Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:55 – البقرة 2:74
المحتويات
البقرة 2:55
﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى﴾: هَذِهِ مُحاوَرَةُ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى، وذَلِكَ بَعْدَ مُحاوَرَتِهِ لَهم في الآيَةِ قَبْلَ هَذا. والضَّمِيرُ في (قُلْتُمْ) قِيلَ لِلسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ، وذُكِرَ في اخْتِيارِ السَّبْعِينَ كَيْفِيَّةٌ سَتَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في مَكانِها في الأعْرافِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: الَّذِينَ انْفَرَدُوا مَعَ هارُونَ ولَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. وقالَ بَعْضُ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ: تَظافَرَتْ أقْوالُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الصّاعِقَةُ هُمُ السَّبْعُونَ رَجُلًا الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى ومَضى بِهِمْ لِمِيقاتِ رَبِّهِ ومُناجاتِهِ، وما ذُكِرَ لا يُمْكِنُ مَعَ ذِكْرِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ القائِلَ ذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وهو هُنا بَعِيدٌ. وفي نِداءِ بَنِي إسْرائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ بِاسْمِهِ سُوءُ أدَبٍ مِنهم مَعَهُ، إذْ لَمْ يَقُولُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أوْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْ يا كَلِيمَ اللَّهِ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُشْعِرُ بِصِفاتِ التَّعْظِيمِ، وهي كانَتْ عادَتُهم مَعَهُ: ﴿يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ﴿يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] وقَدْ قالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ فِيما جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، ولَمْ يُرِيدُوا نَفْيَ الإيمانِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ (لَكَ) ولَمْ يَقُولُوا (بِكَ) نَحْوَ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ بِمُصَدِّقٍ. وقِيلَ مَعْناهُ: لَنْ نُقِرَّ لَكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وعَدّاهُ بِاللّامِ، وقَدْ جاءَ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا﴾ [آل عمران: ٨١] فَيَكُونُ المَعْنى: لَنْ نُقِرَّ لَكَ بِأنَّ التَّوْراةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ قَوْلِكَ بِالتَّوْراةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْيُ الكَمالِ، أيْ لا يَكْمُلُ إيمانُنا لَكَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ، ﷺ: «لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأهْلِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» .
﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ غايَةٍ، أخْبَرُوا بِنَفْيِ إيمانِهِمْ مُسْتَصْحَبًا إلى هَذِهِ الغايَةِ ومَفْهُومُها أنَّهم إذا رَأوُا اللَّهَ جَهْرَةً آمَنُوا، والرُّؤْيَةُ هُنا: هي البَصَرِيَّةُ، وهي الَّتِي لا حِجابَ دُونَها ولا ساتِرَ، وانْتِصابُ (جَهْرَةً) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُزِيلٌ لِاحْتِمالِ الرُّؤْيَةِ أنْ تَكُونَ مَنامًا أوْ عِلْمًا بِالقَلْبِ. والمَعْنى حَتّى نَرى اللَّهَ عِيانًا، وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: جَهَرَ بِالقِراءَةِ وبِالدُّعاءِ، أيْ أعْلَنَ بِها. فَأُرِيدَ بِها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فانْتِصابُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وفي: نَصْبِ هَذا النَّوْعِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. والأصَحُّ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالفِعْلِ السّابِقِ يُعَدّى إلى النَّوْعِ، كَما تَعَدّى إلى لَفْظِ المَصْدَرِ المُلاقى مَعَ الفِعْلِ (p-٢١١)فِي الِاشْتِقاقِ، وقِيلَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ الحَذْفِ، أيْ ذَوِي جَهْرَةٍ، أوْ عَلى مَعْنى جاهِرِينَ بِالرُّؤْيَةِ لا عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: رَجُلٌ صَوْمٌ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ لا تُرادُ هُنا. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ الجَهْرَةُ مِن صِفاتِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ مِن صِفاتِ الرّائِينَ، وثَمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ راجِعًا لِمَعْنى القَوْلِ، أوِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ قُلْتُمْ كَذا قَوْلًا جَهْرَةً أوْ جاهِرِينَ بِذَلِكَ القَوْلِ، لَمْ يُسِرُّوهُ ولَمْ يَتَكاتَمُوا بِهِ، بَلْ صَرَّحُوا بِهِ وجَهَرُوا بِأنَّهم أخْبَرُوا بِانْتِفاءِ الإيمانِ مُغِيًّا بِالرُّؤْيَةِ. والقَوْلُ بِأنَّ الجَهْرَةَ راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي عُبَيْدَةَ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِالرُّؤْيَةِ لا بِالقَوْلِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيبُ الفَصِيحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: جَهَرَةً، بِفَتْحِ الهاءِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ (جَهَرَةً) مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، فَتَكُونُ مَعْناها ومَعْنى (جَهْرَةً) المُسَكَّنَةِ الهاءِ سَواءً، ويَجْرِي فِيها مِنَ الإعْرابِ الوُجُوهُ الَّتِي سَبَقَتْ في (جَهْرَةً) . والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَمْعًا لَجاهِرٍ، كَما تَقُولُ: فاسِقٌ وفَسَقَةٌ، فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، أيْ جاهِرِينَ بِالرُّؤْيَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رادَّهم، وعَرَّفَهم أنَّ رُؤْيَةَ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ مُحالٌ، وأنَّ مَنِ اسْتَجازَ عَلى اللَّهِ الرُّؤْيَةَ، فَقَدْ جَعَلَهُ مِن جُمْلَةِ الأقْسامِ أوِ الإعْراضِ، فَرادُّوهُ بَعْدَ بَيانِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ البُرْهانِ، ولَجُّوا فَكانُوا في الكُفْرِ كَعَبَدَةِ العِجْلِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصّاعِقَةَ، كَما سَلَّطَ عَلى أُولَئِكَ القَتْلَ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الكُفْرَيْنِ ودَلالَةً عَلى عِظَمِها بِعِظَمِ المِحْنَةِ، اهـ كَلامُهُ. وهو مُصَرِّحٌ بِاسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالأبْصارِ. وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
ذَهَبَتِ القَدَرِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والنَّجّارِيَّةُ والجَهْمِيَّةُ ومَن شارَكَهم مِنَ الخَوارِجِ إلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ في حَقِّ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى إثْباتِ الرُّؤْيَةِ. فَقالَ الكَرّامِيَّةُ: يُرى في جِهَةِ فَوْقَ ولَهُ تَحْتٌ، ويُرى جِسْمًا، وقالَتِ المُشَبِّهَةُ: يُرى عَلى صُورَةٍ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لا مُقابِلًا، ولا مُحاذِيًا، ولا مُتَمَكِّنًا، ولا مُتَحَيِّزًا، ولا مُتَلَوِّنًا، ولا عَلى صُورَةٍ ولا هَيْئَةٍ، ولا عَلى اجْتِماعٍ وجِسْمِيَّةٍ، بَلْ يَراهُ المُؤْمِنُونَ، يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِخِلافِ المَخْلُوقاتِ كَما عَلِمُوهُ كَذَلِكَ قَبْلُ. وقَدِ اسْتَفاضَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثّابِتَةُ في رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْها. وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أصْعَبِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وقَدْ رَأيْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ مِن فُضَلاءِ الإمامِيَّةِ فِيها مُجَلَّدَةً كَبِيرَةً، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ اسْتِحالَةِ الرُّؤْيَةِ، لَكِنَّ عادَتَهُ تَحْمِيلُ الألْفاظِ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، خُصُوصًا ما يَجُرُّ إلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَصَبِيَّةِ فِيما لا يَنْبَغِي. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في رُؤْيَةِ الحَقِّ نَفْسَهُ، فَذَهَبَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّهُ لا يَرى نَفْسَهُ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنهم إلى أنَّهُ يَرى نَفْسَهُ، وذَهَبَ الكَعْبِيُّ إلى أنَّهُ لا يَرى نَفْسَهُ ولا غَيْرَهُ، وهَذا مَذْهَبُ النَّجّارِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.
﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾: أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْكم وأحاطَتْ بِكم. وأصْلُ الأخْذِ: القَبْضُ بِاليَدِ. والصّاعِقَةُ هُنا: هَلْ هي نارٌ مِنَ السَّماءِ أحْرَقَتْهم، أوِ المَوْتُ، أوْ جُنْدٌ سَماوِيٌّ سَمِعُوا حِسَّهم فَماتُوا، أوِ الفَزَعُ فَدامَ حَتّى ماتُوا، أوْ غُشِيَ عَلَيْهِمْ، أوِ العَذابُ الَّذِي يَمُوتُونَ مِنهُ أوْ صَيْحَةٌ سَماوِيَّةٌ ؟ أقْوالٌ، أصَحُّها: أنَّها سَبَبُ المَوْتِ، لا المَوْتُ، وإنْ كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ، قالَهُ المُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُدَّةَ مِنَ المَوْتِ أوِ الصَّعْقِ كانَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً. وقِيلَ: أصابَ مُوسى ما أصابَهم، وقِيلَ صُعِقَ ولَمْ يَمُتْ، قالُوا: وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ جاءَ: (فَلَمّا أفاقَ) في حَقِّ مُوسى وجاءَ: (ثُمَّ بَعَثْناكم) في حَقِّهِمْ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ البَعْثِ في القُرْآنِ بَعْثُ الأمْواتِ. وقِيلَ: غُشِيَ عَلَيْهِمْ كَهو ولَمْ يَمُوتُوا، والصَّعْقُ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ المَوْتِ، وقالَ جَرِيرٌ:
؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا
(p-٢١٢)والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم قَوْلُهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ إذْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَسْألُوا الرُّؤْيَةَ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وقِيلَ: سَبَبُ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم هو غَيْرُ هَذا القَوْلِ مِن كُفْرِهِمْ بِمُوسى، أوْ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ أوْ عِبادَةِ العِجْلِ. وقَرَأ عَمْرٌو عَلى الصَّعْقَةِ، واسْتَعْظَمَ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ حَيْثُ وقَعَ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، فَطَلَبُها في الدُّنْيا هو مُسْتَنْكَرٌ، أوْ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنِ العَبْدِ حالَ ما يَراهُ، فَكانَ طَلَبُها طَلَبًا لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي كانَ طَلَبُ الدَّلائِلِ الزّائِدَةِ تَعَنُّتًا ولِأنَّ في مَنعِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا ضَرْبًا مِنَ المَصْلَحَةِ المُهِمَّةِ لِلْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ اسْتُنْكِرَ.
﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ النَّظَرِ: أخْذُ الصَّعْقَةِ إيّاكم، أيْ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى ما حَلَّ بِكم مِنها، أوْ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَخِرُّ مَيِّتًا، أوْ إلى الأحْياءِ، أوْ تَعْلَمُونَ أنَّها تَأْخُذُكم. فَعَبَّرَ بِالنَّظَرِ عَنِ العِلْمِ، أوْ إلى آثارِ الصّاعِقَةِ في أجْسامِكم بَعْدَ أنْ بُعِثْتُمْ، أوْ يَنْظُرَ كُلٌّ مِنكم إلى إحْياءِ نَفْسِهِ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ العُزَيْرِ، قالُوا: حَيِيَ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، أوْ إلى أوائِلِ ما كانَ يَنْزِلُ مِنَ الصّاعِقَةِ قَبْلَ المَوْتِ، أوْ أنْتُمْ يُقابِلُ بَعْضُكم بَعْضًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: دُورُ آلِ فُلانٍ تَتَراءى، أيْ يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إجابَةُ السُّؤالِ في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لَهم، لَكانَ وجْهًا مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ، أيِ انْتَظَرْتُهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ لَيْسَ بِمَنقُولٍ، فَلا أجْسُرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ. وقَدْ عَدَّ صاحِبُ المُنْتَخَبِ هَذا إنْعامًا سادِسًا، وذَكَرَ في كَوْنِهِ إنْعامًا وُجُوهًا، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، والمَقْصُودُ ذِكْرُ ما يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ ذَلِكَ إنْعامًا، وهو أنَّ إحْياءَهم لِأنْ يَتُوبُوا عَنِ التَّعَنُّتِ، ولِأنْ يَتَخَلَّصُوا مِن ألِيمِ العِقابِ ويَفُوزُوا بِجَزِيلِ الثَّوابِ مَن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهم هَذا بَعْدَ أنْ كُلِّفَ عَبَدَةُ العِجْلِ بِالقَتْلِ ولا قَبْلَهُ. وقَدْ قِيلَ بِكُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمَلَ مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، والواوُ لا تَدُلُّ بِوَضْعِها عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ. قالَ بَعْضُهم: لَمّا أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مُناجاتِهِ، وأسْمَعَهم لَذِيذَ خِطابِهِ، اشْرَأبَّتْ نُفُوسُهم لِلْفَخْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ، فَعامَلَهُمُ اللَّهُ بِنَقِيضِ ما حَصَلَ في أنْفُسِهِمْ بِالصَّعْقَةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ تَأْدِيبًا لَهم وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] .
﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ودَلَّ العَطْفُ بِثُمَّ عَلى أنَّ بَيْنَ أخْذِ الصّاعِقَةِ والبَعْثِ زَمانًا تُتَصَوَّرُ فِيهِ المُهْلَةُ والتَّأْخِيرُ، هو زَمانُ ما نَشَأ عَنِ الصّاعِقَةِ مِنَ المَوْتِ، أوِ الغَشْيِ عَلى الخِلافِ الَّذِي مَرَّ. والبَعْثُ هُنا: الإحْياءُ، ذُكِرَ أنَّهم لَمّا ماتُوا لَمْ يَزَلْ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ في إَحْيائِهِمْ ويَقُولُ: يا رَبِّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ قَتَلْتَ خِيارَنا. حَتّى أحْياهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَحْيَوْنَ. وقِيلَ: مَعْنى البَعْثِ الإرْسالُ، أيْ أرْسَلْناكم. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ سَألُوا أنْ يَبْعَثَهم أنْبِياءَ فَبَعَثَهم أنْبِياءَ. وقِيلَ: مَعْنى البَعْثِ: الإفاقَةُ مِنَ الغَشْيَةِ، ويَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهم صُعِقُوا ولَمْ يَمُوتُوا. وقِيلَ: البَعْثُ هُنا: القِيامُ بِسُرْعَةٍ مِن مَصارِعِهِمْ، ومِنهُ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ؟ وقِيلَ مَعْنى البَعْثِ هُنا التَّعْلِيمُ، أيْ ثُمَّ عَلَّمْناكم مِن بَعْدِ جَهْلِكم، والمَوْتُ هُنا ظاهِرُهُ مُفارَقَةُ الرُّوحِ الجَسَدَ، وهَذا هو الحَقِيقَةُ، وكانَ إحْياؤُهم لِأجْلِ اسْتِيفاءِ أعْمارِهِمْ. ومَن قالَ: كانَ ذَلِكَ غَشْيًا وهُمُودًا كانَ المَوْتُ مَجازًا، قالَ تَعالى: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، والَّذِي أتاهُ مُقَدِّماتُهُ سُمِّيَتْ مَوْتًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وقُلْ لَهم بادِرُوا بِالعُذْرِ والتَمِسُوا ∗∗∗ قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ
(p-٢١٣)جَعَلَ نَفْسَهُ المَوْتَ لَمّا كانَ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وكَذَلِكَ إذا حُمِلَ المَوْتُ عَلى الجَهْلِ كانَ مَجازًا، وقَدْ كَنى عَنِ العِلْمِ بِالحَياةِ، وعَنِ الجَهْلِ بِالمَوْتِ. قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ الشّافِعِيُّ:
؎إنَّما النَّفْسُ كالزُّجاجَةِ والعِلْ ∗∗∗ مُ سِراجٌ وحِكْمَةُ اللَّهِ زَيْتُ
؎فَإذا أبْصَرْتَ فَإنَّكَ حَيٌّ ∗∗∗ وإذا أظْلَمْتَ فَإنَّكَ مَيْتُ
وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ:
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ∗∗∗ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
؎وذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وهو ماشٍ عَلى الثَّرى ∗∗∗ يُظَنُّ مِنَ الأحْياءِ وهو عَدِيمُ
ولا يَدْخُلُ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ في خِطابِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ لِلَّذِينِ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ولِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ولا يُسْتَعْمَلُ هَذا في المَوْتِ. وأخْطَأ ابْنُ قُتَيْبَةَ في زَعْمِهِ أنَّ مُوسى قَدْ ماتَ.
﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: وفي مُتَعَلِّقِ الشُّكْرِ أقْوالٌ يَنْبَنِي أكْثَرُها عَلى المُرادِ بِالبَعْثِ والمَوْتِ. فَمَن زَعَمَ أنَّهُما حَقِيقَةٌ قالَ: المَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ وسائِرِ نِعَمِهِ الَّتِي أسْداها إلَيْهِمْ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مَجازًا عَنْ إرْسالِهِمْ أنْبِياءَ، أوْ إثارَتِهِمْ مِنَ الغَشْيِ، أوْ تَعْلِيمِهِمْ بَعْدَ الجَهْلِ، جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ أحَدَ هَذِهِ المَجازاتِ. وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ إنْزالَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ وتَفْصِيلِ شَرائِعِهِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَرائِعُ. وقِيلَ: المَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بَعْدَما كَفَرْتُمُوها إذا رَأيْتُمْ بَأْسَ اللَّهِ في رَمْيِكم بِالصّاعِقَةِ وإذاقَتِكُمُ المَوْتَ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: إنَّما بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ في دارِ الدُّنْيا لِيُكَلِّفَهم ولِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الإيمانِ ومِن تَلافِي ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَرائِمِ. أمّا أنَّهُ كَلَّفَهم، فَلِقَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) . ولَفْظُ الشُّكْرِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطّاعاتِ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ في بَقاءِ تَكْلِيفِ مَن أُعِيدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومُعايَنَةِ الأهْوالِ الَّتِي تَضْطَرُّهُ وتُلْجِئُهُ إلى الِاعْتِرافِ بَعْدَ الِاقْتِرافِ. فَقالَ قَوْمٌ: سَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ لِيَكُونَ تَكْلِيفُهم مُعْتَبَرًا بِالِاسْتِدْلالِ دُونَ الِاضْطِرارِ. وقالَ قَوْمٌ: يَبْقى تَكْلِيفُهم لِئَلّا يَخْلُوَ بالِغٌ عاقِلٌ مِن تَعَبُّدٍ، ولا يُمْنَعُ حُكْمُ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]، وذَلِكَ حِينَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ، فَلَمّا نَتَقَ الجَبَلَ فَوْقَهم آمَنُوا وقَبِلُوها، فَكانَ إيمانُهم بِها إيمانَ اضْطِرارٍ، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، ومِثْلُهم قَوْمُ يُونُسَ في إيمانِهِمْ. اهـ كَلامُهُ.
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾، (الغَمامَ): مَفْعُولٌ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِالغَمامِ، كَما تَقُولُ: ظَلَّلْتُ عَلى فُلانٍ بِالرَّدِّ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لا عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، ويَكُونُ المَعْنى جَعَلْناهُ عَلَيْكم ظُلَلًا. فَعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ فَعَّلَ فِيهِ بِجَعْلِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ ؟ عَدَلْتُ زَيْدًا، أيْ جَعَلْتُهُ عَدْلًا، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: جَعَلْنا الغَمامَ عَلَيْكم ظُلَّةً، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ فَعَّلَ فِيهِ بِمَعْنى أفْعَلَ، فَيَكُونُ التَّضْعِيفُ أصْلُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِعَلى، فَكانَ الأصْلُ: وظَلَّلْناكم، أيْ أظْلَلْناكم بِالغَمامِ، نَحْوَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ»، ثُمَّ ضُمِّنَ ظَلَّلَ مَعْنى كَلَّلَ أوْ شِبْهَهُ مِمّا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى، فَعَدّاهُ بِعَلى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي فَعَّلَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، إذْ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ الغَمامَ ظُلِّلَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ جُعِلَ عَلى الغَمامِ شَيْءٌ يَكُونُ ظُلَّةً لِلْغَمامِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغَمامِ، وقِيلَ: إنَّهُ الغَمامُ الَّذِي أتَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو الَّذِي تَأْتِي فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَنِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ولَيْسَ بِغَمامٍ حَقِيقَةً، وإنَّما سُمِّيَ غَمامًا لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الغَمامَ. وقِيلَ: الَّذِينَ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أجْرى العادَةَ في بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ ثَلاثِينَ سَنَةً لا يُحْدِثُ فِيها ذَنْبًا أظَلَّتْهُ غَمامَةٌ.
وحُكِيَ (p-٢١٤)أنَّ شَخْصًا عَبَدَ ثَلاثِينَ سَنَةً فَلَمْ تُظِلُّهُ غَمامَةٌ، فَجاءَ إلى أصْحابِ الغَمائِمِ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: لَعَلَّكَ أحْدَثْتَ ذَنْبًا، فَقالَ: لا أعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنِّي رَفَعْتُ طَرْفِي إلى السَّماءِ وأعَدْتُهُ بِغَيْرِ فِكْرٍ، فَقالُوا لَهُ: ذَلِكَ ذَنْبُكَ، وكانَتْ فِيهِمْ جَماعَةٌ يُسَمَّوْنَ أصْحابَ الغَمائِمِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ مَن لَهُ هَذِهِ الكَرامَةُ الظّاهِرَةُ الباهِرَةُ. والمَكانُ الَّذِي أظَلَّتْهم فِيهِ الغَمامَةُ كانَ في التِّيهِ بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ لَمّا شَكَوْا حَرَّ الشَّمْسِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ. وقِيلَ: أرْضٌ بَيْضاءُ عَفْراءُ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولا ظِلٌّ، وقَعُوا فِيها حِينَ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، فَأظَلَّهُمُ اللَّهُ بِالغَمامِ، ووَقاهم حَرَّ الشَّمْسِ.
﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ المَنُّ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وفي المَنِّ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ: ما يَسْقُطُ عَلى الشَّجَرِ أحْلى مِنَ الشَّهْدِ وأبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والشَّعْبِيِّ، أوْ صَمْغَةٌ طَيِّبَةٌ حُلْوَةٌ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ أوْ شَرابٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَشْرَبُونَهُ بَعْدَ مَزْجِهِ بِالماءِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأبِي العالِيَةَ؛ أوْ عَسَلٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ؛ أوِ الرُّقاقُ المُتَّخَذُ مِنَ الذُّرَةِ أوْ مِنَ النِّقْيِ، وهو قَوْلُ وهْبٍ؛ أوِ الزَّنْجَبِيلُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيُّ، أوِ التَّرَنْجَبِينُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ؛ أوْ عَسَلٌ حامِضٌ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عِيسى؛ أوْ جَمِيعُ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ وجاءَهم عَفْوًا مِن غَيْرِ تَعَبٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ، ﷺ: «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ» . وفي رِوايَةٍ: عَلى مُوسى. وفي السَّلْوى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ: طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى، أوْ هو السُّمانى نَفْسُهُ، أوْ طُيُورٌ حُمْرٌ بَعَثَ اللَّهُ بِها سَحابَةً فَمُطِرَتْ في عَرْضِ مِيلٍ وطُولِ رُمْحٍ في السَّماءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ، أوْ طَيْرٌ يَكُونُ بِالهِنْدِ أكْبَرُ مِنَ العُصْفُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ؛ أوْ طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الحَمامِ، أوِ العَسَلُ بِلُغَةِ كِنانَةَ. وكانَتْ تَأْتِيهِمُ السَّلْوى مِن جِهَةِ السَّماءِ، فَيَخْتارُونَ مِنها السَّمِينَ ويَتْرُكُونَ الهَزِيلَ؛ وقِيلَ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ تَسُوقُها إلَيْهِمْ فَيَخْتارُونَ مِنها حاجَتَهم ويَذْهَبُ الباقِي. وقِيلَ: كانَتْ تَنْزِلُ عَلى الشَّجَرِ فَيَنْطَبِخُ نِصْفُها ويَنْشَوِي نِصْفُها. وكانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، والسَّلْوى بُكْرَةً وعَشِيًّا، وقِيلَ: دائِمًا، وقِيلَ: كُلَّما أحَبُّوا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ حِكاياتٍ في التَّظْلِيلِ ونُزُولِ المَنِّ والسَّلْوى، وتَظافَرَتْ أقاوِيلُهم أنَّ ذَلِكَ كانَ في فَحْصِ التِّيهِ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأنَّهم قالُوا: مَن لَنا مِن حِراكِ الشَّمْسِ ؟ فَظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ، وقالُوا: مَن لَنا بِالطَّعامِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وقالُوا: مَن لَنا بِالماءِ ؟ فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، وهَذِهِ دَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ. وزِيدَ في تِلْكَ الحِكاياتِ أنَّهم قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ ؟ فَضُرِبَ لَهم عَمُودٌ مِن نُورٍ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وقِيلَ: مِن نارٍ، وقالُوا: مَن لَنا بِاللِّباسِ ؟ فَأُعْطُوا أنْ لا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِّبْيانِ. (كُلُوا): أمْرُ إباحَةٍ وإذْنٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحَظْرُ، أوْ دُومُوا عَلى الأكْلِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ الأصْلُ فِيها الإباحَةُ، وهَهُنا قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ وقُلْنا: كُلُوا، والقَوْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا ويَبْقى المَقُولُ، وذَلِكَ لِفَهْمِ المَعْنى، ومِنهُ: أكَفَرْتُمْ ؟ أيْ: فَيُقالُ أكَفَرْتُمْ ؟ وحَذْفُ المَقُولِ وإبْقاءُ القَوْلِ قَلِيلٌ، وذَلِكَ أيْضًا لِفَهْمِ المَعْنى، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمْ ∗∗∗ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبًا
التَّقْدِيرُ: قُلْتُمْ نُقاتِلُهم.
﴿مِن طَيِّباتِ﴾ مِن: لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها زائِدَةٌ، ولا يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ الَّتِي لِلْجِنْسِ في إثْباتِها خِلافٌ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَها ما يَصْلُحُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَهُ مَوْصُولٌ يَكُونُ صِفَةً لَهُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها لِلْبَدَلِ، إذْ هو مَعْنًى مُخْتَلَفٌ في إثْباتِهِ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ هُنا ما يُرَجِّحُ ذَلِكَ. والطَّيِّباتُ هُنا (p-٢١٥)قِيلَ: الحَلالُ، وقِيلَ: اللَّذِيذُ المُشْتَهى. ومَن زَعَمَ أنَّ هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو كُلُوا مِن عِوَضِ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، عَوَّضَهم عَنْ جَمِيعِ مَآكِلِهِمْ المُسْتَلَذَّةِ بِالمَنِّ والسَّلْوى، فَكانا بَدَلًا مِنَ الطَّيِّباتِ. وقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أنَّهُ لا يَكْفِي وضْعُ المالِكِ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ في إباحَةِ الأكْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِ المالِكِ، وهو قَوْلٌ. وقِيلَ: يُمْلَكُ بِالوَضْعِ فَقَطْ، وقِيلَ: بِالأخْذِ والتَّناوُلِ، وقِيلَ: لا يُمْلَكُ بِحالٍ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهِ وهو عَلى مِلْكِ المالِكِ. و(ما) في قَوْلِهِ: (ما رَزَقْناكم) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما رَزَقْناكُمُوهُ، وشُرُوطُ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُجَوِّزَ مُجَوِّزٌ فِيها أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ، ويَكُونُ يُطْلَقُ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ، والأوَّلُ أسْبَقُ إلى الذِّهْنِ.
﴿وما ظَلَمُونا﴾ نَفْيٌ أنَّهم لَمْ يَقَعْ مِنهم ظُلْمُ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ نَفْيِ الشَّيْءِ إمْكانُ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ ظُلْمَ الإنْسانِ لِلَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ ألْبَتَّةَ. قِيلَ: المَعْنى وما ظَلَمُونا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِما قابَلْناهم بِهِ مِنَ الصّاعِقَةِ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِادِّخارِهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِفَسادِ طَعامِهِمْ وتَقْلِيصِ أرْزاقِهِمْ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِإبائِهِمْ عَلى مُوسى أنْ يَدْخُلُوا قَرْيَةَ الجَبّارِينَ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِاسْتِحْبابِهِمُ العَذابَ وقَطْعِهِمْ مادَّةَ الرِّزْقِ عَنْهم، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِكُفْرِ النِّعَمِ، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِحُلُولِ النِّقَمِ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِعِبادَةِ العِجْلِ، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
واتَّفَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَعَصَوْا ولَمْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ، قالَ: والمَعْنى وما وضَعُوا فِعْلَهم في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ وما ظَلَمُونا، قالَ: فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِهِ لِدَلالَةِ (وما ظَلَمُونا) عَلَيْهِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ، كَما زَعَما؛ لِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنهُمُ ارْتِكابُ قَبائِحَ مِنِ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، ومِن سُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُقَصَّ هُنا. فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ جُمْلَةٌ مَنفِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنهم مِن تِلْكَ القَبائِحِ لَمْ يَصِلْ إلَيْنا بِذَلِكَ نَقْصٌ ولا ضَرَرٌ، بَلْ وبالُ ذَلِكَ راجِعٌ إلى أنْفُسِهِمْ ومُخْتَصٌّ بِهِمْ، لا يَصِلُ إلَيْنا مِنهُ شَيْءٌ.
﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ (لَكِنْ) هُنا وقَعَتْ أحْسَنَ مَوْقِعٍ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَها نَفْيٌ وجاءَ بَعْدَها إيجابٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وكَذَلِكَ العَكْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] أعْنِي أنْ يَتَقَدَّمَ إيجابٌ ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها نَفْيٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْراكَ الحاصِلَ بِها إنَّما يَكُونُ عَلى ما قَبْلِها بِوَجْهٍ ما، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم ظُلْمٌ، فَلَمّا نُفِيَ ذَلِكَ الظُّلْمُ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ تَعالى بَقِيَتِ النَّفْسُ مُتَشَوِّفَةً ومُتَطَلِّعَةً إلى ذِكْرِ مَن وقَعَ بِهِ الظُّلْمُ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ ذَلِكَ الظُّلْمَ الحاصِلَ مِنهم إنَّما كانَ واقِعًا بِهِمْ، وأحْسَنُ مَواقِعِها أنْ تَكُونَ بَيْنَ المُتَضادَّيْنِ، ويَلِيهِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ويَلِيهِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ الخِلافَيْنِ، وفي هَذا الأخِيرِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. أذَلِكَ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ أمْ لا ؟ وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ قائِمٌ، ولَكِنْ هو ضاحِكٌ، وقَدْ تُكُلِّمَ عَلى ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّها لا تَقَعُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ نَحْوَ: ما خَرَجَ زَيْدٌ ولَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَمْرٌو.
وطِباقُ الكَلامِ أنْ يُثْبَتَ ما بَعْدَ (لَكِنْ) عَلى سَبِيلِ ما نُفِيَ قَبْلَها، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] لَكِنْ دَخَلَتْ (كانُوا) هُنا مُشْعِرَةً بِأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِمْ ومِن طَرِيقَتِهِمْ، ولِأنَّها أيْضًا تَكُونُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَكُونُ المُسْنَدُ لا يَنْقَطِعُ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا؛ فَكانَ المَعْنى: ولَكِنْ لَمْ يَزالُوا ظالِمِي أنْفُسِهِمْ بِكَثْرَةِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المُخالَفاتِ. و(يَظْلِمُونَ) صُورَتُهُ صُورَةُ المُضارِعِ، وهو ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَكُونُ فِيها المُضارِعُ بِمَعْنى (p-٢١٦)الماضِي، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ ولا فِيما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كُتُبِهِ، وذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وقُدِّمَ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْهِ هُنا وهو قَوْلُهُ (أنْفُسَهم) لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ تَوافُقُ رُءُوسِ الآيِ والفَواصِلِ، ولِيَدُلَّ عَلى الِاعْتِناءِ بِالإخْبارِ عَمَّنْ حَلَّ بِهِ الفِعْلُ، ولِأنَّهُ مِن حَيْثُ المَعْنى صارَ العامِلُ في المَفْعُولِ تَوْكِيدًا لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَلَيْسَ ذِكْرُهُ ضَرُورِيًّا، وبِأنَّ لِلتَّوْكِيدِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ المُؤَكَّدِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ زَيْدًا ولَكِنْ ضَرَبْتُ عَمْرًا، فَذِكْرُ ضَرَبْتُ الثّانِيَةِ أفادَتِ التَّأْكِيدَ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) مَوْضُوعُها أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُنافِيًا لِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ما ضَرَبْتُ زَيْدًا ولَكِنْ عَمْرًا، فَلَسْتَ مُضْطَرًّا لِذِكْرِ العامِلِ. فَلَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ في مَعْنى: ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، كانَ ذِكْرُ العامِلِ في المَفْعُولِ لَيْسَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ، إذْ لَوْ قِيلَ: وما ظَلَمُونا ولَكِنْ أنْفُسَهم، لَكانَ كَلامًا عَرَبِيًّا، ويُكْتَفى بِدَلالَةِ لَكِنْ أنَّ ما بَعْدَها مُنافٍ لِما قَبْلَها، فَلَمّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ المُحَسِّناتُ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ كانَ تَقْدِيمُهُ هُنا الأفْصَحَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: أمْرُ مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، إيّاهم بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ مِن مُقارَفَةِ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي هو عِبادَةُ العِجْلِ مِن دُونِ اللَّهِ، وأنَّ مِثْلَ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنهُ. والتَّلَطُّفُ بِهِمْ في نِدائِهِمْ بِيا قَوْمِ، وتَنْبِيهُهم عَلى عِلَّةِ الظُّلْمِ الَّذِي كانَ وبالُهُ راجِعًا عَلَيْهِمْ، والإعْلامُ بِأنَّ تَوْبَتَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الإخْبارُ بِحُصُولِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِسابِقِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ التَّوْبِيخُ لَهم بِسُؤالِهِمْ ما كانَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَسْألُوهُ، وهو رُؤْيَةُ اللَّهِ عِيانًا؛ لِأنَّهُ كانَ سُؤالَ تَعَنُّتٍ. ثُمَّ ذِكْرُ ما تَرَتَّبَ عَلى هَذا السُّؤالِ مِن أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم. ثُمَّ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِالبَعْثِ، وهو مِنَ الخَوارِقِ العَظِيمَةِ أنْ يُحْيى الإنْسانُ في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ ماتَ. ثُمَّ إسْعافُهم بِما سَألُوهُ، إذْ وقَعُوا في التِّيهِ واحْتاجُوا إلى ما يُزِيلُ ضَرَرَهم وحاجَتَهم مَن لَفْحِ الشَّمْسِ، وتَغْذِيَةِ أجْسادِهِمْ بِما يَصْلُحُ لَها، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وهَذا مِن أعْظَمِ الأشْياءِ وأكْبَرِ المُعْجِزاتِ حَيْثُ يُسَخَّرُ العالَمُ العُلْوِيُّ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِ، فَكانَ عَلى ما قِيلَ: تُظِلُّهم بِالنَّهارِ وتَذْهَبُ بِاللَّيْلِ حَتّى يُنَوِّرَ عَلَيْهِمُ القَمَرُ. وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وهَذا مِن أشْرَفِ المَأْكُولِ، إذْ جَمَعَ بَيْنَ الغِذاءِ والدَّواءِ، بِما في ذَلِكَ مِنَ الحَلاوَةِ الَّتِي في المَنِّ والدَّسَمِ الَّذِي في السَّلْوى، وهُما مُقْمِعا الحَرارَةِ ومُثِيرا القُوَّةِ لِلْبَدَنِ. ثُمَّ الأمْرُ لَهم بِتَناوُلِ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ مُطْلَقٌ، ثُمَّ التَّنْصِيصُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّباتِ وبِحَقِّ ما يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّباتِ. ثُمَّ ذِكْرُ أنَّهُ رِزْقٌ مِنهُ لَهم لَمْ يَتْعَبُوا في تَحْصِيلِهِ ولا اسْتِخْراجِهِ ولا تَنْمِيَتِهِ، بَلْ جاءَ رِزْقًا مُهَنَّأً لا تَعَبَ فِيهِ. ثُمَّ إرْدافُ هَذِهِ الجُمَلِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ؛ إذْ هي مُؤَكِّدَةٌ لِافْتِتاحِ هَذِهِ الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّهُ افْتَتَحَها بِالإخْبارِ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وخَتَمَها بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لَفْظًا والبَلاغَةِ مَعْنًى، إذْ جَمَعَتِ الألْفاظَ المُخْتارَةَ والمَعانِيَ الكَثِيرَةَ مُتَعَلِّقًا أوائِلُ أواخِرِها بِأواخِرِ أوائِلِها، مَعَ لُطْفِ الإخْبارِ عَنْ نَفْسِهِ. فَحَيْثُ ذَكَرَ النِّعَمَ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ: ثُمَّ بَعَثْناكم، وقالَ: وظَلَّلْنا وأنْزَلْنا، وحَيْثُ ذَكَرَ النِّقَمَ لَمْ يَنْسُبْها إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ . وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ مَوْضِعُ تَعْدادٍ لِلنِّعَمِ، فَناسَبَ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِيُذَكِّرَهم آلاءَهُ، ولَمْ يَنْسُبِ النِّقَمَ إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ مِنهُ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ في نِسْبَتِها إلَيْهِ تَخْوِيفًا عَظِيمًا رُبَّما عادَلَ ذَلِكَ الفَرَحَ بِالنِّعَمِ. والمَقْصُودُ: انْبِساطُ نُفُوسِهِمْ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ الكَلامُ قَدِ انْطَوى عَلى تَرْهِيبٍ وتَرْغِيبٍ، فالتَّرْغِيبُ أغْلَبُ عَلَيْهِ.
البقرة 2:56
﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى﴾: هَذِهِ مُحاوَرَةُ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى، وذَلِكَ بَعْدَ مُحاوَرَتِهِ لَهم في الآيَةِ قَبْلَ هَذا. والضَّمِيرُ في (قُلْتُمْ) قِيلَ لِلسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ، وذُكِرَ في اخْتِيارِ السَّبْعِينَ كَيْفِيَّةٌ سَتَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في مَكانِها في الأعْرافِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: الَّذِينَ انْفَرَدُوا مَعَ هارُونَ ولَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. وقالَ بَعْضُ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ: تَظافَرَتْ أقْوالُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الصّاعِقَةُ هُمُ السَّبْعُونَ رَجُلًا الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى ومَضى بِهِمْ لِمِيقاتِ رَبِّهِ ومُناجاتِهِ، وما ذُكِرَ لا يُمْكِنُ مَعَ ذِكْرِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ القائِلَ ذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وهو هُنا بَعِيدٌ. وفي نِداءِ بَنِي إسْرائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ بِاسْمِهِ سُوءُ أدَبٍ مِنهم مَعَهُ، إذْ لَمْ يَقُولُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أوْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْ يا كَلِيمَ اللَّهِ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُشْعِرُ بِصِفاتِ التَّعْظِيمِ، وهي كانَتْ عادَتُهم مَعَهُ: ﴿يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ﴿يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] وقَدْ قالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ فِيما جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، ولَمْ يُرِيدُوا نَفْيَ الإيمانِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ (لَكَ) ولَمْ يَقُولُوا (بِكَ) نَحْوَ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ بِمُصَدِّقٍ. وقِيلَ مَعْناهُ: لَنْ نُقِرَّ لَكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وعَدّاهُ بِاللّامِ، وقَدْ جاءَ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا﴾ [آل عمران: ٨١] فَيَكُونُ المَعْنى: لَنْ نُقِرَّ لَكَ بِأنَّ التَّوْراةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ قَوْلِكَ بِالتَّوْراةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْيُ الكَمالِ، أيْ لا يَكْمُلُ إيمانُنا لَكَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ، ﷺ: «لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأهْلِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» .
﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ غايَةٍ، أخْبَرُوا بِنَفْيِ إيمانِهِمْ مُسْتَصْحَبًا إلى هَذِهِ الغايَةِ ومَفْهُومُها أنَّهم إذا رَأوُا اللَّهَ جَهْرَةً آمَنُوا، والرُّؤْيَةُ هُنا: هي البَصَرِيَّةُ، وهي الَّتِي لا حِجابَ دُونَها ولا ساتِرَ، وانْتِصابُ (جَهْرَةً) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُزِيلٌ لِاحْتِمالِ الرُّؤْيَةِ أنْ تَكُونَ مَنامًا أوْ عِلْمًا بِالقَلْبِ. والمَعْنى حَتّى نَرى اللَّهَ عِيانًا، وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: جَهَرَ بِالقِراءَةِ وبِالدُّعاءِ، أيْ أعْلَنَ بِها. فَأُرِيدَ بِها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فانْتِصابُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وفي: نَصْبِ هَذا النَّوْعِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. والأصَحُّ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالفِعْلِ السّابِقِ يُعَدّى إلى النَّوْعِ، كَما تَعَدّى إلى لَفْظِ المَصْدَرِ المُلاقى مَعَ الفِعْلِ (p-٢١١)فِي الِاشْتِقاقِ، وقِيلَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ الحَذْفِ، أيْ ذَوِي جَهْرَةٍ، أوْ عَلى مَعْنى جاهِرِينَ بِالرُّؤْيَةِ لا عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: رَجُلٌ صَوْمٌ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ لا تُرادُ هُنا. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ الجَهْرَةُ مِن صِفاتِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ مِن صِفاتِ الرّائِينَ، وثَمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ راجِعًا لِمَعْنى القَوْلِ، أوِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ قُلْتُمْ كَذا قَوْلًا جَهْرَةً أوْ جاهِرِينَ بِذَلِكَ القَوْلِ، لَمْ يُسِرُّوهُ ولَمْ يَتَكاتَمُوا بِهِ، بَلْ صَرَّحُوا بِهِ وجَهَرُوا بِأنَّهم أخْبَرُوا بِانْتِفاءِ الإيمانِ مُغِيًّا بِالرُّؤْيَةِ. والقَوْلُ بِأنَّ الجَهْرَةَ راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي عُبَيْدَةَ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِالرُّؤْيَةِ لا بِالقَوْلِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيبُ الفَصِيحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: جَهَرَةً، بِفَتْحِ الهاءِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ (جَهَرَةً) مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، فَتَكُونُ مَعْناها ومَعْنى (جَهْرَةً) المُسَكَّنَةِ الهاءِ سَواءً، ويَجْرِي فِيها مِنَ الإعْرابِ الوُجُوهُ الَّتِي سَبَقَتْ في (جَهْرَةً) . والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَمْعًا لَجاهِرٍ، كَما تَقُولُ: فاسِقٌ وفَسَقَةٌ، فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، أيْ جاهِرِينَ بِالرُّؤْيَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رادَّهم، وعَرَّفَهم أنَّ رُؤْيَةَ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ مُحالٌ، وأنَّ مَنِ اسْتَجازَ عَلى اللَّهِ الرُّؤْيَةَ، فَقَدْ جَعَلَهُ مِن جُمْلَةِ الأقْسامِ أوِ الإعْراضِ، فَرادُّوهُ بَعْدَ بَيانِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ البُرْهانِ، ولَجُّوا فَكانُوا في الكُفْرِ كَعَبَدَةِ العِجْلِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصّاعِقَةَ، كَما سَلَّطَ عَلى أُولَئِكَ القَتْلَ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الكُفْرَيْنِ ودَلالَةً عَلى عِظَمِها بِعِظَمِ المِحْنَةِ، اهـ كَلامُهُ. وهو مُصَرِّحٌ بِاسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالأبْصارِ. وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
ذَهَبَتِ القَدَرِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والنَّجّارِيَّةُ والجَهْمِيَّةُ ومَن شارَكَهم مِنَ الخَوارِجِ إلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ في حَقِّ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى إثْباتِ الرُّؤْيَةِ. فَقالَ الكَرّامِيَّةُ: يُرى في جِهَةِ فَوْقَ ولَهُ تَحْتٌ، ويُرى جِسْمًا، وقالَتِ المُشَبِّهَةُ: يُرى عَلى صُورَةٍ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لا مُقابِلًا، ولا مُحاذِيًا، ولا مُتَمَكِّنًا، ولا مُتَحَيِّزًا، ولا مُتَلَوِّنًا، ولا عَلى صُورَةٍ ولا هَيْئَةٍ، ولا عَلى اجْتِماعٍ وجِسْمِيَّةٍ، بَلْ يَراهُ المُؤْمِنُونَ، يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِخِلافِ المَخْلُوقاتِ كَما عَلِمُوهُ كَذَلِكَ قَبْلُ. وقَدِ اسْتَفاضَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثّابِتَةُ في رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْها. وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أصْعَبِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وقَدْ رَأيْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ مِن فُضَلاءِ الإمامِيَّةِ فِيها مُجَلَّدَةً كَبِيرَةً، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ اسْتِحالَةِ الرُّؤْيَةِ، لَكِنَّ عادَتَهُ تَحْمِيلُ الألْفاظِ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، خُصُوصًا ما يَجُرُّ إلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَصَبِيَّةِ فِيما لا يَنْبَغِي. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في رُؤْيَةِ الحَقِّ نَفْسَهُ، فَذَهَبَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّهُ لا يَرى نَفْسَهُ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنهم إلى أنَّهُ يَرى نَفْسَهُ، وذَهَبَ الكَعْبِيُّ إلى أنَّهُ لا يَرى نَفْسَهُ ولا غَيْرَهُ، وهَذا مَذْهَبُ النَّجّارِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.
﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾: أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْكم وأحاطَتْ بِكم. وأصْلُ الأخْذِ: القَبْضُ بِاليَدِ. والصّاعِقَةُ هُنا: هَلْ هي نارٌ مِنَ السَّماءِ أحْرَقَتْهم، أوِ المَوْتُ، أوْ جُنْدٌ سَماوِيٌّ سَمِعُوا حِسَّهم فَماتُوا، أوِ الفَزَعُ فَدامَ حَتّى ماتُوا، أوْ غُشِيَ عَلَيْهِمْ، أوِ العَذابُ الَّذِي يَمُوتُونَ مِنهُ أوْ صَيْحَةٌ سَماوِيَّةٌ ؟ أقْوالٌ، أصَحُّها: أنَّها سَبَبُ المَوْتِ، لا المَوْتُ، وإنْ كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ، قالَهُ المُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُدَّةَ مِنَ المَوْتِ أوِ الصَّعْقِ كانَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً. وقِيلَ: أصابَ مُوسى ما أصابَهم، وقِيلَ صُعِقَ ولَمْ يَمُتْ، قالُوا: وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ جاءَ: (فَلَمّا أفاقَ) في حَقِّ مُوسى وجاءَ: (ثُمَّ بَعَثْناكم) في حَقِّهِمْ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ البَعْثِ في القُرْآنِ بَعْثُ الأمْواتِ. وقِيلَ: غُشِيَ عَلَيْهِمْ كَهو ولَمْ يَمُوتُوا، والصَّعْقُ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ المَوْتِ، وقالَ جَرِيرٌ:
؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا
(p-٢١٢)والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم قَوْلُهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ إذْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَسْألُوا الرُّؤْيَةَ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وقِيلَ: سَبَبُ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم هو غَيْرُ هَذا القَوْلِ مِن كُفْرِهِمْ بِمُوسى، أوْ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ أوْ عِبادَةِ العِجْلِ. وقَرَأ عَمْرٌو عَلى الصَّعْقَةِ، واسْتَعْظَمَ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ حَيْثُ وقَعَ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، فَطَلَبُها في الدُّنْيا هو مُسْتَنْكَرٌ، أوْ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنِ العَبْدِ حالَ ما يَراهُ، فَكانَ طَلَبُها طَلَبًا لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي كانَ طَلَبُ الدَّلائِلِ الزّائِدَةِ تَعَنُّتًا ولِأنَّ في مَنعِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا ضَرْبًا مِنَ المَصْلَحَةِ المُهِمَّةِ لِلْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ اسْتُنْكِرَ.
﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ النَّظَرِ: أخْذُ الصَّعْقَةِ إيّاكم، أيْ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى ما حَلَّ بِكم مِنها، أوْ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَخِرُّ مَيِّتًا، أوْ إلى الأحْياءِ، أوْ تَعْلَمُونَ أنَّها تَأْخُذُكم. فَعَبَّرَ بِالنَّظَرِ عَنِ العِلْمِ، أوْ إلى آثارِ الصّاعِقَةِ في أجْسامِكم بَعْدَ أنْ بُعِثْتُمْ، أوْ يَنْظُرَ كُلٌّ مِنكم إلى إحْياءِ نَفْسِهِ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ العُزَيْرِ، قالُوا: حَيِيَ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، أوْ إلى أوائِلِ ما كانَ يَنْزِلُ مِنَ الصّاعِقَةِ قَبْلَ المَوْتِ، أوْ أنْتُمْ يُقابِلُ بَعْضُكم بَعْضًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: دُورُ آلِ فُلانٍ تَتَراءى، أيْ يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إجابَةُ السُّؤالِ في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لَهم، لَكانَ وجْهًا مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ، أيِ انْتَظَرْتُهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ لَيْسَ بِمَنقُولٍ، فَلا أجْسُرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ. وقَدْ عَدَّ صاحِبُ المُنْتَخَبِ هَذا إنْعامًا سادِسًا، وذَكَرَ في كَوْنِهِ إنْعامًا وُجُوهًا، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، والمَقْصُودُ ذِكْرُ ما يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ ذَلِكَ إنْعامًا، وهو أنَّ إحْياءَهم لِأنْ يَتُوبُوا عَنِ التَّعَنُّتِ، ولِأنْ يَتَخَلَّصُوا مِن ألِيمِ العِقابِ ويَفُوزُوا بِجَزِيلِ الثَّوابِ مَن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهم هَذا بَعْدَ أنْ كُلِّفَ عَبَدَةُ العِجْلِ بِالقَتْلِ ولا قَبْلَهُ. وقَدْ قِيلَ بِكُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمَلَ مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، والواوُ لا تَدُلُّ بِوَضْعِها عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ. قالَ بَعْضُهم: لَمّا أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مُناجاتِهِ، وأسْمَعَهم لَذِيذَ خِطابِهِ، اشْرَأبَّتْ نُفُوسُهم لِلْفَخْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ، فَعامَلَهُمُ اللَّهُ بِنَقِيضِ ما حَصَلَ في أنْفُسِهِمْ بِالصَّعْقَةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ تَأْدِيبًا لَهم وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] .
﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ودَلَّ العَطْفُ بِثُمَّ عَلى أنَّ بَيْنَ أخْذِ الصّاعِقَةِ والبَعْثِ زَمانًا تُتَصَوَّرُ فِيهِ المُهْلَةُ والتَّأْخِيرُ، هو زَمانُ ما نَشَأ عَنِ الصّاعِقَةِ مِنَ المَوْتِ، أوِ الغَشْيِ عَلى الخِلافِ الَّذِي مَرَّ. والبَعْثُ هُنا: الإحْياءُ، ذُكِرَ أنَّهم لَمّا ماتُوا لَمْ يَزَلْ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ في إَحْيائِهِمْ ويَقُولُ: يا رَبِّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ قَتَلْتَ خِيارَنا. حَتّى أحْياهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَحْيَوْنَ. وقِيلَ: مَعْنى البَعْثِ الإرْسالُ، أيْ أرْسَلْناكم. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ سَألُوا أنْ يَبْعَثَهم أنْبِياءَ فَبَعَثَهم أنْبِياءَ. وقِيلَ: مَعْنى البَعْثِ: الإفاقَةُ مِنَ الغَشْيَةِ، ويَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهم صُعِقُوا ولَمْ يَمُوتُوا. وقِيلَ: البَعْثُ هُنا: القِيامُ بِسُرْعَةٍ مِن مَصارِعِهِمْ، ومِنهُ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ؟ وقِيلَ مَعْنى البَعْثِ هُنا التَّعْلِيمُ، أيْ ثُمَّ عَلَّمْناكم مِن بَعْدِ جَهْلِكم، والمَوْتُ هُنا ظاهِرُهُ مُفارَقَةُ الرُّوحِ الجَسَدَ، وهَذا هو الحَقِيقَةُ، وكانَ إحْياؤُهم لِأجْلِ اسْتِيفاءِ أعْمارِهِمْ. ومَن قالَ: كانَ ذَلِكَ غَشْيًا وهُمُودًا كانَ المَوْتُ مَجازًا، قالَ تَعالى: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، والَّذِي أتاهُ مُقَدِّماتُهُ سُمِّيَتْ مَوْتًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وقُلْ لَهم بادِرُوا بِالعُذْرِ والتَمِسُوا ∗∗∗ قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ
(p-٢١٣)جَعَلَ نَفْسَهُ المَوْتَ لَمّا كانَ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وكَذَلِكَ إذا حُمِلَ المَوْتُ عَلى الجَهْلِ كانَ مَجازًا، وقَدْ كَنى عَنِ العِلْمِ بِالحَياةِ، وعَنِ الجَهْلِ بِالمَوْتِ. قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ الشّافِعِيُّ:
؎إنَّما النَّفْسُ كالزُّجاجَةِ والعِلْ ∗∗∗ مُ سِراجٌ وحِكْمَةُ اللَّهِ زَيْتُ
؎فَإذا أبْصَرْتَ فَإنَّكَ حَيٌّ ∗∗∗ وإذا أظْلَمْتَ فَإنَّكَ مَيْتُ
وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ:
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ∗∗∗ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
؎وذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وهو ماشٍ عَلى الثَّرى ∗∗∗ يُظَنُّ مِنَ الأحْياءِ وهو عَدِيمُ
ولا يَدْخُلُ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ في خِطابِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ لِلَّذِينِ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ولِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ولا يُسْتَعْمَلُ هَذا في المَوْتِ. وأخْطَأ ابْنُ قُتَيْبَةَ في زَعْمِهِ أنَّ مُوسى قَدْ ماتَ.
﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: وفي مُتَعَلِّقِ الشُّكْرِ أقْوالٌ يَنْبَنِي أكْثَرُها عَلى المُرادِ بِالبَعْثِ والمَوْتِ. فَمَن زَعَمَ أنَّهُما حَقِيقَةٌ قالَ: المَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ وسائِرِ نِعَمِهِ الَّتِي أسْداها إلَيْهِمْ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مَجازًا عَنْ إرْسالِهِمْ أنْبِياءَ، أوْ إثارَتِهِمْ مِنَ الغَشْيِ، أوْ تَعْلِيمِهِمْ بَعْدَ الجَهْلِ، جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ أحَدَ هَذِهِ المَجازاتِ. وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ إنْزالَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ وتَفْصِيلِ شَرائِعِهِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَرائِعُ. وقِيلَ: المَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بَعْدَما كَفَرْتُمُوها إذا رَأيْتُمْ بَأْسَ اللَّهِ في رَمْيِكم بِالصّاعِقَةِ وإذاقَتِكُمُ المَوْتَ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: إنَّما بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ في دارِ الدُّنْيا لِيُكَلِّفَهم ولِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الإيمانِ ومِن تَلافِي ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَرائِمِ. أمّا أنَّهُ كَلَّفَهم، فَلِقَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) . ولَفْظُ الشُّكْرِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطّاعاتِ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ في بَقاءِ تَكْلِيفِ مَن أُعِيدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومُعايَنَةِ الأهْوالِ الَّتِي تَضْطَرُّهُ وتُلْجِئُهُ إلى الِاعْتِرافِ بَعْدَ الِاقْتِرافِ. فَقالَ قَوْمٌ: سَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ لِيَكُونَ تَكْلِيفُهم مُعْتَبَرًا بِالِاسْتِدْلالِ دُونَ الِاضْطِرارِ. وقالَ قَوْمٌ: يَبْقى تَكْلِيفُهم لِئَلّا يَخْلُوَ بالِغٌ عاقِلٌ مِن تَعَبُّدٍ، ولا يُمْنَعُ حُكْمُ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]، وذَلِكَ حِينَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ، فَلَمّا نَتَقَ الجَبَلَ فَوْقَهم آمَنُوا وقَبِلُوها، فَكانَ إيمانُهم بِها إيمانَ اضْطِرارٍ، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، ومِثْلُهم قَوْمُ يُونُسَ في إيمانِهِمْ. اهـ كَلامُهُ.
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾، (الغَمامَ): مَفْعُولٌ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِالغَمامِ، كَما تَقُولُ: ظَلَّلْتُ عَلى فُلانٍ بِالرَّدِّ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لا عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، ويَكُونُ المَعْنى جَعَلْناهُ عَلَيْكم ظُلَلًا. فَعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ فَعَّلَ فِيهِ بِجَعْلِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ ؟ عَدَلْتُ زَيْدًا، أيْ جَعَلْتُهُ عَدْلًا، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: جَعَلْنا الغَمامَ عَلَيْكم ظُلَّةً، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ فَعَّلَ فِيهِ بِمَعْنى أفْعَلَ، فَيَكُونُ التَّضْعِيفُ أصْلُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِعَلى، فَكانَ الأصْلُ: وظَلَّلْناكم، أيْ أظْلَلْناكم بِالغَمامِ، نَحْوَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ»، ثُمَّ ضُمِّنَ ظَلَّلَ مَعْنى كَلَّلَ أوْ شِبْهَهُ مِمّا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى، فَعَدّاهُ بِعَلى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي فَعَّلَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، إذْ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ الغَمامَ ظُلِّلَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ جُعِلَ عَلى الغَمامِ شَيْءٌ يَكُونُ ظُلَّةً لِلْغَمامِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغَمامِ، وقِيلَ: إنَّهُ الغَمامُ الَّذِي أتَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو الَّذِي تَأْتِي فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَنِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ولَيْسَ بِغَمامٍ حَقِيقَةً، وإنَّما سُمِّيَ غَمامًا لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الغَمامَ. وقِيلَ: الَّذِينَ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أجْرى العادَةَ في بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ ثَلاثِينَ سَنَةً لا يُحْدِثُ فِيها ذَنْبًا أظَلَّتْهُ غَمامَةٌ.
وحُكِيَ (p-٢١٤)أنَّ شَخْصًا عَبَدَ ثَلاثِينَ سَنَةً فَلَمْ تُظِلُّهُ غَمامَةٌ، فَجاءَ إلى أصْحابِ الغَمائِمِ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: لَعَلَّكَ أحْدَثْتَ ذَنْبًا، فَقالَ: لا أعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنِّي رَفَعْتُ طَرْفِي إلى السَّماءِ وأعَدْتُهُ بِغَيْرِ فِكْرٍ، فَقالُوا لَهُ: ذَلِكَ ذَنْبُكَ، وكانَتْ فِيهِمْ جَماعَةٌ يُسَمَّوْنَ أصْحابَ الغَمائِمِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ مَن لَهُ هَذِهِ الكَرامَةُ الظّاهِرَةُ الباهِرَةُ. والمَكانُ الَّذِي أظَلَّتْهم فِيهِ الغَمامَةُ كانَ في التِّيهِ بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ لَمّا شَكَوْا حَرَّ الشَّمْسِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ. وقِيلَ: أرْضٌ بَيْضاءُ عَفْراءُ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولا ظِلٌّ، وقَعُوا فِيها حِينَ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، فَأظَلَّهُمُ اللَّهُ بِالغَمامِ، ووَقاهم حَرَّ الشَّمْسِ.
﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ المَنُّ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وفي المَنِّ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ: ما يَسْقُطُ عَلى الشَّجَرِ أحْلى مِنَ الشَّهْدِ وأبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والشَّعْبِيِّ، أوْ صَمْغَةٌ طَيِّبَةٌ حُلْوَةٌ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ أوْ شَرابٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَشْرَبُونَهُ بَعْدَ مَزْجِهِ بِالماءِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأبِي العالِيَةَ؛ أوْ عَسَلٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ؛ أوِ الرُّقاقُ المُتَّخَذُ مِنَ الذُّرَةِ أوْ مِنَ النِّقْيِ، وهو قَوْلُ وهْبٍ؛ أوِ الزَّنْجَبِيلُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيُّ، أوِ التَّرَنْجَبِينُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ؛ أوْ عَسَلٌ حامِضٌ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عِيسى؛ أوْ جَمِيعُ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ وجاءَهم عَفْوًا مِن غَيْرِ تَعَبٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ، ﷺ: «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ» . وفي رِوايَةٍ: عَلى مُوسى. وفي السَّلْوى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ: طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى، أوْ هو السُّمانى نَفْسُهُ، أوْ طُيُورٌ حُمْرٌ بَعَثَ اللَّهُ بِها سَحابَةً فَمُطِرَتْ في عَرْضِ مِيلٍ وطُولِ رُمْحٍ في السَّماءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ، أوْ طَيْرٌ يَكُونُ بِالهِنْدِ أكْبَرُ مِنَ العُصْفُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ؛ أوْ طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الحَمامِ، أوِ العَسَلُ بِلُغَةِ كِنانَةَ. وكانَتْ تَأْتِيهِمُ السَّلْوى مِن جِهَةِ السَّماءِ، فَيَخْتارُونَ مِنها السَّمِينَ ويَتْرُكُونَ الهَزِيلَ؛ وقِيلَ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ تَسُوقُها إلَيْهِمْ فَيَخْتارُونَ مِنها حاجَتَهم ويَذْهَبُ الباقِي. وقِيلَ: كانَتْ تَنْزِلُ عَلى الشَّجَرِ فَيَنْطَبِخُ نِصْفُها ويَنْشَوِي نِصْفُها. وكانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، والسَّلْوى بُكْرَةً وعَشِيًّا، وقِيلَ: دائِمًا، وقِيلَ: كُلَّما أحَبُّوا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ حِكاياتٍ في التَّظْلِيلِ ونُزُولِ المَنِّ والسَّلْوى، وتَظافَرَتْ أقاوِيلُهم أنَّ ذَلِكَ كانَ في فَحْصِ التِّيهِ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأنَّهم قالُوا: مَن لَنا مِن حِراكِ الشَّمْسِ ؟ فَظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ، وقالُوا: مَن لَنا بِالطَّعامِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وقالُوا: مَن لَنا بِالماءِ ؟ فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، وهَذِهِ دَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ. وزِيدَ في تِلْكَ الحِكاياتِ أنَّهم قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ ؟ فَضُرِبَ لَهم عَمُودٌ مِن نُورٍ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وقِيلَ: مِن نارٍ، وقالُوا: مَن لَنا بِاللِّباسِ ؟ فَأُعْطُوا أنْ لا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِّبْيانِ. (كُلُوا): أمْرُ إباحَةٍ وإذْنٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحَظْرُ، أوْ دُومُوا عَلى الأكْلِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ الأصْلُ فِيها الإباحَةُ، وهَهُنا قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ وقُلْنا: كُلُوا، والقَوْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا ويَبْقى المَقُولُ، وذَلِكَ لِفَهْمِ المَعْنى، ومِنهُ: أكَفَرْتُمْ ؟ أيْ: فَيُقالُ أكَفَرْتُمْ ؟ وحَذْفُ المَقُولِ وإبْقاءُ القَوْلِ قَلِيلٌ، وذَلِكَ أيْضًا لِفَهْمِ المَعْنى، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمْ ∗∗∗ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبًا
التَّقْدِيرُ: قُلْتُمْ نُقاتِلُهم.
﴿مِن طَيِّباتِ﴾ مِن: لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها زائِدَةٌ، ولا يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ الَّتِي لِلْجِنْسِ في إثْباتِها خِلافٌ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَها ما يَصْلُحُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَهُ مَوْصُولٌ يَكُونُ صِفَةً لَهُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها لِلْبَدَلِ، إذْ هو مَعْنًى مُخْتَلَفٌ في إثْباتِهِ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ هُنا ما يُرَجِّحُ ذَلِكَ. والطَّيِّباتُ هُنا (p-٢١٥)قِيلَ: الحَلالُ، وقِيلَ: اللَّذِيذُ المُشْتَهى. ومَن زَعَمَ أنَّ هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو كُلُوا مِن عِوَضِ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، عَوَّضَهم عَنْ جَمِيعِ مَآكِلِهِمْ المُسْتَلَذَّةِ بِالمَنِّ والسَّلْوى، فَكانا بَدَلًا مِنَ الطَّيِّباتِ. وقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أنَّهُ لا يَكْفِي وضْعُ المالِكِ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ في إباحَةِ الأكْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِ المالِكِ، وهو قَوْلٌ. وقِيلَ: يُمْلَكُ بِالوَضْعِ فَقَطْ، وقِيلَ: بِالأخْذِ والتَّناوُلِ، وقِيلَ: لا يُمْلَكُ بِحالٍ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهِ وهو عَلى مِلْكِ المالِكِ. و(ما) في قَوْلِهِ: (ما رَزَقْناكم) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما رَزَقْناكُمُوهُ، وشُرُوطُ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُجَوِّزَ مُجَوِّزٌ فِيها أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ، ويَكُونُ يُطْلَقُ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ، والأوَّلُ أسْبَقُ إلى الذِّهْنِ.
