْدَهُ؛ لِانْفِصالِ الضَّمِيرِ، وإيّايَ ارْهَبُوا، وحُذِفَ لِدِلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ قَبْلَهُ، وهم مِنَ السَّجاوِنْدِيِّ، إذْ قَدَّرَهُ وارْهَبُوا إيّايَ، وفي مَجِيئِهِ ضَمِيرُ نَصْبٍ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ أمْرٌ، ولِأنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا، إذِ الكَلامُ (p-١٧٦)مَفْرُوغٌ في قالَبِ جُمْلَتَيْنِ، ولَوْ كانَ ضَمِيرَ رَفْعٍ لَجازَ، لَكِنْ يَفُوتُ هَذانِ المَعْنَيانِ، وحُذِفَتِ الياءُ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن (فارْهَبُونِ) لِأنَّها فاصِلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أوْكَدُ في إفادَةِ الِاخْتِصاصِ مِن (إيّاكَ نَعْبُدُ) . ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ جُمْلَتانِ في التَّقْدِيرِ، وإيّاكَ نَعْبُدُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ عِنْدَهُ مِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ عَلى العامِلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ وأنّا لا نَذْهَبُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: (فارْهَبُونِ)، دَخَلَتْ في جَوابِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهُوا فارْهَبُونِ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ ما نَصُّهُ: تَقُولُ: كُلُّ رَجُلٍ يَأْتِيكَ فاضْرِبْ؛ لِأنَّ (يَأْتِيكَ) صِفَةٌ هَهُنا، كَأنَّكَ قُلْتَ: كُلُّ رَجُلٍ صالِحٍ فاضْرِبْ. انْتَهى. قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: قَوْلُهُ كُلَّ رَجُلٍ يَأْتِيكَ فاضْرِبْ، بِمَنزِلَةِ: زَيْدًا فاضْرِبْ، إلّا أنَّ هُنا مَعْنى الشَّرْطِ لِأجْلِ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ بِالفِعْلِ، فانْتَصَبَ (كُلَّ) وهو أحْسَنُ مِن: زَيْدًا فاضْرِبْ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ لِي وجْهُ الأحْسَنِيَّةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ابْنُ خَرُوفٍ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ، أعْنِي: زَيْدًا فاضْرِبْ، تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ، قَوْلُهُ تَعالى: (بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ)، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا
قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: الَّذِي ظَهَرَ فِيها بَعْدَ البَحْثِ أنَّ الأصْلَ في: (زَيْدًا فاضْرِبْ) تَنَبَّهْ فاضْرِبْ زَيْدًا، ثُمَّ حُذِفَ (تَنَبَّهْ) فَصارَ: فاضْرِبْ زَيْدًا. فَلَمّا وقَعَتِ الفاءُ صَدْرًا قَدَّمُوا الِاسْمَ إصْلاحًا لِلَّفْظِ، وإنَّما دَخَلَتِ الفاءُ هُنا لِتَرْبِطَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ. انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَتَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وإيّايَ ارْهَبُوا، تَنَبَّهُوا فارْهَبُونِ، فَتَكُونُ الفاءُ دَخَلَتْ في جَوابِ الأمْرِ، ولَيْسَتْ مُؤَخَّرَةً مِن تَقْدِيمٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وتُنَبَّهُوا فارْهَبُونِ، ثُمَّ قُدِّمَ المَفْعُولُ فانْفَصَلَ، وأُخِّرَتِ الفاءُ حِينَ قُدِّمِ المَفْعُولُ وفِعْلُ الأمْرِ الَّذِي هو تَنَبَّهُوا مَحْذُوفٌ، فالتَقى بَعْدَ حَذْفِهِ حَرْفانِ: الواوُ العاطِفَةُ والفاءُ، الَّتِي هي جَوابُ أمْرٍ، فَتَصَدَّرَتِ الفاءُ، فَقُدِّمَ المَفْعُولَ وأُخِّرَتِ الفاءُ إصْلاحًا لِلَّفْظِ، ثُمَّ أُعِيدَ المَفْعُولُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ ولِتَكْمِيلِ الفاصِلَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الأخِيرِ لا يَكُونُ (إيّايَ) مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، بَلْ مَعْمُولًا لِهَذا الفِعْلِ المَلْفُوظِ بِهِ، ولا يَبْعُدُ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ بِالضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، كَما أُكِّدَ المُتَّصِلُ بِالمُنْفَصِلِ في نَحْوِ: ضَرَبْتُكَ إيّاكَ، والمَعْنى: ارْهَبُونِ أنْ أُنْزِلَ بِكم ما أنْزَلَتُ بِمَن كانَ قَبْلَكم مِن آبائِكم مِنَ النِّقْماتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنَ المَسْخِ وغَيْرِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ مَعْنى فارْهَبُونِ: أنْ لا تَنْقُضُوا عَهْدِي، وفي الأمْرِ بِالرَّهْبَةِ وعِيدٌ بالِغٌ، ولَيْسَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ هَذا الأمْرَ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] تَشْدِيدٌ لِأنَّ هَذا في الحَقِيقَةِ مَطْلُوبٌ، واعْمَلُوا ما شِئْتُمْ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فافْتَرَقا. وقِيلَ: الخَوْفُ خَوْفانِ، خَوْفُ العُقابِ، وهو نَصِيبُ أهْلِ الظّاهِرِ، ويَزُولُ، وخَوْفُ جَلالٍ، وهو نَصِيبُ أهْلِ القَلْبِ، ولا يَزُولُ. وقالَ السُّلَمِيُّ: الرَّهْبَةُ خَشْيَةُ القَلْبِ مِن رَدِيءِ خَواطِرِهِ. وقالَ سَهْلٌ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، مَوْضِعُ اليَقِينِ بِمَعْرِفَتِهِ، ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]، مَوْضِعُ العِلْمِ السّابِقِ ومَوْضِعُ المَكْرِ والِاسْتِدْراجِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أفْرِدُونِي بِالخَشْيَةِ لِانْفِرادِي بِالقُدْرَةِ عَلى الإيجادِ.
﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١]: ظاهِرُهُ أنَّهُ أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المَأْمُورِينَ قَبْلُ هم، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فَظاهِرُهُ اتِّحادُ المَأْمُورِ. وقِيلَ: أُنْزِلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ، عُلَماءِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ كَعْبٌ ومَن مَعَهُ، و(ما) في قَوْلِهِ: (بِما أنْزَلْتُ) مَوْصُولَةٌ، أيْ بِالَّذِي أنْزَلْتُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلْتُهُ، وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، والَّذِي أنْزَلَ تَعالى هو القُرْآنُ، والَّذِي مَعَهم هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ (بِما أنْزَلْتُ) مِن كِتابٍ ورَسُولٍ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأبْعَدَ مَن جَعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وأنَّ التَّقْدِيرَ: وآمِنُوا بِإنْزالِي لِما مَعَكم مِنَ التَّوْراةِ، فَتَكُونُ اللّامُ في لِما مِن تَمامِ المَصْدَرِ لا مِن تَمامِ (مُصَدِّقًا) . وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (p-١٧٧)يَكُونُ (لِما مَعَكم) مِن تَمامِ (مُصَدِّقًا)، واللّامُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في (لِما) مُقَوِّيَةٌ لِلتَّعْدِيَةِ، كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: (فَعّالٌ لِما يُرِيدُ) . وإعْرابُ (مُصَدِّقًا) عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ (ما) مَصْدَرِيَّةً حالٌ مِن (ما) في قَوْلِهِ: (لِما مَعَكم) . ولا نَقُولُ: يَبْعُدُ ذَلِكَ لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلى ذِي الحالِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ كَما ذَكَرْناهُ هو مُقَوٍّ لِلتَّعْدِيَةِ، فَهو كالحَرْفِ الزّائِدِ، وصارَ نَظِيرَ: زَيْدٌ ضارِبٌ مُجَرَّدَةً لِهِنْدٍ، التَّقْدِيرُ: ضارِبٌ هِنْدًا مُجَرَّدَةً، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الحالُ، وهَذا جائِزٌ عِنْدَنا، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ الحالُ المُصَدَّرُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يَبْعُدُ وصْفُ الإنْزالِ بِالتَّصْدِيقِ إلّا أنَّ يُتَجَوَّزَ بِهِ، ويُرادُ بِهِ المُنَزَّلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ لِما مَعَكم مِن تَمامِهِ؛ لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِهِ المُنَزَّلُ لا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا لِلْمَفْعُولِ. والظّاهِرُ أنَّ (مُصَدِّقًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ المَحْذُوفِ، وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، والعامِلُ فِيها أنْزَلْتُ. وقِيلَ: حالٌ مِن ما في قَوْلِهِ: بِما أنْزَلْتُ، وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ أيْضًا.
البقرة 2:41
﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ غَيْرِ صِفَةٍ، فَإنَّهُ يَبْقى مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، والنَّكِرَةُ تُطابِقُ ما قَبْلَها، فَإنْ كانَ مُفْرَدًا كانَ مُفْرَدًا، وإنْ كانَ تَثْنِيَةً كانَ تَثْنِيَةً، وإنْ كانَ جَمْعًا كانَ جَمْعًا، فَتَقُولُ: زَيْدٌ أفْضَلُ رَجُلٍ، وهِنْدٌ أفْضَلُ امْرَأةٍ، والزَّيْدانِ أفْضَلُ رَجُلَيْنِ، والزَّيْدُونَ أفْضَلُ رِجالٍ. ولا تَخْلُو تِلْكَ النَّكِرَةُ المُضافُ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِن أنْ تَكُونَ صِفَةً أوْ غَيْرَ صِفَةٍ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ صِفَةٍ فالمُطابَقَةُ كَما ذَكَرْنا، وأجازَ أبُو العَبّاسِ: إخْوَتُكَ أفْضَلُ رَجُلٍ، بِالإفْرادِ، ومَنَعَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ. وإنْ كانَتْ صِفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ جازَتِ المُطابَقَةُ وجازَ الإفْرادُ، قالَ الشّاعِرُ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:
؎وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ
فَأفْرَدَ بِقَوْلِهِ: (طاعِمٍ) وجَمَعَ بُقُولِهِ: (جِياعِ) .
وإذا أُفْرِدَتِ النَّكِرَةُ الصِّفَةُ، وقَبْلَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ، فَهو عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مُتَأوَّلٌ، قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ: مَن طَعِمَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقَدَّرُ وصْفًا لِمُفْرَدٍ يُؤَدِّي مَعْنى جَمْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَألْأمُ طاعِمٍ، وحَذَفَ المَوْصُوفَ وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ في التَّقْدِيرِ وفْقَ ما تَقَدَّمَهُ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَكُونُ التَّجَوُّزُ في الجَمْعِ، فَإذا قِيلَ مَثَلًا: الزَّيْدُونَ أفْضَلُ عالِمٍ، فالمَعْنى: كُلٌّ واحِدٍ مِنَ الزَّيْدِينَ أفْضَلُ عالِمٍ. وهَذِهِ النَّكِرَةُ أصْلُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ التَّعْرِيفُ والجَمْعُ، فاخْتَصَرُوا الألِفَ واللّامَ وبِناءَ الجَمْعِ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ هو النَّكِرَةُ في المَعْنى، فَإذا قُلْتَ: أبُوكَ أفْضَلُ عالِمٍ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَهم: أبُوكَ الأفْضَلُ العالِمُ، وأُضِيفَ أفْضَلُ إلى ما هو هو في المَعْنى. وجَمِيعُ أحْكامِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَلى ما قَرَّرْناهُ تَأوَّلُوا (أوَّلَ كافِرٍ) بِمَن كَفَرَ، أوْ أوَّلَ حِزْبٍ كَفَرَ، أوْ لا يَكُنْ كُلٌّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ. والنَّهْيُ عَنْ أنْ تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ الكُفْرِ لَهم ثانِيًا أوْ آخِرًا، فَمَفْهُومُ الصِّفَةِ هُنا غَيْرُ مُرادٍ. ولَمّا أُشْكِلَتِ الأوَّلِيَّةُ هُنا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (أوَّلَ) صِلَةٌ يَعْنِي زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ولا تَكُونُوا كافِرِينَ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا تَقْدِيرُهُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا آخِرَ كافِرٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وخَصَّ الأوَّلِيَّةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أفْحَشُ، لِما فِيها مِنَ الِابْتِداءِ بِها، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎مِن أُناسٍ لَيْسَ في أخْلاقِهِمْ ∗∗∗ عاجِلُ الفُحْشِ ولا سُوءُ جَزَعْ
لا يُرِيدُ أنَّ فِيهِمْ فُحْشًا آجِلًا، بَلْ أرادَ لا فُحْشَ عِنْدَهم، لا عاجِلًا، ولا آجِلًا، وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا تَكُونُوا مِثْلَ أوَّلِ كافِرٍ بِهِ، أيْ ولا تَكُونُوا وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ مَوْصُوفًا مِثْلَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ وهو مُشْرِكٌ لا كِتابَ لَهُ، وبَعْضُهم عَلى صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ أوَّلُ كافِرٍ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، إذْ هم مَنظُورٌ إلَيْهِمْ في هَذا مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ، وبَعْضُهم عَلى حَذْفِ صِلَةٍ يَصِحُّ بِها المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ولا تَكُونُوا (p-١٧٨)أوَّلَ كافِرٍ بِهِ مَعَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُفْرَ قُرَيْشٍ كانَ مَعَ الجَهْلِ، وهَذا القَوْلُ شَبِيهٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ. وبَعْضُهم قَدَّرَ صِلَةً غَيْرَ هَذِهِ، أيْ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ عِنْدَ سَماعِكم لِذِكْرِهِ، بَلْ تَثَبَّتُوا فِيهِ وراجِعُوا عُقُولَكم فِيهِ. وقِيلَ: ذِكْرُ الأوَّلِيَّةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مُؤْمِنٍ بِهِ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ، ولِأنَّهم كانُوا هُمُ المُبَشِّرِينَ بِزَمانِهِ والمُسْتَفْتِحِينَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقالَ القُشَيْرِيُّ: لا تَسُنُّوا الكُفْرَ سُنَّةً، فَإنَّ وِزْرَ المُبْتَدِئِينَ فِيما يَسُنُّونَ أعْظَمُ مِن وِزْرِ المُقْتَدِينَ فِيما يَتَّبِعُونَ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ في (بِما أنْزَلْتُ) وهو القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أوْ عَلى مُحَمَّدٍ، ﷺ، ودَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُنَزَّلِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ عَلى النِّعْمَةِ عَلى مَعْنى الإحْسانِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى المَوْصُولِ في (لِما مَعَكم) لِأنَّهم إذا كَفَرُوا بِما يُصَدِّقُهُ، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ، والأرْجَحُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، وهو مَنطُوقٌ بِهِ مَقْصُودٌ لِلْحَدِيثِ عَنْهُ، بِخِلافِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . الِاشْتِراءُ هُنا مَجازٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِبْدالُ، كَما قالَ:
؎كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا
وقالَ آخَرُ:
؎فَإنِّي شَرَيْتُ الحُلْمَ بَعْدَكَ بِالجَهْلِ
ولَمّا كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِبْدالِ، جازَ أنْ تَدْخُلَ الباءُ عَلى الآياتِ، وإنْ كانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ عَلى ما كانَ ثَمَنًا؛ لِأنَّ الثَّمَنَ في البَيْعِ حَقِيقَتُهُ أنْ يُشْتَرى بِهِ، لَكِنْ لَمّا دَخَلَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الِاسْتِبْدالِ جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِبْدالِ يَكُونُ المَنصُوبُ فِيهِ هو الحاصِلَ، وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ هو الزّائِلُ، بِخِلافِ ما يَظُنُّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ قَوْلَكَ: بَدَّلْتُ أوْ أبْدَلْتُ دِرْهَمًا بِدِينارٍ مَعْناهُ: أخَذْتُ الدِّينارَ بَدَلًا عَنِ الدِّرْهَمِ، والمَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِآياتِي العَظِيمَةِ أشْياءَ حَقِيرَةً خَسِيسَةً. ولَوْ أدْخَلَ الباءَ عَلى الثَّمَنِ دُونَ الآياتِ لانْعَكَسَ هَذا المَعْنى، إذْ كانَ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّهم هم بَذَلُوا ثَمَنًا قَلِيلًا وأخَذُوا الآياتِ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: ودُخُولُ الباءِ عَلى الآياتِ كَدُخُولِها عَلى الثَّمَنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما لا عَيْنَ فِيهِ، وإذا كانَ في الكَلامِ دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ دَخَلَتِ الباءُ عَلى الثَّمَنِ، قالَهُ الفَرّاءُ. انْتَهى كَلامُ الَمَهْدَوِيِّ ومَعْناهُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ دَنانِيرُ ولا دَراهِمُ في البَيْعِ صَحَّ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَبْذُولِ ثَمَنًا ومُثَمَّنًا، لَكِنْ يَخْتَلِفُ دُخُولُ الباءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن نَسَبَ الشِّراءَ إلى نَفْسِهِ مِنَ المُتَعاقِدِينَ جَعَلَ ما حَصَّلَ هو المُثَمَّنَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الباءُ، وجَعْلَ ما بَذَلَ هو الثَّمَنَ فَأدْخَلَ عَلَيْهِ الباءُ، ونَفْسُ الآياتِ لا يُشْتَرى بِها، فاحْتِيجَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: بِتَعْلِيمِ آياتِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقِيلَ: بِتَغْيِيرِ آياتِي، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: بِكِتْمانِ آياتِي، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: لا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ، بَلْ كَنى بِالآياتِ عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي.
وعَلى الأقْوالِ الثَّلاثَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذا القَوْلِ تَكُونُ الآياتُ، ما أنْزَلَ مِنَ الكُتُبِ، أوِ القُرْآنِ، أوْ ما أوْضَحَ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، أوِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ المُتَضَمِّنَةِ الأمْرَ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وعَلى الأقاوِيلِ في ذَلِكَ المُضافِ المُقَدَّرِ والقَوْلِ بَعْدَها اخْتَلَفُوا في المَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: (ثَمَنًا قَلِيلًا) فَمَن قالَ: إنَّ المُضافَ هو التَّعْلِيمُ، قالَ: الثَّمَنُ القَلِيلُ هو الأُجْرَةُ عَلى التَّعْلِيمِ، وكانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا مِنهُ في شَرِيعَتِهِمْ، أوِ الرّاتِبُ المُرْصَدُ لَهم عَلى التَّعْلِيمِ، فَنُهُوا عَنْهُ، ومَن قالَ: هو التَّغْيِيرُ، قالَ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو الرِّياسَةُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِهِمْ خافُوا فَواتَها لَوْ صارُوا أتْباعًا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ومَن جَعَلَ الآياتِ كِنايَةً عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي جَعَلَ (p-١٧٩)الثَّمَنَ القَلِيلَ هو ما يَحْصُلُ لَهم مِن شَهَواتِ الدُّنْيا الَّتِي اشْتَغَلُوا بِها عَنْ إيقاعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، ووَصَفَ الثَّمَنَ بِالقَلِيلِ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ عِوَضًا عَنْ آياتِ اللَّهِ كائِنًا ما كانَ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا، وإنْ بَلَغَ ما بَلَغَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، فَلَيْسَ وصْفُ الثَّمَنِ بِالقِلَّةِ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي تُخَصِّصُ النَّكِراتِ، بَلْ مِنَ الأوْصافِ اللّازِمَةِ لِلثَّمَنِ المُحَصَّلِ بِالآياتِ، إذْ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَعْطُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثَمَنًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عَلى مَنعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ والعِلْمِ. وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثُ لا تَصِحُّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَأْخُذُ عَلى كِتابِ اللَّهِ أجْرًا، فَقالَ: ”إنَّ خَيْرَ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتابُ اللَّهِ“»، وقَدْ تَظافَرَتْ أقْوالُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، وإنَّما نُقِلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ الكَراهَةُ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ عِبادَةً بَدَنِيَّةً، ولا دَلِيلَ لِذَلِكَ الذّاهِبِ في الآيَةِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها.
(وإيّايَ فاتَّقُونِ): الكَلامُ عَلَيْهِ إعْرابًا كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: (وإيّايَ فارْهَبُونِ)، ويَقْرُبُ مَعْنى التَّقْوى مِن مَعْنى الرَّهْبَةِ. قالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: والفَرْقُ أنَّ الرَّهْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَوْفِ، وأمّا الِاتِّقاءُ فَإنَّهُ يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الجَزْمِ بِحُصُولِ ما يُتَّقى مِنهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ لِأجْلِ أنَّ جَوازَ العِقابِ قائِمٌ، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ تَعَيُّنَ العِقابِ قائِمٌ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَعْنى جَوازِ العِقابِ هُناكَ وتَعْيِينِهِ هُنا: أنَّ تَرْكَ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والإيفاءِ بِالعَهْدِ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي تُجَوِّزُ العِقابَ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ العَفْوُ عَنْ ذَلِكَ، وتَرْكُ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وشِراءُ الثَّمَنِ اليَسِيرِ بِآياتِ اللَّهِ مِنَ المَعاصِي الَّتِي تُحَتِّمُ العِقابَ وتُعَيِّنُهُ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ العَفْوُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ في ذَلِكَ: (فارْهَبُونِ)، وقِيلَ في هَذا: (فاتَّقُونِ) أيِ اتَّخِذُوا وِقايَةً مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ لَمْ تَمْتَثِلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ. والأحْسَنُ أنْ لا يُقَيَّدَ (ارْهَبُونِ واتَقُونِ) بِشَيْءٍ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ بِخَوْفِ اللَّهِ واتِّقائِهِ، ولَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ ما سِيقَ الأمْرُ عَقِيبَهُ دُخُولًا واضِحًا، فَكانَ المَعْنى: ارْهَبُونِ إنْ لَمْ تَذْكُرُوا نِعْمَتِي ولَمْ تُوفُوا بِعَهْدِي، واتَّقَوْنِ، إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما أنْزَلْتُ وإنِ اشْتَرَيْتُمْ بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.
﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾: أيِ الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ التَّوْراةَ بِما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ فِيها مِن غَيْرِها، أوْ بِما بَدَّلُوا فِيها مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الأمانَةَ بِالخِيانَةِ؛ لِأنَّهُمُ ائْتُمِنُوا عَلى إبْداءِ ما في التَّوْراةِ، فَخانُوا في ذَلِكَ بِكِتْمانِهِ وتَبْدِيلِهِ، أوِ الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، إلى غَيْرِهِمْ وجَحْدِهِمْ أنَّهُ ما بُعِثَ إلَيْهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ إيمانَ مُنافِقِي اليَهُودِ بِإبْطانِ كُفْرِهِمْ، أوْ صِفَةِ النَّبِيِّ، ﷺ، بِصِفَةِ الدَّجّالِ، وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ (بِالباطِلِ) لِلْإلْصاقِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَكَأنَّهم نُهُوا عَنْ أنْ يَخْلِطُوا الحَقَّ بِالباطِلِ، فَلا يَتَمَيَزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، كَهي في كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، قالَ: كَأنَّ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا بِباطِلِكم، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ عَنْ هَذا التَّرْكِيبِ، وصَرْفٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾: مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَلْبِسُوا، والمَعْنى: النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، كَما قالُوا: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، بِالجَزْمِ نَهْيًا عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، وجُوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أنْ، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ويُسَمّى عِنْدَ الكُوفِيِّينَ النَّصْبُ عَلى الصَّرْفِ. والجَرْمِيُّ يَرى أنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ الواوِ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وما جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ النَّهْيُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ، كَما إذا قُلْتَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، ويَكُونُ بِالمَفْهُومِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِالتِباسِ بِواحِدٍ مِنهُما، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ رُجِّحَ الجَزْمُ.
البقرة 2:42
﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ غَيْرِ صِفَةٍ، فَإنَّهُ يَبْقى مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، والنَّكِرَةُ تُطابِقُ ما قَبْلَها، فَإنْ كانَ مُفْرَدًا كانَ مُفْرَدًا، وإنْ كانَ تَثْنِيَةً كانَ تَثْنِيَةً، وإنْ كانَ جَمْعًا كانَ جَمْعًا، فَتَقُولُ: زَيْدٌ أفْضَلُ رَجُلٍ، وهِنْدٌ أفْضَلُ امْرَأةٍ، والزَّيْدانِ أفْضَلُ رَجُلَيْنِ، والزَّيْدُونَ أفْضَلُ رِجالٍ. ولا تَخْلُو تِلْكَ النَّكِرَةُ المُضافُ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِن أنْ تَكُونَ صِفَةً أوْ غَيْرَ صِفَةٍ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ صِفَةٍ فالمُطابَقَةُ كَما ذَكَرْنا، وأجازَ أبُو العَبّاسِ: إخْوَتُكَ أفْضَلُ رَجُلٍ، بِالإفْرادِ، ومَنَعَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ. وإنْ كانَتْ صِفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ جازَتِ المُطابَقَةُ وجازَ الإفْرادُ، قالَ الشّاعِرُ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:
؎وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ
فَأفْرَدَ بِقَوْلِهِ: (طاعِمٍ) وجَمَعَ بُقُولِهِ: (جِياعِ) .
وإذا أُفْرِدَتِ النَّكِرَةُ الصِّفَةُ، وقَبْلَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ، فَهو عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مُتَأوَّلٌ، قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ: مَن طَعِمَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقَدَّرُ وصْفًا لِمُفْرَدٍ يُؤَدِّي مَعْنى جَمْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَألْأمُ طاعِمٍ، وحَذَفَ المَوْصُوفَ وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ في التَّقْدِيرِ وفْقَ ما تَقَدَّمَهُ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَكُونُ التَّجَوُّزُ في الجَمْعِ، فَإذا قِيلَ مَثَلًا: الزَّيْدُونَ أفْضَلُ عالِمٍ، فالمَعْنى: كُلٌّ واحِدٍ مِنَ الزَّيْدِينَ أفْضَلُ عالِمٍ. وهَذِهِ النَّكِرَةُ أصْلُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ التَّعْرِيفُ والجَمْعُ، فاخْتَصَرُوا الألِفَ واللّامَ وبِناءَ الجَمْعِ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ هو النَّكِرَةُ في المَعْنى، فَإذا قُلْتَ: أبُوكَ أفْضَلُ عالِمٍ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَهم: أبُوكَ الأفْضَلُ العالِمُ، وأُضِيفَ أفْضَلُ إلى ما هو هو في المَعْنى. وجَمِيعُ أحْكامِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَلى ما قَرَّرْناهُ تَأوَّلُوا (أوَّلَ كافِرٍ) بِمَن كَفَرَ، أوْ أوَّلَ حِزْبٍ كَفَرَ، أوْ لا يَكُنْ كُلٌّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ. والنَّهْيُ عَنْ أنْ تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ الكُفْرِ لَهم ثانِيًا أوْ آخِرًا، فَمَفْهُومُ الصِّفَةِ هُنا غَيْرُ مُرادٍ. ولَمّا أُشْكِلَتِ الأوَّلِيَّةُ هُنا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (أوَّلَ) صِلَةٌ يَعْنِي زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ولا تَكُونُوا كافِرِينَ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا تَقْدِيرُهُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا آخِرَ كافِرٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وخَصَّ الأوَّلِيَّةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أفْحَشُ، لِما فِيها مِنَ الِابْتِداءِ بِها، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎مِن أُناسٍ لَيْسَ في أخْلاقِهِمْ ∗∗∗ عاجِلُ الفُحْشِ ولا سُوءُ جَزَعْ
لا يُرِيدُ أنَّ فِيهِمْ فُحْشًا آجِلًا، بَلْ أرادَ لا فُحْشَ عِنْدَهم، لا عاجِلًا، ولا آجِلًا، وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا تَكُونُوا مِثْلَ أوَّلِ كافِرٍ بِهِ، أيْ ولا تَكُونُوا وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ مَوْصُوفًا مِثْلَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ وهو مُشْرِكٌ لا كِتابَ لَهُ، وبَعْضُهم عَلى صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ أوَّلُ كافِرٍ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، إذْ هم مَنظُورٌ إلَيْهِمْ في هَذا مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ، وبَعْضُهم عَلى حَذْفِ صِلَةٍ يَصِحُّ بِها المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ولا تَكُونُوا (p-١٧٨)أوَّلَ كافِرٍ بِهِ مَعَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُفْرَ قُرَيْشٍ كانَ مَعَ الجَهْلِ، وهَذا القَوْلُ شَبِيهٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ. وبَعْضُهم قَدَّرَ صِلَةً غَيْرَ هَذِهِ، أيْ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ عِنْدَ سَماعِكم لِذِكْرِهِ، بَلْ تَثَبَّتُوا فِيهِ وراجِعُوا عُقُولَكم فِيهِ. وقِيلَ: ذِكْرُ الأوَّلِيَّةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مُؤْمِنٍ بِهِ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ، ولِأنَّهم كانُوا هُمُ المُبَشِّرِينَ بِزَمانِهِ والمُسْتَفْتِحِينَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقالَ القُشَيْرِيُّ: لا تَسُنُّوا الكُفْرَ سُنَّةً، فَإنَّ وِزْرَ المُبْتَدِئِينَ فِيما يَسُنُّونَ أعْظَمُ مِن وِزْرِ المُقْتَدِينَ فِيما يَتَّبِعُونَ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ في (بِما أنْزَلْتُ) وهو القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أوْ عَلى مُحَمَّدٍ، ﷺ، ودَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُنَزَّلِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ عَلى النِّعْمَةِ عَلى مَعْنى الإحْسانِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى المَوْصُولِ في (لِما مَعَكم) لِأنَّهم إذا كَفَرُوا بِما يُصَدِّقُهُ، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ، والأرْجَحُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، وهو مَنطُوقٌ بِهِ مَقْصُودٌ لِلْحَدِيثِ عَنْهُ، بِخِلافِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . الِاشْتِراءُ هُنا مَجازٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِبْدالُ، كَما قالَ:
؎كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا
وقالَ آخَرُ:
؎فَإنِّي شَرَيْتُ الحُلْمَ بَعْدَكَ بِالجَهْلِ
ولَمّا كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِبْدالِ، جازَ أنْ تَدْخُلَ الباءُ عَلى الآياتِ، وإنْ كانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ عَلى ما كانَ ثَمَنًا؛ لِأنَّ الثَّمَنَ في البَيْعِ حَقِيقَتُهُ أنْ يُشْتَرى بِهِ، لَكِنْ لَمّا دَخَلَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الِاسْتِبْدالِ جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِبْدالِ يَكُونُ المَنصُوبُ فِيهِ هو الحاصِلَ، وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ هو الزّائِلُ، بِخِلافِ ما يَظُنُّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ قَوْلَكَ: بَدَّلْتُ أوْ أبْدَلْتُ دِرْهَمًا بِدِينارٍ مَعْناهُ: أخَذْتُ الدِّينارَ بَدَلًا عَنِ الدِّرْهَمِ، والمَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِآياتِي العَظِيمَةِ أشْياءَ حَقِيرَةً خَسِيسَةً. ولَوْ أدْخَلَ الباءَ عَلى الثَّمَنِ دُونَ الآياتِ لانْعَكَسَ هَذا المَعْنى، إذْ كانَ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّهم هم بَذَلُوا ثَمَنًا قَلِيلًا وأخَذُوا الآياتِ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: ودُخُولُ الباءِ عَلى الآياتِ كَدُخُولِها عَلى الثَّمَنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما لا عَيْنَ فِيهِ، وإذا كانَ في الكَلامِ دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ دَخَلَتِ الباءُ عَلى الثَّمَنِ، قالَهُ الفَرّاءُ. انْتَهى كَلامُ الَمَهْدَوِيِّ ومَعْناهُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ دَنانِيرُ ولا دَراهِمُ في البَيْعِ صَحَّ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَبْذُولِ ثَمَنًا ومُثَمَّنًا، لَكِنْ يَخْتَلِفُ دُخُولُ الباءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن نَسَبَ الشِّراءَ إلى نَفْسِهِ مِنَ المُتَعاقِدِينَ جَعَلَ ما حَصَّلَ هو المُثَمَّنَ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الباءُ، وجَعْلَ ما بَذَلَ هو الثَّمَنَ فَأدْخَلَ عَلَيْهِ الباءُ، ونَفْسُ الآياتِ لا يُشْتَرى بِها، فاحْتِيجَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: بِتَعْلِيمِ آياتِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقِيلَ: بِتَغْيِيرِ آياتِي، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: بِكِتْمانِ آياتِي، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: لا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ، بَلْ كَنى بِالآياتِ عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي.
وعَلى الأقْوالِ الثَّلاثَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذا القَوْلِ تَكُونُ الآياتُ، ما أنْزَلَ مِنَ الكُتُبِ، أوِ القُرْآنِ، أوْ ما أوْضَحَ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، أوِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ المُتَضَمِّنَةِ الأمْرَ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وعَلى الأقاوِيلِ في ذَلِكَ المُضافِ المُقَدَّرِ والقَوْلِ بَعْدَها اخْتَلَفُوا في المَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: (ثَمَنًا قَلِيلًا) فَمَن قالَ: إنَّ المُضافَ هو التَّعْلِيمُ، قالَ: الثَّمَنُ القَلِيلُ هو الأُجْرَةُ عَلى التَّعْلِيمِ، وكانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا مِنهُ في شَرِيعَتِهِمْ، أوِ الرّاتِبُ المُرْصَدُ لَهم عَلى التَّعْلِيمِ، فَنُهُوا عَنْهُ، ومَن قالَ: هو التَّغْيِيرُ، قالَ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو الرِّياسَةُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِهِمْ خافُوا فَواتَها لَوْ صارُوا أتْباعًا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ومَن جَعَلَ الآياتِ كِنايَةً عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي جَعَلَ (p-١٧٩)الثَّمَنَ القَلِيلَ هو ما يَحْصُلُ لَهم مِن شَهَواتِ الدُّنْيا الَّتِي اشْتَغَلُوا بِها عَنْ إيقاعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، ووَصَفَ الثَّمَنَ بِالقَلِيلِ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ عِوَضًا عَنْ آياتِ اللَّهِ كائِنًا ما كانَ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا، وإنْ بَلَغَ ما بَلَغَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، فَلَيْسَ وصْفُ الثَّمَنِ بِالقِلَّةِ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي تُخَصِّصُ النَّكِراتِ، بَلْ مِنَ الأوْصافِ اللّازِمَةِ لِلثَّمَنِ المُحَصَّلِ بِالآياتِ، إذْ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَعْطُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثَمَنًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عَلى مَنعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ والعِلْمِ. وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثُ لا تَصِحُّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَأْخُذُ عَلى كِتابِ اللَّهِ أجْرًا، فَقالَ: ”إنَّ خَيْرَ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتابُ اللَّهِ“»، وقَدْ تَظافَرَتْ أقْوالُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، وإنَّما نُقِلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ الكَراهَةُ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ عِبادَةً بَدَنِيَّةً، ولا دَلِيلَ لِذَلِكَ الذّاهِبِ في الآيَةِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها.
(وإيّايَ فاتَّقُونِ): الكَلامُ عَلَيْهِ إعْرابًا كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: (وإيّايَ فارْهَبُونِ)، ويَقْرُبُ مَعْنى التَّقْوى مِن مَعْنى الرَّهْبَةِ. قالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: والفَرْقُ أنَّ الرَّهْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَوْفِ، وأمّا الِاتِّقاءُ فَإنَّهُ يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الجَزْمِ بِحُصُولِ ما يُتَّقى مِنهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ لِأجْلِ أنَّ جَوازَ العِقابِ قائِمٌ، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ تَعَيُّنَ العِقابِ قائِمٌ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَعْنى جَوازِ العِقابِ هُناكَ وتَعْيِينِهِ هُنا: أنَّ تَرْكَ ذِكْرِ النِّعْمَةِ والإيفاءِ بِالعَهْدِ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي تُجَوِّزُ العِقابَ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ العَفْوُ عَنْ ذَلِكَ، وتَرْكُ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وشِراءُ الثَّمَنِ اليَسِيرِ بِآياتِ اللَّهِ مِنَ المَعاصِي الَّتِي تُحَتِّمُ العِقابَ وتُعَيِّنُهُ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ العَفْوُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ في ذَلِكَ: (فارْهَبُونِ)، وقِيلَ في هَذا: (فاتَّقُونِ) أيِ اتَّخِذُوا وِقايَةً مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ لَمْ تَمْتَثِلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ. والأحْسَنُ أنْ لا يُقَيَّدَ (ارْهَبُونِ واتَقُونِ) بِشَيْءٍ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ بِخَوْفِ اللَّهِ واتِّقائِهِ، ولَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ ما سِيقَ الأمْرُ عَقِيبَهُ دُخُولًا واضِحًا، فَكانَ المَعْنى: ارْهَبُونِ إنْ لَمْ تَذْكُرُوا نِعْمَتِي ولَمْ تُوفُوا بِعَهْدِي، واتَّقَوْنِ، إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما أنْزَلْتُ وإنِ اشْتَرَيْتُمْ بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.
﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾: أيِ الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ التَّوْراةَ بِما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ فِيها مِن غَيْرِها، أوْ بِما بَدَّلُوا فِيها مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الأمانَةَ بِالخِيانَةِ؛ لِأنَّهُمُ ائْتُمِنُوا عَلى إبْداءِ ما في التَّوْراةِ، فَخانُوا في ذَلِكَ بِكِتْمانِهِ وتَبْدِيلِهِ، أوِ الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، إلى غَيْرِهِمْ وجَحْدِهِمْ أنَّهُ ما بُعِثَ إلَيْهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ إيمانَ مُنافِقِي اليَهُودِ بِإبْطانِ كُفْرِهِمْ، أوْ صِفَةِ النَّبِيِّ، ﷺ، بِصِفَةِ الدَّجّالِ، وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ (بِالباطِلِ) لِلْإلْصاقِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَكَأنَّهم نُهُوا عَنْ أنْ يَخْلِطُوا الحَقَّ بِالباطِلِ، فَلا يَتَمَيَزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، كَهي في كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، قالَ: كَأنَّ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا بِباطِلِكم، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ عَنْ هَذا التَّرْكِيبِ، وصَرْفٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾: مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَلْبِسُوا، والمَعْنى: النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، كَما قالُوا: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، بِالجَزْمِ نَهْيًا عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، وجُوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أنْ، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ويُسَمّى عِنْدَ الكُوفِيِّينَ النَّصْبُ عَلى الصَّرْفِ. والجَرْمِيُّ يَرى أنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ الواوِ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وما جَوَّزُوهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ النَّهْيُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ، كَما إذا قُلْتَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، ويَكُونُ بِالمَفْهُومِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِالتِباسِ بِواحِدٍ مِنهُما، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ رُجِّحَ الجَزْمُ.
البقرة 2:43
(p-١٨٠)وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وتَكْتُمُونَ الحَقَّ)، وخُرِّجَ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كاتِمِينَ، وهو تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُثْبَتَةَ المُصَدَّرَةَ بِمُضارِعٍ، إذا وقَعَتْ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْها الواوُ، والتَّقْدِيرُ الإعْرابِيُّ هو أنْ تُضْمِرَ قَبْلَ المُضارِعِ هُنا مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ الحَقَّ، ولا يَظْهَرُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ قَيْدٌ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهم قَدْ نُهُوا عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ، عَلى كُلِّ حالٍ فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، إلّا أنْ تَكُونَ الحالُ لازِمَةً، وذَلِكَ أنْ يُقالَ: لا يَقَعُ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ إلّا ويَكُونُ الحَقُّ مَكْتُومًا، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ نَعى عَلَيْهِمْ كَتْمَهُمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ، عَلى مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ، وهو سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، ولا يُشْتَرَطُ التَّناسُبُ في عَطْفِ الجُمَلِ، وكِلا التَّخْرِيجَيْنِ تَخْرِيجُ شُذُوذٍ.