﴿وما ظَلَمُونا﴾ نَفْيٌ أنَّهم لَمْ يَقَعْ مِنهم ظُلْمُ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ نَفْيِ الشَّيْءِ إمْكانُ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ ظُلْمَ الإنْسانِ لِلَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ ألْبَتَّةَ. قِيلَ: المَعْنى وما ظَلَمُونا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِما قابَلْناهم بِهِ مِنَ الصّاعِقَةِ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِادِّخارِهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِفَسادِ طَعامِهِمْ وتَقْلِيصِ أرْزاقِهِمْ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِإبائِهِمْ عَلى مُوسى أنْ يَدْخُلُوا قَرْيَةَ الجَبّارِينَ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِاسْتِحْبابِهِمُ العَذابَ وقَطْعِهِمْ مادَّةَ الرِّزْقِ عَنْهم، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِكُفْرِ النِّعَمِ، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِحُلُولِ النِّقَمِ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِعِبادَةِ العِجْلِ، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
واتَّفَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَعَصَوْا ولَمْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ، قالَ: والمَعْنى وما وضَعُوا فِعْلَهم في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ وما ظَلَمُونا، قالَ: فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِهِ لِدَلالَةِ (وما ظَلَمُونا) عَلَيْهِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ، كَما زَعَما؛ لِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنهُمُ ارْتِكابُ قَبائِحَ مِنِ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، ومِن سُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُقَصَّ هُنا. فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ جُمْلَةٌ مَنفِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنهم مِن تِلْكَ القَبائِحِ لَمْ يَصِلْ إلَيْنا بِذَلِكَ نَقْصٌ ولا ضَرَرٌ، بَلْ وبالُ ذَلِكَ راجِعٌ إلى أنْفُسِهِمْ ومُخْتَصٌّ بِهِمْ، لا يَصِلُ إلَيْنا مِنهُ شَيْءٌ.
﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ (لَكِنْ) هُنا وقَعَتْ أحْسَنَ مَوْقِعٍ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَها نَفْيٌ وجاءَ بَعْدَها إيجابٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وكَذَلِكَ العَكْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] أعْنِي أنْ يَتَقَدَّمَ إيجابٌ ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها نَفْيٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْراكَ الحاصِلَ بِها إنَّما يَكُونُ عَلى ما قَبْلِها بِوَجْهٍ ما، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم ظُلْمٌ، فَلَمّا نُفِيَ ذَلِكَ الظُّلْمُ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ تَعالى بَقِيَتِ النَّفْسُ مُتَشَوِّفَةً ومُتَطَلِّعَةً إلى ذِكْرِ مَن وقَعَ بِهِ الظُّلْمُ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ ذَلِكَ الظُّلْمَ الحاصِلَ مِنهم إنَّما كانَ واقِعًا بِهِمْ، وأحْسَنُ مَواقِعِها أنْ تَكُونَ بَيْنَ المُتَضادَّيْنِ، ويَلِيهِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ويَلِيهِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ الخِلافَيْنِ، وفي هَذا الأخِيرِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. أذَلِكَ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ أمْ لا ؟ وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ قائِمٌ، ولَكِنْ هو ضاحِكٌ، وقَدْ تُكُلِّمَ عَلى ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّها لا تَقَعُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ نَحْوَ: ما خَرَجَ زَيْدٌ ولَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَمْرٌو.
وطِباقُ الكَلامِ أنْ يُثْبَتَ ما بَعْدَ (لَكِنْ) عَلى سَبِيلِ ما نُفِيَ قَبْلَها، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] لَكِنْ دَخَلَتْ (كانُوا) هُنا مُشْعِرَةً بِأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِمْ ومِن طَرِيقَتِهِمْ، ولِأنَّها أيْضًا تَكُونُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَكُونُ المُسْنَدُ لا يَنْقَطِعُ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا؛ فَكانَ المَعْنى: ولَكِنْ لَمْ يَزالُوا ظالِمِي أنْفُسِهِمْ بِكَثْرَةِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المُخالَفاتِ. و(يَظْلِمُونَ) صُورَتُهُ صُورَةُ المُضارِعِ، وهو ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَكُونُ فِيها المُضارِعُ بِمَعْنى (p-٢١٦)الماضِي، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ ولا فِيما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كُتُبِهِ، وذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وقُدِّمَ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْهِ هُنا وهو قَوْلُهُ (أنْفُسَهم) لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ تَوافُقُ رُءُوسِ الآيِ والفَواصِلِ، ولِيَدُلَّ عَلى الِاعْتِناءِ بِالإخْبارِ عَمَّنْ حَلَّ بِهِ الفِعْلُ، ولِأنَّهُ مِن حَيْثُ المَعْنى صارَ العامِلُ في المَفْعُولِ تَوْكِيدًا لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَلَيْسَ ذِكْرُهُ ضَرُورِيًّا، وبِأنَّ لِلتَّوْكِيدِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ المُؤَكَّدِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ زَيْدًا ولَكِنْ ضَرَبْتُ عَمْرًا، فَذِكْرُ ضَرَبْتُ الثّانِيَةِ أفادَتِ التَّأْكِيدَ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) مَوْضُوعُها أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُنافِيًا لِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ما ضَرَبْتُ زَيْدًا ولَكِنْ عَمْرًا، فَلَسْتَ مُضْطَرًّا لِذِكْرِ العامِلِ. فَلَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ في مَعْنى: ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، كانَ ذِكْرُ العامِلِ في المَفْعُولِ لَيْسَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ، إذْ لَوْ قِيلَ: وما ظَلَمُونا ولَكِنْ أنْفُسَهم، لَكانَ كَلامًا عَرَبِيًّا، ويُكْتَفى بِدَلالَةِ لَكِنْ أنَّ ما بَعْدَها مُنافٍ لِما قَبْلَها، فَلَمّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ المُحَسِّناتُ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ كانَ تَقْدِيمُهُ هُنا الأفْصَحَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: أمْرُ مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، إيّاهم بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ مِن مُقارَفَةِ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي هو عِبادَةُ العِجْلِ مِن دُونِ اللَّهِ، وأنَّ مِثْلَ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنهُ. والتَّلَطُّفُ بِهِمْ في نِدائِهِمْ بِيا قَوْمِ، وتَنْبِيهُهم عَلى عِلَّةِ الظُّلْمِ الَّذِي كانَ وبالُهُ راجِعًا عَلَيْهِمْ، والإعْلامُ بِأنَّ تَوْبَتَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الإخْبارُ بِحُصُولِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِسابِقِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ التَّوْبِيخُ لَهم بِسُؤالِهِمْ ما كانَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَسْألُوهُ، وهو رُؤْيَةُ اللَّهِ عِيانًا؛ لِأنَّهُ كانَ سُؤالَ تَعَنُّتٍ. ثُمَّ ذِكْرُ ما تَرَتَّبَ عَلى هَذا السُّؤالِ مِن أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم. ثُمَّ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِالبَعْثِ، وهو مِنَ الخَوارِقِ العَظِيمَةِ أنْ يُحْيى الإنْسانُ في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ ماتَ. ثُمَّ إسْعافُهم بِما سَألُوهُ، إذْ وقَعُوا في التِّيهِ واحْتاجُوا إلى ما يُزِيلُ ضَرَرَهم وحاجَتَهم مَن لَفْحِ الشَّمْسِ، وتَغْذِيَةِ أجْسادِهِمْ بِما يَصْلُحُ لَها، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وهَذا مِن أعْظَمِ الأشْياءِ وأكْبَرِ المُعْجِزاتِ حَيْثُ يُسَخَّرُ العالَمُ العُلْوِيُّ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِ، فَكانَ عَلى ما قِيلَ: تُظِلُّهم بِالنَّهارِ وتَذْهَبُ بِاللَّيْلِ حَتّى يُنَوِّرَ عَلَيْهِمُ القَمَرُ. وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وهَذا مِن أشْرَفِ المَأْكُولِ، إذْ جَمَعَ بَيْنَ الغِذاءِ والدَّواءِ، بِما في ذَلِكَ مِنَ الحَلاوَةِ الَّتِي في المَنِّ والدَّسَمِ الَّذِي في السَّلْوى، وهُما مُقْمِعا الحَرارَةِ ومُثِيرا القُوَّةِ لِلْبَدَنِ. ثُمَّ الأمْرُ لَهم بِتَناوُلِ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ مُطْلَقٌ، ثُمَّ التَّنْصِيصُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّباتِ وبِحَقِّ ما يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّباتِ. ثُمَّ ذِكْرُ أنَّهُ رِزْقٌ مِنهُ لَهم لَمْ يَتْعَبُوا في تَحْصِيلِهِ ولا اسْتِخْراجِهِ ولا تَنْمِيَتِهِ، بَلْ جاءَ رِزْقًا مُهَنَّأً لا تَعَبَ فِيهِ. ثُمَّ إرْدافُ هَذِهِ الجُمَلِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ؛ إذْ هي مُؤَكِّدَةٌ لِافْتِتاحِ هَذِهِ الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّهُ افْتَتَحَها بِالإخْبارِ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وخَتَمَها بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لَفْظًا والبَلاغَةِ مَعْنًى، إذْ جَمَعَتِ الألْفاظَ المُخْتارَةَ والمَعانِيَ الكَثِيرَةَ مُتَعَلِّقًا أوائِلُ أواخِرِها بِأواخِرِ أوائِلِها، مَعَ لُطْفِ الإخْبارِ عَنْ نَفْسِهِ. فَحَيْثُ ذَكَرَ النِّعَمَ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ: ثُمَّ بَعَثْناكم، وقالَ: وظَلَّلْنا وأنْزَلْنا، وحَيْثُ ذَكَرَ النِّقَمَ لَمْ يَنْسُبْها إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ . وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ مَوْضِعُ تَعْدادٍ لِلنِّعَمِ، فَناسَبَ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِيُذَكِّرَهم آلاءَهُ، ولَمْ يَنْسُبِ النِّقَمَ إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ مِنهُ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ في نِسْبَتِها إلَيْهِ تَخْوِيفًا عَظِيمًا رُبَّما عادَلَ ذَلِكَ الفَرَحَ بِالنِّعَمِ. والمَقْصُودُ: انْبِساطُ نُفُوسِهِمْ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ الكَلامُ قَدِ انْطَوى عَلى تَرْهِيبٍ وتَرْغِيبٍ، فالتَّرْغِيبُ أغْلَبُ عَلَيْهِ.
البقرة 2:57
﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى﴾: هَذِهِ مُحاوَرَةُ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى، وذَلِكَ بَعْدَ مُحاوَرَتِهِ لَهم في الآيَةِ قَبْلَ هَذا. والضَّمِيرُ في (قُلْتُمْ) قِيلَ لِلسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ، وذُكِرَ في اخْتِيارِ السَّبْعِينَ كَيْفِيَّةٌ سَتَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في مَكانِها في الأعْرافِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: الَّذِينَ انْفَرَدُوا مَعَ هارُونَ ولَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. وقالَ بَعْضُ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ: تَظافَرَتْ أقْوالُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الصّاعِقَةُ هُمُ السَّبْعُونَ رَجُلًا الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى ومَضى بِهِمْ لِمِيقاتِ رَبِّهِ ومُناجاتِهِ، وما ذُكِرَ لا يُمْكِنُ مَعَ ذِكْرِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ القائِلَ ذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وهو هُنا بَعِيدٌ. وفي نِداءِ بَنِي إسْرائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ بِاسْمِهِ سُوءُ أدَبٍ مِنهم مَعَهُ، إذْ لَمْ يَقُولُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أوْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْ يا كَلِيمَ اللَّهِ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُشْعِرُ بِصِفاتِ التَّعْظِيمِ، وهي كانَتْ عادَتُهم مَعَهُ: ﴿يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ﴿يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] وقَدْ قالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ فِيما جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، ولَمْ يُرِيدُوا نَفْيَ الإيمانِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ (لَكَ) ولَمْ يَقُولُوا (بِكَ) نَحْوَ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ بِمُصَدِّقٍ. وقِيلَ مَعْناهُ: لَنْ نُقِرَّ لَكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وعَدّاهُ بِاللّامِ، وقَدْ جاءَ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا﴾ [آل عمران: ٨١] فَيَكُونُ المَعْنى: لَنْ نُقِرَّ لَكَ بِأنَّ التَّوْراةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ قَوْلِكَ بِالتَّوْراةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْيُ الكَمالِ، أيْ لا يَكْمُلُ إيمانُنا لَكَ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ، ﷺ: «لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأهْلِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» .
﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (حَتّى) هُنا حَرْفُ غايَةٍ، أخْبَرُوا بِنَفْيِ إيمانِهِمْ مُسْتَصْحَبًا إلى هَذِهِ الغايَةِ ومَفْهُومُها أنَّهم إذا رَأوُا اللَّهَ جَهْرَةً آمَنُوا، والرُّؤْيَةُ هُنا: هي البَصَرِيَّةُ، وهي الَّتِي لا حِجابَ دُونَها ولا ساتِرَ، وانْتِصابُ (جَهْرَةً) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُزِيلٌ لِاحْتِمالِ الرُّؤْيَةِ أنْ تَكُونَ مَنامًا أوْ عِلْمًا بِالقَلْبِ. والمَعْنى حَتّى نَرى اللَّهَ عِيانًا، وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: جَهَرَ بِالقِراءَةِ وبِالدُّعاءِ، أيْ أعْلَنَ بِها. فَأُرِيدَ بِها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فانْتِصابُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وفي: نَصْبِ هَذا النَّوْعِ خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. والأصَحُّ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالفِعْلِ السّابِقِ يُعَدّى إلى النَّوْعِ، كَما تَعَدّى إلى لَفْظِ المَصْدَرِ المُلاقى مَعَ الفِعْلِ (p-٢١١)فِي الِاشْتِقاقِ، وقِيلَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ الحَذْفِ، أيْ ذَوِي جَهْرَةٍ، أوْ عَلى مَعْنى جاهِرِينَ بِالرُّؤْيَةِ لا عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ نَحْوَ: رَجُلٌ صَوْمٌ؛ لِأنَّ المُبالَغَةَ لا تُرادُ هُنا. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ الجَهْرَةُ مِن صِفاتِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ مِن صِفاتِ الرّائِينَ، وثَمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ راجِعًا لِمَعْنى القَوْلِ، أوِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ قُلْتُمْ كَذا قَوْلًا جَهْرَةً أوْ جاهِرِينَ بِذَلِكَ القَوْلِ، لَمْ يُسِرُّوهُ ولَمْ يَتَكاتَمُوا بِهِ، بَلْ صَرَّحُوا بِهِ وجَهَرُوا بِأنَّهم أخْبَرُوا بِانْتِفاءِ الإيمانِ مُغِيًّا بِالرُّؤْيَةِ. والقَوْلُ بِأنَّ الجَهْرَةَ راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي عُبَيْدَةَ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِالرُّؤْيَةِ لا بِالقَوْلِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيبُ الفَصِيحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: جَهَرَةً، بِفَتْحِ الهاءِ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ (جَهَرَةً) مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، فَتَكُونُ مَعْناها ومَعْنى (جَهْرَةً) المُسَكَّنَةِ الهاءِ سَواءً، ويَجْرِي فِيها مِنَ الإعْرابِ الوُجُوهُ الَّتِي سَبَقَتْ في (جَهْرَةً) . والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَمْعًا لَجاهِرٍ، كَما تَقُولُ: فاسِقٌ وفَسَقَةٌ، فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، أيْ جاهِرِينَ بِالرُّؤْيَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رادَّهم، وعَرَّفَهم أنَّ رُؤْيَةَ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ مُحالٌ، وأنَّ مَنِ اسْتَجازَ عَلى اللَّهِ الرُّؤْيَةَ، فَقَدْ جَعَلَهُ مِن جُمْلَةِ الأقْسامِ أوِ الإعْراضِ، فَرادُّوهُ بَعْدَ بَيانِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ البُرْهانِ، ولَجُّوا فَكانُوا في الكُفْرِ كَعَبَدَةِ العِجْلِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصّاعِقَةَ، كَما سَلَّطَ عَلى أُولَئِكَ القَتْلَ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الكُفْرَيْنِ ودَلالَةً عَلى عِظَمِها بِعِظَمِ المِحْنَةِ، اهـ كَلامُهُ. وهو مُصَرِّحٌ بِاسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالأبْصارِ. وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
ذَهَبَتِ القَدَرِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والنَّجّارِيَّةُ والجَهْمِيَّةُ ومَن شارَكَهم مِنَ الخَوارِجِ إلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ في حَقِّ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى إثْباتِ الرُّؤْيَةِ. فَقالَ الكَرّامِيَّةُ: يُرى في جِهَةِ فَوْقَ ولَهُ تَحْتٌ، ويُرى جِسْمًا، وقالَتِ المُشَبِّهَةُ: يُرى عَلى صُورَةٍ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لا مُقابِلًا، ولا مُحاذِيًا، ولا مُتَمَكِّنًا، ولا مُتَحَيِّزًا، ولا مُتَلَوِّنًا، ولا عَلى صُورَةٍ ولا هَيْئَةٍ، ولا عَلى اجْتِماعٍ وجِسْمِيَّةٍ، بَلْ يَراهُ المُؤْمِنُونَ، يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِخِلافِ المَخْلُوقاتِ كَما عَلِمُوهُ كَذَلِكَ قَبْلُ. وقَدِ اسْتَفاضَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثّابِتَةُ في رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْها. وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أصْعَبِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وقَدْ رَأيْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ مِن فُضَلاءِ الإمامِيَّةِ فِيها مُجَلَّدَةً كَبِيرَةً، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ اسْتِحالَةِ الرُّؤْيَةِ، لَكِنَّ عادَتَهُ تَحْمِيلُ الألْفاظِ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، خُصُوصًا ما يَجُرُّ إلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَصَبِيَّةِ فِيما لا يَنْبَغِي. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في رُؤْيَةِ الحَقِّ نَفْسَهُ، فَذَهَبَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّهُ لا يَرى نَفْسَهُ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنهم إلى أنَّهُ يَرى نَفْسَهُ، وذَهَبَ الكَعْبِيُّ إلى أنَّهُ لا يَرى نَفْسَهُ ولا غَيْرَهُ، وهَذا مَذْهَبُ النَّجّارِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.
﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾: أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْكم وأحاطَتْ بِكم. وأصْلُ الأخْذِ: القَبْضُ بِاليَدِ. والصّاعِقَةُ هُنا: هَلْ هي نارٌ مِنَ السَّماءِ أحْرَقَتْهم، أوِ المَوْتُ، أوْ جُنْدٌ سَماوِيٌّ سَمِعُوا حِسَّهم فَماتُوا، أوِ الفَزَعُ فَدامَ حَتّى ماتُوا، أوْ غُشِيَ عَلَيْهِمْ، أوِ العَذابُ الَّذِي يَمُوتُونَ مِنهُ أوْ صَيْحَةٌ سَماوِيَّةٌ ؟ أقْوالٌ، أصَحُّها: أنَّها سَبَبُ المَوْتِ، لا المَوْتُ، وإنْ كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ، قالَهُ المُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُدَّةَ مِنَ المَوْتِ أوِ الصَّعْقِ كانَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً. وقِيلَ: أصابَ مُوسى ما أصابَهم، وقِيلَ صُعِقَ ولَمْ يَمُتْ، قالُوا: وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ جاءَ: (فَلَمّا أفاقَ) في حَقِّ مُوسى وجاءَ: (ثُمَّ بَعَثْناكم) في حَقِّهِمْ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ البَعْثِ في القُرْآنِ بَعْثُ الأمْواتِ. وقِيلَ: غُشِيَ عَلَيْهِمْ كَهو ولَمْ يَمُوتُوا، والصَّعْقُ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ المَوْتِ، وقالَ جَرِيرٌ:
؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا
(p-٢١٢)والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم قَوْلُهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ إذْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَسْألُوا الرُّؤْيَةَ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وقِيلَ: سَبَبُ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم هو غَيْرُ هَذا القَوْلِ مِن كُفْرِهِمْ بِمُوسى، أوْ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ أوْ عِبادَةِ العِجْلِ. وقَرَأ عَمْرٌو عَلى الصَّعْقَةِ، واسْتَعْظَمَ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ حَيْثُ وقَعَ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، فَطَلَبُها في الدُّنْيا هو مُسْتَنْكَرٌ، أوْ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنِ العَبْدِ حالَ ما يَراهُ، فَكانَ طَلَبُها طَلَبًا لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي كانَ طَلَبُ الدَّلائِلِ الزّائِدَةِ تَعَنُّتًا ولِأنَّ في مَنعِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا ضَرْبًا مِنَ المَصْلَحَةِ المُهِمَّةِ لِلْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ اسْتُنْكِرَ.
﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ النَّظَرِ: أخْذُ الصَّعْقَةِ إيّاكم، أيْ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى ما حَلَّ بِكم مِنها، أوْ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَخِرُّ مَيِّتًا، أوْ إلى الأحْياءِ، أوْ تَعْلَمُونَ أنَّها تَأْخُذُكم. فَعَبَّرَ بِالنَّظَرِ عَنِ العِلْمِ، أوْ إلى آثارِ الصّاعِقَةِ في أجْسامِكم بَعْدَ أنْ بُعِثْتُمْ، أوْ يَنْظُرَ كُلٌّ مِنكم إلى إحْياءِ نَفْسِهِ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ العُزَيْرِ، قالُوا: حَيِيَ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، أوْ إلى أوائِلِ ما كانَ يَنْزِلُ مِنَ الصّاعِقَةِ قَبْلَ المَوْتِ، أوْ أنْتُمْ يُقابِلُ بَعْضُكم بَعْضًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: دُورُ آلِ فُلانٍ تَتَراءى، أيْ يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إجابَةُ السُّؤالِ في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لَهم، لَكانَ وجْهًا مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ، أيِ انْتَظَرْتُهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ لَيْسَ بِمَنقُولٍ، فَلا أجْسُرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ. وقَدْ عَدَّ صاحِبُ المُنْتَخَبِ هَذا إنْعامًا سادِسًا، وذَكَرَ في كَوْنِهِ إنْعامًا وُجُوهًا، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، والمَقْصُودُ ذِكْرُ ما يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ ذَلِكَ إنْعامًا، وهو أنَّ إحْياءَهم لِأنْ يَتُوبُوا عَنِ التَّعَنُّتِ، ولِأنْ يَتَخَلَّصُوا مِن ألِيمِ العِقابِ ويَفُوزُوا بِجَزِيلِ الثَّوابِ مَن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهم هَذا بَعْدَ أنْ كُلِّفَ عَبَدَةُ العِجْلِ بِالقَتْلِ ولا قَبْلَهُ. وقَدْ قِيلَ بِكُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمَلَ مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، والواوُ لا تَدُلُّ بِوَضْعِها عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ. قالَ بَعْضُهم: لَمّا أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مُناجاتِهِ، وأسْمَعَهم لَذِيذَ خِطابِهِ، اشْرَأبَّتْ نُفُوسُهم لِلْفَخْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ، فَعامَلَهُمُ اللَّهُ بِنَقِيضِ ما حَصَلَ في أنْفُسِهِمْ بِالصَّعْقَةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ تَأْدِيبًا لَهم وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] .
﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ودَلَّ العَطْفُ بِثُمَّ عَلى أنَّ بَيْنَ أخْذِ الصّاعِقَةِ والبَعْثِ زَمانًا تُتَصَوَّرُ فِيهِ المُهْلَةُ والتَّأْخِيرُ، هو زَمانُ ما نَشَأ عَنِ الصّاعِقَةِ مِنَ المَوْتِ، أوِ الغَشْيِ عَلى الخِلافِ الَّذِي مَرَّ. والبَعْثُ هُنا: الإحْياءُ، ذُكِرَ أنَّهم لَمّا ماتُوا لَمْ يَزَلْ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ في إَحْيائِهِمْ ويَقُولُ: يا رَبِّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ قَتَلْتَ خِيارَنا. حَتّى أحْياهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَحْيَوْنَ. وقِيلَ: مَعْنى البَعْثِ الإرْسالُ، أيْ أرْسَلْناكم. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ سَألُوا أنْ يَبْعَثَهم أنْبِياءَ فَبَعَثَهم أنْبِياءَ. وقِيلَ: مَعْنى البَعْثِ: الإفاقَةُ مِنَ الغَشْيَةِ، ويَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهم صُعِقُوا ولَمْ يَمُوتُوا. وقِيلَ: البَعْثُ هُنا: القِيامُ بِسُرْعَةٍ مِن مَصارِعِهِمْ، ومِنهُ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ؟ وقِيلَ مَعْنى البَعْثِ هُنا التَّعْلِيمُ، أيْ ثُمَّ عَلَّمْناكم مِن بَعْدِ جَهْلِكم، والمَوْتُ هُنا ظاهِرُهُ مُفارَقَةُ الرُّوحِ الجَسَدَ، وهَذا هو الحَقِيقَةُ، وكانَ إحْياؤُهم لِأجْلِ اسْتِيفاءِ أعْمارِهِمْ. ومَن قالَ: كانَ ذَلِكَ غَشْيًا وهُمُودًا كانَ المَوْتُ مَجازًا، قالَ تَعالى: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، والَّذِي أتاهُ مُقَدِّماتُهُ سُمِّيَتْ مَوْتًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وقُلْ لَهم بادِرُوا بِالعُذْرِ والتَمِسُوا ∗∗∗ قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ
(p-٢١٣)جَعَلَ نَفْسَهُ المَوْتَ لَمّا كانَ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وكَذَلِكَ إذا حُمِلَ المَوْتُ عَلى الجَهْلِ كانَ مَجازًا، وقَدْ كَنى عَنِ العِلْمِ بِالحَياةِ، وعَنِ الجَهْلِ بِالمَوْتِ. قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ الشّافِعِيُّ:
؎إنَّما النَّفْسُ كالزُّجاجَةِ والعِلْ ∗∗∗ مُ سِراجٌ وحِكْمَةُ اللَّهِ زَيْتُ
؎فَإذا أبْصَرْتَ فَإنَّكَ حَيٌّ ∗∗∗ وإذا أظْلَمْتَ فَإنَّكَ مَيْتُ
وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ:
؎أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ∗∗∗ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ
؎وذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وهو ماشٍ عَلى الثَّرى ∗∗∗ يُظَنُّ مِنَ الأحْياءِ وهو عَدِيمُ
ولا يَدْخُلُ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ في خِطابِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ لِلَّذِينِ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ولِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ولا يُسْتَعْمَلُ هَذا في المَوْتِ. وأخْطَأ ابْنُ قُتَيْبَةَ في زَعْمِهِ أنَّ مُوسى قَدْ ماتَ.
﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: وفي مُتَعَلِّقِ الشُّكْرِ أقْوالٌ يَنْبَنِي أكْثَرُها عَلى المُرادِ بِالبَعْثِ والمَوْتِ. فَمَن زَعَمَ أنَّهُما حَقِيقَةٌ قالَ: المَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ وسائِرِ نِعَمِهِ الَّتِي أسْداها إلَيْهِمْ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مَجازًا عَنْ إرْسالِهِمْ أنْبِياءَ، أوْ إثارَتِهِمْ مِنَ الغَشْيِ، أوْ تَعْلِيمِهِمْ بَعْدَ الجَهْلِ، جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ أحَدَ هَذِهِ المَجازاتِ. وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ إنْزالَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ وتَفْصِيلِ شَرائِعِهِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَرائِعُ. وقِيلَ: المَعْنى لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بَعْدَما كَفَرْتُمُوها إذا رَأيْتُمْ بَأْسَ اللَّهِ في رَمْيِكم بِالصّاعِقَةِ وإذاقَتِكُمُ المَوْتَ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: إنَّما بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ في دارِ الدُّنْيا لِيُكَلِّفَهم ولِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الإيمانِ ومِن تَلافِي ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَرائِمِ. أمّا أنَّهُ كَلَّفَهم، فَلِقَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) . ولَفْظُ الشُّكْرِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطّاعاتِ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ في بَقاءِ تَكْلِيفِ مَن أُعِيدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومُعايَنَةِ الأهْوالِ الَّتِي تَضْطَرُّهُ وتُلْجِئُهُ إلى الِاعْتِرافِ بَعْدَ الِاقْتِرافِ. فَقالَ قَوْمٌ: سَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ لِيَكُونَ تَكْلِيفُهم مُعْتَبَرًا بِالِاسْتِدْلالِ دُونَ الِاضْطِرارِ. وقالَ قَوْمٌ: يَبْقى تَكْلِيفُهم لِئَلّا يَخْلُوَ بالِغٌ عاقِلٌ مِن تَعَبُّدٍ، ولا يُمْنَعُ حُكْمُ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]، وذَلِكَ حِينَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ، فَلَمّا نَتَقَ الجَبَلَ فَوْقَهم آمَنُوا وقَبِلُوها، فَكانَ إيمانُهم بِها إيمانَ اضْطِرارٍ، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، ومِثْلُهم قَوْمُ يُونُسَ في إيمانِهِمْ. اهـ كَلامُهُ.
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾، (الغَمامَ): مَفْعُولٌ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِالغَمامِ، كَما تَقُولُ: ظَلَّلْتُ عَلى فُلانٍ بِالرَّدِّ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لا عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، ويَكُونُ المَعْنى جَعَلْناهُ عَلَيْكم ظُلَلًا. فَعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ فَعَّلَ فِيهِ بِجَعْلِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ ؟ عَدَلْتُ زَيْدًا، أيْ جَعَلْتُهُ عَدْلًا، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: جَعَلْنا الغَمامَ عَلَيْكم ظُلَّةً، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ فَعَّلَ فِيهِ بِمَعْنى أفْعَلَ، فَيَكُونُ التَّضْعِيفُ أصْلُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِعَلى، فَكانَ الأصْلُ: وظَلَّلْناكم، أيْ أظْلَلْناكم بِالغَمامِ، نَحْوَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ»، ثُمَّ ضُمِّنَ ظَلَّلَ مَعْنى كَلَّلَ أوْ شِبْهَهُ مِمّا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى، فَعَدّاهُ بِعَلى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي فَعَّلَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، إذْ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ الغَمامَ ظُلِّلَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ جُعِلَ عَلى الغَمامِ شَيْءٌ يَكُونُ ظُلَّةً لِلْغَمامِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغَمامِ، وقِيلَ: إنَّهُ الغَمامُ الَّذِي أتَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو الَّذِي تَأْتِي فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَنِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ولَيْسَ بِغَمامٍ حَقِيقَةً، وإنَّما سُمِّيَ غَمامًا لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الغَمامَ. وقِيلَ: الَّذِينَ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أجْرى العادَةَ في بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ ثَلاثِينَ سَنَةً لا يُحْدِثُ فِيها ذَنْبًا أظَلَّتْهُ غَمامَةٌ.
وحُكِيَ (p-٢١٤)أنَّ شَخْصًا عَبَدَ ثَلاثِينَ سَنَةً فَلَمْ تُظِلُّهُ غَمامَةٌ، فَجاءَ إلى أصْحابِ الغَمائِمِ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: لَعَلَّكَ أحْدَثْتَ ذَنْبًا، فَقالَ: لا أعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنِّي رَفَعْتُ طَرْفِي إلى السَّماءِ وأعَدْتُهُ بِغَيْرِ فِكْرٍ، فَقالُوا لَهُ: ذَلِكَ ذَنْبُكَ، وكانَتْ فِيهِمْ جَماعَةٌ يُسَمَّوْنَ أصْحابَ الغَمائِمِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ مَن لَهُ هَذِهِ الكَرامَةُ الظّاهِرَةُ الباهِرَةُ. والمَكانُ الَّذِي أظَلَّتْهم فِيهِ الغَمامَةُ كانَ في التِّيهِ بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ لَمّا شَكَوْا حَرَّ الشَّمْسِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ. وقِيلَ: أرْضٌ بَيْضاءُ عَفْراءُ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولا ظِلٌّ، وقَعُوا فِيها حِينَ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، فَأظَلَّهُمُ اللَّهُ بِالغَمامِ، ووَقاهم حَرَّ الشَّمْسِ.
﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ المَنُّ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وفي المَنِّ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ: ما يَسْقُطُ عَلى الشَّجَرِ أحْلى مِنَ الشَّهْدِ وأبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والشَّعْبِيِّ، أوْ صَمْغَةٌ طَيِّبَةٌ حُلْوَةٌ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ أوْ شَرابٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَشْرَبُونَهُ بَعْدَ مَزْجِهِ بِالماءِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأبِي العالِيَةَ؛ أوْ عَسَلٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ؛ أوِ الرُّقاقُ المُتَّخَذُ مِنَ الذُّرَةِ أوْ مِنَ النِّقْيِ، وهو قَوْلُ وهْبٍ؛ أوِ الزَّنْجَبِيلُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيُّ، أوِ التَّرَنْجَبِينُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ؛ أوْ عَسَلٌ حامِضٌ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عِيسى؛ أوْ جَمِيعُ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ وجاءَهم عَفْوًا مِن غَيْرِ تَعَبٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ، ﷺ: «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ» . وفي رِوايَةٍ: عَلى مُوسى. وفي السَّلْوى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ: طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى، أوْ هو السُّمانى نَفْسُهُ، أوْ طُيُورٌ حُمْرٌ بَعَثَ اللَّهُ بِها سَحابَةً فَمُطِرَتْ في عَرْضِ مِيلٍ وطُولِ رُمْحٍ في السَّماءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ، أوْ طَيْرٌ يَكُونُ بِالهِنْدِ أكْبَرُ مِنَ العُصْفُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ؛ أوْ طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الحَمامِ، أوِ العَسَلُ بِلُغَةِ كِنانَةَ. وكانَتْ تَأْتِيهِمُ السَّلْوى مِن جِهَةِ السَّماءِ، فَيَخْتارُونَ مِنها السَّمِينَ ويَتْرُكُونَ الهَزِيلَ؛ وقِيلَ: كانَتْ رِيحُ الجَنُوبِ تَسُوقُها إلَيْهِمْ فَيَخْتارُونَ مِنها حاجَتَهم ويَذْهَبُ الباقِي. وقِيلَ: كانَتْ تَنْزِلُ عَلى الشَّجَرِ فَيَنْطَبِخُ نِصْفُها ويَنْشَوِي نِصْفُها. وكانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، والسَّلْوى بُكْرَةً وعَشِيًّا، وقِيلَ: دائِمًا، وقِيلَ: كُلَّما أحَبُّوا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ حِكاياتٍ في التَّظْلِيلِ ونُزُولِ المَنِّ والسَّلْوى، وتَظافَرَتْ أقاوِيلُهم أنَّ ذَلِكَ كانَ في فَحْصِ التِّيهِ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأنَّهم قالُوا: مَن لَنا مِن حِراكِ الشَّمْسِ ؟ فَظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ، وقالُوا: مَن لَنا بِالطَّعامِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وقالُوا: مَن لَنا بِالماءِ ؟ فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، وهَذِهِ دَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ. وزِيدَ في تِلْكَ الحِكاياتِ أنَّهم قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ ؟ فَضُرِبَ لَهم عَمُودٌ مِن نُورٍ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وقِيلَ: مِن نارٍ، وقالُوا: مَن لَنا بِاللِّباسِ ؟ فَأُعْطُوا أنْ لا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِّبْيانِ. (كُلُوا): أمْرُ إباحَةٍ وإذْنٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحَظْرُ، أوْ دُومُوا عَلى الأكْلِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ الأصْلُ فِيها الإباحَةُ، وهَهُنا قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ وقُلْنا: كُلُوا، والقَوْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا ويَبْقى المَقُولُ، وذَلِكَ لِفَهْمِ المَعْنى، ومِنهُ: أكَفَرْتُمْ ؟ أيْ: فَيُقالُ أكَفَرْتُمْ ؟ وحَذْفُ المَقُولِ وإبْقاءُ القَوْلِ قَلِيلٌ، وذَلِكَ أيْضًا لِفَهْمِ المَعْنى، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمْ ∗∗∗ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبًا
التَّقْدِيرُ: قُلْتُمْ نُقاتِلُهم.
﴿مِن طَيِّباتِ﴾ مِن: لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها زائِدَةٌ، ولا يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ الَّتِي لِلْجِنْسِ في إثْباتِها خِلافٌ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَها ما يَصْلُحُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَهُ مَوْصُولٌ يَكُونُ صِفَةً لَهُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها لِلْبَدَلِ، إذْ هو مَعْنًى مُخْتَلَفٌ في إثْباتِهِ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ هُنا ما يُرَجِّحُ ذَلِكَ. والطَّيِّباتُ هُنا (p-٢١٥)قِيلَ: الحَلالُ، وقِيلَ: اللَّذِيذُ المُشْتَهى. ومَن زَعَمَ أنَّ هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهو كُلُوا مِن عِوَضِ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، عَوَّضَهم عَنْ جَمِيعِ مَآكِلِهِمْ المُسْتَلَذَّةِ بِالمَنِّ والسَّلْوى، فَكانا بَدَلًا مِنَ الطَّيِّباتِ. وقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أنَّهُ لا يَكْفِي وضْعُ المالِكِ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ في إباحَةِ الأكْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِ المالِكِ، وهو قَوْلٌ. وقِيلَ: يُمْلَكُ بِالوَضْعِ فَقَطْ، وقِيلَ: بِالأخْذِ والتَّناوُلِ، وقِيلَ: لا يُمْلَكُ بِحالٍ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهِ وهو عَلى مِلْكِ المالِكِ. و(ما) في قَوْلِهِ: (ما رَزَقْناكم) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما رَزَقْناكُمُوهُ، وشُرُوطُ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُجَوِّزَ مُجَوِّزٌ فِيها أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ، ويَكُونُ يُطْلَقُ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ، والأوَّلُ أسْبَقُ إلى الذِّهْنِ.
﴿وما ظَلَمُونا﴾ نَفْيٌ أنَّهم لَمْ يَقَعْ مِنهم ظُلْمُ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ نَفْيِ الشَّيْءِ إمْكانُ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ ظُلْمَ الإنْسانِ لِلَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ ألْبَتَّةَ. قِيلَ: المَعْنى وما ظَلَمُونا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِما قابَلْناهم بِهِ مِنَ الصّاعِقَةِ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِادِّخارِهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِفَسادِ طَعامِهِمْ وتَقْلِيصِ أرْزاقِهِمْ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِإبائِهِمْ عَلى مُوسى أنْ يَدْخُلُوا قَرْيَةَ الجَبّارِينَ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِاسْتِحْبابِهِمُ العَذابَ وقَطْعِهِمْ مادَّةَ الرِّزْقِ عَنْهم، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِكُفْرِ النِّعَمِ، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِحُلُولِ النِّقَمِ. وقِيلَ: وما ظَلَمُونا بِعِبادَةِ العِجْلِ، بَلْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
واتَّفَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَعَصَوْا ولَمْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ، قالَ: والمَعْنى وما وضَعُوا فِعْلَهم في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ وما ظَلَمُونا، قالَ: فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِهِ لِدَلالَةِ (وما ظَلَمُونا) عَلَيْهِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ، كَما زَعَما؛ لِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنهُمُ ارْتِكابُ قَبائِحَ مِنِ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، ومِن سُؤالِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُقَصَّ هُنا. فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ جُمْلَةٌ مَنفِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنهم مِن تِلْكَ القَبائِحِ لَمْ يَصِلْ إلَيْنا بِذَلِكَ نَقْصٌ ولا ضَرَرٌ، بَلْ وبالُ ذَلِكَ راجِعٌ إلى أنْفُسِهِمْ ومُخْتَصٌّ بِهِمْ، لا يَصِلُ إلَيْنا مِنهُ شَيْءٌ.
﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ (لَكِنْ) هُنا وقَعَتْ أحْسَنَ مَوْقِعٍ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَها نَفْيٌ وجاءَ بَعْدَها إيجابٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وكَذَلِكَ العَكْسُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] أعْنِي أنْ يَتَقَدَّمَ إيجابٌ ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها نَفْيٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْراكَ الحاصِلَ بِها إنَّما يَكُونُ عَلى ما قَبْلِها بِوَجْهٍ ما، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم ظُلْمٌ، فَلَمّا نُفِيَ ذَلِكَ الظُّلْمُ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ تَعالى بَقِيَتِ النَّفْسُ مُتَشَوِّفَةً ومُتَطَلِّعَةً إلى ذِكْرِ مَن وقَعَ بِهِ الظُّلْمُ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ ذَلِكَ الظُّلْمَ الحاصِلَ مِنهم إنَّما كانَ واقِعًا بِهِمْ، وأحْسَنُ مَواقِعِها أنْ تَكُونَ بَيْنَ المُتَضادَّيْنِ، ويَلِيهِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ويَلِيهِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ الخِلافَيْنِ، وفي هَذا الأخِيرِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. أذَلِكَ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ أمْ لا ؟ وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ قائِمٌ، ولَكِنْ هو ضاحِكٌ، وقَدْ تُكُلِّمَ عَلى ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّها لا تَقَعُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ نَحْوَ: ما خَرَجَ زَيْدٌ ولَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَمْرٌو.
وطِباقُ الكَلامِ أنْ يُثْبَتَ ما بَعْدَ (لَكِنْ) عَلى سَبِيلِ ما نُفِيَ قَبْلَها، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] لَكِنْ دَخَلَتْ (كانُوا) هُنا مُشْعِرَةً بِأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِمْ ومِن طَرِيقَتِهِمْ، ولِأنَّها أيْضًا تَكُونُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَكُونُ المُسْنَدُ لا يَنْقَطِعُ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا؛ فَكانَ المَعْنى: ولَكِنْ لَمْ يَزالُوا ظالِمِي أنْفُسِهِمْ بِكَثْرَةِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المُخالَفاتِ. و(يَظْلِمُونَ) صُورَتُهُ صُورَةُ المُضارِعِ، وهو ماضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَكُونُ فِيها المُضارِعُ بِمَعْنى (p-٢١٦)الماضِي، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ ولا فِيما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كُتُبِهِ، وذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وقُدِّمَ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْهِ هُنا وهو قَوْلُهُ (أنْفُسَهم) لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ تَوافُقُ رُءُوسِ الآيِ والفَواصِلِ، ولِيَدُلَّ عَلى الِاعْتِناءِ بِالإخْبارِ عَمَّنْ حَلَّ بِهِ الفِعْلُ، ولِأنَّهُ مِن حَيْثُ المَعْنى صارَ العامِلُ في المَفْعُولِ تَوْكِيدًا لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَلَيْسَ ذِكْرُهُ ضَرُورِيًّا، وبِأنَّ لِلتَّوْكِيدِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ المُؤَكَّدِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ زَيْدًا ولَكِنْ ضَرَبْتُ عَمْرًا، فَذِكْرُ ضَرَبْتُ الثّانِيَةِ أفادَتِ التَّأْكِيدَ؛ لِأنَّ (لَكِنْ) مَوْضُوعُها أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُنافِيًا لِما قَبْلَها، ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ما ضَرَبْتُ زَيْدًا ولَكِنْ عَمْرًا، فَلَسْتَ مُضْطَرًّا لِذِكْرِ العامِلِ. فَلَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ في مَعْنى: ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، كانَ ذِكْرُ العامِلِ في المَفْعُولِ لَيْسَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ، إذْ لَوْ قِيلَ: وما ظَلَمُونا ولَكِنْ أنْفُسَهم، لَكانَ كَلامًا عَرَبِيًّا، ويُكْتَفى بِدَلالَةِ لَكِنْ أنَّ ما بَعْدَها مُنافٍ لِما قَبْلَها، فَلَمّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ المُحَسِّناتُ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ كانَ تَقْدِيمُهُ هُنا الأفْصَحَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: أمْرُ مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، إيّاهم بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ مِن مُقارَفَةِ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي هو عِبادَةُ العِجْلِ مِن دُونِ اللَّهِ، وأنَّ مِثْلَ هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنهُ. والتَّلَطُّفُ بِهِمْ في نِدائِهِمْ بِيا قَوْمِ، وتَنْبِيهُهم عَلى عِلَّةِ الظُّلْمِ الَّذِي كانَ وبالُهُ راجِعًا عَلَيْهِمْ، والإعْلامُ بِأنَّ تَوْبَتَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الإخْبارُ بِحُصُولِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِسابِقِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ التَّوْبِيخُ لَهم بِسُؤالِهِمْ ما كانَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَسْألُوهُ، وهو رُؤْيَةُ اللَّهِ عِيانًا؛ لِأنَّهُ كانَ سُؤالَ تَعَنُّتٍ. ثُمَّ ذِكْرُ ما تَرَتَّبَ عَلى هَذا السُّؤالِ مِن أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم. ثُمَّ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِالبَعْثِ، وهو مِنَ الخَوارِقِ العَظِيمَةِ أنْ يُحْيى الإنْسانُ في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ ماتَ. ثُمَّ إسْعافُهم بِما سَألُوهُ، إذْ وقَعُوا في التِّيهِ واحْتاجُوا إلى ما يُزِيلُ ضَرَرَهم وحاجَتَهم مَن لَفْحِ الشَّمْسِ، وتَغْذِيَةِ أجْسادِهِمْ بِما يَصْلُحُ لَها، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وهَذا مِن أعْظَمِ الأشْياءِ وأكْبَرِ المُعْجِزاتِ حَيْثُ يُسَخَّرُ العالَمُ العُلْوِيُّ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِ، فَكانَ عَلى ما قِيلَ: تُظِلُّهم بِالنَّهارِ وتَذْهَبُ بِاللَّيْلِ حَتّى يُنَوِّرَ عَلَيْهِمُ القَمَرُ. وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وهَذا مِن أشْرَفِ المَأْكُولِ، إذْ جَمَعَ بَيْنَ الغِذاءِ والدَّواءِ، بِما في ذَلِكَ مِنَ الحَلاوَةِ الَّتِي في المَنِّ والدَّسَمِ الَّذِي في السَّلْوى، وهُما مُقْمِعا الحَرارَةِ ومُثِيرا القُوَّةِ لِلْبَدَنِ. ثُمَّ الأمْرُ لَهم بِتَناوُلِ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ مُطْلَقٌ، ثُمَّ التَّنْصِيصُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّباتِ وبِحَقِّ ما يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّباتِ. ثُمَّ ذِكْرُ أنَّهُ رِزْقٌ مِنهُ لَهم لَمْ يَتْعَبُوا في تَحْصِيلِهِ ولا اسْتِخْراجِهِ ولا تَنْمِيَتِهِ، بَلْ جاءَ رِزْقًا مُهَنَّأً لا تَعَبَ فِيهِ. ثُمَّ إرْدافُ هَذِهِ الجُمَلِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ؛ إذْ هي مُؤَكِّدَةٌ لِافْتِتاحِ هَذِهِ الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّهُ افْتَتَحَها بِالإخْبارِ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وخَتَمَها بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لَفْظًا والبَلاغَةِ مَعْنًى، إذْ جَمَعَتِ الألْفاظَ المُخْتارَةَ والمَعانِيَ الكَثِيرَةَ مُتَعَلِّقًا أوائِلُ أواخِرِها بِأواخِرِ أوائِلِها، مَعَ لُطْفِ الإخْبارِ عَنْ نَفْسِهِ. فَحَيْثُ ذَكَرَ النِّعَمَ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ: ثُمَّ بَعَثْناكم، وقالَ: وظَلَّلْنا وأنْزَلْنا، وحَيْثُ ذَكَرَ النِّقَمَ لَمْ يَنْسُبْها إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ . وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ مَوْضِعُ تَعْدادٍ لِلنِّعَمِ، فَناسَبَ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِيُذَكِّرَهم آلاءَهُ، ولَمْ يَنْسُبِ النِّقَمَ إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ مِنهُ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ في نِسْبَتِها إلَيْهِ تَخْوِيفًا عَظِيمًا رُبَّما عادَلَ ذَلِكَ الفَرَحَ بِالنِّعَمِ. والمَقْصُودُ: انْبِساطُ نُفُوسِهِمْ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ الكَلامُ قَدِ انْطَوى عَلى تَرْهِيبٍ وتَرْغِيبٍ، فالتَّرْغِيبُ أغْلَبُ عَلَيْهِ.
البقرة 2:58
(p-٢١٧)﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] .
الدُّخُولُ مَعْرُوفٌ، وفِعْلُهُ: دَخَلَ يَدْخُلُ، وهو مِمّا جاءَ عَلى يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ، وكانَ القِياسُ فِيهِ أنْ يُفْتَحَ؛ لِأنَّ وسَطَهُ حَرْفُ حَلْقٍ، كَما جاءَ الكَسْرُ في يَنْزِعُ وقِياسُهُ أيْضًا الفَتْحُ. القَرْيَةُ: المَدِينَةُ، مِن قَرَيْتُ: أيْ جَمَعْتُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُجْتَمَعُ النّاسِ عَلى طَرِيقِ المُساكَنَةِ. وقِيلَ: إنْ قَلُّوا قِيلَ لَها قَرْيَةٌ، وإنْ كَثُرُوا قِيلَ لَها مَدِينَةٌ. وقِيلَ: أقَلُّ العَدَدِ الَّذِي تُسَمّى بِهِ قَرْيَةٌ ثَلاثَةٌ فَما فَوْقَها، ومِنهُ: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، والمَقْراةُ: الحَوْضُ، ومِنهُ القِرى: وهو الضِّيافَةُ، والقَرِيُّ: المَجْرى، والقَرى: الظَّهْرُ. ولُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ: القِرْيَةُ، بِكَسْرِ القافِ، ويَجْمَعُونَها عَلى قِرًى بِكَسْرِ القافِ نَحْوَ: رِشْوَةٍ ورِشًا. وأمّا قَرْيَةٌ بِالفَتْحِ فَجُمِعَتْ عَلى قُرًى بِضَمِّ القافِ، وهو جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، قِيلَ: ولَمْ يُسْمَعْ مِن فِعْلِهِ المُعْتَلِّ اللّامِ إلّا قَرْيَةً وقُرًى، وتُرْوَةً وتُرًى، وشَهْوَةً وشُهًى.
البابُ: مَعْرُوفٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُدْخَلُ مِنهُ، وجَمْعُهُ أبْوابٌ، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ، وجاءَ جَمْعُهُ عَلى أبْوِبَةٍ في قَوْلِهِ:
؎هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبْوِبَةٍ
لِتَشاكُلِ أخْبِيَةٍ، كَما قالُوا: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وأصْلُهُ تَلَوْتَ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِتُشاكِلَ دَرَيْتَ.
سُجَّدًا: جَمْعُ ساجِدٍ، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في فاعِلٍ وفاعِلَةٍ الوَصْفَيْنِ الصَّحِيحَيِ اللّامِ. وقُولُوا: كُلُّ أمْرٍ مِن ثُلاثِيٍّ اعْتَلَّتْ عَيْنُهُ فانْقَلَبَتْ ألِفًا في الماضِي، تَسْقُطُ تِلْكَ العَيْنُ مِنهُ إذا أُسْنِدَ لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ نَحْوَ: قُلْ وبِعْ، أوْ لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ نَحْوَ: قُلْنَ وبِعْنَ، فَإنِ اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ الواحِدَةِ نَحْوَ: قُولِي، أوْ ضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ نَحْوَ: قُولا، أوْ ضَمِيرُ الذُّكُورِ نَحْوَ: قُولُوا، ثَبَتَتْ تِلْكَ العَيْنُ، وعِلَّةُ الحَذْفِ والإثْباتِ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ. وقَدْ جاءَ حَذْفُها في الشِّعْرِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: قُلى وعِشا.
حِطَّةٌ: عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ مِنَ الحَطِّ، وهو مَصْدَرٌ كالحَطِّ، وقِيلَ: هو هَيْئَةٌ وحالٌ: كالجِلْسَةِ والقِعْدَةِ، والحَطُّ: الإزالَةُ، حَطَطْتُ عَنْهُ الخَراجَ: أزَلْتُهُ عَنْهُ. والنُّزُولُ: حَطَطْتُ. وحُكِيَ: بِفِناءِ زَيْدٍ نَزَلْتُ بِهِ، والنَّقْلُ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، ومِنهُ انْحِطاطُ القَدْرِ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ، الحِطَّةُ: التَّوْبَةُ. وأنْشَدُوا:
؎فازَ بِالحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ ∗∗∗ بِها ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورًا
أيْ فازَ بِالتَّوْبَةِ.
وتَفْسِيرُهُما الحِطَّةَ بِالتَّوْبَةِ إنَّما هو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ لا بِالمُرادِفِ؛ لِأنَّ مَن حُطَّ عَنْهُ الذَّنْبُ فَقَدْ تِيبَ عَلَيْهِ. الغَفْرُ والغُفْرانُ: السَّتْرُ، وفِعْلُهُ غَفَرَ يَغْفِرُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ في الماضِي وكَسْرِها في المُضارِعِ. والغَفِيرَةُ: المَغْفِرَةُ، والغِفارَةُ: السَّحابُ وما يُلْبَسُ بِهِ سِيَةُ القَوْسِ، وخِرْقَةٌ تُلْبَسُ تَحْتَ الخِمارِ، ومِثْلُهُ المِغْفَرُ. والجَمّاءُ الغَفِيرُ: أيْ جَماعَةٌ يَسْتُرُ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الكَثْرَةِ. وقَوْلُ عُمَرَ لِمَن قالَ لَهُ: لَمْ حَصَّبْتَ المَسْجِدَ: هو أغْفَرُ لِلنُّخامَةِ. كُلُّ هَذا راجِعٌ لِمَعْنى السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. الخَطِيئَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ الخَطَأِ، والخَطَأُ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ خَطِئَ الشَّيْءَ: أصابَهُ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وأخْطَأ: إذا تَعَمَّدَ، وأمّا خَطايا: فَجَمْعُ خَطِيَّةٍ، مُشَدَّدَةً عِنْدَ الفَرّاءِ، كَهَدِيَّةٍ وهَدايا، وجَمْعُ خَطِيئَةٍ المَهْمُوزِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُهُ خَطائِيُّ، مِثْلُ: صَحائِفُ، وزْنُهُ فَعائِلٌ، ثُمَّ أُعِلَّتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ بِقَلْبِها ياءً، ثُمَّ فُتِحَتِ الأُولى الَّتِي كانَ أصْلُها ياءَ المَدِّ في خَطِيئَةٍ فَصارَ: خَطَأى، فَتَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها، فَصارَ: خَطَآءَ، فَوَقَعَتْ هَمْزَةٌ بَيْنَ ألِفَيْنِ، والهَمْزَةُ شَبِيهَةٌ بِالألِفِ فَصارَ كَأنَّهُ اجْتَمَعَ ثَلاثَةُ أمْثالٍ، فَأبْدَلُوا مِنها ياءً فَصارَ خَطايا، كَهَدايا ومَطايا. وعِنْدَ الخَلِيلِ أصْلُهُ: خَطايِئُ، ثُمَّ (p-٢١٨)قُلِبَ فَصارَ خَطائِي عَلى وزْنِ فَعالِي، المَقْلُوبِ مِن فَعائِلَ، ثُمَّ عُمِلَ فِيهِ العَمَلُ السّابِقُ في قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
ومُلَخَّصُ ذَلِكَ: أنَّ الياءَ في خَطايا مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الهَمْزَةِ المُبْدَلَةِ مِنَ الياءِ بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ الَّتِي كانَتْ مَدَّةً زائِدَةً في خَطِيئَةٍ، عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، والألِفُ بَعْدَها مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الياءِ المُبْدَلَةِ مِنَ الهَمْزَةِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، ومُنْقَلِبَةٌ عَنِ الهَمْزَةِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ في الجَمْعِ والمُفْرَدِ، والألِفُ بَعْدَها هي الياءُ الَّتِي كانَتْ ياءً بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ الَّتِي كانَتْ مَدَّةً في المُفْرَدِ، عَلى رَأْيِ الخَلِيلِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا.
الإحْسانُ والإنْعامُ والإفْضالُ: نَظائِرُ، أحْسَنَ الرَّجُلُ: أتى بِالحَسَنِ، وأحْسَنَ الشَّيْءَ: أتى بِهِ حَسَنًا، وأحْسَنَ إلى عَمْرٍو: أسْدى إلَيْهِ خَيْرًا. التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ بِآخَرَ. تَقُولُ: هَذا بَدَلُ هَذا: أيْ عِوَضُهُ، ويَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، الثّانِي أصْلُهُ حَرْفُ جَرٍّ. بَدَّلْتُ دِينارًا بِدِرْهَمٍ؛ أيْ: جَعَلْتُ دِينارًا عِوَضَ الدِّرْهَمِ، وقَدْ يَتَعَدّى لِثَلاثَةٍ فَتَقُولُ: بَدَّلْتُ زَيْدًا دِينارًا بِدِرْهَمٍ؛ أيْ حَصَّلْتُ لَهُ دِينارًا عِوَضًا مِن دِرْهَمٍ، وقَدْ يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ لِفَهْمِ المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [الفرقان: ٧٠]، أيْ يُجْعَلُ لَهم حَسَناتٍ عِوَضَ السَّيِّئاتِ، وقَدْ وهِمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَجَعَلُوا ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ هو الحاصِلُ، والمَنصُوبُ هو الذّاهِبُ، حَتّى قالُوا: ولَوْ أبْدَلَ ضادًا بِظاءٍ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وصَوابُهُ: لَوْ أُبْدِلَ ظاءٌ بِضادٍ.
الرِّجْزُ: العَذابُ، وتُكْسَرُ راؤُهُ وتُضَمُّ، والضَّمُّ لُغَةُ بَنِي الصَّعَداتِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما في بَعْضِ المَواضِعِ، قالَ رُؤْبَةُ:
؎كَمْ رامَنا مِن ذِي عَدِيدٍ مُبْزِي ∗∗∗ حَتّى وُقِينا كَيْدَهُ بِالرُّجْزِ
والرُّجْزُ، بِالضَّمِّ: اسْمُ صَنَمٍ مَشْهُورٍ، والرَّجْزاءُ: ناقَةٌ أصابَ عَجُزَها داءٌ، فَإذا نَهَضَتِ ارْتَعَشَتْ أفْخاذُها، قالَ الشّاعِرُ:
هَمَمْتَ بِخَيْرٍ ثُمَّ قَصَّرْتَ دُونَهُ كَما ناءَتِ الرَّجْزاءُ شُدَّ عِقالُها
قِيلَ: الرِّجْزُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّجازَةِ، وهي صُوفٌ تُزَيَّنُ بِهِ الهَوادِجُ، كَأنَّهُ وسَمَهم، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْ ثَقِفاها ضُرِّجَتْ بِدِمائِها كَما ∗∗∗ ضُرِّجَتْ نِضْوُ القِرامِ الرَّجائِزُ
الِاسْتِسْقاءُ: طَلَبُ السَّقْيِ، والطَّلَبُ أحَدُ المَعانِي الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها في الِاسْتِفْعالِ في قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . العَصا: مُؤَنَّثٌ، والألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، قالُوا: عَصَوانِ، وعَصَوْتُهُ: أيْ ضَرَبْتُهُ بِالعَصا، ويُجْمَعُ عَلى أفْعِلٍ شُذُوذًا، قالُوا: أعْصٍ، أصْلُهُ أعْصُوٍ، وعَلى فِعِوْلٍ قِياسًا، قالُوا: عِصِيٌّ، أصْلُهُ عِصِوْوٌ، ويَتْبَعُ حَرَكَةَ العَيْنِ حَرَكَةُ الصّادِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا إنْ لا تَكُنْ إبِلٌ فَمِعْزى ∗∗∗ كائِنٌ قُرُونُ جُلَّتِها العِصِىُّ
الحَجَرُ: هو هَذا الجِسْمُ الصُّلْبُ المَعْرُوفُ عِنْدَ النّاسِ، وجُمِعَ عَلى أحْجارٍ وحِجارٍ، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ فِيهِ، وقالُوا: حِجارَةٌ بِالتّاءِ، واشْتَقُّوا مِنهُ، قالُوا: اسْتَحْجَرَ الطِّينُ، والِاشْتِقاقُ مِنَ الأعْيانِ قَلِيلٌ جِدًّا. الِانْفِجارُ: انْصِداعُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ انْفَجَرَ، والفُجُورُ: وهو الِانْبِعاثُ في المَعْصِيَةِ كالماءِ، وهو مُطاوِعُ فِعْلِ فَجَرَهُ فانْفَجَرَ، والمُطاوَعَةُ أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَ لَها انْفَعَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
اثْنَتا: تَأْنِيثُ اثْنَيْنِ، وكِلاهُما لَهُ إعْرابُ المُثَنّى، ولَيْسَ بِمُثْنًى حَقِيقَةً لِأنَّهُ لا يُفْرَدُ، فَيُقالُ: اثْنُ، ولا اثْنَةُ، ولامُهُما مَحْذُوفَةٌ، وهي ياءٌ؛ لِأنَّهُ مِن ثَنَّيْتُ العَشْرَةَ، بِإسْكانِ الشِّينِ، لُغَةُ الحِجازِ، وبِكَسْرِها لُغَةُ تَمِيمٍ، والفَتْحُ فِيها شاذٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وهو أوَّلُ العُقُودِ، واشْتَقُّوا مِنهُ فَقالُوا: عَشَّرَهم يُعَشِّرُهم، ومِنهُ العَشْرُ والعَشَرُ، والعَشْرُ: شَجَرٌ لَيِّنٌ، والأعْشارُ: القِطَعُ لا واحِدَ لَها، ووُصِلَ بِها المُفْرَدُ، قالُوا: بِرْمَةُ أعْشارٍ.
العَيْنُ: لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَنبَعِ الماءِ والعُضْوِ الباصِرِ، والسَّحابَةُ تُقْبِلُ مِن ناحِيَةِ القِبْلَةِ، والمَطَرُ يُمْطِرُ خَمْسًا أوْ سِتًّا، (p-٢١٩)لا يُقْلِعُ، ومَن لَهُ شَرَفٌ في النّاسِ، والثُّقْبُ في المَزادَةِ والذَّهَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وجُمِعَ عَلى أعْيُنٍ شاذٌّ، أوْ عُيُونٍ قِياسًا، وقالُوا في الأشْرافِ مِنَ النّاسِ: أعْيانٌ، وجاءَ ذَلِكَ قَلِيلًا في العُضْوِ الباصِرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أسْمَلُ أعْيانًا لَها ومَآقِيا
أُناسٌ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإذا سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ صُرِفَ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلى ابْنِ أُمِّ أُناسَ أُرَحِّلُ ناقَتِي
مَنَعَ صَرْفَهُ، إمّا لِأنَّهُ عَلَمٌ عَلى مُؤَنَّثٍ، وإمّا ضَرُورَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. مَشْرَبٌ: مَفْعَلٌ مِنَ الشَّرابِ يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، ويَطَّرِدُ مِن كُلِّ ثُلاثِيٍّ مُتَصَرِّفٍ مُجَرَّدٍ، لَمْ تُكْسَرْ عَيْنُ مُضارِعِهِ سَواءٌ صَحَّتْ لامُهُ: كَسِرْتَ ودَخَلَ، أوْ أُعِلَّتْ: كَرَمى وغَزا. وشَذَّ مِن ذَلِكَ ألْفاظٌ ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ. العُثُوُّ، والعَثْيُ: أشَدُّ الفَسادِ، يُقالُ: عَثا يَعْثُو عُثُوًّا، وعَثى يَعْثِي عِثِيًّا، وعَثا يَعْثِي عَثْيًا: لُغَةٌ شاذَّةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْلا الحَياءُ وأنَّ رَأْسِي قَدْ عَثا ∗∗∗ فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسِمِ
وثُبُوتُ العَثْيِ دَلِيلٌ عَلى أنْ عَثى لَيْسَ أصْلُها عَثَوَ، كَرَضِيَ الَّذِي أصْلُهُ رَضَوَ، خِلافًا لِزاعِمِهِ. وعاثَ يَعِيثُ عَيْثًا ومَعاثًا، وعَثَّ يَعِثُّ كَذَلِكَ، ومِنهُ عُثَّةُ الصُّوفِ: وهي السُّوسَةُ الَّتِي تَلْحَسُهُ.
الطَّعامُ: اسْمٌ لِما يُطْعَمُ، كالعَطاءِ، اسْمٌ لِما يُعْطى، وهو جِنْسٌ.
* *
الواحِدُ: هو الَّذِي لا يَتَبَعَّضُ، والَّذِي لا يُضَمُّ إلَيْهِ ثانٍ. يُقالُ: وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً: إذا انْفَرَدَ. الدُّعاءُ: التَّصْوِيتُ بِاسْمِ المَدْعُوِّ عَلى سَبِيلِ النِّداءِ، والفِعْلُ مِنهُ دَعا يَدْعُو دُعاءً. الإنْباتُ: الهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ، وهو: الإخْراجُ لِما شَأْنُهُ النُّمُوُّ. البَقْلُ: جِنْسٌ يَنْدَرِجُ فِيهِ النَّباتُ الرَّطْبُ مِمّا يَأْكُلُهُ النّاسُ والبَهائِمُ، يُقالُ مِنهُ بِقَلَتِ الأرْضُ وأبْقَلَتْ: أيْ صارَتْ ذاتَ بَقْلٍ، ومِنهُ: الباقِلاءُ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. القِثّاءُ: اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ قِثّاءَةُ، بِضَمِّ القافِ وكَسْرِها، وهو هَذا المَعْرُوفُ. وقالَ الخَلِيلُ: هو الخِيارُ، ويُقالُ: أرْضٌ مَقْثَأةٌ: أيْ كَثِيرَةُ القِثّاءِ. الفُومُ، قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهم: هو الثُّومُ، أُبْدِلَتِ الثّاءُ فاءً، كَما قالُوا في مَغْفُورٍ: مَغْثُورٍ، وفي جَدَّثَ: جَدَّفَ، وفي عاثُورٍ: عافُورٍ. قالَ الصَّلْتُ:
؎كانَتْ مَنازِلُهم إذْ ذاكَ ظاهِرَةً فِيها القَرادِيسُ والفُومانُ والبَصَلُ
وأنْشَدَ مُؤَرِّجٌ لِحَسّانَ:
؎وأنْتُمْ أُناسٌ لِئامُ الأُصُولِ ∗∗∗ طَعامُكُمُ الفُومُ والحَوْقَلُ
يَعْنِي الفُومَ والبَصَلَ، وهَذا كَما أبْدَلُوا بِالفاءِ الثّاءَ، قالُوا في الأثافِيِّ: الأثاثِيُّ، وكِلا البَدَلَيْنِ لا يَنْقاسُ، أعْنِي إبْدالَ الثّاءِ فاءً والفاءِ ثاءً. وقالَ أبُو مالِكٍ وجَماعَةٌ: الفُومُ: الحِنْطَةُ، ومِنهُ قَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ:
؎قَدْ كُنْتُ أحْسَبُنِي كَأغْنى واحِدٍ ∗∗∗ قَدِمَ المَدِينَةَ عَنْ زِراعَةِ فُومِ
قِيلَ: وهي لُغَةُ مِصْرَ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ قَدِيمَةٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ: هي الحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ دُرَيْدٍ: هي السُّنْبُلَةُ، زادَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِلُغَةِ أسَدٍ. وقِيلَ: الحُبُوبُ الَّتِي تُخْبَزُ. وقِيلَ: الخُبْزُ، تَقُولُ العَرَبُ: فُومُوا لَنا، أيِ اخْبِزُوا، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قالَ:
؎تَلْتَقِمُ الفالِحَ لَمْ يُفَوِّمِ ∗∗∗ تَقَمُّمًا زادَ عَلى التَّقَمُّمِ
وقالَ قُطْرُبٌ: الفُومُ: كُلُّ عُقْدَةٍ في البَصَلِ، وكُلُّ قِطْعَةٍ عَظِيمَةٍ في اللَّحْمِ، وكُلُّ لُقْمَةٍ كَبِيرَةٍ. وقِيلَ: إنَّهُ الحِمَّصُ، وهي لُغَةٌ شامِيَّةٌ، ويُقالُ لِبائِعِهِ: فامِيٌّ، مُغَيَّرٌ عَنْ فُومِيٍّ لِلنَّسَبِ، كَما قالُوا: شَهْلِيٌّ ودَهْرِيٌّ. العَدَسُ: مَعْرُوفٌ، وعُدَسٌ وعُدُسٌ مِنَ الأسْماءِ الأعْلامِ، وعَدَسْ: زَجْرٌ لِلْبَغْلِ. البَصَلُ: مَعْرُوفٌ. أدْنى: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ، يُقالُ مِنهُ: دَنا يَدْنُو دُنُوًّا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: هو أفْعَلُ مِنَ الدَّناءَةِ، وهي الخِسَّةُ والرَّداءَةُ، خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ألِفًا. وقالَ أبُو زَيْدٍ في المَهْمُوزِ: دَنُؤَ الرَّجُلُ، يَدْنَأُ دَناءَةً ودِناءً، ودَنَأ يَدْنَأُ. وقالَ غَيْرُهُ: هو أفْعَلُ مِنَ الدُّونِ، أيْ أحَطُّ في المَنزِلَةِ، وأصْلُهُ أدْوَنُ، فَصارَ وزْنُهُ: أفْلَعُ، نَحْوَ: أوْلى (p-٢٢٠)لَكَ، هو أفْعَلُ مِنَ الوَيْلِ، أصْلُهُ أوْيَلُ فَقُلِبَ.
المِصْرُ: البَلَدُ، مُشْتَقٌّ مَن مَصَرْتُ الشّاةَ، أمْصُرُها مَصْرًا: حَلَبْتُ كُلَّ شَيْءٍ في ضَرْعِها، وقِيلَ المِصْرُ: الحَدُّ بَيْنَ الأرْضَيْنِ، وهَجَرٌ يَكْتُبُونَ: اشْتَرى الدّارَ بِمُصُورِها: أيْ بِحُدُودِها. وقالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
؎وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ ∗∗∗ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا
السُّؤالُ: الطَّلَبُ، ويُقالُ: سَألَ يَسْألُ سُؤالًا، والسُّؤْلُ: المَطْلُوبُ، وسالَ يَسالُ: عَلى وزْنِ خافَ يَخافُ، ويَجُوزُ تَعْلِيقُ فِعْلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ. قالُوا: لِأنَّ السُّؤالَ سَبَبٌ إلى العِلْمِ فَأُجْرِيَ مَجْرى العِلْمِ. الذِّلَّةُ: مَصْدَرُ ذَلَّ يَذِلُّ ذِلَّةً وذُلًّا، وقِيلَ: الذِّلَّةُ كَأنَّها هَيْئَةٌ مِنَ الذُّلِّ، كالجِلْسَةِ، والذُّلُّ: الخُضُوعُ وذَهابُ الصُّعُوبَةِ. المَسْكَنَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، ومِنهُ سُمِّيَ المِسْكِينُ لِقِلَّةِ حَرَكاتِهِ وفُتُورِ نَشاطِهِ، وقَدْ بُنِيَ مِن لَفْظِهِ فَعَّلَ، قالُوا: تَمَسْكَنَ، كَما قالُوا: تَمَدْرَعَ مِنَ المَدْرَعَةِ، وقَدْ طُعِنَ عَلى هَذا النَّقْلِ وقِيلَ: لا يَصِحُّ وإنَّما الَّذِي صَحَّ تَسَكَّنَ وتَدَرَّعَ.
باءَ بِكَذا: أيْ رَجَعَ، قالَهُ الكِسائِيُّ. أوِ اعْتَرَفَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةُ، واسْتَحَقَّ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ؛ أوْ نَزَلَ وتَمَكَّنَ، قالَهُ المُبَرِّدُ؛ أوْ تَساوى، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأنْشَدُوا لِكُلِّ قَوْلٍ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ، وحَذَفْنا نَحْنُ ذَلِكَ. النَّبِيءُ: مَهْمُوزٌ مِن أنْبَأ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كَسَمِيعٍ مِن أسْمَعَ، وجُمِعَ عَلى النُّبَآءِ، ومَصْدَرُهُ النُّبُوءَةُ، وتَنَبَّأ مُسَيْلِمَةُ، كُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللّامَ هَمْزَةٌ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يُقالُ: نَبُؤَ، إذا ظَهَرَ فَهو نَبِيءٌ، وبِذَلِكَ سُمِّيَ الطَّرِيقُ الظّاهِرُ: نَبِيئًا. فَعَلى هَذا هو فَعِيلٌ اسْمُ فاعِلٍ مِن فَعُلَ، كَشَرِيفٍ مِن شَرُفَ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ فَقِيلَ أصْلُهُ الهَمْزُ، ثُمَّ سُهِّلَ. وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِن نَبا يَنْبُو: إذا ظَهَرَ وارْتَفَعَ، قالُوا: والنَّبِيُّ: الطَّرِيقُ الظّاهِرُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَمّا ورَدْنَ نَبِيًّا واسْتَتَبَّ بِنا ∗∗∗ مُسْحَنْفِرٌ لِخُطُوطِ المَسْحِ مُنْسَحِلُ
قالَ الكِسائِيُّ: النَّبِيُّ: الطَّرِيقُ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، قالُوا: وبِهِ سُمِّيَ الرَّسُولُ؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
العِصْيانُ: عَدَمُ الِانْقِيادِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ. والفِعْلُ مِنهُ: عَصى يَعْصِي، وقَدْ جاءَ العَصْيُ في مَعْنى العِصْيانِ. أنْشَدَ ابْنُ حَمّادٍ في تَعْلِيقِهِ عَنْ أبِي الحَسَنِ بْنِ الباذِشِ مِمّا أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:
؎فِي طاعَةِ الرَّبِّ وعَصْيِ الشَّيْطانِ
الِاعْتِداءُ: افْتِعالٌ مِنَ العَدْوِ، وقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] .
﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ . القائِلُ: هو اللَّهُ تَعالى، وهَلْ ذَلِكَ عَلى لِسانِ مُوسى أوْ يُوشَعَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَوْلانِ. وانْتِصابُ (هَذِهِ) عَلى ظَرْفِ المَكانِ؛ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى ظَرْفِ المَكانِ، كَما تَنْتَصِبُ أسْماءُ الإشارَةِ عَلى المَصْدَرِ، وعَلى ظَرْفِ الزَّمانِ إذا كُنَّ إشارَةً إلَيْهِما تَقُولُ: ضَرَبْتُ هَذا الضَّرْبَ، وصُمْتُ هَذا اليَوْمَ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في دَخَلَ، أنّها تَتَعَدّى إلى المُخْتَصِّ مِن ظَرْفِ المَكانِ بِغَيْرِ وساطَةِ (في) فَإنْ كانَ الظَّرْفُ مَجازِيًّا تَعَدَّتْ بِفي، نَحْوَ: دَخَلْتُ في غِمارِ النّاسِ، ودَخَلْتُ في الأمْرِ المُشْكَلِ. ومَذْهَبُ الأخْفَشِ والجَرْمِيِّ أنَّ مِثْلَ: دَخَلْتُ البَيْتَ، مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفَ مَكانٍ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ. والألِفُ واللّامُ في (القَرْيَةَ) لِلْحُضُورِ، وانْتِصابُ (القَرْيَةَ) عَلى النَّعْتِ، أوْ عَلى عَطْفِ البَيانِ، كَما مَرَّ في إعْرابِ (الشَّجَرَةَ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا الإعْرابِ في (هَذِهِ) فَهي في: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ﴾ [البقرة: ٣٥] مَفْعُولٌ بِهِ، وهي هُنا عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
والقَرْيَةُ هُنا بَيْتُ المَقْدِسِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ وغَيْرُهم. وقِيلَ: أرِيحا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهي بِأرْضِ المَقْدِسِ. قالَ أبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النَّمَرِيُّ: كانَتْ قاعِدَةً ومَسْكَنَ مُلُوكٍ، وفِيها مَسْجِدٌ هو بَيْتُ المَقْدِسِ، وفي المَسْجِدِ بَيْتٌ يُسَمّى إيلِيا. وقالَ الكَواشِيُّ: أرِيحا قَرْيَةُ الجَبّارِينَ، كانُوا مِن بَقايا عادٍ، يُقالُ لَهُمُ العَمالِقَةُ ورَأْسُهم عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وقِيلَ: الرَّمْلَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ وقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ؛ وقِيلَ: فَلَسْطِينُ؛ وقِيلَ: (p-٢٢١)البَلْقاءُ؛ وقِيلَ: تَدْمُرُ، وقِيلَ: مِصْرُ؛ وقِيلَ: قَرْيَةٌ بِقُرْبِ بَيْتِ المَقْدِسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ أُمِرُوا بِدُخُولِها؛ وقِيلَ: الشّامُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ، وقَدْ رُجِّحَ القَوْلُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ في المائِدَةِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] . قِيلَ: ولا خِلافَ، أنَّ المُرادَ في الآيَتَيْنِ واحِدٌ. ورُدَّ هَذا القَوْلُ بِقَوْلِهِ: (فَبَدَّلَ) لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في حَياةِ مُوسى، لَكِنَّهُ ماتَ في أرْضِ التِّيهِ ولَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ. وأجابَ مَن قالَ إنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ كانَ عَلى لِسانِ مُوسى، وهَذا الجَوابُ وهْمٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الَّتِي في المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] واحِدٌ، والقائِلُ ذَلِكَ في آيَةِ المائِدَةِ قَطْعًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، وقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] ؟ قالَ وهْبٌ: كانُوا قَدِ ارْتَكَبُوا ذُنُوبًا، فَقِيلَ لَهم: ﴿ادْخُلُوا﴾ الآيَةَ. وقالَ غَيْرُهُ: مَلُّوا المَنَّ والسَّلْوى، فَقِيلَ لَهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]، وكانَ أوَّلَ ما لَقُوا أرِيحا. وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قارَبُوها وعايَنُوها؛ لِأنَّ (هَذِهِ) إشارَةٌ لِحاضِرٍ قَرِيبٍ. قِيلَ: والَّذِي قالَ لَهم ذَلِكَ هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْهم أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا البَيْتَ المُقَدَّسَ إلّا بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَكُنْ مُوسى مَعَهم حِينَ دَخَلُوها، فَإنَّهُ ماتَ هو وأخُوهُ في التِّيهِ. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلا التِّيهَ لِأنَّهُ عَذابٌ، واللَّهُ لا يُعَذِّبُ أنْبِياءَهُ.
﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِصَّةِ آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] إلّا أنَّ هُناكَ العَطْفَ بِالواوِ وهُنا بِالفاءِ، وهُناكَ تَقْدِيمُ الرَّغَدِ عَلى الظَّرْفِ، وهُنا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الرَّغَدِ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، إلّا أنَّ الواوَ هُناكَ جاءَتْ بِمَعْنى الفاءِ، قِيلَ: وهو المَعْنى الكَثِيرُ فِيها، أعْنِي أنَّهُ يَكُونُ المُتَقَدِّمَ في الزَّمانِ والمَعْطُوفُ بِها هو المُتَأخِّرُ في الزَّمانِ، وإنْ كانَتْ قَدْ تَرِدُ بِالعَكْسِ، وهو قَلِيلٌ، ولِلْمَعِيَّةِ والزَّمانِ، وهو دُونَ الأوَّلِ، ويَدُلُّ أنَّها بِمَعْنى الفاءِ ما جاءَ في الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ: (فَكُلا) بِالفاءِ، والقَضِيَّةُ واحِدَةٌ. وأمّا تَقْدِيمُ الرَّغَدِ هُناكَ فَظاهِرٌ، فَإنَّهُ مِن صِفاتِ الأكْلِ أوِ الآكِلِ، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ العامِلِ فِيهِ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهُ ويُفْصَلُ بَيْنَهُما بِظَرْفٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ فاصِلًا مُؤَثِّرًا المَنعَ؛ لِاجْتِماعِهِما في المَعْمُولِيَّةِ لِعامِلٍ واحِدٍ، وأمّا هُنا فَإنَّهُ أُخِّرَ لِمُناسَبَةِ الفاصِلَةِ بَعْدَهُ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾، فَهُما سَجْعَتانِ مُتَناسِبَتانِ ؟ فَلِهَذا، واللَّهُ أعْلَمُ، كانَ هَذانِ التَّرْكِيبانِ عَلى هَذَيْنِ الوَضْعَيْنِ.
﴿وادْخُلُوا البابَ﴾: الخِلافُ في نَصْبِ (البابَ) كالخِلافِ في نَصْبِ (القَرْيَةَ) والبابُ أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُدْعى الآنَ: بابُ حِطَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الثّامِنُ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُدْعى بابُ التَّوْبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ؛ أوْ بابُ القَرْيَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِها، أوْ بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ فِيها مُوسى وهارُونُ يَتَعَبَّدانِ، أوْ بابٌ في الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى.
﴿سُجَّدًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (ادْخُلُوا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ رُكَّعًا، وعُبِّرَ عَنِ الرُّكُوعِ بِالسُّجُودِ، كَما يُعَبَّرُ عَنِ السُّجُودِ بِالرُّكُوعِ، قِيلَ: لِأنَّ البابَ كانَ صَغِيرًا ضَيِّقًا يَحْتاجُ الدّاخِلُ فِيهِ إلى الِانْحِناءِ، وبَعُدَ هَذا القَوْلُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ضَيِّقًا لَكانُوا مُضْطَرِّينَ إلى دُخُولِهِ رُكَّعًا، فَلا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الأمْرِ، وهَذا لا يَلْزَمُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الحالُ لازِمَةً بِمَعْنى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الدُّخُولُ إلّا عَلى هَذِهِ الحالِ، والحالُ اللّازِمَةُ مَوْجُودَةٌ في كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ: مَعْناهُ خُضَّعًا مُتَواضِعِينَ، واخْتارَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ في المُنْتَخَبِ، ونَذْكُرُ وجْهَ اخْتِيارِهِ لِذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْناهُ السُّجُودُ المَعْرُوفُ مِن وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، والمَعْنى: ادْخُلُوا ساجِدِينَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، إذْ رَدَّكم إلَيْها. وهَذا هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدُّخُولِ حالَ السُّجُودِ، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى ظاهِرِهِ لامْتَنَعَ ذَلِكَ، فَلَمّا تَعَذَّرَ عَلى حَقِيقَةِ السُّجُودِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّواضُعِ؛ لِأنَّهم إذا أخَذُوا (p-٢٢٢)فِي التَّوْبَةِ؛ فالتّائِبُ عَنِ الذَّنْبِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ خاشِعًا مُسْتَكِينًا، وما ذَهَبَ إلَيْهِ لا يَلْزَمُ؛ لِأنَّ أخْذَ الحالِ مُقارَنَةٌ، فَتَعَذَّرَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، ولَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ أُمِرُوا بِالدُّخُولِ وهم ساجِدُونَ، فَيَضَعُونَ جِباهَهم عَلى الأرْضِ وهم داخِلُونَ. وتَصْدُقُ الحالُ المُقارِنَةُ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ إذا دَخَلُوا. وأمّا إذا جَعَلْنا الحالَ مُقَدَّرَةً فَيَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ السُّجُودَ إذْ ذاكَ يَكُونُ مُتَراخِيًا عَنِ الدُّخُولِ، والحالُ المُقَدَّرَةُ مَوْجُودَةٌ في لِسانِ العَرَبِ. مِن ذَلِكَ ما في كِتابِ سِيبَوَيْهِ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا. وإذا أمْكَنَ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى المُتَعارَفِ فِيهِ كَثِيرًا، وهو وضْعُ الجَبْهَةِ بِالأرْضِ يَكُونُ الحالُ مُقارِنَةً أوْ مَقَدَّرَةً، كانَ أوْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ، شُكْرًا لِلَّهِ وتَواضُعًا، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ مَدْلُولَ الآيَةِ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ في الآيَةِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ، بَلْ أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في حالِ السُّجُودِ. فالسُّجُودُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، بَلْ هو قَيْدٌ في وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو الدُّخُولُ، والأحْوالُ نِسَبٌ تَقْيِيدِيَّةٌ، والأوامِرُ نِسَبٌ إسْنادِيَّةٌ، فَتَناقَضَتا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ تَقْيِيدِيًّا إسْنادِيًّا؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ التَّقْيِيدِ لا يَكْتَفِي كَلامًا ومِن حَيْثُ الإسْنادِ يَكْتَفِي؛ فَظَهَرَ التَّناقُضُ. وفي كَيْفِيَّةِ دُخُولِهِمُ البابَ أقْوالٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: دَخَلُوا مِن قِبَلِ أسْتاهِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَخَلُوا مُقَنِّعِي رُءُوسِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: دَخَلُوا عَلى حُرُوفِ أعْيُنِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: دَخَلُوا مُسْتَلْقِينَ، وقِيلَ: دَخَلُوا مُنْزَحِفِينَ عَلى رُكَبِهِمْ عِنادًا وكِبْرًا، والَّذِي ثَبَتَ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ أنَّهم دَخَلُوا البابَ يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ. فاضْمَحَلَّتْ هَذِهِ التَّفاسِيرُ، ووَجَبَ المَصِيرُ إلى تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ .
وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾، حِطَّةٌ: مَفَرٌّ، ومَحْكِيُّ القَوْلِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فاحْتِيجَ إلى تَقْدِيرٍ مُصَحِّحٍ لِلْجُمْلَةِ، فَقُدِّرَ مَسْألَتُنا حِطَّةٌ. هَذا تَقْدِيرُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: التَّقْدِيرُ دُخُولُنا البابَ كَما أُمِرْنا حِطَّةٌ، وقالَ غَيْرُهُما: التَّقْدِيرُ أمْرُكَ حِطَّةٌ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أمْرُنا حِطَّةٌ، أيْ أنْ نَحُطَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ ونَسْتَقِرَّ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأصْلُ النَّصْبُ بِمَعْنى حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَّباتَ كَقَوْلِهِ:
؎صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى
والأصْلُ صَبْرًا. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ويُؤَكِّدُ هَذا التَّخْرِيجَ قِراءَةُ إبْراهِيمَ بْنِ أبِي عَبْلَةَ: (حِطَّةً) بِالنَّصْبِ، كَما رُوِيَ:
؎صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
بِالنَّصْبِ. والأظْهَرُ مِنَ التَّقادِيرِ السّابِقَةِ في إضْمارِ المُبْتَدَأِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ المُناسِبَ في تَعْلِيقِ الغُفْرانِ عَلَيْهِ هو سُؤالُ حَطِّ الذُّنُوبِ لا شَيْءَ مِن تِلْكَ التَّقادِيرِ الأُخَرِ، ونَظِيرُ هَذا الإضْمارِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ذُقْتُ فاهًا قُلْتُ طَعْمُ مُدامَةٍ ∗∗∗ مُعَتَّقَةٍ مِمّا تَجِيءُ بِهِ التُّجُرُ
رُوِيَ بِرَفْعِ (طَعْمُ) عَلى تَقْدِيرِ: هَذا طَعْمُ مُدامَةٍ، وبِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: ذُقْتُ طَعْمَ مُدامَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ (حِطَّةٌ) في قِراءَةِ مَن نَصَبَها يَقُولُوا عَلى مَعْنى قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ؟ قُلْتُ: لا يَبْعُدُ. انْتَهى. وما جَوَّزَهُ لَيْسَ بِجائِزٍ لِأنَّ القَوْلَ لا يَعْمَلُ في المُفْرَداتِ، إنَّما يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ لِلْحِكايَةِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، إلّا إنْ كانَ المُفْرَدُ مَصْدَرًا نَحْوَ: قُلْتُ قَوْلًا، أوْ صِفَةً لِمَصْدَرٍ نَحْوَ: قُلْتُ حَقًّا، أوْ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ جُمْلَةٍ نَحْوَ: قُلْتُ شِعْرًا وقُلْتُ خُطْبَةً، عَلى أنَّ هَذا القِسْمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الشِّعْرَ والخُطْبَةَ نَوْعانِ مِنَ القَوْلِ، فَصارَ كالقَهْقَرى مِنَ الرُّجُوعِ، وحِطَّةٌ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ. ولِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ (حِطَّةٌ) مَنصُوبَةً بِلَفْظِ (قُولُوا) كانَ ذَلِكَ مِنَ الإسْنادِ اللَّفْظِيِّ وعُرِّيَ مِنَ الإسْنادِ المَعْنَوِيِّ، والأصْلُ هو الإسْنادُ المَعْنَوِيُّ. وإذا كانَ مِنَ الإسْنادِ اللَّفْظِيِّ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى النُّطْقِ بِهِ فائِدَةٌ أصْلًا إلّا مُجَرَّدُ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِالنُّطْقِ بِلَفْظٍ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الألْفاظِ الغُفْلِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ لِدَلالَةٍ عَلى مَعْنى. ويَبْعُدُ أنْ يُرَتَّبَ الغُفْرانُ لِلْخَطايا عَلى النُّطْقِ بِمُجَرَّدِ لَفْظٍ مُفْرَدٍ لَمْ يَدُلَّ بِهِ عَلى مَعْنى كَلامٍ. أمّا ما ذَهَبَ (p-٢٢٣)إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: (حِطَّةٌ) مُفْرَدٌ، وأنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الحِكايَةِ ولَيْسَ مُقْتَطَعًا مِن جُمْلَةٍ، بَلْ أُمِرُوا بِقَوْلِها هَكَذا مَرْفُوعَةً - فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ لِأنَّهُ يُبْقِي (حِطَّةٌ) مَرْفُوعًا بِغَيْرِ رافِعٍ، ولِأنَّ القَوْلَ إنَّما وُضِعَ في بابِ الحِكايَةِ لِيُحْكى بِهِ الجُمَلُ لا المُفْرَداتُ، ولِذَلِكَ احْتاجَ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] إلى تَأْوِيلٍ، وأمّا تَشْبِيهُهُ إيّاهُ بِقَوْلِهِ:
؎سَمِعْتُ النّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا
؎وجَدْنا في كِتابِ بَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ أحَقُّ الخَيْلِ بِالرَّكْضِ المُعارِ
فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأنَّ سَمِعَ ووَجَدَ كُلٌّ مِنهُما يَتَعَلَّقُ بِالمُفْرَداتِ والجُمَلِ؛ لِأنَّ المَسْمُوعَ والمَوْجُودَ في الكِتابِ قَدْ يَكُونُ مُفْرَدًا وقَدْ يَكُونُ جُمْلَةً. وأمّا القَوْلُ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى الجُمَلِ، ولا يَقَعُ عَلى المُفْرَداتِ إلّا فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ (حِطَّةٌ) مِنها. واخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في حِطَّةٍ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَهْبٌ: أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ وقُولُوا هَذا الأمْرَ الحَقَّ، وقِيلَ: مَعْناهُ نَحْنُ لا نَزالُ تَحْتَ حُكْمِكَ مُمْتَثِلُونَ لِأمْرِكَ، كَما يُقالُ قَدْ حَطَطْتُ في فِنائِكَ رَحْلِي. وقَدْ تَقَدَّمَتِ التَّقادِيرُ في إضْمارِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ قَبْلَ (حِطَّةٌ) وهي أقاوِيلُ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أُمِرُوا بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ بِعَيْنِها، قِيلَ: والأقْرَبُ خِلافُهُ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ وهم ما كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، ولِأنَّ الأقْرَبَ أنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا دالًّا عَلى التَّوْبَةِ والنَّدَمِ والخُضُوعِ، حَتّى لَوْ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ، لَكانَ الخُضُوعُ حاصِلًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّوْبَةِ أمّا بِالقَلْبِ فَبِالنَّدَمِ وأمّا بِاللِّسانِ فَبِذِكْرِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ النَّدَمِ في القَلْبِ، وذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذِكْرِ لَفْظَةٍ بِعَيْنِها.
(يَغْفِرُ)، نافِعٌ: بِالياءِ مَضْمُومَةً، ابْنُ عامِرٍ. بِالتّاءِ، أبُو بَكْرٍ مِن طَرِيقِ الجُعْفِيِّ (يَغْفِرْ) الباقُونَ: نَغْفِرْ. فَمَن قَرَأ بِالياءِ مَضْمُومَةً فَلِأنَّ الخَطايا مُؤَنَّثٌ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مَفْتُوحَةً فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ (وإذْ قُلْنا) ثُمَّ قالَ: (يَغْفِرْ)، فانْتَقَلَ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُعَظِّمٍ نَفْسَهُ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ المُفْرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى القَوْلِ الدّالِّ عَلَيْهِ (وقُولُوا)، أيْ نَغْفِرُ القَوْلَ، ونَسَبَ الغُفْرانَ إلَيْهِ مَجازًا لِما كانَ سَبَبًا لِلْغُفْرانِ، ومَن قَرَأ بِالنُّونِ، وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ، فَهو الجارِي عَلى نِظامِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (وإذْ قُلْنا)، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (وسَنَزِيدُ)، فالكَلامُ بِهِ في أُسْلُوبٍ واحِدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِنَ السَّبْعَةِ إلّا بِلَفْظِ ﴿خَطاياكُمْ﴾، وأمالَها الكِسائِيُّ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (تَغْفِرْ) بِفَتْحِ التّاءِ، قِيلَ: كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ، يَعْنِي قائِلُ هَذا وهو ابْنُ عَطِيَّةَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْحِطَّةِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ نَفْسَ اللَّفْظَةِ بِمُجَرَّدِها لا تَكُونُ سَبَبًا لِلْغُفْرانِ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ قَبْلُ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَقالَةِ المَفْهُومَةِ مَن: (وقُولُوا)، ونُسِبَ الغُفْرانُ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، إذْ كانَتْ سَبَبًا لِلْغُفْرانِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ: تُغْفَرْ بِضَمِّ التّاءِ وإفْرادِ الخَطِيئَةِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: يُغْفَرْ بِالياءِ مَضْمُومَةً. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَغْفِرْ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وإفْرادُ الخَطِيئَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: يَغْفِرْ بِالياءِ مَفْتُوحَةً والجَمْعِ المُسَلَّمِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تُغْفَرْ بِالتّاءِ مَضْمُومَةً وبِالجَمْعِ المُسَلَّمِ. وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قَرَأ: خَطَأْياكم بِهَمْزِ الألِفِ وسُكُونِ الألِفِ الأخِيرَةِ. وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا العَكْسُ. وتَوْجِيهُ هَذا الهَمْزِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ النُّطْقَ بِألِفَيْنِ مَعَ أنَّ الحاجِزَ حَرْفٌ مَفْتُوحٌ والفَتْحَةُ تَنْشَأُ عَنْها الألِفُ، فَكَأنَّهُ اجْتَمَعَ ثَلاثُ ألِفاتٍ، فَهَمَزَ إحْدى الألِفَيْنِ لِيَزُولَ هَذا الِاسْتِثْقالُ، وإذْ كانُوا قَدْ هَمَزُوا الألِفَ المُفْرَدَةَ بَعْدَ فَتْحِهِ في قَوْلِهِ:
؎وخِنْدِفٍ هامَةُ هَذا العَأْلَمِ
فَلَأنْ يَهْمِزُوا هَذا أوْلى، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. ومَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ أوِ التّاءِ كانَ: خَطاياكم، أوْ خَطِيّاتِكم، أوْ خَطِيَّتِكم مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ التّاءِ أوِ الياءِ أوْ بِالنُّونِ، كانَ ذَلِكَ مَفْعُولًا، وجُزِمَ هَذا الفِعْلُ لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وذَكَرْنا الخِلافَ في ذَلِكَ. وهُنا تَقَدَّمَتْ أوامِرُ أرْبَعَةٌ: ﴿ادْخُلُوا﴾، (p-٢٢٤)﴿فَكُلُوا﴾، ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾، ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ جَوابًا إلّا لِلْآخِرَيْنِ، وعَلَيْهِ المَعْنى؛ لِأنَّ تَرَتُّبَ الغُفْرانِ لا يَكُونُ عَلى دُخُولِ القَرْيَةِ ولا عَلى الأكْلِ مِنها، وإنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى دُخُولِ البابِ لِتَقْيِيدِهِ بِالحالِ الَّتِي هي عِبادَةٌ وهي السُّجُودُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ لِأنَّ فِيهِ السُّؤالَ بِحَطِّ الذُّنُوبِ، وذَلِكَ لِقُوَّةِ المُناسَبَةِ ولِلْمُجاوَرَةِ. ويَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلَيْها ما في الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾، ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾، (نَغْفِرْ)، والقِصَّةُ واحِدَةٌ. فَرَتَّبَ الغُفْرانَ هُناكَ عَلى قَوْلِهِمْ حِطَّةٌ وعَلى دُخُولِ البابِ سُجَّدًا، لِما تَضَمَّنَهُ الدُّخُولُ مِنَ السُّجُودِ. وفي تَخالُفِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ وأنَّها لِمُطْلَقِ الجَمْعِ. وقَرَأ مِنَ الجُمْهُورِ بِإظْهارِ الرّاءِ مِن (نَغْفِرْ) عِنْدَ اللّامِ، وأدْغَمَها قَوْمٌ قالُوا وهو ضَعِيفٌ.
﴿وسَنَزِيدُ﴾: هُنا بِالواوِ، وفي الأعْرافِ ﴿سَنَزِيدُ﴾ [الأعراف: ١٦١]، والَّتِي في الأعْرافِ مُخْتَصَرَةٌ. ألا تَرى إلى سُقُوطِ رَغَدًا والواوُ مِن: ﴿وسَنَزِيدُ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] بَدَلُ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، وإثْباتُ ذَلِكَ هُنا، وناسَبَ الإسْهابَ هُنا والِاخْتِصارَ هُناكَ.
والزِّيادَةُ ارْتِفاعٌ عَنِ القَدْرِ المَعْلُومِ، وضِدُّهُ النَّقْصُ. (المُحْسِنِينَ)، قِيلَ: الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ تِلْكَ الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ مِنهم، فَقِيلَ: مَعْناهُ مَن أحْسَنَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ زِدْناهُ ثَوابًا ودَرَجاتٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَن كانَ مُحْسِنًا مِنهم زِدْنا في إحْسانِهِ، ومَن كانَ مُسِيئًا بَعْدَ ذَلِكَ زِدْناهُ ثَوابًا ودَرَجاتٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَن كانَ مُحْسِنًا مِنهم زِدْنا في إحْسانِهِ، ومَن كانَ مُسِيئًا مُخْطِئًا نَغْفِرُ لَهُ خَطِيئَتَهُ، وكانُوا عَلى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهم إذا فَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن دُخُولِهِمُ البابَ سُجَّدًا وقَوْلِهِمْ حِطَّةً يَغْفِرُ ويُضاعِفُ ثَوابَ مُحْسِنِهِمْ. وقِيلَ: المُحْسِنُونَ مَن دَخَلَ، كَما أُمِرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَتَلَخَّصَ أنَّ المُحْسِنِينَ إمّا مِن غَيْرِهِمْ أوْ مِنهم. فَمِنهم إمّا مَنِ اتَّصَفَ بِالإحْسانِ في الماضِي، أيْ كانَ مُحْسِنًا، أوْ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ مَن أحْسَنَ مِنهم بَعْدُ، أوْ في الحالِ، أيْ وسَنَزِيدُكم بِإحْسانِكم في امْتِثالِكم ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن دُخُولِ البابِ سُجَّدًا والقَوْلِ حِطَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى (نَغْفِرْ) فَتَكُونُ جَوابًا، ألا تَراها جاءَتْ مُنْقَطِعَةً عَنِ العَطْفِ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ سَنَزِيدُ ؟ وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ الإعْرابِيَّةِ تَرْتِيبًا عَلى دُخُولِ البابِ سُجَّدًا والقَوْلِ حِطَّةً، لَكِنَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى الإخْبارِ المَحْضِ الَّذِي لَمْ يُرَتَّبْ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ.
البقرة 2:59
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: ظاهِرُهُ انْقِسامُهم إلى ظالِمِينَ وغَيْرِ ظالِمِينَ، وأنَّ الظّالِمِينَ هُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا، فَإنْ كانَ كُلُّهم بَدَّلُوا، كانَ ذَلِكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِالعِلَّةِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَبَدَّلُوا، لَكِنَّهُ أظْهَرَهُ تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ التَّبْدِيلِ، وهو الظُّلْمُ، أيْ لَوْلا ظُلْمُهم ما بَدَّلُوا، والمُبْدَلُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِقَوْلِهِمْ حِطَّةً ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: ولَمّا كانَ مَحْذُوفًا ناسَبَ إضافَةُ (غَيْرَ) إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ بَعْدَها. والَّذِي قِيلَ لَهم هو أنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ، فَلَوْ لَمْ يُحْذَفْ لَكانَ وجْهُ الكَلامِ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِقَوْلِهِمْ حِطَّةً قَوْلًا غَيْرَهُ، لَكِنَّهُ لَمّا حُذِفَ أظْهَرَ مُضافًا إلَيْهِ (غَيْرَ) لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَحْذُوفَ هو هَذا المُظْهَرُ، وهو الَّذِي قِيلَ لَهم. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرْناهُ هو عَلى وضْعِ بَدَلٍ إذِ المَجْرُورُ هو الزّائِلُ، والمَنصُوبُ هو الحاصِلُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في القَوْلِ الَّذِي قالُوهُ بَدَلَ أنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ ووَهْبٌ وابْنُ زَيْدٍ: حِنْطَةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ، وقِيلَ: حِنْطَةٌ بَيْضاءُ مَثْقُوبَةٌ فِيها شَعْرَةٌ سَوْداءُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: سُنْبُلَةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هَطا شمهاثا، وقِيلَ: حَطى شمعاثا، ومَعْناها في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ، وقِيلَ: حِنْطَةٌ بَيْضاءُ مَثْقُوبَةٌ فِيها شَعْرَةٌ. وقِيلَ: حَبَّةٌ في شَعِيرَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ فِيها شَعِيرٌ، وقِيلَ: حِنْطَةٌ في شَعِيرٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، وقِيلَ: حَبَّةُ حِنْطَةٍ مَقْلُوَّةٍ في شَعْرَةٍ، وقِيلَ: تَكَلَّمُوا بِكَلامِ النِّبَطِيَّةِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِخْفافِ. وقِيلَ: إنَّهم غَيَّرُوا ما شُرِعَ لَهم ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
والَّذِي ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-٢٢٥)ﷺ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا: حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى هَذا القَوْلِ واطِّراحُ تِلْكَ الأقْوالِ، ولَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ السّابِقَةِ لَحُمِلَ اخْتِلافُ الألْفاظِ عَلى اخْتِلافِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ بَعْضُهم قالَ كَذا، وبَعْضُهم قالَ كَذا، فَلا يَكُونُ فِيها تَضادٌّ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم وضَعُوا مَكانَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ قَوْلًا مُغايِرًا لَهُ مُشْعِرًا بِاسْتِهْزائِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ، والإعْراضِ عَمّا يَكُونُ عَنْهُ غُفْرانُ خَطِيئاتِهِمْ. كُلُّ ذَلِكَ عَدَمُ مُبالاةٍ بِأوامِرِ اللَّهِ، فاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ النَّكالَ.
﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾: كَرَّرَ الظّاهِرَ السّابِقَ زِيادَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ وإشْعارًا بِعِلِّيَّةِ نُزُولِ الرِّجْزِ. وقَدْ أُضْمِرَ ذَلِكَ في الأعْرافِ فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] لِأنَّ المُضْمَرَ هو المُظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: رُجْزًا بِضَمِّ الرّاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ في الرِّجْزِ. واخْتَلَفُوا في الرِّجْزِ هُنا، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: هو غَضَبُ اللَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: طاعُونٌ أهْلَكَ مِنهم في ساعَةٍ سَبْعِينَ ألْفًا، وقالَ وهْبٌ: طاعُونٌ عُذِّبُوا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلْجٌ هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا وهَلَكَ سَبْعُونَ ألْفًا عُقُوبَةً. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابٌ ولَمْ يُبَيَّنْ نَوْعُهُ، إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في تَعْلِيقِ النَّوْعِ.
﴿مِنَ السَّماءِ﴾: إنْ فُسِّرَ الرِّجْزُ بِالثَّلْجِ كانَ كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا، وإنْ فُسِّرَ بِغَيْرِهِ فَهو إشارَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنها القَضاءُ عَلَيْهِمْ، أوْ مُبالَغَةٌ في عُلُوِّهِ بِالقَهْرِ والِاسْتِيلاءِ.
(بِما كانُوا)، ما: مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: بِكَوْنِهِمْ. (يَفْسُقُونَ) . وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وهو بَعِيدٌ. وقَرَأالنَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وغَيْرُهُما بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا الفِسْقُ هو الظُّلْمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . وفائِدَةُ التَّكْرارِ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ الوَصْفَ دالٌّ عَلى العِلِّيَّةِ، فالظّاهِرُ أنَّ التَّبْدِيلَ سَبَبُهُ الظُّلْمُ، وأنَّ إنْزالَ الرِّجْزِ سَبَبُهُ الظُّلْمُ أيْضًا. وقالَ غَيْرُ أبِي مُسْلِمٍ: لَيْسَ مُكَرَّرَ الوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الصَّغائِرِ، ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ [الأعراف: ٢٣] ومِنَ الكَبائِرِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والفِسْقُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكَبائِرِ. فَلَمّا وصَفَهم بِالظُّلْمِ أوَّلًا وصَفَهم بِالفِسْقِ الَّذِي هو لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَبائِرِ. والثّانِي: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الظُّلْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ ونُزُولِ الرِّجْزِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، لا بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بَلْ بِالفِسْقِ الَّذِي فَعَلُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ، وعَلى هَذا يَزُولُ التَّكْرارُ. انْتَهى.
وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وتَرْتِيبُ العَذابِ عَلى هَذا التَّبْدِيلِ عَلى أنَّ ما ورَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ مِنَ الأقْوالِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ ولا تَبْدِيلُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ. وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الكَلِمَةُ تَسُدُّ مَسَدَّها، وعَلى هَذا جَرى الخِلافُ في قِراءَةِ القُرْآنِ بِالمَعْنى، وفي تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، وفي تَجْوِيزِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ والبَيْعِ والتَّمْلِيكِ، وفي نَقْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنى.
وذَكَرُوا أنَّ في الآيَةِ سُؤالاتٍ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ هُنا (وإذْ قُلْنا)، وفي الأعْرافِ: ﴿وإذْ قِيلَ﴾ [الأعراف: ١٦١] . وأُجِيبَ بِأنَّهُ صُرِّحَ بِالفاعِلِ في البَقَرَةِ لِإزالَةِ الإبْهامِ، وحُذِفَ في الأعْرافِ لِلْعِلْمِ بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. الثّانِي: قالَ هُنا: ادْخُلُوا، وهُناكَ اسْكُنُوا. وأُجِيبَ بِأنَّ الدُّخُولَ مُقَدَّمٌ عَلى السُّكْنى، فَذَكَرَ الدُّخُولَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ. والسُّكْنى في المُتَأخِّرَةِ. الثّالِثُ: هُنا خَطاياكم، وهُناكَ: خَطِيئاتِكم. وأُجِيبَ بِأنَّ الخَطايا جَمْعُ كَثْرَةٍ، فَناسَبَ حَيْثُ قَرَنَ بِهِ ما يَلِيقُ بِجُودِهِ، وهو غُفْرانُ الكَثِيرِ. والخَطِيئاتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، لَمّا لَمْ يُضِفْ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ. الرّابِعُ: ذُكِرَ هُنا (رَغَدًا) وهُناكَ حُذِفَ. وأُجِيبَ بِالجَوابِ قَبْلُ. الخامِسُ: هُنا قُدِّمَ دُخُولَ البابِ عَلى القَوْلِ، وهُناكَ عُكِسَ. وأُجِيبَ بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ والمُخاطَبُونَ بِهَذا مُذْنِبُونَ، فاشْتِغالُهُ بِحَطِّ الذَّنْبِ مُقَدَّمٌ عَلى اشْتِغالِهِ بِالعِبادَةِ، فَكُلِّفُوا بِقَوْلِ حِطَّةٍ أوَّلًا، ثُمَّ بِالدُّخُولِ.
وغَيْرُ مُذْنِبِينَ، فاشْتِغالُهُ أوَّلًا بِالعِبادَةِ ثُمَّ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ هَضْمِ النَّفْسِ وإزالَةِ العَجَبِ، فَلَمّا احْتَمَلَ (p-٢٢٦)الِانْقِسامَ ذُكِرَ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في سُورَةٍ بِأيِّهِما بَدَأ. السّادِسُ: إثْباتُ الواوِ في (وسَنَزِيدُ) هُنا، وحَذْفُها هُناكَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ أمْرانِ كانَ المَجِيءُ بِالواوِ مُؤْذِنًا بِأنَّ مَجْمُوعَ الغُفْرانِ والزِّيادَةِ جَزاءٌ واحِدٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وحَيْثُ تُرِكَتْ أفادَ تَوَزُّعَ كُلِّ واحِدٍ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، فالغُفْرانُ في مُقابَلَةِ القَوْلِ، والزِّيادَةُ في مُقابَلَةِ ادْخُلُوا.
السّابِعُ: لَمْ يَذْكُرْ هاهُنا (مِنهم) وذَكَرَ هُناكَ. وأُجِيبَ بِأنَّ أوَّلَ القِصَّةِ في الأعْرافِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّخْصِيصِ بِلَفْظِ (مِن) قالَ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، فَذَكَرَ لَفْظَ (مِن) آخِرًا لِيُطابِقَ آخِرُهُ أوَّلَهُ، وهُنا لَمْ تُبْنَ القِصَّةُ عَلى التَّخْصِيصِ. الثّامِنُ: هُنا (فَأنْزَلْنا) وهُناكَ: (فَأرْسَلْنا) وأُجِيبَ بِأنَّ الإنْزالَ يُفِيدُ حُدُوثَهُ في أوَّلِ الأمْرِ، والإرْسالَ يُفِيدُ تَسَلُّطَهُ عَلَيْهِمْ واسْتِئْصالَهم بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا إنَّما يَحْدُثُ بِالآخِرِ. التّاسِعُ: هُنا: يَفْسُقُونَ، وهُناكَ: يَظْلِمُونَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ هُنا كَوْنَ ذَلِكَ الظُّلْمِ فِسْقًا اكْتَفى بِذِكْرِ الظُّلْمِ في سُورَةِ الأعْرافِ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ البَيانِ هُنا. قالَ بَعْضُ النّاسِ: بَنُو إسْرائِيلَ خالَفُوا اللَّهَ في قَوْلٍ وفِعْلٍ، وأخْبَرَ تَعالى بِالمُجازاةِ عَلى المُخالَفَةِ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، وهو امْتِناعُهم عَنِ الدُّخُولِ بِصِفَةِ السُّجُودِ. وأجابَ بِأنَّ الفِعْلَ لا يَجِبُ إلّا بِأمْرٍ، والأمْرُ قَوْلٌ فَحَصَلَ بِالمُجازاةِ عَنِ القَوْلِ المُجازاةُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والجَزاءُ هُنا إنْ كانَ قَدْ وقَعَ عَلى هَذِهِ المُخالَفَةِ الخاصَّةِ، فَيَفْسُقُونَ يَحْتَمِلُ الحالَ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ عَلى ما مَضى مِنَ المُخالَفاتِ الَّتِي فَسَقُوا بِها، فَهو مُضارِعٌ وقَعَ مَوْضِعَ الماضِي، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفَصِيحِ الكَلامِ.
﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]: هَذا هو الإنْعامُ التّاسِعُ، وهو جامِعٌ لِنِعَمِ الدُّنْيا والدِّينِ. أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهُ أزالَ عَنْهُمُ الحاجَةَ الشَّدِيدَةَ إلى الماءِ، ولَوْلا هو لَهَلَكُوا في التِّيهِ، وهَذا أبْلَغُ مِنَ الماءِ المُعْتادِ في الأنْعامِ لِأنَّهم في مَفازَةٍ مُنْقَطِعَةٍ. وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ مَن أظْهَرِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِسْقاءُ طَلَبُ الماءِ عِنْدَ عَدَمِهِ وقِلَّتِهِ. وقِيلَ: مَفْعُولُ اسْتَسْقى مَحْذُوفٌ، أيِ اسْتَسْقى مُوسى رَبَّهُ، فَيَكُونُ المُسْتَسْقى مِنهُ هو المَحْذُوفُ، وقَدْ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ كَما تَعَدّى إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، أيْ طَلَبُوا مِنهُ السُّقْيا. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: وحَذْفُ المَفْعُولِ تَقْدِيرُهُ اسْتَسْقى ماءً، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المَحْذُوفُ هو المُسْتَسْقى، ويَكُونُ الفِعْلُ قَدْ تَعَدّى إلَيْهِ كَما تَعَدّى إلَيْهِ في قَوْلِهِ:
؎وأبْيَضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ
ويَحْتاجُ إثْباتُ تَعَدِّيهِ إلى اثْنَيْنِ إلى شاهِدٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، كانَ يُسْمَعُ مِن كَلامِهِمْ: اسْتُسْقى زَيْدٌ وبِهِ الماءَ، وقَدْ ثَبَتَ تَعَدِّيهِ مَرَّةً إلى المُسْتَسْقى مِنهُ ومَرَّةً إلى المُسْتَسْقى، فَيَحْتاجُ تَعَدِّيهِ إلَيْهِما إلى ثَبْتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ. وذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنَ الِاسْتِسْقاءِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِمَكانٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَ ذَلِكَ عَلى عادَةِ النّاسِ إذا قُحِطُوا، وما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَفْجِيرِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ فَوْقَ الإجابَةِ بِالسُّقْياءِ وإنْزالِ الغَيْثِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: كانَ هَذا الِاسْتِسْقاءُ في التِّيهِ حِينَ قالُوا: مَن لَنا بِكَذا، إلى أنْ قالُوا: مَن لَنا بِالماءِ، فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ. وقِيلَ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ الَّذِي انْفَلَقَ، وقَعُوا في أرْضٍ بَيْضاءَ لَيْسَ فِيها ظِلٌّ ولا ماءٌ، فَسَألُوا أنْ يَسْتَسْقِيَ لَهم، واللّامُ قِي (لِقَوْمِهِ) لامُ السَّبَبِ، أيْ لِأجْلِ قَوْمِهِ وثَمَّ مَحْذُوفٌ يَتِمُّ بِهِ مَعْنى الكَلامِ، أيْ لِقَوْمِهِ إذْ عَطِشُوا، أوْ ما كانَ بِهَذا المَعْنى ومَحْذُوفٌ آخَرُ: أيْ فَأجَبْناهُ.
البقرة 2:60
﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ﴾ قالُوا: وهَذِهِ العَصا هي المَسْئُولُ عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ [طه: ١٧] وكانَتْ فِيها خَصائِصُ تُذْكَرُ في مَوْضِعِها. قِيلَ: كانَتْ نَبْعَةً، وقِيلَ: عُلَّيْقِيُّ، وهو شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ، وقِيلَ: مِن آسِ الجَنَّةِ طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ، طُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَها شُعْبَتانِ يَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ، وكانَ آدَمُ حَمَلَها مَعَهُ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ، فَتَوارَثَها أصاغِرُ عَنْ أكابِرَ حَتّى وصَلَتْ إلى شُعَيْبٍ، فَأعْطاها مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اسْتَرْعاهُ قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا، فَذَهَبَ إلى (p-٢٢٧)البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ بِرَدِّها، فَأخَذَ غَيْرَها، فَطارَتْ إلى يَدِهِ، فَتَرَكَها لَهُ. وقِيلَ: دَفَعَها إلَيْهِ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ في طَرِيقٍ مَدْيَنَ.
(الحَجَرَ): قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ أيُّ حَجَرٍ ضَرَبَ انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، وهَذا أبْلَغُ في الإعْجازِ، حَيْثُ يَنْفَجِرُ الماءُ مِن أيِّ حَجَرٍ ضَرَبَ. ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: لَوْ فَقَدَ مُوسى عَصاهُ مُتْنا عَطَشًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: لا تَقْرَعِ الحِجارَةَ، وكَلِّمْها تُطِعْكَ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ، فَكانَتْ تُطِيعُهُ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا. وقالِ وهْبٌ: كانَ يَقْرَعُ لَهم أقْرَبَ حَجَرٍ فَيَنْفَجِرُ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الألِفُ واللّامُ في (الحَجَرِ) لِلْجِنْسِ. وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْعَهْدِ، وهو حَجَرٌ مُعَيَّنٌ حَمَلَهُ مَعَهُ مِنَ الطُّورِ مُرَبَّعٌ لَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، يَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثَةُ أعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ تَسِيلُ في جَدْوَلٍ إلى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرْتَ أنْ تَسْقِيَهم، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ خارِجًا عَنْ دَوابِّهِمْ، وسِعَةُ العَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا. وقِيلَ: حَجَرٌ أهْبَطَهُ مَعَهُ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ، فَتَوارَثُوهُ حَتّى وقَعَ لِشُعَيْبٍ، فَدَفَعَهُ إلى مُوسى مَعَ العَصا. وقِيلَ: هو الحَجَرُ الَّذِي وضَعَ مُوسى عَلَيْهِ ثَوْبَهُ حِينَ اغْتَسَلَ، إذْ رَمَوْهُ بِالأُدْرَةِ، فَفَرَّ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِأمْرِ اللَّهِ ارْفَعْ هَذا الحَجَرَ، فَإنَّ لِي فِيهِ قُدْرَةً ولَكَ فِيهِ مُعْجِزَةً، فَحَمَلَهُ في مِخْلاةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: حَجَرٌ أخَذَهُ مِن قَعْرِ البَحْرِ خَفِيفٌ مُرَبَّعٌ مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ، لَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، يَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثُ أعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ تَسِيلُ في جَدْوَلٍ إلَيْهِ، وكانَ يَضَعُهُ في مِخْلاتِهِ، فَإذا احْتاجُوا إلى الماءِ وضَعَهُ وضَرَبَهُ بِعَصاهُ. وقِيلَ: كانَ رُخامًا فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ حُفْرَةٍ، تَنْبُعُ مِن كُلِّ حُفْرَةٍ عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ يَأْخُذُونَهُ، فَإذا فَرَغُوا ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ فَذَهَبَ الماءُ. وقِيلَ: حَجَرٌ أخَذَهُ مِن جَبَلِ زَبِيدٍ، طُولُهُ أرْبَعَةُ أذْرُعٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقِيلَ: حَجَرٌ مِثْلُ رَأْسِ الشّاةِ، يُلْقُونَهُ في جانِبِ الجَوالِقِ إذا ارْتَحَلُوا، فِيهِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ بَعْدَ أنْ يَسْتَمْسِكَ ماؤُها بَعْدَ رِحْلَتِهِمْ، فَإذا نَزَلُوا فَقَرَعَهُ مُوسى بِعَصاهُ فَعادَتِ العُيُونُ بِحَسَبِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ حَجَرٌ يَحْمِلُهُ في مِخْلاتِهِ، أخَذَهُ إذْ قالُوا: كَيْفَ بِنا إذا أفَضْنا إلى أرْضٍ لَيْسَتْ فِيها حِجارَةٌ ؟ فَحَيْثُما نَزَلُوا ألْقاهُ فَيَنْفَجِرُ ماءً. وقِيلَ: حَجَرٌ مِنَ الكَذّانِ فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، يَسْقِي كُلَّ يَوْمٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ، وقِيلَ: حَجَرٌ ذِراعٌ في ذِراعٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: حَجَرٌ مِثْلُ رَأْسِ الثَّوْرِ. وقِيلَ: حَجَرٌ كانَ يَنْفَجِرُ لَهم مِنهُ الماءُ، لَمْ يَكُونُوا يَحْمِلُونَهُ، بَلْ كانُوا أيَّ مَكانٍ نَزَلُوا وجَدُوهُ فِيهِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في الإعْجازِ وأبْلَغُ في الخارِقِ، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا إذا قَضَوْا حاجَتَهم مِنَ الماءِ انْدَرَسَتْ تِلْكَ العُيُونُ، فَإذا احْتاجُوا إلى الماءِ انْفَجَرَتْ.
فَهَذِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الحَجَرِ، وظاهِرُها أوْ ظاهِرُ أكْثَرِها التَّعارُضُ. قالَ بَعْضُ مَن جَمَعَ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ: الألْيَقُ أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اللَّهَ أوْدَعَ فِيهِ حَرَكَةَ التَّنَقُّلِ والسَّعْيِ، أوْ وكَّلَ بِهِ مَلَكًا يَحْمِلُهُ ولا يُسْتَنْكَرُ ذَلِكَ. فَقَدْ صَحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» . وقَدْ رامَ هَذا الرَّجُلُ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ بِأنْ يَكُونَ الحَجَرُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ أيُّ حَجَرٍ وجَدَهُ ضَرَبَهُ، فَوَجَدَ مَرَّةً مُرَبَّعًا، ومَرَّةً كَذّانًا، ومَرَّةً رُخامًا، وكَذا فِيها. قالَ: فَرَوى الرّاوِي صِفَةَ ذَلِكَ الحَجَرِ الَّذِي ضَرَبَهُ في تِلْكَ المَنزِلَةِ قالَ: فَيَزُولُ التَّغايُرُ في الكَيْفِيّاتِ، ويَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّواياتِ. وهَذا الكَلامُ كَما تَرى. وظاهِرُ القُرْآنِ: أنَّ الحَجَرَ لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ حَجَرٍ فَيَكُونُ هَذا مَعْهُودًا، وأنَّ الِاسْتِسْقاءَ لَمْ يَتَكَرَّرْ، لا هو ولا الضَّرْبُ ولا الِانْفِجارُ، وأنَّ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ الَّتِي ذَكَرُوها لَمْ يَتَعَرَّضْ لَها لَفْظُ القُرْآنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَكَرِّرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً، والواحِدَةُ هي المُتَحَقِّقَةُ.
﴿فانْفَجَرَتْ﴾: الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ وُجُودُ الِانْفِجارِ مُرَتَّبًا عَلى ضَرْبِهِ، إذْ لَوْ كانَ (p-٢٢٨)يَتَفَجَّرُ دُونَ ضَرْبٍ، لَما كانَ لِلْأمْرِ فائِدَةٌ، ولَكانَ تَرْكُهُ عِصْيانًا، وهو لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ الفاءَ في مِثْلِ: فانْفَلَقَ، هي الفاءُ الَّتِي في ضَرَبَ، وأنَّ المَحْذُوفَ هو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وحَرْفُ العَطْفِ مِنَ المَعْطُوفِ حَتّى يَكُونَ المَحْذُوفُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، إذْ قَدْ أُبْقِيَتْ فاؤُهُ وحُذِفَتْ فاءُ فانْفَلَقَ، واتَّصَلَتْ بانْفَلَقَ فاءُ فَضَرَبَ - تَكَلُّفٌ وتَخَرُّصٌ عَلى العَرَبِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وقَدْ ثَبَتَ في لِسانِ العَرَبِ حَذْفُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ الفاءُ حَيْثُ لا مَعْطُوفَ بِالفاءِ مَوْجُودٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسِلُونِي﴾ [يوسف: ٤٥] ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦]، التَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوهُ فَقالَ. فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ والمَعْطُوفُ، وإذا جازَ حَذْفُهُما مَعًا، فَلَأنْ يَجُوزَ حَذْفُ كُلٍّ مِنهُما وحْدَهُ أوْلى. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الفاءَ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ، بَلْ هي جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وهي عَلى هَذا فاءٌ فَصِيحَةٌ لا تَقَعُ إلّا في كَلامٍ بَلِيغٍ، اهـ كَلامُهُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الرَّدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذا التَّقْدِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، بِأنَّ إضْمارَ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ لا يَجُوزُ، وبَيَّنّا ذَلِكَ هُناكَ، وفي قَوْلِهِ أيْضًا إضْمارُ (قَدْ) إذْ يُقَدَّرُ: فَقَدْ تابَ عَلَيْكم، وقَدِ انْفَجَرَتْ، ولا يَكادُ يُحْفَظُ مِن لِسانِهِمْ ذَلِكَ، إنَّما تَكُونُ بِغَيْرِ فاءٍ، أوْ إنْ دَخَلَتِ الفاءُ فَلا بُدَّ مِن إظْهارِ قَدْ، وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَدْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا لَفْظًا ومَعْنًى، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، وإذا كانَ ماضِيًا لَفْظًا ومَعْنًى، اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ جَوابَ الشَّرْطِ، فاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ وإضْمارِ جَوابِ شَرْطٍ.
ومَعْلُومٌ أنَّ الِانْفِجارَ عَلى ما قُدِّرَ يَكُونُ مُتَرَتِّبًا عَلى أنْ يُضْرَبَ، وإذا كانَ مُتَرَتِّبًا عَلى مُسْتَقْبَلٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، وإذا كانَ مُسْتَقْبَلًا امْتَنَعَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ (قَدِ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ لا تَدْخُلَ في شِبْهِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى الماضِي إلّا ويَكُونُ مَعْناهُ ماضِيًا نَحْوَ الآيَةِ، ونَحْوَ قَوْلِهِمْ: إنْ تُحْسِنْ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ كَما ذَكَرْنا. ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ بِدُعاءٍ فَتَدْخُلُهُ الفاءُ فَقَطْ ويَكُونُ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الماضِي نَحْوَ: إنْ زُرْتَنِي فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ. وأيْضًا فالَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الِانْفِجارَ قَدْ وقَعَ وتَحَقَّقَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا﴾، وجَعْلُهُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الرَّجُلُ يَجْعَلْهُ غَيْرَ واقِعٍ، إذْ يَصِيرُ مُسْتَقْبَلًا لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ مُسْتَقْبَلٍ، والمُعَلَّقُ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ مُسْتَقْبَلٍ لا يَقْتَضِي إمْكانَهُ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ، فَما ذَهَبَ إلَيْهِ فاسِدٌ في التَّرْكِيبِ العَرَبِيِّ، وفاسِدٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَوَجَبَ طَرْحُهُ، وأيْنَ هَذا مِن قَوْلِهِ: وهي عَلى هَذا فاءٌ فَصِيحَةٌ لا تَقَعُ إلّا في كَلامٍ بَلِيغٍ.
وجاءَ هُنا: (انْفَجَرَتْ) وفي الأعْرافِ (انْبَجَسَتْ)، فَقِيلَ: هُما سَواءٌ، انْفَجَرَ وانْبَجَسَ وانْشَقَّ مُتَرادِفاتٌ. وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهو أنَّ الِانْبِجاسَ هو أوَّلُ خُرُوجِ الماءِ، والِانْفِجارَ اتِّساعُهُ وكَثْرَتُهُ. وقِيلَ: الِانْبِجاسُ خُرُوجُهُ مِنَ الصُّلْبِ، والِانْفِجارُ خُرُوجُهُ مِنَ اللَّيِّنِ. وقِيلَ: الِانْبِجاسُ هو الرَّشْحُ، والِانْفِجارُ هو السَّيَلانُ، وظاهِرُ القُرْآنِ اسْتِعْمالُهُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ الآيَتَيْنِ قِصَّةٌ واحِدَةٌ.
(مِنهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فانْفَجَرَتْ، ومِن هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَجَرِ المَضْرُوبِ، فانْفِجارُ الماءِ كانَ مِنَ الحَجَرِ لا مِنَ المَكانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤] ولَوْ كانَ هَذا التَّرْكِيبُ في غَيْرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَأمْكَنَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الضَّرْبِ، وهو المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ قَبْلَهُ، وأنْ تَكُونَ (مِن) لِلسَّبَبِ، أيْ فانْفَجَرَتْ بِسَبَبِ الضَّرْبِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُرْتَكَبَ مِثْلُ هَذا في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ إلّا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ في التَّرْكِيبِ وفي المَعْنى، إذْ هو أفْصَحُ الكَلامِ. وفي هَذا الِانْفِجارِ مِنَ الإعْجازِ ظُهُورُ نَفْسِ الماءِ مَن حَجَرٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالأرْضِ، فَتَكُونُ مادَّتُهُ مِنها، وخُرُوجُهُ كَثِيرًا مِن حَجَرٍ صَغِيرٍ، وخُرُوجُهُ بِقَدْرِ (p-٢٢٩)حاجَتِهِمْ، وخُرُوجُهُ عِنْدَ الضَّرْبِ بِالعَصا، وانْقِطاعُهُ عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ.
﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾: التّاءُ في اثْنَتا لِلتَّأْنِيثِ، وفي ثِنْتا لِلْإلْحاقِ، وهَذِهِ نَظِيرُ ابْنَةٍ وبِنْتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، ويَزِيدُ: بِكَسْرِ الشِّينِ. ورَوى ذَلِكَ نُعَيْمٌ السَّعِيدِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والمَشْهُورُ عَنْهُ الإسْكانُ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَسْرُهم لَها نادِرٌ في قِياسِهِمْ لِأنَّهم يُخَفِّفُونَ (فَعِلًا) يَقُولُونَ في نَمِرٍ: نِمْرٌ، وقَرَأ ابْنُ الفَضْلِ الأنْصارِيُّ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الشِّينِ. ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ الإسْكانُ والكَسْرُ أيْضًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَتْحُ لُغَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: فَتْحُ الشِّينِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لُغَةً، وقَدْ نَصَّ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ فَتْحَ الشِّينِ شاذٌّ، و(عَشْرَةَ) في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، وهو مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ النُّونِ، فَهو مِمّا أُعْرِبَ فِيهِ الصَّدْرُ وبُنِيَ العَجُزُ، ألا تَرى أنَّ اثْنَتَيْ مُعْرَبٌ إعْرابَ المُثَنّى لِثُبُوتِ ألِفِهِ رَفْعًا وانْقِلابِها نَصْبًا وجَرًّا، وأنَّ عَشْرَةَ مَبْنِيٌّ ؟ ولَمّا تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ نُونِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إضافَتُها، فَلا يُقالُ: اثْنَتا عَشْرَتَكَ. وفي مَحْفُوظِي أنَّ ابْنَ دَرَسْتَوَيْهِ ذَهَبَ إلى أنَّ اثْنا واثْنَتا وثِنْتا مَعَ عَشْرٍ مَبْنِيٌّ، ولَمْ يَجْعَلْ الِانْقِلابَ دَلِيلَ الإعْرابِ.
(عَيْنًا): مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وإفْرادُ التَّمْيِيزِ المَنصُوبِ في بابِ العَدَدِ لازِمٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأجازَ الفَرّاءُ أنَّ يَكُونَ جَمْعًا، وكانَ هَذا العَدَدُ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وكانَ بَيْنَهم تَضاغُنٌ وتَنافُسٌ، فَأجْرى اللَّهُ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنًا يَرِدُهُ، لا يُشْرِكُهُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ السِّبْطِ الآخَرِ، وذِكْرُ هَذا العَدَدِ دُونَ غَيْرِهِ يُسَمّى التَّخْصِيصَ عِنْدَ أهْلِ عِلْمِ البَيانِ، وهو أنْ يُذْكَرَ نَوْعٌ مِن أنْواعٍ كَثِيرَةٍ لِمَعْنًى فِيهِ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩]، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ التَّخْصِيصِ فِيها، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، في مَوْضِعِها، وقَوْلُ الخَنْساءِ:
؎يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا وأنْدُبُهُ بِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسِ
اخْتَصَّتْهُما مِن دُونِ سائِرِ الأوْقاتِ لِلْغارَةِ والقِرى. قالَ بَعْضُ أهْلِ اللَّطائِفِ: خَلَقَ اللَّهُ الحِجارَةَ وأوْدَعَها صَلابَةً يُفَرَّقُ بِها أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ مِمّا صَلُبَ مِنَ الجَوامِدِ، وخَلَقَ الأشْجارَ رَطْبَةَ الغُصُونِ، لَيْسَتْ لَها قُوَّةُ الأحْجارِ، فَتُؤَثِّرُ فِيها تَفْرِيقًا بِأجْزائِها ولا تَفْجِيرَ العُيُونِ ماءَها، بَلِ الأحْجارُ تُؤَثِّرُ فِيها. فَلَمّا أُيِّدَتْ بِقُوَّةِ النُّبُوَّةِ، انْفَلَقَتْ بِها البِحارُ، وتَفَرَّقَتْ بِها أجْزاءُ الأحْجارِ، وسالَتْ بِها الأنْهارُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] .