والحَقُّ الَّذِي كَتَمُوهُ هو أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ يَكُونُ الحَقُّ عامًّا فَيَنْدَرِجُ فِيهِ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والقُرْآنُ، وما جاءَ بِهِ، ﷺ، وكِتْمانُهُ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ.
﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ اقْتِصارًا، إذِ المَقْصُودُ: وأنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ، فَلا يُناسِبُ مَن كانَ عالِمًا أنْ يَكْتُمَ الحَقَّ ويُلْبِسَهُ بِالباطِلِ، وقَدْ قَدَّرُوا حَذْفَهُ حَذْفَ اخْتِصارٍ، وفِيهِ أقاوِيلُ سِتَّةٌ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ مَذْكُورٌ هو وصِفَتُهُ في التَّوْراةِ، ﷺ .
الثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ البَعْثَ والجَزاءَ. الثّالِثُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً. الرّابِعُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ في حالِ عِلْمِكم أنَّكم لابِسُونَ كاتِمُونَ، فَجَعَلَ مَفْعُولَ العِلْمِ اللَّبْسَ والكَتْمَ المَفْهُومَيْنِ مِنَ الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ، قالَ: وهو أقْبَحُ؛ لِأنَّ الجَهْلَ بِالقَبِيحِ رُبَّما عُذِرَ راكِبُهُ. انْتَهى.
فَكانَ ما قَدَّرَهُ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ أوْ تَحْرِيمَ اللَّبْسِ والكَتْمِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَمْ يَشْهَدْ تَعالى لَهم بِعِلْمٍ، وإنَّما نَهاهم عَنْ كِتْمانِ ما عَلِمُوا. انْتَهى.
ومَفْهُومُ كَلامِهِ أنَّ مَفْعُولَ (تَعْلَمُونَ) هو (الحَقَّ) كَأنَّهُ قالَ: ولا تَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ؛ لِأنَّ المَكْتُومَ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وغَيْرَ حَقٍّ فَإذا كانَ حَقًّا وعَلِمَ أنَّهُ حَقٌّ كانَ كِتْمانُهُ لَهُ أشَدَّ (وأعْظَمَ) ذَنْبًا؛ لِأنَّ العاصِيَ عَلى عِلْمٍ أعْصى مِنَ الجاهِلِ العاصِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ في أمْرِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم بِعِلْمٍ عَلى الإطْلاقِ.
قالَ: ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ مَعْطُوفَةً، وإنْ كانَتْ ثُبُوتِيَّةً عَلى ما قَبْلَها مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُناسِبَةً في الإخْبارِ، عَلى ما قَرَّرْناهُ مِنَ الكَلامِ في تَخْرِيجِنا لِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وتَكْتُمُونَ.
والأظْهَرُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا، مِن كَوْنِ العِلْمِ حُذِفَ مَفْعُولُهُ حَذْفَ اقْتِصارٍ؛ إذِ المَقْصُودُ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والِاطِّلاعِ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، لا يَصْلُحُ لَهُ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ ولا كِتْمانُهُ، وهَذِهِ الحالُ وإنْ كانَ ظاهِرُها أنَّها قَيْدٌ في النَّهْيِ عَنِ اللَّبْسِ والكَتْمِ، فَلا تَدُلُّ بِمَفْهُومِها عَلى جَوازِ اللَّبْسِ والكَتْمِ حالَةَ الجَهْلِ؛ لِأنَّ الجاهِلَ بِحالِ الشَّيْءِ لا يَدْرِي كَوْنَهُ حَقًّا أوْ باطِلًا، وإنَّما فائِدَتُها: أنَّ الإقْدامَ عَلى الأشْياءِ القَبِيحَةِ مَعَ العِلْمِ بِها أفْحَشُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْها مَعَ الجَهْلِ بِها.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: لا تَتَوَهَّمُوا أنْ يَلْتَئِمَ لَكم جَمْعُ الضِّدَّيْنِ والكَوْنُ في حالَةٍ واحِدَةٍ في مَحَلَّيْنِ، فَإمّا مَبْسُوطَةٌ بِحَقٍّ، وإمّا مَرْبُوطَةٌ بِحَطٍّ، ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ، تَدْلِيسٌ، وتَكْتُمُوا الحَقَّ تَلْبِيسٌ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ حَقَّ الحَقِّ تَقْدِيسٌ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُهُ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ كِتْمانُهُ. وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقِيمُونَ (p-١٨١)الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [التوبة: ٧١]، ويَعْنِي بِذَلِكَ صَلاةَ المُسْلِمِينَ وزَكاتَهم، فَقِيلَ: هي الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: جِنْسُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قِيلَ: أرادَ المَفْرُوضَةَ، وقِيلَ: صَدَقَةُ الفِطْرِ، وهو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: احْفَظُوا أدَبَ الحَضْرَةِ، فَحِفْظُ الأدَبِ لِلْخِدْمَةِ مِنَ الخِدْمَةِ، وآتُوا الزَّكاةَ، زَكاةَ الهِمَمِ، كَما تُؤَدّى زَكاةُ النِّعَمِ، قالَ قائِلُهم:
؎كُلُّ شَيْءٍ لَهُ زَكاةٌ تُؤَدّى وزَكاةُ الجَمالِ رَحْمَةُ مِثْلِي
﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرُّكُوعِ: الِانْقِيادُ والخُضُوعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ: الرُّكُوعُ المَعْرُوفُ في الصَّلاةِ، وأُمِرُوا بِذَلِكَ وإنْ كانَ الرُّكُوعُ مُنْدَرِجًا في الصَّلاةِ الَّتِي أُمِرُوا بِإقامَتِها؛ لِأنَّهُ رُكُوعٌ في صَلاتِهِمْ، فَنَبَّهَ بِالأمْرِ بِهِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ في صَلاةِ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: كَنى بِالرُّكُوعِ عَنِ الصَّلاةِ: أيْ وصَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ، كَما يُكْنى عَنْها بِالسَّجْدَةِ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِالجُزْءِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ (مَعَ) دَلالَةٌ عَلى إيقاعِها في جَماعَةٍ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِيها إيقاعُها في جَماعَةٍ. والرّاكِعُونَ: قِيلَ النَّبِيُّ، ﷺ، وأصْحابُهُ، وقِيلَ: أرادَ الجِنْسَ مِنَ الرّاكِعِينَ.
وفِي هَذِهِ الجُمَلِ، وإنْ كانَتْ مَعْطُوفاتٍ بِالواوِ، الَّتِي لا تَقْتَضِي في الوَضْعِ تَرْتِيبًا، تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ، مِن حَيْثُ الفَصاحَةِ وبِناءِ الكَلامِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم أوَّلًا بِذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِمْ، إذْ في ذَلِكَ ما يَدْعُو إلى مَحَبَّةِ المُنْعِمِ ووُجُوبِ إطاعَتِهِ، ثُمَّ أمَرَهم بِإيفاءِ العَهْدِ الَّذِي التَزَمُوهُ لِلْمُنْعِمِ، ثُمَّ رَغَّبَهم بِتَرْتِيبِ إيفائِهِ هو تَعالى بِعَهْدِهِمْ في الإيفاءِ بِالعَهْدِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالخَوْفِ مِن نِقْماتِهِ إنْ لَمْ يُوفُوا، فاكْتَنَفَ الأمْرَ بِالإيفاءِ أمْرٌ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ والإحْسانِ، وأمْرٌ بِالخَوْفِ مِنَ العِصْيانِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِإيمانٍ خاصٍّ، وهو ما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ، ورَغَّبَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم، فَلَيْسَ أمْرًا مُخالِفًا لِما في أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ إلى المُوافِقِ أقْرَبُ مِنَ الِانْتِقالِ إلى المُخالِفِ، ثُمَّ نَهاهم عَنِ اسْتِبْدالِ الخَسِيسِ بِالنَّفِيسِ، ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِاتِّقائِهِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ، وعَنْ كِتْمانِ الحَقِّ، فَكانَ الأمْرُ بِالإيمانِ أمْرًا بِتَرْكِ الضَّلالِ، والنَّهْيُ عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِ الحَقِّ تَرْكًا لِلْإضْلالِ.
ولَمّا كانَ الضَّلالُ ناشِئًا عَنْ أمْرَيْنِ: إمّا تَمْوِيهُ الباطِلِ حَقًّا إنْ كانَتِ الدَّلائِلُ قَدْ بَلَغَتِ المُسْتَتْبِعَ، وإمّا عَنْ كِتْمانِ الدَّلائِلِ إنْ كانَتْ لَمْ تَبْلُغْهُ، أشارَ إلى الأمْرَيْنِ بِلا تَلْبِسُوا وتَكْتُمُوا، ثُمَّ قَبَّحَ عَلَيْهِمْ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مَعَ وُجُودِ العِلْمِ، ثُمَّ أمَرَهم بَعْدَ تَحْصِيلِ الإيمانِ وإظْهارِ الحَقِّ بِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، إذِ الصَّلاةُ آكَدُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، والزَّكاةُ آكَدُ العِباداتِ المالِيَّةِ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالِانْقِيادِ والخُضُوعِ لَهُ تَعالى مَعَ جُمْلَةِ الخاضِعِينَ الطّائِعِينَ.
فَكانَ افْتِتاحُ هَذِهِ الآياتِ بِذِكْرِ النِّعَمِ واخْتِتامُها بِالِانْقِيادِ لِلْمُنْعِمِ، وما بَيْنَهُما تَكالِيفٌ اعْتِقادِيَّةٌ وأفْعالٌ بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ. وبِنَحْوِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الِافْتِتاحِ والإرْدافِ والِاخْتِتامِ يَظْهَرُ فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى سائِرِ الكَلامِ، وهَذِهِ الأوامِرُ والنَّواهِي، وإنْ كانَتْ خاصَّةً في الصُّورَةِ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ فَإنَّهم هُمُ المُخاطَبُونَ بِها، هي عامَّةٌ في المَعْنى، فَيَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ ذِكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، والإيفاءُ بِالعَهْدِ وسائِرِ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذا.
البقرة 2:44
﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] الأمْرُ: طَلَبُ إيجادِ الفِعْلِ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ، والفِعْلُ مِنهُ: أمَرَ يَأْمُرُ، عَلى: فَعَلَ يَفْعُلُ، وتُحْذَفُ فاؤُهُ في الأمْرِ مِنهُ بِغَيْرِ لامٍ، فَتَقُولُ: مُرْ زَيْدًا وإتْمامُهُ قَلِيلٌ، أوْ مُرْ زَيْدًا، فَإنْ تَقَدَّمَ الأمْرَ واوٌ أوْ فاءٌ، فَإثْباتُ الهَمْزَةِ أجْوَدُ، وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِنَفْسِهِ، والآخَرُ بِحَرْفِ جَرٍّ، ويَجُوزُ حَذْفُ ذَلِكَ الحَرْفِ، وهو مِن أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ تُحْذَفُ مِن ثانِي مَفْعُولَيْها حَرْفُ الجَرِّ جَوازًا تُحْفَظُ ولا يُقاسُ (p-١٨٢)عَلَيْها. البِرُّ: الصِّلَةُ، وأيْضًا: الطّاعَةُ. قالَ الرّاجِزُ:
؎لاهُمَّ رَبِّ إنَّ بَكْرًا دُونَكا يَبَرُّكُ النّاسُ ويَفْخَرُونَكا
والبِرُّ: الفُؤادُ، ووَلَدُ الثَّعْلَبِ والهِرُّ، وبَرَّ والِدَهُ: أجَلَّهُ وأعْظَمَهُ. يَبَرُّهُ: عَلى وزْنِ فَعَلَ يَفَعْلُ، ورَجُلٌ بارٌّ، وبَرٌّ، وبَرَّتْ يَمِينُهُ، وبَرَّ حَجُّهُ: أجَلَّها وجَمَعَ أنْواعًا مِنَ الخَيْرِ، والبِرُّ سَعَةُ المَعْرُوفِ والخَيْرِ، ومِنهُ: البَرُّ والبَرِّيَّةُ لِلسَّعَةِ. ويَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، والإبْرارُ: الغَلَبَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ويَبَرُّونَ عَلى الآبِي المُبِرِّ
النِّسْيانُ: ضِدُّ الذِّكْرِ، وهو السَّهْوُ الحادِثُ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى التَّرْكِ، وضِدُّهُ الفِعْلُ، والفِعْلُ: نَسِيَ يَنْسى عَلى فَعِلَ يَفْعَلُ، ويَتَعَدّى لِواحِدٍ، وقَدْ يُعَلَّقُ نَسِيَ حَمْلًا عَلى عَلِمَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ومَن أنْتُمُ إنّا نَسِينا مَنَ انْتُمُ ∗∗∗ ورِيحُكُمُ مِن أيِّ رِيحِ الأعاصِرِ
وفِي البَيْتِ احْتِمالٌ.
التِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وسُمِّيَتْ بِها لِأنَّ الآياتِ أوِ الكَلِماتِ أوِ الحُرُوفَ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا في الذِّكْرِ. والتِّلْوُ: التَّبَعُ، وناقَةٌ مَتْلٌ: يَتْبَعُها ولَدُها. العَقْلُ: الإدْراكُ المانِعُ مِنَ الخَطَأِ، ومِنهُ عِقالُ البَعِيرِ، يَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، والمَعْقِلُ: مَكانٌ يُمْتَنَعُ فِيهِ، والعَقْلُ: الدِّيَةُ لِأنَّ جِنْسَها إبِلٌ تُعْقَلُ في فِناءِ الوَلِيِّ، أوْ لِأنَّها تَمْنَعُ مِن قَتْلِ الجانِي، والعَقْلُ: ثَوْبٌ مُوَشًّى، قالَ الشّاعِرُ:
؎عَقْلًا ورَقْمًا تَظَلُّ الطَّيْرُ تَتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ مِن دَمِ الأجْوافِ مَدْمُومُ
والعِقالُ: زَكاةُ العامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَعى عِقالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنا سَبَدًا ∗∗∗ فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعى عَمْرٌو عِقالَيْنِ
ورَمْلٌ عَقَنْقَلٌ: مُتَماسِكٌ عَنِ الِانْهِيارِ. الصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَلى المَكْرُوهِ، والفِعْلُ: صَبَرَ يَصْبِرُ عَلى فَعَلَ يَفْعِلُ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَبَرْتُ عارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ
وقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
(لَكَبِيرَةٌ): مِن كَبُرَ يَكْبُرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ في الجِرْمِ وفي القَدْرِ، ويُقالُ: كَبُرَ عَلَيَّ كَذا، أيْ شَقَّ، وكَبُرَ يَكْبُرُ، فَهو كَبِيرٌ مِنَ السِّنِّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البَهْمَ يا لَيْتَ أنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ ولَمْ يَكْبُرِ البَهْمُ
الخُشُوعُ: قَرِيبٌ مِنَ الخُضُوعِ، وأصْلُهُ: اللِّينُ والسُّهُولَةُ، وقِيلَ: الِاسْتِكانَةُ والتَّذَلُّلُ. وقالَ اللَّيْثُ: الخُضُوعُ في البَدَنِ، والخُشُوعُ في البَدَنِ والبَصَرِ والصَّوْتِ، والخُشْعَةُ: الرَّمْلَةُ المُتَطامِنَةُ. وفي الحَدِيثِ: «كانَتِ الكَعْبَةُ خُشْعَةً عَلى الماءِ» .
الظَّنُّ: تَرْجِيحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ، وهو الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالشَّكِّ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى التَّيَقُّنِ. وفي كِلا الِاسْتِعْمالَيْنِ يَدْخُلُ عَلى ما أصْلُهُ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، خِلافًا لِأبِي زَيْدٍ السُّهَيْلِيِّ، إذْ زَعَمَ أنَّها لَيْسَتْ مِن نَواسِخِ الِابْتِداءِ. والظَّنُّ أيْضًا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التُّهْمَةِ، فَيَتَعَدّى إذْ ذاكَ لِواحِدٍ، قالَ الفَرّاءُ: الظَّنُّ يَقَعُ بِمَعْنى الكَذِبِ، والبَصْرِيُّونَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ.
﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وضْعًا، وشابَها هُنا التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ لِأنَّ المَعْنى الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخُهم عَلى أنْ يَأْمُرَ الشَّخْصُ بِخَيْرٍ، ويَتْرُكَ نَفْسَهُ، ونَظِيرُهُ في النَّهْيِ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ:
؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ
فَيَقْبُحُ في العُقُولِ أنْ يَأْمُرَ الإنْسانُ بِخَيْرٍ وهو لا يَأْتِيهِ، وأنْ يَنْهى عَنْ سُوءٍ وهو يَفْعَلُهُ، وفي تَفْسِيرِ البِرِّ هُنا أقْوالٌ: الثَّباتُ عَلى دِينِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهم لا يَتَّبِعُونَهُ، أوِ اتِّباعُ التَّوْراةِ وهم (p-١٨٣)يُخالِفُونَها في جَحْدِهم صِفَتَهُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ والسُّدِّيِّ: أوْ عَلى الصَّدَقَةِ ويَبْخَلُونَ، أوْ عَلى الصِّدْقِ وهم لا يَصْدُقُونَ، أوْ حَضُّ أصْحابِهِمْ عَلى الصَّلاةِ والزَّكاةِ ولا يَأْتُونَهُما. وقالَ السُّلَمِيُّ: أتُطالِبُونَ النّاسَ بِحَقائِقِ المَعانِي وأنْتُمْ قُلُوبُكم خالِيَةٌ عَنْ ظَواهِرِ رُسُومِها ؟ وقالَ القُشَيْرِيُّ: أتُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى البِدارِ وتَرْضَوْنَ بِالتَّخَلُّفِ ؟ وقالَ: أتَدْعُونَ الخَلْقَ إلَيْنا وتَقْعُدُونَ عَنّا ؟ وألْفاظًا مِن هَذا المَعْنى، وأتى بِالمُضارِعِ في: (أتَأْمُرُونَ)، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ: الدَّيْمُومَةُ وكَثْرَةُ التَّلَبُّسِ بِالفِعْلِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ فِعْلِهِمْ بِالنِّسْيانِ مُبالَغَةً في التَّرْكِ، فَكَأنَّهُ لا يَجْرِي لَهم عَلى بالٍ، وعَلَّقَ النِّسْيانَ بِالأنْفُسِ تَوْكِيدًا لِلْمُبالَغَةِ في الغَفْلَةِ المُفْرِطَةِ.
(وتَنْسَوْنَ): مَعْطُوفٌ عَلى تَأْمُرُونَ، والمَنعِيُّ عَلَيْهِمْ جَمْعُهم بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِن أمْرِ النّاسِ بِالبِرِّ الَّذِي في فِعْلِهِ النَّجاةُ الأبَدِيَّةُ، وتَرْكِ فِعْلِهِ حَتّى صارَ نَسْيًا مَنسِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ. (أنْفُسَكم)، والأنْفُسُ هُنا: ذَواتُهم، وقِيلَ: جَماعَتُهم وأهْلُ مِلَّتِهِمْ، ثُمَّ قُيِّدَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾: أيْ أنَّكم مُباشِرُو الكِتابِ وقارِئُوهُ، وعالِمُونَ بِما انْطَوى عَلَيْهِ، فَكَيْفَ امْتَثَلْتُمُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِكم وخالَفْتُمُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلى أنْفُسِكم ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] . والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ ولا يَخْفى ما في تَصْدِيرِها بِقَوْلِهِ: (وأنْتُمْ) مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِأجْلِ المُخاطَبَةِ بِخِلافِها لَوْ كانَتِ اسْمًا مُفْرَدًا، والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وفِيهِما النَّهْيُ عَنْ هَذا الوَصْفِ الذَّمِيمِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا القُرْآنُ، قالُوا: ويَكُونُ قَدِ انْصَرَفَ مِن خِطابِ أهْلِ الكِتابِ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِطابٌ مَعَ أهْلِ الكِتابِ.
(أفَلا تَعْقِلُونَ): مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ: أنَّ أصْلَ الكَلامِ كانَ تَقْدِيمَ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ في مِثْلِ هَذا ومِثْلِ (أوَلَمْ يَسِيرُوا) (أثُمَّ إذا ما وقَعَ) لَكِنْ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وذَلِكَ بِخِلافِ هَلْ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الواوَ والفاءَ وثُمَّ بَعْدَ الهَمْزَةِ واقِعَةٌ مَوْقِعَها، ولا تَقْدِيمَ ولا تَأْخِيرَ، ويَجْعَلُ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مُقَدَّرَةً يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْها، وكَأنَّهُ رَأى أنَّ الحَذْفَ أوْلى مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذا القَوْلِ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في شَرْحِنا لِكِتابِ التَّسْهِيلِ. فَعَلى قَوْلِ الجَماعَةِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَألا تَعْقِلُونَ، وعَلى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أتَعْقِلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، أمَكَثُوا فَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ، أوْ ما كانَ شِبْهَ هَذا الفِعْلِ مِمّا يَصِحُّ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ، ونَبَّهَهم بِقَوْلِهِ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) عَلى أنَّ فِيهِمْ إدْراكًا شَرِيفًا يَمْنَعُهم مِن قَبِيحِ ما ارْتَكَبُوهُ مِن أمْرِ غَيْرِهِمْ بِالخَيْرِ ونِسْيانِ أنْفُسِهِمْ عَنْهُ، وإنَّ هَذِهِ حالَةُ مَن سُلِبَ العَقْلَ، إذِ العاقِلُ ساعٍ في تَحْصِيلِ ما فِيهِ نَجاتُهُ وخَلاصُهُ أوَّلًا، ثُمَّ يَسْعى بَعْدَ ذَلِكَ في خَلاصِ غَيْرِهِ، ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ، ومَرْكُوزٌ في العَقْلِ أنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يُحَصِّلْ لِنَفْسِهِ مَصْلَحَةً، فَكَيْفَ يُحَصِّلُها لِغَيْرِهِ ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا المَرْءُ لَمْ يُخْزِنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ عَلى شَيْءٍ سِواهُ بِخَزّانِ
فَإذا صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ تَحْصِيلُ المَصْلَحَةِ لِغَيْرِهِ، ومَنَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، كانَ ذَلِكَ خارِجًا عَنْ أفْعالِ العُقَلاءِ، خُصُوصًا في الأُمُورِ الَّتِي يُرْجى بِسُلُوكِها النَّجاةُ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزُ بِالنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ. وقَدْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) بِأقْوالٍ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) أفَلا تَمْنَعُونَ أنْفُسَكم مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الحالِ المُرْدِيَةِ بِكم، أوْ: أفَلا تَفْهَمُونَ قُبْحَ ما تَأْتُونَ مِن مَعْصِيَةِ رَبِّكم في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، والإيمانِ بِهِ، أوْ: أفَلا تَنْتَهُونَ؛ (p-١٨٤)لِأنَّ العَقْلَ يَنْهى عَنِ القَبِيحِ، أوْ أفَلا تَرْجِعُونَ؛ لِأنَّ العَقْلَ يُرادُ إلى الأحْسَنِ، أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّهُ حَقٌّ فَتَتَّبِعُونَهُ، أوْ أنَّ وبالَ ذَلِكَ عَلَيْكم راجِعٌ، أوْ: أفَلا تَمْتَنِعُونَ مِنَ المَعاصِي، أوْ: أفَلا تَعْقِلُونَ، إذْ لَيْسَ في قَضِيَّةِ العَقْلِ أنْ تَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ولا تَأْتِيَهُ، أوْ: أفَلا تَفْطِنُونَ لِقُبْحِ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَصُدَّكُمُ اسْتِقْباحُهُ عَنِ ارْتِكابِهِ، وكَأنَّكم في ذَلِكَ مَسْلُوبُو العَقْلِ؛ لِأنَّ العُقُولَ تَأْباهُ وتَدْفَعُهُ. وشَبِيهٌ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] الآيَةَ. والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: الإرْشادُ إلى المَنفَعَةِ والتَّحْذِيرُ عَنِ المَفْسَدَةِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِشَواهِدِ العَقْلِ، فَمَن وعَظَ ولَمْ يَتَّعِظْ فَكَأنَّهُ أتى بِفِعْلٍ مُتَناقِضٍ لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ، ويَصِيرُ ذَلِكَ الوَعْظُ سَبَبًا لِلرَّغْبَةِ في المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: لَوْلا اطِّلاعُ الواعِظِ عَلى أنْ لا أصْلَ لِهَذِهِ التَّخْوِيفاتِ لَما أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ، فَتَكُونُ النَّفْسُ نافِرَةً عَنْ قَبُولِ وعْظِ مَن لَمْ يَتَّعِظْ، وأنْشَدُوا:
؎مَواعِظُ الواعِظِ لَنْ تُقْبَلا ∗∗∗ حَتّى يَعِيَها قَلْبُهُ أوَّلا
وقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلانِ: عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ، وجاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ. ولا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِها عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعاصِي أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، ولا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: التَّوْبِيخُ لا يَحْسُنُ إلّا إذا كانُوا فاعِلِي أفْعالِهِمْ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ مُشْكَلَةٌ يُبْحَثُ فِيها في عِلْمِ الكَلامِ. وهَذا الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، وإنْ كانَ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَهو عامٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ واسْعٍ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعُوا عَلى ناسٍ مِن أهْلِ النّارِ فَقالُوا لَهم: قَدْ كُنْتُمْ تَأْمُرُونَنا بِأشْياءَ عَمِلْناها فَدَخَلْنا الجَنَّةَ، قالُوا: كُنّا نَأْمُرُكم بِها ونُخالِفُ إلى غَيْرِها.
البقرة 2:45
﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾: تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ عِنْدَ ذِكْرِ المادَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وأنَّ مِن تِلْكَ المَعانِي الطَّلَبَ، وأنَّ اسْتَعانَ مَعْناهُ طَلَبَ المَعُونَةَ، وظاهِرُ الصَّبْرِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ: الصَّوْمُ، والصَّوْمُ: صَبْرٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الطَّعامِ، وسُمِّيَ رَمَضانُ شَهْرَ الصَّبْرِ.
والصَّلاةُ: هي المَفْرُوضَةُ مَعَ ما يَتْبَعُها مِنَ السُّنَنِ والنَّوافِلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الصَّلاةُ الدُّعاءُ وقَدْ أضْمَرُوا لِلصَّبْرِ صِلَةً تُقَيِّدُهُ، فَقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُهُ نُفُوسُكم مِنَ الطّاعَةِ والعَمَلِ، أوْ عَلى أداءِ الفَرائِضِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَنِ المَعاصِي، أوْ عَلى تَرْكِ الرِّياسَةِ، أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ الشَّهَواتِ، أوْ عَلى حَوائِجِكم إلى اللَّهِ، أوْ عَلى الصَّلاةِ. ولَمّا قُدِّرَ هَذا التَّقْدِيرُ، أعْنِي بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ، تَوَهَّمَ بَعْضُ مَن تَكَلَّمَ عَلى القُرْآنِ، أنَّ الواوَ الَّتِي في الصَّلاةِ هُنا بِمَعْنى عَلى، وإنَّما يُرِيدُ قائِلُ هَذا أنَّهم أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى عَلى، ويَكُونُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] وأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآخِرَةِ ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا، أوْ لِما فِيها مِن تَمْحِيصِ الذُّنُوبِ وتَرْقِيقِ القُلُوبِ، أوْ لِما فِيها مِن إزالَةِ الهُمُومِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» . وقَدْ رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ قُثَمٌ أخُوهُ، فَقامَ يُصَلِّي، وتَلا: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أوْ لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرُوها، وقُدِّمَ الصَّبْرُ عَلى الصَّلاةِ، قِيلَ: لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّبْرِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِعانَةَ بِهِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ تَكالِيفٍ عَظِيمَةٍ شاقٍّ فِراقُها عَلى مَن ألِفَها واعْتادَها مِن ذِكْرِ ما نَسُوهُ والإيفاءِ بِما أخْلَفُوهُ والإيمانِ بِكِتابٍ مُتَجَدِّدٍ وتَرْكِ أخْذِهِمُ الرِّشا عَلى آياتِ اللَّهِ وتَرْكِهِمْ إلْباسَ الحَقِّ بِالباطِلِ وكَتْمِ الحَقِّ الَّذِي لَهم بِذَلِكَ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعُ لِعَوامِّهِمْ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وهَذِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، فَكانَتِ البَداءَةُ بِالصَّبْرِ لِذَلِكَ، ولَمّا كانَ عَمُودُ الإسْلامِ هو الصَّلاةَ، وبِها يَتَمَيَّزُ المُسْلِمُ مِنَ المُشْرِكِ، أتْبَعَ الصَّبْرَ بِها؛ (p-١٨٥)إذْ يَحْصُلُ بِها الِاشْتِغالُ عَنِ الدُّنْيا، وبِالتِّلاوَةِ فِيها الوُقُوفُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ اللَّهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والمَواعِظِ والآدابِ، ومَصِيرُ الخَلْقِ إلى دارِ الجَزاءِ، فَيَرْغَبُ المُشْتَغِلُ بِها في الآخِرَةِ، ويَرْغَبُ عَنِ الدُّنْيا. وناهِيكَ مِن عِبادَةٍ تَتَكَرَّرُ عَلى الإنْسانِ في اليَوْمِ واللَّيْلِ خَمْسَ مَرّاتٍ، يُناجِي فِيها رَبَّهُ ويَسْتَغْفِرُ ذَنْبَهُ، وبِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَظْهَرُ الحِكْمَةُ في أنْ أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ويَبْعُدُ دَعْوى مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُهُ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ يَقَعُ بَعْدُ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ لِغَيْرِ مُوجِبٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ نَظْمِ الفَصاحَةِ.
﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الصَّلاةِ. هَذا ظاهِرُ الكَلامِ، وهو القاعِدَةُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ لا يَعُودُ عَلى غَيْرِ الأقْرَبِ إلّا بِدَلِيلٍ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الِاسْتِعانَةِ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: (واسْتَعِينُوا)، فَيَكُونُ مِثْلَ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، أيْ العَدْلُ أقْرَبُ، قالَهُ البَجَلِيُّ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى إجابَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ مِمّا كانَ يَدْعُو إلَيْهِ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: عَلى العِبادَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِالمَعْنى ذِكْرُ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ إلَيْها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي أُمِرَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ ونُهُوا عَنْها، مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى (واسْتَعِينُوا) . وقِيلَ: المَعْنى عَلى التَّثْنِيَةِ، واكْتَفى بِعَوْدِهِ عَلى أحَدِهِما، فَكَأنَّهُ قالَ: (وإنَّهُما) كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] في بَعْضِ التَّأْوِيلاتِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إنْ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ فِيما يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، وأظْهَرُها ما بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا، قالَ مُؤَرِّجٌ في عَوْدِ الضَّمِيرِ: لِأنَّ الصَّلاةَ أهَمُّ وأغْلَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَيْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ انْصَرَفُوا في الجُمُعَةِ إلى التِّجارَةِ أهَمُّ وأغْلَبُ مِن مَيْلِهِمْ إلى اللَّهْوِ، فَلِذَلِكَ كانَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْها، ولَيْسَ يَعْنِي أنَّ الضَّمِيرَيْنِ سَواءٌ في العَوْدِ؛ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ يُخالِفُ العَطْفَ بَأوْ، فالأصْلُ في العَطْفِ بِالواوِ مُطابَقَةُ الضَّمِيرِ لِما قَبْلَهُ في تَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، وأمّا العَطْفُ بَأوْ فَلا يَعُودُ الضَّمِيرُ فِيهِ إلّا عَلى أحَدِ ما سَبَقَ، ومَعْنى كِبَرِ الصَّلاةِ: ثِقَلُها وصُعُوبَتُها عَلى مَن يَفْعَلُها مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، أيْ شَقَّ ذَلِكَ وثَقُلَ.
﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ إلّا عَلى الخاشِعِينَ، وهُمُ المُتَواضِعُونَ المُسْتَكِينُونَ، وإنَّما لَمْ تَشُقَّ عَلى الخاشِعِينَ؛ لِأنَّها مُنْطَوِيَةٌ عَلى أوْصافٍ هم مُتَحَلُّونَ بِها لِخُشُوعِهِمْ مِنَ القِيامِ لِلَّهِ والرُّكُوعِ لَهُ والسُّجُودِ لَهُ والرَّجاءِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ، فَلَمّا كانَ مَآلُ أعْمالِهِمْ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، سَهُلَ عَلَيْهِمْ ما صَعُبَ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والمُرائِينَ بِأعْمالِهِمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لَها نَفْعًا، ويَجُوزُ في (الَّذِينَ) الإتْباعُ والقَطْعُ إلى الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ، وذَلِكَ صِفَةُ مَدْحٍ، فالقَطْعُ أوْلى بِها، و(يَظُنُّونَ) مَعْناهُ: يُوقِنُونَ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ لِأنَّ مَن وُصِفَ بِالخُشُوعِ لا يَشُكُّ أنَّهُ مُلاقٍ رَبَّهُ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ. وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْبانُ، فَيُحْتاجُ إلى مُصَحِّحٍ لِهَذا المَعْنى، وهو ما قَدَّرُوهُ مِنَ الحَذْفِ، وهو بِذُنُوبِهِمْ فَكَأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ مُذْنِبِينَ، والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ومِثْلُهُ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها. وقالَ دُرَيْدُ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سُراتُهم في السّائِرِيِّ المُسْرَدِ
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَدْ يُوقَعُ الظَّنُّ مَوْقِعَ اليَقِينِ في الأُمُورِ المُتَحَقِّقَةِ، لَكِنَّهُ لا يُوقَعُ فِيما قَدْ خَرَجَ إلى الحِسِّ.
(p-١٨٦)لا تَقُولُ العَرَبُ في رَجُلٍ مَرْئِيٍّ حاضِرٍ: أظُنُّ هَذا إنْسانًا، وإنَّما نَجِدُ الِاسْتِعْمالَ فِيما لَمْ يَخْرُجْ إلى الحِسِّ. انْتَهى.
والظَّنُّ في كِلا اسْتِعْمالَيْهِ مِنَ اليَقِينِ، أوِ الشَّكِّ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وتَأْتِي بَعْدَ الظَّنِّ (أنْ) النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ و(أنَّ) النّاصِبَةُ لِلِاسْمِ الرّافِعَةُ لِلْخَبَرِ؛ فَتَقُولُ: ظَنَنْتُ أنْ تَقُومَ، وظَنَنْتُ أنَّكَ تَقُومُ، وفي تَوْجِيهِ ذَلِكَ خِلافٌ، مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ (أنْ وإنَّ) كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وذَلِكَ بِجَرَيانِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في هَذا التَّرْكِيبِ. ومَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ وأبِي العَبّاسِ: أنَّ (أنَّ) وما عَمِلَتْ فِيهِ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ أوَّلٍ، والثّانِي مُقَدَّرٌ، فَإذا قُلْتَ: ظَنَنْتُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، فَتَقْدِيرُهُ: ظَنَنْتُ قِيامَ زَيْدٍ كائِنًا أوْ واقِعًا، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾، المُلاقاةُ: مُفاعَلَةٌ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ مَن لاقاكَ فَقَدْ لاقَيْتَهُ، وقالَ الَمَهْدَوِيُّ والماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُما: المُلاقاةُ هُنا، وإنْ كانَتْ صِيغَتُها تَقْتَضِي التَّشْرِيكَ، فَهي مِنَ الواحِدِ كَقَوْلِهِمْ: طارَقْتُ النَّعْلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وعافاكَ اللَّهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَقِيَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى لاقى، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ فَعَلَ خِلافٌ في المَعْنى لِفاعَلَ. انْتَهى كَلامُهُ ويَحْتاجُ إلى شَرْحٍ، وذَلِكَ أنَّهُ ضَعَّفَهُ مِن حَيْثُ إنَّ مادَّةَ لَقِيَ تُضَمَّنُ مَعْنى المُلاقاةِ، بِمَعْنى أنَّ وضْعَ هَذا الفِعْلِ، سَواءٌ كانَ مُجَرَّدًا أوْ عَلى فاعِلٍ، مَعْناهُ واحِدٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَن لَقِيَكَ فَقَدْ لَقِيتَهُ، فَهو لِخُصُوصِ مادَّةٍ يَقْتَضِي المُشارَكَةِ، ويَسْتَحِيلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِواحِدٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فاعَلَ يَكُونُ لِمُوافَقَةِ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهَذا أحَدُ مَعانِي فاعَلَ، وهو أنْ يُوافِقَ الفِعْلَ المُجَرَّدَ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها كَلامٌ صَحِيحٌ، أيْ لَيْسَتِ الأفْعالُ مُجَرَّدُها بِمَعْنى فاعَلَ، بَلْ فاعَلَ فِيها يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَ خِلافُ فاعَلَ يَعْنِي بَلِ المُجَرَّدُ فِيها يَدُلُّ عَلى الِانْفِرادِ، وهو خِلافُ فاعَلَ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ، فَضُعِّفَ بِأنْ يَكُونَ فاعَلَ مِنَ اللِّقاءِ مِن بابِ: عاقَبْتُ اللِّصَّ، حَيْثُ إنَّ مادَّةَ اللِّقاءِ تَقْتَضِي الِاشْتِراكَ، سَواءٌ كانَ بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ أوْ بِصِيغَةِ فاعَلَ، وهَذِهِ الإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لِأنَّها إضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى اسْمِ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ، أوْ الِاسْتِقْبالِ بِالنِّسْبَةِ إلى إعْمالِهِ في المَفْعُولِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّبَّ عَلى أيِّ مَحامِلِهِ حَمَلْتَهُ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى الإحْسانِ لِمَن يَرُبُّهُ وتَعَطُّفٌ بَيِّنٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ لَفْظِ الرَّبِّ، وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى مُلاقاةِ رَبِّهِمْ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ حَذْفٍ ولا كِنايَةٍ بِأنَّ اللِّقاءَ هو رُؤْيَةُ البارِي تَعالى، ولا لِقاءَ أعْظَمَ ولا أشْرَفَ مِنها، وقَدْ جاءَتْ بِها السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ، وإلى اعْتِقادِها ذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: جَزاءُ رَبِّهِمْ؛ لِأنَّ المُلاقاةَ بِالذَّواتِ مُسْتَحِيلَةٌ في غَيْرِ الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ انْقِضاءِ أجْلِهِمْ كَما يُقالُ لِمَن ماتَ قَدْ لَقِيَ اللَّهَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎غَدًا نَلْقى الأحِبَّهْ ∗∗∗ مُحَمَّدًا وصَحْبَهْ
وكَنى بِالمُلاقاةِ عَنِ المَوْتِ؛ لِأنَّ مُلاقاةَ اللَّهِ مُتَسَبِّبٌ عَنِ المَوْتِ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ، والمُرادُ مِنهُ السَّبَبُ، وذَلِكَ أنَّ مَن كانَ يَظُنُّ المَوْتَ في كُلِّ لَحْظَةٍ لا يُفارِقُ قَلْبَهُ الخُشُوعُ، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أخَصَّ مِنَ الجَزاءِ، وهو الثَّوابُ، أيْ ثَوابُ رَبِّهِمْ، فَعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ الظَّنُّ عَلى بابِهِ مِن كَوْنِهِ يُرادُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وعَلى تَقْدِيرِ الجَزاءِ أوْ كَوْنِ المُلاقاةِ يُرادُ بِها انْقِضاءُ الأجَلِ، يَكُونُ الظَّنُّ يُرادُ بِهِ التَّيَقُّنُ، وقَدْ نازَعَتِ المُعْتَزِلَةُ في كَوْنِ لَفْظِ اللِّقاءِ لا يُرادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ ولا يُفِيدُها، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ؟ ويَتَناوَلُ الكافِرَ والمُؤْمِنَ ؟ وفي الحَدِيثِ: ”لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُتَكَلَّمُ عَلَيْها في أُصُولِ الدِّينِ.
﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ (p-١٨٧)فِي (إلَيْهِ) عَلى مَن يَعُودُ، فَظاهِرُ الكَلامِ والتَّرْكِيبِ الفَصِيحِ أنَّهُ يَعُودُ إلى الرَّبِّ، وأنَّ المَعْنى: وأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، وهو أقْرَبُ مَلْفُوظٍ بِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللِّقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مُلاقُو رَبِّهِمْ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَوْتِ. وقِيلَ: عَلى الإعادَةِ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُلاقُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الرُّجُوعِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقِيلَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، وهو أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الرَّبِّ، فَلا يَتَحَقَّقُ الرُّجُوعُ، فَيُحْتاجُ في تَحَقُّقِهِ إلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: إلى أمْرِ رَبِّهِمْ راجِعُونَ، وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالرُّجُوعِ: المَوْتُ. وقِيلَ: راجِعُونَ بِالإعادَةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: راجِعُونَ إلى أنْ لا يَمْلِكَ أحَدُهم ضَرًّا ولا نَفْعًا لِغَيْرِهِ، كَما كانُوا في بَدْءِ الخَلْقِ، وقِيلَ: راجِعُونَ، فَيَجْزِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ دَلالَةٌ لِلْمُجَسِّمَةِ والتَّناسُخِيَّةِ عَلى كَوْنِ الأرْواحِ قَدِيمَةً، وإنَّما كانَتْ مَوْجُودَةً في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، قالُوا: لِأنَّ الرُّجُوعَ إلى الشَّيْءِ المَسْبُوقِ بِالكَوْنِ عِنْدَهُ.
البقرة 2:46
﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾: تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ عِنْدَ ذِكْرِ المادَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وأنَّ مِن تِلْكَ المَعانِي الطَّلَبَ، وأنَّ اسْتَعانَ مَعْناهُ طَلَبَ المَعُونَةَ، وظاهِرُ الصَّبْرِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ: الصَّوْمُ، والصَّوْمُ: صَبْرٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الطَّعامِ، وسُمِّيَ رَمَضانُ شَهْرَ الصَّبْرِ.
والصَّلاةُ: هي المَفْرُوضَةُ مَعَ ما يَتْبَعُها مِنَ السُّنَنِ والنَّوافِلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الصَّلاةُ الدُّعاءُ وقَدْ أضْمَرُوا لِلصَّبْرِ صِلَةً تُقَيِّدُهُ، فَقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُهُ نُفُوسُكم مِنَ الطّاعَةِ والعَمَلِ، أوْ عَلى أداءِ الفَرائِضِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَنِ المَعاصِي، أوْ عَلى تَرْكِ الرِّياسَةِ، أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ الشَّهَواتِ، أوْ عَلى حَوائِجِكم إلى اللَّهِ، أوْ عَلى الصَّلاةِ. ولَمّا قُدِّرَ هَذا التَّقْدِيرُ، أعْنِي بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ، تَوَهَّمَ بَعْضُ مَن تَكَلَّمَ عَلى القُرْآنِ، أنَّ الواوَ الَّتِي في الصَّلاةِ هُنا بِمَعْنى عَلى، وإنَّما يُرِيدُ قائِلُ هَذا أنَّهم أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى عَلى، ويَكُونُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] وأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآخِرَةِ ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا، أوْ لِما فِيها مِن تَمْحِيصِ الذُّنُوبِ وتَرْقِيقِ القُلُوبِ، أوْ لِما فِيها مِن إزالَةِ الهُمُومِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» . وقَدْ رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ قُثَمٌ أخُوهُ، فَقامَ يُصَلِّي، وتَلا: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أوْ لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرُوها، وقُدِّمَ الصَّبْرُ عَلى الصَّلاةِ، قِيلَ: لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّبْرِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِعانَةَ بِهِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ تَكالِيفٍ عَظِيمَةٍ شاقٍّ فِراقُها عَلى مَن ألِفَها واعْتادَها مِن ذِكْرِ ما نَسُوهُ والإيفاءِ بِما أخْلَفُوهُ والإيمانِ بِكِتابٍ مُتَجَدِّدٍ وتَرْكِ أخْذِهِمُ الرِّشا عَلى آياتِ اللَّهِ وتَرْكِهِمْ إلْباسَ الحَقِّ بِالباطِلِ وكَتْمِ الحَقِّ الَّذِي لَهم بِذَلِكَ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعُ لِعَوامِّهِمْ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وهَذِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، فَكانَتِ البَداءَةُ بِالصَّبْرِ لِذَلِكَ، ولَمّا كانَ عَمُودُ الإسْلامِ هو الصَّلاةَ، وبِها يَتَمَيَّزُ المُسْلِمُ مِنَ المُشْرِكِ، أتْبَعَ الصَّبْرَ بِها؛ (p-١٨٥)إذْ يَحْصُلُ بِها الِاشْتِغالُ عَنِ الدُّنْيا، وبِالتِّلاوَةِ فِيها الوُقُوفُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ اللَّهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والمَواعِظِ والآدابِ، ومَصِيرُ الخَلْقِ إلى دارِ الجَزاءِ، فَيَرْغَبُ المُشْتَغِلُ بِها في الآخِرَةِ، ويَرْغَبُ عَنِ الدُّنْيا. وناهِيكَ مِن عِبادَةٍ تَتَكَرَّرُ عَلى الإنْسانِ في اليَوْمِ واللَّيْلِ خَمْسَ مَرّاتٍ، يُناجِي فِيها رَبَّهُ ويَسْتَغْفِرُ ذَنْبَهُ، وبِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَظْهَرُ الحِكْمَةُ في أنْ أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ويَبْعُدُ دَعْوى مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُهُ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ يَقَعُ بَعْدُ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ لِغَيْرِ مُوجِبٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ نَظْمِ الفَصاحَةِ.
﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الصَّلاةِ. هَذا ظاهِرُ الكَلامِ، وهو القاعِدَةُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ لا يَعُودُ عَلى غَيْرِ الأقْرَبِ إلّا بِدَلِيلٍ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الِاسْتِعانَةِ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: (واسْتَعِينُوا)، فَيَكُونُ مِثْلَ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، أيْ العَدْلُ أقْرَبُ، قالَهُ البَجَلِيُّ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى إجابَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ مِمّا كانَ يَدْعُو إلَيْهِ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: عَلى العِبادَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِالمَعْنى ذِكْرُ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ إلَيْها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي أُمِرَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ ونُهُوا عَنْها، مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى (واسْتَعِينُوا) . وقِيلَ: المَعْنى عَلى التَّثْنِيَةِ، واكْتَفى بِعَوْدِهِ عَلى أحَدِهِما، فَكَأنَّهُ قالَ: (وإنَّهُما) كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] في بَعْضِ التَّأْوِيلاتِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إنْ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ فِيما يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، وأظْهَرُها ما بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا، قالَ مُؤَرِّجٌ في عَوْدِ الضَّمِيرِ: لِأنَّ الصَّلاةَ أهَمُّ وأغْلَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَيْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ انْصَرَفُوا في الجُمُعَةِ إلى التِّجارَةِ أهَمُّ وأغْلَبُ مِن مَيْلِهِمْ إلى اللَّهْوِ، فَلِذَلِكَ كانَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْها، ولَيْسَ يَعْنِي أنَّ الضَّمِيرَيْنِ سَواءٌ في العَوْدِ؛ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ يُخالِفُ العَطْفَ بَأوْ، فالأصْلُ في العَطْفِ بِالواوِ مُطابَقَةُ الضَّمِيرِ لِما قَبْلَهُ في تَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ، وأمّا العَطْفُ بَأوْ فَلا يَعُودُ الضَّمِيرُ فِيهِ إلّا عَلى أحَدِ ما سَبَقَ، ومَعْنى كِبَرِ الصَّلاةِ: ثِقَلُها وصُعُوبَتُها عَلى مَن يَفْعَلُها مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، أيْ شَقَّ ذَلِكَ وثَقُلَ.
﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ إلّا عَلى الخاشِعِينَ، وهُمُ المُتَواضِعُونَ المُسْتَكِينُونَ، وإنَّما لَمْ تَشُقَّ عَلى الخاشِعِينَ؛ لِأنَّها مُنْطَوِيَةٌ عَلى أوْصافٍ هم مُتَحَلُّونَ بِها لِخُشُوعِهِمْ مِنَ القِيامِ لِلَّهِ والرُّكُوعِ لَهُ والسُّجُودِ لَهُ والرَّجاءِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ، فَلَمّا كانَ مَآلُ أعْمالِهِمْ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، سَهُلَ عَلَيْهِمْ ما صَعُبَ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والمُرائِينَ بِأعْمالِهِمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لَها نَفْعًا، ويَجُوزُ في (الَّذِينَ) الإتْباعُ والقَطْعُ إلى الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ، وذَلِكَ صِفَةُ مَدْحٍ، فالقَطْعُ أوْلى بِها، و(يَظُنُّونَ) مَعْناهُ: يُوقِنُونَ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ لِأنَّ مَن وُصِفَ بِالخُشُوعِ لا يَشُكُّ أنَّهُ مُلاقٍ رَبَّهُ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ. وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْبانُ، فَيُحْتاجُ إلى مُصَحِّحٍ لِهَذا المَعْنى، وهو ما قَدَّرُوهُ مِنَ الحَذْفِ، وهو بِذُنُوبِهِمْ فَكَأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ مُذْنِبِينَ، والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ومِثْلُهُ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها. وقالَ دُرَيْدُ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سُراتُهم في السّائِرِيِّ المُسْرَدِ
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَدْ يُوقَعُ الظَّنُّ مَوْقِعَ اليَقِينِ في الأُمُورِ المُتَحَقِّقَةِ، لَكِنَّهُ لا يُوقَعُ فِيما قَدْ خَرَجَ إلى الحِسِّ.
(p-١٨٦)لا تَقُولُ العَرَبُ في رَجُلٍ مَرْئِيٍّ حاضِرٍ: أظُنُّ هَذا إنْسانًا، وإنَّما نَجِدُ الِاسْتِعْمالَ فِيما لَمْ يَخْرُجْ إلى الحِسِّ. انْتَهى.
والظَّنُّ في كِلا اسْتِعْمالَيْهِ مِنَ اليَقِينِ، أوِ الشَّكِّ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وتَأْتِي بَعْدَ الظَّنِّ (أنْ) النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ و(أنَّ) النّاصِبَةُ لِلِاسْمِ الرّافِعَةُ لِلْخَبَرِ؛ فَتَقُولُ: ظَنَنْتُ أنْ تَقُومَ، وظَنَنْتُ أنَّكَ تَقُومُ، وفي تَوْجِيهِ ذَلِكَ خِلافٌ، مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ (أنْ وإنَّ) كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وذَلِكَ بِجَرَيانِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في هَذا التَّرْكِيبِ. ومَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ وأبِي العَبّاسِ: أنَّ (أنَّ) وما عَمِلَتْ فِيهِ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ أوَّلٍ، والثّانِي مُقَدَّرٌ، فَإذا قُلْتَ: ظَنَنْتُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، فَتَقْدِيرُهُ: ظَنَنْتُ قِيامَ زَيْدٍ كائِنًا أوْ واقِعًا، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾، المُلاقاةُ: مُفاعَلَةٌ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ مَن لاقاكَ فَقَدْ لاقَيْتَهُ، وقالَ الَمَهْدَوِيُّ والماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُما: المُلاقاةُ هُنا، وإنْ كانَتْ صِيغَتُها تَقْتَضِي التَّشْرِيكَ، فَهي مِنَ الواحِدِ كَقَوْلِهِمْ: طارَقْتُ النَّعْلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وعافاكَ اللَّهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَقِيَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى لاقى، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ فَعَلَ خِلافٌ في المَعْنى لِفاعَلَ. انْتَهى كَلامُهُ ويَحْتاجُ إلى شَرْحٍ، وذَلِكَ أنَّهُ ضَعَّفَهُ مِن حَيْثُ إنَّ مادَّةَ لَقِيَ تُضَمَّنُ مَعْنى المُلاقاةِ، بِمَعْنى أنَّ وضْعَ هَذا الفِعْلِ، سَواءٌ كانَ مُجَرَّدًا أوْ عَلى فاعِلٍ، مَعْناهُ واحِدٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَن لَقِيَكَ فَقَدْ لَقِيتَهُ، فَهو لِخُصُوصِ مادَّةٍ يَقْتَضِي المُشارَكَةِ، ويَسْتَحِيلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِواحِدٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فاعَلَ يَكُونُ لِمُوافَقَةِ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهَذا أحَدُ مَعانِي فاعَلَ، وهو أنْ يُوافِقَ الفِعْلَ المُجَرَّدَ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها كَلامٌ صَحِيحٌ، أيْ لَيْسَتِ الأفْعالُ مُجَرَّدُها بِمَعْنى فاعَلَ، بَلْ فاعَلَ فِيها يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَ خِلافُ فاعَلَ يَعْنِي بَلِ المُجَرَّدُ فِيها يَدُلُّ عَلى الِانْفِرادِ، وهو خِلافُ فاعَلَ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ، فَضُعِّفَ بِأنْ يَكُونَ فاعَلَ مِنَ اللِّقاءِ مِن بابِ: عاقَبْتُ اللِّصَّ، حَيْثُ إنَّ مادَّةَ اللِّقاءِ تَقْتَضِي الِاشْتِراكَ، سَواءٌ كانَ بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ أوْ بِصِيغَةِ فاعَلَ، وهَذِهِ الإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لِأنَّها إضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى اسْمِ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ، أوْ الِاسْتِقْبالِ بِالنِّسْبَةِ إلى إعْمالِهِ في المَفْعُولِ. وإضافَتُهُ إلَيْهِ وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ في غايَةٍ مِنَ الفَصاحَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّبَّ عَلى أيِّ مَحامِلِهِ حَمَلْتَهُ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى الإحْسانِ لِمَن يَرُبُّهُ وتَعَطُّفٌ بَيِّنٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ لَفْظِ الرَّبِّ، وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى مُلاقاةِ رَبِّهِمْ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ حَذْفٍ ولا كِنايَةٍ بِأنَّ اللِّقاءَ هو رُؤْيَةُ البارِي تَعالى، ولا لِقاءَ أعْظَمَ ولا أشْرَفَ مِنها، وقَدْ جاءَتْ بِها السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ، وإلى اعْتِقادِها ذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: جَزاءُ رَبِّهِمْ؛ لِأنَّ المُلاقاةَ بِالذَّواتِ مُسْتَحِيلَةٌ في غَيْرِ الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ انْقِضاءِ أجْلِهِمْ كَما يُقالُ لِمَن ماتَ قَدْ لَقِيَ اللَّهَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎غَدًا نَلْقى الأحِبَّهْ ∗∗∗ مُحَمَّدًا وصَحْبَهْ
وكَنى بِالمُلاقاةِ عَنِ المَوْتِ؛ لِأنَّ مُلاقاةَ اللَّهِ مُتَسَبِّبٌ عَنِ المَوْتِ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ، والمُرادُ مِنهُ السَّبَبُ، وذَلِكَ أنَّ مَن كانَ يَظُنُّ المَوْتَ في كُلِّ لَحْظَةٍ لا يُفارِقُ قَلْبَهُ الخُشُوعُ، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أخَصَّ مِنَ الجَزاءِ، وهو الثَّوابُ، أيْ ثَوابُ رَبِّهِمْ، فَعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ الظَّنُّ عَلى بابِهِ مِن كَوْنِهِ يُرادُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وعَلى تَقْدِيرِ الجَزاءِ أوْ كَوْنِ المُلاقاةِ يُرادُ بِها انْقِضاءُ الأجَلِ، يَكُونُ الظَّنُّ يُرادُ بِهِ التَّيَقُّنُ، وقَدْ نازَعَتِ المُعْتَزِلَةُ في كَوْنِ لَفْظِ اللِّقاءِ لا يُرادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ ولا يُفِيدُها، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ؟ ويَتَناوَلُ الكافِرَ والمُؤْمِنَ ؟ وفي الحَدِيثِ: ”لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ومَسْألَةُ الرُّؤْيَةِ يُتَكَلَّمُ عَلَيْها في أُصُولِ الدِّينِ.
﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ (p-١٨٧)فِي (إلَيْهِ) عَلى مَن يَعُودُ، فَظاهِرُ الكَلامِ والتَّرْكِيبِ الفَصِيحِ أنَّهُ يَعُودُ إلى الرَّبِّ، وأنَّ المَعْنى: وأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، وهو أقْرَبُ مَلْفُوظٍ بِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللِّقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مُلاقُو رَبِّهِمْ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَوْتِ. وقِيلَ: عَلى الإعادَةِ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُلاقُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الرُّجُوعِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقِيلَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، وهو أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الرَّبِّ، فَلا يَتَحَقَّقُ الرُّجُوعُ، فَيُحْتاجُ في تَحَقُّقِهِ إلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: إلى أمْرِ رَبِّهِمْ راجِعُونَ، وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالرُّجُوعِ: المَوْتُ. وقِيلَ: راجِعُونَ بِالإعادَةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: راجِعُونَ إلى أنْ لا يَمْلِكَ أحَدُهم ضَرًّا ولا نَفْعًا لِغَيْرِهِ، كَما كانُوا في بَدْءِ الخَلْقِ، وقِيلَ: راجِعُونَ، فَيَجْزِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ دَلالَةٌ لِلْمُجَسِّمَةِ والتَّناسُخِيَّةِ عَلى كَوْنِ الأرْواحِ قَدِيمَةً، وإنَّما كانَتْ مَوْجُودَةً في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، قالُوا: لِأنَّ الرُّجُوعَ إلى الشَّيْءِ المَسْبُوقِ بِالكَوْنِ عِنْدَهُ.
البقرة 2:47
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] .
الفَضْلُ: الزِّيادَةُ، واسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، وفِعْلُهُ فَعَلَ يَفْعُلُ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وهو (عَلى) ثُمَّ بِحَذْفِ (عَلى) عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ:
؎وجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فَقِيمًا كَفَضْلِ ابْنِ المَخاضِ عَلى الفَصِيلِ
وأمّا في الفَضْلَةِ مِنَ الشَّيْءِ، وهي البَقِيَّةُ، فَيُقالُ: فَضَلَ يَفْضُلُ، كالَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَضِلَ يَفْضَلُ، نَحْوَ: سَمِعَ يَسْمَعُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، بِكَسْرِها مِنَ الماضِي، وضَمِّها مِنَ المُضارِعِ، وقَدْ أُولِعَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِإجازَةِ فَتْحِ ضادِ فَضَلْتُ في البَيْتِ وكَسْرِها، والصَّوابُ الفَتْحُ.
الجَزاءُ: القَضاءُ عَنِ المُفَضَّلِ والمُكافَأةُ، قالَ الرّاجِزُ:
؎يَجْزِيِهِ رَبُّ العَرْشِ عَنِّي إذْ جَزى ∗∗∗ جَنّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلا
والإجْزاءُ: الإغْناءُ.
قَبُولُ الشَّيْءِ: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، والفِعْلُ قَبِلَ يَقْبَلُ، والقِبَلُ: ما واجَهَكَ، قالَ القُطامِيُّ:
؎فَقُلْتُ لِلرَّكْبِ لَمّا أنْ عَلا بِهِمُ ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِ الحُبَيّا نَظْرَةٌ قَبَلُ
الشَّفاعَةُ: ضَمُّ غَيْرِهِ إلى وسِيلَتِهِ، والشُّفْعَةُ: ضَمُّ المِلْكِ، الشَّفْعُ: الزَّوْجُ، والشَّفاعَةُ مِنهُ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ والمَشْفُوعَ لَهُ: شَفْعٌ، وقالَ الأحْوَصُ:
؎كانَ مَن لامَنِي لِأصْرِمَها ∗∗∗ كانُوا لِلَيْلى بِلَوْمِهِمْ شَفَعُوا
وناقَةٌ شَفُوعٌ: خَلْفُها ولَدٌ، وقِيلَ: خَلْفُها ولَدٌ وفي بَطْنِها ولَدٌ، الأخْذُ: ضِدُّ التَّرْكِ، والأخْذُ: القَبْضُ والإمْساكُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، وتُحْذَفُ فاؤُهُ في الأمْرِ مِنهُ بِغَيْرِ لامٍ، وقَلَّ الإتْمامُ. العَدْلُ: الفِداءُ، والعَدْلُ: ما يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدَرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ: المُساوِي في الجِنْسِ والجِرْمِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، وواحِدُ الأعْدالِ بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، والعَدْلُ: المَقْبُولُ القَوْلِ مِنَ النّاسِ، وحُكِيَ فِيهِ أيْضًا كَسْرُ العَيْنِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: العَدْلُ: الكَفِيلُ والرَّشْوَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَقْبَلُ الصَّرْفَ فِيها نَهابُ العَدْلا
النَّصْرُ: العَوْنُ، أرْضٌ مَنصُورَةٌ: مَمْدُودَةٌ بِالمَطَرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيَّ بِنَصْرِهِ ∗∗∗ وأمْسَكَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلُّ قاتِلِ
وقالَ الآخَرُ:
؎إذا ودَّعَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي ∗∗∗ بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ
والنَّصْرُ: العَطاءُ، والِانْتِصارُ: الِانْتِقامُ. النَّجاةُ: التَّنْجِيَةُ مِنَ الهَلَكَةِ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيها، والأصْلُ: الإلْقاءُ (p-١٨٨)بِنَجْوَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألَمْ تَرَ لِلنُّعْمانِ كانَ بِنَجْوَةٍ ∗∗∗ مِنَ الشَّرِّ لَوْ أنَّ امْرَأً كانَ ناجِيا
الآلُ: قِيلَ بِمَعْنى الأهْلِ، وزُعِمَ أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وأنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مَن يَئُولُ مِن قَرابَةٍ أوْ ولِيٍّ أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، ولِذَلِكَ قالَ يُونُسُ في تَصْغِيرِهِ: أُوَيْلٌ، ونَقَلَهُ الكِسائِيُّ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ في بابِ البَدَلِ أنَّ الهاءَ تُبْدَلُ هَمْزَةً، كَما ذَكَرَ أنَّ الهَمْزَةَ تُبْدَلُ هاءً في: هَرَقْتُ، وهَيا، وهَرَحْتُ، وهِيّاكَ. وقَدْ خَصُّوا (آلَ) بِالإضافَةِ إلى العَلَمِ ذِي الخَطَرِ مِمَّنْ يُعْلَمُ غالِبًا، فَلا يُقالُ: آلُ الإسْكافِ والحَجّامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎نَحْنُ آلُ اللَّهِ في بَلْدَتِنا ∗∗∗ لَمْ نَزَلْ آلًا عَلى عَهْدِ إرَمَ
قالَ الأخْفَشُ: لا يُضافُ (آلُ) إلّا إلى الرَّئِيسِ الأعْظَمِ، نَحْوَ: آلِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وآلِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ رَئِيسُهم في الضَّلالَةِ، قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ سُمِعَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ في البُلْدانِ فَقالُوا: آلُ المَدِينَةِ، وآلُ البَصْرَةِ، وقالَ الكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: فُلانٌ مِن آلِ البَصْرَةِ، ولا مِن آلِ الكُوفَةِ، بَلْ يُقالُ: مِن أهْلِ البَصْرَةِ، ومِن أهْلِ الكُوفَةِ. انْتَهى قَوْلُهُ، وقَدْ سُمِعَ إضافَتُهُ إلى اسْمِ الجِنْسِ وإلى الضَّمِيرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِيبِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكَ
وقالَ هُدْبَةُ:
؎أنا الفارِسُ الحامِي حَقِيقَةَ والِدِي ∗∗∗ وآلِي كَما تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكا
وقَدِ اخْتُلِفَ في اقْتِباسِ جَوازِ إضافَتِهِ إلى المُضْمَرِ، فَمَنَعَ مِن ذَلِكَ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، وأبُو بَكْرٍ الزَّبِيدِيُّ، وأجازَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وجُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ رَفْعًا وبِالياءِ والنُّونِ جَرًّا ونَصْبًا، كَما جُمِعَ أهْلُ فَقالُوا: آلُونَ، والآلُ: السَّرابُ، يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، قالُوا: أأْوالٌ، والآلُ: عَمُودُ الخَيْمَةِ، والآلُ: الشَّخْصُ، والآلَةُ: الحالَةُ الشَّدِيدَةُ.
فِرْعَوْنُ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ. سامَهُ: كَلَّفَهُ العَمَلَ الشّاقَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا ما المَلِكُ سامَ النّاسَ خَسْفًا ∗∗∗ أبَيْنا أنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِينا
وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعَلِّمُونَكم مِنَ السِّيماءِ، وهي العَلامَةُ، ومِنهُ: تَسْوِيمُ الخَيْلِ، وقِيلَ: يُطالِبُونَكم مِن مُساوَمَةِ البَيْعِ، وقِيلَ: يُرْسِلُونَ عَلَيْكم مِن إرْسالِ الإبِلِ لِلرَّعْيِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُوَلُّونَكم، يُقالُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، أيْ أوْلاهُ إيّاها. السُّوءُ: مَصْدَرُ أساءَ، يُقالُ: ساءَ يَسُوءُ، وهو مُتَعَدٍّ، وأساءَ الرَّجُلُ: أيْ صارَ ذا سُوءٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتِنِي بِمَساءَةٍ ∗∗∗ قَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكِ
ومَعْنى ساءَهُ: أحْزَنَهُ، هَذا أصْلُهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُسْتَقْبَحُ، ويُقالُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسُوءِ الفِعْلِ: يُرادُ قُبْحُهُما. الذَّبْحُ: أصْلُهُ الشِّقُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ بَيْنَ فَكِّها والفَكِّ ∗∗∗ فَأْرَةُ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في سَكِّ
وقالَ:
؎كَأنَّما الصّابُ في عَيْنَيْكَ مَذْبُوحُ
والذَّبْحَةُ: داءٌ في الحَلْقِ، يُقالُ مِنهُ: ذَبَحَهُ يَذْبَحُهُ ذَبْحًا، والذِّبْحُ: المَذْبُوحُ. الِاسْتِحْياءُ هُنا الإبْقاءُ حَيًّا، واسْتَفْعَلَ فِيهِ بِمَعْنى أفْعَلَ. اسْتَحْياهُ وأحْياهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أبَلَّ واسْتَبَلَّ، أوْ طَلَبَ الحَياءَ، وهو الفَرْجُ، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، نَحْوَ: اسْتَغْفَرَ، أيْ تَطَلَّبَ الغُفْرانَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اسْتَحْيا مِنَ الحَياءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] النِّساءُ: اسْمٌ يَقَعُ (p-١٨٩)لِلصِّغارِ والكِبارِ، وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِنِسْوَةٍ، ونِسْوَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، وهو جَمْعُ قِلَّةٍ، خِلافًا لِابْنِ السَّرّاجِ، إذْ زَعَمَ أنَّ فِعْلَةً اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ مِن لَفْظِهِ، والواحِدَةُ: امْرَأةٌ.
البَلاءُ: الِاخْتِبارُ، بَلاهَ يَبْلُوهُ بَلاءً: اخْتَبَرَهُ، ثُمَّ صارَ يُطْلَقُ عَلى المَكْرُوهِ والشِّدَّةِ، يُقالُ: أصابَ فُلانًا بَلاءٌ: أيْ شِدَّةٌ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى البِلى، كَأنَّ المُبْتَلى يَئُولُ حالُهُ إلى البِلى، وهو الهَلاكُ والفَناءُ، ويُقالُ: أبْلاهُ بِالنِّعْمَةِ، وبَلاهُ بِالشِّدَّةِ، وقَدْ يَدْخُلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ فَيُقالُ: بَلاهُ بِالخَيْرِ، وأبْلاهُ بِالشَّرِّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم ∗∗∗ فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
فاسْتَعْمَلَهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، ويُبْنى مِنهُ افْتُعِلَ فَيُقالُ: ابْتُلِيَ.
* *
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ هَذا، وأُعِيدَ نِداؤُهم ثانِيًا عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ، ولِيُنَبَّهُوا لِسَماعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وتَفْصِيلِها نِعْمَةً نِعْمَةً، فالنِّداءُ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى طاعَةِ المُنْعِمِ، والنِّداءُ الثّانِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى شُكْرِ النِّعَمِ. (وأنِّي فَضَّلْتُكم): ثُمَّ عُطِفَ التَّفْضِيلُ عَلى النِّعْمَةِ، وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ انْدَرَجَ تَحْتَها التَّفْضِيلُ المَذْكُورُ، وهو ما انْفَرَدَتْ بِهِ الواوُ دُونَ سائِرِ حُرُوفِ العَطْفِ، وكانَ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ الثَّقَفِيُّ يَذْكُرُ لَنا هَذا النَّحْوَ مِنَ العَطْفِ، وأنَّهُ يُسَمّى بِالتَّجْرِيدِ، كَأنَّهُ جُرِّدَ مِنَ الجُمْلَةِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا ولَبانُهُ إذا ما اشْتَكى وقْعَ القَناةِ تَحَمْحَما
دَعْلَجٌ: هُنا اسْمُ فُرْسٍ، ولَبانُهُ: صَدْرُهُ، ولِأبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّي كَلامٌ في ذَلِكَ يَكْشِفُ مِن سِرِّ الصِّناعَةِ لَهُ. (عَلى العالَمِينَ): أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، أوْ عَلى كُلِّ العالَمِينَ، بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وجَعَلَهم مُلُوكًا وآتاهم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وذَلِكَ خاصَّةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ؛ فَيَكُونُ عامًّا والنِّعْمَةُ مَخْصُوصَةٌ، قالُوا: ويَدْفَعُ هَذا القَوْلَ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، أوْ عَلى الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ النّاسِ، يُقالُ: رَأيْتُ عالَمًا مِنَ النّاسِ، يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ التَّفْضِيلُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ مَن قالَ بِالعُمُومِ خَصَّ النِّعْمَةَ، ولا يَلْزَمُ التَّفْضِيلُ عَلى كُلِّ عالَمٍ بِشَيْءٍ خاصٍّ التَّفْضِيلَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ومَن قالَ بِالخُصُوصِ فَوَجْهُ عَدَمِ التَّفْضِيلِ مُطْلَقًا ظاهِرٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أشْهَدَ بَنِي إسْرائِيلَ فَضْلَ أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، وأشْهَدَ المُسْلِمِينَ فَضْلَ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فَشَتّانَ بَيْنَ مَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ رَبِّهِ، ومَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ نَفْسِهِ، فالأوَّلُ يَقْتَضِي الثَّناءَ، والثّانِي يَقْتَضِي الإعْجابَ. انْتَهى، وآخِرُهُ مُلَخَّصٌ مِن كَلامِهِ.
(واتَّقُوا يَوْمًا) أمْرٌ بِالِاتِّقاءِ، وكَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِذِكْرِ النِّعَمِ وتَفْضِيلِهِمْ ناسَبَ أنَّ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ وفُضِّلَ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِلتَّقْوى. فَأُمِرُوا بِالإدامَةِ عَلى التَّقْوى، أوْ بِتَحْصِيلِ التَّقْوى، إنْ عَرَضَ لَهم خَلَلٌ. وانْتِصابٌ (يَوْمًا) إمّا عَلى الظَّرْفِ والمُتَّقى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا العَذابَ يَوْمًا، وإمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عَذابَ يَوْمٍ، أوْ هَوْلَ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: جِيئُوا مُتَّقِينَ، وكَأنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْحَظْ مُتَعَلِّقَ الِاتِّقاءِ، فَإذْ ذاكَ يَنْتَصِبُ (يَوْمًا) عَلى الظَّرْفِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: العَوامُّ خَوَّفَهم بِعَذابِهِ، فَقالَ: (واتَّقُوا يَوْمًا)، (واتَّقُوا النّارَ) . والخَواصُّ خَوَّفَهم بِصِفاتِهِ، فَقالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] . الآيَةَ، وخَواصُّ الخَواصِّ خَوَّفَهم بِنَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقَرَأ ابْنُ السَّمّاكِ العَدَوِيُّ: (لا تَجْزِي) مِن أجْزَأ، أيْ أغْنى، وقِيلَ جَزا وأجْزَأ، بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْيَوْمِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا تَجْزِي فِيهِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ بِالفِعْلِ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ، فَيَكُونُ الحَذْفُ بِتَدْرِيجٍ أوْ عَدّاهُ إلى الضَّمِيرِ أوَّلًا اتِّساعًا، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ، وإيّاهُ نَخْتارُ، قالَ الَمَهْدَوِيُّ: (p-١٩٠)والوَجْهانِ، يَعْنِي تَقْدِيرَهُ: لا تَجْزِي فِيهِ ولا تَجْزِيهِ جائِزانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ والزَّجّاجِ. وقالَ الكِسائِيُّ: لا يَكُونُ المَحْذُوفُ إلّا لَها، قالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: هَذا رَجُلٌ قَصَدْتُ، ولا رَأيْتُ رَجُلًا أرْغَبُ، وأنْتَ تُرِيدُ قَصَدْتُ إلَيْهِ وأرْغَبُ فِيهِ. انْتَهى. وحَذْفُ الضَّمِيرِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً جائِزٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎فَما أدْرِي أغَيْرُهم تَناءَ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا
يُرِيدُ: أصابُوهُ، وما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن تَعْيِينِ الرَّبْطِ أنَّهُ فِيهِ أوِ الضَّمِيرُ هو الظّاهِرُ، وقَدْ يَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ثَمَّ رابِطٌ، ولا تَكُونَ الجُمْلَةُ صِفَةً، بَلْ مُضافٌ إلَيْها (يَوْمَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: واتَّقُوا يَوْمًا يَوْمَ لا تَجْزِي، فَحُذِفَ (يَوْمُ) لِدَلالَةِ (يَوْمًا) عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَحْذُوفُ في الإضافَةِ نَظِيرُ المَلْفُوظِ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، ونَظِيرُ (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) لا تَحْتاجُ الجُمْلَةُ إلى ضَمِيرٍ، ويَكُونُ إعْرابُ ذَلِكَ المَحْذُوفِ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها ∗∗∗ بِسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ
فِي رِوايَةِ مَن خَفَضَ التَّقْدِيرُ: أعْظُمِ طَلْحَةَ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: يُعْجِبُنِي الإكْرامُ عِنْدَكَ سَعْدٌ، بِنِيَّةِ: يُعْجِبُنِي الإكْرامُ إكْرامُ سَعْدٍ، وحَكى الكِسائِيُّ عَنِ العَرَبِ: أطْعَمُونا لَحْمًا سَمِينًا شاةً ذَبَحُوها، أيْ لَحْمَ شاةٍ. وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: أما واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ العِلْمَ الكَبِيرَةَ سِنُّهُ، الدَّقِيقَ عَظْمُهُ، عَلى تَقْدِيرِ: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الكَبِيرَةِ سِنُّهُ، فَحُذِفَ الثّانِي اعْتِمادًا عَلى الأوَّلِ، ولَمْ يُجِزِ البَصْرِيُّونَ ما أجازَهُ الكُوفِيُّونَ مِن حَذْفِ المُضافِ وتَرْكِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى خَفْضِهِ في: يُعْجِبُنِي القِيامُ زَيْدٍ، ولا يَبْعُدُ تَرْجِيحُ حَذْفِ (يَوْمَ) لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ بِهَذا المَسْمُوعِ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ. ويُحَسِّنُ هَذا التَّخْرِيجَ كَوْنُ المُضافِ إلَيْهِ جُمْلَةً، فَلا يَظْهَرُ فِيها إعْرابٌ، فَيَتَنافَرُ مَعَ إعْرابِ ما قَبْلَهُ، فَإذا جازَ ذَلِكَ في نَثْرِهِمْ مَعَ التَّنافُرِ، فَلَأنْ يَجُوزَ مَعَ عَدَمِ التَّنافُرِ أوْلى، ولَمْ أرَ أحَدًا مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ خَرَّجُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ هَذا التَّخْرِيجَ، بَلْ هم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الرّابِطِ أيْضًا مِنَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ عَلى (لا تَجْزِي) أيْ ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ فِيهِ، ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ فِيهِ، ولا هم يُنْصَرُونَ فِيهِ، وعَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ هَذِهِ الرَّوابِطِ.
﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ كِلاهُما نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، ومَعْنى التَّنْكِيرِ: أنَّ نَفْسًا مِنَ الأنْفُسِ لا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ إقْناطٌ كُلِّيٌّ قاطِعٌ مِنَ المَطامِعِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِهِ في أنْ لا شَفاعَةَ. وقالَ بَعْضُهم: التَّقْدِيرُ عَنْ نَفْسٍ كافِرَةٍ، فَقَيَّدَها بِالكُفْرِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّفْسَ تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وذَلِكَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ . وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: لا تَجْزِي نَسَمَةٌ عَنْ نَسَمَةٍ.
وانْتِصابُ (شَيْئًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ لا يَقْضِي شَيْئًا، أيْ حَقًّا مِنَ الحُقُوقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: ولا تَجْزِي شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى القِلَّةِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ.
﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (ولا تُقْبَلُ) بِالتّاءِ، وهو القِياسُ والأكْثَرُ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَهو أيْضًا جائِزٌ فَصِيحٌ لِمَجازِ التَّأْنِيثِ، وحَسَّنَهُ أيْضًا الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ. وقَرَأ سُفْيانُ: (ولا يَقْبَلُ) بِفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ (شَفاعَةً) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وفي ذَلِكَ التِفاتٌ وخُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي) و(أنِّي فَضَّلْتُكم)، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ لِأنَّهُ في اللَّفْظِ أعَمُّ، وإنْ كانَ يُعْلَمُ أنَّ الَّذِي لا يَقْبَلُ هو اللَّهُ تَعالى، والضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى (نَفْسٍ) المُتَأخِّرَةِ لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ لا يَقْبَلُ مِنَ النَّفْسِ المُسْتَشْفِعَةِ شَفاعَةَ شافِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى (نَفْسٍ) الأُولى، أيْ ولا يَقْبَلُ مِنَ النَّفْسِ الَّتِي لا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا شَفاعَةً، (p-١٩١)هِيَ بِصَدَدِ أنْ لَوْ شَفَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنها، وقَدْ يَظْهَرُ تَرْجِيحُ عَوْدِها إلى النَّفْسِ الأُولى؛ لِأنَّها هي المُحَدَّثُ عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ والنَّفْسُ الثّانِيَةُ هي مَذْكُورَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلَةِ لا العُمْدَةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ نَفْيُ القَبُولِ ووُجُودِ الشَّفاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
نَفى القَبُولَ والمَقْصُودُ نَفْيُ الشَّفاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا شَفاعَةَ فَتُقْبَلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في فَهْمِ هَذا عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْنًى خاصٍّ، والمُرادُ: الَّذِينَ قالُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ، فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وأُويِسُوا مِنهُ لِكُفْرِهِمْ، وعَلى هَذا تَكُونُ النَّفْسُ الأوْلى مُؤْمِنَةً، والثّانِيَةُ كافِرَةً، والكافِرُ لا تَنْفَعُهُ شَفاعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] . الثّانِي: مَعْناهُ لا يَجِدُونَ شَفِيعًا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ؛ لِعَجْزِ المَشْفُوعِ فِيهِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. الثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُجِيبُ الشّافِعُ المَشْفُوعَ فِيهِ إلى الشَّفاعَةِ، وإنْ كانَ لَوْ شَفَعَ لَشُفِّعَ. الرّابِعُ: مَعْناهُ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ في الشَّفاعَةِ لِلْكُفّارِ، ولا بُدَّ مِن إذَنٍ مِنَ اللَّهِ بِتَقَدُّمِ الشّافِعِ بِالشَّفاعَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣]، ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . الخامِسُ: مَعْناهُ لَيْسَ لَها شَفاعَةٌ، فَيَكُونُ لَها قَبُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا القَوْلُ. السّادِسُ: أنَّهُ نَفْيٌ عامٌّ، أيْ لا يُقْبَلُ في غَيْرِها، لا مُؤْمِنَةً ولا كافِرَةً، في مُؤْمِنَةٍ ولا كافِرَةٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وأجْمَعُ أهْلُ السُّنَّةِ أنَّ شَفاعَةَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ تُقْبَلُ في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، قالُوا: الكَبِيرَةُ تُخَلِّدُ صاحِبَها في النّارِ، وأنْكَرُوا الشَّفاعَةَ، وهم عَلى ضَرْبَيْنِ: طائِفَةٌ أنْكَرَتِ الشَّفاعَةَ إنْكارًا كُلِّيًّا وقالُوا: لا تُقْبَلُ شَفاعَةُ أحَدٍ في أحَدٍ، واسْتَدَلُّوا بِظَواهِرِ آياتٍ، وخَصَّ تِلْكَ الظَّواهِرَ أصْحابُنا بِالكُفّارِ لِثُبُوتِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في الشَّفاعَةِ.
وطائِفَةٌ أنْكَرَتِ الشَّفاعَةَ في أهْلِ الكَبائِرِ، قالُوا: وإنَّما تُقْبَلُ في الصَّغائِرِ، وقالَ في المُنْتَخَبِ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، شَفاعَةً في الآخِرَةِ، واخْتَلَفُوا لِمَن تَكُونُ، فَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّها لِلْمُسْتَحِقِّينَ الثَّوابَ، وتَأْثِيرُها في أنْ تُحَصِّلَ زِيادَةً مِنَ المَنافِعِ عَلى قَدْرِ ما اسْتَحَقُّوهُ، وقالَ أصْحابُنا: تَأْثِيرُها في إسْقاطِ العَذابِ عَنِ المُسْتَحِقِّينَ، إمّا بِأنْ لا يَدْخُلُوا النّارَ، وإمّا في أنْ يَخْرُجُوا مِنها بَعْدَ دُخُولِها ويَدْخُلُوا الجَنَّةَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّها لَيْسَتْ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِن سِتِّ أوْراقٍ في الِاسْتِدْلالِ لِلطّائِفَتَيْنِ ورَدِّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، يُوقَفُ عَلَيْها في ذَلِكَ الكِتابِ.
﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ العَدْلُ: الفِدْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ، وسُمِّيتْ عَدْلًا لِأنَّ المُفْدى يُعْدَلُ بِها: أيْ يُساوِيها، أوِ البَدَلُ: أيْ رَجُلٌ مَكانَ رَجُلٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ حَسَنَةٌ مَعَ الشِّرْكِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: أتى بِالضَّمِيرِ مَجْمُوعًا عَلى مَعْنى نَفْسٍ؛ لِأنَّها نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وأتى بِهِ مُذَكَّرًا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالنُّفُوسِ الأشْخاصُ كَقَوْلِهِمْ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، وجُعِلَ حَرْفُ النَّفْيِ مُنْسَحِبًا عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ؛ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ، فَيَتَأكَّدُ ذِكْرُ المَنفِيِّ عَنْهُ النَّصْرُ بِذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ، وحَسَّنَ الحَمْلَ عَلى المَعْنى كَوْنُ ذَلِكَ في آخِرِ فاصِلَةٍ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّناسُبُ في الفَواصِلِ، بِخِلافِ أنْ لَوْ جاءَ ولا تُنْصَرُ، إذْ كانَ يَفُوتُ التَّناسُبُ. ويَحْتَمِلُ رَفْعُ هَذا الضَّمِيرِ وجْهَيْنِ مِنَ الإعْرابِ، أحَدُهُما وهو المُتَبادِرُ إلى أذْهانِ المُعْرِبِينَ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ. والوَجْهُ الثّانِي: وهو أغْمَضُ الوَجْهَيْنِ وأغْرَبُهُما أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، يُفَسِّرُ فِعْلَهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وذَلِكَ أنَّ (لا) هي مِنَ الأدَواتِ الَّتِي هي أوْلى بِالفِعْلِ، كَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. فَكَما يَجُوزُ في: أزْيَدٌ قائِمٌ، وأزْيَدٌ يَضْرِبُ، الرَّفْعُ عَلى الِاشْتِغالِ، فَكَذَلِكَ هَذا، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ تَقَدَّمَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً.
والحُكْمُ في بابِ الِاشْتِغالِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ وعُطِف (p-١٩٢)عَلَيْها بِشَرْطِ العَطْفِ المَذْكُورِ في ذَلِكَ البابِ، فالأفْصَحُ الحَمْلُ عَلى الفِعْلِ، ويَجُوزُ الِابْتِداءُ كَما ذَكَرْنا أوَّلًا، ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى (نَفْسٍ) الثّانِيَةِ بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، إذْ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى (نَفْسٍ) الأُولى لَكانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، كَقَوْلِهِ: (لا تَجْزِي) . ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (ولا هم) عائِدًا عَلى النَّفْسَيْنِ مَعًا، قالَ: لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ. قالُوا: وفي مَعْنى النَّصْرِ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ لا يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. الثّانِي: لا يَجِدُونَ ناصِرًا يَنْصُرُهم ولا شافِعًا يَشْفَعُ لَهم. الثّالِثُ: لا يُعاوَنُونَ عَلى خَلاصِهِمْ وفِكاكِهِمْ مِن مُوبِقاتِ أعْمالِهِمْ. وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى، وجاءَ النَّفْيُ لِهَذِهِ الجُمَلِ هُنا بِـ (لا) المُسْتَعْمَلَةِ لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ في الأكْثَرِ، وكَذَلِكَ هَذِهِ الأشْياءُ الأرْبَعَةُ هي مُسْتَقْبَلَةٌ؛ لِأنَّ هَذا اليَوْمَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في غايَةِ الفَصاحَةِ، وهي عَلى حَسَبِ الواقِعِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ المَأْخُوذَ بِحَقٍّ، إمّا أنْ يُؤَدّى عَنْهُ الحَقُّ فَيَخْلُصُ، أوْ لا يُقْضى عَنْهُ فَيُشْفَعُ فِيهِ، أوْ لا يُشْفَعُ فِيهِ فَيُفْدى، أوْ لا يُفْدى فَيُتَعاوَنُ بِالإخْوانِ عَلى تَخْلِيصِهِ.
فَهَذِهِ مَراتِبٌ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا. فَلِهَذا، واللَّهُ أعْلَمُ، جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً في الذِّكْرِ هَكَذا، ولَمّا كانَ الأمْرُ مُخْتَلِفًا عِنْدَ النّاسِ في الشَّفاعَةِ والفِدْيَةِ، فَمَن يَغْلُبُ عَلَيْهِ حُبُّ الرِّياسَةِ قَدَّمَ الشَّفاعَةَ عَلى الفِدْيَةِ، ومَن يَغْلُبُ عَلَيْهِ حُبُّ المالِ قَدَّمَ الفِدْيَةَ عَلى الشَّفاعَةِ، جاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ هُنا مُقَدَّمًا فِيها الشَّفاعَةُ، وجاءَتِ الفِدْيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الشَّفاعَةِ في جُمْلَةٍ أُخْرى، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ الأمْرَيْنِ، وبُدِئَ هُنا بِالشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِعُلُوِّ النَّفْسِ، وجاءَ هُنا بِلَفْظِ القَبُولِ، وهُناكَ بِلَفْظِ النَّفْعِ، إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ أصْلِ الشَّيْءَ، وانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وبُدِئَ هُنا بِالقَبُولِ؛ لِأنَّهُ أصْلٌ لِلشَّيْءِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ، فَأعْطى المُتَقَدِّمَ ذِكْرَ المُتَقَدَّمِ وُجُودًا، وأخَّرَ هُناكَ النَّفْعَ إعْطاءً لِلْمُتَأخِّرِ ذِكْرَ المُتَأخَّرِ وُجُودًا.
البقرة 2:48
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] .
الفَضْلُ: الزِّيادَةُ، واسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، وفِعْلُهُ فَعَلَ يَفْعُلُ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وهو (عَلى) ثُمَّ بِحَذْفِ (عَلى) عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ:
؎وجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فَقِيمًا كَفَضْلِ ابْنِ المَخاضِ عَلى الفَصِيلِ
وأمّا في الفَضْلَةِ مِنَ الشَّيْءِ، وهي البَقِيَّةُ، فَيُقالُ: فَضَلَ يَفْضُلُ، كالَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَضِلَ يَفْضَلُ، نَحْوَ: سَمِعَ يَسْمَعُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، بِكَسْرِها مِنَ الماضِي، وضَمِّها مِنَ المُضارِعِ، وقَدْ أُولِعَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِإجازَةِ فَتْحِ ضادِ فَضَلْتُ في البَيْتِ وكَسْرِها، والصَّوابُ الفَتْحُ.
الجَزاءُ: القَضاءُ عَنِ المُفَضَّلِ والمُكافَأةُ، قالَ الرّاجِزُ:
؎يَجْزِيِهِ رَبُّ العَرْشِ عَنِّي إذْ جَزى ∗∗∗ جَنّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلا
والإجْزاءُ: الإغْناءُ.
قَبُولُ الشَّيْءِ: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، والفِعْلُ قَبِلَ يَقْبَلُ، والقِبَلُ: ما واجَهَكَ، قالَ القُطامِيُّ:
؎فَقُلْتُ لِلرَّكْبِ لَمّا أنْ عَلا بِهِمُ ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِ الحُبَيّا نَظْرَةٌ قَبَلُ
الشَّفاعَةُ: ضَمُّ غَيْرِهِ إلى وسِيلَتِهِ، والشُّفْعَةُ: ضَمُّ المِلْكِ، الشَّفْعُ: الزَّوْجُ، والشَّفاعَةُ مِنهُ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ والمَشْفُوعَ لَهُ: شَفْعٌ، وقالَ الأحْوَصُ:
؎كانَ مَن لامَنِي لِأصْرِمَها ∗∗∗ كانُوا لِلَيْلى بِلَوْمِهِمْ شَفَعُوا
وناقَةٌ شَفُوعٌ: خَلْفُها ولَدٌ، وقِيلَ: خَلْفُها ولَدٌ وفي بَطْنِها ولَدٌ، الأخْذُ: ضِدُّ التَّرْكِ، والأخْذُ: القَبْضُ والإمْساكُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، وتُحْذَفُ فاؤُهُ في الأمْرِ مِنهُ بِغَيْرِ لامٍ، وقَلَّ الإتْمامُ. العَدْلُ: الفِداءُ، والعَدْلُ: ما يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدَرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ: المُساوِي في الجِنْسِ والجِرْمِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، وواحِدُ الأعْدالِ بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، والعَدْلُ: المَقْبُولُ القَوْلِ مِنَ النّاسِ، وحُكِيَ فِيهِ أيْضًا كَسْرُ العَيْنِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: العَدْلُ: الكَفِيلُ والرَّشْوَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَقْبَلُ الصَّرْفَ فِيها نَهابُ العَدْلا
النَّصْرُ: العَوْنُ، أرْضٌ مَنصُورَةٌ: مَمْدُودَةٌ بِالمَطَرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيَّ بِنَصْرِهِ ∗∗∗ وأمْسَكَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلُّ قاتِلِ
وقالَ الآخَرُ:
؎إذا ودَّعَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي ∗∗∗ بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ
والنَّصْرُ: العَطاءُ، والِانْتِصارُ: الِانْتِقامُ. النَّجاةُ: التَّنْجِيَةُ مِنَ الهَلَكَةِ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيها، والأصْلُ: الإلْقاءُ (p-١٨٨)بِنَجْوَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألَمْ تَرَ لِلنُّعْمانِ كانَ بِنَجْوَةٍ ∗∗∗ مِنَ الشَّرِّ لَوْ أنَّ امْرَأً كانَ ناجِيا
الآلُ: قِيلَ بِمَعْنى الأهْلِ، وزُعِمَ أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وأنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مَن يَئُولُ مِن قَرابَةٍ أوْ ولِيٍّ أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، ولِذَلِكَ قالَ يُونُسُ في تَصْغِيرِهِ: أُوَيْلٌ، ونَقَلَهُ الكِسائِيُّ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ في بابِ البَدَلِ أنَّ الهاءَ تُبْدَلُ هَمْزَةً، كَما ذَكَرَ أنَّ الهَمْزَةَ تُبْدَلُ هاءً في: هَرَقْتُ، وهَيا، وهَرَحْتُ، وهِيّاكَ. وقَدْ خَصُّوا (آلَ) بِالإضافَةِ إلى العَلَمِ ذِي الخَطَرِ مِمَّنْ يُعْلَمُ غالِبًا، فَلا يُقالُ: آلُ الإسْكافِ والحَجّامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎نَحْنُ آلُ اللَّهِ في بَلْدَتِنا ∗∗∗ لَمْ نَزَلْ آلًا عَلى عَهْدِ إرَمَ
قالَ الأخْفَشُ: لا يُضافُ (آلُ) إلّا إلى الرَّئِيسِ الأعْظَمِ، نَحْوَ: آلِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وآلِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ رَئِيسُهم في الضَّلالَةِ، قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ سُمِعَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ في البُلْدانِ فَقالُوا: آلُ المَدِينَةِ، وآلُ البَصْرَةِ، وقالَ الكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: فُلانٌ مِن آلِ البَصْرَةِ، ولا مِن آلِ الكُوفَةِ، بَلْ يُقالُ: مِن أهْلِ البَصْرَةِ، ومِن أهْلِ الكُوفَةِ. انْتَهى قَوْلُهُ، وقَدْ سُمِعَ إضافَتُهُ إلى اسْمِ الجِنْسِ وإلى الضَّمِيرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِيبِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكَ
وقالَ هُدْبَةُ:
؎أنا الفارِسُ الحامِي حَقِيقَةَ والِدِي ∗∗∗ وآلِي كَما تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكا
وقَدِ اخْتُلِفَ في اقْتِباسِ جَوازِ إضافَتِهِ إلى المُضْمَرِ، فَمَنَعَ مِن ذَلِكَ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، وأبُو بَكْرٍ الزَّبِيدِيُّ، وأجازَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وجُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ رَفْعًا وبِالياءِ والنُّونِ جَرًّا ونَصْبًا، كَما جُمِعَ أهْلُ فَقالُوا: آلُونَ، والآلُ: السَّرابُ، يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، قالُوا: أأْوالٌ، والآلُ: عَمُودُ الخَيْمَةِ، والآلُ: الشَّخْصُ، والآلَةُ: الحالَةُ الشَّدِيدَةُ.
فِرْعَوْنُ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ. سامَهُ: كَلَّفَهُ العَمَلَ الشّاقَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا ما المَلِكُ سامَ النّاسَ خَسْفًا ∗∗∗ أبَيْنا أنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِينا
وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعَلِّمُونَكم مِنَ السِّيماءِ، وهي العَلامَةُ، ومِنهُ: تَسْوِيمُ الخَيْلِ، وقِيلَ: يُطالِبُونَكم مِن مُساوَمَةِ البَيْعِ، وقِيلَ: يُرْسِلُونَ عَلَيْكم مِن إرْسالِ الإبِلِ لِلرَّعْيِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُوَلُّونَكم، يُقالُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، أيْ أوْلاهُ إيّاها. السُّوءُ: مَصْدَرُ أساءَ، يُقالُ: ساءَ يَسُوءُ، وهو مُتَعَدٍّ، وأساءَ الرَّجُلُ: أيْ صارَ ذا سُوءٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتِنِي بِمَساءَةٍ ∗∗∗ قَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكِ
ومَعْنى ساءَهُ: أحْزَنَهُ، هَذا أصْلُهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُسْتَقْبَحُ، ويُقالُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسُوءِ الفِعْلِ: يُرادُ قُبْحُهُما. الذَّبْحُ: أصْلُهُ الشِّقُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ بَيْنَ فَكِّها والفَكِّ ∗∗∗ فَأْرَةُ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في سَكِّ
وقالَ:
؎كَأنَّما الصّابُ في عَيْنَيْكَ مَذْبُوحُ
والذَّبْحَةُ: داءٌ في الحَلْقِ، يُقالُ مِنهُ: ذَبَحَهُ يَذْبَحُهُ ذَبْحًا، والذِّبْحُ: المَذْبُوحُ. الِاسْتِحْياءُ هُنا الإبْقاءُ حَيًّا، واسْتَفْعَلَ فِيهِ بِمَعْنى أفْعَلَ. اسْتَحْياهُ وأحْياهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: أبَلَّ واسْتَبَلَّ، أوْ طَلَبَ الحَياءَ، وهو الفَرْجُ، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، نَحْوَ: اسْتَغْفَرَ، أيْ تَطَلَّبَ الغُفْرانَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اسْتَحْيا مِنَ الحَياءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] النِّساءُ: اسْمٌ يَقَعُ (p-١٨٩)لِلصِّغارِ والكِبارِ، وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِنِسْوَةٍ، ونِسْوَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، وهو جَمْعُ قِلَّةٍ، خِلافًا لِابْنِ السَّرّاجِ، إذْ زَعَمَ أنَّ فِعْلَةً اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ مِن لَفْظِهِ، والواحِدَةُ: امْرَأةٌ.
البَلاءُ: الِاخْتِبارُ، بَلاهَ يَبْلُوهُ بَلاءً: اخْتَبَرَهُ، ثُمَّ صارَ يُطْلَقُ عَلى المَكْرُوهِ والشِّدَّةِ، يُقالُ: أصابَ فُلانًا بَلاءٌ: أيْ شِدَّةٌ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى البِلى، كَأنَّ المُبْتَلى يَئُولُ حالُهُ إلى البِلى، وهو الهَلاكُ والفَناءُ، ويُقالُ: أبْلاهُ بِالنِّعْمَةِ، وبَلاهُ بِالشِّدَّةِ، وقَدْ يَدْخُلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ فَيُقالُ: بَلاهُ بِالخَيْرِ، وأبْلاهُ بِالشَّرِّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم ∗∗∗ فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
فاسْتَعْمَلَهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، ويُبْنى مِنهُ افْتُعِلَ فَيُقالُ: ابْتُلِيَ.
* *
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ هَذا، وأُعِيدَ نِداؤُهم ثانِيًا عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ، ولِيُنَبَّهُوا لِسَماعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وتَفْصِيلِها نِعْمَةً نِعْمَةً، فالنِّداءُ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى طاعَةِ المُنْعِمِ، والنِّداءُ الثّانِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى شُكْرِ النِّعَمِ. (وأنِّي فَضَّلْتُكم): ثُمَّ عُطِفَ التَّفْضِيلُ عَلى النِّعْمَةِ، وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ انْدَرَجَ تَحْتَها التَّفْضِيلُ المَذْكُورُ، وهو ما انْفَرَدَتْ بِهِ الواوُ دُونَ سائِرِ حُرُوفِ العَطْفِ، وكانَ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ الثَّقَفِيُّ يَذْكُرُ لَنا هَذا النَّحْوَ مِنَ العَطْفِ، وأنَّهُ يُسَمّى بِالتَّجْرِيدِ، كَأنَّهُ جُرِّدَ مِنَ الجُمْلَةِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا ولَبانُهُ إذا ما اشْتَكى وقْعَ القَناةِ تَحَمْحَما
دَعْلَجٌ: هُنا اسْمُ فُرْسٍ، ولَبانُهُ: صَدْرُهُ، ولِأبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّي كَلامٌ في ذَلِكَ يَكْشِفُ مِن سِرِّ الصِّناعَةِ لَهُ. (عَلى العالَمِينَ): أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، أوْ عَلى كُلِّ العالَمِينَ، بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، وجَعَلَهم مُلُوكًا وآتاهم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وذَلِكَ خاصَّةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ؛ فَيَكُونُ عامًّا والنِّعْمَةُ مَخْصُوصَةٌ، قالُوا: ويَدْفَعُ هَذا القَوْلَ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، أوْ عَلى الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ النّاسِ، يُقالُ: رَأيْتُ عالَمًا مِنَ النّاسِ، يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ التَّفْضِيلُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ مَن قالَ بِالعُمُومِ خَصَّ النِّعْمَةَ، ولا يَلْزَمُ التَّفْضِيلُ عَلى كُلِّ عالَمٍ بِشَيْءٍ خاصٍّ التَّفْضِيلَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ومَن قالَ بِالخُصُوصِ فَوَجْهُ عَدَمِ التَّفْضِيلِ مُطْلَقًا ظاهِرٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أشْهَدَ بَنِي إسْرائِيلَ فَضْلَ أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، وأشْهَدَ المُسْلِمِينَ فَضْلَ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فَشَتّانَ بَيْنَ مَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ رَبِّهِ، ومَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ نَفْسِهِ، فالأوَّلُ يَقْتَضِي الثَّناءَ، والثّانِي يَقْتَضِي الإعْجابَ. انْتَهى، وآخِرُهُ مُلَخَّصٌ مِن كَلامِهِ.
(واتَّقُوا يَوْمًا) أمْرٌ بِالِاتِّقاءِ، وكَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِذِكْرِ النِّعَمِ وتَفْضِيلِهِمْ ناسَبَ أنَّ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ وفُضِّلَ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِلتَّقْوى. فَأُمِرُوا بِالإدامَةِ عَلى التَّقْوى، أوْ بِتَحْصِيلِ التَّقْوى، إنْ عَرَضَ لَهم خَلَلٌ. وانْتِصابٌ (يَوْمًا) إمّا عَلى الظَّرْفِ والمُتَّقى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا العَذابَ يَوْمًا، وإمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عَذابَ يَوْمٍ، أوْ هَوْلَ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: جِيئُوا مُتَّقِينَ، وكَأنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْحَظْ مُتَعَلِّقَ الِاتِّقاءِ، فَإذْ ذاكَ يَنْتَصِبُ (يَوْمًا) عَلى الظَّرْفِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: العَوامُّ خَوَّفَهم بِعَذابِهِ، فَقالَ: (واتَّقُوا يَوْمًا)، (واتَّقُوا النّارَ) . والخَواصُّ خَوَّفَهم بِصِفاتِهِ، فَقالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] . الآيَةَ، وخَواصُّ الخَواصِّ خَوَّفَهم بِنَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقَرَأ ابْنُ السَّمّاكِ العَدَوِيُّ: (لا تَجْزِي) مِن أجْزَأ، أيْ أغْنى، وقِيلَ جَزا وأجْزَأ، بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْيَوْمِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا تَجْزِي فِيهِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ بِالفِعْلِ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ، فَيَكُونُ الحَذْفُ بِتَدْرِيجٍ أوْ عَدّاهُ إلى الضَّمِيرِ أوَّلًا اتِّساعًا، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ، وإيّاهُ نَخْتارُ، قالَ الَمَهْدَوِيُّ: (p-١٩٠)والوَجْهانِ، يَعْنِي تَقْدِيرَهُ: لا تَجْزِي فِيهِ ولا تَجْزِيهِ جائِزانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ والزَّجّاجِ. وقالَ الكِسائِيُّ: لا يَكُونُ المَحْذُوفُ إلّا لَها، قالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: هَذا رَجُلٌ قَصَدْتُ، ولا رَأيْتُ رَجُلًا أرْغَبُ، وأنْتَ تُرِيدُ قَصَدْتُ إلَيْهِ وأرْغَبُ فِيهِ. انْتَهى. وحَذْفُ الضَّمِيرِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً جائِزٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎فَما أدْرِي أغَيْرُهم تَناءَ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا
يُرِيدُ: أصابُوهُ، وما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن تَعْيِينِ الرَّبْطِ أنَّهُ فِيهِ أوِ الضَّمِيرُ هو الظّاهِرُ، وقَدْ يَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ثَمَّ رابِطٌ، ولا تَكُونَ الجُمْلَةُ صِفَةً، بَلْ مُضافٌ إلَيْها (يَوْمَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: واتَّقُوا يَوْمًا يَوْمَ لا تَجْزِي، فَحُذِفَ (يَوْمُ) لِدَلالَةِ (يَوْمًا) عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَحْذُوفُ في الإضافَةِ نَظِيرُ المَلْفُوظِ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، ونَظِيرُ (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) لا تَحْتاجُ الجُمْلَةُ إلى ضَمِيرٍ، ويَكُونُ إعْرابُ ذَلِكَ المَحْذُوفِ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها ∗∗∗ بِسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ
فِي رِوايَةِ مَن خَفَضَ التَّقْدِيرُ: أعْظُمِ طَلْحَةَ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: يُعْجِبُنِي الإكْرامُ عِنْدَكَ سَعْدٌ، بِنِيَّةِ: يُعْجِبُنِي الإكْرامُ إكْرامُ سَعْدٍ، وحَكى الكِسائِيُّ عَنِ العَرَبِ: أطْعَمُونا لَحْمًا سَمِينًا شاةً ذَبَحُوها، أيْ لَحْمَ شاةٍ. وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: أما واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ العِلْمَ الكَبِيرَةَ سِنُّهُ، الدَّقِيقَ عَظْمُهُ، عَلى تَقْدِيرِ: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الكَبِيرَةِ سِنُّهُ، فَحُذِفَ الثّانِي اعْتِمادًا عَلى الأوَّلِ، ولَمْ يُجِزِ البَصْرِيُّونَ ما أجازَهُ الكُوفِيُّونَ مِن حَذْفِ المُضافِ وتَرْكِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى خَفْضِهِ في: يُعْجِبُنِي القِيامُ زَيْدٍ، ولا يَبْعُدُ تَرْجِيحُ حَذْفِ (يَوْمَ) لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ بِهَذا المَسْمُوعِ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ. ويُحَسِّنُ هَذا التَّخْرِيجَ كَوْنُ المُضافِ إلَيْهِ جُمْلَةً، فَلا يَظْهَرُ فِيها إعْرابٌ، فَيَتَنافَرُ مَعَ إعْرابِ ما قَبْلَهُ، فَإذا جازَ ذَلِكَ في نَثْرِهِمْ مَعَ التَّنافُرِ، فَلَأنْ يَجُوزَ مَعَ عَدَمِ التَّنافُرِ أوْلى، ولَمْ أرَ أحَدًا مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ خَرَّجُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ هَذا التَّخْرِيجَ، بَلْ هم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الرّابِطِ أيْضًا مِنَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ عَلى (لا تَجْزِي) أيْ ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ فِيهِ، ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ فِيهِ، ولا هم يُنْصَرُونَ فِيهِ، وعَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ هَذِهِ الرَّوابِطِ.
﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ كِلاهُما نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، ومَعْنى التَّنْكِيرِ: أنَّ نَفْسًا مِنَ الأنْفُسِ لا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ إقْناطٌ كُلِّيٌّ قاطِعٌ مِنَ المَطامِعِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِهِ في أنْ لا شَفاعَةَ. وقالَ بَعْضُهم: التَّقْدِيرُ عَنْ نَفْسٍ كافِرَةٍ، فَقَيَّدَها بِالكُفْرِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّفْسَ تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وذَلِكَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ . وقَرَأ أبُو السِّرارِ الغَنَوِيُّ: لا تَجْزِي نَسَمَةٌ عَنْ نَسَمَةٍ.
وانْتِصابُ (شَيْئًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ لا يَقْضِي شَيْئًا، أيْ حَقًّا مِنَ الحُقُوقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: ولا تَجْزِي شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى القِلَّةِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ.
﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (ولا تُقْبَلُ) بِالتّاءِ، وهو القِياسُ والأكْثَرُ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَهو أيْضًا جائِزٌ فَصِيحٌ لِمَجازِ التَّأْنِيثِ، وحَسَّنَهُ أيْضًا الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ. وقَرَأ سُفْيانُ: (ولا يَقْبَلُ) بِفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ (شَفاعَةً) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وفي ذَلِكَ التِفاتٌ وخُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي) و(أنِّي فَضَّلْتُكم)، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ لِأنَّهُ في اللَّفْظِ أعَمُّ، وإنْ كانَ يُعْلَمُ أنَّ الَّذِي لا يَقْبَلُ هو اللَّهُ تَعالى، والضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى (نَفْسٍ) المُتَأخِّرَةِ لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ لا يَقْبَلُ مِنَ النَّفْسِ المُسْتَشْفِعَةِ شَفاعَةَ شافِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى (نَفْسٍ) الأُولى، أيْ ولا يَقْبَلُ مِنَ النَّفْسِ الَّتِي لا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا شَفاعَةً، (p-١٩١)هِيَ بِصَدَدِ أنْ لَوْ شَفَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنها، وقَدْ يَظْهَرُ تَرْجِيحُ عَوْدِها إلى النَّفْسِ الأُولى؛ لِأنَّها هي المُحَدَّثُ عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ والنَّفْسُ الثّانِيَةُ هي مَذْكُورَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلَةِ لا العُمْدَةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ نَفْيُ القَبُولِ ووُجُودِ الشَّفاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
نَفى القَبُولَ والمَقْصُودُ نَفْيُ الشَّفاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا شَفاعَةَ فَتُقْبَلُ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في فَهْمِ هَذا عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْنًى خاصٍّ، والمُرادُ: الَّذِينَ قالُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ، فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وأُويِسُوا مِنهُ لِكُفْرِهِمْ، وعَلى هَذا تَكُونُ النَّفْسُ الأوْلى مُؤْمِنَةً، والثّانِيَةُ كافِرَةً، والكافِرُ لا تَنْفَعُهُ شَفاعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] . الثّانِي: مَعْناهُ لا يَجِدُونَ شَفِيعًا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ؛ لِعَجْزِ المَشْفُوعِ فِيهِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. الثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُجِيبُ الشّافِعُ المَشْفُوعَ فِيهِ إلى الشَّفاعَةِ، وإنْ كانَ لَوْ شَفَعَ لَشُفِّعَ. الرّابِعُ: مَعْناهُ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ في الشَّفاعَةِ لِلْكُفّارِ، ولا بُدَّ مِن إذَنٍ مِنَ اللَّهِ بِتَقَدُّمِ الشّافِعِ بِالشَّفاعَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣]، ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . الخامِسُ: مَعْناهُ لَيْسَ لَها شَفاعَةٌ، فَيَكُونُ لَها قَبُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا القَوْلُ. السّادِسُ: أنَّهُ نَفْيٌ عامٌّ، أيْ لا يُقْبَلُ في غَيْرِها، لا مُؤْمِنَةً ولا كافِرَةً، في مُؤْمِنَةٍ ولا كافِرَةٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وأجْمَعُ أهْلُ السُّنَّةِ أنَّ شَفاعَةَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ تُقْبَلُ في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، قالُوا: الكَبِيرَةُ تُخَلِّدُ صاحِبَها في النّارِ، وأنْكَرُوا الشَّفاعَةَ، وهم عَلى ضَرْبَيْنِ: طائِفَةٌ أنْكَرَتِ الشَّفاعَةَ إنْكارًا كُلِّيًّا وقالُوا: لا تُقْبَلُ شَفاعَةُ أحَدٍ في أحَدٍ، واسْتَدَلُّوا بِظَواهِرِ آياتٍ، وخَصَّ تِلْكَ الظَّواهِرَ أصْحابُنا بِالكُفّارِ لِثُبُوتِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في الشَّفاعَةِ.
وطائِفَةٌ أنْكَرَتِ الشَّفاعَةَ في أهْلِ الكَبائِرِ، قالُوا: وإنَّما تُقْبَلُ في الصَّغائِرِ، وقالَ في المُنْتَخَبِ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، شَفاعَةً في الآخِرَةِ، واخْتَلَفُوا لِمَن تَكُونُ، فَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّها لِلْمُسْتَحِقِّينَ الثَّوابَ، وتَأْثِيرُها في أنْ تُحَصِّلَ زِيادَةً مِنَ المَنافِعِ عَلى قَدْرِ ما اسْتَحَقُّوهُ، وقالَ أصْحابُنا: تَأْثِيرُها في إسْقاطِ العَذابِ عَنِ المُسْتَحِقِّينَ، إمّا بِأنْ لا يَدْخُلُوا النّارَ، وإمّا في أنْ يَخْرُجُوا مِنها بَعْدَ دُخُولِها ويَدْخُلُوا الجَنَّةَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّها لَيْسَتْ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِن سِتِّ أوْراقٍ في الِاسْتِدْلالِ لِلطّائِفَتَيْنِ ورَدِّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، يُوقَفُ عَلَيْها في ذَلِكَ الكِتابِ.
﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ العَدْلُ: الفِدْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ، وسُمِّيتْ عَدْلًا لِأنَّ المُفْدى يُعْدَلُ بِها: أيْ يُساوِيها، أوِ البَدَلُ: أيْ رَجُلٌ مَكانَ رَجُلٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ حَسَنَةٌ مَعَ الشِّرْكِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: أتى بِالضَّمِيرِ مَجْمُوعًا عَلى مَعْنى نَفْسٍ؛ لِأنَّها نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وأتى بِهِ مُذَكَّرًا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالنُّفُوسِ الأشْخاصُ كَقَوْلِهِمْ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، وجُعِلَ حَرْفُ النَّفْيِ مُنْسَحِبًا عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ؛ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ، فَيَتَأكَّدُ ذِكْرُ المَنفِيِّ عَنْهُ النَّصْرُ بِذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ، وحَسَّنَ الحَمْلَ عَلى المَعْنى كَوْنُ ذَلِكَ في آخِرِ فاصِلَةٍ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّناسُبُ في الفَواصِلِ، بِخِلافِ أنْ لَوْ جاءَ ولا تُنْصَرُ، إذْ كانَ يَفُوتُ التَّناسُبُ. ويَحْتَمِلُ رَفْعُ هَذا الضَّمِيرِ وجْهَيْنِ مِنَ الإعْرابِ، أحَدُهُما وهو المُتَبادِرُ إلى أذْهانِ المُعْرِبِينَ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ. والوَجْهُ الثّانِي: وهو أغْمَضُ الوَجْهَيْنِ وأغْرَبُهُما أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، يُفَسِّرُ فِعْلَهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وذَلِكَ أنَّ (لا) هي مِنَ الأدَواتِ الَّتِي هي أوْلى بِالفِعْلِ، كَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. فَكَما يَجُوزُ في: أزْيَدٌ قائِمٌ، وأزْيَدٌ يَضْرِبُ، الرَّفْعُ عَلى الِاشْتِغالِ، فَكَذَلِكَ هَذا، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ تَقَدَّمَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً.
والحُكْمُ في بابِ الِاشْتِغالِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ وعُطِف (p-١٩٢)عَلَيْها بِشَرْطِ العَطْفِ المَذْكُورِ في ذَلِكَ البابِ، فالأفْصَحُ الحَمْلُ عَلى الفِعْلِ، ويَجُوزُ الِابْتِداءُ كَما ذَكَرْنا أوَّلًا، ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى (نَفْسٍ) الثّانِيَةِ بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، إذْ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى (نَفْسٍ) الأُولى لَكانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، كَقَوْلِهِ: (لا تَجْزِي) . ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في (ولا هم) عائِدًا عَلى النَّفْسَيْنِ مَعًا، قالَ: لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ. قالُوا: وفي مَعْنى النَّصْرِ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ لا يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. الثّانِي: لا يَجِدُونَ ناصِرًا يَنْصُرُهم ولا شافِعًا يَشْفَعُ لَهم. الثّالِثُ: لا يُعاوَنُونَ عَلى خَلاصِهِمْ وفِكاكِهِمْ مِن مُوبِقاتِ أعْمالِهِمْ. وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ مُتَقارِبَةُ المَعْنى، وجاءَ النَّفْيُ لِهَذِهِ الجُمَلِ هُنا بِـ (لا) المُسْتَعْمَلَةِ لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ في الأكْثَرِ، وكَذَلِكَ هَذِهِ الأشْياءُ الأرْبَعَةُ هي مُسْتَقْبَلَةٌ؛ لِأنَّ هَذا اليَوْمَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في غايَةِ الفَصاحَةِ، وهي عَلى حَسَبِ الواقِعِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ المَأْخُوذَ بِحَقٍّ، إمّا أنْ يُؤَدّى عَنْهُ الحَقُّ فَيَخْلُصُ، أوْ لا يُقْضى عَنْهُ فَيُشْفَعُ فِيهِ، أوْ لا يُشْفَعُ فِيهِ فَيُفْدى، أوْ لا يُفْدى فَيُتَعاوَنُ بِالإخْوانِ عَلى تَخْلِيصِهِ.
فَهَذِهِ مَراتِبٌ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا. فَلِهَذا، واللَّهُ أعْلَمُ، جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً في الذِّكْرِ هَكَذا، ولَمّا كانَ الأمْرُ مُخْتَلِفًا عِنْدَ النّاسِ في الشَّفاعَةِ والفِدْيَةِ، فَمَن يَغْلُبُ عَلَيْهِ حُبُّ الرِّياسَةِ قَدَّمَ الشَّفاعَةَ عَلى الفِدْيَةِ، ومَن يَغْلُبُ عَلَيْهِ حُبُّ المالِ قَدَّمَ الفِدْيَةَ عَلى الشَّفاعَةِ، جاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ هُنا مُقَدَّمًا فِيها الشَّفاعَةُ، وجاءَتِ الفِدْيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الشَّفاعَةِ في جُمْلَةٍ أُخْرى، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ الأمْرَيْنِ، وبُدِئَ هُنا بِالشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِعُلُوِّ النَّفْسِ، وجاءَ هُنا بِلَفْظِ القَبُولِ، وهُناكَ بِلَفْظِ النَّفْعِ، إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ أصْلِ الشَّيْءَ، وانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وبُدِئَ هُنا بِالقَبُولِ؛ لِأنَّهُ أصْلٌ لِلشَّيْءِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ، فَأعْطى المُتَقَدِّمَ ذِكْرَ المُتَقَدَّمِ وُجُودًا، وأخَّرَ هُناكَ النَّفْعَ إعْطاءً لِلْمُتَأخِّرِ ذِكْرَ المُتَأخَّرِ وُجُودًا.