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: جُمْلَةُ اسْتِئْنافٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنهم قَدْ صارَ لَهُ مَشْرَبٌ يَعْرِفُهُ فَلا يَتَعَدّاهُ لِمَشْرَبِ غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِحِكْمَةِ الِانْقِسامِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا، وتَنْبِيهٌ عَلَيْها. و(عَلِمَ) هُنا مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ أُجْرِيَتْ مَجْرى عَرَفَ، واسْتِعْمالُها كَذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ ولِسانِ العَرَبِ، و﴿كُلُّ أُناسٍ﴾ مَخْصُوصٌ بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ اسْتَسْقى لَهم. والمَشْرَبُ هُنا مَكانُ الشُّرْبِ وجِهَتُهُ الَّتِي يَجْرِي مِنها الماءُ. وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى المَشْرُوبِ وهو الماءُ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى المَكانِ بِالوَضْعِ، ودَلالَتَهُ عَلى الماءِ بِالمَجازِ، وهو تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِهِ وإضافَةُ المَشْرَبِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لَمّا تَخَصَّصَ كُلُّ مَشْرَبٍ بِمَن تَخَصَّصَ بِهِ صارَ كَأنَّهُ مِلْكٌ لَهم، وأعادَ الضَّمِيرَ في (مَشْرَبِهِمْ) عَلى مَعْنى (كُلُّ) لا عَلى لَفْظِها، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى لَفْظِها، فَيُقالُ: مَشْرَبَهُ؛ لِأنَّ مُراعاةَ المَعْنى هُنا لازِمَةٌ؛ لِأنَّ (كُلُّ) قَدْ أُضِيفَتْ إلى نَكِرَةٍ، ومَتى أُضِيفَتْ إلى نَكِرَةٍ وجَبَ مُراعاةُ المَعْنى، فَتُطابِقُ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ في عَوْدِ ضَمِيرٍ وغَيْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أُناسٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ونَحْنُ حَلَلْنا قَيْدَهُ فَهو سارِبُ
وقالَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهم ∗∗∗ دُوَيْهِيَّةُ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ
(p-٢٣٠)وقالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وتَقُولُ: كُلُّ رَجُلَيْنِ يَقُولانِ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ في شَيْءٍ مِن هَذا مُراعاةُ لَفْظِ (كُلُّ) وثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَشْرَبُهم مِنها: أيْ مِنَ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا. ونُصَّ عَلى المَشْرَبِ تَنْبِيهًا عَلى المَنفَعَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ، وإنْ كانَ سَرْدُ الكَلامِ: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ عَيْنَهم، لَكِنْ في ذِكْرِ المَشْرَبِ ما ذَكَرْناهُ مِن تَسْوِيغِ الشُّرْبِ لَهم مِنها أُنْشِئَ لَهُمُ الأمْرُ بِالأكْلِ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى والشُّرْبِ مِن هَذِهِ العُيُونِ، أوْ أُمِرُوا بِالدَّوامِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإباحَةَ كانَتْ مَعْلُومَةً مِن غَيْرِ هَذا الأمْرِ، والأمْرُ بِالواقِعِ أمْرٌ بِدَوامِهِ، كَقَوْلِكَ لِلْقائِمِ: قُمْ.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾: هو عَلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ وقُلْنا لَهم، وهَذا الأمْرُ أمْرُ إباحَةٍ. قالَ السُّلَمِيُّ: مَشْرَبُ كُلِّ أحَدٍ حَيْثُ أنْزَلَهُ رائِدُهُ، فَمَن رائِدُهُ نَفْسُهُ مَشْرَبُهُ الدُّنْيا، أوْ قَلْبُهُ فَمَشْرَبُهُ الآخِرَةُ، أوْ سِرُّهُ فَمَشْرَبُهُ الجَنَّةُ، أوْ رُوحُهُ فَمَشْرَبُهُ السَّلْسَبِيلُ، أوْ رَبُّهُ فَمَشْرَبُهُ الحَضْرَةُ عَلى المُشاهَدَةِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، طَهَّرَهم بِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وبُدِئَ بِالأكْلِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا، وثَنّى بِالشُّرْبِ لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ حاصِلٌ عَنِ الأكْلِ، ولِأنَّ ذِكْرَ المَنِّ والسَّلْوى مُتَقَدِّمٌ عَلى انْفِجارِ الماءِ.
﴿مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا كانَ مَأْكُولُهم ومَشْرُوبُهم حاصِلَيْنِ لَهم مِن غَيْرِ تَعَبٍ مِنهم ولا تَكَلُّفٍ، أُضِيفا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا التِفاتٌ، إذْ تَقَدَّمَ ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ﴾ ولَوْ جَرى عَلى نَظْمٍ واحِدٍ لَقالَ: مِن رِزْقِنا، إلّا إنْ جَعَلْتَ الإضْمارَ قَبْلَ كُلُوا مُسْنَدًا إلى مُوسى، أيْ وقالَ مُوسى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ فَلا يَكُونُ فِيهِ التِفاتٌ، و﴿مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: واشْرَبُوا، وهو مِن إعْمالِ الثّانِي عَلى طَرِيقَةِ اخْتِيارِ أهْلِ البَصْرَةِ، إذْ لَوْ كانَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ لَأُضْمِرَ في الثّانِي ما يَحْتاجُهُ، فَكانَ يَكُونُ: كُلُوا واشْرَبُوا مِنهُ مِن رِزْقِ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ (مِنهُ) إلّا في ضَرُورَةٍ عَلى ما نَصَّ بَعْضُهم، والضَّرُورَةُ والقَلِيلُ لا يُحْمَلُ كَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِما، والرِّزْقُ هُنا هو المَرْزُوقُ، وهو الطَّعامُ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى، والمَشْرُوبُ مِن ماءِ العُيُونِ. وقِيلَ: هو الماءُ يَنْبُتُ مِنهُ الزُّرُوعُ والثِّمارُ، فَهو رِزْقٌ يُؤْكَلُ مِنهُ ويُشْرَبُ، وهَذا القَوْلُ يَكُونُ فِيهِ مِن رِزْقِ اللَّهِ، يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ الشُّرْبَ مِنَ الماءِ حَقِيقَةٌ، والأكْلُ لا يَكُونُ إلّا مِمّا نَشَأ مِنَ الماءِ، لا أنَّ الأكْلَ مِنَ الماءِ حَقِيقَةٌ، فَحَمْلُ الرِّزْقِ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الطَّعامِ والماءِ أوْلى مِن هَذا القَوْلِ.
ولَمّا كانَ مَطْعُومُهم ومَشْرُوبُهم لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ ولا تَعَبَ في تَحْصِيلِهِ حَسُنَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَتْ جَمِيعُ الأرْزاقِ مَنسُوبَةً إلى اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَتْ مِمّا تَسَبَّبَ العَبْدُ في كَسْبِها أمْ لا، واخْتُصَّ بِالإضافَةِ لِلَفْظِ اللَّهِ، إذْ هو الِاسْمُ العَلَمُ الَّذِي لا يُشْرِكُهُ فِيهِ أحَدٌ، الجامِعُ لِسائِرِ الأسْماءِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبإ: ٢٤] ) ﴿أمَّنْ يَبْدَؤُ الخُلُقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل: ٦٤]، و﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [يونس: ٣١]، ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] ؟ واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الرِّزْقَ هو الحَلالُ؛ لِأنَّ أقَلَّ دَرَجاتِ هَذا الأمْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإباحَةِ، واقْتَضى أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ مُباحًا، فَلَوْ وُجِدَ رِزْقٌ حَرامٌ لَكانَ الرِّزْقُ مُباحًا وحَرامًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: إنَّ الرِّزْقَ هُنا لَيْسَ بِعامٍّ إذا أُرِيدَ بِهِ المَنُّ والسَّلْوى والماءُ المُنْفَجِرُ مِنَ الحَجَرِ، ولا يَلْزَمُ مِن حِلِّيَّةِ مُعَيَّنٍ ما مِن أنْواعِ الرِّزْقِ حِلِّيَّةُ جَمِيعِ الرِّزْقِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الطَّيِّباتِ مِنَ الطَّعامِ، وشُرْبِ المُسْتَلَذِّ مِنَ الشَّرابِ، والجَمْعُ بَيْنَ اللَّوْنَيْنِ والمَطْعُومَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِشَرْطِ الحِلِّ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، كانَ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ»، وأنَّهُ كانَ يَشْرَبُ الماءَ البارِدَ العَذْبَ، وكانَتْ تُنْبَذُ لَهُ فِيهِ التَّمَراتِ، وجَمَعَ بَيْنَ القِثّاءِ والرُّطَبِ، وسَقى بَعْضَ نِسائِهِ الماءَ. وقَدْ نُقِلَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّهم كانُوا يَتْرُكُونَ اللَّذِيذَ مِنَ الطَّعامِ والشَّهِيَّ مِنَ الشَّرابِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ مِن رِزْقِ اللَّهِ، ولَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ ولا مِقْدارٍ مِن (p-٢٣١)مَأْكُولٍ أوْ مَشْرُوبٍ، كانَ ذَلِكَ إنْعامًا وإحْسانًا جَزِيلًا إلَيْهِمْ، واسْتَدْعى ذَلِكَ التَّبَسُّطَ في المَآكِلِ والمَشارِبِ، وأنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ القُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ، والقُوَّةُ الِاسْتِعْلائِيَّةُ. نَهاهم عَمّا يُمْكِنُ أنْ يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ، وهو الفَسادُ، حَتّى لا يُقابِلُوا تِلْكَ النِّعَمَ بِما يُكْفِرُها، وهو الفَسادُ في الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ ولا تَسْعَوْا. وقالَ قَتادَةُ: ولا تَسِيرُوا. وقِيلَ: لا تَتَظالَمُوا الشُّرْبَ فِيما بَيْنَكم؛ لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنكم قَدْ جُعِلَ لَهُ شِرْبٌ مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُؤَخِّرُوا الغَداءَ، فَكانُوا إذا أخَّرُوهُ فَسَدَ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا تُخالِطُوا المُفْسِدِينَ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَتَمادَوْا في فَسادِكم. وقِيلَ: لا تَطْغَوْا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] الجُمْهُورُ عَلى أنَّها أرْضُ التِّيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَها وغَيْرَها مِمّا قُدِّرَ أنْ يَصِلُوا إلَيْها فَيَنالَها فَسادُهم، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ الأرَضِينَ كُلَّها. و(ال) لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ويَكُونُ فَسادُهم فِيها مِن جِهَةِ أنَّ كَثْرَةَ العِصْيانِ والإصْرارِ عَلى المُخالَفاتِ والبَطَرَ يُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ الغَيْثِ وقَحْطِ البِلادِ ونَزْعِ البَرَكاتِ، وذَلِكَ انْتِقامٌ يَعُمُّ الأرْضَ بِالفَسادِ.
(مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكَّدَةٌ.
قالَ القُشَيْرِيُّ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقى﴾ الآيَةَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إخْراجِ الماءِ مِنَ الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ كانَ قادِرًا عَلى إَرْوائِهِمْ بِغَيْرِ ماءٍ، ولَكِنْ لِإظْهارِ أثَرِ المُعْجِزَةِ فِيهِ، واتِّصالِ مَحَلِّ الِاسْتِعانَةِ إلَيْهِ، ولِيَكُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في فَضْلِ الحَجَرِ مَعَ نَفْسِهِ شُغْلٌ، ولِتَكْلِيفِهِ أنْ يَضْرِبَ بِالعَصا، نَوْعٌ مِنَ المُعالَجَةِ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَكُونَ كُلُّ سِبْطٍ جارِيًا عَلى سُنَنِهِ، غَيْرَ مُزاحِمٍ لِصاحِبِهِ، وحِينَ كَفاهم ما طَلَبُوهُ أمَرَهم بِالشُّكْرِ وحِفْظِ الأمْرِ وتَرْكِ احْتِقابِ الوِزْرِ، فَقالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ . والمَناهِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وكُلٌّ يَرِدُ مَشْرَبَهُ: فَمَشْرَبٌ فُراتٌ، ومَشْرَبٌ أُجاجٌ، ومَشْرَبٌ صافٍ، ومَشْرَبٌ رَنْقٌ، وسِياقُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُودُهم، فالنُّفُوسُ تَرِدُ مَناهِلَ المُنى، والقُلُوبُ تَرِدُ مَشارِبَ التُّقى، والأرْواحُ تَرِدُ مَناهِلَ الكَشْفِ، والمُشاهَداتُ والأسْرارُ تَرِدُ مَناهِلَ الحَقائِقِ بِالِاخْتِطافِ مِن حَقِيقَةِ الوَحْدَةِ والذّاتِ. انْتَهى كَلامُهُ مُلَخَّصًا.
البقرة 2:61
﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾: لَمّا سَئِمُوا مِنَ الإقامَةِ في التِّيهِ، والمُواظَبَةِ عَلى مَأْكُولٍ واحِدٍ، لِبُعْدِهِمْ عَنِ الأرْضِ الَّتِي ألِفُوها، وعَنِ العَوائِدِ الَّتِي عَهِدُوها، أخْبَرُوا عَمّا وجَدُوهُ مِن عَدَمِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ وتَشَوُّفِهِمْ إلى ما كانُوا يَأْلَفُونَ، وسَألُوا مُوسى أنْ يَسْألَ اللَّهَ لَهم. وأكْثَرُ أهْلِ الظّاهِرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ مَعْصِيَةً، قالُوا: لِأنَّهم كَرِهُوا إنْزالَ المَنِّ والسَّلْوى، وتِلْكَ الكَراهَةُ مَعْصِيَةٌ، ولِأنَّ مُوسى وصَفَ ما سَألُوهُ بِأنَّهُ أدْنى وما كانُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ خَيْرٌ، وبِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
والجَوابُ، أنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الرِّضا بِهِ فَقَطْ، بَلِ اشْتَهَوْا أشْياءَ أُخَرَ. وأمّا الإنْكارُ فَلِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِما فِيهِ مِن تَفْوِيتِ الأنْفَعِ في الدُّنْيا، أوِ الأنْفَعِ في الآخِرَةِ. وأمّا الخَيْرِيَّةُ فَسَيَأْتِي الكَلامُ فِيها، وإنَّما كانَ سُؤالًا مُباحًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ، عِنْدَ إنْزالِ المَنِّ وتَفْجِيرِ العَيْنِ لَيْسَ بِإيجابٍ بَلْ هو إباحَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ مَعْصِيَةً لِأنَّ مَن أُبِيحَ لَهُ صُنُوفٌ مِنَ الطَّعامِ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَسْألَ غَيْرَها، إمّا بِنَفْسِهِ أوْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ. ولَمّا كانَ سُؤالُ النَّبِيِّ أقْرَبَ لِلْإباحَةِ، سَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، ولِأنَّ النَّوْعَ الواحِدَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُمَلُّ ويُشْتَهى إذْ ذاكَ غَيْرُهُ، ولِأنَّهم ما تَعَوَّدُوا ذَلِكَ النَّوْعَ. ورَغْبَةُ الإنْسانِ فِيما اعْتادَهُ وإنْ كانَ خَسِيسًا فَوْقَ رَغْبَةِ ما لَمْ يَعْتَدْهُ وإنْ كانَ شَرِيفًا، ولِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِانْتِقالِهِمْ عَنِ التِّيهِ الَّذِي مَلُّوهُ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأطْعِمَةَ لا تُوجَدُ فِيهِ، فَأرادُوا الحُلُولَ بِغَيْرِهِ، ولِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ سَبَبٌ لِنَقْصِ الشَّهْوَةِ وضَعْفِ الهَضْمِ وقِلَّةِ الرَّغْبَةِ، والِاسْتِكْثارُ مِنَ الأنْواعِ بِعَكْسِ ذَلِكَ. فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ تَبْدِيلَ نَوْعٍ بِنَوْعٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْعُقَلاءِ، وثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. ومِمّا يُؤَكِّدُ (p-٢٣٢)ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ هو كالإجابَةِ لِما طَلَبُوا. ولَوْ كانُوا عاصِينَ في ذَلِكَ السُّؤالِ لَكانَتِ الإجابَةُ إلَيْهِ مَعْصِيَةً، وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ووَصَفَ الطَّعامَ بِواحِدٍ، وإنْ كانَ طَعامَيْنِ؛ لِأنَّهُ المَنُّ والسَّلْوى اللَّذانِ رُزِقُوهُما في التِّيهِ؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالواحِدِ ما لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَبَدَّلُ، ولَوْ كانَ عَلى مائِدَةِ الرَّجُلِ ألْوانٌ عَدِيدَةٌ يُداوِمُ عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ لا يُبَدِّلُها قِيلَ: لا يَأْكُلُ فُلانٌ إلّا طَعامًا واحِدًا، يُرادُ بِالوَحْدَةِ نَفْيُ التَّبَدُّلِ والِاخْتِلافِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُما ضَرْبٌ واحِدٌ لِأنَّهُما مَعًا مِن طَعامِ أهْلِ التَّلَذُّذِ والسَّرَفِ، ونَحْنُ قَوْمُ فِلاحَةٍ أهْلُ زِراعاتٍ، فَما نُرِيدُ إلّا ما ألِفْناهُ وضَرَيْنا بِهِ مِنَ الأشْياءِ المُتَفاوِتَةِ، كالحُبُوبِ والبُقُولِ ونَحْوِهِما. ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في مَعْنى الواحِدِ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: أعادَ عَلى لَفْظِ الطَّعامِ مِن حَيْثُ أنَّهُ مُفْرَدٌ لا عَلى مَعْناهُ. وقِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ المَنَّ والسَّلْوى مُخْتَلِطَيْنِ، فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ اللَّوْنِ الَّذِي يَجْمَعُ أشْياءَ ويُسَمّى لَوْنًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: كانَ طَعامُهم يَأْتِيهِمْ بِصِفَةِ الوَحْدَةِ، نَزَلَ عَلَيْهِمُ المَنُّ فَأكَلُوا مِنهُ مُدَّةً حَتّى سَئِمُوهُ ومَلُّوهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهم، فَأنْزَلَ عَلَيْهِمُ السَّلْوى فَأكَلُوها مُدَّةً وحْدَها. وقِيلَ: أرادُوا بِالطَّعامِ الواحِدِ السَّلْوى؛ لِأنَّ المَنَّ كانَ شَرابًا أوْ شَيْئًا يَتَحَلَّوْنَ بِهِ، وما كانُوا يَعُدُّونَ طَعامًا إلّا السَّلْوى. وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْهُما بِالواحِدِ، كَما عَبَّرَ بِالاثْنَيْنِ عَنِ الواحِدِ نَحْوَ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ دُونَ العَذْبِ. وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ أحَدِهِما. وقِيلَ: مَعْناهُ لَنْ نَصْبِرَ عَلى أنَّنا كُلَّنا أغْنِياءُ، فَلا يَسْتَعِينُ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، ويَكُونُ قَدْ كَنى بِالطَّعامِ الواحِدِ عَنْ كَوْنِهِمْ نَوْعًا واحِدًا، وهو كَوْنُهم ذَوِي غِنًى، فَلا يَخْدُمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وكَذَلِكَ كانُوا في التِّيهِ، فَلَمّا خَرَجُوا مِنهُ عادُوا لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن فَقْرِ بَعْضٍ وغِنى بَعْضٍ. فَهَذِهِ تِسْعَةُ أقْوالٍ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ .
﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾: مَعْناهُ: اسْألْهُ لَنا، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ، أيِ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِأنْ يُخْرِجَ كَذا وكَذا. ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ: (فادْعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ، جَعَلُوا دَعا مِن ذَواتِ الياءِ، كَرَمى يَرْمِي، وإنَّما سَألُوا مِن مُوسى أنْ يَدْعُوَ لَهم بِما اقْتَرَحُوهُ ولَمْ يَدْعُ لَهم؛ لِأنَّ إجابَةَ الأنْبِياءِ أقْرَبُ مِن إجابَةِ غَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ قالُوا: (رَبَّكَ) ولَمْ يَقُولُوا: رَبَّنا؛ لِأنَّ في ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ ما لَيْسَ فِيهِمْ مِن مُناجاتِهِ وتَكْلِيمِهِ وإتْيانِهِ التَّوْراةَ، فَكَأنَّهم قالُوا: ادْعُ لَنا الَّذِي هو مُحْسِنٌ لَكَ، فَكَما أحْسَنَ إلَيْكَ في أشْياءَ، كَذَلِكَ نَرْجُو أنْ يُحْسِنَ إلَيْنا في إجابَةِ دُعائِكَ.
﴿يُخْرِجْ لَنا﴾: جَزْمُهُ عَلى جَوابِ الأمْرِ الَّذِي هو ادْعُ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في ﴿أوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] . وقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ لَهُ أخْرِجْ فَيُخْرِجْ، مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ هَذا الأمْرِ الَّذِي هو أخْرِجْ. وقِيلَ: جُزِمَ (يُخْرِجْ) بِلامٍ مُضْمَرَةٍ، وهي لامُ الطَّلَبِ، أيْ لِيُخْرِجْ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ.
﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾: مَفْعُولُ (يُخْرِجْ) مَحْذُوفٌ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ مَأْكُولًا مِمّا تُنْبِتُ، هَذا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ: (مِن) زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ: ما تُنْبِتُ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُنْبِتُهُ، وفِيهِ شُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، تَقْدِيرُهُ: مِن إنْباتِ الأرْضِ. قالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ المَفْعُولَ المُقَدَّرَ لا يُوصَفُ بِالإنْباتِ؛ لِأنَّ الإنْباتَ مَصْدَرٌ والمَحْذُوفَ جَوْهَرٌ وإضافَةَ الإنْباتِ إلى الأرْضِ مَجازٌ، إذِ المُنْبِتُ هو اللَّهُ تَعالى، لَكِنَّهُ لَمّا جَعَلَ فِيها قابِلِيَّةَ الإنْباتِ نَسَبَ الإنْباتَ إلَيْها.
﴿مِن بَقْلِها﴾: هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾، عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو فَصِيحٌ في الكَلامِ، أعْنِي أنْ يُعادَ حَرْفُ الجَرِّ في البَدَلِ، فَـ (مِن) عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَبْعِيضِيَّةٌ، كَهي في (مِمّا تُنْبِتُ)، ويَتَعَلَّقُ بِـ (يُخْرِجْ) إمّا الأُولى، وإمّا أُخْرى مُقَدَّرَةٌ عَلى الخِلافِ الَّذِي في العامِلِ في البَدَلِ، هَلْ هو العامِلُ الأوَّلُ، أوْ ذَلِكَ عَلى تَكْرارِ العامِلِ ؟ والمَشْهُورُ هَذا الثّانِي، وأجازَ الَمَهْدَوِيُّ أيْضًا، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَقْلِها﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، وعَبَّرَ عَنْها (p-٢٣٣)الَمَهْدَوِيُّ بِأنَّها لِلتَّخْصِيصِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ أبُو البَقاءِ: مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ كائِنًا مِن بَقْلِها، وقَدَّمَ ذِكْرَ هَذا الوَجْهِ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن (ما) الأوْلى بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ. وأمّا الَمَهْدَوِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ فَزَعَما مَعَ قَوْلِهِما: إنَّ (مِن) في ﴿مِن بَقْلِها﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ (مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِمّا تُنْبِتُ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن بَقْلِها﴾ عَلى زَعْمِهِما لِبَيانِ الجِنْسِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفَيْنِ، واخْتِلافُ ذَلِكَ كاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ، فَلا يَجُوزُ البَدَلُ إلّا إنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُفَرَّعَ القَوْلُ بِالبَدَلِ عَلى كَوْنِها لِبَيانِ الجِنْسِ، والمُخْتارُ ما قَدَّمْناهُ مِن كَوْنِ (مِن) في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّبْعِيضِ، وأمّا أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، فَقَدْ أباهُ أصْحابُنا وتَأوَّلُوا ما اسْتَدَلَّ بِهِ مُثْبِتُ ذَلِكَ، والمُرادُ بِالبَقْلِ هُنا: أطايِبُ البُقُولِ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ، كالنَّعْناعِ، والكَرَفْسِ، والكُرّاثِ، وأشْباهِها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وغَيْرُهُما: (وقُثّائِها) بِضَمِّ القافِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ.
﴿وفُومِها﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقاوِيلُ سِتَّةٌ، أحَدُها: أنَّهُ الثُّومُ، وبَيَّنَتْهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وثَوْمِها) بِالثّاءِ، وهو المُناسِبُ لِلْبَقْلِ والعَدَسِ والبَصَلِ. الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: أنَّهُ الحِنْطَةُ. الثّالِثُ: أنَّهُ الحُبُوبُ كُلُّها. الرّابِعُ: أنَّهُ الخُبْزُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ عَطاءٍ وابْنُ زَيْدٍ. الخامِسُ: أنَّهُ الحِمَّصُ. السّادِسُ: أنَّهُ السُّنْبُلَةُ.
﴿وعَدَسِها وبَصَلِها﴾: وأحْوالُ هَذِهِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرُوها مُخْتَلِفَةٌ، فَذَكَرُوا، أوَّلًا ما هو جامِعٌ لِلْحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ، إذِ البَقْلُ مِنهُ ما هو بارِدٌ رَطْبٌ كالهِنْدَبا، ومِنهُ ما هو حارٌّ يابِسٌ كالكَرَفْسِ والسَّدابِ، ومِنهُ ما هو حارٌّ وفِيهِ رُطُوبَةٌ عَرْضِيَّةٌ كالنَّعْناعِ. وثانِيًا: القِثّاءُ، وهو بارِدٌ رَطْبٌ. وثالِثًا: الثُّومُ، وهو حارٌّ يابِسٌ. ورابِعًا: العَدَسُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ. وخامِسًا: البَصَلُ، وهو حارٌّ رَطْبٌ، وإذا طُبِخَ صارَ بارِدًا رَطْبًا، فَعَلى هَذا جاءَ تَرْتِيبُ ذِكْرِ هَذِهِ الخَمْسَةِ.
﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (قالَ) ظاهِرٌ عَوْدُهُ عَلى مُوسى، ويُحْتَمَلُ عُودُهُ عَلى الرَّبِّ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾، والهَمْزَةُ في ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ لِلْإنْكارِ، والِاسْتِبْدالُ: الِاعْتِياضُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أتُبَدِّلُونَ، وهو مَجازٌ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ لَيْسَ لَهم إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَحْصُلُ التَّبْدِيلُ بِسُؤالِهِمْ جُعِلُوا مُبَدِّلِينَ، وكانَ المَعْنى: أتَسْألُونَ تَبْدِيلَ.
﴿الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾، والَّذِي: مَفْعُولُ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ وهو الحاصِلُ، والَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ هو الزّائِلُ، كَما قَرَّرْناهُ في غَيْرِ مَكانٍ.
﴿هُوَ أدْنى﴾ صِلَةٌ لِلَّذِي، وهو هُنا واجِبُ الإثْباتِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، إذْ لا طُولَ في الصِّلَةِ، وأدْنى: خَبَرٌ عَنْ هو، وهو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، و(مِن وما) دَخَلَتْ عَلَيْهِ حَذْفًا لِلْعِلْمِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُما كَوْنُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ خَبَرًا، فَإنْ وقَعَ غَيْرَ خَبَرٍ مِثْلَ كَوْنِهِ حالًا أوْ صِفَةً قَلَّ الحَذْفُ، وتَقْدِيرُهُ: أدْنى مِن ذَلِكَ الطَّعامِ الواحِدِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُما أيْضًا كَوْنُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ مَذْكُورًا بَعْدَ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾، وأفْرَدَ: ﴿الَّذِي هو أدْنى﴾ لِأنَّهُ أحالَ بِهِ عَلى المَأْكُولِ الَّذِي هو ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾، وعَلى (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ﴾، فَيَكُونُ قَدْ راعى المُبْدَلَ مِنهُ، إذْ لَوْ راعى البَدَلَ لَقالَ: أتَسْتَبْدِلُونَ اللّاتِي هي أدْنى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (أدْنى) عِنْدِ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ وذَكَرْنا الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ فِيها.
وقَرَأ زُهَيْرٌ الفُرْقُبِيُّ ويُقالُ لَهُ زُهَيْرٌ الكِسائِيُّ: (أدْنَأُ) بِالهَمْزِ، ووَقَعَ لِبَعْضِ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ وهْمٌ في نِسْبَةِ هَذِهِ القِراءَةِ لِلْكِسائِيِّ، فَقالَ: وقَرَأ زُهَيْرٌ والكِسائِيُّ شاذًّا (أدْنَأُ) فَظَنَّ أنَّ هَذِهِ قِراءَةُ الكِسائِيُّ، وجَعَلَ زُهَيْرًا والكِسائِيَّ شَخْصَيْنِ، وإنَّما هو زُهَيْرٌ الكِسائِيُّ يُعْرَفُ بِذَلِكَ، وبِالفُرْقُبِيِّ، فَهو رَجُلٌ واحِدٌ.
فَأمّا تَفْسِيرُ (الأدْنى والخَيْرِ) هُنا فَفِيهِ أقاوِيلُ، أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَفاضُلُ الأشْياءِ بِالقِيَمِ، وهَذِهِ البُقُولُ لا خَطَرَ فِيها ولا عُلُوَّ قِيمَةٍ، والمَنُّ والسَّلْوى هُما أعْلى قِيمَةً وأعْظَمُ خَطَرًا، واخْتارَ هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ، (p-٢٣٤)قالَ: أقْرَبُ مَنزِلَةً وأهْوَنُ مِقْدارًا، والدُّنُوُّ والقُرْبُ يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ قِلَّةِ المِقْدارِ فَيُقالُ: هو أدْنى المَحَلِّ وقَرِيبُ المَنزِلَةِ، كَما يُعَبَّرُ بِالبُعْدِ عَنْ عَكْسِ ذَلِكَ فَيُقالُ: بَعِيدُ المَحَلِّ بَعِيدُ المَنزِلَةِ، يُرِيدُونَ الرِّفْعَةَ والعُلُوَّ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مِن كَلامِ الزَّجّاجِ. والثّانِي: أنَّ المَنَّ والسَّلْوى هو الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ وأمَرَهم بِأكْلِهِ، وفي اسْتِدامَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وشُكْرِ نِعْمَتِهِ أجْرٌ وذُخْرٌ في الآخِرَةِ، والَّذِي طَلَبُوهُ عارٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ فَكانَ أدْنى مِن هَذا الوَجْهِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّفْضِيلَ يَقَعُ مِن جِهَةِ الطِّيبِ واللَّذَّةِ، والمَنُّ والسَّلْوى لا شَكَّ أنَّهُما أطْيَبُ مِنَ البُقُولِ الَّتِي طَلَبُوها. الرّابِعُ: أنَّ المَنَّ والسَّلْوى لا كُلْفَةَ في تَحْصِيلِهِ ولا تَعَبَ ولا مَشَقَّةَ، والبُقُولُ لا تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مَشَقَّةِ الحَرْثِ والزَّرْعِ والخِدْمَةِ والسَّقْيِ، وما حَصَلَ بِلا مَشَقَّةٍ خَيْرٌ مِمّا حَصَلَ بِمَشَقَّةٍ.
الخامِسُ: أنَّ المَنَّ والسَّلْوى لا شَكَّ في حِلِّهِ وخُلُوصِهِ لِنُزُولِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والحُبُوبُ والأرْضُ يَتَخَلَّلُها العُيُوبُ والغُصُوبُ ويَدْخُلُها الحَرامُ والشُّبْهَةُ، وما كانَ حِلًّا خالِصًا أفْضَلُ مِمّا يَدْخُلُهُ الحَرامُ والشُّبْهَةُ. السّادِسُ: أنَّ المَنَّ والسَّلْوى يَفْضُلانِ ما سَألُوهُ مِن جِنْسِ الغِذاءِ ونَفْعِهِ. ومُلَخَّصُ هَذِهِ الأقْوالِ: هَلِ الأدْنَوِيَّةُ والخَيْرِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِيمَةِ، أوِ امْتِثالِ الأمْرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوِ اللَّذَّةُ، أوِ الكُلْفَةُ، أوِ الحِلُّ، أوِ الجِنْسُ ؟ أقْوالٌ سِتَّةٌ. وأمّا قِراءَةُ زُهَيْرٍ فَهي مِنَ الدِّناءِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ (أدْنى) غَيْرَ المَهْمُوزِ قِيلَ إنَّ أصْلَها الهَمْزَةُ فَسَهَّلَ كَهَذِهِ القِراءَةِ، ومَن قالَ بِالقَلْبِ وإنَّ أصْلَهُ أدْوَنُ، فالدَّناءَةُ والدُّونُ راجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو الخَمْسَةُ، وهو مِن جِهَةِ المَعْنى أحْسَنُ مُقابَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ . ومَن جَعَلَ (أدْنى) بِمَعْنى أقْرَبَ؛ لِأنَّ الأدْوَنَ والأدْنَأ يُقابِلُهُما الخَيْرُ، والأدْنى بِمَعْنى الأقْرَبِ يُقابِلُهُ الأبْعَدُ، وحُذِفَ (مِن) ومَعْمُولُها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾ لِما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: هو أدْنى، مِن وُقُوعِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ خَبَرًا، وتَقْدِيرُهُ: مِنهُ، أيْ مِن: ﴿الَّذِي هو أدْنى﴾ . وكانَتْ هاتانِ الصِّلَتانِ جُمْلَتَيْنِ اسْمِيَّتَيْنِ لِثُبُوتِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وكانَ الخَيْرُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى تَعْيِينِ زَمانٍ، بَلْ في ذَلِكَ إثْباتُ الأدْنَوِّيَةِ والخَيْرِيَّةَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ، بِخِلافِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، فَإنَّهُ كانَ يَتَعَيَّنُ الزَّمانُ، أوْ يَتَجَوَّزُ في ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّعْيِينَ، فَكانَ الوَصْلُ بِما هو حَقِيقَةٌ في عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى التَّعْيِينِ أفْصَحَ، وكانَتْ صِلَةُ (ما) في قَوْلِهِ: (مِمّا تُنْبِتُ) جُمْلَةً فِعْلِيَّةً؛ لِأنَّ الفِعْلَ عِنْدَهم يُشْعِرُ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، والإنْباتُ مُتَجَدِّدٌ دائِمًا، فَناسَبَ كُلُّ مَكانٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّلَةِ.
* *
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: في الكَلامِ حَذْفٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ القائِلَ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ هو مُوسى، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأجابَهُ، ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ [الأعراف: ٢٤] . وتَقَدَّمَ مَعْنى الهُبُوطِ، ويُقالُ: هَبَطَ الوادِيَ: حَلَّ بِهِ، وهَبَطَ مِنهُ: خَرَجَ، وكَأنَّ القادِمَ عَلى بَلَدٍ يَنْصَبُّ عَلَيْهِ. وقُرِئَ (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الباءِ، وهُما لُغَتانِ، والأفْصَحُ الكَسْرُ، والجُمْهُورُ عَلى صَرْفِ مِصْرًا هُنا. وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبَيِّنٌ كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وبَعْضِ مَصاحِفِ عُثْمانَ. فَأمّا مَن صَرَفَ فَإنَّهُ يَعْنِي مِصْرًا مِنَ الأمْصارِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، واسْتَدَلُّوا بِالأمْرِ بِدُخُولِ القَرْيَةِ، وبِأنَّهم سَكَنُوا الشّامَ بَعْدَ التِّيهِ، وبِأنَّ ما سَألُوهُ مِنَ البَقْلِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا في الأمْصارِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: هو مِصْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَكِنَّهُ مِن أمْصارِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، بِدَلِيلِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] . وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِصْرًا﴾ وإنْ كانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، وهو مِن إطْلاقِ النَّكِرَةِ ويُرادُ بِها المُعَيَّنُ، كَما تَقُولُ: ائْتِنِي بِرَجُلٍ، وأنْتَ تَعْنِي بِهِ زَيْدًا. قالَ أشْهَبُ، قالَ لِي مالِكٌ: هي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ. وأجازَ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُعْرِبِينَ والمُفَسِّرِينَ أنَّ تَكُونَ مِصْرُ هَذِهِ المُنَوَّنَةُ هي الِاسْمَ العَلَمَ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧]، قالُوا: وصُرِفَ وإنْ كانَ فِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ، كَما صُرِفَ هِنْدٌ ودَعْدٌ لِمُعادَلَةِ أحَدِ السَّبَبَيْنِ، لِخِفَّةِ الِاسْمِ لِسُكُونِ وسَطِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، أوْ صُرِفَ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِاللَّفْظِ مَذْهَبَ المَكانِ، فَذَكَّرَهُ (p-٢٣٥)فَبَقِيَ فِيهِ سَبَبٌ واحِدٌ فانْصَرَفَ. وشَبَّهَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَنعِ الصَّرْفِ، وهو عَلَمٌ بِنُوحٍ ولُوطٍ حَيْثُ صُرِفا، وإنْ كانَ فِيهِما العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ لِخِفَّةِ الِاسْمِ بِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ، وهَذا لَيْسَ كَما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّهُ مُشْبِهٌ لِهِنْدٍ، أوْ مُشْبِهٌ لِنُوحٍ؛ لِأنَّ مِصْرَ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ وهي: التَّأْنِيثُ والعَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ، فَهو يَتَحَتَّمُ مَنعُ صَرْفِهِ بِخِلافِ هِنْدٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سِوى العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، عَلى أنَّ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن خالَفَ في هِنْدٍ، وزَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا مَنعُ الصَّرْفِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى ما ادَّعى النَّحْوِيُّونَ مِنَ الصَّرْفِ في قَوْلِهِ:
؎لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِها دَعْدٌ ولَمْ تُسْقَ دَعْدٌ في العُلَبِ
وبِخِلافِ نُوحٍ، فَإنَّ العُجْمَةَ لَمْ تُعْتَبَرْ إلّا في غَيْرِ الثُّلاثِيِّ السّاكِنِ الوَسَطِ، وأمّا إذا كانَ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ فالصَّرْفُ. وقَدْ أجازَ عِيسى بْنُ عُمَرَ مَنعَ صَرْفِهِ قِياسًا عَلى هِنْدٍ، ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ إلّا مَصْرُوفًا، فَهو قِياسٌ عَلى مُخْتَلَفٍ فِيهِ مُخالِفٌ لِنُطْقِ العَرَبِ، فَوَجَبَ اطِّراحُهُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ بَحْرٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿مِصْرًا﴾ البَيْتُ المُقَدَّسُ، يَعْنِي أنَّ اللَّفْظَ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، فالمُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، كَما قُلْنا في قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ أرادَ بِهِ وإنْ كانَ نَكِرَةً مِصْرَ المُعَيَّنَةَ. وأمّا مَن قَرَأ (مِصْرَ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فالمُرادُ مِصْرُ العَلَمُ، وهي دارُ فِرْعَوْنَ. واسْتَبْعَدَ بَعْضُ النّاسِ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها مِصْرُ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِأنَّهم مِن مِصْرَ خَرَجُوا، وأُمِرُوا بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ لِقِتالِ الجَبّارِينَ فَأبَوْا، فَعُذِّبُوا بِالتِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ قِتالِ الجَبّارِينَ، ولِقَوْلِهِمْ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَماتُوا جَمِيعًا في التِّيهِ، وبَقِيَ أبْناؤُهم، فامْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ، وهَبَطُوا إلى الشّامِ، وقاتَلُوا الجَبّارِينَ، ثُمَّ عادُوا إلى البَيْتِ المُقَدَّسِ، ولَمْ يُصَرِّحْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والمُؤَرِّخِينَ أنَّهم هَبَطُوا مِنَ التِّيهِ إلى مِصْرَ. انْتَهى كَلامُهُ. فَتَلَخَّصَ مِن قِراءَةِ التَّنْوِينِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِصْرًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ لا مِنَ الشّامِ ولا مِن غَيْرِهِ، أوْ مِصْرًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ مِن أمْصارِ الشّامِ، أوْ مُعَيَّنًا، وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، أوْ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، كَما يُجابُ بِالفِعْلِ المَجْزُومِ، ويَجْرِي فِيهِ الخِلافُ الجارِي فِيهِ: هَلْ ضُمِّنَ (اهْبِطُوا مِصْرًا) مَعْنى أنْ تَهُبُّوا أوْ أُضْمِرَ الشَّرْطُ وفِعْلُهُ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ كَأنَّهُ قالَ: إنْ تَهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ، وفي ذَلِكَ مَحْذُوفانِ: أحَدُهُما: ما يَرْبِطُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما قَبْلَها، وتَقْدِيرُهُ: فَإنَّ لَكم فِيها ما سَألْتُمْ. والثّانِي: الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى (ما) تَقْدِيرُهُ: ما سَألْتُمُوهُ، وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: (سِألْتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، وهَذا مِن تَداخُلِ اللُّغاتِ، وذَلِكَ أنَّ في سَألَ لُغَتَيْنِ، إحْداهُما: أنْ تَكُونَ العَيْنُ هَمْزَةً فَوَزْنُهُ فَعَلَ. والثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ العَيْنُ واوًا تَقُولُ: سَألَ يَسْألُ، فَتَكُونُ الألِفُ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الواوِ قَوْلُهم: هُما يَتَساوَلانِ، كَما تَقُولُ: يَتَجاوَبانِ، وحِينَ كَسَرَ السِّينَ تَوَهَّمَ أنَّهُ فَتَحَها، فَأتى بِالعَيْنِ هَمْزَةً، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا جِئْتَهم وسَأْيَلْتَهم ∗∗∗ وجَدَتْ بِهِمْ عِلَّةً حاضِرَهْ
الأصْلُ ساءَلْتَهم، والمَعْرُوفُ إبْدالُ الهَمْزَةِ ياءً، فَتَقُولُ: سايَلْتَهم، فَجَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ وهو الياءُ، وبَيْنَ المُعَوَّضِ مِنهُ وهو الهَمْزَةُ لَكِنَّهُ لَمّا اضْطُرَّ قَدَّمَ الهَمْزَةَ قَبْلَ ألِفِ فاعِلٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إبْدالُ الهَمْزَةِ في (سَألْتُمْ) ياءً، كَما أُبْدِلَتْ ألِفًا في قَوْلِهِ:
؎سَألَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً
فانْكَسَرَ السِّينُ قَبْلَ الياءِ، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِلْهَمْزِ فَهَمَزَ.
والمَعْنى: ما سَألْتُمْ مِنَ البُقُولِ والحُبُوبِ الَّتِي اخْتَرْتُمُوها عَلى المَنِّ والسَّلْوى. وقِيلَ: ما سَألْتُمْ مِنَ اتِّكالِكم عَلى تَدْبِيرِ أنْفُسِكم في مَصالِحِ مَعاشِكم وأحْوالِ أقْواتِكم.
﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾: مَعْنى الضَّرْبِ هُنا: الإلْزامُ والقَضاءُ عَلَيْهِمْ، مِن ضَرَبَ الأمِيرُ البَعْثَ (p-٢٣٦)عَلى الجَيْشِ، وكَقَوْلِ العَرَبِ: ضَرْبَةُ لازِبٍ، ويُقالُ: ضَرَبَ الحاكِمُ عَلى اليَدِ، وضَرَبَ الدَّهْرُ ضَرَباتِهِ، أيْ ألْزَمَ إلْزاماتِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِهِمْ والِاشْتِمالُ عَلَيْهِمْ مَأْخُوذٌ مِن ضَرَبَ القِبابَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِها الكِتابُ المُنَزَّلُ
وقِيلَ: مَعْناهُ التَصَقَتْ بِهِمْ، مَن ضَرَبْتُ الحائِطَ بِالطِّينِ: ألْصَقْتُهُ بِهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: جُعِلَتْ. مِن ضَرَبْتُ الطِّينَ خَزَفًا، أيْ جُعِلَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ. أمّا الذِّلَّةُ فَقِيلَ: هي هَوانُهم بِما ضُرِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ الَّتِي يُؤَدُّونَها عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وقِيلَ: هي ما أُلْزِمُوا بِهِ مِن إظْهارِ الزِّيِّ لِيُعْلَمَ أنَّهم يَهُودُ ولا يَلْتَبِسُوا بِالمُسْلِمِينَ، وقِيلَ: فَقْرُ النَّفْسِ وشُحُّها، فَلا تَرى مِلَّةً مِنَ المِلَلِ أذَلُّ وأحْرَصُ مِنَ اليَهُودِ.
وأمّا المَسْكَنَةُ: فالخُشُوعُ، فَلا يُرى يَهُودِيٌّ إلّا وهو بادِي الخُشُوعِ، أوِ الخَراجُ، وهو الجِزْيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، أوِ الفاقَةُ والحاجَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ ما يُظْهِرُونَهُ مِن سُوءِ حالِهِمْ مَخافَةَ أنْ تُضاعَفَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ، أوِ الضَّعْفُ، فَتَراهُ ساكِنَ الحَرَكاتِ قَلِيلَ النُّهُوضِ. واسْتَبْعَدَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ قَوْلَ مَن فَسَّرَ الذِّلَّةَ بِالجِزْيَةِ؛ لِأنَّ الجِزْيَةَ لَمْ تَكُنْ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ. وقِيلَ: هو مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْهُ، ﷺ . فَكانَ كَما أخْبَرَ، والمَضْرُوبُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ اليَهُودُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. والقائِلُونَ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، ومَن تابَعَهم مِن أبْنائِهِمْ. أقْوالٌ ثَلاثَةٌ.
﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (باءَ) فَعَلى مَن قالَ: (باءَ) رَجَعَ، تَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ مَصْحُوبِينَ بِغَضَبٍ، ومَن قالَ: اسْتَحَقَّ، فالباءُ صِلَةٌ نَحْوَ: لا يُقْرَأنَّ بِالسُّورِ، أيِ اسْتَحَقُّوا غَضَبًا، ومَن قالَ: نَزَلَ وتَمَكَّنَ أوْ تَساوَوْا، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وعَلى الثّانِي لا تَتَعَلَّقُ، وعَلى الثّالِثِ بِنَفْسِ (باءَ) وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ (بِغَضَبٍ) لِلسَّبَبِ، فَعَلى هَذا تَتَعَلَّقُ بِـ (باءَ) ويَكُونُ مَفْعُولُ (باءَ) مَحْذُوفًا، أيِ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، و(باءَ) يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]، ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] . وفي الشَّرِّ: ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿أنْ تَبُوأ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] . وقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُ المَعْنَيَيْنِ في الحَدِيثِ: «أبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبُوءُ بِذَنْبِي» . وقالَ بَعْضُ النّاسِ: باءَ لا تَجِيءُ إلّا في الشَّرِّ.
والغَضَبُ هُنا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ والنِّقَمِ في الدُّنْيا، أوْ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. ويَكُونُ (باءُوا) في مَعْنى يَبُوءُونَ، نَحْوَ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]، ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] .
(مِنَ اللَّهِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِباءُوا إذا كانَ باءَ بِمَعْنى رَجَعَ، وكَأنَّهم كانُوا مُقْبِلِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَبِعِصْيانِهِمْ رَجَعُوا مِنهُ، أيْ مِن عِنْدِهِ بِغَضَبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ ويَكُونُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ ظاهِرٌ إذا كانَ باءَ بِمَعْنى اسْتَحَقَّ، أوْ بِمَعْنى نَزَلَ وتَمَكَّنَ، ويَبْعُدُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وفي وصْفِ الغَضَبِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعْظِيمٌ لِلْغَضَبِ، وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ. (ذَلِكَ بِأنَّهم) الإشارَةُ إلى المَباءَةِ بِالغَضَبِ، أوِ المَباءَةِ والضَّرْبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ خَبَرٌ، والباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ.
﴿كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآياتُ: المُعْجِزاتُ التِّسْعُ وغَيْرُها الَّتِي أتى بِها مُوسى، أوِ التَّوْراةُ، أوْ آياتٌ مِنها، كالآياتِ الَّتِي فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أوْ فِيها الرَّجْمُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ جَمِيعُ آياتِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وإضافَةُ الآياتِ إلى اللَّهِ لِأنَّها مِن عِنْدِهِ تَعالى.
﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾: قَتَلُوا يَحْيى وشَعِيا وزَكَرِيّا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَتَلَ بَنُو إسْرائِيلَ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وفي رِوايَةٍ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ في أوَّلِ النَّهارِ، وقامَتْ سُوقُ قَتْلِهِمْ في آخِرِهِ. وعَلى هَذا يَتَوَجَّهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (يُقَتِّلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ لِظُهُورِ المُبالَغَةِ في القَتْلِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ. وقَرَأ الحَسَنُ: وتَقْتُلُونَ بِالتّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ.
(p-٢٣٧)ورُوِيَ عَنْهُ بِالياءِ كالجَماعَةِ، ولا فَرْقَ في الدَّلالَةِ بَيْنَ النَّبِيِّينَ والأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَيْنِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِما (ال) تَساوِيا بِخِلافِ حالِهِما إذا كانا نَكِرَتَيْنِ؛ لِأنَّ جَمْعَ السَّلامَةِ إذْ ذاكَ ظاهِرٌ في القِلَّةِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ عَلى أفْعِلاءِ ظاهِرٌ في الكَثْرَةِ. وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّينَ والنَّبِيءِ والأنْبِياءِ والنُّبُوءَةِ، إلّا أنَّ قالُونَ أبْدَلَ وأدْغَمَ في الأحْزابِ في: ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إنْ أرادَ. وفي ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، في الوَصْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في المُفْرَداتِ.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (وتَقْتُلُونَ) وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (تَقْتُلُونَ) أيْ تَقْتُلُونَهم مُبالَغَةً. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنَعَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَتْلًا بِغَيْرِ حَقٍّ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو تَوْكِيدٌ، ولَمْ يَرِدْ هَذا عَلى أنَّ قَتْلَ النَّبِيِّينَ يَنْقَسِمُ إلى قَتْلٍ بِحَقٍّ وقَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ ما وقَعَ مِن قَتْلِهِمْ إنَّما وقَعَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ مِن أنْ يَأْتِيَ أمْرًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهِ القَتْلَ، وإنَّما جاءَ هَذا القَيْدُ عَلى سَبِيلِ التَّشْنِيعِ لِقَتْلِهِمْ، والتَّقْبِيحِ لِفِعْلِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، أيْ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم، أيْ لَمْ يَدَّعُوا في قَتْلِهِمْ وجْهًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ عِنْدَهم. وقِيلَ: جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، إذْ لا يَقَعُ قَتْلُ نَبِيٍّ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ، ولَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ قَطُّ بِما يُوجِبُ قَتْلَهُ، وإنَّما قُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ كَراهَةً لَهُ وزِيادَةً في مَنزِلَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ قَطُّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ، وكُلُّ مَن أُمِرَ بِقِتالٍ نُصِرَ. قِيلَ: وعُرِّفَ الحَقُّ هُنا لِأنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى المَعْهُودِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ» . وأمّا المُنَكَّرُ فالمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ العُمُومِ، أيْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَقٌّ لا ما يَعْرِفُهُ المُسْلِمُونَ ولا غَيْرُهُ.
﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (ذَلِكَ) رَدٌّ عَلى الأوَّلِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، فَأُشِيرَ بِهِ لِما أُشِيرَ بِـ (ذَلِكَ) الأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكُفْرِ والقَتْلِ المَذْكُورَيْنِ، فَلا يَكُونُ تَكْرِيرًا ولا تَوْكِيدًا، ومَعْناهُ: أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى جُحُودِ آياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ إنَّما هو تَقَدُّمُ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، فَجَسَّرَهَمْ هَذا عَلى ذَلِكَ، إذِ المَعاصِي بَرِيدُ الكُفْرِ.
﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ لُغَةً، وقَدْ فُسِّرَ الِاعْتِداءُ هُنا أنَّهُ تَجاوُزُهم ما حَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ. وقِيلَ: التَّمادِي عَلى المُخالَفَةِ وقَتْلُ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: العِصْيانُ بِنَقْضِ العَهْدِ والِاعْتِداءُ بِكَثْرَةِ قَتْلِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: الِاعْتِداءُ بِسَبَبِ المُخالَفَةِ والإقامَةُ عَلى ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، أُثِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حِينَ كَثُرَ فِيهِمْ أوْلادُ السَّبايا، واخْتَلَفُوا بَعْدَ عِيسى بِمِائَةِ سَنَةٍ» . وقِيلَ: هو الِاعْتِداءُ في السَّبْتِ، قالَ تَعالى: ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] .
و(ما) في قَوْلِهِ ﴿بِما عَصَوْا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكَ بِعِصْيانِهِمْ، ولَمْ يُعْطَفْ الِاعْتِداءُ عَلى العِصْيانِ؛ لِئَلّا يَفُوتَ تَناسُبُ مَقاطِعِ الآيِ، ولِيَدُلَّ عَلى أنَّ الِاعْتِداءَ صارَ كالشَّيْءِ الصّادِرِ مِنهم دائِمًا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حُلُولَ العُقُوبَةِ بِهِمْ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والمَباءَةِ بِالغَضَبِ، وبَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ، فَبَدَأ بِأعْظَمِ الأسْبابِ في ذَلِكَ، وهو كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، ثُمَّ ثَنّى بِما يَتْلُو ذَلِكَ في العِظَمِ وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَكُونُ مِنَ المَعاصِي، وما يَتَعَدّى مِنَ الظُّلْمِ. قالَ مَعْنى هَذا صاحِبُ المُنْتَخَبِ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ ويَقْتُلُونَ، تَعْلِيلٌ لِضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والمَباءَةِ بِالغَضَبِ، وأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ والقَتْلِ، وبِما تَعْلِيلٌ لَهُما فَيَعُودُ العِصْيانُ إلى الكُفْرِ، ويَعُودُ الِاعْتِداءُ إلى القَتْلِ، فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وقابَلَهُما بِشَيْئَيْنِ، كَما ذَكَرَ أوَّلًا شَيْئَيْنِ وهُما الضَّرْبُ والمَباءَةُ، وقابَلَهُما بِشَيْئَيْنِ وهُما الكُفْرُ والقَتْلُ، فَجاءَ هَذا لَفًّا ونَشْرًا في المَوْضِعَيْنِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الكَلامِ وجَوْدَةِ تَرْكِيبِهِ، ويَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ الَّذِي لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ، (p-٢٣٨)وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الكَلامُ يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّأْسِيسِ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن لَطائِفِ الِامْتِنانِ وغَرائِبِ الإحْسانِ لِبَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: أنَّهم أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ الَّتِي بِها يَتَحَصَّنُونَ، والأكْلُ مِن ثَمَراتِها ما يَشْتَهُونَ، ثُمَّ كُلِّفُوا النَّزْرَ مِنَ العَمَلِ والقَوْلِ، وهو دُخُولُ بابِها ساجِدِينَ، ونُطْقُهم بِلَفْظَةٍ واحِدَةٍ تائِبِينَ، ورُتِّبَ عَلى هَذا النَّزْرِ غُفْرانُ جَرائِمِهُمُ العَظِيمَةِ وخَطاياهُمُ الجَسِيمَةِ، فَخالَفُوا في الأمْرَيْنِ فِعْلًا وقَوْلًا، جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ في عَدَمِ الِامْتِثالِ، فَعاقَبَهم عَلى ذَلِكَ بِأشَدِّ النَّكالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ العَطْفِ عَلَيْهِمْ وسُؤالِ الخَيْرِ لَهم، وذَلِكَ بِأنْ دَعا اللَّهَ لَهم بِالسُّقْيا، فَأحالَهُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ بِأنْ أنْشَأ لَهم مِن قَرْعِ الصَّفا بِالعَصا عُيُونًا يَجْرِي بِها ما يَكْفِيهِمْ مِنَ الماءِ مَعِينًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى مِن كَوْنِ تِلْكَ العُيُونِ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ، حَتّى لا يَقَعَ مِنهم مُشاحَّةٌ ولا مُغالَبَةٌ، وأعْلَمَهم بِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ رِزْقٌ، وأُمِرُوا بِالأكْلِ مِنهُ والشُّرْبِ، ثُمَّ نُهُوا عَنِ الفَسادِ، إذْ هو سَبَبٌ لِقَطْعِ الرِّزْقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى تَبَرُّمَهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَجُّوا في طَلَبِ ما كانَ مَأْلَوفَهم إلى نَبِيِّهِمْ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ، وذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَتِهِ مَعَهم، إذْ كانَ يُناجِي رَبَّهُ فِيما كانَ عائِدًا عَلَيْهِمْ بِصَلاحِ دِينِهِمْ ودُنْياهم، وذَكَرَ تَوْبِيخَهُ لَهم عَلى ما سَألُوهُ مِنِ اسْتِبْدالِ الخَسِيسِ بِالنَّفِيسِ، وبِما لا نَصَبٌ في اكْتِسابِهِ ما فِيهِ العَناءُ الشّاقُّ، إذْ ما طَلَبُوهُ يَحْتاجُ إلى اسْتِفْراغِ أوْقاتِهِمُ المُعَدَّةِ لِعِبادَةِ رَبِّهِمْ في تَحْصِيلِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَصارَتْ أغْذِيَةً مُضِرَّةً مُؤْذِيَةً جالِبَةً أخْلاطًا رَدِيئَةً، يَنْشَأُ عَنْها طَمْسُ أنْوارِ الأبْصارِ والبَصائِرِ، بِخِلافِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، إذْ هو شَيْءٌ واحِدٌ جَيِّدٌ، يَنْشَأُ عَنْهُ صِحَّةُ البَدَنِ وجَوْدَةُ الإدْراكِ.
كانَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَسْتَفُّ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، ويَشْرَبُ عَلَيْهِ الماءَ العَذْبَ، وكانَ ذِهْنُهُ أشْرَقَ أذْهانِ أهْلِ زَمانِهِ، وكانَ قَوِيَّ البَدَنِ يَغْزُو سَنَةً ويَحُجُّ أُخْرى.
ثُمَّ أُمِرُوا بِالحُلُولِ فِيما فِيهِ مَطْلَبُهم والهُبُوطِ إلى مَعْدِنِ ما سَألُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِما عاقَبَهم بِهِ مِن جَعْلِهِمْ أذِلّاءَ مَساكِينَ ومَباءَتِهِمْ بِغَضَبِهِ، وأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي هي سَبَبُ الإيمانِ، لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي أعْجَزَتِ الإنْسَ والجانَّ، وعَنْ قَتْلِهِمْ مَن كانَ سَبَبًا لِهِدايَتِهِمْ، وهُمُ الأنْبِياءُ، إذْ بِاتِّباعِهِمْ يَحْصُلُ العِزُّ في الدُّنْيا والفَوْزُ في الأُخْرى، وأنَّ الَّذِي جَرَّ الكُفْرَ والقَتْلَ إلَيْهِمْ هو العِصْيانُ والِاعْتِداءُ اللَّذانِ كانا سَبَقا مِنهم قَبْلَ تَعاطِي الكُفْرِ والقَتْلِ.
وقالَ:
؎إنَّ الأُمُورَ صَغِيرَها مِمّا يَهِيجُ لَهُ العَظِيمُ
وقالَ:
؎والشَّرُ تُحَقِّرُهُ وقَدْ يَنْمى
البقرة 2:62
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] .
هادَ: ألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، والمُضارِعُ يَهُودُ، ومَعْناهُ: تابَ، أوْ عَنْ ياءٍ والمُضارِعُ يَهِيدُ: إذا تَحَرَّكَ. والأوْلى الأوَّلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لَفْظِةِ اليَهُودِ حَيْثُ انْتَهَيْنا إلَيْها في القُرْآنِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والنَّصارى: جَمْعُ نَصْرانٍ ونَصْرانَةٍ، مِثْلُ نَدْمانٍ ونَدْمانَةٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ وأنْشَدَ:
وكِلْتاهُما خَرَّتْ وأُسْجِدَ رَأْسُها كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ
وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ويَضْحى لَدَيْهِ وهو نَصْرانُ شامِسُ
مَنَعَ (نَصْرانًا) الصَّرْفَ ضَرُورَةً، وهو مَصْرُوفٌ؛ لِأنَّ مُؤَنَّثَهُ عَلى نَصْرانَةٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ (p-٢٣٩)فِي الكَلامِ إلّا بِياءِ النَّسَبِ، فَيَكُونُ: كَلِحْيانٍ ولِحْيانِيٍّ وكَأحْمَرِيٍّ. وقالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَّصارى نَصْرِيٌّ، كَمَهْرِيٍّ ومَهارى. قِيلَ: وهو مَنسُوبٌ إلى نَصْرَةَ، قَرْيَةٍ نَزَلَ بِها عِيسى. وقالَ قَتادَةُ: نُسِبُوا إلى ناصِرَةَ، وهي قَرْيَةٌ نَزَلُوها. فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ.
والصّابِئِينَ: الصّائِبُونَ، قِيلَ: الخارِجُونَ مِن دِينٍ مَشْهُورٍ إلى غَيْرِهِ، مِن صُبُوءِ السِّنِّ والنَّجْمِ، يُقالُ: صَبَأتِ النُّجُومُ: طَلَعَتْ، وصَبَأتْ ثَنِيَّةُ الغُلامِ: خَرَجَتْ، وصَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى: طَرَأتْ، قالَ:
؎إذا صَبَأتْ هَوادِي الخَيْلِ عَنّا حَسِبْتُ بِنَحْرِها شَرْقَ البَعِيرِ
ومَن قَرَأ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَسَنَتَكَلَّمُ عَلى قِراءَتِهِ. قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هم بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ. وقالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: هم بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارىِ، يَحْلِقُونَ أوْساطَ رُءُوسِهِمْ ويَجُبُّونَ مَذاكِيرَهم. وقالَ الخَلِيلُ: هم أشْباهُ النَّصارى، قِبْلَتُهم مَهَبُّ الجَنُوبِ، يُقِرُّونَ بِنُوحٍ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: لا عَيْنَ مِنهم ولا أثَرَ. وقالَ المَغْرِبِيُّ، عَنِ الصّابِي صاحِبِ الرَّسائِلِ: هم قَرِيبٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، يَقُولُونَ بِتَدْبِيرِ الكَواكِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهم، لَيْسُوا بِيَهُودَ ولا نَصارى. قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْمٌ يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِالجَزِيرَةِ والمُوصِلِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عَنْهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، لا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ذَبائِحُهم كَذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، ويُخالِفُونَهم في بَقِيَّةِ أفْعالِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ والحَكَمُ: قَوْمٌ كالمَجُوسِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ، وأنَّها فَعّالَةٌ.
وأفْتى أبُو سَعِيدٍ الإصْطَخَرِيُّ القادِرَ بِاللَّهِ حِينَ سَألَهُ عَنْهم بِكُفْرِهِمْ. وقِيلَ: قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ثُمَّ لَهم قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ، إلّا أنَّهُ أمَرَ بِتَعْظِيمِ الكَواكِبِ واتِّخاذِها قِبْلَةً لِلصَّلاةِ والتَّعْظِيمِ والدُّعاءِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ، ثُمَّ إنَّ الكَواكِبَ هي المُدَبِّرَةُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، فَيَجِبُ عَلى البَشَرِ تَعْظِيمُها لِأنَّها هي الآلِهَةُ المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، ثُمَّ إنَّها تَعْبُدُ اللَّهَ، وهَذا المَذْهَبُ هو المَنسُوبُ لِلَّذِينِ جاءَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ.