البقرة 2:49
﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (إذْ) في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَن أجازَ نَصْبَ (إذْ) هُناكَ مَفْعُولًا بِهِ بِإضْمارِ (اذْكُرُوا) وادَّعى زِيادَتَها، فَقِياسُ قَوْلِهِ هُناكَ إجازَتُهُ هُنا، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ تَعْطِفُهُ عَلَيْهِ إلّا إنِ ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ (إذْ) مَعْطُوفَةٌ عَلى مَعْمُولِ (اذْكُرُوا) كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وتَفْضِيلِي إيّاكم، ووَقْتَ تَنْجِيَتِكم، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ الِاعْتِراضِ الَّتِي هي: (واتَّقُوا يَوْمًا) . وقَدْ قَدَّمْنا أنّا لا نَخْتارُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِاذْكُرْ، لا ظاهِرَةً ولا مُقَدَّرَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِيها، وهي عِنْدَنا مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا يُتَصَرَّفُ فِيها إلّا بِإضافَةِ اسْمِ زَمانٍ إلَيْها عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فالَّذِي نَخْتارُهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، تَقْدِيرُهُ: وأنْعَمْنا عَلَيْكم إذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وتَقْدِيرُ هَذا الفِعْلِ أوْلى مَن كُلِّ ما قَدَّمْناهُ، وخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (أنْجَيْناكم) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمٍ في قَوْلِهِ: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ﴾ [البقرة: ٤٧] لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الإنْجاءُ مِن عَدُوِّهِمْ، هو مِن أعْظَمِ، أوْ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَناسَبَ الأعْظَمَ نِسْبَتُهُ لِلْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ، وقُرِئَ: أنْجَيْناكم، والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ، كالتَّضْعِيفِ في نَجَّيْناكم، ونُسِبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ لِلنَّخَعِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَرَأ: أنْجَيْتُكم، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ مُوافِقًا لِلضَّمِيرِ في (نِعْمَتِي) والمَعْنى: خَلَّصْتُكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ التَّخْلِيصَ مِنهم لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ كانُوا يُباشِرُونَهم بِهَذِهِ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ، وإنْ كانَ أمَرَهم بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، وآلُ فِرْعَوْنَ هُنا أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، أوْ أتْباعُهُ عَلى ذَنْبِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ومِنهُ: ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وهم أتْباعُهُ عَلى ذَنْبِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، ولا بِنْتٌ، ولا ابْنٌ، ولا عَمٌّ، ولا أخٌ، ولا عَصَبَةٌ. وأدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ. ورُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: «مَن آلُكَ ؟ فَقالَ: ”كُلُّ تَقِيٍّ“» . ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الثّانِي: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ. والمُرادُ بِالآلِ هُنا: آلُ عَقِيلٍ، وآلُ عَبّاسٍ، وآلُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومَوالِيهِمْ، ووَرَدَ أيْضًا أنَّ آلَهُ: أزْواجُهُ وذُرِّيَّتُهُ، (p-١٩٣)فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آلٌ عامٌّ وآلٌ خاصٌّ.
وفِرْعَوْنُ: عَلَمٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ، كَما قِيلَ: قَيْصَرُ، لِمَن مَلَكَ الرُّومَ، وكِسْرى، لِمَن مَلَكَ الفُرْسَ، والنَّجاشِيُّ، لِمَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وتُبَّعٌ، لِمَن مَلَكَ اليَمَنَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو اسْمٌ لِكُلَّ مَن مَلَكَ القِبْطَ ومِصْرَ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ: إذا تَجَبَّرَ وعَتا، واسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أوْ فُنْطُوسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، أوْ مُغِيثٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، أوْ قابُوسُ، وكُنْيَتُهُ أبُو مُرَّةَ، وهو مِن بَنِيَ عَمْلِيقَ بْنِ لاوِذَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ. ورُوِيَ أنَّهُ مَن أهْلِ إصْطَخْرَ، ورُدَّ إلى مِصْرَ فَصارَ بِها مَلِكًا.
لا يُعْرَفُ لِفِرْعَوْنَ تَفْسِيرٌ بِالعَرَبِيَّةِ، قالَهُ المَسْعُودِيُّ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ: فِرْعَوْنُ مُوسى هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، قالُوا: وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ مِصْرَ ودُخُولِ مُوسى أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، والصَّحِيحُ أنَّهُ غَيْرُهُ. وقِيلَ: كانَ اسْمُ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ الرَّيّانَ بْنَ الوَلِيدِ.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ سائِمِيكم، وهي حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. (وسُوءُ العَذابِ): أشَقُّهُ وأصْعَبُهُ، وانْتِصابُهُ مَبْنِيٌّ عَلى المُرادِ بِيَسُومُونَكم، وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ: السَّوْمُ: بِمَعْنى التَّكْلِيفِ أوِ الإبْلاءِ، فَيَكُونُ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لِسامَ، أيْ يُكَلِّفُونَكم، أوْ يُوَلُّونَكم سُوءَ العَذابِ، أوْ بِمَعْنى الإرْسالِ، أوِ الإدامَةِ، أوِ التَّصْرِيفِ، أيْ: يُرْسِلُونَكم، أوْ يُدِيمُونَكم، أوْ يَصْرِفُونَكم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، أوْ بِمَعْنى الرَّفْعِ، أيْ يَرْفَعُونَكم إلى سُوءِ العَذابِ، أوِ الوَسْمِ، أيْ: يُعَلِّمُونَكم مِنَ العَلامَةِ، ومَعْناهُ: أنَّ الأعْمالَ الشّاقَّةَ لِكَثْرَةِ مُزاوَلَتِها تَصِيرُ عَلَيْهِمْ عَلامَةً بِتَأْثِيرِها في جُلُودِهِمْ ومَلابِسِهِمْ، كالحِدادَةِ والنِّجارَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ وسْمًا لَهم، والتَّقْدِيرُ: يُعَلِّمُونَكم بِسُوءِ العَذابِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ يَسِمُونَكم، وهَذا التَّضْعِيفُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ، وإنَّما مَعْناهُ مَعْنى الوَسْمِ، وهو مِنَ السِّيمِياءِ والسِّيماءِ، ومُسَوِّمِينَ في أحَدِ تَفاسِيرِهِ بِمَعْنى العَلامَةِ، وأُصُولُ هَذا سِينٌ وواوٌ ومِيمٌ، وهي أُصُولُ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ويَكُونُ فَعَلَ المُجَرَّدُ بِمَعْنى فَعِلَ، وهو مَعَ الوَسْمِ مِمّا اتَّفَقَ مَعْناهُ واخْتَلَفَتْ أُصُولُهُ: كَدَمِثَ، ودَمْثَرَ، وسَبِطَ وسَبْطَرَ، أوْ بِمَعْنى الطَّلَبِ بِالزِّيادَةِ مِنَ السَّوْمِ في البَيْعِ، أيْ: يَطْلُبُونَكم بِازْدِيادِ الأعْمالِ الشّاقَّةِ.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ غَيْرِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَكُونُ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ مَفْعُولًا عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَنْتَصِبُ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ نَصْبَ المَصْدَرِ، ثُمَّ قَدَّرَهُ سَوْمًا شَدِيدًا. وسُوءُ العَذابِ: الأعْمالُ القَذِرَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوِ الحَرْثُ والزِّراعَةُ والبِناءُ وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَهُ بَعْضُهم. قالَ: وكانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا، أوِ الذَّبْحُ، أوْ الِاسْتِحْياءُ المُشارُ إلَيْهِما، قالَهُ الزَّجّاجُ، ورُدَّ ذَلِكَ بِثُبُوتِ الواوِ في (إبْراهِيمَ) فَقالَ: ويُذَبِّحُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ عَذَّبَهم بِالذَّبْحِ وبِغَيْرِ الذَّبْحِ. وحُكِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ خَدَمًا في الأعْمالِ مِنَ البِناءِ والتَّخْرِيبِ والزِّراعَةِ والخِدْمَةِ، ومَن لا يَعْمَلُ فالجِزْيَةُ، فَذَوُو القُوَّةِ يَنْحِتُونَ السَّوارِيَ مِنَ الجِبالِ حَتّى قُرِّحَتْ أعْناقُهم وأيْدِيهِمْ ودُبِّرَتْ ظُهُورُهم مِن قَطْعِها ونَقْلِها، وطائِفَةٌ يَنْقُلُونَ لَهُ الحِجارَةَ والطِّينَ ويَبْنُونَ لَهُ القُصُورَ، وطائِفَةٌ يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويَطْبُخُونَ الآجُرَّ، وطائِفَةٌ نَجّارُونَ وحَدّادُونَ، والضَّعَفَةُ جُعِلَ عَلَيْهِمُ الخَراجُ ضَرِيبَةً يُؤَدُّونَها كُلَّ يَوْمٍ. فَمَن غَرُبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَها غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ شَهْرًا. والنِّساءُ يَغْزِلْنَ الكَتّانَ ويَنْسِجْنَ. وأصْلُ نَشْأةِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ نُزُولُ إسْرائِيلَ بِها زَمانَ ابْنِهِ يُوسُفَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتَّشْدِيدِ، وهو أوْلى لِظُهُورِ تَكْرارِ الفِعْلِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِهِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (يَذْبَحُونَ) خَفِيفًا مِن (ذَبَحَ) المُجَرَّدِ اكْتِفاءً بِمُطْلَقِ الفِعْلِ، ولِلْعِلْمِ بِتَكْرِيرِهِ مِن مُتَعَلِّقاتِهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: يُقَتِّلُونَ (p-١٩٤)بِالتَّشْدِيدِ مَكانَ يُذَبِّحُونَ، والذَّبْحُ قَتْلٌ، ويُذَبِّحُونَ بَدَلٌ مَن يَسُومُونَكم، بَدَلُ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ، نَحْوَ: قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎مَتّى تَأْتِنا تُلَمِّمْ بِنا في دِيارِنا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ العَطْفِ؛ لِثُبُوتِهِ في (إبْراهِيمَ) . وقَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ زائِدَةٌ لِحَذْفِها هُنا ضَعِيفٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَوْضِعُ الَّذِي حُذِفَتْ فِيهِ الواوُ تَفْسِيرٌ لِصِفاتِ العَذابِ، والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الواوُ يُبَيِّنُ أنَّهُ قَدْ مَسَّهُمُ العَذابُ، غَيْرُ الذَّبْحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يُذَبِّحُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في: (يَسُومُونَكم)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأنَفًا، وفي سَبَبِ الذَّبْحِ والِاسْتِحْياءِ أقْوالٌ وحِكاياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ومُعْظَمُها يَدُلُّ عَلى خَوْفِ فِرْعَوْنَ مِن ذَهابِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
والأبْناءُ: الأطْفالُ الذُّكُورُ، يُقالُ: إنَّهُ قَتَلَ أرْبَعِينَ ألْفَ صَبِيٍّ، وقِيلَ: أرادَ بِالأبْناءِ الرِّجالَ، وسُمُّوا أبْناءً بِاعْتِبارِ ما كانُوا قَبْلُ، والأوَّلُ أشْهَرُ. والنِّساءُ هُنا: البَناتُ، وسُمُّوا نِساءً بِاعْتِبارٍ ما يَؤُلْنَ إلَيْهِ، أوْ بِالِاسْمِ الَّذِي في وقْتِهِ يُسْتَخْدَمْنَ ويُمْتَهَنَّ، وقِيلَ: أرادَ النِّساءَ الكِبارَ، والأوَّلُ أشْهَرُ.
﴿ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾: وفُسِّرَ الِاسْتِحْياءُ بِالوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما عِنْدَ كَلامِنا عَلى المُفْرَداتِ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَتْرُكُونَ بَناتَكم أحْياءً لِلْخِدْمَةِ، أوْ يُفَتِّشُونَ أرْحامَ نِسائِكم. فَعَلى هَذا القَوْلِ ظاهِرُهُ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ هُمُ المُباشِرُونَ لِذَلِكَ، ذُكِرَ أنَّهُ وكَّلَ بِكُلِّ عَشْرِ نِساءٍ رَجُلًا يَحْفَظُ مَن تَحْمِلُ مِنهُنَّ، وقِيلَ: وكَّلَ بِذَلِكَ القَوابِلَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِحْياءَ هُنا مِنَ الحَياءِ الَّذِي هو ضِدُّ القِحَةِ، ومَعْناهُ أنَّهم يَأْتُونَ النِّساءَ مِنَ الأعْمالِ بِما يَلْحَقُهم مِنهُ الحَياءُ، وقُدِّمَ الذَّبْحُ عَلى الِاسْتِحْياءِ لِأنَّهُ أصْعَبُ الأُمُورِ وأشَقُّها، وهو أنْ يُذْبَحَ ولَدُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ اللَّذَيْنِ كانا يَرْجُوانِ النَّسْلَ مِنهُ، والذَّبْحُ أشَقُّ الآلامِ، واسْتِحْياءُ النِّساءِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لَيْسَ بِعَذابٍ، لَكِنَّهُ يَقَعُ العَذابُ بِسَبَبِهِ مِن جِهَةِ إبْقائِهِنَّ خَدَمًا وإذاقَتِهِنَّ حَسْرَةَ ذَبْحِ الأبْناءِ، إنْ أُرِيدَ بِالنِّساءِ الكِبارُ، أوْ ذَبْحُ الإخْوَةِ، إنْ أُرِيدَ الأطْفالُ، وتَعَلُّقُ العارِ بِهِنَّ، إذْ يَبْقَيْنَ نِساءً بِلا رِجالٍ فَيَصِرْنَ مُفْتَرَشاتٍ لِأعْدائِهِنَّ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الآمِرَ بِالقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ والمُباشِرَ لَهُ شَرِيكانِ في القِصاصِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أغْرَقَ فِرْعَوْنَ - وهو الآمِرُ - وآلَهُ - وهُمُ المُباشِرُونَ - وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في عِلْمِ الفِقْهِ، وفِيها خِلافٌ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ.
وفِي ذَلِكم بَلاءٌ: هو إشارَةٌ إلى ذَبْحِ الأبْناءِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ، وهو المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٤٣]، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالبَلاءِ: الشِّدَّةُ والمَكْرُوهُ. وقِيلَ: يَعُودُ إلى مَعْنى الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ (يَسُومُونَكم) مَعَ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مَعْنى البَلاءِ كَما تَقَدَّمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَّنْجِيَةِ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: نَجَّيْناكم، فَيَكُونُ البَلاءُ هُنا: النِّعْمَةُ ويَكُونُ (ذَلِكم) قَدْ أُشِيرَ بِهِ إلى أبْعَدِ مَذْكُورٍ، وهو أضْعَفُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ والأقْرَبُ في الذِّكْرِ القَوْلُ الأوَّلُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ خالِقُهُما. وفِيهِ رَدٌّ عَلى النَّصارى ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ والشَّرَّ مِنَ الشَّيْطانِ.
ووَصْفُهُ بِعَظِيمٍ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ (ذَلِكم) إشارَةً إلى التَّنْجِيَةِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَلا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن عِظَمِ النِّعْمَةِ وكَثْرَةِ المِنَّةِ، وإنْ كانَ إشارَةً إلى ما بَعْدَ التَّنْجِيَةِ مِنَ السَّوْمِ أوِ الذَّبْحِ والِاسْتِحْياءِ، فَذَلِكَ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، يُقالُ إنَّهُ سَخَّرَهم فَبَنَوْا سَبْعَةَ حَوائِطَ جائِعَةً أكْبادُهم عارِيَةً أجْسادُهم، وذَبَحَ مِنهم أرْبَعِينَ ألْفِ صَبِيٍّ، فَأيُّ ابْتِلاءٍ أعْظَمُ مِن هَذا. وكَوْنُهُ عَظِيمًا هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِ والسّامِعِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ اتِّصافُهُ بِالِاسْتِعْظامِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: مَن صَبَرَ في اللَّهِ عَلى بَلاءِ اللَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ صُحْبَةَ أوْلِيائِهِ. هَؤُلاءِ، (p-١٩٥)بَنُو إسْرائِيلَ صَبَرُوا عَلى مُقاساةِ الضُّرِّ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَجَعَلَ مِنهم أنْبِياءَ، وجَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، وآتاهم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. انْتَهى. ولَمْ تَزَلِ النِّعَمُ تَمْحُو آثارَ النِّقَمِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎نَأْسُو بِأمْوالِنا آثارَ أيْدِينا
ولَمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِذِكْرِ النِّعَمِ مُجْمَلَةً فِيما سَبَقَ، أمَرَهم بِذِكْرِها ثانِيَةً مُفَصَّلَةً، فَبَدَأ مِنها بِالتَّفْضِيلِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّقاءِ يَوْمٍ لا خَلاصَ فِيهِ، لا بِقاضٍ حَقٍّ، ولا شَفِيعٍ، ولا فِدْيَةٍ، ولا نَصْرٍ، لِمَن لَمْ يَذْكُرْ نِعَمَهُ، ولَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَهُ، ولَمْ يَجْتَنِبْ نَهْيَهُ، وكانَ الأمْرُ بِالِاتِّقاءِ مُهِمًّا هُنا؛ لِأنَّ مَن أُخْبِرَ بِأنَّهُ فُضِّلَ عَلى العالَمِينَ رُبَّما اسْتَنامَ إلى هَذا التَّفْضِيلِ، فَأُعْلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن تَحْصِيلِ التَّقْوى وعَدَمِ الِاتِّكالِ عَلى مُجَرَّدِ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ مَنِ ابْتَدَأكَ بِسَوابِقِ نِعَمِهِ، يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَتَّقِيَ لَواحِقَ نِقَمِهِ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ الإنْجاءِ الَّذِي بِهِ كانَ سَبَبُ البَقاءِ بَعْدَ شِدَّةِ اللَّأْواءِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ تَفاصِيلَ النَّعْماءِ مِمّا نَصَّ عَلَيْهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] فَكانَ تَعْدادُ الآلاءِ مِمّا يُوجِبُ جَمِيلَ الذِّكْرِ وجَلِيلَ الثَّناءِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في تَرْتِيبِ هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةً نِعْمَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:50
﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] . .
الفَرْقُ: الفَصْلُ، فَرَقَ بَيْنَ كَذا وكَذا: فَصَلَ، وفَرَّقَ كَذا: فَصَلَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: الفَرْقُ في شَعْرِ الرَّأْسِ، والفَرِيقُ، والفُرْقانُ، والتَّفَرُّقُ، والفَرْقُ المَفْرُوقُ، كالطَّحْنِ. والفَرْقُ ضِدُّهُ: الجَمْعُ، ونَظائِرُهُ: الفَصْلُ، وضِدُّهُ: الوَصْلُ، والشِّقُّ والصَّدْعُ وضِدُّهُما اللَّأْمُ، والتَّمْيِيزُ وضِدُّهُ الِاخْتِلاطُ. وقِيلَ: يُقالُ فَرَقَ في المَعانِي، وفَرَّقَ في الأجْسامِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. البَحْرُ: مَكانٌ مُطَمْئِنٌّ مِنَ الأرْضِ يَجْمَعُ المِياهَ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْحُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بُحُورٍ وبِحارٍ، وأصْلُهُ قِيلَ: الشِّقُّ، وقِيلَ: السَّعَةُ. فَمِنَ الأوَّلِ: البَحِيرَةُ، وهي الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها، ومِنَ الثّانِي: البُحَيْرَةُ، المَدِينَةُ المُتَّسِعَةُ، وفَرَسٌ بَحْرٌ: واسْعُ العَدْوِ، وتَبَحَّرَ في العِلْمِ: أيِ اتَّسَعَ، وقالَ:
؎انْعِقْ بِضَأْنِكَ في بَقْلٍ تُبَحِّرُهُ مِنَ الأباطِحِ واحْبِسْها بِحَلْدانِ
وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الماءِ الحُلْوِ والماءِ المِلْحِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] "، وجاءَ اسْتِعْمالُهُ لِلْمِلْحِ، ويُقالُ: هو الأصْلُ فِيهِ. أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:
؎وقَدْ عادَ عَذْبُ الماءِ بَحْرًا فَزادَنِي ∗∗∗ عَلى مَرَضٍ أنْ أبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ
أيْ صارَ مِلْحًا.
الغَرَقُ مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِالفَتْحِ، قالَ:
؎وتاراتٍ يَجِمُّ فَيَغْرَقُ
والتَّغْرِيقُ، والتَّعْوِيصُ، والتَّرْسِيبُ، والتَّغْيِيبُ، بِمَعْنًى واحِدٍ. النَّظَرُ: تَصْوِيبُ المُقْلَةِ إلى المَرْئِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى الرُّؤْيَةِ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى، ويُعَلَّقُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا، ونَظَرَهُ وانْتَظَرَهُ وأنْظَرَهُ: أخَّرَهُ، والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ.
وعَدَ: في الخَيْرِ والشَّرِّ، والوَعْدُ في الخَيْرِ، وأوْعَدَ في الشَّرِّ، والإيعادُ والوَعِيدُ في الشَّرِّ. مُوسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
(p-١٩٦)يُقالُ: هو مُرَكَّبٌ مِن مُو: وهو الماءُ، وشاوَ: وهو الشَّجَرُ، فَلَمّا عُرِّبَ أبْدَلُوا شِينَهُ سِينًا، وإذا كانَ أعْجَمِيًّا فَلا يَدْخُلُهُ اشْتِقاقٌ عَرَبِيٌّ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ، فَقالَ مَكِّيٌّ: مُوسى مُفْعَلٌ مَن أوْسَيْتُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مُشْتَقٌّ مِن ماسَ يَمِيسُ، ووَزْنُهُ: فُعْلًى، فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها، كَما قالُوا: طُوبى، وهي مِن ذَواتِ الياءِ؛ لِأنَّها مِن طابَ يَطِيبُ. وكَوْنُ وزْنِهُ فُعْلًى هو مَذْهَبُ المُعْرِبِينَ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ وزْنَ مُوسى مُفْعَلٌ، وذَلِكَ فِيما لا يَنْصَرِفُ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ في الأبْنِيَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ زِيادَةَ المِيمِ أوَّلًا أكْثَرُ مِن زِيادَةِ الألِفِ آخِرًا، واحْتَجَّ الفارِسِيُّ عَلى كَوْنِهِ مُفْعَلًا لا فُعْلًى، بِالإجْماعِ عَلى صَرْفِهِ نَكِرَةً، ولَوْ كانَ فُعْلًى لَمْ يَنْصَرِفْ نَكِرَةً؛ لِأنَّ الألِفَ كانَتْ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ، وألِفُ التَّأْنِيثِ وحْدَها تَمْنَعُ الصَّرْفَ في المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ.
الأرْبَعُونَ: لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ، بَلْ هو مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ الَّذِي هو اسْمُ جَمْعٍ، ومَدْلُولُهُ مَعْرُوفٌ، وقَدْ أُعْرِبَ إعْرابَ الجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ.
اللَّيْلَةُ: مَدْلُولُها مَعْرُوفٌ، وتُكْسَرُ شاذًّا عَلى فَعالِى، فَيُقالُ: اللَّيالِي، ونَظِيرُهُ: الكَيْكَةَ والكَياكِي، كَأنَّهُ جَمْعُ لَيْلاهُ وكَيْكاهُ، وأهْلٍ والأهالِي. وقَدْ شَذُّوا في التَّصْغِيرِ كَما شَذُّوا في التَّكْسِيرِ، قالُوا: لُيَيْلَةٌ. الِاتِّخاذُ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُبْدَلَ الهَمْزَةُ إلّا ياءً، فَتَقُولُ: إيتَخَذَ كَهَمْزَةِ إيمانٍ إذْ أصْلُهُ: إإْمانٌ، وكَقَوْلِهِمْ: ائْتَزَرَ: افْتَعَلَ مِنَ الإزارِ، فَمَتّى كانَتْ فاءُ الكَلِمَةِ واوًا أوْ ياءً، وبُنِيَتِ افْتَعَلَ مِنها، فاللُّغَةُ الفُصْحى إبْدالُها تاءً وإدْغامُها في تاءِ الِافْتِعالِ، فَتَقُولُ: اتَّصَلَ واتَّسَرَ مِنَ الوَصْلِ واليُسْرِ، فَإنْ كانَتْ فاءُ الكَلِمَةِ هَمْزَةً، وبَنَيْتَ افْتَعَلَ، أبْدَلْتَ تِلْكَ الهَمْزَةَ ياءً، وأقْرَرْتَها. هَذا هو القِياسُ، وقَدْ تُبْدَلُ هَذِهِ الياءُ تاءً فَتُدْغَمُ، قالُوا: اتَّمَنَ، وأصْلُهُ: ائْتَمَنَ، وعَلى هَذا جاءَ: اتَّخَذَ. ومِمّا عَلِقَ بِذِهْنِي مِن فَوائِدِ الشَّيْخِ الإمامِ بَهاءِ الدِّينِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي نَصْرٍ الحَلَبِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ النَّحّاسِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو كانَ المُشْتَهِرَ بِعِلْمِ النَّحْوِ في دِيارِ مِصْرَ: أنَّ (اتَّخَذَ) مِمّا أُبْدِلَ فِيهِ الواوُ تاءً عَلى اللُّغَةِ الفُصْحى؛ لِأنَّ فِيهِ لُغَةً أنَّهُ يُقالُ: وخَذَ بِالواوِ، فَجاءَ هَذا عَلى الأصْلِ في البَدَلِ، وإنْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ، وهَذا أحْسَنُ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ اتَّمَنَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وكانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُغْرِبُ بِنَقْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ. وقَدْ خَرَّجَ الفارِسِيُّ مَسْألَةَ اتَّخَذَ عَلى أنَّ التّاءَ الأُولى أصْلِيَّةٌ، إذا قُلْتَ: قالَتِ العَرَبُ تَخِذَ بِكَسْرِ الخاءِ، بِمَعْنى: أخَذَ، قالَ: تَعالى: (لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا) في قِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، وأنْشَدَ الفارِسِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِها ∗∗∗ نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَوَّقِ
فَعَلى قَوْلِهِ: التّاءُ أصْلٌ، وبَنَيْتَ مِنهُ افْتَعَلَ، فَقُلْتَ: اتَّخَذَ، كَما تَقُولُ: اتَّبَعَ، مَبْنِيًّا مِن تَبِعَ، وقَدْ نازَعَ أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ في تَخِذَ، فَزَعَمَ أنَّ أصْلَهُ: اتَّخَذَ، وحُذِفَ كَما حُذِفَ اتَّقى، فَقالُوا: تَقَيَ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: تَخِذَ بِفَتْحِ التّاءِ مُخَفَّفَةً، كَما قالُوا: يَتَّقِي ويَتَّسِعُ بِحَذْفِ التّاءِ الَّتِي هي بَدَلٌ مِن فاءِ الكَلِمَةِ. ورَدَّ السِّيرافِيُّ هَذا القَوْلَ وقالَ: لَوْ كانَ مَحْذُوفًا مِنهُ ما كُسِرَتِ الخاءُ، بَلْ كانَتْ تَكُونُ مَفْتُوحَةً، كَقافِ تَقَيَ، وأمّا يَتَّخِذُ (p-١٩٧)فَمَحْذُوفٌ مِثْلَ: يَتَّسِعُ، حُذِفَ مِنَ المُضارِعِ دُونَ الماضِي، وتَخِذَ بِناءٌ أصْلِيٌّ. انْتَهى.
وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ والسِّيرافِيُّ مِن أنَّهُ بِناءٌ أصْلِيٌّ عَلى حَدِّهِ هو الصَّحِيحُ، بِدَلِيلِ ما حَكاهُ أبُو زَيْدٍ وهو: تَخِذَ يَتْخَذُ تَخْذًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا تُكْثِرْنَ تَخْذَ العِشارِ فَإنَّها ∗∗∗ تُرِيدُ مَباءاتٍ فَسِيحًا بِناؤُها
وذَكَرَ الَمَهْدَوِيُّ في شَرْحِ الهِدايَةِ: أنَّ الأصْلَ واوٌ مُبْدَلَةٌ مِن هَمْزَةٍ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ تاءً وأُدْغِمَتْ في التّاءِ، فَصارَ في (اتَّخَذَ) أقْوالٌ: أحَدُها: التّاءُ الأُولى أصْلٌ. الثّانِي: أنَّها بَدَلٌ مِن واوٍ أصْلِيَّةٍ. الثّالِثُ: أنَّها بَدَلٌ مِن تاءٍ أُبْدِلَتْ مِن هَمْزَةٍ. الرّابِعُ: أنَّها بَدَلٌ مِن واوٍ أُبْدِلَتْ مِن هَمْزَةٍ، واتَّخَذَ تارَةً يَتَعَدّى لِواحِدٍ، وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، وتارَةً لِاثْنَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]: بِمَعْنى صَيَّرَ.
العِجْلُ: مَعْرُوفٌ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ الصَّغِيرُ الذَّكَرُ. بَعْدَ: ظَرْفُ زَمانٍ، وأصْلُهُ الوَصْفُ، كَقَبْلَ، وحُكْمُهُ حُكْمُهُ في كَوْنِهِ يُبْنى عَلى الضَّمِّ إذا قُطِعَ عَنِ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ، ويُعْرَبُ بِحَرَكَتَيْنِ، فَإذا قُلْتَ: جِئْتُ بَعْدَ زَيْدٍ، فالتَّقْدِيرُ: جِئْتُ زَمانًا بَعْدَ زَمانِ مَجِيءِ زَيْدٍ، ولا يُحْفَظُ جَرُّهُ إلّا بِمِن وحْدَها.
عَفا: بِمَعْنى كَثُرَ، فَلا يَتَعَدّى (حَتّى عَفَوْا وقالُوا) وبِمَعْنى دَرَسَ، فَيَكُونُ لازِمًا مُتَعَدِّيًا نَحْوَ: عَفَتِ الدِّيارُ، ونَحْوَ: عَفاها الرِّيحُ، وعَفا عَنْ زَيْدٍ: لَمْ يُؤاخِذْهُ بِجَرِيمَتِهِ، واعْفُوا عَنِ اللِّحى، أيِ اتْرُكُوها ولا تَأْخُذُوا مِنها شَيْئًا، ورَجُلٌ عَفُوٌّ، والجَمْعُ عُفْوٌ عَلى فُعْلٍ بِإسْكانِ العَيْنِ، وهو جَمْعٌ شاذٌّ. والعِفاءُ: الشَّعَرُ الكَثِيرُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎عَلَيْهِ مِن عَقِيقَتِهِ عِفاءٌ
ويُقالُ في الدُّعاءِ عَلى الشَّخْصِ: عَلَيْهِ العَفاءُ، قالَ:
؎عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ
يُرِيدُ الدُّرُوسَ، وتَأْتِي عَفا بِمَعْنى سَهُلَ مِن قَوْلِهِمْ: خُذْ ما عَفا وصَفا، وأخَذْتُ عَفْوَهُ: أيْ ما سَهُلَ عَلَيْهِ، ﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]: أيِ الفَضْلَ الَّذِي يَسْهُلُ إعْطاؤُهُ، ومِنهُ: خُذِ العَفْوَ، أيِ السَّهْلَ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، والعافِيَةُ: الحالَةُ السَّهْلَةُ السَّمْحَةُ.
الشُّكْرُ: الثَّناءُ عَلى إسْداءِ النِّعَمِ، وفِعْلُهُ شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا وشُكُورًا، ويَتَعَدّى لِواحِدٍ تارَةً بِنَفْسِهِ وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ، وهو مِن ألْفاظٍ مَسْمُوعَةٍ تُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْها، وهو قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، تارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ، وكانَ شَيْخُنا أبُو الحُسَيْنِ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ يَذْهَبُ إلى أنَّ شَكَرَ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، ثُمَّ أُسْقِطَ اتِّساعًا. وقِيلَ: الشُّكْرُ: إظْهارُ النِّعْمَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: شَكَرَتِ الرَّمْكَةُ مُهْرَها: إذا أظْهَرَتْهُ، والشَّكِيرُ: صِغارُ الوَرَقِ يَظْهَرُ مِن أثَرِ الماءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وبَيْنا الفَتى يَهْتَزُّ لِلْعَيْشِ ناضِرًا ∗∗∗ كَعُسْلُوجَةٍ يَهْتَزُّ مِنها شَكِيرُها
وأوَّلُ الشَّيْبِ، قالَ الرّاجِزُ:
؎ألانَ ادِّلاجٌ بِكَ العَتِيرُ ∗∗∗ والرَّأْسُ إذْ صارَ لَهُ شَكِيرُ
وناقَةٌ شَكُورٌ: تُدِرُّ أكْثَرَ مِمّا رَعَتْ
الفُرْقانُ: مَصْدَرُ فَرَّقَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في فَرَقَ.
﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: (وإذْ نَجَّيْناكم) فالعامِلُ فِيهِ ما ذُكِرَ أنَّهُ العامِلُ في (إذْ) تِلْكَ بِواسِطَةِ الحَرْفِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: فَرَّقْنا بِالتَّشْدِيدِ، ويُفِيدُ التَّكْثِيرُ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ مَسْلَكًا عَلى عَدَدِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن قَرَأ: فَرَقْنا مُجَرَّدًا، اكْتَفى بِالمُطْلَقِ، وفُهِمَ التَّكْثِيرُ مِن تَعْدادِ الأسْباطِ. بِكم: مُتَعَلِّقٌ بِفَرَقْنا، والباءُ مَعْناها: السَّبَبُ، أيْ بِسَبَبِ دُخُولِكم، أوِ المُصاحَبَةِ: أيْ مُلْتَبِسًا، كَما قالَ:
؎تَدُوسُ بِنا الجَماجِمَ والتَّرِيبا
أيْ مُلْتَبِسَةً بِنا، أوْ: أيْ جَعَلْناهُ فَرْقًا بِكم كَما يُفْرَقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى الِاسْتِعانَةِ، أوْ مَعْناها اللّامُ، أيْ فَرَقْنا لَكُمُ البَحْرَ، أيْ لِأجْلِكم، ومَعْناها راجِعٌ لِلسَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ الفَرْقُ أنْ يَكُونَ عَرْضًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ طُولًا، ونُقِلَ كُلٌّ، وعَلى (p-١٩٨)هَذا الثّانِي قالُوا: كانَ ذَلِكَ بِقُرْبٍ مِن مَوْضِعِ النَّجاةِ، ولا يُلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوْعارٍ حائِلَةٍ، وذَكَرَ العامِرِيُّ: أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِيَّةِ فَلَسْطِينَ، وهي كانَتْ طَرِيقَهم.
البَحْرُ: قِيلَ هو بَحْرُ القُلْزُمِ مِن بِحارِ فارِسَ، وكانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ، وقِيلَ: مِن بَحْرٍ مِن بِحارِ مِصْرَ يُقالُ لَهُ أسافُ، ويُعْرَفُ الآنَ بِبَحْرِ القُلْزُمِ، قِيلَ: وهو الصَّحِيحُ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنْ فَرْقَ البَحْرِ كانَ بِعَدَدِ الأسْباطِ، اثَّنَي عَشَرَ مَسْلَكًا. واخْتَلَفُوا في عَدَدِ المَفْرُوقِ بِهِمْ وعَدَدِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى أقْوالٍ يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا، وحَكَوْا في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعَنُّتِهِمْ وهم في البَحْرِ مُقْتَحِمُونَ، وفي كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ حِكاياتٍ مُطَوَّلَةٍ جِدًّا لَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَيْها، فاللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنها.
﴿فَأنْجَيْناكُمْ﴾: يَعْنِي مِنَ الغَرَقِ، ومِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ لَكم. واليَوْمُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الفَرْقُ والنَّجاةُ والغَرَقُ كانَ يَوْمَ عاشُوراءَ. واسْتَطْرَدُوا إلى الكَلامِ في يَوْمِ عاشُوراءَ، وفي صَوْمِهِ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في الفِقْهِ.
وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: (فَأنْجَيْناكم) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ وتَبِعَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في تَقَحُّمِهِ فَأنْجَيْناكم.
﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ والهَمْزَةُ في أغْرَقْنا لِلتَّعْدِيَةِ، ويُعَدّى أيْضًا بِالتَّضْعِيفِ، ولَمْ يُذْكَرْ فِرْعَوْنُ فِيمَن غَرَقَ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ مَعَهم مُسْتَقِرٌّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الآلِ هُنا؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، ونَسَبَ تِلْكَ الصِّفَةَ القَبِيحَةَ إلَيْهِمْ مَن سَوْمِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ العَذابَ، وذَبْحِهِمْ أبْناءَهم، واسْتِحْيائِهِمْ نِساءَهم، فَناسَبَ هَذا إفْرادَهم بِالغَرَقِ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى غَرَقَ فِرْعَوْنَ في آياتٍ أُخَرَ، مِنها: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [القصص: ٤٠]، ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] . وناسَبَ نَجاتُهم مِن فِرْعَوْنَ، بِإلْقائِهِمْ في البَحْرِ وخُرُوجِهِمْ مِنهُ سالِمِينَ، نَجاةَ نَبِيِّهِمْ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الذَّبْحِ، بِإلْقائِهِ وهو طِفْلٌ في البَحْرِ، وخُرُوجِهِ مِنهُ سالِمًا، ولِكُلِّ أُمَّةٍ نَصِيبٌ مِن نَبِيِّها. وناسَبَ هَلاكُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالغَرَقِ هَلاكَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أيْدِيهِمْ بِالذَّبْحِ؛ لِأنَّ الذَّبْحَ فِيهِ تَعْجِيلُ المَوْتِ بِإنْهارِ الدَّمِ، والغَرَقُ فِيهِ إبْطاءُ المَوْتِ، ولا دَمَ خارِجٌ، وكانَ ما بِهِ الحَياةُ ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] سَبَبًا لِإعْدامِهِمْ مِنَ الوُجُودِ. ولَمّا كانَ الغَرَقُ مِن أعْسَرِ المَوْتاتِ وأعْظَمِها شِدَّةً، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى نَكالًا لِمَنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، فَقالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] إذْ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ يَكُونُ العِقابُ، ويُناسِبُ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ والِاعْتِلاءِ انْحِطاطُ المُدَّعِي وتَغْيِيبُهُ في قَعْرِ الماءِ.
﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو مِنَ النَّظَرِ: بِمَعْنى الإبْصارِ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ: أنَّ هَذِهِ الخَوارِقَ العَظِيمَةَ مِن فَرْقِ البَحْرِ بِكم، وإنْجائِكم مِنَ الغَرَقِ ومِن أعْدائِكم، وإهْلاكِ أعْدائِكم بِالغَرَقِ، وقَعَ وأنْتُمْ تُعايِنُونَ ذَلِكَ وتُشاهِدُونَهُ، لَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إلَيْكم بِنَقْلٍ، بَلْ بِالمُشاهَدَةِ الَّتِي تُوجِبُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ ذَلِكَ خارِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ النَّبِيِّ الَّذِي جاءَكم. وقِيلَ: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ لِقُرْبِ بَعْضٍ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: إلى طَفْوِهِمْ عَلى وجْهِ الماءِ غَرْقى. وقِيلَ: إلَيْهِمْ وقَدْ لَفِظَهُمُ البَحْرُ وهُمُ العَدَدُ الَّذِي لا يَكادُ يَنْحَصِرُ، لَمْ يَتْرُكِ البَحْرُ في جَوْفِهِ مِنهم واحِدًا. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ أيْ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأنْتُمْ سائِرُونَ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ بَعْضَ قَوْمِ مُوسى قالُوا لَهُ: أيْنَ أصْحابُنا ؟ فَقالَ: سِيرُوا، فَإنَّهم عَلى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكم، قالُوا: لا نَرْضى حَتّى نَراهم، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا، فَقالَ بِها عَلى الحِيطانِ، فَصارَ بِها كُوًى، فَتَراءَوْا وتَسامَعُوا كَلامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وهَذِهِ الأقْوالُ الخَمْسَةُ النَّظَرُ فِيها بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ: النَّظَرُ تَجَوَّزَ بِهِ عَنِ القُرْبِ، أيْ وأنْتُمْ بِالقُرْبِ مِنهم، أيْ بِحالٍ لَوْ نَظَرْتُمْ إلَيْهِمْ لَرَأيْتُمُوهم كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ مِنِّي بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ قَرِيبٌ بِحَيْثُ أراكَ وأسْمَعُكَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: هو مِن نَظَرِ البَصِيرَةِ والعَقْلِ، ومَعْناهُ: وأنْتُمْ تَعْتَبِرُونَ بِمَصْرَعِهِمْ وتَتَّعِظُونَ بِمَواقِعِ (p-١٩٩)النِّقْمَةِ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: النَّظَرُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ يَحْصُلُ عَنِ النَّظَرِ، فَكَنى بِهِ عَنْهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
البقرة 2:51
﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: واعَدْنا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وعَدْنا بِغَيْرِ ألِفٍ هُنا، وفي الأعْرافِ وطَهَ. ويَحْتَمِلُ (واعَدْنا): أنْ يَكُونَ بِمَعْنى وعَدْنا، ويَكُونُ صَدَرَ مِن واحِدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنِ اثْنَيْنِ عَلى أصْلِ المُفاعَلَةِ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ وعَدَ مُوسى الوَحْيَ، ويَكُونُ مُوسى وعَدَ اللَّهَ المَجِيءَ لِلْمِيقاتِ، أوْ يَكُونُ الوَعْدُ مِنَ اللَّهِ وقَبُولُهُ كانَ مِن مُوسى، وقَبُولُ الوَعْدِ يُشْبِهُ الوَعْدَ. قالَ القَفّالُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الآدَمِيُّ يَعِدُ اللَّهَ بِمَعْنى يُعاهِدُهُ. وقِيلَ: وعَدَ: إذا كانَ عَنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وواعَدَ إذا كانَ عَنْ طَلَبٍ. وقَدْ رَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ مَن قَرَأ (وعَدْنا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وأنْكَرَ قِراءَةَ مَن قَرَأ: واعَدْنا بِالألِفِ، ووافَقَهُ عَلى مَعْنى ما قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المُواعَدَةُ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: أكْثَرُ ما تَكُونُ المُواعَدَةُ مِنَ المَخْلُوقِينَ المُتَكافِئِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَعِدُ صاحِبَهُ، وقَدْ مَرَّ تَخْرِيجُ واعَدَ عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، ولا وجْهَ لِتَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَواتِرٌ، فَهُما في الصِّحَّةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ بِألِفٍ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، والأعْمَشِ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ. مُوسى: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ. وذَكَرَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ مُحَمَّدُ بْنُ أسْعَدَ بْنِ عَلِيٍّ الحِوّانِيُّ النَّسّابَةُ: أنَّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - هو: مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنُ قاهِثَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظِ مُوسى العَلَمِ. وأمّا مُوسى الحَدِيدَةُ، الَّتِي يُحْلَقُ بِها الشَّعَرُ، فَهي مُؤَنَّثَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن: أسَوْتُ الشَّيْءَ: إذا أصْلَحْتَهُ، ووَزْنُها مُفْعَلٌ، وأصْلُها الهَمْزُ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن: أوْسَيْتُ: إذا حَلَقْتُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ أشْبَهُ بِها، ولا أصْلَ لِلْواوِ في الهَمْزِ عَلى هَذا.
أرْبَعِينَ لَيْلَةً: ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ، أوْ ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ عَلِيٌّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ باءِ (أرْبِعِينَ) شاذًّا اتِّباعًا. ونُصِبَ (أرْبَعِينَ) عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِواعَدْنا، عَلى أنَّها هي المَوْعُودَةُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: تَمامَ، أوِ انْقِضاءَ أرْبَعِينَ. حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأُعْرِبَ إعْرابَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكِ أوِ النَّقا بَيْنَهُما أسْهُلا
أيْ إتْيانُ سَرْحَتَيْ مالِكٍ.
ولا يَجُوزُ نَصْبُ أرْبَعِينَ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ ظَرْفٌ مَعْدُودٌ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ العامِلِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أجْزائِهِ، والمُواعَدَةُ لَمْ تَقَعْ كَذَلِكَ. ولَيْلَةً: مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ الجائِي بَعْدَ تَمامِ الِاسْمِ، والعامِلُ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّمْيِيزِ اسْمُ العَدَدِ قَبْلَهُ، شَبَّهَ أرْبَعِينَ بِضارِبِينَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّمْيِيزِ عَلى اسْمِ العَدَدِ بِإجْماعٍ، ولا الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالمَجْرُورِ إلّا ضَرُورَةً، نَحْوَ:
؎عَلى أنَّنِي بَعْدَما قَدْ مَضى
؎ثَلاثُونَ لِلْهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا ∗∗∗ وعِشْرِينَ مِنها أُصْبُعًا مِن ورائِنا
ولا تَعْرِيفَ لِلتَّمْيِيزِ، خِلافًا لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ وأبِي الحُسَيْنِ بْنِ الطَّراوَةِ. وأوَّلَ أصْحابُنا ما حَكاهُ أبُو زَيْدِ الأنْصارِيُّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ما فَعَلَتِ العِشْرُونَ الدِّرْهَمَ، وما جاءَ نَحْوَ هَذا، مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّعْرِيفِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وكانَ تَفْسِيرُ الأرْبَعِينَ بِلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ؛ لِأنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ لَيْلَةُ الهِلالِ، ولِهَذا أُرِّخَ بِاللَّيالِي، واعْتِمادُ العَرَبِ عَلى الأهِلَّةِ، فَصارَتِ الأيّامُ تَبَعًا لِلَّيالِي، أوْ لِأنَّ الظُّلْمَةَ أقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ بِدَلِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، أوْ دَلالَةً عَلى مُواصَلَتِهِ الصَّوْمَ لَيْلًا ونَهارًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّفْسِيرُ بِاليَوْمِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَّيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَّيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها.
(p-٢٠٠)وهَذِهِ المُواعَدَةُ لِلتَّكَلُّمِ، أوْ لِإنْزالِ التَّوْراةِ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ جاوَزَ البَحْرَ، وسَألَهُ قَوْمُهُ أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ إلى الطُّورِ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ بَنِي إسْرائِيلَ، وصَعِدَ الجَبَلَ وواعَدَهم إلى تَمامِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَعَدُوا فِيما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ عِشْرِينَ يَوْمًا وعَشَرَةَ لَيالٍ، فَقالُوا: قَدْ أخْلَفَنا مَوْعِدَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا. انْتَهى.
* *
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾: الجُمْهُورُ عَلى إدْغامِ الذّالِ في التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ مِنَ السَّبْعَةِ بِالإظْهارِ، ويَحْتَمِلُ اتَّخَذَ هُنا أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً لِواحِدٍ، أيْ صَنَعْتُمْ عِجْلًا، كَما قالَ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى، وتَقْدِيرُها: وعَبَدْتُمُوهُ إلَهًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، والأرْجَحُ القَوْلُ الأوَّلُ، إذْ لَوْ كانَ مِمّا يَتَعَدّى في هَذِهِ القِصَّةِ لِاثْنَيْنِ لَصَرَّحَ بِالثّانِي، ولَوْ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يُعَدَّ إلى اثْنَيْنِ بَلْ إلى واحِدٍ في هَذا المَوْضِعِ، وفي: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي: ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وفي قَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا: ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، لَكِنَّهُ يُرَجَّحُ القَوْلُ الثّانِي؛ لِاسْتِلْزامِ القَوْلِ الأوَّلِ حَذْفَ جُمْلَةٍ مِن هَذِهِ الآياتِ، ولا يَلْزَمُ في الثّانِي إلّا حَذْفَ المَفْعُولِ، وحَذْفُ المُفْرَدِ أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فِيهِ ذَمُّ الجَماعَةِ بِفِعْلِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الَّذِي عَمِلَ العِجْلَ هو السّامِرِيُّ، وسَيَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ، الكَلامُ فِيهِ وفي اسْمِهِ وحِكايَةِ إضْلالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]، وذَلِكَ عادَةُ العَرَبِ في كَلامِها، تَذُمُّ وتَمْدَحُ القَبِيلَةَ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِها. وعَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ ذَمُّهم بِما صَدَرَ مِنهم، والألِفُ واللّامُ في (العِجْلِ) عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ فِيهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لِلْعَهْدِ السّابِقِ، إذْ كانُوا قَدْ صَنَعُوا عِجْلًا ثُمَّ اتَّخَذُوا ذَلِكَ العِجْلَ إلَهًا، وكَوْنُهُ عِجْلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، فَيَكُونُ عِجْلًا حَقِيقَةً ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ حَقِيقَةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو مَجازٌ، أيْ عِجْلًا في الصُّورَةِ والشَّكْلِ؛ لِأنَّ السّامِرِيَّ صاغَهُ عَلى شَكْلِ العِجْلِ، وكانَ فِيما ذَكَرُوا صائِغًا، ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ مَجازًا، قالَهُ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. ومِن أغْرَبِ ما ذُهِبَ إلَيْهِ في هَذا العِجْلِ أنَّهُ سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهم عَجَّلُوا بِهِ قَبْلَ قُدُومِ مُوسى، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ سُمِّي هَذا عِجْلًا، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ.
﴿مِن بَعْدِهِ﴾، مِن: تُفِيدُ ابْتِداءَ الغايَةِ، ويَتَعارَضُ مَدْلُولُها مَعَ مَدْلُولِ ثُمَّ؛ لِأنَّ (ثُمَّ) تَقْتَضِي وُقُوعَ الِاتِّخاذِ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ المُواعَدَةِ، و(مِن) تَقْتَضِي ابْتِداءَ الغايَةِ في التَّعْدِيَةِ الَّتِي تَلِي المُواعَدَةَ، إذِ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى، ولا تُتَصَوَّرُ التَّعْدِيَةُ في الذّاتِ، فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ، وأقْرَبُ ما يُحْذَفُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ واعَدْنا، أيْ مِن بَعْدِ مُواعَدَتِهِ، فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ المَجازِ في أحَدِ الحَرْفَيْنِ، إلّا إنْ قُدِّرَ مَحْذُوفٌ غَيْرُ المُواعَدَةِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ، فَيَزُولُ التَّعارُضُ، إذِ المُهْلَةُ تَكُونُ بَيْنَ المُواعَدَةِ والِاتِّخاذِ. ويُبَيِّنُ المُهْلَةَ قِصَّةُ الأعْرافِ، إذْ بَيْنَ المُواعَدَةِ والِاتِّخاذِ هُناكَ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ، وابْتِداءُ الغايَةِ يَكُونُ عَقِيبَ الذَّهابِ إلى الطُّورِ، فَلَمْ تَتَوارَدِ المُهْلَةُ والِابْتِداءُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَزالَ التَّعارُضُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) يَعُودُ عَلى الذَّهابِ، أيْ مِن بَعْدِ الذَّهابِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المُواعَدَةَ تَقْتَضِي الذَّهابَ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] أيْ تَوارَتِ الشَّمْسُ، إذْ يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ: بِالعَشِيِّ، وأيْ فَأثَرْنَ بِالمَكانِ، إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ [العاديات: ١] ﴿فالمُورِياتِ﴾ [العاديات: ٢]، ﴿فالمُغِيراتِ﴾ [العاديات: ٣]، إذْ هَذِهِ الأفْعالُ لا تَكُونُ إلّا في مَكانٍ فاقْتَضَتْهُ ودَلَّتْ (p-٢٠١)عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الإنْجاءِ، أيْ مِن بَعْدِ الإنْجاءِ، وقِيلَ: عَلى الهُدى، أيْ مِن بَعْدِ الهُدى، وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ.
﴿وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ الظُّلْمِ، قِيلَ: ظالِمُونَ بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقِيلَ: بِتَعاطِي أسْبابِ هَلاكِها، وقِيلَ: بِرِضاكم فِعْلَ السّامِرِيِّ في اتِّخاذِهِ العِجْلَ، ولَمْ تُنْكِرُوا عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ غَيْرَ حالٍ، بَلْ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهم ظالِمُونَ، أيْ سَجِيَّتُهُمُ الظُّلْمُ، وهو وضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحَلِّها. وكانَ المَعْنى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وكُنْتُمْ ظالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . وأبْرَزَ هَذِهِ الجُمْلَةَ في صُورَةِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ؛ لِأنَّها أبْلَغُ وآكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ولِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ) العُمُومُ، وأنَّهم كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ إلّا هارُونَ، وقِيلَ: الَّذِينَ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ مِن قَوْمِ مُوسى ثَمانِيَةُ آلافِ رَجُلٍ، وقِيلَ: كُلُّهم عَبَدُوهُ إلّا هارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، قِيلَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: إلّا هارُونَ والسَّبْعِينَ رَجُلًا الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى. واتِّخاذُ السّامِرِيِّ العِجْلَ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، قِيلَ: لِأنَّهم مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم وكانَتْ عَلى صُوَرِ البَقَرِ، فَقالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، فَهَجَسَ في نَفْسِ السّامِرِيِّ أنْ يَفْتِنَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فاتَّخَذَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانَ بِمُوسى، فاتَّخَذَ عِجْلًا مِن جِنْسِ ما كانَ يَعْبُدُهُ، وفي اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً أوْ حُلُولِيَّةً، إذْ مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ واسْتِحالَةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ، تَبَيَّنَ لَهُ بِأوَّلِ وهْلَةٍ فَسادُ دَعْوى أنَّ العِجْلَ إلَهٌ. وقَدْ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما قَصَصًا كَثِيرًا مُخْتَلِفًا في سَبَبِ اتِّخاذِ العِجْلِ، وكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِهِ، وانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، إذْ لَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِها كِتابٌ ولا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَتَرَكْنا نَقْلَ ذَلِكَ عَلى عادَتِنا في هَذا الكِتابِ.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾: تَقَدَّمَتْ مَعانِي عَفا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَفا عَنْهُ مِن بابِ المَحْوِ والإذْهابِ، أوْ مِن بابِ التَّرْكِ، أوْ مِن بابِ السُّهُولَةِ. والعَفْوُ والصَّفْحُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى. وقالَ قَوْمٌ: لا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَّفْحِ إلّا في الذَّنْبِ، فَإنْ كانَ العَفْوُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ أوِ التَّسْهِيلِ، فَيَكُونُ (عَنْكم) عامُّ اللَّفْظِ خاصُّ المَعْنى؛ لِأنَّ العَفْوَ إنَّما كانَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم، وإنْ كانَ بِمَعْنى المَحْوِ، كانَ عامًّا لَفْظًا ومَعْنًى، فَإنَّهُ تَعالى تابَ عَلى مَن قُتِلَ، وعَلى مَن بَقِيَ، قالَ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] . ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى بَعْدَ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أنِّي قَبِلْتُ تَوْبَتَهم فَمَن قُتِلَ فَهو شَهِيدٌ، ومَن لَمْ يُقْتَلْ فَقَدْ تُبْتُ عَلَيْهِ وغَفَرْتُ لَهُ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: عَفَوْنا عَنْكم، أيْ بِسَبَبِ إتْيانِكم بِالتَّوْبَةِ، وهي قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: (مِن بَعْدِ ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى اتِّخاذِ العِجْلِ، وقِيلَ: إلى قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ.
(لَعَلَّكم): تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ في قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَتَّقُونَ)، لُغَةً ودَلالَةَ مَعْنًى بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. (تَشْكُرُونَ): أيْ تُثْنُونَ عَلَيْهِ تَعالى بِإسْدائِهِ نِعَمَهُ إلَيْكم، وتُظْهِرُونَ النِّعْمَةَ بِالثَّناءِ، وقالُوا: الشُّكْرُ بِاللِّسانِ، وهو الحَدِيثُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وبِالقَلْبِ، وهو اعْتِقادُ حَقِّ المُنْعِمِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، وبِالعَمَلِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣]، وبِاللَّهِ أيْ شُكْرًا لِلَّهِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَشْكُرُهُ حَقَّ شُكْرِهُ إلّا هو، وقالَ بَعْضُهم:
؎وشُكْرُ ذَوِي الإحْسانِ بِالقَوْلِ تارَةً وبِالقَلْبِ أُخْرى ثُمَّ بِالعَمَلِ الأسَنّى
؎وشُكْرِي لِرَبِّي لا بِقَلْبِي وطاعَتِي
ولا بِلِسانِي بَلْ بِهِ شُكْرُهُ عَنّا
ومَعْنى (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) أيْ عَفْوَ اللَّهِ عَنْكم؛ لِأنَّ العَفْوَ يَقْتَضِي الشُّكْرَ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ تُظْهِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في العَفْوِ، أوْ تَعْتَرِفُونَ بِنِعْمَتِي، أوْ تُدِيمُونَ طاعَتِي، أوْ تُقِرُّونَ بِعَجْزِكم عَنْ شُكْرِي. أرْبَعَةُ أقْوالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشُّكْرُ طاعَةُ الجَوارِحِ. وقالَ الجُنَيْدُ: الشُّكْرُ هو العَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ. وقالَ (p-٢٠٢)الشِّبْلِيُّ: التَّواضُعُ تَحْتَ رُؤْيَةِ المِنَّةِ. وقالَ الفُضَيْلُ: أنْ لا تَعْصِيَ اللَّهَ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ أنْ تَعْرِفَ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ. وقالَ ذُو النُّونِ: الشُّكْرُ لِمَن فَوْقَكَ بِالطّاعَةِ، ولِنَظِيرِكَ بِالمُكافَأةِ، ولِمَن دُونَكَ بِالإحْسانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: سُرْعَةُ العَفْوِ عَنْ عَظِيمِ الجُرْمِ دالَّةٌ عَلى حَقارَةِ المَعْفُوِّ عَنْهُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وهُؤَلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ عَبَدُوا العِجْلَ فَقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . انْتَهى كَلامُهُ. وناسَبَ تَرَجِّي الشُّكْرِ إثْرَ ذِكْرِ العَفْوِ؛ لِأنَّ العَفْوَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الزَّلَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي اتِّخاذُ العِجْلِ إلَهًا هو مِن أعْظَمِ أوْ أعْظَمُ إسْداءِ النِّعَمِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: هو التَّوْراةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ.
﴿والفُرْقانَ﴾: هو التَّوْراةُ، ومَعْناهُ أنَّهُ آتاهُ جامِعًا بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا وفُرْقانا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ مَعْناهُ: المَكْتُوبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِذِكْرِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ كِتابٍ لا تُعْطِي ذَلِكَ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ، أيْ زائِدَةٌ، وهو نَعْتٌ لِلْكِتابِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
قالَهُ الكِسائِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وإنَّما قَوْلُهُ: (وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ) مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. ولِذَلِكَ شَرْطٌ، وهو أنْ تَكُونَ الصِّفاتُ مُخْتَلِفَةَ المَعانِي. أوِ النَّصْرُ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ العَدُوِّ والوَلِيِّ في الغَرَقِ والنَّجاةِ، ومِنهُ قِيلَ لِيَوْمِ بَدْرٍ: يَوْمَ الفُرْقانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. أوِ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ. أوِ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. أوِ البُرْهانُ الفارِقُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ الفَرَجُ مِنَ الكُرَبِ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ مَعَ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أيْ فَرَجًا ومَخْرَجًا. وهَذا القَوْلُ راجِعٌ لِمَعْنى النَّصْرِ.
أوِ القُرْآنِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ آتى مُوسى ذِكْرَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ، ﷺ، حَتّى آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوِ القُرْآنُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، التَّقْدِيرُ: ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ وقُطْرُبٍ وثَعْلَبٍ، وقالُوا: هو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
التَّقْدِيرُ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ. ورَدَّ هَذا القَوْلَ مَكِّيٌّ والنَّحّاسُ وجَماعَةٌ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، ويَصِيرُ نَظِيرَ: أطْعَمْتُ زَيْدًا خُبْزًا ولَحْمًا، ويَكُونُ اللَّحْمُ أطْعَمْتَهُ غَيْرَ زَيْدٍ، ولِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ أنَّهُ يُشارِكُ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ في الحُكْمِ السّابِقِ، إذا كانَ العَطْفُ بِالحُرُوفِ المُشْتَرَكَةِ في ذَلِكَ، ولَيْسَ مِثْلَ ما مَثَّلُوا بِهِ مِن: وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَ، لِما هو مَذْكُورٌ في النَّحْوِ.
وقَدْ جاءَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] وذَكَرُوا جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ تَعالى مُوسى لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
أوِ انْفِراقُ البَحْرِ، قالَهُ يَمانٌ وقُطْرُبٌ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِسَبْقِ ذِكْرِ فَرْقِ البَحْرِ في قَوْلِهِ: (وإذْ فَرَقْنا) وبِذِكْرِ تَرْجِيَةِ الهِدايَةِ عَقِيبَ الفُرْقانِ، ولا يَلِيقُ إلّا بِالكِتابِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ، وإنْ سَبَقَ ذِكْرُ الِانْفِلاقِ، فَأُعِيدَ هُنا ونُصَّ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ آيَةٌ لِمُوسى مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وناسَبَ ذِكْرَ الهِدايَةِ بَعْدَ فَرْقِ البَحْرِ لِأنَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِدْقِ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ هو الهِدايَةُ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ النَّجاةُ والفَوْزُ، وبِفَرْقِ البَحْرِ حَصَلَ لَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ لَهم نِعْمَةَ الكِتابِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّياناتِ لَهم، ونِعْمَةَ النَّجاةِ مِن أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ مَقالَةً لِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالفُرْقانِ هُنا.
(p-٢٠٣)لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ: تَرْجِيَةٌ لِهِدايَتِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ. وفي لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ في لَعَلَّ هُنا، وفي قَوْلِهِ قَبْلُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أنَّهُ تَوَقُّعٌ، والَّذِي تَقَرَّرَ في النَّحْوِ أنَّهُ إنْ كانَ مُتَعَلِّقُ (لَعَلَّ) مَحْبُوبًا، كانَتْ لِلتَّرَجِّي، فَإنْ كانَ مَحْذُورًا، كانَتْ لِلتَّوَقُّعِ، كَقَوْلِكَ: لَعَلَّ العَدُوَّ يُقْدِمُ.
والشُّكْرُ والهِدايَةُ مِنَ المَحْبُوباتِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُعَبَّرَ عَنْ مَعْنى (لَعَلَّ) هُنا إلّا بِالتَّرَجِّي. قالَ القُشَيْرِيُّ: فُرْقانُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ نُورٌ في قُلُوبِهِمْ، يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، اتَّقُوا فَراسَةَ المُؤْمِنِ، المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا.
وذَلِكَ الفُرْقانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الإحْسانِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وناسَبَ تَرَجِّي الهِدايَةِ إثْرَ ذِكْرِ إتْيانِ مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ؛ لِأنَّ الكِتابَ بِهِ تَحْصُلُ الهِدايَةُ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢]، ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] . وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: فَرْقُ البَحْرِ بِهِمْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ صارَ اثْنَيْ عَشَرَ مَسْلَكًا عَلى عَدَدِ الأسْباطِ وبَيْنَ كُلِّ سِبْطٍ حاجِزٌ يَمْنَعُهم مِنَ الِازْدِحامِ دُونَ أنْ يَلْحَقَهم في ذَلِكَ اسْتِيحاشٌ؛ لِأنَّهُ صارَ في كُلِّ حاجِزٍ كُوًى بِحَيْثُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى ما نُقِلَ، وهو مِن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا الفَرْقُ هو النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ؛ لِأنَّ الأُولى هي التَّفْضِيلُ، والثّانِيَةَ هي الإنْجاءُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، والثّالِثَةَ هي هَذا الفَرْقُ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ وإغْراقِ أعْدائِهِمْ وهم يَنْظُرُونَ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في هَلاكِهِمْ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ذِكْرِ النِّعْمَةِ الرّابِعَةِ، وهي العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَكَرَ سَبَبَ ذَلِكَ، وأنَّهُ اتَّفَقَ ذَلِكَ لِغَيْبَةِ مُوسى عَنْهم لِمُناجاةِ رَبِّهِ، وأنَّهم عَلى قِصَرِ مُدَّةِ غَيْبَتِهِ انْخَدَعُوا بِما فَعَلَهُ السّامِرِيُّ هَذا، ولَمْ يَطُلْ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وخَلِيفَةُ مُوسى فِيهِمْ أخُوهُ هارُونُ يَنْهاهم فَلا يَنْتَهُونَ، ومَعَ هَذِهِ الزَّلَّةِ العَظِيمَةِ عَفا عَنْهم وتابَ عَلَيْهِمْ، فَأيُّ نِعْمَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعْمَةَ الخامِسَةَ وهي ثَمَرَةُ الوَعْدِ، وهو إتْيانُ مُوسى التَّوْراةَ الَّتِي بِها هِدايَتُهم، وفِيها مَصالِحُ دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.
وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ النِّعَمِ مُتَناسِقًا يَأْخُذُ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، وهو تَرْتِيبٌ زَمانِيٌّ، وهو أحَدُ التَّرْتِيباتِ الخَمْسَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، فَهو أوَّلٌ ثُمَّ وقَعَتِ النِّعَمُ بَعْدَهُ، وهي أفْعالٌ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، فَأوَّلُها الإنْجاءُ مِن سُوءِ العَذابِ - ذَبْحِ الأبْناءِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ - بِإخْراجِ مُوسى إيّاهم مِن مِصْرَ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْهِمْ تَسْلِيطٌ بَعْدَ هَذا الخُرُوجِ والإنْجاءِ، ثُمَّ فَرْقُ البَحْرِ بِهِمْ وإرائِهِمْ عِيانًا هَذا الخارِقَ العَظِيمَ، ثُمَّ وعْدُ اللَّهُ لِمُوسى بِمُناجاتِهِ، وذَهابُهُ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ اتِّخاذُهُمُ العِجْلَ، ثُمَّ العَفْوُ عَنْهم، ثُمَّ إيتاءُ مُوسى التَّوْراةَ. فانْظُرْ إلى حُسْنِ هَذِهِ الفُصُولِ الَّتِي انْتَظَمَتِ انْتِظامَ الدُّرِّ في أسْلاكِها، والزَّهْرِ في أفْلاكِها، كُلُّ فَصْلٍ مِنها قَدْ خُتِمَ بِمُناسِبِهِ، وارْتَقى في ذُرْوَةِ الفَصاحَةِ إلى أعْلى مَناصِبِهِ، وارِدًا مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ أمِينِهِ، لِسانِ مَن لَمْ يَتْلُ مِن قَبْلُ كِتابًا ولا خَطَّهُ بِيَمِينِهِ.
البقرة 2:52
﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: واعَدْنا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وعَدْنا بِغَيْرِ ألِفٍ هُنا، وفي الأعْرافِ وطَهَ. ويَحْتَمِلُ (واعَدْنا): أنْ يَكُونَ بِمَعْنى وعَدْنا، ويَكُونُ صَدَرَ مِن واحِدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنِ اثْنَيْنِ عَلى أصْلِ المُفاعَلَةِ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ وعَدَ مُوسى الوَحْيَ، ويَكُونُ مُوسى وعَدَ اللَّهَ المَجِيءَ لِلْمِيقاتِ، أوْ يَكُونُ الوَعْدُ مِنَ اللَّهِ وقَبُولُهُ كانَ مِن مُوسى، وقَبُولُ الوَعْدِ يُشْبِهُ الوَعْدَ. قالَ القَفّالُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الآدَمِيُّ يَعِدُ اللَّهَ بِمَعْنى يُعاهِدُهُ. وقِيلَ: وعَدَ: إذا كانَ عَنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وواعَدَ إذا كانَ عَنْ طَلَبٍ. وقَدْ رَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ مَن قَرَأ (وعَدْنا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وأنْكَرَ قِراءَةَ مَن قَرَأ: واعَدْنا بِالألِفِ، ووافَقَهُ عَلى مَعْنى ما قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المُواعَدَةُ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: أكْثَرُ ما تَكُونُ المُواعَدَةُ مِنَ المَخْلُوقِينَ المُتَكافِئِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَعِدُ صاحِبَهُ، وقَدْ مَرَّ تَخْرِيجُ واعَدَ عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، ولا وجْهَ لِتَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَواتِرٌ، فَهُما في الصِّحَّةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ بِألِفٍ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، والأعْمَشِ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ. مُوسى: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ. وذَكَرَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ مُحَمَّدُ بْنُ أسْعَدَ بْنِ عَلِيٍّ الحِوّانِيُّ النَّسّابَةُ: أنَّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - هو: مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنُ قاهِثَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظِ مُوسى العَلَمِ. وأمّا مُوسى الحَدِيدَةُ، الَّتِي يُحْلَقُ بِها الشَّعَرُ، فَهي مُؤَنَّثَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن: أسَوْتُ الشَّيْءَ: إذا أصْلَحْتَهُ، ووَزْنُها مُفْعَلٌ، وأصْلُها الهَمْزُ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن: أوْسَيْتُ: إذا حَلَقْتُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ أشْبَهُ بِها، ولا أصْلَ لِلْواوِ في الهَمْزِ عَلى هَذا.
أرْبَعِينَ لَيْلَةً: ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ، أوْ ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ عَلِيٌّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ باءِ (أرْبِعِينَ) شاذًّا اتِّباعًا. ونُصِبَ (أرْبَعِينَ) عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِواعَدْنا، عَلى أنَّها هي المَوْعُودَةُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: تَمامَ، أوِ انْقِضاءَ أرْبَعِينَ. حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأُعْرِبَ إعْرابَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكِ أوِ النَّقا بَيْنَهُما أسْهُلا
أيْ إتْيانُ سَرْحَتَيْ مالِكٍ.
ولا يَجُوزُ نَصْبُ أرْبَعِينَ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ ظَرْفٌ مَعْدُودٌ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ العامِلِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أجْزائِهِ، والمُواعَدَةُ لَمْ تَقَعْ كَذَلِكَ. ولَيْلَةً: مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ الجائِي بَعْدَ تَمامِ الِاسْمِ، والعامِلُ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّمْيِيزِ اسْمُ العَدَدِ قَبْلَهُ، شَبَّهَ أرْبَعِينَ بِضارِبِينَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّمْيِيزِ عَلى اسْمِ العَدَدِ بِإجْماعٍ، ولا الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالمَجْرُورِ إلّا ضَرُورَةً، نَحْوَ:
؎عَلى أنَّنِي بَعْدَما قَدْ مَضى
؎ثَلاثُونَ لِلْهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا ∗∗∗ وعِشْرِينَ مِنها أُصْبُعًا مِن ورائِنا
ولا تَعْرِيفَ لِلتَّمْيِيزِ، خِلافًا لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ وأبِي الحُسَيْنِ بْنِ الطَّراوَةِ. وأوَّلَ أصْحابُنا ما حَكاهُ أبُو زَيْدِ الأنْصارِيُّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ما فَعَلَتِ العِشْرُونَ الدِّرْهَمَ، وما جاءَ نَحْوَ هَذا، مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّعْرِيفِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وكانَ تَفْسِيرُ الأرْبَعِينَ بِلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ؛ لِأنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ لَيْلَةُ الهِلالِ، ولِهَذا أُرِّخَ بِاللَّيالِي، واعْتِمادُ العَرَبِ عَلى الأهِلَّةِ، فَصارَتِ الأيّامُ تَبَعًا لِلَّيالِي، أوْ لِأنَّ الظُّلْمَةَ أقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ بِدَلِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، أوْ دَلالَةً عَلى مُواصَلَتِهِ الصَّوْمَ لَيْلًا ونَهارًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّفْسِيرُ بِاليَوْمِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَّيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَّيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها.
(p-٢٠٠)وهَذِهِ المُواعَدَةُ لِلتَّكَلُّمِ، أوْ لِإنْزالِ التَّوْراةِ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ جاوَزَ البَحْرَ، وسَألَهُ قَوْمُهُ أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ إلى الطُّورِ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ بَنِي إسْرائِيلَ، وصَعِدَ الجَبَلَ وواعَدَهم إلى تَمامِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَعَدُوا فِيما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ عِشْرِينَ يَوْمًا وعَشَرَةَ لَيالٍ، فَقالُوا: قَدْ أخْلَفَنا مَوْعِدَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا. انْتَهى.
* *
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾: الجُمْهُورُ عَلى إدْغامِ الذّالِ في التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ مِنَ السَّبْعَةِ بِالإظْهارِ، ويَحْتَمِلُ اتَّخَذَ هُنا أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً لِواحِدٍ، أيْ صَنَعْتُمْ عِجْلًا، كَما قالَ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى، وتَقْدِيرُها: وعَبَدْتُمُوهُ إلَهًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، والأرْجَحُ القَوْلُ الأوَّلُ، إذْ لَوْ كانَ مِمّا يَتَعَدّى في هَذِهِ القِصَّةِ لِاثْنَيْنِ لَصَرَّحَ بِالثّانِي، ولَوْ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يُعَدَّ إلى اثْنَيْنِ بَلْ إلى واحِدٍ في هَذا المَوْضِعِ، وفي: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي: ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وفي قَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا: ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، لَكِنَّهُ يُرَجَّحُ القَوْلُ الثّانِي؛ لِاسْتِلْزامِ القَوْلِ الأوَّلِ حَذْفَ جُمْلَةٍ مِن هَذِهِ الآياتِ، ولا يَلْزَمُ في الثّانِي إلّا حَذْفَ المَفْعُولِ، وحَذْفُ المُفْرَدِ أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فِيهِ ذَمُّ الجَماعَةِ بِفِعْلِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الَّذِي عَمِلَ العِجْلَ هو السّامِرِيُّ، وسَيَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ، الكَلامُ فِيهِ وفي اسْمِهِ وحِكايَةِ إضْلالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]، وذَلِكَ عادَةُ العَرَبِ في كَلامِها، تَذُمُّ وتَمْدَحُ القَبِيلَةَ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِها. وعَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ ذَمُّهم بِما صَدَرَ مِنهم، والألِفُ واللّامُ في (العِجْلِ) عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ فِيهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لِلْعَهْدِ السّابِقِ، إذْ كانُوا قَدْ صَنَعُوا عِجْلًا ثُمَّ اتَّخَذُوا ذَلِكَ العِجْلَ إلَهًا، وكَوْنُهُ عِجْلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، فَيَكُونُ عِجْلًا حَقِيقَةً ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ حَقِيقَةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو مَجازٌ، أيْ عِجْلًا في الصُّورَةِ والشَّكْلِ؛ لِأنَّ السّامِرِيَّ صاغَهُ عَلى شَكْلِ العِجْلِ، وكانَ فِيما ذَكَرُوا صائِغًا، ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ مَجازًا، قالَهُ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. ومِن أغْرَبِ ما ذُهِبَ إلَيْهِ في هَذا العِجْلِ أنَّهُ سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهم عَجَّلُوا بِهِ قَبْلَ قُدُومِ مُوسى، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ سُمِّي هَذا عِجْلًا، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ.
﴿مِن بَعْدِهِ﴾، مِن: تُفِيدُ ابْتِداءَ الغايَةِ، ويَتَعارَضُ مَدْلُولُها مَعَ مَدْلُولِ ثُمَّ؛ لِأنَّ (ثُمَّ) تَقْتَضِي وُقُوعَ الِاتِّخاذِ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ المُواعَدَةِ، و(مِن) تَقْتَضِي ابْتِداءَ الغايَةِ في التَّعْدِيَةِ الَّتِي تَلِي المُواعَدَةَ، إذِ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى، ولا تُتَصَوَّرُ التَّعْدِيَةُ في الذّاتِ، فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ، وأقْرَبُ ما يُحْذَفُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ واعَدْنا، أيْ مِن بَعْدِ مُواعَدَتِهِ، فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ المَجازِ في أحَدِ الحَرْفَيْنِ، إلّا إنْ قُدِّرَ مَحْذُوفٌ غَيْرُ المُواعَدَةِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ، فَيَزُولُ التَّعارُضُ، إذِ المُهْلَةُ تَكُونُ بَيْنَ المُواعَدَةِ والِاتِّخاذِ. ويُبَيِّنُ المُهْلَةَ قِصَّةُ الأعْرافِ، إذْ بَيْنَ المُواعَدَةِ والِاتِّخاذِ هُناكَ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ، وابْتِداءُ الغايَةِ يَكُونُ عَقِيبَ الذَّهابِ إلى الطُّورِ، فَلَمْ تَتَوارَدِ المُهْلَةُ والِابْتِداءُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَزالَ التَّعارُضُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) يَعُودُ عَلى الذَّهابِ، أيْ مِن بَعْدِ الذَّهابِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المُواعَدَةَ تَقْتَضِي الذَّهابَ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] أيْ تَوارَتِ الشَّمْسُ، إذْ يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ: بِالعَشِيِّ، وأيْ فَأثَرْنَ بِالمَكانِ، إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ [العاديات: ١] ﴿فالمُورِياتِ﴾ [العاديات: ٢]، ﴿فالمُغِيراتِ﴾ [العاديات: ٣]، إذْ هَذِهِ الأفْعالُ لا تَكُونُ إلّا في مَكانٍ فاقْتَضَتْهُ ودَلَّتْ (p-٢٠١)عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الإنْجاءِ، أيْ مِن بَعْدِ الإنْجاءِ، وقِيلَ: عَلى الهُدى، أيْ مِن بَعْدِ الهُدى، وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ.
﴿وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ الظُّلْمِ، قِيلَ: ظالِمُونَ بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقِيلَ: بِتَعاطِي أسْبابِ هَلاكِها، وقِيلَ: بِرِضاكم فِعْلَ السّامِرِيِّ في اتِّخاذِهِ العِجْلَ، ولَمْ تُنْكِرُوا عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ غَيْرَ حالٍ، بَلْ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهم ظالِمُونَ، أيْ سَجِيَّتُهُمُ الظُّلْمُ، وهو وضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحَلِّها. وكانَ المَعْنى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وكُنْتُمْ ظالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . وأبْرَزَ هَذِهِ الجُمْلَةَ في صُورَةِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ؛ لِأنَّها أبْلَغُ وآكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ولِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ) العُمُومُ، وأنَّهم كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ إلّا هارُونَ، وقِيلَ: الَّذِينَ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ مِن قَوْمِ مُوسى ثَمانِيَةُ آلافِ رَجُلٍ، وقِيلَ: كُلُّهم عَبَدُوهُ إلّا هارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، قِيلَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: إلّا هارُونَ والسَّبْعِينَ رَجُلًا الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى. واتِّخاذُ السّامِرِيِّ العِجْلَ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، قِيلَ: لِأنَّهم مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم وكانَتْ عَلى صُوَرِ البَقَرِ، فَقالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، فَهَجَسَ في نَفْسِ السّامِرِيِّ أنْ يَفْتِنَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فاتَّخَذَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانَ بِمُوسى، فاتَّخَذَ عِجْلًا مِن جِنْسِ ما كانَ يَعْبُدُهُ، وفي اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً أوْ حُلُولِيَّةً، إذْ مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ واسْتِحالَةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ، تَبَيَّنَ لَهُ بِأوَّلِ وهْلَةٍ فَسادُ دَعْوى أنَّ العِجْلَ إلَهٌ. وقَدْ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما قَصَصًا كَثِيرًا مُخْتَلِفًا في سَبَبِ اتِّخاذِ العِجْلِ، وكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِهِ، وانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، إذْ لَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِها كِتابٌ ولا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَتَرَكْنا نَقْلَ ذَلِكَ عَلى عادَتِنا في هَذا الكِتابِ.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾: تَقَدَّمَتْ مَعانِي عَفا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَفا عَنْهُ مِن بابِ المَحْوِ والإذْهابِ، أوْ مِن بابِ التَّرْكِ، أوْ مِن بابِ السُّهُولَةِ. والعَفْوُ والصَّفْحُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى. وقالَ قَوْمٌ: لا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَّفْحِ إلّا في الذَّنْبِ، فَإنْ كانَ العَفْوُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ أوِ التَّسْهِيلِ، فَيَكُونُ (عَنْكم) عامُّ اللَّفْظِ خاصُّ المَعْنى؛ لِأنَّ العَفْوَ إنَّما كانَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم، وإنْ كانَ بِمَعْنى المَحْوِ، كانَ عامًّا لَفْظًا ومَعْنًى، فَإنَّهُ تَعالى تابَ عَلى مَن قُتِلَ، وعَلى مَن بَقِيَ، قالَ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] . ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى بَعْدَ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أنِّي قَبِلْتُ تَوْبَتَهم فَمَن قُتِلَ فَهو شَهِيدٌ، ومَن لَمْ يُقْتَلْ فَقَدْ تُبْتُ عَلَيْهِ وغَفَرْتُ لَهُ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: عَفَوْنا عَنْكم، أيْ بِسَبَبِ إتْيانِكم بِالتَّوْبَةِ، وهي قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: (مِن بَعْدِ ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى اتِّخاذِ العِجْلِ، وقِيلَ: إلى قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ.