الأجْرُ: مَصْدَرُ أجَرَ يَأْجُرُ، ويُطْلَقُ عَلى المَأْجُورِ بِهِ، وهو الثَّوابُ. والأُجُورُ: جَبْرُ كَسْرٍ مُعْوَجٍّ، والإجّارُ: السَّطْحُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَبْدُو هَوادِيها مِنَ الغُبارِ كالجَيْشِ ∗∗∗ الصَّفِّ عَلى الإجّارِ
الرَّفْعُ: مَعْرُوفٌ، وهو أعْلى الشَّيْءِ، والفِعْلُ مِنهُ رَفَعَ يَرْفَعُ. الطُّورُ: اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. أوِ الجَبَلُ المُنْبِتُ دُونَ غَيْرِ المُنْبِتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، أوِ الجَبَلُ الَّذِي ناجى اللَّهَ عَلَيْهِ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ العَجّاجُ:
دانِي جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ تَقَضّى البازِيُّ إذا البازِيُّ كَسَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎وإنْ تَرَ سَلْمى الجِنُّ يَسْتَأْنِسُوا بِها ∗∗∗ وإنْ يَرَ سَلْمى صاحِبُ الطُّورِ يَنْزِلِ
وأصْلُهُ النّاحِيَةُ، ومِنهُ طَوارُ الدّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو جِنْسُ الجَبَلِ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
القُوَّةُ: الشِّدَّةُ، وهي مَصْدَرُ قَوِيَ يَقْوى، وطَيِّئٌ تَقُولُ: قَوى، يَفْتَحُونَ العَيْنَ والياءُ مَفْتُوحَةٌ فَتَنْقَلِبُ ألِفًا، يَقُولُونَ في بَقِيَ: بَقى، وفي زَهِيَ: زَها، وقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ. قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ:(p-٢٤٠)
؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانُ عَيْنِهِ ∗∗∗ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الدَّمْعِ مُتْأفِ
وهَذِهِ المادَّةُ قَلِيلَةٌ، وهي أنْ تَكُونَ العَيْنُ واللّامُ واوَيْنِ. التَّوَلِّي: الإعْراضُ بَعْدَ الإقْبالِ. لَوْلا: لِلتَّحْضِيضِ بِمَنزِلَةِ هَلّا، فَيَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وحَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ فَيَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَجِيءُ بَعْدَها اسْمٌ مَرْفُوعٌ بِها عِنْدَ الفَرّاءِ، وبِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وبِالِابْتِداءِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْناهُ في (مَنهَجِ السّالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا، ولَيْسَتْ جُمْلَةُ الجَوابِ الخَبَرَ، خِلافًا لِأبِي الحُسَيْنِ بْنِ الطَّراوَةِ، وإنْ وقَعَ بَعْدَها مُضْمَرٌ فَيَكُونُ ضَمِيرَ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ بَعْدَها ضَمِيرُ الجَرِّ فَتَقُولُ: لَوْلانِي ولَوْلاكَ ولَوْلاهُ، إلى آخِرِها، وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ بِلَوْلا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عِنْدَ الأخْفَشِ، اسْتُعِيرَ ضَمِيرُ الجَرِّ لِلرَّفْعِ، كَما اسْتَعارُوا ضَمِيرَ الرَّفْعِ لِلْجَرِّ في قَوْلِهِمْ: ما أنا كانَتْ، ولا أنْتَ كانا. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ.
* *
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ (لَوْلا) نافِيَةٌ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨]، فَبَعِيدٌ قَوْلُهُ عَنِ الصَّوابِ.
السَّبْتَ: اسْمٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْتِ الَّذِي هو القَطْعُ، أوْ مِنَ السُّباتِ، وهو الدَّعَةُ والرّاحَةُ، وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: هَذا خَطَأٌ، لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ سَبَتَ بِمَعْنى اسْتَراحَ. والسَّبْتُ: الحَلْقُ والسَّيْرُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِمُقْوَرَّةِ الألْياطِ أمّا نَهارُها فَسَبْتٌ وأمّا لَيْلُها فَذَمِيلُ
والسَّبْتُ: النَّعْلُ؛ لِأنَّهُ يُقْطَعُ كالطَّحْنِ والرَّعْيِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ لِأنَّهُ قِطْعَةُ زَمانٍ، قالَ لَبِيدُ:
؎وغَنَيْتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ ∗∗∗ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
القِرْدُ: مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ فِعْلُ الِاسْمِ قِياسًا عَلى فُعُولٍ نَحْوَ قِرْدٍ وقُرُودٍ، وجِسْمٍ وجُسُومٍ، وقَلِيلًا عَلى فِعَلَةٍ نَحْوَ قِرْدٍ وقِرَدَةٍ، وحِسْلٍ وحِسَلَةٍ. الخَسْءُ: الصَّغارُ والطَّرْدُ، والفِعْلُ خَسَأ، ويَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ خُسُوًّا: ذَلَّ وبُعِدَ، وخَسَأْتُهُ: طَرَدْتُهُ وأبْعَدْتُهُ، خَسَأ: كَرَجَعَ رُجُوعًا، ورَجَعْتُهُ رَجْعًا.
النَّكالُ: العِبْرَةُ، وأصْلُهُ المَنعُ، والنَّكْلُ: القَيْدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: النَّكالُ: العُقُوبَةُ، اليَدُ: عُضْوٌ مَعْرُوفٌ أصْلُهُ يَدَيَّ، وقَدْ صُرِّحَ بِهَذا الأصْلِ، وقَدْ أبْدَلُوا ياءَهُ هَمْزَةً قالُوا: قَطَعَ اللَّهُ أدَيْهِ: يُرِيدُونَ يَدَيْهِ، وجُمِعَتْ عَلى أفْعِلٍ، قالُوا: أيْدٍ، أصْلُهُ: أيْدِي، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ لِلنِّعْمَةِ والإحْسانِ. وأمّا الأيادِي فَهو في الحَقِيقَةِ جَمْعُ جَمْعٍ، واسْتِعْمالُهُ في النِّعْمَةِ أكْثَرُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ لِلْجارِحَةِ، كَما أنَّ اسْتِعْمالَ الأيْدِي في الجارِحَةِ أكْثَرُ مِنهُ في النِّعْمَةِ.
خَلْفَ: ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٍ، وهو مُتَوَسِّطُ التَّصَرُّفِ، ويَكُونُ أيْضًا وصْفًا، يُقالُ: رَجُلٌ خَلْفٌ: بِمَعْنى رَدِيءٍ، وسَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا: أيْ نُطْقًا رَدِيئًا. مَوْعِظَةٌ: مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْظِ، والوَعْظُ: الإذْكارُ بِالخَيْرِ بِما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، وكَسْرُ عَيْنِ الكَلِمَةِ فِيما كانَ عَلى هَذا الوَزْنِ وعَلى مُفْعِلٍ هو القِياسُ، وقَدْ شَذَّ: مُوءَلَةٌ وكَلِمٌ ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ جاءَتْ مَفْتُوحَةَ العَيْنِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ، وذَلِكَ أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَّصارى، فَقالَ لَهُ أحَدُهم: إنْ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقْتَهُ فَآمِن بِهِ. ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ، ﷺ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهم وسَألَهُ عَنْهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، حَكى هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرِيُّ والبَيْهَقِيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَدَّرَ اللَّهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَدَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
ورُدَّتِ الشَّرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، وهي فِيمَن ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ بِالنَّبِيِّ، ﷺ، ورَوى الواحِدِيُّ، بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ (p-٢٤١)إلى مُجاهِدٍ، قالَ: لَمّا قَصَّ سَلْمانُ عَلى النَّبِيِّ، ﷺ، قِصَّةَ أصْحابِهِ، وقالَ لَهُ: هم في النّارِ. قالَ سَلْمانُ: فَأظْلَمَتْ عَلَيَّ الأرْضُ، فَنَزَلَتْ إلى (يَحْزَنُونَ)، قالَ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الكَفَرَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ، أخْبَرَ بِما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ، دالًّا عَلى أنَّهُ يَجْزِي كُلًّا بِفِعْلِهِ، والَّذِينَ آمَنُوا مُنافِقُو هَذِهِ الأُمَّةِ، أيْ آمَنُوا ظاهِرًا، ولِهَذا قَرَنَهم بِمَن ذُكِرَ بَعْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ مَن آمَنَ ظاهِرًا وباطِنًا، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. أوِ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ.
ومَن آمَنَ: مَعْناهُ مَن داوَمَ عَلى إيمانِهِ، وفي سائِرِ الفِرَقِ: مَن دَخَلَ فِيهِ، أوِ الحَنِيفِيُّونَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقِ الرَّسُولَ: كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَيْسِ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، ومَن لَحِقَهُ: كَأبِي ذَرٍّ، وسَلْمانَ، وبَحِيرى. ووَفْدِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ كانُوا يَنْتَظِرُونَ المَبْعَثَ، فَمِنهم مَن أدْرَكَ وتابَعَ، ومِنهم مَن لَمْ يُدْرِكْهُ، والَّذِينَ هادُوا كَذَلِكَ، مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والنَّصارى كَذَلِكَ، والصّابِئِينَ كَذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ أصْحابُ سَلْمانَ، وقَدْ سَبَقَ حَدِيثُهم، أوِ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المُؤْمِنُونَ بِمُوسى وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ إلى أنْ جاءَ عِيسى فَآمَنُوا بِهِ وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ، إلى أنْ جاءَ مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، أوْ مُؤْمِنُو الأُمَمِ الخالِيَةِ، أوِ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن سائِرِ الأُمَمِ. فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ في المَعْنِيِّ بِالَّذِينِ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا وهُمُ اليَهُودُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: هادُوا بِضَمِّ الدّالِّ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ بِفَتْحِها مِنَ المُهاداةِ، قِيلَ: أيْ مالَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فالقِراءَةُ الأُولى مادَّتُها هاءٌ وواوٌ ودالٌ، أوْ هاءٌ وياءٌ ودالٌ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مادَّتُها هاءٌ ودالٌ وياءٌ، ويَكُونُ فاعَلَ مِنَ الهِدايَةِ، وجاءَ فِيهِ فاعَلَ مُوافِقَةً فَعَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ هَدُوا، أيْ هَدُوا أنْفُسَهم نَحْوَ: جاوَزْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى جُزْتُهُ.
(والنَّصارى): الألِفُ لِلتَّأْنِيثِ، ولِذَلِكَ مُنِعَ الصَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ١٤]، وهَذا البِناءُ، أعْنِي فَعالى، جاءَ مَقْصُورًا جَمْعًا، وجاءَ مَمْدُودًا مُفْرَدًا، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ أيْضًا نَحْوَ بُراكاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والصّابِئِينَ مَهْمُوزًا، وكَذا والصّابِئُونَ، وتَقَدَّمَ مَعْنى صَبَأ المَهْمُوزِ. وقَرَأ نافِعٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أظْهَرُهُما أنْ يَكُونَ مِن صَبَأ: بِمَعْنى مالَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي
والوَجْهُ الآخَرُ يَكُونُ أصْلُهُ الهَمْزُ، فَسُهِّلَ بِقَلْبِ الهَمْزِ ألِفًا في الفِعْلِ وياءً في الِاسْمِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدِيَ في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لَيْسَ بِهادٍ شَرُّهم أبَدا
وقالَ الآخَرُ:
؎وكُنْتُ أذَلَّ مِن وتَدٍ بِقاعٍ ∗∗∗ يُشَجَّجُ رَأْسُهُ بِالفَهْرِواجِ
وقالَ آخَرُ:
؎فارْعِي فَزارَةَ لا هَناكِ المَرْتَعُ
إلّا أنَّ قَلْبَ الهَمْزَةِ ألِفًا يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. وأمّا قَلْبُ الهَمْزَةِ ياءً فَبابُهُ الشِّعْرُ، فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرَ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَسائِلَ مِن أحْكامِ اليَهُودِ والنَّصارى.
(والصّابِئِينَ): لا يَدُلُّ عَلَيْها لَفْظُ القُرْآنِ هُنا، فَلَمْ يَذْكُرْها، ومَوْضِعُها كُتُبُ الفِقْهِ.
﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، مَن: مُبْتَدِأةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، فالخَبَرُ الفِعْلُ بَعْدَها، وإذا كانَتْ مَوْصُولَةً، فالخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ المَوْصُولَ قَدِ اسْتَوْفى شُرُوطَ جَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها. واتَّفَقَ المُعْرِبُونَ والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ إذا كانَ (مَن) مُبْتَدَأً، وأنَّ الرّابِطَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن آمَنَ مِنهم، ولا يَتِمُّ ما قالُوهُ إلّا عَلى تَغايُرِ الإيمانَيْنِ، أعْنِي: الَّذِي هو صِلَةُ الَّذِينَ، والَّذِي هو صِلَةُ مَن، إمّا في التَّعْلِيقِ، أوْ في الزَّمانِ، أوْ في الإنْشاءِ والِاسْتِدامَةِ. وأمّا إذا لَمْ يَتَغايَرا، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ؛ (p-٢٤٢)لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَن آمَنُ مِنهم، ومَن كانُوا مُؤْمِنِينَ، يُقالُ: مَن آمَنَ مِنهم إلّا عَلى التَّغايُرِ بَيْنَ الإيمانَيْنِ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى الحَذْفِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ، والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى مَن آمَنَ مِنهم، أيْ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَلَهم أجْرُهم، وذَلِكَ لَمّا لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ (مَن آمَنَ) خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ومَن بَعْدَهم. ومَن أعْرَبَ (مَن) مُبْتَدَأً، فَإنَّما جَعَلَها شَرْطِيَّةً.
وقَدْ ذَكَرْنا جَوازَ كَوْنِها مَوْصُولَةً، وأعْرَبُوا أيْضًا (مَن) بَدَلًا، فَتَكُونُ مَنصُوبَةً مَوْصُولَةً. قالُوا: وهي بَدَلٌ مِنِ اسْمِ (إنَّ) وما بَعْدَهُ، ولا يَتِمُّ ذَلِكَ أيْضًا إلّا عَلى تَقْدِيرِ تَغايُرِ الإيمانَيْنِ، كَما ذَكَرْنا، إذا كانَتْ مُبْتَدَأةً. والَّذِي نَخْتارُهُ أنَّها بَدَلٌ مِنَ المَعاطِيفِ الَّتِي بَعْدَ اسْمِ إنَّ، فَيَصِحُّ إذْ ذاكَ المَعْنى، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ومَن آمَنَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَلَهم أجْرُهم. ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِدُخُولِ (إنَّ) عَلى المَوْصُولِ، وذَلِكَ جائِزٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولا مُبالاةَ بِمَن خالَفَ في ذَلِكَ. ومَن زَعَمَ أنَّ (مَن آمَنَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وحُذِفَ مِنهُ حَرْفُ العَطْفِ، التَّقْدِيرُ: ومَن آمَنَ بِاللَّهِ - فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وقَدِ انْدَرَجَ في الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانُ بِالرُّسُلِ، إذِ البَعْثُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ.
﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾: هو عامٌّ في جَمِيعِ أفْعالِ الصَّلاحِ وأقْوالِها وأداءِ الفَرائِضِ، أوِ التَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، أقْوالٌ. الثّانِي يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ حُمِلَ الصِّلَةُ أوْ فِعْلُ الشَّرْطِ والمَعْطُوفُ عَلى لَفْظِ (مَن) فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في (آمَنَ وعَمِلَ) . ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَجَمَعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وهَذانِ الحَمْلانِ لا يَتِمّانِ إلّا بِإعْرابِ (مَن) مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى إعْرابِ (مَن) بَدَلًا، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ فَقَطْ. ولِلْحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ والمَعْنى قُيُودٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: وإذا جَرى ما بَعْدَ (مَن) عَلى اللَّفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالَفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى، لَمْ يَجُزْ أنْ يُخالَفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ إذا راعَيْتَ المَعْنى أنْ تُراعِيَ اللَّفْظَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الكُوفِيِّينَ يَشْتَرِطُونَ الفَصْلَ في الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الحَمْلَيْنِ فَيَقُولُونَ: مَن يَقُومُونَ في غَيْرِ شَيْءٍ، ويَنْظُرُ في أُمُورِنا قَوْمُكَ. والبَصْرِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ، وهَذا عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ:
؎تُرْوى الأحادِيثُ عَنْ كُلِّ مُسامَحَةٍ ∗∗∗ وإنَّما لِمُعانِيها مَعانِيها
و(أجْرُهم): مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و(لَهم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وعِنْدَ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ أنَّ (أجْرَهم) مَرْفُوعٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظَرْفٌ يَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ الَّذِي هو عامِلٌ في (لَهم)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا عِنْدَ رَبِّهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا خَوْفٌ﴾، بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ولا خَوْفُ، مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في آخِرِ قِصَّةِ آدَمَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
ومُناسَبَةُ خَتْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَقَرَّ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ لا يَلْحَقُهُ حُزْنٌ عَلى ما مَضى، ولا خَوْفٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: اخْتِلافُ الطُّرُقِ مَعَ اتِّحادِ الأصْلِ لا يَمْنَعُ مِن حُسْنِ القَبُولِ، فَمَن صَدَقَ اللَّهَ تَعالى في إيمانِهِ، وآمَنَ بِما أخْبَرَ بِهِ مِن حَقِّهِ وصِفاتِهِ، فاخْتِلافُ وُقُوعِ الِاسْمِ غَيْرُ قادِحٍ في اسْتِحْقاقِ الرِّضْوانِ.
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣]: هَذا هو الإنْعامُ العاشِرُ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخَذَ مِيثاقَهم لِمَصْلَحَتِهِمْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظَةِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] . والمِيثاقُ: ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى العُقُولَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وصِدْقِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، أوِ المَأْخُوذُ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أوْ إلْزامُ النّاسِ مُتابَعَةَ الأنْبِياءِ، أوِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، أوِ العَهْدُ مِنهم (p-٢٤٣)لَيَعْمَلُنَّ بِما في التَّوْراةِ، فَلَمّا جاءَ مُوسى قَرَءُوا ما فِيها مِنَ التَّثْقِيلِ فامْتَنَعُوا مِن أخْذِها، أوْ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]، أقْوالٌ سِتَّةٌ. قالَ القَفّالُ: قالَ (مِيثاقَكم) ولَمْ يَقُلْ مَواثِيقَكم؛ لِأنَّهُ أرادَ مِيثاقَ كُلِّ واحِدٍ مِنكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، أوْ لِأنَّ ما أخَذَهُ عَلى واحِدٍ مِنهم، أخَذَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَكانَ مِيثاقًا واحِدًا، ولَوْ جَمَعَ لاحْتَمَلَ التَّغايُرَ. انْتَهى كَلامُهُ مُلَخَّصًا.
البقرة 2:63
﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: سَبَبُ رَفْعِهِ امْتِناعُهم مِن دُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أوْ مِنَ السُّجُودِ، أوْ مِن أخْذِ التَّوْراةِ والتِزامِها، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، رُوِيَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ فِيها التَّوْراةُ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها، كَما كَلَّمَكَ، فَصَعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها، فَقالُوا: لا. فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فَلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ، وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فاحْتاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، فَقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها، وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النّارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ، وسَجَدُوا عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا. فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللَّهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللَّهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ ارْتِفاعَ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كانَ مِقْدارَ قامَةِ الرَّجُلِ، ولَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى هَذا السُّجُودِ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ. والواوُ في قَوْلِهِ: (ورَفَعْنا) واوُ العَطْفِ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ مُتَقَدِّمًا، فَلَمّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الكِتابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ. وأمّا عَلى تَفْسِيرِأبِي مُسْلِمٍ: فَإنَّها واوُ الحالِ، أيْ إنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ في حالِ رَفْعِ الطُّورِ فَوْقَهم، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢]، أيْ وقَدْ كانَ في مَعْزِلٍ.
﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: وقُلْنا لَكم خُذُوا ما آتَيْناكم. وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ قَوْلٍ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ هو قَوْلٌ، والمَعْنى: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ خُذُوا ما آتَيْناكم، و(ما) مَوْصُولٌ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آتَيْناكُمُوهُ، ويَعْنِي بِهِ الكِتابَ. يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾، وقُرِئَ: ما آتَيْتُكم، وهو شِبْهُ التِفاتٍ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ إلى غَيْرِهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: (بِقُوَّةٍ) بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، أوْ بِعَمَلٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوْ بِصِدْقٍ وحَقٍّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ أوْ بِقَبُولٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوْ بِطاعَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ؛ أوْ بِنِيَّةٍ وإخْلاصٍ، أوْ بِكَثْرَةِ دَرْسٍ ودِرايَةٍ؛ أوْ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ ورَغْبَةٍ وعَمَلٍ؛ أوْ بِقُدْرَةٍ. والقُوَّةُ: القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةُ المَعْنى. والباءُ لِلْحالِ أوْ الِاسْتِعانَةِ.
﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهِ أمْرًا مِن ذَكَرَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (واذَّكَّرُوا ما فِيهِ) أمْرًا مِنِ اذَّكَّرَ، وأصْلُهُ: واذْتَكَّرُوا، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ التّاءِ دالٌ، ثُمَّ أُدْغِمَ الذّالُ في الدّالِ، إذْ أكْثَرُ الإدْغامِ يَسْتَحِيلُ فِيهِ الأوَّلُ إلى الثّانِي، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَسْتَحِيلَ الثّانِي إلى الأوَّلِ، ويُدْغَمُ فِيهِ الأوَّلُ فَيُقالُ: اذَّكَّرَ، ويَجُوزُ الإظْهارُ فَتَقُولُ: اذْذَكَّرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَذَكَّرُوا، عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ انْجَزَمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ الَّذِي هو خُذُوا. فَعَلى القِراءَتَيْنِ قِيلَ: هَذا يَكُونُ أمْرًا بِالإذْكارِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الذِّكْرُ مُتَرَتِّبًا عَلى حُصُولِ الأخْذِ بِقُوَّةٍ، أيْ إنْ تَأْخُذُوا بِقُوَّةٍ تَذْكُرُوا ما فِيهِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: وتَذَكَّرُوا أمْرًا مِنَ التَّذَكُّرِ، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ هي قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، ووَهِمَ الَّذِي نَقَلْناهُ مِن كِتابِهِ (تَذَكَّرُوا) في إسْقاطِ الواوِ، والَّذِي فِيهِ هو ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ احْفَظُوا ما فِيهِ ولا تَنْسُوهُ وادْرُسُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ أوْ ما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ وصِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوِ اتَّعِظُوا بِهِ لِتَنْجُوا مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا والعَذابِ في العُقْبى. والذِّكْرُ: قَدْ يَكُونُ بِاللِّسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ عَلى ما سَبَقَ، وقَدْ يَكُونُ (p-٢٤٤)بِهِما. فَبِاللِّسانِ مَعْناهُ: ادْرُسُوا، وبِالقَلْبِ مَعْناهُ: تَدَبَّرُوا، وبِهِما مَعْناهُ: ادْرُسُوا ألْفاظَهُ وتَدَبَّرُوا مَعانِيَهُ. أوْ أُرِيدَ بِالذِّكْرِ ثَمَرَتُهُ، وهو العَمَلُ، فَمَعْناهُ: اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ. والضَّمِيرُ في (فِيهِ) يَعُودُ عَلى (ما) . وقالَ في المُنْتَخَبِ: لا يُحْمَلُ عَلى نَفْسِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ الَّذِي هو ضِدُّ النِّسْيانِ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَجُوزُ الأمْرُ بِهِ ؟ انْتَهى.
﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]: أيْ رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ التَّقْوى بِذِكْرِ ما فِيهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لَعَلَّكم تَنْزِعُونَ عَمّا أنْتُمْ فِيهِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ وفَعَلُوا مُقْتَضاهُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] . فَهَذا يَدُلُّ عَلى القَبُولِ والِالتِزامِ لِما أُمِرُوا بِهِ، وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهم قالُوا، لَما زالَ الجَبَلُ: يا مُوسى سَمِعْنا وأطَعْنا، ولَوْلا الجَبَلُ ما أطَعْناكَ. وفي بَعْضِ القَصَصِ: فَآمَنُوا كَرْهًا، وظاهِرُ هَذا الإلْجاءُ. والمُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهُمُ الإيمانَ والطّاعَةَ في قُلُوبِهِمْ وقْتَ السُّجُودِ، حَتّى كانَ إيمانُهم طَوْعًا لا كَرْهًا.
البقرة 2:64
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ والعَمَلِ بِما فِيهِ، وأصْلُ التَّوَلِّي: أنْ يَكُونَ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ، اتِّساعًا ومَجازًا. ودُخُولُ (ثُمَّ) مُشْعِرٌ بِالمُهْلَةِ، و(مَن) تُشْعِرُ بِابْتِداءِ الغايَةِ. لَكِنْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَأخَذْتُمْ ما آتَيْناكم، وذَكَرْتُمْ ما فِيهِ، وعَمِلْتُمْ بِمُقْتَضاهُ. فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ مَجازٍ في مَدْلُولِ (مَن) وأنَّهُ لِسُرْعَةِ التَّوَلِّي مِنهم واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ ما أُمِرُوا بِهِ وبَيْنَ التَّوَلِّي شَيْءٌ. وقَدْ عُلِمَ أنَّهم بَعْدَما قَبِلُوا التَّوْراةَ، تَوَلَّوْا عَنْها بِأُمُورٍ، فَحَرَّفُوها، وتَرَكُوا العَمَلَ بِها، وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وكَفَرُوا بِاللَّهِ، وعَصَوْا أمْرَهُ، ومِن ذَلِكَ ما اخْتُصَّ بِهِ بَعْضُهم، وما عَمِلَهُ أوائِلُهم، وما عَمِلَهُ أواخِرُهم، ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ، مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ، يُخالِفُونَ مُوسى، ويُظاهِرُونَ بِالمَعاصِي في عَسْكَرِهِمْ، حَتّى خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ، وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهم، وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يَقْرَأُونَ بِها، ثُمَّ فَعَلَ ساحِرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ، حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، والقُرْآنُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أسْلافِهِمْ. فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدُ، ﷺ، وحالُهم في كِتابِهِ ما ذَكَرَ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] إلى قَبُولِ ما أُوتُوهُ، أوْ إلى أخْذِ المِيثاقِ والوَفاءِ بِهِ، ورَفْعِ الجَبَلِ، أوْ خُرُوجِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ، أوِ الإيمانِ. أقْوالٌ.
﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾، الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الفَضْلُ: قَبُولُ التَّوْبَةِ، والرَّحْمَةُ: العَفْوُ عَنِ الزَّلَّةِ، أوِ الفَضْلُ: التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ، والرَّحْمَةُ: القَبُولُ. أوِ الفَضْلُ: الرَّحْمَةُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم. أوِ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ: بَعْثَةُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وإدْراكُهم لِمُدَّتِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، إذْ صارَ هَذا عائِدًا عَلى الحاضِرِينَ. والأقْوالُ قَبْلَهُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِهِ مَن سَلَفَ؛ لِأنَّهُ جاءَ في سِياقِ قِصَّتِهِمْ. وفَضْلُ اللَّهِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: مَوْجُودٌ، وما يُشْبِهُهُ مِمّا يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ. وعَلَيْكم: مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَضْلُ)، أوْ مَعْمُولٌ لَهُ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ مَوْجُودانِ.
(لَكُنْتُمْ): جَوابُ لَوْلا، والأكْثَرُ أنَّهُ إذا كانَ مُثْبَتًا تَدْخُلُهُ اللّامُ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مُثْبَتًا إلّا بِاللّامِ، إلّا فِيما زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤]، جَوابُ لَوْلا قُدِّمَ فَإنَّهُ لا لامَ مَعَهُ. وقَدْ جاءَ في كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ لامٍ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْلا الحَياءُ ولَوْلا الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي
وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ بَعْدَ اللّامِ قَدْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْلا الأمِيرُ ولَوْلا حَقُّ طاعَتِهِ ∗∗∗ لَقَدْ شَرِبْتُ دَمًا أحْلى مِنَ العَسَلِ
(p-٢٤٥)وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ أيْضًا حَذْفُ اللّامِ وإبْقاءُ (قَدْ) نَحْوَ: لَوْلا زَيْدٌ قَدْ أكْرَمْتُكَ.
﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾: تَقَدَّمَ أنَّ الخُسْرانَ: هو النُّقْصانُ، ومَعْناهُ مِنَ الهالِكِينَ في الدُّنْيا والأُخْرى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (كانَ) هُنا بِمَعْنى: صارَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: أخَذَ سُبْحانَهُ مِيثاقَ المُكَلَّفِينَ، ولَكِنَّ قَوْمًا أجابُوهُ طَوْعًا؛ لِأنَّهُ تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ، فَوَحَّدُوهُ، وقَوْمًا أجابُوهُ كَرْهًا؛ لِأنَّهُ سَتَرَ عَلَيْهِمْ فَجَحَدُوهُ، ولا حُجَّةَ أقْوى مِن عِيانِ ما رُفِعَ فَوْقَهم مِنَ الطَّوْرِ، ولَكِنْ عَدِمُوا نُورَ البَصِيرَةِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم عِيانُ البَصَرِ. قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أيْ رَجَعْتُمْ إلى العِصْيانِ بَعْدَ مُشاهَدَتِكُمُ الإيمانَ بِالعِيانِ، ولَوْلا حُكْمُهُ بِإمْهالِهِ، وحُكْمُهُ بِإفْضالِهِ، لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ، ولَحَلَّ بِكم عَظِيمُ المُصِيبَةِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللَّطائِفِ: كانَتْ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ظُلُماتِ عِصْيانِها، تَخْبِطُ في عَشْواءَ حالِكَةَ الجِلْبابِ، وتَخْطُرُ مِن غَلَوائِها وعُلُوِّها، في حُلَّتَيْ كِبْرٍ وإعْجابٍ. فَلَمّا أُمِرُوا بِأخْذِ التَّوْراةِ، ورَأوْا ما فِيها مِن أثْقالِ التَّكالِيفِ، ثارَتْ نُفُوسُهُمُ الآبِيَةُ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَوَجَدُوهُ أثْقَلَ مِمّا كُلِّفُوهُ، فَهانَ عَلَيْهِمْ حَمْلُ التَّوْراةِ مَعَ ما فِيها مِنَ التَّكْلِيفِ والنَّصَبِ، إذْ ذاكَ أهْوَنُ مِنَ الهَلاكِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إلى اللَّهِ يُدْعى بِالبَراهِينِ مَن أبى ∗∗∗ فَإنْ لَمْ يُجِبْ نادَتْهُ بِيضُ الصَّوارِمِ
البقرة 2:65
﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ اللّامُ في لَقَدْ: هي لامُ تَوْكِيدٍ، وتُسَمّى: لامُ الِابْتِداءِ في نَحْوِ: لَزَيْدٌ قائِمٌ. ومِن أحْكامِها: أنَّ ما كانَ في حَيِّزِها لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، إلّا إذا دَخَلَتْ عَلى خَبَرِ إنَّ عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ كِتابًا في اللّاماتِ ذَكَرَها فِيهِ وأحْكامَها. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِقِسْمٍ مَحْذُوفٍ، ولَكِنَّهُ جِيءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ القِصَّةِ يُمْكِنُ أنْ يَبْهَتُوا في إنْكارِها، وذَلِكَ لَمّا نالَ في عُقْبى أُولَئِكَ المُعْتَدِينَ مِن مَسْخِهِمْ قِرَدَةً، فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَوْكِيدٍ، وأنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً. وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: عَلِمْتُمْ أحْكامَ الَّذِينَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: اعْتِداءَ الَّذِينَ، والِاعْتِداءُ كانَ عَلى ما نُقِلَ مِن أنَّ مُوسى أمَرَهُ اللَّهُ بِصَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمَرَهم بِالتَّشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْهُ وتَعَدَّوْهُ إلى يَوْمِ السَّبْتِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: أنْ دَعْهم وما اخْتارُوهُ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَكانَتْ تَأْتِي يَوْمَ السَّبْتِ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَّبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ يَظْهَرُوا لِلسَّبْتِ الآخَرِ. فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَّبْتِ، فَرَبَطَ حُوتًا بِخَزَمَةٍ، وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالسّاحِلِ. فَلَمّا ذَهَبَ السَّبْتُ، جاءَ فَأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ، فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَّبْتِ حَفِيرًا يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ، فَإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ، خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرَةِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ، ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرَةِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَّبْتِ فَأخَذَهُ. فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ. وكَثُرَ ذَلِكَ، حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَّبْتِ عَلانِيَةً وباعُوهُ في الأسْواقِ. فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ. وقَدْ رُوِيَتْ زِياداتٌ في كَيْفِيَّةِ الِاعْتِداءِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. والَّذِي يَصِحُّ في ذَلِكَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وما صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ.
(مِنكم) في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: كائِنِينَ مِنكم، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ.
(في السَّبْتِ) مُتَعَلِّقٌ بِاعْتَدَوْا، إمّا عَلى إضْمارِ (يَوْمَ) أوْ حُكْمٌ. والحامِلُ عَلى الِاعْتِداءِ قِيلَ: الشَّيْطانُ وسْوَسَ لَهم وقالَ: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ، ولَمْ تُنْهَوْا عَنْ حَبْسِها، فَأطاعُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم، ولَمْ يُعَجَّلْ لَهُ عُقُوبَةٌ، وتَشَبَّهَ بِهِ أُناسٌ مِنهم، وفَعَلُوا لِفِعْلِهِ، ظَنُّوا أنَّ السَّبْتَ قَدْ أُبِيحَ لَهم، فَتَمالَأ عَلى ذَلِكَ جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَأصابَهم ما أصابَهم. وقِيلَ: أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ مُتَأوِّلِينَ؛ لِأنَّهُ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، (p-٢٤٦)وقالُوا: إنَّما نَهانا اللَّهُ عَنْ أسْبابِ الِاكْتِسابِ الَّتِي تَشْغَلُنا عَنِ العِبادَةِ، ولَمْ يَنْهَنا عَنِ العَمَلِ اليَسِيرِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ أوْباشُهم تَجَرِّيًا وعِصْيانًا، فَعَمَّ اللَّهُ الجَمِيعَ بِالعَذابِ.
﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا﴾: أمْرٌ مِنَ الكَوْنِ ولَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم إلى ما ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لَهم؛ لِأنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ أعْيانِهِمْ قِرَدَةً، بَلِ المُرادُ مِنهُ سُرْعَةُ الكَوْنِ عَلى هَذا الوَصْفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ومَجازُهُ: أنَّهُ لَمّا أرادَ مِنهم ذَلِكَ صارُوا كَذَلِكَ. وظاهِرُ القُرْآنِ مَسْخُهم قِرَدَةً. وقِيلَ: لَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم حَتّى صارَتْ كَقُلُوبِ القِرَدَةِ، لا تَقْبَلُ وعْظًا ولا تَعِي زَجْرًا، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والقَوْلُ الأوَّلُ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يُبْقِيَ اللَّهُ لَهم فَهْمَ الإنْسانِيَّةِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِمْ قِرَدَةً. ورُوِيَ في بَعْضِ قَصَصِهِمْ: أنِ الواحِدَ مِنهم كانَ يَأْتِيهِ الشَّخْصُ مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ نَهَوْهم فَيَقُولُ لَهُ: ألَمْ أنْهَكَ ؟ فَيَقُولُ لَهُ بِرَأْسِهِ: بَلى، وتَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ في هَذا المَسْخِ شَيْءٌ مِنهم خَنازِيرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ الشَّبابَ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ صارُوا خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نُهُوا، وهَلَكَ سائِرُهم. ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ: أنَّ اللَّهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَّيْلِ، فَأصْبَحَ النّاجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ، كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَّيْلِ، فَوَجَدُوهم قِرَدَةً يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ والمَرْأةَ. وقِيلَ: إنِ النّاجِينَ قَدْ قَسَمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ تَبَرِّيًا مِنهم، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. قالَ قَتادَةُ: وصارُوا قِرَدَةً تُعاوِي، لَها أذْنابٌ، بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً.
﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾: كِلاهُما خَبَرُ كانَ، والمَعْنى: أنَّهم يَكُونُونَ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ القِرَدَةِ والخُسُوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خاسِئِينَ صِفَةً لِقِرْدَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ كُونُوا. ومَعْنى خاسِئِينَ: مُبْعَدِينَ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: خاسِرِينَ، كَأنَّهُ فَسَّرَ بِاللّازِمِ؛ لِأنَّ مَن أبْعَدَهُ اللَّهُ فَقَدْ خَسِرَ. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: عَلى أنَّ الَّذِينَ مَسَخَهُمُ اللَّهُ لَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، ولَمْ يَنْسَلُوا، بَلْ ماتُوا جَمِيعًا، وأنَّهم لَمْ يَعِيشُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، وكانَ هَذا في زَمَنِ داوُدَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وكانُوا في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ. ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قالَ لِمَن سَألَهُ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ: أهِيَ مِمّا مُسِخَ ؟ فَقالَ: ”اللَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا، وأنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ“» . واخْتارَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ أنَّهم عاشُوا، وأنَّ القِرَدَةَ المَوْجُودِينَ الآنَ مِن نَسْلِهِمْ.
البقرة 2:66
(فَجَعَلْناها): الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ أوْ عَلى الأُمَّةِ، أوْ عَلى الحالَةِ، أوْ عَلى المَسَخَةِ، أوْ عَلى الحِيتانِ، أوْ عَلى العُقُوبَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن: كُونُوا، أيْ فَجَعَلْنا كَيْنُونَتَهم قِرَدَةً خاسِئِينَ. (نَكالًا): أيْ عِبْرَةً، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ.
﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾: أيْ مِنَ القُرى، والضَّمِيرُ لِلْقَرْيَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِمَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، (وما خَلْفَها): أيِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم باقِينَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها: أيْ ما دُونَها، و(ما خَلْفَها) يَعْنِي: لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ. والضَّمِيرُ لِلْأُمَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِلْحِيتانِ الَّتِي أصابُوا، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): ما مَضى مِن خَطاياهُمُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِمَّنْ شاهَدَها، وما خَلْفَها مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْها، قالَهُ قُطْرُبٌ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلَ تِلْكَ الذُّنُوبِ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): مَن حَضَرَها مِنَ النّاجِينَ، و(ما خَلْفَها) مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَها. أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِن (p-٢٤٧)عُقُوبَةِ الآخِرَةِ، و(ما خَلْفَها) في دُنْياهم، فَيُذْكَرُونَ بِها إلى قِيامِ السّاعَةِ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): لِما حَوْلَها مِنَ القُرى، و(ما خَلْفَها): وما يَحْدُثُ بَعْدَها مِنَ القُرى الَّتِي لَمْ تَكُنْ؛ لِأنَّ مَسْخَتَهم ذُكِرَتْ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، واعْتَبَرَ بِها مَن بَلَغَتْهم مِنَ الآخَرِينَ. أوْ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ فَجَعَلْناها وما خَلْفَها مِمّا أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، نَكالًا وجَزاءً، لا لِما بَيْنَ يَدَيْها، أيْ لِما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ لِاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ. فَهَذِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. قالَ بَعْضُهم: والأقْرَبُ لِلصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: (ما بَيْنَ يَدَيْها): مَن يَأْتِي مِنَ الأُمَمِ بَعْدَها. و(ما خَلْفَها): مَن بَقِيَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ لَمْ تَنَلْهُمُ العُقُوبَةُ، ومَن قالَ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فالمُرادُ أهْلُها.
﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: خَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وقِيلَ: أرادَ نَكالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قِيلَ: المُتَّقُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. وقِيلَ: اللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الَّذِينَ نُهُوا ونَجَوْا.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مُؤْمِنِي اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ، ومُؤْمِنِي غَيْرِهِمْ في كَيْنُونَةِ الأجْرِ لَهم، وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يَراهم، وأنَّ إيمانَهم في الدُّنْيا أنْتَجَ لَهُمُ الأمْنَ في الآخِرَةِ، فَلا خَوْفٌ مِمّا يُسْتَقْبَلُ، ولا حُزْنٌ عَلى ما فاتَ إذْ مَنِ اسْتَقَرَّ لَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِنَ الكَرامَةِ، وقَدْ أدْخَلَ هَذِهِ الآيَةَ بَيْنَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُبَيِّنَ أنَّ الفَوْزَ إنَّما هو لِمَن أطاعَ. وصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَ آيَتَيْ عِقابٍ: إحْداهُما تَتَضَمَّنُ ضَرْبَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والأُخْرى تَتَضَمَّنُ ما عُوقِبُوا بِهِ مَن نَتْقِ الجَبَلِ فَوْقَهم، وأخْذِ المِيثاقِ، ثُمَّ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأعْلَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِحُسْنى عاقِبَةِ مَن آمَنَ، حَتّى مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي عُوقِبَ بِهاتَيْنِ العُقُوبَتَيْنِ، تَرْغِيبًا في الإيمانِ، وتَيْسِيرًا لِلدُّخُولِ في أشْرَفِ الأدْيانِ، وتَبْيِينًا أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَجْلِبُ إحْسانَهُ وفَضْلَهُ.
وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] التَّذْكِيرَ بِالمِيثاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ كانَ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وأنَّهُ رَفَعَ الطُّورَ فَوْقَهم لِأنْ يَتُوبُوا ويَرْجِعُوا، وأنَّهم مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ هَذا الخارِقَ العَظِيمَ تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأنَّهُ لَوْلا أنْ تَدارَكَهم بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ لَخَسِرُوا، ثُمَّ أخَذَ يُذَكِّرُهم ما هو في طَيِّ عِلْمِهِمْ مِن عُقُوبَةِ العاصِينَ، ومَآلِ اعْتِداءِ المُعْتَدِينَ، وأنَّهُ بِاسْتِمْرارِ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ في إباحَةِ ما حَظَرَهُ الرَّحْمَنُ، يُعاقِبُ بِخُرُوجِ العاصِي مِن طَوْرِ الإنْسانِيَّةِ إلى طَوْرِ القِرْدِيَّةِ، فَبَيْنا هو يَفْرَحُ بِجَعْلِهِ مِن ذَوِي الألْبابِ، ويَمْرَحُ مُلْتَذًّا بِدَلالِ الخِطابِ، نُسِخَ اسْمُهُ مِن دِيوانِ الكَمالِ، ونُسِخَ شَكْلُهُ إلى أقْبَحِ مِثالٍ، هَذا مَعَ أعَدَّ لَهُ في الآخِرَةِ مِنَ النَّكالِ، والعُقُوباتُ عَلى الجَرائِمِ جارِيَةٌ عَلى المِقْدارِ، ناشِئَةٌ عَنْ إرادَةِ المَلِكِ القَهّارِ، لَيْسَتْ مِمّا تُدْرَكُ بِالقِياسِ، فَيَخُوضُ في تَعْيِينِها ألْبابُ النّاسِ، ومِثْلُ هَذِهِ العُقُوبَةِ تَكُونُ تَنْبِيهًا لِلْغافِلِ، عِظَةً لِلْعاقِلِ.
البقرة 2:67
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] (p-٢٤٨)البَقَرَةُ: الأُنْثى مِن هَذا الحَيَوانِ المَعْرُوفِ، وقَدْ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ. والباقِرُ والبَقِيرُ والبَيْقُورُ والباقُورُ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَتْ بَقَرَةً لِأنَّها تَبْقُرُ الأرْضَ، أيْ تَشُقُّها لِلْحَرْثِ، ومِنهُ سُمِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الباقِرُ. وكانَ هو وأخُوهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنَ العُلَماءِ الفُصَحاءِ. العِياذُ والمَعاذُ: الِاعْتِصامُ. الفِعْلُ مِنهُ: عاذَ يَعُوذُ. الجَهْلُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ: جَهِلَ يَجْهَلُ، قِيلَ: وقَدْ جُمِعَ عَلى أجِهالٍ، وهو شاذٌّ.
قالَ الشَّنْفَرى:
؎ولا تَزْدَهِي الأجْهالُ حِلْمِي ولا أرى سَؤُولًا بِأطْرافِ الأقاوِيلِ
أنْمُلُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ جاهِلٍ، كَأصْحابٍ جَمْعِ صاحِبٍ. الفارِضُ: المُسِنُّ الَّتِي انْقَطَعَتْ وِلادَتُها مِنَ الكِبَرِ. يُقالُ: فَرَضَتْ وفَرُضَتْ تَفْرِضُ، بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي وضَمِّها، والمَصْدَرُ فَرُوضٌ، والفَرْضُ: القَطْعُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كُمَيْتٍ بَهِيمِ اللَّوْنِ لَيْسَ بِفارِضٍ ∗∗∗ ولا بِعَوانٍ ذاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ
ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدُمَ وطالَ أمْرُهُ: فارِضٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٍ ∗∗∗ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ
وكَأنَّ المُسِنَّ سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها، أيْ قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها، قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎لَعَمْرِي لَقَدْ أعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فارِضًا ∗∗∗ تُساقُ إلَيْهِ ما تَقُومُ عَلى رِجْلِ
؎ولَمْ تُعْطِهِ بِكْرًا فَيَرْضى سَمِينَهُ ∗∗∗ فَكَيْفَ تُجازى بِالمَوَدَّةِ والفَضْلِ
البِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِّغَرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا. والبِكْرُ مِنَ النِّساءِ: الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرَّجُلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الَّتِي لَمْ تَحْمَلْ. والبِكْرُ مِنَ الأوْلادِ: الأوَّلُ، ومِنَ الحاجاتِ: الأُولى.
قالَ الرّاجِزُ:
؎يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويا خِلْبَ الكَبِدِ ∗∗∗ أصْبَحْتَ مِنِّي كَذِراعٍ مِن عَضُدِ
والبَكْرُ، بِفَتْحِ الباءِ: الفَتى مِنَ الإبِلِ، والأُنْثى: بَكْرَةٌ، وأصْلُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، ومِنهُ البَكْرَةُ والباكُورَةُ. والعَوانُ: النِّصْفُ، وهي الَّتِي ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، وقِيلَ: الَّتِي ولَدَتْ مَرَّةً. وقالَتِ العَرَبُ: العَوانُ لا تَعْلَمُ الخِمْرَةَ، ويُقالُ: عَوَنَتِ المَرْأةُ، وحَرْبٌ عَوانٌ، وهي الَّتِي قُوتِلَ فِيها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وجُمِعَ عَلى فُعُلٍ: قالُوا عُوُنٌ، وهو القِياسُ في المُعْتَلِّ مِن فَعَألٍ، ويَجُوزُ ضَمُّ عَيْنِ الكَلِمَةِ في الشِّعْرِ، مِنهُ:
؎وفِي الأكُفِّ اللّامِعاتِ سُوُرٌ
بَيْنَ: ظَرْفُ مَكانٍ مُتَوَسِّطُ التَّصَرُّفِ، تَقُولُ: هو بَعِيدٌ بَيْنَ المَنكِبَيْنِ، ونَقِيٌّ بَيْنَ الحاجِبَيْنِ. قالَ تَعالى: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، ودُخُولُها إذا كانَتْ ظَرْفًا بَيْنَ ما تُمْكِنُ البَيْنِيَّةُ فِيهِ، والمالُ بَيْنَ زَيْدٍ وبَيْنَ عَمْرٍو، ومَسْمُوعٌ مِن كَلامِهِمْ، ويَنْتَقِلُ مِنَ المَكانِيَّةِ إلى الزَّمانِيَّةِ إذا لَحِقَتْها ما، أوِ الألِفُ، فَيَزُولُ عَنْها الِاخْتِصاصُ بِالأسْماءِ، فَيَلِيها إذْ ذاكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ والفِعْلِيَّةُ، ورُبَّما أُضِيفَتْ بَيْنا إلى المَصْدَرِ. ولِـ (بَيْنَ) في عِلْمِ الكُوفِيِّينَ بابٌ مَعْقُودٌ كَبِيرٌ. اللَّوْنُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ عَلى القِياسِ ألْوانٌ. واللَّوْنُ: النَّوْعُ، ومِنهُ ألْوانُ الطَّعامِ: أنْواعُهُ. وقالُوا: فُلانٌ مُتَلَوِّنٌ: إذا كانَ لا يَثْبُتُ عَلى خُلُقٍ واحِدٍ وحالٍ واحِدٍ، ومِنهُ: يَتَلَوَّنُ تَلَوُّنَ الحِرْباءِ، وذَلِكَ أنَّ الحِرْباءَ، لِصَفاءِ جِسْمِها، أيُّ لَوْنٍ قابَلَتْهُ ظَهَرَ عَلَيْها، فَتَنْقَلِبُ مِن لَوْنٍ إلى لَوْنٍ. الصُّفْرَةُ: لَوْنٌ مَعْرُوفٌ، وقِياسُ الفِعْلِ مِن هَذا المَصْدَرِ: صَفِرَ، فَهو أصْفَرُ، وهي صَفْراءُ، كَقَوْلِهِمْ: شَهُبَ: فَهو أشْهَبُ، وهي شَهْباءُ. الفُقُوعُ: أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الصُّفْرَةِ وأبْلَغُهُ، يُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ ووارِسٌ، وأسْوَدُ حالِكٌ وحايِكٌ، وأبْيَضُ نَقُقٌ ولَمُقٌ، وأحْمَرُ قانِيُّ وزِنْجِيُّ، وأخْضَرُ ناضِرٌ ومُدْهامٌّ، وأزْرَقُ خُطْبانِيُّ (p-٢٤٩)وأرْمَكُ رادِنِيٌّ. السُّرُورُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ أوْ تَوَقُّعِهِ أوْ رُؤْيَةِ أمْرٍ مُعْجِبٍ رائِقٍ. وقالَ قَوْمٌ: السُّرُورُ والفَرَحُ والحُبُورُ والجَذَلُ نَظائِرُ، ونَقِيضُ السُّرُورِ: الغَمُّ. الذَّلُولُ: الرَّيِّضُ الَّذِي زالَتْ صُعُوبَتُهُ، يُقالُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، بِكَسْرِ الذّالِ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ، بِضَمِّ الذّالِ، والفِعْلُ: ذَلَّ يَذِلُّ. الإثارَةُ: الِاسْتِخْراجُ والقَلْقَلَةُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎يُهِيلُ ويُذْرِي تُرْبَها ويُثِيرُهُ ∗∗∗ إثارَةَ نَبّاشِ الهَواجِرِ مُخْمِسِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎يُثِرْنَ الحَصى حَتّى يُباشِرْنَ تُرْبَهُ ∗∗∗ إذا الشَّمْسُ مَجَّتْ رِيقَها بِالكَلاكِلِ
الحَرْثُ: مَصْدَرُ حَرَثَ يَحْرُثُ، وهو شَقُّ الأرْضِ لِيُبْذَرَ فِيها الحَبُّ، ويُطْلَقُ عَلى ما حُرِثَ وزُرِعَ، وهو مَجازٌ في: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . والحَرْثُ: الزَّرْعُ، والحَرْثُ: الكَسْبُ، والحَرائِثُ: الإبِلُ، الواحِدَةُ حَرِيثَةٌ. وفي الحَدِيثِ أصْدَقُ الأسْماءِ الحارِثُ؛ لِأنَّ الحارِثَ هو الكاسِبُ، واحْتِراثُ المالِ: اكْتِسابُهُ. المُسَلَّمَةُ المُخَلَّصَةُ المُبَرَّأةُ مِنَ العُيُوبِ، سَلَّمَ لَهُ كَذا: أيْ خَلَّصَ، سَلامًا وسَلامَةً مِثْلُ: اللَّذاذُ واللَّذاذَةُ. الشِّيَةُ: مَصْدَرُ وشى الثَّوْبَ، يَشِيَهُ وشْيًا وشِيَةً: حَسَّنَهُ وزَيَّنَهُ بِخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةِ الألْوانِ، ومِنهُ قِيلَ لِلسّاعِي في الإفْسادِ بَيْنَ النّاسِ: واشٍ؛ لِأنَّهُ يُحَسِّنُ كَذِبَهُ عِنْدَهم حَتّى يُقْبَلَ، والشِّيَةُ: اللُّمْعَةُ المُخالِفَةُ لِلَّوْنِ، ومِنهُ ثَوْرٌ مَوْشِيِّ القَوائِمِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن وحْشِ وجْرَةَ مَوْشِيٍّ أكارِعُهُ ∗∗∗ طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرَدِ
الآنَ: ظَرْفُ زَمانٍ، حَضَرَ جَمِيعُهُ أوْ بَعْضُهُ، والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْحُضُورِ. وقِيلَ: زائِدَةٌ، وهو مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإشارَةِ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفِعْلِ، يُقالُ: آنَ يَئِينُ أيْنًا: أيْ حانَ. الدَّرْءُ: الدَّفْعُ، ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَنَكَّبَ عَنْهُمُ دَرْءَ الأعادِي
وادّارَأ: تَفاعُلٌ مِنهُ، ولِمَصْدَرِهِ حُكْمٌ يُخالِفُ مَصادِرَ الأفْعالِ الَّتِي أوَّلُها هَمْزَةُ وصْلٍ ذُكِرَ في النَّحْوِ. القَساوَةُ: غِلَظُ القَلْبِ وصَلابَتُهُ. يُقالُ: قَسا يَقْسُو قَسْوًا وقَسْوَةً وقَساوَةً، وقَسا وجَسا وعَسا مُتَقارِبَةٌ. الشَّقُّ، أنْ يَجْعَلَ الشَّيْءَ شِقَّيْنِ، وتَشَقَّقَ مِنهُ. الخَشْيَةُ: الخَوْفُ مَعَ تَعَظُّمِ المَخْشِيِّ. يُقالُ: خَشِيَ يَخْشى. الغَفْلَةُ والسَّهْوُ والنِّسْيانُ مُتَقارِبَةٌ. يُقالُ مِنهُ: غَفَلَ يَغْفُلُ، ومَكانٌ غُفْلٌ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ.
* *
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ. وُجِدَ قَتِيلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ اسْمُهُ عامِيلُ، ولَمْ يَدْرُوا قاتِلَهُ، واخْتَلَفُوا فِيهِ وفي سَبَبِ قَتْلِهِ. فَقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: كانَ القاتِلُ ابْنَ عَمِّ المَقْتُولِ، وكانَ مِسْكِينًا، والمَقْتُولُ كَثِيرَ المالِ. وقِيلَ: كانَ أخاهُ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، ولا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ عُمْرُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ. وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: كانَ تَحْتَ عامِيلَ بِنْتُ عَمٍّ لا مِثْلَ لَها في بَنِي إسْرائِيلَ في الحُسْنِ والجَمالِ، فَقَتَلَهُ لِيَنْكِحَها. وطَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الحِكايَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كُتُبِهِمْ. والَّذِي سَألَ مُوسى البَيانَ هو القاتِلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ اجْتَمَعَ القَوْمُ فَسَألُوا مُوسى، ووَجْهُ مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُخالَفَتِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لَهم في أكْثَرِ أنْبائِهِمْ، فَناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ لِما تَضَمَّنَتْ مِنَ المُراجَعَةِ والتَّعَنُّتِ والعِنادِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وقَوْلُهُ: (وإذْ قالَ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣]، وقَوْمُ مُوسى أتْباعُهُ وأشْياعُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَأْمُرُكم بِضَمِّ الرّاءِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: السُّكُونُ والِاخْتِلاسُ وإبْدالُ الهَمْزَةِ ألِفًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى بارِئِكم ويَأْمُرُكم بِصِيغَةِ المُضارِعِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الحالُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الماضِي إنْ كانَ الأمْرُ بِذَبْحِ البَقَرَةِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، أوْ بِما أخْبَرَ مُوسى، وأنْ تَذْبَحُوا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ ”يَأْمُرُ“ وهو عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ بِأنْ تَذْبَحُوا. ولِحَذْفِ الحَرْفِ هُنا مُسَوِّغانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ إذا (p-٢٥٠)كانَ المَفْعُولُ مُتَأثِّرًا بِحَرْفِ الجَرِّ أنْ يُحْذَفَ الحَرْفُ، كَما قالَ:
؎أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ
والثّانِي: كَوْنُهُ مَعَ إنَّ، وهو يَجُوزُ مَعَها حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ إذا لَمْ يُلْبِسْ. ودَلالَةُ الكَلامِ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فَأيُّ بَقَرَةٍ كانَتْ لَوْ ذَبَحُوها لَكانَ يَقَعُ الِامْتِثالُ. وقَدْ رَوى الحَسَنُ مَرْفُوعًا، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً فَذَبَحُوها لَأجْزَأتْ عَنْهم، ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“» . وإنَّما اخْتُصَّ البَقَرُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ البَقَرَ ويَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فاخْتُبِرُوا بِذَلِكَ، إذْ هَذا مِنَ الِابْتِلاءِ العَظِيمِ، وهو أنْ يُؤْمَرَ الإنْسانُ بِقَتْلِ مَن يُحِبُّهُ ويُعَظِّمُهُ، أوْ لِأنَّهُ أرادَ تَعالى أنْ يَصِلَ الخَيْرُ لِلْغُلامِ الَّذِي كانَ بارًّا بِأُمِّهِ. وقالَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: لَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الدُّنْيا، بَلْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: البَقَرُ سَيِّدُ الحَيَواناتِ الإنْسِيَّةِ.
وقَرَأ: (أتَتَّخِذُنا) ؟ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ هو لِمُوسى. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
(هُزُوًا)، قَرَأ حَمْزَةُ، وإسْماعِيلُ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ، والقَزّازُ، عَنْ عَبْدِ الوارِثِ، والمُفَضَّلُ، بِإسْكانِ الزّايِ. وقَرَأ حَفْصٌ: بِضَمِّ الزّايِ والواوِ بَدَلَ الهَمْزِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ الَّتِي قُرِئَ بِها، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، فَإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ اسْمَ المَفْعُولِ، أيْ مَهْزُوءًا كَقَوْلِهِ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وهَذا خَلْقُ اللَّهِ، أوْ يَكُونَ أُخْبِرُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أيْ أتَتَّخِذُنا نَفْسَ الهُزُءِ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِمَّنْ يَكُونُ جاهِلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَكانَ هُزُءٍ، أوْ ذَوِي هُزُءٍ، وإجابَتُهم نَبِيَّهم حِينَ أخْبَرَهم عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِأنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ دَلِيلٌ عَلى سُوءِ عَقِيدَتِهِمْ في نَبِيِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ صَحِيحٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، لَما كانَ جَوابُهم إلّا امْتِثالَ الأمْرِ، وجَوابُهم هَذا كُفْرٌ بِمُوسى. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: كانُوا مُؤْمِنِينَ مُصَدِّقِينَ، ولَكِنْ جَرى هَذا عَلى نَحْوِ ما هم عَلَيْهِ مِن غِلَظِ الطَّبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ. والعُذْرُ لَهم أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِن مُوسى تَعْيِينَ القاتِلِ فَقالَ لَهم: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا﴾، رَأوْا تَبايُنًا ما بَيْنَ السُّؤالِ والجَوابِ وبُعْدَهُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّ مُوسى داعَبَهم، وقَدْ لا يَكُونُ أخْبَرَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّ القَتِيلَ يُضْرَبُ بِبَعْضِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِمَن قَتَلَهُ، أوْ يَكُونُ أخْبَرَهم بِذَلِكَ، فَتَعَجَّبُوا مِن إحْياءِ مَيِّتٍ بِبَعْضِ مَيِّتٍ، فَظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ. وقِيلَ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تَتَّخِذَنا هُزُوًا ؟ وقِيلَ: هو اسْتِفْهامٌ حَقِيقَةً لَيْسَ فِيهِ إنْكارٌ، وهو اسْتِفْهامُ اسْتِرْشادٍ لا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وعِنادٍ.
﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لَمّا فَهِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْهم أنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهم إنَّما هي لِاعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّهُ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ وهو الَّذِي أخْبَرَ عَنْهُ، أنْ يَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ بِاللَّهِ، فَيُخْبِرَ عَنْهُ بِأمْرٍ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ تَعالى، إذِ الإخْبارُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِما لَمْ يُخْبِرْ بِهِ اللَّهُ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الجَهْلِ بِاللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: مِنَ الجاهِلِينَ فِيهِ تَصْرِيحٌ أنَّ ثَمَّ جاهِلِينَ، واسْتَعاذَ بِاللَّهِ أنْ يَكُونَ مِنهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ أنَّهم جاهِلُونَ، وكَأنَّهُ قالَ: أنْ أكُونَ مِنكم، لِأنَّهم جَوَّزُوا عَلى مَن هو مَعْصُومٌ مِنَ الكَذِبِ، وخُصُوصًا في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِالكَذِبِ. قالُوا: والجَهْلُ بَسِيطٌ، ومُرَكَّبٌ. البَسِيطُ: عامٌّ وخاصٌّ. العامُّ: عَدَمُ العِلْمِ بِشَيْءٍ مِنَ المَعْلُوماتِ، والخاصُّ: عَدَمُ العِلْمِ بِبَعْضِ المَعْلُوماتِ، والمُرَكَّبُ: أنْ يَجْهَلَ، ويَجْهَلَ أنَّهُ يَجْهَلُ. فالعامُّ والمُرَكَّبُ لا يُوصَفُ بِهِما مَن لَهُ بَعْضُ عِلْمٍ، فَضْلًا عَنْ نَبِيٍّ شُرِّفَ بِالرِّسالَةِ والتَّكْلِيمِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ. فالَّذِي اسْتَعاذَ مِنهُ مُوسى هو خاصٌّ، وهو المُفْضِي إلى أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، أوِ المُقابِلُ لِجَهْلِهِمْ. فَقالُوا: أتَتَّخِذُنا هُزُوًا لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللَّهِ، أوْ مَعْناهُ الِاسْتِهْزاءُ بِالمُؤْمِنِينَ. فَإنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، أوْ مِنَ الجاهِلِينَ (p-٢٥١)بِالجَوابِ، لا عَلى وفْقِ السُّؤالِ، إذْ ذاكَ جَهْلٌ، والأمْرُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، وأنْسُبُهُ إلى اللَّهِ، والخُرُوجُ عَنْ جَوابِ السّائِلِ المُسْتَرْشِدِ إلى الهُزُءِ فَإنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ. وهَذِهِ الوُجُوهُ السِّتَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى مُوسى. قِيلَ: وإنَّما اسْتَعاذَ مِنها بِطَرِيقِ الأدَبِ، كَما اسْتَعاذَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧]، وكَما في: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ والتَّواضُعِ لَهُ.
البقرة 2:68
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ لَمّا قالَ لَهم مُوسى: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] وعَلِمُوا أنَّ ما أخْبَرَهم بِهِ مُوسى مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ كانَ عَزِيمَةً وطَلَبًا، جازَ ما قالُوا لَهُ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا فِيهِ تَعْنِيتٌ مِنهم وقِلَّةُ طَواعِيَةٍ، إذْ لَوِ امْتَثَلُوا فَذَبَحُوا بَقَرَةً، لَكانُوا قَدْ أتَوْا بِالمَأْمُورِ، ولَكِنْ شَدَّدُوا، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما. وكَسْرُ العَيْنِ مِنِ ادْعُ لُغَةُ بَنِي عامِرٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ في ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا﴾ [البقرة: ٦١]، وجَزْمُ ”يُبَيِّنْ“ عَلى جَوابِ الأمْرِ. و”ما هي“: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: سَلْ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ ما هي، ومَفْعُولُ ”يُبَيِّنْ“: هي الجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ؛ لِأنَّ مَعْنى ”يُبَيِّنْ لَنا“ يُعْلِمُنا ما هي؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ يَلْزَمُهُ الإعْلامُ، والضَّمِيرُ في ”هي“ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ السّابِقِ ذِكْرُها، وكَأنَّهم قالُوا: ”يُبَيِّنْ لَنا ما“ البَقَرَةُ الَّتِي أمَرَنا بِذَبْحِها، ولَمْ يُرِيدُوا تَبْيِينَ ماهِيَّةِ البَقَرَةِ، وإنَّما هو سُؤالٌ عَنِ الوَصْفِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: ما صِفَتُها ؟ ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِالوَصْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ . وإنَّما سَألُوا عَلى طَرِيقِ التَّعَنُّتِ، كَما قَدَّمْناهُ، أوْ عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِها مَيِّتٌ فَيَحْيا، إذْ ذاكَ في غايَةِ الِاسْتِغْرابِ والخُرُوجِ عَنِ المَأْلُوفِ، أوْ عَلى طَرِيقِ أنَّهم ظَنُّوا قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] مِن بابِ المُجْمَلِ، فَسَألُوا تَبْيِينَ ذَلِكَ، إذْ تَبْيِينُ المُجْمَلِ واجِبٌ، أوْ عَلى رَجاءِ أنْ يَنْسَخَ عَنْهم تَكْلِيفَ الذَّبْحِ، لِثِقَلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْلَمُوا المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ أُمِرُوا بِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٩] كَيْفَ خَصُّوا لَفْظَ الرَّبِّ مُضافًا إلى مُوسى، وذَلِكَ لِما عَلِمُوا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ والمَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ. وقِيلَ: إنَّما سَألُوا مُوسى اسْتِرْشادًا لا عِنادًا، إذْ لَوْ كانَ عِنادًا لَكَفَرُوا بِهِ وعُجِّلَتْ عُقُوبَتُهم، كَما عُجِّلَتْ في قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وفي عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وفي امْتِناعِهِمْ مِن قَبُولِ التَّوْراةِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] . وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأجابَهُ.
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾: صِفَةٌ لِـ ”بَقَرَةٌ“، والصِّفَةُ إذا كانَتْ مَنفِيَّةً بِلا وجَبَ تَكْرارُها، كَما قالَ:
؎وفِتْيانُ صِدْقٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ
فَإنْ جاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ، فَبابُها الشِّعْرُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالمُجْمَلِ، فَقَدَّرَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، أيْ: لا هي فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَقَدْ أبْعَدَ؛ لِأنَّ الأصْلَ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ، والأصْلُ أنْ لا حَذْفَ.
(عَوانٌ): تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ .
(بَيْنَ ذَلِكَ): يَقْتَضِي ”بَيْنَ“ أنْ تَكُونَ تَدْخُلُ عَلى ما يُمْكِنُ التَّثْنِيَةُ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدَها إلّا اسْمُ إشارَةٍ مُفْرَدٌ، فَقِيلَ: أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى مُفْرَدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَوانٌ بَيْنَ ما ذُكِرَ، فَصُورَتُهُ صُورَةُ المُفْرَدِ، وهو في المَعْنى مُثَنًّى؛ لِأنَّ تَثْنِيَةَ اسْمِ الإشارَةِ وجَمْعَهُ لَيْسَ تَثْنِيَةً ولا جَمْعًا حَقِيقَةً، بَلْ كانَ القِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، قالُوا: وقَدْ أُجْرِىَ الضَّمِيرُ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ، قالَ رُؤْبَةُ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ كَأنَّهُ ؟ وهَلّا قُلْتَ: كَأنَّها، فَيَعُودَ عَلى الخُطُوطِ، أوْ كَأنَّهُما، فَيَعُودَ عَلى السَّوادِ والبَلَقِ ؟ فَقالَ: أرَدْتُ كانَ ذاكَ
وقالَ لَبِيدٌ:
؎إنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى ∗∗∗ وكِلا ذَلِكَ وجْهٌ وقَبَلْ
قِيلَ: أرادَ وكِلا ذَيْنِكَ، فَأطْلَقَ المُفْرَدَ وأرادَ بِهِ المُثَنّى، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ أطْلَقَ (p-٢٥٢)ذَلِكَ ويُرِيدُ بِهِ ذَيْنِكَ، وهَذا مُجْمَلٌ غَيْرُ الأوَّلِ. والَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ غَيْرُ ما ذَكَرُوا، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المَعْطُوفُ، لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وهَذا، أيْ بَيْنَ الفارِضِ والبِكْرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ
أيْ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ وباغِيهِ، فَحُذِفَ لِفَهْمِ المَعْنى. ومِنهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ والبَرْدَ. وإنَّما جُعِلَتْ عَوانًا لِأنَّهُ أكْمَلُ أحْوالِها، فالصَّغِيرَةُ ناقِصَةٌ لِتَجاوُزِها حالَتَهُ.
﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾: أيْ مِن ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولا تُكَرِّرُوا السُّؤالَ، ولا تَعَنَّتُوا في أمْرِ ما أُمِرْتُمْ بِذَبْحِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى، وهو الأظْهَرُ. حَرَّضَهم عَلى امْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ، شَفَقَةً مِنهُ. وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما تُؤْمَرُونَهُ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ تَقَدَّمَ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم، ولِتَناسُبِ أواخِرِ الآيِ، كَما قُصِدَ تَناسُبُ الإعْرابِ في أواخِرِ الأبْياتِ في قَوْلِهِ:
؎ولا بُدَّ يَوْمًا أنَّ تُرَدَّ الوَدائِعُ
إذْ آخِرُ البَيْتِ الَّذِي قَبْلَ هَذا قَوْلُهُ:
؎وما يَدْرُونَ أيْنَ المَصارِعُ
وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ: فافْعَلُوا أمْرَكم، ويَكُونَ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَأْمُورَكم، وفِيهِ بُعْدٌ.
البقرة 2:69
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ لَمّا تَعَرَّفُوا سِنَّ هَذِهِ، شَرَعُوا في تَعَرُّفِ لَوْنِها، وذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى نَقْصِ فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ اللَّهِ لَهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، وأمْرُ المُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ، النّاصِحِ لَهم، المُشْفِقِ عَلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَدِعُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ لَوْنِها، والقَوْلُ في: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وفي جَزْمِ: (يُبَيِّنْ)، وفي الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ بِها والمَحْذُوفِ بَعْدَهُ سَبَقَ نَظِيرُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِهِ.
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾: قالَ الجُمْهُورُ: هو اللَّوْنُ المَعْرُوفُ: ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالفُقُوعِ والسُّرُورِ، فَهي صَفْراءُ حَتّى القَرْنُ والظِّلْفُ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: عَنى بِهِ هُنا السَّوادَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وصَفْراءُ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةٍ ولَكِنَّ سَوْداءَ مِثْلَ الحُمَمْ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ خاصَّةً.
(فاقِعٌ): أيْ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوِ الخالِصُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، أوِ الصّافِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ.
(لَوْنُها): ذَكَرُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ بِـ ”فاقِعٌ“، و”فاقِعٌ“ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ. الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ”فاقِعٌ“ . والثّالِثُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ خَبَرٌ. وأُنِّثَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، كَما قالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. والثّانِي: أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ، إذْ هو الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: صُفْرَتُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِمْ: جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ، والوَجْهُ الإعْرابُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ إعْرابَ ”لَوْنُها“ مُبْتَدَأً، و”فاقِعٌ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، أوْ ”تَسُرُّ النّاظِرِينَ“ خَبَرَهُ فِيهِ تَأْنِيثُ الخَبَرِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، كَما قَرَّرْناهُ. وكَوْنُ ”لَوْنُها“ فاعِلًا بِـ ”فاقِعٌ“ جارٍ عَلى نَظْمِ الكَلامِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ ولا تَأْوِيلٍ، ولَمْ يُؤَنِّثْ فاقِعًا وإنْ كانَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ رَفَعَ السَّبَبِيَّ، وهو مُذَكَّرٌ فَصارَ نَحْوَ: جاءَتْنِي امْرَأةٌ حَسَنٌ أبُوها، ولا يَصِحُّ هُنا أنْ يَكُونَ تابِعًا لِـ ”صَفْراءُ“ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ المُطابَقَةَ إذْ ذاكَ لِلْمَتْبُوعِ. ألاَ تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وسَوْداءُ حالِكَةٌ، ولا يَجُوزُ سَوْداءُ حالِكٌ ؟ فَأمّا قَوْلُهُ:
؎وإنِّي لَأسْقِي الشَّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا ∗∗∗ كَأنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ فِيها يُفَتَّقُ
فَبابُهُ الشِّعْرُ، إذا كانَ وجْهُ الكَلامِ صَفْراءَ فاقِعَةً، وجاءَ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ؛ لِأنَّهُ أرادَ تَأْكِيدَ نِسْبَةِ الصُّفْرَةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها أنَّها صَفْراءُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى اللَّوْنِ أنَّهُ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، فابْتَدَأ أوَّلًا بِوَصْفِ البَقَرَةِ بِالصُّفْرَةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ اللَّوْنِ بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي صَفْراءُ، ولَوْنُها شَدِيدُ الصُّفْرَةِ. (p-٢٥٣)فَقَدِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا تَعَلُّقِ الصُّفْرَةِ لَفْظًا، إذْ تَعَلَّقَتْ أوَّلًا بِالذّاتِ، ثُمَّ ثانِيًا بِالعَرَضِ الَّذِي هو اللَّوْنُ، واخْتَلَفَ المُتَعَلِّقُ أيْضًا؛ لِأنَّ مُطْلَقَ الصُّفْرَةِ مُخالِفٌ لِشَدِيدِ الصُّفْرَةِ، ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ فَلا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى التَّوْكِيدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ، فَهَلّا قِيلَ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ ؟ وأيُّ فائِدَةٍ في ذَلِكَ اللَّوْنِ ؟ قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ التَّوْكِيدُ؛ لِأنَّ اللَّوْنَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ، وهي الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: شَدِيدُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها، فَهو مِن قَوْلِكَ: جَدَّ جِدُّهُ، وجُنُونُكَ جُنُونٌ اهـ كَلامُهُ. وقالَ وهْبٌ: إذا نَظَرْتَ إلَيْها خُيِّلَ إلَيْكَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها.
﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾: أيْ تُبْهِجُ النّاظِرِينَ إلَيْها مِن سِمَنِها ومَنظَرِها ولَوْنِها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن جَعَلَها خَبَرًا، كَقَوْلِهِ: لَوْنُها، وفِيهِ تَكَلُّفٌ قَدْ ذَكَرْناهُ. وجاءَ هَذا الوَصْفُ بِالفِعْلِ، ولَمْ يَجِئْ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ. ولَمّا كانَ لَوْنُها مِنَ الأشْياءِ الثّابِتَةِ الَّتِي لا تَتَجَدَّدُ، جاءَ الوَصْفُ بِهِ بِالِاسْمِ لا بِالفِعْلِ، وتَأخَّرَ هَذا الوَصْفُ عَنِ الوَصْفِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ الوَصْفِ قَبْلَهُ، أوْ كالنّاشِئِ؛ لِأنَّ اللَّوْنَ إذا كانَ بَهِجًا جَمِيلًا، دَهِشَتْ فِيهِ الأبْصارُ، وعَجِبَتْ مِن حُسْنِهِ البَصائِرُ، وجاءَ بِوَصْفِ الجَمْعِ في النّاظِرِينَ، لِيُوَضِّحَ أنَّ أعْيُنَ النّاسِ طامِحَةٌ إلَيْها، مُتَلَذِّذَةٌ فِيها بِالنَّظَرِ. فَلَيْسَتْ مِمّا تُعْجِبُ شَخْصًا دُونَ شَخْصٍ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الألِفَ واللّامَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ، أيْ هي بِصَدَدِ مَن نَظَرَ إلَيْها سُرَّ بِها، وإنْ كانَ النَّظَرُ هُنا مِن نَظَرِ القَلْبِ، وهو الفِكْرُ، فَيَكُونُ السُّرُورُ قَدْ حَصَلَ مِنَ التَّفَكُّرِ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ، مِن تَحْسِينِ لَوْنِها وتَكْمِيلِ خَلْقِها. والضَّمِيرُ في تَسُرُّ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، عَلى تَقْدِيرِ أنَّ تَسُرُّ صِفَةٌ، وإنْ كانَ خَبَرًا، فَهو عائِدٌ عَلى اللَّوْنِ الَّذِي تَسُرُّ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ التَّأْنِيثِ، ولِذَلِكَ مَن قَرَأ يَسُرُّ بِالياءِ، فَهو عائِدٌ عَلى اللَّوْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَوْنُها مُبْتَدَأً، ويَسُرُّ خَبَرًا، ويَكُونَ فاقِعٌ صِفَةً تابِعَةً لِـ ”صَفْراءُ“ عَلى حَدِّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أنْشَدْناهُ وهو:
؎وإنِّي لَأسْقِي الشَّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا
عَلى قِلَّةِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَوْنُها فاعِلًا بِـ ”فاقِعٌ“ ويَسُرُّ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ يُشِيرُونَ إلى أنَّ الصُّفْرَةَ مِنَ الألْوانِ السّارَّةِ، ولِهَذا كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهُهُ، يَرْغَبُ في النِّعالِ الصُّفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصُّفْرَةُ تَبْسُطُ النَّفْسَ وتُذْهِبُ الهَمَّ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا يَحُضُّ عَلى لُبْسِ النِّعالِ الصُّفْرِ. ونَهى ابْنُ الزُّبَيْرِ ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ لِباسِ النِّعالِ السُّودِ، لِأنَّها تُهِمُّ.
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيُّ في رِيِّ الظَّمْآنِ: وجْهُ الِاشْتِباهِ عَلَيْهِمْ، أنَّ كُلَّ بَقَرَةٍ لا تَصْلُحُ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ آيَةً، لِما عَلِمُوا مِن ناقَةِ صالِحٍ وما كانَ فِيها مِنَ العَجائِبِ، فَظَنُّوا أنَّ الحَيَوانَ لا يَكُونُ آيَةً إلّا إذا كانَ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لَمّا نُبِّئُوا أنَّها آيَةٌ، سَألُوا عَنْ ماهِيَّتِها وكَيْفِيَّتِها، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألُوا مُوسى عَنْ ذَلِكَ، بَلْ سَألُوهُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ لَهم عَنْ ذَلِكَ، إذِ اللَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِالآياتِ، وإنَّما سَألُوا عَنِ التَّعْيِينِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مُقْتَضاهُ الإطْلاقُ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُطْلَقِهِ لَمْ يَحْصُلِ التَّقَصِّي عَنِ الأمْرِ بِيَقِينٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا لَمْ يُمْكِنُ التَّماثُلُ مِن كُلِّ وجْهٍ، وحَصَلَ الِاشْتِباهُ ساغَ لَهُمُ السُّؤالُ، فَأُخْبِرُوا بِسِنِّها، فَوَجَدُوا مِثْلَها في السِّنِّ كَثِيرًا، فَسَألُوا عَنِ اللَّوْنِ، فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزُلِ اللَّبْسُ بِذَلِكَ، فَسَألُوا عَنِ العَمَلِ، فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، وعَنْ بَعْضِ أوْصافِها الخاصِّ بِها، فَزالَ اللَّبْسُ بِتَبْيِينِ السِّنِّ واللَّوْنِ والعَمَلِ وبَعْضِ الأوْصافِ، إذْ وُجُودُ بَقَرٍ كَثِيرٍ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ يَنْدُرُ، فَهَذا هو السَّبَبُ الَّذِي جَرَّأهم عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ.
﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾: هَذا تَعْلِيلٌ لِتَكْرارِ هَذا السُّؤالِ إلى أنَّ الحامِلَ عَلى اسْتِقْصاءِ أوْصافِ هَذِهِ البَقَرَةِ، وهو تَشابُهُها عَلَيْنا، فَإنَّهُ كَثِيرٌ مِنَ البَقَرِ يُماثِلُها في السِّنِّ واللَّوْنِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: إنَّ الباقِرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٥٤)
؎ما لِي رَأيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشًا ∗∗∗ خَلَقًا كَحَوْضِ الباقِرِ المُتَهَدِّمِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَشابَهَ، جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى وزْنِ تَفاعَلَ، مُسْنَدًا لِضَمِيرِ البَقَرِ، عَلى أنَّ البَقَرَ مُذَكَّرٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَشابَهُ، بِضَمِّ الهاءِ، جَعَلَهُ مُضارِعًا مَحْذُوفَ التّاءِ، وماضِيهِ تَشابَهَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ، عَلى أنَّ البَقَرَ مُؤَنَّثٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ الشِّينَ، جَعَلَهُ مُضارِعًا وماضِيهِ تَشابَهُ، أصْلُهُ: تَتَشابَهُ، فَأُدْغِمَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ المُعَيْطِيُّ، المَعْرُوفُ بِذِي الشّامَةِ: تُشُبِّهَ عَلَيْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ: تَشَبَّهَ، جَعَلَهُ ماضِيًا عَلى تَفَعَّلَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَشّابَهُ، بِالياءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، جَعَلَهُ مُضارِعًا مِن تَفاعَلَ، ولَكِنَّهُ أدْغَمَ التّاءَ في الشِّينِ. وقُرِئَ: مُتَشَبِّهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَشَبَّهَ. وقَرَأ بَعْضُهم: يَتَشابَهُ، مُضارِعُ تَشابَهَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: تَشابَهَتْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: مُتَشابِهٌ ومُتَشابِهَةٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: تَشّابَهَتْ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلًا ماضِيًا، وبِتاءِ التَّأْنِيثِ آخِرَهُ. فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً. وتَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ ظاهِرٌ، إلّا قِراءَةَ ابْنِ أبِي إسْحاقَ تَشّابَهَتْ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لا وجْهَ لَها. وتَبْيِينُ ما قالَهُ: إنَّ تَشْدِيدَ الشِّينِ إنَّما يَكُونُ بِإدْغامِ التّاءِ فِيهِ، والماضِي لا يَكُونُ فِيهِ تاءانِ، فَتَبْقى إحْداهُما وتُدْغَمُ الأُخْرى. ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ أصْلَهُ: اشّابَهَتْ، والتّاءُ هي تاءُ البَقَرَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَقَرَةَ اشّابَهَتْ عَلَيْنا، ويُقَوِّي ذَلِكَ لِحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ في آخِرِ الفِعْلِ، أوِ اشّابَهَتْ أصْلُهُ: تَشابَهَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الشِّينِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. فَحِينَ أدْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ القِراءَةَ، صارَ اللَّفْظُ: أنَّ البَقَرَةَ اشّابَهَتْ، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّ تاءَ البَقَرَةِ هي تاءٌ في الفِعْلِ، إذِ النُّطْقُ واحِدٌ، فَتَوَهَّمَ أنَّهُ قَرَأ: تَشّابَهَتْ، وهَذا لا يُظَنُّ بِابْنِ أبِي إسْحاقَ، فَإنَّهُ رَأْسٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ومِمَّنْ أخَذَ النَّحْوَ عَنْ أصْحابِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ مُسْتَنْبِطِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقَدْ كانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ يُزْرِي عَلى العَرَبِ وعَلى مَن يَسْتَشْهِدُ بِكَلامِهِمْ، كالفَرَزْدَقِ، إذا جاءَ في شِعْرِهِمْ ما لَيْسَ بِالمَشْهُورِ في كَلامِ العَرَبِ، فَكَيْفَ يَقْرَأُ قِراءَةً لا وجْهَ لَها، وإنَّ البَقَرَ تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، فالحامِلُ لَهم عَلى السُّؤالِ هو حُصُولُ تَشابُهِ البَقَرِ عَلَيْهِمْ.
﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾: أيْ لَمُهْتَدُونَ إلى عَيْنِ البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها، أوْ إلى ما خَفِيَ مِن أمْرِ القاتِلِ، أوْ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي مِن أجْلِها أُمِرْنا بِذَبْحِ البَقَرَةِ. وفي تَعْلِيقِ هِدايَتِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إنابَةٌ وانْقِيادٌ ودَلالَةٌ عَلى نَدَمِهِمْ عَلى تَرْكِ مُوافَقَةِ الأمْرِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «ولَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ» . وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ، أيْ إنْ شاءَ اللَّهُ اهْتَدَيْنا، وإذا حُذِفَ الجَوابُ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ ومَنفِيًّا بِلَمْ، وقِياسُ الشَّرْطِ الَّذِي حُذِفَ جَوابُهُ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ الدَّلِيلِ عَلى الجَوابِ، فَكانَ التَّرْتِيبُ أنْ يُقالَ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، أيْ: إنْ شاءَ اللَّهُ فَهو قائِمٌ، لَكِنَّهُ تَوَسَّطَ هُنا بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، لِيَحْصُلَ تَوافُقُ رُءُوسِ الآيِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعْلِيقِ الهِدايَةِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وجاءَ خَبَرُ إنَّ اسْمًا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ وعَلى أنَّ الهِدايَةَ حاصِلَةٌ لَهم، وأكَّدَ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ إنَّ واللّامِ، ولَمْ يَأْتُوا بِهَذا الشَّرْطِ إلّا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، إذْ أخْبَرُوا بِثُبُوتِ الهِدايَةِ لَهم. وأكَّدُوا تِلْكَ النِّسْبَةَ، ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا مَحْضًا لَما احْتِيجَ إلى تَأْكِيدٍ، ولَكِنَّهُ عَلى قَوْلِ القائِلِ: أنا صانِعُ كَذا إنْ شاءَ اللَّهُ، وهو مُتَلَبِّسٌ بِالصُّنْعِ، فَذَكَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ عَلى طَرِيقِ الأدَبِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: إنَّ قَوْمَ مُوسى، مَعَ غِلَظِ أفْهامِهِمْ وقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، كانُوا أعْرَفَ بِاللَّهِ وأكْمَلَ تَوْحِيدًا مِنَ المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: قَدْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَهْتَدُوا، وهم شاءُوا أنْ لا يَهْتَدُوا، فَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهم مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ كانَ الأمْرُ عَلى: ما شاءُوا لا كَما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَتَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
البقرة 2:70
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ لَمّا تَعَرَّفُوا سِنَّ هَذِهِ، شَرَعُوا في تَعَرُّفِ لَوْنِها، وذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى نَقْصِ فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ اللَّهِ لَهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، وأمْرُ المُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ، النّاصِحِ لَهم، المُشْفِقِ عَلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَدِعُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ لَوْنِها، والقَوْلُ في: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وفي جَزْمِ: (يُبَيِّنْ)، وفي الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ بِها والمَحْذُوفِ بَعْدَهُ سَبَقَ نَظِيرُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِهِ.
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾: قالَ الجُمْهُورُ: هو اللَّوْنُ المَعْرُوفُ: ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالفُقُوعِ والسُّرُورِ، فَهي صَفْراءُ حَتّى القَرْنُ والظِّلْفُ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: عَنى بِهِ هُنا السَّوادَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وصَفْراءُ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةٍ ولَكِنَّ سَوْداءَ مِثْلَ الحُمَمْ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ خاصَّةً.
(فاقِعٌ): أيْ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوِ الخالِصُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، أوِ الصّافِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ.
(لَوْنُها): ذَكَرُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ بِـ ”فاقِعٌ“، و”فاقِعٌ“ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ. الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ”فاقِعٌ“ . والثّالِثُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ خَبَرٌ. وأُنِّثَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، كَما قالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. والثّانِي: أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ، إذْ هو الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: صُفْرَتُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِمْ: جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ، والوَجْهُ الإعْرابُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ إعْرابَ ”لَوْنُها“ مُبْتَدَأً، و”فاقِعٌ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، أوْ ”تَسُرُّ النّاظِرِينَ“ خَبَرَهُ فِيهِ تَأْنِيثُ الخَبَرِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، كَما قَرَّرْناهُ. وكَوْنُ ”لَوْنُها“ فاعِلًا بِـ ”فاقِعٌ“ جارٍ عَلى نَظْمِ الكَلامِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ ولا تَأْوِيلٍ، ولَمْ يُؤَنِّثْ فاقِعًا وإنْ كانَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ رَفَعَ السَّبَبِيَّ، وهو مُذَكَّرٌ فَصارَ نَحْوَ: جاءَتْنِي امْرَأةٌ حَسَنٌ أبُوها، ولا يَصِحُّ هُنا أنْ يَكُونَ تابِعًا لِـ ”صَفْراءُ“ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ المُطابَقَةَ إذْ ذاكَ لِلْمَتْبُوعِ. ألاَ تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وسَوْداءُ حالِكَةٌ، ولا يَجُوزُ سَوْداءُ حالِكٌ ؟ فَأمّا قَوْلُهُ:
؎وإنِّي لَأسْقِي الشَّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا ∗∗∗ كَأنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ فِيها يُفَتَّقُ
فَبابُهُ الشِّعْرُ، إذا كانَ وجْهُ الكَلامِ صَفْراءَ فاقِعَةً، وجاءَ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ؛ لِأنَّهُ أرادَ تَأْكِيدَ نِسْبَةِ الصُّفْرَةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها أنَّها صَفْراءُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى اللَّوْنِ أنَّهُ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، فابْتَدَأ أوَّلًا بِوَصْفِ البَقَرَةِ بِالصُّفْرَةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ اللَّوْنِ بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي صَفْراءُ، ولَوْنُها شَدِيدُ الصُّفْرَةِ. (p-٢٥٣)فَقَدِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا تَعَلُّقِ الصُّفْرَةِ لَفْظًا، إذْ تَعَلَّقَتْ أوَّلًا بِالذّاتِ، ثُمَّ ثانِيًا بِالعَرَضِ الَّذِي هو اللَّوْنُ، واخْتَلَفَ المُتَعَلِّقُ أيْضًا؛ لِأنَّ مُطْلَقَ الصُّفْرَةِ مُخالِفٌ لِشَدِيدِ الصُّفْرَةِ، ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ فَلا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى التَّوْكِيدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ، فَهَلّا قِيلَ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ ؟ وأيُّ فائِدَةٍ في ذَلِكَ اللَّوْنِ ؟ قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ التَّوْكِيدُ؛ لِأنَّ اللَّوْنَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ، وهي الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: شَدِيدُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها، فَهو مِن قَوْلِكَ: جَدَّ جِدُّهُ، وجُنُونُكَ جُنُونٌ اهـ كَلامُهُ. وقالَ وهْبٌ: إذا نَظَرْتَ إلَيْها خُيِّلَ إلَيْكَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها.
﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾: أيْ تُبْهِجُ النّاظِرِينَ إلَيْها مِن سِمَنِها ومَنظَرِها ولَوْنِها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن جَعَلَها خَبَرًا، كَقَوْلِهِ: لَوْنُها، وفِيهِ تَكَلُّفٌ قَدْ ذَكَرْناهُ. وجاءَ هَذا الوَصْفُ بِالفِعْلِ، ولَمْ يَجِئْ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ. ولَمّا كانَ لَوْنُها مِنَ الأشْياءِ الثّابِتَةِ الَّتِي لا تَتَجَدَّدُ، جاءَ الوَصْفُ بِهِ بِالِاسْمِ لا بِالفِعْلِ، وتَأخَّرَ هَذا الوَصْفُ عَنِ الوَصْفِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ الوَصْفِ قَبْلَهُ، أوْ كالنّاشِئِ؛ لِأنَّ اللَّوْنَ إذا كانَ بَهِجًا جَمِيلًا، دَهِشَتْ فِيهِ الأبْصارُ، وعَجِبَتْ مِن حُسْنِهِ البَصائِرُ، وجاءَ بِوَصْفِ الجَمْعِ في النّاظِرِينَ، لِيُوَضِّحَ أنَّ أعْيُنَ النّاسِ طامِحَةٌ إلَيْها، مُتَلَذِّذَةٌ فِيها بِالنَّظَرِ. فَلَيْسَتْ مِمّا تُعْجِبُ شَخْصًا دُونَ شَخْصٍ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الألِفَ واللّامَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ، أيْ هي بِصَدَدِ مَن نَظَرَ إلَيْها سُرَّ بِها، وإنْ كانَ النَّظَرُ هُنا مِن نَظَرِ القَلْبِ، وهو الفِكْرُ، فَيَكُونُ السُّرُورُ قَدْ حَصَلَ مِنَ التَّفَكُّرِ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ، مِن تَحْسِينِ لَوْنِها وتَكْمِيلِ خَلْقِها. والضَّمِيرُ في تَسُرُّ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، عَلى تَقْدِيرِ أنَّ تَسُرُّ صِفَةٌ، وإنْ كانَ خَبَرًا، فَهو عائِدٌ عَلى اللَّوْنِ الَّذِي تَسُرُّ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ التَّأْنِيثِ، ولِذَلِكَ مَن قَرَأ يَسُرُّ بِالياءِ، فَهو عائِدٌ عَلى اللَّوْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَوْنُها مُبْتَدَأً، ويَسُرُّ خَبَرًا، ويَكُونَ فاقِعٌ صِفَةً تابِعَةً لِـ ”صَفْراءُ“ عَلى حَدِّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أنْشَدْناهُ وهو:
؎وإنِّي لَأسْقِي الشَّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا
عَلى قِلَّةِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَوْنُها فاعِلًا بِـ ”فاقِعٌ“ ويَسُرُّ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ يُشِيرُونَ إلى أنَّ الصُّفْرَةَ مِنَ الألْوانِ السّارَّةِ، ولِهَذا كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهُهُ، يَرْغَبُ في النِّعالِ الصُّفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصُّفْرَةُ تَبْسُطُ النَّفْسَ وتُذْهِبُ الهَمَّ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا يَحُضُّ عَلى لُبْسِ النِّعالِ الصُّفْرِ. ونَهى ابْنُ الزُّبَيْرِ ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ لِباسِ النِّعالِ السُّودِ، لِأنَّها تُهِمُّ.
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيُّ في رِيِّ الظَّمْآنِ: وجْهُ الِاشْتِباهِ عَلَيْهِمْ، أنَّ كُلَّ بَقَرَةٍ لا تَصْلُحُ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ آيَةً، لِما عَلِمُوا مِن ناقَةِ صالِحٍ وما كانَ فِيها مِنَ العَجائِبِ، فَظَنُّوا أنَّ الحَيَوانَ لا يَكُونُ آيَةً إلّا إذا كانَ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ، وذَلِكَ لَمّا نُبِّئُوا أنَّها آيَةٌ، سَألُوا عَنْ ماهِيَّتِها وكَيْفِيَّتِها، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألُوا مُوسى عَنْ ذَلِكَ، بَلْ سَألُوهُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ لَهم عَنْ ذَلِكَ، إذِ اللَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِالآياتِ، وإنَّما سَألُوا عَنِ التَّعْيِينِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ مُقْتَضاهُ الإطْلاقُ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُطْلَقِهِ لَمْ يَحْصُلِ التَّقَصِّي عَنِ الأمْرِ بِيَقِينٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا لَمْ يُمْكِنُ التَّماثُلُ مِن كُلِّ وجْهٍ، وحَصَلَ الِاشْتِباهُ ساغَ لَهُمُ السُّؤالُ، فَأُخْبِرُوا بِسِنِّها، فَوَجَدُوا مِثْلَها في السِّنِّ كَثِيرًا، فَسَألُوا عَنِ اللَّوْنِ، فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزُلِ اللَّبْسُ بِذَلِكَ، فَسَألُوا عَنِ العَمَلِ، فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، وعَنْ بَعْضِ أوْصافِها الخاصِّ بِها، فَزالَ اللَّبْسُ بِتَبْيِينِ السِّنِّ واللَّوْنِ والعَمَلِ وبَعْضِ الأوْصافِ، إذْ وُجُودُ بَقَرٍ كَثِيرٍ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ يَنْدُرُ، فَهَذا هو السَّبَبُ الَّذِي جَرَّأهم عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ.
﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾: هَذا تَعْلِيلٌ لِتَكْرارِ هَذا السُّؤالِ إلى أنَّ الحامِلَ عَلى اسْتِقْصاءِ أوْصافِ هَذِهِ البَقَرَةِ، وهو تَشابُهُها عَلَيْنا، فَإنَّهُ كَثِيرٌ مِنَ البَقَرِ يُماثِلُها في السِّنِّ واللَّوْنِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: إنَّ الباقِرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٥٤)
؎ما لِي رَأيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشًا ∗∗∗ خَلَقًا كَحَوْضِ الباقِرِ المُتَهَدِّمِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَشابَهَ، جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى وزْنِ تَفاعَلَ، مُسْنَدًا لِضَمِيرِ البَقَرِ، عَلى أنَّ البَقَرَ مُذَكَّرٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَشابَهُ، بِضَمِّ الهاءِ، جَعَلَهُ مُضارِعًا مَحْذُوفَ التّاءِ، وماضِيهِ تَشابَهَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ، عَلى أنَّ البَقَرَ مُؤَنَّثٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ الشِّينَ، جَعَلَهُ مُضارِعًا وماضِيهِ تَشابَهُ، أصْلُهُ: تَتَشابَهُ، فَأُدْغِمَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ المُعَيْطِيُّ، المَعْرُوفُ بِذِي الشّامَةِ: تُشُبِّهَ عَلَيْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ: تَشَبَّهَ، جَعَلَهُ ماضِيًا عَلى تَفَعَّلَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَشّابَهُ، بِالياءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، جَعَلَهُ مُضارِعًا مِن تَفاعَلَ، ولَكِنَّهُ أدْغَمَ التّاءَ في الشِّينِ. وقُرِئَ: مُتَشَبِّهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَشَبَّهَ. وقَرَأ بَعْضُهم: يَتَشابَهُ، مُضارِعُ تَشابَهَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: تَشابَهَتْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: مُتَشابِهٌ ومُتَشابِهَةٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: تَشّابَهَتْ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلًا ماضِيًا، وبِتاءِ التَّأْنِيثِ آخِرَهُ. فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً. وتَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ ظاهِرٌ، إلّا قِراءَةَ ابْنِ أبِي إسْحاقَ تَشّابَهَتْ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لا وجْهَ لَها. وتَبْيِينُ ما قالَهُ: إنَّ تَشْدِيدَ الشِّينِ إنَّما يَكُونُ بِإدْغامِ التّاءِ فِيهِ، والماضِي لا يَكُونُ فِيهِ تاءانِ، فَتَبْقى إحْداهُما وتُدْغَمُ الأُخْرى. ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ أصْلَهُ: اشّابَهَتْ، والتّاءُ هي تاءُ البَقَرَةِ، وأصْلُهُ أنَّ البَقَرَةَ اشّابَهَتْ عَلَيْنا، ويُقَوِّي ذَلِكَ لِحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ في آخِرِ الفِعْلِ، أوِ اشّابَهَتْ أصْلُهُ: تَشابَهَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الشِّينِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. فَحِينَ أدْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ القِراءَةَ، صارَ اللَّفْظُ: أنَّ البَقَرَةَ اشّابَهَتْ، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّ تاءَ البَقَرَةِ هي تاءٌ في الفِعْلِ، إذِ النُّطْقُ واحِدٌ، فَتَوَهَّمَ أنَّهُ قَرَأ: تَشّابَهَتْ، وهَذا لا يُظَنُّ بِابْنِ أبِي إسْحاقَ، فَإنَّهُ رَأْسٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ومِمَّنْ أخَذَ النَّحْوَ عَنْ أصْحابِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ مُسْتَنْبِطِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقَدْ كانَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ يُزْرِي عَلى العَرَبِ وعَلى مَن يَسْتَشْهِدُ بِكَلامِهِمْ، كالفَرَزْدَقِ، إذا جاءَ في شِعْرِهِمْ ما لَيْسَ بِالمَشْهُورِ في كَلامِ العَرَبِ، فَكَيْفَ يَقْرَأُ قِراءَةً لا وجْهَ لَها، وإنَّ البَقَرَ تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، فالحامِلُ لَهم عَلى السُّؤالِ هو حُصُولُ تَشابُهِ البَقَرِ عَلَيْهِمْ.
﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾: أيْ لَمُهْتَدُونَ إلى عَيْنِ البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها، أوْ إلى ما خَفِيَ مِن أمْرِ القاتِلِ، أوْ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي مِن أجْلِها أُمِرْنا بِذَبْحِ البَقَرَةِ. وفي تَعْلِيقِ هِدايَتِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إنابَةٌ وانْقِيادٌ ودَلالَةٌ عَلى نَدَمِهِمْ عَلى تَرْكِ مُوافَقَةِ الأمْرِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «ولَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ» . وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ، أيْ إنْ شاءَ اللَّهُ اهْتَدَيْنا، وإذا حُذِفَ الجَوابُ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ ومَنفِيًّا بِلَمْ، وقِياسُ الشَّرْطِ الَّذِي حُذِفَ جَوابُهُ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ الدَّلِيلِ عَلى الجَوابِ، فَكانَ التَّرْتِيبُ أنْ يُقالَ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، أيْ: إنْ شاءَ اللَّهُ فَهو قائِمٌ، لَكِنَّهُ تَوَسَّطَ هُنا بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، لِيَحْصُلَ تَوافُقُ رُءُوسِ الآيِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعْلِيقِ الهِدايَةِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وجاءَ خَبَرُ إنَّ اسْمًا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ وعَلى أنَّ الهِدايَةَ حاصِلَةٌ لَهم، وأكَّدَ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ إنَّ واللّامِ، ولَمْ يَأْتُوا بِهَذا الشَّرْطِ إلّا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، إذْ أخْبَرُوا بِثُبُوتِ الهِدايَةِ لَهم. وأكَّدُوا تِلْكَ النِّسْبَةَ، ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا مَحْضًا لَما احْتِيجَ إلى تَأْكِيدٍ، ولَكِنَّهُ عَلى قَوْلِ القائِلِ: أنا صانِعُ كَذا إنْ شاءَ اللَّهُ، وهو مُتَلَبِّسٌ بِالصُّنْعِ، فَذَكَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ عَلى طَرِيقِ الأدَبِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: إنَّ قَوْمَ مُوسى، مَعَ غِلَظِ أفْهامِهِمْ وقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، كانُوا أعْرَفَ بِاللَّهِ وأكْمَلَ تَوْحِيدًا مِنَ المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: قَدْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَهْتَدُوا، وهم شاءُوا أنْ لا يَهْتَدُوا، فَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهم مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ كانَ الأمْرُ عَلى: ما شاءُوا لا كَما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَتَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
البقرة 2:71
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ الكَلامُ عَلى هَذا كالكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ.
(p-٢٥٥)﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾، لا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ. وتُثِيرُ الأرْضَ: صِفَةٌ لِذَلُولٍ، وهي صِلَةٌ داخِلَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ فَتَذِلَّ، فَهو مِن بابِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
اللَّفْظُ نَفْيُ الذِّلِّ، والمَقْصُودُ نَفْيُ الإثارَةِ، فَيَنْتَفِي كَوْنُها ذَلُولًا ولا تَسْقِي الحَرْثَ نَفْيَ مُعادِلٍ لِقَوْلِهِ: لا ذَلُولٌ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ، والصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَما أنَّ ”لا تَسْقِي“ مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْضًا. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِالعَمَلِ، لا في حَرْثٍ، ولا في سَقْيٍ، ولِهَذا نُفِيَ عَنْها إثارَةُ الأرْضِ وسَقْيُها. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ بِالحَرْثِ، ولا يُسْنى عَلَيْها فَتُسْقِيَ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾، فِعْلٌ مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيُ الحَرْثِ. ورُدَّ هَذا القَوْلُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي كَوْنُهُ ذَلُولًا.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقَرْنِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، ويَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا ذَلُولٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا ذَلُولٌ، صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ، يَعْنِي: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْحَرْثِ وإثارَةِ الأرْضِ، ولا هي مِنَ النَّواضِحِ الَّتِي يُسْنى عَلَيْها بِسَقْيِ الحُرُوثِ. ولا الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِـ ”ذَلُولٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ووافَقَهُ عَلى جَعْلِ لا الثّانِيَةِ مَزِيدَةً صاحِبُ المُنْتَخَبِ، وما ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا ذَلُولٌ صِفَةٌ مَنفِيَّةٌ بِلا، وإذا كانَ الوَصْفُ قَدْ نُفِيَ بِلا، لَزِمَ تَكْرارُ لا النّافِيَةِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا شُجاعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، ولا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِ تَكْرارٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنها النَّفْيُ، إلّا إنْ ورَدَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وإذا آلَ تَقْدِيرُهُما إلى لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً، كانَ غَيْرَ جائِزٍ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُوبِ تَكْرارِ لا النّافِيَةِ، وعَلى ما قَدَّراهُ كانَ نَظِيرَ: جاءَنِي رَجُلٌ لا كِرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. انْتَهى كَلامُهُ.
والجُمْلَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، والنَّكِرَةُ هي قَوْلُهُ: لا ذَلُولٌ، أوْ قَوْلُهُ: بَقَرَةٌ، فَإنْ عَنى بِالنَّكِرَةِ بَقَرَةً، فَقَدْ وُصِفَتْ، والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ جائِزَةٌ جَوازًا حَسَنًا، وإنْ عَنى بِالنَّكِرَةِ لا ذَلُولٌ، فَهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِمَّنْ لَمْ يُحَصِّلْ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، ولا أمْعَنَ النَّظَرَ في كِتابِهِ، بَلْ قَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، في مَواضِعَ، مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وإنْ لَمْ تُوصَفْ، وإنْ كانَ الإتْباعُ هو الوَجْهَ والأحْسَنَ، قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما لا يَكُونُ الِاسْمُ فِيهِ إلّا نَكِرَةً: وقَدْ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى نَصْبِ: هَذا رَجُلٌ مُنْطَلِقًا، يُرِيدُ عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، ثُمَّ قالَ: وهو قَوْلُ عِيسى، ثُمَّ قالَ: وزَعَمَ الخَلِيلُ أنَّ هَذا جائِزٌ، ونَصَبَهُ كَنَصْبِهِ في المَعْرِفَةِ جَعَلَهُ حالًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ صِفَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ: مَرَرْتُ بِرِجُلٍ قائِمًا، إذا جَعَلْتَ المُرُورَ بِهِ في حالِ قِيامٍ، وقَدْ يَجُوزُ عَلى هَذا: فِيها رَجُلٌ قائِمًا، ومِثْلُ ذَلِكَ: عَلَيْهِ مِائَةٌ بَيْضاءَ، والرَّفْعُ الوَجْهُ، وعَلَيْهِ مِائَةٌ دَيْنًا، الرَّفْعُ الوَجْهُ، وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِماءٍ قَعْدَةَ رَجُلٍ، والوَجْهُ الجَرُّ، وكَذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَنْتَصِبُ لِأنَّهُ قَبِيحٌ أنْ يَكُونَ صِفَةً فَقالَ: راقُودٌ خَلا وعَلَيْكَ نِحْيٌ سَمْنًا، وقالَ في بابِ نَعَمْ، فَإذا قُلْتَ لِي عَسَلٌ مِلْءُ جَرَّةٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ شَعْرُ كَلْبَيْنِ، فالوَجْهُ الرَّفْعُ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ، والنَّصْبُ يَجُوزُ كَنَصْبِهِ: عَلَيْهِ مِائَةٌ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ نُصُوصُ سِيبَوَيْهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لَما قاسَهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الجائِزِ لا يُقالُ بِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقاسَ، وإنْ كانَ الإتْباعُ لِلنَّكِرَةِ (p-٢٥٦)أحْسَنَ، وإنَّما امْتَنَعَتْ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُحَمَّدٍ هو قَوْلُ الضُّعَفاءِ في صِناعَةِ الإعْرابِ، الَّذِينَ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى كَلامِ الإمامِ.
وأجازَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنْ يَكُونَ: تُثِيرُ الأرْضَ، في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في ”ذَلُولٌ“، تَقْدِيرُهُ: لا تُذَلُّ في حالِ إثارَتِها، والوَجْهُ ما بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: لا ذَلُولَ، بِالفَتْحِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى لا ذَلُولَ هُناكَ، أيْ حَيْثُ هي، وهو نَفْيٌ لِذِلِّها، ولِأنْ تُوصَفَ بِهِ فَيُقالَ: هي ذَلُولٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ، أيْ فِيهِمْ، أوْ حَيْثُ هم. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى ما قَدَّرَهُ يَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، صِفَةً لِاسْمِ لا، وهي مَنفِيَّةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْها جُمْلَةٌ مَنفِيَّةٌ، وهو قَوْلُهُ: ولا تَسْقِي الحَرْثَ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَنافَرُ هَذا التَّرْكِيبُ مَعَ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يَبْقى كَلامًا مُنْفَلِتًا مِمّا بَعْدَهُ، إذْ لا تَحْصُلُ بِهِ الإفادَةُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ويَكُونَ مَحَطَّ الخَبَرِ هو قَوْلُهُ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾، لِأنَّها صِفَةٌ في اللَّفْظِ، وهي الخَبَرُ في المَعْنى، ويَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِراضُ مِن حَيْثُ المَعْنى نافِيًا ذِلَّةَ هَذِهِ البَقَرَةِ، إذْ هي فَرْدٌ مِن أفْرادِ الجِنْسِ المَنفِيِّ بِلا الَّذِي بُنِيَ مَعَها، ولا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ الجُمْلَةُ، أعْنِي لا ذَلُولَ، عَلى قِراءَةِ السُّلَمِيِّ، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ تُثِيرُ وما بَعْدَها الخَبَرُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها عائِدٌ عَلى المَوْصُوفِ الَّذِي هو بَقَرَةٌ، إذِ العائِدُ الَّذِي في تُثِيرُ وفي تَسْقِي ضَمِيرُ اسْمِ لا، ولا يُتَخَيَّلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ تُثِيرُ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ يَكُونُ دالًّا عَلى نَفْيِ ”ذَلُولٌ“ مَعَ الخَبَرِ عَنِ الوُجُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِما عَلَيْهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْضِهِمْ وإلى حَرْثِها؛ والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ. فَكَما يُتَعَقَّلُ انْتِفاءُ ”ذَلُولٌ“ مَعَ اعْتِقادِ كَوْنِ تُثِيرُ وما بَعْدَهُ صِفَةً، لِأنَّكَ قَيَّدْتَ الخَبَرَ بِتَقْدِيرِكَهُ حَيْثُ هي، فَصَلُحَ هَذا النَّفْيُ، كَذَلِكَ يُتَعَقَّلُ انْتِفاءُ ”ذَلُولٌ“ مَعَ الخَبَرِ عَنْهُ، حَيْثُ اعْتُقِدَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الخَبَرَيْنِ مَخْصُوصٌ، وهو الأرْضُ والحَرْثُ، وكَما تُقَدِّرُ ما مِن ذَلُولٍ مُثِيرَةٍ ولا ساقِيَةٍ حَيْثُ تِلْكَ البَقَرَةُ، كَذَلِكَ تُقَدَّرُ ما مِن ذَلُولٍ تُثِيرُ أرْضَهم ولا تَسْقِي حَرْثَهم. فَكِلاهُما نَفْيٌ قَدْ تَخَصَّصَ، إمّا بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ، وإمّا بِتَعَلُّقِ الخَبَرِ المُثْبِتِ.
وقَدِ انْتَفى وصْفُ البَقَرَةِ بِـ ”ذَلُولٌ“ وما بَعْدَها، إمّا بِكَوْنِ الجُمْلَةِ صِفَةً والرّابِطُ الخَبَرُ المَحْذُوفُ، وإمّا بِكَوْنِ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، إذْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى رابِطٍ يَرْبُطُها بِما قَبْلَها، إذا جَعَلْتَ تُثِيرُ خَبَرًا لا يُقالَ: إنَّ الرّابِطَ هُنا هو العُمُومُ، إذِ البَقَرَةُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ الرّابِطَ بِالعُمُومِ إنَّما قِيلَ بِهِ في نَحْوِ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأصَحَّ خِلافُهُ. وبابُ نِعْمَ بابٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ زَيْدٌ لا رَجُلٌ في الدّارِ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا عاقِلٍ في الدّارِ، وأنْتَ تَعْنِي الخَبَرَ والصِّفَةَ وتَجْعَلُ الرّابِطَ العُمُومَ، لِأنَّكَ إذا نَفَيْتَ لا رَجُلَ في الدّارِ، انْتَفى زَيْدٌ فِيها، وإذا قُلْتَ: لا عاقِلَ في الدّارِ، انْتَفى العَقْلُ عَنِ المُرُورِ بِهِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنا في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ تُثِيرُ وتَسْقِي خَبَرًا لِـ ”لا ذَلُولٌ“، أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وتَدُلَّ عَلى نَفْيِ الإثارَةِ ونَفْيِ السَّقْيِ، مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ كَوْنُ الجُمْلَتَيْنِ صِفَةً لِلْبَقَرَةِ. وأمّا تَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِذَلِكَ، بِمَرَرْتُ بِقَوْمٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ فِيهِمْ، أوْ حَيْثُ هم، فَتَمْثِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ صِفَةً لِقَوْمٍ لَيْسَ الرّابِطُ فِيها العُمُومَ، إنَّما الرّابِطُ هَذا الضَّمِيرُ، وكَذَلِكَ ما قَرَّرَهُ هو الرّابِطُ فِيهِ الضَّمِيرُ، إذْ قَدَّرَهُ لا ذَلُولَ هُناكَ، أيْ حَيْثُ هي، فَهَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، وحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ كَما حَصَلَ في تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ: فِيهِمْ، أوْ: حَيْثُ هم، فَتَحَصَّلَ مِن هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ أنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ في قِراءَةِ السُّلَمِيِّ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ خَبَرٍ، والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ خَبَرَ لا تُثِيرُ الأرْضَ (p-٢٥٧)ولا تَسْقِي الحَرْثَ. وكانَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالمُفْرَدِ أوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، ولِأنَّ في قِراءَةِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلى أحَدِ تَخْرِيجَيْها، تَكُونُ قَدْ بَدَأْتَ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ وقَدَّمْتَهُ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ بَعْضِ أصْحابِنا؛ لِأنَّ لا ذَلُولٌ المَنفِيُّ مَعَها جُمْلَةٌ ومُسَلَّمَةٌ مُفْرَدٌ، فَقَدْ قَدَّمْتَ الوَصْفَ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتَسْقِي مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ سَقى يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. وقَرَأ بَعْضُهم: تُسْقِي بِضَمِّ التّاءِ مِن أسْقى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ قُرِئَ: نَسْقِيكم بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّها. مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ، أوْ مِنَ الشِّياتِ والألْوانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، أوْ مِنَ العَمَلِ في الحَرْثِ والسَّقْيِ وسائِرِ أنْواعِ الِاسْتِعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَها أعْفَوْها مِن ذَلِكَ، كَما قالَ الآخَرُ:
؎أوْ مُعْبِرُ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ ولَيْتَهُ ∗∗∗ ما حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيا ولا اعْتَمَرا
أوْ مِنَ الحَرامِ، لا غَصْبَ فِيها ولا سَرِقَةَ ولا غَيْرُهُما، بَلْ هي مُطَهَّرَةٌ مِن ذَلِكَ، أوْ مُسَلَّمَةُ القَوائِمِ والخَلْقِ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، أوْ مُسَلَّمَةٌ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لِتَكُونَ خالِيَةً مِنَ العُيُوبِ، بَرِيئَةً مِنَ الغُصُوبِ، مُكَمَّلَةَ الخَلْقِ، شَدِيدَةَ الأسْرِ، كامِلَةَ المَعانِي، صالِحَةً لِأنْ تَظْهَرَ فِيها آيَةُ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزَةُ رَسُولِهِ.
قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: ومُسَلَّمَةٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ السَّلامَةِ، وقالَهُ غَيْرُهُ، فَقالَ: هي مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ وزْنَها مُفَعَّلَةٌ مِنَ السَّلامَةِ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ الَّذِي في ”مُسَلَّمَةٌ“ لَيْسَ لِأجْلِ المُبالَغَةِ، بَلْ هو تَضْعِيفُ النَّقْلِ والتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: سَلَّمَ كَذا، ثُمَّ إذا عَدَّيْتَهُ بِالتَّضْعِيفِ، فالتَّضْعِيفُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: فَرَّحْتُ زَيْدًا، إذْ أصْلُهُ: فَرِحَ زَيْدٌ، وكَذَلِكَ هَذا أصْلُهُ: سَلَّمَ زَيْدًا، ثُمَّ يُضَعَّفُ فَيَصِيرُ يَتَعَدّى. فَلَيْسَ إذَنْ هُنا مُبالَغَةٌ بَلْ هو المُرادِفُ لِلْبِناءِ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ. شِيَةَ فِيها: أيْ لا بَياضَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ: لا وضَحَ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ لَوْنَيْنِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، أوْ لا عَيْبَ فِيها، أوْ: لا لَوْنَ يُخالِفُ لَوْنَها مِن سَوادٍ أوْ بَياضٍ، أوْ: لا سَوادَ في الوَجْهِ والقَوائِمِ، وهو الشِّيَةُ في البَقَرِ، يُقالُ ثَوْرٌ مُوَشًّى، إذا كانَ في وجْهِهِ وقَوائِمِهِ سَوادٌ. وقِيلَ: ”شِيَةَ فِيها“، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ”مُسَلَّمَةٌ“، أيْ خَلُصَتْ صُفْرَتُها عَنْ أخْلاطِ سائِرِ الألْوانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والثَّوْرُ الأشْيَهُ، الَّذِي ظَهَرَ بَلَقُهُ، يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وكَلْبٌ أبْقَعُ، وثَوْرٌ أشْيَهُ. كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البَلِقَةِ. انْتَهى. ولَيْسَ الأشْيَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الشِّيَةِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
* *
﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِإسْكانِ اللّامِ والهَمْزَةِ بَعْدَهُ، وقَرَأ نافِعٌ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وعَنْهُ رِوايَتانِ: إحْداهُما: حَذَفُ واوِ قالُوا، إذْ لَمْ يَعْتَدَّ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، إذْ هو نَقْلٌ عارِضٌ، والرِّوايَةُ الأُخْرى: إقْرارُ الواوِ اعْتِدادًا بِالنَّقْلِ، واعْتِبارًا لِعارِضِ التَّحْرِيكِ؛ لِأنَّ الواوَ لَمْ تُحْذَفْ إلّا لِأجْلِ سُكُونِ اللّامِ بَعْدَها. فَإذا ذَهَبَ مُوجِبُ الحَذْفِ عادَتِ الواوُ إلى حالِها مِنَ الثُّبُوتِ. وانْتِصابُ ”الآنَ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلى الوَقْتِ الحاضِرِ، وهو قَوْلُهُ لَهم: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ إلى ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾، والعامِلُ فِيهِ ”جِئْتَ“، ولا يُرادُ بِجِئْتَ أنَّهُ كانَ غائِبًا فَجاءَ، وإنَّما مَجازُهُ نَطَقْتَ بِالحَقِّ، فَبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِجِئْتَ عَلى هَذا المَعْنى، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أجَأْتَ الحَقَّ، أيْ إنَّ الحَقَّ كانَ لَمْ يَجِئْنا فَأجَأْتَهُ. وهُنا وصْفٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِالحَقِّ المُبِينِ، أيِ الواضِحِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إشْكالٌ، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ في كُلِّ مُحاوَرَةٍ حاوَرَها مَعَهم جاءَ بِالحَقِّ، فَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ هَذا الوَصْفُ لَما كانَ لِتَقْيِيدِهِمْ مَجِيئَهُ بِالحَقِّ بِهَذا الطَّرَفِ الخاصِّ فائِدَةٌ.
وقَدْ ذَهَبَ قَتادَةُ إلى أنَّهُ لا وصْفَ مَحْذُوفٌ هُنا، وقالَ: كَفَرُوا بِهَذا القَوْلِ لِأنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ - كانَ لا يَأْتِيهِمْ إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ وقْتٍ، وقالُوا: ومَعْنى بِالحَقِّ: بِحَقِيقَةِ نَعْتِ البَقَرَةِ، وما بَقِيَ فِيها إشْكالٌ.
(فَذَبَحُوها): قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَطَلَبُوها وحَصَّلُوها، أيْ هَذِهِ البَقَرَةَ (p-٢٥٨)الجامِعَةَ لِلْأوْصافِ السّابِقَةِ، وتَحْصِيلُها كانَ بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ، أوْ بِأنَّها كانَتْ وحْشِيَّةً فَأخَذُوها، أوْ بِاشْتِرائِها مِنَ الشّابِّ البارِّ بِأبَوَيْهِ. وهَذا الَّذِي تَظافَرَتْ عَلَيْهِ أقاوِيلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ اخْتِلافًا وقَصَصًا كَثِيرًا مُضْطَرِبًا أضْرَبْنا عَنْ نَقْلِهِ صَفْحًا كَعادَتِنا في أكْثَرِ القِصَصِ الَّذِي يَنْقُلُونَهُ، إذْ لا يَنْبَغِي أنْ يُنْقَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ما صَحَّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَنْ رَسُولِهِ في قُرْآنٍ أوْ سُنَّةٍ.
﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾: كَنّى عَنِ الذَّبْحِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُكَنّى بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ. وكادَ في الثُّبُوتِ تَدُلُّ عَلى المُقارَبَةِ. فَإذا قُلْتَ: كادَ زَيْدٌ يَقُومُ، فَمَعْناهُ مُقارَبَةُ القِيامِ ولَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ، فَإذا قُلْتَ: ما كادَ زَيْدٌ يَقُومُ فَمَعْناهُ نَفْيُ المُقارَبَةِ، فَهي كَغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ وُجُوبًا ونَفْيًا. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّها إذا أُثْبِتَتْ، دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الخَبَرِ، وإذا نُفِيَتْ، دَلَّتْ عَلى إثْباتِ الخَبَرِ، مُسْتَدِلًّا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَذَبَحُوها) يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا الآيَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ زَمانُ نَفْيِ المُقارَبَةِ والذَّبْحِ، إذِ المَعْنى: وما قارَبُوا ذَبْحَها قَبْلَ ذَلِكَ، أيْ وقَعَ الذَّبْحُ بَعْدَ أنْ نَفى مُقارَبَتُهُ. فالمَعْنى أنَّهم تَعَسَّرُوا في ذَبْحِها، ثُمَّ ذَبَحُوها بَعْدَ ذَلِكَ. قِيلَ: والسَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ ما كادُوا يَذْبَحُونَ هو: إمّا غَلاءُ ثَمَنِها، وإمّا خَوْفُ فَضِيحَةِ القاتِلِ، وإمّا قِلَّةُ انْقِيادٍ وتَعَنُّتٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلى ما عُهِدَ مِنهم. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ: أهِيَ الَّتِي أُمِرُوا أوَّلًا بِذَبْحِها، وأنَّها مُعَيَّنَةٌ في الأمْرِ الأوَّلِ، وأنَّهُ لَوْ وقَعَ الذَّبْحُ عَلَيْها أوَّلًا لَما وقَعَ إلّا عَلى هَذِهِ المُعَيَّنَةِ ؟ أمِ المَأْمُورُ بِها أوَّلًا هي بَقَرَةٌ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِلَوْنٍ وصِفاتٍ، فَذَبَحُوا المَخْصُوصَةَ ؟ فَكانَ الأمْرُ الأوَّلُ مَخْصُوصًا لِانْتِقالِ الحُكْمِ مِنَ البَقَرَةِ المُطْلَقَةِ إلى البَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ، ويَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ الفِعْلِ عَلى أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ المَخْصُوصَةَ يَتَناوَلُها الأمْرُ بِذَبْحِ بِقَرَةٍ، فَلَوْ وقَعَ الذَّبْحُ عَلَيْها بِالخِطابِ الأوَّلِ، لَكانُوا مُمْتَثِلِينَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا الثّانِي: هَلِ الواجِبُ كَوْنُها بِالصِّفَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، وهي كَوْنُها لا ذَلُولٌ إلى آخِرِهِ ؟ أمْ يَنْضافُ إلى هَذِهِ الأوْصافِ في جَوابِ السُّؤالَيْنِ قَبْلُ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعَ الوَصْفِ الأخِيرِ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، وصَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ؟ والَّذِي نَخْتارُهُ هَذا الثّانِي؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اشْتِراكُ هَذِهِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (ما هي)، و﴿ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩]، و(ما هي)، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو الَّذِي اشْتُهِرَ في الإخْبارِ أنَّها كانَتْ بِهَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعًا، وإذا كانَ البَيانُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بَعْدَ تَكْلِيفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نَسْخِ التَّسْهِيلِ بِالأشَقِّ، وعَلى جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ الفِعْلِ.
﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ وجُودِهِما ونُزُولِهِما عَلى حَسَبِ تِلاوَتِهِما، فَيَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، فَذَبَحُوها وهم لا يَعْلَمُونَ بِما لَهُ تَعالى فِيها مِنَ السِّرِّ، ثُمَّ وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرُ القَتِيلِ، فَأظْهَرَ لَهم ما كانَ أخْفاهُ عَنْهم مِنَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ”اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها“، ولا شَيْءَ يَضْطَرُّنا إلى اعْتِقادِ تَقَدُّمِ قَتْلِ القَتِيلِ. ثُمَّ سَألُوا عَنْ تَعْيِينِ قاتِلِهِ، إذْ كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَيَكُونُ الأمْرُ بِالذَّبْحِ مُتَقَدِّمًا في النُّزُولِ والتِّلاوَةِ، مُتَأخِّرًا في الوُجُودِ، ويَكُونُ قَتْلُ القَتِيلِ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ والتِّلاوَةِ، مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ، ولا إلى اعْتِقادِ كَوْنِ الأمْرِ بِالذَّبْحِ وما بَعْدَهُ مُؤَخَّرًا في النُّزُولِ، مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ، والإخْبارِ عَنْ قَتْلِهِمْ مُقَدَّمًا في النُّزُولِ، مُتَأخِّرًا في التِّلاوَةِ، دُونَ تَعَرُّضٍ لِزَمانِ وُجُودِ القِصَّتَيْنِ. وإنَّما حَمَلَ مَن حَمَلَ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، اعْتِبارَ ما رَوَوْا مِنَ القَصَصِ الَّذِي لا يَصِحُّ، إذْ لَمْ يَرِدْ بِهِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، ومَتى أمْكَنَ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ كانَ أوْلى، إذِ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى غَيْرِ الظّاهِرِ، إنَّما يَكُونُ لِمُرَجِّحٍ، ولا مُرَجِّحَ، بَلْ تَظْهَرُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في تَكْلِيفِهِمْ أوَّلًا ذَبْحَ بَقَرَةٍ. هَلْ يَمْتَثِلُونَ ذَلِكَ أمْ لا ؟ وامْتِثالُ التَّكالِيفِ الَّتِي لا يَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ الرَّأْيِ حِكْمَةٌ أعْظَمُ مِنِ امْتِثالِ ما تَظْهَرُ فِيهِ حِكْمَةٌ، لِأنَّها طَواعِيَةٌ صِرْفٌ، وعُبُودِيَّةٌ (p-٢٥٩)مَحْضَةٌ، واسْتِسْلامٌ خالِصٌ، بِخِلافِ ما تَظْهَرُ لَهُ حِكْمَةٌ، فَإنَّ في العَقْلِ داعِيَةً إلى امْتِثالِهِ، وحَضًّا عَلى العَمَلِ بِهِ.
وقالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: إنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ القَتِيلِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِأمْرِهِ تَعالى بِالذَّبْحِ، فَأمّا الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ القَتِيلِ، وعَنْ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُضْرَبَ القَتِيلُ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ، فَلا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى الإخْبارِ عَنْ قِصَّةِ البَقَرَةِ. فَقَوْلُ مَن يَقُولُ: هَذِهِ القِصَّةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُولى خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ في نَفْسِها يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُولى في الوُجُودِ. فَأمّا التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ فَغَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ تارَةً يُقَدَّمُ ذِكْرُ السَّبَبِ عَلى ذِكْرِ الحُكْمِ، وأُخْرى عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ لَمّا وقَعَتْ لَهم تِلْكَ الواقِعَةُ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، فَلَمّا ذَبَحُوها قالَ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ مِن قَبْلُ واخْتَلَفْتُمْ فَإنِّي مُظْهِرٌ لَكُمُ القاتِلَ الَّذِي سَتَرْتُمُوهُ، بِأنْ يُضْرَبَ القَتِيلُ بِبَعْضِ هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَكَسَ لَما كانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَ الغَرَضُ في تَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ أوَّلًا، ثُمَّ أُمِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ، ولَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ إلّا نَقْلُ شَيْءٍ مِنَ القِصَصِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ. وقَدْ بَيَّنّا حَمْلَ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّبْحِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا وأنَّ القَتْلَ تَأخَّرَ، كَحالِهِما في التِّلاوَةِ.
وقالَ بَعْضُ النّاسِ: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، في الجُمَلِ، وفي الكَلِماتِ، وفي كَلامِ العَرَبِ. وأوْرَدَ مِن ذَلِكَ جُمَلًا، مِن ذَلِكَ: قِصَّةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في إهْلاكِ قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١]، وفي حُكْمِ مَن ماتَ عَنْها زَوْجُها بِالتَّرَبُّصِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ، وبِمَتاعٍ إلى الحَوْلِ، إذِ النّاسِخُ مُقَدَّمٌ، والمَنسُوخُ مُتَأخِّرٌ. وذَكَرَ مِن تَقْدِيمِ الكَلِماتِ في القُرْآنِ والشِّعْرِ عَلى زَعْمِهِ كَثِيرًا، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، ذَكَرَ أصْحابُنا أنَّهُ مِنَ الضَّرائِرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْهُ. ونِسْبَةُ القَتِيلِ إلى جَمْعٍ، إمّا لِأنَّ القاتِلِينَ جَمْعٌ، وهم ورَثَةُ المَقْتُولِ، وقَدْ نُقِلَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِهِ، أوْ لِأنَّ القاتِلَ واحِدٌ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِيهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في نِسْبَةِ الأشْياءِ إلى القَبِيلَةِ، إذا وُجِدَ مِن بَعْضِها ما يُذَمُّ بِهِ أوْ يُمْدَحُ.
﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَتَدارَأْتُمْ، عَلى وزْنِ تَفاعَلْتُمْ، وهو الأصْلُ، هَكَذا نَقَلَ بَعْضُ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو السَّوّارِ الغَنَوِيُّ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادَّرَأْتُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَتَدارَأْتُمْ عَلى الأصْلِ. انْتَهى كَلامُهُ. ونَقَلَ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا السَّوّارِ قَرَأ: فَدَرَأْتُمْ، بِغَيْرِ ألِفٍ قَبْلَ الرّاءِ. ويَحْتَمِلُ هَذا التَّدارُؤُ، وهو التَّدافُعُ، أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وهو أنْ يَدْفَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالأيْدِي، لِشِدَّةِ الِاخْتِصامِ. ويَحْتَمِلُ المَجازَ، بِأنْ يَكُونَ بَعْضُهم طَرَحَ قَتْلَهُ عَلى بَعْضٍ، فَدَفَعَ المَطْرُوحُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلى الطّارِحِ، أوْ بِأنْ دَفَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالتُّهْمَةِ والبَراءَةِ. والضَّمِيرُ في: فِيها عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، وهو ظاهِرٌ، وقِيلَ: عَلى القَتَلَةِ، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، وقِيلَ: عَلى التُّهْمَةِ، فَيَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ.
﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ما: مَنصُوبٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، وهو مَوْصُولٌ مَعْهُودٌ، فَلِذَلِكَ أتى بِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ، ولَمْ يَأْتِ بِالفِعْلِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكْرارِ، ولا تَكْرارَ، إذْ لا تَجَدُّدَ فِيهِ، لِأنَّها قِصَّةٌ واحِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، لَمْ يَأْتِ بِالفِعْلِ. وجاءَ اسْمُ الفاعِلِ مُعْمَلًا، ولَمْ يُضَفْ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى ماضِيًا؛ لِأنَّهُ حَكى ما كانَ مُسْتَقْبَلًا وقْتَ التَّدارُؤِ، وذَلِكَ مِثْلُ ما حَكى الحالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] . ودَخَلَتْ كانَ هُنا لِيَدُلَّ عَلى تَقَدُّمِ الكِتْمانِ، والعائِدُ عَلى ما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ مِن أمْرِ القَتِيلِ وقاتِلِهِ، وعَلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا في القَتِيلِ وغَيْرِهِ، فَيَكُونَ القَتِيلُ مِن جُمْلَةِ أفْرادِهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما كَتَمُوهُ عَنِ النّاسِ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:72
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ الكَلامُ عَلى هَذا كالكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ.
(p-٢٥٥)﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾، لا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ. وتُثِيرُ الأرْضَ: صِفَةٌ لِذَلُولٍ، وهي صِلَةٌ داخِلَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ فَتَذِلَّ، فَهو مِن بابِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
اللَّفْظُ نَفْيُ الذِّلِّ، والمَقْصُودُ نَفْيُ الإثارَةِ، فَيَنْتَفِي كَوْنُها ذَلُولًا ولا تَسْقِي الحَرْثَ نَفْيَ مُعادِلٍ لِقَوْلِهِ: لا ذَلُولٌ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ، والصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَما أنَّ ”لا تَسْقِي“ مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْضًا. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِالعَمَلِ، لا في حَرْثٍ، ولا في سَقْيٍ، ولِهَذا نُفِيَ عَنْها إثارَةُ الأرْضِ وسَقْيُها. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ بِالحَرْثِ، ولا يُسْنى عَلَيْها فَتُسْقِيَ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾، فِعْلٌ مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيُ الحَرْثِ. ورُدَّ هَذا القَوْلُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي كَوْنُهُ ذَلُولًا.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقَرْنِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، ويَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا ذَلُولٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا ذَلُولٌ، صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ، يَعْنِي: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْحَرْثِ وإثارَةِ الأرْضِ، ولا هي مِنَ النَّواضِحِ الَّتِي يُسْنى عَلَيْها بِسَقْيِ الحُرُوثِ. ولا الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِـ ”ذَلُولٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ووافَقَهُ عَلى جَعْلِ لا الثّانِيَةِ مَزِيدَةً صاحِبُ المُنْتَخَبِ، وما ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا ذَلُولٌ صِفَةٌ مَنفِيَّةٌ بِلا، وإذا كانَ الوَصْفُ قَدْ نُفِيَ بِلا، لَزِمَ تَكْرارُ لا النّافِيَةِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا شُجاعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، ولا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِ تَكْرارٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنها النَّفْيُ، إلّا إنْ ورَدَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وإذا آلَ تَقْدِيرُهُما إلى لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً، كانَ غَيْرَ جائِزٍ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُوبِ تَكْرارِ لا النّافِيَةِ، وعَلى ما قَدَّراهُ كانَ نَظِيرَ: جاءَنِي رَجُلٌ لا كِرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. انْتَهى كَلامُهُ.
والجُمْلَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، والنَّكِرَةُ هي قَوْلُهُ: لا ذَلُولٌ، أوْ قَوْلُهُ: بَقَرَةٌ، فَإنْ عَنى بِالنَّكِرَةِ بَقَرَةً، فَقَدْ وُصِفَتْ، والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ جائِزَةٌ جَوازًا حَسَنًا، وإنْ عَنى بِالنَّكِرَةِ لا ذَلُولٌ، فَهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِمَّنْ لَمْ يُحَصِّلْ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، ولا أمْعَنَ النَّظَرَ في كِتابِهِ، بَلْ قَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، في مَواضِعَ، مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وإنْ لَمْ تُوصَفْ، وإنْ كانَ الإتْباعُ هو الوَجْهَ والأحْسَنَ، قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما لا يَكُونُ الِاسْمُ فِيهِ إلّا نَكِرَةً: وقَدْ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى نَصْبِ: هَذا رَجُلٌ مُنْطَلِقًا، يُرِيدُ عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، ثُمَّ قالَ: وهو قَوْلُ عِيسى، ثُمَّ قالَ: وزَعَمَ الخَلِيلُ أنَّ هَذا جائِزٌ، ونَصَبَهُ كَنَصْبِهِ في المَعْرِفَةِ جَعَلَهُ حالًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ صِفَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ: مَرَرْتُ بِرِجُلٍ قائِمًا، إذا جَعَلْتَ المُرُورَ بِهِ في حالِ قِيامٍ، وقَدْ يَجُوزُ عَلى هَذا: فِيها رَجُلٌ قائِمًا، ومِثْلُ ذَلِكَ: عَلَيْهِ مِائَةٌ بَيْضاءَ، والرَّفْعُ الوَجْهُ، وعَلَيْهِ مِائَةٌ دَيْنًا، الرَّفْعُ الوَجْهُ، وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِماءٍ قَعْدَةَ رَجُلٍ، والوَجْهُ الجَرُّ، وكَذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَنْتَصِبُ لِأنَّهُ قَبِيحٌ أنْ يَكُونَ صِفَةً فَقالَ: راقُودٌ خَلا وعَلَيْكَ نِحْيٌ سَمْنًا، وقالَ في بابِ نَعَمْ، فَإذا قُلْتَ لِي عَسَلٌ مِلْءُ جَرَّةٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ شَعْرُ كَلْبَيْنِ، فالوَجْهُ الرَّفْعُ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ، والنَّصْبُ يَجُوزُ كَنَصْبِهِ: عَلَيْهِ مِائَةٌ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ نُصُوصُ سِيبَوَيْهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لَما قاسَهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الجائِزِ لا يُقالُ بِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقاسَ، وإنْ كانَ الإتْباعُ لِلنَّكِرَةِ (p-٢٥٦)أحْسَنَ، وإنَّما امْتَنَعَتْ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُحَمَّدٍ هو قَوْلُ الضُّعَفاءِ في صِناعَةِ الإعْرابِ، الَّذِينَ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى كَلامِ الإمامِ.
وأجازَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنْ يَكُونَ: تُثِيرُ الأرْضَ، في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في ”ذَلُولٌ“، تَقْدِيرُهُ: لا تُذَلُّ في حالِ إثارَتِها، والوَجْهُ ما بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: لا ذَلُولَ، بِالفَتْحِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى لا ذَلُولَ هُناكَ، أيْ حَيْثُ هي، وهو نَفْيٌ لِذِلِّها، ولِأنْ تُوصَفَ بِهِ فَيُقالَ: هي ذَلُولٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ، أيْ فِيهِمْ، أوْ حَيْثُ هم. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى ما قَدَّرَهُ يَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، صِفَةً لِاسْمِ لا، وهي مَنفِيَّةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْها جُمْلَةٌ مَنفِيَّةٌ، وهو قَوْلُهُ: ولا تَسْقِي الحَرْثَ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَنافَرُ هَذا التَّرْكِيبُ مَعَ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يَبْقى كَلامًا مُنْفَلِتًا مِمّا بَعْدَهُ، إذْ لا تَحْصُلُ بِهِ الإفادَةُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ويَكُونَ مَحَطَّ الخَبَرِ هو قَوْلُهُ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾، لِأنَّها صِفَةٌ في اللَّفْظِ، وهي الخَبَرُ في المَعْنى، ويَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِراضُ مِن حَيْثُ المَعْنى نافِيًا ذِلَّةَ هَذِهِ البَقَرَةِ، إذْ هي فَرْدٌ مِن أفْرادِ الجِنْسِ المَنفِيِّ بِلا الَّذِي بُنِيَ مَعَها، ولا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ الجُمْلَةُ، أعْنِي لا ذَلُولَ، عَلى قِراءَةِ السُّلَمِيِّ، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ تُثِيرُ وما بَعْدَها الخَبَرُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها عائِدٌ عَلى المَوْصُوفِ الَّذِي هو بَقَرَةٌ، إذِ العائِدُ الَّذِي في تُثِيرُ وفي تَسْقِي ضَمِيرُ اسْمِ لا، ولا يُتَخَيَّلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ تُثِيرُ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ يَكُونُ دالًّا عَلى نَفْيِ ”ذَلُولٌ“ مَعَ الخَبَرِ عَنِ الوُجُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِما عَلَيْهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى نَفْيُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْضِهِمْ وإلى حَرْثِها؛ والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ. فَكَما يُتَعَقَّلُ انْتِفاءُ ”ذَلُولٌ“ مَعَ اعْتِقادِ كَوْنِ تُثِيرُ وما بَعْدَهُ صِفَةً، لِأنَّكَ قَيَّدْتَ الخَبَرَ بِتَقْدِيرِكَهُ حَيْثُ هي، فَصَلُحَ هَذا النَّفْيُ، كَذَلِكَ يُتَعَقَّلُ انْتِفاءُ ”ذَلُولٌ“ مَعَ الخَبَرِ عَنْهُ، حَيْثُ اعْتُقِدَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الخَبَرَيْنِ مَخْصُوصٌ، وهو الأرْضُ والحَرْثُ، وكَما تُقَدِّرُ ما مِن ذَلُولٍ مُثِيرَةٍ ولا ساقِيَةٍ حَيْثُ تِلْكَ البَقَرَةُ، كَذَلِكَ تُقَدَّرُ ما مِن ذَلُولٍ تُثِيرُ أرْضَهم ولا تَسْقِي حَرْثَهم. فَكِلاهُما نَفْيٌ قَدْ تَخَصَّصَ، إمّا بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ، وإمّا بِتَعَلُّقِ الخَبَرِ المُثْبِتِ.
وقَدِ انْتَفى وصْفُ البَقَرَةِ بِـ ”ذَلُولٌ“ وما بَعْدَها، إمّا بِكَوْنِ الجُمْلَةِ صِفَةً والرّابِطُ الخَبَرُ المَحْذُوفُ، وإمّا بِكَوْنِ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، إذْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى رابِطٍ يَرْبُطُها بِما قَبْلَها، إذا جَعَلْتَ تُثِيرُ خَبَرًا لا يُقالَ: إنَّ الرّابِطَ هُنا هو العُمُومُ، إذِ البَقَرَةُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ الرّابِطَ بِالعُمُومِ إنَّما قِيلَ بِهِ في نَحْوِ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأصَحَّ خِلافُهُ. وبابُ نِعْمَ بابٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ زَيْدٌ لا رَجُلٌ في الدّارِ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا عاقِلٍ في الدّارِ، وأنْتَ تَعْنِي الخَبَرَ والصِّفَةَ وتَجْعَلُ الرّابِطَ العُمُومَ، لِأنَّكَ إذا نَفَيْتَ لا رَجُلَ في الدّارِ، انْتَفى زَيْدٌ فِيها، وإذا قُلْتَ: لا عاقِلَ في الدّارِ، انْتَفى العَقْلُ عَنِ المُرُورِ بِهِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنا في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ تُثِيرُ وتَسْقِي خَبَرًا لِـ ”لا ذَلُولٌ“، أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وتَدُلَّ عَلى نَفْيِ الإثارَةِ ونَفْيِ السَّقْيِ، مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ كَوْنُ الجُمْلَتَيْنِ صِفَةً لِلْبَقَرَةِ. وأمّا تَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِذَلِكَ، بِمَرَرْتُ بِقَوْمٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ فِيهِمْ، أوْ حَيْثُ هم، فَتَمْثِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ صِفَةً لِقَوْمٍ لَيْسَ الرّابِطُ فِيها العُمُومَ، إنَّما الرّابِطُ هَذا الضَّمِيرُ، وكَذَلِكَ ما قَرَّرَهُ هو الرّابِطُ فِيهِ الضَّمِيرُ، إذْ قَدَّرَهُ لا ذَلُولَ هُناكَ، أيْ حَيْثُ هي، فَهَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، وحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ كَما حَصَلَ في تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ: فِيهِمْ، أوْ: حَيْثُ هم، فَتَحَصَّلَ مِن هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ أنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ في قِراءَةِ السُّلَمِيِّ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ خَبَرٍ، والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ خَبَرَ لا تُثِيرُ الأرْضَ (p-٢٥٧)ولا تَسْقِي الحَرْثَ. وكانَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالمُفْرَدِ أوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، ولِأنَّ في قِراءَةِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلى أحَدِ تَخْرِيجَيْها، تَكُونُ قَدْ بَدَأْتَ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ وقَدَّمْتَهُ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ بَعْضِ أصْحابِنا؛ لِأنَّ لا ذَلُولٌ المَنفِيُّ مَعَها جُمْلَةٌ ومُسَلَّمَةٌ مُفْرَدٌ، فَقَدْ قَدَّمْتَ الوَصْفَ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتَسْقِي مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ سَقى يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. وقَرَأ بَعْضُهم: تُسْقِي بِضَمِّ التّاءِ مِن أسْقى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ قُرِئَ: نَسْقِيكم بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّها. مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ، أوْ مِنَ الشِّياتِ والألْوانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، أوْ مِنَ العَمَلِ في الحَرْثِ والسَّقْيِ وسائِرِ أنْواعِ الِاسْتِعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَها أعْفَوْها مِن ذَلِكَ، كَما قالَ الآخَرُ:
؎أوْ مُعْبِرُ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ ولَيْتَهُ ∗∗∗ ما حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيا ولا اعْتَمَرا
أوْ مِنَ الحَرامِ، لا غَصْبَ فِيها ولا سَرِقَةَ ولا غَيْرُهُما، بَلْ هي مُطَهَّرَةٌ مِن ذَلِكَ، أوْ مُسَلَّمَةُ القَوائِمِ والخَلْقِ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، أوْ مُسَلَّمَةٌ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لِتَكُونَ خالِيَةً مِنَ العُيُوبِ، بَرِيئَةً مِنَ الغُصُوبِ، مُكَمَّلَةَ الخَلْقِ، شَدِيدَةَ الأسْرِ، كامِلَةَ المَعانِي، صالِحَةً لِأنْ تَظْهَرَ فِيها آيَةُ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزَةُ رَسُولِهِ.
قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: ومُسَلَّمَةٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ السَّلامَةِ، وقالَهُ غَيْرُهُ، فَقالَ: هي مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ وزْنَها مُفَعَّلَةٌ مِنَ السَّلامَةِ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ الَّذِي في ”مُسَلَّمَةٌ“ لَيْسَ لِأجْلِ المُبالَغَةِ، بَلْ هو تَضْعِيفُ النَّقْلِ والتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: سَلَّمَ كَذا، ثُمَّ إذا عَدَّيْتَهُ بِالتَّضْعِيفِ، فالتَّضْعِيفُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: فَرَّحْتُ زَيْدًا، إذْ أصْلُهُ: فَرِحَ زَيْدٌ، وكَذَلِكَ هَذا أصْلُهُ: سَلَّمَ زَيْدًا، ثُمَّ يُضَعَّفُ فَيَصِيرُ يَتَعَدّى. فَلَيْسَ إذَنْ هُنا مُبالَغَةٌ بَلْ هو المُرادِفُ لِلْبِناءِ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ. شِيَةَ فِيها: أيْ لا بَياضَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ: لا وضَحَ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ لَوْنَيْنِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، أوْ لا عَيْبَ فِيها، أوْ: لا لَوْنَ يُخالِفُ لَوْنَها مِن سَوادٍ أوْ بَياضٍ، أوْ: لا سَوادَ في الوَجْهِ والقَوائِمِ، وهو الشِّيَةُ في البَقَرِ، يُقالُ ثَوْرٌ مُوَشًّى، إذا كانَ في وجْهِهِ وقَوائِمِهِ سَوادٌ. وقِيلَ: ”شِيَةَ فِيها“، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ”مُسَلَّمَةٌ“، أيْ خَلُصَتْ صُفْرَتُها عَنْ أخْلاطِ سائِرِ الألْوانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والثَّوْرُ الأشْيَهُ، الَّذِي ظَهَرَ بَلَقُهُ، يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وكَلْبٌ أبْقَعُ، وثَوْرٌ أشْيَهُ. كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البَلِقَةِ. انْتَهى. ولَيْسَ الأشْيَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الشِّيَةِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
* *
﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِإسْكانِ اللّامِ والهَمْزَةِ بَعْدَهُ، وقَرَأ نافِعٌ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وعَنْهُ رِوايَتانِ: إحْداهُما: حَذَفُ واوِ قالُوا، إذْ لَمْ يَعْتَدَّ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، إذْ هو نَقْلٌ عارِضٌ، والرِّوايَةُ الأُخْرى: إقْرارُ الواوِ اعْتِدادًا بِالنَّقْلِ، واعْتِبارًا لِعارِضِ التَّحْرِيكِ؛ لِأنَّ الواوَ لَمْ تُحْذَفْ إلّا لِأجْلِ سُكُونِ اللّامِ بَعْدَها. فَإذا ذَهَبَ مُوجِبُ الحَذْفِ عادَتِ الواوُ إلى حالِها مِنَ الثُّبُوتِ. وانْتِصابُ ”الآنَ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلى الوَقْتِ الحاضِرِ، وهو قَوْلُهُ لَهم: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ إلى ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾، والعامِلُ فِيهِ ”جِئْتَ“، ولا يُرادُ بِجِئْتَ أنَّهُ كانَ غائِبًا فَجاءَ، وإنَّما مَجازُهُ نَطَقْتَ بِالحَقِّ، فَبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِجِئْتَ عَلى هَذا المَعْنى، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أجَأْتَ الحَقَّ، أيْ إنَّ الحَقَّ كانَ لَمْ يَجِئْنا فَأجَأْتَهُ. وهُنا وصْفٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِالحَقِّ المُبِينِ، أيِ الواضِحِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إشْكالٌ، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ في كُلِّ مُحاوَرَةٍ حاوَرَها مَعَهم جاءَ بِالحَقِّ، فَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ هَذا الوَصْفُ لَما كانَ لِتَقْيِيدِهِمْ مَجِيئَهُ بِالحَقِّ بِهَذا الطَّرَفِ الخاصِّ فائِدَةٌ.
وقَدْ ذَهَبَ قَتادَةُ إلى أنَّهُ لا وصْفَ مَحْذُوفٌ هُنا، وقالَ: كَفَرُوا بِهَذا القَوْلِ لِأنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ - كانَ لا يَأْتِيهِمْ إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ وقْتٍ، وقالُوا: ومَعْنى بِالحَقِّ: بِحَقِيقَةِ نَعْتِ البَقَرَةِ، وما بَقِيَ فِيها إشْكالٌ.
(فَذَبَحُوها): قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَطَلَبُوها وحَصَّلُوها، أيْ هَذِهِ البَقَرَةَ (p-٢٥٨)الجامِعَةَ لِلْأوْصافِ السّابِقَةِ، وتَحْصِيلُها كانَ بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ، أوْ بِأنَّها كانَتْ وحْشِيَّةً فَأخَذُوها، أوْ بِاشْتِرائِها مِنَ الشّابِّ البارِّ بِأبَوَيْهِ. وهَذا الَّذِي تَظافَرَتْ عَلَيْهِ أقاوِيلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ اخْتِلافًا وقَصَصًا كَثِيرًا مُضْطَرِبًا أضْرَبْنا عَنْ نَقْلِهِ صَفْحًا كَعادَتِنا في أكْثَرِ القِصَصِ الَّذِي يَنْقُلُونَهُ، إذْ لا يَنْبَغِي أنْ يُنْقَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ما صَحَّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَنْ رَسُولِهِ في قُرْآنٍ أوْ سُنَّةٍ.
﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾: كَنّى عَنِ الذَّبْحِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يُكَنّى بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ. وكادَ في الثُّبُوتِ تَدُلُّ عَلى المُقارَبَةِ. فَإذا قُلْتَ: كادَ زَيْدٌ يَقُومُ، فَمَعْناهُ مُقارَبَةُ القِيامِ ولَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ، فَإذا قُلْتَ: ما كادَ زَيْدٌ يَقُومُ فَمَعْناهُ نَفْيُ المُقارَبَةِ، فَهي كَغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ وُجُوبًا ونَفْيًا. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّها إذا أُثْبِتَتْ، دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الخَبَرِ، وإذا نُفِيَتْ، دَلَّتْ عَلى إثْباتِ الخَبَرِ، مُسْتَدِلًّا بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَذَبَحُوها) يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا الآيَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ زَمانُ نَفْيِ المُقارَبَةِ والذَّبْحِ، إذِ المَعْنى: وما قارَبُوا ذَبْحَها قَبْلَ ذَلِكَ، أيْ وقَعَ الذَّبْحُ بَعْدَ أنْ نَفى مُقارَبَتُهُ. فالمَعْنى أنَّهم تَعَسَّرُوا في ذَبْحِها، ثُمَّ ذَبَحُوها بَعْدَ ذَلِكَ. قِيلَ: والسَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ ما كادُوا يَذْبَحُونَ هو: إمّا غَلاءُ ثَمَنِها، وإمّا خَوْفُ فَضِيحَةِ القاتِلِ، وإمّا قِلَّةُ انْقِيادٍ وتَعَنُّتٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلى ما عُهِدَ مِنهم. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ: أهِيَ الَّتِي أُمِرُوا أوَّلًا بِذَبْحِها، وأنَّها مُعَيَّنَةٌ في الأمْرِ الأوَّلِ، وأنَّهُ لَوْ وقَعَ الذَّبْحُ عَلَيْها أوَّلًا لَما وقَعَ إلّا عَلى هَذِهِ المُعَيَّنَةِ ؟ أمِ المَأْمُورُ بِها أوَّلًا هي بَقَرَةٌ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِلَوْنٍ وصِفاتٍ، فَذَبَحُوا المَخْصُوصَةَ ؟ فَكانَ الأمْرُ الأوَّلُ مَخْصُوصًا لِانْتِقالِ الحُكْمِ مِنَ البَقَرَةِ المُطْلَقَةِ إلى البَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ، ويَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ الفِعْلِ عَلى أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ المَخْصُوصَةَ يَتَناوَلُها الأمْرُ بِذَبْحِ بِقَرَةٍ، فَلَوْ وقَعَ الذَّبْحُ عَلَيْها بِالخِطابِ الأوَّلِ، لَكانُوا مُمْتَثِلِينَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا الثّانِي: هَلِ الواجِبُ كَوْنُها بِالصِّفَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، وهي كَوْنُها لا ذَلُولٌ إلى آخِرِهِ ؟ أمْ يَنْضافُ إلى هَذِهِ الأوْصافِ في جَوابِ السُّؤالَيْنِ قَبْلُ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعَ الوَصْفِ الأخِيرِ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، وصَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ؟ والَّذِي نَخْتارُهُ هَذا الثّانِي؛ لِأنَّ الظّاهِرَ اشْتِراكُ هَذِهِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (ما هي)، و﴿ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩]، و(ما هي)، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو الَّذِي اشْتُهِرَ في الإخْبارِ أنَّها كانَتْ بِهَذِهِ الأوْصافِ جَمِيعًا، وإذا كانَ البَيانُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بَعْدَ تَكْلِيفٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نَسْخِ التَّسْهِيلِ بِالأشَقِّ، وعَلى جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ الفِعْلِ.
﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ وجُودِهِما ونُزُولِهِما عَلى حَسَبِ تِلاوَتِهِما، فَيَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، فَذَبَحُوها وهم لا يَعْلَمُونَ بِما لَهُ تَعالى فِيها مِنَ السِّرِّ، ثُمَّ وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرُ القَتِيلِ، فَأظْهَرَ لَهم ما كانَ أخْفاهُ عَنْهم مِنَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ”اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها“، ولا شَيْءَ يَضْطَرُّنا إلى اعْتِقادِ تَقَدُّمِ قَتْلِ القَتِيلِ. ثُمَّ سَألُوا عَنْ تَعْيِينِ قاتِلِهِ، إذْ كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَيَكُونُ الأمْرُ بِالذَّبْحِ مُتَقَدِّمًا في النُّزُولِ والتِّلاوَةِ، مُتَأخِّرًا في الوُجُودِ، ويَكُونُ قَتْلُ القَتِيلِ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ والتِّلاوَةِ، مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ، ولا إلى اعْتِقادِ كَوْنِ الأمْرِ بِالذَّبْحِ وما بَعْدَهُ مُؤَخَّرًا في النُّزُولِ، مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ، والإخْبارِ عَنْ قَتْلِهِمْ مُقَدَّمًا في النُّزُولِ، مُتَأخِّرًا في التِّلاوَةِ، دُونَ تَعَرُّضٍ لِزَمانِ وُجُودِ القِصَّتَيْنِ. وإنَّما حَمَلَ مَن حَمَلَ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، اعْتِبارَ ما رَوَوْا مِنَ القَصَصِ الَّذِي لا يَصِحُّ، إذْ لَمْ يَرِدْ بِهِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، ومَتى أمْكَنَ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ كانَ أوْلى، إذِ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى غَيْرِ الظّاهِرِ، إنَّما يَكُونُ لِمُرَجِّحٍ، ولا مُرَجِّحَ، بَلْ تَظْهَرُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في تَكْلِيفِهِمْ أوَّلًا ذَبْحَ بَقَرَةٍ. هَلْ يَمْتَثِلُونَ ذَلِكَ أمْ لا ؟ وامْتِثالُ التَّكالِيفِ الَّتِي لا يَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ الرَّأْيِ حِكْمَةٌ أعْظَمُ مِنِ امْتِثالِ ما تَظْهَرُ فِيهِ حِكْمَةٌ، لِأنَّها طَواعِيَةٌ صِرْفٌ، وعُبُودِيَّةٌ (p-٢٥٩)مَحْضَةٌ، واسْتِسْلامٌ خالِصٌ، بِخِلافِ ما تَظْهَرُ لَهُ حِكْمَةٌ، فَإنَّ في العَقْلِ داعِيَةً إلى امْتِثالِهِ، وحَضًّا عَلى العَمَلِ بِهِ.
وقالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: إنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ القَتِيلِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِأمْرِهِ تَعالى بِالذَّبْحِ، فَأمّا الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ القَتِيلِ، وعَنْ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُضْرَبَ القَتِيلُ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ، فَلا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى الإخْبارِ عَنْ قِصَّةِ البَقَرَةِ. فَقَوْلُ مَن يَقُولُ: هَذِهِ القِصَّةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُولى خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ في نَفْسِها يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُولى في الوُجُودِ. فَأمّا التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ فَغَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ تارَةً يُقَدَّمُ ذِكْرُ السَّبَبِ عَلى ذِكْرِ الحُكْمِ، وأُخْرى عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ لَمّا وقَعَتْ لَهم تِلْكَ الواقِعَةُ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، فَلَمّا ذَبَحُوها قالَ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ مِن قَبْلُ واخْتَلَفْتُمْ فَإنِّي مُظْهِرٌ لَكُمُ القاتِلَ الَّذِي سَتَرْتُمُوهُ، بِأنْ يُضْرَبَ القَتِيلُ بِبَعْضِ هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَكَسَ لَما كانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَ الغَرَضُ في تَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ أوَّلًا، ثُمَّ أُمِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ، ولَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ إلّا نَقْلُ شَيْءٍ مِنَ القِصَصِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ. وقَدْ بَيَّنّا حَمْلَ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّبْحِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا وأنَّ القَتْلَ تَأخَّرَ، كَحالِهِما في التِّلاوَةِ.
وقالَ بَعْضُ النّاسِ: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، في الجُمَلِ، وفي الكَلِماتِ، وفي كَلامِ العَرَبِ. وأوْرَدَ مِن ذَلِكَ جُمَلًا، مِن ذَلِكَ: قِصَّةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في إهْلاكِ قَوْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١]، وفي حُكْمِ مَن ماتَ عَنْها زَوْجُها بِالتَّرَبُّصِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ، وبِمَتاعٍ إلى الحَوْلِ، إذِ النّاسِخُ مُقَدَّمٌ، والمَنسُوخُ مُتَأخِّرٌ. وذَكَرَ مِن تَقْدِيمِ الكَلِماتِ في القُرْآنِ والشِّعْرِ عَلى زَعْمِهِ كَثِيرًا، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، ذَكَرَ أصْحابُنا أنَّهُ مِنَ الضَّرائِرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْهُ. ونِسْبَةُ القَتِيلِ إلى جَمْعٍ، إمّا لِأنَّ القاتِلِينَ جَمْعٌ، وهم ورَثَةُ المَقْتُولِ، وقَدْ نُقِلَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِهِ، أوْ لِأنَّ القاتِلَ واحِدٌ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِيهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في نِسْبَةِ الأشْياءِ إلى القَبِيلَةِ، إذا وُجِدَ مِن بَعْضِها ما يُذَمُّ بِهِ أوْ يُمْدَحُ.
﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَتَدارَأْتُمْ، عَلى وزْنِ تَفاعَلْتُمْ، وهو الأصْلُ، هَكَذا نَقَلَ بَعْضُ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو السَّوّارِ الغَنَوِيُّ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادَّرَأْتُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: فَتَدارَأْتُمْ عَلى الأصْلِ. انْتَهى كَلامُهُ. ونَقَلَ مَن جَمَعَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا السَّوّارِ قَرَأ: فَدَرَأْتُمْ، بِغَيْرِ ألِفٍ قَبْلَ الرّاءِ. ويَحْتَمِلُ هَذا التَّدارُؤُ، وهو التَّدافُعُ، أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وهو أنْ يَدْفَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالأيْدِي، لِشِدَّةِ الِاخْتِصامِ. ويَحْتَمِلُ المَجازَ، بِأنْ يَكُونَ بَعْضُهم طَرَحَ قَتْلَهُ عَلى بَعْضٍ، فَدَفَعَ المَطْرُوحُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلى الطّارِحِ، أوْ بِأنْ دَفَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالتُّهْمَةِ والبَراءَةِ. والضَّمِيرُ في: فِيها عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، وهو ظاهِرٌ، وقِيلَ: عَلى القَتَلَةِ، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، وقِيلَ: عَلى التُّهْمَةِ، فَيَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ.
﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ما: مَنصُوبٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، وهو مَوْصُولٌ مَعْهُودٌ، فَلِذَلِكَ أتى بِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ، ولَمْ يَأْتِ بِالفِعْلِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكْرارِ، ولا تَكْرارَ، إذْ لا تَجَدُّدَ فِيهِ، لِأنَّها قِصَّةٌ واحِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، لَمْ يَأْتِ بِالفِعْلِ. وجاءَ اسْمُ الفاعِلِ مُعْمَلًا، ولَمْ يُضَفْ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى ماضِيًا؛ لِأنَّهُ حَكى ما كانَ مُسْتَقْبَلًا وقْتَ التَّدارُؤِ، وذَلِكَ مِثْلُ ما حَكى الحالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] . ودَخَلَتْ كانَ هُنا لِيَدُلَّ عَلى تَقَدُّمِ الكِتْمانِ، والعائِدُ عَلى ما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ مِن أمْرِ القَتِيلِ وقاتِلِهِ، وعَلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا في القَتِيلِ وغَيْرِهِ، فَيَكُونَ القَتِيلُ مِن جُمْلَةِ أفْرادِهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما كَتَمُوهُ عَنِ النّاسِ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:73
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾: جُمْلَةٌ (p-٢٦٠)مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّدارُؤَ لا يُجْدِي شَيْئًا، إذِ اللَّهُ تَعالى مُظْهِرٌ ما كُتِمَ مِن أمْرِ القَتِيلِ. والهاءُ في ”اضْرِبُوهُ“ عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، عَلى تَذْكِيرِ النَّفْسِ، إذْ فِيها التَّأْنِيثُ، وهو الأشْهَرُ، والتَّذْكِيرُ، أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وإذْ قَتَلْتُمْ ذا نَفْسٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، فَرُوعِيَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢]، ورُوعِيَ المَحْذُوفُ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾، أوْ عائِدٌ عَلى القَتِيلِ، أيْ، فَقُلْنا: اضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِها. الظّاهِرُ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ بِلِسانِها، أوْ بِفَخِذِها اليُمْنى، أوْ بِذَنَبِها، أوْ بِالغُضْرُوفِ، أوْ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ، وهو أصْلُ الأُذُنِ، أوْ بِالبِضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، أوْ بِالعَجْبِ، وهو أصْلُ الذَّنَبِ، أوْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، أوْ بِعَظْمٍ مِن عِظامِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والباءُ في بِبَعْضِها لِلْآلَةِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ بِالقَدُومِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، أيْ بِبَعْضِ البَقَرَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، دَلَّ عَلى ضَرَبُوهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، ودَلَّ عَلى فَحَيِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ . ونُقِلَ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عَلى جِيدِ القَتِيلِ، وذَلِكَ قَبْلَ دَفْنِهِ، ومَن قالَ: إنَّهم مَكَثُوا في طَلَبِها أرْبَعِينَ سَنَةً، أوْ مَن يَقُولُ: إنَّهم أُمِرُوا بِطَلَبِها، ولَمْ تَكُنْ في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ، فَلا يَكُونُ الضَّرْبُ إلّا بَعْدَ دَفْنِهِ. قِيلَ: عَلى قَبْرِهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ المُباشَرُ بِالضَّرْبِ لا القَبْرَ. ورُوِيَ أنَّهُ قامَ وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ فَقالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي، فَقالَ بَنُو أخِيهِ واللَّهِ ما قَتَلْناهُ، فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ، ثُمَّ ماتَ مَكانَهُ. وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهُ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ، لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا وقُتِلا، ولَمْ يُوَرِّثُوا قاتِلًا بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَ الضَّرْبُ بِمَيِّتٍ لا حَياةَ فِيهِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلى ذِي شُبْهَةٍ أنَّ الحَياةَ إنَّما انْقَلَبَتْ إلَيْهِ مِمّا ضُرِبَ بِهِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ وتَتَأكَّدَ الحُجَّةُ.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾: إنَّ كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينِ حَضَرُوا إحْياءَ القَتِيلِ، كانَ ثَمَّ إضْمارُ قَوْلٍ، أيْ وقُلْنا لَهم: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدَّرَهُ الماوَرْدِيُّ خِطابًا مِن مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ كانَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ. والمَعْنى: كَما أُحْيِيَ قَتِيلُ بَنِي إسْرائِيلَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، لِانْتِظامِ الآيِ في نَسَقٍ واحِدٍ، ولِئَلّا يَخْتَلِفَ خِطابُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، وخِطابُ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لِأنَّ ظاهِرَ ”قُلُوبُكم“ أنَّهُ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. والكافُ مِن كَذَلِكَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾، أيْ إحْياءً مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، والمُماثَلَةُ إنَّما هي في مُطْلَقِ الإحْياءِ لا في كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى إحْياءِ القَتِيلِ. وجَعَلَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ ذَلِكَ إشارَةً إلى نَفْسِ القَتِيلِ، ويُحْتاجُ في تَصْحِيحِ ذَلِكَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِثْلَ إحْياءِ ذَلِكَ القَتِيلِ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، فَجَعْلُهُ إشارَةً إلى المَصْدَرِ أوْلى وأقَلُّ تَكَلُّفًا. وإذا كانَ ذَلِكَ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرِينَ إحْياءَ القَتِيلِ، فَحِكْمَةُ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ، وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ، اطْمِئْنانُ قُلُوبِهِمْ وانْتِفاءُ الشُّبْهَةِ عَنْهم، إذِ الَّذِي كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ بِالِاسْتِدْلالِ آمَنُوا بِهِ مُشاهَدَةً.
﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ الِاسْتِئْنافُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُحْيِي، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ جَمْعٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، وهي ما أراهم مِن إحْياءِ المَيِّتِ، والعَصا، والحَجَرِ، والغَمامِ، والمَنِّ والسَّلْوى، والسِّحْرِ، والبَحْرِ، والطُّورِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وكانُوا مَعَ ذَلِكَ أعْمى النّاسِ قُلُوبًا، وأشَدَّ قَسْوَةً وتَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ في تِلْكَ الأوْقاتِ الَّتِي شاهَدُوا فِيها تِلْكَ العَجائِبَ والمُعْجِزاتِ. وقالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾، وإنْ كانَتْ آيَةً واحِدَةً، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى (p-٢٦١)وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، المُخْتارِ في الإيجادِ والإبْداعِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى بَراءَةِ ساحَةِ مَن لَمْ يَكُنْ قاتِلًا، وعَلى تَعَيُّنِ تِلْكَ التُّهْمَةِ عَلى مَن باشَرَ ذَلِكَ القَتْلَ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾: أيْ لَعَلَّكم تَمْتَنِعُونَ مِن عِصْيانِهِ، وتَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكم، مِن أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها، لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، أيْ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الأسْبابِ والشُّرُوطِ حِكَمٌ وفَوائِدُ، وإنَّما شُرِطَ ذَلِكَ لِما في ذَبْحِ البَقَرَةِ مِنَ التَّقَرُّبِ، وأداءِ التَّكْلِيفِ، واكْتِسابِ الثَّوابِ، والإشْعارِ بِحُسْنِ تَقْدِيمِ القُرْبَةِ عَلى الطَّلَبِ، وما في التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، لِتَشْدِيدِهِمْ، مِنَ اللُّطْفِ لَهم ولِآخَرِينَ في تَرْكِ التَّشْدِيدِ، والمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، وارْتِسامِها عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ وتَكْثِيرِ سُؤالٍ، ونَفْعِ اليَتِيمِ بِالتِّجارَةِ الرّابِحَةِ، والدَّلالَةِ عَلى بَرَكَةِ البَرِّ بِالأبَوَيْنِ، والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ، وتَجْهِيلِ الهازِئِ بِما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ، ولا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن كَلامِ الحُكَماءِ. وبَيانِ أنَّ مِن حَقِّ المُتَقَرِّبِ إلى رَبِّهِ أنْ يَتَنَوَّقَ في اخْتِيارِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ، وأنْ يَخْتارَهُ فَتِيَّ السِّنِّ غَيْرَ فَخْمٍ ولا ضَرِعٍ، حَسَنَ اللَّوْنِ بَرِيئًا مِنَ العُيُوبِ، يُونِقُ مَن يَنْظُرُ إلَيْهِ، وأنْ يُغالِيَ بِثَمَنِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ، وأنَّ الزِّيادَةَ في الخِطابِ نَسْخٌ لَهُ، وأنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الفِعْلِ جائِزٌ، وإنْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ وقْتِ الفِعْلِ وإمْكانِهِ لِأدائِهِ إلى البَدْءِ، ولِيَعْلَمَ بِما أُمِرَ مِن مَسِّ المَيِّتِ بِالمَيِّتِ، وحُصُولِ الحَياةِ عَقِيبَهُ، وأنَّ المُؤَثِّرَ هو المُسَبِّبُ لا الأسْبابُ؛ لِأنَّ المَوْتَيْنِ الحاصِلَيْنِ في الجِسْمَيْنِ لا يُعْقَلُ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُما حَياةٌ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحْكامًا فِقْهِيَّةً، انْتَزَعُوها واسْتَدَلُّوا عَلَيْها مِن قِصَّةِ هَذا القَتِيلِ، ولا يَظْهَرُ اسْتِنْباطُهم ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى حِرْمانِ القاتِلِ مِيراثَ المَقْتُولِ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يَرِثُهُ. وأقُولُ: لا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما القِصَّةُ، إنْ صَحَّتْ، تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ في آخِرِها: فَما ورِثَ قاتِلٌ بَعْدَها مِمَّنْ قَتَلَهُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ لا مِيراثَ لَهُ، عَمْدًا كانَ أوْ خَطَأً، لا مِن دِيَتِهِ، ولا مِن سائِرِ مالِهِ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وأبُو يُوسُفَ، إلّا أنَّ أصْحابَ أبِي حَنِيفَةَ قالُوا: إنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا، ورِثَ. وقالَ عُثْمانُ اللَّيْثِيُّ: يَرِثُ قاتِلُ الخَطَأِ. وقالَ ابْنُ وهْبٍ، عَنْ مالِكٍ: لا يَرِثُ قاتِلُ العَمْدِ مِن دِيَتِهِ، ولا مِن مالِهِ. وإنْ قَتَلَهُ خَطَأً يَرِثُ مِن مالِهِ دُونَ دِيَتِهِ. ويُرْوى مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. وقالَ المُزَنِيُّ، عَنِ الشّافِعِيِّ: إذا قَتَلَ الباغِي العادِلَ، أوِ العادِلُ الباغِيَ، لا يَتَوارَثانِ لِأنَّهُما قاتِلانِ. وقالُوا: اسْتَدَلَّ مالِكٌ في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ وابْنِ وهْبٍ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقَسامَةِ، بِقَوْلِ المَقْتُولِ: دَمِي عِنْدَ فُلانٍ، أوْ فُلانٌ قَتَلَنِي، وقالَ الجُمْهُورُ خِلافَهُ. وقالُوا في صِفَةِ البَقَرَةِ اسْتِدْلالٌ لِمَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ الفُقَهاءِ، قالُوا: في هَذِهِ الآياتِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى حَصْرِ الحَيَوانِ بِصِفاتِهِ، أنَّهُ إذا حُصِرَ بِصِفَةٍ يُعْرَفُ بِها جازَ السَّلَمُ فِيهِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ السَّلَمُ في الحَيَوانِ. ودَلائِلُ هَذِهِ المَسائِلِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ خِلافِ الفُقَهاءِ، ولا يَظْهَرُ اسْتِنْباطُ شَيْءٍ مِن هَذا مِن هَذِهِ القِصَّةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ اللَّهُ أنْ يُحْيِيَ مَيِّتَهم لِيُفْصِحَ بِالشَّهادَةِ عَلى قاتِلِهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ حَيَوانٍ لَهم، فَجَعَلَ سَبَبَ حَياةِ مَقْتُولِهِمْ بِقَتْلِ حَيَوانٍ لَهم، صارَتِ الإشارَةُ مِنهُ أنَّ مَن أرادَ حَياةَ قَلْبِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلّا بِذَبْحِ نَفْسِهِ. فَمَن ذَبَحَ نَفْسَهُ بِالمُجاهَداتِ حَيِيَ قَلْبُهُ بِأنْوارِ المُشاهَداتِ، وكَذَلِكَ مَن أرادَ حَياةً في الأبَدِ أماتَ في الدُّنْيا ذِكْرَهُ بِالخُمُولِ.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، مَعْنى ثُمَّ قَسَتْ: اسْتِبْعادُ القَسْوَةِ بَعْدَما ذَكَرَ ما يُوجِبُ لِينَ القُلُوبِ ورِقَّتَها ونَحْوَهُ، ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ. انْتَهى. وهو يُذْكَرُ (p-٢٦٢)عَنْهُ أنَّ العَطْفَ بِثُمَّ يَقْتَضِي الِاسْتِبْعادَ، ولِذَلِكَ قِيلَ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . وهَذا الِاسْتِبْعادُ لا يُسْتَفادُ مِنَ العَطْفِ بِثُمَّ، وإنَّما يُسْتَفادُ مِن مَجِيءِ هَذِهِ الجُمَلِ ووُقُوعِها بَعْدَما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَقْتَضِي وُقُوعَها، ولِأنَّ صُدُورَ هَذا الخارِقِ العَظِيمِ الخارِجِ عَنْ مِقْدارِ البَشَرِ فِيهِ مِنَ الِاعْتِبارِ والعِظاتِ ما يَقْتَضِي لِينَ القُلُوبِ والإنابَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، والتَّسْلِيمَ لِأقْضِيَتِهِ، فَصَدَرَ مِنهم غَيْرُ ذَلِكَ مِن غِلَظِ القُلُوبِ وعَدَمِ انْتِفاعِها بِما شاهَدَتْ، والتَّعَنُّتِ والتَّكْذِيبِ، حَتّى نُقِلَ أنَّهم بَعْدَما حَيِيَ القَتِيلُ، وأخْبَرَ بِمَن قَتَلَهُ قالُوا: كَذَبَ. والضَّمِيرُ في ”قُلُوبُكم“ ضَمِيرُ ورَثَةِ القَتِيلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ، وأنْكَرُوا قَتْلَهُ. وقِيلَ: قُلُوبُ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا قَسَتْ بِمَعاصِيهِمْ وما ارْتَكَبُوهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ. وكَنّى بِالقَسْوَةِ عَنْ نُبُوِّ القَلْبِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وأنَّ المَواعِظَ لا تَجُولُ فِيها. وأتى بِمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ إشْعارًا بِأنَّ القَسْوَةَ كانَ ابْتِداؤُها عَقِيبَ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ الخارِقِ، ولَكِنَّ العَطْفَ بِثُمَّ يَقْتَضِي المُهْلَةَ، فَيَتَدافَعُ مَعْنى ثُمَّ، ومَعْنى مِن، فَلا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ في أحَدِهِما. والتَّجَوُّزُ في ثُمَّ أوْلى؛ لِأنَّ سَجاياهم تَقْتَضِي المُبادَرَةَ إلى المَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَ الآيَةَ العَظِيمَةَ، فَيَنْحَرِفُونَ إثْرَها إلى المَعْصِيَةِ عِنادًا وتَكْذِيبًا، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى إحْياءِ القَتِيلِ، وقِيلَ: إلى كَلامِ القَتِيلِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ مِن مَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ورَفْعِ الجَبَلِ، وانْبِجاسِ الماءِ، وإحْياءِ القَتِيلِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾: يُرِيدُ في القَسْوَةِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ حُكِمَ فِيها بِتَشْبِيهِ قُلُوبِهِمْ بِالحِجارَةِ، إذِ الحَجَرُ لا يَتَأثَّرُ بِمَوْعِظَةٍ، ويَعْنِي أنَّ قُلُوبَهم صُلْبَةٌ، لا تُخَلْخِلُها الخَوارِقُ، كَما أنَّ الحَجَرَ خُلِقَ صُلْبًا. وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اعْتِياصَ قُلُوبِهِمْ لَيْسَ لِعارِضٍ، بَلْ خُلِقَ ذَلِكَ فِيها خَلْقًا أوَّلِيًّا، كَما أنَّ صَلابَةَ الحَجَرِ كَذَلِكَ. والكافُ المُفِيدَةُ مَعْنى التَّشْبِيهِ: حَرْفٌ وفاقًا لِسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ، خِلافًا لِمَنِ ادَّعى أنَّها تَكُونُ اسْمًا في الكَلامِ، وهو عَنِ الأخْفَشِ. فَتَعَلُّقُهُ هُنا بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فَهي كائِنَةٌ كالحِجارَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ كافَ التَّشْبِيهِ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، ودَلائِلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. والألِفُ واللّامُ في الحِجارَةِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ. وجُمِعَتِ الحِجارَةُ ولَمْ تُفْرَدْ، فَيُقالَ كالحَجْرِ، فَيَكُونَ أخْصَرَ، إذْ دَلالَةُ المُفْرَدِ عَلى الجِنْسِ كَدَلالَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم جَمْعٌ، فَناسَبَ مُقابَلَتَهُ بِالجَمْعِ، ولِأنَّ قُلُوبَهم مُتَفاوِتَةٌ في القَسْوَةِ، كَما أنَّ الحِجارَةَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّلابَةِ. فَلَوْ قِيلَ: كالحَجَرِ، لَأفْهَمَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّفاوُتِ، إذْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِن حَيْثُ الإفْرادُ ذَلِكَ.
﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾، أوْ: بِمَعْنى الواوِ، أوْ بِمَعْنى أوْ لِلْإبْهامِ، أوْ لِلْإباحَةِ، أوْ لِلشَّكِّ، أوْ لِلتَّخْيِيرِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ، أقْوالٌ: وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مَثَلًا لِهَذِهِ المَعانِي، والأحْسَنُ القَوْلُ الأخِيرُ. وكَأنَّ قُلُوبَهم عَلى قِسْمَيْنِ: قُلُوبٌ كالحِجارَةِ قَسْوَةً، وقُلُوبٌ أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، فَأجْمَلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ثُمَّ فَصَّلَ ونَوَّعَ إلى مُشَبَّهٍ بِالحِجارَةِ، وإلى أشَدَّ مِنها، إذْ ما كانَ أشَدُّ، كانَ مُشارِكًا في مُطْلَقِ القَسْوَةِ، ثُمَّ امْتازَ بِالأشَدِّيَّةِ. وانْتِصابُ ”قَسْوَةً“ عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى تَقْتَضِيهِ الكافُ ويَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَنْتَصِبُ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. تَقُولُ: زَيْدٌ كَعَمْرٍو حِلْمًا، وهَذا التَّمْيِيزُ مُنْتَصِبٌ بَعْدَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، وهو نَقْلٌ غَرِيبٌ، فَتُؤَخِّرُ هَذا التَّمْيِيزَ وتُقِيمُ ما كانَ مُضافًا إلَيْهِ مُقامَهُ. تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنُ وجْهًا مِن عَمْرٍو، وتَقْدِيرُهُ: وجْهُ زَيْدٍ أحْسَنُ مِن وجْهِ عَمْرٍو، فَأخَّرْتَ وجْهًا وأقَمْتَ ما كانَ مُضافًا مُقامَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، كَما كانَ وجْهُ مُبْتَدَأً، ولَمّا تَأخَّرَ أدّى إلى حَذْفِ وجْهٍ مِن قَوْلِكَ: مِن وجْهِ عَمْرٍو، وإقامَةِ عَمْرٍو مُقامَهُ، فَقُلْتَ: مِن عَمْرٍو، وإنَّما كانَ الأصْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِزِيادَةِ الحُسْنِ حَقِيقَةً لَيْسَ الرَّجُلَ إنَّما هو الوَجْهُ، ونَظِيرُ هَذا: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الحَسَنِ الوَجْهِ، أوِ الوَجْهُ أصْلُ هَذا الرَّفْعِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالحُسْنِ حَقِيقَةً لَيْسَ هو الرَّجُلَ إنَّما هو الوَجْهُ، وإنَّما أوْضَحْنا هَذا؛ لِأنَّ ذِكْرَ مَجِيءِ التَّمْيِيزِ مَنقُولًا مِنَ (p-٢٦٣)المُبْتَدَأِ غَرِيبٌ، وأفْرَدَ ”أشَدُّ“، وإنْ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جَمْعٍ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَها هُنا هو بِمِن، لَكِنَّها حُذِفَتْ، وهو مَكانٌ حَسَّنَ حَذْفَها، إذْ وقَعَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، وعُطِفَ أوْ أشَدُّ عَلى قَوْلِهِ: كالحِجارَةِ، فَهو عَطْفُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُفْرَدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عَلى سَفَرٍ، أوْ مُقِيمٌ، فالضَّمِيرُ الَّذِي في ”أشَدُّ“ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، ولا حاجَةَ إلى ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ ارْتِفاعَهُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ هي أشَدُّ قَسْوَةً، فَيَصِيرَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ مِثْلُ أشَدِّ، فُحُذِفَ مِثْلُ وأُقِيمَ أشَدُّ مُقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في ”أشَدُّ“ إذْ ذاكَ غَيْرَ عائِدٍ عَلى القُلُوبِ، إذْ كانَ الأصْلُ أوْ مِثْلُ شَيْءٍ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، فالضَّمِيرُ في ”أشَدُّ“ عائِدٌ عَلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ بِـ ”أشَدُّ“ المَحْذُوفِ. ويُعَضِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الثّانِيَ قِراءَةُ الأعْمَشِ، بِنَصْبِ الدّالِ عَطْفًا عَلى كالحِجارَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَنْبَغِي أنْ لا يُصارَ إلى هَذا إلّا في هَذِهِ القِراءَةِ خاصَّةً. وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَلَها التَّوْجِيهُ السّابِقُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا إضْمارَ فِيهِ، فَكانَ أرْجَحَ.
وقَدْ رَدَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ في مُنْتَخَبِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلَهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، فَقالَ: هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، لا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يُجِيزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا إلّا في الشِّعْرِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ في الكَلامِ، فَكَيْفَ في القُرْآنِ ؟ فَأوْلى أنْ يَكُونَ أشَدُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ وهي أشَدُّ. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ صَحِيحٌ، ولا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، أنَّ الكافَ اسْمٌ، إنَّما يُرِيدُ مَعْطُوفًا عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ مَرْفُوعٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الكافِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ. وقَوْلَهُ: فالأوْلى أنْ يَكُونَ أشَدُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ هي أشَدُّ، قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأوْلى غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ أشَدُّ قَسْوَةً ؟ وفِعْلُ القَسْوَةِ مِمّا يَخْرُجُ مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وفِعْلُ التَّعَجُّبِ، قُلْتُ: لِكَوْنِهِ أبْيَنَ وأدَلَّ عَلى فَرْطِ القَسْوَةِ. ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ لا يُقْصَدَ مَعْنى الأقْسى، ولَكِنْ قُصِدَ وصْفُ القَسْوَةِ بِالشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّتْ قَسْوَةُ الحِجارَةِ، وقُلُوبُهم أشَدُّ قَسْوَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: وفِعْلُ القَسْوَةِ مِمّا يَخْرُجُ مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وفِعْلُ التَّعَجُّبِ أنَّ قَسا يَجُوزُ أنْ يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وفِعْلُ التَّعَجُّبِ بِجَوازِ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ المُجَوِّزَةِ لِبِناءِ ذَلِكَ، وهي كَوْنُهُ مِن فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ مُتَصَرِّفٍ تامٍّ قابِلٍ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ مُثْبَتٍ. وفي كَوْنِهِ مِن أفْعَلَ، أوْ مِن كَوْنٍ، أوْ مِن مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ خِلافٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أوْ أشَدُّ قَساوَةً، وهو مَصْدَرٌ لِقَسا أيْضًا.
﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾: لَمّا شَبَّهَ تَعالى قُلُوبَهم بِالحِجارَةِ في القَسْوَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها أشَدُّ قَسْوَةً عَلى اخْتِلافِ النّاسِ (p-٢٦٤)فِي مَفْهُومِ ”أوْ“، بَيَّنَ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِما عَلِمَهُ المُخاطَبُ مِن صَلابَةِ الأحْجارِ، وأخَذَ يَذْكُرُ جِهَةَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ قَسْوَةً: والمَعْنى أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ جاسِيَةٌ صُلْبَةٌ لا تُلَيِّنُها المَواعِظُ، ولا تَتَأثَّرُ لِلزَّواجِرِ، وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَقْبَلُ التَّخَلْخُلَ، وأنَّها مُتَفاوِتَةٌ في قَبُولِ ذَلِكَ، عَلى حَسَبِ التَّقْسِيمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ تَعالى ونَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. فَقَدْ فُضِّلَتِ الأحْجارُ عَلى قُلُوبِهِمْ في أنَّ مِنها ما يَقْبَلُ التَّخَلْخُلَ، وأنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ في شِدَّةِ القَساوَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَلى سَبِيلِ المَثَلِ، بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ الحَجَرُ مِمَّنْ يَعْقِلُ لَسَقَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَشَقَّقَ مِن هَيْبَتِهِ، وأنْتُمْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيكُمُ العَقْلَ الَّذِي بِهِ إدْراكُ الأُمُورِ، والنَّظَرُ في عَواقِبِ الأشْياءِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقُلُوبُكم أشَدُّ قَسْوَةً، وأبْعَدُ عَنِ الخَيْرِ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ: بَلْ أخْبَرَ عَنِ الحِجارَةِ بِعَيْنِها، وقَسَّمَها لِهَذِهِ الأقْسامِ، وتَبَيَّنَ بِهَذا التَّقْسِيمِ كَوْنُ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وإنَّ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ قَتادَةُ: وإنْ مُخَفَّفَةً، وكَذا في المَوْضِعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُعْمَلَةً، ويَكُونَ مِنَ الحِجارَةِ في مَوْضِعِ خَبَرِها، و”ما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، وهو اسْمُها، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، أُدْخِلَتْ عَلى الِاسْمِ المُتَأخِّرِ، والِاسْمُ إذا تَأخَّرَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ [القلم: ٣]، وإعْمالُها مُخَفَّفَةً لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِنَ العَرَبِ، وهو قَوْلُهم: إنْ عَمْرًا لَمُنْطَلِقٌ، بِسُكُونِ النُّونِ، إلّا أنَّها إذا خُفِّفَتْ لا تَعْمَلُ في ضَمِيرِ لا، تَقُولُ: إنَّكَ مُنْطَلِقٌ، إلّا إنْ ورَدَ في الشَّعْرِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا تَكُونَ مُعْمَلَةً، بَلْ تَكُونُ مُلْغاةً، و”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. واللّامُ في ”لَما“ مُخْتَلَفٌ فِيها، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنَّ المُؤَكِّدَةِ وإنِ النّافِيَةِ، وهو مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ الصَّغِيرِ. وأكْثَرِ نُحاةِ بَغْدادَ، وبِهِ قالَ مِن نُحاةِ بِلادِنا أبُو الحَسَنِ بْنُ الأخْضَرِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لامٌ اخْتُلِسَتْ لِلْفَرْقِ، ولَيْسَتْ لامَ الِابْتِداءِ، وبِهِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. ومِن كُبَراءِ بِلادِنا ابْنُ أبِي العالِيَةِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ والمُعْرِبُونَ في إنِ المُخَفَّفَةِ هُنا إلّا هَذا الوَجْهَ الثّانِيَ، وهو أنَّها المُلْغاةُ، وأنَّ اللّامَ في ”لَما“ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ إنْ، فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ لازِمَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ الَّتِي بِمَعْنى ما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ لامُ التَّوْكِيدِ في لَما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: وإنْ بِالتَّخْفِيفِ، وهي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢]، وجَعْلُهم إنْ هي المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الفَرّاءُ فَزَعَمَ فِيما ورَدَ مِن ذَلِكَ أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، فَإذا قُلْتَ: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، فَمَعْناهُ عِنْدَهُ: ما زَيْدٌ إلّا قائِمٌ. وأمّا الكِسائِيُّ فَزَعَمَ أنَّها إنْ ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ إنْ نافِيَةً، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وإنْ ولِيَها اسْمٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وذَهَبَ قُطْرُبٌ إلى أنَّها إذا ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ بِمَعْنى قَدْ، والكَلامُ عَلى هَذا المَذْهَبِ في كُتُبِ النَّحْوِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَما بِمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ وهي مَوْصُولَةٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، قالَهُ في المَوْضِعَيْنِ، ولَعَلَّهُ سَقَطَتْ واوٌ أيْ وفي المَوْضِعَيْنِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّها غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لا يَتَمَشّى إلّا إذا نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ وإنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَعْسُرُ تَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءَةِ. أمّا إذا قَرَأ بِتَخْفِيفِ إنْ، وهو المَظْنُونُ بِهِ ذَلِكَ، فَيَظْهَرُ تَوْجِيهُها بَعْضَ ظُهُورٍ، إذْ تَكُونُ إنْ نافِيَةً، وتَكُونُ لَمّا بِمَنزِلَةِ إلّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥]، في قِراءَةِ مَن قَرَأ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، ويَكُونُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُبْتَدَأُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وما مِنَ الحِجارَةِ حَجَرٌ إلّا يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، وكَذَلِكَ ”ما“ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٦٥)﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أيْ وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وما مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ، وحَذْفُ هَذا المُبْتَدَأِ أحْسَنُ، لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ يُشَكِّلُ مَعْنى الحَصْرِ، إذْ يَظْهَرُ بِهَذا التَّفْضِيلِ أنَّ الأحْجارَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَمِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، ومِنها ما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، ومِنها ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. وإذا حَصَرْتَ، أفْهَمَ المَفْهُومُ قَبْلَهُ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الأحْجارِ فِيهِ هَذِهِ الأوْصافُ كُلُّها، أيْ تَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، ويَتَشَقَّقُ مِنهُ الماءُ، ويَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ إذا حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى القابِلِيَّةِ، إذْ كُلُّ حَجَرٍ يَقْبَلُ ذَلِكَ، ولا يَمْتَنِعُ فِيهِ، إذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ. فَإذا تَلَخَّصَ هَذا كُلُّهُ كانَتِ القِراءَةُ مُتَوَجِّهَةً عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَقْرَأ طَلْحَةُ وإنْ بِالتَّخْفِيفِ. وأمّا إنْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ وإنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَيَعْسُرُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ. وأمّا مَن زَعَمَ أنَّ إنَّ المُشَدَّدَةَ هي بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ، ولا يَثْبُتُ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ قِراءَةُ طَلْحَةَ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، مَعَ قِراءَةِ إنَّ بِالتَّشْدِيدِ، بِأنْ يَكُونَ اسْمُ إنَّ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ:
؎ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ
وفِي قَوْلِهِ:
؎فَلَيْتَ دَفَعْتَ الهَمَّ عَنِّي ساعَةً
وتَكُونُ لَمّا بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ، أوْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ مِنها مُنْقادًا، أوْ لَيِّنًا، وما أشْبَهَ هَذا. فَإذا كانُوا قَدْ حَذَفُوا الِاسْمَ والخَبَرَ عَلى ما تَأوَّلَهُ بَعْضُهم في لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، فَقالَ: إنَّ وصاحِبَها، فَحَذْفُ الِاسْمِ وحْدَهُ أسْهَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَفَجَّرُ بِالياءِ، مُضارِعُ تَفَجَّرَ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يَنْفَجِرُ بِالياءِ، مُضارِعُ انْفَجَرَ، وكِلاهُما مُطاوِعٌ. أمّا يَتَفَجَّرُ فَمُطاوِعُ تَفَجَّرَ، وأمّا يَنْفَجِرُ فَمُطاوِعُ فَجَرَ مُخَفَّفًا. والتَّفَجُّرُ: التَّفَتُّحُ بِالسَّعَةِ والكَثْرَةِ، والِانْفِجارُ دُونَهُ، والمَعْنى: إنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما فِيهِ خُرُوقٌ واسِعَةٌ يَنْدَفِقُ مِنها الماءُ الكَثِيرُ الغَمْرُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والضَّحّاكُ: مِنها الأنْهارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنهُ. فالقِراءَةُ الأُولى حَمْلٌ عَلى المَعْنى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ ما لَها هُنا لَفْظٌ ومَعْنًى؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الحِجارَةُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ مُفْرَدًا لِمَعْنًى، فَيَكُونَ لَفْظُهُ ومَعْناهُ واحِدًا، إذْ لَيْسَ المَعْنى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ لَلْحَجَرَ الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنهُ الماءُ، إنَّما المَعْنى لَلْأحْجارَ الَّتِي يَتَفَجَّرُ مِنها الأنْهارُ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى الأنْهارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الحَجَرَ الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، هو الحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.
﴿وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾، التَّشَقُّقُ: التَّصَدُّعُ بِطُولٍ أوْ بِعَرْضٍ، فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ بِقِلَّةٍ حَتّى لا يَكُونَ نَهْرًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَشَّقَّقُ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، وأصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الشِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: تَشَقَّقُ، بِالتّاءِ والشِّينِ المُخَفَّفَةِ عَلى الأصْلِ، ورَأيْتُها مَعْزُوَّةً لِابْنِ مُصَرِّفٍ. وفي النُّسْخَةِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. ما نَصُّهُ: وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: يَنْشَقَّقُ، بِالنُّونِ وقافَيْنِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ اللِّسانُ أنْ يَكُونَ بِقافٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَدْ يَجِيءُ الفَكُّ في شِعْرٍ، فَإنْ كانَ المُضارِعُ مَجْزُومًا، جازَ الفَكُّ فَصِيحًا، وهو هُنا مَرْفُوعٌ، فَلا يَجُوزُ الفَكُّ، إلّا أنَّها قِراءَةٌ شاذَّةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيها، وأمّا أنْ يَكُونَ المُضارِعُ بِالنُّونِ مَعَ القافَيْنِ وتَشْدِيدِ الأُولى مِنهُما، فَلا يَجُوزُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لَما تَتَفَجَّرُ بِالتّاءِ، ولا يَجُوزُ تَتَشَقَّقُ بِالتّاءِ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: تَتَفَجَّرُ فَأنَّثَهُ لِتَأْنِيثِ الأنْهارِ، ولا يَكُونُ في تَشَقَّقُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: يَجُوزُ ما أنْكَرَهُ أبُو حاتِمٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: وإنَّ مِنها لَلْحِجارَةَ الَّتِي تَشَّقَّقُ، وأمّا يَشَّقَّقُ بِالياءِ، فَمَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ صَحِيحٌ. ولَمْ يُنْقَلْ هُنا أنَّ أحَدًا قَرَأ: ”مِنها الماءُ“، فَيُعِيدُ عَلى المَعْنى، إنَّما نُقِلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾، فَناسَبَ الجَمْعُ الجَمْعَ، ولِأنَّ الأنْهارَ مِن حَيْثُ هي جَمْعٌ يَبْعُدُ في العادَةِ أنْ تَخْرُجَ مِن حَجَرٍ واحِدٍ، وإنَّما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِن أحْجارٍ، فَلِذَلِكَ ناسَبَ مُراعاةَ المَعْنى هُنا. وأمّا فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، فالماءُ (p-٢٦٦)لَيْسَ جَمْعًا، فَلا يُناسِبُ في حَمْلِ مِنهُ عَلى المَعْنى، بَلْ أجْرى ”يَشَّقَّقُ“، و”مِنهُ“ عَلى اللَّفْظِ.
﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الهُبُوطُ هُنا: التَّرَدِّي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَهْبُطُ، بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ. وخَشْيَةُ اللَّهِ: خَوْفُهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الخَشْيَةَ هُنا حَقِيقَةٌ. واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: مِن خَشْيَةِ الحِجارَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِهَذِهِ الأحْجارِ الَّتِي تَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى تَمْيِيزًا قامَ لَها مَقامَ الفِعْلِ المُودَعِ فِيمَن يَعْقِلُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بَعْضَ الحِجارَةِ بِالخَشْيَةِ، وبَعْضَها بِالإرادَةِ، ووَصَفَ جَمِيعَها بِالنُّطْقِ والتَّحْمِيدِ والتَّقْدِيسِ والتَّأْوِيبِ والتَّصَدُّعِ، وكُلُّ هَذِهِ صِفاتٌ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ أهْلِ التَّمْيِيزِ والمَعْرِفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآيَةَ، ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبإ: ١٠]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ، وأنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ما مَرَّ بِحَجْرٍ ولا مُدَرٍ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ»، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ إنَّهُ يَشْهَدُ لِمَن يَسْتَلِمُهُ ”. وفي حَدِيثِ الحَجَرِ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصارَ يَعْدُو خَلْفَهُ ويَقُولُ:“ «ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ» . وفي الحَدِيثِ عَنْ أُحُدٍ: «إنَّ هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ» . وفي حَدِيثِ حِراءٍ لَمّا اهْتَزَّ: «اسْكُنْ حِراءُ» وفي حَدِيثِ تَسْبِيحِ صِغارِ الحَصى بِكَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وأحادِيثُ أُخَرُ عَلى نُطْقِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ، وانْقِيادِ الشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوَّةً مُمَيِّزَةً، وصِفَةً ناطِقَةً، وحَرَكَةً اخْتِيارِيَّةً، لَما صَدَرَ عَنْها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولا حَسُنَ وصْفُها بِهِ. وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ هُنا حَقِيقَةٌ، وهو مُصْدَرٌ أُضِيفَ إلى فاعِلٍ. والمُرادُ بِالحَجَرِ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ هو البَرَدُ، والمُرادُ بِخَشْيَةِ اللَّهِ: إخافَتُهُ عِبادَهُ، فَأطْلَقَ الخَشْيَةَ وهو يُرِيدُ الإخْشاءَ، أيْ نُزُولُ البَرَدِ بِهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبادَهُ، ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ. والبَرَدُ لَيْسَ بِحِجارَةٍ، وإنْ كانَ قَدِ اشْتَدَّ عِنْدَ النُّزُولِ، فَهو ماءٌ في الحَقِيقَةِ. وقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ هُنا حَقِيقَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وهو العِبادُ. والمَعْنى: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَنْزِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ عِنْدِ الزَّلْزَلَةِ مِن خَشْيَةِ عِبادِ اللَّهِ إيّاهُ.
وتَحْقِيقُهُ: إنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنها خَشْيَةَ اللَّهِ تَعالى، صارَتْ تِلْكَ الخَشْيَةُ كالعِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الهُبُوطِ، فَكانَ المَعْنى: لَما يَهْبِطُ مِن أجْلِ أنْ يَحْصُلَ لِعِبادِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ الخَشْيَةَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، والمَعْنى: إنَّ مِنَ القُلُوبِ قُلُوبًا تَطْمَئِنُّ وتَسْكُنُ، وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكَنّى بِالهُبُوطِ عَنْ هَذا المَعْنى، ويُرِيدُ بِذَلِكَ قُلُوبَ المُخْلِصِينَ. وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ مِنها﴾، فَظاهِرُ الكَلامِ التَّقْسِيمُ لِلْحِجارَةِ، ولا يُعْدَلُ عَنِ الظّاهِرِ إلّا بِدَلِيلٍ واضِحٍ، والهُبُوطُ لا يَلِيقُ بِالقُلُوبِ، إنَّما يَلِيقُ بِالحِجارَةِ. ولَيْسَ تَأْوِيلُ الهُبُوطِ بِأوْلى مِن تَأْوِيلِ الخَشْيَةِ إنْ تَأوَّلْناها. وقَدْ أمْكَنَ في الوُجُوهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ حَمْلَها عَلى الحَقِيقَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُ تِلْكَ الأقْوالِ أقْوى مِن بَعْضٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ جَعَلَهُ دَكًّا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الخَشْيَةَ هُنا مَجازٌ مِن مَجازِ الِاسْتِعارَةِ، كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ:
؎بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ مِنهُ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
أيْ مَن رَأى الحَجَرَ مُتَرَدِّيًا مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ، فاسْتَعارَ الخَشْيَةَ، كِنايَةً عَنِ الِانْقِيادِ (p-٢٦٧)لِأمْرِ اللَّهِ، وأنَّها لا تَمْتَنِعُ عَلى ما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها. فَمَن يَراها يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ الِانْفِعالَ السَّرِيعَ هو مَخافَةُ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الحَياةَ والنُّطْقَ لا يَحِلّانِ في الجَماداتِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهم. وتَأوَّلُوا ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ بِها مَلائِكَةً، هي الَّتِي تُسَلِّمُ وتَتَكَلَّمُ، كَما ورَدَ أنَّ الرَّحِمَ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تُنادِي: اللَّهُمَّ صِلْ مَن وصَلَنِي، واقْطَعْ مَن قَطَعَنِي. والأرْحامُ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، ولا لَها إدْراكٌ، ويَسْتَحِيلُ أنْ تَسْجُدَ المَعانِي، أوْ تَتَكَلَّمَ، وإنَّما قَرَنَ اللَّهُ تَعالى بِها مَلَكًا يَقُولُ ذَلِكَ القَوْلَ. وتَأوَّلُوا: «هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ»، أيْ يُحِبُّنا أهْلُهُ ونُحِبُّ أهْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ. واخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ، تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ. واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ امْتِناعِها، وتَرْتِيبُ تَقْسِيمِ هَذِهِ الحِجارَةِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ جِدًّا، وهو عَلى حَسَبِ التَّرَقِّي. فَبَدَأ أوَّلًا بِالَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، أيْ خُلِقَ ذا خُرُوقٍ مُتَّسِعَةٍ، فَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ في نَفْسِهِ تَفَعُّلٌ ولا فِعْلٌ، أيْ أنَّها خُلِقَتْ ذاتَ خُرُوقٍ بِحَيْثُ لا يُحْتاجُ أنْ يُضافَ إلَيْها صُدُورُ فِعْلٍ مِنها. ثُمَّ تَرَقّى مِن هَذا الحَجَرِ إلى الحَجَرِ الَّذِي يَنْفَعِلُ انْفِعالًا يَسِيرًا، وهو أنْ يَصْدُرَ مِنهُ تَشَقُّقٌ بِحَيْثُ يَنْبُعُ مِنهُ الماءُ. ثُمَّ تَرَقّى مِن هَذا الحَجَرِ إلى الحَجَرِ الَّذِي يَنْفَعِلُ انْفِعالًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ ويَتَدَهْدَهُ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، ثُمَّ رَسَّخَ هَذا الِانْفِعالَ التّامَّ بِأنَّ ذَلِكَ هو مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، مِن طَواعِيَتِهِ وانْقِيادِهِ لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، فَكَنّى بِالخَشْيَةِ عَنِ الطَّواعِيَةِ والِانْقِيادِ؛ لِأنَّ مَن خَشِيَ أطاعَ وانْقادَ.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: هَذا فِيهِ وعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أفْهَمَ أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ أفْعالٌ فاسِدَةٌ وأعْمالٌ قَبِيحَةٌ، مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُعانَدَةِ رُسُلِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ أعْمالِهِمْ، بَلْ هو تَعالى يُحْصِيها عَلَيْهِمْ، وإذا لَمْ يَغْفُلْ عَنْها كانَ مُجازِيًا عَلَيْها. والغَفْلَةُ إنْ أُرِيدَ بِها السَّهْوُ، فالسَّهْوُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ بِها التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ، فَذَكَرُوا أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَنَفى اللَّهُ تَعالى الغَفْلَةَ عَنْهُ. وانْتِفاءُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لا يُمْكِنُ مِنهُ عَقْلًا، ولِكَوْنِهِ لا يَقَعُ مِنهُ مَعَ إمْكانِهِ. وقَدْ ذَهَبَ القاضِي إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لَيْسَ بِغافِلٍ، قالَ: لِأنَّهُ يُوهِمُ جَوازَ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ؟ وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، فَقَدْ نَفى عَنْهُ تَعالى ما لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَهُ لَهُ. وبِغافِلٍ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنْ تَكُونَ ما حِجازِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنْ تَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً، فَدَخَلَتِ الباءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وسَوَّغَ ذَلِكَ النَّفْيُ. ألا تَرى أنَّها لا تَدْخُلُ في المُوجَبِ ؟ لا تَقُولُ: زَيْدٌ بِقائِمٍ، ولا: ما زَيْدٌ إلّا بِقائِمٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِغافِلٍ في مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ ما، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَّمِيمِيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ، مِن أنَّ الباءَ مَعَ التَّمِيمِيَّةِ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً، لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ فِيما عَلِمْناهُ، بَلِ القائِلُونَ قائِلانِ، قائِلٌ: بِأنَّ التَّمِيمِيَّةَ لا تَدْخُلُ الباءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقائِلٌ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجَرَّ بِالباءِ، وهو الصَّحِيحُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎لَعَمْــرُكَ مَــا مَعْـنٌ بِتَــارِكِ حَقِّــهِ
وأشْعارُ بَنِي تَمِيمٍ تَتَضَمَّنُ جَرَّ الخَبَرِ بِالباءِ كَثِيرًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتّاءِ، وهو الجارِي عَلى نَسَقِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَكُونُ ذَلِكَ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِنَ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: (يَعْمَلُونَ) . وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ أعْرَضَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، وأبْرَزَهم في صُورَةِ مَن لا يُقْبَلُ عَلَيْهِمْ (p-٢٦٨)بِالخِطابِ، وجَعَلَهم كالغائِبِينَ عَنْهُ؛ لِأنَّ مُخاطَبَةَ الشَّخْصِ ومُواجَهَتَهُ بِالكَلامِ إقْبالٌ مِنَ المُخاطِبِ عَلَيْهِ، وتَأْنِيسٌ لَهُ، فَقَطَعَ عَنْهم مُواجَهَتَهُ لَهم بِالخِطابِ، لِكَثْرَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المُخالَفاتِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ فُصُولًا عَظِيمَةً، ومُحاوَراتٍ كَثِيرَةً، وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شافَهَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، وذَلِكَ امْتِحانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم، فَلَمْ يُبادِرُوا لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجُوا ذَلِكَ مُخْرَجَ الهُزُؤِ، إذْ لَمْ يَفْهَمُوا سِرَّ الأمْرِ. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرُوا بِالِامْتِثالِ، فَأجابَهم مُوسى بِاسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ الَّذِي أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ جَهِلَ، فَيُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الهُزُؤِ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي غَيْرِهِ، هو يَسْتَعِيذُ مِنهُ، فَرَجَعُوا إلى قَوْلِهِ، وتَعَنَّتُوا في البَقَرَةِ، وفي أوْصافِها، وكانَ يُجْزِئُهم أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، إذِ المَأْمُورُ بِهِ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ، فَسَألُوا ما هي ؟ وسَألُوا مُوسى أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُبَيِّنَها لَهم، إذْ كانَ دُعاؤُهُ أقْرَبَ لِلْإجابَةِ مِن دُعائِهِمْ، فَأخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسِنِّها. ثُمَّ خافَ مِن كَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، ومِن تَعَنُّتِهِمْ، كَما جاءَ: «إنَّما أهْلَكَ بَنِي إسْرائِيلَ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ» فَبادَرَ إلى أمْرِهِمْ بِأنْ يَفْعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ، حَتّى قَطَعَ سُؤالَهم، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى أمْرِهِ، وسَألُوا أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى ثانِيًا عَنْ لَوْنِها، إذْ قَدْ أُخْبِرُوا بِسِنِّها، فَأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى بِلَوْنِها، ولَمْ يَأْمُرْهم ثانِيًا أنْ يَفْعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، إذْ عَلِمَ مِنهم تَعَنُّتَهم، لِأنَّهم خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وخالَفُوا أمْرَ مُوسى ثانِيًا في قَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] . فَلَمْ يَكُنْ إلّا أنْ أبْقاهم عَلى طَبِيعَتِهِمْ مِن كَثْرَةِ السُّؤالِ. فَسَألُوا ثالِثًا أنْ يَسْألَ اللَّهَ عَنْها، فَأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى بِحالِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَمَلِ وباقِي الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها، فَحِينَئِذٍ صَرَّحُوا بِأنَّ مُوسى جاءَ بِالحَقِّ الواضِحِ الَّذِي بَيَّنَ أمْرَ هَذِهِ البَقَرَةِ، فالتَمَسُوها حَتّى حَصَّلُوها وذَبَحُوها امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بَعْدَ تَرْدِيدٍ كَثِيرٍ وبُطْءٍ عَظِيمٍ، وقَبْلَ ذَلِكَ ما قارَبُوا ذَبْحَها، بَلْ بَقُوا مُتَطَلِّبِينَ أشْياءَ لِيَتَأخَّرَ عَنْهم تَحْصِيلُها وذَبْحُها.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِقَتْلِ النَّفْسِ، وتَدافُعِهِمْ فِيمَن قَتَلَها، واخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ، فَأُمِرُوا بِأنْ يَضْرِبُوا ذَلِكَ القَتِيلَ بِبَعْضِ هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ، فَضَرَبُوهُ فَحَيِـيَ بِإذْنِ اللَّهِ، وانْكَشَفَ لَهم سِرُّ أمْرِ اللَّهِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ، وأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ المُعْجِزِ الخارِقِ ما يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ الدّالُّ عَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الإحْياءِ يُحْيِـي المَوْتى، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإحْياءَيْنِ في مُطْلَقِ الإحْياءِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ يُرِيهِمْ آياتِهِ، لِيَنْتِجَ عَنْ تِلْكَ الإراءَةِ كَوْنُهم يَصِيرُونَ مِن أُولِي العَقْلِ، النّاظِرِينَ في عَواقِبِ الأُمُورِ، المُفَكِّرِينَ في المَعادِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى مُشاهَدَتِهِمْ هَذا الخارِقَ العَظِيمَ، ورُؤْيَتِهِمُ الآياتِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأثَّرُوا لِذَلِكَ، بَلْ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ عَكْسُ مُقْتَضاهُ مِنَ القَسْوَةِ الشَّدِيدَةِ، حَتّى شَبَّهَ قُلُوبَهم بِالحِجارَةِ، أوْ هي أشَدُّ مِنَ الحِجارَةِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ الحِجارَةِ بِالتَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ، عَلى أنَّ الحِجارَةَ تَفْضُلُ قُلُوبَهم في كَوْنِ بَعْضِها يَتَأثَّرُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ ويَتَدَهْدَهُ، وكَوْنِ بَعْضِها يَتَشَقَّقُ فَيَتَأثَّرُ تَأْثِيرًا قَلِيلًا، فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ، وكَوْنِ بَعْضِها خُلِقَ مُنْفَرِجًا تَجْرِي مِنهُ الأنْهارُ، وقُلُوبُهم عَلى سَجِيَّةٍ واحِدَةٍ، لا تَقْبَلُ مَوْعِظَةً، ولا تَتَأثَّرُ لِذِكْرى، ولا تَنْبَعِثُ لِطاعَةٍ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا اجْتَرَحُوهُ في دارِ الدُّنْيا، بَلْ يُجازِيهِمْ بِذَلِكَ في الدّارِ الأُخْرى. وكانَ افْتِتاحُ هَذِهِ الآياتِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ، واخْتِتامُها بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفُلُ. فَهو العالِمُ بِمَنِ امْتَثَلَ، وبِمَن أهْمَلَ، فَيُجازِي مُمْتَثِلَ أمْرِهِ بِجَزِيلِ ثَوابِهِ، ومُهْمِلَ أمْرِهِ بِشَدِيدِ عِقابِهِ.
البقرة 2:74
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾: جُمْلَةٌ (p-٢٦٠)مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّدارُؤَ لا يُجْدِي شَيْئًا، إذِ اللَّهُ تَعالى مُظْهِرٌ ما كُتِمَ مِن أمْرِ القَتِيلِ. والهاءُ في ”اضْرِبُوهُ“ عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، عَلى تَذْكِيرِ النَّفْسِ، إذْ فِيها التَّأْنِيثُ، وهو الأشْهَرُ، والتَّذْكِيرُ، أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وإذْ قَتَلْتُمْ ذا نَفْسٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، فَرُوعِيَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢]، ورُوعِيَ المَحْذُوفُ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾، أوْ عائِدٌ عَلى القَتِيلِ، أيْ، فَقُلْنا: اضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِها. الظّاهِرُ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ بِلِسانِها، أوْ بِفَخِذِها اليُمْنى، أوْ بِذَنَبِها، أوْ بِالغُضْرُوفِ، أوْ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ، وهو أصْلُ الأُذُنِ، أوْ بِالبِضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، أوْ بِالعَجْبِ، وهو أصْلُ الذَّنَبِ، أوْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، أوْ بِعَظْمٍ مِن عِظامِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والباءُ في بِبَعْضِها لِلْآلَةِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ بِالقَدُومِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، أيْ بِبَعْضِ البَقَرَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، دَلَّ عَلى ضَرَبُوهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، ودَلَّ عَلى فَحَيِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ . ونُقِلَ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عَلى جِيدِ القَتِيلِ، وذَلِكَ قَبْلَ دَفْنِهِ، ومَن قالَ: إنَّهم مَكَثُوا في طَلَبِها أرْبَعِينَ سَنَةً، أوْ مَن يَقُولُ: إنَّهم أُمِرُوا بِطَلَبِها، ولَمْ تَكُنْ في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ، فَلا يَكُونُ الضَّرْبُ إلّا بَعْدَ دَفْنِهِ. قِيلَ: عَلى قَبْرِهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ المُباشَرُ بِالضَّرْبِ لا القَبْرَ. ورُوِيَ أنَّهُ قامَ وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ فَقالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي، فَقالَ بَنُو أخِيهِ واللَّهِ ما قَتَلْناهُ، فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ، ثُمَّ ماتَ مَكانَهُ. وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهُ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ، لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا وقُتِلا، ولَمْ يُوَرِّثُوا قاتِلًا بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَ الضَّرْبُ بِمَيِّتٍ لا حَياةَ فِيهِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلى ذِي شُبْهَةٍ أنَّ الحَياةَ إنَّما انْقَلَبَتْ إلَيْهِ مِمّا ضُرِبَ بِهِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ وتَتَأكَّدَ الحُجَّةُ.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾: إنَّ كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينِ حَضَرُوا إحْياءَ القَتِيلِ، كانَ ثَمَّ إضْمارُ قَوْلٍ، أيْ وقُلْنا لَهم: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدَّرَهُ الماوَرْدِيُّ خِطابًا مِن مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ كانَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ. والمَعْنى: كَما أُحْيِيَ قَتِيلُ بَنِي إسْرائِيلَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، لِانْتِظامِ الآيِ في نَسَقٍ واحِدٍ، ولِئَلّا يَخْتَلِفَ خِطابُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، وخِطابُ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لِأنَّ ظاهِرَ ”قُلُوبُكم“ أنَّهُ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. والكافُ مِن كَذَلِكَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾، أيْ إحْياءً مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، والمُماثَلَةُ إنَّما هي في مُطْلَقِ الإحْياءِ لا في كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى إحْياءِ القَتِيلِ. وجَعَلَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ ذَلِكَ إشارَةً إلى نَفْسِ القَتِيلِ، ويُحْتاجُ في تَصْحِيحِ ذَلِكَ إلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِثْلَ إحْياءِ ذَلِكَ القَتِيلِ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، فَجَعْلُهُ إشارَةً إلى المَصْدَرِ أوْلى وأقَلُّ تَكَلُّفًا. وإذا كانَ ذَلِكَ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرِينَ إحْياءَ القَتِيلِ، فَحِكْمَةُ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ، وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ، اطْمِئْنانُ قُلُوبِهِمْ وانْتِفاءُ الشُّبْهَةِ عَنْهم، إذِ الَّذِي كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ بِالِاسْتِدْلالِ آمَنُوا بِهِ مُشاهَدَةً.
﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ الِاسْتِئْنافُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُحْيِي، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ جَمْعٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، وهي ما أراهم مِن إحْياءِ المَيِّتِ، والعَصا، والحَجَرِ، والغَمامِ، والمَنِّ والسَّلْوى، والسِّحْرِ، والبَحْرِ، والطُّورِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وكانُوا مَعَ ذَلِكَ أعْمى النّاسِ قُلُوبًا، وأشَدَّ قَسْوَةً وتَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ في تِلْكَ الأوْقاتِ الَّتِي شاهَدُوا فِيها تِلْكَ العَجائِبَ والمُعْجِزاتِ. وقالَ صاحِبُ المُنْتَخَبِ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾، وإنْ كانَتْ آيَةً واحِدَةً، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى (p-٢٦١)وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، المُخْتارِ في الإيجادِ والإبْداعِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى بَراءَةِ ساحَةِ مَن لَمْ يَكُنْ قاتِلًا، وعَلى تَعَيُّنِ تِلْكَ التُّهْمَةِ عَلى مَن باشَرَ ذَلِكَ القَتْلَ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾: أيْ لَعَلَّكم تَمْتَنِعُونَ مِن عِصْيانِهِ، وتَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكم، مِن أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها، لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، أيْ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الأسْبابِ والشُّرُوطِ حِكَمٌ وفَوائِدُ، وإنَّما شُرِطَ ذَلِكَ لِما في ذَبْحِ البَقَرَةِ مِنَ التَّقَرُّبِ، وأداءِ التَّكْلِيفِ، واكْتِسابِ الثَّوابِ، والإشْعارِ بِحُسْنِ تَقْدِيمِ القُرْبَةِ عَلى الطَّلَبِ، وما في التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، لِتَشْدِيدِهِمْ، مِنَ اللُّطْفِ لَهم ولِآخَرِينَ في تَرْكِ التَّشْدِيدِ، والمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، وارْتِسامِها عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ وتَكْثِيرِ سُؤالٍ، ونَفْعِ اليَتِيمِ بِالتِّجارَةِ الرّابِحَةِ، والدَّلالَةِ عَلى بَرَكَةِ البَرِّ بِالأبَوَيْنِ، والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ، وتَجْهِيلِ الهازِئِ بِما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ، ولا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن كَلامِ الحُكَماءِ. وبَيانِ أنَّ مِن حَقِّ المُتَقَرِّبِ إلى رَبِّهِ أنْ يَتَنَوَّقَ في اخْتِيارِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ، وأنْ يَخْتارَهُ فَتِيَّ السِّنِّ غَيْرَ فَخْمٍ ولا ضَرِعٍ، حَسَنَ اللَّوْنِ بَرِيئًا مِنَ العُيُوبِ، يُونِقُ مَن يَنْظُرُ إلَيْهِ، وأنْ يُغالِيَ بِثَمَنِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ، وأنَّ الزِّيادَةَ في الخِطابِ نَسْخٌ لَهُ، وأنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الفِعْلِ جائِزٌ، وإنْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ وقْتِ الفِعْلِ وإمْكانِهِ لِأدائِهِ إلى البَدْءِ، ولِيَعْلَمَ بِما أُمِرَ مِن مَسِّ المَيِّتِ بِالمَيِّتِ، وحُصُولِ الحَياةِ عَقِيبَهُ، وأنَّ المُؤَثِّرَ هو المُسَبِّبُ لا الأسْبابُ؛ لِأنَّ المَوْتَيْنِ الحاصِلَيْنِ في الجِسْمَيْنِ لا يُعْقَلُ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُما حَياةٌ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحْكامًا فِقْهِيَّةً، انْتَزَعُوها واسْتَدَلُّوا عَلَيْها مِن قِصَّةِ هَذا القَتِيلِ، ولا يَظْهَرُ اسْتِنْباطُهم ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى حِرْمانِ القاتِلِ مِيراثَ المَقْتُولِ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يَرِثُهُ. وأقُولُ: لا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما القِصَّةُ، إنْ صَحَّتْ، تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ في آخِرِها: فَما ورِثَ قاتِلٌ بَعْدَها مِمَّنْ قَتَلَهُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ لا مِيراثَ لَهُ، عَمْدًا كانَ أوْ خَطَأً، لا مِن دِيَتِهِ، ولا مِن سائِرِ مالِهِ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وأبُو يُوسُفَ، إلّا أنَّ أصْحابَ أبِي حَنِيفَةَ قالُوا: إنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا، ورِثَ. وقالَ عُثْمانُ اللَّيْثِيُّ: يَرِثُ قاتِلُ الخَطَأِ. وقالَ ابْنُ وهْبٍ، عَنْ مالِكٍ: لا يَرِثُ قاتِلُ العَمْدِ مِن دِيَتِهِ، ولا مِن مالِهِ. وإنْ قَتَلَهُ خَطَأً يَرِثُ مِن مالِهِ دُونَ دِيَتِهِ. ويُرْوى مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. وقالَ المُزَنِيُّ، عَنِ الشّافِعِيِّ: إذا قَتَلَ الباغِي العادِلَ، أوِ العادِلُ الباغِيَ، لا يَتَوارَثانِ لِأنَّهُما قاتِلانِ. وقالُوا: اسْتَدَلَّ مالِكٌ في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ وابْنِ وهْبٍ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقَسامَةِ، بِقَوْلِ المَقْتُولِ: دَمِي عِنْدَ فُلانٍ، أوْ فُلانٌ قَتَلَنِي، وقالَ الجُمْهُورُ خِلافَهُ. وقالُوا في صِفَةِ البَقَرَةِ اسْتِدْلالٌ لِمَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ الفُقَهاءِ، قالُوا: في هَذِهِ الآياتِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى حَصْرِ الحَيَوانِ بِصِفاتِهِ، أنَّهُ إذا حُصِرَ بِصِفَةٍ يُعْرَفُ بِها جازَ السَّلَمُ فِيهِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ السَّلَمُ في الحَيَوانِ. ودَلائِلُ هَذِهِ المَسائِلِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ خِلافِ الفُقَهاءِ، ولا يَظْهَرُ اسْتِنْباطُ شَيْءٍ مِن هَذا مِن هَذِهِ القِصَّةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ اللَّهُ أنْ يُحْيِيَ مَيِّتَهم لِيُفْصِحَ بِالشَّهادَةِ عَلى قاتِلِهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ حَيَوانٍ لَهم، فَجَعَلَ سَبَبَ حَياةِ مَقْتُولِهِمْ بِقَتْلِ حَيَوانٍ لَهم، صارَتِ الإشارَةُ مِنهُ أنَّ مَن أرادَ حَياةَ قَلْبِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلّا بِذَبْحِ نَفْسِهِ. فَمَن ذَبَحَ نَفْسَهُ بِالمُجاهَداتِ حَيِيَ قَلْبُهُ بِأنْوارِ المُشاهَداتِ، وكَذَلِكَ مَن أرادَ حَياةً في الأبَدِ أماتَ في الدُّنْيا ذِكْرَهُ بِالخُمُولِ.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، مَعْنى ثُمَّ قَسَتْ: اسْتِبْعادُ القَسْوَةِ بَعْدَما ذَكَرَ ما يُوجِبُ لِينَ القُلُوبِ ورِقَّتَها ونَحْوَهُ، ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ. انْتَهى. وهو يُذْكَرُ (p-٢٦٢)عَنْهُ أنَّ العَطْفَ بِثُمَّ يَقْتَضِي الِاسْتِبْعادَ، ولِذَلِكَ قِيلَ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . وهَذا الِاسْتِبْعادُ لا يُسْتَفادُ مِنَ العَطْفِ بِثُمَّ، وإنَّما يُسْتَفادُ مِن مَجِيءِ هَذِهِ الجُمَلِ ووُقُوعِها بَعْدَما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَقْتَضِي وُقُوعَها، ولِأنَّ صُدُورَ هَذا الخارِقِ العَظِيمِ الخارِجِ عَنْ مِقْدارِ البَشَرِ فِيهِ مِنَ الِاعْتِبارِ والعِظاتِ ما يَقْتَضِي لِينَ القُلُوبِ والإنابَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، والتَّسْلِيمَ لِأقْضِيَتِهِ، فَصَدَرَ مِنهم غَيْرُ ذَلِكَ مِن غِلَظِ القُلُوبِ وعَدَمِ انْتِفاعِها بِما شاهَدَتْ، والتَّعَنُّتِ والتَّكْذِيبِ، حَتّى نُقِلَ أنَّهم بَعْدَما حَيِيَ القَتِيلُ، وأخْبَرَ بِمَن قَتَلَهُ قالُوا: كَذَبَ. والضَّمِيرُ في ”قُلُوبُكم“ ضَمِيرُ ورَثَةِ القَتِيلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ، وأنْكَرُوا قَتْلَهُ. وقِيلَ: قُلُوبُ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا قَسَتْ بِمَعاصِيهِمْ وما ارْتَكَبُوهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ. وكَنّى بِالقَسْوَةِ عَنْ نُبُوِّ القَلْبِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وأنَّ المَواعِظَ لا تَجُولُ فِيها. وأتى بِمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ إشْعارًا بِأنَّ القَسْوَةَ كانَ ابْتِداؤُها عَقِيبَ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ الخارِقِ، ولَكِنَّ العَطْفَ بِثُمَّ يَقْتَضِي المُهْلَةَ، فَيَتَدافَعُ مَعْنى ثُمَّ، ومَعْنى مِن، فَلا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ في أحَدِهِما. والتَّجَوُّزُ في ثُمَّ أوْلى؛ لِأنَّ سَجاياهم تَقْتَضِي المُبادَرَةَ إلى المَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَ الآيَةَ العَظِيمَةَ، فَيَنْحَرِفُونَ إثْرَها إلى المَعْصِيَةِ عِنادًا وتَكْذِيبًا، والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ: إلى إحْياءِ القَتِيلِ، وقِيلَ: إلى كَلامِ القَتِيلِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ مِن مَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ورَفْعِ الجَبَلِ، وانْبِجاسِ الماءِ، وإحْياءِ القَتِيلِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾: يُرِيدُ في القَسْوَةِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ حُكِمَ فِيها بِتَشْبِيهِ قُلُوبِهِمْ بِالحِجارَةِ، إذِ الحَجَرُ لا يَتَأثَّرُ بِمَوْعِظَةٍ، ويَعْنِي أنَّ قُلُوبَهم صُلْبَةٌ، لا تُخَلْخِلُها الخَوارِقُ، كَما أنَّ الحَجَرَ خُلِقَ صُلْبًا. وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اعْتِياصَ قُلُوبِهِمْ لَيْسَ لِعارِضٍ، بَلْ خُلِقَ ذَلِكَ فِيها خَلْقًا أوَّلِيًّا، كَما أنَّ صَلابَةَ الحَجَرِ كَذَلِكَ. والكافُ المُفِيدَةُ مَعْنى التَّشْبِيهِ: حَرْفٌ وفاقًا لِسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ، خِلافًا لِمَنِ ادَّعى أنَّها تَكُونُ اسْمًا في الكَلامِ، وهو عَنِ الأخْفَشِ. فَتَعَلُّقُهُ هُنا بِمَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فَهي كائِنَةٌ كالحِجارَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ كافَ التَّشْبِيهِ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، ودَلائِلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. والألِفُ واللّامُ في الحِجارَةِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ. وجُمِعَتِ الحِجارَةُ ولَمْ تُفْرَدْ، فَيُقالَ كالحَجْرِ، فَيَكُونَ أخْصَرَ، إذْ دَلالَةُ المُفْرَدِ عَلى الجِنْسِ كَدَلالَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم جَمْعٌ، فَناسَبَ مُقابَلَتَهُ بِالجَمْعِ، ولِأنَّ قُلُوبَهم مُتَفاوِتَةٌ في القَسْوَةِ، كَما أنَّ الحِجارَةَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّلابَةِ. فَلَوْ قِيلَ: كالحَجَرِ، لَأفْهَمَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّفاوُتِ، إذْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِن حَيْثُ الإفْرادُ ذَلِكَ.
﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾، أوْ: بِمَعْنى الواوِ، أوْ بِمَعْنى أوْ لِلْإبْهامِ، أوْ لِلْإباحَةِ، أوْ لِلشَّكِّ، أوْ لِلتَّخْيِيرِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ، أقْوالٌ: وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مَثَلًا لِهَذِهِ المَعانِي، والأحْسَنُ القَوْلُ الأخِيرُ. وكَأنَّ قُلُوبَهم عَلى قِسْمَيْنِ: قُلُوبٌ كالحِجارَةِ قَسْوَةً، وقُلُوبٌ أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، فَأجْمَلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ثُمَّ فَصَّلَ ونَوَّعَ إلى مُشَبَّهٍ بِالحِجارَةِ، وإلى أشَدَّ مِنها، إذْ ما كانَ أشَدُّ، كانَ مُشارِكًا في مُطْلَقِ القَسْوَةِ، ثُمَّ امْتازَ بِالأشَدِّيَّةِ. وانْتِصابُ ”قَسْوَةً“ عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى تَقْتَضِيهِ الكافُ ويَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَنْتَصِبُ عَنْهُ التَّمْيِيزُ. تَقُولُ: زَيْدٌ كَعَمْرٍو حِلْمًا، وهَذا التَّمْيِيزُ مُنْتَصِبٌ بَعْدَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، وهو نَقْلٌ غَرِيبٌ، فَتُؤَخِّرُ هَذا التَّمْيِيزَ وتُقِيمُ ما كانَ مُضافًا إلَيْهِ مُقامَهُ. تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنُ وجْهًا مِن عَمْرٍو، وتَقْدِيرُهُ: وجْهُ زَيْدٍ أحْسَنُ مِن وجْهِ عَمْرٍو، فَأخَّرْتَ وجْهًا وأقَمْتَ ما كانَ مُضافًا مُقامَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، كَما كانَ وجْهُ مُبْتَدَأً، ولَمّا تَأخَّرَ أدّى إلى حَذْفِ وجْهٍ مِن قَوْلِكَ: مِن وجْهِ عَمْرٍو، وإقامَةِ عَمْرٍو مُقامَهُ، فَقُلْتَ: مِن عَمْرٍو، وإنَّما كانَ الأصْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِزِيادَةِ الحُسْنِ حَقِيقَةً لَيْسَ الرَّجُلَ إنَّما هو الوَجْهُ، ونَظِيرُ هَذا: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الحَسَنِ الوَجْهِ، أوِ الوَجْهُ أصْلُ هَذا الرَّفْعِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالحُسْنِ حَقِيقَةً لَيْسَ هو الرَّجُلَ إنَّما هو الوَجْهُ، وإنَّما أوْضَحْنا هَذا؛ لِأنَّ ذِكْرَ مَجِيءِ التَّمْيِيزِ مَنقُولًا مِنَ (p-٢٦٣)المُبْتَدَأِ غَرِيبٌ، وأفْرَدَ ”أشَدُّ“، وإنْ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جَمْعٍ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَها هُنا هو بِمِن، لَكِنَّها حُذِفَتْ، وهو مَكانٌ حَسَّنَ حَذْفَها، إذْ وقَعَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، وعُطِفَ أوْ أشَدُّ عَلى قَوْلِهِ: كالحِجارَةِ، فَهو عَطْفُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُفْرَدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عَلى سَفَرٍ، أوْ مُقِيمٌ، فالضَّمِيرُ الَّذِي في ”أشَدُّ“ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، ولا حاجَةَ إلى ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ ارْتِفاعَهُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ هي أشَدُّ قَسْوَةً، فَيَصِيرَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ مِثْلُ أشَدِّ، فُحُذِفَ مِثْلُ وأُقِيمَ أشَدُّ مُقامَهُ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في ”أشَدُّ“ إذْ ذاكَ غَيْرَ عائِدٍ عَلى القُلُوبِ، إذْ كانَ الأصْلُ أوْ مِثْلُ شَيْءٍ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، فالضَّمِيرُ في ”أشَدُّ“ عائِدٌ عَلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ بِـ ”أشَدُّ“ المَحْذُوفِ. ويُعَضِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الثّانِيَ قِراءَةُ الأعْمَشِ، بِنَصْبِ الدّالِ عَطْفًا عَلى كالحِجارَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَنْبَغِي أنْ لا يُصارَ إلى هَذا إلّا في هَذِهِ القِراءَةِ خاصَّةً. وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَلَها التَّوْجِيهُ السّابِقُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا إضْمارَ فِيهِ، فَكانَ أرْجَحَ.
وقَدْ رَدَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَضْلِ في مُنْتَخَبِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلَهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، فَقالَ: هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، لا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يُجِيزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا إلّا في الشِّعْرِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ في الكَلامِ، فَكَيْفَ في القُرْآنِ ؟ فَأوْلى أنْ يَكُونَ أشَدُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ وهي أشَدُّ. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ صَحِيحٌ، ولا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، أنَّ الكافَ اسْمٌ، إنَّما يُرِيدُ مَعْطُوفًا عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ مَرْفُوعٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الكافِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ. وقَوْلَهُ: فالأوْلى أنْ يَكُونَ أشَدُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ هي أشَدُّ، قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأوْلى غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ أشَدُّ قَسْوَةً ؟ وفِعْلُ القَسْوَةِ مِمّا يَخْرُجُ مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وفِعْلُ التَّعَجُّبِ، قُلْتُ: لِكَوْنِهِ أبْيَنَ وأدَلَّ عَلى فَرْطِ القَسْوَةِ. ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ لا يُقْصَدَ مَعْنى الأقْسى، ولَكِنْ قُصِدَ وصْفُ القَسْوَةِ بِالشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّتْ قَسْوَةُ الحِجارَةِ، وقُلُوبُهم أشَدُّ قَسْوَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: وفِعْلُ القَسْوَةِ مِمّا يَخْرُجُ مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وفِعْلُ التَّعَجُّبِ أنَّ قَسا يَجُوزُ أنْ يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وفِعْلُ التَّعَجُّبِ بِجَوازِ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ المُجَوِّزَةِ لِبِناءِ ذَلِكَ، وهي كَوْنُهُ مِن فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ مُتَصَرِّفٍ تامٍّ قابِلٍ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ مُثْبَتٍ. وفي كَوْنِهِ مِن أفْعَلَ، أوْ مِن كَوْنٍ، أوْ مِن مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ خِلافٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أوْ أشَدُّ قَساوَةً، وهو مَصْدَرٌ لِقَسا أيْضًا.
﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾: لَمّا شَبَّهَ تَعالى قُلُوبَهم بِالحِجارَةِ في القَسْوَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها أشَدُّ قَسْوَةً عَلى اخْتِلافِ النّاسِ (p-٢٦٤)فِي مَفْهُومِ ”أوْ“، بَيَّنَ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِما عَلِمَهُ المُخاطَبُ مِن صَلابَةِ الأحْجارِ، وأخَذَ يَذْكُرُ جِهَةَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ قَسْوَةً: والمَعْنى أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ جاسِيَةٌ صُلْبَةٌ لا تُلَيِّنُها المَواعِظُ، ولا تَتَأثَّرُ لِلزَّواجِرِ، وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَقْبَلُ التَّخَلْخُلَ، وأنَّها مُتَفاوِتَةٌ في قَبُولِ ذَلِكَ، عَلى حَسَبِ التَّقْسِيمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ تَعالى ونَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. فَقَدْ فُضِّلَتِ الأحْجارُ عَلى قُلُوبِهِمْ في أنَّ مِنها ما يَقْبَلُ التَّخَلْخُلَ، وأنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ في شِدَّةِ القَساوَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَلى سَبِيلِ المَثَلِ، بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ الحَجَرُ مِمَّنْ يَعْقِلُ لَسَقَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَشَقَّقَ مِن هَيْبَتِهِ، وأنْتُمْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيكُمُ العَقْلَ الَّذِي بِهِ إدْراكُ الأُمُورِ، والنَّظَرُ في عَواقِبِ الأشْياءِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقُلُوبُكم أشَدُّ قَسْوَةً، وأبْعَدُ عَنِ الخَيْرِ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ: بَلْ أخْبَرَ عَنِ الحِجارَةِ بِعَيْنِها، وقَسَّمَها لِهَذِهِ الأقْسامِ، وتَبَيَّنَ بِهَذا التَّقْسِيمِ كَوْنُ قُلُوبِهِمْ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وإنَّ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ قَتادَةُ: وإنْ مُخَفَّفَةً، وكَذا في المَوْضِعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُعْمَلَةً، ويَكُونَ مِنَ الحِجارَةِ في مَوْضِعِ خَبَرِها، و”ما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها، وهو اسْمُها، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، أُدْخِلَتْ عَلى الِاسْمِ المُتَأخِّرِ، والِاسْمُ إذا تَأخَّرَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ [القلم: ٣]، وإعْمالُها مُخَفَّفَةً لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِنَ العَرَبِ، وهو قَوْلُهم: إنْ عَمْرًا لَمُنْطَلِقٌ، بِسُكُونِ النُّونِ، إلّا أنَّها إذا خُفِّفَتْ لا تَعْمَلُ في ضَمِيرِ لا، تَقُولُ: إنَّكَ مُنْطَلِقٌ، إلّا إنْ ورَدَ في الشَّعْرِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا تَكُونَ مُعْمَلَةً، بَلْ تَكُونُ مُلْغاةً، و”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. واللّامُ في ”لَما“ مُخْتَلَفٌ فِيها، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنَّ المُؤَكِّدَةِ وإنِ النّافِيَةِ، وهو مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ الصَّغِيرِ. وأكْثَرِ نُحاةِ بَغْدادَ، وبِهِ قالَ مِن نُحاةِ بِلادِنا أبُو الحَسَنِ بْنُ الأخْضَرِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها لامٌ اخْتُلِسَتْ لِلْفَرْقِ، ولَيْسَتْ لامَ الِابْتِداءِ، وبِهِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. ومِن كُبَراءِ بِلادِنا ابْنُ أبِي العالِيَةِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ والمُعْرِبُونَ في إنِ المُخَفَّفَةِ هُنا إلّا هَذا الوَجْهَ الثّانِيَ، وهو أنَّها المُلْغاةُ، وأنَّ اللّامَ في ”لَما“ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ إنْ، فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ لازِمَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ الَّتِي بِمَعْنى ما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ لامُ التَّوْكِيدِ في لَما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: وإنْ بِالتَّخْفِيفِ، وهي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢]، وجَعْلُهم إنْ هي المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الفَرّاءُ فَزَعَمَ فِيما ورَدَ مِن ذَلِكَ أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، فَإذا قُلْتَ: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٌ، فَمَعْناهُ عِنْدَهُ: ما زَيْدٌ إلّا قائِمٌ. وأمّا الكِسائِيُّ فَزَعَمَ أنَّها إنْ ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ إنْ نافِيَةً، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وإنْ ولِيَها اسْمٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وذَهَبَ قُطْرُبٌ إلى أنَّها إذا ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ بِمَعْنى قَدْ، والكَلامُ عَلى هَذا المَذْهَبِ في كُتُبِ النَّحْوِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَما بِمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ وهي مَوْصُولَةٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، قالَهُ في المَوْضِعَيْنِ، ولَعَلَّهُ سَقَطَتْ واوٌ أيْ وفي المَوْضِعَيْنِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّها غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لا يَتَمَشّى إلّا إذا نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ وإنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَعْسُرُ تَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءَةِ. أمّا إذا قَرَأ بِتَخْفِيفِ إنْ، وهو المَظْنُونُ بِهِ ذَلِكَ، فَيَظْهَرُ تَوْجِيهُها بَعْضَ ظُهُورٍ، إذْ تَكُونُ إنْ نافِيَةً، وتَكُونُ لَمّا بِمَنزِلَةِ إلّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥]، في قِراءَةِ مَن قَرَأ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، ويَكُونُ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُبْتَدَأُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وما مِنَ الحِجارَةِ حَجَرٌ إلّا يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، وكَذَلِكَ ”ما“ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٦٥)﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أيْ وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وما مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ، وحَذْفُ هَذا المُبْتَدَأِ أحْسَنُ، لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ يُشَكِّلُ مَعْنى الحَصْرِ، إذْ يَظْهَرُ بِهَذا التَّفْضِيلِ أنَّ الأحْجارَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَمِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، ومِنها ما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، ومِنها ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. وإذا حَصَرْتَ، أفْهَمَ المَفْهُومُ قَبْلَهُ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الأحْجارِ فِيهِ هَذِهِ الأوْصافُ كُلُّها، أيْ تَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، ويَتَشَقَّقُ مِنهُ الماءُ، ويَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ إذا حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى القابِلِيَّةِ، إذْ كُلُّ حَجَرٍ يَقْبَلُ ذَلِكَ، ولا يَمْتَنِعُ فِيهِ، إذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ. فَإذا تَلَخَّصَ هَذا كُلُّهُ كانَتِ القِراءَةُ مُتَوَجِّهَةً عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَقْرَأ طَلْحَةُ وإنْ بِالتَّخْفِيفِ. وأمّا إنْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ وإنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَيَعْسُرُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ. وأمّا مَن زَعَمَ أنَّ إنَّ المُشَدَّدَةَ هي بِمَعْنى ما النّافِيَةِ، فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ، ولا يَثْبُتُ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ قِراءَةُ طَلْحَةَ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ، مَعَ قِراءَةِ إنَّ بِالتَّشْدِيدِ، بِأنْ يَكُونَ اسْمُ إنَّ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ:
؎ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ
وفِي قَوْلِهِ:
؎فَلَيْتَ دَفَعْتَ الهَمَّ عَنِّي ساعَةً
وتَكُونُ لَمّا بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ، أوْ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ مِنها مُنْقادًا، أوْ لَيِّنًا، وما أشْبَهَ هَذا. فَإذا كانُوا قَدْ حَذَفُوا الِاسْمَ والخَبَرَ عَلى ما تَأوَّلَهُ بَعْضُهم في لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، فَقالَ: إنَّ وصاحِبَها، فَحَذْفُ الِاسْمِ وحْدَهُ أسْهَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَتَفَجَّرُ بِالياءِ، مُضارِعُ تَفَجَّرَ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يَنْفَجِرُ بِالياءِ، مُضارِعُ انْفَجَرَ، وكِلاهُما مُطاوِعٌ. أمّا يَتَفَجَّرُ فَمُطاوِعُ تَفَجَّرَ، وأمّا يَنْفَجِرُ فَمُطاوِعُ فَجَرَ مُخَفَّفًا. والتَّفَجُّرُ: التَّفَتُّحُ بِالسَّعَةِ والكَثْرَةِ، والِانْفِجارُ دُونَهُ، والمَعْنى: إنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما فِيهِ خُرُوقٌ واسِعَةٌ يَنْدَفِقُ مِنها الماءُ الكَثِيرُ الغَمْرُ. وقَرَأ أُبَيٌّ والضَّحّاكُ: مِنها الأنْهارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنهُ. فالقِراءَةُ الأُولى حَمْلٌ عَلى المَعْنى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ ما لَها هُنا لَفْظٌ ومَعْنًى؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الحِجارَةُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ مُفْرَدًا لِمَعْنًى، فَيَكُونَ لَفْظُهُ ومَعْناهُ واحِدًا، إذْ لَيْسَ المَعْنى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ لَلْحَجَرَ الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنهُ الماءُ، إنَّما المَعْنى لَلْأحْجارَ الَّتِي يَتَفَجَّرُ مِنها الأنْهارُ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى الأنْهارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الحَجَرَ الَّذِي يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، هو الحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.
﴿وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾، التَّشَقُّقُ: التَّصَدُّعُ بِطُولٍ أوْ بِعَرْضٍ، فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ بِقِلَّةٍ حَتّى لا يَكُونَ نَهْرًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَشَّقَّقُ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، وأصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الشِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: تَشَقَّقُ، بِالتّاءِ والشِّينِ المُخَفَّفَةِ عَلى الأصْلِ، ورَأيْتُها مَعْزُوَّةً لِابْنِ مُصَرِّفٍ. وفي النُّسْخَةِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. ما نَصُّهُ: وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: يَنْشَقَّقُ، بِالنُّونِ وقافَيْنِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ اللِّسانُ أنْ يَكُونَ بِقافٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَدْ يَجِيءُ الفَكُّ في شِعْرٍ، فَإنْ كانَ المُضارِعُ مَجْزُومًا، جازَ الفَكُّ فَصِيحًا، وهو هُنا مَرْفُوعٌ، فَلا يَجُوزُ الفَكُّ، إلّا أنَّها قِراءَةٌ شاذَّةٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيها، وأمّا أنْ يَكُونَ المُضارِعُ بِالنُّونِ مَعَ القافَيْنِ وتَشْدِيدِ الأُولى مِنهُما، فَلا يَجُوزُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لَما تَتَفَجَّرُ بِالتّاءِ، ولا يَجُوزُ تَتَشَقَّقُ بِالتّاءِ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: تَتَفَجَّرُ فَأنَّثَهُ لِتَأْنِيثِ الأنْهارِ، ولا يَكُونُ في تَشَقَّقُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: يَجُوزُ ما أنْكَرَهُ أبُو حاتِمٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: وإنَّ مِنها لَلْحِجارَةَ الَّتِي تَشَّقَّقُ، وأمّا يَشَّقَّقُ بِالياءِ، فَمَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ. انْتَهى، وهو كَلامٌ صَحِيحٌ. ولَمْ يُنْقَلْ هُنا أنَّ أحَدًا قَرَأ: ”مِنها الماءُ“، فَيُعِيدُ عَلى المَعْنى، إنَّما نُقِلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾، فَناسَبَ الجَمْعُ الجَمْعَ، ولِأنَّ الأنْهارَ مِن حَيْثُ هي جَمْعٌ يَبْعُدُ في العادَةِ أنْ تَخْرُجَ مِن حَجَرٍ واحِدٍ، وإنَّما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِن أحْجارٍ، فَلِذَلِكَ ناسَبَ مُراعاةَ المَعْنى هُنا. وأمّا فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، فالماءُ (p-٢٦٦)لَيْسَ جَمْعًا، فَلا يُناسِبُ في حَمْلِ مِنهُ عَلى المَعْنى، بَلْ أجْرى ”يَشَّقَّقُ“، و”مِنهُ“ عَلى اللَّفْظِ.
﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الهُبُوطُ هُنا: التَّرَدِّي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَهْبُطُ، بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها لُغَةٌ. وخَشْيَةُ اللَّهِ: خَوْفُهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الخَشْيَةَ هُنا حَقِيقَةٌ. واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: مِن خَشْيَةِ الحِجارَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِهَذِهِ الأحْجارِ الَّتِي تَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى تَمْيِيزًا قامَ لَها مَقامَ الفِعْلِ المُودَعِ فِيمَن يَعْقِلُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بَعْضَ الحِجارَةِ بِالخَشْيَةِ، وبَعْضَها بِالإرادَةِ، ووَصَفَ جَمِيعَها بِالنُّطْقِ والتَّحْمِيدِ والتَّقْدِيسِ والتَّأْوِيبِ والتَّصَدُّعِ، وكُلُّ هَذِهِ صِفاتٌ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ أهْلِ التَّمْيِيزِ والمَعْرِفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآيَةَ، ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبإ: ١٠]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ، وأنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ما مَرَّ بِحَجْرٍ ولا مُدَرٍ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ»، وفي الحَجَرِ الأسْوَدِ إنَّهُ يَشْهَدُ لِمَن يَسْتَلِمُهُ ”. وفي حَدِيثِ الحَجَرِ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصارَ يَعْدُو خَلْفَهُ ويَقُولُ:“ «ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ» . وفي الحَدِيثِ عَنْ أُحُدٍ: «إنَّ هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ» . وفي حَدِيثِ حِراءٍ لَمّا اهْتَزَّ: «اسْكُنْ حِراءُ» وفي حَدِيثِ تَسْبِيحِ صِغارِ الحَصى بِكَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وأحادِيثُ أُخَرُ عَلى نُطْقِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ، وانْقِيادِ الشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوَّةً مُمَيِّزَةً، وصِفَةً ناطِقَةً، وحَرَكَةً اخْتِيارِيَّةً، لَما صَدَرَ عَنْها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولا حَسُنَ وصْفُها بِهِ. وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ هُنا حَقِيقَةٌ، وهو مُصْدَرٌ أُضِيفَ إلى فاعِلٍ. والمُرادُ بِالحَجَرِ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ هو البَرَدُ، والمُرادُ بِخَشْيَةِ اللَّهِ: إخافَتُهُ عِبادَهُ، فَأطْلَقَ الخَشْيَةَ وهو يُرِيدُ الإخْشاءَ، أيْ نُزُولُ البَرَدِ بِهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبادَهُ، ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ. والبَرَدُ لَيْسَ بِحِجارَةٍ، وإنْ كانَ قَدِ اشْتَدَّ عِنْدَ النُّزُولِ، فَهو ماءٌ في الحَقِيقَةِ. وقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ هُنا حَقِيقَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وهو العِبادُ. والمَعْنى: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَنْزِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ عِنْدِ الزَّلْزَلَةِ مِن خَشْيَةِ عِبادِ اللَّهِ إيّاهُ.
وتَحْقِيقُهُ: إنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنها خَشْيَةَ اللَّهِ تَعالى، صارَتْ تِلْكَ الخَشْيَةُ كالعِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الهُبُوطِ، فَكانَ المَعْنى: لَما يَهْبِطُ مِن أجْلِ أنْ يَحْصُلَ لِعِبادِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ الخَشْيَةَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، والمَعْنى: إنَّ مِنَ القُلُوبِ قُلُوبًا تَطْمَئِنُّ وتَسْكُنُ، وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكَنّى بِالهُبُوطِ عَنْ هَذا المَعْنى، ويُرِيدُ بِذَلِكَ قُلُوبَ المُخْلِصِينَ. وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ مِنها﴾، فَظاهِرُ الكَلامِ التَّقْسِيمُ لِلْحِجارَةِ، ولا يُعْدَلُ عَنِ الظّاهِرِ إلّا بِدَلِيلٍ واضِحٍ، والهُبُوطُ لا يَلِيقُ بِالقُلُوبِ، إنَّما يَلِيقُ بِالحِجارَةِ. ولَيْسَ تَأْوِيلُ الهُبُوطِ بِأوْلى مِن تَأْوِيلِ الخَشْيَةِ إنْ تَأوَّلْناها. وقَدْ أمْكَنَ في الوُجُوهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ حَمْلَها عَلى الحَقِيقَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُ تِلْكَ الأقْوالِ أقْوى مِن بَعْضٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ جَعَلَهُ دَكًّا. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الخَشْيَةَ هُنا مَجازٌ مِن مَجازِ الِاسْتِعارَةِ، كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ:
؎بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ مِنهُ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
أيْ مَن رَأى الحَجَرَ مُتَرَدِّيًا مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ، فاسْتَعارَ الخَشْيَةَ، كِنايَةً عَنِ الِانْقِيادِ (p-٢٦٧)لِأمْرِ اللَّهِ، وأنَّها لا تَمْتَنِعُ عَلى ما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها. فَمَن يَراها يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ الِانْفِعالَ السَّرِيعَ هو مَخافَةُ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الحَياةَ والنُّطْقَ لا يَحِلّانِ في الجَماداتِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهم. وتَأوَّلُوا ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ بِها مَلائِكَةً، هي الَّتِي تُسَلِّمُ وتَتَكَلَّمُ، كَما ورَدَ أنَّ الرَّحِمَ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تُنادِي: اللَّهُمَّ صِلْ مَن وصَلَنِي، واقْطَعْ مَن قَطَعَنِي. والأرْحامُ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، ولا لَها إدْراكٌ، ويَسْتَحِيلُ أنْ تَسْجُدَ المَعانِي، أوْ تَتَكَلَّمَ، وإنَّما قَرَنَ اللَّهُ تَعالى بِها مَلَكًا يَقُولُ ذَلِكَ القَوْلَ. وتَأوَّلُوا: «هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ»، أيْ يُحِبُّنا أهْلُهُ ونُحِبُّ أهْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ. واخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ، تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ. واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ امْتِناعِها، وتَرْتِيبُ تَقْسِيمِ هَذِهِ الحِجارَةِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ جِدًّا، وهو عَلى حَسَبِ التَّرَقِّي. فَبَدَأ أوَّلًا بِالَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، أيْ خُلِقَ ذا خُرُوقٍ مُتَّسِعَةٍ، فَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ في نَفْسِهِ تَفَعُّلٌ ولا فِعْلٌ، أيْ أنَّها خُلِقَتْ ذاتَ خُرُوقٍ بِحَيْثُ لا يُحْتاجُ أنْ يُضافَ إلَيْها صُدُورُ فِعْلٍ مِنها. ثُمَّ تَرَقّى مِن هَذا الحَجَرِ إلى الحَجَرِ الَّذِي يَنْفَعِلُ انْفِعالًا يَسِيرًا، وهو أنْ يَصْدُرَ مِنهُ تَشَقُّقٌ بِحَيْثُ يَنْبُعُ مِنهُ الماءُ. ثُمَّ تَرَقّى مِن هَذا الحَجَرِ إلى الحَجَرِ الَّذِي يَنْفَعِلُ انْفِعالًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ ويَتَدَهْدَهُ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، ثُمَّ رَسَّخَ هَذا الِانْفِعالَ التّامَّ بِأنَّ ذَلِكَ هو مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، مِن طَواعِيَتِهِ وانْقِيادِهِ لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، فَكَنّى بِالخَشْيَةِ عَنِ الطَّواعِيَةِ والِانْقِيادِ؛ لِأنَّ مَن خَشِيَ أطاعَ وانْقادَ.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: هَذا فِيهِ وعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أفْهَمَ أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ أفْعالٌ فاسِدَةٌ وأعْمالٌ قَبِيحَةٌ، مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُعانَدَةِ رُسُلِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ أعْمالِهِمْ، بَلْ هو تَعالى يُحْصِيها عَلَيْهِمْ، وإذا لَمْ يَغْفُلْ عَنْها كانَ مُجازِيًا عَلَيْها. والغَفْلَةُ إنْ أُرِيدَ بِها السَّهْوُ، فالسَّهْوُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ بِها التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ، فَذَكَرُوا أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَنَفى اللَّهُ تَعالى الغَفْلَةَ عَنْهُ. وانْتِفاءُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لا يُمْكِنُ مِنهُ عَقْلًا، ولِكَوْنِهِ لا يَقَعُ مِنهُ مَعَ إمْكانِهِ. وقَدْ ذَهَبَ القاضِي إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لَيْسَ بِغافِلٍ، قالَ: لِأنَّهُ يُوهِمُ جَوازَ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ؟ وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، فَقَدْ نَفى عَنْهُ تَعالى ما لا يَسْتَلْزِمُ إمْكانَهُ لَهُ. وبِغافِلٍ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنْ تَكُونَ ما حِجازِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنْ تَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً، فَدَخَلَتِ الباءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وسَوَّغَ ذَلِكَ النَّفْيُ. ألا تَرى أنَّها لا تَدْخُلُ في المُوجَبِ ؟ لا تَقُولُ: زَيْدٌ بِقائِمٍ، ولا: ما زَيْدٌ إلّا بِقائِمٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِغافِلٍ في مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ ما، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَّمِيمِيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ، مِن أنَّ الباءَ مَعَ التَّمِيمِيَّةِ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً، لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ فِيما عَلِمْناهُ، بَلِ القائِلُونَ قائِلانِ، قائِلٌ: بِأنَّ التَّمِيمِيَّةَ لا تَدْخُلُ الباءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقائِلٌ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجَرَّ بِالباءِ، وهو الصَّحِيحُ. وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎لَعَمْــرُكَ مَــا مَعْـنٌ بِتَــارِكِ حَقِّــهِ
وأشْعارُ بَنِي تَمِيمٍ تَتَضَمَّنُ جَرَّ الخَبَرِ بِالباءِ كَثِيرًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتّاءِ، وهو الجارِي عَلى نَسَقِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَكُونُ ذَلِكَ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِنَ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: (يَعْمَلُونَ) . وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ أعْرَضَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، وأبْرَزَهم في صُورَةِ مَن لا يُقْبَلُ عَلَيْهِمْ (p-٢٦٨)بِالخِطابِ، وجَعَلَهم كالغائِبِينَ عَنْهُ؛ لِأنَّ مُخاطَبَةَ الشَّخْصِ ومُواجَهَتَهُ بِالكَلامِ إقْبالٌ مِنَ المُخاطِبِ عَلَيْهِ، وتَأْنِيسٌ لَهُ، فَقَطَعَ عَنْهم مُواجَهَتَهُ لَهم بِالخِطابِ، لِكَثْرَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المُخالَفاتِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ فُصُولًا عَظِيمَةً، ومُحاوَراتٍ كَثِيرَةً، وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شافَهَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ، وذَلِكَ امْتِحانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم، فَلَمْ يُبادِرُوا لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجُوا ذَلِكَ مُخْرَجَ الهُزُؤِ، إذْ لَمْ يَفْهَمُوا سِرَّ الأمْرِ. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرُوا بِالِامْتِثالِ، فَأجابَهم مُوسى بِاسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ الَّذِي أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ جَهِلَ، فَيُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الهُزُؤِ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي غَيْرِهِ، هو يَسْتَعِيذُ مِنهُ، فَرَجَعُوا إلى قَوْلِهِ، وتَعَنَّتُوا في البَقَرَةِ، وفي أوْصافِها، وكانَ يُجْزِئُهم أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، إذِ المَأْمُورُ بِهِ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ، فَسَألُوا ما هي ؟ وسَألُوا مُوسى أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُبَيِّنَها لَهم، إذْ كانَ دُعاؤُهُ أقْرَبَ لِلْإجابَةِ مِن دُعائِهِمْ، فَأخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسِنِّها. ثُمَّ خافَ مِن كَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، ومِن تَعَنُّتِهِمْ، كَما جاءَ: «إنَّما أهْلَكَ بَنِي إسْرائِيلَ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ» فَبادَرَ إلى أمْرِهِمْ بِأنْ يَفْعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ، حَتّى قَطَعَ سُؤالَهم، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى أمْرِهِ، وسَألُوا أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى ثانِيًا عَنْ لَوْنِها، إذْ قَدْ أُخْبِرُوا بِسِنِّها، فَأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى بِلَوْنِها، ولَمْ يَأْمُرْهم ثانِيًا أنْ يَفْعَلُوا ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، إذْ عَلِمَ مِنهم تَعَنُّتَهم، لِأنَّهم خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وخالَفُوا أمْرَ مُوسى ثانِيًا في قَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] . فَلَمْ يَكُنْ إلّا أنْ أبْقاهم عَلى طَبِيعَتِهِمْ مِن كَثْرَةِ السُّؤالِ. فَسَألُوا ثالِثًا أنْ يَسْألَ اللَّهَ عَنْها، فَأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى بِحالِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَمَلِ وباقِي الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها، فَحِينَئِذٍ صَرَّحُوا بِأنَّ مُوسى جاءَ بِالحَقِّ الواضِحِ الَّذِي بَيَّنَ أمْرَ هَذِهِ البَقَرَةِ، فالتَمَسُوها حَتّى حَصَّلُوها وذَبَحُوها امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بَعْدَ تَرْدِيدٍ كَثِيرٍ وبُطْءٍ عَظِيمٍ، وقَبْلَ ذَلِكَ ما قارَبُوا ذَبْحَها، بَلْ بَقُوا مُتَطَلِّبِينَ أشْياءَ لِيَتَأخَّرَ عَنْهم تَحْصِيلُها وذَبْحُها.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِقَتْلِ النَّفْسِ، وتَدافُعِهِمْ فِيمَن قَتَلَها، واخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ، فَأُمِرُوا بِأنْ يَضْرِبُوا ذَلِكَ القَتِيلَ بِبَعْضِ هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ، فَضَرَبُوهُ فَحَيِـيَ بِإذْنِ اللَّهِ، وانْكَشَفَ لَهم سِرُّ أمْرِ اللَّهِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ، وأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ المُعْجِزِ الخارِقِ ما يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ الدّالُّ عَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الإحْياءِ يُحْيِـي المَوْتى، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإحْياءَيْنِ في مُطْلَقِ الإحْياءِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ يُرِيهِمْ آياتِهِ، لِيَنْتِجَ عَنْ تِلْكَ الإراءَةِ كَوْنُهم يَصِيرُونَ مِن أُولِي العَقْلِ، النّاظِرِينَ في عَواقِبِ الأُمُورِ، المُفَكِّرِينَ في المَعادِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى مُشاهَدَتِهِمْ هَذا الخارِقَ العَظِيمَ، ورُؤْيَتِهِمُ الآياتِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأثَّرُوا لِذَلِكَ، بَلْ تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ عَكْسُ مُقْتَضاهُ مِنَ القَسْوَةِ الشَّدِيدَةِ، حَتّى شَبَّهَ قُلُوبَهم بِالحِجارَةِ، أوْ هي أشَدُّ مِنَ الحِجارَةِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ الحِجارَةِ بِالتَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ، عَلى أنَّ الحِجارَةَ تَفْضُلُ قُلُوبَهم في كَوْنِ بَعْضِها يَتَأثَّرُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ ويَتَدَهْدَهُ، وكَوْنِ بَعْضِها يَتَشَقَّقُ فَيَتَأثَّرُ تَأْثِيرًا قَلِيلًا، فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ، وكَوْنِ بَعْضِها خُلِقَ مُنْفَرِجًا تَجْرِي مِنهُ الأنْهارُ، وقُلُوبُهم عَلى سَجِيَّةٍ واحِدَةٍ، لا تَقْبَلُ مَوْعِظَةً، ولا تَتَأثَّرُ لِذِكْرى، ولا تَنْبَعِثُ لِطاعَةٍ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا اجْتَرَحُوهُ في دارِ الدُّنْيا، بَلْ يُجازِيهِمْ بِذَلِكَ في الدّارِ الأُخْرى. وكانَ افْتِتاحُ هَذِهِ الآياتِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ، واخْتِتامُها بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفُلُ. فَهو العالِمُ بِمَنِ امْتَثَلَ، وبِمَن أهْمَلَ، فَيُجازِي مُمْتَثِلَ أمْرِهِ بِجَزِيلِ ثَوابِهِ، ومُهْمِلَ أمْرِهِ بِشَدِيدِ عِقابِهِ.