(لَعَلَّكم): تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ في قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَتَّقُونَ)، لُغَةً ودَلالَةَ مَعْنًى بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. (تَشْكُرُونَ): أيْ تُثْنُونَ عَلَيْهِ تَعالى بِإسْدائِهِ نِعَمَهُ إلَيْكم، وتُظْهِرُونَ النِّعْمَةَ بِالثَّناءِ، وقالُوا: الشُّكْرُ بِاللِّسانِ، وهو الحَدِيثُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وبِالقَلْبِ، وهو اعْتِقادُ حَقِّ المُنْعِمِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، وبِالعَمَلِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣]، وبِاللَّهِ أيْ شُكْرًا لِلَّهِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَشْكُرُهُ حَقَّ شُكْرِهُ إلّا هو، وقالَ بَعْضُهم:
؎وشُكْرُ ذَوِي الإحْسانِ بِالقَوْلِ تارَةً وبِالقَلْبِ أُخْرى ثُمَّ بِالعَمَلِ الأسَنّى
؎وشُكْرِي لِرَبِّي لا بِقَلْبِي وطاعَتِي
ولا بِلِسانِي بَلْ بِهِ شُكْرُهُ عَنّا
ومَعْنى (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) أيْ عَفْوَ اللَّهِ عَنْكم؛ لِأنَّ العَفْوَ يَقْتَضِي الشُّكْرَ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ تُظْهِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في العَفْوِ، أوْ تَعْتَرِفُونَ بِنِعْمَتِي، أوْ تُدِيمُونَ طاعَتِي، أوْ تُقِرُّونَ بِعَجْزِكم عَنْ شُكْرِي. أرْبَعَةُ أقْوالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشُّكْرُ طاعَةُ الجَوارِحِ. وقالَ الجُنَيْدُ: الشُّكْرُ هو العَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ. وقالَ (p-٢٠٢)الشِّبْلِيُّ: التَّواضُعُ تَحْتَ رُؤْيَةِ المِنَّةِ. وقالَ الفُضَيْلُ: أنْ لا تَعْصِيَ اللَّهَ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ أنْ تَعْرِفَ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ. وقالَ ذُو النُّونِ: الشُّكْرُ لِمَن فَوْقَكَ بِالطّاعَةِ، ولِنَظِيرِكَ بِالمُكافَأةِ، ولِمَن دُونَكَ بِالإحْسانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: سُرْعَةُ العَفْوِ عَنْ عَظِيمِ الجُرْمِ دالَّةٌ عَلى حَقارَةِ المَعْفُوِّ عَنْهُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وهُؤَلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ عَبَدُوا العِجْلَ فَقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . انْتَهى كَلامُهُ. وناسَبَ تَرَجِّي الشُّكْرِ إثْرَ ذِكْرِ العَفْوِ؛ لِأنَّ العَفْوَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الزَّلَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي اتِّخاذُ العِجْلِ إلَهًا هو مِن أعْظَمِ أوْ أعْظَمُ إسْداءِ النِّعَمِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: هو التَّوْراةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ.
﴿والفُرْقانَ﴾: هو التَّوْراةُ، ومَعْناهُ أنَّهُ آتاهُ جامِعًا بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا وفُرْقانا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ مَعْناهُ: المَكْتُوبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِذِكْرِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ كِتابٍ لا تُعْطِي ذَلِكَ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ، أيْ زائِدَةٌ، وهو نَعْتٌ لِلْكِتابِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
قالَهُ الكِسائِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وإنَّما قَوْلُهُ: (وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ) مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. ولِذَلِكَ شَرْطٌ، وهو أنْ تَكُونَ الصِّفاتُ مُخْتَلِفَةَ المَعانِي. أوِ النَّصْرُ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ العَدُوِّ والوَلِيِّ في الغَرَقِ والنَّجاةِ، ومِنهُ قِيلَ لِيَوْمِ بَدْرٍ: يَوْمَ الفُرْقانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. أوِ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ. أوِ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. أوِ البُرْهانُ الفارِقُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ الفَرَجُ مِنَ الكُرَبِ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ مَعَ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أيْ فَرَجًا ومَخْرَجًا. وهَذا القَوْلُ راجِعٌ لِمَعْنى النَّصْرِ.
أوِ القُرْآنِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ آتى مُوسى ذِكْرَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ، ﷺ، حَتّى آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوِ القُرْآنُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، التَّقْدِيرُ: ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ وقُطْرُبٍ وثَعْلَبٍ، وقالُوا: هو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
التَّقْدِيرُ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ. ورَدَّ هَذا القَوْلَ مَكِّيٌّ والنَّحّاسُ وجَماعَةٌ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، ويَصِيرُ نَظِيرَ: أطْعَمْتُ زَيْدًا خُبْزًا ولَحْمًا، ويَكُونُ اللَّحْمُ أطْعَمْتَهُ غَيْرَ زَيْدٍ، ولِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ أنَّهُ يُشارِكُ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ في الحُكْمِ السّابِقِ، إذا كانَ العَطْفُ بِالحُرُوفِ المُشْتَرَكَةِ في ذَلِكَ، ولَيْسَ مِثْلَ ما مَثَّلُوا بِهِ مِن: وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَ، لِما هو مَذْكُورٌ في النَّحْوِ.
وقَدْ جاءَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] وذَكَرُوا جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ تَعالى مُوسى لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
أوِ انْفِراقُ البَحْرِ، قالَهُ يَمانٌ وقُطْرُبٌ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِسَبْقِ ذِكْرِ فَرْقِ البَحْرِ في قَوْلِهِ: (وإذْ فَرَقْنا) وبِذِكْرِ تَرْجِيَةِ الهِدايَةِ عَقِيبَ الفُرْقانِ، ولا يَلِيقُ إلّا بِالكِتابِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ، وإنْ سَبَقَ ذِكْرُ الِانْفِلاقِ، فَأُعِيدَ هُنا ونُصَّ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ آيَةٌ لِمُوسى مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وناسَبَ ذِكْرَ الهِدايَةِ بَعْدَ فَرْقِ البَحْرِ لِأنَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِدْقِ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ هو الهِدايَةُ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ النَّجاةُ والفَوْزُ، وبِفَرْقِ البَحْرِ حَصَلَ لَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ لَهم نِعْمَةَ الكِتابِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّياناتِ لَهم، ونِعْمَةَ النَّجاةِ مِن أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ مَقالَةً لِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالفُرْقانِ هُنا.
(p-٢٠٣)لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ: تَرْجِيَةٌ لِهِدايَتِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ. وفي لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ في لَعَلَّ هُنا، وفي قَوْلِهِ قَبْلُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أنَّهُ تَوَقُّعٌ، والَّذِي تَقَرَّرَ في النَّحْوِ أنَّهُ إنْ كانَ مُتَعَلِّقُ (لَعَلَّ) مَحْبُوبًا، كانَتْ لِلتَّرَجِّي، فَإنْ كانَ مَحْذُورًا، كانَتْ لِلتَّوَقُّعِ، كَقَوْلِكَ: لَعَلَّ العَدُوَّ يُقْدِمُ.
والشُّكْرُ والهِدايَةُ مِنَ المَحْبُوباتِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُعَبَّرَ عَنْ مَعْنى (لَعَلَّ) هُنا إلّا بِالتَّرَجِّي. قالَ القُشَيْرِيُّ: فُرْقانُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ نُورٌ في قُلُوبِهِمْ، يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، اتَّقُوا فَراسَةَ المُؤْمِنِ، المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا.
وذَلِكَ الفُرْقانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الإحْسانِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وناسَبَ تَرَجِّي الهِدايَةِ إثْرَ ذِكْرِ إتْيانِ مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ؛ لِأنَّ الكِتابَ بِهِ تَحْصُلُ الهِدايَةُ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢]، ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] . وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: فَرْقُ البَحْرِ بِهِمْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ صارَ اثْنَيْ عَشَرَ مَسْلَكًا عَلى عَدَدِ الأسْباطِ وبَيْنَ كُلِّ سِبْطٍ حاجِزٌ يَمْنَعُهم مِنَ الِازْدِحامِ دُونَ أنْ يَلْحَقَهم في ذَلِكَ اسْتِيحاشٌ؛ لِأنَّهُ صارَ في كُلِّ حاجِزٍ كُوًى بِحَيْثُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى ما نُقِلَ، وهو مِن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا الفَرْقُ هو النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ؛ لِأنَّ الأُولى هي التَّفْضِيلُ، والثّانِيَةَ هي الإنْجاءُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، والثّالِثَةَ هي هَذا الفَرْقُ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ وإغْراقِ أعْدائِهِمْ وهم يَنْظُرُونَ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في هَلاكِهِمْ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ذِكْرِ النِّعْمَةِ الرّابِعَةِ، وهي العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَكَرَ سَبَبَ ذَلِكَ، وأنَّهُ اتَّفَقَ ذَلِكَ لِغَيْبَةِ مُوسى عَنْهم لِمُناجاةِ رَبِّهِ، وأنَّهم عَلى قِصَرِ مُدَّةِ غَيْبَتِهِ انْخَدَعُوا بِما فَعَلَهُ السّامِرِيُّ هَذا، ولَمْ يَطُلْ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وخَلِيفَةُ مُوسى فِيهِمْ أخُوهُ هارُونُ يَنْهاهم فَلا يَنْتَهُونَ، ومَعَ هَذِهِ الزَّلَّةِ العَظِيمَةِ عَفا عَنْهم وتابَ عَلَيْهِمْ، فَأيُّ نِعْمَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعْمَةَ الخامِسَةَ وهي ثَمَرَةُ الوَعْدِ، وهو إتْيانُ مُوسى التَّوْراةَ الَّتِي بِها هِدايَتُهم، وفِيها مَصالِحُ دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.
وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ النِّعَمِ مُتَناسِقًا يَأْخُذُ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، وهو تَرْتِيبٌ زَمانِيٌّ، وهو أحَدُ التَّرْتِيباتِ الخَمْسَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، فَهو أوَّلٌ ثُمَّ وقَعَتِ النِّعَمُ بَعْدَهُ، وهي أفْعالٌ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، فَأوَّلُها الإنْجاءُ مِن سُوءِ العَذابِ - ذَبْحِ الأبْناءِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ - بِإخْراجِ مُوسى إيّاهم مِن مِصْرَ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْهِمْ تَسْلِيطٌ بَعْدَ هَذا الخُرُوجِ والإنْجاءِ، ثُمَّ فَرْقُ البَحْرِ بِهِمْ وإرائِهِمْ عِيانًا هَذا الخارِقَ العَظِيمَ، ثُمَّ وعْدُ اللَّهُ لِمُوسى بِمُناجاتِهِ، وذَهابُهُ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ اتِّخاذُهُمُ العِجْلَ، ثُمَّ العَفْوُ عَنْهم، ثُمَّ إيتاءُ مُوسى التَّوْراةَ. فانْظُرْ إلى حُسْنِ هَذِهِ الفُصُولِ الَّتِي انْتَظَمَتِ انْتِظامَ الدُّرِّ في أسْلاكِها، والزَّهْرِ في أفْلاكِها، كُلُّ فَصْلٍ مِنها قَدْ خُتِمَ بِمُناسِبِهِ، وارْتَقى في ذُرْوَةِ الفَصاحَةِ إلى أعْلى مَناصِبِهِ، وارِدًا مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ أمِينِهِ، لِسانِ مَن لَمْ يَتْلُ مِن قَبْلُ كِتابًا ولا خَطَّهُ بِيَمِينِهِ.
البقرة 2:53
﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: واعَدْنا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: وعَدْنا بِغَيْرِ ألِفٍ هُنا، وفي الأعْرافِ وطَهَ. ويَحْتَمِلُ (واعَدْنا): أنْ يَكُونَ بِمَعْنى وعَدْنا، ويَكُونُ صَدَرَ مِن واحِدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنِ اثْنَيْنِ عَلى أصْلِ المُفاعَلَةِ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ وعَدَ مُوسى الوَحْيَ، ويَكُونُ مُوسى وعَدَ اللَّهَ المَجِيءَ لِلْمِيقاتِ، أوْ يَكُونُ الوَعْدُ مِنَ اللَّهِ وقَبُولُهُ كانَ مِن مُوسى، وقَبُولُ الوَعْدِ يُشْبِهُ الوَعْدَ. قالَ القَفّالُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الآدَمِيُّ يَعِدُ اللَّهَ بِمَعْنى يُعاهِدُهُ. وقِيلَ: وعَدَ: إذا كانَ عَنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وواعَدَ إذا كانَ عَنْ طَلَبٍ. وقَدْ رَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ مَن قَرَأ (وعَدْنا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وأنْكَرَ قِراءَةَ مَن قَرَأ: واعَدْنا بِالألِفِ، ووافَقَهُ عَلى مَعْنى ما قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المُواعَدَةُ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: أكْثَرُ ما تَكُونُ المُواعَدَةُ مِنَ المَخْلُوقِينَ المُتَكافِئِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَعِدُ صاحِبَهُ، وقَدْ مَرَّ تَخْرِيجُ واعَدَ عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، ولا وجْهَ لِتَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَواتِرٌ، فَهُما في الصِّحَّةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ بِألِفٍ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، والأعْمَشِ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ. مُوسى: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ. وذَكَرَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ مُحَمَّدُ بْنُ أسْعَدَ بْنِ عَلِيٍّ الحِوّانِيُّ النَّسّابَةُ: أنَّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - هو: مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنُ قاهِثَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظِ مُوسى العَلَمِ. وأمّا مُوسى الحَدِيدَةُ، الَّتِي يُحْلَقُ بِها الشَّعَرُ، فَهي مُؤَنَّثَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن: أسَوْتُ الشَّيْءَ: إذا أصْلَحْتَهُ، ووَزْنُها مُفْعَلٌ، وأصْلُها الهَمْزُ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن: أوْسَيْتُ: إذا حَلَقْتُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ أشْبَهُ بِها، ولا أصْلَ لِلْواوِ في الهَمْزِ عَلى هَذا.
أرْبَعِينَ لَيْلَةً: ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ، أوْ ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ عَلِيٌّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ باءِ (أرْبِعِينَ) شاذًّا اتِّباعًا. ونُصِبَ (أرْبَعِينَ) عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِواعَدْنا، عَلى أنَّها هي المَوْعُودَةُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: تَمامَ، أوِ انْقِضاءَ أرْبَعِينَ. حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأُعْرِبَ إعْرابَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكِ أوِ النَّقا بَيْنَهُما أسْهُلا
أيْ إتْيانُ سَرْحَتَيْ مالِكٍ.
ولا يَجُوزُ نَصْبُ أرْبَعِينَ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ ظَرْفٌ مَعْدُودٌ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ العامِلِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أجْزائِهِ، والمُواعَدَةُ لَمْ تَقَعْ كَذَلِكَ. ولَيْلَةً: مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ الجائِي بَعْدَ تَمامِ الِاسْمِ، والعامِلُ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّمْيِيزِ اسْمُ العَدَدِ قَبْلَهُ، شَبَّهَ أرْبَعِينَ بِضارِبِينَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّمْيِيزِ عَلى اسْمِ العَدَدِ بِإجْماعٍ، ولا الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالمَجْرُورِ إلّا ضَرُورَةً، نَحْوَ:
؎عَلى أنَّنِي بَعْدَما قَدْ مَضى
؎ثَلاثُونَ لِلْهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا ∗∗∗ وعِشْرِينَ مِنها أُصْبُعًا مِن ورائِنا
ولا تَعْرِيفَ لِلتَّمْيِيزِ، خِلافًا لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ وأبِي الحُسَيْنِ بْنِ الطَّراوَةِ. وأوَّلَ أصْحابُنا ما حَكاهُ أبُو زَيْدِ الأنْصارِيُّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ما فَعَلَتِ العِشْرُونَ الدِّرْهَمَ، وما جاءَ نَحْوَ هَذا، مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّعْرِيفِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وكانَ تَفْسِيرُ الأرْبَعِينَ بِلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ؛ لِأنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ لَيْلَةُ الهِلالِ، ولِهَذا أُرِّخَ بِاللَّيالِي، واعْتِمادُ العَرَبِ عَلى الأهِلَّةِ، فَصارَتِ الأيّامُ تَبَعًا لِلَّيالِي، أوْ لِأنَّ الظُّلْمَةَ أقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ بِدَلِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، أوْ دَلالَةً عَلى مُواصَلَتِهِ الصَّوْمَ لَيْلًا ونَهارًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّفْسِيرُ بِاليَوْمِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَّيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَّيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها.
(p-٢٠٠)وهَذِهِ المُواعَدَةُ لِلتَّكَلُّمِ، أوْ لِإنْزالِ التَّوْراةِ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ جاوَزَ البَحْرَ، وسَألَهُ قَوْمُهُ أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ إلى الطُّورِ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ بَنِي إسْرائِيلَ، وصَعِدَ الجَبَلَ وواعَدَهم إلى تَمامِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَعَدُوا فِيما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ عِشْرِينَ يَوْمًا وعَشَرَةَ لَيالٍ، فَقالُوا: قَدْ أخْلَفَنا مَوْعِدَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا. انْتَهى.
* *
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾: الجُمْهُورُ عَلى إدْغامِ الذّالِ في التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ مِنَ السَّبْعَةِ بِالإظْهارِ، ويَحْتَمِلُ اتَّخَذَ هُنا أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً لِواحِدٍ، أيْ صَنَعْتُمْ عِجْلًا، كَما قالَ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى، وتَقْدِيرُها: وعَبَدْتُمُوهُ إلَهًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِمّا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، والأرْجَحُ القَوْلُ الأوَّلُ، إذْ لَوْ كانَ مِمّا يَتَعَدّى في هَذِهِ القِصَّةِ لِاثْنَيْنِ لَصَرَّحَ بِالثّانِي، ولَوْ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يُعَدَّ إلى اثْنَيْنِ بَلْ إلى واحِدٍ في هَذا المَوْضِعِ، وفي: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي: ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وفي قَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا: ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، لَكِنَّهُ يُرَجَّحُ القَوْلُ الثّانِي؛ لِاسْتِلْزامِ القَوْلِ الأوَّلِ حَذْفَ جُمْلَةٍ مِن هَذِهِ الآياتِ، ولا يَلْزَمُ في الثّانِي إلّا حَذْفَ المَفْعُولِ، وحَذْفُ المُفْرَدِ أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فِيهِ ذَمُّ الجَماعَةِ بِفِعْلِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الَّذِي عَمِلَ العِجْلَ هو السّامِرِيُّ، وسَيَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ، الكَلامُ فِيهِ وفي اسْمِهِ وحِكايَةِ إضْلالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]، وذَلِكَ عادَةُ العَرَبِ في كَلامِها، تَذُمُّ وتَمْدَحُ القَبِيلَةَ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِها. وعَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ ذَمُّهم بِما صَدَرَ مِنهم، والألِفُ واللّامُ في (العِجْلِ) عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ فِيهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لِلْعَهْدِ السّابِقِ، إذْ كانُوا قَدْ صَنَعُوا عِجْلًا ثُمَّ اتَّخَذُوا ذَلِكَ العِجْلَ إلَهًا، وكَوْنُهُ عِجْلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، فَيَكُونُ عِجْلًا حَقِيقَةً ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ حَقِيقَةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو مَجازٌ، أيْ عِجْلًا في الصُّورَةِ والشَّكْلِ؛ لِأنَّ السّامِرِيَّ صاغَهُ عَلى شَكْلِ العِجْلِ، وكانَ فِيما ذَكَرُوا صائِغًا، ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ مَجازًا، قالَهُ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. ومِن أغْرَبِ ما ذُهِبَ إلَيْهِ في هَذا العِجْلِ أنَّهُ سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهم عَجَّلُوا بِهِ قَبْلَ قُدُومِ مُوسى، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ سُمِّي هَذا عِجْلًا، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ.
﴿مِن بَعْدِهِ﴾، مِن: تُفِيدُ ابْتِداءَ الغايَةِ، ويَتَعارَضُ مَدْلُولُها مَعَ مَدْلُولِ ثُمَّ؛ لِأنَّ (ثُمَّ) تَقْتَضِي وُقُوعَ الِاتِّخاذِ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ المُواعَدَةِ، و(مِن) تَقْتَضِي ابْتِداءَ الغايَةِ في التَّعْدِيَةِ الَّتِي تَلِي المُواعَدَةَ، إذِ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى، ولا تُتَصَوَّرُ التَّعْدِيَةُ في الذّاتِ، فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ، وأقْرَبُ ما يُحْذَفُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ واعَدْنا، أيْ مِن بَعْدِ مُواعَدَتِهِ، فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ المَجازِ في أحَدِ الحَرْفَيْنِ، إلّا إنْ قُدِّرَ مَحْذُوفٌ غَيْرُ المُواعَدَةِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ، فَيَزُولُ التَّعارُضُ، إذِ المُهْلَةُ تَكُونُ بَيْنَ المُواعَدَةِ والِاتِّخاذِ. ويُبَيِّنُ المُهْلَةَ قِصَّةُ الأعْرافِ، إذْ بَيْنَ المُواعَدَةِ والِاتِّخاذِ هُناكَ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ، وابْتِداءُ الغايَةِ يَكُونُ عَقِيبَ الذَّهابِ إلى الطُّورِ، فَلَمْ تَتَوارَدِ المُهْلَةُ والِابْتِداءُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَزالَ التَّعارُضُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) يَعُودُ عَلى الذَّهابِ، أيْ مِن بَعْدِ الذَّهابِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المُواعَدَةَ تَقْتَضِي الذَّهابَ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] أيْ تَوارَتِ الشَّمْسُ، إذْ يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ: بِالعَشِيِّ، وأيْ فَأثَرْنَ بِالمَكانِ، إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ [العاديات: ١] ﴿فالمُورِياتِ﴾ [العاديات: ٢]، ﴿فالمُغِيراتِ﴾ [العاديات: ٣]، إذْ هَذِهِ الأفْعالُ لا تَكُونُ إلّا في مَكانٍ فاقْتَضَتْهُ ودَلَّتْ (p-٢٠١)عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الإنْجاءِ، أيْ مِن بَعْدِ الإنْجاءِ، وقِيلَ: عَلى الهُدى، أيْ مِن بَعْدِ الهُدى، وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ.
﴿وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ الظُّلْمِ، قِيلَ: ظالِمُونَ بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقِيلَ: بِتَعاطِي أسْبابِ هَلاكِها، وقِيلَ: بِرِضاكم فِعْلَ السّامِرِيِّ في اتِّخاذِهِ العِجْلَ، ولَمْ تُنْكِرُوا عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ غَيْرَ حالٍ، بَلْ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهم ظالِمُونَ، أيْ سَجِيَّتُهُمُ الظُّلْمُ، وهو وضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحَلِّها. وكانَ المَعْنى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وكُنْتُمْ ظالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . وأبْرَزَ هَذِهِ الجُمْلَةَ في صُورَةِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ؛ لِأنَّها أبْلَغُ وآكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ولِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ) العُمُومُ، وأنَّهم كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ إلّا هارُونَ، وقِيلَ: الَّذِينَ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ مِن قَوْمِ مُوسى ثَمانِيَةُ آلافِ رَجُلٍ، وقِيلَ: كُلُّهم عَبَدُوهُ إلّا هارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، قِيلَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: إلّا هارُونَ والسَّبْعِينَ رَجُلًا الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى. واتِّخاذُ السّامِرِيِّ العِجْلَ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، قِيلَ: لِأنَّهم مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم وكانَتْ عَلى صُوَرِ البَقَرِ، فَقالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، فَهَجَسَ في نَفْسِ السّامِرِيِّ أنْ يَفْتِنَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فاتَّخَذَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانَ بِمُوسى، فاتَّخَذَ عِجْلًا مِن جِنْسِ ما كانَ يَعْبُدُهُ، وفي اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً أوْ حُلُولِيَّةً، إذْ مَنِ اعْتَقَدَ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ واسْتِحالَةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ، تَبَيَّنَ لَهُ بِأوَّلِ وهْلَةٍ فَسادُ دَعْوى أنَّ العِجْلَ إلَهٌ. وقَدْ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما قَصَصًا كَثِيرًا مُخْتَلِفًا في سَبَبِ اتِّخاذِ العِجْلِ، وكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِهِ، وانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، إذْ لَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِها كِتابٌ ولا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَتَرَكْنا نَقْلَ ذَلِكَ عَلى عادَتِنا في هَذا الكِتابِ.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾: تَقَدَّمَتْ مَعانِي عَفا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَفا عَنْهُ مِن بابِ المَحْوِ والإذْهابِ، أوْ مِن بابِ التَّرْكِ، أوْ مِن بابِ السُّهُولَةِ. والعَفْوُ والصَّفْحُ مُتَقارِبانِ في المَعْنى. وقالَ قَوْمٌ: لا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَّفْحِ إلّا في الذَّنْبِ، فَإنْ كانَ العَفْوُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ أوِ التَّسْهِيلِ، فَيَكُونُ (عَنْكم) عامُّ اللَّفْظِ خاصُّ المَعْنى؛ لِأنَّ العَفْوَ إنَّما كانَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم، وإنْ كانَ بِمَعْنى المَحْوِ، كانَ عامًّا لَفْظًا ومَعْنًى، فَإنَّهُ تَعالى تابَ عَلى مَن قُتِلَ، وعَلى مَن بَقِيَ، قالَ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] . ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى بَعْدَ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أنِّي قَبِلْتُ تَوْبَتَهم فَمَن قُتِلَ فَهو شَهِيدٌ، ومَن لَمْ يُقْتَلْ فَقَدْ تُبْتُ عَلَيْهِ وغَفَرْتُ لَهُ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: عَفَوْنا عَنْكم، أيْ بِسَبَبِ إتْيانِكم بِالتَّوْبَةِ، وهي قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: (مِن بَعْدِ ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى اتِّخاذِ العِجْلِ، وقِيلَ: إلى قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم، والأوَّلُ أظْهَرُ.
(لَعَلَّكم): تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ في قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَتَّقُونَ)، لُغَةً ودَلالَةَ مَعْنًى بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. (تَشْكُرُونَ): أيْ تُثْنُونَ عَلَيْهِ تَعالى بِإسْدائِهِ نِعَمَهُ إلَيْكم، وتُظْهِرُونَ النِّعْمَةَ بِالثَّناءِ، وقالُوا: الشُّكْرُ بِاللِّسانِ، وهو الحَدِيثُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وبِالقَلْبِ، وهو اعْتِقادُ حَقِّ المُنْعِمِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، وبِالعَمَلِ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣]، وبِاللَّهِ أيْ شُكْرًا لِلَّهِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَشْكُرُهُ حَقَّ شُكْرِهُ إلّا هو، وقالَ بَعْضُهم:
؎وشُكْرُ ذَوِي الإحْسانِ بِالقَوْلِ تارَةً وبِالقَلْبِ أُخْرى ثُمَّ بِالعَمَلِ الأسَنّى
؎وشُكْرِي لِرَبِّي لا بِقَلْبِي وطاعَتِي
ولا بِلِسانِي بَلْ بِهِ شُكْرُهُ عَنّا
ومَعْنى (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) أيْ عَفْوَ اللَّهِ عَنْكم؛ لِأنَّ العَفْوَ يَقْتَضِي الشُّكْرَ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ تُظْهِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في العَفْوِ، أوْ تَعْتَرِفُونَ بِنِعْمَتِي، أوْ تُدِيمُونَ طاعَتِي، أوْ تُقِرُّونَ بِعَجْزِكم عَنْ شُكْرِي. أرْبَعَةُ أقْوالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشُّكْرُ طاعَةُ الجَوارِحِ. وقالَ الجُنَيْدُ: الشُّكْرُ هو العَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ. وقالَ (p-٢٠٢)الشِّبْلِيُّ: التَّواضُعُ تَحْتَ رُؤْيَةِ المِنَّةِ. وقالَ الفُضَيْلُ: أنْ لا تَعْصِيَ اللَّهَ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ أنْ تَعْرِفَ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ. وقالَ ذُو النُّونِ: الشُّكْرُ لِمَن فَوْقَكَ بِالطّاعَةِ، ولِنَظِيرِكَ بِالمُكافَأةِ، ولِمَن دُونَكَ بِالإحْسانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: سُرْعَةُ العَفْوِ عَنْ عَظِيمِ الجُرْمِ دالَّةٌ عَلى حَقارَةِ المَعْفُوِّ عَنْهُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وهُؤَلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ عَبَدُوا العِجْلَ فَقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . انْتَهى كَلامُهُ. وناسَبَ تَرَجِّي الشُّكْرِ إثْرَ ذِكْرِ العَفْوِ؛ لِأنَّ العَفْوَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الزَّلَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي اتِّخاذُ العِجْلِ إلَهًا هو مِن أعْظَمِ أوْ أعْظَمُ إسْداءِ النِّعَمِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: هو التَّوْراةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ.
﴿والفُرْقانَ﴾: هو التَّوْراةُ، ومَعْناهُ أنَّهُ آتاهُ جامِعًا بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا وفُرْقانا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ مَعْناهُ: المَكْتُوبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِذِكْرِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ كِتابٍ لا تُعْطِي ذَلِكَ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ، أيْ زائِدَةٌ، وهو نَعْتٌ لِلْكِتابِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
قالَهُ الكِسائِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وإنَّما قَوْلُهُ: (وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ) مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. ولِذَلِكَ شَرْطٌ، وهو أنْ تَكُونَ الصِّفاتُ مُخْتَلِفَةَ المَعانِي. أوِ النَّصْرُ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ العَدُوِّ والوَلِيِّ في الغَرَقِ والنَّجاةِ، ومِنهُ قِيلَ لِيَوْمِ بَدْرٍ: يَوْمَ الفُرْقانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. أوِ الفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ. أوِ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. أوِ البُرْهانُ الفارِقُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ زَيْدٍ، أوِ الفَرَجُ مِنَ الكُرَبِ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ مَعَ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أيْ فَرَجًا ومَخْرَجًا. وهَذا القَوْلُ راجِعٌ لِمَعْنى النَّصْرِ.
أوِ القُرْآنِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ آتى مُوسى ذِكْرَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ، ﷺ، حَتّى آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوِ القُرْآنُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، التَّقْدِيرُ: ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ وقُطْرُبٍ وثَعْلَبٍ، وقالُوا: هو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
التَّقْدِيرُ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ. ورَدَّ هَذا القَوْلَ مَكِّيٌّ والنَّحّاسُ وجَماعَةٌ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، ويَصِيرُ نَظِيرَ: أطْعَمْتُ زَيْدًا خُبْزًا ولَحْمًا، ويَكُونُ اللَّحْمُ أطْعَمْتَهُ غَيْرَ زَيْدٍ، ولِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ أنَّهُ يُشارِكُ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ في الحُكْمِ السّابِقِ، إذا كانَ العَطْفُ بِالحُرُوفِ المُشْتَرَكَةِ في ذَلِكَ، ولَيْسَ مِثْلَ ما مَثَّلُوا بِهِ مِن: وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَ، لِما هو مَذْكُورٌ في النَّحْوِ.
وقَدْ جاءَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] وذَكَرُوا جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ تَعالى مُوسى لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
أوِ انْفِراقُ البَحْرِ، قالَهُ يَمانٌ وقُطْرُبٌ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِسَبْقِ ذِكْرِ فَرْقِ البَحْرِ في قَوْلِهِ: (وإذْ فَرَقْنا) وبِذِكْرِ تَرْجِيَةِ الهِدايَةِ عَقِيبَ الفُرْقانِ، ولا يَلِيقُ إلّا بِالكِتابِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ، وإنْ سَبَقَ ذِكْرُ الِانْفِلاقِ، فَأُعِيدَ هُنا ونُصَّ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ آيَةٌ لِمُوسى مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وناسَبَ ذِكْرَ الهِدايَةِ بَعْدَ فَرْقِ البَحْرِ لِأنَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِدْقِ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ هو الهِدايَةُ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ النَّجاةُ والفَوْزُ، وبِفَرْقِ البَحْرِ حَصَلَ لَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ لَهم نِعْمَةَ الكِتابِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّياناتِ لَهم، ونِعْمَةَ النَّجاةِ مِن أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ مَقالَةً لِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالفُرْقانِ هُنا.
(p-٢٠٣)لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ: تَرْجِيَةٌ لِهِدايَتِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ. وفي لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ في لَعَلَّ هُنا، وفي قَوْلِهِ قَبْلُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أنَّهُ تَوَقُّعٌ، والَّذِي تَقَرَّرَ في النَّحْوِ أنَّهُ إنْ كانَ مُتَعَلِّقُ (لَعَلَّ) مَحْبُوبًا، كانَتْ لِلتَّرَجِّي، فَإنْ كانَ مَحْذُورًا، كانَتْ لِلتَّوَقُّعِ، كَقَوْلِكَ: لَعَلَّ العَدُوَّ يُقْدِمُ.
والشُّكْرُ والهِدايَةُ مِنَ المَحْبُوباتِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُعَبَّرَ عَنْ مَعْنى (لَعَلَّ) هُنا إلّا بِالتَّرَجِّي. قالَ القُشَيْرِيُّ: فُرْقانُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ نُورٌ في قُلُوبِهِمْ، يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، اتَّقُوا فَراسَةَ المُؤْمِنِ، المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا.
وذَلِكَ الفُرْقانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الإحْسانِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وناسَبَ تَرَجِّي الهِدايَةِ إثْرَ ذِكْرِ إتْيانِ مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ؛ لِأنَّ الكِتابَ بِهِ تَحْصُلُ الهِدايَةُ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢]، ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] . وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: فَرْقُ البَحْرِ بِهِمْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ صارَ اثْنَيْ عَشَرَ مَسْلَكًا عَلى عَدَدِ الأسْباطِ وبَيْنَ كُلِّ سِبْطٍ حاجِزٌ يَمْنَعُهم مِنَ الِازْدِحامِ دُونَ أنْ يَلْحَقَهم في ذَلِكَ اسْتِيحاشٌ؛ لِأنَّهُ صارَ في كُلِّ حاجِزٍ كُوًى بِحَيْثُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى ما نُقِلَ، وهو مِن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا الفَرْقُ هو النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ؛ لِأنَّ الأُولى هي التَّفْضِيلُ، والثّانِيَةَ هي الإنْجاءُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، والثّالِثَةَ هي هَذا الفَرْقُ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ وإغْراقِ أعْدائِهِمْ وهم يَنْظُرُونَ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في هَلاكِهِمْ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ذِكْرِ النِّعْمَةِ الرّابِعَةِ، وهي العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَكَرَ سَبَبَ ذَلِكَ، وأنَّهُ اتَّفَقَ ذَلِكَ لِغَيْبَةِ مُوسى عَنْهم لِمُناجاةِ رَبِّهِ، وأنَّهم عَلى قِصَرِ مُدَّةِ غَيْبَتِهِ انْخَدَعُوا بِما فَعَلَهُ السّامِرِيُّ هَذا، ولَمْ يَطُلْ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وخَلِيفَةُ مُوسى فِيهِمْ أخُوهُ هارُونُ يَنْهاهم فَلا يَنْتَهُونَ، ومَعَ هَذِهِ الزَّلَّةِ العَظِيمَةِ عَفا عَنْهم وتابَ عَلَيْهِمْ، فَأيُّ نِعْمَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعْمَةَ الخامِسَةَ وهي ثَمَرَةُ الوَعْدِ، وهو إتْيانُ مُوسى التَّوْراةَ الَّتِي بِها هِدايَتُهم، وفِيها مَصالِحُ دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.
وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ النِّعَمِ مُتَناسِقًا يَأْخُذُ بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، وهو تَرْتِيبٌ زَمانِيٌّ، وهو أحَدُ التَّرْتِيباتِ الخَمْسَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، فَهو أوَّلٌ ثُمَّ وقَعَتِ النِّعَمُ بَعْدَهُ، وهي أفْعالٌ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، فَأوَّلُها الإنْجاءُ مِن سُوءِ العَذابِ - ذَبْحِ الأبْناءِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ - بِإخْراجِ مُوسى إيّاهم مِن مِصْرَ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْهِمْ تَسْلِيطٌ بَعْدَ هَذا الخُرُوجِ والإنْجاءِ، ثُمَّ فَرْقُ البَحْرِ بِهِمْ وإرائِهِمْ عِيانًا هَذا الخارِقَ العَظِيمَ، ثُمَّ وعْدُ اللَّهُ لِمُوسى بِمُناجاتِهِ، وذَهابُهُ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ اتِّخاذُهُمُ العِجْلَ، ثُمَّ العَفْوُ عَنْهم، ثُمَّ إيتاءُ مُوسى التَّوْراةَ. فانْظُرْ إلى حُسْنِ هَذِهِ الفُصُولِ الَّتِي انْتَظَمَتِ انْتِظامَ الدُّرِّ في أسْلاكِها، والزَّهْرِ في أفْلاكِها، كُلُّ فَصْلٍ مِنها قَدْ خُتِمَ بِمُناسِبِهِ، وارْتَقى في ذُرْوَةِ الفَصاحَةِ إلى أعْلى مَناصِبِهِ، وارِدًا مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ أمِينِهِ، لِسانِ مَن لَمْ يَتْلُ مِن قَبْلُ كِتابًا ولا خَطَّهُ بِيَمِينِهِ.
البقرة 2:54
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] .
القَوْمُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإنَّما واحِدُهُ امْرُؤٌ، وقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وشَذَّ جَمْعُهُ، قالُوا: أقْوامٌ، وجَمْعُ جَمْعِهِ قالُوا: أقاوِيمٌ فَقِيلَ يُخْتَصُّ بِالرِّجالِ. قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ﴾ [الحجرات: ١١] . وقالَ زُهَيْرٌ:
؎أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ (p-٢٠٤)أمْ نِساءُ
(وقالَ آخَرُ):
؎قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي ∗∗∗ فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
(وقالَ آخَرُ):
؎لا يَبْعُدُنَّ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
وقِيلَ: لا يُخْتَصُّ بِالرِّجالِ بَلْ يَنْطَلِقُ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ﴾ [غافر: ٤١] كانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، قالَ هَذا القائِلُ: أمّا إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى التَّخْصِيصِ فَيَبْطُلُ العُمُومُ ويَكُونُ المُرادُ ذَلِكَ الشَّيْءَ المُخَصَّصَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، ويَكُونُ انْدِراجُ النِّساءِ في القَوْمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِتْباعِ وتَغْلِيبِ الرِّجالِ، والمَجازُ خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِراكِ، وسُمِّيَ الرِّجالُ قَوْمًا لِأنَّهم يَقُومُونَ بِالأُمُورِ.
البارِئُ: الخالِقُ، بَرَأ يَبْرَأُ: خَلَقَ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الخالِقِ والبارِئِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، ما يَدُلُّ عَلى التَّبايُنِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْكِيدِ.
وقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَهُما، فَقالَ: البارِئُ هو المُبْدِعُ المُحْدِثُ، والخالِقُ هو المُقَدِّرُ النّاقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بَرَأ وأنْشَأ وأبْدَعَ نَظائِرُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ، واللَّفْظُ لَهُ: وأصْلُهُ مِن تَبَرّى الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ، وهو انْفِصالُهُ مِنهُ، فالخَلْقُ قَدْ فُصِلُوا مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. انْتَهى. وقالَ أُمَيَّةُ: الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ في الأرْحامِ ماءً حَتّى يَصِيرَ دَمًا.
القَتْلُ: إزْهاقُ الرُّوحِ بِفِعْلِ أحَدٍ مِن طَعْنٍ أوْ ضَرْبٍ أوْ ذَبْحٍ أوْ خَنْقٍ أوْ ما شابَهَ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ مِن غَيْرِ فِعْلٍ فَهو مَوْتُ هَلاكٍ، والمُقَتَّلُ: المُذَلَّلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎بِسَهْمَيْكَ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
شَرَحُوهُ بِالمُذَلَّلِ.
خَيْرٌ: هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها شُذُوذًا في الكَلامِ فَنَقَصَ بِناؤُها فانْصَرَفَتْ، كَما حَذَفُوها شُذُوذًا في الشِّعْرِ مِن (أحَبِّ) الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ، وقالَ الأحْوَصُ:
؎وزادَنِي كَلَفًا بِالحُبِّ أنْ مُنِعْتُ ∗∗∗ وحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مُنِعا
وقَدْ نَطَقُوا بِالهَمْزَةِ في الشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ
وتَأْتِي خَيْرٌ أيْضًا، لا بِمَعْنى التَّفْضِيلِ، تَقُولُ: في زَيْدٍ خَيْرٌ، تُرِيدُ بِذَلِكَ خَصْلَةً جَمِيلَةً، ومُخَفَّفًا مِن خَيِّرٍ: رَجُلٌ خَيْرٌ، أيْ فِيهِ خَيْرٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] .
حَتّى: حَرْفٌ مَعْناهُ الكَثِيرُ فِيهِ الغايَةُ، وتَكُونُ لِلتَّعْلِيلِ، وإبْدالُ حائِها عَيْنًا لُغَةُ هُذَيْلٍ، وسُمِعَ فِيها الإمالَةُ قَلِيلًا، وأحْكامُها مُسْتَوْفاةٌ في النَّحْوِ. الرُّؤْيَةُ الإبْصارُ، والماضِي رَأى، عَيْنُهُ هَمْزَةٌ تُحْذَفُ في مُضارِعِهِ والأمْرِ مِنهُ وبِناءِ (أفْعَلَ) والأمْرِ مِنهُ، واسْمِ الفاعِلِ، واسْمِ المَفْعُولِ، تَقُولُ: يَرى وتَرى ونَرى وأرى زَيْدًا، وأرَيْتُ زَيْدًا، ورِ زَيْدًا، ومَرِ زَيْدًا، ومَرِيَ. وتَثْبُتُ في الرُّؤْيَةِ والرَّأْيِ والرُّؤْيا والمَرْأى والمَرْئِيِّ والمَرْأةُ واسْتَرْأى وأرْأى مِن كَذا، وفي ما أرْأهُ وأرْئِهِ في التَّعَجُّبِ، وهَذا الحَذْفُ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو إذا كانَ مَدْلُولُ رَأى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الإبْصارِ في يَقَظَةٍ أوْ نَوْمٍ أوْ الِاعْتِقادِ، فَإنْ كانَتْ رَأى بِمَعْنى أصابَ رِئَتَهُ، فَلا تُحْذَفُ الهَمْزَةُ، بَلْ تَقُولُ: رَآهُ يَرْآهُ: أيْ أصابَ رِئَتَهُ، نَقَلَهُ صاحِبُ كِتابِ الأمْرِ. ولُغَةُ تَمِيمٍ إثْباتُ الهَمْزِ فِيما حَذَفَ مِنهُ غَيْرُهم، فَيَقُولُونَ: يَرْأى وأرْئى ؟ وقالَ بَعْضُ العَرَبِ، فَجَمَعَ بَيْنَ حَذْفِ الهَمْزَةِ والإثْباتِ:
؎ألَمْ تَرَ ما لاقَيْتُ والدَّهْرُ أعْصَرُ ∗∗∗ ومَن يَتَمَلَّ العَيْشَ يَرْأى ويَسْمَعُ
الجَهْرَةُ: العَلانِيَةُ، ومِنهُ الجَهْرُ: ضِدُّ السِّرِّ، وفَتْحُ عَيْنِ هَذا النَّحْوِ مَسْمُوعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، مَقِيسٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ويُقالُ: جَهَرَ الرَّجُلُ الأمْرَ: كَشَفَهُ، وجَهَرَتِ الرَّكْيَةُ: أخْرَجَتْ ما فِيها مِنَ الحَمْأةِ وأظْهَرَتِ الماءَ، قالَ:(p-٢٠٥)
؎إذا ورَدْنا آجِنًا جَهَرْنا ∗∗∗ أوْ خالِيًا مِن أهْلِهِ عَمَّرْنا
والجَهْوَرِيُّ: العالِي الصَّوْتِ، وصَوْتٌ جَهِيرٌ: عالٍ، ووَجْهٌ جَهِيرٌ: ظاهِرُ الوَضاءَةِ، والأجْهَرُ: الأعْمى، سُمِّيَ عَلى الضِّدِّ.
البَعْثُ: الإحْياءُ، وأصْلُهُ الإثارَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أُنِيخُها ما بَدا لِي ثُمَّ أبْعَثُها ∗∗∗ كَأنَّها كاسِرٌ في الجَوِّ فَتْخاءُ
وقالَ آخَرُ:
؎وفِتْيانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحرَةٍ ∗∗∗ فَقامُوا جَمِيعًا بَيْنَ عاثٍ ونَشْوانِ
وقِيلَ: أصْلُهُ الإرْسالُ، ومِنهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، وتَأْتِي بِمَعْنى الإفاقَةِ مِنَ الغَشْيِ أوِ النَّوْمِ، ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي هو إزالَةُ ما يَمْنَعُ عَنِ التَّصَرُّفِ.
ظَلَّلَ: فَعَّلَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظِّلِّ، والظِّلُّ أصْلُهُ المَنفَعَةُ، والسَّحابَةُ ظُلَّةٌ لِما يَحْصُلُ تَحْتَها مِنَ الظِّلِّ، ومِنهُ قِيلَ: السُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ في الأرْضِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتَ مَوْلى العِزِّ أوْ في ظِلالِهِ ∗∗∗ ظَلَمْتَ ولَكِنْ لا يَدَيْ لَكَ بِالظُّلْمِ
الغَمامُ: اسْمُ جِنْسٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، تَقُولُ: غَمامَةٌ وغَمامٌ، نَحْوَ حَمامَةٍ وحَمامٍ، وهو السَّحابُ. وقِيلَ: ما ابْيَضَّ مِنَ السَّحابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَّحابِ وأرَقُّ، وسُمِّيَ غَمامًا؛ لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَّماءِ: أيْ يَسْتُرُهُ، ومِنهُ: الغَمُّ والغَمَمُ والأغَمُّ والغُمَّةُ والغُمّى والغَمّاءُ، وغُمَّ الهِلالُ: سُتِرَ، والنَّبْتُ الغَمِيمُ: هو الَّذِي يَسْتُرُ ما يُسامِتُهُ مِن وجْهِ الأرْضِ. المَنُّ: مَصْدَرُ مَنَنْتُ، أيْ قَطَعْتُ، والمَنُّ: الإحْسانُ، والمَنُّ: صَمْغَةٌ تَنْزِلُ عَلى الشَّجَرِ حُلْوَةٌ، وفي المُرادِ بِهِ في الآيَةِ أقْوالٌ سَتَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. السَّلْوى: اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُها سَلْواةٌ، قالَهُ الخَلِيلُ، والألِفُ فِيها لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ نَحْوَ: عَلْقى وعَلْقاةٌ، إذْ لَوْ كانَتْ لِلتَّأْنِيثِ لَما أُنِّثَ بِالهاءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكِ سَلْوَةٌ ∗∗∗ كَما انْتَفَضَ السَّلْواةُ مِن بَلَلِ القَطْرِ
وقالَ الكِسائِيُّ: السَّلْوى واحِدَةٌ، وجَمْعُها سَلاوًى. وقالَ الأخْفَشُ: جَمْعُهُ وواحِدُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ مُؤَرِّجٌ السُّدُوسِيُّ: السَّلْوى هو العَسَلُ بِلُغَةِ كِنانَةَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وقاسَمَها بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمْ ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها
وقالَ غَيْرُهُ: هو طائِرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ غَلِطَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ:
؎ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها
فَظَنَّ السَّلْوى العَسَلَ. وعَنْ هَذا جَوابانِ يُبَيِّنانِ أنَّ هَذا لَيْسَ غَلَطًا، أحَدُهُما ما نَقَلْناهُ عَنْ مُؤَرِّجٍ مِن كَوْنِهِ العَسَلَ بِلُغَةِ كِنانَةَ، والثّانِي: أنَّهُ تَجُوزُ في قَوْلِهِ: (نَشُورُها) لِأجْلِ القافِيَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأكْلِ بِالشَّوْرِ، عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
قالُوا: واشْتِقاقُ السَّلْوى مِنَ السَّلْوَةِ؛ لِأنَّهُ لِطِيبِهِ يُسْلِي عَنْ غَيْرِهِ. الطَّيِّبُ: فَيْعَلٌ مِن طابَ يَطِيبُ، وهو اللَّذِيذُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اخْتِصاصِ هَذا الوَزْنِ بِالمُعْتَلِّ إلّا ما شَذَّ، وفي تَخْفِيفِ هَذا النَّوْعِ. وبِالمُخَفَّفِ مِنهُ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، طَيْبَةَ.
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾: عَدَّ صاحِبُ المُنْتَخَبِ هَذا إنْعامًا خامِسًا. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُنْقَطِعَةٌ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أمَرَ بِالقَتْلِ، والقَتْلُ لا يَكُونُ نِعْمَةً، وضُعِّفَ بِأنَّ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ التَّنْبِيهَ عَلى ما بِهِ يَتَخَلَّصُونَ مِن عِقابِ الذَّنْبِ العَظِيمِ، وذَلِكَ هو التَّوْبَةُ. وإذا كانَ قَدْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ، فَلَأنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الدِّينِيَّةَ أوْلى. ولَمّا لَمْ يَكْمُلْ وصْفُ هَذِهِ النِّعْمَةِ إلّا بِمُقَدَّمَةِ ما تَسَبَّبَتْ عَنْهُ، قَدَّمَ ذِكْرَ ذَلِكَ، وهَذا الخِطابُ هو مُحاوَرَةُ مُوسى لِقَوْمِهِ حِينَ رَجَعَ مِنَ المِيقاتِ ووَجَدَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِقَوْمِهِ) لِلتَّبْلِيغِ وإقْبالِ مُوسى عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، ونِداؤُهُ بِلَفْظِ يا قَوْمِ، مُشْعِرٌ بِالتَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ، (p-٢٠٦)وأنَّهُ مِنهم وهم مِنهُ، ولِذَلِكَ أضافَهم إلى نَفْسِهِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: يا أخِي، ويا صَدِيقِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقَبُولِ ما يُلْقِي إلَيْهِ، بِخِلافِ أنْ لَوْ ناداهُ بِاسْمِهِ، أوْ بِالوَصْفِ القَبِيحِ الصّادِرِ مِنهُ. وفي ذَلِكَ أيْضًا هَزٌّ لَهم لِقَبُولِهِمُ الأمْرَ بِالتَّوْبَةِ، بَعْدَ تَقْرِيعِهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وأيُّ ظُلْمٍ أعْظَمُ مِنِ اتِّخاذِ إلَهٍ غَيْرِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . ونَصَّ عَلى أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أفْحَشُ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الإنْسانِ أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِ، فَإذا ظَلَمَها، كانَ ذَلِكَ أفْحَشَ مِن أنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ.
ويا قَوْمِ: مُنادًى مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَدْ حُذِفَتْ واجْتُزِئَ بِالكَسْرَةِ عَنْها، وهَذِهِ اللُّغَةُ أكْثَرُ ما في القُرْآنِ. وقَدْ جاءَ إثْباتُها كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: يا عِبادِي فاتَّقُونِ، بِإثْباتِ الياءِ ساكِنَةً، ويَجُوزُ فَتْحُها، فَتَقُولُ: يا غُلامِيَ، وفَتْحُ ما قَبْلَها وقَلْبُ الياءِ ألِفًا، فَتَقُولُ: يا غُلامًا. وأجازَ الأخْفَشُ حَذْفَ الألِفِ والِاجْتِزاءَ بِالفَتْحَةِ عَنْها، فَتَقُولُ: يا غُلامَ، وأجازَ ضَمَّهُ وهو عَلى نِيَّةِ الإضافَةِ فَتَقُولُ: يا غُلامُ، تُرِيدُ: يا غُلامِي. وعَلى ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ)، ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، هَكَذا أطْلَقُوا، وفَصَلَ بَعْضُهم بَيْنَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا أوِ اسْمًا، إنْ كانَ فِعْلًا فَلا يَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الضَّمِّ، ومَثَّلَ الفِعْلَ بِمِثْلِ: يا ضارِبِيَّ، فَلا يُجِيزُ في هَذا يا ضارِبُ، وظاهِرُ الخِطابِ اخْتِصاصُهُ بِمُتَّخِذِي العِجْلَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عَبَدَ ومَن لَمْ يَعْبُدْ، جُعِلُوا ظالِمِينَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَمْنَعُوهم ولَمْ يُقاتِلُوهم. والباءُ في ﴿بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ سَبَبِيَّةٌ، واحْتِمالُ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١] جاءَ هُنا، أيْ بِعَمَلِكُمُ العِجْلَ وعِبادَتِهِ، أوْ (بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ إلَهًا) . قالَ السُّلَمِيُّ: عِجْلُ كُلِّ واحِدٍ نَفْسُهُ، فَمَن أسْقَطَ مُرادَهُ وخالَفَ هَواهُ فَقَدْ بَرِئَ مِن ظُلْمِهِ.
﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ الفاءُ في (فَتُوبُوا) مَعَها التَّسْبِيبُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ، ولَمّا كانَ السّامِرِيُّ قَدْ عَمِلَ لَهم مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا، قِيلَ لَهم: تُوبُوا إلى بارِئِكم، أيْ مُنْشِئِكم ومُوجِدِكم مِنَ العَدَمِ، إذْ مُوجِدُ الأعْيانِ هو المُوجِدُ حَقِيقَةً. وأمّا عَمَلُ العِجْلِ واتِّخاذُهُ فَلَيْسَ فِيهِ إبْرازُ الذَّواتِ مِنَ العَدَمِ، إنَّما ذَلِكَ تَأْلِيفٌ تَرْكِيبِيٌّ، لا خَلْقَ أعْيانٍ، فَنُبِّهُوا بِلَفْظِ البارِي عَلى الصّانِعِ، أيِ الَّذِي أوْجَدَكم هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، لا الَّذِي صَنَعَهُ، مَصْنُوعٌ مِثْلَهُ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، كانَ ذِكْرُ البارِي هُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِظُهُورِ حَرَكَةِ الإعْرابِ في بارِئِكم، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الِاخْتِلاسُ، رَوَيَ ذَلِكَ عَنْهُ سِيبَوَيْهِ، ورُوِيَ عَنْهُ الإسْكانُ، وذَلِكَ إجْراءٌ لِلْمُنْفَصِلِ مِن كَلِمَتَيْنِ مَجْرى المُتَّصِلِ مِن كَلِمَةٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَسْكِينُ مِثْلَ إبِلٍ، فَأجْرى المَكْسُورانِ في بارِئِكم مَجْرى إبِلٍ، ومَنَعَ المُبَرِّدُ التَّسْكِينَ في حَرَكَةِ الإعْرابِ، وزَعَمَ أنَّ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لَحْنٌ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ أبا عَمْرٍو لَمْ يَقْرَأْ إلّا بِأثَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . ولُغَةُ العَرَبِ تُوافِقُهُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْكارُ المُبَرِّدِ لِذَلِكَ مُنْكَرٌ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
وقالَ آخَرُ:
؎رُحْتَ وفي رِجْلَيْكَ ما فِيهِما ∗∗∗ وقَدْ بَدا هَنُكَ مِنَ المِئْزَرِ
وقالَ آخَرُ:
؎أوْ نَهْرُ تَيْرى فَما تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
وقَدْ خَلَطَ المُفَسِّرُونَ هُنا في الرَّدِّ عَلى أبِي العَبّاسِ، فَأنْشَدُوا ما يَدُلُّ عَلى التَّسْكِينِ مِمّا لَيْسَتْ حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ إعْرابٍ. قالَ الفارِسِيُّ: أمّا حَرَكَةُ البِناءِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ النُّحاةُ في جَوازِ تَسْكِينِها، ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ما حَكاهُ أبُو زَيْدٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] . وقِراءَةُ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحارِبٍ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ تَسْكِينُ المَرْفُوعِ مِن يَعْلَمُهُ ونَحْوِهِ، ومِثْلُ تَسْكِينِ بارِئِكم، قِراءَةُ حَمْزَةَ، ﴿ومَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر: ٤٣] .
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: (بارِيِكم)، بِكَسْرِ الياءِ مِن (p-٢٠٧)غَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ. ولِهَذِهِ القِراءَةِ تَخْرِيجانِ أحَدُهُما: أنَّ الأصْلَ الهَمْزَةُ، وأنَّهُ مِن بَرَأ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِالإبْدالِ المَحْضِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إذْ قِياسُ هَذا التَّخْفِيفِ جَعْلُها بَيْنَ بَيْنٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ الأصْلُ بارِيكم، بِالياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ويَكُونُ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِمْ: بَرَيْتُ القَلَمَ: إذا أصْلَحْتَهُ، أوْ مِنَ البَرِيِّ: وهو التُّرابُ، ثُمَّ حُرِّكَ حَرْفُ العِلَّةِ، وإنْ كانَ قِياسُهُ تَقْدِيرًا لِحَرَكَةٍ في مِثْلِ هَذا رَفْعًا وجَرًّا، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ويَوْمًا تَوافَيْنا الهَوى غَيْرَ ماضِي
وقالَ آخَرُ:
؎ولَمْ تُخْتَضَبْ سُمُرُ العَوالِي بِالدَّمِ
وقالَ آخَرُ:
؎خَبِيثُ الثَّرى كَأبِي الأزِيدِ
وهَذا كُلُّهُ تَعْلِيلُ شُذُوذٍ. وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في اخْتِصاصِ ذِكْرِ البارِئِ هُنا كَلامًا حَسَنًا هَذا نَصُّهُ. فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ اخْتُصَّ هَذا المَوْضِعُ بِذِكْرِ البارِئِ ؟ قُلْتُ: البارِئُ هو الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ بَرِيئًا مِنَ التَّفاوُتِ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، ومُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ والصُّوَرِ المُتَبايِنَةِ، فَكانَ فِيهِ تَقْرِيعٌ بِما كانَ مِنهم مَن تَرْكِ عِبادَةِ العالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي بَرَأهم بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ عَلى الأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ، أبْرِياءٌ مِنَ التَّفاوُتِ والتَّنافُرِ إلى عِبادَةِ البَقَرِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَباوَةِ والبَلادَةِ. في أمْثالِ العَرَبِ: أبْلَدُ مِن ثَوْرٍ، حَتّى عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِسَخَطِ اللَّهِ ونُزُولِ أمْرِهِ بِأنْ يَفُكَّ ما رَكَّبَهُ مِن خَلْقِهِمْ ويَنْثُرَ ما نَظَمَ مِن صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ حِينَ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ في ذَلِكَ وغَبَطُوها بِعِبادَةِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: ظاهِرُ هَذا أنَّهُ القَتْلُ المَعْرُوفُ مِن إزْهاقِ الرُّوحِ. فَظاهِرُهُ أنَّهم يُباشِرُونَ قَتْلَ أنْفُسِهِمْ. والأمْرُ بِالقَتْلِ مِن مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَكُونُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إمّا بِكَوْنِهِ كانَتِ التَّوْراةُ في شَرِيعَتِهِ مُتَقَرِّرَةً بِقَتْلِ النَّفْسِ، وإمّا بِكَوْنِهِ أمَرَ ذَلِكَ بِأمْرٍ مُتَجَدِّدٍ عُقُوبَةً لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، والمَأْمُورُ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عُبّادُ العِجْلِ، أوْ مَن عَبَدَ ومَن لَمْ يَعْبُدْ. والمَعْنى: اقْتُلُوا الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ مَن أهْلِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، أيْ مِن أهْلِكم وجِلْدَتِكم، أوِ الجَمِيعُ مَأْمُورُونَ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أُمِرُوا بِأنْ يَسْتَسْلِمُوا لِلْقَتْلِ، وسُمِّيَ الِاسْتِسْلامُ لِلْقَتْلِ قَتْلًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقِيلَ: مَعْنى فاقْتُلُوا أنْفُسَكم: ذَلِّلُوا أهْواءَكم. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّقْتِيلَ بِمَعْنى التَّذْلِيلِ، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ حَسّانَ:
؎إنَّ الَّتِي عاطَيْتَنِي فَرَدَدْتُها ∗∗∗ قُتِلَتْ قُتِلْتَ فَهاتِها لَمْ تَقْتُلْ
فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: (فاقْتُلُوا)، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، الأوَّلُ: الأمْرُ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ. الثّانِي: الِاسْتِسْلامُ لِلْقَتْلِ. والثّالِثُ: التَّذْلِيلُ لِلْأهْواءِ. والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو الَّذِي نَقَلَهُ أكْثَرُ النّاسِ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، فَقِيلَ: وقَعَ القَتْلُ هَكَذا قَتَلُوا أنْفُسَهم بِأيْدِيهِمْ. وقِيلَ: قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن غَيْرِ تَعْيِينِ قاتِلٍ ولا مَقْتُولٍ. وقِيلَ: القاتِلُونَ هُمُ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا مَعَ هارُونَ، والمَقْتُولُونَ عُبّادُ العِجْلِ. وقِيلَ: القاتِلُونَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى في المُناجاةِ بِطُورِ سَيْناءَ، والمَقْتُولُونَ مَن عَداهم.
وإذا قُلْنا: إنَّ بَعْضَهم قَتَلَ بَعْضًا، فاخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ القَتْلِ، فَقِيلَ: اصْطَفُّوا صَفَّيْنِ، فاجْتَلَدُوا بِالسُّيُوفِ والخَناجِرِ، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى قِيلَ لَهم: كُفُّوا، فَكانَ ذَلِكَ شَهادَةً لِلْمَقْتُولِ، وتَوْبَةً لِلْقاتِلِ، وقِيلَ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظَلامًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: وقَفَ عُبّادُ العِجْلِ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلاحِ فَقَتَلُوهم. وقِيلَ: احْتَبى عُبّادُ العِجْلِ في أفَنِيَةِ دُورِهِمْ، أوْ في مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، وخَرَجَ عَلَيْهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وهم مُحْتَبُونَ فَقالَ: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ، أوْ مَدَّ طَرْفَهُ إلى قاتِلِهِ، أوِ اتَّقاهُ بِيَدٍ أوْ رِجْلٍ، فَيَقُولُونَ: آمِينَ. فَما حَلَّ أحَدٌ مِنهم حَبْوَتَهُ حَتّى قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا. وفي رِوايَةٍ، قالَ لَهم: مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّعْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ يُبْصِرُ ولَدَهُ ووالِدَهُ وجارَهُ وقَرِيبَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ المُضِيُّ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ ضَبابَةً (p-٢٠٨)وسَحابَةً سَوْداءَ لا يَتَباصَرُونَ تَحْتَها، وأُمِرُوا أنْ يَحْتَبُوا بِأفْنِيَةِ بُيُوتِهِمْ، ويَأْخُذَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ سُيُوفَهم، وقِيلَ لَهم: اصْبِرُوا، فَلَعَنَ اللَّهُ مَن مَدَّ طَرْفَهُ، أوْ حَلَّ حَبْوَتَهُ، أوِ اتَّقى بِيَدٍ أوْ رِجْلٍ، فَيَقُولُونَ: آمِينَ، فَقَتَّلُوهم إلى المَساءِ، حَتّى دَعا مُوسى وهارُونُ، قالا: يا رَبِّ هَلَكَتْ بَنُو إسْرائِيلَ البَقِيَّةَ البَقِيَّةَ، فَكُشِفَتِ السَّحابَةُ ونَزَلَتِ التَّوْبَةُ، فَسَقَطَتِ الشِّفارُ مِن أيْدِيهِمْ، وكانَتِ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا. انْتَهى ما نَقَلْناهُ مِن بَعْضِ ما أوْرَدَهُ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ القَتْلِ وفي القاتِلِينَ والمَقْتُولِينَ. وفي ذَلِكَ مِنَ الِاتِّعاظِ والِاعْتِبارِ ما يُوجِبُ مُبادَرَةَ الِازْدِجارِ عَنْ مُخالَفَةِ المَلِكِ القَهّارِ.
وانْظُرْ إلى لُطْفِ اللَّهِ بِهَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، إذْ جَعَلَ تَوْبَتَها في الإقْلاعِ عَنِ الذَّنْبِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ إلَيْهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾، إنْ قُلْنا: إنَّ التَّوْبَةَ هي نَفْسُ القَتْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تَوْبَتُهَمْ قَتْلَ أنْفُسِهِمْ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: فَتُوبُوا، والفاءُ كَهي في فَتُوبُوا مَعَها السَّبَبِيَّةُ. وإنْ قُلْنا: إنِ القَتْلَ هو تَمامُ تَوْبَتِهِمْ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمَعْنى فَأتْبِعُوا التَّوْبَةَ القَتْلَ تَتِمَّةً لِتَوْبَتِكم. وقَدْ أنْكَرَ في المُنْتَخَبِ كَوْنَ القَتْلِ يَكُونُ تَوْبَةً وجَعَلَ القَتْلَ شَرْطًا في التَّوْبَةِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ مَجازًا، كَما يُقالُ لِلْغاصِبِ إذا قَصَدَ التَّوْبَةَ: تَوْبَتُكَ رَدُّ ما غَصَبْتَ، يَعْنِي أنَّهُ لا تَتِمُّ تَوْبَتُكَ إلّا بِهِ، فَكَذَلِكَ هُنا. وتَعْدِيَةُ التَّوْبَةِ بِـ (إلى) مَعْناهُ الِانْتِهاءُ بِها إلى اللَّهِ، فَتَكُونُ بَرِيئَةً مِنَ الرِّياءِ في التَّوْبَةِ؛ لِأنَّهم إنْ راءَوْا بِها لَمْ تَكُنْ إلى اللَّهِ. ولا يُلْتَفَتُ إلى ما وقَعَ في المُنْتَخَبِ مِن أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم ما قَتَلُوا أنْفُسَهم بِأيْدِيهِمْ، إذْ قَدْ نَقَلْنا أنَّ مِنهم مَن قالَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِإجْماعٍ. وأمّا مَنعُ عَبْدِ الجَبّارِ ذَلِكَ مِن جِهَةِ العَقْلِ، بِأنَّ القَتْلَ هو نَقْضُ البِنْيَةِ الَّتِي عِنْدَهُ، يَجِبُ أنْ يَخْرُجَ مِن أنْ يَكُونَ حَيًّا، وما عَدا ذَلِكَ إنَّما يُسَمّى قَتِيلًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، قالَ: وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةَ إنَّما تَحْسُنُ لِكَوْنِها مَصالِحُ لِذَلِكَ المُكَلَّفِ، ولا يَكُونُ مَصْلَحَةً إلّا في الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، ولَيْسَ بَعْدَ القَتْلِ حالُ تَكْلِيفٍ حَتّى يَكُونَ القَتْلُ مَصْلَحَةً فِيهِ، وهَذا بِخِلافِ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ مِنَ الإماتَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْسُنُ أنْ يَفْعَلَهُ إذا كانَ صَلاحًا لِمُكَلَّفٍ آخَرَ، وبِخِلافِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِأنْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ أوْ يَقْطَعَ عُضْوًا مِن أعْضائِهِ، ولا يَحْصُلَ المَوْتُ عَقِيبَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الفِعْلِ حَيًّا لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ صَلاحًا في الأفْعالِ المُسْتَقْبَلَةِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَتِهِمْ في الِاعْتِزالِ مِن مُراعاةِ المَصْلَحَةِ. والكَلامُ مَعَهم في ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الدِّينِ، مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هُنا بِالمَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالقَتْلِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ الزَّواجِرِ والرَّوادِعِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ ذَلِكَ اعْتِبارُ حالِ المُكَلَّفِ، بَلْ يَصْنَعُ الزَّواجِرَ لِازْدِجارِ غَيْرِهِ، وإذا فَعَلَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي هو القَتْلُ بِمَن عَبَدَ العِجْلَ، اتَّعَظَ بِهِ غَيْرُهُ وانْكَفَّ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ إلّا بِالقَتْلِ.
وقَرَأ قَتادَةُ فِيما نَقَلَ الَمَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ والتَّبْرِيزِيُّ وغَيْرُهم: (فَأقِيلُوا أنْفُسَكم) وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قَرَأ قَتادَةُ: (فاقْتالُوا أنْفُسَكم) . فَأمّا فَأقِيلُوا، فَهو أمْرٌ مِنَ الإقالَةِ، وكَأنَّ المَعْنى: أنَّ أنْفُسَكم قَدْ تَوَرَّطَتْ في عَذابِ اللَّهِ بِهَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي تَعاطَيْتُمُوهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقَدْ هَلَكَتْ فَأقِيلُوها بِالتَّوْبَةِ والتِزامِ الطّاعَةِ، وأزِيلُوا آثارَ تِلْكَ المَعاصِي بِإظْهارِ الطّاعاتِ. وأمّا فاقْتالُوا أنْفُسَكم، فَقالُوا: هو افْتَعَلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ، أيْ فاسْتَقِيلُوها، والمَشْهُورُ اسْتَقالَ لا اقْتالَ. قالَ ابْنُ جِنِّي: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ عَيْنُها واوًا كاقْتادُوا، ويُحْتَمَلُ أْنَ تَكُونَ ياءً كَأقْياسٍ، والتَّصْرِيفُ يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِقالَةِ، كَما قالَ ابْنُ جِنِّي، فَهَذِهِ اللَّفْظَةُ لا شَكَّ مَسْمُوعَةٌ بِدَلِيلِ نَقْلِ قَتادَةَ لَها ويَكُونُ مِمّا جاءَتْ فِيهِ افْتَعَلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها افْتَعَلَ، وذَلِكَ نَحْوَ: اعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ. قالَ السُّلَمِيُّ: فَتُوبُوا إلى بارِئِكم: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِأسْرارِكم وقُلُوبِكم، فاقْتُلُوا أنْفُسَكم بِالتَّبَرِّي مِنها، فَإنَّها لا تَصْلُحُ لِبِساطِ الأُنْسِ. وقالَ الواسِطِيُّ: كانَتْ (p-٢٠٩)تَوْبَةُ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَ أنْفُسِهِمْ، ولِهَذِهِ الأُمَّةِ أشَدُّ، وهو إفْناءُ نُفُوسِهِمْ عَنْ مُرادِها مَعَ بَقاءِ رُسُومِ الهَياكِلِ. وقالَ فارِسٌ: التَّوْبَةُ مَحْوُ البَشَرِيَّةِ بِمُبايَناتِ الإلَهِيَّةِ. وقِيلَ: تُوبُوا إلَيْهِ مِن أفْعالِكم وأقْوالِكم وطاعاتِكم، واقْتُلُوا أنْفُسَكم في طاعاتِهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ عَمّا دُونَ اللَّهِ وعَنِ اللَّهِ بِالفَراغِ مِن طَلَبِ الجَزاءِ حَتّى تَرْجِعَ إلى أصْلِ العَدَمِ، ويَبْقى الحَقُّ كَما لَمْ يَزَلْ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللَّطائِفِ: التَّوْبَةُ بِقَتْلِ النَّفْسِ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ لَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ جَهْرًا، وهَذِهِ الأُمَّةُ قَتْلُ أنْفُسِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وأوَّلُ قَدَمٍ في القَصْدِ إلى اللَّهِ الخُرُوجُ عَنِ النَّفْسِ، تَوَهَّمَ النّاسُ أنَّ تَوْبَةَ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ أشَقَّ، ولا كَما تَوَهَّمُوا، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مُقاساةَ القَتْلِ مَرَّةً، وأمّا أهْلُ الخُصُوصِ فَفي كُلِّ لَحْظَةٍ قَتْلٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: فاقْتُلُوا؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيِ القَتْلُ: (خَيْرٌ لَكم) وقالَ بَعْضُهم: هو إشارَةٌ إلى المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: فَتُوبُوا واقْتُلُوا، فَأوْقَعَ المُفْرَدَ مَوْقِعَ التَّثْنِيَةِ، أيْ فالتَّوْبَةُ والقَتْلُ خَيْرٌ لَكم، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أيْ بَيْنَ ذَيْنِكَ أيِ الفارِضِ والبِكْرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎إنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى ∗∗∗ وكِلا ذَلِكَ وجْهٌ وقُبُلُ
أيْ: وكِلا ذَيْنِكَ، وهَذا يَنْبَنِي عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ: فاقْتُلُوا، هَلْ هو تَفْسِيرٌ لِلتَّوْبَةِ ؟ فَتَكُونُ التَّوْبَةُ هي القَتْلَ. فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكم مُفْرَدًا أُشِيرَ بِهِ إلى مُفْرَدٍ، وهو القَتْلُ، أوْ يَكُونُ القَتْلُ مُغايِرًا لِلتَّوْبَةِ، فَيَحْتَمِلُ هَذا الَّذِي قالَهُ هَذِهِ القائِلُ، ولَكِنَّ الأرْجَحَ: خَيْرٌ، إنْ كانَتْ لِلتَّفْضِيلِ فَقِيلَ: المَعْنى خَيْرٌ مِنَ العِصْيانِ والإصْرارِ عَلى الذَّنْبِ. وقِيلَ: خَيْرٌ مِن ثَمَرَةِ العِصْيانِ، وهو الهَلاكُ الَّذِي لَهم، إذِ الهَلاكُ المُتَناهِي خَيْرٌ مِنَ الهَلاكِ غَيْرِ المُتَناهِي، إذِ المَوْتُ لا بُدَّ مِنهُ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ. وكِلا هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لَيْسَ التَّفْضِيلُ عَلى بابِهِ، إذِ العِصْيانُ والهَلاكُ غَيْرُ المُتَناهِي لا خَيْرَ فِيهِ، فَيُوصَفُ غَيْرُهُ بِأنَّهُ أزْيَدُ في الخَيْرِيَّةِ عَلَيْهِ، ولَكِنْ يَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ.
لَكم: مُتَعَلِّقٌ بِخَيْرٍ إنْ كانَ لِلتَّفْضِيلِ، وإنْ كانَتْ عَلى أنَّها خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ خَبَرٌ كائِنٌ لَكم. والتَّخْرِيجانِ يَجْرِيانِ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ . والعِنْدِيَّةُ هُنا مَجازٌ، إذْ هي ظَرْفُ مَكانٍ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مَعْنى حُصُولِ ثَوابِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وكَرَّرَ (البارِئَ) بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ تَوْكِيدًا، ولِأنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَناسَبَ الإظْهارُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ هو راجِحٌ عِنْدَ الَّذِي أنْشَأكم، فَكَما رَأى أنَّ إنْشاءَكم راجِحٌ، رَأى أنَّ إعْدامَكم بِهَذا الطَّرِيقِ مِنَ القَتْلِ راجِحٌ، فَيَنْبَغِي التَّسْلِيمُ لَهُ في كُلِّ حالٍ، وتَلَقِّي ما يَرِدُ مِن قِبَلِهِ بِالقَبُولِ والِامْتِثالِ.
﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ عُطِفَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ، أيْ: فامْتَثَلْتُمْ ذَلِكَ فَتابَ عَلَيْكم. وتَكُونُ هاتانِ الجُمْلَتانِ مُنْدَرِجَتَيْنِ تَحْتَ الإضافَةِ إلى الظَّرْفِ الَّذِي هو: إذْ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ . وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَوْلِ مُوسى عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ تابَ عَلَيْكم، فَتَكُونُ الفاءُ إذْ ذاكَ رابِطَةً لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ المَحْذُوفَةِ هي وحَرْفُ الشَّرْطِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ، وذَلِكَ أنَّ الجَوابَ يَجُوزُ حَذْفُهُ كَثِيرًا لِلدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ وحْدَهُ دُونَ الأداةِ فَيَجُوزُ حَذْفُهُ إذا كانَ مَنفِيًّا بِـ (لا) في الكَلامِ الفَصِيحِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:(p-٢١٠)
؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْؤٍ ∗∗∗ وإنْ لا يَعْلُ مِفْرَقَكَ الحُسامُ
التَّقْدِيرُ: وإنْ لا تُطَلِّقْها يَعْلُ، فَإنْ كانَ غَيْرَ مَنفِيٍّ بِـ (لا) فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎سَقَتْهُ الرَّواعِدُ مِن صَيْفٍ وإنْ ∗∗∗ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يُعْدَما
التَّقْدِيرُ: وإنْ سَقَتْهُ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يُعْدَمَ الرِّيَّ، وذَلِكَ عَلى أحَدِ التَّخْرِيجَيْنِ في البَيْتِ، وكَذَلِكَ حَذْفُ فِعْلِ الشَّرْطِ وفِعْلِ الجَوابِ دُونَ أنْ يَجُوزَ في الضَّرُورَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ عَيِيًّا مُعْدِمًا قالَتْ وإنْ
التَّقْدِيرُ: وإنْ كانَ عَيِيًّا مُعْدِمًا أتَزَوَّجُهُ. وأمّا حَذْفُ فِعْلِ الشَّرْطِ وأداةِ الشَّرْطِ مَعًا، وإبْقاءُ الجَوابِ، فَلا يَجُوزُ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ. وأمّا جَزْمُ الفِعْلِ بَعْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ وأخَواتِهِما، فَلَهُ ولِتَعْلِيلِ ما ذَكَرْنا مِنَ الأحْكامِ مَكانٌ آخَرُ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ كَما قُلْنا: إخْبارٌ عَنِ المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ المُمْتَثِلِينَ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ عَلى الباقِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ القَتْلَ لِمَن قُتِلَ شَهادَةً، وتابَ عَلى الباقِينَ وعَفا عَنْهم. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ آدَمَ: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.